<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.93.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.93.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٩٣ بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٤ الألمانية والإفرنسية شعر العامّة والخاصّة في العهد الأخير بالحاجة الشّديدة إلى معرفة اللغة الألمانيّة في هذه الدِّيار وفي غيرها من البلاد التي حالفت جرمانيا وكانت هذه الحرب التي أدهش فيها الألمان بعلومهم وتفنُّنهم في المسائل الحربية والاجتماعية والاقتصادية من أكبر الدواعي إلى ذلك وكان الخاصة من قبل يشعرون هذا الشُّعور ولكن قلَّة أطماع ألمانيا في امتلاك بلاد الشَّرق الأقرب لم يحملها كما حمل فرنسا منذ القديم على أن تبذل همَّتها لنشر لغتها فيه وتركت المسائل لطبيعتها خصوصاً ومن سياسة ألمانيا أن لا تميل إلى تجزئة قوتها فتفضِّل نشر علمها على قطعةٍ صغيرة وراء حدودها على أن تستعمر مملكةً واسعةً في إفريقية وآسيا كما هو حال فرنسا. وحال ألمانيا في نشر لغتها تبعاً لسياستها بالطَّبيعة. ولم نفتأ بالمناسبات منذ خمس عشرة سنةً نشير على ناشئتنا بتلقُّف هذا اللسان ونحسن لأصحاب الشأن في الأمر ودعاة العلم الصحيح نشره في مصر والشّام خاصةً ولقد قلنا في رحلتناغرائب الغربالتي نُشِرت سنة ١٣٢٧ - ١٩ . ٩ ما نصُّه: إنَّ اقتصارنا نحن معشر العثمانيين والمصريين والسُّوريين خاصَّةً على اللغة ألفرنساوية في الأكثر هو من الاحتكار الضّارّ فيجب أن نعرف كلّنا أو بعضنا لغة أمَّةٍ كبرى تريد أن تحارب العالم حرباً اقتصادية حتى لا يكون مثلنا مثل لفرنسيس مع جيرانهم الألمان قبل حرب السَّبعين جهلوا ما لديهم نم ماديَّاتهم فخسروا في ماديّاتهم ومعنوياتهم. نعم نتوفَّر على الأخذ من أوربا كل ما تمتاز به مملكة من ممالكها فنحول وجهتنا بعد الآن إلى جرمانيا نتعلَّم علومها واقتصادها ومتاجرها وبريَّتها ونأخذ من فرنسا الزراعة والحقوق وعن إنكلترا السِّياسة والعلوم البحريَّة وعن إيطاليا الصنائع النَّفيسة ونجعل للغة الألمانية والإيطاليَّة حظَّاً من عنايتنا حتَّى لا نكون حكرةً مضَّرةً لحكومةٍ خاصَّةٍ من حكومات الغرب فنحن كما نريد في السِّياسة أن نعامل الدُّول كلّها بوئام يجب أن نأخذ عن كلِّ دولةٍ راقيةٍ أحسن ما عندها حتى لا نكون من الجامدين على أمَّةٍ بعينها والجامدون في مسائل الِّين كالجامدين في مسائل الدُّنيا لا يخلو حالهم من ضرر على المجتمع ولمّا رحلنا إلى الغرب في رحلتنا الثَّنية نبحث عن موادٍّ قديمةٍ وحديثةٍ لكتابنا خطط الشَّامالذي أخذناه منذ زمنٍ نعني بتأليفه اجتمعنا بالعلاّمة كويدي المستشرق الإيطالي فكان مما سألنا إياه فيما إذا كنّا نعرف اللغة الألمانيَّة فأسف كثيراً على هذا القصور وقال لنا لو كنتم تعرفون هذه اللغة كما تعرفون الإفرنسيَّة لسهل عليكم اقتباس المواد التي تحتاجونها إلى كتابكم وكشف حقائقٍ عن تاريخ عمران بلادكم. ثم انقلبنا بعد شهرين إلى بلاد المجر واجتمعنا بالعلاَّمة غولدصير المستشرق المجري وهو كالسّنيور كويدي من أئمة المشرقيَّات في الغرب المشار إليهم بالبنان فسألنا في خلال الحديث ونحن نسترشده لإيجاد موادًّ لكتابنا إذا كنّا نعرف الألمانية فقال لنا مثل مقال صاحبه الإيطالي وزاد تلهفنا كثيراً قوله أن معظم ما نريده في هذا الموضوع مكتوبٌ محضَّر بهذه اللغة لا يحتاج إلا إلى ترجمةٍ ونشرٍ ولا عجب أن أصبح اللسان الألماني مصدراً لنا في تاريخ أمّتنا ونحن أمّةٌ متأخِّرة في مضمار العلم فالألمان لكثرة الأخصّائيين في كلِّ شيءٍ عندهم أصبحوا حجّةً في العلوم والآداب في الغرب كلِّه ويكفي أن أهم كتب الطِّبِّ في اللغة الإنكليزيَّة منقولة عن مؤلفي الألمان وأهمُّ كتب الفلسفة عند لفرنسيس مترجمةٌ عن علماء ألمانيا وفلاسفتها وانَّ زهاء نصف ما نُشر باللغة العربيَّة من آداب قومنا وتاريخهم وعمرانهم ولسانهم نشره الألمان وعلَّقوا عليه الشُّروح والحواشي والتّحقيقات الممتعة والفهارس النَّافعة والباقي نشره الأمريكان والإنكليز ولفرنسيس والرّوس والطّليان والإسبان والسّويسريّون والنّمساويّون والمجريّون والهولنديون والسّويديّون وغيرهم من أمم الحضارة وكان علينا بعد أن انتشرت تجارة ألمانيا في العالم ونازعت التجارة الإنكليزيَّة الأميركيَّة وغيرها أن نسعى إلى أن نحذق هذا اللسان كما حذقنا الإفرنسيّة والإنكليزيّة حديثاً وحذقنا الإيطاليَّة قديماً وتعلَّم بعضنا الرّوسيّة واليونانيَّة وإلى اليوم لا يوجد سوى أفراد قلائل تحقّقوا بأجزاء هذه اللغة من رجال الجيش العثماني أو من سكان فلسطين وسورية ممن درسوا في مدارس القدس وحيفا ويافا وحلب وكلها معاهد في التعليم جديدةٌ نشأت وارتقت بعد استحكام صلات التقّرب بين ألمانيا والعثمانيّة وبعد إنشاء الخطِّ البغدادي ومسيس الحاجة إلى موظفين من أبناء هذه البلاد الألمانية كما يعرفون العربية والتركيّة. فقصّر الألمان وقصّرنا في نحن أيضاً في هذا السّبيل. ومن الأسباب التي قعدت حقيقة باللغة الألمانية عن الانتشار في هذه الديار أيضاً أن بروسيا كانت كألمانيا اليوم تحب أن ترقي بنفسها وجيرانها أولا والأقربون أولى بالمعروف وكانت من الدول الثانوية في الغرب فلما أصبحت ألمانيا بالوحدة الألمانية دولة كثيرة الحصا كبيرة الواقعة وغلبت فرنسا في حرب السبعين أخذت لغتها تنتشر في الغرب بطبيعة الحال. أما الآن فإذا كتب النصر الأخير للألمان على خصومهم تصبح لغتهم أو تكاد عامة بين الأمم كما أصبحت اللغة الإفرنسية من قبل وانتشرت بالقوى التي بذلها لويز الرابع ونابليون. جاء في تاريخ جودت أن المعارف ألفرنساوية انتشرت بكثرة على عهد لويز الرابع عشر حتى حصل للأمم جمعاء آنسة بها وانتشرت آداب لفرنسيس في كل أمة وأصبح هذا الملك يتدخل في شؤون الممالك الأوروبية فعم تعليم اللسان ألفرنساوي منذ ذاك العهد وأصبحت الأمور السياسية تكتب بالافرنسية. وذكر أيضاً أن معاهدة قينارجة بين العثمانيين والروسيين كتبت من جهتنا بالتركية والإيطالية ومن جهة روسيا بالروسية والإيطالية وفي ذلك دليل اللغة الإيطالية كانت إلى ذاك الوقت معتمداً علها أكثر من الإفرنسية في الغرب. وذكر سنيوبوس أن الآداب الفرنسوية انتشرت في القرن الرابع عشر حتى عمت الغرب وأصبح اللسان ألفرنساوي لغة جميع المجتمعات الراقية بل اللسان الرسمي ١ هي قصبة صغيرة على ٧ . كيلوامتراً من جنوب سلسترة في بلغاريا اشتهرت بأنها كانت محل عقد المعاهدة بين العثمانية وروسيا على عهد عبد الحميد الأول وكاترينا الثّانية سنة ١٧٧٤ م ٢ تاريخ الحضارة لشارل سنيوبوس يتخاطب به رجال السياسة في الحكومات وبه ينشؤون المعاهدات وأصبح من المألوف في كل مكان تعليم أبناء الأسر الشريفة اللغة ألفرنسية وأن تمثل القصص ألفرنسية ويتحدث الناس ي القاعات باللسان ألفرنسي وبالغ الألمان في هذا السبيل كثيراً حتى أن الأمراء ورجال البلاط الملوكي أمسوا لا يعرفون حتى اللغة الألمانية وينظرون إلى هذه اللهجة بأّنها تصلح للقرويّين والعملة وألف ملك بروسيا كتبه باللغة ألفرنسية وأخذت ماري تيريز تراسل وزراءها بالافرنسية واقترح المجمع العلمي في برلين أواخر القرن الثامن عشر أن يكون موضوع المسابقة في بيان شرف اللغة ألفرنسية. والغالب أن اللغة ألفرنسية لم تحرز كل هذا القبول في قلوب الأمم لمزية فيها ليست لغيرها بل لأن السياسة قضت بانتشارها ولأن أهلها توفروا على نشرها بأن نشأ لهم أدباء وفلاسفة وعلماء استفاضت بن العالمين شهرتهم واللغات في الدول تابعة في النباهة والخمول لحالة الدولة التي تحمي حماها وإلا فليست الإيطالية مثلاً دون الإفرنسية بجمالها ورنتها بل ربما كانت أسهل منها ومع هذا نازعتها الإفرنسية من عهد لويز الرابع عشر الذي طالت أيامه واشتهرت بكثرة نوابغها في الشعر والأدب والنقد الأخلاقي والفلسفة والتاريخ والفنون. قالت مدام دي ستايل في كتابها (ألمانيا) الذي ألفته في سنة ١٨١ . منذ عهد لويز الرابع عشر أخذت جميع المجتمعات الجميلة في القارة الأوروبية تحصر وكدها في تقليد ألفرنساويين ما عدا الإسبانيين وإيطاليا وقد اعتقد القوم في فينّا (وكانت إذ ذاك مهد الألمانية) وأفرطوا في اعتقادهم أن من إمارة الظرف أن لا يتكلم المرء بغير الإفرنسية على حين ليس المجد ولا الظرف في كل بلد إلا عبارة عن ألفكر الوطني والصفات الوطنية وقد أُدهش الفرنسويون أوروبا ولا سينا ألمانيا ببراعتهم في الرقائق والأضاحيك ولقد كان البولونيون والروسيون وهم بهجة المجتمع في فينّا لا يتكلمون بغير اللغة ألفرنسية ويحاولون أن يبعدوا عن تلك العاصمة روح الألمانية. وللبولونات أساليب تأخذ بمجامع القلوب في مزجهم التصورات الشرقية إلى مرونة ألفكر ألفرنساوي وحدته - انتهى المقصود منه. قلنا وقد كان للروس غرام لارنسية بدأ ذلك على عهد بطرس الأكبر مصلح روسيا الحديثة وواضع أساس نهضتها الذي خبع رقبة القديم ولغتها المدنية الغربية بدون قيد ولا شر وكان في روسيا من حيث حب التجدد كالسلطان سليم الثالث العثماني ولكن المحيط ساعد الأول أكثر من هذا الثاني فقبل المدنية الهولندية والمدنية الفرنسوية وأسس الكليات وأسس الكليات العظمى ونظم الأساطيل ودرب الجيوش ومن عهده شاعت الإفرنسية بين طبقات الشعب الراقية وكادت تكون لغة التخاطب في القصور والمجامع العامة وعمت قواعد البلاد الروسية ولا يزال إثر ذلك ظاهراً للعيان في مملكة القياصرة حتى اليوم. وكل دروب الغرب تعني بتعليم اللغة ألفرنسية عناية فائقة في كلياتها وجامعاتها بل في مدارسها الوسطى وقل في خاصة الأم الأوروبية والأمريكية من لم يحأول أن يتكلم بها الباريزي نفسه لمسيس حاجته إليها في العلم والسياسة والتجارة والصناعات بحيث أصبحت على طول الزمن عامة حقيقة ولها شيء من المرونة واللّطف وهذا على ما تظن ماحدا بعلماء هذه اللغة وأهل الأدب منها أن يتوفّروا على تحسينها وترويجها الكتب المنوّعة والمجلات وجميع أساليب النّشر. أمّا في هذا الشّرق الأقرب ونعني به البلاد العثمانيّة والمصرية والإيرانية فقد انتشرت في أواخر القرن الثّامن عشر وزاد انتشارها أكثر بعد عهد نابليون بونابرت فإنّ الحكومة العثمانية بعثت بعثات علمية كثيرة إلى مدارس فرنسا يتعلمون فيها العلوم ويتخرّجون في هذه اللغة وكذلك محمد علي الكبير فإنّه اقتصر في إرسال التّلامذة إلى مدارس فرنسا ليعودوا منها فينظّموا شؤون بلاده على أحدث الطّرق الغربية وكان مستشاروه جماعة من أكابر علماء فرنسا وهم الذين اكتشفوا الآثار المصرية باكتشاف الخطّ الهيروغليفي وأنشأوا المتاحف والحدائق العامة والقناطر والسّدود وأقاموا عمران مصر الحديثة وكان منهم جماعة نابليون ومنهم الذين جاؤوها بعد وبواسطة المدارس والبعثات التي أسسها محمد علي انتشرت اللغة ألفرنسية في وادي النيل. وكلما كانت المطامع السياسية في هذه البلاد تزداد كانت المدارس تشاد وتنفق عليها فرنسا عن سعة. قال صاحب كتاب المسألة الشرقية لما صح العزم على تخريج طبقة من الناس في المملكة العثمانية يتولون أعمالها ويستلمون زعامتها بدون أن يكون لتعاليم الدينية تأثير فيهم أنشأت الحكومة العثمانية في الأستانة تحت حماية كلٍّ من فؤاد باشا ناظر الخارجية وسفير فرنسا إذ ذاك بحسب الخطّة التي رسمها فيكتور دروي وزير المعارف في فرنسا مدرسة غلطة سراي وهي مدرسة وسطى فتحت أبوابها لقبول الرعايا العثمانيين وأدار شؤونها أساتذة أوروبّيّون يعلِّمون باللغة الإفرنسيّة وكان ذلك رمزاً لعمل فرنسا الحريصة على تعليم الشّعوب الشّرقيّة بلغتها مبادئ المدنيّة الغربيّة فافتتحت هذه المدرسة يوم ١ أيلول ١٨٦٨ م واشتدَّ الاعتراض على هذا العمل وثارت خصّيصاً ثورة المتعصّبين الجامدين وأنشأ الرّوسيّون يهزؤون من هذا البابل في اختلاط الألسنة في هذه المدرسة وبلغ تلامذتها في السّنة القابلة ستمائة تلميذاً وكان ذلك أسعد دورٍ في التّنظيمات الخيريّة. وقال رينيه بينون يعجب السّائح ألفرنساوي ويداخله السّرور عندما يدخل الشّرق إذ يسمع حيثما ينقلب نغمة لغته يرنُّ صداها ويجد حتّى في صميم بلاد آسيا الصّغرى مدارس فرنساويّة غاصّة بالأطفال من جميع العناصر والأديان يتعلّمون تهجئة حروف لغتنا ويستعدّون لمعرفة بلادنا تحت إدارة راهبةٍ أو أختٍ فرنساويّة صالحة يختلف أكثر من مئة ألف تلميذٍ إلى المدارس التي معظمها لرهبانٍ خصَّتها الحكومة ألفرنساويَّة بشيءٍ من المال مسانهةً أو حمتها حمايةً فقط ويزيد عدد هذه المدارس سنةً بعد أخرى وهؤلاء الأطفال ينبثون في أطراف المملكة وفي البيوت التّجاريّة والسّكك الحديديّة والمصارف يحسنون سمعة فرنسا وينشرون لغتها وآدابها ومدنيّتها. قال ومن كلّيّة بيروت الزّاهرة التّي يديرها الآباء اليسوعيون والّتي كتب في حقّها غوستاف لوردميه أنّ ليس في فرنسا مدينة كبرى تكون معاهد تعليمها العالي أكثر استعداداً من كلّيّة بيروت حتّى تصل إلى المدارس الحقيرة في المدن الصّغرى في أرمينية ومكدونية تجد أخوات القدّيس منصور يوزّعن بدون نظر إلى مذهب وقوميّة قليلاً من المعلومات ويقمن بالإسعافات الطّبية ويعملن كثيراً من الإحسان. قلنا وهذا سرّ حماية فرنسا لرجال الدّين في الشّرق يطردونهم من بلادهم ويحمونها في غيرها لأنهم هنا يتوفّرون على نشر لسانهم ومناحيهم وما تخال يرجع ذلك لهم بعد الحرب بعد أن نزعت منهم امتيازات الأجانب وشعرت الأمة العثمانية بالحاجة إلى تعليم وطنيّ تكون صيغته حبّ البلاد ومعرفة ما ينعشها. ثم غمرت فرنسا (المقتبس م ٧ ص ١٦٢ ) بلادنا بالمعاهد الخيريّة والتهذيبية بهمة جمعية أخوة المدارس المسيحية وجمعية راهبات المحبة وكان مبشّروها ينزلون ربوع سوريا بالرغم مما قام في سبيلها من المصاعب وكانت فرنسا أبلغت مخصصاتها لمدارس مخصصاتها لمدارس سوريا وفلسطين إلى زهاء مليوني فرنك منها ٤٥ . . . . لمدارس الرهبنات و ٣٨٣ . . . للمدارس المدنية و ٤٥ . . . لمدارس مختلفة ١٢٢ . . . للمعاهد الطبية هذا هو الظاهر في ميزانيتها عن سنة ١٩١١ م وهناك جمعيات تعمل على نشر التربية ألفرنساوية مثل جمعية أعمال مدارس الشرق التي أسست عام ١٨٥٦ م وجمعت اموالاً طائلة وزعتها على المعاهد الخيرية ومدارس الرهبنات في الشرق تبلغ قيمتها ٣ . . . . . فرنك ومثل مدارس الاتحاد الإسرائيلي ومثل مدارس الجمعية العلمانية وكلما كانت فرنسا ترى ألمانيا وإيطاليا وإنكلترا وأميركا تعنى بفتح المدارس في هذه الربوع كانت فرنسا تزيد المال المبذول في هذا السبيل وتنوّع الأساليب لبلوغ الغاية. ونمت في السنين الأخيرة أعمال ألمانيا نموّاً غريباً إذ أسست كثيراً من المدارس الابتدائية وعدّة مدارس عالية ومدرسة إكليريكية في القدس وغيرها من صناعية ومستشفيات معتمدة في كلّ ذلك على الجمعيات الكاثوليكية الإنجيلية الألمانية وعلى اللجان الجنسية التي تستمد قوتها من الاتحاد النمساوي العام وقد فتحت في ميزانيتها اعتماد قدره ٨٥ . ألف مارك ينفق على معاهدها في سوريا وفلسطين. هذا إلى المدارس التي أنشئت منذ القديم في بيروت وحيفا ثم في حلب والأستانة وجميع ما تقدّم من منافسة الألمانية للإفرنسية قليل جداً لأننا لم نسمع برجل منّا نبغ حتى الآن في اللغة الجرمانية ويرى النابغين في ألفرنسية أكثر من أن يعدوا في قواعد البلاد مثل مصر والإسكندرية والأستانة وأزمير وسلانيك وبيروت حتى أن بعض الأُسرة تركت لفتها الأصلية وأصبحت تتخاطب وتتكاتب باللغة الافرنسية وكثيرا ما يشمئز الوطني وهو لا يسمع غير نغمة هذه اللغة ويرى المرزين فيها أكثر من لغتهم ومن كل لغة مما عمت به البلوى لا يقل المتكلمون باللغة الألمانية اليوم عن مئة مليون وهذا العدد هو ضعفا المتكلمون بالافرنسية ولكن عدد الذين تعلموا الافرنسية من غير ألفرنساويين يربو كثيرا عن عدد من تعلموا من ير الألمانيين واللغة الألمانية هي لغة يعرفها الخاصة في المجر وروسيا وايطاليا وفرنسا وانكلترا والبلجيك وهولاندة والدانمرك والسويد منورج وأمريكا وتعلم لغةٍ غير اللغة الوطنيّة في أكثر هذه الممالك إجباري في المدارس وأكثر اللغات رواجاً اللغة الإفرنسيّة في غير البلاد ألفرنساويّة واللغتان الإنكليزيّة والألمانيّة في غير بريطانيا وجرمانيا كانت اللغة الإيطالية رائجةً كثيراً في مصر والشّام في القرن الثّامن عشر فنازعتها اللغة الإفرنسيّة في القرن التّاسع عشر حتّى قلَّ عدد العارفين بها فهل تصبح اللغة الألمانيّة في هذه الدِّيار في القرن العشرين لغة العلم والتّجارة والسّياسة يا ترى ويكثر العارفون بها على مستوى العارفين باللغة الإنكليزيّة على الأقل أم تظلُّ للإفرنسيّة تلك الرّغبة وتحافظ بعد الحرب على تلك الشُّهرة؟ سؤالٌ ليس غير الأيّام كفيلةٌ بالجواب عنه. جرمانيا الكبرى يدعو الدّعاة الآن إل ضمِّ شمل ممالك أوروبا الوسطى تحت لواءٍ واحدٍ تكون برلين العاملة الوحيدة فيها على نحو ما ضمّت بروسيا إليها شمل الحكومات الألمانيّة منذ ستّ وأربعين سنة. فتنشأ الآن مملكة جرمانيَّة كبرى كما نشأت مملكة ألمانيا الكبرى وبذلك يستحيل على سائر دول أوروبا أن تنال منالاً من هذه المملكة الضخمة التي تصدر عن رأيٍ واحدٍ مركزه برلين وقادته رجال الألمان وتكون حدود هذه المملكة الجديدة من نهر المارن إلى التّخوم الجنوبيّة من بولونيا ومن همبورغ إلى الأستانة وما وراءها إلى الشّرق وقد كتبت مجلّة المجر في هذا الشّأن فصلاً قالت فيه أن تباور الممالك الوسطى حول الأصل الجرماني قد بدأ وإذا كان خصومنا من الدّول قد شهروا علينا الحرب ليقضوا القضاء الأخير على تغالي ألمانيا في جنديّتها وميل جرمانيا إلى ابتلاع كلّ من يخالفها فهل يستطيعون أن يحولوا دون تأليف أوروبا المركزيّة الجرمانية؟ أيستطيعون أن يمنعوا هذا بالقوّة - قوة الجيوش والأساطيل والمجالس الحربيّة والخُطَب والشّكايات؟ فإذا كانت النّتائج السّلبيّة التي نالها خصومنا منذ سنتين لم تكفِ لإنارة فكرهم في هذا الشّأن فإن إلقاء نظرةٍ على الماضي تكفي لأن تزعزع ثقتهم. وذلك لأن حرب السّبع السّنين مثلاً قد هيّأت أسبابها وعقدت المحالفة الكبرى من النمسا وروسيا وفرنسا والسّويد لتلك الغاية نفسها وهي نزع ما امتلكه بروسيا من الأملاك الجديدة وتصغيرها بحيث تكون أمارة صغيرة ووضع حدّ لإفراطها بالتّجنيد مما كان يقلق أعداء فريدريك الثّاني كما يقلق له اليوم أعداء غليوم الثاني. ماذا نشأ من ذلك؟ نشأ منه أنّ سيلزيا لم تنفصل فقط عن روسيا بل إنّ هذه خرجت أكبر وأقوى مما كانت مع أنها حاربت أوروبا تقريباً. نعم أثّرت في بروسيا تلك الحرب كما أثرت في خصومها ولكنها خرجت منها وقد جعلت لها مركزاً بين الدّول العظمى فجذب جاذب القوة حول أعلامها الشّروب التي هي من عنصر ألماني فأصبحت برلين منافسةً لفيينا في التّفوق في ألمانيا وانحلّت مسألة هذا الامتزاج الألماني حلاًّ قطعيَّاً لا في موقعةكونيكراتزبل فيسيدانوحاول نابليون الثّالث أن تنعقد أواخي الوحدة الألمانيّة في وكانت إمارات ألمانيا متخالفة بينها على أمور تافهة وبعمله سارعت إلى تناسي اختلافاتها فدفع الألمان الخطر أولاً ثم الحماسة والمجد الباهر الذي أحرزوه بانتصاراتهم إذ ذاك إلى تنبيه عواطف لم يكونوا يعرفونها من قبل ونعني بها عواطف التّضامن العنصري وستكون الحال كذلك اليوم فإن أعدائنا يعزون ألفضل في نجاحنا إلى ألفكر العسكري الشّديد وإلى روح الجنديّة الوحشيّة المنبعثة من التّوتونيين أي الجرمانيين فيرون في ذلك الخطر على حرّيّة الشّعوب وسعادة العالم وحقوق الإنسان ولكن بلغ بهم الضّعف في التَّقدير وقلّة المنطق في السّرد أنهم يريدون أن يحاربوا هذا الشّرّ بشرٍّ مثله كبعث روح الجنديّة في كلِّ شيء وذلك بتحدّي ألمانيا واحتذاء مثالها وإن كان على شيءٍ من الضّعف وكيف ما كانت الحال فإنَّخلافة برلينكما سمّاها وزير خارجيّة روسيا أو هذا الإتّحاد بين الممالك الوسطى آخذٌ بالتّأليف وبرلين مقرّه لأن لهذه من قوتها وغناها ما تصبح به أقوى مما كانت في حرب السّبع السّنين وأقوى مما كانت في حرب السّبعين وأعشم مما كانت بمحالفتها مع النّمسا والمجر بفضل بيسمرك وأندرلسي وأكثر استمساكاً وبقاءً من التضامن الوقتيّ بين الشّعوب المتحالفة على الحرب الآن. لا جرم أنّ وحدة المصالح التّجارية والاقتصادية وضرورة الدّفاع عن الحوزة ستؤدي بالطبيعة إلى التوفيق بين قوانين كلِّ مملكةٍ من هذه الممالك فنصبح عمّا قريب متَّحدين اتّحاداً سياسيا يشبه اتّحاد الولايات المتحدة الأميركيّة التي تحكمها إرادة واحدة. هذه لمحة من مسألة اتّحاد دول أوروبا المركزيّة ومنه يستدلُّ جليَّاً أنّ ألمانيا أيقنت على ما أحرزته من الغلبة في هذه الحرب أنّ لا مناص من أن تقوي نفسها وحلفاءها للمستقبل وأن برلين كما قالت المجلة المجرية ترقّت من كونها عاصمة التحالف الثلاثي إلى كونها عاصمة تحالف ممالك أوروبا الوسطى بأجمعها ولكن لم يجر للدول العلية ذكر صريح في هذا ألفصل هل تدخل في جملة التحالف الجرماني هي وبلغاريا أيضاً أم لا؟ ونظن أن هناك بعض عقبات تحول بيننا وبين الدخول في هذه المعاهد إلا على حد محدود كما هي محالفتنا اليوم مع ألمانيا والنمسا والمجر. ومن جملة الأسباب التي تحول دون دخولنا بحسب ما نرى في اتحاد أوروبا الوسطى ما أوردت المجلة المجرية من الأسباب التي تربأ ببلاد المجر عن الدخول في هذه الوحدة قالت: ألمانيا عرفت مبلغ المجر من حسن البلا. وما امتازوا به من الصفات العالية وكانت لا تعرف منها إلا ذرواً قليلاً وليس في برلين من يريد أن يعبث باستقرار هنغاريا ولا بأوضاعها الوطنية ولولا ذلك لا يوجد في المجر إنسان يودّ الاقتراب من المملكة الجرمانية. إننا نحرص على لغتنا وأخلاقنا ودستورنا الوطني أكثر حرصنا على كل مغنم سياسي أو اقتصادي ونعلم أن هنغاريا لاى تتمكن من القيام بمهمّتها التّاريخية أي أن تكون واسطة بين الغرب والشّرق الآن تكون سوراً قوياً لأوروبا إلا إذا احتفظت بأخلاقها الوطنية المجرية وبحريتها السياسية وآدابها المستقلة. ومصلحة ألمانيا لا تنافي بتاتاً استقلال الأمة المجرية وعلى العكس فإن حلفاءها يعترفون بمشروعية هذه الأميال وكلما عرفوا أخلاق عنصرنا والأحوال الخاصة التي عيّنت لنا خطّتنا السياسية يفهمون مرامينا أكثر. وبعد أن تساءلت تلك الصحيفة عن كيفية تكوين هذا الاتحاد الجديد وقالت أن عدد العنصر الجرماني في اتحاد ممالك أوروبا الوسطى يزيد على سبعة أو ثمانية أضعاف العنصر المجري فيُخشى حينئذٍ من أن يمتزج المجر بطول الزمن بالعنصر الجرماني ويندمج فيه كما يندمج كل عنصرٍ أجنبيٍ في الولايات المتحدة الأميركية بالعنصر الإنكليزي السكسوني قالت عبثاً يقول الألمان أنهم لا يريدون أن يُكرهونا على تعلّم لغتهم ولا آدابهم ولا طرق تفكيرهم ولا طرز حياتهم العقلية والأدبية بقطع النظر عن التمثيل ببولونيا فإن هنغاريا تتجرمن بطبيعة الحال وتندمج في الأكثرية فتفقد جزءاً من أخلاقها القومية وأنه خيرٌ للشعوب الصغيرة أن تظل على استقلالها وإن أورثتها الحرب ضعفاً فتخرج رافعةً رأسها وتتنافس الدّول الكبرى أن تكون تبَعاً تخسر نفسها ومقوّماتها ومشخّصاتها هذا ما تحاذر منه الصّحيفة المجريّة تحاذر أن يندمج المجريّون في غيرهم ويفقدوا مشخصاتهم وقوميتهم والعنصر المجري في مملكة النمسا والمجر هم أقل من العنصر الجرماني ومن العنصر السلافي ومعلوم أن إمبراطورية النمسا والمجر مزيج من عناصر مختلفة طبائعها محتفظة بلغاتها ومشخصاتها لم يثبت الأعضاء أن عنصراً ربح من العنصر الآخر كثيراً في هذا الشأن بل هم في هذا الشأن بل هم في هذا المزيج كالفسيفساء البديعة في رقعة شطرنج فالألمان في غربي المملكة وشمالها الغربي والسلافيون في الشمال والشمال الشرقي والجنوب الغربي والمجر في الشرق وإلى جانب السلافيين في بوهيميا ومورافيا وسيلزيا تجد التشك وسلافيو غاليسيا والبورونيون والروتينيون وتجد السولفايين في شمالي البحر والسولفيين في كارنتيا وفي صقع آخر الخرواتيين أو الصربيين كما تجد الطليان في ترانتين وفريول وايستيريا والرومانيين في ترانسلفانيا وبوكوفينا. لا جرم أن سكان هذه المملكة النمساوية المجرية إذا تم تأليف الإتحاد الجرماني يندمجون مع الزمن على اختلاف أجناسهم في سكان ألمانيا الذين يجمعهم لسان واحد وعنصر واحد وتربية واحدة ومن العادة أن يتمثل الصغير في الكبير كما يبتلع الكبير الصغير ومهما حاولت بولونيا وهنغاريا والدانيمرك وهولاندة أن تحتفظ بلغتها وقوميتهافإن مدينة جرمانيا التي تفيض على الأطراف تتناول كل ما يقف يقف أمامها وتضمه إليها بالطبيعة والسيل يجرف ما في المنحدرات أمامه كما أنه حرب المكان العالي هذا الاندماج أمرٌ طبيعي في الأمم يتمّ في أجيال ولكن الإكثار من خشيته واتخاذ الأساليب غير المشروعة من تعليم وتربية مضرّ في الأمم المؤلّفة من شعوب وقبائل وأجناس. قال بلوك: إن من الناس من يتجرون باسم الوطنية والقومية كما أن منهم من يتجر باسم الدين. ومنم يتجرون بنغمة القومية في مملكة ضخمة وقوميتهم عبارة عن خمسين أو مئة ألف عائلة لا تستطيع أن تؤلّف على حدتها حكومة خاصة يضرون بالإنسانية لأن من مصلحة المجتمع أن تقوم فيه مراكز كبرى تنبعث منها أنوار المدنية وأصحاب هذه القومية بلغتهم التي لايفهمها غيرهم وتغاليهم بالتماهي بها لا يكون لهم مدنية خاصة ويبقون على اعتزالهم مؤلّفين من حثالات ورغبتهم في أن يكونوا مجتمعاً منفرداً عن غيره يضعف المجتمع الكبير الذي تضمّهم جامعته ولا يتيسّر لهم بحال وينطفئ نورهم المضيء ونارهم التي تقدف بالحرارة ومن يستحسنون عمل من يذهب هذا المذهب في استقلالهم بقوميّتهم هم أعداء البلاد في الدّاخل والخارج وأبناء الوطن الواحد إذاشجر بينهم مثل هذه الدعوة تجرّ عليهم شرّاً أكثر من الخير مثال ذلك. ببلاد النمسا والمجر المنقسمة إلى قسمين غير متساويين فأقل من نصف النمسا يتكلم بالألمانية ومنهم أهل لغة التشيك ومشقات اللغة البولونيّة والروتينيّة والسولفانيّة والصّربيّة أو الخرواتيّة والإيطالية والرّومانيّة والنّصف الآخر بلاد المجر نحو ثلثها يتكلّمون بالمجريّة والباقون بالرومانيّة والألمانية والأسكلافونيّة والصّربيّة والروتينية وغيرها من اللغات ففي بلاد النّمسا والمجر نشأت من مسألة الوطنيّة مشاكل للحكومة فعبث ذلك بنجاحها السياسي والأدبي والمادّي ونفوذها السياسي قال: أما في سويسرا فليس في مسألة اللغات ما يهدد كيان كيان هذه الجمهوريّة. وسويسرا أحسن مثالٍ للشّعوب المختلفة بلغتها تعيش في بلد واحد حول جبال واحدة بحيراتٍ واحدة تتكلم الأكثرية فيها الألمانية والألمان ثلاث أرباعها والربع الآخر يتكلّم الإفرنسيّة والإيطالية والرومانشية وغيرها من اللغات والبلجيك تشبه سويسرا من بعض الوجوه نصف أهلها يتكلمون بالإفرنسية والآخر بالفلامندية ومنهم من يتكلم بهاتين اللغتين معاً وغيرهم يتكلم بالألمانية وغيرها من اللغات قال: وأما بقية بلاد أوربة ما عدا الدولة العثمانية وفرنسا وألمانية والدانيماركأسلاندة والسويد والنويج لايون فليس فيها سوى شعوب قليلة تتكلم لغة خاصة بها وقد كان من الحوادث المعلومة أن أنقذت البلاد العثمانية من عدة قوميات غريبة عن العنصر الحاكميعني بذلك البلغار والصرب واليونان والرومان وليس في هذا الباب إحصاء يعتمد عليه. لا جرم أن حبّ الإنسان للغته غريزية في البشر ويزداد شعوراً بذلك وتفانياً فيه كلما تقدّم خطوات في طريق الحضارة. ومن كتبت له الرحلة إلى بلاد النمسا والمجر وبلاد سويسرا وبلاد البلجيك وغيرها من البلاد المختلفة السكّان يشهد غرائب من ذلك قال صاحب كتاب بلجيكا الحديثة: لقد صُرفت العناية بعد سنة ١٨٣ . لفرنساألفلاندر من أقاليم البلجيك فشقّت عصا الطاعة وعصت على كلّ ما أريدت عليه وظلّ تركيبها العقلي ثابتاً كصفاتها التشريحية ولم يطرأ أدنى تبدّلٍ على أفكارها وتقاليدها وشعورها وطرقها في التفكير والتقدير وما اللغة إلا عنوانٌ لأمّة وما من أمةٍ بدون لغةٍ ولهذا ينهض سكان فنلاندة لدفع الغارات عن أمّتهم وكذلك أهل بولونيا والنمسا والمجر وسويسرا وإسبانيا وغيرهم في كل صقعٍ ونادٍ. ويجب الإعتراف بأنّ الوطنيين الفلامنديين يصدرون عن صوابٍ في رأيهم إذا رأوا لغتهم القوة الموجدة التي وحدها يمكن أن تؤثّر فيهم وذكر المؤلِّف أيضاً أن دعاة الاتحاد الجرماني عفوا اثر حدود مملكة ألمانيا بل تخطّوها إلى غيرها فنُشرت بطاقات بريد مصوِّرةً ممالك أوروبا سنة ١٩٥ . م وقد توارث منهم البلجيك وهولندا والدانيمارك والنمسا وقسم من روسيا ورومانيا قد اندمجت في الأمة الجرمانية. ويرى اليوم دعاة الجرمنيَّة أكثر من نصف بلجيكا ألمانيا بلسانه وأنَّ لهجة هولندا وليموج المستعملة في عدَّة ولايات من تلك البلاد ليست إلا ألمانيّة محرّفة دجة في شمالي ألمانيا فالحدود الألمانيّة قد ألقت بخمسة ملايين من البشر في هولندا وجوارها وثلاثة ملايين ونصف في بلجيكا وتوسَّع بعضهم فقال أنّ فلاندرا الشّرقيّة والغربيّة هما أيضاً ألمانيّتان جنساً. كما أنّ هولندا شمالي فرنسا هما أيضاً من هذا الطّراز. هذا ما قاله المؤلِّف قبل الحرب بأعوامٍ قليلةٍ أما الآن وقد افتتحت ألمانيا بالسّيف بلاد البلجيك وبضع ولايات في شمالي فرنسا فماذا يكون مصيرها منالجَرْمَنَةلا ريب أنّ ألفاتح يهوى نشر لغته ولايكلِّفه ذلك إلا صدور الأمر ومرور الزّمن وبذلك تتحقق أماني دعاة الجرمنة فتكبر رقعة مملكة جرمانيا المتحدة ولا يمضي على سكّانها جيلٌ أو جيلان إلا وتصبح كلُّها ألمانيّة المنحى والمنزع. وربما دعت حالة أوروبا وأميركا إلى تأليف الأمم بحسب العناصر فيكون العنصر الجرماني أو الاتحاد الجرماني شقَّاً والعنصر السّلافي شقّاً آخر وكلاً من العنصر اللاتيني والعنصر الإنكليزي والسّكسوني شقّاً كما يكون الجنس الأصفر في الشّرق الأقصى برأسه فسبحان مفرّق اللغات واللهجات وملوِّن الصّور والسِّحنات الخطابة عند العرب الخطابة ملكة كسبية وفطرية الخطابة كالكتابة وقرض الشِّعر ملكةٌ فطريّة وملكةٌ كسبيّة إذا صاحبت فيها الكسبيّة ألفطريّة جاء من الخطيب كلُّ قولٍ عجيب، وقد كان دمرستينوس وهو أخطَب خطيبٍ عند اليونان. كما أنّ شيشرون أخطب خطيبٍ عند الرومان - خطب في الجمهور أول مرةٍ ولم يحسن الإلقاء لأنه كان ألثغ مثل واصل بن عطاء شيخ المعتزلة وكان ضعيف الصّوت فحاول إصلاح ذلك وتمكّن منه بوضع حصاةٍ في فمه وإنشاد آياتٍ وهو يركض على شاطئ البحر ويرتقي الرّوابي والآكام قال الجاحظ: أخبرني محمد بن عباد بن كاسب كاتب زهير مولى بجيلة وكان شاعراً راويةً وطلاّبة علمٍ علامة قال: سمعت أبا داوودٍ ابن جرير يقول وقد جرى شيءٌ منذكر الخطب وتحبير الكلام واقتضابه وصعوبة ذلك المقام وأهواله فقال: تلخيص المعاني رفق، والاستعانة بالغريب عجز، والتشادق من غير أهل البادية بغض، والنظر في عيون الناس غيٌّّ، ومس اللحية هلك، والخروج مما بني عليه أول الكلام إسهاب، وقال: وسمعته يقول: رأس الخطابة الطبع، وعمها الدربة، وجناحاها رواية الكلام، وحليها الإعراب، وبهاؤها تخيّر اللفظ، والمحبة مقرونةٌ بقلّة الإستكراه وذكر محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس بلاغة بعض أهله فقال: إني لأكره أن يكون مقدار لسانه فاضلاً عن مقدار علمه كما أكره أن يكون مقار علمه فاضلاً على مقدار عقله، قال أبو عثمان الجاحظ: هذا الكلام شريفٌ نافعٌ، فاحفظوا لفظه وتدبّروا معناه، ثمّ اعلموا أنّ المعنى الحقير ألفاسد، والدنيء السّاقط، يعشش في القلوب، ثم يبيض ثم يفرخ فإذا ضرب يجرانه، ومكن بعروقه، استفحل ألفساد وبزل، وتمكّن الجهل وفرخ، فعند ذلك يقو داؤه، ويمتنع دواؤه، ولأنّ اللفظ الهجين لرديء، والمستكره الغبي، أعلق باللسان، وآنف المسمع، وأشدّ التحاماً بالقلب، من الللفظ النّبيه الشّريف، والمعنى الرفيع الكريم، ولو جالست الجهّال والنوكى، والسخفاء والحمقى، شهراً فقط لم تنقذ من أوضار كلامهم، وخيال معانيهم، بمجالسة أهل البيان والعقل دهراً، ولأنّ ألفساد أسرع إلى النّاس، وأشدّ التحاماً بالطبع واللسان، بالتّعلّم والتّكلّم، وبطول الاختلاف إلى العلماء ومدارسة كتب الحكمة، يجرّد لفظه، ويحسن أدبه، وهو لا يحتاج في الجهل إلى أكثر من ترك التّعلّم، وفي فساد البيان إلى أكثر من ترك التخيّر قال معاوية بن أبي سفيان لصحار بن عياش العبدي ما هذه البلاغة التي فيكم قال: سيء تجيش به صدورنا فتقذفه على ألسنتنا فقال له رجلٌ من عرض القوم يا أمير المؤمنين هؤلاء باليسر والرطب، أبصر منهم بالخطب، فقال صحار: أجل والله لنعلم انّ الريح لتنقحه، وأن البرد ليعقده، وأنّ القمر ليصبغه، وأنّ الحرَّ لينضجه. قال أبو عثمان: قال صاحب البلاغة والخطابة، وأهل البيان وحبّ التبيين إنما عاب النبيّ صلى الله تعالى عليه وسلّم المتنادقين والثرثارين والذي يتخلل بلسانه، كما تتخلل الباقرة بلسانها، والأعرابي المتشادق، هو الذي يصنع بفكّيه وشدقيه ما لا يستجيزه أهل الأدب من خطباه أل الدّرّ فمن تكلّف ذلك منهم فهو أعيب والذّم له ألزم وقد كان الرّجل من العرب يقف الموقف فيرسل عدّة أمثالٍ سائرة، ولم يكن الناس جميعاً يتمثّلون بها إلا لما فيها من المرافق والإنتفاع، ومدار العلم على الشّهد والمثل وإنما حثّوا على الصّمت لأنّ العامّة إلى معرفة خطأ القول، أسرع منهم إلى معرفة خطأ الصمت. ومعنى الصامت في صمته، أخفى من معنى القائل في قوله، وألا فالسكوت عن قول الحقّ، في معنى النّطق بالباطل ولعمري أنّ النّاس إلى الكلام لأسرع، لأنّ في أصل التركيب أنّ الحاجة إلى القول والعمل أكثر من الحاجة إلى ترك العمل، والسكوت عن جميع القول، وليس الصّمت كلّه أفضل من الكلام كلّه، ولا الكلام كلّه أفضل من السكوت كلّه، بل قد علّمنا أنذ عامّة الكلام، أفضل من عامّة السكوت، وقد قال الله عزّ وجلّ: (سمّاعون للكذب آكلون للسّحت فجعل سمعه وكذبه سواءً) وقال الشاعر: بني عديّ ألا ينهى سفيهكم أنّ السّفيه إذا لم ينهَ مأمور وقال آخر: فإن أنا لم آمر ولم أنهَ عنكما ضحكت له حتى يلج ويستشري وكيف يكون الصّمت أنفع، والإيثار له أفضل ونفعه لا يكاد يجاوز رأس صاحبه، ونفع الكلام يعمّ ويخصُّ، والرواة لم يرووا سكوت الصّامتين، كما روت كلام الناطقين، وبالكلام أرسل الله أنبيائه لا بالصمت، ومواضع الصمت المحمودة قليلة، ومواضع الكلام المحمودة كثيرة، وطول الصّمت يفسد البيان. وقال ابو بكر بن عبد الله المرني: طول الصّمت حبسةٌ كما قال عمر: ترك الحركة عقلة. وإذا ترك الإنسان القول ماتت خواطره وتبدّلت نفسه، وفسد حسّه، وكانوا يروّون صبيانهم الإرجاز، ويعلّمونهم المناقلات، ويأمرونهم برفع الصّوت، وتحقيق الإعراب، لأنّ ذلك يفتق اللهاة، ويفتح الحرح الصوت، واللسان إذا أكثرت تحريكه رقّ ولان، وإذا أقللت تقليبه وأطلت إسكاته جسا وغلظ، وقال عبابة الجعفي: لولا الدربة وسوء العادة، لأمرت فتياننا أن يماري بعضهم بعضاً، وأية جارحةٍ منعتها الحركة ولم تمرنها على الأعمال، أصابها من التعقّد على حسب ذلك المنع نصائح لمن يتطال للخطابة مرّ بشر بن المعتمر بإبراهيم بن جبلة بن مخرمة السكوني الخطيب وهو يعلّم فتيانهم الخطابة فوقف بشر فظنّإبراهيم أنه إنما وقف ليستفيد أوليكون رجلاً من النظارة فقال بشر: اضربوا عمّا قال صفحاً، واطووا عنه كشحاً، ثم دفع إليهم صحيفةً من تحبيره وتنميقه وكان أول ذلك الكلام: خذ من نفسك ساعة نشاطك، وفراغ بالك، وإجابتها إياك، فإنّ قليل تلك الساعة أكرم جوهراً وأشرف حسباً، وأحسن في الإسماع، وأحلى في الصّدر، وأسلم من فاحش الخطأ، وأجلب لكل عين، وعزّةٌ من لفظٍ شريفٍ ومعنىً بديع، واعلم أنّ ذلك أجدى عليك مما يعطيك يومك الأطول بالكدّ والمطاولة والمجاهدة، وبالتّكلّف والمعاودة، ومهما أخطأك لم يخطئك أن يكون مقبولاً قصداً، وخفيفاً على اللسان سهلاً وكما خرج من ينبوعه ونجم من معدنه، وإياك والتوعر فإنّ التوعر يسلّمك إلى التّعقيد والتّعقيد هو الذي يستهلك معانيك ويشين ألفاظك، ومن أراع معنىً كريماً فليلتمس له ال ٥ فظاً كريماً، فإنّ حقّ المعنى الشريف اللفظ الشريف، ومن حقهما أن تصونهما عما يفسدهما ويهجّنهما وعما تعود من أجله إلى أن يكون أسوأ حالاً منك قبل أن تلتمس إظهارهما وترتهن نفسك بملابسهما وقضاء حقّهما، وكن في ثلاث منازل، فإنّ أولى الثلاث أن يكون لفظك رشيقاً عذباً، وفخماً سهلاً، ويكون معناك ظاهراً مكشوفاً وقريباً معروفاً، أما عن الخاصة إن كنت للخاصة قصدت، وأما عن العامة إن كنت للعامة أردت، والمعنى ليس يشرّف بأن يكون من معاني الخاصّة، وكذلك ليس يتصنّع بأن يكون من معاني العامّة، وإنما مدار الشّرف على الصواب، وإحراز المنفعة مع موافقة الحال وما يجب لكلّ مقامٍ من المقال، وكذلك اللفظ العامي والخاصّي فإن أمكنك أن تبلغ من بيان لسانك، وبلاغة قلمك، ولطف مداخلك وإقدارك على نفك، على أن تفهم العامّة معاني الخاصة، تكسوها الألفاظ الواسطة التي لا تلطف عن الدهماء، ولا تجفو عن الأكفّاء، فأنت البليغ التام كالبشر: فلمّا قرئت على إبراهيم قال لي: أنا أحوج إلى هذا من هؤلاء ألفتيان. قال أبو عثمان: أما أنا فلم أرَ قوماً قطّ أمثل طريقةً في البلاغة من الكتّاب رىأألفنزائل فإنهم قد التمسوا من الألفاظ ما لم يكن متوعراً وحشيّاً ولال ساقطاًسوقيّاً وإذا سمعتموني أذكر العوام، فإنّي لست أعني ألفلاحين والحشوة، والصّنّاع والباعة، ولست أعني الأكراد في الجبال، وسكان الجزائر في البحار، ولست أعني من الأمم مثل البرد والطّيلسان، ومثل موقان وجيلان، ومثل الزنج وأمثال الزّنج، وإنما الأمم المذكورون من جميع النصّ أربع: العرب وفارس والهند والروم، والباقون همجٌ وأشباه الهمج وأما العوام من أهل ملّتنا ودعوتنا ولغتنا وأدبنا وأخلاقنا فالطّبقة التي عقولها وأخلاقها فوق تلك الأمم لم يبلغوا منزلة الخاصّة منا، عل أن الخاصّة تتفاضل في الطبقات أيضاً، ثم رجع بنا القول إلى بقية كلام بشر بن المعتمر إلى ما ذكر من الأقسام قال بشر: فإن كانت المزلة الأولى لا تواتيك ولا تعتريك لا تسنح لك عدّ أول نظرك وفي أول تكلفك، وتجد اللفظة التي لم تقع موقعها، ولم تصل إلى قرارها وإلى حقّها من أماكنها المقسومة لها، والقافية لم تحل في مركزها، وفي نصابها ولم تتصل بشكلها، وكانت قلقة في مكانها نافرة عن موضعها فلا تكرهها على اغتصاب الأماكن والنزول في غير أوطانها فإنك إذا لم تتعاطَ قريض الشّعر الموزون ولم تتكلّف اختبار الكلام المنثور، لم يعبك بتْرَكَ ذلك أحدٌ، وإن أنت تكلّفتها ولم تكن حاذقاً مطبوعاً ولا محكماً لسانك، بصيراً بما عليك أو ما لك، عابك من أنت أقلُّ عيباً منه ورآى من هو دونك أنه فوقك فإن ابتليت بأن تتكلّف القوم وتتعاطى الصنعة، ولم تسمح لك الطّباع في أول وهلةٍ، وتعصى عليك بعد إجابة ألفكرة، فلا تعجل ولا تضجر، ودعه بياض يومك أو سواد ليلك، وعوده عند نشاطك وفراغ بالك بأنك لا تعدم الإجابة والموافاة إن كانت هناك طبيعة، أو جريت من الصناعة على عرق فإنّ تمنع ذلك عليك بعد ذلك من غير حادثً شغل عرَض، ومن غير طول إهمال والمنزلة الثالثة أن تتحول من هذه الصّناعة إلى أشهر الصناعات إليك وأخفّها عليك، فإن لم تشتهه ولم تنازع إليه إلا وبينكما نسبٌ والشيء لا يحسن إلا إلى ما يشاكله، وإن كانت المشاكلة قد تكون في طبقات لأنّ النفوس لا تجود بمكنونها مع الرغبة ولا تسمح بمخزونها مع الرهبة كما تجود به مع المحبة والشهوة ٨ ما يجب على الخطيب وما لا يجب قالوا: وينبغي للمتكلم أن يعرف أقدار المعاني ويوازن بينها وبين اقدار المستمعين وبين اقدار الحالات فيجعل لكل طبقةٍ من ذلك كلاماً ولكل حالةٍ من ذلك مقاماً حتى تقسم أقدار الكلام على أقدار المعاني ويقسم أقدار المعاني على أقدار المقامات وأقدار المستمعين على أقدار تلك الحالات فإن كان الخطيب متكلّماً تجنّب ألفاظ المتكلّمين كما انه إن عبّر عن شيءٍ من صناعة الكلام واصفاً أومجيباً أو سائلاً كان أولى الألفاظ به ألفاظ المتكلّمين إذا كانوا لتلك العبارات أفهم وإلى تلك الألفاظ. . . . . . . . . وإليها أحسن وبها أشغف ولأنّ كبار المتكلّمين ورؤساء النّظّارين كانوا فوق أكثر الخطباء وأبلغ من كثير من البلغاء وهم تخيّروا تلك الألفاظ لتلك المعاني وهم اشتقّوا لها من كلام العرب تلك الأسماء وهم اصطلحوا على تسمية ما لم يكن له في لغة العرب اسمٌ فصاروا في ذلك سلفاً لكل خلف وقدورةً لكل تابع. قالوا: وفبيحٌ بالخطيب أن يقوم بخطبة العيد أو يوم السماطين أو على المنبر أو في سدّة دار الخلافة أو في يوم جمعٍ وحفل أما في إصلاحٍ بين العشائر واحتماء دماء القبائل واستلال تلك الضعائن والسّخائم فيقول كما قال بعض من خطب على منبرٍ ضخم الشّأن رفيع المكان: ثمّ إنّ الله عزّ وجلّ بعد أن أنشأ الخلق وسوّاهم ومكّن لهم لاشاهم فتلاشوا ولو. . . . . . المتكلّم. . . . . . إلى أن يفظ بالتّلاشي لكان ينبغي أن يؤخذ فوق يده، وخطب آخرٌ في وسط دار الخلافة فقال في خطبته: وأخرجه الله من باب الليسية فأدخله في باب الأيسية. . . . . . . . . قال: وكما لا ينبغي أن يكون اللفظ عاميّاً ساقطاً سوقيّاً فكذلك لا ينبغي أن يكون غريباً وحشيّاً إلا أن يكون المتكلم بدويّاً أعرابيّاً وكلام الناس في طبقاتٍ كما أنّ الناس أنفسهم في طبقات فمن الكلام الجزل والسّخيف والمليح والحسن والقبيح والسميج والخفيف والثّقيل وكله عربيٌّ وبكلٍّ قد تكلّموا وبكلًّ قد تمادحوا وتعايبوا فإن زعم زاعمٌ أنه لم يكن في كلامهم تفاضلٌ ولا بينهم في ذلك تفاوتٌ فلم ذكروا العيّ والكيّ والحصر والمفحم والخطل والمسهل والمتشدّق والتّفيهق والمهماز والثرثار والمكسار والهمّاز ولم ذكروا الهجر والهذر والهذيان والتخليط وقالوا رجوا تلقاع كثير الكلام وتلهاع متشدّق وفلانٌ يتليع في خطبته وقالوا فلانٌ يخطىء في جوابه ويحلّ في كلامه ويناقض في خبره ولو أنّ هذه المور قد كانت تكون في بعضهم دون بعض لما سمّي ذلك البعض والبعض الآخر بهذه الأسماء وأنا أقول أنه ليس في الأرض كلامٌ هو أمتع ولا أنفع ولا آنق ولا ألذّ في الإسماع ولا أشدّ اتّصالاً بالعقول السّليمة ولا أفتق للسان ولا أجود تقويماً للبيان من طول استماع حديث الأعراب ألفصحاء العقلاء العلماء البلغاء. يروى أن مطرف بن عبد الله كان يقول: لاتطعم طعامك من لا يشتهيه. ويقول: لا تقبل بحديثك على من لا يقبل عليك بوجهه. وقال عبد الله بن مسعود: حدّث الناس ما حدّجوك بأسماعهم ولحظوك بأبصارهم فإذا رأيت منهم فترةً فأمسك قال: وجعل ابن السمّاك يوماً يتكلّم وجارية له حيث تسمع كلامه فلمّا انصرف إليها قال لها كيف سمعت كلامي قالت: ماأحسنه لولا أنك تكثر ترداده فقال: أردده حتّى يفهمه من لم يفهمه قالت: الحد أن يفهمه من لم يفهمه يكون قد ملّه من فهمه. قال عبّاد بن عوام عن شعبة عن قتادة قال: مكتوبٌ في التّوراة لا يعاد الحديث مرّتين. وسفيان بن عيينة عن الزّهري قال: إعادة الحديث أشدّ من نقل الصّخر. وقال بعض الحكماء: من لم ينشط لحديثك فارفع عنه مؤنة الاستماع منك وجملة القول في التّرداد نفسه أنه ليس فيه حد يحصره من العوام والخواص قال تمامة بن أشرس: كان جعفر بن يحيى أنطق الناس قد جمع الهدوء والتّسهل والجزالة والخلاوة وإفهاماً يغنيه من الإعادة ولو كان في الأرض ناطقٌ يستغني بمنطقه عن الإشارة لاستغنى جعفر عن الإشارة كما استغنى عن الإعادة وقال مرّة: ما رأيت أحداً كان لا يتجسس ولايتوقف ولا يتلجلج ولا يتنحنح ولا يرتقب لفظاً كان قد استدعاه من بعد ولا يلتمس التّخلص إلى معنى قد تعصى عليه طلبه أشد اقتداراً ولا أقل تكلّفاً من جعفر بن يحيى. وقال تمامة: قلت لجعف بن يحيى ما البيان: قال أن يكون الاسم يحيط بمعناك ويجلي عن مغناك وتخرجه من الشّركة وتستعين عليه بالفكرة والذي لابدّ منه أن يكون سليماً من التّكلف بعيداً من الصنعة بريئاً من التّعقيد غنيّاً عن التّأويل. قال أبوعثمان أعيب عندهم من دقّة الصّوت وضعف مخرجه وضعف قوته أن يعترض الخطيب البهر والارتعاش والرّعدة والعرق قال أبو الحسن قال سفيان بن عيينة: تكلّم صعصعة عند معاوية فعرق فقال معاوية: بهرك القول فقال صعصعة: إنّ الجياد نضّاحةٌ بالماء. والفرس إذا كان سريع العرق وكان هشّاًكثير العرقكان ذلك عيباً وكذلك هو في الكثرة وإذا أبطأ ذلك وكان قليلاً قيل قد كبا وهو فرسٌ كابٍ وذلك يجب أيضاً. نصائح لطالب الإجادة في خطبه رأيت بما مضى بعض العيوب التي يجب على الخطيب أن يربأ بنفسه عنّا مما ذكره أبو عثمان الجاحظ وهاك الآن قطعةً أخرى له قال: قال بعض الرّبّانيين من الأدباء وأهل المعرفة من البلغاء ممن يكره التّشادق والتعمق ويبغض الإغراق في القول والكلف والإجتلاب ويعرف أكثر أدواء الكلام ودواؤه وما يعتري المتكلّم من ألفتنة بحسن ما يقول ويعرض للسامع من الافتتان بما يسمع والذي يورث الاقتدار من التّهكّم والتسلّط والذي يمكّن الحاذق المطبوع من التّمويه للمعاني والخلاّبة وحسن المنطق. قال في بعض مواعظه: أنذركم حسن الألفاظ وحلاوة مخارج الكلام فإنّ المعنى إذا اكتسى لفظاً حسناً وأعاره البليغ مخرجاً سهلاًومنحه المتكلم قولاً مقنعاً صار في قلبك أحلى ولصدرك أملأ والمعاني إذا كسيت الألفاظ الكريمة وأُلبِست الأوصاف الرفيعة تحولت في العيون عن مقادير صورها وأربت على حقائق أقدارها بقدر ما زيّنت وعلى حسب ما زخرفت فقد صارت الألفاظ في معنى المعارض وصارت المعاني في معنى الجواري والقلب ضعيفٌ وسلطان الهوى قويٌّ ومدخل خدع الشيطان خفيٌّ فاذكر هذا الباب ولا تنسه وتأمّله ولا تفّرط فيه فإنّ عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه لم يقل للأحنف بعد أن احتبسه حولاً مجرَّماًتامَّاًليستكثر منه وليبالغ في تصفح حاله والتّنفيرعن شأنه إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلّم قد كان خوَّفنا من كلّ منافق عليم وقد خفت أن تكون منهم إلا لما كان راعه من حسن منطقه ومال إليه لمّا رآى من رفقة وقلّة تكلّفه قال الجاحظ: فالقصد من ذلك أن تجتنب السّوقيّة والوحشيّة ولا تجعل همّك في تهذيب الألفاظ وشغلك في التّخلّص إلى غرائب المعاني وفي الإختصار بلاغٌ وفي التوسّط مجانبة للوعورة وخروجٌ من سبيل من لا يحاسب نفسه وقال أحد العلماء وجرى شيءٌ من ذكر الخطب وتمييز الكلام: تلخيص المعاني رفقٌ والاستعانة بالغريب عجز والتّشادق في غير أهل البادية نقص والنّظر في عيون النّاس عيٌّ ومس اللحية هلكٌ والخروج مما بني عليه الكلام إسهاب. وكان يقول: رأس الخطابة الطّبع وعمودها الدّربة وحليّها الإعراب وبهاؤها تحبير اللفظ والمحبّة مقرونة بقلّة الاستكراه وأنشد في خطبة إياد يومون باللفظ الخفيّ وتارةً وحي الملاحظ خيفة الرقباء وقد ردّ الجاحظ على من زعم أنّ البلاغة أن يكون السّامع يفهم معنى القائل وجعل ألفصاحة واللكنة والخطأ والصواب والإغلاق والإبانة والملحون والمعرّب كلّه سواءً وكلّه بياناً قال: وكيف يكون ذلك كلّه بياناً ولولا طول مخالطة السّمع للعجم سماعه لمفاسد من الكلام لما عرفه ونحن لم نفهم عنه إلا للنّقص الذي فينا وأهل هذه اللغة وأرباب هذا البيان لايستدلّون على معاني هؤلاء بإكمالهم كما لا يعرفون ركاكة الرّوميّ والصقلبيّ وإن كان هذا الاسم إنما يستحقونه بأنّا نفهم عنهم كثيراً من حوائجهم فنحن قد نفهم بحمحمة ألفرس كثيراً من حاجاته ونفهم بضغاء السّنّور كثيراً من إرادته وكذلك الكلب والحمار والصبيّ الرضيع قال: وكانوا يمدحون شدّة العارضة وقوّة اللسنة وظهور الحجّة وثبات الجهاد وكثرة الرّيق والعلوّ على الخصم ويهجون بخلاف ذلك. ثمّ قال: وهم وإن كانوا يحبّون البيان والطّلاقة والتّحبير والبلاغة والتخلّص والرشاقة فإنهم كانوا يكرهون السلاطة والهذر والتّكلّف والإسهاب والإكثار لما في ذلك من التزيّد والمباهاة واتّباع الهوى والمنافسة في العلوّ والقدر وكانوا يكرهون ألفضول في البلاغة لأنّ ذلك يدعو إلى السّلاطة والسلاطة تدعو إلى البذاء وكلّ مراءٍ في الأرض فإنّما هو من نتاج ألفضول ومن حصّل كلامه وميّزه وحاسب نفسه وخاف الإثم والذّمّ أشفق من الغرارة وسوء العادة وخاف ثمرة العجب وهجنة القبح وما في حبّ السمعةمن ألفتنة وما في الرّياء من مجانبة الإخلاص قال: وكانوا يأمرون بالتبيّن والتثبّت وبالتحرّز من زلل الكلام ومن زلل الرأي ومن الرأي الدبّري والرأي الدبّري هو الذي يعرض منه الصّواب بعد مضي الرأي الأول وفوت استدراكه وكانوا يأمرون بالتحلّم والتعلّم وبالتّقدّم في ذلك أشدّ التّقدّم. قال: أوصيك أن لا تدع التماس البيان والتبيين إن ظننت أنّ لك فيهما طبيعةً وأنهما يناسبانك بعض المناسبة ويشاكلانك في بعض المشاكلة ولا تهمل طبيعتك فيستولي الإهمال على قوة القريحة ويستبدّ بها سوء العادة وإن كنت ذا بيانٍ وأحسست من نفسك بالنّفوذ في الخطابة والبلاغة ويقوة المنّة يوم أحفل فلا تقصّر في التماس أعلاها سورةً وارفعها في البيان منزلةً ولا يقطعنّك تهيّب الجلاء وتخويف الجبناء ولا تصرفنّك الروايات المعدولة عن وجوهها والأحاديث المتنأولة على أقبح مخارجها فإن أردت أن تتكلّف هذه الصّناعة وتنسب إلى هذا الأدب فقرضت قصيدةً أو حبرت خطبةً أو ألفت رسالةً فإياك أن تدعوك ثقتك بنفسك ويدعوك عجبك بثمرة عقلك إلى أن تنتحله وتدّعيه ولكن اعرضه على العلماء في عرض رسائل أو إشعارٍ أو خطبٍ فإن رأيت الأسماع تصغي له والعيون تحدّج إليه ورأيت من يطلبه ويستحسنه فانتحله فإن كان ذلك في ابتداء أمرك وفي أول تكلّفك فلم ترَ طالباً ولا مستحسناً فلعله أن يكون ما دام. . . . . . قضيباً أن يحلَّ عندهم محلّ المتروك فإن عاودت أمثال ذلك مراراً فوجدت الأسماع عنه منصرفة والقلوب لاهية فخذ في غير هذه الصناعة واجعل رائدك الذي يكذّبك حرصهم عليه أو زهدهم فيه. فقال: وقد يكون الرجل له طبيعة في الحساب وليس له طبيعة في الكلام ويكون له طبيعة في التجارة وليس له طبيعة في ألفلاحة ويكون له طبيعة في الحداء أو في التعبيرات في القراءة بالألحان وليس له طبيعة في الغناء وإن كانت هذه الأنواع كلّها ترجع إلى تأليف اللحون ويكون له طبيعة في الناي وليس له طبيعة في السرناي ويكون له طبيعةٌ في القصبتين المضمومتين ويكون له طبع في صناعة اللحون ولا يكون له طبع في غيرها ويكون له طبع في تأليف الرسائل والطب والأسجاع ولا يكون له طبع في قرض بيت شعر ومثل هذا كثيرٌ جدّاً وقال: ليس في الأرض كلام هو أمتع ولا أنفع ولا آنق ولا ألذّ في الأسماع ولا أشدّ اتصالاً بالعقول السّليمة ولا أفتق للسان ولا أجود تقويماً للبيان من طول اتماع حديث الأعراب ألفصحاء العقلاء والعلماء البلغاء وقد أصاب القوم في عامّة ما وصفوا إلا أنّي أزعم أنّ سخيف الألفاظ مشاكلٌ لسخيف المعاني وقد يحتاج إلى السخيف في بعض المواضع وربما أمتع بأكثر من إمتاع الجزل ألفخم ومن اللفاظ الشريفة الكريمة من المعاني كما أنّ النّادرة الباردة جدّاً قد تكون أطيب من النّادرة الحارّة جدّاً وإنما الكرب الذي يختم على القلوب ويأخذ بالأنفاس النادرة ألفاترة التي لا هي حارّة ولا هي باردة وكذلك الشعر الوسط والغناء الوسط وإنما الشّأن في الحارّ جداً والبارد جداً وكان محبر بن عباد بن كاسب يقول: والله لفلانٌ أثقل من مغنً وسط وأبغض من ظريفٍ وسطٍ. قلنا: وهذا يشبه ما قاله لابرويير في كتابه الأخلاق: من الأشياء ما لا يطاق فيه التوسط: الشعر والموسيقى والتصوير والخطاب العامّ. قال إسحاق بن حسّان بن فوهة: لم يفسّر البلاغة تفسير ابن المقفّع أحدٌ سئل ما البلاغة قال: البلاغة اسمٌ جامعٌ لمعانٍ تجري في أمور كثيرة منها ما يكون في السكوت ومنها ما يكون في الاستماع ومنها ما يكون في الإشارة ومنها ما يكون في الحديث ومنها ما يكون في الاحتجاج ومنها ما يكون جواباً ومنها ما يكون ابتداءً ومنها ما يكون شعراً ومنها ما يكون سجعاً وخطباً ومنها ما يكون رسائل. فعامةً ما يكون من هذه الأبواب الوحي فيها والإشارة إلى المعنى والإيجاز هو البلاغة فأما الخطب بين السماطين وفي إصلاح ذات البين فالإكثار في غير خطلً والإطالة في غير إملال وليكن في صدر كلامك دليلٌ على حاجتك كما أنّ خير أبيات الشعر البيت الذي إذا سمعت صدره عرفت قافيته كأن يقول: فرقٌ بين صدر خطبة النكاح وبين صدر خطبة العيد وخطبة الصّلح وخطبة المذاهب حتى يكون لكل فنٍّ من ذلك صدرٌ يدل على عجزه فإنه لا خير في كلامٍ لا يدلّ على معناك ولا يشير إلى مغزاك وإلى العمود الذي إليه قصدت والغرض الذي إليه نزعت قال فقيل له فإن ملَّ المستمع الإطالة التي ذكرت أنها حقّ ذلك الموقف قال: إذا عطيت لكل مقامٍ حقّه وقمت بالذي يجب من سياسة ذلك المقام وأرضيت من يعرف حقوق الكلام فلا تهتم لما فاتك من رضا الحاسد والعدو فإنه لا يرضيهما شيءٌ وأما الجاهل فلست منه وليس منك ورضا جميع الناس شيءٌ لا ينال. علم الماني رأينا في العهد الأخير حركة مباركةً نحو العمران في هذه الدّيار فقد فتحت في دمشق وبيروت وحلب والقدس ويافا وحمص وحماه وطرابلس وغيرها شوارع وجادات واستجدّت الهمّة لتغيير صورة المدن القبيحة بصورٍ جميلةٍ من الطّرز الجديد في البناء وشعر القوم وولاة امرهم بأنّ الطّرز العتيق في الأبنية ينبو عنه النظر ولا يسدّ الحاجة المطلوبة في البناء ولا ينمّ عن ذوقٍ بحيث أصبحت مدننا بعد ضياع فن الهندسة منها عبارةً عن قرى حقيرة واكنها واستعيض عن الحجر والآجرّ بالطين واللبن مما يسّع إليه البلا والحريق والشرّ الأعظم في تراجع العمران في هذه البلدان عدم الاحتفال بفن هندسة البناءأو علم المباني فأصبح كلّ امرئٍ وما يختاره من البناء يبني على ذوقه بحيث لا تكاد تجد في أكثر المدن الداخلية أبنية من القرن الثاني عشر والثالث عشر هجرية إلا كئيبةً ينفر منها الذّوق وتتجافى عنها العين ولاتقوم بما تقوم به المباني في البلاد الممدّنة من الاقتصاد في النّفقة والرّاحة للسّاكن وجمال الدّاخل والخارج ولا ينافي ذلك كون بعض الدّور الجميلة داخل البلاد ولاسّما في دمشق جميلةٌ مزخرفةٌ تتوسطها أحواض الماء الدّافق وتعرّش على حوائطها النباتات والزهور وقد جعلت طابقين طابق أسفل للصيف وطابق أعلى للشتاء فإن هذه الدور قليلة العدد لاتكاد تجد في الحيّ الواحد داراً أو دارين منها أما الحوانيت والمخازن فالجيّد منها أقل من القليل. علم البناء هو علم إنشاء المباني على نسبةٍ معيّنةٍ وبحسب قواعد مقررة يجب أن يكون كلّ بناءٍ نافعاً من وجوهٍ فإن الحاجات المادية والإلهامات الروحية وطمأنينة المرء تملي على المهندس مجموع الخطة أو التّصميم الذي يطلب منه وتقسيم داخل البناء واتّساعه وغناه أوفقره ومن أجل ذلك انقسمت المصانع المعاهد كما قال الإفرنج منذ القدم حتّى زماننا إلى ثلاثة تقسيماتٍ كبرى وهي الهندسة الدينية والهندسة المدنية والهندسة الحربية. كانت مصر وآسيا مهد علم المباني وأجمع الباحثون أن أهرام منفيس أقدم المصانع التي عرفناها وأبا الهول المنحوت في الصخر في الجيزة القائم تحت رجليه معبدٌ من الصوان والرّخام الأبيض لا يتأتى فصله عن الأهرام ولم تعرف المسلات في مصر إلا على عهد الدولة الثانية عشرة من دول ألفراعنة وارتقت الهندسة المصرية زيادةً عن ذي قبل على عهد الدولة التاسعة عشرة والدولة العشرين. ظهرت الهندسة في بابل ونينوى في بناء السدود والأسوار أولاً وحازت حدائق سميراميس ومعبد بعل شهرةً مستفيضةً وبحقٍ ما اشتهرت ولم يقض على بنيانها ويدخل البلاد إلى تضاعيفها إلا ما جعل فيها من القرميد. وكان للمعادن شأنٌ عظيمٌ في معاهد الفينيقيين واليهود وكانت الهندسة الهندية تتمثل في معابد الهند ومدافنها وبيوت أصنامها. وعُرفت أثينا بأنها مهد الانقلاب الهندسي في العالم فبلغت فيها الهندسة في عهد بركليس وفيدياس أرقى درجاتها وتمثل الذوق اليوناني في المعابد أكثر من أي شيء وأثّر في هندسة الغرب حق التأثير. وتفنن الرومان في البناء وخلّفوا في كل مكانٍ امتدّ سلطانهم عليه من آثار الهندسة في الطرق والمجاري والأسوار والمسارح والحمامات ما شهد لهم باتساع ألفكر والهندسة العملية والمتانة في العمل. ولما انتشر الدين المسيحي واعتُبر ديناً لإمبراطورية الرومان على عهد قسطنطين أخذ المسيحيون يبنون معابدهم على مثال معابد الوثنيين مع تزيين ظواهر البناء وتضاف إليها أبراجٌ وقبابٌ للأجراس. وتفنن البيزنطيون بالنقوش في البناء ويدخل فيها الرّخام والمعادن والفسيفساء وكنيسة آياصوفيا في الأستانة وهي أجمل مثالٍ من هندسة الكنائس في القرن السادس. قال العارفون من ألفرنجة: لم يخترع العرب أبنية خاصة بهم بل تجلى في هندستهم حبهم للزخرف واللطف واخترعوا القوس المقنطر ورسم البيكارين وكان تفننهم في هندسة القباب والسقوف والمعرشات من الأشجار والأزهار مماجعل لجوامعهم وقصورهم بهجةً لا يبلى على الدّهر جديدها ودلت كل الدلالة على إيغالهم بالنقوش والزينة كأن أبنيتهم ومصانعهم هي قماشٌ من أقمشة الشرق تفنن حائكها في رقشها ونقشها. جاء القرن الثاني عشر في أوروبا وهندسة البناء تنتقل من طورٍ إلى طور حتى إذا كان القرن الخامس عشر كانت إيطاليا بفضل نهضتها صاحبة المقام الأول في الهندسة وعن هندسة معاهدها ودورها نقل لفرنسيس والإسبان ولإنكليز والألمان والسويسريون. ومن أمم أوروبا من أضاعت أصولها القديمة في البناء واتخذت من أصول الطليان نموذجاً حسناً سارت عليه كما لا تزال الأمم تتخذ من طرز الهندسة العربية الأندلسية نموذجاتٍ إلى هذا العهد ومنها محطة السكة الحجازية الحديثة في دمشق وهي أبدع بنايةٍ حديثةٍ في هذه الحاضرة ولو سار الناس على نموذجٍ معيّنٍ في البناء لكانت مصانعنا ودورنا جميلةً كمصانع الإفرنج وبيوتهم ولم يوفّق في ذلك بعض الشّيء إلا أصحاب البيوت المحدثة في بيروت ولبنان والقاهرة والإسكندريّة والأستانة وسلانيك وغيرها من الساحل. ولو تطلّعنا إلى الصين لرأيناها منحطّةً في هندستها ومثلها اليابان تأثرت في هندستها القديمة بجوارها الصّين ولكنّ بناياتها الحديثة حسنةٌ كالهندسة الأوروبية قال مهندسٌ مصريٌّ: إنّ ما تفهمه العامّة في المدن الصّغرى من أنه لا فرق بين المهندس المعماريّ والبنّاء وكثيرٌ من البنّائين الذين عندهم بعض الذّكاء والمعرفة يقومون بكثيرٍ من الأعمال ليس على حقيقته. فالمباني ليست بهذه السهولة التي اختبروها. نعم إنّ كلّ إنسانٍ قادرٌ على أن يفصّل منزله الذي يرغب في سكناه ويتخيّله ولكنّه لا يدري كيف يجعل شكل واجهته جميلاً فمنهم من يفتكر أنّ حسن المباني بكثرة الزّخرف فيملؤها به فتظهر كشكولاً قبيحاً من الأشكال المتنافرة تدلّ على خفّة واضعها. ومنهم من لا يفكّر في ذلك مطلقاً إلا بعد تمام بنائه فلا يدري كيف يفعل إذ يظهر له كثيرٌ من العيوب وللمطّلع أن يردد طرفه في شوارع القاهرة فيرى ما يدهشه من مثل هذه المباني فإذا زار القاهرة أحد المهندسين الغرباء لأول مرّةٍ فإنه يدهش كثيراً إذ كان يتخيّل قبل رؤيتها مدينةً شرقيّةً جميلةً من الطراز العربيّ التركيِّ وألفرعوني فإذا به يرى خليطاً مدهشاً من المباني لا يدري كيف يعبّرعنه فإذا دقّق النظر في كلّ بناءٍ على حدته وجد اختلافاً عظيماً بينها فبعضها مصنوعٌ على أتمّ ما يكون وهو القليل وبعضها مضحكٌ بل منفّر لا يقدر محبُّ ألفنون الجميلة أن يطيل النظر إليه إلى غير ذلك من مختلف الأشكال والألوان فإذا فحصها لا يرى في ترتيبها ونظامها مشابهةً مطلقاً فيعرف بذلك أن لا قوميّة لهذه البلاد ولا ارتباط ف أذواق أهلها وقد يلاحظ أيضاً في بعض العمارات أنّ أصحابها ليست فيهم القدرة على بنائها فلذلك حذفوا كثيراً مما كان متمماً لها ابتغاء الإقتصاد ولا يهمهم إلا أن تكون لهم عماراتٌ كبيرةٌ من غير أن يلتفتوا إلى جودة أدواتها ودقّة صنعها ومنهم من يريد أن يجعل مبانيه في غاية المتانة والإتقان فيكثر في الإنفاق عليها دون فائدةٍ وفي كلتا الحالتين تظهر مبانيهم في غاية القبح يظهر أنّ كثيراً منهم ينقصهم المنطق والانتقاد بل ويزيد فيهم الإهمال والتهون والجهل فإنّ بعضهم يأخذ عمله عن رسومٍ إفرنجية ويريد أن يعمل على شكلها ويحب انيتفلسف فيها فيحذف المهم ويضيف ما يرى انه حسنٌ فيظهر عمله مشوّهٌ وهو يظنّ أنه جاء بما لم يأتِ به الأولون علم لامباني فنٌّ من ألفنون الجميلة بل هو أحسنها فإذا قارنّا بينه وبين الموسيقى نجد أنّ كليهما مطربٌ للإنسان فالأول مكوّنٌ من نغماتٍ غير متنافرةٍ منتظمة الأوقات والثاني مكوّن من تراكيب وأوضاع غير متنافرة الأجزاء يظهر الأول مذببات العدد والأوتار يحملها الهواء إلى الآذان فيطرب به الإنسان ويظهر الثاني الظلّ والضوء واللوان فتراها العين في أتمّ ما يكون موضوعةً بنسبٍ محفوظةٍ ما بين مزخرفٍ وبسيطٍ تظهر عليها المتانة والراحة فتشتاق إليها النفس فكلا ألفنّين جميلٌ غير أن الأول تذهب محاسنه في الهواء وبعد ذهابها لا بشعر بها وتبقى محاسن الثاني ما دام لها ظلٌّ لا يحتاج الموسيقار في تركيب دور الموسيقى إلا لمعرفته النغمات والأزمان وانطباقها على معنىً ما يلحّنه من فرحٍ وطربٍ ولوعةٍ وحزنٍ ولكن في عمل البناء صعوباتٌ جمٌّة من بين فحص الأدوات المختلفة ووضعها وعمل حساب أثقالها ومقاومتها وجمعها وعلى ذلك فإنّ فنّ البناء هو أصعب ألفنون الجميلة وأحسنها وهو في الحقيقة أول شيءٍ يبحث عنه في كلِّ فنٍّ وهوجوابٌ لهذا السؤال الخطيرأوجد لي محلاًّ جميلاً يليق بفنّي أو عملي وأنت ترى تقدّميفيجب والحالة هذه أن لا يعهد في الأعمال إلا إلى المهندسين ألفنيين الأكفاء لا إلى المعلّمين والصنّاع كما هو شأن معظم من يبني في هذا القرن الرابع عشر في بلاد الشّام وياللأسف ومما يجب أن يلاحظ في هذه المباني حين عملها جودة أدواتها وتحكيم ترتيباتها ودقّة زخرفها ومجانسة وكمال تركيبها العموميّ وطرازها وملائمتها لما يحيط بها ووجود كل ما يحتاج له في محتوياتها وتخطيطها وتناسب كلّ ذلك بعضه مع بعضٍ وليس في كلّ ذلك من بأسٍ على المهندسين فإنهم معذورون بل المسؤول في ذلك هم أصحاب هذه المباني فإنهم يضنّون بالقليل أجرة أتعاب المهندس الذي يضع لهم تصميماً تامَّاً عن مبانيهم ويفكّرون أنّ ذلك شيءٌ لا ضرورة له ومن ذلك ظهرت هذه النتيجة المعيبة في الأبنية إنّ الذين يحكمون على الأمة ليس لهم إلا الظّاهر منها وأنّ أول شيءٍ يظهر لهم هو حالتها الاجتماعية وكيفيّة معيشتها ومبلغ مدنيّتها وذلك لا يظهر إلا في مبانيها فإذا كانت مستكملةً الشروط حكموا لها بالّقيّ وإلا فيحكمون عليها بالجهل والانحطاط وربما يعترض بعض المطّلعين بقولهم إنّا عهدنا لبعض المهندسين بأعمالنا فقدّموا لنا رسوماً لمبانينا ولكنّا بعد أن أتممنا بناءها وجدنا شكلها ليس كما يرام فيجاب على ذلك بجوابين: الأول أنهم ضنّوا على مهندسيهم بجميع قيمة أتعابهم. الثاني: إنّ الرسوم المقدّمة إليهم كانت بنسية تلك الأتعاب ونتيجة ذلك أنّ الرسم المقدّم إليهم كان الشّكل التخطيطي فقط وليس ذلك بالكفاية خصوصاً وأنهم لم يفهموه في الغالب وهم في ذلك معذورون والمهندسون لا يمكنهم تقديم رسوم مستكملة الشّروط بهذه الأتعاب القليلة والنتيجة أنه يجب عمل الرسوم اللازمة لأي بناء قبل الشروع فيه ويجب أن تكون الرسوم المقدّمة من المهندس أربعةً على الأقل أولها المسقط الأفقي ثانيها شكل أهم واجهة في البناء ثالثها قطّاع رأسي عن جميع البناء مبيّنٌ فيه الإرتفاعات وغير ذلك رابعها رسم تفصيلي عن أهم ما يراه المهندس في البناء وبعد فإن المانع في فلسفة ألفنون الجميلة من أن نقول هذا البناء بلغ حدّ الكمال لم يزل إلى الآن ولا ندري إن كنّا بلغنا درجةً محسوسةً في الرّقي تظهر آثارها لمن يأتي بعدنا أو لا فإنا لم ننسى الزمن الماضي ومبانيه وقد بقي منه كثيرٌ من القصور الكبير إلى الآن فإذا نظرنا واجهة إحداها التي كانت في زمانعا آية الآيات في الزخرف والرواء عند صانعيها نقابلها الآن بابتسامةٍ فهل ما نصنه اليوم ونظنّه جميلاً سيقابل من رجال المستقبل بهذه الابتسامة أيضاً؟ لا ندري: ولكن الذي يجب علينا هو أن نصنع أعمالنا على قواعد أساسية يقررها العلم ويستحسنها العقل وترتاح لها النفس حتى إذا جاء الذي بعدنا ونظر عملنا يعتقد أننا كنّا نشتغل بفكرٍ وعلى قواعد ويكون ملزماً باحترام أعمالنا كما نحترم نحن الآن الآثار الجميلة التي تركها ألفراعنة والعرب التي هي موضع الإعجاب لعهدنا عندنا وعند غيرنا إنّ الحكم على شيءٍ أو المقارنة بينه وبين شيءٍ آخر هو فرعٌ عن تصوّره وذلك لا يكون إلا نتيجة مبلغٍ رقيّ المقارن في الهيئة الاجتماعيّة ومبلغ علمه فيما سيحكم فيه فما علينا إلا أن نجتهد ونرقى ونعرف وبعد ذلك نحكم فيكون حكمنا على أساس متينٍ يقبله العقلاء وتطأطئ له الرؤوس المنزل مأوى الإنسان مع أهله بل هو المملكة الصّغيرة التي تدبّرها مدبّرته وهو ذلك الحريم الشّرقيّ الذي تعيش فيه المرأة الشّرقيّة مع أولادها بل المدرسة الأولى لأفراد الأمة المستقبلة وهو المكان الذي يأوي إليه ربّه بعد تعبه من أشغاله فيجد فيه الراحة والهناء. فيجب والحالة هذه أن يكون محتوياً على جميع أسباب الراحة مستوفياً جميع الشّروط الصحّيّة سواءً كان ذلك في البيوت داخل المدن أو في المنازل الخلويّة أو في طباق العمارات الكبيرة إنّ رقيّ الأمة أو وجوب رقيّها يضطرّها إلى تغيير النّظام الذي سارت عليه في القرن الماضي لإيجاد المحالّ الكافية من كلّ وجهةٍ لمعيشة عائلةٍ شرقيّةٍ إسلاميّة أخذت ترجع إلى المعيشة الديمقراطية ثم سهولة الأعمال العظيمة بواسطة العدد والإختراعات الحديثة تساعدنا على إنشاء هذه المحالّ بأشكالٍ جميلةٍ ونظامٍ تامٍّ حتى يجد الأفراد فيها راحتهم وسرورهم. يلاحظ المهندي المعماري قبل وضع تصميمه شيئين: الأول ملاحظة عموميّة والثانية تفصيلية وكلتا الملحوظتين تنقسم إلى عدّة أقسامٍ فالأولى يجب على المهندس أن يضع نصب عينيه - نقطة البناء وشكلها - منظر واجهته وتلافيها بالنظر - استقلال محلاّته - الاقتصاد الممكن في البناء وكذلك مراعاته للسكان - ما يقي السكّان عند حدوث الخطر - ملاحظة المفروشات ونظامها - وحفظ الصّحّة ومراعاتها. الثانية تفصيل المحالّ من غرفة استقبال الرجال أو المطالعة وغرفة النوم والملابس والحمّام وما يتبعه وغرفة أشغال ربّة المنزل وأخرى لاستقبال السّيّدات وغرفة الأطفال والمطبخ والأنبار وغرفة الأكل. . الخ ولا يوجد قانون لجمع هاتين الملحوظتين وفروعهما وإنما يأتي ذلك بقوة ومهارة المهندس الذي يضع التّصميم ومبلغ ذكائه وخبرته وعليه أن ينظر لكل نقطة من هاتين الملحوظتين وغيرهما ويهيّئ لها جميع الأفكار التي تناسبها في خاطره ثم ينتقي أحسنها وعليها يبرز تصميمه وبعد فلا تدخل المدن الشّاميّة في طور العمران الحقيقي إلا إذا جعل مصوَّرٌ عامّ لكل مدينةٍ لا يسمح لأحدٍ أن يبني إلا بحسب ما تقرر. وان يشتغل المعول زمناً في هدم الحلل والأحياء والأزقة الضيقة والدور الكئيبة مع ملاحظة السكّان وحالة البلاد واتباع سنّة التدريج وأن لا يبني الباني داره ولا حانوته ولا مصنعه إلا بحسب الطراز الذي ترسمه البلديات والأبعاد التي تعيّنها للجادّات ومن الغريب أنّ جميع مدن سورية ليس لها خريطةٌ سوى مدينة حلب وما عداها فيبني البانون فيها بحسب رغائبهم يختارون الطراز الذي يروقهم ويلتئم مع مصلحتهم المؤقتة ويبعدون عن الشارع أو لا ينحرفون عنه بحسب ذممهم وقلّ أن شاهدنا بلداًً من بلادنا أحسّ بسلطة مهندسي مجالس البلديّة عليه وكثيراً ما يعينه المهندس على ضلالته لقاء عرضٍ قليلٍ يبتاع به ذمّته. فإذا وفِّق رجال الإدارة إلى تتميم ما بدأوا به من هذا القبيل لا يمضي نصف قرنٍ على الأكثر حتى تصبح مدن الشّام بل قصباتها الصغرى عامرةٌ مستوفاةٌ شروط الذّوق والراحة وافيةً بالمراد من حيث الصّحّة والغناء ونشير على كلّ من تحدّثه نفسه بإقامة دارٍ أو حانوتٍ أو مصنعٍ أو قهوةٍ أو مسرح أو فرنٍ أو معملٍ أن لا يشرع بعمله قبل أن يفزع إلى مهندسٍ ماهرٍ ولا يتطلّب من أرباب هذا ألفنّ الذي يرتضي بالقليل بل يؤثر الذي يتناول أجرةً جيدةً ويعمل ويعمل عملاً يماثله وبذلك يتوفّر عليه ماله وتبقى بنايته القرون قائمةً تتوارثها أعقابه من بعده وكلما طال عليها العهد حلت وأصبحت لها قيمةٌ وأصبحت لها قيمةٌ فيكون كمن استرخص طبيباً وطبّ الأرواح كطبّ الأشباح متلازمان ولولاهما لما عاش إنسانٌ ولا حيوانٌ ولخرب العمران وابذعر السكان. إنّ بيوت مهاجرة الإسرئيليين في يافا وجاليةالألمانيين في حيفا أعظم معلّمٍ لمهندسينا وأهل الأملاك فينا ينظرون كيف أنشأ بانوها من ألفقر غنىً ومن العدم راحةً وجمالاً وزخرفاً ورفاهيّةً. أعلام المدن والبلدان لا خفاء أنّ كثيراً من الدواعي القديمة والحديثة والآتية تتخذ أسباباً لأسماء البلدان والمدن والأماكن على اختلافها واختلاف اللغات والقبائل والزمان والمكان ونحو ذلك من المؤثّرات التي تعمل في الإعلام عمل المؤثّرات الطبيعية من حرارةٍ وبرودةٍ ونحوهما في سيّارنا الأرضي فتقلب الجبال سهولاًوالسهول تلالاً واليابسة بحاراً والبحار يابسةً حتى إنك إذا درست طبقات الأرض وأنعمت فيها النّظر توصّلت بالبحث إلى استطلاعٍ تلك ألفواعل وتعاقبها وما سبّبته البراكين والزلازل والمؤثّرات الأخرى مهما كانت. فتقف حائراً عندها مسبِّحاً الخالق الذي أعطاك عقلاً مدقّقاً وأرشدك إلى معرفة العلل والأسباب لتقتنع وتلتذَّ بما تكتشفه من مبهماتٍ الشؤون وغرائب الحوادث ومن الثّابت أنّ تأثير العبادات وتيّار الأديان وتعاقب ألفاتحين وتداخل اللغات أو تزاحمها هي من أهمّ هذه ألفواعل في أعلام الأماكن فترى الأمّة التي تقف على عَلَم مكانٍ كان قد وضعه من قبلها أمّا تحوّله إلى لغتها أو لغة جيرانها أو تتمحل له سبباً بغويّاً آخر لتمييزه ومعرفة معناه أو داعي تسميته. ثم تأتي أمّةٌ أخرى بعدها تطرّس على آثارها فتنقض رأيها وتؤيّد رأياً جديداً لها فيه نظرٌ آخرٌ أو تقتفي أثرها بنقل سبب تلك التسمية على علاّتها فيقع الإشكال في ردِّ الأعلام إلى نصابها وإرجاع الألفاظ إلى مظانّها ومعرفة اللغة التي وضع فيها العلم وما كان القصد من وضعه إلى ما يساوق مثل هذه التّعليلات ويدخل في حيّز اللغات الميّتة أو الحيّة ويرشد الباحث إلى الوقوف على ما هو الأرجح والأثبت. ولا سيّما إذا كان قد درس علم الآثار القديمة الأركيولوجي والأساطير مثولوجية وعلم الأزمنة والأعداد التاريخيّة الكرونولوجية وعلم مقابلة اللغات وعلم الديانات ونحو ذلك من العلوم التي لها أكبر علاقةٍ في معرفة الأمم وعباداتها ولغاتها وتعاقبها ولقد وضعت تواريخٌ كثيرةٌ مطوّلةٌ لسورية وبعض مدنها وبلدانها مثل تاريخ زحلة الذي طبع و تاريخ سورية المجوَّفة أي سهل بعلبك والبقاعين و تاريخ قضاء المتن وغيرها مما لم يطبع وحللت فيها أسماء القرى والأماكن تحليلاً تاريخيّاً أثريّاً لغويّاً يبيّن شؤون القدماء وعباداتهم ومن هذه المؤلّفات اقتطفت هذه المقالة الآن. فإذا بحثا في أسماء القارّات العظيمة نجد أنّ اسم قارّة آسية إما من كلمةٍ شرقيّةٍ قديمةٍ بمعنى النّور أو من كلمة إؤس اليونانيّة بمعنى ألفجر. وإما باسم آسية في الأساطير وهي ابنة أوقيانوس وكلٌّ من هذه الآراء هو ممكنٌ لما غي اشتراك التّسمية كما لا يخفى. والاسم اليوناني فيها أرجح لسكنى اليونان فيها قديماً واسم قارّة إفريقية ربّما كان فينيقيّاً بمعن ألفرَق أو المهجر لأنّ القرطجنيين منهم أول من أطلق عليها هذا الاسم لافتراقها عن قرطجنة مستعمرتهم وأما لأن فرقة القرطجنيين نزلتها وتديَّرتها أو لمهاجرتها إليها وكلٌّ من اسمي آسية و إفريقية وغيرهما كما لا يخفى أطلق على القسم الذي نزلته أمّة اليونان في آسية الصغرى أو برّ الأناضول والقسم الذي نزلته الأمّة ألفينيقيّة وهو شمالي إفريقية حيث تونس والجزائر وطرابلس الغرب. فسمّي الكلّ باسم البعض مجازاً وعذا كثيرٌ في التّسميات المكانيّة وغيرها واسم قارّة أوروبا إمّا نسبةٌ إلى أوروبة ابنة آجنور ملك فينيقية لأنّ المشتري جوبّيتير حملها إلى هناك في زعمهم. وإما من كلمة فينيقية بمعنى البياض لبياض لون سكّانها أو محرَّف عروب أو أربة ألفينيقيّة أيضاً بمعنى الغروب والظّلمة لوقوعها غربي آسية واسم قارّة أميركة نسبةً إلى أميركيوس ثسبوستيوس التّاجر الفلورنسي المتوفّى سنة ١٥١٢ م لأنّه أول من وصفها بعد اكتشاف كريستوفورس كولمبس لها وكان حقّها أن تسمى باسم مكتشفها ولكن تأثير اسم الثاني كان اعمّ فغلبت التسمية به وسمّيت أقسامٌ فقط منها باسم المكتشف مثل كولومبية فتأمّل: وتسمّى العالم الجديد لجهل القدماء لها و جزائر الهند الغربية لأنّهم ظنّوها من الهند في أول الأمر واسم قارّة أوسترالية لاتيني من أوسترالس بمعى الجنوب واسم قارّة أوقيانية نسبةً إلى الأوقيانوس المحيط لأنها واقعةٌ فيه والأوقيانوس في الأساطير القديمة نهرٌ عظيمٌ كانوا يعتقدون أنه يحيط باليابسة. هذا هو المشهور في تسمية القارّات السّتّ وهناك أقوالٌ أخرى وأقوالٌ متلوّنة تراها بعيدةً عن الصحّة نافرةً عن مضاجع التحقيق. ولعلّ الآتين بعدنا يتوصّلون في أبحاثهم وتحقيقهم إلى ما هو أقرب إلى الصّحّة وأدنى على الحقيقة ربّما أنّ القدماء مثل ألفينيقيين واليونان والرّومان كثرت مخالطتهم للأمم ودخلوا معظم القارّات تركوا آثار لغاتهم في أسماء البلدان والمدن وشاعت بين الأمم الأخرى من طريق لغاتهم ومؤلّفاتهم وأساطيرهم ونحو ذلك فمثرت هذه التّسميات ومازجتها امم الكلدان والمصريين والآشوريين والبابليين والحثّيين والفرس والعبران والعرب والتّرك والإفرنج فبقيت آثار تسمياتهم أيضاً ومن كان من هذه الأمم أشدّ حرصاً على حفظ لغته واتّساع نطاقها واستبقاء أسمائها ظفر بأمنيته وأبقى للآتين تأثير فتوحه أو امتزاجه أو عباداته ونحو ذلك مما هو جديرٌ بالاعتبار وحرٌّ بالاستقراء فمن الأعلام ألفينيقيّة بيروت وهي جمع بئر أو اسم الإله ألفينيقيّ بيروت ولا صحّة لما يتمحله كثيرٌ من مؤرّخي الأمم وبينهم العرب من الأسباب الأخرى والمزاعم الإشتقاقيّة التي لا وجه لها من الصّواب في ما مرَّ وما يأتي من مثل هذه التّسميات الأجنبيّة * ومن ذلك البيرة بمعنى القصر والحصن * والمجدل بهذا المعنى ومشتقّااها كمجدليّاً ومجيدل ومجدلون * ونهر المُوت بضمِّ الميم وهو إله الجحيم المسمّى بلوتون * والفرزل بمعنى الحديد * ومالطه * بمعنى الحديد * وقرطاجنة بمعنى البلد الجديد * ونهر ادونيس أي تمّوز وهو نهر إبرهيم وربّما بدادون من بيت أدون ثمّ حذفوه بالإبدال والحذف أو أنّه مركّبٌ من بيت وداد الإله السّامي وأُلحق بأون تبعاً للغة السّريانيّة فكان معناها بيت داد. ومنها بغداد. ومثلها دده في الكورة وبادودة في الصّلت ولعلّها من الإله ألفينيقي ديده ومنها اسم (دَدَن) في بلاد العرب * والبعل ومنه تركّبت أسماء كثيرة مثل بعلبك أي بعل البقاع وبعل فاغور وبعل تامار * وجد من آلهتهم ومنه اسم جدّايل (أي الإله جدّ) وربّما كان إله الحظ وهو اسمه عندنا * ومنها اسم ميّومية وهي بلدة ذات ينابيع فاسمها من المياه * وقبراشمون قرب عيناب على طريق بيت الدين من بيرت وقرية بشامون من بيت أشمون وأشمونأحد مثلّثات الآلهة ألفينيقيّة في صيداء. وهيكل أشمون في صيداء اكتشف في بستان الشبخ فوق وادي نهر الأولى. وأخربة أشمونيت في بطرام الكورة لبنان وهو إسكولاب إله الطّبّ عند عند اليونانيين. وأشمونين في مصر. وأشمونيت عين في ظاهر حلب في جنوبيها قال فيها ابن أبي الخرجين: وهل عين أشمونيت تجري كمقلتيّ عليها وهل ظِلُّ الجنان مديدُ وعلينتحريف عليون أي زحل في جوار زحلة ويترجّح أنّ اسم المدينة من هذا المعبود * وحمّاتا من حمّون بمعنى المحرق وهو من معبودات القرطجنيين ومنالأعلام الكلدانيّة والآراميّة والسّريانيّةالإله قمر ومنها دير القمر * والمعرّة بمعنى المغارة مثل معرّة النّعمان ومعرّة مصرين ومعرّة صيدنايا ومعرّة باش * والكفر بمعنى القرية والحقل ومنها مركّبات أسماء قرى كثيرة مثل كفر عاقب وكفر عقاب * وبيت مريوالأصل موريبمعنى بيت بعل مرقد إله الرّقص * ورشعين وريشعينا ورشميّا بمعنى رأس العين ورأس الماء * وديرأحوبشة بمعنى بيت الحبس * ودمشق بمعنى المزهرة * ورامون إله سرياني تركّبت منه أعلامٌ كثيرةٌ مثل برمّاتا أي بيت الإله رامون. وعين الرّمانة وعرمّان في حوران وتعرف اليوم باسم عرمان * وبيت لهيا بمعنى بيت الآلهة * والكرك والكرخ بمعنى الحصن والمعقل * ونيحة أي المستريحة * واليمّونة تصغير يمّ بمعنى البحيرة * ويونين منيوالإله الكلداني بمعنى نور وأونينأبي البعل ومنالأعلام المصريةاسم الإله فتّاح وراجح أنّ اسم فتوح كسروان نسبةً إلى فتّاح لا إلى فتوحها كما يذكر المؤرّخون والله أعلم * وباب مارع قريةٌ في البقاع مركّبةٌ منماآلهة مصرية ربّة العدل والحقّ أخت رعبمعنى الشمس عندهم أو إله الضوء. أو أنّها محرّف آمون رع بمعنى الشّمس الخفيّة * وآنحور عند المصريين هو مارس عند اليونانيين. وحور إله مصري أيضاً يسمّه اليونان أبلون. ومنه اسم عين حور على طريق دمشق * وآمون إله مصري ربّما كانت بلدة أميون في الكمورة باسمه * وماث نحاسيعين الجرّبمعنى مدينة النحاس * وجبّ جنين منجينونمعبود ومن الأعلام الآشورية مكّة بمعنى بيت ومنها اسم مكّة المكرّمة وتسمّى أيضاً بكّة بالإبدال منبكَّاالدّالّة على قلة الماء أو على اسم نبات بالعبرانيّةبكاومنه وادي بكّة على طريق الشّام * ويثرب أصلهاأثربلد وربّعظيم فحُرِّفَت يثرب * ومأرب فماماءوربعظيم أي السّيل العظيم * وأدَد اسم إله عندهم ولعلّ الحدث محرّف عنها ولاسيّما حدث بعلبك لأنّ فيه هيكلاً قديماً ربّما كان لهذا الإله * وبنو عطارد ومنه اسم قصر نبا في البقاع وكفر نبّو في نواحي حلب وحصن نبو في بلاد العرب * وكيوان بمعنى زحل ومنها مراح كيوان في لبنان وعيتنيت منعنتوتنيتوهما اسم واحد لآلهة آشوريّة عرفت باسم سميرام وربّما كانت عيثا محرّف عنث وعيناتا أيضاً وكلتاهما في سوريا المجوّفة ومن الأعلام البابلية سين بمعنى القمر ومنها درب السين أو دير سين أو دير بسيم شرقي صيداء. وكان له في حرّان هيكلٌ مشهورٌ اتصلت عبادته بسورية وكفر باسين في جبل سمعان غربي حلب والمعنى قرية بيت سين. وطور سينا كانت العرب يعبدونه في الجاهليّة ولعلّ الأيطوريين أي الجبلين العرب حملوا هذه العبادة إلى لبنان * ومردوخ المشتري ولعلّ قرية مدوخة في البقاع محرّفة عنه ومن الأعلام الحثّيّة الحث وهي قرية تابعة لقرية شهباء في حوران * وكمش إله حثّي فكلمة كرك كميش بمعنى حصن كميش وهي على ألفرات. ولعلّ منها عرجموش قرب زحلة وهي المحلّة المعروفة اليوم بالغيضة فهي تحريف كركموش مثل كركميش وكموش إلهٌ مؤابي أدخله الآشوريون في جملة معبوداتهم كما عرف ذلك من الآثار * ومنها للشّاغورومشغرة وجسر الشّغَر قرب حلب ومن الأعلام ألفارسيّة على ما يروى اسم الكعبة كه به وفيل أن مكّة تحريف مه كه أي معبد القمر * وقِبلة تحريف كابلاّ اليونانية بمعنى المعبد * وألفريديس ومنها فريديس حلب قرب قنسرين وفريديس الباروك وفريديس دمشق * ويرجّح أنّ الإشبانية فارسيّة بمعنى الحمر جداً من شبانة أي الخمر المشروبة ليلاً * والإيوان ومنها إيوان كسرى * والبرذون تحريف بَردَن بمعنى الإشتداد في العدو ولعلّ أسم نهر البردوني في زحلة منها. أو انه تصغير بَرَدى بمعنى البارد * والجمهور بمعنى الجماعة وهو اسم قريةٍ بظاهر بيروت فيها موقف القطار الحديدي * والجورة الحفرة أو القبر ومنها جورة البلّوط اسم قرية * والقوقاز بمعنى الأبيض ومن الأعلام العبرانيّة حيفا بمعنى الفرضة والمر. . . . . . . وعميَّق بمعنى العمق * ومكسه بمعنى الضّريبة على البضائع * والبقاع بمعنى السهل * وحوران بمعنى المغاور ومنها قرية كفر حورا في الزّاوية بمعنى قرية المغارة وكفر حوار قرب دمشق * وأرجح أن عنجر عبرانية بمعنى عين الغريب ومن الأعلام اليونانيّة طرابلس بمعنى المدن الثلاث لأنها كانت في العصر ألفارسي مقرّاً للمجلس المتّحد المؤلف من مندوبي صيدا وصور وأرواد وكلٌّ يقيم في قسم من المدينة فسمّاها اليونان تريبولي بمعنى المدن الثلاث وحُرّفت طرابلس وهي اثنتان في الشّام وفي بلاد المغرب ومنها تربل قربها في البقاع * وقنّوبين تحريف كنوبيون أي المجتمع والمنتدى * والفيجة تحريف بيجه بمعنى الينبوع ولعلّكلمة بجه في لبنان وبجة في حوران تحريفها أيضاً * وقب إلياس من قب إليوس بمعنى مركز الشّمس. وبر إلياس ابن الشّمس وأنطلياس بمعنى مقابل الشمس وبرجيليوس جبل النصيرية بمعنى برج الشمس وبوسفور ممر البقرة * وبرجا وطبرجا بمعنى قصبة المعاملة والديماس بمعنى الغرفة * ومن أسماء آلهتهم بكركة وكركة اسم إلاهة يونانية ساحرة * وطاميش الإله أرطاميس. وبلونه أبلون وبوذيس حُرّف بوذيه في بلاد بعلبك * وذورس إحدى بنات البحر دورس فيها * وصفيّه ابنة البحر ومنها حوش تل صفية * ووادي القرن ترونوس أي زحل. وقرنايل الإله زحل * وصربا سيرابيس * ومنها ماسمّي بأسماء الملوك مثل سلّوقيا السويدية نسبةً إلى دانيها سالوقوس نيقاطور وفيلاذلفية عمّان نسبةً إلى بطليمايوس فيلوقلفوس * وطبريّة إلى طيباريوس وغوطسة إلى أوغسطس وأوغسطة * فضلاً عن تسمياتٍ مختلفة هليوبوليس بعلبك أي مدينة الشّمس * وهيرابوليس منبج وكريسرواس أي مجرى الذّهب لنهر بردى * وكلشيس أوخلقيس عين الجرّ بمعنى مدينة النحاس * والقلمون بمعنى الإقليم والمناخ * وأنتيلبنان بمعنى مقابل لبنان * وكيلوسيري بمعنى سورية المجوّفة ويراد بها السّهل بين جبلي لبنان الشّرقيّ والغربيّ * والأناضول بمعنى الشّرق * وموناستير بمعنى دير * وإيبيروس أرض متسعة * واسطنبول بمعنى إلى المدينة * وكالينولي بمعنى المدينة الجديدة * والأرخبيل رأس البحر * ونابلس نيابوليس بمعنى المدينة الجديدة ومن الأعلام اللاتينية ما هو من هذا القبيل ولعلّ غريفة تحريف أغريب صهر أوغسطوس قيصر أو أغريب الأول * وتيرون من تيرو بمعنى الجنديّ وهي اسم شقيف تيرون أحد الحصون القديمة * والفسطاط تحريف خندق وعسقلان من أسكلانيا أي البصل لجودة بصلها * واللجون مرج بني عامر وهناك قرية لجون حيث كانت تقيم فرقةٌ رومانيّة * وبرقطة في لبنان بمعنى شلاّلة * وقبصريّة نسبةً إلى قيصر مثل قيصرية فيلبس وهي بانياس وقيصرية فلسطين ويقال أنّ غسم كسّارة قرب زحلة هو تحريف قيصيرية ومن الأعلام العربية النّبك وهي أصغر تلّة ارتفعت عن سطح الأرض والجديدة المحيدثة وأنفة وجون وقارة وهي الجبل الصّغير المنقطع والمرج والمريجات وزحلة والمعلقة والمشرع والوادي والبرج والبريج وسوق وادي بَرَدى. وجبل الشّيخ وفم الميزاب. والمشيرفة والأشرفية والمشرفة. والكلمات المركّبة من دار ودير وقصر وأشباهها مثل دار بعشتار أي دار عشتروت ودير الغزال وقصر نبّا أي قصر عطارد فتؤلّف من لغتين فأكثر وهذه الأعلام الممتزجة اللغات كثيرةٌ عندنا ومن الأعلام التركية الزّوق في لبنان وعكّار بمعنى المنزل أدخلها التّركمان الذين حكموا تلك الجهات * وآستانة عتبة * وأسكي شام أي الشّم القديمة وهو أسم بصرى في حوران * ومرسين بمعنى آس * وقرق كليسة أربعون كنيسة * وجركس كوي قرية الشّركس * وقللي برغاس برج برغاس * والجنتلك بمعنى المزرعة وتطلق على الأرض التي هي بإدارة الحكومة خاصّةً مثل الجفتلك السّلطاني * وتوفّي بازار من نوفي اليونانيّة بمعنى جديد وبازار بمعنى السّوق ويقال لها يكي بازار * ونهر قره صوالنهر الأسود * ونهر سودلينهر اللبن ومن الأعلام المؤلّفة من لغات مختلفة حملايا فهو من لفظتين سنسكريتين بمعنى موطن الثّلج * وأمازون هنديّة بمعنى محطِّم القوارب * وبومبي بالبرتغاليّة المرفأ الحسَن ولاصا عاصمة تّبث معناها في لغتهم أرض الآلهةوفي لبنان قرية بغسو لاصّا * وداجون معبود فلسطين سمّيت بإسمه قرى مثل عين الدوق في زحلة وفلسطين * ومُتنا كلمة سومريّة أكّاديّة لبعل عشترت أيّ الزّهرة فأرجح أنّ اسم المتنفي قضاء لبنان والمتينيمنها وكذلك المتن في قضاء المرقب. وإلا فكان هذا الاسم أولى بالجبال العالية كجبل الشيخ وصنين * وقوس إله أدومي عرفه العرب باسم قيس ومنه اسم قوسايا في سوريا المجوفة. . . . إلخ إلى أعلامٍ أُخر ممتزجة من أكثر من لغة واحدة وما أشبهها وهذه آراء حديثة في التّسمية قابلة للتّمحيص والتّحقيق فلعلّ مؤرّخينا المدققين يعيرونها اهتمامهم فيفيدون الباحثين والدارسين فوائد جمّة. والله الموفّق إلى سواء السّبيل وهو حسبُنا ونعم الوكيل. الشّعر التّهذيبي الولد والمدرسة أرى الشّبّان قد ملؤوا المدارس ليكتسبوا معارفها النّفائس فلا يجني العلوم فتىً تربّى بحجر دلالها كالغصن مائس ولا يجني العلوم فتىً تربّى على حسن المآكل والملابس ولا يجني العلوم فتىً تربّى وقد شمخت به كبراً معاطس ولا يجني العلوم فتىً تربّى على أوهامه والعقل طامس فمن طلب العلوم فقد جناها باحيا الليل مجتهداً ودارس يرى النّصب الكثير له هناءٌ ولست تراه في الأبحاث يائس فيلقى في مكاتبه ارتياحاً وتلقاه بها نعم الممارس فبين الكدّ والإهمال فرقٌ كفرقٍ بين راجلنا وفارس وسبحان الذي خلق البرايا صنوفاً غيّرت أصل المغارس فمنهم من غدا ملك الأهالي ومنهم من تسفّل كالأبالس ومنهم من يحبّ الدّهر سلماً ومنهم من يثير حروب داحس ومنهم من يسكنه لجامٌ ومنهم من تحرّكه منافس ومنهم عاقلٌ قولاً وفعلاً ومنهم فاجرٌ للحقّ دائس ومنهم مشبّه الزّنبور لسعاً ومنهم مشبّه النّحل الجوارس ومنهم جاهلٌ للكذب راوٍ ومنهم عالمٌ بالصدّق نابس وبعضٌ عقله كالصّبح نوراً وبعضٌ عقله كالليل دامس فكن لفضائل الأخلاق مرأى وكن لمحاسن الآداب قابس وكن للطافة الأرواح مغنىً وكن لطهارة الأجسام حارس مصنوعات الجيش الصّنائع الدّمشقيّة كانت هذه الحاضرة في جميع أدوار تاريخها محطّ رحال أرباب الصّنائع المختلفة لأنّها أمّ هذا القطر والأقطار التي تليه والأمّ مصدركلّ خير في العائلة. ولقد أُصيبت مصنوعاتها كما تُصاب البلد عادةً بأنواع الاضمحلال وخصوصاً في عهد تيمورلنك الذي خرّب كل بلد عصا عليه واستصحب معه إلى سمرقند أرباب الصّنائع قال ابن عربشاه أخذ تيمور من دمشق أرباب ألفضل وأهل الصّنائع وكلّ ماهر في فن من ألفنون بارع من النّاجين والخيّاطين والحجّارين والنّجارين والإقباعيّة والبياطرة والخيميّة والنّقّاشين والقوّاسين والبازدارية وفي الجملة أهل أي فن كان فتراجعت الصّنائع بعد ذلك العهد في قاعدة البلاد ولم يبقَ منها إلا ما لا غنيةعنه لأهل كلّ بلد مهما انحطّ عمرانه وتفرّق سكّانه. وكانت الصناعات تبعاً للحالة العموميّة إن راقت السّياسة وصفا جوُّ السّلام تكثر حاجيّات الناس فيوجد لها العملة وصنّاع الأيدي بطبيعة الحال وإن كان على ضعفٍ أحياناً والعكس بالعكس. وكانت الصّناعات الدّمشقية تجد في القرن الماضي رواجاً أكثر وإتقاناً أوفر لولم تنازعها مصنوعات أوروبا بلطافتها ورخصها ومنشأ الرّخص استمتاع الأجنبيّ إذ ذاك بامتيازاته فكانت الكمارك التي يؤدّيها على بضاعةٍ قليلة والضّرائب معفى منها جملةً وحقوقه رعية في الحكام ولو كان هو على باطل وخصمه العثماني على حق وقد يحكم له لا عليه أحياناً وبهذا قضي أو كاد على صناعاتنا الوطنية ووقفت مصانعنا الوطنيّة العثمانية ولما نشبت الحرب العامّة انتبه رجال الدّولة للأمر وعرفوا الدّقيق والجليل من نواقصنا فكانت مسألة مصنوعاتنا من أوليّات المسائل التي نظروا فيها فألغوا الامتيازات الأجنبيّة وهناك أخذت تعود إلى مصانعنا بعض حياتها وستقوى أكثر بعد الحرب ثمّ كان منهم أن جمعوا شمل الصنّاع في كلّ مركز من مراكز السّلطنة كما فعلوا في دار الخلافة وضواحيها مثلاً فأخرجوا لوازم الجيش من سلاح ومدافع وقنابر وقذائف وأجواخ وغيرها وجاء حظّ هذه المدينة بعد حظّ الأستانة فجمع الجيش الرّابع فيها شمل الصناعات بعد تشتّتها واستفاد من كلّ قوّة كانت كالنّار مخبوءةً تحت الرّماد لا تحتاج إلاّ إلى يد صادقة حتّى تهتدي إليها وترفع عن وجهها ما يغشاها لينتفع بنورها وحرارتها. محا الجيش الرّابع عن البلاد عار العوز والكسل إذ رأى المواد الأولية كلّها موفورة فيما تنال على أيسر وجه وبقليل من العناية والمعرفة وشاهدٌ في أبناء البلاد بقايا من أهل المهن والصّناعات لا يقف بهم عن المضي في مضمار الرّقي إلا شيء من العناية والتّنشيط. ذكر جودت في تاريخه أنّ جمهوريّة البنادقة كانت ساعدت بإنشاء السفن عدونا علينا فاصطنع في دور صناعتها ما يستعين به على حرب الدّولة العلية فآخذت الحكومة إذ ذاك جمهورية البندقية على عملها المنكر فأجابت هذه ليس للدولة العثمانية أن تؤاخذنا على إنشائنا السّفن في معاملنا وبيعها ممن نحب فإنّ عندها جميع مواد السّفن وهي تستطيع أن تحرج مثل سفننا ولا تحتاجنا ولا غيرنا. وكان هذا الجواب عبرةً للدولة فشمّرت عن ساعد الجدّ وأخذت تنشئ في ذاك الدّور سفنها في معاملها وموادها من حديد وخشب ورصاص وزجاج وحبال كلّها من الرض العثمانية. كانت الحرب الأخيرة أعظم واعظ لنا في هذا السّبيل فانتبهت الحكومة أولاً للوازم الجيش فرأت من الصناعات مالا أثر له عندنا ومنه الموجود ولكن على ضعفٍ يحتاج إلى إصلاح وتعديل ومن الصناعات التي أحياها الجيش الرّابع صناعة القطن المعقّم للجرحى والأغذية المربية من بقول وثمار وصنع القذائف والبيطرة وما يلزمها من الأدوات على الأصول الحديثة ومن الصناعات الموجودة على قلّة نسج الأكياس للتّحميل من القطن وقشر القنّب وصنع الحدّاجات للجِمال والشّقادف لنقل المرضى والجرحى والسّرج للجِمال والخيام واللجم والهمايين من الجلد والقرب والمطرات والأقمشة لألبسة الجنود الضّبّاط من نوع العبا وحياكة الطّنافس والبسط والجوارب والخيام وخياطة الثّياب وصنع الحذية وغيرها وسنتكلّم على معاهد هذه الصّناعات في دمشق معهداً معهداً حسب التّرتيب الذي وقع لنا في زيارتها ونتوسّع في الكلام ماوسعنا المقام تنبيهاً للعاقل وبشرىً للمستبشر وتحدّثاً بالنّعمة وطلباً للمزيد وحثّاً للهمم وتبصرة للمستقبل. التّجارة والحدادة والقنار والقذائف اعتمد الجيش الرّابع في الأعمال الصّناعيّة على ألوفٍ من الجنود السوريين على الأغلب ومنهم منسبقت له معاناة صّناعة من الصناعات وآخرون لاعهد لهم بشيء منها بل تعلّموها منذ دخلوا في سلك الجنديّة المقدّس يوم إعلان النّفير العام. وقد استعمل منهم أولاداً من سن التّاسعة إلى الخامسة عشرة بصفة خرّيجين في تلك الصّناعات وعددهم ثلاثمائة وخمسون خرّيجاً علموا منها ما يناسب صحّتهم ويلتئم مع أعمارهم. وبالنّظر لزكاء أبناء هذه الدّيار ولنظام المصانع التي عُدّوا في جملتها والأعمال المرتّبة التي عهد إليهم أمرها وتنظيم أساليب عيشهم وعملهم برعوا أو أكثرهم في مدّة قليلة ومنهم من أقلعوا عن عادات كانوا ألفوها من مثل التّدخين وغيره ومرنوا على العمل حتّى قلّ الثّرثارون فيهم فأنت إذا دخلت مصانعهم أيّ وقت كان من أوقات العمل المحددة لاتسمع لغواً ولا صوتاً وكلّ عاملٍ أو ماهن يصرف ذهنه إلى ما يعمل فيه مخافة أن يضيع عليه الوقت ولا يكمل حصّته من العمل ولهذه الأخلاق دخلٌ كبير في نجاح هذه الأعمال والعمّال فإنّ العامل الذي يكثر على غير نظام تقلُّ عمالته ويوميّاته أما الذي يصرف كَدَّه لعمله جماةً واحدةً فيرجح عليه في الصّناعات حتى قالوا أنّ الصّانع الإنكليزي يأخذ ضعفي أجرة الصّانع الطّلياني لأن هذا ثرثار لا يحصر ذهنه في عمله ويلتهي بغيره بالضّرورة فعمله نصف عمل. هذا ما لحظناه من أساليب الرّقي الحقيقي الماثلة في مصانع الجيش في دمشق فقد رأينا الحديد يُذاب ويُطرق على أيسر صورة وتعمل منه أدوات العجلات والمحفّات. والأخشاب تُقطع وتُنجر وتُصقل. وأكثر الآلات التي تستعمل في هذا السّبيل جُلبت من حلب وعينتاب وطرسوس ولبنان وبيروت وكانت مبعثرةً لاتستفاد منها ألفائدة المطلوبة فلمّا ضمّ الجيش شملها وعرف كيف يستخدمها أخرجت أجمل المصنوعات في أسرع وقت ووفّرت على العاملين عناءً ووقتاً لولاهما لاقتضى العمل أيدياً كثيرة عاملة ووقتاً أطول. كنّا عاجزين فيما مضى عن اصطناع عجلات النّقل والركوب ومحفّات الجرحى والمرضى في مصانعنا الوطنيّة وقد اختار الجيش أسهل أنواعها وأمتنها وألطفها على آخر طرز وصنع منهت ألوفاً بحيث تظنّها إذا رأيتها من صنع معامل أوروبا في حين تجد حديدها وخشبها من سوريا واليد التي اشتغلتها سوريّة وهي تُستعمل في خدمة سوريا وهذا ما يقِلُّ في جانبه كل شكر للحكومة السّاهرة على إنجاح الوطن والأخذ بأيدي أبناءه العاملين تقوم مصانع بأعمال نفيسة من حاجيّات الجيش كالقدّوم والمنشار والكلاّب واللوالب والرّفوش والقدور والمراكن والمراجل والدّلاء والبراميل وغيرها زكلّ ذلك إذا رأيته تظنّه من صنع الغربيين وَردَ على هذه البلاد في علب مزيّنة وصناديق مقفلة وأوراق ملفوفة وطوى المراحل الطّويلة وتعاورته الأيدي الكثيرة حتى جعل رهن أمر جيشنا والحال أنّه من بلادنا وصنع أبنائها صنعوه ليدفعوا فيه عن حياضهم ومن صنع إبرةً لخدمة الجيش بحسب طاقته ومعرفته فحكمه حكم من صنع مدفعاً ومن مشى خطوةً في طريق الخير فأجره أجر من مشى خطوةً في طريق الخير فأجره أجر من مشى خطوات والتّكليف على قدر الاستطاعة أمّا ملئ الخرطوش وصنع القذاف واستجادة أحسنها طرازاً وأفعلها وقت الحاجة فهذا ليس من شأننا البحث فيه وإنّما يقال على وجه الإجمال أنّ هذا النّوع من أنواع قوّة الجيش يعمل منه هنا القدر اللازم مما يوفّر عناء النّقل من جنسه المصنوع في معامل دار الخلافة العلية على ما هو معروف. السّروج والخيام ربّما كان من قليلي الخبرة من إذا سمع أنّ الحكومة متوفّرة الليل والنّهار على اصطناع السّروج للخيل والمحفات والحداجات للجمال وما يلزم المسافر في البوادي من الخيام والقرب والرّوايا والمطرات وخرائط الخرطوش وغيره أن يقول وهل هذا من المكانة بالموضع الذي تضعونه فيه فكلٌّ منّا يرى ويسمع أن هذه الصناعات موجودة في البلاد لم تفقد ولا في زمن من الزمان ومصنوعاتها مبذولة بأهون الأسعار لكل طالب. ولكن من عرف أنّ جيشنا يحتاج إلى عشرات الألوف من السّروج والحداجات للخيل والجمال ومن هذه المصنوعات الجلديّة إلى مئات الألوف ليستخدمها في حلّه مرتحله يدرك ما يقتضي لصنع هذا العدد الكبير من المواد والرّجال العاملين ولتهيئة مصنوعاتهم على صورة مقبولة متينة رخيصة، من ألفكر والقياس والبحث والحساب. كلٌّ منا يعرف أنّ قطارات السكك الحديدية نازعت قطارات الجمال حتى في ألفيافي والبوادي وإن سفن البحر وسفن البرّ قضت أو كادت على الجمال والبغال والحمير والبقر والفيل في معظم أقطار الأرض ولكن من الأقطار مالا مندوحة لها عن الاستغناء عن هذه الحيوانات في مهماتها زمن الحرب وزمن السّلم ومهما كثرت آلات البخار في الأقطار لم نكف لأن تطوِّق البلاد كلّها بطوق من قطاراتها وتغدو وتروح في نقل الإنسان وحاجاته وقد كانت بعض هذه الصّناعات في برّ الشّام أُصيبت بفترة بعد أن امتدّت الخطوط الحديدية من بيروت إلى دمشق فحوران ومن رياق إلى حلب فالإصلاحية ومن حلب فرأس العين ومن حمص إلى طرابلس ومن يافا فالقدس ومن حيفا فدرعا ومن دمشق إلى المدينة المنوّرة وانتقل بعض السّروجيين والخيميين إلى صناعات أخرى ولكن هذه الحرب عادت فأحيت صناعاتهم وتبيّن نفعها في داخليّة البلاد وأنّ الجيش المرابط والمجاهد في كل مصر وعصر لا يستغني عنها بحال من الأحوال. زرنا هذه المصانع على حين فجأة فرأينا الصّنّاع على اختلاف درجاتهم مكبّين على عملهم لا يلتفتون إلى شيءٍ يجري أمامهم ومنهم قدماء أرباب الصّناعات يُرزق الواحد في اليوم العشرين والثّلاثين قرشاً وأكثرهم الجنود ومنهم طبقة الخرّيجين من صغار العملة يُعلّم في أربعة أشهر فيأتي منه ماهن ماهر كالذي تعلّم هذه الصّناعة السنين الطويلة واستعمال الآلات اللازمة للعمل ليس بعيد العهد ومنه ما يرد تاريخه إلى ستّة أشهر ومع هذا ترى الصّناع يعملون عليها كالعملة الممرّنين في معامل الغرب. صناعة السّجاد والنّسّاجون والخيّاطون والأساكفة راقنا جدّاً ما شهدناه في مصانع النّسيج والأقمشة وقد تمثّلت أمامنا آلات القرون القديمة من النّسيج وآلات القرون الوسطى وآلات القرن الحديث وفي كلّ واحدة من هذه الآلات يعمل النّسّاجون أقمشة نفيسة لكسوة الضّباط والجند فكأنّ لسان هذه المصانع يقول: لا جديدلمن لاقديم له. وهنا يُستفاد من كلّ قوّة نعم استفاد الجيش الرّابع من كلّ قوّةٍ وجدها أمامه في هذه الدّيار واستعمل علمه ونشاط من عهد إليهم العمل من أصغر عاملٍ يكنس الأرض إلى المديريين ورؤساء الأدوات وبذلك صحّ فيه أن أوجد شيئاًمن لا شيء. وليست المهارة في أن يتجر التّاجر برأس مال قدره مئة ألف ليرة فيربح معاشه ولكن المهارة في أن يربح ذو رأس المال الصّغير معاشه على نسبة ذلك التّاجر الغني بأمواله لو توفّرت هنا جميع المعدّات الكافية للنّسيج والخياطة وعمل الأحذية لما استغربنا شيئاً يعمله الجيش لأنّ الآلة بقليل من النّظر يتيسّر للقائم عليها أن يستفيد منها. ولكن أكثر العمل بالأدوات البسيطة التي تخرج مقداراً كافياً من المصنوعات بل أكثر من المأمول من مثلها وهذا وجه الغرابة وداعية الحمد والثّناء. يخيط الخيّاطون أقمشةً وأجواخاً وطنيّةً في الغالب على صورة سريعة مقبولة. والحذّاءون يعملون أحذية متينة وجلودها وخيوطها من محصول هذه الدّيار رأينا مصنوعات البسط والسّجاد المعمول في هذه المعامل ليجعل في خدمة الهلال الأحمر والجند عامّةً ممايسرّك خبره ومخبره لمتانة وثبات ألوانه. تمنّياً لوزادت مصنوعاته على المطلوب لاقترحنا على كلّ بيت في سوريا أن يقتني سجّادةً منها عنوان العمل الوطنيّ ودليل تنشيط كلّ صاحب دار للصّناعات الوطنيّة وفي هذه المعامل فرعٌ لعمل الجوارب التي كانت تُصنع في حلب وعينتاب واطنه فقط ومازال لها معامل هناك. ونوع هذه الجوارب وافٍ بحاجة الجندي بالطّبع ينفع في الدفء والسّتر وهو متينيلابأس به. أما نوع جوارب التّرف كجوارب الحرير البرّاق الشّفاف وغيرها فهي ليست من شأن هذا العمل وإنّما ينظر في الأقمشة وحياطتها والجوارب والأعبئة والأحذية إلى متانتها أولاً والفائدة التي يتوقّعها منها الجندي ولو أحبّت هذه المعامل أن تخرج بما لديها من الأدوات وجوارب وأنسجة للمترفينلما عسر عليها ذلك. ولم نلاحظ في هذه المعامل ألاّ تفرّقها وعدم اجتماعها في صعيد واحد ليكون أدعى إلى حضور الذّهن وأجدر عنايةً بالعمل ولا ينظر الآن إلاّ إلى حالة المحل الصّحيّة أماصغره وترصيفه وتبييضه فأمر ثانوي لم يتّسع الوقت للتفكير فيه والنّيّة معقودة أن تجعل هذه المصانع بعد الحرب في القدم جنوبي دمشق قرب معامل السّكة الحجازيّة فيختار لها أرضاً مساحتها كيلومتران ونصف كيلو متر وتجعل العامل كلّها في بقعةٍ واحدةٍ فيسهل التّفتيش على هذا المقر العسكري وتحسن إدارته ويكون منعزلاً عن المدينة مستقلاًّ في عمله وهذا مقصدٌ حسن لأنّ العادة جرت في المعامل الكبرى في الغرب أن تكون منعزلة عن المدن والقرى بعيدة عن العمران. معامل المحفوظات والمربيات والخمر هذه الصناعة من الصناعات التي لم تعرف في دمشق قبل الحرب فأدخلت إليها بطرقها الكيماويّة وأدواتها المستحدثة وتعلّمها العملة من الجند والنّساء فتجد في محلّها فرعاً لعمل الحساء الشّورباذروراً ثمّ يُذاب في ماء حار وقت الاستعمال فيأتي منه حساءٌ لطيف كأنه طبخ السّاعة. ويُستخرج أشربةً كثيرةً مثل ماء الزّهر وماء الورد وشراب قشر الليمون وشراب قشر البرتقال فتُجعل روحه في زجاجات تكفي القطرة منه لكأس ماء حتّى تكون حلوة ذات نكهة طيّبة كأنّه عمل لساعته. وهذه الأشربة تنفع الجيش كثيراً ولاسيّما في مستشفيات البادية. وفي هذا المعمل فرعٌ لاستخراج مرق اللّحم من العظام وتعقيمه بحيث لا تذهب العظام التي تخرج من مسالخ الجيش في هذه الحاضرة من دون فائدة وللنّساء العاملات هنا دخلٌ كبير في هذا الصّنف فتراهنّ لابسات المآزر الكحليّة يعملن على الدّوام على نظامٍ تام وتُرزق الواحدة منهن ثلاثة قروش وثلاثة أرغفة في اليوم ويتناولن طعام الظّهر في المعمل بالاشتراك بينهن وقد نُصبت لهم موائد وأمام كلّ واحدةٍ منهن صحفتها وكأسها وكذلك الرّجال في مكانٍ آخر. وأهمّ ما يستخرجه معمل المحفوظات والمربّيات حفظ الثّمار والبقول على طريقةٍ لا تنقص من تغذيتها وتكون عند الاستعمال كأنّها طريّة حديثة عهدٍ بالقطف من الشّجرة أو المسكبة ويبلغ عدد البقول المربية عشرة أنواع يتناولها الجندي في كلّ وقت كأنّما يتناولها في إبّانها ناضجة طريّة. وفي هذا المعمل فرع لعمل الخل للجيش ويُعمل كلّ ذلك على طريقة صحّيّة اقتصاديّة بحيث لا ترى جزءاً لا ينتفع به حق الانتفاع على النّحو الذي جرى عليه الغرب في معامله. ومن الصناعات المستحدثة التي كانت هنا موجودة في حكم المفقودة صناعة عجن الخبز وخبزه بآلات تُدار بالكهرباء بسيطة في ذاتها ولكنّها تغني الغناء المطلوب فقد كان يعجن خبز الجند في أفران الجيش بالأيدي وأحياناً بالأرجل فارتأى القائد العام إحداث هذه الطّريقة الجديدة فوفّر من عمل الأيدي وخلّص الخبز مما كان يدخله من عرق الخبّازين وأوساخهم وصار معمل دمشق وحده يخرج في اليوم العشرين والثّلاثين ألف رغيف على أيسر وجه وأسرع طريقة وأنظف واسطة ويوزَّع خبز اليوم من الغد رعايةً للصّحّة. وقد كان معمل الخبز في هذه الحاضرة منذ أشهر احترق فأُعيد على هذه الصّورة البديعة التي سداها ولحمتها مراعاةً للنظافة بل المبالغة فيها حرصاً على صحّة الضّبّاط والجند وأصبح معمل خبزنا على مثال المعامل الغربيّة وحبّذا يوم تصحّ عزيمة جمهورٍ من أرباب الأفران فيعمدون إلى تأليف نقابات لعمل الخبز على هذه الصّورة يراعون في صنعة جانب الاقتصاد والجودة والنّظافة إنّ معامل التّعقيم والسّوائل واستخراج الأشربة الصّحيّة وتجفبف الثمار والبقول وخَبز الخبز بهذه الطّريقة كل ذلك يدل على براعة زائدة ويُسجّل عناية الجيش بما يدخل معد أفراده من الأطعمة والأشربة على وجه يجمع بين الاقتصاد والصّحة وسرعة التّحضير بحسب ما وصل إليه العلم في هذا العصر. الصّنائع المحدثة من الموجود من الصناعات وكان في حكم المفقود، صناعة البيطرة أو علم البيطرة، والبيزرة أو طبّ الحيوان كالخيل والجمال والبقر. وهذه الصّناعة قديمة في البشر ولكن هذا القرن أُدخل فيها من أسباب الرّقي حتى أصبحت تُدَرّس في الغرب كما يُدَرّس الطّب. والبيطار لا يقلّ في منزلته عن الطّبيب وكلاهما يطبُّ هذا الإنسان وذاك الحيوان. بّيد أنّ الجيش الرّابع رأى أن يعمد إلى طريقة عمليّة في تعليم البيطرة فأخذ يعلّمها في أربعة أشهر فيخرج التّلميذ وفي الغالب أن يكون من الطّبقة التي لم يسعدها الحظّ بتعلّم القراءة والكتابة بيطاراً من الدرجة الأولى جمع بين النّظريات والعمليّات. يقرأ الطّالب في المدرسة وهو جنديٌّ أو معاون له من أبناء ألفقراء مستخدم بأجرة معيّنة درسه ويجيء إلى تطبيقه في الحيوانات على مقربةٍ منه ويشرح المعلّم للطلبة باللسان العربي طبّ الحيوان والمعلّم أيضاً ممن تخرجوا على هذه الصّورة فأصبح معلّماً بعد أربعة أشهر من تعاطي هذه المهنة ولكنّه يقرأ ويكتب بالطّبع. وقد جعل الطّلبة هناك فِرَقاً فِرَقاً وكلّهم يلبسون قفطاتاً أزرق حاسرين رؤوسهم ويتعلّمون بلسانٍ يفهمونه أي لسان العامّة. وبجانب هذا المعمل معمل لصنع النّعال للخيل الأوروبية وكذلك معمل لنع مساميرها وفي هذا المعمل أيضاً زمرة من الأطفال الذين يتعلّمون هذه الصّناعة وينافسون فيها الشّبّان والكهول. والدوات المستعملة لتطريق النّعال ومساميرها بسيطةً للغاية ولكنّها متقنة تدل على روح تجدد. وينشئ الجيش الآن معلّمين مما تشتدّ الحاجة إلى مصنوعاتهما وسيتمّان قريباً مضافين إلى المعامل والمصانع الكثيرة التي أحيا بها القديم من الصّناعات وأوجد بها المفقود منها هنا. وقديماً قالوا أنّ الصناعات إذا فقدت من مكان يتعذّر إرجاعها إليه على صورة سريعة