<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.95.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.95.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٩٥ بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٤ البيزرة وكتاب فيه مدخل البحث بين جمادى ورجب سنة ١٣٣٢ دعاني ورفيقين لي في النجف سادن إلى دار له لصق مسور المشهد العلوي فنثر بين أيدينا من الأجلاد والأوراق والأجزاء والطباق ما أرانا العجب والعجاب. نفيسات آثار شعثها الإهمال وطمسها الابتذال، منبوذة في ناحية غامضة نبذك سقط المتاع ملقاة نالت منها الأرضة والحشرات أضعاف ما اقتبسته العقول النيرات. وقد علاها من الزبل وسلح الطيور ونحوها ما غيّر محاسنها وأخلق كريم دباجتها. فأنتشنا من الجملة الجزء الأول من نواظر العيون في مختصر تذكرة ابن حمدون المتوفى سنة ٥٦٢ لم نعرف صاحبه غير أنه صنع برسم الخدمة المولوية السلطانية الصالحية خطه حسن جداً يرتقي إلى القرن السابع. وأورد في كشف الظنون منتخب الفنون في مختصر تذكرة ابن حمدون وهو مختصر آخر والأصل من أمهات دواوين الأدب والتاريخ. قطعة من كتاب في المقصور والممدود من أجود ما جُرِدَ في هذا المعنى بخط قديم مشكول. شرح أبي الحسن علي بن أحمد الواحدي المتوفى سنة ٤٦٨ على ديوان المتنبي ربما ارتقى نسخه إلى عصر المؤلف أو ما يدانيه. كتاب السكردان تأليف ابن أبي حجلة المتوفى سنة ٧٧٦ مخطوطاً على عهد المؤلف. كتاب البيزرة وهو من حيث الموضوع أهم الجميع فأثرت نعته ونشر شيء منه للقراء غير أن هذا يستلزم إيراد كلمة عن هذه اللفظة في اللغّة وفي الآثار. لفظة البيزرة في اللغة البيزرة والبزدرة بمعنى صناعة سياسة البزاة أو حرفة القيام على الجوارح وتعهد عتاق الطير من المفردات الدخيلة في كلام العرب وهي من قولهم بيزار معرب باز - يار أي صاحب الباز أو من قولهم بزدار معرب باز - دار أي ذي الباز في الفارسية أو أن بازيار وبازدار لغتان. وقيل أنها بالدال مولدة وأن الأصل بيزار قال الكميت: كأن سوابقها في الغبار صقور تعارض بيزارها وبالدال جاءت في قول أبي فراس ثم تقدمت إلى الفهاد والبازداريين باستعدادِ  ويكثر في لسان العلماء والفصحاء دوران بازيار وبيزار جمعوها في التكسير والتصحيح على بيازرة وبازياريين وبازيارّية. على أن للعرب الأقحاح أن يستعملوا مكان بازيار الأعجمية لفظة بياز العربية الصرفة دلالة على اتساع ذرع لغتهم وعدم ضيق عطفها في شيء وقد قالت العرب في قياس قولهم بيّاز صقّار وعقاب لقيم الصقورة والعقبان كما قالوا في هذا الباب كلاب وفهّاد وفيّال ونحو ذلك وهو متداول مشهور. وإنما أضاف اللغويون صناعة البيزرة إلى البزاة مع أنها تتناول غيرها من الجوارح لأن البزاة أجرأها وأجزاها وابتغها أثراً في الصيد. وقد كان لهذا العلم عندهم شأن خطير. علم البيزرة عند العرب تلقى العرب صناعة البيزرة على ما يظهر من آثارهم عمن تقدمهم والمرجح أنهم عرفوها أولاً بسليقتهم واختبارهم لمزاولتهم تغرية سباع الطير. على أن ملوكهم فضلوا الصقور على ما دونها وقلما روي شريف من العرب يستحسن حمل الباز لأن ذلك من عمل البازيار بخلاف الصقور والشواهين. ولا يدري لذلك علة إلا أن الصقر عندهم عربي والباز أعجمي ثم لما نضجت مدنيتهم أضافوا إلى ما عندهم ما وجد في كتب اليونان والفرس والرومان عن هذه الصناعة فسبيلهم فيها سبيل البيطرة وقد تلحق بها وتعد بمكان الفرع منها. وما أوثق لحمة النسب عندهم بين البيطرة والبيزرة أو بين طب الخيل أو طب الطير بل وطب الإنسان. فكل طب. وربما دونّوا الثلاثة في ديوان وأشركوها في عنون. وقد مضى لهذه الحرفة شان كبير في حدثان ما كان من دولة العباسيين فبلغ من عنايتهم بها وأهلها أن رسموهم في الأعطيات والفرائض فأخصبوا وأفادوا أكثر من كثير في المهنة وأرباب الصناعات حتى قالوا إن البيازرة أغنى ممن يبتاع منهم وجاء في قائمة نفقات المعتصم (سنة ٢٧٩ - ٢٩٥ ) خمسمائة دينار مشاهرة أصحاب الصيد من البازياريين والكلابزيريين وثمن الطعم والعلاج وقيل كانت مياومتهم سبعين ديناراً. ثم أن هذه الصناعة نفذت فيما نفذ من علوم المشرق إلى الأندلس بالمغرب فعني بحملتها بعض أمراء تلك الديار منهم نجم بن طرفة (سنة ٣٣٠ ) الملقب صاحب البيازرة وهو على ما يظهر من أهل التأنق في المعيشة. ولما لم تكن البيزرة من الصناعات الضرورية التي عمت بها البلوى عندهم تراجعت وتأخرت وقلت بل انتفت تدريجياً دراستها من حيث أنها فن من الفنون المدونة فدرست أو كادت حتى أن المتكلمين على تاريخ الفنون والآداب العربية لم يشيروا إليها في الأغلب. وأصبح من لهم العناية بأمور الجوارح على قلتهم يربونها تربية مأخذها التجربة والاختبار لا الصحف والآثار كما يشاهد الآن في بعض الأقطار العربية والأعجمية. هذا وقد عرف في الطبقة الأولى جماعة من مشاهير البيازرة. مشاهير البيازرة إنه لشيء لا ينقضي العجب منه أن يكون بين أئمة هذا الفن عند العرب مثل الغطريف ممن صحب الرشيد. هاشم. أدهم بن محرز. سعد بن عقير يستشهد بأقوالهم ويحتج برواياتهم وأنقالهم ثم لا يتسع لهم مجال كتب الترجمة والتاريخ وتضيق عنهم صدور المعاجم معاجم الأطباء والحكماء. وإنما يجيء ذكرهم عرضاً في بعض الآثار الموضوعة في صناعتهم سموهم فيها تسمية مجردة. وقد سموا غير من مرّ من أعلام البيازرة. سومارس. صرغيث النبطي. ابن العوام لعله أبو زكريا يحيى بن محمد بن العوام صاحب كتاب الفلاحة نقله عن اليونانية. قسطوس الرومي لعله قسطوس بن اسكور صاحب كتاب الفلاحة الرومية وهم كالمجاهيل أغفلهم أصحاب معاجم الأعلام والطبقات مع أن بعضهم من رجال صدر الدولة العباسية ويغلب على الظن أن بعضهم من السريانيين المستعربين الذين كثر بينهم حذقة العلوم القديمة ونقلتها إلى العربية إذ ذاك. البيزرة في الكتب قلما تكلم على البيزرة من الوجهة العلمية عالم أو أديب في كتاب اللهم إلا الشيخ داوود الأنطاكي المتوفى سنة ١٠٠٨ فقد أملى فيها نحو أربع قوائم من التذكرة مورداً في ترجمتها لفظ بزدرةناقلاً عن أهل هذا الفن معترفاً بقلتهم. وأورد فيها الحاج خليفة المتوفى سنة ١٠٦٨ ثلاثة أسطر فقط نقلاً عن جامع السعادة لطاشكبري زاده بلفظ بيزرة والظاهر أنه لم يقف على كلام الأنطاكي وإلا لزاد. وفي بعض الكتب الفارسية عنها شيء لعله منقول على العربية مثل ما في كتاب تحفة المؤمنينتأليف حكيم مؤمنمن المتأخرين وفي دائرة البستاني عنها كلمة لم تستوعب عموداً ترجمتها بزدرة. وقد تكلم على طباع الضواري والسباع من الطيور استطراداً لا من باب الخوض والتشمير في الفن جماعة منهم المسعودي في مروج الذهب والقزويني في عجائب المخلوقات والدميري في حياة الحيوان وغيرهم في غيرها كثير. الكتب في البيزرة إن مجموعة ما ألفيناه من الكتب المجردة في البيزرة ضئيلة جداً إليك أهمها. كتاب البزاة والصيد تأليف الأمير أبي دلف العجلي المتوفى سنة ٢٢٥ القانون في البيزرة في الخزانة التيمورية وفي كشف الظنون نقلاً عن جامع السعادة أنه كاف في هذا العلم وسماه القانون الواضح ولم يسموا المؤلف. أنس الملا بوحش الفلا في البزدرة تأليف محمد بزمنكلي نقيب الجيش المصري ي أواخر القرن الثامن رقمه ٢٨٣٤ في خزانة باريس. رسالة في البزدرة تأليف قابادانيوس الحكيم الفيلسوف تاريخ نسخها سنة ٩٢٣ في هذه الخزانة. القواعد المحبرة في البيطرة والبزدرة للأنطاكي وهناك آثار تعمم الصيد بالكلاب والنبل والنشاب وهي كثيرة ولا قمس الموضوع مساس الكتب المتقدمة نذكر من جملتها كتاب المصائد والمطارد تأليف أبي الفتح كشاجم المتوفى سنة ٣٣٠ انتهاز الفرص في الصيد والقنص للشيخ تقي الدين بن حمزة بن عبد الله الناشري ألفه بزبيد سنة ٩١٠ مناهج السرور والرشاد في الرمي والسباق والصيد والجهاد تأليف زين الدين عبد القادر ابن أحمد بن علي الفاكهي رقمه ٢٨٣٤ من خزانة باريس. وقد وصف كواسب الطير وكواسرها ونعت أحرارها ومصرحاتها وكيفية تخليتها وإرسالها ونحو ذلك مما نحن فيه فريق من شعراء العرب أشهرهم أبو نواس وأبو فراس والناشي وكشاجم وصفي الدين في قصائد مزدوجة سميت الطردياتوهي مشهورة. ومن أهم ما عثرنا عليه من كتب هذا الفن كتابنا في البيزرة. كتابنا في البيزرة أول شيء في هذا الكتاب إغفال تسمية مؤلفه فيه وأنه خال من البسملة والحمدلة عار من تقديم مقدمة قبل الشروع في المقصود. وعلة ذلك أخرجناها فيما قدمنا من انقطاع دابر هذا الفن وأهله حتى لم تتألف من مشاهيرهم إلا طبقة محدودة ما أدركنا منها إلا الأسماء المجردة سيما وكثير منهم من غير أهل الإسلام. وليس هذا الكتاب ما ألف للإسكندر الرومي ثم نقل إلى العربية كما يظهر مما جاء على ظهره وهذا نصه كتاب البيزرة صنف الحكماء المتقدمين للملك الإسكندر الرومي وهو كتاب عجيب مما يصلح بالملوك إذ لابد لكل ملك من مسير إلى صيد بأحد هذه الطيور الجوارح والذي أوقع الوراقين في هذا الوهم ما ورد في نحو الكتاب من إن ثقات الروم من أهل المعرفة ذكروا أن الإسكندر الرومي قال للحكماء المحتفين بخدمته أريد أن تعرفوني بطبيعة الباز وأمراضه وعلامة كل مرض ودائه وهل طبيعة الباز تقارب طبيعة الآدمي أم لا؟. وأنت تعلم قصور هذه العبارة فيما يدعون. كيف وفي الكتاب نقل كثير عن حكماء العرب والمستعربين ومنهم من صحب الرشيد!! فالكتاب إذاً من طرائف عصر عربي راق كما يظهر أيضاً من أسلوب إنشائه السهل الممتنع البليغ. ولا يبعد أن يكون مؤلفه من رجال أواخر القرن الثالث أو أوائل الرابع للهجرة. يدلنا على ذلك أن المسعودي المتوفى سنة ٣٤٦ أورد في مروج الذهب عن الجوارح فصلين نرجح أنهما منقولان عن هذا الكتاب باختلاف يسير كما سيقع الإيماء إلى ذلك. وروى لنا خبير أن في خزانة باريس كتاب رقمه ٢٨٣١ بدون اسم إلا أنه كتب على ظهره بخط غير خطه كتاب الجوارح والبزدرة تصنيف الفيلسوف أبو بكر ابن يوسف بن أبي بكر بن حسن بن محمد القاسمي القرشي العلوي الأشعري تاريخ كتابه سنة ٨٤٨ هـ. فاسم هذا الكتاب طبق المحز وأصاب المفصل من الكتاب الماثل أمامي الآن لكن لا تزال حقيقة مؤلفة مبهمة مجهولة. هذا وكتابنا جزآن أو مقالتان في المقالة الأولى ٥٢ باباً في تاريخ الصيد بالجوارح وتقسيمها إلى أقسامها وكيفية تربيتها وسياستها ثم إرسالها على غايتها وفي المقالة الثانية ٦٣ باباً في أدواء الجوارح وعللها وما يتخذ لعلاجها من المركبات فجملة الأبواب ١١٥ باباً في حجم ١٤٥ قائمة أو ٢٩٠ صحيفة صغيرة مخطوطة خطاً واضحاً متأخراً االيطه يخطائها العد وفي آخره وقع الفراغ من كتابة هذه البيزرة نهار السبت ١٠ جمادى الأخرى سنة ١٢٠١ من الهجرة على يد ملامط بن عبد الله الطرفي. الشاعر درست طباع الناس في الشرق والغرب وميّزت ما بين العريزيّ والكسبي وخضت غمار الوهم في كل مطلبٍ وجبت فلاة الحق في شوطها الصعب وعاينت من أهل الفنون عجائباً غرائب تدعو للتعجب والعجب فلم أر مثل ابن القوافي فقد حرى عجائب أضاد يحار بها قلبي يطوف بلاد الله وهو بأرضه ويفتتح الدنيا وحيداً بلا حرب وينفر حتى لو أتاه حبيبه لأعرض عن هذا الحبيب بلا ذنب ويؤنس حتى تلتقي الطير حوله وتلفظ منه ما أعد من الحب ويهدي إلى سبل الرشاد وأنه ليحسبه أهل العقول بلا لب ويتخذ الناس الأرائك مقعداً وما راقه إلا بساط من العشب ويسمو إلى شهب النجوم محلقاً إليها بحراج التصور والجذب ويوشك لا كفر أن يرقى إلى السما ويطمع حتى بالمثول لدى الرب ويجمع ما بين النقيضين قلبه كما يتلاقى الهدب في النوم بالهدب فيجعل نجم الأرض مع أنجم العلى ويجعل نجم الأفق مع أنجم الترب ويسكر حتى لا يفيق بلا طلى ويصحب أهل الأرض وهو بلا صحب ويقنعك البيت الوحيد سكنته ويبني ألوفاً لا يقول بها حسبي يرى في ظلام الليل والشمس غرّبت ويعمى وما مالت إلى جهة الغرب وإن أعوزته الراح في خلواته ترشفها بالوهم من وجنة الحب ويا طالما صاغ الدراري فزينت عروس أمانيه بعقدٍ من الشهب يحن بلا قلب ويشفى بلا عنا ويبكي بلا ثكل ويهوى بلا قلب فكذب بلا إثم وبأس بلا قوى وسكر بلا خمر وشغل بلا كسب فمن كان يزري بانقريض فإننا رضينا من الدنيا بتعذيبه العذب ومن كان يستحلي من الشعر كذبه فهذه حياة الشاعرين بلا كذب قوائم المكاتب العربية انتبه الإنسان حينما بدأ يجمع الكتب منذ القديم إلى وضع قوائم أو فهارس أو برنامجات لتعريف الكتب بأسمائها وموضوعاتها وأسماء مؤلفيها ومختصر تراجمهم ووصفها وما يتعلق بذلك من الشؤون اللازمة لتميزها وتعريفها. ولقد وضعت الفهارس المشهورة في مجلدات كثيرة ضخمة الجوانح الطبيعية فنالها ما نال غيرها من الكتب من السبي والنهب والحرق والإغراق في المياه والتمزيق ونحو ذلك ففقدت تلك الفهارس أو القوائم وفقد معها تعريف المكاتب ومحتوياتها مثل مكاتب العجم والعرب في العراق والشام ومكاتب مصر والمغرب والأندلس فاحتجنا إلى الطواف في البلدان والتقصي في البحث لنقف على شيء منها وهي أعز من الكبريت الأحمر لكن المطابع أظهرت لنا بعضها ومن أقدم القوائم ما وضع يمكاتب العباسيين في زمن الرشيد وولده المأمون كما يستفاد من كتاب الفهرست لابن النديم إذ أنه أعتمد على مثل هذه القوائم في وضع كتابه وهكذا نشأ فن وصف المؤلفات والمؤلفين بحسب كلف الأدباء بالمطالعة واقتناء الخزائن ومن أهم هذه المؤلفات في وصف الكتب ما وضع قبل عصر النهضة الحديثة وهو: شاهدت بجامع العديس بأشبيلية ربعة مصحف في أسفار ينحى بها نحو خطوط الكوفة إلا انه أحسن خطاً وأبينه وأبرهه وأتقنه. فقال له الشيخ الأستاذ أبو الحسين ابن الطفيل بن عظيمة هذا خط ابن مقلة. . . . . . ثم قسنا حروفه بالضابط فوجدنا أنواعها تتماثل في القدر والوضع فالألفات على قدر واحد واللامات كذلك والكافات والواوات وغيرها بهذه النسبة انتهى فيستدل من هذا الوصف أن فهرست السكوني في الكتب لأنه وصف المصحف وصف الخازن أو الفهرسيّ. وعلى الجملة فإن القدماء اعتنوا بفهارس الكتب التي حفلت بها مكاتبهم فرتبوها في رفوف وخزائن حسب مواضيعها أو على حروف المعجم ووضعوا عليها أرقاماً نمراً ربطوها في القوائم بها لزيادة الضبط. وقد يعرفّون المؤلفات والمؤلفين أحياناً بما يزيل الإبهام أو يكاد لتوارد الخواطر في التسمية وتغيير أسماء المصنفات بحسب الدواعي حتى أن بعض الكتب لها أكثر من أسمين مختلفين وكذلك يقال في المؤلفين وتراجمهم. وقد يطيلون في البحث عن أشياء ليست من أغراض مؤلفي القوائم فيذهبون بالمطالع بين سهول المباحث وحزونها. كما فعل ابن النديم في أبحاثه عن الصابنة وماني وخرافات القدماء مما ليس تحته كبير فائدة مثلما فاه في أبحاثه عن الفلسفة والفلاسفة ونقله الكتب فهي وإن كانت تتجاوز غرضه فتحتها فوائد جديرة بالمطالعة وكذلك فعل صاحب الكشف في بعض مواضيعه وقد يقتضبون الكلام عن المؤلفات كما فعل ابن النديم في معظمها بخلاف صاحب الكشف. وقد يعرّفونها بما يفي بحاجة الباحث مثل تعريف ابن النديم لكتاب المنتهى في الكمال صفحة ١٣٧ وذكر فهرست آخر صفحة ١٠٧ وقد يذكرون أثمان الكتب كما وقع لابن النديم في صفحتي ٢٥٢ و ٢٥٣ وغيرهما وصاحب الكشف ٣٣٥ : ١ من طبعة الأستانة وقلما يشيرون إلى الخزائن التي توجد فيها المؤلفات إلا في القليل كما فعل صاحب الكشف في بعض المواضع. وكذلك يفعلون سني التأليف والنسخ وما على الكتب من الحواشي إلا ما يورده صاحب الكشف أحياناً. وعلى الجملة فإن لهذه القوائم القديمة مزايا مفيدة ونواقص استدركها عليهم المعاصرون في ما وضعوه في قوائمهم المتقنة المعرفة للكتاب من حيث حجمه وقطعه وخطه وصفحاته وما في كل منها من الأسطر وعدد كلمات كل سطر وموضوع الكتاب ونقل شيء منه وذكر أقسامه وفصوله وما تبحث عنه في كل ذلك. ثم تعريف المؤلف ومختصر ترجمته وسنة وفاته وما اشتهر به ووضعه من المؤلفات الأخرى. والإشارة إلى ناسخ الكتاب وسنة نسخه ونوع خطه. ومعارضة النسخة بغيرها وذكر ثمنه وتجليده وورقه إلى ما يساوق هذه الأبحاث المفيدة المختومة بفهارس مختلفة لتسهيل المطالعة ويتيسر العثور على المطلوب بأقرب وقت. ومعرفة المؤلفات والمؤلفين من نظرة خفيفة. ما فيه اقتصاد وقتي ودقة نظر وصحة بحث. وفي قوائم المحدثين تدقيقات جديرة بالمطالعة كما سترى في مقالة أخرى خصصت بقوائمهم. فوات نهج البلاغة لمولانا أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب عليه السلام من الحكمة البالغة التي تتجلى ببرود البلاغة الرائعة ما لا يجهله ذو مسكة من البيان العربي. وهو مع كونه غذي بدر النبوة وارتضع أفاويق الحكمة فهو بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أبلغ الهاشميين الذين هم مهبط القرآن ومعدن الإعجاز في البيان وهم أفصح قريش الذين هم أفصح العرب على الإطلاق. وقد عني الشريف الرضي الموسوي في جمع ما عثر عليه من كلامه عليه السلام في كتابه نهج البلاغة فكان هذا الكتاب نبراساً للمتأدبين ومنهجاً لاحباً للطالبين وتوفرت العناية في دراسته من طالبي الحكمة الأخلاقية أو الملكات اللغوية أو السلائق البيانية. وقد عثرت في مطالعاتي على كلام له عليه السلام لم يذكر كله أو جله في نهج البلاغة فأحببت أن أتحف قراء المقتبس بهذه الدرر الحكيمة والجواهر الكريمة خدمة للعلم فقد أخرج الشيخ الإمام محمد بن محمد بن النعمان المعروف بأبي عبد الله الحفيد المولود سنة ٣٣٨ والمتوفى سنة ٤١٣ في كتابه المعروف بالإرشاد جملة صالحة من كلامه في مواضع شتى إليك بعضها مع شرح وجيز لها. من كلام عليه السلام في وجوب المعرفة بالله تعالى والتوحيد لهونفي التشبيه عنه والوصف لعدله فمن ذلك ما رواه أبو بكر الهزلي عن الزهري عن عيسى بن زيد عن صالح بن كيسان أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في الحث على معرفة الله سبحانه والتوحيد له. أول عبادة الله معرفته وأصل معرفته توحيده ونظام توحيده ففي التشبيه عنه جل عن أن تحله الصفات لشهادة العقول أن كل من حلته الصفات مصنوع وشهادة العقول أنه جل وعلا صانع ليس بمصنوع بصنع الله يستدل عليه وبالعقول يعتقد معرفته وبالنظر تثبت صحته جعل الخلق دليلاً عليه فكشف به عن ربوبيته هو الواحد الفرد في أزليته لا شريك له في آلهته. ولا ندّ له في ربوبيته بمضادته بين الأشياء المتضادة علم أن لا ضدّ له وبمقارنته بين الأمور المقترفة علم أن لا قرين له في كلام طويل. ومما حفظ عنه في نفي التشبيه عن الله تعالى ما رواه الشعبي قال سمع أمير المؤمنين عليه السلام رجلاً يقول والذي احتجب بسبع طباق فعلاه بالدرة ثم قال له: يا ويلك أن الله أجل من أن يحتجب عن شيء أو يحتجب عنه شيء سبحان الذي لا يحويه مكان في الأرض ولا في السماء. فقال الرجل أفأكفّر عن يميني يا أمير المؤمنين قال عليه السلام لا أنك لم تحلف بالله فتلزمك كفارة الحنث وإنما حلفت بغيره. ومن كلامه: روى الحسن بن أبي الحسن البصري قال: جاء وجل إلى أمير المؤمنين بعد انصرافه من صفين فقال له يا أمير المؤمنين أخبرني عما كان بيننا وبين هؤلاء القوم من الحرب أكان بقضاء من الله وقدر فقال له أمير المؤمنين عليه السلام ما علوتم تلعة ولا هبطتم وادياً إلا والله فيه قضاء وقدر فقال الرجل فعند الله احتسب عنائي يا أمير المؤمنين فقال له ولم قال إذا كان القضاء والقدر ساقانا إلى العمل فما وجه الثواب لنا على الطاعة وما وجه العقاب لنا على المعصية فقال له أمير المؤمنين عليه السلام: أو ظننت يا رجل أنه قضاء حتم وقدر لازم لا تظن ذلك فإن القول به مقال عبدة الأوثان وحزب الشيطان وخصماء الرحمن وقدرية هذه الأمة ومحبوسها إن الله جل جلاله أمر تخييراً ونهى تحذيراً وكف يسيراً ولم يطع مكرهاً ولم يعص مغلوباً ولم يخلق السماء والأرض وما بينهما باطلاً ذلك ظن الذين كفروا بربهم فويل للذين كفروا من النار. فقال الرجل فما القضاء والقدر الذي ذكرته يا أمير المؤمنين قال الأمر بالطاعة والنهي عن المعصية والتمكين من فعل الحسنة وترك السيئة والمعونة على القربة إليه والخذلان لمن عصاه والوعد والوعيد والترغيب والترهيب كل ذلك قضاء الله في أفعالنا وقدره لأعمالنا فأما غير ذلك فلا تظن فإن الظن له محبط للأعمال فقال الرجل فرجت عني يا أمير المؤمنين فرج الله عنك وأنشأ يقول أنت الإمام الذي نرجو بطاعته يوم المآب من الله غفرانا أوضحت من ديننا ما كان ملتبساً جزاك ربك بالإحسان إحسانا  ومن كلامه في الدعاء إلى معرفته وبيان فضله وما ينبغيلمتعلم العلم أن يكون عليه ما رواه العلماء في الأخبار في خطبة منها والحمد لله الذي هدانا من الضلالة وبصرنا من العمى ومن علينا بالإسلام وجعل فينا النبوة وجعلنا النجباء وجعل إفراطنا إفراط الأنبياء وجعلنا خير أمة أخرجت للناس نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر ونعبد الله ولا نشرك به شيئاً ولا نتخذ من دونه ولياً فنحن شهداء الله والرسول شهيد علينا نشفع فنشفع فيمن شفعنا له وندعو فيستجاب دعاؤنا ويغفر لمن ندعو له ذنوبه أخلصنا لله فلم ندع من دونه ولياً. أيها الناس تعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الإثم والعدوان واتقوا الله أن الله شديد العقاب. أيها الناس إني ابن عم نبيكم وأولاكم بالله ورسوله فاسألوني ثم اسألوني فكأنكم بالعلم قد نفذ وأنه لا يهلك عالم إلا هلك معه بعض علمه وإنما العلماء في الناس كالبدر في السماء يضيء نوره على سائر الكواكب خذوا من العلم ما بدا لكم وإياكم أن تطلبوه بخصال أربع لتباهوا به العلماء أو تماروا به السفهاء أو تراؤوا به في المجالس أو تعرفوا وجوه الناس إليكم للترأس ولا يستوي عند الله في العقوبة الذين يعلمون والذين لا يعلمون ونفضنا الله وإياكم بما علمنا وجعله لوجه الله خالصاً انه سميع مجيب. ومن كلامه في وصفه العالم وأدب المتعلم رواه الحرث الأعور قال: سمعت أمير المؤمنين عليه السلام يقول من حق العالم ألا يكثر عليه السؤال ولا يعنت في الجواب ولا يلح عليه إذا كسل ولا يؤخذ بشوبه إذا نهضا ولا يشار إليه بيد في حاجة ولا يفشى له سر ولا يغتاب عنده أحد ويعظم كما حفظ أمر الله. ولا يجلس المتعلم إلا أمامه ولا يعرض من طول الصحبة وإذا جاءه طالب علم وغيره فوجده في جماعة عمهم بالسلام وخصّه بالتحية وليحفظ شاهداً أو غائباً وليعرف له حقه فإن العالم أعظم أجراً من الصائم القائم المجاهد في سبيل الله فإذا مات العالم ثلم في الإسلام ثلمة لا يسدها إلا خلف منه وطالب العلم تستغفر له الملائكة. ومن كلامه عليه السلام في أهل البدع ومن قال في الدين برأيهوهذه الخطبة ورد أكثرها في نهج البلاغة وفيها زيادات لم تذكر هناك فأوردناها برمته ما رواه ثقات النقل من الخاصة والعامة في كلام افتتاحه الحمد لله والصلاة على نبيه صلى الله وآله وسلم. أما بعد فذمتي بما أقول رهينة وأنا به زعيم انه لا يهيج على التقوى زرع قوم لا يظمأ عنه سنح أصل وإن الخير كله فيمن عرف قدره وكفى بالمرء جهلاً أن لا يعرف قدره وأن أبغض الخلق إلى الله