<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.94.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.94.TEIP5:</urn>
<passage>ري اطنة إقليم أطنة أو آذنة أو كيليكيا هو اليوم عبارة عن لواءي أطنة وأيج آيل وكانت العرب تقول لها الثغور واسم الثغر كما قال جغرافيو هم يشمل بلاداً كثيرة وهي البلاد التي كانت معروفة في القرن السابع للهجرة ببلاد ابن لاون ولا قصبة لها لأن أكثر بلادها متساوية وكل بلد منها كان أهله يرون انهُ أحق باسم القصبة فمن مدنها بياس ومنها إلى الاسكندرونة مرحلة ومن بياص إلى المصيصة مرحلتان ومن المصيصة إلى عين زربة مرحلة ومن المصيصة إلى آذنة مرحلة ومن آذنة إلى طرسوس يوم ومن طرسوس إلى الجوزات يومان ومن طرسوس إلى أولاس على بحر الروم يومان ومن بياس إلى الكنيسة السوداء وهي مدينة أقل من يوم ومن بياس إلى الهارونية مثله ومن الهارونية إلى مرعش وهي من ثغور الجزيرة أقل من يوم وهذه الثغور الشامية تدعى بالعواصم. وقال جغرافيو الإفرنج في تحديد كيليكيا يحدها شمالاً ليكاونيا وكبادوكية وشرقاً سورية وغرباً بامفيليا وبيسديا وجنوباً البحر الرومي وهي سهول مخصبة منبسطة يسقيها وجيحان والبردان وكانت كيليكيا تقسم إلى قسمين شرقي وهو سهل كيليكيا وهو عبارة عن لواء أطنة اليوم وغربي وهو الجبل وهو عبارة عن لواء أيج آيل ومركز الشرقي منه طرسوس ومن مدنه سولس وماله وايسوس اياش وعين زربة وأهم مدن القسم الثاني سلفكة سيلنونتة سلندي كلندريس كلندرة أصل سكان هذه البلاد من السريان وكان يطلق عليهم اسم لوقو كيليكيان أي السريان البيض تمييزاً لهم عن أهل سورية وقد أعمر مهاجرة اليونان بعض سواحل هذه البلاد وجعلوها مدناً وفتحها كيخسرو وضمها إلى مملكة فارس وجاء الاسكندر فاتحاً ثم ضبطها بطالسة مصر وافتتحها بومبوس وضمها إلى المملكة الرومانية وكانت أصبحت ملجأ لقرصان البحر ووقعت من سهم المملكة الشرقية كما انقسمت المملة الرومانية إلى شرقية عاصمتها القسطنطينية وغربية عاصمتها رومه وقد فتح الأمويون هذا الإقليم وكان يحكمه على عهد الصليبين بنوليون الأرمن وافتتحها السلجوقيون بالتدريج ولما انقرضوا انقسمت بين أولاد قره مان ورمضان وحكومة ذو القدرية ثم أضيفت إلى المملكة العثمانية في عهد السلطان محمد خان الثاني وبايزيد الثاني ويازر السلطان سليم. هذه نبذة من جغرافية كيليكيا وتاريخها أما الأنهار التي تجري فيها ويراد اليوم إصلاح ريها فهي سيحان وجيحان وبردان تسقي سهول آذنة البالغة على أقل تعديل مائتي ألف هكتار والهكتار عشرة آلاف متر مربع وينبع سيحان من قضاء عزيزية في ولاية سيواس ويجري إلى الجنوب الغربي ماراً بجبل قوزان وجبل بيك بوغاز في واد بديع ثم يمر بلواء قوزان فيضم إليه بعض الأودية المنسالة من تلك الجبال حتى يصل إلى لواء أطنة ثم ينضم إليه نهر آخر ينبع من قضاء عزيزية على اليمين ماراً من وراء جبال قوزان ويسمى هناك نهر زمنتي ثم قزيل ايرماق ثم قورشون صو ثم جكيدي فيجري إلى أطنة في سهول جقوراوة حتى يصل إلى البحر الرومي وطول مجراه ٤٥ . كيلو متراً وهو يصلح لسير السفن في مصبه ولكن الرمال هناك تمنع من سير السفن الكبرى فلا يتيسر غير سير السفن الصغرى أما جيحان فينبع من لواء ملاطية ويجري إلى البستان ويسمى هناك سكودلي صو ويتألف من نهر خرماجى الجاري من جبال قوزان فيمر في أودية وجبال كثيرة حتى إذا بلغ مرعش يضم إليه نهر أق صو فيدخل ولاية أطنة ثم يأتي إلى سهل أطنة ويجري على موازاة نهر سيحان. أما بردان أو طرسوس جاي فينبع من حدود ولاية قونية ويتألف من عدة أودية تنساب من سفوح جبل بوغاطاغ ماراً بوادي جهنم ويضم إليه نهر كولك الآتي من مضيق كولك فيجري إلى السهل ويمر بالقرب من طرسوس وبعد أن يروي حدائقها. تتألف منه بحيرة ويصب في البحر الرومي غربي مصب نهر سيحان وطول مجراه ١ . . كيلو متر على التقريب. وهذا هو النهر الذي اغتسل فيه الاسكندر المقدوني وهو قاصد إلى الشرق فمرض وكاد يقضي عليه كما حُمَّ المأمون العباسي لاغتساله بنهر قرب البدندون وحمَّ ومات هناك. وعدَّ المقدسي أنهار سيحان وجيحان وبردان من الأنهار ألفائضة في المملكة وقرنها إلى دجلة والفرات والنيل وجيحون ونهر الشاش ومهران ونهر الرس ونهر الملك ونهر الأهواز وقال إنه تجري فيها السفن قال: وأما سيحان وجيحان وبردان فإنهن أنهار طرسوس وآذنة والمصيصة يخرجن من بلد الروم ثم يفضن في البحر وكذلك سائر أنهار الشام إلا نهر بردى والأردن. وقال ابن حوقل: كانت المصيصة مدينتين إحداهما تسمى المصيصة والأخرى تسمى كفر بَيّا على جانبي جيحان وإنه يخرج من بلد الروم حتى ينتهي إلى المصيصة ثم إلى رستاق يعرف بالملون فيقع في بحر الروم وكان كثير الضياع غزير الكراع أي إن فيه خيلاً كثيراً وذلك لأن جقوراوة مشهور بمراعيه وكانت آذنة مدينة كأحد جانبي المصيصة على نهر سيحان في غربي النهر وسيحان دون جيحان في الكبر عليه قنطرة عجيبة البناء طويلة جداً ويخرج هذا النهر من بلد الروم أيضاً. وقال ياقوت إن سيحان نهر كبير بالثغر من نواحي المصيصة وهو نهر آذنة بين إنطاكية والروم يمر بآذنة ثم ينفصل عنها نحو ستة أميال فيصب في بحر الروم وإياه أراد المتنبي في مدح سيف الدولة أخو غزوات ما تغب سيوفه رقابهم إلا وسيحان جامد يريد انه لا يترك الغزو إلا في شدة البرد إذا جمد سيحان. وقال في جيحان إنه نهر با المصيصة بالثغر الشامي ومخرجه من بلاد الروم ويمر حتى يصب بمدينة تعرف بكفر بيَّا بازاء المصيصة وعليه عند المصيصة قنطرة من حجارة رومية عجيبة قديمة عريضة فيدخل منها إلى المصيصة وينفذ منها فيمتد أربعة أميال ثم يصب في بحر الشام قال أبو الطيب: سريت إلى جيحان من أرض آمِد ثلاثاً لقد أدناك ركض وأبعدا وقال عدي بن الرقاع العاملي: فبت أُلهى في المنام كما أرى وفي الشيب عن بعض البطالة زاجر بساجية العينين خود تلدّها إذا طرُق الليل الصحيح المباشر كأن ثناياها نبات سحابة سقاهن شؤبوب من الليل باكر فهن معاً أو أقحواناً بروضة تعاوره صنوان طلٌّ وماطر فقلت لها كيف اهتديت ودوننا دُلُوك وأشراف الجبال القواهر وجيحان جيحان الملوك وإلى وحزن خزارى والشعوب القوا سر وقال ياقوت في البردان إنه نهر بثغر طرسوس مجيئه من بلاد الروم ويصب في البحر على ستة أميال من طرسوس وهو الذي عناه الزمخشري بقوله: ألا إن قلبي في جوى لا يبله قويق ولا العاصي ولا البردان هذه هي البلاد التي تريد الدولة اليوم أن تعمرها بإصلاح طرق ريها والانتفاع من أنهارها الكبار التي تذهب جزافاً دون أن ينتفع بها حق الانتفاع فتصلح سهول هذا الإقليم الواسع وهي لا تقل عن مائتي ألف هكتارما عدا جقوراوة المشهور بمراعيه. ويقتضي ذلك أربعة ملايين ليرة عثمانية وينتهي العمل منه على الأكثر في عشر سنين إلا إن بعض فروعه تستثمر عقب إنجازها فيكون ألفرع الأول من هذا العمل معداً للانتفاع به بعد ثمانية عشر شهراً بمعنى إن كل فرع متى نجز ينتفع منه برأسه أما الأنهار التي يصلح مجراها فهي سيحان وجيحان والبردان. وأراضي ذاك الإقليم صالحة جداً لزراعة القطن الجيد وقصب السكر فتخرج سهول آذنة إذ ذاك ٥ . . ألف طن الذي يفوق ما تخرج الآن كمية وكيفية والمملكة العثمانية كلها لا تخرج اليوم أكثر من ١٤ . ألف بالة قطن دع ما يزرع بتلك المياه من البرتقال والليمون والزيتون. ومعلوم أن الخط الحديدي البغدادي يشق هذا الإقليم طولاً ومرسين متصلة بآذنة بسكة حديدية ثم إن ولاية أطنة اليوم أكثر الولايات العثمانية استعمالاً للأدوات الزراعية المستحدثة من حراثة وزراعة وحصاده ودراسة فإذا أضيف إلى تلك الأسباب تعليم ألفلاح طرق استثمار أرضه بالطرق الحديثة وتسميدها بحسب طبائعها بالسماد الكيماوي والطبيعي وكثرت السكان هناك بمن ينزلها من المهاجرين الذين تأتي بهم الحكومة من بلاد الروم ايلي وتكون قد جفت المستنقعات وأمنت تلك البلاد من وطأة الحميات المهلكات تصبح أطنة مصراً ثانية وأخت العراق. لا جرم أن أغوار الشام وسهول كيليكيا والعراق تخرج أجود الأقطان التي تفوق قطن مصر والهند فإذا تم هذا العمل نحمل معامل الغرب على أن تبتاع من حاصلاتنا لمعاملها بعد أن نعمل من قطننا ما يلزم للحياكة والنسج. بلاد كلها خيرات لا تحتاج إلا إلى اليد العاملة والعقول المدبرة وبقليل من المال يتيسر إصلاح زراعتها بحيث تكفي ملايين من البشر حتى يعيشوا براحة وهناء وكانت في القرون الحديثة بؤرة ألفتن والخلل تتنازعها العوامل المنوعة فهل تكون في هذا القرن الحديث دار سلام ومعهد خصب ورفاهة عيش وهذا ما نرجوه بفضل الناهضين للإصلاح من رجال الدولة العلية. أحياء الغابات في فلسطين غرائب زراعة أرض فلسطين. توفرت منذ ست عشرة سنة على التجارب الزراعية والأبحاث الطبيعية فظهر لي إن ما تحصل معي من البحث قابل للتطبيق في ولايتي سورية وبيروت فإن هذه الولايات لا تتخالف حدودها الطبيعية كما تتخالف حدودها الإدارية. من ألقى نظره في حال أراضي فلسطين الزراعية يرى أن السماد والمراعي والحطب قليل جداً فيها ويرى مع هذا أن فلسطين مع حاجتها إلى هذه الأصناف تصدر إلى البلاد الأخرى خشباً وتبناً وسمداً (فتخرج الحطب بعد أن تحرقه فحماً إلى مصر وتصدر التبن إلى جزائر البحر الأبيض والسماد إلى مصر). وإنّ إصدار هذه الأصناف الثلاثة إلى خارج البلاد لما يساعد على انقراض الغابات وخرابها لأن الربح من إصدارها لا يوازي خراب الغابات وقلة غذاء الحيوانات وبوار الأرض بقلة السماد والسباخ. وهذا ويا للأسف برهان ناصع على تقهقر زراعتنا وعلى ما آلت إليه حال فلاحنا من الجهل المطبق ومن ألفاقة الحافزة على حين نرى كل حكومة تود ضمانة منافع بلادها وترفيه حال تبعتها أن تنزع الشر من أساسه وهي مضطرة إلى استعمال أنجع الأدوية السريعة لكل مرض في الأمة. ماذا يحدث من التأثير بتخريب الغابات؟ بدأ خراب الغابات في فلسطين منذ الأزمنة التاريخية فكان من أهم التأثيرات المدهشة الأساسية أن عريت الجبال وتراكمت كثبان الرمال في الساحل وكثرت البطائح والمستنقعات. ومن المحقق أن حرمان الأراضي المائلة المسطحة من الأشجار والمراعي وتعرضها إلى للأحداث الجوية وتأثيراتها وانهيارها دعا إلى بقاء الجبال عريانة. ومن المشاهد أن الأمطار التي تسقط في شتاء كل سنة تؤلف مياهها شلالات صغرى وتنتقل من صخرة إلى أخرى وتحمل معها الحصا والحجارة مدة سنة إلى السهول الصالحة للزراعة ولذا أصبحت مملكتنا بتجرد جبالنا كلها أشبه بهيكل عظمي وما كان يروى من أن هذه البلاد كانت في القديم تفيض لبناً وعسلاً لا يتأتى تحققه لتعود إليها قوتها الإنباتية القديمة كما كانت إلا بصرف الهمم الكثيرة والاعتصام بالصبر والمتانة وبالسير في نور حكمة يشفعها تعمل وانكماش. ولا يجب أن ننسى أن جميع بلاد فلسطين جبلية وبتجريد هذه الجبال من غاباتها تخريب زهاء ثلثي الأراضي الصالحة للزراعة في هذه الديار. كثبات الرمال دعا تخريب الغابات وبعبارة أصح تخريب الأشجار إلى تأليف صحار من الرمال متحركة بتحرك الأهوية والعواصف والتاريخ يؤيد ذلك فقد مدح العارفون بأخبار الناس الظلال التي كانت تمتد شرقي قيسارية على ستة أو ثمانية كيلو مترات. ويروى أن نساء الرومان كن يقلن في الهاجرة بعد الظهر في ظل تلك الغابات أما اليوم فنرى جميع هذه الأرض وهي عبارة عن ستة أو ثمانية كيلو مترات غاصة بكثبان من الرمال ولم يبق بعد ما شوهد من التهافت اليوم بعد الآخر على تخريب الحراج إلا أشجار من الدلب صينت من الاحتطاب لتبقى نموذجاً صالحاً ولم يبقى عليها سوى أن بعض القائلين بالأساطير القديمة نظروا إليها نظر تقديس. ويؤخذ من التاريخ أن ما يشاهد من الرمال المتراكمة على عرض ستتم إلى ثمانية كيلومترات في ساحل فلسطين هو نتيجة عمل ألفي سنة ومن المحقق أن مساحة هذه الكثبان السيارة في سواحل فلسطين تبلغ مليون دونم على أقل تقدير وعلى هذا فإن قطع الأشجار في سواحل فلسطين كما أفقدنا حتى الآن مليون دونم من الأراضي يفقد كل سنة من زراعة فلسطين خمسة آلاف دونم فاقتضى من ثم أن تحصر الحكومة وكدها في إحياء الغابات وغرس الجديد منها لتقوم حاجزاً دون انهيال هذه الرمال. وهذا مما لا يصعب على الحكومة فإن مدينة بوردو في فرنسا كادت تهلك بانهيال الرمال حينها وتجد اليوم في ضاحيتها غابة كثيفة من السنديان الذي يسمونه شجر الذهب وإذا قد غرست هذه الغابة على الأصول العلمنة جاءت منها هذه المنافع في خمسين سنة تأليف البطائح. إن نسبة تأليف البطائح والمستنقعات لقطع الأشجار تُرى لأول وهلة غريبة وقد بلغت هذه النظرية اليوم درجة الثبوت وإليك البيان: عندما تمطر السماء الجبال المغشاة بالغابات تنقسم مياهها بين الأوراق والأغصان وتبطئ بسقوطها إلى الأرض وتمتص هذه المياه على غاية من السهولة تلك الطبقة القابلة للنفوذ المؤلفة من حثالات الأوراق والأغصان المتساقطة وهذا تترشح المياه تدريجاً وتنفذ إلى باطن الأرض وتحفظ في جذور الأشجار وما يتألف حواليها من شبكة الجزيرات وتسيل رويداً رويداً من السطوح المائلة تحت الأرض فتنبع في السهول صافية براقة تحمل المغانم للسكان ثم تسيل بصفائها تمد الأنهار والأودية وتسيل إلى الأقاصي والأمطار التي تهطل على جبالنا بكثرة تكون على غاية من الانهمار ولا يقف في سبيلها حاجز فتسيل المياه فوق الصخور العريانة والسطوح غير القابلة للنفوذ متبددة. وعندما تسيل مياه الأمطار إلى المروج تنشأ منها تيارات ومسايل كبيرة ويكون من هذه المسايل مدة بضع ساعات - وقد رويت تربة السهول من مياه الأمطار - طين مانع كبير ويتألف من هذا الطين صلصال مفيد يخرب زروع الحقول ويوسع مجاري المياه ويطمها وتتألف في السهول في مدة قليلة مستنقعات وبطائح كبيرة تكون مضرتها زمناً طويلاً وإذا وقع الضرر منها في مكان مرة واحدة تأخذ على الدوام في الزيادة ويتفاقم شرها ولذلك قال أصحاب الغابات: حافظوا على سلامة الجبال لإنقاذ السهول. إن هذه الأنهار التي تتبدل مجاريها وتسيل ببطء عندما تفيض بأوحال الجبال وتجري إلى البحار تصادف قرب مصابها رمالاً منتقلة تحول دون انبعاثها فمن أجل هذا ترى تلك السيول في الأراضي ذات اليمين وذات الشمال ويتألف منها بطائح. سبق أن قدرنا مساحة كثبان الرمال في فلسطين بمليون دونم والآن نقدر المستنقعات الواقعة على الساحل بعشرة آلاف دونم ولئن كانت مساحة المستنقعات أقل عشرة أضعاف من مساحة الكثبان فإنها من حيث الضرر أضر على البلاد مئة ضعف ومن المحقق أن المستنقعات هي السبب الرئيسي القديم في انتشار الحميات وهذا على رأي الأطباء كافة هو أعظم حائل يحول دون نمو السكان لأن الحمى بانتشارها يصاب بها الأطفال خاصة فتودي بالقسم المهم منهم. ليس لدينا إحصاء عام نعرف منه زيادة الولادات على الوفيات في الولاية بيد أن ماجرى من البحث في بعض القصبات قد أثبت أن عدد السكان يزيد ببطء كثير على الرغم من وفرة الولادات ويقع هذا البطء وإن كان الزراع على شئ من الرفاهة يتبلغون بميسور العيش ومعلوم أن ازدياد السكان هو العنصر الأساسي الذي تقوم عليه عظمة الأمة وقوتها الاقتصادية. اليد العاملة في فلسطين يكفي الكيلومتر الواحد في فلسطين لإعاشة أربعين أو خمسين نسمة ويدخل في ذلك سكان المدن وعلى كثرة الولادات وتيسر أسباب العيش وقيام أعمال عمرانية نافعة لماذا لم يترق عدد السكان في الكيلومتر المربع عن خمس وعشرين نسمة منذ ثلاثين سنة والجواب أن كثرة الوفيات مانعة من نمو السكان النمو المطلوب وأهم ما يكثر به الموتاناالحميات وهي منتشرة بكثرة بين الزراع. إن بقاء الجبال عريانة وتوسع أكثبة الرمال السيارة حتى أحدثت مستنقعات هما أعظم آفة على زراعة فلسطين الأسباب الثانوية في خراب الغابات ترجع هذه الأسباب إلى ثلاثة الأول الإقليم والثاني فقدان الأشجار الثمينة والثالث ندرة الطيور النافعة في الزراعة. وبعد فقد مضى الزمن الذي كان يعتقد فيه الناس أن الغابات تجلب الأمطار فإن العلم الحديث أبطل هذه النظرية من أساسها ولنا عدة أدلة على أن القطر ألفلسطيني لم يتبدل مدة ألفي سنة تبدلاً محسوساً أكثر من كل الأقطار ذات المدنيات القديمة. وما يهطل الآن هنا من الأمطار لا يختلف كثرة وقلة عما كان عليه على عهد بني إسرائيل. إذا تقررت هذه الحقيقة تنتج لنا فائدة عظيمة عملية وهي أننا نستنتج أن قطع الغابات لم ينشأ منه خراب البلاد خراباً لا يتأتى إصلاحه وتلافي أمره وليس من الصواب أن نعتقد أن جبالنا التي حرمناها من نضرة الخضرة يتعذر أن نعيد إليها خضرتها لا جرم أن الأشجار تساعد على خزن المياه في الأرض وتؤلف مستودعات كثيرة لها ومن هذه المخازن يحدث ألفيضان الشديد وفي أيام الجفاف وانقطاع الأمطار تمدُّ الينابيع بما يرشح منها فتكون بهذا النظام كافية للغاية وتكاثف الأشجار يعدل من قوة الرياح ويعدل قوة التبخر في المياه المخزونة فتجد النباتات من التربة طراوة ثم إن الأشجار بمحافظتها على طراوة الأرض وظلها تساعد على تأليف طبقة ترابية غنية من المواد العضوية ومن الأوراق المتساقطة وتحولها البطيء. وقصارى القول فإن إنشاء الغابات لا يؤثر تأثيراً محسوساً يوجه من الوجوه في كثرة الأمطار ولا في كيفية نزولها ولكنها تحدث ظلالاً وتخفف من شدة الرياح وتدعو إلى إسالة المياه ببطء. جئنا إلى الكلام على قطع الأشجار الثمينة فإن لدي عدة براهين على كثرة الأشجار في القديم ومنها ما فقد تماماً أو أصبح نادراً للغاية أو وجد الآن وليس فيه ألفناء المطلوب بالنسبة لحاجة العصر ومن هذه الأشجار شجر الدلب والدردار والعرعر الخ ومن أراد زيادة بيان فليرجع إلى مجلة جمعية النباتات ألفرنساوية ففيها معلومات مختصرة عن الجغرافيا الزراعية في فلسطين غاية في ألفائدة. أما ندرة الطيور النافعة للزراعة فإنها لما كانت الطيور الجارحة كثيرة العدد في فلسطين والطيور النافعة قليلة أصبحت الخسائر الناشئة المزروعة من الحشرات المضرة على من الكثرة فالجوارح تختار من الأراضي الأعالي والصخور والحواجز لتجد ما تفترسه وعلى العكس في الطيور الآكلة للحشرات فإنها تنزل الظلال وفي الغابات التي يسهل بها اختباؤها وتعيش بما هناك من الطراوة وما يتفسخ فيها ويتحول من المواد العضوية ولذلك توسلت الحكومات المتمدنة بتكثير طيور الزراعة ومنت القوانين النافعة لبقائها ونمائها أم نحن فيقضي لنا في بادئ الرأي أن نحي غاباتنا أداؤنا الجزية ألفاحشة إلى غيرنا في حين استحواذ الخراب على غاباتنا لقد صرفت الهمة لقطع غابات فلسطين على صورة واسعة جداً حتى لم يبق في بعض المحال حطب للدفء والحرق. ذكرنا فيما سلف ما جرّ على زراعتنا من الضرر إخراج السماد من البلاد ولا ندري ما نقول الآن وقد استعظمنا الأمر هناك في انقراض مادة السماد النافع في المحروقات. وقد قيل أن بلاد الجنوب كانت فقيرة بغاباتها منذ ألفي سنة أيضاً ونعني بها بلاد يهوذا ولكن البلاد المشهورة بغاباتها وهي بلاد اجليل وجبل الشيخ قد أصابها ما أصاب غيرها على نسبة واحدة فالبلاد التي ليس فيها حطب للوقود لا يكون عندها بالطبع خشب ولا ألواح للبناء وإذا كانت الأناضول تصدر قليلاً من الخشب اضطررنا للتجارة أن نستبضع ما يلزمنا من هذا الصنف من البلاد الخارجية وإذ ليس لدينا إحصاء يظهر منه مقدار ما يصرفه كل سنة من المال في هذا السبيل لا نكون إلى المبالغة إذا فرضنا أن ما يصل ثغور بيروت وحيفا ويافا كل سنة من الخشب لا يقل عن أربعمائة ألف ليرة عثمانية والمثال الذي نأتي عليه الآن يدل دلالة قطعية على حالتنا المعيبة وأننا ندفع الجزية إلى الخارج كان ما تصدره هذه البلاد من صناديق البرتقال إلى الخارج قبل ثلاثين سنة بضعة ألوف وما يصدر اليوم من يافا وحدها يربو على مليون صندوق وبعد خمس منين سيكون ثلاثة ملايين والصناديق التي يحفظ فيها البرتقال يؤتى