ولكن الجيش الرّابع كذّب هذه القضية في أشهرٍ قليلةٍ وعلّم كتائب من أبناء الوطن وبناته صنائع شريفة والصّنعة في اليد أمان من ألفقر. فطن الجرحى والمرضى من أهمّ الصّناعات التي لم يكن لهذه الدّيار بل ولا للمملكة العثمانيّة عهدٌ بصنعها قطن الرّباطات واللفافات للجرحى فاتّخذ الجيش لصنعه أبنية حسنة بالقرب من مستشفى الغرباء في البرامكة وقسّمه أقساماً قسم الرّجال وهو لحلج القطن وندفه وقسم النّساء وهو لتنظيفه وغسله وصنعه حتى يخرج كأحسن ما يصنع من نوعه. والنّظافة في كلّ هذه الأقسام مما يدهش له النّاظر وربّما لا نغالي إذا قلنا أنّها كادت تبلغ حدّ الإفراط ولانذكر أننا رأينا معهداً صناعيّاً في المملكة العثمانية بلغ بتأنّقه ومراعاة شروط الصّحة فيه مبلغ معمل قطن الجرحى هنا تتمثّل لعينيك روح الإسلام العاملة الاقتصاديّة عندما ترى نساء شابّات وكهلات يتسابقن للعمل في هذا المصنع على أسلوب جديد وقد لبست كلّ واحدة منهن قفطاناً أبيض غاية في النّظافة يغطّي قامتها ووضعت على رأسها طاقيّة سترت شعرها ولم يعد يبدو غير وجهها أي أنّ المرأة هنا احتجبت بالحجاب الشّرعي وعملت عملاً يليق بها تنفع به نفسها وذويها ووطنها. وقد نصبَ القيم عليهنّ ضابطاً كوسجاً قزماً دفعاً لكل ريبة وجُعل لهنّ مخدعان واسعان يحفظن فيهما ثيابهن ويستخدمن في المساء ماهناك من مغاسل للتّنظيف والوضوء وما يصلحهن ليعدن إلى سابق حالهن وهذه هي الأرستقراطيّة الإسلامية ممزوجةً بروح الدّيمقراطيّة أي أن العاملات هنا جمعن بين الاجتماع على العمل الحر ولم تفُتهن الرّفاهيّة ولم يمنعهن حجابهن من الاحتراف بل عُدنَ به إلى سذاجته الأولى وأنشأن يخدمن أمّتهن من طريق الصّناعة كما كان في العصور الأولى ويكون الآن منهن الممرّضات في المستشفيات النّقّالة والثّابتة أيام الحرب. وقد أثمر هذا العمل فوائدٌ كبيرةٌ جدّاً فلم تقتصر مصنوعاته على مستشفيات الجيش الرابع بل أرسل منذ إنشاء إلى جميع السّاحات الحربيّة قطنه ولفائفه وعصباته أرسل إلى جناق قلعة وإلى فقآسيا وإلى العراق جميع ما يلزم الجيوش العثمانيّة هناك بحيث استغنى الجيش العثماني عن جلب هذا الصنف من الغرب وهيهات أن يحصل عليه زمن الحرب وهو محظورٌ إصداره من كل مملكةٍ محاربةٍ أو غير محاربة يعدّ من المواد الحربيّة كالبارود والسلاح فيصادر حيث كان دلّ هذا المعمل على روحٍ عاليةٍ في التّجدد وأننا أخذتا نحسن الانتفاع بقوانا وأنّ المسلمات كالمسلمين ليس في كتابهنّ ما يمنعهنّ عن مشاركة الرجال في الأعمال وإذا كان القطن يجود كلّ الجودة في سهول أطنة وأغوار الشّام وعندنا ما يلزمنا من الأدوات فلا تقتصر عقولنا عن القيام بالنافع ومراعاة المصلحة حرصاً على الوطن وسلامة لصحّة المجاهدين في الذب عن حياضه نعم قرأنا في تصفّح شؤون معامل القطن أنّ العثمانيات لم يقعد بهنّ الحال عن احتذاء مثال العثمانيين فحبّذا العمل وحبّذا إطّراده زمن الحرب وزمن السّلم من يزُرْ مصانع الجيش الرابع يحكم حكماً قطعيّاً أنّ الدّولة التي تنظّم مثلها وتخرج مثالاً من المصنوعات التي سبق لنا وصفها صناعةٌ تحارب أربعين سنةً وهي تكاد تكون في استغناءٍ عن الغرب الذي كان بالأمس يعيّرنا بفقدان كلّ شيءٍ عندنا وانسلاخنا من كلّ استعدادٍ حتى كان عيالاً عليه في الخيط والإبرة رعى الله أحمد جمال باشا قائد هذا الجيش كم له على بلاد الشّام من أيادٍ بيضاء فهو لم يكتف بدفع عاديّة العدو عنهم عنها بل جمّلها جمّل الله أحواله بالطّرق والجسور والمدارس والمشاريع الاقتصاديّة والعلميّة ومن أحسن آثار عمله هذه الصناعات التي استفاد منها جيشنا اليوم وغداً يستفيد منها الجيش والأمة التي يتألف منها هذا الجيش المحبوب نعم غداً تنتهي الحرب ويخرج من تحت السّلاح مئات الألوف من أبناء هذا الوطن العزيز زمنهم من أسعده الطّالع بتعلّم صناعةٍ من هذه الصناعات فبعد أن كان قبل الحرب متشرّداً أو في حكم المتشّرد يستطيع غداً أن يكسب معاشه من صناعته ويعتمد على كدّه وعمله وقريحته غداً يكون من أبنائنا بفضل الجيش الرابع أمهر النّسّاجين والخيميين والخيّاطين والحاكة والحدادين والنّجارين والسّروجيين والبياطرة وعملة المربّيات والمحفوظات من البقول والثّمار وغيرها مما لم تعهده ديارنا من قبل ويخرج خرّيج هذه المعامل وقد تعلّم قدر الوقت والعمل وانتظامه وما نظنّ من يدخل صناعةً على قومٍ يتعلّمون بها ما ينعشهم من هوّة الحاجة بأقلّ في حسن الأثر والأحدوثة ممن يفتح بلداّ أو يستعمر قطراً ولذلك يحمد الوطن صنيع قائد الجيش الذي عرف كيف ينتفع من كلّ قوّةٍ في البلاد وامتاز بأنّه كان من الرّجال الذين يحسنون انتخاب عمّالهم والمباشرين لجميع فروع إدارة الجيش فقد كان الصّالح للعمل في الإدارات الكبرى قبله عشرة في المئة وباقيهم خشب مسندةٍ أو كالسّوس في الخشب وهاقد أصبح بفضله وبفضل أنصاره عدد الصالحين للعمل يربو على التسعين في المئة وذلك لأنه موفّقٌ في حسن الاختيار وطرح المرذول والإتيان بالمحمود واختيار المرء قطعة من عقله ولذلك ترى فروع أعمال الجيش هنا يحلّق عليها على الدّوام طير اليمن والبركة إنّ الروح التي بثّها في الجيش العثمانيّ أجمع صاحب الدّولة أنور باشا وكيل القائد الأعظم وناظر الحربيّة قد كان أثرها عظيماً جدّاً في هذا الجيش الرابع أيضاً إذ وجد لها مثل أحمد جمال باشا عالماً عاملاً يطبّقها ويزيد ما يرى الحاجة المحلّيّة ماسّةً إليه من الأعمال الخطيرة ومن أهمّ دواعي النجاح أنّ جمال هذا الجيش لم يتقيّد بحرفيّة القانون بل اهتمّ بجوهره وإذ كان مفطوراً على حبّ العمران جاءت على يديه مثل هذه الصناعات ونفّذ رغائبه في ذلك أناسٌ أكفاء اختارهم للعمل فبرزوا فيه وأدركوا أسراره وخوافيه يعدّ الجيش اليوم المدرسة العادليّة أكبر مدارس الشّافعية في القرون الوسطى بدمشق ليأوي إليها ثلاثمائة وخمسون طالباً من طلاّب الصناعات في الجيش في هذا السبيل ألفاً وخمسمائة ليرة لتكون صالحةً لسكناهم ويعيشون فيها عيشاً منتظماً تجود به صحّتهم وتفتح قرائحهم وتصير أيديهم مرنةً حاذقة وعقولهم مفكّرةً مدبّرةً. وهذا العدد من الطلاّب إذا أضيف إليه ألوف الصنّاع الذين يعملون في مصانع الجيش اليوم يغنون ولا شكّ البلاد بمصنوعاتهم في كل فرعٍ من فروع الصّناعة ويكون ذلك من بعض حسنات القائد العامّ أحمد جمال باشا ومضاء رجال الإدارة مثل مفتّش المنزل كاظم بيك الذي له فضلٌ عظيمٌ في تنظيم هذه الصناعات وغرامٌ شديد بتخريج أبناء الوطن على حبّها أنا والشّلال قالت: عهدتك لا تهاب مُلمّةً ما لي أراك جزعت من شلاّلِ ولّيت عنه وكنت تعشق قربه ولربّما ولّى المحِبُّ السّالي يا نفس حسبك أن ترومي والهاً بها والطبيعة دائم البلبالِ إني لأعشق كلّ غصنٍ يلتوي وأحنّ من طرب السلسالِ يهتاجني العصفور وهو مصوِّتٌ يدعو ذويه إلى ارتشاف الزّلالِ ويروقني الجبل الرَّفيع كأنّما هو طامعٌ من جوّه بنوالِ إني لَيَشغفني هوىً وصبابةً نبتٌ بجانب جدولٍ سيّالًِ عبثت به أيدي النّسيم فأوّدت أعطافه فاهتزّ غير مبالِ ويروقني الشّلاّل منحدراً هوى نحو البسيطة من أشمٍّ عالٍ يغلي كأنّ النار بين ضلوعه ويثور مندفعاً إلى الأدغال شابت غدائره فأرسلها على وجه الرّمال وهمّ بالإعوال ولقد دنوت مقبِّلاً قطراته فرميت من قطراته بنبالي شلاّلٌ ويحك أنت مثلي في الهوى أو لم تُشبكِ قوارع الأهوال وعلامَ تدفعني وأنت معربدٌ خفّف عليك فأنت من أمثالي أشكو وتشكو الحادثات وإنّما هي علّة الإدبار والإقبال تابعتُ في القمم المسير فلم يرُق للنّائبات سراكِ في الأجبال واليت خطوَكِ هادئاً فتمثّلت لكِ في السّبيل فعدت غير موالِ صدّتكَ عن حيث ابتغيتَ عوائقٌ حاولن بي صدّاً عن الآمالِ فهوَيتَ من علٍ هائجاً، ولبثتُ لا متململاً، والكارثات حيالي هلاّ صبّرتَ كما صبّرتُ فإنّه بالصّبر يُدفع فاجئ الأجوالِ الزِّركلي الوافي بالوفيّات صلاح الدين خليل بن أيبك الصّفدي أحد رجال قرن القرن الثّامن وُلد في صفد سنة ٦٩٦ هـ - ١٢٩٦ م وتوفّي سنة ٧٦٤ هـ - ١٣٦٣ م وهو إمام في اللغة والشّعر والتاريخ وألفقه تخرّج على علماء دمشق في عصره فأخذ الشّعر عن جمال الدين بن نباتة واللغة عن أبي حيّان وألفقه الشّفعي عن الحافظ المزّي وابن جماعة والتّاريخ عن الذّهبي والمغازي والسِّيَر عن الحافظ بن سيّد الناس وتولّى عدّة مناصب إداريّة وماليّة في صفد والقاهرة وحلب ودمشق وقبره إلى اليوم معروفٌ في صفد وهو في حيّ الإسرائليين هناك وقد كان من المؤلّفين المجيدين ذكر له بروكلمان في تاريخ آداب اللغة العربية ثلاثين مصنّفاً تحتوي على نحو مئة مجلّد وكانت له عنايةٌ خاصّةٌ بالشّعر والنّثر ومما طبع له في الأستانة سنة ١٢٩٩ م كتاب جنان الجناس في علم البديع وطبع له في مصر سنة ١٣٢٩ م كتاب نكت الهميان في نكت العميان ويكاد يكون أخصّائياً في التراجم وأهمّ كتبه الوافي بالوفيّات يدخل في بضع مجلّداتٍ كبرى تحتوي على زهاء عشرة آلاف ترجمةٍ من أول الإسلام إلى عهد المؤلّف وفيه ما في وفيّات الأعيان لابن خلكان وطبقات الأدباء لياقوت مع زياداتٍ كثيرةٍ فاتت هذين المؤلّفين أو حدثت بعدهما ولقد كان يظنّ أنّ كتاب الوافي فقد في جملة ما فقد من كتب العرب لكن تبيّن بعد أنّ أجزاءه مبعثرةٌ في خزائن الكتب في ديار الغرب ولاسيّما خزائن أكسفورد وباريز وفيينا وفي الخزانة التيموريّة والخزانة الزّكية في القاهرة ودار الكتب الخديوية عدّة أجزاءٍ منه إذا جمعت الأجزاء من مصر وأوروبة كان من مجموعها نسخةٌ تامّةٌ فيما نظنّ. وإذا صحّت نيّة إحدى المطابع أو الجمعيّات العلمية في البلاد المصرية أو الألمانية أو الإنكليزيّة أو الهولاندية على طبعه جاء منه كتابٌ لا يقلّ في النّفاسة والفائدة عن تاريخ الطّبري وطبقات ابن سعد والمكتبة الأندلسيّة العربية والمكتبة الجغرافيّة العربية ومعجم البلدان ومعجم الأدباء لياقوت والمخصّص لابن سيده وصبح الأعشى وغيرها من الأسفار المهمة التي أحيتها مصر وأوروبا افتتح المؤلّف كتابه في من اسمه محمد فبدأ باسم صاحب الشّريعة عليه الصلاة والسلام وثنى بمن اسمه محمد من الرجال ثم عاد فساق التراجم على حروف المعجم وكلامه بشفّ عن تحقيقٍ إذ تهيّأت له موادٌ من التاريخ معقودٌ بعضها اليوم بحكم الضّرورة وعبارته من السهل الممتنع فيها الأدب الغضّ مع السلاسة الساحرة فكان من صدر عفو القريحة من قلم الصلاح الصفدي أقرب إلى مناحي ألفصحاء من عبارات المتكلّفين المتنطعين ذكر في مقدمته البديعة أعاظم رجال الملّة الذين قال فيهم أنّ علماءها كأنبياء بني إسرائيل وأمرائها كملوك فارس في التنويه والتنويل ذاكراً فيه الخلفاء والصحابة والتابعين والأمراء والقضاة والعمال والوزراء والقرّاء والمحدّثين والفقهاء والشيوخ والأتقياء والأولياء والنّحاة والأدباء والكتّاب والشّعراء والأطبّاء والعلماء وأهل العقل والذّكاء وأرباب المقالات ورؤساء المذاهب والمتفلسفين وكل من اشتهروا بعلمٍ أو شأنٍ وقد جعل المقدّمة على فصول الأول في مصطلحات الأمم ولاسيّما العرب والفرس واليهود وغيرهم على حساب السنين والتاريخ. الثاني بحث فيه بحثاً نحويّاً. الثالث في كيفيّة كتابة التاريخ. الرابع في الأنساب. الخامس في الكنى والألقاب والعلم. السادس في الهجاء والإملاء والاختصار. السابع فيمن كتب في التاريخ. الثامن فيما يراد بالوفاة والوفيّات. التاسع في فائدة التاريخ. العاشر في صفات المؤرّخ. الحادي عشر ذكر فيه تواريخ الشرق قال في ألفصل الثالث: تقول للعشرة وما دونها خلون لأن المميز جمع والجمع مؤنّثٌ وقالوا لما فوق العشرة خلت ومضت لأنهم يريدون أنّ الجمع مميزه واحدٌ وتقول من بعد العشرين لتسعٍ إن بَقَين تأتي بلفظ الشّكّ لاحتمال أن يكون الشّهر ناقصاً أو كاملاً وقد منع أبو علي ألفارسي رحمه الله تعالى أن يكتب لليلةٍ خلت كما منع من صبيحتها أن يقال المستهلّ لأن الاستهلال قد مضى ونصّ على أن يؤرّخ بأول الشّهر في اليوم أو بليلةٍ خلت منه وقال الحريري في درّة الغوّاص: والعرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير فيقولون لأربعٍ خلَون ولأربع عشرة ليلةٍ خلت قال: ولهم اختيار آخر وهو أن يجعل ضمير الجمع الكثير الهاء والألف وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشدّدة كما نطق به القرآنإنّ عدة الشّهور عند الله اثنا عشر شهراً في كتاب الله يوم خلق السماوات والأرض منها أربعٌ حُرُمٌ ذلك الدِّين القيّم فلا تظلموا فيهنّ أنفسكمفجعل ضمير الأشهر الحُرُم بالهاء والنون لقلّتهنّ وضمير شهور السّنة الهاء والألف لكثرتها وكذلك اختاروا أيضاً أن ألحقوا بصفة الجمع القليل الألف والتاء فقالوا أقمت أياماً معدوداتٍ وكسوته أثواباً رفيعاتٍ وعلى هذا جاء في سورة البقرةوقالوا لم تمسّنا النار إلا أياماً معدودةًوفي سورة آل عمرانإلا أياماً معدوداتٍكأنهم قالوا أولاً بطول المدّة ثمّ إنّهم رجعوا عنه فقصروا المدّة انتهى والواجب أن تقول في أول الشهر لليلةٍ خلت منه أو لغرّته أو لمستهلّه فإذا تحقّقت آخره قلت انسلاخه أو سلخه أو آخره. قال ابن عصفور: والأحسن أن تؤرخ بالأقلّ فيما مضى وما بقي فإذا استويا أرّخت بأيهما شئت قل بل إن كان في خامس عشر قلت منتصف أو خامس عشر وهو أكثر تحقيقاً لاحتمال أن يكون الشّهر ناقصاً وإن كان في الرابع عشر ذكرته أو السادس عشر ذكرته فائدة: ورأيت ألفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا وبعضهم لم يذكروا بعدها شهراً وطلبت الخاصّة في ذلك فلم أجدهم أتوا بشهرٍ إلا مع شهرٍ يكون أوله حرف راءٍ مثل شهري ربيع وشهري رجب ورمضان ولم أدرِ العلّة في ذلك ما هي ولا وجه المناسبة لأنّه كان ينبغي أن يحذف لفظ شهر من هذه المواضع لأنه يجتمع في ذلك رأيان وهم قد فرّوا من ذلك وكتبوا داود وناوس وطاوس بواوٍ واحدةٍ كراهة الجمع بين المثلين وجرت العادة بأن يقولوا في الشّهر المحّرم شهر الله وفي شهر رجب شهر رجبٍ ألفرد أو الأصمّ أو الأصب وفي شعبان شعبانُ المكرّم وفي رمضان رمضانُ المعظّم وفي شوّال شوالُ المبارك ويؤرخوا أول شوّال بعيد ألفطر وثامن ذي الحجّة بيوم التّروية وتاسعه بيوم عرفة وعاشره بعيد النّحر وتاسع المحرّم بيوم تاسوعاء وعاشره بيوم عاشوراء فلا يحتاجون أن يذكروا الشّهر ولكن لابدّ من ذكر السّنة ومما قاله في ألفصل الخامس: إذا عرفت العلم والكنية فسردها يكون على الترتيب تقدّم اللقب على الكنية والكنية على العلم ثمّ النسبة إلى البلد ثمّ إلى الأصل ثمّ إلى المذهب في ألفروع ثم إلى المذهب في الاعتقاد ثم إلى العلم أو الصناعة أو الخلافة أو السّلطنة أو الوزارة أو القضاء أو الإمرة أو المشيخة أو الحجّ أو الحرفة كلّها مقدّمٌ على الجميع فتقول في الخلافة أمير المؤمنين الناصر لدين الله أبو العباس أحمد السامري إن كان وُلد بسرّ من رأَى البغدادي فرقاً بينه وبين الناصر الأموي صاحب الأندلس الشافعي الأشعري إن كان يتمذهب في ألفروع بفقه الشافعي ويميل في الاعتقاد إلى أبي الحسن الأشعري ثم تقول القرشي الهاشمي العباسي وتقول في السلطنة السلطان الملك الظّاهر ركن الدِّين أبو ألفتح بيبرس الصَالحيَ نسبةً إلى أستاذه الملك الصالح التركي الحنفي البندقدار أو السلاح دار وتقول في الوزراء الوزير فلان الدين أبو كذا فلان وتسرد الجميع كما تقدّم ثم تقول وزير فلانٍ وتقول في القضاة كذلك القاضي فلان الدين وتسرد الباقي إلى أن يجعل الآخر وظيفته قبل الإمرة مثل الجاشنكير أو السّاقي وغيرهما وتقول في أشياخ العلم العلاّمة أو الحافظ أو المُسند فيمن عُمِّر وأكثر الرواية أو الإمام أو الشيخ أو ألفقيه وتسرد الباقي إلى أن نختم الجميع بالأصولي أو المنطقي أو النّحويّ وتقول في أصحاب الحِرَف فلان الدين وتسرد الجميع إلى أن تقول الحرفة أما البزّاز أو العطّار أو الخيّاط فإن كان النّسب إلى أبي بكر الصديق رضي الله عنه قلت القرشي التيميّ البكريّ لأنّ قريشاً أعمّ من أن يكون تيميّاً والتّيميّ أعمّ من أن يكون من ولد أبي بكر رضي الله عنه وإن كان النّسب إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه قلت القرشي العدوي العمري وإن كان النسب إلى عثمان بن عفّان رضي الله عنه قلت القرشيّ الأموي العثماني وإن كان النسب إلى علي بن أبي طالب رضي الله عنه قلت القرشي التيميّ الطلحيّ وإن كان النّسب إلى الزبير رضي الله عنه قلت القرشي الأسدي الزبيري وإن كان إلى سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قلت القرشي الزّهريّ السّعديّ وإن كان النسب إلى سعد رضي الله عنه قلت القرشيّ العدوي السعدي إلا أنه ما نُسِب إليه فيما علم وإن كان النسب إلى عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه قلت القرشي الزهري العوفي من ولد عبد الرحمن بن عوف وإن كان إلى أبي عبيدة بن الجرّاح قلت القرشي من ولد أبي عبيدة وقال في أدب المؤرخ: نقلت من خط الإمام العلاّمة شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين أبي الحسن علي بن عبد الكافي السبكي الشافعي ما صورته: يشترط في المئرّخ الصّدق وإذا نقل يعتمد اللفظ والمعنى وأن لا يكون ذلك الذي نقله أخذه في الذاكرة وكتبه بعد ذلك وأن يسمي المنقول عنه فهذه شروطٌ أربعةٌ فيما ينقله ويشترط أيضاً لما يترجمه من عند نفسه ولما عساه يطول في التّراجم من القول أو يقصر أن يكون عارفاً بحال صاحب الترجمة علماً وديناً وغيرهما من الصفات وهذا عزيزٌ جدّاً وأن يكون حسن العبارة عارفاً بمدلولات الألفاظ وأن يكون حسن التصوّر حتى يتصوّر حال ترجمته جميع حال ذلك الشّخص ويعبّر عنه بعبارةٍ لا تزيد عليه ولا تنقص عنه وأن لا يغلبه الهوى فيخيّل إليه هواه الإطناب في مدح من يحبّه والتّقصير في غيره بل إما أن يكون مجرّداً من الهوى وهو عزيزٌ وإما أن يكون عنده من العدل ما يقهر به هواه ويسلك طريق الإنصاف فهذه أربعة شروطٍ أخرى ولك أن تجعلها خمسةً لأن حسن تصوُّره وعلممُه معهما الاستحضار حين التصنيف فيجعل حضور التّصوُّر زائداً على حسن التّصوُّر والعلم فهي تسعة شروطٍ في المؤرِّخ وأصعبها الاطّلاع على حال الشّخص في العلم فإنّه يحتاج إلى المشاركة في علمه والقرب منه حتى يعرف مرتبته وما ذكرت هذا الكلام غلا بالنسبة إلى تواريخ المتأخّرين فإنّه قلّ فيهم اجتماع هذه الشّروط وأمّا المتقدّمون فأما أتأدّب معهم. . . وذكر في ألفصل الحادي عشر أسماء كتب التاريخ المؤلّفة لمن تقدّم من أرباب هذا ألفنّ فساق اسم ٢٨٢ تاريخاً من تواريخ المشرق وبلاده وتاريخ المغرب وبلاده والتواريخ الجامعة وتواريخ الملوك والوزراء والعمّال والقضاة والقرّاء والعلماء والشّعراء وتواريخ مختلفة وقال في آخره: وكتب الجرح والتعديل والأنساب ومعاجم المحدّثين ومشيخات الحُفَّاظ والرّواة فإنها لا شيءٌ يحصره حدٌّ ولا يقصره عدٌّ ولا يستقصيه ضبطٌ ولا يستدنيه ربطٌ لأنها كاثرت الأمواج أفواجاً وكابرت الأدراج اندراجاً. قلنا وأسماء هذه الكتب تنعي إلى الخَلَف قصورَه عن اللحاق بالسّلَف ومن الغريب أن لم يُطبع حتى الآن سوى جزءٌ قليلٌ من تلك التواريخ وقد فقد بعضها على ما يظهر من فهارس خزائن الكتب الغنيّة في أوروبا وهذه المقدّمة وحدها كتاب علمٌ برأسه تنمّ عن فضل كاتبها وأنّ تاريخه جعبة ألفوائد والأوابد فهي أشبه بمقدّمة ابن خلدون لتاريخه ومقدّمة الصّلاح الصّفديّ تعلّي منزلة تاريخه الوافي الشافي وهاك الآن نموذجاتٍ قليلةً منه تعرف بها أسلوبه في ترجمة المشهورين ونمطه في إنشائه وتصوير الرجال وذكر المهمات من أخلاقهم وعلومهم وأحوالهم نقلناها عن نسخة الأمير كايتاني في رومية التي أخذت له بالتصوير الشمسي نقلاً عن الأجزاء المبعثرة في خزائن كتب أوروبا قال الصفدي في سنة ٧ . ٢ م: كان المصاف بين التتار والمسلمين في مرج الصفر فانهزم فلّهم في الزواريق واجتازوا ألفرات من دير يسير ومما قاله شمس الدين السيطبي في هذه الوقعة: جاؤوا وكلّ مقامٍ ظلّ مضطرباً ومنهم كلّ مقامٍ بات يرتجف فشاهدوا علم الإسلام مرتفعاً بالعدل فاستيقنوا أن ليس ينصرف لاقاهم الفيلق الجرّار فانكسروا خوف العوامل بالتّأنيث فانصرفوا يا مرج صفر بيّضت الوجوه كما فعلت من قبل والإسلام يؤتلف أزهر روضك أزهى عند نفحته أم يانعات رؤوسٍ فيك تقتطف غدران أرضك قد أضحت لواردها ممزوجةٌ بدماء المغل تغترف زلّت على كتف المصريّ أرجلهم فليس يدرون أنّا تؤكل الكتف آووا إلى جبلٍ لو كان يعصمهم من هوج فرخ المنايا حين يختطف دارت عليهم من الشجعان دائرةٌ فما نجا سالمٌ منهم وقد زحفوا ونكسوا منهم الأعلام فانهزموا ونكصوهم على الأعلام فانقصفوا ففي جماجمهم بيض الظِّبا زبرٌ وفي كلاكلهم سمر القَنا قصفُ فرّوا من السيف ملعونين حيث سروا وقتلوا في البراري حيثما وجدوا