تعالى رجل وكله الله إلى نفسه جائز عن قصد السبيل مشعوف بكلام بدعة قد لهج فيها بالصوم والصلاة فهو فتنة لمن أفتتن به ضال عن هدي من كان قبله مضل لمن أقتدى به حمال خطايا غيره رهن بخطيئة قد قمش جهلاً في جهال عشوة غار باغباش الفتنة عمي عن الهدى قد سماه أشباه الناس عالماً ولم بغن فيه يوماً سالماً بكر فاستكثر مما قل منه خير مما كثر حتى إذا ارتوى من آجن واستكثر من غير طائل جلس للناس قاضياً ضامناً لتخليص ما التبس على غيره أن خالف من سبقه لم يأمن من نقض حكمه من يأتي بعده كفعله بمن كان قبله وإن نزلت به إحدى المبهمات هيأ لها حشواً من رأيه ثم قطع عليه. فهو من لبس الشبهات في مثل نسج العنكبوت لا يدري أصاب أم أخطأ. ولا يرى أن من وراء ما بلغ مذهباً. أن قاس شيئاً بشيء لم يكذّب رأيه وإن أظلم عليه أمراً اكتتم به لما يعلم من نفسه من الجهل والنقص والضرورة كيلا يقال أنه لا يعلم ثم أقدم بغير علم فهو خائض عشوات ركاب شبهات خبّاط جهالات لا يعتذر مما لا يعلم فيسلم. ولا يعض على العلم بضرس قاطع فيغنم. يذري الروايات ذرو الريح الهشيم تبكي منه المواريث وتصرخ منه الدماء ويستحل بقضائه الفرج الحرام ويحرم به الحلال لا يسلم بإصدار ما عليه ورد ولا يندم على ما منه فرط. أيها الناس عليكم بالطاعة والمعرفة بمن لا تعذرون بجهالته فإن العلم الذي هبط به آدم عليه السلام وجميع ما فضلت به النبيون إلى نبيكم خاتم النبيين. في عترة محمد صلى الله عليه وعلى آله فأين يتاه بكم بل إلى أين تذهبون يا من نسخ من أصلاب أصحاب السفينة هذه مثلها فيكم فاركبوها فكما نجا من هاتيك فكذلك ينجو من هذه من دخلها. أنا رهين بذلك قسماً حقاً وما أنا من المتكلفين والويل لمن تخلف ثم الويل لمن تخلف. أما بلغكم ما قال فيهم نبيكم صلى الله عليه وآله حيث يقول في حجة الوداع: إني تارك فيكم الثقلين ما تمسكتم بهما لن تضلوا بعدي كتاب الله وعترتي أهل بيتي وأنهما لن يفترقا حتى يردا على الحوض فانظروا كيف تخلفوني فيهما إلا هذا عذب فرات فاشربوا وهذا ملح أجاج فاجتنبوا. ومن كلامه عليه السلام في التزود للآخرة وأخذ الأحبة للقاء الله تعالىوالوصية للناس بالعمل الصالح ما رواه الثقات أنه كان ينادي في كل ليلة حين يأخذ الناس مضاجعهم بصوت يسمعه كافة أهل المسجد ومن جاوره من الناس. تزودوا رحمكم الله فقد نودي فيكم بالرحيل وأقلوا العرجة على الدنيا وانقلبوا بصالح ما بحضرتكم من الزاد فإن أمامكم عقبة كؤداً ومنازل مهولة لا بد من الممر بها والوقوف عليها فإما برحمة من الله نجوتم من فظاعتها وأما هلكة ليس بعدها انجبار يا لها حسرة على ذي غفلة أن يكون عمره عليه حجة وتؤديه أيامه إلى شقوة جعلنا الله وأيامكم ممن لا تبطره نعمة ولا تحل به بعد الموت نقمة فإنما نحن به وله وبيده الخير وهو على كل شيء قدير. ومن كلامه عليه السلام في التزهيد في الدنيا والترغيب في أعمال الآخرة يا ابن آدم لا يكن أكبر همك يومك الذي أن فاتك لم يكن من أجلك فإن همك يوم فإن كل يوم تحضره يأتي الله فيه برزقك وأعلم أنك لن تكتسب شيئاً فوق قوتك إلا كنت خازناً لغيرك يكثر في الدنيا به نصبك ويحظى به وارثك ويطول معه يوم القيامة حسابك فاسعد بمالك في حياتك وقدم ليوم معادك زاداً يكون أمامك فإن السفر بعيد والموعد القيامة والمورد الجنة أو النار. ومن كلامه عليه السلام في ذكر خيار الصحابة وزهادهم ما رواه صعصعة بن صوحان العبدي قال صلى بنا أمير المؤمنين عليه السلام ذات يوم صلاة الصبح فلما أسلم أقبل على القبلة بوجهه يذكر الله لا يلتفت يميناً ولا شمالاً حتى صارت الشمس على حائط مسجدكم هذا (يعني جامع الكوفة قيد رمح ثم أقبل علينا بوجه فقال: لقد عهدت أقواماً على عهد خليلي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلّم وأنهم ليراوحوا في هذا الليل بين جباههم وركبهم فإذا أصبحوا أصبحوا شعثاً غبراً بين أعينهم شبه ركب المعزى فإذا ذكروا الموت مادوا كما يميد الشجر في الريح ثم انهملت عيونهم حتى تبل ثيابهم ثم نهض عليه السلام وهو يقول: كأنما القوم باتوا غافلين. ومن كلامه ومواعظه وقد ذكرت في النهج على اختلاف بين روايتها هنا وهناك الموت طالب حثيث ومطلوب لا يعجزه المقيم ولا يفوته الهارب فأقدموا ولا تنكلوا فإنه ليس عن الموت محيض أنكم أن لا تقتلوا تموتوا والذي نفسى بيده لألف ضربة بسيف على الرأس أيسر من موتة على فراش. ومنها أيها الناس أصبحتم أغراضاً تنتصل فيكم المنايا وأموالكم نهب المصائب ما طعمتم في الدنيا من طعام فلكم فيه غصص وما شربتم من شراب فلكم فيه شرف وأشهد بالله ما تنالون من الدنيا نعمة تفرحون بها إلا بفراق أخرى تكرمونها. أيها الناس إنا خلقنا وإياكم للبقاء لا للفناء لكنكم من دار إلى دار تنقلون فتزودوا لما أنتم صائرون إليه وخالدون فيه والسلام. ومن كلامه عليه السلام في الدعاء إلى نفسه والدلالة على فضله ما رواه كثير من الخاصة والعامة وذكره أبو عبيدة معمر بن المثنى وغيره أن أمير المؤمنين عليه السلام قال في خطبة خطبها بعد بيعة الناس له على الأمر وذلك أبعد قتل عثمان بن عفان رضي الله عنه. أما بعد فلا يرعين مرح إلا على نفسه شغل من الجنة والنار أمامه ساع مجتهد وطالب يرجو ومقصر في النار ثلاثة واثنان ملك طار بجناحيه ونبي أخذ الله بيديه لا سادس هلك من ادعى وردي من اقتحم اليمين والشمال مضلة والوسطى الجادة منهج عليه باقي الكتاب والسنة وآثار النبوة إن الله تعالى داوى هذه الأمة بدوائين السوط والسيف لا هوادة عند الإمام فيهما فاستتروا بيوتكم وأصلحوا فيما بينكم والتوبة من ورائكم من أبدى صفحته للحق هلك قد كانت أمور لم تكونوا عندي فيها معذورين أما إني لو أشاء أن أقول لقلت عفى الله هما سلف سبق الرجلان وقام الثالث كالغراب همته بطنه ويله لو قص جناحاه وقطع رأسه لكان خيراً له انظروا فإن أنكرتم فأنكروا وإن عرفتم فبادروا حق وباطل ولكلّ أهل ولئن أمر الباطل فلقديماً فعل ولئن قلّ الحق فلربما ولعل وقل ما أدبر شيء فأقبل ولئن رجعت إليكم نفوسكم أنكم لسعداء وأني لأخشى أن تكونوا في فترة وما علي إلا الاجتهاد. إلا وأن إبرار عترتي وأطائب أرومتي أحلم الناس صغاراً وأعلم الناس كباراً ألا وأنا أهل بيت من علم الله علمنا وبحكم الله حكمنا وبقول صادق أخذنا فإن تتبعوا آثارنا تهتدوا ببصائرنا وإن لم تفلوا يهلككم الله بأيدينا معنا راية الحق من تبعها لحق ومن تأخر عنها غرق إلا وبنا تدرك ترة كل مؤمن وتخلع ربقة الذل من اعناقكم وبنا فتح الله لا بكم وبنا يختم لا بكم. ومن كلامه عليه السلام ما رواه عبد الرحمن بن جندب عن أبيه جندب بن عبد الله قال: دخل على علي ابن أبي طالب عليه السلام بالمدينة بعد بيعة الناس لعثمان فوجدته مطرقاً كئيباً فقلت له: ما أصاب قومك فقال: سبحان الله والله أنك لصبور قال فاصنع ماذا قلت: تقوم في الناس فتدعوهم إلى نفسك وتخبرهم أنك أولى الناس بالنبي صلى الله عليه وآله وسلم وبالفضل والسابقة وتسألهم النصر على هؤلاء المتمالئين عليك فإن أجابك عشرة من مائة شددت بالعشرة على المائة وإن دانوا لا كان ذلك على ما أحببت وإن أبوا قاتلتهم فإن ظهرت عليهم فهو سلطان الله الذي أتاه نبيه عليه الصلاة والسلام وكنت أولى به منهم وإن قتلت في طلبه قتلت شهيداً وكنت أولى بالعذر عند الله وأحق بميراث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. فقال: أتراه يا جندب يبايعني عشرة من مائة قلت: أرجو ذلك قال: لكني لا أرجو من كل مائة أثنين وسأخبرك من أين ذلك. إنما ينظر الناس إلى قريش وأن قريشاً تقول أن آل محمد يرون أن لهم فضلاً على سائر الناس وأنهم أولياء الأمر دون قريش وأنهم إن ولوه لم يخرج منهم هذا السلطان إلى أحد أبداً ومتى كان في غيرهم تداولتموه بينكم لا والله لا تدفع قريش إلينا هذا السلطان طائعين أبداً قال: فقلت له أفلا أرجع فأخبر الناس بمقالتك هذه فادعوهم إليك فقال لي: يا جندب ليس هذا زمان ذلك قال: فرجعت إلى العراق فكنت كلما ذكرت للناس شيئاً من فضائله ومناقبه وحقوقه زبروني ونهروني حتى دفع ذلك من قولي إلى الوليد بن عقبة ليالي ولينا فبعث إلي فحبسني حتى كلم فيّ فخلى سبيلي. ومن كلامه عليه السلام: لما توجه أمير المؤمنين عليه السلام إلى البصرة نزل الربذة فلقيه بها آخر الحاج فاجتمعوا ليسمعوا كلامه وهو في خبائه قال ابن عباس فأتيته فوجدته يخصف نعلاً فقلت له: نحن على أن تصلح أمرنا أحوج منا إلى ما تصنع فلم يكلمني حتى فرغ من نعله ثم ضمها إلى صاحبها وقال لي: قومّها فقلت: ليسر لهما قيمة قال على ذاك قلت كسر درهم قال: والله لهما أحب إلى من أمركم هذا إلا أن أقيم حقاً أو أدفع باطلاً. قلت: أن الحاج اجتمعوا ليسمعوا من كلامك فتأذن لي أن أتكلم فإن كان حسناً كان منك وإن كان غير ذلك كان مني قال لا أنا أتكلم ثم وضع يده على صدري وكان شثن الكفين فآلمني ثم قام فأخذت بثوبه وقلت: أنشدك الله والرحم قال: لا تنشد ثم خرج فاجتمعوا عليه فحمد الله وأثنى عليه ثم قال أما بعد فإن الله بعث محمداً صلى الله عليه وآله وليس في للعرب أحد يقرأ كتاباً ولا يدعي نبوة فساق الناس إلى منجاتهم أما والله ما زلت في ساقتها ما غيرت ولا بدأت ولا خنت حتى تولت بحذافيرها ما لي ولقريش أما والله لقد قاتلتهم كافرين ولأقاتلنهم مفتوقين وإن مسيري هذا عن عهد إليّ فيه أما والله لأبقرن الباطل حتى يخرج الحق من خاصرته ما تنقم منا قريش إلا أن الله اختارنا عليهم فأدخلناهم في حيزنا وأنشد وذنب لعمري شربك المحض خالصاً وأكلك بالزبد المقشرة التمرا ونحن وهبناك العلاء ولم تكن علياً وحطنا حولك البيض والسمرا دائرة المعارف الإسلاميةEncylopédie de l'Islam كتب الإفرنج كثيراً على الإسلام والمسلمين منذ دخلت العلوم عليهم واشتدت حاجة اجتماعهم واقتصادهم إلى معرفة ما عند الأمم المجاورة لهم ولكن معظم ما كتب لا ينم عن تحقيق. كتب من حاضر الوقت وما وجد للحال تحت اليد فجاء مختلاً من عدة وجوه وبين أكثره وبين الحقائق هوىً سحيقا زادها هوى النفوس وسرائر التعصب في تلك الأيام ولما قوية الإستشراق أو تعلم علوم المشرقيات بين الغربيين أخذ كلامهم على الإسلام وأهله يقرب من الحقيقة خصوصاً إذا كان الكاتب ممن لا ينطق عن غرض سياسي كما فعل سيديليو الفرنساوي في كتابه تاريخ العرب وفعل بروكلمان الألماني في كلامه على تاريخ آداب اللغة العربية وكما فعل بعض علماء المشرقيات من الألمان والنمساويين والمجريين والهولانديين والسويسريين وغيرهم. أمامنا الآن أمتع مؤّلف كتبه أهل الغرب عن المسلمين وبلادهم حتى هذا العصر وهو دائرة المعارف الإسلامية ظهر أولاً نموذجات منه باللغة الألمانية لأنها لغة العلم على الأكثر في أوربة الوسطى وبلاد السكاندنافيا وهولاندة فلم يسع فرنسا إلا أن توسلت بإخراج هذا العمل بلغتها أيضاً ونفحت الطابع مبلغاً من المال وكذلك فعلت انكلترا وها قد مضى ثماني سنين ولم يصدر من هذا الكتاب النفيس سوى عشرين كراساً وقع منها سبعة عشر في ٩ صفحة بدئت بحرب اوانتهت بحرف الثلاثة الباقية وقعت في ١٩٢ صفحة وهي في حرف وصل إلينا منها إلى قبيل الحرب مقالة كل بابا البكداشي. موضوعات الكتاب كلها منتقاة يكتبها عشرات من علماء المشرقيات المشهود لهم بسعة العلم وفضل العمل أو من طبقة ثانية منهم تلاحظ الطبقة الأولى ما يكتبون وكل من كتب مقالة أو مبحثاً ذيله باسمه ليكون ذلك أقرب إلى الثقة ولا يخلط المؤلف في شيء سيتناقل عنه. والكتاب معجم أو قاموس في جغرافية بلاد الإسلام وأصول شعوبها وتراجم رجال الأمة الإسلامية فترى كل موضوع وقد عهد إلى الأكفاء في تحبيره وتحريره مستوفىّ من كل وجه وفي أسفله المصادر التي نقل المؤلف منها والكتب الإفرنجية أو الشرقية التي أعتمد عليها. ومن أهم المقالات في هذه الدائرة الكبرى مقالة مصر وأفغانستان وجزيرة العرب والأندلس وأرمينية والبربر والفقه وغير ذلك من تراجم أعيان الأمة في القديم والحديث والتوسع في بلادها وسكانها توسعاً وسطاً ينظر فيه إلى جودة المادة على الأغلب. وإن دائرة معارف من جملة المساعدين فيها كويدي وغولدصهير وهارتمان وبروكلمان وغيرهم من أعيان علماء ألمانيا وهولاندة وفرنسا والدانيمرك والسويد ونروج وسويسرا وإنكلترا وإسبانيا إيطاليا والنمسا والمجر وروسيا وأميركا والجزائر والهند وفي كتابها الإسرائيلي والمسيحي والمسلم لا غرابة في كونها من أرقى كتب القرن العشرين ولا نغالي إذا قلنا أنها كتاب القرن العشرين عن الشرق. وقد ضمت هذه الدائرة تراجم بعض رجال من أهل الإسلام أو لمن كان لهم شأن في أقطارهم كانت مجهولة حتى عند الخاصة منا لأن القائمين بتأليف هذا الكتاب النادر بالنظر لأخصاء كل واحد منهم في بقعة أو شيء توغلوا في البحث واستوفوا كل دقيق وجليل في تقويم بلدان المسلمين وتقدير رجالهم. عنوا من ثم بأرض المسلمين ومن دب عليها حتى الآن فلم حاجة في نفس المطالع إلا قضوها ولا باباً من أبواب الأفادة إلا ولجوه فجاءت الفوائد على طرف التام يتناولها كل من يعرف إحدى لغات العلم الثلاث الألمانية والإفرنسية والإنكليزية. يطبع الكتاب في مطبعة بريل في هولاندة المشهورة بطبع كتب الشرق منذ ثلاثة قرون وتساعدها جمعية المجامع العلمية الدولية فصح أن نقول دائرة المعارف الإسلامية هي كتاب الغرب أوروبا وأمريكا قدمه للشرق آسيا وإفريقيا وما كان أحرانا معاشر الآسيويين والإفريقيين أن نكون نحن البادئين في نشر مثل هذا السفر الأنفس خصوصاً وصاحب الدار أدرى بالذي فيها ولذلك لم بيق لنا رجاء إلا أن نرجو ممن يحزقون إحدى لغات الكتاب أن يعتمد كل واحد منهم على الطبعة التي يحسن لغتها ويقتبس منه لأهل الإسلام ما يفيدهم في موضوع بلادهم ورجالهم وأصولهم فإن من البلاد ما يحيثه النور إلا منعكساً والشرق بعد أن كان مصدر النور أخذ يقتبس نوره من الغرب. وهاك الآن ما كتبه إلينا الأستاذ العلامة هوتسما رئيس تحرير هذه الدائرة الإسلامية وأستاذ كلية أوترخت في بلاد القاع هولاندة بشأن هذا التأليف وقد سألناه منذ ثلاثين شهراً عن الطرق التي عمدوا إليها حين أنشأها فتفضل بالجواب الآتي تعريبه: يجب أن يعلم أنه طالما جرى البحث ولاسيما في مؤتمرات المستشرقين الدولية في الحاجة الماسة إلى دائرة معارف إسلامية تجمع شتات جميع أبحاث المستشرقين التي هيأوها لنا عن الشعوب الإسلامية. ومثل هذا التأليف لا أثر له في الغرب إذا استثنى من ذلك كتاب المكتبة الشرقية الذي نشره في باريز هربربر منذ زهاء قرنين. إن دوائر المعارف العربية والتركية لم توضع بحيث تقوم بغرض القراء من الغربيين ممن لا يعرفون هاتين اللغتين فهي لا تسد هذه الثلمة. ولقد دعيت إلى القيام بمثل هذا التأليف فنشرت بمساعدة بعض المستشرقين والسادات بريل في ليدن نموذجاً من دائرة المعارف الإسلامية نال استحسان ورصفائي. وكنت طلبت وحزت معاونة المجامع العلمية في أوربا بأسرها للإنفاق على هذا المشروع قبل السادات بريل في ليدن بنشر هذا التأليف على نفقتهم. ومن الأسف أنه لم يقع الإتفاق على المال الواجب استخدامه حتى وقع القرار مؤخراً بأن تنشر دائرة المعارف بثلاث لغات الألمانية والإفرنسية والإنكليزية في آن واحد. وهو قرار يؤسف له لأن مهمة التحرير تطول بذلك وتصعب ثلاث أضعاف وأشق من ذلك أن نشرها على هذه الصورة يستلزم وقتاً أطول ثلاث أضعاف للنشر ولعل النفقات على نسبة ذلك. ومع هذا لما شاهدت قبولاً من المجامع ومن رصفائي لم تحدثني نفسي أن أطرح الموضوع وبعد أتخذ أسباب أخرى ضممت إليّ المسيو باسيه عميد كلية الآداب في الجزائر يتولى تحرير النسخة الإفرنسية والإستاذت. وأرنولد في لندرا للقيام بالطبعة الإنكليزية وجميع المقالات المتعلقة بشمال إفريقية الجزائر وتونس ومراكش والسودان هي مما تولاه المسيو باسيه ومؤازروه وجميع الأبحاث المتعلقة بالبلاد الخاضعة للحكومة الإنكليزية ما عدا مصر هي مما يرجع به إلى المستر أرنولد وجميع البلاد مثل مصر والمملكة العثمانية بأجمعها وفارس وآسيا الوسطى والهند والهولاندية جاوة الخ هي في عهدتي. وقد عهد بالمقالات المختلفة المتعلقة بهذا الشأن إلى علماء الأكفاء يوقعون عليها بأسمائهم وهم وحدهم المسؤلون عما تحويه. وتجد بين المؤازرين في التحرير أسماء المشاهير من كل أمة مثل المسيو هاوار والمسيو كازادي فو في فرنسا والمسيو بكيروغولدصهير وهارتمان وهرفلد وكثير غيرهم في ألمانيا والمسيو مورنالد من روسيا والمسيو زترستين في السويد والمسيو بوهل في الدانيمرك والمسيو سوتر من سويسرا والمسيو كويدي والمسيو نالينو من إيطاليا والمسيو موردهام من الأستانة والسيد هدايت حسين من كلكونا وهذا هو الشرقي الوحيد الذي دخل العمل حتى الآن ثم المستشرقين الهولانديون مثل مسيو سنوك هوركروج والمسيو جونبول والمسيو فيمش الخ. والغاية من تحرير هذه الدائرة علمية صرفة وذلك ليحيط الناس حق الإحاطة بحال الشعوب الإسلامية ويطلعون على تاريخهم ودينهم وفنونهم وعلومهم وجغرافية البلاد التي ينزلونها وتراجم المشهورين من رجالهم وقد ختم كتابه في الشكوى من حال التأخر في نشر الدائرة وإنجازها. طرق الشرق ربما يظن بعضهم أن الاتصال بين الشرق والغرب كان في القديم معدوماً والحقيقة أن الاتصال للتجارة والزيارة كان موجوداً ولكن لا كما هو اليوم فكنت ترى في البلد الواحد من الشرق أو الغرب بضعة رجال سافروا إلى القاصية في البر أو البحر واليوم ترى في المدن التي كثر اختلاط أهلها بالأمم المجاورة والبعيدة خمسة أو عشرة في المئة ولا سيما سكان الساحل فكثر الخلط في الأخبار قديماً وقلّ اليوم إذ عرف كل شيء وسهلت الطرق التجارية بحرية كانت أو برية طرق الاطلاع على الحقائق وكانت طرق فارس في الأمم القديمة آمن الطرق وأسلكها (المقتبس م ٣ ص ١٠٣ ) ولذلك سهل على كثير من أهل الإسلام أن يزوروها وكانت كتابة قدماء جغرافيي العرب أمتع من كتابتهم على نفس ديار العرب ولم تبطل المواصلات بين الغرب والشرق فتارة يتقدم الفينيقيون ويحملون على سفنهم متاجرهم إلى سواحل البحر الرومي وربما بلغوا بها بريطانيا العظمى وطوراً تكون النوبة للرومان يفتحون جزءاً عظيماً من بلاد الشرق الأقرب فتكثر متاجرهم مع أهله وآونة يكثر الاختلاط بين بالروم من أهل المملكة الشرقية ويتسلطون على كثير من الأقاليم الشرقية فتزيد الصلات التجارية معهم ثم تجيء نوبة الروسيين فالجنوبيين فالبيزيين فالبنادقة الإيطاليين. ومنذ القرن الرابع للمسيح أخذ من دانوا بالنصرانية يأتون إلى الأراض المقدسة وفي الحروب الصليبية كثرت هذه العلائق وكان للنورمانديين فضل السبق على سائر الأمم الأوربية بتحمسهم في زيارة الأصقاع المقدسة في فلسطين مدفوعين بعوامل حب الربح والاتجار أيضاً فكانوا يتحاشون تجثم أهوال البحر ولذلك كنت تراهم يقطعون المسافة براً فيمرون بفرنسا وبجزء عظيم من إيطاليا ثم يركبون البحر من نابولي أو كايت أو سلونا وهي الموانئ التي كانت تتقايض التجارة مع سورية وقد قضى الصليبيون الذين سافروا من أوربا إلى فلسطين من طريق الأستانة براً ثمانية أشهر وكانت تقطع المسافة بحراً في مراكب تلك الأيام بين إحدى مواني الأندلس وبين الإسكندرية في ثلاثين أو أربعين يوماً وربما بلغت من البندقية إلى يافا خمسين يوماً بحسب ملائمة الهواء. والطريق التي كانت متبعة في القرن السادس عشر للذهاب من فرنسا إلى الشرق براً هي راغوس يكي بازار اسكوب تاتار بازار جق. وكانت الطرق البرية المسلوكة معبدة كل التعبيد ومرافق الحياة موفورة بها ولا سيما البغال والحمير والخيل والجمال والهوادج والمركبات لكل إقليم اصطلاحه وعاداته ولذلك كان المرء إذا قصد السرعة يتأتى له ذلك كما فعل البارودي لاكاد فقضى اثنين وعشرين يوماً للذهاب من الأستانة إلى فونتينبلو قرب باريز. وزار برتراندون دي لابروكيير القدس فرجع راكباً من الأستانة إلى فرنسا من طريق بلاد الفلاخ وبلغراد وبشته في خمسين يوماً ووقف منها أياماً في الطريق وقضى الرحالة ابن جبير من لدن خرج في القرن السادس للهجرة في غرناطة الأندلس إلى أن آب إليها عامين كاملين وثلاثة أشهر ونيفاً. وكان للأندلسيين غرام في الرحلة إلى المشرق يقصدونه للحج وطلب العلم والتجارة كما كان للمشرقيين عناية بذلك ولكن أقل من عناية الأندلسيين ولا غرابة فالأندلسيون أوربيون ومن أين للشرقي همة كهمة الغربي. لقد عمرت مدن كثيرة في القديم بسبب التجارة لإيواء القوافل والسياح وفي جنوبي أوربا شيء كثير منها وفي بلادنا عمرت البتراء وادي موسى وتدمر كما عمرت مخافي بلاد اليمن في أواخر القرن الثامن عشر ثم خلفتها مدن في نقل واردات اليمن وصادراتها وكان يصل إليها من أرض الهند الياقوت واللؤلؤ وأصناف من المسك والكافور والعود الرطب والعطر والحديد والفلفل ويصل من الصين الحرير والقصبات ويصل من عمان وأرض فارس تحف كثيرة. وكانت اليمن كالشام والعراق لتوسطها بين الشرق والغرب يغشاها كثير من تجار الأوربيين منذ العهد الأطول. وفتح العرب قبل غيرهم طرق التجارة مع الشام قبل الإسلام بل وصلوا إلى أقصى الروم وإلى الهند والصين يبتاعون مصنوعات الأمم الصناعية ليحملوها (المقتبس م ٧ ص ٢٢٢ ) إلى الشعوب البربرية في أوربا. وللعرب مرفآن تجاريان عظيمان متصلان بالعاصمتين أحدهما البصرة على خليج فارس تفرغ فيه مراكب الهند تحمل العطور والأبازير والعاج وتجيء الجنوك الصينية تحمل صمغ اللك والحرير وتعود بالزجاج أأ والسكر وماء الورد والقطن والإسكندرية هي المرفأ الثاني فتحت على العرب طريق البحر الرومي وإليه كانت تصل مراكب إيطاليا. وتسير القوافل من بغداد إلى كل ناحية فمن الجنوب الغربي نقصد إلى دمشق وسورية وغلى الشرق نحو البصرة والهند ومن الشمال إلى طربون على البحر الأسود تحمل بضائع المملكة البيزنطية وإلى الشمال الشرقي إلى سرقند وبحر الخزر حيث كان يذهب التجار ليأخذوا جلود روسيا وشمعها وعسلها وكانت القوافل من القاهرة تسير إلى الغرب في الطريق العظيم الذي يحاذي البحر على طوله ماراً بطرابلس والقيروان لينفذ من طنجة التي كانت تصل إليها تجارة أسبانيا ومن الجنوب طريق يصعد منها إلى النيل حتى بلاد السودان وآخر يسير على الشاطئ الشرقي من افريقية حيث أنشأت العرب مقدشو وكلوة وسفالة ومن هذه الجهة كان يصدر التبر والعاج والعبيد. قال ابن خرداذبة في المسالك والممالك: كان مسلك التجار اليهود الرازانية الذين يتكلمون بالعربية والفارسية والرومية والإفرنجية والأندلسية والصقلبية أنهم يسافرون من المشرق إلى المغرب براً وبحراً يجلبون من المغرب الخدم والجواري والغلمان والديباج وجلود الخز والفرآء والسمور والسيوف ويركبون من فرنجة فرنسا في البحر الغربي فيخرجون بالفرما ويحملون تجارتهم على الظهر إلى القلزم إلى أبحار وجدة ثم يمضون إلى السند والهند والصين فيحملون من الصين المسك والعود والكافور والدار الصيني وغير ذلك مما يحمل من تلك النواحي حتى يرجعوا إلى القلزم ثم يحملونه إلى الفرما ثم يركبون في البحر الغربي فربما عدلو بتجارتهم إلى القسطنطينية فباعوها من الروم وربما صاروا بها إلى ملك فرنجة فيبيعوها هناك وإن شاؤا حملوا تجاراتهم من فرنجة في البحر الغربي فيخرجون بأنطاكية ويسيرون على الأرض ثلث مراحل إلى الجابية ? ثم يركبون في الفرات إلى بغداد ثم يركبون في دجلة إلى الإبلة ومن الإبلة إلى عمان والسند والهند والصين كل ذلك متصل بعضه ببعض. فأما مسلك تجار الروس وهم جنس من الصقالبة فإنهم يحملون جلود الخز وجلود الثعالب السود والسيوف من أقصى صقلية إلى البحر الرومي فيعشرهم صاحب الروم وإن ساروا في تنيس نهر الصقالبة مروا بخليج مدينة الخزر فيعشرهم صاحبها ثم يصيرون إلى بحر جرجان فيخرجون في أي سواحله أحبوا وقطر هذا البحر خمسة مائة فرسخ وربما حملوا تجارتهم من جرجان على الإبل إلى بغداد ويترجم عنهم الخدم الصقالبة ويدعون أنهم نصارى فيؤدون الجزية. فأما مسلكهم في البر فإن الخارج منهم يخرج من الأندلس أو من فرنجة فيعبر إلى السوس الأقصى فيصير إلى طنجة ثم إلى إفريقية ثم إلى مصر ثم إلى الرملة ثم إلى دمشق ثم إلى الكوفة ثم إلى بغداد ثم إلى البصرة ثم إلى الأهواز ثم إلى فارس ثم إلى كرمان ثم إلى السند ثم إلى الهند ثم إلى الصين وربما أخذوا خلف رومية في بلاد الصقالبة ثم إلى خليج مدينة الخزر ثم في بحر جرجان ثم إلى بلخ وما وراء النهر ثم إلى ورت تعزهر ثم إلى الصين. وما برح الناس في الشرق والغرب يركبون متون الأخطار في قطع البراري والبحار لربط صلات الاتجار بين أوربا وإفريقية وآسيا حتى افتتح دياز البرتقالي سنة ١٤٨٦ م طريق رأس الرجاء الصالح في جنوبي إفريقية وخرقت ترعة السويس التي وصلت البحر الأبيض بالبحر الأحمر سنة ١٨٦٩ فقربت المسافات البحرية ولما عمت الخطوط الحديدية بلاد الغرب وأخذت بعض بلاد الشرق ولا سيما الجزائر وتونس ومصر والبلاد العثمانية والهندية واليابانية وغيرها تقطع المساوف في قطار البخار سهلت الطرق وعم الاختلاط وتوفرت المتاجر واشتدت الحاجة في هذه الحرب العامة إلى الطريق الأمينة لأن العالم انقسم قسمين قسم سموه بالدول المركزية وهي ألمانيا والنمسا والمجر والبلغار والعثمانية وبلادهم اتصلت بعضها ببعض ولا سيما بعد أن استصفوا مملكة الصرب والجبل الأسود ورومانيا وقسم بقي وحده في غربي أوربا وجنوبها وهم الانكليز والفرنسيس والطليان وآخر في شرقها وهم الروس. وقد نشر ارتورديكز في جريدة عثمانيشر لويد مقالة في الطريق إلى الشرق وحواجزها قال فيها: إن الحرب قد جعلت لصلات أوربا الوسطى مع الشرق نفس المكانة التي كانت لتلك الصلات في الأيام التي لم تكن فيها الاتصالات بين أوربا وأميركا الشمالية في الدرجة الأولى من العناية. وقد كان وقع الاستعداد لهذه الطوارئ بإنشاء خطوط الأناضول الحديدية ولا سيما خط بغداد وأضرت الحرب بالتجارة الهادئة ولكنها زادت في صلات أوربا الوسطى مع الشرق بواسطة النقليات العسكرية وبذلك حدث تبدل في البلقان وفي الشرق الأقرب مما يبشر بأنه سيكون له أثر في الصلات الاقتصادية أيضاً وقد أنذرتنا الحرب بعدم كفاية طرق المواصلات بين أوربا والشرق ومنها ما يسد زمن الحرب أو يصعب اجتيازه زمن السلم وللوصول من ألمانيا إلى الشرق الأقصى والأقرب أثنا عشر طريقاً ١ من بحر الشمال فالمانش فجبل طارق فالسويس ٢ ) مارسيليا السويس ٣ ) جنوة السويس ٤ ) إيطاليا نابولي السويس ٥ ) تريستا السويس ٦ ) سراجيفويسكي بازار سكوبلج سلانيك السويس ٧ بلغراد صوفيا بورتولاغوس السويس أو أزمير ٨ بلغراد صوفيا الأستانة بغداد ٩ ) قمسوار بازياس صوفيا الأستانة بغداد ١٠ ) اورسوفا لوم صوفيا بغداد ١١ ) الطونة روسجق وارنة البحر الأسود ١٢ كرونستاد كونستانزا البحر الأسود. فند الكاتب هذه الطرق ثم قال أن السبعة الأولى منها تجتاز السويس ومنها ما يمر بأرض فرنسا ومنها ما يجتاز المانش تحت مدافع انكلترا ومنها ما يضطر إلى السير في إيطاليا أو البحر الأدرياتيكي أو الأرخبيل وقد علمتنا تجارب الحرب أن لا نعنى بعد الآن إلا بالطرق البرية أو التي تجتاز من البحر مسافة قليلة وهذه الطرق هي التي تمر بالبلقان وكانت من قبل في حيز القوة لأن صربيا كانت في عداد أعدائنا تحول بيننا وبين الشرق من صوفيا. ورومانيا كانت على الحيادلكنها تميل إلى أن تكون محطة بين روسيا وصربيا من أن تكون بين الدول الوسطى والدولة العثمانية فتبدلت الحالة بعد ذلك وفتحت صربيا وفتح الطريق بين بلغراد وصوفيا ثم انقلبت رومانيا مع أعدائنا فكان منها أن سدت طريق بلاد الأفلاخ وجزءاً عظيماً من نهر الطونة وليس الآن من الطرق السالكة حق السلوك إلا طريق واحدة وهي المارة من بلغراد فصوفيا وهي تكفي للنقل بين برلين وبلغراد لا للصلات بين أوربا الوسطى من بلغاريا والأستانة. قال والرجاء معقود بأن تكثر الخطوط الحديدية في البلقان في المستقبل فيكون منها ما يتصل بنهر الطونة والخط القديم الرئيسي - بلغراد صوفيا الأستانة - ويجب أن يضاف إليه خط من سنجاق يسكي بازار بواسطة جسر على الطونة ماراً بصربيا الشرقية القديمة مستفيداً من نهر الدانوب وسكك حديد لوم وروسجق وجرناردا وما يقام في هذا السبيل من العقبات تزل إلى الأبد فإن أوربا الوسطى يجب أن تخابر مقدونية وبلغاريا القديمة والأستانة وآسيا الصغرى من دون منازع ولا ممانع مهما كلفها الأمر والطرق التي تجتاز نهري الساف والطونة وأودية مواراويا والواردار والمريج لا ينبغي أن تغلق في وجه تجارة أوربا الوسطى. وبعد فقد استفدنا بهذه الحرب عبراً كثيرة منها شدة حاجتنا بعد الآن لأن يركب الإنسان من برلين وهمبورغ في القطار ولا ينزل منه إلا في الأستانة ليعبر الخليج إلى آسيا ويركب في القطار الحديدي فلا ينزل إلا في صنعاء اليمن أو بغداد العراق وإنا بفتحنا طريق الصرب في العام الماضي وكانت صلاتنا مقطعة بين دار الخلافة وبرلين قد أدخلنا الحرب العامة في طور جديد فسقط في أيدي أعدائنا بفضل الطريق التي افتتحناها بيننا وبين أوربا الوسطى ودخلت تجارتنا في طور آخر وخفت وطأة الحرب إلى أقل من النصف. فلو كان لنا اتصال مباشرة مع حلفائنا منذ أول نشوب الحرب من عدة طرق كيف كانت نتيجتها على الأتفاقيين الذين قبضوا على مضايق البحر وأخذت سفنهم وبوارجهم تسبح في عرض الماء في البحر الشمالي والبحر المحيط والبحر المتوسط والمحيط الهندي لولا ما أرصد لهم من الغواصات الألمانية التي ضيقت خناقهم ولولا هذه الممرات لما فتحنا من بلاد العدو تلك الأقطار والأقاليم ولا غنمنا هذه الغنائم الكثيرة. إن الطرق الحديدية شرايين الممالك تحمل إليها الحياة وإذا انفتح الشريان في الإنسان مات ولولا الخطوط الحديدية الحربية في ألمانيا ما تيسر لها أن تسوق جيوشها إلى الشرق والغرب والجنوب في هذه السرعة المدهشة ونحن أيضاً لولا الخط البغدادي والسكة الحجازية ما استطعنا أن نحارب هذه الحرب ولو كانت خطوطنا ممتدة إلى القاصية أكثر مما هي الآن لضربنا عدوتنا انكلترا في البصرة وجدة ضربة يرن صداها كما ضربناها في كوت الإمارة وجناق قلعة. يبلغ طول الخطوط الحديدية في السلطنة العثمانية نحو ثمانية آلاف كيلو متر وبها عمرت هذا العمران فماذا كان حالها لو كان فيها عشرون أو ثلاثون ألفاً وهي مستعدة لأن يكون فيها ثلاثمائة كيلو متر وماذا كان حالها لو اتصلت كل خطوطها الحربية بالمواني البحرية كما اتصلت من يافا وحيفا وبيروت وطرابلس واسكندرونة وأزمير مثلاً ولو اتصلت طرقنا البحرية بالبحر الأسود من عدة جهات وكذلك بالخليج الفارسي والبحر الأحمر والبحر الأبيض كيف كانت حالتنا التجارية مع الهند والقافقاس وأوربا الوسطى وافريقية وغيرها. إن الأمم لا تستغني بعد الآن عن الاتصال بينها وقد بطلت العادة التي كانت متبعة في القديم من تقسيم المملكة الواحدة إلى مئات من الأجزاء كل جزء يعتصم وراء جبله أو يختبئ في واديه ولا يعرف ما عند صاحبه وجاره. الأمم اليوم محتاجة إلى التعارف والاتجار فأبن اليمن لا يعيش إذا لم يبدل حاصلات بلاده مع ابن بافاريا مثلاً وابن بروسيا مضطر إلى الاتجار مع ابن المجر والبلغاري محتاج إلى الفارسي وهكذا جميع الشعوب والممالك فهل يطول يا ترى عهد إنشاء طرق المواصلات في مملكتنا مع جيراننا أم ننسى زمن السام ما احتجنا إليه أيام الحرب. إمبراطورية النمسا والمجر خلفت مملكة النمسا والمجر بموجب القرار الرئاسي الأساسي الذي نشر في ٢١ كانون الأول ١٨٦٧ مملكة النمسا القديمة فهي تتألف مت مملكتين منضمتين تحت لواء واحد فإمبراطور النمسا هو أيضاً ملك المجر ولا اشتراك بين المملكتين في غير الجيش وجزء من المالية والأمور الخارجية ولكل مملكة منها قانونها الخاص وإدارتها الخاصة. يقسم بين بلاد النمسا والمجر نهر الليتا الذي يصب في نهر الطونة شرقي فينا. وولايتا البوسنة والهرسك اللتان ضمتا إلى هذه المملكة سنة ١٩٠٨ مشتركتان بين النمسا والمجر. كانت مساحة النمسا بموجب إحصاء سنة ١٩١٠ - ١٩٣ ، ٣٠٠ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٨٩٨ ، ٥٦٧ ، ٢٨ ومساحة المجر ٣٢٥ ، ٣٢٥ كيلو متراً مربعاً ٢٠.٨٥٠.٧٠٠ ساكن. وأصول شعوب هذه المملكة متنوعة تنوع رسم جبالها وأنهارها وهم كالفسيفساء الجبلية منهم نحو ثلاثة عشر مليوناً ونصف من الألمان ونحو تسعة ملايين من المجر وثلاثة ملايين من الرومان وواحد وعشرين مليوناً من السلافيين وهم ينقسمون بحسب لغاتهم إلى ستة أقسام فسلاف الشمال عبارة عن ثمانية ملايين وهم التشك والمورافيون والسولفاكيون ينزلون في بوهيميا ومورافيا وفي الأصقاع المجاورة لبلاد المجر وفيها نحو أربعة ملايين ونصف بولوني في سيلسيتريا وغاليسيا الغربية ونحو أربعة ملايين روتيني في غاليسيا الشرقية والأصقاع المتاخمة للمجر ثم سلافيو الجنوب ومنهم نحو ثلاثة ملايين ونصف خرواني وصربي ومليون وربع سلوفاني ونحو ثلاثة أرباع المليون إيطالي وثلاثة أرباع أهلها هم من الكاثوليك الرومانيين وخمسهم هم من الروم الكاثوليك أو الروم الشرقيين على اختلاف الطقوس وأربعة ملايين وربع من البروتستانت ومليونان ومئة ألف إسرائيلي وزهاء ستمائة ألف مسلم. هذه هي الإمبراطورية التي فقدت مؤخراً إمبراطورها حليف الدولة العلية العثمانية وعميد ملوك الأرض فرانسوا جوزيف. توفي صباح ٢٢ تشرين الثاني سنة ١٩١٦ ( ٢٦ المحرم ١٣٣٥ ) عن ٨٦ عاماً كان بها إمبراطوراً ٦٨ عاماً فقد ولد في مدينة فينا سنة ١٨٣٠ وهو ابن الإمبراطور فرانسوا الأول ولي الحكم سنة ١٨٤٨ وقد تنازل عن الملك عمه فرانسوا الأول وتنازل والده عن حقوقه في الملك فظهرت في السنة الأولى من ملكه خطوب مهمة وفتن مستطيرة منها ثورة فينا التي قمعت على أصعب وجه وثارت إيطاليا والمجر لتخلعا ربقة الحكم النمساوي فكبح جماح الثائرين من الإيطاليين ووطد الإمبراطور حكمه على المجر بمعاونة روسيا وانتهت حرب إيطاليا ينة ١٨٥٩ بتقلص ظل الحكم النمساوي عن لومبارديا الإيطالية مما أحدث في البلاد النمساوية سخطاً فرأى الإمبراطور أن يسكن ثائرة غضب أمته بمنحها دستور سنة ١٨٦١ وفيه إعطاء حرية مطلقة لها. وحدثت من جهة بروسيا شجون أخرى بشأن مسألة دوجيتي شلشويق هو لشتماين فاتحدت بروسيا مع النمسا أواخر سنة ١٨٦٣ لإعلان الحرب على الدانيمرك وفي سنة ١٨٦٥ نشب الخلاف بين الحكومتين المتخالفتين الظافرتين فاتحدت بروسيا مع إيطاليا ودحرت النمسا في موقعة سادوفا ١٨٦٦ وانتهى ذلك بانفصال النمسا عن الاتحاد الجرماني وبفقدها إقليم البندقية. وقد أعقب هذه الحرب المشؤمة إصلاحات جمة في داخل البلاد فأصبح الكونت دي بوست وهو ألماني سكسوني وزيراً لإمبراطورية النمسا والمجر وعهد إلى الكونت أندراسي في بلاد المجر أن يؤلف وزارة بحرية وفي ٨ حزيران ١٨٦٧ توج فرنسوا جوزيف ملكاً على المجر وكان فيها فاتحة الملوك الذين يتوجون ملوكاً على مملكتين وقد كان يتوقع أن يوجه الكونت دي بوست دفة سياسة النمسا نحو سياسة الانتقام من بروسيا لكن هزيمة الفرنسيس أمام الألمان في حرب السبعين قلبت المسائل إلى طور آخر واضطر فرنسوا جوزيف أن يعاهد كلاً من بروسيا وإيطاليا اللتين ظفرتا به فظهرت المحالفة الثلاثية. ثم حدثت اضطرابات داخلية أخرى وهي نزوع التشك في بوهيميا إلى الثورة يريدون أن ينالوا استقلالهم على نحو ما فعل المجر. وصبت مصائب أخرى على رأس الإمبراطور المتوفى من مثل مقتل أخيه مكسيمليان إمبراطور المكسيك عام ١٨٥٤ وانتحار الأرشيدوق رودولف ابنه ١٨٨٩ ) ومقتل الإمبراطورة اليزابيت زوجته ١٨٩٨ وكان مقتل ولي عهده الأرشيدوق فرانز وزوجته في سراجيفو بيد صربي غادر من الأسباب الظاهرية في اندلاع لهيب الحرب العامة التي لا نزال نصبح في عجائبها ونمسي منذ ثلاثين شهراً منحت بلاد النمسا قانونها الأساسي سنة ١٨٤٨ وإذ كانت مختلفة العناصر والجنسيات اضطرت الحكومة أن تستعيده منها مرات ثم تعطيه فكان نيل السلافيين على أكثرية عظمى في الانتخاب سبباً في دهشة الحكومة وظل الألمان في النمسا والمجر بمثابة الجزء القليل بالنسبة للجزء الكبير فدعت الحال أن يعدل القانون الأساسي الذي وضع لمثل هذه المملكة على صورة يتمثل فيها الدهاء والجربذة وإن معاملة النمساويين للمجريين هذه المعاملة الحسنة بعد الخلاف الشديد الذي استحكمت أواخيه بينهم زمناً قد دل على حسن سياسة النمسا ولا سيما الإمبراطور المتوفى فضمت النمسا والمجر سنة ١٨٦٧ بأن تم الاتفاق بين هاتين للملكتين على أن يدفع المجر عن مملكة النمسا كما يدفعون عن مملكتهم المقتبس م ٨ ص ٤٥٩ ويكونون مستقلين إلا في الجيش والبحرية والأمور الخارجية فيدفعون قسطاً صالحاً من المال لمعاونة حكومة فينا وتتعهد الأسرة المالكة النمساوية بالمحافظة على استقلال المجر وحرية البلاد واستعمال جميع قوة النمسا للدفاع عن سلامة الأملاك المجرية ملك النمسا يحكم المجر كما يحكم بلاده ولكنه يمثل مملكتين متباينتين ولا يكون ملك النمسا ملكاً شرعياً إلا إذا أقر على تتويجه مجلس نواب المجر ويقضي القانون الأساسي أن يقيم الملك ستة أشهر في فينا وستة أشهر في بودابست وهو يتلطف بالأمة المجرية كل التلطف وقد تعلم لسانهم في صغره وخطبهم به قبل أن يتولى الملك فأعجبوا به وكثيراً ما كان يلبس الثياب الوطنية الخاصة ببعض شعوبه مثل سكان التيرول وكان التيروليون والسالزبورغيون يحبونه حباً كثيراً وكذلك شعبه حتى كان يقال أن إمبراطورية النمسا تتداعى أركانها بعد موت الإمبراطور فرنسوا جوزيف وكان بعض الغربيين أنفسهم يدعون أن لطفه هو الذي يحول دون حدوث شيء في البلاد والحال أن أسرة هابسبورغ مشهورة بذوقها ولطفها منذ القديم وباتحاد المملكتين حياتهما وقوتهما. من المصائب في مملكة في أن تتألف من عدة عناصر يصعب الجمع بينها لكن حكمة الإمبراطور ورجاله عدلت المسائل وثقفت الناشز وأخذت من عنان المغضب ودارت مع الزمن حتى اشتهرت النمسا بأنها مملكة حسن الإدارة وقد جاء زمن على حكومتها منعت فيه الصحف المجرية من الصدور بلسان المجر وعقبه زمن آخر أصبحت فيه حرية بلاد المجر كأحسن حرية في الشعوب الأوربية. كان الإمبراطور المتوفى عاملاً مهماً سعى في ترقية أمته حتى أصبحت بفضله دولة قوية الشكيمة بعيدة الشوط في مضمار المدنية والصناعات وأبانت عن قوتها في جيشها وحسن إدارتها في الحرب الأخيرة وهي تقاتل الجيوش الروسية من الشرق والجيوش الإيطالية من الجنوب. أما الإمبراطور الجديد فهو شارل ابن الأرشيدوق أوتو وأمه ماريا جوزيفا أميرة سكسونيا ولد سنة ١٨٨٧ فيكون عمره اليوم ٢٩ سنة وقد وعد برعاية القانون الأساسي في إدارة جميع الشعوب في بلاد النمسا والمجر وجرى تتويجه في فينا وفي بودا عاصمة المجر الأصلية متبعاً في ذلك الأصول القديمة غير مخل بشيء منها وكان الإمبراطور الجديد أثبت لياقته في حرب عدو بلاده هذه المرة وقد ربي تربية عسكرية راقية يرجى له بها أن تكون بلاده في عهده عهد سلام وراحة ورقي. الخطابة عند الإفرنج من تأمل في تاريخ الطرق الخطابية ير أن القدماءكتاب الكلام في الجمهور لموريس آجام Maurice Ajam La parole en public أفرطوا في فن الخطابة وأنه وإن صعب العثور على مبدأ معين في كتب الأقدمين وطريقتهم في خطاب الجمهور فإن جميع المصنفات التعليمية تحوي إبهاماً خلطوا فيه بين علم الكتابة وعلم الكلام فإن علم الخطابة لم يكن في نظر القدماء هو علم التكلم والإلقاء بل علم تحسين الكلام وتنميق الإنشاء ومن تلا كتاب الجمهورية لأرسطو وفيه مباحث جليلة في الخطابة عند اليونان يتجلى له أن جميع خطباء آثينة كانوا ينمقون العبارات قبل أن يتلوها وتتراءى لهم من خلال سطورهم آثار التعمل والاستعداد قبل إلقاء خطبهم على مسامع الجمهور وإذ كان يحظر على المحامي في آثينة أن يدافع عن غيره اضطر بلغاء اليونان أن يكتبوا خطبهم في الدفاع ويعطوها لغيرهم يستظهرها ليلقيها ولذلك قل المرتجلون من الخطباء في يونان وأن وجدوا فهم على ندرة. قال بعض المعاصرين لو لم يكن خطباء الأقدمين يهيئون خطبهم قبل إلقائها ما كان بقي لنا من كلامهم إلا النزر اليسير وذلك لأن فن الأختزال لم يكن يعهد إذ ذاك بيد له مما لا شك فيه أن بعض خطباء اللاتين الذين وصلتنا خطبهم قد ألقوها بدلاً من أن يستعدوا لها بكتابتها وكان من العادة أن يعود الخطيب عندهم فيدون بالكتابة ما قاله من خطاب كما فعل شيشرون في بعض خطبه والحق الذي لا مرية فيه أن الخط طالما اعتبر في اليونان ورومية بأنه الأسلوب الوحيد في الحملة لإعداد الكلام ليلقى على المسمع العام ويجب أن يلاحظ أن الخطيب الآثيني مهما بلغ من ثقته بنفسه لم يكن يجسر أن يقف موقف الخطابة قبل أن ينظر نظراً بليغاً فيما سيلقي عليهم لأنه عارف بدرجة مدارك الحضور ومعرفتهم نقد ما يقول وما بقي من خطب خطباء يونان هو مما هذبته أناملهم ونظرت فيه عقولهم ملاحظين في ذلك أنهم سيخلفون ذلك للأعقاب فلا يليق أن تكون من إلا من أحسن ما يجب. ولطالما هذب شيشرون خطبه وتمرن على إلقائها حتى أنه في سم الستين قبل أن يقتل كان يمرن نفسه على كيفية الإلقاء. وكان القدماء يعلقون شئناً عظيماً على الإلقاء في المجالس العامة حتى لقد أفرط شيشرون في قوله أن الخطاب العام يتطلب تعبيرات لطيفة منتقاة فقد كتب إلى أحد أصحابه أن الرسالة لا يمكن أن تشبه دفاع المحامي أو خطاباً سياسياً فأنه تستعمل فيه جمل شائعة في الاستعمال. بيد أن كثيرين من خطباء اللاتين وقدماء خطباء اليونان كانوا لا يحفلون بإعداد خطبهم ويظهر أن هورتانسيوس وهو أستاذ شيشرون لم يكن موافقاً لتلميذه على قضاياه وهورتانسيوس هذا كان على جانب من الذكاء وحسن الذاكرة بحيث كان يستطيع أن يتلو خطبه ويؤلفها في الحال جارياً في ذلك على طريقة شارلماد وميترودور وهما خطيبان آثينيان كانا يعدن في ذهنهما ما يريدان إلقاءه. وكانت طريقة القائد الخطيب الروماني كالبا غريبة في بابها فكان ينقطع في داره مع خدامه غداة يريد أن يلقي دفاعاً ويلقي عليهم ممرناً نفسه فيما يريد أن يخوض على بابه فكان يخرج من الغد في حالة تهيج خارقة للعادة وعيناه تقدحان شرراً وهو على غاية التحمس يعبث به هواه ويذهب إلى ميدان الفوروم. واعتاد بعض شبان الخطباء من الرومان أن يأتوا إلى المحكمة بدفاعهم مكتوباً على الورق وكان كنتليان من أساتذة الخطابة عند قدماء اللاتين يرى أن يتقيد الخطباء في إعداد ما سيتلون ولا سيما للمترشح للخطابة المبتدئ فيها ويرى أن الإرتجال لا يتأتى للمرء إلا في أواخر عمره بعد أن ذاق الأمرين في تعلم صناعة الخطابة وعرف حلوها ومرها ولم يكن في عهده وهو القرن الأول للمسيح سوى خطيبين مرتجلين هما بورسيوس لاترو وكاسيوس وما عداهما فكانوا ككل الناس يعدون خطبهم قبل إلقائها. وكان بوسويه خطيب الفرنسيس المتوفى سنة ١٧٠٤ يكتب خطبه على الورق فيرسمها ثم يتوقع ما يوحيه إليه المنبر ليجعل فيها حياة حركة وظلت الأصول المتبعة في فرنسا مدة القرن الثامن عشر بان يقيد المحامون والخطباء أقوالهم هكذا كان يسير أكبر المحامين كوشين. ولما حدثت الثورة الفرنساوية الأولى اضطرابات السياسة إلى الارتجال فأخذوا يخطبون قومهم بدون أن يستعدوا من قبل ثم ارتقت الخطابة عندهم في الكليات والمحاكم والمجالس حتى قال موريس آجام ما من شيء يضاد الارتقاء في الخطابة أكثر من إعدادها بالكتابة قبل الإلقاء فإذا كان وصل كبار المتكلمين إلى أرقى درجات الفصاحة فبدونها وصلوا أو عبارة ثانية على الرغم منها. ويرى أن يتمرن المرء على الارتجال بأن يرتجل كل صباح في موضوع من الموضوعات لنفسه ولو لربع ساعة فيتمرن جرسه وصوته وذلك بأن يذكر دائماً قاعدة بنيون أن المرء يتعلم الارتجال بتكرار العمل فيه. وأن الواجب تعويد الناشئة النطق منذ نعومة أظفارهم وأن صناعة الخطابة ولا سيما الارتجال لا يتعلمها من جاز الأربعين من العمر ولا من جاوز الثلاثين فالأولى أن يبدأ بها منذ الصغر وانه من اللازم على من يريد تعلم الخطابة أن يستنصح صاحباً له يدله على عيوبه في النطق والإشارة وأن يأخذ النفس كل يوم بسماع مصاقع الخطباء لا متوسطيهم حتى يتعلم منهم فأن المتوسط يفسد عليه ملكة الخطابة ولذلك كانت العواصم والحواضر أكبر ميدان للتخرج من الخطابة لأن فيها من أهل الطبقة العالية أصنافاً من الخطباء. وذلك لأن السماع يجعل المتكلم متكلماً وفكر البشر يغتذي بالتقليد وعليك يا هذا أن لا تعمد إلى استعمال الغريب ولا تتقمر بل توخ السهولة ومألوف الناس من الكلمات تؤثر فيهم وتفعل في عقولهم. لا تعمد لغير الوضوح ودع الكلمة النادرة للشاعر والكلمة العويصة للفيلسوف وإذا اعتقدت أنه يكفي الإنسان أن يتلو كتاباً يبحث في أصول الخطاب حتى يصبح خطيباً فألق سريعاً هذا الكتاب طعاماً للنار. كان بوسويه نصف مرتجل يعد مفكرات لخطبه ثم يزيد عليها وينقص منها عند الإلقاء وكان فلشيه وفنيلون في مواعظهما يعدان ما يلقيان من قبل ويستظهرانه وكان كوشين يعد من قبل مدافعاته حتى استطاع في آخر عمره أن يرتجل. وكان المحامي جربيه يعد ما يخطب به مطولاً ولا يزال يمحو منه حتى لا يبقي على أكثر من عشرين سطراً وكان تارجه يكتب دفاعه برمته ويقرأوه وكان ميرابوا خطيب الثورة ممن يعتمد على الكتابة ليخطب فاضطرته السياسة أن يرتجل وما كان يحسن الكتابة وهو مستريح البال أما إذا هاج فهو يعاود القلم ويكتب في الجملة وكان يبدأ بخطابه متأنياً في باديء الأمر ويتحمس بالتدريج وكان فيرنيو من خطباء الثورة لا يخطب إلا إذا تألم لظلم يقع أو حاذر خطراً يداهم وعندها تنتبه حواسه ويفكر سريعاً ويعمل في ساعة ما لا يعمل في ساعات. بدأ محامياً وكان يكتب دفاعه ويتلوه ثم كف عن الكتابة وكان يعد كل الإعداد خطبه الكبرى ولا سيما في تلاوتها لأصدقائه من قبل أن يلقيها على الجمهور وهذه الطريقة هي التي جرى عليها بعد حين تيرس رئيس الجمهورية الأول في الجمهورية الثالثة والعالم المشهور وكان كواديه من خطباء الثورة يكتب