بها من روسيا والنمسا يبتاع ألواح منها بثلاثة قروش وبعبارة ثانية أننا نؤدي خراجا معيناً عن كل صندوق نصدره وهذا الخراج يزيد على ما تستوفيه الحكومة ثلاثة أو أربعة أضعاف دعا جهل حكامنا السابقين وإهمالهم إلى امحاء منابع الثروة وكان من الشعوب المختلفة التي أحسنت الاحتفاظ بمنابعها الطبيعية وثروتها من غاباتها باتخاذ الأساليب المعقولة أن أصبحنا نؤدي إليها الجزية الباهظة وحولنا وجوهنا عما منحتنا الطبيعة إياه من الامتيازات فأخذت الآن تنتقم من على هذه الصورة أهم الآفات التي ابتليت بها الغابات أهم هذه الآفات ثلاث الرعي المتبادل وحتى الرعي في الأراضي الخالية والحيوانات الصغيرة ولا سيما الماعز وفأس المرأة ألفلاحة. ونعني بالرعي المتبادل حتى رعي قطعان أهل ناحيتين أو أكثر في أرض لهم. ويطلع حتى المرعى في الأراضي الخالية على أهالي ناحية مواشيهم إلى ما يدخل في ناحيتهم من المراعي وما لهم من الحق برعيتها ولئن استبان أن الرعي المتبادل وحق الرعي في الأراضي الخالية شيئان متخالفان ولكنهما شيء واحد في الحقيقة فإن أصول المرعى في الأراضي الخالية إذا لم توجد لا يوجد رعي متبادل. وكانت هذه الطريقة في الرعي المتبادل والرعية في الأراضي الخالية شائعة في أوربا خلال القرون الوسطى فتبينت مضارها للزراعة وفي تربية البهائم فأبطلتها الممالك المتوفرة على تربية الحيوانات وبقيت أصول الرعي المتبادل في سويسرا وإنكلترا وهولندة إلى القرن الثامن عشر حتى أبطل منها بتة. وترى اليوم كل إنسان يقبح باسم ترقي الزراعة طريقة الرعي المتبادل وحق المرعى في الأراضي الخالية لأن ذلك مما دعا إلى هلاك قطعاننا وساعد على انتشار الأمراض السارية فيها وهذه العادة ضربة قاضية على حقوق أصحاب الأراضي تدعو إلى الأسف ولها دخل كبير في تخريب الغابات وانقراضها. تأصلت عادة الرعي المتبادل في نفوس الأهلين هنا فنزعها أو تجديدها يدعو إلى هلاك العشائر السيارة المعروفة بشن الغارة وتضطرهم إلى الرجوع أدراجهم أو أن يعودوا فيرجحوا العيش الثابت ويؤثروا حياة ألفلاح والتوطن ويطلقوا تقاليدهم القديمة منذ قرون من عيش الخيام ورعية الأنعام كما هي حال عشائر يوركلر في الأنضول وحال عشائر البدو الصغرى المختلفة في هذه الولاية ولما كانت هذه العشائر تعتقد أن طريقة الرعي المتبادل من الحقوق السماوية أصبح من الصعب أن يرجعوا عن تلك العادة حتى أن الأهالي الساكنين إذا أصابهم ضرر من هذا القبيل وجب على الحكومة أن تتداخل في الأمر بقوة السلاح فكما أن تراجان وكورنيليوس وبالما من قواد الرومان حموا على عهد حكومتهم الأراضي الزراعية بين صرخد وبصرى الساكنين في حوران والجولان من الأهلين ودوا عنهم غارة المغيرين من أهل البادية هكذا نعهد إلى الحكومة العسكرية اليوم أن تحمي حمانا في تلك الحال أيضاً من أبناء تلك العشائر القديمة وهم الرولة وولد علي وبني صخر. وبعد فإن الحكومة لم تمد يد المساعدة لمن أراد أن يقوم من الأهلين بنفسه يحمي المراعي من التخريب ليأمن على أرضه حتى أن مهاجري الجراكسة لما نزلوا القنيطرة وأرادوا الانتفاع من مروج الجولان يقطعون منه قصيلاً للشتاء أغمضت الحكومة عينها عنهم فاضطر الجراكسة أن يقتتلوا مع أهل البادية دفعاً لرد عادية هؤلاء عنهم وأصبحوا يحصلون لمواشيهم على قصيل زيادة عما يلزمهم. أوردت هذه الحادثة لأشير بها إلى أن عادة الرعي المتبادل مهما كانت متأصلة في طبيعة الأهالي ففي الوسع نزعها ومتى تم ذلك في أرض استفاد الأهلون والحكومة معاً. أن تخريب المراعي هو العامل الرئيسي في تخريب الغابات وقد أثبتت التجارب هذه الحقيقة على صورة لا تقبل الاعتراض وليس القطع أو الحريق من أعظم الحوائل في نمو الأشجار على اختلاف ضروبها وإيصال الأذى إليها من جذورها أو رأسها بل الضرر كل الضرر في إيصال الأذى إلى رأسها فتحول أسنان المواشي دون نموها فتتصلب سطوح الأراضي الثابتة وتنقسم الكثبان وبدلك يصعب أن تعود إلى الأشجار حياتها. تخريب الحيوانات الصغرى ولاسيما الماعز الماعز أعظم الآفات على غاباتنا وإذا اجتمعت على تخريب الغابة النار والفأس فلا يفعلان فيها كما تفعل أسنان الماعز. عرفت فيها هذه المضرة منذ القديم حتى جاء في قوانين بني إسرائيل صريحاً خطر تربية الحيوانات الصغيرة في فلسطين. وكان المنورون منهم يهتمون جدّ الاهتمام للمحافظة على هذا القانون ووضع القيود لتنفيذه. جاء في التلمود أن أحد حاخامي بني إسرائيل أصيب بسعال شديد فأوصه الأطباء أن يشرب لبن عنز سائغاً حديثاً فجاءه بحسب العادة المتبعة بعض رفاقه من الحاخامين يعودونه في مرضه فرأوا في فناء الدار تلك العنزة التي جعلت هناك للانتفاع بلبنها ولم يلبثوا أن رجعوا أدراجهم قائلين والغضب آخذ منهم، في باب الحاخام المذكور أشقياء مسلحين لا جرم أن العنزة كانت تعيش بما تخضمه وتقضمه من هنا وهناك. وقد جرت الولايات المتحدة في تربية الحيوانات على قاعدة أن تجعل لكل مئة رأس بقعة من الأرض مساحتها ١٥ . دونماً تروح الماشية فيها وتغدو سنتين على أن يقطع المرج من أساسه ولا شك أن ماشية ولاية بيروت لا تقل عن مليون رأس تخرب كل سنتين من الغابات ١٥ . . . . . دونم وبعبارة أخرى أن تخريبها لا يقل مانهة عن ٧٥ . . . . دونم إلى مليون. فالرعي المتبادل وحق الرعي في الأراضي الخالية لا يحول فقط دون حفظ الغابات ويقرضها بل يمنعنا من تربية الماعز ويسوقنا إلى هذه النتيجة سوقاً تخريبات المرأة ألفلاحة تجيء المرأة القروية بعد الماعز في باب تخريب الغاب لأن من شأن المرأة في هذه الأصقاع أن تتدارك الحطب اللازم للدار والحطب المقتضي بيعه في السوق ويضيف هؤلاء النساء إلى ضعفهن الطبيعي أنهن يتسلحن بفؤوس رديئة يضربن بها الأشجار ألفتية ويحولن وجوههن عن الأشجار الكبرى ذات الأغصان المستطيلة والجذوع المتأصلة. وأن في دخول البنات والنساء إلى قراهن وقد احتطبن وجعلن حطبهم على رؤوسهن باسمات شاديات من المناظر الغريبة ولم ينحصر هذا العمل في النساء وحدهن بل يشاركهن فيه الرجال في ضواحي القرى ليحرقوا من أحطابها كلساً. ومن المشاهد أن أكمة أو جبلاً يعرى في بضعة أسابيع من مراعيه وأحطابه ليجعل من حطبه وقود لفرن أو فرنين من أفران الكلس الفقيرة أو بضعة أحمال صغيرة من ألفحم وهذا ولا شك من الجنايات التي لا ينظر إليها قانون من قوانين مملكة نظر تسامح وأغضاء. ما قام به الأفراد لأحياء الغابات مما يؤلم النفس أن الحكومة لم تقم حتى الآن بعمل يذكر في باب إحياء الغابات وتنميتها في أطراف المملكة على اختلاف اصقاعها ولا سيما في هذه الولاية ولم تنشط من أرادوا التشبث بذلك وقد قام فريقان من النازلين في هذه الديار وأتوا بعمل وإن كان صغير الجرم ولكنه كبير القدر في مسألة الغابات. فالفريق الأول أهل المستعمرة الألمانية قام بالتحريج على صورة محدودة ولكنها عاقلة والفريق الثاني أهل الاستعمار الإسرائيلي تذرعوا بمثل هذا العمل على صورة أوسع وأشجع ولما وضع ألمان حيفا أيديهم على الأقسام المهمة من جبل الكرمل رأوا أن يتذرعوا إلى الاستفادة من هذا الجبل بعض الشيء فغرسوا فيه أشجار الصنوبر وغرسوا أثمن أنواعه فأتت منها نموذجات نادرة وهو صنوبر حلب وغرسوا أيضاً من صنوبر الحبّ والصنوبر المشاهد نموذجات منه في لبنان وبيروت ولا تزال هذه البقعة من الغابات تتوسع فتدخل البهجة إلى قلوب من نزلوا في جوارها وعلى مقربة منها من الألمان. ولئن كان هذا التوفيق درس عبرة لنا فأنا لست مع هذا من القائلين بغرس أشجار الصنوبر في ساحات واسعة وقولي هذا مستند على أسباب مهمة معروفة في فن الغابات وذلك لأن عامة أشجار ألفصيلة الصمغية سريعة الاحتراق وإذا احترقت فلا يعزب عن بالنا أن نوعها ليس من الأنواع التي تعود فتنمو وكثيراً ما يقع حريق الغابات في موسم الصيف وليليه الحارة وإذا كان ولا بد من غرس الأشجار من ألفصيلة الصمغية فيجب أن تحاط بأشجار الأوكاليبتوس المعروفة بشدة مقاومتها للحريق. والخوف من الحريق ليس من الأمور النادرة بل وقع كثيراً في تونس والجزائر وكثرت الحوادث المكدرة بسببه فوجب علينا أن نعتبر فإن أهل الإخصاء في هذا ألفن فن التحريج لا يكتفون بما رسمه العلم من النظريات بل يراعون حال المحيط وروح الأهلين فإن هناك بعد المصاعب ألفنية موانع معنوية وروحية. ما تذرع به الإسرائيليون لإحياء الغابات حصدت الحميات منذ عشرين سنة الإسرائيليين وإذ كان شجر الأوكاليبتوس من موانع الحمى لم يكتفوا بالذي ذكرناه من الحرج الضعيف بل توسعوا في الغابة وغرسوا من الأوكاليبتوس كثيراً فكثر عددها حتى بلغت بحسب الجهات المئات والألوف فمنذ سنة ١٢ - ١٣ كانت هذه الساحات خالية بالكلية من الأشجار فأصبحت بحرمانها من فأس الحطاب غابات غبياء وأراضي شجراء والعمل جار الآن في كيفية استحصال طريقة أربح من غيرها من خشب الأوكاليبتوس وهذه القضية صعبة في الحل بعض الصعوبة. وهنا مجال لأن أقول أنني في رحلاتي إلى تونس والجزائر للبحث في أحوال الغابات رأيت أشجارا وأردت اختبار أكثرها ملائمة لهذه الديار وقد بلغت أنواعها مئة نوع ولكن ما جربناه هنا فجاد بلغ اثني عشر نوعاً. وقد جربنا الأشجار المعتمد عليها في البلاد الحارة وشبه الحارة مثل أميركا وأوقيانوسيا فلم نجدها صالحة للغرس والنمو وسائط لمنع تخريب الغابات سبق لنا في ألفصول السابقة وصف النتائج التي آلت إليها الغابات بتخريبها رأينا أن الحالة من ناحيتها مخوفة داعية إلى القلق. إن انقراض الغابات آخذ بالارتقاء ويزيد فيه جهالة الأهلين نعم قامت بدل الغابات مروج وهذه تدعو الحاجة إلى الاحتفاظ بها فكما أن من اللازم اللازب قبل استرجاع ثروة فقدت بالتبذير والإسراف أن يحافظ على البقية الباقية منها فمن الواجب قبل التذرع بوسائط لاحياء الغابات أن يفكر في عدم انقراضها وتوقيف تيار الأضرار بها. والواجب في هذا لباب وضع قوانين والعناية بتطبيق مفاصلها لأن الأضرار بالغابات لم ينشأ من القوانين الخاصة بها بل من أهماها وعدم العناية بتنفيذها ولذا بات مستقبل البلاد مهدداً وتظهر فيه أنفع القوانين من الخطة التي تجري عليها في الإنقاذ فإن انفع قانون يعمد في تنفيذه إلى مأمور جاهل لا يكون إلا ذريعة لتشديد الحكم الكيفي ويزيد في الشدة على الأهلين ويبالغ في تضعيف أضرار خزانة الحكومة بواسطة بعض أهل المنافع من أرباب الأفكار الخسيسة ولذا نقترب من هذا البحث والرهبة والاحتراز آخذان منا. لئن قل في الحكومات من وقف أمام تلك الحالة التي أضنت على انقراض الغابات في فلسطين فليست حكومتنا فقط اشتغلت بإحياء الغابات وحل قضيتها المغمضة ولكن هذه القضية المذكورة مع سهولتها على الحكومات المومأ إليها فقد شوهد أن حلها ليس من السهولة بالمكان الذي تصوروه وأدركت الحكومات التي عُنيت بالاحتفاظ بالغابات وبأحياء الجديد منها بفضل ما قامت به من التجارب الخاصة أن حل هذه القضية المعقدة بطئٌٌ يحتاج إلى نفقات طائلة وإذا خالف التوفيق من يعنى باتخاذ الطرق إليها فيكون بتنفيذ القوانين بشأنها حق التنفيذ بالحرف وتوزيع المخصصات على صورة رشيدة واسعة وأن يعهد في العمل لطبقة مختارة من الموظفين ويبالغ في البحث والاستقراء العلمي. وهب أن الحال ساعدت على وضع قوانين لا تكلف نفقة وعهد إلى موظفين بالإشراف عليها وتطبيق مفاصلها فإن تنظيم خطط هذا التجديد وإخراجه إلى ألفعل يحتاج إلى موظفين أخصوا في هذا العلم وهناك أيضاً صعوبة في جلبهم وجمعهم. لأن التبريز في صناعة يقتضي لمن يديره أن يقضي دور الاستعداد في دائرة نظريات العلم ويعقبه دور طويل يقضيه في العمل وليس في البلاد حتى الآن علماء بالغابات على هذه الصورة وإذا صرفنا النظر عن الصعوبات الكثيرة التي تعترضنا في جلب علماء بالغابات من الخارج فهناك صعوبة واحدة يكتفى بإيرادها وهو أنهم يكونون ولا شك غرباء بعيدين عن معرفة ما يلزم لإنشاء الغابات في مثل هذا المحيط غير ملمين بأحوال القطر ولا بحالته الاقتصادية. أرى هنا أن أورد بعض التجارب التي عمدوا إلى تطبيقها في بعض الممالك التي تشبهنا وأهم الأقطار التي يجب على رجال حكومتنا أن يبالغوا في البحث فيها: الجزائر وتونس وقبرص فإن بلادنا هذه تشبه تلك الأقطار من وجوه كثيرة فالمناخ فيها عينه عندنا وما يشاهد من الإسراف في قرض الغابات في فلسطين قد شوهد مثله في تلك الأصقاع أيضاً وإذ كان سكان هذه البلاد وسكان تلك من المسلمين فلهم نفس التقاليد والتواريخ ثم إنه استعملت في تلك الأقطار نفس الأشجار التي توافق بلادنا والواجب قبل كل شيء تحديد المقطوع من الخشب والحطب وتعيين شروط إصدار حاصلات الغابات ولئن كنا لا ننكر أن عندنا كثيراً من القوانين في هذا الشأن فإننا نقول بأنه لم يجر تنفيذها بتة على أن الواجب أيضاً تعديل هذه القوانين ببعض لوائح حسب محيط كل بلد وطبيعة كل أقليم وعادته فوضع القوانين واستعمال الجد في إنفاذها يجب أن يكونا توأمين متلازمين. حرّاس الغابات يجب أن يعهد إلى حرّاس يشرفون على الغابات على شرط آن لا يراعى في تطبيق القوانين والنظامات المذكورة الأصول القديمة وأن يختاروا من الذين تعلموا تعليماً ابتدائياً صناعياً في الجملة فإن الأصول التي اتبعت فيما مضى فدعت إلى أن يعهد إلى الجهال بمثل هذه الوظائف قد ألحق الضرر الكثير بالآهلين وإن إحداث وظائف الكسالى لا يكون إلا ذريعة لتشديد الضرر الذي يراد توقيفه. وكنا نرجي أن يكون ألفرق بين الحراس القدماء والحراس المحدثين في الغابات كالفرق بين أفراد الدرك اليوم وأفراد الدرك أمس على الأقل وما أشبه الليلة بالبارحة. تنظيم قطع الغابات أشرنا فيما سلف من ألفصول إلى ما تحدثه المرأة القروية من الأضرار بالغابات عند احتطابها منها ولأجل توقيف هذا التخريب يجب توقيف الاحتطاب بتاتاً أيام نمو الأشجار والاحتطاب يبدأ في أيام الحر من ١٥ تموز إلى ١٥ أيلول فلا يسمح للمرأة ألفلاحة أن تحتطب إلا في هذا الموسم ومن الممكن أن يمتد هذا التوقيف عن الاحتطاب إلى كانون الثاني. وهذه حقائق ثابتة وفوائدها ظاهرة المحسنات فلا تحتاج إلى تفصيل. قلع الجذور جرم أبنا فيما سلف عند البحث على عمل الكلس والفحم الأضرار الناشئة من الطريقة التي يعمد إليها وأهم هذه الخسائر قطع جذور الأشجار مما لا يحول فقط دون نموها بل يقرضها أبديّاً فالواجب عمل الكلس والفحم على الأصول النظامية وفي الزمن الذي لا يمنع من نمو الأشجار وربما رأى الناس شدة في هذه الطرق والأساليب ولكنها في الحقيقة ليست مهمة فبدلاً من أن يقوم فلاحونا ويربحوا قليلاً من عمل ألفحم بقرض الغابات نوصيهم بأن يعمدوا إلى طرق أخرى فإنهم يضمنون لأنفسهم أرباحاً أكثر وما يكسبونه قليلاً من إصدار السماد والتبن يتأتى لهم استحصاله من طريق آخر ليعدلوا ميزانيتهم وإن ما تعلمه الوطنيون من مستعمرة الألمان والإسرائيليين في الثلاثين سنة الأخيرة من طريقة استعمال الأسمدة للأراضي أصبح في حكم قانون ثبتت فوائده في أرباض القرى وما يفعله في نمو البقول والأثمار ليس مفيداً فقط بل ضروري للغاية أما التبن فإنه يساعد ألفلاح على علف أبقاره وثيرانه على صورة أحسن فيكون من العوامل في تربيتها. وسنذكر في ألفصول التالية عند الكلام على صورة تنظيم أصول الرعي في الأراضي الخالية أن من المفيد جداً للحكومة تحديد عدد الماعز ومعاونة الأهلين على تربية البقر. هذا ولا يتردد الرعاة بتة في قطع أغصان الأشجار ليطعموا بها قطعانهم فإن تجريد الأشجار الكبرى من بعض أغصانها يكون داعية انقراضها. تنظيم المراعي رأينا فيما سلف مقدار الضرر من الرعي المتبادل في الأراضي الخالية وحق الرعية فيها فعلى الحكومة إذا صحت عزيمتها على توقيف الضرر أن تبادر إلى تنظيم مراعيها. قد يشاهد في الظاهر تناقض بين مسألة تنظيم المراعي لما فيه مصلحة أصحاب المواشي وبين الزراع الذين ليس لهم ما يعلفون به دوابهم فيجب للتأليف بين هذين ألفريقين الظاهر تخالفهما كل التخألف بأن لا يشرع في العمل لذلك قبل إمعان الروية وإطالة النظر في المدخل والمخرج فينظر في اختلاف الحالة الاقتصادية في كل ناحية وفي سد حاجة الأهلين على غاية من التدقيق والعناية ثم يشرع في حل هذه المباينة وقد ظهر مما سبق أن تنظيم أصول المراعي يحتاج إلى تدقيق عميق طويل فإن كل الناس اليوم يقولون بأن بين المراعي والأشجار علاقة اشتراك ولذا فإن تخريب الغابات في الأماكن العالية يدعو إلى تغيير منابع المياه وجفاف المراعي فينشأ من ذلك تدني عدد الحيوانات من قلة المياه والمراعي فيكون الضرر لاحقاً في الأكثر بأصحاب المواشي. ولا جرم أن عدد الحيوانات آخذ بالتناقص ولا تنمو إلا بإحداث الغابات ونموها فهذه مقدمة لها فالواجب البداءة بهذا التحسين قبل كل شيء. منع طريقة الرعي المتبادل لإصلاح حق المرعى في الأراضي الخالية ولئلا يجري التزاحم على المراعي يجب أن يعين ما يلزم لكل قرية وناحية من المراعي وهنا نقسم المسألة إلى شقين فنجعل في الأول الكمية اللازمة للاستعمال في ألفلاحة والحمولة وما ماثل ذلك ليسد مجموعها حاجة القرية أو الناحية وفي الشق الثاني عدد الحيوانات التي تزيد في محصول هذا المجموع ورأس ماله بمعنى أننا إذا قلنا بأن نفادي بشيء لأجل حيوانات الطبقة الأولى فإننا لا نوافق على ذلك لحيوانات الطبقة الثانية أي أننا لا نفادي في هذا السبيل بقرض الحراج والغابات ونسوق البلاد إلى الخراب. تحديد المراعي الخارجة عن الغابات إن كثرة هذه المراعي في الأراضي السهلية يكون سبباً لعدم إدخال قطعان المواشي إلى الأراضي الجبلية ومع هذا فالواجب يقضي بمنع القطعان من دخول الغابات في الربيع لكثرة العشب فيه فإن ذلك مما يساعد الغابات على الراحة والتجدد وعلى تأصيل أصول الأشجار الصغيرة في الأرض وقت نشوءها الأول فيدخل في الإمكان إذ ذاك تجدد الغابات. لا شبهة أن التزاحم من العناصر المضرة في تخريب المراعي وإن تنقيص عدد الحيوانات في بلاد يكون عدد أغنامها وماعزها متناسباً مع ثروتها ولها منها منافع كثيرة وعادات هو من الأمور الصعبة بل البطيئة وليس هذا خاصاً بنا وحدنا بل هو مشاهد في أعظم الممالك تمدناً. وقد عارضت أهالي الجبال في فرنسا فاضطرت الحكومة هناك إلى نشر قانون سنة ١٨٨٢ بشأن المراعي طبقت مفاصله كل التطبيق فعلى الرغم من شدته لم تنشأ منه النتائج المنتظرة كما قال مدير الغابات العام في تقريره سنة ١٩١١ آسفاً متلهفاً. ولم تقوَ النصائح والتنشيط الذي وقع على رفع الموانع العظيمة الحائلة دون تجدد المراعي وإحيائها. الوسائل القانونية في التشجيع أبنا سالفا مقدار التخريب العظيم الذي يحدثه الماعز للغابات ولذلك وجب التذرع بكل الأسباب التي من شأنها تنقيص عدد الماعز وتحديده والأبقار ليست من الضرر بدرجة الماعز ولذلك أرى أن تراعى البقر في وضع رسوم قليلة عليها ويؤخذ عن الماعز رسوم تامة وأن يلغى الرسم عن الغنم ويبقى الرسم على الماعز وان يطرد الجمال والماعز من الغابات طرداً كلياً وهذا من أوفق وسائط التشجيع بالوساطة لغرس الأراضي القابلة لزراعة الغابات. إلا أن الأربح للحكومة والواجب عليها أن تعمد إلى أسباب من التشويق بلا واسطة وهو أن تعفي من الخراج مدة ثلاثين سنة كل قطعة أرض جبلية جعلها صاحبها من أطرافها الأربعة بعيدة عن تخريب حق المرعى والرعي المتبادل في الأراضي الخالية. إن هذه الأصول التي يجب اتباعها لتسهيل تجديد الغابات يتأتى أن يكون لها تأثير أسرع. ولذلك جاءت النوبة لاتخاذ وسيلة قانونية يكون لها التأثير العظيم بالنظر لارتقاء المملكة وسيرها نحو التكامل. ولا يخفى أنه لم يبقى أثر للغابات في البلاد ولا سبيل لزراعتنا أن يتوقع منها شيءٌٌ في هذا السبيل وإن من نتائج ذلك أصبحت جبالنا وآكامنا معرضة للاتكال ولذلك تدعو الضرورة الشديدة إلى غرس الأشجار التي تجنى منها هذه الثمرة