فما استقام لهم في أعوجٍ نهجٌ ولا أجارهم من مانعٍ كتف قال الصفدي ما أعرف في كتب الأدب شيئاً إلا وقد اختصره جمال الدين بن مكرم فمما اختصره كتاب الأغاني ورتّبه على الحروف وزهر الآداب وكتاب الحيوان فيما أظنّ واليتيمة والذخيرة وشوار المحاضرة وغير ذلك حتى مفردات ابن البيطار وكان يختصر ويكتب في ديوان الإنشاء واختصر تاريخ ابن عساكر وتاريخ الخطيب ذيل ابن النجار وجمع بين كتاب الصّحاح للمجوهريّ والمحكم لابن سيده وكتاب الأزهري فجاء ذلك في سبعةٍ وعشرين مجلّداً ومات وترك بخطّه خمس مائة مجلّدٍ وقال في ترجمة حبيب بن محمد بن صمصامة أمير دمشق القائد أبو ألفتح وليّ دمشق مرّاتٍ من قبل خاله أبي محمودٍ الكتامي وكان جبّاراً ظالماً سفَّاكاً للدماء إذا للأموال كثر دعاء أهل دمشق عليه وابتهالهم إلى الله تعالى فيه فهلك بالجذام سنة تسعين وثلاثمائة وقال في ترجمة الحرث بن عبد الرحمن بن الغار بن ربيعة الجرشي من وجوه أهل دمشق وفضائحهم وكان قد سرد بالغوطة قبل وصول مروان إلى مصر وكتبوا إليه بولاية دمشق وكان بداريّا يأتيه الأشراف يسلّمون عليه إلى أن أقبل عبد الله بن عليّ فنزل دمشق وقدم الحرث وافداً على المنصور مستعطفاً لأهل الشّام فقام وقال: أصلح الله أمير المؤمنين إنّا لسنا وفد مباهاةٍ ولكن وفد توبةٍ وقد ابتُلينا بفتنةٍ استقرّت كرمنا واستخفّت حلمنا فنحن بما قدمنا معترفون ومما سُلِب منا معتذرون فإن تعاقبنا فيما أجرمنا وإن تعفُ عنّا فبفضلك علينا فاصفح عنّا إذا مَلَكْْتَ وامنن إذا قدرت وأحسِن فطالما أحسنت فقال المنصور: قد فعلت وقال: محمد ابن أحمد بن عبد الله أبو علي المعتزلي شيخ المعتزلة الداعية إلى مذهبهم كان يدرس الاعتزال والحكمة فاضطرّه أهل السّنّة إلى أن لزم بيته قال صاحب المرآة خمسين سنةً لا يتجاسر على الظّهور وقال: ناصر الدين ابن المقدسي ولّي سنة ٦٧٨ هـ وكالة بيت المال ونظر جميع الأوقاف بدمشق وفتح أبواب الظّلم وخلع عليه بطرحة غير مرّةٍ وخافه النّاس وظلم وعسف وعدا طوره وتحامق حتى تبرّم به النّائب ومَن دونَهُ وكاتبوا فيه فجاء الجواب بالكشف عما أكل من الأوقاف ومن أموال السّلطان والبرطيل فرسموا عليه بالعذراوية وضربوه بالمقارع فباع ما قدر عليه وحمل جملةً وذاق الهوان واشتفى منه الأعادي وكان قد أخذ من النّاصريّ الزّنبقيّة وكان يباشر شهادة جامع العقيبة فحصل بينه وبين قاضي القضاة بهاء الدين بن الزكي نفرة فتوجه إلى مصر ودخل على الشَّجاعيّ فأدخله على السلطان وأخبره بأشياء منها أمر بنت الملك الأشرف موسى بن العادل وأنها باعت أملاكها وهي سفيهةٌ تساوي أضعاف ما باعته فوكّله السلطان وكالةً خاصّةً وعامّةٌ فرجع غلى دمشق وطلب مشتري أملاكها بعد أن أثبت سفهها فأبطل بيعها واسترجع الأملاك من السيف السامري وغيره وأخذ منهم تفاوت المغل وأخذ الخان الذي بناه الملك الناصر قريب الزنجيلية وبساتين بالنيرب ونصف حزرما ودار السعادة وغير ذلك الخ ثم طُلب إلى مصر فوجد مشنوقاً بعمامته وقال: مؤيد الدين المهندس الدمشقي كان أستاذا في نجارة الدّفّ ثم برع في علم إقليدس ثمّ ترك نقش الرخام وضرب الخيط وأقبل على الاشتغال وبرع في الطب والرياضي وهو الذي صنع الساعات على باب الجامع سنة ٥٩٩ هـ وقال الصفدي في ترجمة رجار صاحب صقلية: رجار ملك الفرنج صاحب صقلية هلك بالخوانيق سنة ثمانٍ وأربعين وخمسمائة ويقال فيه أجّار بهمزة بدل الراء وجيمٍ مشددة وبعد الألف راءٌ كان فيه محبّة لأهل العلوم ألفلسفية وهو الذي استقدم إليه الشّريف الإدريسي صاحب كتاب نزهة المشتاق في اختراق الآفاق من العدوة ليصنع له شيئاً في صورة العالم فلما وصل إليه أكرم نزله وبالغ في تعظيمه فطلب منه شيئاً من المعادن ليصنع منه ما يريد فحمل إليه من ألفضّة الحجر وزن أربعمائة ألف درهمٍ فصنع منها دوائر كهيئة الأفلاك وركّب بعضها على بعضٍ ثمّ شكّلها له على الوضع المخصوص فأُعجب بها رجارٌ ودخل في ذلك ثلث ألفضّة وأرجح بقليلٍ وفضل له ما يقارب الثلثين فتركه له إجازةً وأضاف لذلك مائة ألف درهمٍ ومركباً موسقاً كان قد جاء إليه من برشلونة بأنواع الأجلاب الرّوميّة التي تجلب للملوك وسأله المقام عنده ومتى كنت بين المسلمين على فلك كذا ومتى كنت عندي أمنت على نفسك فأجابه إلى ذلك ورتّب له كفايةً لا يكون إلا للملوك وكان يجيءُ له راكب بغلةٍ فإذا صار عنده يتنحّى له عن مجلسه فيأتي فيجلسان معاً وقال له: أريد تحقيق أخبار البلاد بالمعاينة لا بما ينقل من الكتب فوقع اختياره على أناسٍ ألباء فطناء أذكياء وجهّزهم رجار إلى أقاليم الشرق والغرب جنوباً وشمالاً وسفّر معهم مصوّرين ليصوّروا ما يشاهدونه عياناً وأمرهم بالتّقصّي والاستيعاب لما لابدّ من معرفته وكان إذا حضر أحدٌ منهم بشكلٍ أثبته الشّريف الإدريسي حتى تكامل ما أراد وجعله مصنفا وهو كتاب نزهة المشتاق الذي للشريف الإدريسي وكان رجار المذكور قد أخذ طرابلس الغرب عنوةً بالسيف في يوم الثلاثاء سادس المحرّم سنة إحدى وأربعين وخمسمائة وقتل أهلها وسبى الحريم والأطفال وأخذ الموال ثم إنه شرع في تحصينها بالرجال والعدد ثم إنّه أخذ المهدية سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة لأنّ صاحبها الحسين بن علي بن يحيى بن تميم بن المعزّ الصهناجيّ عجز عن مقاومته فخرج من المهدية هارباً بما خفّ من النفائس وخرج من قدر على الخروج. ولما هلك رجار ملكَ بعده ولده غُليلم بضمّ الغين وبعده الميم المعجّمة بين اللامين الساكنين ياءٌ وبعده اللام وعليه قدم قلاقس الإسكندري سنة ثلاث عشرة وستّين وخمسمائة وامتدحه بقصيدةٍ إلى آخر ما قال. هذه نموذجاتٌ من الوافي وهو من أجدر ما يجب الاهتمام بطبعه تتميماً لسلسلة تواريخنا الحقيقة في الخيال متى تنجاب هاتيك الدّجون وعنّا تنجلي تلك الظّنون متى يعلو على الشّكّ اليقين متى يصبو على الحزن الرّزين أنبقى هكذا بيد الفجائع ضرائب للبنادق والمدافع لنا في كلّ شارقةٍ مصارع تصيد نفوسنا فيها المنون تقاضينا إلى حدّ الحسام على ما ليس يؤبه من خصام وتقذفنا لمنذور الحطام لجارية القضاء نوّى شطون يهيب بنا اللموع من السّرابِ لورد الحتف في حمس الضراب ويخدعنا الجهام من السّحابِ فنحسب أنّه الغيث الهتونُ يرينا المرء في سكنى الأطام خلال المرء في سكنى الخيام ألذّ مُدامه كأس الحمام واهنأ عيشه الحرب الزّبون له دانت مواليد الطبيعة فأضحت وهي صمّاءٌ سميعة أطاعته وما برحت مطيعة تبوح بسرّها وهو المصون فكم كشفت معارفه حجاباً وكم راضت مواهبه صعاباً وكم دكّت عزائمه هضاباً وكم خضعت له بكرٌ وعون فنونٌ كم له منها جنونٌ وإنّ جنونه أبداً فنون وكلّ حديثه معها شجون وكلّ شجونه فيها فتون تضاحكه فيطرب لا يبالي بما منها له تلد الليالي وينسى ما جنته على الأوالي وما خبّأت له منها القرون يطيع نداء ناقضة الذّمام ويعصي كلّ طيّعة الزّمام هجيراه مجانبة الوئام وبين ضلوعه الدّاء الدّفين سواءٌ عنده ركب ألفضاََء بتطلاب العلى أم خاض ماَء ودأماء توسَّطُ أم دماَء له في كلّ حادثةٍ سفين أجال بغامضٍِ الأكوان فكراً فأوضح مبهماً وابان سرّاً وكم أوحت له آياً وسفرا ًوسَر كتابها فيه مبين جلا سنن الطّبيعة فاجتلاها كواكب كم أبان له ضياها خفايا ليس يدرك منتهاها ولا ترقى لأيسرها الظّنون رقى سيّارةً فوق الهواء تحكّ بروقها زهرُ السّماءِ وراح بها يدلّ على ذكاءٍ وددت أنها منها تكون يراها العلم معجزة العصور ومشكاةً جلاها للدهور وأطلقها هوازئ بالبدور تقيّد في محاسنها العيون تراها وهي ناشرةُ الجناح كدلاحٍ تلفع بالرياح فما حملت سوى أجلٍ متاحٍ وبين ضلوعها حتفٌ مهين فكم عنها تمخّضت السنين وما نشرت وكم طويت قرون وما سمحت بمولدها البطون ولا بلغ الظّهور لها جنين تخطّ بمهرق الآفاق سطراً فتقرأ منه للإعجاز شعراً وللتدمير والتّفريق نثراً وحاصل معنييه أذىً وهون يثور بصدرها غازٍ فتغلي مراجلها على حقدٍ وغلّ وإن تنظر فليس لغير ذلٍّ وضيمٍ ذلك النّظر الشّفون طوى خبر البساط لها عيانٌ به لبصائر الدنيا افتتان وإن يسلس لراكبها عنانٌ فكم منها يعاصيه حرون تغرّد في الفضا تغريد شادي فيطرب شدوها سمع الجماد وإن هامت بها في كلّ وادٍ عقولٌ فهي واديها الأمين تريك على جمام الكدّ مزحاً فتشرح طبعك المكدود شرحاً وإن محضتك بعد الغشّ نصحاً فكم من جدٍّ يولّده المجون تطير وهل تباريها النسور ودون محلّها الشّعرى العبور ولن يرقى لمرقاها الأثير وهل تُرقى الخواطر والظّنون لمسترق النّجيّ غدت شهاباً تلهب في أضالعه التهاباً وتقصيه وما بلغ اقتراباً لخافيها المراصد والعيون تُرى بدراً وآونةً هلالاً إذا في الأفق أسرعت انتقالاً وإن لاحت بوجه الكون خالاً فما غير الفضا لها جبين إذا جاشت بها قدرٌ تفور تدور كما يصرفها المدير وإن زفرت يطير بها الزّفير وإن غضبت يجنّ لها جنون كأن البرق أصدقها الودادا فملّكها بجبينه الفؤادا وصيّرها لناظره سواداً ولكنّ الخفوق لها جفونٌ بجانحة الزّمان غدت ضميراً وطرفاً في محاجره قريراً وعضباً في سواعده طريراً ولكن غير ما صنع القيون أيا عصر البخار إليك شكوى يغصّ بها فم الأيّام شجواً ابن إن كنت تنطق لي بنجوى لها بأضالعي وجدٌ كمين أينطق في معاجزك الجماد ولم يمطرهم رفقٌ ولين أتجريها جواري منشِئاتٍ مواثل كالجبال الرآسيات وتوقرها صنوف المجعزات تراع بها المعاقل والحصون تخادعنا ببرّاق لموعٍ كذلك شيمة الختل الخدوع وكم لك في البريّة من صنيعٍ تشيب له الذّوائب والقرون فنونك لم تدع أرضاً خلاءً ولم تجرِ بها عسلاً وماء وكم فيها أفاضت كهرباَء بساطعها اعتدى ضبٌّ ونونُ لئن نصبت بنوكٌ لها دلائل فلم تكًُ للورى إلا حبائل وإن أهلّت بآنسها المجاهل فما هي للنهى إلا حزون وكم لبنيك من آي اختراع طوائلها تقصّر كلّ باع وتذهب بالمذانب والتّلاع إذا يوماً لها فاضت عيون لئن خلبت بوارقها العقولا فلم يكُ ومضها غلا نصولا وكم فينا جلت عضباً صقيلاً مواقع حدّ منّا الوتين إلى مَ حياتنا تفنى جهاداً وأنفسنا نقطّعها جلاداً ونحمل في الدّنا نوباً شداداً تنوء بحملها الأجد الأمون أعصرَ النّور لم نرَ فيك نوراً ولا منك البخار غدا مطيرا ولكن من دمٍ أجرى بحوراً وأشلاء الأنام بها سفين ابن إن كنت تفصح عن خفيٍّ يضيق بسرّه صدر الأبيّ أتخترع النّكال لكلّ حيٍّ وللإنسان فيك أذىً وهون كأنّ نفوسنا أضحت متاعاً يساومنا المنون لها ابتياعاً وإن طارت على سومٍ شعاعاً فما غير ألفناء لها وكون أنسقط من جهين على خبيرٍليصدقنا الحديث عن الدّهور فقدماً قيل غير مقال زورٍ وعند جهين الخبر اليقين شكونا داءنا حيناً فحيناً وأعضل داؤنا منّا وفينا وكلّ رزيّةٍ صبّت علينا فأدوى دائها فينا كمين شغفنا بالتّمدّن وهو داءٌ عضالٌ لا يرام له دواء وليس لدائه أبداً شفاءٌ وهل تشفى الحقائد والضّغون هل التّمدين غير مثار حربٍ ومدعاةٌ لكلّ أذىً وكرب ومنذر فرقةٍ ورسول رعبٍ وداعيةٌ بكلّ رديّ قمين متى الإنسان يصبو التصافي ويخلع عنه أردية التجافي ويهجر ورد رنقٍ غير صافي إذا لذّت لشاربها الأج - ون يرى حملاً وفي برديه ذئب هجيرة مخادعة ووثب وأن طمعٌ أهاب به وكسب يريك الليث أظهره الع - رين غرائز فيه شتى لاتحد وجمّ خلائق ليست تعد وكم منها له خصم ألدّ عريكته لخطبٍ لا تلين وظل وما رهى دنيا ودنيا يسوق لنوعه حتفاً مهينا ولم يقض إلى طمع ديونا وقد قضيت وأغلقت الرهون عزا للدين تفريقاً وظلماً وكم قد راح ينثر منه نظماً ولم يلف بغير الدين ضمّاً وهل يدعوا إلى التفريق دين متى للسلم يجنح والتّآخي ويحكم للمؤاخاة الأواخي يرقّ لكلّ معولة الصراخ ويعطف من حشاشته الحنين متى يغدو على طرف الثمام تودد كل مصريّ لشامي وينزع معرق للقا تهامي ونجدي لمن ضمّ الحجون ويعطف كل غربي لشرقي حشاشته ويرتق كل فتق ويطلق ذاك هذا بعد رق وقسوة ذاك لذا تلين النبطية سليمان ظاهر أخبار وأفكار البسيكومتر اخترع عالمان من علماء النفس الأستاذ جونغ من جامعة زوريخ والأستاذ بترسن من جامعة نيويورك آلة دعواها البسيكومتر الكهربائي أن لم يمكن بها قراءة أفكار من يخضعون للتّجربة برضاهم أبغير رضاهم فلا أقلّ من الوقوف على حقيقة أقوالهم والآلة مؤلفة من كالفانومتر ومن آلة تقيد تنوع ألفكر وظهوره في الكلام وذلك على الوجه الآتي: أ، الكالفانومتر متصل مع مصباح ينزل لهيبه أو يصعد بحسب قوة المجرى الكهربائي ويقاس علو هذا اللهيب بمرآة ذات درجات تنعكس عليها فلا جل فحص إنسان توضع يده الوحدة على قطب من الزنك والأخرى على قطب من ألفحم ومن ذلك ينشأ مجى كهربائي تختلف قوته بحسب شدّة الحواس النفسية أو الطبيعة التي تجري في خاطر الإنسان الذي يراد اختباره فإذا كذب هذا الرجل كان من اضطراب حركة الدماغ الحادثة من التناقض بين ألفكر والإرادة التي تظهر العكس أن يحدث منه مجرى كهربائي يختلف ضعفاً وقوته بعلو اللهيب المار ذكره. وقد أثبتت التجارب الكثيرة صحة هذا الاختراع الذي هو من أغرب ما سمع. ألمانيا الاقتصادية الظاهر أن ليس في العالم أمة كالألمان عرفت طرق الاقتصاد وادخرت وفرها للأيام الشّداد وعالجت كلّ أسباب هذا الباب حتى أعجب بها الأعداء قبل الأحباب. وقد قدّر العارفون ثروة الشّعب الألماني قبل من ٣٣ . إلى ٣٩ . مليار مارك وثروة بريطانيا من ٣ . . إلى ٣٦ . وثروة فرنسا من ٢٦ . إلى ٢٩ . ودلّت كثرة الوارد على صناديق التّوفير خلال الحرب أيضاً أن ثروة ألمانيا ما برحت في نمو مع أن أصحاب هذه الأموال اشتركوا في إقراض حكومتهم أربعة قروضٍ كبيرةٍ وكانت قيمة القرض الأخير عشرة مليارات وسبعمائة مليون مارك اشترك فيه ٦٤٥ ، ٢٧٩ ، ٥ ألمانيا ومع ذلك زاد ما وضعوه في صناديق التوفير عن ٦٦ . مليون مارك خلال سنةٍ واحدةٍ آخرها سلخ سنة ١٩١٥ م. كانت ألمانيا قبل الحرب تملك ٤٥ مليون رأس من الماشية وفرنسا تملك ٢ . مليوناً وإنكلترا ١٣ مليوناً وبلغ محصول القمح والجاودار في ألمانيا ١٦ . ٨ مليون طن في حين لم يبلغ محصول فرنسا من ذلك أكثر من ١ . ومحصول إنكلترا ١ . ٤ مليون وبلغ محصول ألمانيا من البطاطا ٥٤ مليون طن ومحصول فرنسا ١٣ مليوناً وإنكلترا ٦ ملايين. كان في بنك ألمانيا في أواخر السنة ألفائتة ما قيمته ٥٥ مليون من السندات المستهلكة في حين كان بنك فرنسا ٢ . ٩١ . ملايين وفي بنك إنكلترا ٢ . ١٩٣ ويفهم من ذلك أنّ ألمانيا قضت الأسابيع الأولى من الحرب دون أن تعتمد إلى تأجيل دفع الديون موراتوريوم. ويستفاد من الأرباح التي أعطتها الشركات الألمانية لمساهميها مدّة هاتين السّنتين في الحرب العامّة أنّ ٣ . . . شركة دفعت لمساهميها ٦ . ٤٨ في المئة سنة ١٩١٤ م ودفعت ٨ . ٣٧ في المئة في السنة التالية هذا مع انقطاع ألمانيا عن أقطار العالم الأخرى. وكان الدَّين الذي على إمبراطورية ألمانيا والإمارات المتّحدة الألمانية قبل الحرب ٢١ ملياراً وديون بريطانيا العظمى ١٤ مليار مارك ومعظم الدَّين الذي على حكومة ألمانيا هو ثمن سككها الحديدية التي ابتاعتها من الشركات بعشرين مليار مارك فالديون الألمانية يقابلها ما لألمانيا من الخطوط الحديدية ويضاف إلى هذه ما تملكه من المناجم والأملاك والغابات التي تساوي أربعة مليارات فلألمانيا ملكٌ يساوي ٣٤ ملياراً من الديون لقاء ٢١ ملياراً من الديون على حين ليس لحكومة إنكلترا من الملك سوى ٧٨ . مليون مارك وباقي ما عليها أي ١٣ ملياراً و ٦ . . مليون مارك ديناً لا مقابل له ومثل ذلك يقال عن فرنسا التي يقلٌّ ما تملكه أكثر من ذلك ويصيب ألفرد من دين الحكومة في ألمانيا ٣١٢ ماركاً وفي إنكلترا ٣١٣ وفي فرنسا ٦٦٤ . وقد أنفقت حكومات أواسط أوروبا على تسليحها من سنة ١٩ . ٥ إلى ١٩١٤ م، ٨١ ملياراً وكانت نفقات حكومات الوفاق ٤٢ مليار مارك ويصيب من هذه النفقات كلّ فردٍ في ألمانيا ٢ . ٢ مارك وفي النمسا ١١١ وفي إنكلترا ٣ . ٥ وفي فرنسا ٢٥٩ وعلى هذه النسبة كانت نفقات الحرب ويؤخذ من المجلّة الاقتصادية الإنكليزية أن حكومات أوروبا الوسطى يصيبها ٣٥ في المئة من المئة نفقات الحرب ويصيب حكومات الاتفاق ٦١ في المئة فتنفق كل يوم حكومات أوروبا الوسطى كل يوم ١٢ مليون مارك وينفق خصومها ٢٤٥ مليوناً وقد زاد سعر القطع في الاقتراض في جميع الممالك وهو في ألمانيا أقل منه في غيرها فارتفع فيها من ٣ . ٩ . في المئة إلى ٥ . . ٥ في المئة وفي فرنسا من ٣٦ . إلى ٥٧٥ وفي إنكلترا من ٣ . ٣٣ إلى ٥ . ٢١ فالزيادة في ألمانيا ٣ . في المئة وفي فرنسا ٦ . وفي إنكلترا ٥٧ وزاد تداول أوراق المصارف فكان في أواخر سنة ١٩١٥ في ألمانيا نحو ستّة مليارات ورقة في حين كان لفرنسا منها ١١ مليار ورقة وأكبر دليل على قوّة الحياة الاقتصادية في ألمانيا أنّ المودعات في المصارف الألمانية زادت عشرة في المئة على حين نقصت في فرنسا ٢٨ في المئة. وسعر القطع كان في ألمانيا قبل الحرب أرقى من غيرها فأصبح الآن خمسة مثل سائر الممالك أما سعر القطع الخاص فهو الآن أقل مما في إنكلترا مما لم يعهد إلى هذا اليوم. وأكبر دليل على وفرة المال في ألمانيا أن المصارف لا تعطي من ألفائض عن المال المودع عندها أكثر من ١ . ٥ بالمئة وتدفع مصارف إنكلترا ٣ . ٥ في المئة وهذا من الأدلة الناصعة على ارتقاء القوة في ألمانيا ويدل أنها أرقى من خصومها في الاقتصاد والمالية فقد أبانت الحرب الحاضرة أن ألمانيا أول دولة في العالم وأخذ علماؤها يعنون ببيان أن المدنية الألمانية أرقى من كل خصومها وقد نشر أحدهم مؤخراً في كتابٍ له أرقاماً هي أصدق شاهدٍ على تقدّم ألمانيا على فرنسا وإنكلترا فتبين أن ألمانيا أصدرت سنة ١٩١٣ م - ٣٤ ألف كتاب وإنكلترا أصدرت تلك السّنة ٢١ ألفاً وفرنسا ٩ آلاف وأنّ ألمانيا تنفق على مدارسها ٨٧٨ مليون مارك وإنكلترا ٣٨٤ مليوناً وفرنسا ٢ . ١ مليون وأنّ الألمان أحرزوا من جوائز نوبل مكافأةً لأبحاثهم العلمية ١٤ جائزة وإنكلترا ٣ وفرنسا ٣ وأن نفوس ألمانيا زادت في تلك السّنة ٨٢ . ألفاً وإنكلترا ١٣٤ وفرنسا ٢ . ألفاً وأنّ محصول ألمانيا من الحنطة ٢٥ مليون طن وإنكلترا ١٦ وأن لألمانيا ٥١ مركز بريد ولإنكلترا ٢٤ ولفرنسا ١٤ ولها ١٣١٥ مركز تلفون ولإنكلترا ٧٣٣ ولفرنسا ٣ . ٤ وتجاربها الخارجية عدا المستعمرات ١ . مليارات مارك ولإنكلترا ٦ ولفرنسا ٤ وثروة الشعب الألماني ٣٧٥ مليار مارك والإنكليزي ٣٤٥ والفرنساوي ٢٤٥ فألمانيا أرقى في معظم ما تقدَّم ضعفين من إنكلترا وفرنسا معاً وإليك أيضاً أرقاماً أخرى تدلّ على ارتقائها في سلّم الحضارة أكثر من خصيمتيها ففي كل ١ . . . . . جندي ألماني أميّان اثنان وفي كل ١ . . . . . انكليزي ١ . . وفي كل ١ . . . . . فرنساوي ٣٢ . ويصيب ألفرد في ألمانيا من ديون الحكومة ٣١ . ماركات وفي إنكلترا ٣٢٣ وفي فرنسا ٦٥٧ ويدفع ألفرد من الضرائب في الأولى ٤ . ماركاً وفي الثانية ٧٣ وفي الثالثة ٨ . ونفقة الأولى على الجيش والأسطول ٢١ . ٨٦ والثانية ٣٣ . ٥ . والثالثة ٦٧ . ٢٩ ومن الغريب أن ألمانيا لم تؤثّر الحرب فيها كما أثّرت في غيرها وأنّ ما أنفقته حكومتها على إعداد الأساطيل والجيوش تسرّب إلى خزائن رعاياها فقد قال الدكتور هلفريش الأخصائي المشهور أن أكثر من نصف ما أنفقته تلك الدولة تحول إلى ريع للملتزمين والمتعهدين في حين ترى سائر الدول المحاربة لم يكد يبقى لها ولرعاياها مما أنفقت سوى الربع على أكثر تعديل فأنفقت ألمانيا في السنتين نحو ٢ . - ٢٥ مليار مارك والنمسا والمجر ١ . - ١٢ ملياراً وإنكلترا ٤ . وفرنسا ٢٥ وروسيا ٣ . ففقدت ألمانيا من مجموع ثروتها نحو ٦ في المئة وإنكلترا أكثر من الضّعف وقد قدّر أحد رجال ألمانيا أنّ أمّته يقتضي لها ثلاث أو أربع سنين بعد الحرب لتستعيد مكانتها الاقتصادية على شرط أن لا يحسب في باب النفقات إلا ما أنفقته مباشرة على الحرب. وقال أن ثروتها تريد عشرة مليارات في العادة كل سنة منها ثمانية مليارات إلى ثمانية ونصف قيمة عمل وإذا قلت الزيادة بعد الحرب قليلاً فثلاث أو أربع سنين تكفي وأن ما يبهظ العوائق في ألمانيا من الضرائب مدّة الحرب ينزل بعدها فتتعادل الحالة الاقتصادية هذه حقائق تشهد شهادةً صادقةً بارتقاء حليفتنا ومن أعدّ للمستقبل مثل هذه العدّة المالية يستحيل على جيوشه أن تغلب وعلى خزانته أن تنضب ومثل هذه القوى المادية إذا وقفت إلى إيجادها أمّةٌ لا تحارب حولين فقط بل عشراتٍ من السنين. الجرائم والحرب كتب الغربيون كثيراً في الدواعي والبواعث على الإخلال بالأمن والقتل والانتحار وقام أناس يدّعون في العهد الأخير أن الحرب من العوامل التي تساعد على كثرة الجرائم بالواسطة لأنها تحسّن حالة الاستكثار من التسليح وهو على ما يزعمون سبب معظم الشرور التي يقاسي منها المجتمع وخصوصاً في كثرة الجرائم وزعموا أن التسليح العام سببٌ عظيمٌ من أسباب الانحلال الطبيعي والأدبي. وهذا القول يصحّ على