خطبه عندما كان محامياً ولما أصبح خطيباً سياسياً صار يرتجل وكان ايسنارد من خطباء الثورة مرتجلاً ولكنه كان يكتب وكان دانتون خطيب الثورة الخطيب التام الأدوات في الثورة وأقدرهم على إدراك حاجة عصره. وكان آرول دي سيشل من خطباء الثورة يكتب ويحفظ خطبه ويعمل بقول فولتيرإن الألفاظ بريد الأفكار. كان روبسيير من خطباء الثورة يعد خطابه ويمحو ويثبت كثيراً كتلميذ مبتدأ ومعظم خطبه أخترعت وألفت من قبل أن تنشر لم يتوسع فيها عندما يقولها. وكانت طريقة بانجامان كونستان الكتابة لما يخطب به مثل القائد فوا ولافيت ودويون ورويه كولار. وكان النائب مانويل مرتجلاً لا يكتب خطبه إلا في أمور المالية. ولم يتخل دي مارتينان عن كتابة ما يريد إلقاءه مع أنه يرتجل أحسن ارتجال ومن كان يسمعه يتكلم بصوت رخيم يستريح ويسكت وينوع لهجته يستدل على أنه يرتجل. وكان لينه مثل كواديه ورافيه وفيرير من أمراء الكلام لم يجعل المتقيد بالكتابة إلا مقاماً ثانوياً وفيرير كان أعظم من وجد من رجال المحاماة كان يفكر طويلاً فيما يريد أن يلقيه ويتأمله فلم يكن ممن يعتمد على الكتابة صرفاً. وكان هانكن من رجال المحاماة لا يأنف طول حياته من اعداد خطبه. وكان بريه المحامي لا يكتب خطبه ولم يعرفوا طريقته في خطبه هل كان يحدث بها أصحابه قبل أن يلقيها كما كان بفعل فرنيو وتيرس أو يفكر فيها مثل فيرير أو يكتبها في فكره مثل هورتانسيوس والذي عرف عنه وكان يكتم طريقة نبوغه أن كلامه كان يسبق فكره وغنشاؤه كان منحطاً وكان الأخوان دوبين المحاميان يرتجلان ولكنهما يدرسان موضوعهما حق حق المدرس قبل النزول إلى ميدان الخطابة وكان أحدهما يأسف لأن الوقت لا يساعده أن يفكر ملياً في خطابه ويقول لو أكثر ديموستين وشيشرون من الدفاع كثيراً لقلنا لم يكونا ديموستين ولا شيشرون. وكان تيرس يعد معظم خطبه من قبل بان يلقيها مرتين وأحياناً أربعة على من يغشون مجلسه. ولم يكن فيكتور هوغو الشاعر الكبير خطيباً بل كان يضطر أن يكتب خطبه ويستظهرها ولطالما قال: يستطيع المرء أن يكون خطيباً حقاً إلا إذا كان كتب خطابه. زهد المحامي لاشو في الكتابة وكان يقيد إلا رؤوس المسائل التي يتكلم فيها. وكان الوزير غامبتا لا يكتب ما يخطب وهو يشبه نابليون بعقله وذاكرته وكان يعد بعض خطبه الأولى من قبل فلما نشبت الحرب أخذ يرتجل حقيقة وكان في خطبه يبدأ بصوت منخفض جداً حتى يكاد يقول له الحضور اسكت وبعد هنيهة ترن القاعة من صوته وتدهش لفضل بيانه. وكان المحامي ليون دوفال يعد خطبه من قبل محتفلاً بها من وراء الغاية وكان الدوج دي بروكلي يتأنق في إعداد خطبه لكنه يستطيع أن يرتجل على أيسر وجه وكان بوفه مرتجلاً يؤثر بفصاحته في مجلس الشيوخ في مسائل كثيرة وإن كان عضواً من حزب قليل في الوزراء. وكتب المحامي الإيطالي هنريسكوفري عن نفسه فقال أنه تعلم بأن كان يقصد الضواحي ويرفع صوته ويجرب نفسه بالخطابة حتى خطب مرة ثماني ساعات متوالية ومرة إحدى عشرة ساعة. ونشر آجام عادات طائفة من الأساتذة والمحاضرين من العلماء في الخطابة من الفرنسيس فكان منهم أناس يفكرون ملياً قبل أن يخطبوا أي أنهم يعدون الكلام أو معناه ومنهم من يكتب ما يريد قبل إلقائه والآخرون يرتجلون والأكثر في هذه الفئة الكتابة قبل الإلقاء لأن خطبهم علمية على الأغلب ولا يرتجل عادة سوى السياسيين وعلى من أحب أن يجودها أن يخطب لنفسه في منتزه أو قاعة خاصة مرة أو عشر مرات ريثما يستجم قريحته ولا تخونه الألفاظ وكل مرة في الموضوع الواحد تزيد معانيه وتعزز ألفاظه وجب ألا يهتم لانتقائها والتنطع فيها بل يكفي بما جاءه عفو الخاطر وابن الساعة. وقد سأل المؤلف كثيرين من المشتهرين بالخطابة من قومه المبرزين فيها عن طرقهم في تعلمهم وارتجالهم فمنهم من قال أنه يفكر ملياً في محاضراته بأن يقولها بصوت منخفض أولاً وأحياناً يقولها في عقله وأنه لا يكتب كتاباً صغيراً قبل أن ينشئه في عقله ويستظهر الجمل الأربع الأولى حتى لا يفجأه الحضور مثل أمامهم ومنهم من تحضره الأفكار إذا أمسك القلم وقيدها لكنه يحاذر استظهاره وهو يرى أن من يكتب محاضرته وخطابه يتعلم الارتجال مع الزمن ومنهم من تتمثل لعينيه المعاني والألفاظ عندما يشرع في الكلام كأنها مكتوبة أمام عينيه ومنهم من ينظم الأفكار التي يحاضرها على الورق ثم يرتجل ويستعد قبل الكلام أن يقول في ذاته ما يجب إلقاءه على الجمهور مرة أو مرتين وقال أنه بكتابته خطابه من قبل يسقط على الأفكار التي لا تجيئه بصورة أخرى ومنهم من قال أن خير طريقة لاستظهار ما يريد إلقاءه أن يكتب تلك القطعة ومنهم وهو أستاذ عظيم يعد موضوعه ولاً ثم يعين في عقله أفكاره ثم يخط لها خطة ثم يفكر في البراهين التي عثر عليها ونظمها ومنهم من ضعفت ذاكرته فيضطر للاستظهار أن يحرك شفتيه بما يحفظ حتى يعلق شيء منه في ذهنه ومنهم من لا يحسن الكلام إلا إذا اضطربت نفسه وفرحت أو سخطت فإنه في تلك الحال يسرع في خطابه غير مبال أما إذا لم يكن على حالة من تلك الحالات فيتلعثم ويتردد ولا يعثر على اللفظ الذي يريده والخجل الذي يشعر به يزيد هذا الارتباك ومنهم من لا تأتيه الأفكار وتواتيه إلا إذا كان القلم بيده. وآخر يستظهر المقدمة والخاتمة ومعظم الجمل الأساسية ثم يتكلم ويترك الباقي للمصادفات وغيره يرى أن الكلمات تولد فيه الأفكار وتفتح أمامه أفقاً جديداً وهو يدرس موضوعه بالإيجاز ويفكر فيه قليلاً أو طويلاً بدون أن يحكيه ولا يكتبه في عقله ويكتب أو يحاول أن يكتب والكتابة تسهل بزوغ الفكر أحياناً وأحياناً يتضرر من الكتابة وتفلج قريحته. وبالجملة فإن الكلام بالجمهور من شأن الحكومات الديمقراطية والخطباء يكثرون كما قال مونتين حيث تكون الأمور تتقاذفها للعواطف الدائمة بين أخد ورد. وقال ريبو أن معرفة الموضوع الذي يريد الخطيب الخوض فيه ورسم خطته في الفكر بسيطة للغاية من قبل وهما شرطان أساسيان للخوض في الكتابة وما عدا ذلك فهو من شأن الحضور المستمعين أكثر مما هو من شأن الخطيب وأسعد ضروب الارتجال مما ساعد فيه الحضور بتراسل عيون الحب بينهم وبين خطيبهم والعبرة في معرفة روح الجمهور فإن له مناحي خاصة في الحسن والتعقل والفهم وحتى ولو كان مؤلفاً من فلاسفة وعقلاء قال ماكس نوردو: اجمع عشرين أو ثلاثين من أمثال كيتي وكانت وهلمهولز وشكسبير ونيوتن واعرض على حكمهم وآرائهم المسائل العملية الحاضرة فإن قراراتهم لا تخلف بتاتاً عن مقررات أي مجلس كان. ولماذا يكون ذلك؟ لأن كلاً من العشرين والثلاثين منتخباً فضلاً عن تفرده بمزايا تجعله رجلاً فائقاً قد ورت بعض صفات نوعه مما يكون به مثيلاً لجاره في المجلس بل شبيهاً لعامة الأشخاص الذين يمرون في الشارع فإن الجوهر الإنساني مستحكم من شخصية المرء وطربوش العامل يغطي قبعة الفيلسوف. قال المؤلف وبقدر ما يستطيع الخطيب قيادة جمهور سامعيه يفعل في أرواحهم ويسوقهم إلى ما يريد. ومن أجمل ما قاله بريان من خطباء فرنسا أن الخطاب ليس قطعة أدبية بل هو عمل والخطاب لا يعمل ليقرأ بل ليسمع وصورته التي يظهر فيها ثانوية فالتأثير يحدث والنتيجة الحاصلة هي كل شيء ومراعاة القواعد مطلوبة في الخطاب ولكن مهما كانت قيمته من الوجهة الأدبية فإنه إذا فصل عن محيطه الذي ألقي فيه وفارق الأسباب التي دعت إليه هل يكون له شأن صحيفة جميلة من الأدب استخرجت من قلم أستاذ في الكتابة. وإليك بعض نصائح عملية لطالب النبوغ في الخطابة لقفناها من كتاب آجام منها أن يجتنب كل الاجتناب كل استعداد كتابي للخطاب. أن يحمل الخطيب نفسه كل صباح ولو عشر دقائق أن يتكلم بمضمونها سواء كان في عقله أو بصوت جهوري فالتفكير والكلام قبل الكتابة في أي شيء كان مطلوبان وأن لا يعد خطابه في آخر ساعة بل يجب أن تكون بين ساعة إلقاءه وساعة الاستعداد له ليلة على الأقل واستجمام الأفكار خلال الساعات الأخيرة التي تسبق المحاضرة وأن لا يكثر من استعمال المفكرات بل يقتصر على قيد التقاسيم الكبرى والتواريخ وأن يحفظ حق الحفظ الأسماء الخاصة التي ترد في الكلام وان يعود المرء نفسه النطق الصعب من الحروف ومعاناة المخارج المختلفة من اللسان وأن يتفنن الخطيب في الجمل التي لا مناص له من استعمالها وهي من لوازم أكثر الناس فيجتهد أن ينوعها ويكثر من الأساليب التي هي بمعنى واحد وبألفاظ متباينة وأن يبدأ الخطيب خطابه أبداً ببطء بل بانخفاض ثم يتدرج في رفع صوته فكل خطيب يبدأ كلامه بصوت جمهوري يوشك أن يختمه وقد أبح صوته وانخفض ويجب يعرض فكره بدون أن يثور غضبه فإن الغضب ليس من الصحة في شيء وبه يبح الصوت وينبغي له أيضاً أن يحدق نظره فيمن ينصتون إليه وأن لا يشغل نفسه بقراءة شواهد أو التقليل منها ما أمكن وللحركات في الخطيب مكانة ولكن الإكثار منها لا يحتمل والأحسن أن يذهب الخطيب مع الطبع وإذا قوطع الخطيب فعليه أن ينتظر ريثما يعود السكون إلى المجلس وعلى الخطيب أن يلاحظ تتمة سلسلة كلامه قبل أن يعد جواباً على البديهة والجواب السديد على الغالب هو من جودة الذاكرة وعليه إذا خانته لفظه ألا يضيع وقته أصلاً في البحث عنها فاللحن والخطأ أفضل من الوقوف في الإلقاء قال إياك أن تضيع فرصة إسماع موسيقار حاذق في صناعة الكلام أي خطيب مصقع وفّر من المدندنين فرارك من الوباء. هذا ما قاله المؤلف موريس آجام وكتابع علمي عملي معاً وهاك الآن خلاصات لقفناها من كتاب آخر في هذا الفن وهو عملي محض واسم مؤلفه سيلفن روديس واسم كتابه الخطيب الحديث توخى فيه تعليم الخطابة في الجملة لمن لا يستغني عنها من الناس قال أما النبوغ فيها فلا بد له من هبة الهية ولكن بالتعلم لأسلوب الخطابة يستطيع من يدخل المجتمع ويشترك في بعض الجمعيات الخيرية ونقابات العملة والمعلمين والأندية والمجامع المختلفة أن يخطب على أسلوب حسن ولا يخجل من التعبير عما في فؤاده وأن على المرء أن لا يلقي بنفسه في ميدان الخطاب العام إذا كان موضوعه لم ينتج أو تافهاً فالأولى قبل كل شيء دراسة الموضوع للخوض في عباب الكلام الذي تكثر مناحيه والأسباب الملجئة إليه اليوم بعد اليوم وخير ذريعة للمرء حتى لا يخونه الكلام أن يستظهر كثيراً من المفردات حتى إذا نسي لفظة أقام غيرها مكانها من دون أن يتوقف فقد كان الشاعر تيوفيل غوتيه يقرأ كل يوم صفحة من المعجم ولا يبعد أن يكون شأن الشاعرين بالزاك وبودلير والكاتب فلوبر على هذا النحو لما علم من تمكنهم من أساليب اللغة ومصادرها فكانوا يتصفحون أيضاً هذه الكتب الضخمة التي جمعت نبوغ عنصر بأجمعه وبدت بها مظاهر مدنيته المنوعة على اختلاف العصور. وأرى أن من المفيد التطريس على آثار أولئك الكتاب وأن يقرأ المرء كل يوم صفحة من معجم اللغة وكم من لفظ تذكر به صاحب الفكر عالماً وروايات وتواريخ وصفحة من الطبيعة وبلاداً وعصراً ثم أن الألفاظ وحدها لا تكفي لإكثار مادة الخطيب ولا بد له من القوالب فعليه أن يحفظ جملاً مأثورة لطيفة تعلمه أساليب البلغاء وتركيب الجمل على مختلف الصور ولا يبالغ في الاستشهاد بها فإنه بذلك يضيع شخصيته ويكون ناقلاً كلام غيره فقط. وعليه أن يركب لنفسه جملاً يمكنه أن يقولها ويلفظ بها بصوت جهوري كل يوم من ١٥ على ٣٠ دقيقة ونجاحه مؤكد لا محالة. وقال أن تعلم الارتجال هي غاية الغايات التي يجب على مريد الخطابة أن يحاول بلوغها وإليك ما عساه يهيء لك الطريق إلى ذلك: افرض أنك بمالقفته سابقاً من المعارف لقد استعددت لأن تكتب بعض الشيء خطاباً لك على الورق فاترك الآن عادة تقييد فكرك في الكاغد وفكر في موضوع لك مدة ساعة أو ساعتين وذلك بينما أنت سائر أو راكب في حافلة أو منصرف إلى عملك اليدوي إن كنت ممن يتعاطون صناعة بيدك أو بينما تكون في مكتبك فالخطب سيان. انظر إلى جميع النقط التي تعرض لفكرك وآت بالاعتراضات وردها بما لديك من الحجج تنقضها بها وخمّر المادة العقلية التي بلغت منزلتها حتى إذا كنت في دارك بمعزل عن المكدرات وضوضاء الخارج اطرد من ذهنك جميع الشواغل الخارجة وخذ نفسك بما تريد أن تأخذه بها واجمع كل قوتك العقلية في الفكر في الفكر الذي يأخذ من نفسك بخط وتدبر فيما تريد بضع دقائق واشرع في التكلم جهاراً جائياً ذاهباً في غرفتك. تكلم على مهلك بدون أن تبحث عن تعابيرك ولا تهتم بحالة جملك ولا لصحتها من النحو الصرف ودوام بدون انقطاع ودع كلماتك تتساقط منك ولكن بأن تصل بينها ما أمكن اتصالاً جيداً أو رديئاً فتقارب بينها وتتشوش الأفكار فالقطع على هذا الضرب من الكلام تنتهي في الدمدمة أو لا تنتهي أبداً وأنت لا يأخذك قلق من ذلك بل ظل مثابراً أيضاً وتخط العوائق واطرح وراءك الفقرات التي لم تتلطف في رصفها ولا تبتئس قط لما لا تذكره حافظتك ولا لما يتخلل كلامك من المنافذ أو لضعف حججك وتفاهة براهينك وثابر ثم ثابر واذهب أدراجك لا تلوي على شيء وارفع صوتك حتى ينخفض ويخونك بطعه. وإياك أن تحبط إذا لحظت أن النتيجة التي تحصل عليها حقيرة فإن هذا الجهد الذي يبدو لك هزواً بانحلال السياق والسباق بين أجزاءه ربما عبث بنشاطك وخيب من أملك فليس هو من العبث بالدرجة التي تتصورها بادي الرأي. لا جرم أن مثل هذه التجربة لتربية ملكة الخطابة لا تنتج شيئاً إذا اقتصر عليه. ومهما بلغت من الثبات في الخطة التي اختطتها لنفسك ورزقت من الصبر لتجديدها على الدوام فإنك تصلح منطقك بالتدرج والكلام الذي تدعوه يأتيك عفواً أكثر من قبل ولا تستعصى عليك الجمل وتليز قناة الكلام وتتلاحم أجزاؤه على سلوب حسن وتنجلي الأفكار فتنال كل مرة نتيجة تحمد غبّ سراها فتصل بعد بفضل الثبات والصبر إلى ما تريد بلوغه من مراقي الكمال وإياك إذ ذاك أن تقنع بغير سلطة الإرادات العالية. لا يكفي السهولة في المنطق بدون ارتجال فكثرة مادة الكلام حسن ولكن الواجب تنظيمه وتخطيط الطريق الذي يجب عليه سيره حتى لا يضل في تفاهات لا منفذ لها: إن تعيين الخطة ضرورية في إنشاء خطاب مكتوب وهو ضروري أكثر عند إرادة الارتجال. إن القريحة المخيلة والمنطق في الخطيب التي تظهر بأنها منبعثة من ذهنه هي ثمرة التدرج والنظام العلمي باديء بدء وبدونه لا رباط ولا سياق. ثم شبه الخطيب بالمثل في حركاته ولكن تمثيلاً حسناً بحسن استعمال حركاته وسكناته لا تأخذه رهبة ولا جزع قال والأحسن أن يعمد من يحب التبريز في هذا الفن أن يتمرن أمام أصحابه ويقوم بينهم خطيباً كما لو كان بين غرباء وهو يدلونه على نقصه ويبينون له عوراته وبصحة الإرادة وفضل الانتباه يتوصل المرء إلى ما يريد حتى إذا حصلت له آنسة بالكلام يشرع في خطابه ببطء والمستمعون لا يستمعون له بكليتهم أولاً بل أن لهم من أحواله أعظم جاذب وعلى الخطيب أن يلاحظ وسط القاعة التي يخطب فيها أو آخر الحضور ويحدق النظر فيهم ليدلهم بلسان حاله أنه يعنى بإسماعهم وإقناعهم. هذا محصل ما اخترناه من الكتابين في الخطابة عند الفرنسيس وهم من الأمم المشهورة بفصاحتها وخطبائها الذين يحكمونها ببلاغتهم أكثر مما يحكمونها بسياستهم فالسياسي الخطيب منهم هو الذي يتسلط على النواب ببيانه ويتولى الوزارات والسفارات وكلما برز في هذا الفن استجاش أنصاراً وأحرز سمعة على وجه الدهر والخطيب بين العلماء وهو الذي يستولي كل الاستيلاء على المجامع العلمية والكليات ويكهرب الشعب بأقواله ويكثر أشياعه وأعوانه. تاريخ التاريخ جاء في برقيات الأجانس الملي وهي شركة البرقيات العثمانية يوم ٧ ربيع الثاني ١٣٣٥ و ٣٠ كانون الثاني ١٩١٧ ما نصه لما كان التاريخ المستعمل في البلاد العثمانية لا قيمة فنية له ودوام استعماله نقيصة في بلادنا التي عزمت عزماً أكيداً أن تتبوأ مكاناً خاصاً في ذروة المدينة العصرية فقد اقترحت الحكومة على مجلس النواب العثماني إهمال التقويم المذكور واستعمال التقويم المستعمل في جميع العالم المتمدن فقبل المجلس أمس لائحة القانون. وبناء على ذلك فسيعتبر اليوم السادس عشر من شباط سنة ١٣٣٢ اليوم الأول من آذار لسنة ١٣٣٣ وأما سنة الميزانية فستبقى مدتها إلى شباط حسب المعتاد. وقد صرح الشيخ بشير الغزي مبعوث حلب بأن لا مانع يمنع شرعاً من استعمال التقويم الغربي وكان فخر الكائنات عليه الصلاة والسلام يأمر دائماً بمراعاة الشؤن الموافقة لمصلحة المسلمين والتي توجب السهولة للأمة وعليه فمن الموافق لمصلحة الأمة قبول التاريخ الغربي المذكور مع المحافظة على التاريخ الهجري بهذا الاعتبار. قبلت البلاد العثمانية التاريخ الغربي وقد كانت سبقتها البلاد المصرية إلى قبوله أما سائر البلاد الإسلامية فلا شأن للتاريخ الهجري فيها إلا بين الخاصة على الأغلب والمعول عليه هو التاريخ الغربي أللهم إلا البلاد الإسلامية التي وقعت في قبضة روسيا وفي بلاد اليونان فإنهما تستعملان التاريخ الشرقي الذي كان المعول عليه في السلطنة العثمانية قبل هذا. وقد وافق مجلسنا النيابي اليوم على إبداله بالتاريخ الغربي الأكثر شيوعاً مع الاحتفاظ بالتاريخ الهجري كما كانت الحكومة تفعل في كثبها الرسمية فيكون الحساب الغربي كما كان الحساب الشرقي للداخلية والخارجية والحساب الهجري للداخلية فقط. ولقد كانت مسألة حساب السنين منذ القديم موضوع نزاع بين الأمم كل فريق بل كل أمة تتناغى في تاريخها وتحرص عليه. كتب إلينا أحد أساطين العلم الحديث في القاهرة منذ ثلاث سنوات وقد أرخنا كتابنا غليه بالهجري يقول: جاريتك في التاريخ الهجري ولكن يا أخا العرب لا يثبت في الأرض إلا ما ينفع الناس. والتاريخ الذي جرى عليه أصحاب الملايين والأساطيل والمدارس والمكاتب والعامل أرباب العلوم والفنون وأهل الجد والاجتهاد الخمس مئة المليون سكان أوربا والمئة والخمسون مليوناً سكان أميركا هذا التاريخ لا فائدة من تركة ولا يحتمل أن يزول وقد جعلت بهند والصين واليابان تستعمله وكانت العرب في أول عهدها تستعمل تاريخ الاسكندر لأنه كان شائعاً ولم يروا في ذلك ضعة. هذا ما كتبه صديقنا وهو من أفراد العلماء المعاصرين الذين نشروا للشرق علم الغربي منذ نحو نصف قرن وقد كتبنا وقت إذ لأستاذنا الشيخ طاهر الجزائري الذي يعرف الشرق والغرب علمه الواسع وحرصه على بقاء مشخصات الأمة فكتب إلينا بما يلي: عجبت لمن يسعون في أن نهجر التاريخ الهجري ويفاتحونا في ذلك كأنهم لا يعلمون أنا نعلم ما يرمون غليه عن بعد. لكل أمة شعار إذا تركته طمع فيها واستغفت جانبها وربما صارت بعد مدمجة في غيرها وقد سعى أناس منذ عهد بعيد في أن يضعفوا ما يقومي أمر الأحلام عموماً والعرب خصوصاً فنجحوا بعض النجاح فطمعوا في أن يقضوا عليه فلم يجدوا أقرب إلى ذلك من إضعاف أمر اللغة العربية والسعي في تبديل خطها والتزهيد في الكتب التي كتبت به جعلوا ذلك دأبهم ودينهم حتى أثروا في كثير من أبناء جلدقنا الذين يظنون أنهم في غاية من الذكاء والوقوف على أسرار الأمم فكان ما كان مما هو معروف. ثم زاد الأمر فطمعوا في تبديل التاريخ الهجري وساعدهم على ذلك جبت مصر اسمعيل ففرحوا فرحاً لا مزيد عليه وقال بعضهم الآن شفي الغليل من هذا الأمة غير أن كثيراً ممن انتبه لهذا الأمر سعى في إعادته على قدر الإمكان فيها فامتعض أولئك القوم وصاروا يلمزون كل من يسعى في ذلك ولما ظهرت مجلة المقتبس ورأوا أنها تستعمل التاريخ الهجري صاروا ينظرون إليها شزراً وعرفوا أنها ترمي إلى خلاف مرماهم ولو أمكنهم توقيفها لم يتأخروا عن ذلك. وليت شعري كيف يلام المسلم على أن يؤرخ كتابه بالتاريخ الهجري فهل انقرض التاريخ الهجري وهل يريدون أن ينقرض وأصحابه أحياء فإن قالوا أن المقصود توحيد التاريخ في الأمم وأوربا هي القوية الآن قيل أن أوربا لها تاريخان أحدهما شرقي والآخر غربي وكل يؤرخ به قوم منهم فهل أوقف ذلك التجارة أو أثر في المدينة شيئاً ولم لا يكلفون الانكليز تغيير مكاييلهم وموازينهم وأذرعهم لتتحد المقاييس في الأمم وتتغير ذلك ليس فيه عضاضة بخلاف التاريخ وقد رأيتهم يعتذرون عنهم ويعدون ذلك متانة في الأخلاق فانظر ما وصلنا إليه. . هذا رأي الأستاذين المشار إليهما ولكل وجهة وقد أثبت التاريخ أن الأمم كانت تتبع في تاريخها القوة والقوة اليوم للغرب فحبذا إلى مجاراته مع الاحتفاظ بتاريخ الملة. فقد قبلت الحكومة منذ سنتين الساعة الزوالية أو الوسطى وبقيت الساعة الشمسية مستعملة أيضاً فساعتنا اليوم ساعة برلين وفينا وباريز ولندن وسيكون غداً تاريخنا تاريخ برلين وفينا وباريز ولندن توحيداً للمناحي ورفعاً للألتباس والتوقف. ويجدر بنا في هذا المقام أن نامّ بتاريخ التاريخ عند الأمم القديمة فيتبين للقاري أن هذا الخطب قديم وأن البقاء على حالة واحدة ومراعاة التقاليد قد يصعب إلا إلى صد محدود. قال السيوطي في أوائله أن أول من ورخ بالهجرة عمر رضي الله عنه بمشورة علي رضي الله عنه سنة ست عشرة وسبب ذلك أنه كتب أبو موسى الأشعري إلى عمر رضي الله عنه أن يأتينا كتب ما نعرف تاريخها فاستشار عمر فقال بعضهم أرخ بمبعث النبي صلى الله عليه وسلم فإنه فرق بين الحق والباطل فأرخ به. ويقول القسطلاني في تعليقه على البخاري فجمع عمر الناس فقال بعضهم أرخ بالمبعث وقال بعضهم بالهجرة فقال عمر الهجرة فرقت بين الحق والباطل فأرخوا بها وبالمحرم لأنه منصرف الناس في حجهم فاتفقوا عليه. قال القرماني وأقدم التواريخ التي بأيدي الناس تاريخ القبط لأنه بعد انقضاء الطوفان ثم اجتمع رأي كل ملة فأرخ الروم واليونانيون بظهور اسكندر وأرخت القبط بملك بختنصر وأرخ بنو اسحق من مبعث نبي إلى مبعث نبي آخر وما زالوا يؤرخون بما كان من الكوائن حتى أتى عام الفيل فجعلوه تاريخاً قال المحب الطبري أمر رسول الله حين قدم المدينة بالتاريخ وكانوا يؤرخون بالشهر والشهرين من مقدمه صلى الله عليه وسلم حتى أرخ عمر بن الخطاب رضي الله عنه من الهجرة لأنها فرقت بين الحق والباطل وذلك سنة سبع عشرة أو ثماني عشرة من الهجرة وقدموا التاريخ على الهجرة بشهرين وجعلوه من المحرم. ويؤخذ مما قاله المسعودي في كتابه التنبيه والإشراف أن الأمم السالفة والأجيال الخالية والقرون الماضية كانت تؤرخ بالكوائن لعظام والأحداث الكبار عندها وتملك الملوك فمن أقرّ بالطوفان من الأمم كانوا يؤرخون به ثم أرخوا العالم بتبلبل الألسن بإقليم بابل فأما المجوس فلإنكارهم كون الطرفان المستولي على جميع الأرض أرخوا بكيومرت كلشاه معنى ذلك ملك الطين وهو عندهم آدم أبو البشر ثم أرخوا بقتل داريوس الملك وظهور الاسكندر الملك ثم أرخوا بظهور اردشير بن بابك وجمعه الملك واستيلائه على ملوك الطوائف ثم أرخوا بملك يزد جرد بن شهريار بن كسرى ابرويز بن هرمز بن خسرو انو شروان بن قباذ الملك وهو آخر ملوكهم. وكان سوالف اليونانيين والروم والقبط وهم السريانيون يؤرخون بملوك لهم متقدمين وكوائن وأحداث ثم أرخوا بسني الاسكندر بن فيليس وقد تتوزع في مبدأ تاريخ الاسكندر فمنهم من رأى أن ذلك من ابتداء ملكه ومنهم من رأى ذلك من أول السنة السابعة من ملكه حين خرج عن بلاد مقدونية إلى ناحية المغرب وغيرها من البلاد الإفرنجية