بعض الشيء وتحيا بها البلاد قليلاً فقد اشتهرت فلسطين بمحاصيلها من الحبوب ومع هذا فهي من الأقاليم التي تلائم كل التلاؤم زراعة الأشجار التي تُثمر هذه الثمرات بالنظر لأحوال هذا القطر وشؤونه الزمنية ووضعه الجغرافي ولنا عدة أبواب كبرى نصرف فيها هذا المحصول وإن مصر التي ليس فيها أراض صالحة لهذا الصنف من الزراعة قد أقامتنا الطبيعة لأن ندعي بأننا متعهدون لها بتقديم ما يلزمها من أرضنا من هذا القبيل ولذا أصبح من اللازم اللازب على الحكومة أن تعمد إلى اتخاذ جميع أسباب التشجيع لزراعة الغابات وتنميتها. لئن نشر قانون يقضي بأن كل أرض جبلية غرست زيتوناً تعفى من الضرائب من ثلاث إلى عشر سنين فقد قل الأفراد الذين استفادوا من هذا الإعفاء على أن الحد الأعظم في هذا العفو وهو عشر سنين قليل بالنسبة لما ينبغي من وسائل التنشيط والواجب أن تعفى من الضرائب جميع الأراضي الجبلية التي تغرس زيتوناً مدة خمس عشرة سنة وهذا لإعفاء يشمل أشجار الخرنوب. والخرنوب إذا طعم يعطي من السكر ٤ . % وقشره صالح لرعية الماعز وانك لترى في جزيرة قبرص ألوفاً من الدونمات مستورة بأشجار الخرنوب. والأولى أن يسن قانون لحفظ الأشجار البرية وتجديدها وتطعيمها ويحمل الناس على اتباعه ويعهد إلى حراس الغابات بالإشراف عليه ويجب أن تعفى من الضرائب مدة خمس عشرة سنة بعض الأصقاع التي يجود فيها التفاح والكثرى على أنواعهما وأن يطعم التفاح البري إن أمكن كما نعفى شجر الزعرور إعفاء الكروم في الأراضي الجبلية من الخراج عشر سنين وتنشيط الغابات لإحيائها وإحداثها لا بأس من أن يشمل العفو عن الخراج عشر سنين في الكروم ليسارع ألفلاح إلى غرسها فيقف تجريد الغابات من كسوتها وتزيد محاصيل البلاد وأن كان ذلك لا يقوم مقام الغابات بحال بيد أن هذا الإعفاء الذي منح لمدة عشر سنين هو لمقاومة دودة الكرمة فإذا شمل العفو الكروم نفع أيضاً في بابه. لم تتشبث الحكومة بأدنى تشبث من شأنه أن يحيي الغابات ويكثر عددها ولكن الأفراد تذرعوا في هذا السبيل بأمور وما تذرعوا به من هذا القبيل حري بمعاونة الحكومة من كل وجه وأهله جديرون بأن يميزوا بامتيازات خاصة وللوصول إلى هذا الغرض أرى من المناسب قبول القانونين اللذين سنتهما فرنسا ونتجت منهما لها فوائد كثيرة فقد جاء في المادة ٢٢٨ من قانون الغابات عندهم: تعفى من الخراج مدة ثلاثين سنة كل أنواع الأشجار التي تغرس على أكمة أو سطح مائل في الجبال وكل كثيب من الرمال. ولكن حكومة فرنسا أرادت أن تستفيد من هذا الحق جميع الأراضي الزراعية البائرة الفقيرة فوضعت المادة الآتية وهي مادة ١١٦ من قانونها وأيدتها سنة ١٩٧ بالبند الثالث من ميزانيتها ومعناها أن تقدر الأراضي التي تزرع أشجارا بربع قيمتها فقط وتعفى من الخراج من أول غرسها إلى مرور ثلاثين سنة عليها فنشط لذلك أصحاب الأراضي واستفادوا من هذه القوانين وأحيوا قسماً منها. وعلى الحكومة علاوة على ذلك أن تحدث شركات أحياء الغابات تشوق الناس لاتخاذ الأصول الجديدة وتمنحها بعض الامتيازات وتخص بهذه الامتيازات تلك الشركات ليعم نفعها في أي نوع من الأراضي مملوكة كانت أو مستأجرة لمدة طويلة ومثل هذه الشركات كثير في الممالك المختلفة نتجت منها أعظم ألفوائد ومنها شركة إنشاء الغابات وأحيائها في الجزائر وشركة محبي الأشجار الدولية في تونس وشركة أشجار مدريد الوطنية. ولكن جميع هذه التشبثات لا تحل في وقت من الأوقات قضية أحداث الغابات وأحيائها فإن ذلك متوقف على أحياء الجبال وتثبيت الأكثبة وتجفيف البطائح ويحتاج ذلك إلى نفقات طائلة وأناس عارفين بالعلم وتحتاج الحكومة إلى سلوك القصد في عملها بيد أن الحكومة لم تقم بعمل شيء وتغييرها لكبار مأموريها على طريقة تبادل الوظائف مما يحول دونهم ودون معرفة البلاد وأقرب الطرق الآن أن تكتفي الحكومة بتنشيط الشركات وإنشائها لهذا الغرض وتبذل المعاونة ألفعلية والمعنوية لانتشار فن الغابات ولئن كانت الامتيازات في مثل هذه الأحوال غير معتبرة فنحن نعترف بذلك ولكن بلاداً ليس لها شركات ذات أموال كثيرة وليس عندها موظفون عالمون لا سبيل لها لأن تعمل غير ذلك ولذلك تجلب أناساً من متخصصي الأجانب يشرفون على الشروط التي نالها أصحاب الأمتياز ويهيمنون على العمل حتى ينتهي بأحسن النتائج. والقيام بعمل على خلاف هذه الصورة لا يكون منه إلا الفشل. وبعد فقد ظهر بما تقدم ما تمس إليه الحاجة من الذرائع العظيمة لإنشاء الغابات في الجبال والمبالغة بالقيام على تعهدها ولتثبيت الأكثبة وتطهير البطائح وتجفيفها وللقيام لإدارة ذلك ينبغي إيجاد شركات ذات رؤوس أموال تكون مختلطة أو خاصة لتشرف على هذه الأعمال وتديرها وتنيل الربح لمساهميها على طرية معقولة وهذا مما يحفظ حقوق بيت المال والأهلين معاً ويصونها من الاعتداء ولا يجب بالنسبة للأحوال الحاضرة في البلاد أن يطوى شيء من هذه الإيضاحات التي هي عملية ونتيجة تجارب طويلة بل على العكس نرى في الإمكان أن يضاف إليها أمور كثيرة ولا نطالب الحكومة في حل هذه المسألة بالقيام بكل عمل فذلك خارج عن طاقتها ولكننا نطالب برفع الموانع والحوائل وتشجيع أحباب الغابات على إنشاء الجديد منها والاحتفاظ بالقديم. الخطابة عند العرب تابع لما في الجزأين التاسع والعاشر ١ . خطباء الجاهلية والإسلام قال الجاحظ: كان التدبير في أسماء الخطباء وحالاتهم وأوصافهم أن نذكر أسماء الجاهلية على مراتبهم. وأسماء أهل الإسلام على منازلهم ونجعل لكل قبيلة منهم خطباء ونقسّم أمورهم باباً باباً على حدته ونقدم من قدمه الله عز وجل ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم في النسب وفضله في الحسب ولكني لما عجزت عن نظمه وتنضيده تكلفت ذكرهم في الجملة. في الخطباء من يكون شاعراً ويكون إذا تحدث أو وصف أو احتج بليغاً مفوهاً بيناً وربما كان خطيباً فقط وشاعراً فقط وبين اللسان فقط ومن الشعراء الخطباء الأنبياء الحكماء قس بن ساعدة الأيادي والخطباء كثير والشعراء أكثر منهم. ومن يجمع الخطابة والشعر قليل ومنهم عمرو بن الأهتم المنقري وهو المكحل. ومن الخطباء الشعراء البعيث المجاشّعي واسمه خدّاش بن بشر بن لبد. ومن الخطباء الطّرماح بن حكيم الطائي وكنيته أبو نفر. ومنهم عمران بن حطّان وكنيته أبو شهاب رئيس القعدة من الصغّرية وصاحب فتياهم ومقرهم عند اختلافهم ومنهم دغفل بن حنّظلة النسابة الخطيب العلاّمة. ومنهم القعقاع بن شور. ومنهم نصر بن سيار أحد بني ليث بن بكر صاحب خراسان. ومنهم زيد بن جندب الأيادي وعجلان بن سحبان الباهلي وهو سحبان وائل وخطيب العرب. ومن الشعراء العلماء أعشى همدان ومن الشعراء الخطباء عمران بن عصام العرني ومن خطباء الأمصار وشعرائهم والمولدين منهم بشار الأعمى وهو بشار بن برد وكنيته أبو معاذ. ومن الخطباء الشعراء ومن يؤلف الكلام الجليل ويصنع المناقلات الحسان ويؤلف الشعر والقصائد الشريفة مع بيان عجيب ورواية كثيرة وحسن دل وإشارة عيسى بن دأب أحد بني ليث بن وكنيته أبو الوليد. ومن الخطباء الشعراء ممن كان يجمع الخطبة والشعر الجيد والرسائل ألفاخرة مع البيان الحسن كلثوم بن عمر والعتابي وكنيته أبو عمرو. وممن جمع الشعر والخطب والرسائل الطوال والقصار والكتب الكبار المجلدة والسير الحسن المولدة والأخبار المدونة سهل بن هرون بن راهييوني الكاتب صاحب كتاب ثعلة وعفرة في معارضة كليلة ودمنة وكتاب الأخوان وكتاب المسائل وكتاب المخزومي والهذلية وغير ذلك من الكتب ومن الخطباء الشعراء علي بن إبراهيم بن جبلة بن مخرمة ولا أعلمه يكنى إلا أبا الحسن. ذكر الجاحظ ثمامة بن أشرس فقال: ما علمت أنه كان في زمانه قروي ولا بلدي بلغ من حسن الإفهام مع قلة عدد الحروف. ولا من سهولة المخرج مع السلامة من التكلف ما كان بلغه وكان لفظه في وزن إشارته. ومعناه في طبقة لفظه ولم يكن لفظه إلى بأسرع من معناه إلى قلبك. قال بعض الكتاب: معاني الظاهرة في ألفاظه الواضحة في مخارج كلامه. كما وصف الخريمي شعر نفسه في مديح أبي دلف حيث يقول: له كلم فيك معقولة إزاء القلوب كركب وقوف كان ألفضل بن عيسى الرقاشي من أخطب الناس وكان متكلماً وكان قاضياً مجيداً وكان يجلس إليه عمرو بن عبيد وهشام بن حسام وأبان بن أبي عباس وكثير من ألفقهاء وهو رئيس ألفضيلة وإليه ينسبون. وكان يزيد بن أبان عم ألفضل بن عيسى بن أبان الرقاشي من أصحاب أنس والحسن كان يتكلم في مجلس الحسن وكان زاهداً عائداً وعالماً فاضلاً وكان خطيباً وكان قاضياً مجيداً. قال أبو عبيدة: وكان أبوهم خطيباً وكذلك جدهم. وكانوا خطباء الأكاسرة فلما سبوا وولد لهم الأولاد في بلاد الإسلام وفي جزيرة العرب نزعهم ذلك العرق فقاموا في أهل هذه اللُغة كمقامهم في أهل تلك اللُغة وفيهم شعر وخطب وما زالوا كذلك حتى أصهر الغرباء إليهم ففسد ذلك العرق. ودخله الخور. ومن الخطباء زيد بن عالي بن الحسين وعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر. وكان شاعراً بيناً وخطيباً لسناً. ومن أهل الدهاء والنكراء. ومن أهل اللسن واللقن. والجواب العجيب والكلام الصحيح. والأمثال السائرة والمخارج العجيبة هند بنت الحسن وهي الزرقاء وجمعة بنت حابس. ومن الخطباء خالد بن سلمة المخزومي من قريش. وأبو ماضر وسالم وقد تكلم عند الخلفاء. ومن خطباء بني أسيد الحكم بن زيد بن عمّير وقد رأس. ومن أهل اللسن منهم البيان الحجاج بن عمّير بن زيد. ومن الخطباء سعيد بن العاصي بن سعيد العاصي بن أمية قيل لسعيد بن المسيب من أبلغ الناس: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقيل له: ليس من هذا نسألك قال: معاوية وابنه وسعيد وابنه وما كان ابن الزبير بدونهم ولكن لم يكن لكلامه طلاوة مقبولة. فمن العجب أن ابن الزبير ملأ دفاتر العلماء كلاماً وهم لا يحفظون لسعيد بن العاصي وابنه العاصي من الكلام إلا ما له بال. ومن الخطباء عمرو بن سعيد وهو الأشدق وسعيد بن عمرو بن سعيد وكان ناسباً خطيباً وأعظم الناس كبراً وهو خطيب ابن خطيب. ومن الخطباء سهيل بن عمرو الأعلم أحد بني حسل بن معيص. ومن الخطباء عبد الله بن عروة ابن الزبير قالوا وكان صفوان يشبه به وما علمت أنه كان في الخطباء أحد أجود خطباً من خالد بن صفوان وشبيب بن شبيبة الذي يحفظ الناس ويدور على ألسنتهم من كلامهما وما علمنا أن أحداً ولد لهما حرفاً واحداً. ومن النسابين العلماء عتبة بن عمرو بن عبد الرحمن الحارث بن هشام وكان من ذوي الرأي والدهاء وكان ذا منزلة من الحجاج بن يوسف وعمرو بن الرحمن خامس خمسة في الشرف وكان هو الساعي بين الأزد وتميم في الصلح. ومن بني الحرقوس شعبة بن القلعم. وكان ذا لسان وجواب عارضة وكان وصافاً فصيحاً . وبنوه عبد الله وعمرو وخالد كلهم كانوا في هذه الصنعة غير أن خالداً كان قد جمع بين بلاغة اللسان والعلم والحلاوة والظروف وكان الحجاج لا يصبر عنه. ومن بني أسيد بن عمرو تميم أبو بكر بن الحكم كان ناسبة راوية شاعراً وكان أحلى الناس لساناً وأحسنهم منطقاً وأكثرهم تصرفاً ومنهم معلل بن خالد أحد بني أنمار بن الهجيم وكان نسابة علامة راوية صدوقاً مقلداً ومنهم من بني العنبر ثم من بني عمرو بن جندب أبو الخنساء عباد بن كسيب وكان شاعراً علامة وراوية نسابة وكانت له حرمة بابي جعفر المنصور ومنهم عمرو بن خولة كان ناسباً خطيباً وراوية فصيحاً من ولد سعيد بن العاصي والذي أتى سعيد بن المسبب ليعلمه النسب ومن خزاعة بن مازن أبو عمرو بن العلاء وأخوه أبو سفيان ومنهم أبو نوفل بن أبي عقرب كان نائباً خطيباً فصيحاً وهو رجل من كنانة أحد بني عريج ومن بني كنانة ثم من بني ليث ثم من بني الشداخ يزيد بن بكر بن دلب وكان يزيد عالماً ناسباً وراوية شاعراً. وولد يزيد بن يحيى وعيسى وهو الذي يعرف في العامة بابن داب وكان من أحسن الناس حديثاًَََ وبياناً وكان شاعراً راوية وصاحب رسائل وخطب وكان يجيدها جداً. وكان أبو الأسود الديلي وأسمه ظالم بن عمر، وبن جندل ابن سفيان خطيباً عالماً وكان قد جمع شدة العقل. وصواب الرأي. وجودة اللسان وقول الشعر والظرف ومنهم زياد بن ظبيان التميمي العاشي وكذلك ابنه عبيد الله كان أفتك الناس وأخطب الناس. ومنهم صعصعة بن صوحان من خطباء الخوارج وعبيد الله بن زياد ويضرب به المثل. وكان عثمان بن عروة أخطب الناس وكان خالد بن يزيد بن معاوية خطيباً شاعراً، وفصيحاً جامعاً، وجيه الرأي كثير الأدب، وكان أول من ترجم كتب النجوم والطب والكيمياء. ومن خطباء قريش خالد بن مسلمة المخزومي وهو ذو الشفة ومن خطباء العرب عطارد بن حاجب بن زرارة وهو كان الخطيب عند النبي صلى الله عليه وسلم. ومن الخطباء عون بن عبد الله بن عتبة بن مسعود وكان مع ذلك راوية ناسباً شاعراً. وكان الجارود بن أبي سبرة ويكنى أبا نوفل من أبين الناس وأحسنهم حديثاً وكان راوية علامة شاعراً مغلقاً. ومن الخطباء الذين لا يضاهون ولا يجارون عبد الله بن عباس ذكره حسان بن ثابت فقال: إذا قال لم يترك مقالاً لقائل بملتقطات لا ترى بينها فضلاً كفى وشفى ما في النفوس ولم يدع لذي أربة في القول جداً ولا هزلا سموت إلى العليا بغير مشقة فنلت ذرها لا دنيا ولا وغلا ومن خطباء بني هاشم أيضاً داود بن علي وكان يكنى أبا سليمان. وكان أنطق الناس وأجودهم ارتجالاً واقتضاباً لقول ويقال أنه لم يتقدم في تحبير خطبة قط وله كلام كثير معروف محفوظ. ومنهم عبد الله بن الحسن. ومن خطباء بني هاشم ثم من ولد جعفر بن سليمان سليمان بن جعفر والي مكة قال المكي: سمعت مشايخنا من أهل مكة يقولون انه لم يرد عليهم أمير منذ عقلوا الكلام غلا وسليمان لبين منه قاعداًن وأخطب منه قائماً. وكان داود بن جعفر إذا خطب استحقر ومضى مسرعاً فلم يرده شيء وكان في لسانه شبيه بالرثة وكان أيوب فوق داود في الكلام والبيان ولم يكن له مقامات داود في الخطب. وكان إسماعيل بن جعفر من أدق الناس لساناً، وأحسنهم بياناً. ومن خطباء بني هاشم جعفر بن الحسين بن علي وكان أحد من ينازع زيداً في الوصية فكان الناس يجتمعون ليسمعوا مجاوبتها فقط وجماعة من ولد العباس في عصر واحد لم يكن لهم نظراء في أصالة الرأي، وفي الكمال والجلالة وفي العلم بقريش والدولة، ولأقدار الرفيعة، وكانوا فوق الخطباء، وفوق أصحاب الأخبار، وكانوا يجلون من هذه الأسماء، إلا أن يصف الواصف بعضهم ببعض ذلك. منهم عبد الله بن صالح والعباس بن محمد واسحق بن عيسى واسحق بن سليمان وأيوب بن جعفر هؤلاء كانوا أعلم بقريش وبالدولة وبرجال الدعوة من المعروفين برواية الأخبار. وكان عبد الله بن علي وداود بن علي يعدلان بأمة من الأمم. ومن مواليهم إبراهيم ونصر ابنا السندي فأما بصر فكان صاحب أخبار وأحاديث وكان لا يعد، وحديث ابن الكلبي والهيثم. وأما إبراهيم فأنه كان رجلاً لا نظير له وكان خطيباً، وكان ناسباً، وكان فقيهاً، وكان نحوياً عروضياً، وحافظاً للحديث راوية للشعر شاعراً، وكان فخم الألفاظ، شريف المعاني. ومن خطباء تميم جحدب وكان خطيباً راوية ومن ولد المنذر عبد الله بن شبرمة بن طفيل بن المنذر وكان فقيهاً عالماً قاضياً، وكان راوية شاعراً، وكان خطيباً ناسباً، وكان حاضر الجواب مفوهاً، وكان لاجتماع هذه الخصال فيه يشبه بعامر الشعبي وكان يكنى أبا شبرمة. ومن الخطباء المشهروين في العوام والمقدمين في الخواص خالد بن صفوان الأهتمي. ومن خطباء بني ضبة حنظلة بن ضرار وقد أدرك الإسلام وطال عمره حتى أدرك وقعة الجمل ومن خطباء بني ضبة وعلمائهم مشجور ابن فيلان ابن خرشة وكان مقدماً في المنطق. ومن خطباء الخوارج قطري بن الفجاءة وله خطبة طويلة مشهورة وكلام كثير محفوظ. ومن خطباء الخوارج ابن صديقة وهو القاسم بن عبد الرحمن بن صديقة وكان صغرياً خطيباً ناسباً ويشوبه ببعض الظرف والهزل ومن علماء الخوارج شبيل بن غرزة الصنبعي صاحب الغريب وكان راوية خطيباً وشاعراً ناسباً. ومن الخطباء المذكورين روح ابن زنباع والحجاج بن يوسف. ومن خطباء الخوارج وعلمائهم عمران بن حطان ومن علمائهم حبيب بن خدرة الهلالي. ومنهم المقعطل قاضي عسكر الأزارقة أيام قطري. ومنهم عبيدة بن هلال اليشكري ومنهم الضحاك بن قيس ونمهم نصر بن فلحان. ومن الخطباء معبد بن طوق العنبري. ومن خطباء عبد القيس مصقلة بن رقبة ابن مصقلة وكرب بن رقبة. ومن الخطباء قيس بن خارجة. وكان أبو عمار الطائي خطيب مذبح كلها. ومن الخطباء أيوب القرية. ومن خطباء غطفان في الجاهلية خويلد بن عمر والعشراء بن جابر بن عقيل بن هلال بن سمي بن مازن بن فزارة وخويلد خطيب بوم ألفجار. ومن الخطباء الوضاح بن خشيمة ومن أصحاب الأخبار والنسب والخطب والحكام عند أصحاب النفورات نبو الكوأ. ومن الخطباء القدماء كعب بن لؤي وكان يخطب العرب عامة ويحض كنانة خاصة على البر فلما مات اكبروا موته فلم نزل كنانة تؤرخ بموت كعب بن لؤي إلى عام ألفيل. ومن الخطباء الأنبياء العلماء الذين جروا من الخطبة على إعراق قديمة شبيب بن شبيبة قال أبو الحسن: كان أبو بكر خطيباً. وكان عمر خطيباً. وكان عثمان خطيباً. وكان علي خطيباً. وكان من الخطباء معاوية ويزيد وعبد الملك ومعاوية بن يزيد ومروان وسليمان بن الوليد ووليد بن يزيد والوليد بن عبد الملك وعمر بن عبد العزيز. ومن خطباء بني هاشم زيد بن علي وعبد الله بن حسن وعبد الله بن معاوية خطباء لا يجارون. ومن خطباء النساك والعباد الحسن بن أبي الحسن البصري. ومطرف بن عبد الله الحرشي، ومورق العجلي، وبكر بن عبد الله المزني، ومحمد بن واسع الأزدي، ويزيد بن أبان الرقاشي، ومالك بن دينار السامي. وليس الأمر كما قال في هؤلاء القاص المجيد والواعظ البليغ وذو المنطق الوجيز فأما الخطب فأنا لا نعلم أحداً يتقدم الحسن البصري فيها وهؤلاء وإن لم يسموا خطباء فأن الخطيب لم يشق غبارهم. ومن الخطباء من بني عبد الله بن غطفان أبو البلا وكان راوية ناسباً. ومنهم هاشم بن عبد الأعلى الفزاري. ومن الخطباء حفص بن معاوية الغلابي. ومن بني هلال بن عامر زرعة بن ضمرة وكان ابنه النعمان بن زرعة بن ضمرة من أخطب الناس. ومن الخطباء عاصم بن عبد الله بن يزيد الهلالي. ومن خطباء بني تميم عمرو ابن الأهتم وكان يدعى المكحل لجماله لم يكن في بادية العرب في زمانه أخطب منه ومن بني منقر عبد الله بن الأهتم وكان خطيباً ذا مقامات ووفادات. ومنهم صفوان بن عبد الله بن الأهتم وكان خطيباً رئيساً وابنه خالد بن صفوان. ومنهم عبد الله بن الأهتم وقد ولي خراسان ووفد على الخلفاء وخطب عند الملوك ومن ولده شبيب بن عبد الله بن الأهتم وعبد الله بن عبد الله ابن الأهتم وخاقان بن الأهتم. ومن خطبائهم محمد الأحول بن خاقان وكان أخطب بني تميم. ومن خطبائهم معمر بن خاقان. ومن مؤمل بن خاقان ومن خطبائهم خاقان بني صريم ابن الحارث الخرج بن الصدى. ومن خطباء بني تميم ثم من مقاعس عمارة بن أبي سليمان. ومن ولد مالك بن سعيد عبد الله والعباس ابنا رؤبة. وكان العباس علامة عالماً ناسباً راوية وكان عبد الله أرجز الناس أفصحهم وكان يكنى أنا الشعثاء وهو العجاج. ومن خطباء هذيل أبو المليح الهزلي أسامة بن عمير. ومنهم أبو بكر الهزلي كان خطيباً قاصاً وعالماً بيناً وعالماً بالأخبار والآثار. ومن خطباء عمان مرة بن فهم التليد. ومن العتبك بشر بن المغبرة بن أبي صغرة ومن خطباء اليمن ثم من حمير الصباح بن ثقي الحميري كان أخطب العرب. ومنهم ثم من الأنصار قيس بن الثماس. منهم ثابت بن قيس بن الثماس خطيب النبي. ومنهم روح بن زنباع. ومن خطبائهم الأسود بن الكذاب كعب العنسي. وكان طليحة خطيباً وشاعراً وشجاعاً وكاهناً وناسباً. ومن خطباء الأنصار سعد بن الربيع. ومن القدماء في الحكمة والخطابة والرياسة عبيد بن شربة الجرهمي وأسقف نجران وأكيدر صاحب دومة الجندل وأفيعى نجران وذرب بن حوط وعليم بن مناب وعمرو بن ربيعة وهو الحي بن