ومنهم من رأى ذلك في غلبته على إقليم بابل وقتله دارا ابن دارا ومنهم من رأى أن ذلك من وفاته. وكانت القبط بأرض مصر تؤرخ بأول السنة التي ملك فيها بخت نصر وقد ذكر ذلك ابطليموس في كتاب المجسطي. فأما تاريخهم في زيجة فمن أول سني فيلبس أبي الاسكندر ثم أرخوا بملك دقلطيانوس الملك القبطي لعظم ملكه واستقر تاريخهم على ذلك إلى هذه الغاية. فأول هذه التواريخ تاريخ بخت نصر ثم تاريخ فيلبس ثم تاريخ الهجرة ثم تاريخ يزد جرد ذكر ذلك محمد بن كثير الفرغاني في كتاب الثلثين فصلاً الذي فيه ناكر جوامع المجسطي لا بطليموس وغيره من أصحاب الجيزة في النجوم والقوانين كالغزاري ويحيى بن أبي منصور والخوارزمي وحبش وما شاء الله ومحمد بن خالد المروروزي وأبي معشر جعفر بن محمد البلخي وابن الفرّخان الطبري والحسن بن الخصيب ومحمد بن جابر البتاني والتبريزي وغيرهم ممن تقدم وتأخر. وكان الإسرائيليون يؤرخون بوفاة إسرائيل وهو يعقوب بن اسحق بن ابراهيم ثم بخروجهم من أرض مصر مع موسى ثم أرخوا باخراب بخت نصر أورشليم وهي بيت المقدس وسبيهم إلى بابل وكذلك أرخت النصارى من مولد المسيح وغير ذلك من أحواله وأما الهند والصين ومن وافقهم من الأمم ممن قال بقدم العالم وأزليته فيأبون كون الطوفان عم جميع الأرض وما ذكر من تبلل الألسن وتواريخهم موضوعة على سوالف ملوكهم وأحداث عظيمة كانت في أيامهم وبأعالي الهند ومشارفها البيت المعروف بيت الذهب بدأ تاريخهم بعد ظهور اليدّ الصنم الأول فيهم وهو اثنا عشر ألف مضروبة في ثلثة وثلاثين ألف عام. وكانت العرب قبل ظهور الإسلام تؤرخ بتواريخ كثيرة فأما حمير وكهلان ابنا سبا بن يشجب بن يعرب بن قحطان بأرض اليمن فإنهم كانوا يؤرخون بملوكهم السالفة من التبابعة وغيرهم كملك تبع الأكبر وتبع الأصغر وتبع ذي الأذعار وتبع ذي المنار وأرخوا بنار صوران وهي نار كانت تظهر ببعض الحوار من أقاصي بلاد اليمن وأرخوا ببعث شهيب بن مهذم وملك ذي نواس وملك جذيمة بن مالك بن فهم بن غنم الدوسي وملك آل بني شمر من غسان بالشام وأرخوا بعام السيل وهو سيل العرم وخروج عمر بن مزيقيا بن عامر ماء السماء بن حارثة النطريف بن أمريء ألقيس بن ثعلبة بن مازن بن الازد من مأرب جماع غسان في قومه من الأزد وغيره من كهلان وحمير وتفرقهم في البلاد. ثم أرخوا بظهور الحبشة على اليمن ثم غلبة الفرس على اليمن وإزالة الحبشة إلى أن جاء الله بالإسلام. فأما تاريخ ولد معد بن عدنان فإنهم كانوا يؤرخون بغلبة جرهم العماليق وإخراجهم إياهم عن الحرم ثم أرخوا بهلاك جرهم في الحزم ثم أرخوا بعد ذلك بعام التفرق وهو العام الذي افترق فيه ولد نزار بن معد بن عدنان من وبيعة ومضر وإياد وانمار. ثم أرخوا بعد ذلك بعام الفساد وهو عام وقع فيه بين إحياء العرب وقبائلها التنازع والحروب فاستبدلوا الديار وتنقلوا في المساكن وأرخوا بحجة الغدر وكانت قبل الإسلام بنحو من مائة وخمسين سنة. وأرخوا بالحرب بين ابني وائل بكر وتغلب المعروفة بحرب البسوس. وأرخوا بحرب بني بغيض بن ريث بن غطفان المعروفة بحرب داحس والغبراء وذلك قبل البعث بنحو من ستين سنة وبحرب لاوس والخروج ابني حارثة بن ثعلبة وهو العنقاء. قال المسعودي: وكانت كل قبيلة من قبائل العرب تؤرخ بيوم من أيامها المشهورة في حروبها فكانت بكر وتغلب ابنا وائل بن قاسط بن هنيب بن أفعى بن دعمى بن جديلة ابن أسد بن ربيعة بن نزار تؤرخ بعام التحالف من أيام حروبهم المنسوبات إلى حرب البسوس وفزارة وعبسى ابنا بغيض بن ريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان ابن مضر بن نزار يؤرخون بيوم الجبلة وبنو عامر بن صعصعة بن معاوية بن بكر ابن هوزان يؤرخون بيوم شعب جبلة. وإياد تؤرخ بخروجها من تهامة وحروبها مع فارس الحرب المعروفة بوقعة دير الجماجم ثم أرخوا بخروجهم عن العراق إلى الجزيرة حين أوقع بهم سابور ثم أرخوا بعام الانتقال من ديارهم إلى بلد الروم. وتميم تؤرخ بعام الكلاب وهي الحرب التي كانت بين ربيعة وتميم. وأسد وخزيمة تؤرخ بعام مأقط الذي قتلوا فيه الملك حجر بن الحارث بن عمرو آكل المرار الكندي أبا أمريء القيس. والأوس والخزرج ابنا حارثة تؤرخ بعام الآطام لما تحاربوا على الآطام وهي الحصون والقصور. وطيء وحليمة تؤرخ بعام الفساد وهي الحرب التي كانت بين الغوث بن طيء وجديلة بن سعد بن فطرة بن طيء بجبلي أجاء وسلمى وما يلي ذلك من السهل ولم يزل في وصفنا من قبائل العرب يؤرخون بالأمور المشهورة من موت رؤسائهم ووقائع وحروب كانت بينهم إلى أن جاء الإسلام فأجمع المسلمون على التاريخ من الهجرة. وقد ذهب قوم من أصحاب السير والآثار إلى أن آدم لما هبط من الجنة وانتشر ولده أرخ بنوه من هبوطه فكان ذلك هو التاريخ حتى بعث الله نوحاً فأرخوا من مبعثه حتى كان الطوفان فكان التاريخ منه إلى نار ابراهيم فلما كثر ولد ابراهيم افترقوا فأرخ بنو إسحاق من نار ابراهيم إلى يوسف ومن يوسف إلى مبعث موسى ومن مبعث موسى إلى ملك داوود وسليمان وما كان بعد ذلك من الكوائن والأحداث وأرخ بنو إسماعيل من بناء البيت حين بناه ابراهيم وإسماعيل فلم يزالوا يؤرخون بذلك حتى تفرقت معدّ وكان كلما خرج قوم من تهامة أرخوا بمخرجهم ومن بقي بتهامة من بني إسماعيل يؤرخون بخروج آخر من خرج منها من قضامة وهم سعد ونهد وجهينة بنو زيد بن ليث بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضامة حتى مات كعب بن لؤي فارخوا من موته إلى الفيل ومنهم من كان يؤرخ بيوم الفجار بين قريش وسائر كنانة بن لؤي وبين قيس بن عيلان. وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم وقريش تؤرخ بموت هشام بن المغيرة المخزومي والفيل وقد ذكر للإبراهيميين تواريخ كثيرة منها التاريخ بوفاة ابراهيم ثم بوفاة إسحاق. وفي الإسماعيليين من كان يؤرخ بوفاة إسماعيل وغير ذلك. قال وكان عمر شاور الناس في التاريخ لأمور حدثت في أيامه ولم يعرف لها وقت تؤرخ به فكثر منهم القول وطال الخطب في تواريخ الأعاجم وغيرها فأشار عليه علي بن أبي طالب أن يؤرخ بهجرة النبي صلى الله عليه وسلم وتركه أرض الشرك فجعلوا التاريخ من المحرم وذلك قبل مقدم النبي عليه الصلاة والسلام إلى المدينة بشهرين واثني عشر يوماً لأنهم أحبوا أن يبتدئوا بالتاريخ من أول السنة وكان ذلك في سنة ١٧ أو ١٨ يتنازع الناس في ذلك. وذكر المقريزي في خططه أن لكل أهل ملة تاريخاً فكانت الأمم تؤرخ أولاً بتاريخ الخليقة وهو ابتداء كون النسل من آدم عليه السلام ثم أرخت بالطوفان وأرخت ببخت نصر وأرخت بفيلبس وأرخت بالاسكندر ثم بأغسطس ثم بانطيس ثم بدقلطيانوس وبه تؤرخ القبط ثم لم يكن بعد تاريخ القبط إلا تاريخ الهجرة ثم تاريخ يزد جرد فهذه تواريخ الأمم المشهورة وللناس تواريخ آخر انقطع ذكرها. وذكر البستاني في دائرة المعارف أن التاريخ الفارسي الجديد يسمى بالجلالي نسبة إلى جلال الدين بن ألب ارسلان السلجوقي فمبدأه يوم الجمعة عاشر رمضان سنة ٤٧١ هجرية. هذا إجمال تاريخ التاريخ في الأمم ونموذج من حجج القائلين بالاعتماد على التاريخ الهجري أو إبداله بالتاريخ الغربي أما الزبد فيذهب جفاء وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض. بين الشام والعراقبعض فصول من سياحة مطولة لصاحب الامضاء الثروة الطبيعية الشام قطر واسع هو باب الشرق إلى البحر الأبيض مؤلف من ثلاث ولايات هي بيروت ودمشق وحلب ولوائين هما جبل لبنان والقدس الذي يشمل البقاع الفلسطينية مهبط الوحي والنبوات ومشرق شمس الحكمة والديانات أما العراق العربي فمؤلف من ثلاث ولايات أيضاً هي بغداد عاصمة الخلفاء العباسيين والموصل رافعة لواء التمدين في العصور الوسطى ومدينة البصرة مجتمع العلماء ودار الباحثين من أقطاب الحضارة الإسلامية ويضيفون إلى العراق لواء نجد أو الإحساء الممتد على ساحل الخليج الفارسي وكان قبل أعوام قليلة تابعاً لولاية البصرة تدير شؤونه رأساً مع أن التقسيم الإداري في سورية أوسع منه في العراق فلا يزال ما بين النهرين أكثر مساحة وأجسم وضعاً. وإذا كان في الشام أنهار جميلة كالليطاني وبردى والعاصي والأردن والساجور التي تروي بلاد الشام ففي العراق نهران عظيمان هما دجلة والفرات يؤلفان شبكة من المياهفي هاتيك الجزيرة الزاهرة التي كان يقطنها نحو عشرين مليوناً من أعقل العناصر البشرية فطوراً ترى نهراً مصدره الفرات ومصبه دجلة وآونة تشاهد جدولاً يستقي مياهه من دجلة فيدفعها إلى الفرات وهكذا يرى السائح في هاتيك الربوع أنهراً متقاطعة هي منبع حياة الزرع والضرع في بلاد قليلة الأمطار وإذا تبخل السماء بمدرارها لم تبخل الأرض بأنهارها ويظل الرافدان سائرين من أعالي الأناضول حتى يلتقيا عند القرنسة فيؤلفان شط العرب الكبير الذي يروي أراضي البصرة والمحمرة وجزءاً كبيراً من بلاد إيران ويدفع هذا النهر ماءه في قلب خليج فارس عند مضيق الفاو على شواطئه فيكون طوله نحو ١٤٥ كيلو متراً وعرضه لا يقل أمام البصرة عن ٥٤٠ متراً وعمقه يختلف بين عشرة أمتار وخمسة أمتار وفيه تسير البواخر القادمة من أصقاع شاسعة كالهند وثغور فارس وبلاد الصين واليابان وأوروبا وأميركا ومصر ومنه تتفرع أنهر صغيرة كأبي الخصيب وهو معروف في كتب تخطيط البلدان العربية ونهر العشار وغيرهما فتفيض أوديتها ماءً نميراً بسبب وقوع المد والجزر مرتين كل يوم فتسيل على البساتين والحقول والمزارع وتسقي رياضاً وغياضاً في الإحصاءات المتقننة أنها لا تقل عن اثني عشر مليون نحلة أغلبها الموسرة في البصرة وما بقي منها فلامير الكويت ولحاكم المحمرة. وفي العراق غير هذه من الأنهار وأن وهو الذي حفه الإسكندر المكدوني على ما قيل وديالي المشهور في كتب العرب بشهر تامراً ويسقي مقاطعة خراسان العراق وهي أخصب بقعة فيه ونهر الغراف الذي يتفرع من جانب دجلة الأيمن أمام الكوت التي انتصر فيها حق العثمانيين على باطل الإنكليز وهو يمر بمدن وقرى كثيرة من ديار المتفق لاسيما مدينة الحي ويقال أنها مدينة واسط التي شيدها الحجاج أمير العراق على عهد الأمويين وهذا النهر يصب في ضفة الفرات اليسرى على مقربة من الناصرية التي بناها الأمير ناصر باشا السعدون أحد أقطاب الأسرة السعدونية صاحبة القول المطلق حينئذ على جميع قبائل العراق تقريباً ومن أحل الاطلاع على أخبارها فليراجع كتاب مطالع السعود في أخبار الوالي داود لعثمان بن سند البصري مخؤبق كتاب تاريخ نجد المطبوع في بغداد حديثاً وبقيت هنالك أنهار أخرى كالمجر الصغير والمجر الكبير والكحلة وهي تطفئ فلة ديار بعيدة الأكتاف مترامية الأطراف في لواء العمارة ومصدرها دجلة وتصب في المستنقعات الصالحة لزراعة الأرز وهناك قبائل وأفخاذ وبطون تتخذ ومنه خبزاً نقياً وفلما تأكل القمح غلا نادراً وطعامهم مقصور على السن والأرز والتمر وهم أقوياء الأبدان سمر للسحنات يستترون بمآزر فقط وصدورهم وأكتافهم معرضة لحرارة الحر وبرودة القمر. كل هذه الأنهار في العراق صالحة لسير السفائن البخارية والشراعية ففي دجلة تسير بواخر الشركة العثمانية التي أسسها أبو الأحرار مدحت باشا والشركة الإكليزية التي نالتامتيازها ايام السلطان عبد المجيد فأساءت الصنيع مما حمل العثمانيين على فسخه وفي الفرات والغراف وشط العرب تسير بواخر كثيرة للبريد ولتأمين الراحة وتوطيد الأمن وكما أن السكك الحديدية في سورية أحكمت عرى الروابط الاقتصادية بين حواضرها كذلك الطرق البحرية أو النهرية ربطت بلاد العراق بعضها ببعض وليس في العراق أنهار غير صالحة للسير إلا النهر وأن الخالص ودلي عباس فالأول مندرس ولم تبق منه إلا أطلال طامسة وأنقاض دراسة وكان مصدره من دجلة ما فوق سامراء بثلاث ساعات ويصب على مقربة من المدائن عاصمة دولة الساسانيين ويقول بعضهم باقياً إلى اليوم تعلوه بعض الركام من الرمال وعليه آثار القناطر والجسور ويقال أن صدره مشيد بحجارة من الرخام أفرغ عليه ذائب الرصاص ولذلك يطلقون عليه في سامراء اسم نهر الرصاصي وقد صرح كبار المهندسين في تقارير مطولة عليه في وزارة النافعة أن أحياء هذا النهر يتوقف على إنفاق ربع مليون جنيه ولكنه يسقي أصقاعاً بقعاً جرداء هي الآن لا تقل مساحتها عن ثلثمائة ألف فدان ومن ضفاف دجلة تتشعب أنهار أكثرها مندرسة كنهر القاطول وهو الذي يخترق قصور الخلفاء في سامراء ونهر الذهب فوق قرية الدور وهذه الأنهار كانت في عهد العباسيين تدر لبناً وعسلاً ولم يبقَ منها اليوم إلا أطلالها وآثارها. ومن الفرات تتفرع أنهار كثيرة في طليعتها نهر الحلة الذي أنفقت الدولة العلية على إحيائه نحو تسعمائة ألف ليرة فشيدت له القناطر والجسور والخزانات للمياه قرب الهندية إحدى ثغور الفرات وهو الآن يروي مقاطعة الحلة ومزروعاته لا تقل عن مائة ألف فدان فعادت النضارة والنضارة تجددت الحياة في هاتيك الأصقاع التي كانت مواطن للبابليين أرباب التمدن الزاهر، وهذا المشروع من أعظم وأفخم المشاريع التي قامت في العراق بل في البلاد العثمانية بأسرها. التجارة إن امتدت مساحة كبيرة من سورية على ساحل البحر الأبيض قد جعلها في مقام رفيع يحسدها عليه العراق كما تحسده هي على أنهاره فسورية تفوقه بسواحلها وثغورها والعراق يفوقها بمياهه النميرة وقد استفادت سورية بأن كانت أسبق بلاد العرب إلى الاغتراف من بحار التمدين والاقتباس من أنوار الحضارة العصرية فأصبحت كعبة القصاد غليها تشد الرحال من ديار قاصية وبلاد نائية طلباً للعلم وانتجاعاً للأدب في معاهدها وكلياتها على أنها مع امتيازها البحري لا تزال دون العراق في التجارة والمكاسب لأن الزراعة في مابين النهرين جعلت صادرة من الحبوب والتمور والأصواف والجلود والأسمان ومواد الأصباغ أكثر من وارداته من ديار الفرنجة وهي لا تتجاوز عشرة ملايين ليرة سنوياً ولذلك بقيت الثروة الوطنية في مواطنها فلم تتسرب إلى يد الأجنبي كما هو الشائع في سورية. ومن امتيازات العراق على سورية وغيرها أن فيه كنوزاً طبيعية وفيرة قلما توجد في البلدان الأخرى التابع البترول كثيرة في تخوم فارس قرب خانقين ومتدلي ومناجم الفحم الحجري قريبة من الصلاحية والإسفلت والملح والبورت تكثر قرب مدينة هيت القديمة فهذه الثروة الطبيعية أغنت العراق عن مد يد العوز والفقر إلى الأجنبي فقد مضت ثلاث سنوات على الحرب فلم يشك قلة البترول وهذه البواخر تسير في دجلة ووقودها الفحم الحجري العراقي وقس على ذلك أشياء كثيرة تظهر غنى العراق كالرخاء السائد في أقطاره في حين تشتد الضيق وتعسر المعيشة في الأقطار الأخرى ومن أدلة فقر القطر السوري بالنسبة إلى العراق مدينة حلب فأنهارها لا تكفي لإرواء بقاعها الواسعة ولولا مياه الأمطار التي يخزنها الحلبيون في الصهاريج على طراز فني أو غيره لماتوا عطشاً وظمأً وهكذا أقل عن القدس وهي تعد من أمهات مدن الشام وحينما كنا نقرأ في كتب تخطيط البلدان العربية كمعجم ياقوت وابن حوقل والبلاذري وابن خردانة والمسعودي ما خطته أنامل الكتبة القدماء ورددته السن الشعراء عن نهر قويق الذي يمر بجلب من الإطراء والمديح حتى قالوا أنه أعذب من النيل وأصفى من الفرات، كنا نحسب إخواننا الحلبيين يشربون نميراً ورحيقاً ولكن حينما كتب لنا الحظ بالسياحة إلى سورية وأطلعنا على هذا النهر الصغير الذي لا يصلح ماؤه للشرب ولا للطبخ المآكل عرفنا حينئذٍ أن الشعراء مبالغون على الأكثر وأن استخراج الحقائق من بين ثنايا أقوال الشعراء أمر محال. قلنا ان العراق أوسع تجارة من سورية وربما يلاقي بعض الناقدين هذا القول بالحيرة والاستغراب أو يحمولنه على محمل المبالغة والغلو بدليل أن سورية أقرب من العراق إلى القارة الأوروبية وأن أعلها ورثوا علم الاقتصاد والتجارة منذ أزمنة قديمة عن أجدادهم الفينيقيين فهي سياج الجزيرة العربية ومنفذها الوحيد إلى أوروبا والاستانة ومصر والحجاز واليمن كما أنها ملتقى الطرق البحرية فلا يعقل بعد كل هذه المميزات أن يسبقها العراق إلى تجارة هي أعرق منه وأعرف بها وبطرقها فنجيبه حينئذٍ إذا كان السوريون أبناء الفينيقيين فالعراقيون أحفاد البابليين وإذا صح أن دولة حمورابي هي أول دولة متمدنة في العالم اشتغلت بالتجارة والعلوم كما نطقت به الآثار والأسانيد التاريخية نفير غريب وليس بعيداً أن يسبق العراقيون غيرهم في معترك الحياة الاقتصادية. ومما يزيد تجارة العراق نمواً واتساعاً هو كون مدينة الزوراء فرضة تجارية لأكثر بلاد فارس وديار الكرد وهذا هو سر التزاحم الأوروبي على نيل امتياز خط حديدي يمتد من طهران إلى خانقين الواقعة على تخوم العراق وبينها وبين الوزراء نحو مائة وخمسين كيلو متراً كما أن الألمان عزموا - على ما قيل - على نيل امتياز خط من خانقين إلى بغداد أموال تجارية من أوروبا تذهب إلى فارس وهي لا تقل عن ثمانية ملايين ليرة وتربح منها الدولة وتجار العراق أرباحاً جزيلة وسبب ذهاب البضائع من أوروبا والهند إلى فارس بطريق بغداد هو أن ثغور فارس على الخليج في ثورات وحروب وفتن يتطاير شررها كل حين إلى ما يجاورها من البلدان والمدن بحيث تعطلت أسباب النقل ولنقطعت سبل المواصلات بينهما وبين العالم المتمدن ولذلك يفضلون طريق العراق التي تحميها الدول العثمانية ببأسها وهيبتها. لما فشلت إنكلترا في مزاحمة الألمان على نيل امتياز خطو بغداد الكبير حاولت أن لا يتناول الامتياز الألماني جنوبي العراق فيمتد خط من بغداد إلى البصرة فسواحل الخليج مخافة منها على القطر الهندي من أن تلعب فيه الأصابع الأجنبية ولكنها عجزت أيضاً عن تحقيق أمانيها وآمالها فحاولت بعد هذا الفشل والإخفاق أن تمد خطاً حديدياً يبتدئ من مدينة عهبادان التي اغتصبتها من سادتها الحقيقيين وأقامت فيها الأبنية الضخمة وسمتها لندن الشرق وينتهي إلى قصر شيرين محاذياً للتخوم العثمانية تجاه خانقين وماراً بمنابع البترول وكانت تضمر نيات سيئة وتبني العلالي والقصور من المكر فهي ترؤيد بهذا العمل أن تقتنص في شباك غدرها أربع فوائد الأولى: أنها تطرق العراق من جنوبه إلى شماله بنفوذها فتبذر فيه بذور الشقاق. الثانية: أنها تضرب تجارة بغداد ضربة قاهرة فينتقل طريق تجارة فارس منها إلى عبادان وهي فرضة إنكليزية وأقرب الثغور إلى أوروبا والهند وذلك لكيلا يستفيد الألمان من الخط الكبير فائدة عظيمة. والثالثة: أنها تعتمد إلى استثمار البترول الذي تمتد ينابيعه على تخوم العراق وفارس. والرابعة: أنها تعمد إلى كسر شوكة النفوذ العثماني على عشائر فارس وتريد أن تحدث شغباً وقلاقل على الحدود وتثير نار عصبية بين العرب والفرس. غير أن إنكلترا لم تنجح بمسعاها لأن الأمر ليس من الهنات الهيئات فهو متوقف على إرضاء العثمانية وفارس والاعتماد على صداقة القبائل وهذا شيء عسير دونه خرط القناد. كل هذه الشواهد التاريخية والسياسية نثبت لنا أن بغداد لا تمثل تجارة العراق فقط بل تمثل في الوقت نفسه واردات فارس وبلادة الكرد وصادراتها فكان العراق أوسع تجارة وأعظم أرباحاً من سورية ناهيك أن البصرة وحدها تصدر من التمرإلى أوروبا والهند ما لا يقل ثمنه سنوياً عن خمسة ملايين ليرة، هذا غير صادراتها من الأرز والقمح والشعير والدخن والذرة وغيرها من الحبوب والأثمار، أما الموصل فهي أخصب رقعة في هذا الملك الواسع والذرة وغيرها من الحبوب والأثمار، أما الموصل فهي أخصب رقعة في هذا الملك الواسع ويقول الخبيرون أن مزارعها وفيرة جداً حتى فاقت قونية وأزمير فمساحتها لا تقل عن تسعة ملايين دونم. والشعب هناك شعب تجارة وزراعة وأهل جد وكسب يسابقون الريح إلى الرزق يتجولون ويتنقلون ويطوفون العربية هي مصدر تجارة بلاد الكرد وجنوبي الأناضول وفيها أنواع الخيرات والبركات ولها وأن على دجلة ومن أعمالها مدينة كركوك أو شهرزور المعروفة في كتب العرب ونظنها أحمر لواء أو متصرفية في العراق فلها علائق تجارية مع فارس وكذلك أربل ولها تاريخ مجيد ومجد تليد ومنها يصدر الجبن والعسل والتين والجوز والزبيب والفستق والبندق ولو تيسر لهذه البلاد ما تيسر لسورية من أسباب النقل لكانت الآن زهرة يانعة ودرة ثمينة في تاج الاقتصاد العثماني وقد أحسن الألمان صنيعاً في تمديدهم خط بغداد الكبير ماراً بمدينة الموصل أحياء لتجارتها وزراعتها. تمتاز تجارة سورية من العراق بكون المسلمين هم أرباب الكلمة فيها والجاه العريض في أسواقها أكثر من مسلمي العراق فبيروت مثلاً تكاد تكون الأعمال فيها مناصفة بين المسلمين - على قلتهم - والمسيحيين وفي الشامة يؤلف أهل الإسلام الأكثرية في عالم التجارة وبضدها حلب فالأغلبية فيها للمسيحيين وهم أقدر من إخوانهم في الوطنية على التفنن بالبيع والشراء ولهم قدم راسخةة في علم الاقتصاد لمعرفتهم اللغات الأجنبية واختلافهم إلى مدن أوروبا وافتقادهم معاملها ومصانعها أما اليهود فلا شأن لهم يذكر في بيروت ودمشق ولكن سطوتهم طاهرة في فلسطين فقد أصبح زمام التجارة في قبضتهم كما هي الحال في بغداد والبصرة فالمسلمون هناك ضعفاء وقليلو الجرأة والخبرة في التجارة وشؤون الاقتصاد ولذلك تمكن الإسرائيليون من ناصية الثروة العراقية فامتلأت صناديقهم باللجين والنضار ولليهود في بغداد شركات كبرى لها معامل كثيرة في أوروبا والهند فالمسلم يكدح يمينه ويعرق جبينه تحت حرارة الشمس وبرودة الهواء والزوابع والأمطار والثلوج واليهودي في حانوته ومخزنه في رفاهه وترفه يبتر منه ثمرة عمله وسعيه ببضائع إفرنجية يبيعه غياها بأضعاف أثمانها وهو يجهل قيمتها الحقيقية وفي استطاعة الموسرين المسلمين في بغداد والبصرة وأن يوقفوا هذا السيل الاقتصادي الإسرائيلي بتأليف شركات تجارية تقاوم شركات الإسرائيليين أو تشاطرهم مكاسبهم على الأقل، ة ولكنهم انغمسوا في الملذات والشهوات بدل أن يفكروا في ما يضمن لهم السيادة في المستقبل. وأعرف كثيراً من المتمولين في البصرة وبغداد لا يقل ريع أحدهم عن عشرين أو ثلاثين ألف ليرة سنوياً ينفقونها عل السفاهات والخلاعات في الهند أو بين جدران قصورهم على موائد الميسر أو في جرعة من الراح وقبلة من خدود الملاحة فيصبح الملاَّك الموسر في البصرة رازحاً تحت أثقال الديون حتى يضطر إلى بيع أملاكه وأطيانه صفقة خاسرة ولو كان لليهود صلة مع العرب والفلاحين أو لو تكن عصبية الشيعة لكانت أكثر أملاك المسلمين تنتقل بطبيعة الحال إلى تصرف اليهود، فهذه العصبية هي التي أقامت لنا هذا الشبح الذي حفظنا به شرفنا الحالي ولو بالاسم فقط. إن ضعف اليهود الاقتصادي في دمشق وبيروت هو كضعفهم في الموصل وكركوك وهذا ما يدل على أن المسلمين في هذه الحواضر شعروا بضرورة الاعتماد على النفس ونبذ المعيشة الاتكالية وقد رأيت شبهاً عظيماً بين الدمشقي والموصلي في الطباع والأخلاق والعادات والمعايش فهما لا يميلان إلى البهرجة والفخفخة ونفقاتهم غالباً أقل من مكاسبهم فكأن الشبه بين سهول البلادين وجبالهما وبساتينهما وأمطارهما وبردهما وثلوجهما هو الذي أولد هذه المضارعة المحكمة بين الأمزجة والطباع. ولذلك فاليهودي في دمشق لا يستطيع مزاحمة هذه المجموعة العاملة فيقتحم صفوفها ويده أقصر من أن تمتد إلى المصارعة والمكافحة فهو كأخيه في الموصل لا صوت ولا شأن له يذكر في عالم التجارة والاقتصاد. للشام طرق واسعة للمكاسب كالاصطياف في لبنان حيث يرحل إليه عشرات الألوف من مصر وما يجاورها لقضاء فصل الصيف في جباله الشاهقة والتمتع بمشاهد الطبيعة وجمال الكون على البر والبحر وبين الأشجار وعلى ضفاف الأنهار، وتحت سماء صافية كصفاء دموع العاشقين ويقال أن ما يربحه الجبل لا يقل عن مائتي ألف ليرة في كل عام هذا مع توفر أسباب الراحة وفي سورية مكاسب وفيرة غير ما تقدم وهي ما تنفقه زوار المسيحيين في فلسطين وحجاج المسلمين في طريقهم إلى الحرمين الشريفين وطرق الموصلة ففيه مشاهد أئمة البيت كقبر الإمام على في النجف ومراقد الشهداء في كربلاء التي دفن فيها الإمام أبو عبد الله الحسين وأخوه الإمام العباس وأبناؤهما وأنصارهما في وقعة العطف وفي الكاظمية مدفن الأمامين محمد الجواد وموسى الكاظم وفي سامراء قبر الإمام حسن العسكري والمسجد المشهور بأن فيه السرداب الذي غاب فيه الإمام المهدي الذي ينتظر الشيعة بفارغ الصبر خروجه منه فيملأ الأرض عدلاً كما ملثت جوراً وحينئذٍ تدين الشعوب كلها بدين الإسلام. فهذه المساجد الضخمة أنفق الشيعة على تزيينها وتوزيعها القناطير المقنطرة من الذهب والفضة فالمآذن والقناب والأبواب والأروقة كلها مغشاة بالذهب والإبريز والأأبنية الداخليةة مرصوفة بقطع من المرائي والفسيفساء على طراز بديع ويقال أن مجموع ما أنفقه سلاطين العجم وملوك الهند من الشيعة على هذه المساجد يناهز عشرة ملايين ليرة والشيعة تقصد زيارة المراقد الطاهرة من ديار قاصية فيأتي إلى العراق كل عام نحو مائتي ألف شيعي من الهند وثغور فارس وسواحل الخليج وبخارى وخيوه والصين لزيارتها وتقديم الطاعة الدينية لها فإذا أن متوسطة ما ينفقه كل زائر خمسة جنيهات كان نصيب العراق سنوياً لا يقل عن مليون ليرة فهناك القومة والحجاب والمرشدون إلى آداب الزيارة والعلماء المجتهدون يعيشون من هذه الزيارات وعددهم يقدر بالألوف ومنهم من لا يقل ريع أحدهم سنوياً عن بضعة آلاف من الليرات وقد كان في النجف قبل حوادث فارس الأخيرة والحرب العامة نحو ثمانية آلاف طالب علم يقتاتون طوال السنةة بما يربحونه في بضعة أيام من الزائرين ولو كان في البلاد خطوط حديدية لكثر عدد السياح والزائرين واستفاد العراق أضعاف ما يستفيده اليوم وفي استطاعة أهل الحل والعقد أن يمدوا خطاً حديدياً من خانقين إلى النجف ماراً بكربلاء فإن خزائن الأئمة المملوءة بالمجوهرات والعقود الثمينة تكفي للقيامة بأعظم من هذا الخطة وحينئذٍ يرتبط العراق بفارس ربطاً محكماً ويتدفق سيل الثروة على الأمة العراقية من كثرة ورود المتدينين إلى زيارة العتبات. الصناعة الوطنية الصناعة في سورية أرقى منها في العراق ففيها معامل كثيرة لنسج الحرير والقطن والملابس العربية ومصانع كبيرة المصابون فإن دمشق وحمص وحماة ترسل كل سنة إلى العراق مقداراً جسيماً من المنسوجات البديعة على اختلاف أنواعها وكانت تباع في بغداد والبصرة والموصل بأثمان غالية هي مصدر حياة السوري زمناً غير قصير بيد أن تجارة المنسوجات السورية اعتورها بعض الوقوف ففقدت مكانتها القديمة لأنها لم تتجدد مع الزمان ولم يدخل الإصلاح إلى أنوالها ولأن منسوجات الهند والصين شرعت تنافسها وتقاوصها وكان ما يرد من الهند أرخص بكثير مما يره من سورية أما المتانة وحسن النسج فالناس لا ينظرون إليها بعين الاعتبار، ما دامت غالية الثمن وأعرف مخازن واسعة أصيبت بالإفلاس من أجل هذه المنافسة على أن جمهوراً كبيراً من العراقيين شرع بترك الملابس القديمة والإقبال على الملابس الإفرنجية فكانت الألبسة الصوفية والحريرية والقطنية القادمة من أوروبا وأميركا تزداد انتشاراً من حين إلى آخر كانت الصناعة الوطنية في تقهقهر دائم وفشل ما وراءه فسل لأن الصانع الوطني ضعيف المادة قليل العلم عديم الثبات أيضاً ولم تكن له من القرانين التي تحميه كما هي اليوم تجاه سيل الأجانب الاقتصادي وهكذا أبيدت وماتت صناعة الوطنيين في سورية والعراق وحلت مكانها الصنائع الأجنبية. في العراق كما في سوريةة بقايا من الصنائع التي عكف عليها أربابها غير مبالين بما يحيط بهم من الفقر والبؤس ففيه اليوم أنوال كثيرة لصناعة اتلألبسةة الحريرية وقد اختصت بها طائفة في بغداد لا يقل عمالها عن خمسمائة عامل وكذلك العباءة فلا تزال على اتقانها القديم وفي النجف وبغداد وكربلاء والقرنة والعمارة والحي عدد كبير من الصناع يزاولون منها شيء كثير إلى ديار الكرد وسورية والجزيرة وكذلك في العراق مصانع صغيرة للنسج الأرز والمناديل والكفافي والمناشف وهذه كلها على جانب عظيم من التجويد والاتقان. وفي هذه الحرب تجلى الذكاء العراقي بأحسن مظاهره وأبهى مناظره فإن العمال الوطنيين أصلحوا عدداً كبيراً من المدافع الإنكليزية التي اغتنمناها في ساحة الحرب وصارت صالحة لاستعمال قنابلنا وفي بغداد معمل حربي كبير وهو الذي أنشأه المرحوم مدحت باشا أصبح اليوم بفضل النابغين العاملين منبع حياة الجيش فهو الآن يصنع الألبسة والأقمشة والأجواخ ويصلح القنابل وألغام الديناميت والقذائف اليدوية وقد أصلح تلامذة مدرسة الصنائع الطيارات التي ربحناها من الإنكليز وفي الموصل مدرسة واسعة نظيرها قائمة على رابية شاهقة غربي المدينة توفرت فيها أسباب الارتقاء والتقدم وعلى الإجمال أن الصناعة الوطنية منحطة في القطرين الشقيقين ولكنها في سورية أرقى منها في العراق. التربية والتعليم يختلف التعليم في العراق عن التعليم في سورية أن الأول وطني محض والثاني مزيج بالأفكار الأجنبية التي أضرت القطر السوري وعطلت قراه الوطنية ففي سورية كليات ومعاهد راقية لا نظير لها في العراق ولكنها كانت مباءة للنفوذ الأجنبي وللمبادئ المضرة فمدارس المرسلين من الفرنسيس والإنكليز والروس والطليان والأميركان ليست الغاية منها خدمةة التمدين والإنسانية كما يتصور الجاهلون ولكن المقصد الوحيد منها هو بث الروح الأجنبية وإفساد العقائد وأضلال معقول وأغواء الشعب على احتقار العادات الشرقية أو الحضارة الإسلامية والتناغي بحب المدنيات التي تنتسب إليها هاتيك المعاهد فالمدارس والمستشفيات والملاجئ التي شيدها الفرنجة في الشرق هي مقدمة حملة عنيفة لإبادة الشعور الشرقي واستنزاف الثروة الوطنية قال أستاذنا الكبير سليمان نظيف بك في بحث له عن دار المجانين في الاستانة الذي كان قبل الحرب فرنسوياً فانقلب بعدها عثمانياً صرفاً ما يلي: في أثناء حرب القرين أو عقيبها بقليل أنشأ الفرنسيس في أحد أحياء الاستانة ستشفى كبيراً فظن الجاهلون أن الدافه لهم خدمة الإنسانية وأحكام روابط الألفة وأنا من جملةة أولئك المعتقدين بأن المفاسد والرذائل التي تتنخر عظام هيكل المدنية الشرقية لا تأتينا إلا من طريق المعاهد الأجنبية سواء قام بتأسيسها الأصدقاء أو الأعداء فأقل مقاصد الأجانب منها وأخفها ضرراً هو إحراز ثروة طائلة برأس مال صغير وخدمة تافهة وكيف تجد آلامنا وأوجاعنا صدى رحمة وشفقة في قلوب الروس ولكن كان لهم أمام مدرستنا الحربية دار للشفاء. . والعاقل المفكر متى وجد مدرسة أو معبداً أو مستشفى أو ملجأ خيرياً ترفرف فوقه الأعلام الأجنبية يعتقد لأول وهلة بأن ثروة الأوطان وسلامة استقلالها وحضارتها وأخلاقها ومعتقداتها أصبحت مخفوقة بالمخاطر والمهالكة ومهما كان العثماني سليم النية نقي الطوية فهو لا يرى فضلاً وخدمة لأولئك الاجانب المندفعين بسائق الغيرة المدنية ظاهراً إلى تسكين آلامنا وأوجاعنا فقد ثبت أن هذه الأمم الغربية تحمل الكتاب بشمالها والسيف بيمينها ثم قال عن فوائد هذه الحرب أنها علمت العثمانيين حياة الاستقلال وأطلعتهم على خفايا السياسة وكوامنها ومن أمثلة ذلك أن راية الهلال خفقت تعلى السارية التي كانت تخفق فوقه راية الألوان الثلاثة في دار المجانين فانقلب هذا المشروع الذي كان ملوثاً بأدران المفاسد السافلة والغاغيات الرذيلة إلى عمل شريف يخدم الإنسانية والبشرية. من مضار المدارس الأجنبية في سورية أنها حببت المهاجرة إلى الشبيبة حتى أن الوطن السوري لم ينتفع النفع المقصود من جمهور كبير من المتعلمين الذين برعوا في فنون كثيرة كالطب والهندسة والآداب والفلسفة والحقوق والعلوم الاجتماعية وفي كل سنة تهاجر إلى أميركا ومصؤر والسودان طبقات من الشبان المستنيرين بنور العلم والعرقان ولو كان التعليم في سورية وفي مدارسها الأجنبية على المناحي الوطنية الممزوجةة بروح العصر لكانت الحركة العلمية القائمة في هذا القطر منذ نصف قرن تقريباً قد رفعته إلى سماء المعالي والمفاخر وإلى مصاف البلاد الناهضة لأن خريجي المدارس يزدادون كل سنة زيادة محسوسة بيد أن العبرة في الأسلوب العلمي لا في كثرة المتعلمين والناشئين لكانت الأمة اليوم على أسلوبة واحد في عاداتها وأخلاقها ومبادئها وغاياتها على اختلاف المذاهب والأجناس وكلما اشتدت وطأة التعليم الأجنبي تصاغرت أمامها الوطنية وضعفت لعة البلاد واللغة الرسمية الواجب انتشارها لإيجاد صلة التعارف والتفاهم بين الحاكم والمحكوم وبين الرعية والرعاة ففي بيروت تسود اللغة الفرنسوية سيادة مطلقة وبها تجري المخاطبات والمكاتيات ودخلت أكواخ اتلفقراء كما شاعت في قصور الأغنياء وتنتشر اللغة الإنكليزية في لبنان وتضارع لغة البلاد كما تنتشر الألمانية في فلسطين فأصبحت اللغة العربية لا شأن لها في صميم بلادها بقطع النظر عن بعض بيوتات اشتغلت بآدابها وفلسفتها واختصت بنشر النافع من أسفارها وتكاد تكون اللغة الرسمية في حكم العدم تجاه الألسنة الأجنبية وهذا ما عاد على الأمة والوطن بالضرر الجسيم فقد صار المتعلم يعرف من تاريخ الفرنسيس والطليان والإنكليزة والألمان ما لا يعرف بعضه عن بلاده اليت أقلته أرضها وأظلته سماؤها أما في دمشق وحلب وبعض مدن الداخل فالحالة فيها على عكس مدن السواحل التي انبثت فيها مدارس المرسلين فاللغة العربية في قلب البلاد السورية أقوى بكثير منها في سواحلها - ماعدا بيروت - وكذلك يقال عن اللغة الرسمية التي وجدت أفذاذاً انكبوا على اتقانة آدابها ونشرها بين الشعب وقد رأيت كثيراً من الخاصة والعامة لاسيما في حلب وأعمالها يتكلمون بها هي والعربية على حد سواء. . اللغة والأدب اللغة في العراق راقية أكثر من رقيها في سورية كما يشهد المنصفون الذين عرفوا القطرين وامتزجوا بالشعبين فالنابغون في الآداب العربية كالشعر واللغة هم في العراق أكثر منهم في سورية فعلى وفرة المدارس واقتراب بلاد الشام من العالم المتمدن لم ينبغ فيها شعراء وفصحاء كالرصافي والزهاوي والشبيبي وشقيقه والكاظمي والحلي والهنداوي والعبيدي فهم أمثولة الشعر العربي اليوم وزبدة ما وصل إليه عقول العرب من الارتقاء في الآداب وأمثالهم في القطر المصري قلائل جداً يعدون على الأصابع ولا نظن حافظ ابراهيم وشوقي محرم يفوقون هؤلاء المشاهير العراقيين في شيء من قوة التصور ورقة الخيال ودقة المعاني وعذوبة الألفاظ على إننا لا نحرم سوريا من العدل والإنصاف فنعترف أن الإنشاء في سورية يفوق الإنشاء في العراق والفرق بين الفريقين بعيد وكبير فإن سورية قطعت مراحل واسعة في هذا الميدان وأحسنت في تقليد الإفرنج بأسلوبهم وتعبيرهم ولكي ينشأ في العراق كتاب مجيدون على الطرز الحديث كالريحاني وجبران خليل جبران والغريب في الأسلوب الإفرنجي وإضراب محمد كرد علي والمغربي وشكيب ارسلان في الأسلوب العلمي والاجتماعي ويجب أن تجتهد الأمة العراقية وتسعى أكثر مما سعت في إتقان هذه الأعمال الصحافية. فالعراق من هذه الوجهة لا يزال في دور الطفولية وعهده بالصحافة قريب. قلنا أن لغة العراق راقية وفضلناها على لغة السوريين لأن الأولى خالية من الألفاظ الأجنبية والتعابير الإفرنجية والثانية مشحونة بها وبكل ما هو دخيل في العربية وهذا ناشئ عن احتكاك السوريين بالأوربيين واقتباسهم نع أوربا العلوم والعرفان وعن بعد العراق عن بلاد الغرب وقلة احتكاكه بالأجانب ولما كان العرب حملة العلم ودعاة التمدين كانت ألفاظ اللغة العربية منتشرة في تعابير الفرنسيس والأسبان والطليان ولا سيما ما يخص المصطلحات الفنية ولكن لما تقهقر العرب في ميدان الحضارة وشرعوا اليوم بالأخذ عن مدنية أوربا دخلت إلى لغتهم بعض التعابير. والألفاظ الاصطلاحات كما هو المعروف في سورية وكلما كان القطر بعيداً عن الامتزاج بالأجانب كانت اللغة أقرب إلى الفصاحة والبلاغة وعلامة التعبير فلغة نجد واليمن وحضرموت والحجاز أفصح من لغة العراق لأن النجديين واليمانيين والحجازيين لم يمتزجوا ولم يختلطوا بالأعاجم حتى تفسد لغتهم ويتسرب الدخيل إلى ألفاظهم كما أن لغة العراقيين أقرب إلى الفصاحة من السوريين لأنهم أقل اختلاطاً بغيرهم وهذا القياس مقصور على اللغات الشائعة بين العامة لا على لغات الخاصة فإنها واحدة في جميع الأقطار وارتقاؤها متوقف على نسبة ارتقاء العلم وانتشار المدارس. في العراق كثير من أثمة اللغة والأدب والبديع والبيان والتاريخ والفلسفة القديمة ولكنهم لم يظهروا كما ظهر العلماء السوريين لأن المطابع والصحف في سورية ساعدت فضلاءها وأدباءها على نيل الشهرة والصيت بعكس العراق فهو حديث العهد بالمطابع وبالصحافة وتاريخها يرتقي إلى ما قبل الدستور بزمن يسير واعرف كثيراً من كبار العلماء والمجتهدين وأرباب العقول والمفكرين في العراق يترفعون عن الكتابة في الجرائد والمجلات ويعتقدون أنها من خصائص صغار التلامذة ولولا هذا الاعتقاد لعرف العالم العربي جمهوراً كبيراً من فطاحل العلماء وأرباب البحث والنقد وهم الآن منزوون بين جدران المعابد والمساجد. وكما نشأت في الشام بيوتات شريفة اشتغلت في العلم والأدب كأسرة البستاني واليازجي والشرتوني والأسير وأرسلان كذلك في العراق اشتهرت بنشر العلم والآداب بيوتات رفيعة العهد كعائلة الألوسي والسويدي والشبيبي والحلي والقزويني والشاوي والفاروقي فإن جميع هذه الأسر الكريمة مما توارثت العلم كابراً عن كابر منذ مئات من السنين. والنهضة العلمية في العراق أقدم عهداً من النهضة في سورية إلا أن الأولى اعتورتها الحادثات والكارثات والثانية جدت في طريقها فساعدها الزمان على النشوء والارتقاء ففي اليوم الذي أولدت بغداد شاعراً مفلقاً كالأزري الذي لا يزال شعره من أبلغ ما قالته العرب المتأخرون وعالماً كالشهاب الألوسي ولغوياً كالحلي لم يكن في سورية يومئذ - قبل مصر تقريباً - من احتذى حذوهم وسار على منوالهم وجاراهم في أسلوبهم وأعمالهم. وفي قطر العرق اليوم كلية علمية أو معهد أدبي يقطنه بضعة آلاف من التلامذة الذين يشتغلون في العلوم العربية وفي الاجتماع والفلسفة والأخلاق - ذلك المعهد هو مدينة النجف الأشرف فهي دار علمية أكثر منها مدينة. وعليها وحدها المعول في إحياء اللغة والأدب. حاشية   أنت يا شمس! أنت يا شمس علة العلل لحت تحيين ميت الأمل حجبتك الغيوم عن ملأ بات لما صددت في خبل عشقت الغيوم بازغة تذرين الأقمار في خجل ترسلين الشعاع مبتسماً يتجلى كالوحي للرصل وتشدين في السماء ضحى دولة تلك ربة الدول دولة النور لا ظلام بها أنت كؤنتها من من الشعل تدخلين الكوى بلا وجل وتنيرين ممظلم السبيل وتزورين عاشقيك فما إن تواريك خشة الملل كلما أشرق النهار بدا منك وجه يرام بالقبل تتمشين غير جازعة في فسيح الفضاء في مهل تبهرين الأبصار طالعة تتردّين أبهج الحلل حبذا أنت من محبّبة لقلوب الرائين والمقل ليت كف الهجران قد رقيت منك بعد الصدوه بالشلل ما عهدناك تعرضين قلى لحت يا شمس ربة البخل لا نطيق البعاد فاقتربي من كثيب يهواك أو طلل كيف يرضى الفؤاد منك نوى عنه والهجر غير محتمل إن ترومي عن أرضنابدلاً لم نرم نحن عنك من بدل للسماء بكاء من حزن إن تغيبي والشيب للجبل تتعرى الغصون نادبة ويبات النبات في وجن وتمور البحور لاطمة ما تعالى من شامخ القلل أشرقي يا ذكاء لا تدعي عامل اليأس منك ذا عمل قد صبونا إليك لا قتلت ملة الصابئين في الملل ما ترين القلوب تخفق من حسرات الأصطبار يلي ما ترين الأطيار صامتة عن بديع التغريد في شغل مذ تناءيت عن مرابعنا حلها البؤس غير مرتحل يا حياة النفوس لا تذري عالم الأرض ضيق الأجل ما بدا نورك البهيج به فهو في مأمن من العلل ما لحبل الصدود متصلاً بعد أن كان غير متصل وحجاب السحاب منسدلا ًبعد أن كان غير منسدل إبسمي يا ذكاء واطرحي بعض هذا الملام والعذل حنت النفس للربيع هوى وانتشاق النسيم ذي البلل وصغير العصفور منطلقا ًوثغاء الخروف والحمل وأرى القلب للرياض صبا ونشيد النسيب والغزل بك يا شمس ذال كل شجى وتولى الأسى على عجل الامتيازات الأجنبية جرى هذا الشهر التصديق القطعي المتبادل على مقاولات ومعاهدات بين الدولة العثمانية ودولة ألمانيا تتعلق بالقناصل وحق إقامة تبعة كل من الدولتين في مملكة الأخرى على شروط متساوية وحقوق متقابلة على نحو ما يجري بين دولتين مستقلتين من دول أوروبا العظمى. وكانت لرعايا الدول الغربية في البلاد العثمانية موقع خاص أمام القانون والمحاكم ولم تكن الامتيازات الأجنبية بمقتضى حقوق الدول المحصورة بالسفراء والموظفين السياسيين المرتبطين بهم بل كانت شاملة للقناصل أيضاً أما امتيازات الأجانب في الحقوق والاقتصاد فكان من شأنه إماتة الحياة الصناعية والزراعية في المملكة فلم تكد تقدر الحكومة أن تنظم تعرفة للمكوس ولا تعقد معاهدة تجارية كما تشاء لعهود كانت مربوطة بها ولم يكن في وسعها وضع انحصار لمستهلكاتها الداخلية فكانت نفقاتها الزائدة عن دخلها تسدد بالقروض الخارجية حتى قدر ما عليها من الدين بزهاء مائتي مليون ليرة. معنى الامتيازات الأجنبية في السلطنة العثمانية إعطاء الحق لرعايا الأمم المسيحية أن لا يحاكموا أمام محاكم المملكة بل أمام محاكم قناصلهم وكانت هذه الامتيازات سبباً من أسباب نجاح التجارة الغربية وضعف التجارة العثمانية ويلحق بالتجارة الصناعة والزراعة بالطبع. فكانت الدولة مغلولة اليدين عن الانطلاق في مصالحها الخاصة غير حرة في تقرير كماركها ولا في ترويج صناعتها تجارتها ولا في منح امتيازاتها ولا في محاكمها وكنا مع الأجنبي كما قال شاعر مصر: يقتلنا بلا قود ولا دية ولا رهب  ويمشي نحو رايته فتحميه من العطب وبلغت الحال في مصر في الابتلاء بالامتيازات الأجنبية أعظم شدتها في العهد الأخير وامتياز الأجنبي في القطر المصري وهو من أجزاء السلطنة العثمانية يدور على أن كل القضايا المدنية والتجارية التي تقع بين الأوروبيين والوطنيين أو بين الأوروبيين المختلفي الجنسية إن لم تكن من قبيل الأحوال الشخصية وكل القضايا المتعلقة بالأراضي والأطيان بين الأوربيين والوطنيين أو بين الأوربيين المتفقين أو المختلفين في الجنسية تنظر في المحاكم لمختلطة وإن كل الدعاوي الجنائية التي تقام على الأوربيين تنظر في محاكمهم القنصلية بحسب قوانين بلادهم ما عدا دعاوي معينة جعل النظر والفصل فيها من اختصاص المحاكم المختلطة ولا يجوز الدخول إلى منزل أوروبي وأميركي أيضاًَ غلا بعد مصادقة قنصله على ذلك ما لم يكن الدخول إلى منزله ناتجاً عن قضية جنائية تختص المحاكم المختلطة بالنظر فيها ألا تضرب ضريبه على الأوربيين من الضرائب التي يجبي لمال منهم فيها رأساً كالأموال المقورة إلا بعد مصادقة جميع الدول على ذلك. وهكذا كان يحكم في مصر في الحقيقة زهاء أربع عشرة دولة وكذلك في بلاد السلطنة وكان للصعلوك الغربي من الشأن ما تتضائل أمامه قيمة الشريف العثماني والمصري فالغربي في هذه البلاد ينجر وينتمي ويسرق ويشتط وقد يرتكب الجنايات وهو في حل من كل عقوبة ومن كل ضريبة مرعي الجانب محترم بين الخاصة والعامة يهدد بخادم قنصله فينال من العثمانيين والمصريين كل ما تطمح إليه نفسه ويدوس حقوق البلاد ويعق قانونها ويتمتع بخيراتها والغرم على أهلها فقط مع أن للغنم بالغرم في كل بلد أقامت للحقوق وزناً. نشأت الامتيازات الأجنبية في هذا الشرق القريب قبيل قيام الدولة العلية العثمانية وكان اختلاط ملوك الطوائف من الأيوبيين والجراكسة المماليك كثيراً مع بعض مدن فرنجة أي فرنسا ووجمهوريات البنادقة والجنوبيين والبيزيين أي إيطاليا ولما جاءت الدولة العلية منحت بعض امتيازات للأوربيين تفضلاً منها فأعطت في أيام قوتها ما استعملته الدول يعد سلاحاً في وجه الدولة ورعاياها فنتج شر مسطير من عمل انبعث عن مرحمة وشفقة فبلغت لقحة مبالغها بكيل أجنبي في هذه السلطنة وما زال يشتد خناق الامتيازات على الحكومة حتى الغتها أوائل هذه الحرب وكان من أحسن ما وقفت إلى عمله من الأعمال النافعة وهذه الحقبة من الزمن. ويقال على الجملة إن هذه الامتيازات الأجنبية بدأت في القرن الثاني عشر للميلاد فمنح أهل مرسيليا حق التحاكم أمام قضاة خصوصيين وأن يكون لهم في معظم مدن الشرق شارع خاص وكنيسة وفرن ونالت بعض المدن الإيطالية بعض الامتيازات في بعض الأقطار الإسلامية ولكن فرنسا سبقت في هذا الشأن فلم تنل امتيازات بسبب رعاياها فقط بل باسم الشعوب المسيحية ولما نالت فرنسا الامتيازات على عهد السلطان سليمان سنة ٩٤٣ اشترط مثل تلك الامتيازات لدولة الإنكليز ومنها ابتدأت العلائق وفي عهد السلطان مراد الثالث سنة ٩٨٥ هـ نالت الملكة ايزاببيلا امتيازاً خاصاً بتجار بلادها وهي أن تحمل سفنها العلم الإنكليزي وبه تدخل بلاد الدولة وكان يحظر عليها ذلك من قبل بل كانت السفن على اختلاف جنسياتها ما عدا سفن البندقية لا تدخل المواني العثمانية إلا إذا كانت تحمل العلم الفرنساوي كما قضت بذلك العهود المبرمة مع السلطان سليمان ابن السلطان سليم الثاني وتجددت في أوائل حكم السلطان مراد الثالث. فالمعاهدة التي عقدت بين السلطان سليمان القانوني وفرنسوا الأول ملك فرنسا سنة ١٥٣٩ وهي معاهدة صلح وتحالف كانت نموذجاً وأساساً لكل ما عقد بعدها من المعاهدات ومن سنة ١٥٣٥ إلى ١٧٤٠ جددت الامتيازات الفرنسوية في المملكة العثمانية اثنتي عشر مرة بدون إدخال تعديل كبير عليها وكان من الشر في ذلك أن أصبح رعايا الأجانب في المسائل المدنية والحقوقية يتقاضون أمام المحاكم القنصلية بل تقضي هذه بينهم في مسائل الجنايات أيضاً. ولما حمل نابليون الأول حملته المشهورة على مصر ١٧٩٨ - ١٨٠٠ احتلت الصلات بين الدولة العثمانية وإمبراطورية فرنسا ولكن عادت الحكومة العثمانية فاعترفت بالامتيازات الأجنبية وصدقت عليها في معاهدتي ١٨٠٢ - ١٨٣٨ وبعد حرب القريم أرادت الدولة العلية أن تتحرر من رق هذه الامتيازات فنظرت فيها وعينت الصلات التجارية فيها وعقد الباب العالي في سنتي ١٨٦١ - ٦٣ معاهدات تجارية جديدة مع فرنسا وبريطانيا العظمى وايطاليا وروسيا والنمسا والولايات المتحدة وبروسيا والاتحاد الجمركي الألماني وكلها تؤيد حق الأجانب