حارثة بن عمرو مزيقيا، وجذيمة بن مالك الأبرش. ومن القدماء ممن كان يذكر بالقدر والرياسة والبيان والخطابة والحكمة والدهاء والنكراء لقمان بن عاد لقيم بن لقمان ومجاشع بن دارم وسليط بن كعب بن يربوع سموه بذلك لسلاطة لسانه ولؤي بن غالب وقس بن ساعدة وقصي بن كلاب. ومن الخطباء البلغاء والحكام الرؤساء أكثم بن صيغي وربيعة بن حذر وهرم بن قطبة وعامر بن الظرف ولبد بن ربيعة. ومن النساك والزهاد من أهل البيان عامر بن عبد قيس وصلة بن أشيم وعثمان ابن أدهم وصفوان بن محرز والأسود بن كلثوم والربيع بن خيثم وعمرو بن عتبة بن فرقد وهرم بن حيان ومورق العجلي وبكر بن عبد الله بن الشخير الحرشي ومالك بن دينار وحبيب أبو محمد ويزيد الرقشي وصالح المزي وأبو حازم الأعرج وزياد مولى عيّاش بن أبي ربيعة وعبد الواحد بن زيد وحيان أبو الأسود ودهثم أبو العلا. ومن النساء رابعة التيسية ومعاذة العدوية امرأة صلة بن أشيم وأم الدرداء ومن نساء الخوارج البلحاء وغزالة وقطام وحمادة وكحيلة ومن نساء الغالية ليلى الناعطية والصدوق وهند. وأبو الوليد الحكم الكندي ومحمد بن محمد الحمراني وكلاب وكليب وهاشم الأوقص وأبو هاشم الصوفي وصالح بن عبد الجليل والخطفي وهو جد جرير بن عطية بن الخطفي وهو حذيفة بن بدر بن سلمة. ومن القصاص أبو بكر الهزلي وهو عبد الله بن أبي سليمان كان خطيباً بيناً صاحب أخبار وآثار وقص ابنه مطرف بن عبد الله بن الشخير في مكان أبيه. ومن كبار القصاص ثم من هذيل مسلم بن جندب وعبد الله بن عرادة بن عبد الله بن الوضين. ومن القصاص موسى بن الأسواري وكان من أعاجيب الدنيا كانت فصاحته بالفارسية في وزن فصاحته بالعربية وكان يجلس في مجلسه المشهور به فيقعد العرب عن يمينه والفرس عن يساره فيقرأ الآية من كتاب الله ويفسرها للعرب بالعربية ثم يحول وجهه إلى ألفرس فيفسرها لهم بالفارسية فلا يدري بأي لسان هو أبين واللغتان إذا التقتا في اللسان الواحد أدخلت كل واحدة منها الضيم على صاحبتها إلا ما ذكروا من لسان موسى بن سيار الأسواري. قال أبو عثمان: وشأن عبد القيس عجب وذلك أنهم بعد محاربة إياد تفرقوا فرقتين فرقة وقعت بعمان وشق عمان وفيهم خطباء العرب وفرقة وقعت إلى البحرين وشق البحرين وهم من أشعر قبيلة في العرب ولم يكونا كذلك حين كانوا في سرة البادية وفي معدن معدن ألفصاحة وهذا عجب ومن خطبائهم المشهورين صعصعة بن صوحان وزيد بن صوحان وشيخان بن صوحان ومنهم صحار بن عياش وصحار من شيعة عثمان وصوحان من شيعة علي ومنهم مصقلة بن رقبة ورقبة بن مصقلة وكرب بن رقبة. نقل ابن النديم من خط ابن مقلة أسماء الخطباء فإذا هم: أمر المؤمنين علي عليه السلام طلحة بن عبيد الله، خالد واسماعيل ابنا عبد الله القسري، عبد الله بن العباس ابن عبد المطلب، جرير بن يزيد بن خالد، يزيد بن عبد الله بن خالد، خالد بن صفوان، عبد الله بن الأهتم، صعصعة بن صوحان، بن القرية، محمد بن قيس الخطيب، زياد بن أبي سفيان، قطري بن الفجاءة، الوليد بن يزيد، أبو جعفر المنصور، المأمون، شبيب بن شبيبة، العباس بن الحسن العلوي، محمد بن خالد بن عبد الله القسري وعبد الله ابنه، شعبة بن عقال. ١١ من خطب البلغاء قال أبو جعفر النحاس: أن حفظ خطب البلغاء والتفنن في أساليب الخطباء من آكد ما يحتاج إليه الكاتب وذلك أن الخطب من مستودعات سر البلاغة ومجامع الخطب بها تفاخرت العرب في مشاهدهم وبها نطقت الخلفاء الأمراء على منابرهم بها يتميز الكلام وبها يخاطب الخاص والعام وعلى منوال الخطابة نسجت الكتابة وعلى طريق الخطباء مشت الكتّاب. قال أبو الهلال العسكري: الرسائل والخطب متشاكلتان في أهما كلام لا يلحقه وزن ولا تقفية وقد يتشاكلتان أيضاً من جهة الألفاظ والفواصل فألفاظ الخطب تشبه ألفاظ الكتاب في السهولة والعذوبة وكذلك فواصل الخطب مثل فواصل الرسائل والفرق بينهما أن الخطبة يشافه بها بخلاف الرسالة والرسالة تجعل خطبة والخطبة تجعل رسالة في أيسر كلفة لها. وعلى هذا رأينا أن ننقل هنا نموذجاً من خطب الرسول وأصحابه وبلغاء الخطباء جاهليةً وإسلاماً ونحن نوصي القارئ أن لا يغفل خصوصاً عن خطب علي ابن أبي طالب كرم الله وجهه فأن نهج البلاغة أكبر نهج للخطيب والكاتب يستقيان منه مادة عقل وعلم وأدب وبلاغة وسياسة وإدارة ونحن نضمن لما كان له طبع شفاف إذا استظهر نهج البلاغة وتفطن لما فيه من النكات العلمية معتمداً مثلاً على شرح أبي الحديد المطول وتمرن في أساليب الخطابة على مناحي البلغاء والعرب المستعربة والعاربة والعرباء يوشك أن يكون من لغة هذا الشأن في هذا العصر أيضاً فإن كلام أمير المؤمنين رضي الله عنه لا تبلى ديباجته وجدته، وكلما كرر حلاً، ومهما تأملته علا، ففي كلامه عبقة من النور الآلهي، ونفحة من الروح النبوي، ولو لم يكن للسان العرب غير خطب الخليفة الرابع، لكان كافياً في شرفه وبيانه، أن يجر على لغات الشرق والغرب ذيول ألفخر والمباهاة. خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع أن الحمد لله نحمده ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله أوصيكم عباد الله بتقوى الله وأحثكم على طاعته واستفتح بالذي هو خير. أما بعد أيها الناس اسمعوا مني أبين لكم أني لا أدري لعلي لا ألقاكم بعد علمي هذا في موقفي هذا. أيها الناس أن دمائكم وأموالكم حرام عليكم إلى أن تلقوا ربكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا ألا هل بلغت أللهم أشهد فمن كانت عنده أمانة فليؤدها إلى الذي ائتمنه عليها. وأن ربا الجاهلية موضوع وأن أول ربا بدأ به ربا عمي العباس بن عبد المطلب. وأن دماء الجاهلية موضوعة وأن أول دم أبدأ به دم عامر بن ربيعة بن الحرث بن عبد المطلب. وأن مآثر الجاهلية موضوعة غير السدانة والسقاية. والعمدقود وشبه العمد ما قتل بالعصا والحجر وفيه مائة بعير فمن زاد فهو من أهل الجاهلية. أيها الناس أن الشيطان قد يش أن يعبد في أرضكم هذه ولكنه قد رضي أن يطاع فيما سوى ذلك مما تحقرون من أعمالكم. أيها الناس أنما النسيء زيادة في الكفر يضل به الذين كفروا يحلونه عاماً ويحقرونه عاماً ليواطنوا عدة ما حرم الله. وأن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض وأن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق الله الموات والأرض منها أربعة حرم ثلاثة متواليات وواحد فرد ذو القعدة وذو الحجة والمحرم ورجب الذي بين جمادى وشعبان ألا هل بلغت أللهم أشهد. أيها الناس أن لنسائكم عليكم حقاً وأن لكم عليهن حقاً لكم عليهن أن لا يوطئن فرشكم غيركم ولا يدخلن أحداً تكرهونه بيوتكم إلا بإذنكم ولا يأتين بفاحشة فإن فعلن فإن الله قد أذن لكم تعضلوهن وتهجروهن في المضاجع وتضربوهن ضرباً غير مبرّح فإن انتهين وأطعنكم فعليكم رزقهن وكسوتهن بالعمروف وأنما النساء عندكم عون لا يملكن لأنفسهم شيئاً أخذ تموهن بأمانة الله وأستحللتم فروجهن بكلمة الله فاتقوا الله في الناس واستوصوا بهن خيراً ألا هل بلغت ألله أشهد. أيها الناس إنما المؤمنين أخوة فلا يحل لامرئ مال أخيه إلا عن طيب نفس منه ألا هل بلغت أللهم أشهد فلا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض فأني قد تركت فيكم ما أن أخذتم به لم تضلوا بعده كتاب الله وأهل بيتي ألا هل بلغت أللهم أشهد. أيها الناس أن ربكم واحد وأن أباكم واحد كلكم لآدم آدم من تراب أكرمكم عند الله أتقاكم ليس لعربي على عجمي فضل إلا بالتقوى ألا هل بلغت قالوا: نعم. قال: فليبلغ الشاهد منكم الغائب أيها الناس أن الله قسم لكل وارث نصيبه من الميراث ولا يجوز لوارث وصية في أكثر من الثلث والولد للفراش وللعاهر الحجر من دعي إلى غير أبيه أو تولى غير مواليه فغليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يقبل الله منه صرفاً ولا عدلاً والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته. نموذج من خطبة الوفود لما فتح رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة وفدت وفود العرب على حضرته الشريفة فقدم وفد بني تميم في جملة من وفد مع حاجب بن زرارة بن عدس وفيهم الأقرع بن حابس والزبرقان بن بدر وعمرو بن الأهتم وقيس بن عاصم والحتات ومعتمر بن زيد في وفد عظيم ومعهم عييتة بن حصن الفزاري فلما دخلوا المسجد نادوا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أخرج إلينا محمد فآذى ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وخرج إليهم فقالوا جئنا نفاخرك فأذن لشاعرنا وخطيبنا فأذن لهم فقام عطارد فقال: الحمد لله الذي له علينا ألفضل الذي جعلنا ملوكاً ووهب لنا أموالاً عظاماً نفعل فيها المعروف وجعلنا أعز أهل المشرق وأكثرهم عدداً فمن يفاخرنا فليعدد مثل عددنا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لثابت بن قيس: أجب الرجل فقام ثابت فقال: الحمد لله الذي له السموات والأرض خلقة قضى فيهن بما أمره ووسع كرسيه عليه ولم يكن شيء قط إلا من فضله ثم كان من قدرته أن جعلنا ملوكاً واصطفى من خير خلقه رسولاً أكرمهم نسباً وأصدقهم حديثاً وأفضلهم حسباً فأنزل عليه كتابه وائتمنه على خلقه فكان خيرة الله تعالى من العالمين ثم دعا الناس إلى الإيمان فآمن به المهاجرون من قومه وذوي رحمه أكرم الناس نسباً وأحسن الناس وجوهاً وخير الناس فعالاً ثم كان أول الخلق استجابة لله حين دعاه نحن فنحن أنصار الله ووزراء رسوله نقاتل الناس حتى يؤمنوا فمن آمن بالله ورسوله منع ماله ودمه ومن كفر جاهدناه في الله أبداً وكان قتله علينا يسيراً والسلام عليكم. فقالوا يا رسول الله ائذن لشاعرنا فأذن له فقام الزبرقان بن بدر فقال: نحن الكرام فلا حيّ يعادلنا منا الملوك وفينا تنصب البيع وكم قسرنا من الأحياء كلهم عند النهاب وفضل العرب يتبع ونحن يطعم عند القحط مطعمنا من الشواء إذا لم ي} نس القرع نما ترى الناس تأتينا سراتهم من كل أرض هوياً ثم نصطنع فننحر الكوم غبطاً في أرومتنا للنازلين إذا ما أنزلوا شبعوا فلا ترانا إلى حي نفاخرهم إلا استقادوا وكان الرأس ينقطع إنا أبينا ولم يأب لنا أحد إنا كذلك عند ألفخر نرتفع فمن يفاخرنا في ذاك يعرفنا فيرجع القول والأخبار تستمع قال وكان حسان بن ثابت غائبا فدعاه رسول الله صلى الله عليه وسلم ليجيب شاعرهم قال حسان فلما سمعت قوله قلت على نحوه إن الذوائب من فخر وأخونهم قد بينوا سنة للناس تتبع قوم إذا حاربوا ضروا عدوهم أو حاولوا التفع في أشياعهم نفعوا يرضى بها كل من كانت سريرتهم تقوى الإله وكل البر يصطنع سجية تلك منهم غير محدثة إن الخلائق فاعلم شرها البدع إن كان في الناس سباقون بعدهم فكل سبق لا دنى سبقهم تبع لايرقع الناس ماأوهت أكفهم عند الدفاع ولا يوهون مارقعوا إن سابقوا الناس يوما فاز سبقهم أو وازنوا أهل مجد بالندى متعوا أعفة ذكرت في الحي عقتهم لا يطمعون ولا يزري بهم طمع لا يبخلون على جار بفضلهم ولا يمسهم من مطمع طبع إذا نصبنا لحي لم ندب لهم كما يدب إلى الوحشية الزرع كأنهم في الوغى والموت مكتنع أسد ببيشة في أرساغها فدع أكرم بقوم رسول الله شيعتهم إذا تفرقت الأهواء والشيع فإنهم أفضل الأحياء كلهم إن جد بالناس جد القول أو سمعوا فلما فرغ حسان قال الأقرع بن حابس إن هذا الرجل لأوتي له خطيبهم أخطب من خطيبنا وشاعرهم أشعر من شاعرنا ثم أسلموا وأجارهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيهم أنزل الله تعالى إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون - انتهى عن الكامل لابن الأثير قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد اختلف الأنصار والمهاجرون في يوم السقيفة: (إن الله قد بعث فينا رسولا شهيدا على أمته ليعبدوه ويوحدوه وهم يعبدون من دون الله آلهة شتى من حجر وخشب عظم على العرب أن يتركوا دين آبائهم فخص الله المهاجرين الأولين من قومه بتصديقه والمواساة له والصبر معه على شدة أذى قومهم وتكذيبهم إياه وكل الناس لهم مخالف زار عليهم فلم يستوحشوا لقلة عددهم وشنف الناس لهم فهم أول من عبد الله في هزه الأرض وآمن بالله وبالرسول وهم أوليائه وعشيرته وأحق الناس بهذا الأمر من بعده لاينازعهم إلا ظالم وأنتم يامعشر الأنصار من لاينكر فضلهم في الدين ولاسابقتهم في الإسلام رضيكم الله أنصارا لدينه ورسوله وجعل غليكم هجرته فليس بعد الأولين المهاجرين عندنا بمنزلتكم نحن الأمراء وأنتم الوزراء لاتفاتون بمشورة ولاتقضى دونك الأمور. فرد عليه حباب بن المنذر قائلاً: يا معشر الأنصار املكوا عليكم أمركم فإن الناس في ظلكم ولن يجترئ مجترى على خلافهم ولا يصدروا إلا عن رأيكم أنتم أهل العز وأولوا العدد والمنعة وذو البأس وإنما ما تصنعون ولا تختلفوا فيفسد عليكم أمركم أبى هؤلاء إلا ما سمعتم فمنا أمير ومنكم أمير. فأجابه عمر رضي الله عنه قائلاً: هيهات لا يجتمع اثنان والله لا ترضى العرب أن تؤمركم ونبينا من غيركم ولا تمتنع العرب أن تولي أمرها من كانت النبوة فيهم ولنا بذلك الحجة الظاهرة من ينازعنا سلطان محمد ونحن أولياؤه وعشيرته. فأجابه حباب قائلاً: يا معشر الأنصار املكوا على أيديكم ولا تسمعوا مقالة هذا وأصحابه فيذهبوا بنصيبكم من هذا الأمر فإن أبو عليكم فاجلوهم عن هذه البلاد وتولوا عليهم هذه الأمور فأنتم والله أحق بهذا الأمر منهم فأنه بآسيافكم وأن الناس لهذا أدين أنا جذيلها المحك وعذيقها المرحب أنا أبو شبل في عرينة الأسد والله لئن شئتم لنعيدها جذعة. وقال أبو بكر في هذا الموقف أيضاً من رواية أخرى: يا معشر الأنصار لو شئتم أن تقولوا أنا آويناكم في ظلالنا وشاطرناكم في أموالنا لقلتم فنحن وأنتم كما قال طفيل الغنوي: جزى الله عنا جعفراً حين ازلفت بنا نعلنا في الواطنين فزلت أبوا أن يملوها ولو أن أمنا تلاقي الذي يلقون منا مللت هم أسكنونا في ظلال بيوتهم ظلال بيوت ادفأت وأظلت يا معشر الأنصار أن العرب لا تدين لهذا الحي من قريش فلا تنفسوا على أخوانكم المهاجرين ما منحهم الله من فضله. إلى آخر ما ورد في هذا المقام على اختلاف الروايات فيه عند المؤرخين وكذلك ينسى الإسلام للخطابة صنيعها يوم اليرموك إذ خرج المسلمون متساندين فخطبهم خالد بن الوليد رضي الله عنه قائلاً: هذا يوم من أيام الله لا ينبغي فيه ألفخر والبغي اخلصوا جهادكم وأرضوا الله بعملكم فإن هذا يوم له ما بعده ولا تقاتلوا قوماً على نظام وتعبية وأنتم متساندون. فأمروه عليهم ونبذوا التساند ظهراً فأنزل الله عليهم نصره وأيديهم بروح منه وهو ولي المؤمنين. من خطب أكثم بن صيفي بني تميم: يا بني تميم لا يفوتكم وعظي أن فاتكم الدهر بنفسي أن بين حيزومي وصدري لكلاماً لا أجد له مواقع إلا سماعكم ولا مقار إلا قلوبكم فتلقوه بإسماع مصغية وقلب واعية تحمدوا مغبته الهوى يقظان والعقل راقد والشهوات مطلقة والحزم معقول والنفس مهملة والرؤية مقيدة ولم يعدم المشار مرشداً والمستبد برأيه موقوف على مداحض الزلل ومن سمّع سمع به ومصارع الرجال تحت بروق الطمع من سلك الجد أمن العثار ولن يعدم الحسود أن يتعب قلبه ويشغل فكره ولا نجاوز مضرته نفسه يا بني تميم الصبر على جرح الحلم أعذب من جنى ثمر الندامة ومن جعل عرضه دون مال استهدف للذم وكلم اللسان أنكى من كلم البيان والكلمة مرهونة ما لم تخرج من ألفم فإذا نجمت فهي أسد محرب أو نار تلهب ورأي الناصح دليل لا يجوز ونفاذ الرأي في الحرب أجدى من الطعن والضرب ولما دعا النبي صلى الله عليه وسلم بمكة إلى الإسلام أرسل أكثم ابنه حبشياً فأتاه بجبره فجمع بني تميم وقال: يا بني تميم لا تحضروني سفيهاً فإن من يسمع يخل أن السفيه يوهن من فوقه ويثبت من دمنه لا خير فيمن لا عقل له كبرت سني ودخلتني زلة فإذا رأيتم مني حسناَ فأقبله وأن رأيتم مني غير ذلك فقوموني استقم أن ابني شافه هذا الرجل مشافهة وأتاني بخبره وكتابه يأمر فيه المعروف وينهى عن المنكر ويأخذ بمحاسن الأخلاق ويدعو إلى توحيد الله تعالى وخلع الأوثان وترك الحلف بالنيران وقد عرف ذو الرأي منكم أن ألفضل فيما يدعو إليه وأن الرأي ترك ما ينهى عنه أن أحق الناس بمعونة محمد ومساعدته على أمره أنتم فأن يكن الذي يدعو إليه حقاً فهو لكم دون الناس وأن يكن باطلاً كنتم أحق الناس بالكف عنه والستر عليه وقد كان أسقف نجران يحدث بصفته وسفيان بن مجاشع يحدث به قبله وسمّى ابنه محمداَ في أمره أولاً ولا تكونوا آخراً ائتوا طائعين قبل أن تأتوا كارهين أن الذي يدعو أليه محمد لو لم يكن ديناً لكان في أخلاق الناس حسناً أطيعوني وأتبعوا أمري اسأل لكم أشياء لا تنزع عنكم أبداً وأصبحتم أعز شيء في العرب وأكثرهم عدداً فأني أرى أمراً لا يجتنبه عزيز إلا زل ولا يلزمه ذليل إلا عز أن الأول لم يدع للآخر شيئاً وهذا أمر له ما بعده. فقال مالك بن نويرة قد خرف شيخكم فقال أكثم ويل للشبحي من الخلي ولهفي على أمر لم أشهده ولم يسبقني. ومن أمثاله السائرة ما قاله في وصيته لبنيه تباروا فإن البر يبقي عليه العدد، وكفوا ألسنتكم فإن مقتل الرجل بين فكيه، أن أقول الحق لم يدع لي صديقاً، الصدق مناجاة، لا ينفع الوقي مما هو واقع، وفي طلب المعالي يكون العناء، ومن قنع بما هو فيه قرت عينه، التقدم قبل التندم، اصبح عند رأس الأمر أحب إلي من أن أصبح ذنبه، لم يهلك من مالك ما وعظك، ويل لعالم أمر من جاهله، يتشابه الأمر إذا أقبل وإذا أدبر عرفه الكنيس والأحمق، البطر عند الخاء حمق والعجز عند البلاء أفن. ومنها: تباعدوا في اليار تغاربوا في المودة، لا تغضبوا من اليسير فأنه يجني الكثير، لا تجيبوا قيما لم تسألوا عنه، ولا تضحكوا مما لا يضحك منه، نعم لهو الحرة المتزل، حيلة من لا حيلة له الصبر، المكثار كحاطب ليل، من أكثر أسقط، لا تجعلوا سراً إلى أمة. ومن هذا النوع خطبته أمام كسرى وهي: أن أفضل الأشاء أعاليها وأعلى الرجال ملوكها وأفضل الملوك أعمها نفعاً وخير الأزمة أخصبها وأفضل الخطباء أصدقها والصدق منجاة والكذب مهواة والشر لجاجة والحزم مركب صعب والعجز مركب وطيء الرأي الهوى والعجز مفتاح ألفقر، وخير الأمور الصبر حسن الظن، ورطة وسوء الظن عصمة، اصلاح فساد الرعية خير من اصلاح فساد الراعي، من فسدت بطالته كان كالغاص بالماء شر البلاد بلاد لا أمير بها، شر الملوك من خافة البريء، المرء يعجز لا المحالة أفضل الأولاد البررة خير الأعوان من لم يراء بالنصيحة، أحق الجنود بالنصر من حسنت سيرته، يكفيك من الزاد ما بلغلك المحل، حسبك من سماعه الصمت حكم، وقليل فاعله البلاغة الإيجاز من شدّد نفّر ومن تراخى تألف. خطبة لقس بن ساعدة الأيادي أسف نجران: لما قدم وفد أياد على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: أيكم يعرف قس بن ساعدة الأيادي قالوا كلنا نعرفه قال فما فعل قالوا هلك قال يرحم الله قساً أني لأرجو أن يأتي يوم القيامة أمة وحده أني لا أنساه بسوق عكاظ في الشهر الحرام على جمل له أحمر وهو يخطب الناس ويقول: اسمعوا وعوا من عاش مات ومن مات فات وكا ما هو آت آت أن في السماء لخبراً وأن في الأرض لعبراً، سماء تمور ونجوم تغور في فلك يدور ويقسم قس قسماً أن لله ديناً هو أرضى من دينكم هذا مالي أرى الناس يذهبون ولا يرجعون ارضوا بالإقامة فأقاموا أم تركوا فناموا. أيكم بروي من شعره. فأنشد بعضهم: في الذاهبين الأولين من القروين لنا بصائر لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر لا يرجع الماضي نحوها تمضي الأكابر والأصاغر أيقنت أني لا محا - لة حيث صار القوم صائر وكان قس يفد على قيسر ويزوره في قصره فسأله يوماً ما أفضل العقل قال: معرفة المرء نفسه قال: فما أفضل العلم قال: وقوف المرء عند علمه قال: فما أفضل الموءة قال: استبقاء الرجل ماء وجهه قال: فما أفضل المال قال: ما قضي به الحقوق. ومن خطبه في إياد قوله: تباً لأرباب الغفلة والأمم الخالية والقرون الماضية يا معشر إياد أين الآباء والأجداد وأين المريض والعواد وأين ألفراعنة الشداد وأين من بني رشيد وزخرف ونجد وأين المال والولد، أين من بغى وطفى وجمع فأوعى وقال: أنا ربكم الأعلى ألم يكونوا أكثر منكم أموالاً وأطول آجالاً طحنهم الدهر بكلكله ومزقهم بطوله فتلك عظامهم بالية وبيوتهم خاوية عمرتها الذئاب العاوية كلا بل هو الله المعبود ليس بوالد ولا مولود. الشعر المنثور وداع غوطة دمشق وداعاً غوطة ألفيحاء، مجلى الطبيعة ومغنى النس، وروضة الطيبات، ومهبط التجليات، سلام زكي كتربتك المسكية، جميل جمال بيطك السندسية، عطر كأنوار أدواحك الجنبة، وتحية طيبة تتساقط على عمرانك تساقط الوابل والطل على جناتك الغبياء وجراحك الغلباء، وأشجارك الملياء، وغلاتك الكثيرة الأتاء. سلام عليك يا مستقر النعماء، وقرارة الهناء والرخاء، وخير خلوة يفزع إلى أرجائها الناسكون والعالمون، ويتقلب في أجوائها عشاق الطرب وأرباب المجون فيك تتجسم عظمو خالق السموات إذا بالغ في الأفضال على الأرضين، وتبدو قمة الخلق إذا صحت عزائمهم أن يكونوا عالمين لا خاملين، فليس في الأقاليم ما يفوتك باعتدال المواسم وانترار المباسم، وتلون المظاهر، وتنوع الثمرات والأزاهر، وتلي الجداول والأنهار، وتجلي الطبيعة في العثايا والأسحار. سلام على وادي دمشق إنه آية الحسن والإحسان، فيه تتجدد الحياة كل حين لأنه بمنزلة الربيع من الزمان، ويحلو العيش في ظل أفيائه على سذاجته مهما كان مراً وتطمئن النفس إلى التنقل في رباعه برداً كان أو حراً، إيه غوطة جلق لم يؤثر عنك أن أمسكت خيراتك عاماً عن أبنائك فلا تفتأين على الدهر تخرجين لساكنيك أفلاذ أكبادك على تعاقب الأمم والدول، وتصدقين الود لكل من يطلب قربك فيعيش معك في رخاء وصفاء. سلام على سكونك في الليالي الظلماء والقماء، ربيعاً كان أو صيفاً أو خريفاً أو شتاءً، وهنيئاً مريئاً لمن يستمتعون بالنظر إليك من الصباح إلى المساء، ويتعهدونك بالحرث والكرث والتقليم والتنقية والزرع والأرواء، سواء عندهم حمارة القيظ وصبارة القر وظلمة الليل وشمس النهار، سلام غليهم أنهم مثال النشاط في المزارعين، لا يضنون على أرضهم بأوقاتهم وأتعابهم وهي تجردهم ضروب الخير والمير كلما جودوا زراعتها، وتزيدهم بركات على بركات كلما رعوها فأحسنوا رعايتها، وهم مهما صهرت جسومهم حراتها، وصفرت سحناتهم رطوبتها، بيض الوجوه شم الأنوف، لأن رزقهم مناط أيديهم العاملة، لا يعتمدون في تحصيل قوتهم، على غير قوّتهم، ولا يتكلون إلا على من ينزل الغيث ويمع الزرع، ويدر الضرع، ولو حسن فيها نزع ألفضول من العقول، وأنيرت بأنوار علوم المدينة على الأصول، فتعهد أبناؤها بالتربية كما تربى عندهم الرياض والحقول، وتوقى مما يؤذي الزروع والثمار والبقول، لكانت خير بقعة يسكنها ساكن في الحياة، ولصلح عليها قول من قال طوبى لمن كان له في أرضها مربط شاة. سلام غوطة دمشق كلما غردت اطيارك فلك على المشاعر سجع الحمام واليمام، وهديل العندليب والهزاز وتغريد العصفور والشحرور، كيف لا تستهوين النفس وتعيق الغربان ونقيق الضفادع إذا رددهما الصدى في لياليك يفسرهما القلب بمعان لا تفهم منها في الكور الأخرى، كما يفسر في النهار ثغاء الماعز والحملان، وخوار البقر وجؤار الثيران. فسلام وألف سلام عليك يا كريمة الطبع، وبديعة الصنع، وعريقة المجد، ونبيلة الجد والجد، وزكية العرق ن وهنية الزرق، وطيبة النجار، والمحسنة للأهل والجار، ففي مغانيك تصفو النفس من كدورات هذه الحضارة الملفقة، وتنجو من سماع فظائع الإنسانية المعذبة، وبقليلك - وإن كان قليلك لا يقال له قليل، يغطبط الإنسان، ولا يتكالب على حطام الدنيا تكالب الضاري من الحيوان، وبتطلع الزهرة ربة الجمال من منافذ أفقك توحي إلى الخيال روحاً من عندها فتفيض القرائح وترق العواطف، وفي منبسط صعيدك الطيب يسلو الخاطر همومه وتطرب الحواس، من دون ما كاس ولا نغمة أوتار وأجراس. وفي هذا الريف العجيب تقرأ سور العدل الآلهي في تقسيم الأرزاق فلا فقر مدقح ولا غنى مفرط، ويعيش القائمون على تعهده عيشاً متشابهاً ألا قليلاً ن يغتني أفراد منهم بذكائهم واقتصادهم، فلا ترى في فقرائهم سلاطة الجياع أرباب النهم، ولا في أغنيائهم قسوة قلوب أهل الرفاهية والنعم، فسبحان من وفر للغوطة قسطها من الغنى والغناء، وضاعف لها حظها من الجمال والإعتدال، وأجزل لها عناصرها الحيوية فزادها كرماً لجديدين نماء إلى نماء. وداع الشام عنيت بشرق الأرض قدماً وغربها أجوب في آفاقها وأسيرها فلم أر مثل الشام دلر إقامة لراح أغاديها وكأس أديرها مصحة أبدان ونزهة أعين ولهو نفوس دائم سرورها مقدسة جاد الربيع بلادها ففي كل أرض روضة وغديرها هذا ما وصف به البحتري القطر الشامي منذ نحو ألف سنة وهو يصدق عليه اليوم وإلى ما بعد اليوم فقد منح الفاطر تعالى هذا القطر من ضروب الجمال والاعتدال ما هو قرة العيون وبهجة النفوس فقضى أن تأخذ فيه ألفصول الأربعة حكمها وأن تتم في قيعانه وجباله وأسباب النعيم في الحياة: أهويته معتدلة، وأمطاره وثلوجه متهاطلة، وتربته مخصبه، وغاباته ومعادنه ليست بقليلة، وأنهاره جارية، وبحيراته غريبة وأجواؤه بهجه، ورباعه منبسطة. تعشق الشام لأنها رأت طلعة موسى وعيسى وأحمد صلوات الله عليهم من النبين وأمثال الإسكندر وابن الخطاب وابن الوليد ونور الدين وصلاح الدين وسليم وابراهيم ونابليون من ألفاتحين وعمر بن عبد العزيز والمأمون من الخلفاء العادلين فقل في الممالك كما قال كورتيوس المؤرخ الألماني ما اندمج فيه الكثير من التواريخ في بقعة ضيقة كهذه. يضم الشام بين جوانحه معظم المعتقدات والمذاهب ولذلك كثر بالأمس الطامعون به فكان من حسنات هذه الحرب أن قضي على مطامعهم آخر الدهر إن شاء الله وعرف من لم يكن يعرف أن الجامعة العثمانية أشرف الجامعات وأقواها وأن التفكر في غيرها مثلبة مهلكة. وداعاً بلاد الشام فقد اخذت بمجامع القلوب بخصائصك الطبيعية فكل تعب يهون في خدمتك وكل مفاداة يستهان بها في سبيل مرضاتك فأرضك معشوقة الأنفس، وتربتك عليها درجنا وفيها ندرج ولن نتخذ عنك بديلاً مهما تحملنا من المشاق وما عناؤنا إلا ابتغاء المبالغة في العناية بأمرك. سلام عليك بلاد الشام معدن الخيرات والبركات مهوى الهوى ومغاني الخردالعين سلام على مناظر حرمون وصنين والصبر وقاسين ويوشع والأرز والهرمل والكمل، سلام على أغوارك وأنجادك وعلى بحيراتك وأنهارك، سلام على الأردن واليرموك والعاصي والفرات وبردى والساجور والليطاني والزرقاء والعوجاء والأعوج والأولي وقاديشا والموجب وغيرها من أنهارك وجداولك التي تفيض البركات على أبنائك. سلام على جبال الشراة والخليل وعامل وسئير وحوران وعجلون وحرمون ولبنان وعكار واللكام وأنطاكية والقصير وريحا، سلام على سهول حوران والجولان والجيدور والغوطة والبقاع والبقيعة وحمص ومرج ابن عامر وشارون والبلقاء، سلام على آثارك وعادياتك قديمها وحديثها، ولا سيما جرشك وبتراؤك وبعلبكك وتدمرك. أحبت القلوب هذا القطر السعيد لأنه حوى على ضيق مضطربه ما لا تحويه الأقطار بل القارات من الحسنات وفيه من الغرائب الطبيعية والصناعية ما دعا الأمم إلى شد الرجال إليه والحج إلى مزاراته وزيارة مصانعه ومعاهده. يعرف ذلك كل من فارقه مدة وقابل بينه وبين غيره في عمرانه وطبيعته. إيه سورية مجموعة غرائب العالم تستودعك قلوبنا فإن بك حيث كنا قد شغلت عقولنا أننا نودعك على أمل اللقاء القريب ونحن نحمل إليك من أنباء جاراتك التي يظلها علم الهلال المنصور ما ينفس الكربة ويزيل الغمة ويفيض النعمة بحول الله ولا قوة إلا به. في شبه جزيرة كليبولي إلى هذه البقعة الطيبة بمناظرها وغاباتها وسهولها وجالها يهوي اليوم ويحق له أن يهوي فؤاد كل عثماني يحب هذا الوطن المحبوب ويتفانى في التيرك بتربته ويخاف عليها من عوادي المعتدين ويكره لها ظل المستعمرين من الغربين. جزيرة مستطيلة كهذه يبلغ عرضها فيما أذكر من ستة كيلوا مترات إلى ثلاثين وطولها ٨٥ كيلوا متراً تتقاذفها القنابل والقذائف والمدمرات والمتفجرات وطيارات السماء ودوارع الماء منذ زهاء سبعة أشهر وهي لا تزال صابرة على الأذى باسمة الوجه للقاء العدى. في هذه الشبه الجزيرة تجلى العقل العثماني وتمّ آخر ما وصلت إليه مدارك أبناء هذا الوطن قي استكمال أسباب الدفاع والأخذ بحظ أوفر من أساليب الكر والفر والتعبئة والمصاف ولولا هذه العناية والإستهانة بكل عزيز في سبيل الذود عن حمى هذه الشبه الجزيرة لتبدلت وجة الحرب الأوربية ولنلنا من الإضطهاد ما لا يخطر لناعلى بال. هذه الأرض المحاطة بالبحر من أكثر أطرافها عرفت دول الإتفاق المربع ولا سيما انكلترا وفرنسا منهن أن هناك قرة أسمر من قوة البشر وهي القوة الآلهية التي استبد إليها العثمانيون قبل كل شيء ودونها قوى الأساطيل والغواصات والطيارات والمقذوفات والمفرقعات يضاف إليها يقين مازج الأفئدة والأرواح من الإنتصار وكراهة ليس بعدها غاية لحكم الأجنبي والتشبع بعاني الوطنية والجنسية. وقفت على جبهات الحرب في مواقع أري بروني وأنافورطة وجناق قلعه وأشرفت على أنحاء سد البحروهي المواقع الأربعة التي دار ويدور عليها القتال واشتد فيها الطعن والنزال فعظم في عيني غناء جيشنا وفاخرت نفسي بقواتنا وضباطنا وجندنا وأيقنت أننا إذا ضمنا شملنا في كل نازلة وكل شأن وتذرعنا بعامة الأسباب التي يتذرع بها البشر المدن نضاهي أعظم الدول منعة ومضاء وها قد قضينا باعتصامنا بحبل الله على مطامع الطامعين من الإنكليز والفرنسين وهم ما هم بقواهم البرية والبحرية. سبعة أشهر مضت على دفاع جناق قلعه والعدو يمخر العباب بدوارعه وطراداته ورعاداته ومدمراته ويخرج إلى البر الكتائب اثر الكتائب ويستجلب السلاح ويتذرع بأقصى ما وصل إليه طرق الإنسان من التفنن في إرهاق الخصم واقتحام السبل فلم يستطع التقدم شبراً عن المكان الذي نزله أول يوي ولا يزال جيشه تحت حماية أساطيله لا ذرى له ولا أكمات وجيشنا يطل عليه اطلالاً يذيقه كل يوم مرارة الهزائم وألواناً وأشكالاً ويفحش القتل في رجاله حتى قدر الهالك منه بنحو مئة ألف فقدها وفقد معها جانباً من أسطوله وأنفق مئات الملايين من الدنانير وهو في مكانه لم ينل ولن ينال بحول الله ما تطمع به نفسه من استباحة حمانا. هذا المضيق هو في الحقيقة مفتاح دار الخلافة وكان المتفقون على مثل اليقين بأن عملهم سهل يحتاج إلى بضعة أسابيع ولكن خيب المولى ظنونهم ونعى عليهم اعتدالهم بقوتهم وألقى عليهم أمثولة مما ينال الظلمة من سوء المغبة وأن التمويه للعبث بعقول الناس لحكمهم كما تحكم البهائم إن جاز يوماً فلا يجوز على الأمم في آخر وأن الله لا يضيع عمل عامل. إن دفاعنا عن حمانا في جناق قلعه قطع آخر عرق من الآمال للمتفقين وقضى على مطامعهم فينا أند الدهر إن شاء الله ومن رأى ما رأيناه هنا من أبداعنا في طرق القتال وشاهد استعدادنا في حصولنا وطرقنا وسلاحنا ومدافعنا ونظام جيشنا وما ينبغي له من المؤنة والذخيرة والتمريض يجهر بصوته قائلاً هذا عمل لا يتهيأ إلا لأمة تحب أن تبقى ولا يتيسر إلا لمن كتبت له السعادة. غابات شبه جزيرة كليبولي ونجادها ورهادها وسواحلها وسهولها لقد طلت في ربوعك دماء زكية من دماء العثمانيين ولكنها ستبقى على جبين الأيام مسكية الأريج عطرة الثناء تنم عن معرفة من استشهدوا في سبيل ألفرض الوطني وذاقوا معنى الوطن والوطنية. إن الدم الطاهر الذي أريق على تربتك جعل لها ريحاً من ريح الجنة وسيكون لمن فادوا بها من الذكر الجميل ما كان لأبطال المسلين في وقائع الصليبين وشعار ذلك: هذا عمل أفراد قتلوا ليحيوا أمة وفادوا بنفوسهم في سبيل الله ليحموا ذمار الخلافة المعظمة ويربأوا بهذا الوطن عن أن يستباح حماه ويحافظوا بأرواحهم على آخر دولة إسلامية مستقلة جمعت شمل الإسلام والمسلمين وحمت حمى الحرمين الشريفين. كلما هبت الصبا والشمال على أرجاء شبه جزيرة كليبولي وطلعت عليها الشمس وغربت وأقمرت السماء وأمطرت وأثلجت وأرعدت وأبرقت يردد لسان الحال فيها هذه ثمرة التضامن بين أعضاء البيت الواحد. هنا قضى العربي والتركي واللازي وغيرهم لإعلاء كلمة الحق واتقاء عادية الدخيل الثقيل. هنا نظم العثمانيون أرقى جيش انتظم لهم منذ عهد ألفاتح وسليم وسليمان وتشبع أهله بروح الوطنية وغنم غزاتهم أحياءً وأمواتاً سعادة الدارين. أرض شبه جزيرة كليبولي ستبقين مقدسة في نظر كل عثماني خاصة وكل مسلم عامة كما قدس الله الأرض المقدسة وستذكرك الأجيال عقيب الأجيال والدهور إثر الدهور بالإعظام والاحترام كما تذكر هذه الحرب العامة بالهول والاستغراب. أنت كذبت البشر في ادعائهم أن كل محصور مأخوذ وأكدت لهم عكس القضية في أن كل محصور محفوظ فسلام عليك محاربة ومسالمة. وألف ألف رحمة ورضى على عظام شهداء ضمتها تربتك الطيبة ومروجك السندسية وتلعاتك الزمردية. بلاد العرب البلاد العربية على التحقيق هي كل شبه الجزيرة التي يحيط بها ألفرات وخليج فارس وخليج عمان شمالاً وشرقاً وجبال وروس والبحر المتوسط والبحر الأحمر شمالاً وغرباً والبحر الهندي فيما سوى ذلك بل ينبغي أن يضاف إليها معظم البلاد الواقعة بين نهري ألفرات ودجلة من عرض ماردين وديار بكر شمالاً إلى القرنة جنوباً فإن كل هذه البقعة كانت من أول فجر التاريخ إلى هذه الغاية يسكنها أقوام من الجنس السامي هم أقرب ما يكون إلى العرب والعادية العدنانية في أخلاقهم وعوايدهم ولغتهم فضلاً عن بنيتهم الجسمانية. وتشير التقاليد العربية على ما ذكر أشهر المؤرخين إلى أن العاديين في أقدم دولهم التي نزلت الأحقاف وحضرموت وبعدهم تمود هاجروا إلى الجنوب من العراق وما يجاوره. والآثار دلت دلالة لا يختلف فيها أحد من العلماء الباحثين في العصر الحاضر على أن حمورابي الشهير كان عربياً والمتحقق أيضاً أن لغة بابل القديمة ولغة الآشوريين الذين شادوا فيما بين النهرين دولة من أعظم الدول القديمة كانت لغتهم عربية أو أقرب ما يكون إلى اللغة العربية العادية أو العدنانية المضرية. وإشباع البحث الآن في هذا الموضوع خارج عن مقصدنا وربما عدنا إليه في مقالة على حدة. موضوع مقالتي الحاضرة هو بلاد العرب الأصلية الواقعة جنوبي خط موهوم يمتد من رأس خليج السويس إلى رأس خليج العجم بين البحر الأحمر غرباً والبحر الهندي جنوباً وشرقاً وخليج عمان وخليج فارس شرقاً وشمالاً. وحدودها واضحة كل الوضوح ليس في بلدان الدنيا ما هو أوضح منها إلا في جهتها الشمالية حيث يحدها الخط الموهوم كما أشرنا. مساحة هذه البلاد مساحة هذه البلاد بين مليون ومليون ومئتي ألف من الأميال المريعة ثلثها رمال دهناوية ونفودية (نسبة إلى دهناء ونفود) ومعظم هذه الرمال في الدهناء الكبيرة المعروفة بالربع الخالي بين اليمن وحضرموت وعمان وبلاد نجران إلى ما يصاقب قلعة بيشة غرباً وجنوباً وشرقاً وجنوبي شبه جزيرة قطر مما يلي عمان إلى واحة يبرين إلى الدواسر شمالاً ثم النفوذ الشمالي الكبير الذي يفصل بين صحراء سوريا شمالاً وبلاد شمر خيبر ومدائن صالح جنوباً. وهناك رمال أخرى تفصل بين الحسا وهي كل البلاد الواقعة على الخليج ألفارسي من فاو تقريباً إلى شبه جزيرة قطر وبين نجد ثم الرمال التي تفصل شمر ونجداً عن العراق من مشد علي شمالاً إلى فاو جنوباً وهذا الثلث من الأرضين لا عمارة فيه أصلاً إنما ينزله الأعراب أو ينزلون أطرافه في الشتاء والربيع لرعاية أنعامهم وفي بعض هذا اثلث أحسن المراعي العربية في الزمن الذي أشرنا إليه. والثلث الثاني صحار وحزون هي مراع للسائمة من الإبل والشاه وليس فيها عمران حضري إلا ما ندر حيث ثم بعض أعداد المياه. وأعداد المياه جمع عد وهو الماء الجاري لا ينقطع والقديم من الركايا. وأما الثلث الثالث فأرض زرع وضرع لا ينفص في خصبه عن أخصب الأرضين في العراق وضفاف النيل في مصر والصعيد وفي هذا الثلث أغلب اليمن ومتصرفية عسير وقسم كبير من عمان ومعطم أودية حضرموت ونجد ولا سيما الفلج وأعراض اليمامة وواحات الحسا. عدد السكان يختلف الكتاب في تقدير عدد سكان هذه البلاد وحقهم أن يختلفوا لاتساع مساحتها وانفصال بعض أقسامها عن بعض وصعوبة الوصول إلى كل قسم من أقسامها أياً كان أما للحوائل الطبيعية أو لتنكر أهلها من غريب عنهم يجوس خلال ديارهم والذي رأيناه في مطالعتنا كلها لكتاب من الإنكليز. وهؤلاء لا يؤتمنون على الحقيقة في كل ما يتعلق بالبلاد العثمانية فإنهم منذ زمن بعيد لا يرون ولا يكتبون إلا ما يوافق سياستهم ومقاصدهم الخصوصية الخفية حتى في أمر كالذي نحن في صدده أي عدد السكان فأنهم يزيدون فيه أو ينقصون على ما يكون أمام غايتهم وقد رأيت لكاتب ورحالة منهم مشهور يعرف باسم كين مؤلفاً جغرافياً في مجلدين وفيه ما يقضي بالعجب فإنه يذكر في موضع من كتابه أن سكان هذه البلاد لا يزيدون عن خمسة ملايين في الأكثر ثم يذكر في موضع آخر أنهم يبلغون اثني عشر مليوناً وبين العددين تفاوت كبير. ولا أتصدى الآن لبيان الداعي الذي دعاه لذكر هذين العددين المختلفين اختلافاً بيناً من غير أن يظهر في كتابته أو في إشارة إلى أنه فطن إلى ما بينهما من التفاوت العظيم ولكبي أذكر ما ذكره عن المستر ولفرد بلنط الكاتب والسياسي الإيرلندي المشهور وهذا الرجل زار حائلاً مدينة ابن الرشيد وعاصمة بلاد شمر فقال كين عنه أنه أي بلنط تحقق أن موقع حائل بالنسبة إلى جبل أجا هو غير ما ذكره الجغرافيون وأهل العلم بتخطيط البلدان ومع علمه هذا لم يصلح الخطأ مخافة أن يقتنع العثمانيون من إصلاحه فيما إذا عرضت واقعة مهمة في المستقبل تقتضي معرفة موقعها الحقيقي. والظاهر من كتابته أنه لم ينكر عن بلنط ولا رأى فيما أتاه من إخفاء هذه الحقيقة لهذا الغرض ما يؤاخذ عليه. وأقوام هذه حالتهم وهكذا مقاصدهم ومتجه أفكارهم لا نلام فيما إذا كنا نشك في كل ما كتبوه ويكتبونه عن الحكومة العثمانية والبلاد العثمانية حتى عن عدد الأجناس المختلفة فيها ولا أظن أن كين يختلف عن بلنط من هذا القبيل فإنهما انكليزيان وكل انكليزي من غير طبقة الغوغاء يسابق صاحبه في خدمة مقاصد دولته وترويج سياسة الحكومة العليا في الخارج يكاد يفعل ذلك سليقة وبالبديهة وقائدهم في ذلك صحافتهم الداهية الخلابة والصخابة عند الإقتضاء. والذي أرجحه في عدد سكان العربية أنهم يزيدون عن الإثني عشر مليوناً ف ن عمان بلاد واسعة خصبة جيدة الهواء قليلة الوبالة وأهلها يحسنون الزراعة ويشدون شيئاً من الصناعة الخاصة بهم والرائجة عندهم وفوق ذلك هم أهل تجارة واستعمار وفد كان معظم شرقي افريقية لهم بل امتددت سلطتهم وتجارتهم إلى قلب الكنغو وأواسط جنوبي إفريقية وما زالت كل بلاد زنجبار لهم إلى أن خالطوا البريطانين فعمل هؤلاء على التخفيف عنهم من ثقل مسؤوليتهم في افريقية ففصلوا هذه أولاً عن مركز السلطة في عمان ثم ما زالوا يخففون من مشاق العثمانيين وسلطان زنجبار في تلك الأصقاع ويتحملون هم تلك الأعباء الشاقة عنهم حتى لم يبقوا عليهم شيئاً من التعبئة يستحق الذكر فجزاهم الله عن أتعابهم جزاء يستحقونه! بلاد كبلاد عمان بلاد زراعة وصناعة وتجارة واستعمار وتكاد تكون إلا في سواحلها أحسن بلاد في الدنيا طيب هواء وجمال مناظر وفوق ذلك لا تقل مساحتها عن خمسة وثمابين ألف ميل مربع أي مضاعف مساحة سورية من رأس خليج اسكندرون إلى العريش ولها بادية أيضاً هي ضعف بادية سورية مساحة على الأقل. بلاد هذه صفتها ما أظن ينقص عدد سكانها عن عدد سكان سورية وفي الراجح عندي أنهم لا يقلون عن أربعة ملايين. ومن الغريب أن كين يقدر عدد سكان عمان في كتابه المطبوع سنة ١٨٩٦ بمليون ونصف من النفوس ويقدر عدد سكان شمر والبحرين ونجد بثلاثة ملايين ونصف على أن بولفريف قدر في سنة ١٨٦٢ إمارة ابن الرشيد وكل بلاد نجد بدواً وحضراً بمليون وسبعمئة ألف نفس وقدر سكان عمان بمليونين ومئتينيوثمانين ألف نفس على التفصيل الآتي: عدد نفوس إمارة ابن الرشيد الحضر اسم البلاد عدد القرى عدد السكان جبال شمر ٤.