في السلطنة وتحميهم. إن المعاهدة التي عقدها فيلنوب سفير لويز الخامس عشر ملك فرنسا لدى السلطان محمود الأول سنة ١٧٤٠ وما زالت مرعية حتى العهد الأخير وقد أيدت كما قلنا الامتيازات الممنوحة في العهود السابقة وأحدثت امتيازات أخرى فأعفت الفرنسيس من كل ضريبة وأصبحت تجارة القطن حرة ونالوا حق الصيد في بحار السلطنة وأصبح من حق سفرائهم أن يختاروا تراجمهم وكتابهم وقواصتهم ويتقدم سفراء فرنسا بحسب العادات القديمة في الأوقات الرسمية على سفراء أسبانيا وغيرها من الدول والأجانب الذين ليس لهم سفير يمثل دولتهم لدى الباب العالي يحق لهم الاتجار إذا جعلوا شعارهم شعار إمبراطور فرنسا وخفضت الرسوم الجمركية إلى ٣ في المئة للفرنساويين ويحق للأجانب الذين يحملون العلم الفرنساوي أن يدفعوا مثل هذا القدر عن بضائعهم أي كالفرنسيس وقضت المادة السبعون من قانون الامتيازات الأجنبية أن تصان منازل الفرنساويين وأن يكونوا أحراراً في إقامة شعائر أديانهم. هذا ما جاء في المصادر الإفرنجية ويقول مؤرخو الترك إن الدولة العلية لقد اتخذت لها سياسة خارجية للمرة الأولى على عهد السلطان سليمان القانوني وقد وقع السعي للاستفادة ما أمكن من تحسين العلائق بين العثمانية وفرنسا والبندقية وبولونيا وبالغت البندقية في استمالة قلوب رجال الدولة إذ ذاك وسعت إلى عقد معاهدة تجارية مع الحكومة العثمانية فاستنكف رجال حكومتنا بادي الرأي من إطلاق اسم معاهدة على العهد الذي وقع عليه بين الطرفين مدعين أن المعاهدة تعقد في العادة بين دولتين متساويتين وحكومة البندقية فضلاً عن كونها غير مساوية للدولة العلية في القدر هي تريد الاحتماء بها فبذلت لها هذه العناية وترجموا لفظة العناية بكلمة كابيتولاسيون ومعنى هذه اللفظة تطلق على كل قلعة عجزت عن المقاومة لشدة الضيق عليها وأذعنت للتسليم فانتهى ذلك على مرور الزمان بسائق غفلتنا إلى خروج الشيء عما وضع وكان من اثر ما ارتكب من التزويرات منح الحقوق المدنية لرعايا الأجانب وإدخال هذا التعامل في جملة الدساتير الجاري العمل بها بين الدول. وكانت صلاتنا مع فرنسا على صورة أهم فكان يعتبر ملك فرنسا من جملة الملوك العظام مثل شارلكان ولم يكن لملك ولا لقيصر موسكو هذه المرتبة واعتبر ملك فرنسا بأنه محالف للدولة العلية للخلاص من أسرة هابسبورغ النمساوية فظاهرته الحكومة العثمانية ولما سقط فرانسوا ملك فرنسا في يد شارلكن سعت الدولة العلية في إنقاذه كثيراً فالتجأت والدته إلى ملك الملوك سلطان العثمانيين فبفضلنا استفادت فرنسا كثيراً ولولانا كانت طعمة للنمسا مما انتهى بأن تعرف فرنسا بعد ذلك بأنها حامية المسيحيين في الشرق وكتبت المعاهدة بين الدولة العلية وفرنسا على مثال المعاهدة التي كتبت من قبل الدولة وجمهورية البندقية ولكن منحت فرنسا امتيازات أخرى فالمعاهدة التي كتبت مع البندقية كتمت هذه أمرها ولم تنشرها أما التي عقدت مع فرنسا فقد نشرتها هذه فصارت دستوراً للعمل في المعاهدات التي عقدت مع الدول الأخرى بعد ذلك ٩٤٢. وكانت الدولة تعتبر حكومات أسبانيا والبورتغال وجنوى داخلة مثل النمسا في منطقة نفوذ الإمبراطور شارلكان فلم تكن تعير التفاتاً يذكر وكانت تنظر إلى حكومة فلورنسا بعين الحب والولاء ولم تكن لنا إلى ذاك العهد صلات مع السويد وإنكلترا وفي تلك الأثناء جاء سفير العجم وعقدت صلات مع حكومة إيران وجاء سفيرها إلى الاستانة وكان كل سفير يرد على الأستانة يقدم هدايا جميلة من نفائس وأعلاق وذهب وأحجار كريمة إلى سلطان العثمانيين وكبار رجال سلطنته وظلت هذه العادة تضعف فبدأ بها سفير العجم فقدم عشر ما كان يقدمه أسلافه ثم أتم ذلك سفير فرنسا حتى بطلت العادة. جمهرة المغنين أو شرح قصيدة السيد عبد الرحمن ابن النقيب المعروف بابن حمزة التي يذكر فيها المغنين والندماء في الدولتين الأموية والعباسية لا مرية بأن الغناء راحة الروح وترجمان العواطف ومسرة الشعور ومثير الاحساسات ترتاح إليه النفوس على السراء والضراء وحين اليأس وينفث الإنسان به ما أكنه صدره في كمين التأثرات وجن في حنايا ضلوعه من خفي السرائر مما لا يدركه الوهم ولا يتوهمه الإدراك فما يكاد يطرق سمع السامع حتى يفعل به فعل الكهرباءة بالأجسام فكم من جبان عاد بتأثيره شجاعاً وبخيل أصبح جواداً أو عزهاة أمسى وامقاً فأي ناسك يسمع العاشق يناجي محبوبته مغنياً ومستفهماً هل تعلمين وراء الحب منزلة تدني إليك فإن الحب أقصاني ولا ينقلب أكثر صبابة من جميل بثينة بل وأي غريب يسمع الشاعر اليماني وهو يجود بنفسه نازحاً عن بلده يطرب بقوله: ولما تراءت عند مروٍ منيتي وخل بها جسمي وحمت وفاتيا أقول لأصحابي أرفعوني لأنني يقر بعيني أن سهيل بداليا ولا ينقطع نياب قلبه حنيناً لوطنه. ولم يستبد بالغناء قوم دون قوم بل ولا الإنسان دون الحيوان فما تغريد الطائر عند انصداع الفجر على غصن يأوده نسيم سج في روضة أنف بل وما بغام الظباء عندما تودع الشمس الأفق تاركة بوجناته أرجوانية من القبلات في فلاة لا يدرك الطرف أخرها الاغناء تعرب عما تتأثر به وكم من صادح رفرف على رأسه مغن والطير قد يسوقه للموت اصفاؤه إلى حنين الصوت ووحش أنس بصوت حسن وأشباه ذلك كثير فيما سنذكره في لمعة عن تاريخ الغناء والمغنين. ولقد اطلعت على قصيدة فريدة في بابها للسيد عبد الرحمن النقيب المعروف بابن حمزة يذكر فيها المغنين والندماء ومجالسهم عند خلفاء الدولتين واحداً بعد واحد إلى زمن الراضي ثم ذكر البرامكة وآل حمدان وابن العميد والصاحب ابن عباد ثم شفع ذلك بذكر الأماكن التي لها مناسبة ومساس بالموضوع كغوطة دمشق وشعب يوان وصغد سمرقند والأبلة ثم أورد طرفاً من مدينة العباسيين وعاداتهم في سكنهم ومعاشهم وختمها بتوديع كل ذلك بالسقيا لهم ولأيامهم شأن كل من اطلع على يسير من تاريخهم. فداخلني إذ ذاك من السرور ما الله به عليم لأنها طبقات رجال أكل الدهر على أخبارهم وشرب حتى أصبحوا نسياً منسياً لكنها لا تقف بالقارئ على أكثر من تعداد أسماء لا يعرف من حالها شيئاً (أعني المغنين) فرأيت إن أشرحها شرحاً يفسر من محاسنها ويكشف النقاب عن فضارتها بعد أن فاتحت بذلك أحد أركان العلم والأدب فما كان منه إلا أن نفث في روعي روحاً أججت فاتر الهمة فعند ذلك مضيت في العمل فما زلت التقت من كل كتاب نادرة وطومار نكتة شاردة أضم بعضها إلى بعض وأقرب المسافات بينها بالمناسبات (لتفرق ذلك في مبعثرات الكتب وعدم تدوينه في كتاب على حدة فيما وصلنا من الأسفار قليل ما هي) حتى أقمعته وأنا على ثقة من أني لم أبلغه درجة الكمال لكان جهد المقل وغاية المملق وتتميماً للفائدة صدرته بلمعة ذكرت فيها (تاريخ الغناء، وأول من دونه، وتأثيره، وآلاته، ومن دونت له صنعة فيه من الخلفاء وأولادهم، احتج به في جوازه، وتاريخ المغنين، ومنزلتهم، وترجمة صاحب القصيدة) وترجمة الشرح (بجمهرة المغنين). لمعة في تاريخ الغناء والمغنينتاريخ الغناء الغناء قديم وجد مع النفس فهو تربها الذي تأنس به وصاحبها الحميم تفزع إليه وقت الشدائد وتستعين به على تنمية ما تميل إليه من حزن أو سرور ولم يكن الغناء في فابر العصور على ما نعهده اليوم من ضبط القواعد والروابط بل كان بسيطاً ساذجاً وأول من جعل له قواعد وضوابط على ما قيل بطليموس وكان أول من غنى في العرب لعاد يقال لهما الجرادتان ومن غنائهما ألا يا قيين ويحك قم وهينم لعل الله يصبحنا غماما وهكذا كان غناء العرب في جاهليتهم ساذجاً كتغني الحداة في حداء إبلهم والفتيان بالقمر والنجم والفلاة والخيل. وقد ورد ذكر الغناء في شعرهم قال طرفة ابن العبد: إذا نحنا قلنا اسمعينا انبرت لنا على رسلها مطلوقة لم تشدد أي لم تتكلف وهذا هو الغناء الساذج وكانوا يطلقون على الترنم بالشعر اسم غناء وإن كان بالتهليل أو القراءة سموه تغيراً لأنه يذكر بالغابر ولم يزالوا على طريقتهم هذه بالغناء إلى أن جاء الإسلام ودوخوا الأقطار واستولوا على الممالك فكانوا إذ ذاك لا يطريون إلا بالقراءة والشعر الحماسي لتمكن الدين منهم ولأنهم في دور تأسيس وفتوح فلما استتب لهم الأمر غلب عليهم الرفه والترف بما حصلوا عليه من غنائم الأمم فمالوا إلى الدعة والسعة في العيش ورقت طبائعهم ولانت جوانبهم وتفرق المغنون من الفرس والروم فوقعوا إلى الحجاز وصاروا موالي لهم وغنوا جميعاً بالعيدان والطنابير والمعازف وسمع العرب تلحينهم للأصوات فلحنوا عليها أشعارهم وظهر بالمدينة نشيط الفارسي وطويس وسائب خاثر مولى عبد الله بن جعفر فلحنوا شعر العرب وأجادوا فيه وطويس أول من غنى في الإسلام الغناء الرقيق وعنه أخذ ابن سريج والدلال ونؤمة الضحى وكان يكنى أبا عبد المنعم وأول صوت غنى به في الإسلام: وقد براني الشوق حتى كدت من شوقي أذوب وما زالت صنعة الغناء تتدرج في مدارج الارتقاء إلى أن بلغت الغاية القصوى أيام بني العباس عند إبراهيم بن المهدي الموصلي وابنه اسحق وابنه حماد وكانت الدولة يوم إذ في عنفوان شبابها وكانت العرب اشتغلت في نقل العلوم وكان من جملتها كتب الموسيقى لليونان والهند فتناولوها ودرسوها وأصبحت الموسيقى عندهم علماً ذا أصول وألفوا فيها التأليف دع ما استنبطوه من الألحان واخترعوه من الآلات وأمعنوا في القصف واتخذت آلات الرقص في الملبس والقضبان والأشعار التي يترنم بها لميه وجعل صنفاً واحداً واتخذت آلات أخرى للرقص تسمى بالكرج وهي تماثيل خير سرجة من الخشب معلقة بأطراف أقبية يلبسها النسوان ويحاكين بها امتطاء الخيل ويكررن ويفررن ويثاقفن وكثر ذلك ببغداد وأمصار العراق وانتقل فن الغناء إلى المغرب بواسطة زرياب غلام الموصلبين فإنه لحق بالحكم بن هشام بن عبد الرحمن الداخل أمير الأندلس فبالغ في تكرمته وركب للقائه وأسنى له الجوائز وجعله من خواص ندمائه فأورث بالأندلس من صنعة للغناء ما تناقلوه إلى أزمان الطوائف وطمامتها بإشبيلية بحر زاخر وعقدت للغناء المجالس وماأدراك تلك المجالس قباب من بلور يتحدر الماء من أطرافها ومن حول القوم الحور وبينهم فتانة العينين مهضومة الحشا تنحني على ابن الطرب فتغنيه مشفقة. جادك الغيث إذا الغيث هما يا زمان الوصل في الأندلس لم يكن وصلك إلا حلما في الكرى أو خلسة المختلس وتناقل منها بعد ذهاب عضارتها إلى بلاد العدوة بإفريقيا والمغرب وانقسم على أمصارها: ولم يزل الغناء يتكيف بمجريات الدولة العباسية صعوداً وهبوطاً حتى جرت عليها جوار السعد والنحس فتارة تعتورها دواعي الانحلال وأخرى تصادمها هوادي الاضمحلال وهي تتماسك تماسك الريحانة في مهاب الرياح إلى أن قضى عليها القضاء المبرم فقضى معها الغناء كما قضت فنون الأدب وكثير من العلوم فلبثت علوم الأدب ومعها الغناء في طي الخفاء ماشاء الله أن تلبث فكان الغناء يعد في تلك الفترة لغواً وينظر للمغني بالنظر الذي لا يرضاه الأدب إلى أن بعث الله تعالى في هذه العصور الأخيرة في مصر والشام والعراق من نهض بالأدب من كبوته وبالغناء من القطرين الأولين من عثرته ولكن لم يزل الغناء حتى الآن في دور طفولتيه لم يبلغ الحلم كأخيه الشعر وسائر فنون الأدب التي قطعت شوطاً بعيداً. أول من دون الغناء اتفق الجمهور على أن واضع هذا الفن أولا فيثاغورس فإنه صنع آلة وشد عليها ابريسماً ووضع قواعد هذا العلم وأضاف بعده الحكماء مخترعاتهم إلى ماوضعه إلى أن انتهت التوبة إلى أرسطاطليس فتفكر فوضع الأرغنون وكان غرضهم من استخراج قواعد هذا الفن تأسيس الأرواح والنفوس الناطقة إلى عالم القدس لا مجرد اللهو والطرب. أما عند العرب فإن أول من ألف في هذا الفن يونس بن سليمان الكاتب الذي أخذ الغناء من معبد وتبعه كثيرون كالخليل ابن أحمد فإنه ألف كتاباً في الموسيقى زم فيه أصناف النغم وحصر به أنواع اللحون وحدد ذلك كله ولخصه وذكر مبالغ أقسامه ونهايات أعداده. وكيحو بن أبي منصور الموصلي فإنه ألف كتاباً في الأغاني وآخر في العود والملاهي وابراهيم بن المهدي ألف كتاباً سماه كتاب الغناء واسحق بن ابراهيم الموصلي ألف كتباً كثيرة في الغناء والمغنين. وبذل المغنية ألفت كتاباً في الأغاني يشتمل على أثني عشر صوت ويحي بن مرزوق المكي ألف متاباً يشتمل أيضاً على أثني عشر ألف صوت إهداء إلى محمد بن عبد الله ابن طاهر فوصله بثلاثين ألف درهم وشاع هذا الكتاب وصححه الموصلي وعبد الله ابن عبد الله بن طاهر ألف كتاباً دعاه الآداب الرفيعة في النغم وعلل الأغاني. وأمير المؤمنين عبد الله بن المعتز ألف كتاباً سماه الجامع في الغناء وغير هؤلاء كثيرون ولم يصلنا من هذه الكتب غير كتاب الأغاني لأبي الفرج الأصبهاني وهو من أجل كتب هذا الفن إن لم يكن أجلها. الشيخ عبد الرزاق البيطار فقدت دمشق في ١٠ ربيع الأول سنة ١٣٣٥ هذا العالم المنوّر والأديب المشارك عن ٨٢ عاماً (ولد سنة ١٢٥٣ هـ) فعز نعيه على كل من عرف فضله الواسع وأدبه الغض ومجالسه المفيدة ودروسه الممتعة. حفظ القرآن وجوّده في صباه وتمهر في علومه وأخذ بحظ وافر من الحديث والفقه والتصرف وكانت له يد في التاريخ والأدب والفلك والموسيقى وخلص في آخر أمره من قيود التقييد فكان يتكلم كلام من فهم أسرار الشريعة وتعلق بالكتاب والسنة صحيحة ولذلك لم يخل من حساد ومنافسين استعانوا بالسلطة الزمنية ليحطوا من قدره عند العامة. كانت مجالس الأستاذ الخاصة كمجالسه العامة مملوءة بالفوائد العلمية والأدبية إذا جد اشرأبت إليه الأعناق والأفكار وإذا مزح ارتاحت لمباسطته الأرواح والقلوب فكان جعبة أدب وظرف ظرف ما غشي مجلسه أحد إلا وتمنى لو امتد أمد الاجتماع به والاستفادة من مروياته ومحفوظاته والتسلي بوثائقه ونوادره. طبع بطابع الرقة وحسن العشرة وأوتي الضرب على العرق الحساس في الناس. نظم الشعر ومنه بعض المقاطيع والموشحات المشهورة المتداولة ونظمه أرقى من نظم الفقهاء. ودون شعر المغلقين من الشعراء وكتابته على طريقة السجع القديمة وقل أن انفك من أسره كما انفك من أسر التقليد الأعمى لبعض المتقدمين. وكانت في فن الموسيقى العربية مرجعا يعتمد عليه تخرج به أناس في هذه الحاضرة وساعده على ذلك عذوبة صوته وعذوبة حديثة فجمع إلى العلم بهذا الفن الجليل عملاً حتى كانت له في صباه وكهولته مجالس خاصة في الإنشاد والغناء المستجاد يحسده عليها كل من رزق ذوقاً سليماً وهي في غير ما محرم عقلاً وديناً وعرفاً بل يقصد منها راحة القلب من هموم الحياة وإلقاء النشاط في النفس لتقوى على العمل والانكماش وتدب فيها روح الشجاعة ورقة العاطفة وتلقن حب الوطن والملة. فإذا كان فقيدنا توغل في كتب السنة وأمعن النظر فيما قاله ابن تيمية وابن قيم الجوزية والشوكاني وحسن صديق خان فلم يفته تلحين شعر ابن الرومي وابن المعتز وأبي فراس وأبي الطيب وإن دعا إلة العلم الإسلامي الصحيح فما قصر في النسيب والتشبيب وما يطرب به الأديب. وإذا رتل الكتاب ترتيلا في محرابه وصومعته فما سلب من النفس حظها في خلوته وجلوته فهو متنسك متعبد وطروب مغرد مولع بتداول الأفكار وتسقط الأخبار ولوعه بتجويد الألحان وتوقيع الأوتار جمع بين زاد الآخرة ومقومات الحياة في الدنيا فذهب شيخاً معمراً شبع من دنياه وعمل لأخراه بما علمه مولاه. لم يشبه عصر الشيخ الأول هذا العصر في وفرة أنواره وسعة محيطه وظهور الحقائق فيه جلية فجاء منه في أول أمره رجل يقرب من الحشوية المظلمة عقولهم اللهم إلا في ذكائه وتحصيله فلما انتشرت كتب الأئمة رجع عن كثير مما كان يقول به في الأربعين والخمسين من عمره شأن العالم العاقل. ولقد كان يقول لصديقه فقيد العلم الشيخ جمال الدين القاسمي ياجمال أحمد الله على أن انتبهت وأنت في سعة من عمرك ولحيتك سوداء فتتمكن من الاستمتاع بعقلك ويتسع لك الوقت لنشر آثار فضلك أما أنا فلم يعد لي وقت طويل في الحياة وهاقد ابيضت لحيتي وشاب قذالي فانتبهت لأشياء كنت من القائلين بها وقد كبرت سني ووهن العظم مني فالآمال فيك وبأمثالك من الشببة والكهول محصورة. للفقيد عشر رسائل وكتب منها في الموضوعات الدينية والصوفية ومنها في الأبحاث التاريخية الأدبية وأهمها كتاب حلية البشر في تاريخ القرن الثالث عشر وهو في نحو ١٥٠٠ صفحة وقد تكلمنا عليه في مكان آخر من هذا الجزء والمؤلف على ما ظهر لنا من صداقتنا معه أعظم في اجتماعاته منه في كتبه لأن معظمها قد كتبه بسرعة قبل أن يفتح عليه فيما اشتهر عنه في آخر عمره وكم من عالم رزق الحظ فيما يكتب ولم يرزقه فيما يخطب وبالعكس ورب شاعر لا ينثر وناثر لا ينظم. نُكب المرحوم بفقد ولديه الوحيدين في آخر حياته فزهده ذلك في العالم وزحزحه عن التأليف والتدريس وعزفت نفسه عن عزف المعازف والاستزادة من أسباب المعارف وشغل أجزل الله توابه بأمر مبكياته عن مفرحاته ومنشطاته. والعمر كالكأس تستحلى أوائله لكنه ربما محت أواخره أخبار وأفكار النزهة والألعاب في المثل الإنكليزي أن الشاب الذي لايميل إلى النزهة والألعاب هو أحمق لايعرف قدر الحياة وفي الحقيقة أن السعي للتواصل الذي لايتخلله طرب وأنس يورث الأجسام والعقول أمراضاً كثيرة حيث يصاب المرء في عنفوان شبابه بالضعف والنحول ويخطئ المعتقدون أن في الألعاب ذهاب الوقت عبثاً فقد ثبت بالتجارب نفعها الجزيل ولها خطورة عظيمة في تقوية الجنس البشري فالألعاب تزيد الأجسام قوة ونشاطاً وتساعد على نمو الصدر والأكتاف بنوع خاص. لا تقتصر فائدة الألعاب الرياضية على صيانة الجسد من الأسقام بل هي تولد في الشاب الجرأة الأدبية في أعماله وتعلمه أن لايكون ضعيفاً عبداً لمطامعه وغاياته ضعيف الإرادة خائر العزم ومنهمكاً بما لافائدة فيه من الشؤون فهي حينئذٍ كما تفيد الوجود الإنساني كذلك أيضاً تزيد الأخلاق الفاضلة رسوخاً في النفوس والطبائع. فالجرأة ومقاومة الأتعاب والسيطرة على أهواء النفس والاعتدال ثمرة من ثمار الرياضة الجسدية وليس من المبالغة ماقيل: أن انتصار الدوق ولنكتون في معركة واترلو هو من آثار مواظبة على الألعاب البدنية في ميدان ايترن أفضل الدروس وأنفعها لأطفالنا وتلامذة مدارسنا هي الدروس التي يتلقونها وهم يلعبون على شرط أن لايكون اللعب كعمل يجب القيام به بل كنزهة أو فكاهة يتلذذ التلامذة بها لما فائدتها من الوجهة الصحية فنستشهد عليها بأقوال السير جايمس باسث هو من الأخصائيين المبرزين في علم حفظ الصحة قال: للألعاب تأثير كبير في الأخلاق فهي شاملة لمشاغلنا ومعاملاتنا اليومية التي تظهر من مقاييس أخلاقنا لأن الألعاب تجمع طبقات مختلفة من الناس للسعي وإشراك العمل لغاية واحدة وهي وإن لم تولد في الإنسان رعاية الحقوق واحترام الغير بسائق الطبيعة ولكنها تغرسها فيه بسائق الاعتياد فمهما تكن منزلة المنفعة عالية في ميادين السباق فهي دون منزلة الواجب لأن كل أحد يعرف أن اهتضام الحقوق أمر يجلب العار والشنار فالذين لا يتلاعبون بحقوق زملائهم في ميادين اللعب يكونون دائماً موضع التكريم والإجلال. قال الأستاذ ميخائيل فوستير في خطاب ألقاه: أن منشأ الأتعاب في الأعمال العضلية هو الدماغ وكل يعلم أن هناك أتعاباً منبعثة عن العضلات وهذا ما يبرهن أن الأشغال العقلية هي كالأعمال مترافقة بتبدلات كيموية تحدث في الدماغ والعضلات على طراز واحد إلا ماندر. وكما أن الجسم مفتقر إلى جريان دم غير مشوب لتجديد قوته بعد انقاذه من المواد السمية التي تجمعها الحركة فكذلك الدماغ محتاج أيضاً إلى هذا الجريان الدائم. كانوا قديماً يطلقون لفظة سبور على عامة الألعاب ويجعلونها شاملة لجميع أنواء. وأخيراً أصبحت مقصورة على السباحة في البحر والركض والقفز في البر وللإنكليز عناية خاصة بهذه الألعاب وهم أساتذة الشعوب الأوربية في هذا العلم فنبغ عندهم مشاهير المصارعين واللاعبين بطرائق مختلفة وقد قال أحدهم أن الرياضة البدنية ليست حادثة فينا بل انتقلت بطريق الإرث إلينا من أجدادنا القدماء. يبحث العلماء كثيراً في مسألة افتقار العنصر الإنساني إلى مياه نميرة في حين أن البشر مدينون للهواء أكثر من الماء فهو النوع الرقيق الذي ينفذ في جميع أطراف أجسامنا فتغسل بمادة لطيفة لا نشعر بها أبداً ومع هذا فهي قوية جداً تسير ببواخرنا في البحار وتنقل من الجبال الشاهقة إلى مدننا ألطف الروائح وأطيبها وتسمعنا أصوات أحبابنا وأنغام الطبيعة المطربة وماعدا ماتقدم نجد الهواء كنزاً ثميناً للأمطار التي تبتسم لها الأزهار والأشجار فإن الهواء يعدل حرارة النهار وبرودة أنواره في سماء الصباح والمساء فهو بلطافته وفائدته من أرق أنواع آرييل ١ اللطيفة وأجملها البحث كثيرة من الهواء الرديء على أن الحقيقة تقول بصوتها العالي أن ليس هناك هواء جدير بهذا الوصف القاسي فإن جميع النسمات لطيفة نافعة إلا أنها بأثواب مختلفة ولا جدال أن في بعض الأهوية مضاراً كبيرة للزراعة والحصاد إلا أن جميع أنواعها مفيدة للإنسان وقد قال الفيلسوف روسكين الهواء الفاسد غير موجود ولكن هناك أنواع مختلفة من النسائم المفيدة. ليس في الراحة والنزهة شيء من الكسل والبطالة فإن الجلوس تحت أغصان الأشجار الباسقة وفي الفنادق الشاهقة وسماع أغاريد الأطيار والأزهار والتمتع بمشاهدة انسياب الأنهار والنظر إلى السحب البيضاء المتكاثفة في كبد السماء لا يقال فيه جميعه ضياع للوقت الثمين. فالهواء الطلق هو نافع المفكر كنفعه للبدن وأن الأرض والسماء والجبال والحقول والمروج والغابات والأنهار والبحار أحسن مدرسة للإنسان يتعلم فيها من شؤون الحياة وانقلابات الكون مالم يتعلمه في الكتب والمدارس. والغني الذي يغتنم الفرصة من أوقاته لإجراء سياحة في البحر بقاربه أو لاقتطاف الأزهار المنعشة وصعود الجبال والسباحة في الأنهار يكون قلبه على الأغلب طافحاً بالسرور مع ارتقاء في صحته لأن مشاهدة الطبيعة أحسن غذاء وأجمل شراب ينعش القلوب والأفكار لاشبهة أن حصر الأوقات بالألعاب هو حياة لا لذة فيها فيجب على الإنسان أن لايضيع الطرب والأنس موضع أعماله الحياتية فيهمل بيته وحرفته وينبذ المطالعة ومزاولة العلوم والفنون ويميل بكليته إلى الألعاب بل يسير بنفسه في جادة الاعتدال والاستقامة فينال مستقبلاً زاهراً ونجاحاً باهراً. ومن الفكاهات والمسرات ما هي كاذبة وصادقة وقد سألوا سقراط الحكيم عن المسرات الصادقة فأجاب: هي النظر إلى الألوان الجميلة والمناظر البديعة وتشنيف الإسماع بالأصوات والألحان المطربة فإن ذلك يولد في النفس شعوراً رقيقاً. تختلف اللذائذ من بعض الوجوه ولكنها متفقة في حب البدائع والافتتان بالجمال غير أن الأستاذ فيليب يقول أن مايسر ذوي الأرواح هو الفرح والذوق والفكاهة أما أنا فلا أرى أيهم بل اعتقد أن العقل والذكاء والحافظة والرأي السديد هو أحسن للإنسان في حاله ومستقبله من جميع اللذائذ التي يميل إليها والأذواق الحقيقية لا تنحصر أبداً فالعائلة والأصدقاء والمعاشرة والكتب والموسيقى والشعر والصنائع والألعاب والراحة وجميع ألواح الطبيعة كالصيف والشتاء والصباح والمساء والليل والنهار والحرارة والبرودة والشمس