١٦٢ ،. . . الجوف ١٢ ٤ .،. . . خيبر ٨ ٢ .،. . . القصيم العليا ٢٣٥ ،. . . تيماء ٦ ١٢ ،. . . عدد البدو شمر ٨ .،. . . الشرارات ٤ .،. . . الحويطات ٢ .،. . . بنو عطية ٦ ،. . . معاز ٤ ،. . . طي ٨ ،. . . وحيدية ٨ ،. . . المجموع بدواً وحضراً أربع مئة وأربعون ألفاً تقريباً عدد سكان إمارة نجد الوهابين من الحضر اسم البلاد عدد القرى عدد النفوس العارض ١٥ ١١ .،. . . اليمامة ٣٢ ١٤ .،. . . الحريق ٥٤٥ ،. . . اسم البلاد عدد القرى عدد النفوس أفلاج ١٢ ١٢ ،. . . وادي دواسر ٥١ . .،. . . سليل ١٤ ٣ .،. . . الوشيم ٢٨ .،. . . سدير ٢٥ ١٤ .،. . . القصيم السفلى ٦٣ . .،. . . الحسا ٥١٦ .،. . . القطيف ٢٢ ١ . .،. . . المجموع ٣١٦ ١ ، ٢١٩ ،. . . عدد البدو أو الأعراب اسم القبيلة عدد الأنفس العجمان ٦ ،. . . بنو هاجر ٤ ، ٥ . . بنو خالد ٣ ،. . . بنو مطير ٦ ،. . . بنو عطيبة ١٢ ،. . . الدواسر ٥ ،. . . السباعة ٣ ،. . . قحطان ٦ ،. . . حرب ١٤ ،. . . عنيزة ٣ ،. . . آل مرة ٤ ،. . . بطون متفرقة ١ .،. . . المجموع ٧٦ ، ٥ . . ومجموع البدو والحضر ١ ، ٢٨٥ ، ٥ . . فإذا أضفنا إلى هذا العدد نفوس إمارة ابن الرشيد أي أربعمئة وأربعين ألف نفس كان مجموع عدد السكان في شمر ونجد أي في إمارة ابن الرشيد وإمارة ابن سعود نحواً من مليون وسبعمئة وخمسة وخمسين ألفاً. فلينظر ناظر إلى مقدار التفاوت بين تقدير الرجلين والذي أعتقده أن بولغريف زاد في عدد إمارة الرشيد بعض الزيادة ونقص من عدد ابن السعود لميله إلى الأول وكرهه الثاني. وأما إمارة عمان فأرجح أيضاً أن بولغ ريف قدّر عدد سكانها بأقل مما هو حقيقة واعتمد في ذلك على بعضهم ممن كانو يعرفون الحكومة الإنكليزية في تلك البلاد أو على معرفته هو بالسليقة أو بالبداهة ثم جاء كين بعد ثلاثين سنة من أيام بولغريف وكانت المنازعات على عمان بدأت في شدتها بين الإنكليز والفرنساوين فقدر عدد تلك الامارة بما قدره تهويناً من أمرها على ألفرنساويين فيما أرجح وألا فلا يعقل أن تتراجع هذه البلاد على خصبها واستتاب الاظمن فيها إلى الوراء فيقل سكانها بعد مرور ثلاثين سنة نحواً من سبعمائة ألف أي ما يزيد على خمسة وثلاثين في المئة على حين كان يجب أن يكون العكس أن يزيد عدد سكانها في هذه المدة أربعين في المئة عما كانت هليه في أقل تقدير. لنرجع إلى موضوعنا فنقول: قدر كين ولاية الحجاز بثلاثة ملايين نسمة وولاية اليمن بمليوني ونصف النسمة ولم يجر ذكراً لحضرموت ولا للقارة بين حضرموت وعمان وكذلك لم يشر أدنى إشارة إلى منطقة عدن وما حواليها مما هو داخل في نفوذ مملكته وكذلك لم يذكر شيئاً عن بلاد سبأ التي عاصمتها مارب ولا عن الجوف ولا عن نجران ولا ما يحوم حول هذه البلدان أو يتبعها تبعاً سياسيا أو تجاريا أو جواراً. أما الحجاز ويراد به كل متصرفية عسير فضلاً عن أرض الحرمين فتقديره ولا يبعد كثيرا عن الصواب فيما أرى، وكذلك تقديره اليمن فأن الداخل منه في ولايتنا العثمانية كما هي ولاية سوريا لايزيد فيما أظن عن المليونين والنصف، إلا أن هناك ما هو عثماني ألا أنه تحت حكم أمرائه وشيوخه اليمانيين لا أثر فيه لنفوذ أجنبي وذلك كقبائل حاشد وبكيل وهمدان وخيوان في الجبال التي إلى الشرق والشمال من صنعاء والحكم فيه لأمام الزيدية ومقره الآن في صعدة على ما أرجح فكل هذا القسم من اليمن وفيه معظم مملك حاصور القديمة وصميم الدولة الحيرية ممن عرفو بالأزواء في آخر عهدهم ويلحق به بلاد مأرب ولاجوف ونجران لا ينقص عدد أهليته فيما أرجح عن المليون والنصف من السكان وهو غير بعيد فإذا قدرنا سكان حضرموت ومهرة بثلاثة أرباع المليون ويقدرون عادة بين المئتي والثلاثمئة ألف في أعلى تقدير واضفنا ذلك إلى الأغداد المذكورة سابقاً بلغ سكان العربية من أربعة عشر مليوناً والنصف مليون وان شئت قل خمسة عشر مليون على ما يأتي: أسماء الإمارات والولايات - عدد السكان بالملايين إمارتا أبن السعود وابن الرشيد ٣ . . . . . . إمارتا الحسا والقطيف ٣٥ . . . . . سلطنة عمان ٤ . . . . . . ولاية الحجاز ٣ . . . . . . ولاية اليمن ٢٥ . . . . . يافع ومأرب والجوف وبلاد حاشد وبكيل ونجران ١٥ . . . . . حضرموت ومهرة والقرى ٥ . . . . . المجموع ١٤٥ . . . . . نسبة هذه الولايات والإمارات عسكرياً أما عمان فمنفصلة كل الانفصال لما يحبط بها من بحور الرمال من كل الجهات مما أدى إلى انقطاع طريق الحاج البرية بينها وبين مكة منذ مئات السنين بل الطرق التجارية بينها وبين الحسا والقطيفة قلما يسلكها احد الآن ومثل ذلك الطريق إلى نجد واليمامة، ولاقوم لا يحملون حقداً على العثمانيين وكثيا منهم أهل السواحل لم يسمعوا شيئاً مما يفتري أهل البريطانيين علينا لأن هؤلاء القوم الحملان يتحرجون اخلاصاً ويأثماً من التشنيع علينا عند العثمانيين في داخلية بلادهم لأن العثمانيين يخافون ما يخافون منهم إذا مر مار منهم زائرأً أكرموه وأحسنوا ضيافته كل الإحسان ثم يصرفونه من حيث أتى راجعاً أدراجه وأما في السواحل فالقوم يعلمون عن البريطانون وعن مقاصدهم أكثر مما يعلمه العلمون منا نحن وقد اختبروا أمرّ أختبار ما أنتجته مداخلاتهم التجارية والسياسية منذ أواسط القرن الماضي إلى اليوم من إلقاء بذور ألفتنة ثم تحيزهم إلى ألفاتنين بما أوجب شق السلطنة وانتزاع كل شرقي افريقية منهم أخيراً على أن العثمانيين يخافون قوة القوم البحرية ويدارونهم غاية المداراة ولكنهم على حذر منهم وتيقظ وذلك مما جعلهم حتى الساعة يستغنون عن مساعداتهم الخيرية ومعاهدهم التهذيب وسركاتهم التجارية وطرقهم الحديدية والفضل في ذلك عائد إلى أهل الجبال من الداخلية فأنهم مستقلون في داخليتهم عن حكومة مسقط استغناء كل ولاية عمن الولايات المتحدة عن حكومة واشنطن على أقل تقدير. إن بولغريف الإنكليزي اليسوعي الشهير استطاع أن يلقي بعض المفاسد في حائل والرياض وكثيراً منها في الحسا والقطيفة أما في عمان فلم يستطع شيئاً من ذلك. وقد ذكر عن حسن معاملة القوم للغرباء وكرم أخلاقهم وحسن ضيافتهم ما لو استطاع إخفاءه لإخفاه أو قوي على إنكاره لأنكره ويقول أيضاً أن العثمانيين على الساحل يخافون طمع الإنكليز ويرقبوهم بعين الحذر وأما في الداخلية وضمن جبالهم وهم هناك أهل النجدة والبأس فلا يبالون بالبريطان وإلى الآن لم يجسر أحد منهم على اختراق بلادهم ولو عابر سبيل. وأشد من العثمانيين تجنباً للإنكليز ولكل أجنبي أهل مهرة وحضر موت ساحلهم وداخليتهم أما في الداخلية فلا وصول للإنكليز إليهم بوجه من الوجوه والمطلع على سياحة ثيودور بنت المترجمة إلى المقتطف سنة ٩٨ على ما أظن أن هذا الرجل الغني وفي حاشيته الإمام بهادور شريف وغيره من المسلمين لاقى من مقاومة السكان ما لاقى مع أنه كان معتمداً في سياحته على مساعدة سلطان مكلا وهي أكبر فرضة على ساحل حضرموت ولسلطانها معاملات كثيرة مع الهند وعدن سياسيا وتجارياً. ومع ذلك لم يكن هذا الرجل يطأ داخلية حضرموت حتى اضطر أن يرجع أدراجه على غاية من الخوف والسرعة كما كان نصيب ليوهرش المستشرق النمساوي الشهير من قبله هذا في حضرموت أما عدن وما حولها حيث منطقة النفوذ الإنكليزي فإن معظم به حاكم عدن من رؤساء القبائل الذين تنتقدهم الحكومة الهندية راتباً معلوماً في كل سنة أن يؤمنوا طريق التجارة فلا يعرضون القادمين إلى عدن بمحصولات الداخلية ولا الراجعين منها بالبضائع الإنكليزية والهندية لا يطمعون منهم بأكثر من ذلك. وأما أهل نجد فقل عنهم أضعاف ما قلناه من أهل حضرموت وعدن واليمن فإنهم يكرهون كل تداخل أجنبي ترى ذلك واضحاً في إجماع خاصتهم وعامتهم على البعد عن دهاة لجنة الخليج ألفارسي. ولطالما اجتهدت هذه اللجنة ومركزها في أنو شير في أن تقوي النجدين وتدخلهم في معاهدة أو رابطة معها فلم تفلح. وفي سنة ١٨٦٤ على إثر بولغريف من الرياض خائباً ناقماً على الأمير فيصل الوهابي وعلى الوهابيين وكان جاء الرياض متنكراً على نفقة إمبراطور فرنسا ومر بحائل أيضاً فعلى إثر انصرافه برغث صدر الكونيل لوس بلي مدير سياسة الخليج ألفارسي فكتب رسالة خاصة إلى الأمير فيصل يستأذنه في زيارة إلى مقره في الرياض فأغفل الأمير جوابه فكتب ثانياً يسأل خفارة وأدلآ. ولما طال الوقت ولم يرد جواب الأمير عبر إلى الكويت ومن هناك أرسل ثالثة ما كان سأله من الخفارة والإدلاء وانظر عدة أسابيع وبعد أن طال انتظاره وكاد يفرغ صبره ورد عليه جواب الأمير بأوجز عبارة لا يزيد عن صريح الإذن بقبول زيارته ولكن لا دليل ولا خفراء فسافر هذا الرجل هو وحاشيته في بزّه أهل نجد لم يجسر أن يظهر بزّيه الإفرنجي ولما بلغ الرياض نزل في مقصف لابن الأمير خارج المدينة ولم يؤذن له بمواجهة الأمير فيصل إلا في اليوم الثاني وبه تردد مدة ثم بعد أن أقام ثلاثاً لم ير له أفضل من سرعة الرجوع فزم جماله واعتمد دليلاً من قناصة الصليب فقاده هذا في طريق غير مطروق نفذ به شمالي الهفوف. ومما يذكر في هذه الزيارة أن الكولونيل وحاشيته لم يجسروا أن يستعملوا شيئاً من سياحاتهم العلمية الجغرافية في أخذ عرض مكان أو طوله أو رسم خارطة للطريق الذي مروا فيه أو شيئاً آخر مما يحرص عليه أصحاب الرحلات من علماء الأوربيين. ومنذ عهده إلى هذا العهد لم يدخل نجداً بريطاني لا سائحاً ولا جاسوساً فيما نعلم ويعلمه أيضاً جورج هوغرث صاحب الكتاب المشهور المسمى اختراق البلاد العربية المطبوع سنة ١٩٤ . والخلاصة فإن أهل نجد هم من أبعد أهل العربية عن الإسترسال إلى الإنكليز بوجه من الوجوه مهما بلغ من دهاء سياستهم وخلابة مواعيدهم. والشمريون لا ينقصون مثقال ذرة عن إخوانهم النجدين ولا يحتاج إلى اطالة الكلام في شأنهم فإنهم الآن جنباً إلى جنب مع العثمانيين يدفعون في صدر الإنكليز لم تؤثر فيهم رقاهم ولا خلبتهم مواعيدهم الغرارة التي هي كما نلم ويعلمون ولا يطعن فيما أوردناه من نفور عرب البادية من دهاة البريطانيين ورجال السياسة وذوي الوعود البراقة فيهم، عصيان أمير مكة السابق الشريف حسين عون وما تواتر عنه من أنه استهواه الذهب الإنكليزي فجوابنا لمن أراد نقض ما بنيناه بمثل هذا القول أن عمل الأمير حسين من الأعمال الخارقة للعادة التي لا تنجلي حقيقتها ولا تتضح أسبابها إلا بعد خمود نارها وحينذاك يصح للمعترض أن يؤسس ما يقوله على فكرة ثابتة وأما وأنباء حسين وأعوانه غامضة وراء ستار وهو وجمعه يأتون ما يأتونه من خلف أجبال وكهوف تحجب عنا أمرهم وتستر سرهم فلا يمكن للمؤرخ الاعتماد على نبأ غير مسبور الغور ولا واضح الحقيقة. هذا ما اتفق لنا إيراده الآن في البحث عن الأقطار العربية. والإيغال في ذكره يعوزنا إلى المجلدات. وفوق كل ذي علم عليم. بيروت ج. ض العلم في ألمانيا لم تحرز ألمانيا التفوق الباهر على الشعوب المتمدنة في فروع العلم والصناعة إلا بفضل انتظام جامعاتها وارتقاء كلياتها فهي تتجدد على مرور الزمان وتتطور بأطوار العصور وتراقب الاختراعات والاكتشافات في جامعات أوربا وأمريكا الكبرى فتناظرها وتنافسها فهي تبعث كل عام في العطلة المدرسية بوفود علمية مؤلفة من فحول العلماء والأساتذة ومعهم فريق من نوابغ التلامذة ونخبة أذكيائهم للطواف في عواصم العالم المتمدن والتفتيش عن نظامات دور العلم والصناعة والمجامع الأدبية والفلسفية والطبية والمحافل المالية والاقتصادية وذلك لاقتباس ما يناسب الروح الألمانية فتعود البعثة مزودة بأجد الأفكار وأحدث الأطوار وتطبق حينئذ العلم على العمل وعلى هذه الطريقة ترسخ أقدام التجدد في تلك الكليات التي أصبح لها ألفضل العظيم في تكوين الوحدة الألمانية، وتشييد أركان هذه الإمبراطورية الواسعة التي أرهبت العالم بقوتها وصوتها وامتداد سلطانها في قلب القارة الأوربية بعد أن كانت شعوباً متفرقة وإمارات متشتتة ومعرضة لإطماع ألفاتحين والغزاة من القياصرة والملوك. قال بسمارك في حديث له مع أحد المكاتبين الحربيين في حرب السبعين أن ألمانيا لم تنتصر على فرنسا في ميادين القتال والنزال إلا بفضل النظام ناشئتها ورجاحة عقول شبيبتها التي أدركت المنافع الوطنية من طريق المدرسة وعرفت أن حياة الافتراق والانشقاق لا تفرق كثيراً عن الموت الحقيقي والانقراض الطبيعي فليست مهارة القواد الألمانيين وكثرة الجيوش وقوة السلاح هي التي نصرت ألمانيا على عدوتها بل المدرسة الألمانية والعقل المدني هو الذي عقد ألوية النصر والفوز على رؤوس الألمانيين فالحروب الحديثة لا تأثير السلاح والكراع فيها وإنما العامل الوحيد للانتصار فيها هو العقل والتربية والنظام ونمو الروح الوطنية وفي الحقيقة أن ألمانيا لم تكن على جانب كبير من العلم والتمدين يوم اكتسحا نابليون وأخضعها لسياسته وجبروته فقد كانت حينئذ ميداناً للفتن وكان الخصام والنزاع والبغضاء سائدة مستحكمة في قلوب أمرائها وملوكها فلما أنشئت المدارس في أرجائها وشيدت الدارس في أمصارها وأقطارها وأشرقت شمس العلم والعرفان في البلاد أصبح من الخزي والعار أن يخضع الألمان لأجنبي فاتح فكان من آثار تلك النهضة العلمية نهضة سياسية أثمرت الوحدة الألمانية وأعقبها انقلاب عجيب في العلم والصناعة والتجارة والزراعة. للجامعات الألمانية بما تكتشفه وتخترعه فيما ينفع الحضارة والعمان المقام الرفيع بين كليات العالم المدني ولها الامتياز على غيرها من الكليات باتباعها خطة بث الاستقلال ألفكري والاعتماد على النفس وحب العمل والتجرد إلى ما ينفع الوطن والعنصر وقد فضلها بعض العلماء الباحثين على جامعات ألفرنسيين والإنكليز والأمريكيين من هذه الوجهة، ومما أذاع شهرة الكليات الألمانية وجود دور المساعي والمباحث العلمية التي أنشئت كفروع لها يطبق فيها التلميذ النظريات على العمليات بعد نيله الشهادة بالامتحان ففي إحدى كليات ألمانيا نحو خمسين فرعاً لها من دور البحث والتنقيب في المسائل العلمية وهي تشمل على عدد كبير من المكتبات والمتاحف والمصانع لإجراء التجارب ألفنية في الطب والكيمياء والهندسة وعلم طبقات الأرض والفلك وغيرها من فروع العلم والصناعة التي توسع مادة الدماغ الألماني وتعده أهلاً للاكتشاف والاختراع. في ألمانيا اليوم دور خطيرة للمباحث العلمية غير ما تقدم من المصانع الخاصة بالجامعات وهي أوسع نطاقاً وأعظم دائرة منها اتفق على تجهيزها بالأدوات العلمية وتوفير أسباب البحث والتنقيب فيها مئات الملاين من الماركات فكان لها النتائج الحسنة والفوائد الغزيرة في الحرب العامة فقد توفق العاملون فيها وهم من خيرة علماء الألمان إلى اختراع أشياء كثيرة أفادت السلاح الألماني في ميادين القتال فاكتشفوا مادة كيماوية أطلقوا عليها لفظ - بروغليسيرين - فاستعملوا مقام مادة - الغليسرين - الذي كانت تجلبه ألمانيا من الديار الأجنبية قبل الحرب فانقطع وروده بسبب احتشاء أساطيل الأعداء في البحار وقد أنتج هذا الاختراع أثراً حسناً في إظهار مقام المدينة الألمانية ولما استعمل الأعداء المواد الخانقة في مقاومة الجيش الألماني بعد أن أعيتهم الحيل والمكائد الحربية وفشلت خططهم واختلت نظاماتهم اخترع علماء الألمان الباحثون في تلك المعاهد والمصانع مادة كيماوية أبطلت تأثير الغازات الخانقة التي حرمت القوانين الدولية استعمالها رأفة بالعنصر الألماني والجامعة البشرية وعلى أثر امتداد الحرب نفدت بعض المواد الإبتدائية في ألمانيا فاكتشف الكيماويون وعلماء النبات مواداً ثابت منابها وقامت مقامها فلم يمد الألمان يد العوز والافتقار إلى غيرهم من الشعوب المتحايدة واستغنوا عن سواهم بعقولهم وأعمالهم. من حسنات دور ألفنون الألمانية إجراء التدريس في دائرة الاستقلال والحرية لإنماء ألفكر وتربية العقل، فالأستاذ في الجامعة غير مضطر إلى توفيق محاضراته وخطبه مع مستوى عقل التلميذ واقتداره فهو قانع أن طلابه مستعدون لقبول ما يلقيه عليهم من الدروس العالية ومختلف الأفكار والآراء. أما التلميذ في الكلية فهو حر مستقل كأستاذه يطلب العلم الذي يراه لائقاً بنفسه ويصبو إلى الأستاذ الذي يعتقد فيه النفع والفائدة لعقله ويشتغل بدروسه على مقدار ما تميل إليه الروح والنفس وما يفوته من شوارد خطب أستاذه يستطيع أن يجده في مكتبات الكلية الغاصة بمئات الألوف من المجلدات في علوم مختلفة فإن أحط جامعة في ألمانيا لا تخلوا من مكتبة واسعة تسد حاجة التلميذ وتوسع مادة علومه ومعارفه. أما التدريس في المدارس التالية وهي التي تعد الناشئة للدخول إلى الجامعات الكبرى - وتقابلها عندنا المدارس السلطانية - فهو جار على أصول المجانسة فالأستاذ فيها يراعي قاعدة مراقبة التلامذة وأطوارهم وطباعهم وقياس عقولهم واقتدارهم فهو يتفنن في تلقين الطلاب وحثهم على استماعها والمل بعقولهم إليها، والمراد بأصول المجانسة في المدارس الألمانية هو التزام الجد والاعتناء في إجراء الامتحانات سواء في قبول التلامذة الجدد أو في الامتحانات السنوية بحيث لا يستطيع أحد أن يجد فرقاً في العلم والعقل والاقتدار والكفاءة بين تلامذة صف من الصفوف بخلاف مدارسنا التي يجلس على مقاعد صفوفها الذكي ألفاضل إلى جانب الغبي الخامل وهو ناجم فينا عن مراعاة العواطف والالتماس في ألفحص السنوي مما أخل بنظام مدارسنا خللاً بليغاً وللمدارس التالية الألمانية عناية خاصة بأطوار التلامذة فهي تنتخب لهم مشاهير الأطباء في الأجسام والعقول لإجراء الكشف الطبي فالتلامذة المصابون بأمراض وعلل مختلفة والمبتلون بالخمول والجمود أوالحماقة وخفة العقل بطريق الوراثة لا تجوز لهم مخالطة غيرهم في المدرسة بل ينقلون إلى مدارس خاصة بهم تتوفر فيها أسباب معالجاتهم ومداواتهم مع إعطائهم قليلاً من العلوم والفنون على ما يناسب اقتدارهم وتكون غالباً تلك المدارس قائمة بين الغابات والأحراج أو على ضفاف الأنهار حول المروج وغيرها من المواقع الطبيعية. ومما هو جدير بإطالة النظر وإمعان الفكر قلة المدارس الليلية في ألمانيا بالنسبة إلى ما في بلاد الشعوب الأوربية والأمريكية. فالألمانيون لا يقبلون عليها ولا يميلون إليها وهي تكون على الأغلب ملجأ للمنقطعين وأبناء السبيل وغيرهم من ألفقراء والمسغبين الذين يتعذر عليهم إعاشة نفوسهم مع الاختلاف إلى المدرسة وطلب العلم أما الأغنياء والمتوسطون وبعبارة أخرى كل من يستطيع أن يقوم بنفقة ابنه وقريبه في داره فهم يفضلون المدارس النهارية على الليلية، ومنشأ هذا الميل اعتنائهم بحياة العائلة وتربيتها فالوالد يرغب من صميم فؤاده أن يكون طفله قريباً من حياة أسرته مشاركاً لها في معائشها كي لا يطرق الخلل إلى تربيته وأخلاقه الموروثة عن آبائه وأجداده فهو يود أن يشرف دائماً على أطواره وعاداته وأخلاقه وتربيته ويرجح أن يمضي ولده سواد الليل في داره وبين أركان عائلته على أن يكون نائياً عنها في مدرسة ليلية. ولا تقل مدارس الإناث في ألمانيا رقياً وانتظاماً عن مدارس الذكور وقد فاقت ألمانيا غيرها من أمم العالم المتمدن في هذا الشأن وبرزت عليها جميعها فالمأة الألمانية - حسب شهادة بعض العلماء - أعلى كعباً في العلم وأرقى أخلاقاً وأشرف نفساً من المرأة في فرنسا وانكلترا وأميركا وايطاليا والنمسا فهي خلقت لتربية أطفالها ومشاركة زوجها في أعماله وتخفيف كروبه وخطوبه ولها عناية كبرى في تدبير منزلها لا يسابقها أحد في هذا المضمار وهي أقل نفقة من النساء ألفرنساويات والأميركيات والإنكليزيات ولا تميل إلى البهرجة والفخفخة بل تقنع بالألبسة المتينة البسيطة وتجتهد في اجتناب ما ينافي أطوارها الاجتماعية ويمس تربيتها وأخلاقها، والفضل في ارتقاء المرأة الألمانية عائد بالطبع إلى انتظام مدارس الإناث وإحكام أصول التدريس فيها وهي تنقسم إلى ثلاثة فروع أو أقسام فالأول هو إعداد ألفتيات للدخول إلى الجامعات الكبرى والإحصاء في علم من العلوم كالطب والهندسة والفلسفة والتربية والتعليم والاجتماع والآداب والثاني هو اللحوق بدور المعلمات لتخريج معلمات من الجنس اللطيف أخصائيات في التربية والتعليم وإدارة المعاهد العلمية والثالث من أهم فروع مدارس الإناث هو المدارس الخاصة بالنساء الراغبات في علم تدبير المنزل وتأليف الأسر وإنشاء العائلات ويشترط على اللاحقات بهذا ألفرع أن يكنّ من حاملات شهادة البكلوريا وقد أصبح لهذه المدارس أثر خالد في ارتقاء الحياة الاجتماعية والانتظام السائد في المدارس الألمانية فهي تنشئ ألفتيات على أساليب علمية وأصول راقية بحيث تكون الخريجة منها صالحة لإدارة منزلها وتربية أطفالها ومعاشرة زوجها فالمرأة هي الحاكمة والأميرة المطلقة في دارها فإذا لم تكن عالمة بشؤون الاقتصاد وأصول التربية والأخلاق والمعاشرة تصبح وباءً على أسرتها وزوجها فشقاء الأمة بشقاء المرأة وسعادتها قائمة بتربيتها وتعليمها. وبالإجمال فإن ألمانيا لم تهمل فرعاً من ألفروع العلمية سواء في التربية والعلم والخلاق والصناعة والتجارة والاقتصاد وجميع الماديات والمعنويات إلا وأدخلته إلى كلياتها ومدارسها التي لم تأل جهداً في إنماء الروح الوطنية في قلوب الناشئة إذ تنتخب لهذا الأمر الخطير أساليب بديعة وطرائق متنوعة بحيث يخرج التلميذ على جانب من العلم والفضل مع الوطنية الصحيحة والمبادئ العالية فيكون ألمانياً صادقاً بميوله وأفكاره وطبائعه لا يحب غير ألمانيا ولا يميل إلى غير وطنه وعنصره، ورجلاً مستقلاً بنفسه مستعداً لركوب الأخطار والمهالك في كسب الرزق وإنماء الثروة وهذا هو الذي رفع شأن ألمانيا بين الممالك والقوام فأصبح لها المقام الرفيع في عالم الحرب والسياسة والاقتصاد، وفي حياة الشعب الألماني وما تقلب عليه من حوادث العسر واليسر والتشتت والاجتماع والانحطاط والارتقاء عظات بليغة ودروس نافعة للأمم الخاملة والشعوب الجاهلة. إبراهيم حلمي العمر شعر الرحلتين تداولت أيدي المطالعين في الشهر الأخير كتابين شغلا جانباً عظيماً من ساعات فراغهم وحلا محلاً حسناً من قلوبهم وأكثرت الصحف من ذكرهما والحث على اقتنائهما حتى شعر بنفسه بالنوق إليهما كل من لم يكتب له العثور عليهما وليس في أمرهما مجال الغرابة فإن كتابين أحدهما يضم بين دقتيه ما اتفق لأدباء الشام وفلسطين من الشعر والخطب في استقبال أحد عظماء الدولة وكبار رجالها أنور باشا والثاني يستوعب أنباء رحلة وفد علمي سير بأمر القائد الكبير أحمد جمال باشا من ربوع الشام إلى عاصمة خلافة الإسلام، لهما كتابان جديران بما لقياه من إقبال القراء والباحثين حقيقان بأن يكون لهما الوقع الحسن والتأثير الأدبي لدى عامة أفراد الأمة أديبها وعالمها وأخصائيها وجغرافيها وسائر طبقاتها من مؤرخ يحفظ بهما حديث رحلتين أفردلهما مكان رحيب في صدر التاريخ، وشاعر تتمثل له فيهما صورة مجسمة عما بلغ إليه الشعر في دور صولة السيف وجفاف اليراع وكاتب يلذه ما حوياه من ضروب التفنن في الإنشاء، وخطيب يروقه سماع ما فاه به خطباء قطره في المواقف المختلفة فهو يصفق للمجيد ويتحسر على البليد، وهكذا فلكل مفكر في خلال الرحلتين نظرة يلمحهما بها وكلمة يقولها بهما، أما أنا فمن أولئك الذين استهوى حب الإجادة في المنظوم أفئدتهم واستولى الولوع بالشعر على قلوبهم فإن أردت الكلام فنكتة أدبية أمليها أو ملاحظة شعرية أرويها تاركاً ما عدا ذلك من مباحث الكتابين إلى المشتثلين به وها أنا ذا أشرع ببيان ما عثرت عليه فيهما من الحسن الجيد أو المنتقد الذي لم أجد بدأً من إظهار ما خالج الضمير من البوح به على أني لا أنجس الناس أشيائهم ومعاذ الله أن أفعل وفي شعراء الرحلتين عدد من أئمة الأدب وجهابذته وذوي المكانة الرفيعة والمنزلة السامقة من ناظمي قلائده وناثري فرائده قد يحرجهم الموقف ويضطرهم الحث على الإسراع إلى تجاوز بعض الحدود في التراكيب والقواعد أو التصور والخيال ولا أراهم بملومين اللهم ولا أراني ملوماً إذا أشرت إلى الشيء اليسير من هذا النوع خدمة للأدب واللغة والعاملين على الرفع من شأنها. . . أول ما يبدهك من الشعر في الرحلة الأنورية قصيدة غراء أعجبني منها قول ناظمها (ص ٣١ ): فليعلم القوم الذين تجبروا أنا القضاء على الذين تجبروا وأما القساطل في قوله (ص ٣٢ ): والنيل قد مدت إليه قساطل وجرى أمام ألفاتحين الكوثر بمعنى الأوعية التي يجري فيها الماء من الحديد أو غيره فلا أحسبه مما عرفته اللغة فكان ينبغي الإشارة إلى أنه من محدثات المتأخرين وإنما القسطل الغبار. . ولا سبيل إلى منع صرف السبع بتكلف في قوله: وببئر سبع جرى الحديد كأنما بخطوطه للنصر نكتب أسطر والقصيدة الثانية في الكتاب تعد من غرره ودرره إليك منها (ص ٣٣ ): يوم يتيه به الزمان ويفخر ميألق بالبشر أبلج أزهر مشت الكتائب فيه يتبع بعضها بعضاً تخب بها العتاق الضمير والبض في أيدي الكماة لوامع كالبرق تخفى في العجاج وتظهر ومواكب في أثرهن مواكب من فوقها خفق اللواء الأحمر هتفت فرددت البلاد هتافها لما بدا سيف الخلافة أنور بطل له في الخافقين كليهما تاريخ مجد بالسيوف مطر وما كان ليتبغي لصاحب هذه القصيدة أن يمنع من الصرف اسم علم الجمال في قوله (ص ٣٦ ): وجمال منه لديك خير معاضد في بأسه ذكرى لمن يتذكر ومن الطالع الحميلة في الكتاب ما ورد (ص ٤ .): زها السرق لما لاح أنورنا ألفرد فمن وفده نور ومن وجهه سعد وفي هذه القصيدة أبيات منتخبات وكان يحس بصاحبها أن يبتعد عن لغة الإشغال الرديئة في قوله (ص ٢٤٢ ): وحرب ضروس أشغلت حركاتها ممالك أوروبا وضاع بها الودّ وعن تعدية أغار باللام في قوله: أغار العدى للدردنيل ومادروا بأن بجوف الدردنيل هو اللحد وله أن يقول: في الدردنيل. وفي الشطر الثاني ركة ظاهرة تشفع بها أجادته بعد أبيات بقوله: فآبوا لسدّ البحر يبغون منفذاً فعادواوقتلاهم ورائهم سدّ وراقني من المطالع قول الآخر (ص ٤٤ ): ملك الجمال اطلت فيك تحيري فإذا عجزت عن امتداحك فاعذر وقول غيره (ص ٤٩ ): يا أمة لبني عثمان تنتسب لإنت في عزة تحنى لها الركب ولم أرى من يجمع الخطب على خطب وقد جاء في قوله (ص ٥ .): أو من يضاهي جمالاً في حماسته فرداً به تتقي الأزمات والخطب وفي هذه القصيدة أبيات عامرات يعجبني منها قوله (ص ٥١ ): هلا ذكرنا حيال الدردنيل قوى من الحديد بها الأمواج تضطرب تضيق عنها فجاج البحر عابسة تسعى إلى الموت في أنيابها العطب تبغي اقتحام عرين الأسد معلنة أن الأعادي على تذليلنا أعتصبوا فقابلتها غداة الروع صابرة صبر الكرام أسود هزها الغضب إلى أن يقول: ردوا الأساطيل تهوي في مذلتها يقودها للنجاة الخوف والهرب وأكثر النحاة على كراهية إدخال أل على كل وأن أجازها فريق منهم جاءت في قول آخر (ص ٦٥ ): وعلى العلائق بدت مطالع فوزنا والكل أضحى بالمنى مستبشراً وما أرشق قوله بعده: فوز به طاف السرور بطيبة وتهللت فرحاً به أم القرى ومن عيوب الشعر الشائعة في هذه البلاد الاختلاس وهو زيادة حرف على الوزن يسرق في الإنشاد كقول الثاني (ص ٦٧ ): لا سيما فخري باشا من به افتخرت بين البرية أبرار وأحرار وما أحسن قول الآخر من قصيدة يخاطب رجلي الدولة الكريمين (ص ١٢٦ ): منكما هزت الشريعة سيفاً صقلته من السماء يدان سيف حق يسيل ناراً ونوراً ما عهدنا الضدين يجتمعان وفي قول الآخر إشباع معيب (ص ١٣١ ): ولم تكتف منها برد حياتها وما فقدته من مفاخرها العز وفي البيت الآتي قطع همزة الوصل مما لا يجوز للشاعر المجيد وإن تسامح به العرضيون لك أسم أصوغ منه بمدحي عقد در من الثناء مجوهر ولا أرى مثل هذا الاكتفاء من البديع وأن عدوه في البيع في قول القائل (ص ١٣٧ ) ولا تنس الكل: يتمرنون على القتال يديرهم عرفاؤهم والكل في طرب وفي وكأنه هان على ناظم هذه القلادة فقال بعد أربعة أبيات: يا رب فانصره وأيد عرشه فيدوم في ظفر وفي عز وفي ولعله أراد في الثانية معنى الوفاء فكان عليه أن يقول: وفي بالتشديد ولا يخلو من ضعف في معناه. . وأين الأدب مع الله في نهيه إياه عن التأفف بقوله: فلأنت موئلنا ومنك غياثنا وإليك مرجعنا، فلا تتأفف ! فهل يخاطب غير السوقة بهذا القول. . واستعاض الآخر عن المهيب المهاب وهو مما انتقده الباحثون قال (ص ١٤ .): سلام على جند ابن عثمان إنه لجند مهاب لم يرعه التكاثر وما أدري ما دفع الشاعر الآخر إلى وصف القائد المقدام بلقب الشهم وهو مما ابتذلته الطبقات المنحطة وأصبح ينعت به الكثيرون من العامة، قال يخاطب أنور باشا (ص ١٤٥ ): كذاك أخوك الشهم (؟) أحمد عصرنا (؟) جمال لدى الهيجاء ليث غضنفر. . وكان الأجدر بهذا الشاعر أن يتفطن لما فطن به الشاعر الأندلسي محمد بن القوزراني (المترجم في بغية المتلمس) بقوله: ظلمناك إن قلنا الأجل ولم نقل هو الواحد المفضال والأوحد البرّ وشاعرنا القائل في قصيدته (ص ١٤٤ ): فيا فارس الإسلام في كل معرك ومن عزمه قد ذل كسرى وقيصر أراد: ويا من من عزمه إلخ وأما كسرى فلا أعلم ما جاء به اليوم؟. . وهو القائل بعد أبيات: وكن لجمال العصر عوناً معضداً ولا سيما في فتح مصر مبشر. . أراد: مبشراً فغلبته القافية. . ويخطيء الكثيرون بوضع إذ مكان إن كقول الآخر (ص ١٤٧ ): سل عن بسالته وشدة بأسه إذ كنت تجهل سر أنور في الورى أراد: إن كنت. . وعجيب من الآخر تشبيهه أنور باشا بإبن مقلة وحسان قال (ص ١٤٨ ): أين ابن مقلة ابن حسان إذا خطت يداه من البلاغة أسطرا وابن مقلة خطاط وحسان شاعر فأين شاعرنا من تشبيه القائد الكبير بالفاتحين المغاور كابن الخطاب والخراساني والفاتح وابن الوليد وأمثال هؤلاء. . ولم أجد الظميئة فيما بين يديّ من كتب اللغة والأدب قال آخر (ص ١٧٧ ): وكيف تطيب النفس عن ورد فضله وموردها وهي الظميئة كوثر وفي القاموس: ظمىء كفرح وهي ظمآئة. وفي الصحاح: وبابه طرب وهي ظمأى. ومثله في لسان العرب وأساس البلاغة. وفي التاج: قال شيخنا: وظمئة كفرحة زاده ابن مالك وهي متروكة عند الأكثر. فأين الظميئة. . ولعله أراد تصغير ظمئة وهو ركيك وفي هذه القصيدة مفردات تمياز بالجودة ومتانة السبك كقوله (ص ١٧٧ ): وجاهدت حتى عاد للدين عزه وباء عدوي الله بالخزي يعثر برزت إليه والأسنة شرع وخطب الرزايا ؟ للمنايا مشمر فأوقع فيه سيفك الغضب محنة ستذكر حتى يحشر الناس محشر وهناك تجوز ضعيف ارتكبه الثاني بقوله (ص ١٨ .): أهلا بأكرم معشر حيوا فأحيوا الأربعا يريد فأحيوا، بفتح الياء، فلم يسعفه الوزن. وفي هذه الأبيات بيت يذكر في ألفوائد وهو: النصر من أنصاره يسعى له أنى سعى وأخطأ صاحب هذه البيات في قطعة ثانية قال فيها (ص ١٨١ ): فمر السعادة أنور والبدر أحمدنا الممجد وألفرقد الوضاء عزمي داموا بتوفيق مخلد فالبيت الثاني غير مستقيم. . ومن بديع ما في الكتاب قصيدة جاء فيها (ص ٢٣ .): جيش تألف والإسلام رأيته من خيرة العنصرين الترك والعرب سارت بجحفله الأقدار تقدمها ملائك الله فوق الخيل والنجب تسربات بدروع الوحي واعتقلت من نبعة النور أطراف القنا السلب وبعد أبيات وصف بها جنود الأعداء (ص ٢٣١ ): الت: سأرحل عن مصر وما رحلت قالت: أثوب إلى العدل ولم تثب وفي ابتداء القصيدة (ص ٢٢٩ ): مذ قيل أنور الشعب في حلب قد ماجت القدس من صفو ومن طرب ولو قال: ماجت له القدس، لكان أرشق ترى النفوس على طول القطار له من شدة الشوق ملقاة على القضن بها انتظاراً إلى ميمون طلعته ما بالقطار من التضرام واللهب ولو قال: بهن شوقاً، لكان أحسن من الإنتظار. . وما دريت ألفرق بين النجب والنجب في قول الآخر (ص ٢٣٧ ): لله أنور المقدام من شهدت بحزمه الخلق من نجب ومن نجب وقال آخر (ص ٢٧٢ ): لا غرو أن أمّ هذا القبر مبتهلاً يستمنح النصر حتى يأته ؟ الظفر يريد: حتى يأتي الظفر. وهو القائل (ص ٢٧٤ ): هذا الوزير الذي جلت مآثره أن يحصها العد أوأن تحوها ألفكر يريد أن يحصيها وأن يحويها. ومن أحاسن هذه القصيدة: هشت لمقدمك المحبوب تربتها كأنما أنت في أحيائها مطر أذكرتها زمن الصديق من حقب أو يوم يحكم في أرجائها عمر أراد: يوم كان يحكم. وأحسن منه: أو يوم حكم. يسعى وغايته الإخلاص مجتهداً ودأبه الجد والتفكير والسهر والأفضل لو قال: وغايته العلياء أو ما معناه وأما الإخلاص فعنوانه وقائده ومسيره. . تلك المزايا التي خص الإله بها قوماً هم الناس أن عدو وإن ذكروا واستعمل الآخر حيث للتعليل ولم تعرفه العرب بل هو من مستحدثات المولدين قال (ص ٢٧٩ ): يا حمص تيهي حيث زارك أنور ردء الخليفة سيفه البتار وهو القائل: عم البسيطة والبرية عدله فالخلق شخص والبسيطة دار والشطر الثاني مما لا يتحصل منه معنى. وقال: يا واحد الدنيا الذي بشبيهكم عقم الزمان وضنت الأدوار أراد: بشبيهه. وهو أدرى بالأدوار!. وعجبت من قوله: أيدت دين الهاشمي فلم يضع لبني الشريفة عند سيفك ثار فكأنه يقول. أن بني الشريعة يريد المسلمين قد أدركوا ما لهم عند سيفك من الثأر القديم، وفيه ما ترى! وهو يقصد عند وجود سيفك وأعجبني من قصيدة أخرى قول منشئها (ص ٢٨٦ ): لك المنزل المعمور فينا وإنما غداً في قلوب المؤمنين يعمر نظمت من الإسلام أسنى قلادة وكادت وأيم الحق لولاك تنثر وما أبدع قوله بعده: وكيف ترى الأيام محو سطوره وفي كل صدر م} من منه أسطر ثم يقول: ومد على الإسلام منه سرادق يصان بها دين الحنفي وينصر والسرادق مفرد مذكر فحقه أن يقول: يصان به. والحنيف الصحيح الميل إلى الإسلام الثابت عليه. والأولى أن يقال: دين الحنيف كما قال لسان الدين بن الخطيب: يا ناصر الحنيف وأهله. . البيت. . ثم قال وخطأه النحوي ظاهر (ص ٢٨٨ ): وعما قريب يحبط الله سعيهم ونربح مصراً والعراق ويخسروا ؟ ومن جيّدها: أيا واحداً صحت جموع صفاته وأعداؤه جمع ولكن مكسراً! وفي القسم الأخير من الكتاب قصيدة هي من خير ما فيه مطلعها (ص ٢٨٩ ): كسعيكما فليسع من يطلب المجدا فمن حاد عن نهجيكما أخطأ القصدا أعزما إلى حزم وراياً إلى هدى لقد جزتما من طاقة البشر الحدا لى أن يقول: أأنور لا ننسى مواقفك التي تشيب على أهوالها الأسد الورودا مواقف أعشى كل رأي ظلامها فكنت برأي ألفرد نيرها ألفردا فهل لك نفس هذه فأرخصت فيها السوم إذ تشتري الحمدا فأي يد تحصى أياديك جمة لقد ضل من أحصى النجوم ومن عدا رأيتك في أجبال برقة قائماً يزين لك الأقدام خطب بها اشتد جمعت قلوباً فرق الجهل بينهما وألفت منها في مجاهلها جندا ثم قال: ولو كنت يوماً بالتناسخ قائلاً لقلت ابن سرح في صحابته ردا هذا بعض ما أردت إراده من شعر الرحلة الأنورية وأما كتاب البعثة العلمية فالشعر فيه أقل من النثر على كثرة ما فيه من المنتقد قال أحد شعرائه (ص ١٩٥ ): شرف التمثل بين أيدي أعاظم يبنى عليه تزاحم الأدباء فلا أعلم ما يصنع بياء أيدي المختلسة وهو يمر عليها عند تلاوة البيت مرور الكرام! يا موسى يا مفتى الأنام وشيخهم يا مرجع الأحبار والعلماء وهو يمر بالحرف الأخير من موسى مروره بالياء الأخيرة من أيدي السابقة ولعله يريد: يا موس، على الترخيم فيكون الخطأ في الطبع يا عادل في نشر شرع محمد يا قائم برياسة النقباء والأحسن: يا عادلاً، ويا قائماً. يا منقذي الإسلام والبلد الحرام وحافظي فاروق (؟) من أعداء يريد: فروق، وهذا من تحريف الإعلام، وقد أورده الشاعر نفسه في قوله من أبيات آخر (ص ٢٨ ): سنشكركم سكان فاروق. . كلما دخلنا بيوتاً للتهجد والنسك. . وما أدري الباعث على اختصاص بيوت العبادة للشكر. . وأما تنكير أعداء في البيت السابق فقبيح. . ومن رقائق الكتاب أبيات تلاها الآخر في مأدبه (ص ١٩٦ ) هذه ليلة السعود وإني أنا أهوى ليالي الإسعاد ليلة أشرقت بنور علي ورجال الحكومة الأمجاد هي مني مكان قلبي من الصدر ومن ناظري مكان السواد ولآخر قصيدة في خيار ما في الكتاب، أعجبني منها قوله ( ٢ . ٩ ): ولم أرى كالإخلاص في حب دولة فكم أرحب الإخلاص من رجل صدرا ولم أرى كالإنصاف في جمع أمة فكم وحد الأنصاف من أمة فكرا وهو القائل قبلهما يخاطب رجال فاروق (ص ٢١ .): فكنتم نجاد الملك والعرب سيفه وكنتم يمين الملك والعرب اليسرى وكان على بعد البلادين بينكم هدى الدين سلك الكهرباءة والمجرى وما أحسن استدراكه في قوله (ص ٢٨ ): سلام على الدستور حلواً مذاقه وإن كان بعض الناس قد ذاقه مرا! وجل أبياتها من الغور لولا المسألة الأخرى في قوله (ص ٢١ .): أما أنتم بالحزم كنتم رجالها وقد كنتم أعلى بمسألة أخرى ؟ وإدخال ال - على غير قبيح وإن جوزه بعض البحثين، قال آخر يمدح الأساتذة (ص ٢٣ .): لئن طال مدح الغير فيها تكلفاً فإن قصور المدح بالشعر أجمل. . . وفي عجز البيت ما فيه. . ولم أدر ما المترجم في قوله (ص ٢٢١ ): ويطرف طرف مد بالسوء نحوها وعقل رماها بالترجم يعقل وفي البيت الآتي خرق لا يرتق: وإن رام يوماً شاعر وصف ما حوت ولو أنه الضليل راح مضلل. . . يريد: راح مضللاً، ولكن القافية لم تعنه. وأعجبني من هذه القصيدة قوله (ص ٢٢٢ ): ورب أمريء في حبهم عاد عاذراً وقد كان لي بالأمس يلحى ويعذل ومن خيرة قصائد الكتاب قول الشاعر يخاطب دولة أحمد جمال باشا بعد عودة الوفد من عاصمة الملك (ص ٢٦ .): سرى وفدك الغازي ومثلك يوفد وعاد بملء البشر والعود أحمد سرى منك مضمون النجاح مسيرة وطالعه يا كوكب السعد أسعد يعني رئيس الوفد الأستاذ الشقيري سرى لمقر الملك والذين قاصداً كما يقصد البيت العتيق الموحد وما أرق قوله يصف زيارتهم لدار الحرب (ص ٢٦٣ ): فكدنا نضم الرمح قداً مهفهفاً ونلثم حد السيف وهو مورد وحرف المثل الذي هو أعقد من ذنب الضب بقوله (ص ٢٦٤ ): إذا أدبروا فالخزي أو أقبلوا الردى فموقعهم من ملمس الضب أعقد ومن الطراز الأول في الكتاب قصيدة في مديح أحمد جمال باشا جاء فيها (ص ٢٨٦ ): تبيت رعاياه بعين قريرة ويقضي سواد الليل يقظان ساهداً ومن طلب العلياء والمجد لم يكن إذا رقد العز المفرط راقدا فلو أن مجد المرء أخلد ربه بقيت على الأيام في الدهر خالدا ومنها في وصف الأعداء: أقاموا على شط القنال معاقلاً ستبقى لهم يوم اللقاء مصائدا ويذهل فيهم والدعن وليده ويخطىء وجه الشد من كان راشدا إلى أن يقول في خطاب الممدوح (ص ٢٨٨ ): ومن نيط يوماً في ملاك رجاؤه تناول بالكف المجرة قاعدا وفي القصيدة بيت يقول فيه (ص ٢٨٦ ): رمى الله منك الإنكليز بصارم صقيل يقد الهند وأني غامدا يريد: مغمداً أو مغموداً ولعله ألحقه بباب عيشة راضية ولم يسمع في هذا ألفعل. وأخالني قد أطلت على القراء ولو أردت البحث في كل ما عليه النظر من مليح وقبيح لملأت الحائف الكثيرة وحسب الواقف على هذين المؤلفين أن يجتمع له آثار فريق كبير من شعراء هذا العصر كامين بك ناصر الدين والسيد حبيب العبيدي وشبلي بك ملاط والشيخ مصطفى الغلاييني والشيخ علي الريماوي والسيد بدر الدين النعساني والشيخ عبد الكريم عويضة والشيخ سليم اليعقوبي وغيرهم من رجال الشعر والأدب. وفيها عدد من القصائد التركية وخطب ومحاضرات مفيدة منها للخطيب الكبير الشيخ أسعد الشقيري رئيس الوفد ومنها لمصنفها المفضال ولغيره من الصحافيين والأدباء والفضلاء. وبالجملة فالكتابان روضتا شعر وأدب يحسن بالمتأدب اجتناء ثمارها كما يحسن بي أن أتقدم بالشكر لمؤلفها الأستاذ صاحب هذه المجلة الزهراء الذي وقف حياته على خدمة العلم والاجتماع والتاريخ والأدب ولا أنسى الإشارة إلى أنني لم أكن أنظر في هذا النقد إلى الأسماء والألقاب فأثني وأطري وأنتقد أنتقم شأن بعض المتصدين لمثل هذه الأبحاث بل نظرت إلى الشعر دون الشاعر والقول دون القائل ولعلها تسلم لي الإصابة في جل ما ذهبت إليه خدمة لهذه اللغة وآدابها والله المستعان في كل آن دمشق أحد القراء رزايا الحروب ومزايا البشر ونتائج الفنون عفت الربوع فلا رنوع وخلا الجميع فلا