والزوابع والمزارع والغابات والأنهار والبحيرات والبحار والحيوانات والنباتات والأشجار والأزهار والأوراق والأثمار لاتؤلف إلا جزءاً صغيراً من هاتيك اللذائذ إذا لم تكن حياتنا سعيدة فنحن المسؤولون أمام أنفسنا فنيل السعادة قائم بإرادتنا وعزمنا غير متوقف على أسباب خارجية كما يزعم ضعفاء العقول فالسعادة والشقاء والفقر والغنى والصحة والمرض أثر من آثار إرادة الإنسان فإن جهله يورث الكون خساراً أعظم من خسائر الزوابع والزلازل والحوادث الجوية. إن الغني القوي الإرادة يستطيع أن يكون سعيداً وغنياً صحيح البنية عالي المقام بين أبناء جنسه. قال جونسون في وصف إحدى المحاضرات أن ماتكلمنا به في هذا المساء جميل جداً فالمكالمة مع داروين ولايل وكنفسلي وروسكين وتيندال هي مفيدة لعقولنا كإفادة استنشاق النسيم لأجسامنا ومن هذا يظهر فضل الرياضة البدنية وانتجاع الهواء الجيد. وكما يجب على الإنسان أن يتعهد عقله بالعلوم والفنون ويقوي بدنه بالرياضة كذلك يجب عليه أن يكون طلق اللسان نصيحاً فقد رأينا كثيراً من مشاهير العلماء والباحثين لا يمكن الانتفاع من معارفهم إلا بصعوبة لأنهم لم يكونوا طليقي الألسنة والفصيح يكون جليلاً رفيع المقام بأعين الأمة. والفصاحة كغيرها لاتنال إلا بالمواظبة والمثابرة على مطالعة كتب المشاهير من البلغاء والفصحاء وقد قال رتامبل: أول واسطة للنطق بالكلام الخلاب الذي تميل إليه النفس هو الافتكار في الحقيقة وثانيها حسن الإدراك وثالثها الفرح ورابعها الذكاء والاستعداد وفي وسع كل أحد أن يقوم على الأقل بالوسائط الثلاث الأولى. إن كثيراً من النابغين قد برعوا في العلوم بطريق المناظرة والمسامرة ويقول الفيلسوف باكون إن الذين يسألون كثيراً يعرفون كثيراً وتكون معارفهم مبنية على أسس عملية وتراجم المبرزين في الفنون من رجال الاختراع والاكتشاف تبرهن لنا على أن أكثرهم لم يتخرجوا من المدارس بل درسوا في مدرسة الكون وكان لهم من صحة أجسامهم ما ساعدهم على مثابرة أعمالهم ومزاولة شؤونهم وفي الحديث العقل السليم في الجسم السليم. مطالعات ألوان الكواكب اللون الأبيض هو اللون العام في جميع الكواكب من سيار وثابت كالزهرة والشمس وبنات نعش: ومنها مايكون لونه أحمر مثل المريخ وبيت الجوزاء والدبران والسماك أو أصفر مثل المشتري والطير والجدي أو رصاصياً مثل زحل. ألوان الأبحر إن لون ماء البحر الرقيق أخضر والعميق أزرق وقد يكون أبيض كما في خليج غنينية وأصفر كالبحر الذي بين اليابان والصين وقرمزياً في نواحي كاليفورنيا وأسود مثل البحر المجاور لجزائر ملديفين وقد يكون بنفسجياً في الأبحر الأخرى. ومن هذه الأسباب سميت الأبحر بأسماء الألوان مثل البحر الأبيض والأحمر والأسود وينسب اختلاف ألوان البحار إلى كثرة النقاعيات وقلتها ونحو ذلك مما هو علة فسفورية البحر. معاني أسماء بعض الدول المتحاربة الجرمان بمعنى الجيران سماهم به الغاليون القدماء لمجاوريهم منهم ثم عمّ على جميع هذا الجنس. النمسويون اسم روسي أطلقه الروس على الجنس الجرماني والنمسوي الذي يرجع إلى أصل واحد وهو في لغتهم نيمتس أي الحرس لأنهم رأوهم في أول الأمر يعبرون عن مقاصدهم بالإشارات. العثمانيون نسبة إلى السلطان عثمان التركي مؤسس هذه الدولة العظيمة المؤيدة بنصر الله والترك نسبة إلى أحد زعمائهم المسمى ترك قديماً. البلغار نسبة إلى نهر فولكا لأنهم كانوا في ضفافه فقيل فولكار ثم حرّفت بلغار انكلترا و إيرلندة و اسكتلندة بمعنى أرض الأنكلوسكسون وهم قدماء الإنكليز في الأولى. وأرض الإيريشيين في الثانية. وارض السكوتيين في الثالثة وأطلق عليهم جميعاً اسم الإنكليز تحريف الكلمة الأولى. الفرنسيون نسبة إلى قبائل الفرنك أو الفرنج ويسمون الغاليين بمعنى الديوك. البلجيكيون نسبة إلى قبائل بلجة التي عمرت تلك البلاد. الروسيون تحريف ردتس أي أهل الشمال بلغتهم وأما الموسكوب نسبة إلى عاصمة بلادهم موسكو. تحليل بعض المسميات العصرية الثرمومتر من كلمتين يونانيتين ثرموس بمعنى حرارة و مترون بمعنى قياس فمجموعهما مقياس الحرارة البارومتر من لفظتين يونانيتين أيضاً باروس بمعنى ثقل و مترون بمعنى مقياس فالمعنى مقياس الثقل أي ثقل الهواء الأوكسجين يونانية عن أوكس بمعنى حامض و جنو مولِّد فالمعنى مولد الحامض. و الهيدروجين من هيدرو اليونانية بمعنى ماء و جنو مولد فمعناها مولد الماء والنيتروجين من نتروس اليونانية بمعنى الهواء و جنو مولد فالمعنى مولد الهواء. الإنكليز والهند نشرت جريدة عثمانيشر لويد فصلاً قالت فيه: لايبعد عن جادة الحق من يقول أن الهند في بداية القرن السابع عشر كانت بلاداً مجهولة عند الأوربيين وما كان اسمها يحل منهم محلاً ينفع في مصلحة شخصية أو وطنية وكان بعض علماء أوربا يعرفون عنها وعن عظمتها السالفة أموراً استقوها من الكتب وكثير من قصصها البديعة انتقلت إلى الشرق الأقرب فوصلت إلى أوربا وهذا كان جماع ما يعرف عنها فلم يكن الغربيون يذهبون إلى الهند بل ولا يفكرون فيها فكانت بمأمن من مطامع الغرب ولكن عندما أثبت أرباب الملاحة من البورتغاليين والهولانديين أن رأس العواصف أو رأس الرجاء الصالح يمكن اجتيازه بدون صعوبة في سفن كبرى أصبحت المسافة التي كانت تحمي بلاد الهند الجميلة من مطامع الأوربيين تقل سنة عن أخرى. وجاء بعد البرتغاليين والهولنديين إلى شواطئالهند أناس من عناصر أخرى فالمتمسوا أن يسمح لهم بالمقام في الساحل وكان من جاؤوا على هذه الصورة في أوائل القرن السابع عشر جماعة من الإنكليز يحملون كتاباً من ملكهم جاك الأول يوصي بهم فيه أخاه إمبراطور دلهي جهانكير فأذن لهم صاحب الهند أن ينشبوا مكاتب تجارية في سورات وكامباي وأحمد آباد وفي سنة ٦١٣ أصدر توقيعه في تأييد ملكيتهم على هذا الوجه أسست الشركة الإنكليزية في الهند الشرقية التي استرسلت حتى أدعت بعد الحق الأعلى على الهند. مضى قرنان فقط على موافاة حفنة من تجار الإنكليز بلاد الهند خاشعين متوسلين إلى أمراء الهند السماح لهم بالتجارة مع شعوبهم واليوم يحكم الإنكليز الهند حكم السيد للسود وقد انحلت شركة الهند الشرقية ومنذ سنة ١٨٥٨ أصبحت الهند تابعة لعرش انكلترا مباشرة ينوب فيها نائب الملك إذا كان الشكل الذي بدت فيه بريطانيا العظمى في حكمها بلاد الهند قد اختلف فالفكر واحد الإنكليز لم يقفوا فيها عند حد التجار بل أن السياسة التي اتبعوها في الهند مازالت سداها ولحمتها الربح والقانون الذي نوه لحكم تلك الديار التعسة هو قانون تجاري صرف فالهند في نظر حكومة بريطانيا مزرعة واسعة لا يقصد منها إلا استخراج أرباح أكثر وبحق ما دعيت الهند بأنها بقرة انكلترا الحلوب. ومن يعرف في إنكلترة تاريخ احتلال الإنكليز للهند يوقن بأن مااستمال قلوبهم كان الأمل في الاستئثار بغنيمة كبرى وعندما حكموا البلاد لم يغفلوا هذا المطلب بحال من الأحوال فإنكلترة مدينة في نجاحها المدهش لصلاتها مع الهند لأنها كانت منذ أواسط القرن الثامن عشر إلى يومنا هذا المنبع الأصلي لغناها ولكن تحت طي الخفاء. ومنذ دحيت الأرض لم يقع على مايظن عمل أنتج أرباحاً كثيرة كما ربحت انكلترا من استصغاء الهند وما اقتطفته من ثمراتها استطاعت به أن تكون لها المنزلة العليا في الصناعات ولكن أي نتيجة كانت للهند من وراء احتلال الغريب لها فالعالم لا يعرف من ذلك إلا النزر اليسير وذلك لأن الإنكليز يحظرون أن تشيع الحقيقة من طريقتهم في أحكامهم التي يزعمون أن أساسها الحب والتجرد عن الغرض وعلى العكس زي مداح الاستعمالر الإنكليزي يصفون الحكم الذي كانت خاضعة له الهند على عهد استقلالها أبشع وصف وإذا بحث المرد في الحق بحثاً مجرداً عن الهوى يؤدى به البحث إلى نتائج متخالفة متناقضة فيثبت له بدون نظر طويل أن الهند محكومة لمنفعة الإنكليز الخاصة بدون اهتمام لمصالح البلاد وما من سبيل إلى انكسار أن انكلترا تحقق في الهند ما يرقى بها إلى أوج الإرتقاء الوطني وأن موارد ثروتها قد نضبت وأن القحط الذي طالما شن عليها الغارة قد خربها وأدى بها إلى أن أمست من الأفقر أقطار الأرض وها بعد هذا دليل على سقوط الأحكام الإنكليزية التي يمتدح بها الإنكليز كأنها ضرب من ضروب النعم السماوية وكثير من حكامهم قد بدت من أفواههم على هذا بوادر تكشف القناع عن سر وجه السياسة التي اختطتها انكلترا لنفسها في الهند فقد قال السياسي الإنكليزي الهندي المستر ويليام تاكراي: يجب أن يكبح في الهند جماح عواطف الكبر واستقلال الفكر والميل إلى التفكر فيما يولد أحياناً الثروة فإن كل هذا مخالف كل المخالفة لسلطاننا ومنافعنا فنحن لا نحتاج إلى قواد ورجال إدارة وسياسة ولا إلى رجال قانون مشرعين بل نحتاج إلى حراث عامليم. وقال المركيز سالسبوري رجل المملكة الإنكليزية المشهور في عهده: إذا قضت الحال أن تقصد الهند فالواجب أن يغرس المبضع في الأجزاء المحتقنة أو على الأقل في الأطراف التي فيها مجرى دم كاف ولا تقصد من الأطراف التي ضعفت بما أصابها من فقر الدم. وقال أحد المؤلفين في سنة ١٧٩٢ أن الغاية الرئيسة التي جرت عليها انكلترا يجب الاعتراف بها حتى الاعتراف وهي أن تكتشف ما تستطيع استخراجه من رعاياها الأسياويين لا أن تحمل إليهم النعم. وهذه التصريحات وهي الخطة الحقيقة للسياسة الإنكليزية لا تبقي شكاً في أن الهند خاضعة لقانون جائر يحول نحو انكلترا قواها وغناها وقد أبان هندمان في عباراته الجارحة خلاصة هذه السياسة بقوله: الهند آخذة بالضعف فإن استيلاءنا عليها قد أضعفها حتى في أدق ألياف تركيبها فانفجر دمها بطيئاً ولكنه يزيد يوماً عن يوم. تقسم البلاد التي تدعى الهند قسمين القسم الإنكليزي والأقاليم الهندية ففي الأول تسود سلطة الإنكليز وبفضل ما صرفوه عليها من الأموال قد نجحت أحوالها نجاحاً تاماً أما الأقاليم الهندية فما عدا غراس الشاي والقهوة والنبل والجوت والممالك الإقطاعية فهي كل بلاد الهند ماعدا الأراضي التي عرضها خمسون ميلاً إنكليزياً الواقعة على جانبي الخطوط الحديدية وأماديح رجال السياسة الإنكليزية من حاكم الهند إلى وزراء بريطانيا تتناول هذه الهند الإنكليزية وكل ما يقال من الإطراء في الكتب الزرقاء المنتشرة في مسائل الهند يقصد منه الهند الإنكليزية ومادة مداح الاستعمار الإنكليزي للهند هي هذا الجزء من البلاد ولكن إذا نظرنا إلى ماوراء هذه الظواهر من بلاد الهند حيث يتحرك ثلاثمائة مليون من الأنفس نجد غير الصورة التي يرسمونها نرى في كل خطوة نخطوها من هذه البلاد مشهداً من البؤس الغريب وويلات تحدثها المجاعات وصعاليك لايكادون يجدون ما يغطي عوراتهم من اللباس وضروباً من الذكاء تذهب في الهباء وعقولاً تتبله وتتبلد وأناساً يعيشون بلا أما وكان من أمر الحكم الإنكليزي إن أصبحت المجاعات دائمية على ماتقرأه في الإحصاء المدهش المنقول عن تقارير رسمية فقد حدثت أربع مجاعات في الثلاثين سنة الأخيرة من القرن الثامن عشر ( ١٧٦٩ - ١٧٩٢ ) ومئة واثنتا عشرة مجاعة في النصف الأول من القرن التاسع عشر ( ١٨٠٢ - ١٨٣٨ ) وخمس وثلاثون مجاعة في النصف الأخير من القرن التاسع عشر ( ١٨٥٤ - ١٩٠٨ ) فمات بالمجاعة خلال القرن التاسع عشر فقط زهاء اثنين وثلاثين مليوناً من الأنفس قال ويليام ويجبي: أن ماحدث من هلاك النفوس البشرية بالحرب خلال ١٠٧ سنين ( ١٧٩٣ - ١٩٠٠ ) يبلغ خمسة ملايين على حين هلك في المجاعة في الهند خلال عشر سنين فقط تسعة عشر مليوناً من البشر وتقول الإحصائيات الإنكليزية أنه كان في الهند الإنكليزية أوائل القرن التاسع عشر تسعون مليوناً ما كلنوا يتناولون طعامهم عندما تحتاج إليه معدهم. ومثل هذه الشهادات تدل على سوء حالة البلاد التي دخلتها انكلترا في أشد أوقات ضيقها فحرمت من أسباب نجاحها المادي والعقلي ومضى عليها قرن وهي في حالة وقوف وعاش الشعب فيها بعيداً عن كل بهجة يوسف في الجهل والشقاء ويعامل بالخشونة التي لاتقل من خشونة روسيا في معاملة رعاياها. وقد عمدت إنكلترا في استعمال الهند إلا ثلاث طرق الأولى فتحها بالتجارة فبعد أن اضمحلت تجارة الهند وصناعتها افتقرت البلاد فقبضت عليها بريطانيا العظمى بيدها الاقتصادية وبما استنزفته انكلترا من أموال الهند أحرزت التفوق الصناعي الذي أخذت تدل به على العالم. والطريقة الثانية افتتاح البلاد بالضغط فكل مطلب عال قمع بشدة وكل رجل مستقل الفكر اضطهد بدون شفقة وكا ارتقاء عقلي جعلت أمامه السدود والحواجز والطريقة الثالثة طريقة الفتح بالتوحيش فإن انكلترا عمدت إلى خديعة الهنديين بأحاييل وأكاذيب حتى يكونوا خاضعين صابرين وبذلت جهدها في إفساد أخلاقهم وإذلالها وإبقائهم في جاهلية جهلاء وقضت فيه على كل عاطفة عنصرية ومابرحت تلقنه عظمة انكلترا وتطري له أعمالها. هذه هي الأساليب التي عمد إليها الإنكليز لحكم الهند فكان من نتيجتها أن جعلت سكانها حطابين وسقائين. لم يقتد الإنكليز بالرومان في استعمارهم وكان هؤلاء يجتهدون في التمثل بالشعب المغلوب وفي إدخال المناحي الرومانية عليه أما الطريقة التي اختارتها إنكلترا فهي استثمار المغلوبين وإذلال نفوس عنصرهم لإحلال عنصر آخر مكانه أليست هذه الطريقة من مرجيات الخجل للمدنية ومن الجنايات الإنسانية فلكي تغتني انكلترا تبيد في الهند كل صناعة وتأتي على الحياة العقلية وتفلج كل مشروع يراد منه نهضة شعب مؤلف من ثلاثمائة مليون نهضة تحسن أخلاقه وتطيب أعراقه. هذا ما قالته الصحيفة الألمانية عربناه ليطلع عليه القارئ ويتأمل فيه فإنه حوى مادة تاريخية لابأس بها. انتفاع أميركا بلغت قيمة صادرات الولايات المتحدة من ٣٠ حزيران ١٩١٤ إلى ٣٠ حزيران سنة ١٩١٦ مقدار سبعة مليارات وبلغت قيمة وارداتها ٣ مليارات و ٩ ملايين ريال فكان مقدار صادراتها على وارداتها ٣ مليارات ومليون ريال. فلكي تستطيع أوربا ودول الإئتلاف تسديد هذه المبالغ الطائلة البالغة ستمائة مليون ريال إنكليزية وربع مليون عمدت إلى ثلاث طرق اقتصادية مختلفة تصون الذهب الموجود في خزائنها بعض الصيانة وهي ١ دفع قيمة البضائع ذهباً ٢ وضع القيمة المذكورة أسهماً مالية أميركية ٣ دفعها من المال المأخوذ من قروض تعقدها دول الإئتلاف في الولايات المتحدة نفسها. أما سلوك الطريق الأولى فقد أكره دول الإئتلاف على إخراج قسم عظيم من الذهب المودع في خزائنها وتستطيع تحقيق ذلك من الذهب الذي يرد إلى الولايات المتحدة ويصدر منها فقد بلغت قيمة الوارد من أول آب سنة ١٩١٤ إلى آخر كانون أول من السنة نفسها ٢٣٢٥٠٠٠٠ ريال والصادر ١٤٩٧٠٠٠٠ ريال فزيادة الصادر على الوارد ٨١٧٢٠٠٠٠ ريال. أما في سنة ١٩١٥ أي بعد ما أسست أميركا المعامل العديدة المتنوعة للمتاجرة بدماء الأوربيين وأرواحهم فقد بلغت قيمة ما وردها من الذهب ٤٥٢ مليون ريال وما أصدرته ٤١٨٤١٠٠٠٠ على أن دول الإئتلاف شرعت أثناء هذه الحركة الهائلة التي تهددها بجرف جميع ما في بلادها من الذهب إلى العالم الجديد بتأسيس معامل حربية جديدة متنوعة في بلادها ولكنها مع ذلك لم تستطع الاستغناء عن المعامل الأميركية إلا قليلاً فقد كانت قيمة الوارد من الذهب إلى الولايات المتحدة من أول كانون الثانة سنة ١٩١٦ إلى ١٥ تشرين الأول من السنة نفسها ٣٩٠٠١٠٠٠٠ والصادر ٩٥٩٦٠٠٠٠ ريال فزيادة الوارد على الصادر ٢٤٩٠٥٠٠٠٠ فيؤخذ من خلاصة هذا الإحصاء الموثوق به أن قيمة ما ورد إلى الولايات المتحدة من الذهب منذ ابتداء الحرب العمومية حتى ١٥ تشرين الأول الماضي ٨٦٥٢٦٠٠٠٠ ريال وماصدر منها ٢٣١٨٢٠٠٠٠ ريال فالزيادة ٦٣١ مليون و ٦٤٠ ألف ريال زادت على موجودات الذهب في تلك البلاد بسبب الحرب. أما الأسهم المالية المشتراة قبل الحرب من الولايات المتحدة والتي أعيدت إليها في مدد مختلفة بعد الحرب مدفوعة ثمن مواد حربية فيؤخذ من أقوال أعظم الإحصائيين الأميركيين أنه قد بلغت قيمة أسهم السكك الحديدية الأميركية التي عادت إلى الولايات المتحدة بين ٣١ كانون الثاني سنة ١٩١٥ و ٣١ تموز سنة ١٩١٦ نحو ١٣٠٠٠ مليون ريال وفضلاً عن ذلك فقد عاد من أسهم شركة الحديد الأميركية ٧٤٨٥٤٧ سهماً اعتيادياً و ١٤١٧٣٦ سهماً ممتازاً أو هذه الأسهم انتقلت من أيد أوريبة إلى أيد أميركية أما قيمتها فإنها بموجب السوق المالية في ٣٠ حزيران سنة ١٩١٤ تساوي ٦٠ مليون ريال وبموجب سوق ٣٠ أيلول سنة ١٩١٦ تتجاوز قيمتها مئة مليون ريال. وأما القروض التي عقدتها الولايات المتحدة للدول الأوربية المتحاربة وأخصمها بالذكر دول الإئتلاف فقد بلغت ١٧٧٨٦٠٠٠٠٠ ريال حسب تقدير بنك إنكلترا يضاف إليها قروض عقدتها ولايات ومدن من كندا الإنكليزية تبلغ قيمتها ١٨٥ مليون ريال وقرض آخر عقدته مدينة دوبلين الإرلندية فيمته ٨ ملايين ٢٠٠ ألف ريال فالمجموع ١٩٨١٨٠٠٠٠ ريال دفع منها في أوقات مختلفة ١٥٦ مليون و ٤٠ ألف ريال فالباقي للولايات المتحدة الأميريكة على دول الإئتلاف في الأكثر ١٣٢٥٤٠٠٠٠٠ ريال و ١١ مليار و ٣٧٥ مليون فرنك مقسمة على الدول الآتية كما يأتي: إنكلترا ٨٥٨٤٠٠٠٠٠ ريال فرنسا ٦٥٦٢٠٠٠٠٠ ريال روسيا ١١٧٢٠٠٠٠٠ إيطاليا ٢٥٠٤٠٠٠٠ كندا ١٢٠٠٠٠٠٠٠ ريالولايات ومدن كندية ١٨٥٠٠٠٠٠٠ ريال ألمانيا ٢٠٠٠٠٠٠٠ ريالالمجموع ١٩٨١٨٠٠٠٠٠ ريال المدفوع ١٥٦٤٠٠٠٠٠ الباقي ١٨٢٥٤٠٠٠٠٠ ويجب أن يضاف إلى هذه المبالغ مقدار ١١٠ ملايين ريال اقترضته مدن فرنسوية من الولايات المتحدة ولن تسدد هذه المبالغ قبل نهاية سنة ١٩٢٥ وأنت ترى من هذا الإحصاء مبلغ ما ربحت الولايات المتحدة من أوربا فكأن هذه الحرب العامة نشبت لتستنزف أميركا من خزائن أوربا ما طالما استنزفته أبناء هذه مدة قرنين من الذهب. قصر فرعون نجحت البعثة العلمية التي يرأسها الدكتور فيشر الألماني المرسلة من كلية بنسلفانيا الأميركية في المهمة التي أخذت على نفسها القيام بها للبحث عن آثار الفراعنة في وادي النيل وكان للبناء الذي تطالت البعثة إلى الحفر عنه هو قصر مرنفتاح الثاني ملك مصر المعروف لورود ذكره في سفر الخروج فكان هذا القصر كبيراً للغاية مزيناً أحسن زينة وقد كان خرب في حريق أصابه فتهدم كثير من أجزائه وإذ عثروا فيه على آثار يونانية فقد استنتجوا أن الحريق لم يحدث إلا في القرن الخامس قبل الميلاد وربما بعد ذلك ولم يثبت إذا كان فرعون هذا قد أنشأ القصر في أيامه ولعله كان ذلك ولكن الثابت أن سكنه على نحو ما كانت عادة الفراعنة في مصر وأنه وسعه وأكمله فإذا كان هو الذي بنى هذا القصر فيرد تاريخه إلى القرن الثالث عشر قبل المسيح ويقول الدكتور فيشر أن طول القصر كان ٣٤ متراً وعمقه فيه ٣٠ غرفة مختلفة الحجم وأعظم قاعاته قاعة العرش طولها ٣٠ متراً بعرض ١٢ يدعم سقفها ست دعائم وتتصل بدهليز فيه ١٢ سارية بديعة وكان منقوشاً أجمل نقش كما تبين ذلك الآن. والبارز من صوره على غاية من اللطف مموه بالذهب والعرش مع الدرجات التي تؤدي إليه ما زالت بحالها ومن غريب ما وجد فيه أمتعته ومما يدهش له الزائر مجموعة من العاديات قبل التاريخ مثل مدى وسكاكين مختلفة الأجناس ورمايا سهام من الحجر وقدور ومواقد مما استدل منه أن ذلك كان شائعاً في الاستعمال عند المصريين وهذه العاديات تنير تاريخ وادي النيل ويستغرب وجودها في هذا القصر الفرعوني وقد استنتج مكتشف هذا القصر أن فرعون هذا كان جماعة للآثار وأقام في قصره متحفاً تاريخياً حقيقياً. مخطوطات ومطبوعات حلية البشرفي تاريخ القرن الثالث عشرللشيخ عبد الرزاق البيطار الدمشقي هو مخطوط في تاريخ رجال هذا القرن وقد ورد فيه ذكر بعض الوقائع بالعرض مثل وقعة سليم باشا والي دمشق ووقائع إبراهيم باشا المصري ووقائع احمد باشا الجزار وحادثة الستين وغير ذلك رتبه مؤلفه رحمه الله على حروف المعجم وتعرض لترجمة المشهورين من المسلمين في الشام ومصر والحجاز واليمن والعراق والجزيرة وبعض من لهم شهرة في الطريقة أو الإدارة ومن المشاهير الذين ترجمهم السيد محمد عابدين وإبراهيم باشا ومحمد علي باشا وتوفيق باشا والأمير عبد القادر الحسني والسيد أبو الهدى الرفاعي وعارف حكمت بك ومحمد بن عبد الوهاب وداود باشا وجودت باشا والشهاب المنبي وجمال الدين الأفغاني والشيخ حسن العطار والشهاب محمود الألوسي ومحمود أفندي حمزة والسيد مرتضى الزبيدي وإضرابهم من النابهين وغيرهم كثير من الحاملين. وقد كان المؤلف رحمه الله عهد إلى حفيده الشيخ محمد بهجت البيطار بأن يبيض ما سوده ويحذف جملاً منه لا يرى لها علاقة بالتاريخ ولا تفيد إلا تكبير حجمه على غير طائل وهو اليوم آخذ النفس بذلك ورجاؤنا أن يتم له ما يريد ويريد الحريصون على تتمة سلسلة تاريخ الرجال في هذه البلاد من طبع هذا السفر إحياء لذكر جده وإفادة للعلم والآداب. وفي هذا الكتاب وهو على طريقة خليل أفندي المرادي مؤرخ رجال القرن الثاني عشر في الأسجاع إلا قليلاً شيء من شعر المترجمين ونثرهم نموذج من انحطاط الآداب العربية في هذه الحقبة من الزمن وآداب لغتنا من منظومها ومنثورها لم تأخذ بالرقي في الحقيقة إلا في هذا القرن الرابع عشر وقد نبغ فيه ولاسيما في مصر كتاب وشعراء لم ينبغ أمثالهم إلا في القرون الثلاثة التي سلفت أعادوا اللغة إلى نضارتها في القرون الأولى إذ جمعوا في آثارهم بين رونق المتقدمين وعلم المتأخرين. إيضاحاتمن المسائل السياسية التي جرى تدقيقها بديوان الحرب العرفي المتشكل بعاليه نشره القائد العام بالجيش الرابع طبع بمطبعة طنين في دار السلطنة سنة ١٣٣٤ ص ١٢٥ . هو سفر جمع أنباء جمهور من اشتركوا في مسائل سياسية تتعلق بقلب حالة البلاد السورية وحوكموا محكم بإعدام زعمائهم وقد صورت خطوط بعضهم وذكر السبب الداعي إلى عقوبتهم مع صور ما نشره من المناشير السرية والجهرية وقد طبع الكتاب باللغات الثلاث العربية والتركية والإفرنسية ليكون عبرة الحاضر والغابر. جدول التشكيلات الملكية هو كراس في ١٦٦ صفحة صدر بالتركية من المطبعة العامرة في الأستانة وفيه أسماء الولايات والألوية والاقضية والنواحي العثمانية نع جدول في آخره رتب على حروف الهجاء. وفي هذه الجداول أغلاط مطبعية كثيرة عسى أن تصلح في الطبعة الثانية وأن تزاد معلومات كافية عن كل بلد وقصبة تكون بمثابة معجم معتمد لبلاد السلطنة يعهد إلى جمعه إلى أناس أخصائيين بالجغرافية والتاريخ ممن يكونون درسوا وساحوا وطبقوا العلم على العمل. إيقاظ الأخوانلدسائس الأعداء وما يقتضيه حال الزمانتأليف الشيخ إسماعيل الصفايحيطبع في المطبعة العسكرية في الأستانة سنة ١٣٣٣ ص ١٠٤ مؤلف هذا الكتاب من قضاة تونس سابقاً وقد أجاد في تأليفه هذا فذكر شروط الخلافة واحكمها وخدمة الدولة العلية للإسلام والمسلمين وحملات أعدائها عليها في العصور المتأخرة مستنداً في ذلك إلى التاريخ الصحيح فاستحق الثناء لأريحيته ولبعد نظره وصحة أحكامه وصدق روايته.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_95.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.95.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