جميع أين الغواني بالمغاني لا يروعها مريع الساحبات مطارفاً عنها الشذا الداري يضوع المالكات وما لها إلا الإبا التاج الرفيع والمرسلات لواحظاً كم بين أسهمها صريع في شعرها عبس الدجى وبثغرها ضحك الصديع فبدت وما طويت على غير الجوى منها الضلوع ما أن لها إلا الصدى أن تدع معشرها سميع تستنجد العبرات إذ لا منجد إلا الدموع صدعوا لها شملاً به لفؤآدها منه صدوع بالراح تدفع وثبةً ليست تفل لها جموع وتخال أن زفيرها لعدآء أعداها دموع ترنو لمبغوم وأحشا - ها يقطعها النزوع لم يدر ما معنى الحيا - ة وكيف يفهمها رضيع ويكاد يسلم نفسه للحتف والده الجزوع فله مدامعه تذا - لجوىً وللحرب النجيع وفؤاده كلوائه الخفا - ق خفاق مروع تدعو الوغى فيجيبها ويجيب إذ تدعو الربوع ولرب ليل لم يزر طرفي بجنحيه هجوع قلبت صفحة أفقه ولكم به مرأى بديع فقرأت أسطره وما غير الدراري لي شموع كم قد تردى بردةً من نسج ظلمته جزوع وإذا نضى عنه هزيعاً لفه منه هزيع يشكو الولوع لنجمه من قد أضرّ به الولوع ما الهم إلا طائر وله بداجيه وقوع والنجم قلب فيه يخفق ليس تحضنه ضلوع يشكو كما أشكو جوىً ويذيع منه ما أذيع وخفوقه عن وجده والدمع عن وجدي مذيع والفكر يدنيه وأن ينأ به الأمد الشموع ناجيته لو كان لي منه على النجوى سميع ألرهبة أبعت عن أرض تقلبها سريع ترنو إلى أبنائها شزراً وكلهم مروع وهم ضرائب للقوا - ضب والرماح لهم شروع أحرارهم ما انفك في - ها يسترقهم الخضوع ألفوا الحمام كأنما هو طائر لهم سجوع وفشا الخداع بهم فما يلفى بهم إلا الخدوع درسوا ألفنون وإنملهم ألففون فناً مريع مرعى ألفضيلة مجدب والنقص مرعاه مريع لهم البدائع في الزما - ن وكل صنعهم بديع لولا التجاذب بينكم ما كان منك لهم طلوع الجهل فرقهم فهم شتى وجهلهم جميع قطعوا به أرحامهم ولكم به رحم قطيع رهج الكفاح لبوسهم ودخانه لهم دروع وصدا الدروع عبيرهم ومن النجيع لهم ردوع يتجرعون بدهرهم غصصاً هي السم النقيع ومن الدمآء لبانهم والمرهفات لهم ضروع أغرى العداوة بينهم أن ليس بينهم قنوع وأضلهم طرق الهداية والنهى الحسد الشنيع وإذا يدا طمع يهيب بهم له برق خدوع حسدوا النجوم مكانها ومكانها عنهم رفيع ولكم وراها من منا - طيد جرى لهم تبيع دفعت وليس لها سوى غاز يخفرها دفوع فكأنها راع وما غير النجوم لها قطيع تعصي الرياح عواصفاً ولنزر غازهم تطيع فكأنها سفن وما غير الرياح لها قلوع وكأنما هي طائر وجناحه البرق اللموع أو مثقلات حملها ا - لأهوال والقيل الذريع إن راق منظرها العيو - ن فأن مخبرها فظيع هي للردى سبب وكم في وصله سبب قطيع النبطية سليمان ظاهر مطبوعات ومخطوطات كلمة موجزة في سبير العلم وسيرتنا معه لإسعاف أفندي النشاشيبي هي كراسة كان حاضر بها صاحبها بعض فضلاء القدس وطبعها على حدة في مطبعة دار الأيتام السورية ألم فيها بتاريخ العلم في العالم وذكر ما كان لصاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم من الأثر الذي تغيرت به الأرض وبعد أن ذكر ما كان لأئمة العلم في الإسلام من الآثار الخالدة قال ما ننقله نموذجاً من إنشائه العذب أيضاً: والعلم الحق لن يلقاه في هذا العصر ناشده ولن يجده رائده إلا في الإقليم الإفرنجي فإن أهل هذا الإقليم قد هجروا الكرى منذ قرون والمشارقة هاجدون وأنشأوا يفكرون ويحققون ويقتبسون من فطنة كل علم ومئنة كل أدب ما يقدرون على اقتباسه ويقاومون كل من ثناهم عن معرفة أو قدعهم عن طلب حكمة ولم يقعدهم عن مواصلة السير في نشدان الخير أمير قاهر أو كردينال جائر أو ديوان تفتيشي أو منشور باباوي أو نار طلم موقدة أو أخدود ذو جاحم مستعر يقذف فيه كل من تفكر واعتبر وبحث ونظر وأبى أن يسم نفسه بسمة الجاهلين ولم يبرح القوم مشيحين دائبين ومشمرين منكشين حتى جاءت هذه العصور المتأخرة فباء الحق وزهق الباطل وجاء باكون رب الطريقة الإختبارية في الفلسفة ونيتن الذي هدى العلماء بجاذبيته إلى ما هداهم إليه وعبّد لهم من الطرق ما عبّد وديكارت الذي شاد في العلم أصولاً وهدم أصولاً وسيبنوزه الذي كسا مقالة وحدة الوجود رداء علمياً قشبياً وليبنز العالم ألفيلسوف الكبير صاحب فلسفة التفاؤل وكانت الذي سلك في الفلسفة طريقاً عذراء وقال بالآداب ما لا يقل به سواء وغوت النابغة في الشعر والعلم الذي شهد له سبنسر باحتياز هاتين ألفضيلتين والتحلي بالمنقبتين وكونت صاحب الفلسفة الثبوتية والشريعة الإنسانية وشوبنهور الفيلسوف المدهش وصاحب فلسفة التشاؤم وجان مولر واضع علم منافع الأعضاء ومبدعه وسبنسر البحاثة الاجتماعي وواضع فلسفة النشوء والمنعوت عقله بجبار العقول ودروين صاحب المذهب الذي ورد على كل ناد وولج كل بيت وشرق وغرب وعرف الإنسان مكانه وجاء البخار والكهرباء والصحيح من علمي الطبيعة والكيمياء وجاء علم الإنسان وعلم الحياة وجاء قول كنت ولابلاس في تكون الكون وقول لافزيه في بقاء المادة وقول روبرت ماير في استمرار القوة ورأي لامرك ودروين في أمر التحول والنشوء والإنتخاب الطبيعي وقول كوبرنيك من قبل في مركز الأرض وقول ليل في طبقاتها فأضاءت هذه الأقوال من أمور الوجود ما كان مظلماً وأيقظت من كان نائماً وداوت من العقول ما كان مريضاً وجاء رونتجن وجاءت أشعته وجاء المجهر والمرقب فلمحنا الجن وناغينا الكوكب وجاء إيدسون وجاءت عجائبه وجاء الأستاذ أرنست هيكل الذي أدرك ما لم يدرك وعلم ما لم يعلم والذي نشر مذهب النشوء في ألمانيا وصارع خصومه فصرعهم والذي قال بالوحدة وكان رسول هذه النحلة إلى الناس وجاءت مباحث هذا البحر القذاف بجواهر الحكم التي ربط بها الحلقات وحل المعضلات وهتك الأستار عن الأسرار وكاد يطلعنا على الغيب فلو كشف الغطاء ما ازددنا يقيناً وجاءت علوم ومذاهب وآراء لا يحصيها الإحصاء ولا يستقصيها الإستقصاء ومشت جماعة ألفكر مع شيعة الاختبار والتحقيق وآخى النظر البحث فآنس الإنسان من الآيات العلمية ما لم يؤنسه قدماً ورأى بعين يقظان ما لم يحلم به إنسان وجاء العيان بما بخل به السماع فطلع الإقليم الإفرنجي بذلك مجلياً في ميدان الحياة وسابقاً في حلبة العلم ومعبراً في وجه كل إقليم وتبذخ قطنيه بما أبدعه وحق له أن يبتذخ وصغرت في عينه الدنيا وأحر بها أن تصغر وطمع في سكنى النجوم ولا نستبدع ظفره بمتمناه وقد أرانا منه ما رأيناه. لا أروم الآن أن أبين في ما تلوت مزايا الغرب الدثرة الكثيرة وخصائصه الجمة الأثيرة فإن ذلك يحتاج إلى حين ممتد وصحائف من الكاغد لا تعد وما ذكرت ما ذكرت إلا لأنبئ بأن العلم قد عدن في الإقليم الإفرنجي وريّم ولم ينزعج عنه ولم يرم فمن نعاه فليول وجهه شطر المغرب وليتناوله من معدنه أو مما ينجم من معدنه ولا يتفائل ويستنكف من أخه عن الإفرنج فإن ذلك لا يقبحه ولا يعيبه عند أحد من الناس كما لم يضع من الإفرنج أنهم تلمذوا للعرب واليونان ورضوا بحكمائهم ولكن الذي يقلل من مكانة الشرقي ويضحك منه خصمه وخليله أن يجد المنهل العذب وهو ملتهب الكبد فلا يرد ويتنور مقتبس الأنوار وقد دجا ليله وأحلولك فلا يقتبس. . . ارتقاء ألمانيا الوطني تأليف الدكتور كارل هلفريخوتعريب فليكس افندي فارس طبع في المطبعة المارونية بحلب ١٩١٦ (ص ١٤٢ ) هذه رسالة في ثروة ألمانيا الوطنية وارتقائها في مدة الخمسة والعشرين سنة الأخيرة أو التقدم الاجتماعي وارتقاء ألمانيا الوطني منذ مدة ٢٥ سنة لحكم الإمبراطور غليوم الثاني وفيها حقائق كثيرة من العوامل الاقتصادية في الإمبراطورية الألمانية والطرق التي سلكتها حتى بزت خصومها في هذا الباب وبعض الإحداثيات في هزا الكتاب مملة مطولة وكان على المعرب أن يختصرها ويورد منها ما يكفي بمعرفته للقارئ العربي عن ألمانيا وإلا فأن التفاصيل والأرقام الطويلة قد تدخل املل حتى على نفوس من كتب الكتاب لهم رسائل وكتب مختلفة الشرق المصور - مجلة أصدرتها أدارة الشرق في دمشق وفيها كثير من صور المشاهير والوقائع الأخيرة وقصائد بالعربية والتركية وهي في ١٦ صفحة الحجاز - جريدة سياسية تصدر ثلاث مرات في الأسبوع في المدينة المنورة مدبجة بيراع رئيس تحريرها محمدبن بدر الدين أفندي النعساني من أستذة حلب وصاحب كتاب التعليم وغيره من الرسائل والمقالات فتاة الوطن - مؤلفها م. عادل ومعربها محمد بن علي أفندي حشيش طبعت بمطبعة العرفان مع أصلها التركي سنة ١٣٣٤ رسالة الجهاد على فتوى خليفتنا الأعظم السلطان الغازي محمد رشاد لأديب أفندي الجراح طبعت في مطبعة نينوى في الموصل سنة ١٣٣٣ في ٨٨ صفحة أحاديث الأربعين القدسية من الصحف الإبراهيمية والموسوية لمؤلفها أديب أفندي الجراح طبعت بمطبعة سرسم في الموصل سنة ١٣٣٢ في ١٧١ صفحة عظة الناشئين - للشيخ مصطفى الغلاييني وهو كتاب أخلاق وآداب واجتماع طبع في مطبعة الثبات في بيروت سنة ١٣٣١ في ١٩٨ صفحة مفكرة صادر لعام ١٩١٧ وفيها فوائد زمانية وعمراتية مجلة العالم الإسلامي الامانية - صدر العدد الأول منها وهومصدر باسم مولانا السلطان الأعظم وجلالة إمبراطور ألمانيا ومحل برسوم كثيرة وهو في ٦١ صفحة مصور جول الصحراء المصورةهي مجلة تصدر في بئر سبع من أقصى فلسطين بالتركية والعربية مرتين في الشهر يحررها مفتش منزل البادية وفيها رسوم المشاهير وقد صدر العدد الأول منها برسم حضرة الخليفة ورسم أنور باشا واحمد جمال باشا إيقاظ ذوي الألباب في ذم التبرج وكشف النقاب - للشيخ عبد الواسم بن يحيى الواسعي طبعت بمطبعة ألفيحاء سنة ١٣٣٤ ورسالة هذه الصحيفة وتسمى مسند الإمام علي الرضا بن موسى الكاظم بن جعفر الصادقين محمد الباقر بن علي السجاد بن الحسين البط بن أمير المؤمنين زامام المتقين علي بن أبي طالب سلام الله عليهم أجمعين طبعت بمطبعة الترقي في دمشق سنة ١٣٣٤ تعزية الخاطين في العترافات مار اغوسطين - عربها المونسنيور يوسف العلم طبعت بالمطبعة البنانية سنة ١٩٩ في ٦٣٨ صفحة صغيرة أخبار وأفكار نفقات القتل اقتبست الصحف الألمانية عن إحدى المجلات الباريسية في تقدير المال الذي يستدعيه قتل الجنود في ساحات القتال فقالت: معلوم أن كل قتال يبدأ بإطلاق نار المدفعيات فلا يلبث المعسكران المتحاربان أن يمطر كل منهما الآخر عدداً من القذائف والقنابل من جميع العيارات فما هو إلا أن تفرغ عجلات الذخائر وتعود فتملا بقنابل تؤخذ من المستودعات وهذه تمدها القطارات الواصلة إلى أقرب محطة بما تحمله إليها من المهمات والأدوات المهلكات. وفي مكان بعيد عن ساحة القتال يعمل عشرات الألوف من الناس في معامل لصنع الذخائر التي تصرف في بضع دقائق في ساحات القتال أما نفقات هذه العملية فهي كما يلي: خذ بطارية مؤلفة من أربعة مدافع من عيار ٢٥ ملم مع أثنتي عشرة عربة للذخائر ترى أن لكل مدفع ولكل عربة قطاراً من الذخائر ولكل بطارية قطاراً من مثل ذلك يحتوي كل منها ٢٤ قنبلة وفي كل عربة ٧٢ فبكون مجموع ما للبطارية من القنابل ١٢٤٨ أي ٣١٢ قنبلة لكل واحدة فيطلق كل مدفع في ٢٤ ساعة ٤ . . قنبلة أي ٢ . قنبلة في الساعة على أكثر تعديل وثمن كل قذيفة ٣ . فرنكاً ويقدرون أن المدفع لايعود صالحاً للاستعمال بعد أن يطلق ٦ ألاف طلقة ويكلف كل مدفع ١٨ . . . فرنك أي أنه يخسر في مل طلقة ثلاثة فرنكات ويبلغ ثمن القنابل التي يطلقها المدفع الواحد في ٢٤ ساعة من عيار ٧٥ ملم ١٣٥ ألف فرنك وذلك عن ٤ . . طلقة. فالمئة والشرون مدفعاً الموجودة مع فيلق من ألفيالق تنفق في يوم واحد ١ . . . . . . فرنك، وتستدعي المدفعية الضخمة نفقة أبهظ من هذه، فقد قدروا أن كل طاقة من مدفع فرنساوي من عيار ٣٢ ملم تكلف ٦٤١ . فرنك وقد تبين بعد عمل كل حساب مدة المئة يوم التي دامت فيها الحرب على فردون أن كل قتيل أنفق على قتله ٧٥ ألف فرنك وقد انفق الإنكليز أكثر من هذا القدر بكثير في حرب البوير فكان القتيل الواحد يكلفهم ٢ . . ألف فرنك على أقل تقدير وقد كانت نفقات القتيل في حرب البلقان رخيصة أكثر من ذلك فلم يكن يكلف قتل الجندي الواحد أكثر من ٥ . ألف فرنك، وقد قالوا أن الذهب الذي انفق في حرب فردون لو جمع ليرات في صعيد واحد لبلغ حجمه ٨ . متراً مكعباًهذا ما كلفته الحرب العامة فكم تنفق فيها الأمم من أولها إلى آخرها يا ترى التجارة الخارجية ذكرت جريدة غرفة التجارة العثمانية أن الإنكليز كانوا مستأثرين بخمسين في المئة من تجارة الصادرات في المملكة العثمانية والخمسون الأخرى تتقاسمها الأمم المختلفة من الأجانب وليس للعثماني فيها سوى خمسة في المئة كانت تجارتنا من الصادرات ٤٥ مليون ليرة فإذا افترضنا أن الأجانب يربحون عشرة في المئة من الأرباح كان معدلهم من أرباحنا أربعة ملايين ليرة في السنة ولايعود من الربح على الرعايا العثمانيين سوى نصف مليون ليرة، وقد ذكرت الجريدة أن السر في أن العثمانيين ما استطاعوا حتى الآن منافسة الأجانب في التجارة، هو أن التاجر الأجنبي متعلم وعنده معارف عامة تؤهله لدخول كل سوق من الأسواق ولان للتاجر الأجنبي رأس مال كبير وثقة مالية يهبه إياها بنو قومه ويعتمدون عليه دون غيره فقالت لا سبيل إلى استيائنا على زمام الأمور والتجارة إلا إذا تعلمنا التعليم التجاري على مستوى المتعلمين في هذا الشأن من الأجانب ودخلنا نتمرن في البيوت التجارية المعتبرة أما رؤوس الأموال فيمكن تأليف شركات كوبراتيف للمحاصيل ونقابات كنقابة التين في أزمير التي كان منها رواج هذا الصنف بعد أن كاد يقضى عليه بسبب الحرب فربحت النقابة منه أرباحاً طائلة إحصاء مهم نشر احد الإحصائيين الأمريكيين إحصاء مهماً اثبت فيه أن ألفيات في الحروب آخذة بالتناقص منذ القرن السابع عشر إلى يومنا هذا، قال أن عدد القتلى في الحروب التي وقعت منذ سنة ١٦٣١ إلى ١٦٣٤ وهو عهد إدخال الأسلحة النارية واستعمال الحراب كان ٢٥٥ في المئة ونزل معدلهم في الحروب التي وقعت بين سنتي ١٧٤٥ و ١٨١٣ إلى ٢ . . ٧ في المئة وهبط أيضاً في أحدى عشرة حرباً وقعت بين عامي ١٨٤٥ و ١٨٦٣ إلى ٤٥٥ في المئة زبين سنة ١٨١٦ و ١٨٧ . وهو عهد أوائل استعمال المدفع الذي يملأ من مؤخرته في ٦ حروب من حرب كنكراتز إلى سيدان نزل معدل الهلكى في الحرب ال ١١ في المئة ونزل أيضاً إلى ١ . في المئة في سبع حروب من حرب سان جوان إلى موكدن أي من سنة ١٨٩٨ إلى سنة ١٩٥ أما هذه الحرب التي طالت وعرفت بشدتها بحيث لم يسبق لها مثيل في التاريخ فأنه يصعب تشبيهها بالحروب التي سبقت وكانت في وضع الإحصاء بواكير الشعراء نريد ببواكير الشعراء أوائل أقوالهم التي فتحت بها قرائحهم واقتطفت منها ثمار أفكارهم وهاك الآن بعض هذه البواكير التي نظمها قدماء الشعراء قال الأصمعي: أن أول بيت نظمه النابغة الذبياني هو: قزاها أن صاحبها بخيل يحاسب نفسه بكم اشتراها وأول كلام نطق به هكطور في أليذة هوميروس اليوناني قوله: فأجاب أخوه ذو المدد بالحق نطقت ولم تزد لك قلب كالصخر الأجد وبصدرك نفس لم تمد جهداً تزداد على جهد كالأفؤس تنفذ في الخشب بذراعي قطاع الحطب وشار الفلك المقتضب لقواه تضيق قوى القضب بمجامع مصقول الحد وقيل أن أول ما تكلم به عبد بني الحساس من الشعر أنهم أرسلوه رائداً وهو يقول: أنعت غيثاًحسناً نباته كالبشي حوله بناته فقالوا: شاعر والله. ثم نطق بالشعر بعد ذلك وأول شعر قاله عدي بن زيد العبادي وكان أول من كتب بالعربية في ديوان كسرى أنوشروان: رب دار بأسفل الجزع من دومة أشهى إلي من جيرون وندامى لايفرحون بما نالوا ولا يرهبون صرف المنون وقدسقيت الشمول في دار بشر قهوة مرة بماء سخين وأول شعر لأمرئ القيس وهو ابن عشر سنوات قوله: ازود القوافي مني ذيادياً كذود غلام غوي جوادا فلما كثر وعنينه تخيّر منها جواداً جوادا فأعزل مرجانها حانيا وأخذ من درها المستجاد وأول ما فتحت به قريحة طرفة بن العبد البكري لما خرج مع عمه في سفر فنصب فخاً حتى إذا أراد الرحيل ارتجز: يالك من قبّرةً بمغمر خلا لك الجو فبيضي واصفري ونقري ما شئت أن تنقري قد رحل عنك الصياد فابشري لابد يوماً أن تصادي فاصبري وروى ابن الأثير: أن أول شعر قاله المهلهل بن ربيعة التغلبي قوله من قصيدة أصلها ١٨ بيتاً: كنّا نغادر على العواتق أن ترى بالأمس خارجة من الأوطان فخرجن حين ثوى كليب حراً مستيقنات بعد هوان فترى الكواعب كالظباء عواطلاً إذ حان مصرعه من الأكفان وأول ما تمثل لخاطر عبيد بن الأبرص قوله: يابني الزينة ما غركمُ لكم الويل بسربال حجر عدد الشيعة قرأت في الجزء التاسع من المقتبس الشيعة في بر الشامللفاضل العامري الشيخ أحمد رضا فاستوقفني قوله أن عدد أهل السنة من المسلمين ١٥ . مليون والشيعة ٩ . مليون وتعليقكم عليه بأن أهل الشيعة لايزيد عددهم عن ١٢ مليون كما يتضح من الأرقام الآتية: أهل السنة ٢٢٨ مليون والشيعة ١٢ مليون فالمجموع ٢٤ . مليون أهل السنة بحسب مذاهبهم: أحناف ١٤ . مليون - شوافعة ٦٤ مليون - موالكة ١٦ مليون - حنابلة ٧ مليون فيتضح أن عدد المسلمين ٢٤ . مليونكما قال الأستاذ العامري والفرق ألفارق هو بين تقديره عدد الشيعة بأكثر من حقيقتها أضعاف الأضعاف وعلى ذكر الإسلام والمسلمين نورد هنا بعض الإحصائيات عن المسلمين باعتبار عناصرهم وقاراتهم ولغاتهم وغير ذلك مما يفيد معرفته: المسلمون باعتبار عناصرهم ولغاتهم - الهنود على اختلافهم ٦٤ مليوناً - العرب على اختلافهم ٤٥ مليوناً - الأفريقيون والسودانيون ٣٢ مليون - الترك على اختلافهم ١٥ مليون - جزائر ملقة ٣٦ مليون - الصينيون ٣١ مليون - الإيرانيون ٩ مليون - البوماق والبشفاق ٨ مليون المسلمون باعتبار قاراتهم التي يسكنونها: - آسيا ١٦٦ مليون - أوروبا ١٤٥ مليون - افريقيا ٥٩٥ مليون المجموع ٢٤ . مليون المسلمون بحسب تبعيتهم السياسية - رعايا الدولة العثمانية ١٤ مليون - رعايا الدول الإسلامية الأخرى ١٧ مليون - رعايا حكومة الصين الوثنية ٣٤ مليون - رعايا الدول المسيحية ١٧٥ مليون المجموع ٢٤ . مليون وإليك بياناً مهما عن عدد المسلمين الخاضعين للدول المسيحية على اختلافها والقارات التي يقع فيها هؤلاء المحكومون فيها: في آسيا في أوربا في أفريقيا المجموع الدول الحاكمة ٦٣ . . ١٨ ٨١ انكلترا ١ . . ٣٤ ٣٥ فرنسا . . . . . ٢٢ ألمانيا . . . . . ٣٣ ايطاليا والبرتغال واسبانيا ٣٦ . . . . ٣٦ هولاندا . . ١٥ . . ١٥ النمسا والبلغار والرومان . ٣ ١٣ . . ١٦ روسيا ١٣ ٥١٤ ٥٧ ١.٧٤٥ المجموع أضف إلى ذلك ٣ . . ألف مسلم في جزائر ألفلبين من آسيا و ٦٨ . . . مسلم في اقيانوسيا تحكمهم الولايات المتحدة الأمريكية فيكون المجموع فيكون المجموع ١٧٥ مليون وزيادة في الإيضاح خذلك بيان عن المسلمين التابعين للحكومات الإسلامية والوثنية على ما يأتي: التابعة للحكومة العثمانية دولة الخلافة العظمة - في أوروبا ٢ مليون - في آسيا ١٢ المجموع ١٤ ملون التابعون للحكومات الإسلامية وجميعها بآسيا ٣ ملايين ونصف مسقط ونجد وما إليهما من الإمارات الصغرى ٤ ملايين ونصف الأفغان ٩ ملايين إيران المجموع ١٧ مليون والبقية وهي ٣٤ مليون بآسيا تحكمها حكومة الصين الوثنية، ويوجد أيضاً ٣ . ألف مسلم في جزيرة سيام ومليون مسلم في جزيرة فورموز. هذا ما وصلنا إليه البحث ولعل الفضلاء من إخواننا المسلمين الضاربين في عرض الأرضينقبون عن هذه الإحصائيات ويعملون على نشرها لتتم الغاية المبتغاة من تعارف المسلمين وتآلفهم وبالتالي اتحادهم وتآخيهم حتى يكونوا كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً وعلى اله قصد السبيل المقتبس إن ما أورده صاحب هذه النبذة في عدد المسلمين عامة والشيعة خاصة وهو تقريبي على ما يظهر إذ لم بستند فيه إلى مرجع تطمئن إليه النفس ولعل بعض المدققين يعيدون النظر في ذلك ويجمعون إحصاء أقرب إلى الإقناع. ٧٥٥</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_94.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.94.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