إطلاقه بالنظر للفرنسيس والطليان مثلاً حيث يضعف الوازع الديني وتطلق للنفوس حريتها المطلقة ولا يصح على النمسا والمجر وألمانيا حيث تجد للآداب الدّينية والمدنيّة شأنها ذلك لأنّ ضابط هاتين الأمتين الأخيرتين يتعلمون تعلماً يتمكنون به من إحسان الخدمة زمن السلم وزمن الحرب وهم للمجتمع هناك مادة قوّة لا سبب ضعف أمّا الجنود فإن التدقيق في نظامهم وتدريهم في الثكن يؤثر فيهم تأثيراً فيهم تأثيراً أخلاقيّاً مهمّا. وكثير من أهل الدّعارة قضوا خدمتهم الجنديّة فلمّا عادوا إلى قراهم كانوا مثال حسن السّلوك وذلك لأنهم النظام وهذا أكبر أعداء الجرائم. ولذا فإن قوانين بعض البلاد تقضي بأن لا يجعل المجرم الصغير في دار الإصلاح إلى ما بعد الحادية والعشرين من عمره فينقل إذ ذاك إلى الثّكنة لأنّ الملحوظ أنّها تطهره بنظامها وتوفي ما عجزت عنه الحبوس ودور الإصلاح للنّفوس فالجنديّة إذا هي من العوامل الّتي تؤثّر تأثيراً حسناً في تقليل الجّرائم وليست عاملاً من عواملها ولا سبيل إلى الدّفاع عن دولة والاحتفاظ بمصالح الجماعة إلاّ بقوة السّلاح. منذ قرون بل على عهد نابليون كانت الجيوش مؤلفّة من حثالة من اللصوص ومن أناس لا خلاق لهم بحيث لا يستغرب أنّ الناس يخشونهم كما يخشون قطّاع الطّوق أرباب الشقاوة وكانت فرنسا إلى القرن السابع عشر تتخذ حتى الحامية الملوكية من الدّعار بحيث كان الجند مصيبة على الأمّة كما قال بعض مؤرخيهم وإذا نظرنا إلى حرب النّمسا وبروسيّا سنة ١٨٦٦ وحرب ألمانيا وفرنسا سنة ١٨٧ . - ١٨٧١ نجد كما قال بعضهم أن عدد الجرائم والجنايات في المجر سنة ١٨٦٦ ٣٦٦٣ وعدد الجنح ٩٥٨٣ أي أقل مما كان في السنين التي سلفت. فارتكبت سنة ١٨٦٥ - ٢٨٦٤ اعتداء على الآداب وفي سنة ١٨٦٦ كان عدد هذا النوع ٢٥٨٨ وسنة ١٨٦٧ - ٢٧٣٢ وارتكبت سنة ١٨٦٥ - ٥٩٦ جناية قتل وسنة ١٨٦٥ - ٥٣٩ وسنة ١٨٦٧ - ٦١٨ وارتكبت سنة ١٨٦٥ - ٤٤ . ١٦٢ سرقة وسنة ١٨٦٦ - ٤٣ . ٥٧٥ وسنة ١٨٦٧ = ٤١ . ٧١٧ وجميع الجرائم والجنح تقل زمن الحرب ولكن تزيد زمن الحرب جرائم أخرى مثل جرائم تناول الملوك بسوء أو تفوهات ردينه كما جرائم سك النقود زادت الجنح في السّنة التّالية لسنة حرب ألمانيا=فرنسا زيادة مهمّة. . . . وأهمّ الأسباب المؤثرة مباشرة في تقليل الجرائم مدّة الحرب هو أن عناصر الشّعب التي تجترح الجرائم تكون في ساحة الحرب مشغولة فقد جيّشت ألمانيا في حرب السّبعين مليوناً ومائتي ألف جندي فخف بذلك عدد المجرمين ولكن زاد عدد المجرمات وذلك لأن النَساء بقين بدون معين خلال الحرب ودفعتهنّ ألفاقة إلى ارتكاب المحظورات الحرب تؤثّر في أخلاق الشّعب المحارب وعقل سكّانه المدنيّين فتحدث فيهم حماسة من شأنها أن تحمي ألفرد من العوامل الدّافعة إلى الجرائم ويقلّ ارتكاب الشرّ في الإنسان. ومتى زاد ألفحش في أمّة تشتد الحاجة إلى عاصفة مطهّرة تشتد إلى حرب تخلّص النّفوس من شقوتها وقد أثبت علماء الإحصاء في ألمانيا أنّ هذا الانقلاب في الأخلاق مع ألفكر المتّحد والحماسة الوطنية الّتي ولّدتها حروب الألمان هي أيضاً من أسباب قلّة الجرائم. وهناك سبب ثالث غير هذين العاملين الطبيعي والأزليّ وهو أنّ الأفراد قد لا يشكون زمن الحرب في المسائل الطفيفة والحكومات تكون أوسع صدراً في هذا الشّأن فلا الصّغائر فيقلّ الضّرب على يديّ المجرمين حتّى يظنّ النّاس أنّ الجرائم قلّت أكثر ممّا هي في الحقيقة. والجرائم أيّام الحرب تختلف باختلاف طبيعتها ومهما كان الشعب راغباّ في إشهار الحرب فإنّ من النّاس من يحملون تبعة ذلك على ملك البلاد فيطيعون فيه ألسنتهم ولذلك يحكم عليهم بأحكام إهانة الملوك وجرائم الإفلاس تزيد زمن الحرب لاشتداد الأزمة الماليّة. والجنايات بعد الحرب وأنّ لم تطل أيّامها تكون أكثر لوقوف دولاب الصناعة بقلِّة المال وقلِّة اليد العاملة وإذ يهلك كثير في الحرب ومنهم من تقعد بهِ جراحته عن العمل فيزيد شقاء العائلات ويختلّ نظام البيوت وبذلك تزيد جنايات الانتحار كما قال ستارك. وزيد عقبى الحرب الاعتداءُ على الأفراد لأنّ عدداً كبيراً منَ الجندِ يعودونَ إلى الحياة المدنيّةِ وقد فقدوا شعور احترام الحياة الإنسانيّة والملكيّة أو قلّ هذا الشّعور وهذا ما يحقّ بهِ قول من يقول أنّ فكرةَ الحربِ لا تشبَعُ بغيرِ الذّهب والدّم. . وممّا لا ينكرُ أنّ الدّورِ الّذي يعقب الحربَ يحمل في مطاويه القرْم إلى السّفك والتّخريب لا المتسامح فيه بل المحرّض عليه من الرّؤساء. وهذه الأهواء الّتي تعمل عملها بالإغواء والقدوةِ يحاول المجتمع والممالك المتحاربة أن يؤجِّجُّوا نيرانها بكلّ ما لديهم من الذّرائع تغرس في النّفوس أصولاّ يصعب اقتلاعها في الحال وتظلُّ تنمو حتّى إذا مدّ السّلام رواقهُ لم تعد حاجة إليها فوجب استئصالها أو منعها من النّماء. وهنا واجبات سياسيّة اجتماعيّة يجب علينا زمن الحرب وبعده أنّ نأخذ بمحظ مّنها وهو أنّه وهو أنّه يجب على الحكومة والمجتمع أن يجتهدا في القضاء على الشّقاء والأمراض الّتي أحدثتها الحرب وأن يقوي في غضون الحرب في جميع طبقات الشعب الاعتقاد بالظّفر النّهائي وأننا على حقٍّ فيما نحارب لأجله وأن نثلم من النفوس بعد الحرب وحشيّتها وقسوتها وذلك بوساطة الصّحافة والتّمثيل والمحاضرات العامّة الألعاب الرياضيّة كتب الدّكتور ماكس نودرو العالم الإسرائيلي الألماني الكبير مقالة في إحدى المجالات الإفرنسيّة في الرّياضات والألعاب الرّياضية قال ما تعريبهُ: لقد دعي عصرنا حتى الآن بجميع الأسماء الممكنة فسمّي عصر الطّفل وعصر المرأة وعصر الطّيران وعصر السّرعة. وإذا قلنا عصر الرّياضات كانت هذه التّسمية من أصحِّ التّسمياتِ. كانت الألعاب الرّياضية بالإنكليز جسمها واسمها أمّا اليوم فقد أصبحت المسألة الكبرى بل هذه جميع الشّعوب الممدنة ولها المقام الأول في خطط تهذيب الشّبيبة والمرأة فهي في نظر الجيل الرّاقي تنوب مناب جميع الكماليّات التّقليديّة والأخلاقيّة والجماليّة والاجتماعيّة تهتمّ لها الحكومات فتبذلُ لها من العناية الإدارية مثل ما تبذل لمسائل الخراج والجيش. لا جرم أنّ الوقت قد كاد يحين لتنشيئ فيه كل حكومة منظّمة وزارة الرّياضات فإن الاستعداد للقيام بالألعاب الأولمبية الدولية يجري على أتمِّهِ في كل مكان كما يجري الاستعداد لحملة. وكلُّ ظفر يحرز في هذه الألعاب يصبح علامة محد وطنيّ وكل انّكسار يتحوّل إلى ذلِّةِ ينال شرّها شعباً برأسه. ويظهر الجمهور أهمّ الصّحف وأكبر عناوينها الخاصّة بالألعاب الريّاضية من يوم إلى آخر وقد لا تشبعه هذه الحال فيميل إلى الحصول على صحف لا يتحدّث في الأمور التّافهة كالسّياسة الدّاخلية والخارجيّة والاقتصاد السّياسيّ والآداب والفنون والتّمثيل وأنّ لا تنشر له إلّا ما ينفعه حقيقة وأعني بذلك الرّياضات وأنّ الصّحف المستقلِّة الّتي تعني بالبحث في الألعاب الريّاضيّة قد كثرت في كلِّ مكان وكثرة المطبوع منها يدل على مبلغ الحاجة العامّة التي تبيدها لممارسة الألعاب الريّاضيّة تاريخ قديم في إنكلترا فهو أحد المظاهر المهمِّة يتبع الطّبقات الاجتماعيّة الشّغب الإنكليزي فقد أخذ الفاتحون الرّومانيّون على أنفسهم حكم جمهور السّلتيين الإنكليز السّكسونيّين ممّن غلبوا على أمرهم وحرموا من حقوقهم فألفوا طبقة خاصّة يدخل فيها غيرهم إذا كان يستحقُّ أن يعدَّ في جملتهم وهذه الطّبقة معينة والألعاب وعلامة لأهل تلك الطّبقة. الألعاب الرّياضيّة تستلزم صرف الوقت والمال والقوّة والخدمة والعناء والصّبر وتستدعي فراغاً وسعة ماديّة وقوّة طبيعية وصفات من الأخلاق في قوّة الإرادة والثّبات ومجموع هذه الصّفات العالية يتألف منها تعريف الارستقراطية. وقد اكتفت بعض طبقات من ألفاتحين بتملك الّثروة ونيل الامتيازات السّياسيّة والاجتماعية. فالبذخ والنّعيم هما اللّذان تأنّثت بهما أمّة الوزير غوت في إسبانيا ففسدت وكذلك شأن اللومبارديين في إيطاليا الشّمالية والمغزل والتّتار في روسيا والمنشور في الصين. ذلك إلى اليوم الّذي قضى فيه عليهم انحلالهم وقلّة مضائهم وكان ذلك من دواعي حمل العامّة عليهم لإخراجهم من مراكزهم الممتازة ودوسهم في الأرض. وكان الدينيمركيّون والنرويجيّون الّذين أصبحوا نورمانديّين ممّن يؤلّفون الارستقراطيّة ألفاتحة في إنكلترا على جانب من المكانة والذّكاء وبعد النّظر فأرادوا أن يبقوا شجعاناً بحسب الطّبيعة وأنّ يكونوا أشدّ قوّة لا من حيث القانون فقط بل كانوا يرغبون بأن يكون كلّ واحد منهم في كل مكان وفي كلّ ساعة قادراً أن يظهر بقوة زنده حقيقة استعلائه وتقدّمه على كلّ من يجرا على أن يشكّ فيه أو ينكر عليه تقدّمه ولذا كانوا يذهبون إلى أن هناك واسطتين لحفظ القوّة العضليّة وزيادتها فهم أمّا أن يقوموا على الدّوام بأعمال جسدية عظيمة وأن يعمدوا إلى الألعاب الأولمبية الحاوية على المشاهد والملاهي والدّقة ولم يكونوا يعملون أعمالاً هي من شأن العمامّة وعدوا إلى استخدام الألعاب الرّياضيّة التي كانت علامة مميّزة لطبقتهم. وقد أرى في هذا الباب كما يجري في كلّ مكان للمجتمعات الأوليّة الّتي تضع بصنعها خطّة تتّبعها الطّبقات الأخرى في الأمّة فإن الريّاضيات كانت بادئ بدء امتيازاً بل علامة للإشراف فغدت من أكثر ما تعنى به الأمّة. وبديهي أنّ الرّجل المنوّر يقوم على أحسن ما يكون بنوع من الألعاب الرّياضيّة على الأقلّ. وأنك لترى في الكتاب الّذي وضع للتّعريف بكل إنسان ذي مكانة في المجتمع واسم مشتهر بين النّاس في جملة التّفصيلات المعتادة عنه إشارة إلى نوع الرّياضة الّذي يميل إليه والمترجم له يرى أنّ ذكر المرء وما يرتاض به هو من الجوهريّات مثل مكان الولادة وتاريخها وإيراد سلسلة نسبة وحالة أسرته ودروسه المدرسيّة ومركزه وألقاب تشريفه وأعماله الّتي رفعته. ولما سئلت للمرّة الأولى أن أجيب على تسجيلٍٍ في هذا الكتاب ليرجع إليه عرانيّ الخجل أن أترك عنوان الملذ له من الرّياضيّات فكتبت بجسارة: المسايفة لعب السّيف والتّرسّ والعوم وإن لم يبلغ مبلغاّ من المهارة فيهما يصح أن يذكر وإن كت منذ سنين ممتنّعاً عن هاتين الرّياضيتين ويا للأسف ولم أستطع أن أصرف فيهما وقت قصير حدّاً وأنّك لترى القصص الإنكليزية الّتي تؤلفها النّساء وغيرها من أنواع الأقاصيص يوصف أبطال رجالها بقوّة لطماتهم ولكماتهم وثباتهم وصبرهم في هذه الألعاب وحذقهم في التّجديف ولقد ضحك السّياح الّذين أتوا من أقطار أوربا إلى إنكلترا من طريقة التّعليم العالي في هذه الدّيار وظهر لهم وهم يهزّون أكتافهم أنّ تربية العضلات هناك مقدّمة على التّربية العقليّة وأنّ صفوف الدّروس كانت فارغة على حين تغصّ ساحات اللّعب بالطّلبة وقد امّتازت كلّيتا كمبردج وأكسفورد قبل كلّ شيء عن المدارس العليا بلعبة الفوتبول والرّياضات المائيّة كالعوم وإنّ الشّبان الّذين ينالون ألقاب الأكاديميات كانوا يجعلون لقوّة الجسم ميّزة على تعلّم العلوم لا جرم أنّ إنكلترا تعجب بمن قام فيها من الرّجال أمثال داروين وماكسويل واللورد كلفن ورامسي ولكن هؤلاء العظماء لا يعزونها عن رؤيتها أن يكون رجلها في الملاكمة الثّقيل الجسم بومبارديه ولس يستحقّ مؤخّراً في ساحة اللّعب في ٧١ ثانية على يد شاب فرنساوي فظ اسمه كارانتيه وعمره تسع عشرة سنة. لا جرم أنّ إنكلترا كانت تؤثّر التّخلّي برضاها عن اكتشاف علمي نسب إليها تغلب مبارزها الذي كانت غلبته مصيبة وطنية عامّة سجلتها كبريات صحف لندرا بمداد الحدّاد وأشارت إلى أنّ ذلك الانكسار دليل انحطاط الشّعب الإنكليزي. ومع ذلك فإنّ الرّياضيات تكاد لا تكون الآن خاصيّة من خواص إنكلترا فقد أجازت الخلجان والبحار وهي الحاكمة المحكمة اليوم في اليوم العالمين وقد اتّفق على استحسانها مؤرّخو المدينة ورجال الأخلاق والنّاقدون واللّغويون في العصر ليدلّوا على ما في الألعاب الرّياضيّة من ألفرح والبهجة فهي تصغي الأخلاق لأنّها تستدعي نظاماً قاسيا وتضطّر صاحبها إلى القناعة والعفّة وحيث انّتشر الولوع بها تراجعت ربّتا الخمر والجمال باخوس وفينوس وبتأثيرها يضمحلّ ما يضرّ بالخَلق والخُلق فهي تربّي النّوع على السّرعة والشجاعة والجمال والإنسانية مدينةٌ لها بجيلٍ من الأبطال. وهذا الرّأي الشّائع لا يجرأ على مناقضته إلا بعض علماء التربية ممن يصرّحون بأفكارهم ولا يحاذرون أن يطردوا من حظيرة الحظوة وأن يوصموا بالارتجاع والجمود ليس للرياضيّات من ألفضائل ما ينسبونه إليها بل هي تستفيد من الخطأ الشّائع الذي به يخلطون بين الألعاب الطّبيعيّة والألعاب في الهواء الطّلق ولا يراد بلفظ الرّياضة البراز ولا الجمناستيك بل للرياضة البدنيّة غاياتٌ أخرى ومقدّماتٌ طبيعيّة فهي تقوم بمؤثّراتٍ أخرى وفي مطاويه عدّة فروقٍ في العواطف بل إنّ الرياضة مع الجمناستيك لعى طرفي نقيضٍ فإنّ المتعصّبين للرّياضة ينظرون إلى الجمناستيك نظر ازدراءٍ ويرون أنفسهم في ألعابهم مجددين وأنّهم صورة الارتقاء والتّنوير ويعبّرون عن مرامي العصر أما المنصرفون إلى الألعاب الجمناستيكيّة فيجيبون على ذلك أنّ جميع النّتائج الميمونة التي تدّعي أنّها تحويها الرّياضة يحتويها الجمناستيك على حين ليس في هذا كما في ذاك من العوائق فالرياضة الجسمية أو الجمناستيك يبحث عن نظام الجسم وعن الكمال العامّ في قواه وعن قمع مجموع العضلات وعن تربية الإرادة وتنمية الثّقة بالنّفس والمصارع المدرّب تدريباً حسناً ينال بدون تعمل من أعماله كلّ ما فيها من النّتائج فيبلغ هادئاّ آمناً مطمئنّاً إلى أقصى الحدود التي تستطيع بلوغها قواه الجسديّة. والرّياضة لا تعمد إلى تربية جميع القوى الطّبيعيّة تربيةً واحدةً وغايتها التّفريق والتّخصيص ولا تستلزم من الجسم إلا حالةً واحدةً ولكن يجب أن تكون في أرقى مظاهر الكمال. والسّرعة هي التي تطلب من جميع الرّياضات ولا يعدّ من أهل الارتياض في شيءٍ من لا يعجّل ويقطف ثمار الظّفر في رياضاته. والمرتاض يحمّل طاقته فوق قوّتها ولا يسوّغ له أن يضعف لا لأجل نفسه بل ضدّ غيره. وقد قال شيلر: إنّ المصارع يتعلّم في طيّ السّكوت والمرتاض بين جلبة العالم. وتقاس قوة المرتاض ضدّ خصومه ويقام أبداً مع منافسين يحاول أن يتفوّق عليهم ولا يشعر بأدنى سرور في حالةٍ حسنةٍ في ذاتها كانت أحطّ من غيرها فإذا بلغت به الحال أن يصل بتكرار العمل أن يكون الأول يجب عليه أن يدافع عن مركزه من التّالين له أو أن يترك العراك ويعترف بأرجحيّة غيره عليه ويرضى صاغراً بالتّصريح بأنّه تجاوز أقصى درجات قوّته وانّ الخطّ المستدير من حياته أخذ بالهبوط. يتأتّى أن يكون المرء مصارعاً إلى سنٍّ متقدّمةٍ ولا يكون مرتاضاً إلا في أوائل سنّ الشباب وقوّته على لقاها لم تصبّ بما ينقصها. ومن النّادر أن يكمل المرء في الصّراع بعد الثلاثين من عمره ولا أعلم أحداً في الأربعينات وفِّق إلى تعلّم السرعة. البراز هو الوساطة التي يبقى بها المرء زمتاً طويلاً أما المرتاض فإنّ صحّته تعجّل عليه فتنحّيه عن عمله. البراز يمكن أن يكون مشغلاً ومسلاّت لوضع الموازنة بين النشاط الطبيعي والعمل العقلي والإرتياض حاكمٌ حسودٌ لا يسمح لغيره بأن يقف معه. ولكي ينال المرء ما في التبريز في الإرتياض من الشرف يقتضي عليه أن ينصرف إليه كلّ الانصراف وإنّك لتطلب من محترفٍ بحرفةٍ أكثر مما تتطلب من مولّع بها. والرّياضة تستلزم أن تشغل حياة من يطمع في التّبريز فيها بأسرها. الإرتياض يضرّ بالجمال ويقضي على تناسب الأعضاء بإحداثه خللاً في نظام القوى وانبساط قلبٍ مفرطٍ إلى جانب هزالٍ مضنٍ. فليس هو بمناسبٍ للصّحّة بل يؤدّي بها إلى الخطر. والمتنافسون في الإرتياض معرّضون لأمراض القلب ولداء الأعصاب وقلّما يعمّرون طويلاً. الإرتياض لا ينشئ جنساً قويّاً والمرتاض الحقيقي لا يعدّ شيئاً إذا خرج عن اختصاصه فهو إذا قفز لا يحسن الجري وإذا رمى بالإطار الطارة لا يُطلَب منه عملٌ آخر. ولا عمل له في تحسين الجنس وبكثرة إنهاكه لقواه العصبيّة وإفراطه في عمله يكون متوسّطاً فيما يتمّ على يديه أو بالمجد والغنى وقد احتفل بالفائزين في سباق الرياضات أكثر مما احتفل بالعلماء الأعلام ولا فائدة منه إلا أنّه يدلّ أنّ المرء يستطيع أن يسير أبرع من حصان السّباق وأنّه يجري شوطاً أوسع من شوط الذّئب ويقفز أكثر من النّمر القضاء والعلم دعا ناظر مدرسة حقوقٍ تلامذة الصّف الآخر من مدرسته وخاطبهم فقال: إنني مسرورٌ لرؤيتكم مرّةً أخرى مجتمعين قبل حصولكم على شهادتكم النهائية ومفارقتكم للمدرسة. لا تتصوّروا بعد حصولكم على الشّهادة أنّ باب الدّرس أقفل فالإنسان لا يستغني أبداً عن المطالعة والدّروس وعليه فأنا أميل كثيراً إلى أن تكونوا نادياً أو جمعيّةً يكون القصد منها إيجاد مكتبةٍ فيها تطالعون وترجعون إليها في أبحاثكم في المستقبل وبداعي قرب الامتحان ألفتُ نظركم إلى مسألةٍ كثيراً ما تنسونها وتعتقدون أنّ فيها ضياعاً للوقت تلك المسألة هي الراحة والفسحة فأعطوا أنفسكم نصيبها من ذلك إذا أردتم نجاحاً يهمّني كثيراً قبل مفارقتكم لنا أن أملي عليكم بعض الصّفات التي يجب أن تتحلّوا بها في مستقبلكم والتي عليها تتوقّف علوّ منزلتكم واعتباركم بين زملائكم أنّ أول ما أذكّركم به عزّة النّفس واعتماد الإنسان على نفسه تلك أمورٌ كثيراً ما تدور على الألسن وينصح بها كلّ إنسانٍ غيره ولكن قلّ من يطبّقها على نفسه. إنّ ذلّ النفس أمرٌ مرذولٌ جدّاً. فإذا أحاطت بالإنسان أحوال احتياجٍ فعليه أن يسعى بقدر الإمكان في كتمانها وان يتظاهر أمام الناس بأنّه في غنىً وأنّه لا يريد المزيد. تلك صفاتٌ تجعل صاحبها مهيباً موقّراً في أعين أقرانه فإنّ كثيرين من الناس يبثّون الشّكوى لغيرهم من سوء حالتهم ويذكرون لهم أموراً متعلّقةً بأشخاصهم وقد لا يميل المشكو إليه إلى سماعها مثال ذلك يقول شخصٌ لغيره إنّي فقيرٌ ومحتاج وأريد تنمية ثروتي. فهذا كلامٌ لا لزوم له ولا محصّل يجب على الإنسان أن لا يصرّح بكلّ ما في ضميره خصوصاً مما لا يهمّ الغير. فإذا كان أحدكم في وظيفةٍ فلا يلزمه أن يشكو ويقول أنّ فلاناً كان معي وكان أقلّ منّي في المرتبة وهو الآن رئيسي. فإنّ إفشاء مثل هذه الأمور ينقص اعتبار قائلها. الإنسان يسعى ليرتقي ولكن بدون أن يشكو ويبكي تجول في خاطري مسألةٌ أخرى كثيراً ما يقع فيها معظم الناس وأعني بها التسرّع في الغضب وعدم مقدرة الإنسان على كتمان فزعه. حقيقةً أنّ هذه أمورٌ قد يصعب في بعض الأحيان تجنّبها ولكن إذا تجنّبها الإنسان تجعله مهيباً مسموع الكلمة يلفت أنظار النّاس خصوصاً عندما يرون من هدوئه وسكونه إذا حلّ به أمرٌ يوجب القلق. إنّ اللين يفعل ما لا تفعله الشّدّة. خذوا مثالاً بسيطاً. افرض أنّ عندك خادماً أتى أمراً أوجب سخطك فانهلت عليه بالشّتائم فقل أن يفعل زجرك في خادمك فعلاً حسناً وقل أن يهابك ولكن وبّخه بطريقةٍ ليّنةٍ مذكّراً إيّاه أنّ له حقوقاً وعليه واجبات فإنّ ذلك يفعل فيه ما لم تفعله جلبتك فضلاً عن أنّك تصون نسك. هذه الصّفة العالية شديدة اللزوم في حرفتكم سواء كنتم قضاةً أو محامين فيجب على القاضي أو المحامي أن يسعى بقدر الإمكان في كتمان إحساسه ولا يتأثّر بسرعةٍ ولا يأخذه انزعاجٌ ولا دهشةٌ حتّى يكون حكمه مبنيّاً على عقلهِ لا على وجدانه. فإذا كان أحدكم محامياً وعامله القاضي بغلظةٍ وبشدّةٍ فلا يجب أن يفزع من أول الأمر بل عليه أن يصبر مرّة وأخرى ويدافع عن حقّه بدمٍ ساكنٍ وبذلك يؤثّر في نفس القاضي ويزداد هيبةً ووقاراً. ألفت أنظاركم إلى مسألةٍ تتعلّق بمعلوماتكم العلميّة إنّي لا أشكّ في أنّ مهمّة القاضي والمحامي من أشرف الأعمال وأشقّها. فكلٌّ منهما ليس مختصّاً فقط بمعرفة القانون وعندي أنّه لو درسه في أوسع موسوعاته لما عدّ قاضياً خطيراً أو محامياً نحريراً. إن إجادة درس القضايا والحكم فيها لا يحتاج فقط إلى معلومات قانونيّة بل إلى معلومات طبيّةٍ وزراعيةٍ وهندسيّةٍ وحسابيّة. إنّ القاضي يفصل في نقط قانونيّة بعد تقدير الموضوع ولكنّ هذا الأخير يحتاج إلى معلوماتٍ كثيراّ ما تكون غير قانونيّةٍ أنا لا أطلب أن يكون بيد رجل القانون شهادةٌ في العلوم الأخرى فذلك أمر مستحيلٌ وإنّما أطلب منه أن يكون ذلك الرّجل الّذي يمكنه أن يبدي رئياً في كلّ شيءٍ ولو إلى درجة محدودةٍ. أطلب منه أن يكون عموميّاً فكثيراً ما أهمل القضاةُ والمحامون ذلك الأمر وعند عرض نقط طبيّة أو هندسيّة ينفضون أيديهم ويقولون نحن لسنا أطبّاء أو مهندسين لنأخذ تقرير الاختصاصيّ. فذلك ما أنهاكم عنه قد يستعين رجل القانون بتقرير الاختصاصيّ فلا يجب أن يهمل المسألة ففي يده أرواح الناس وأموالهم وأعراضهم وهو المسؤول عن حكمه لا الخبير. فيجب عليه أن يبحث بنفسه ويناقش الاختصاصيّ في رأيه ويطلب منه بيان الأسباب التي أدّته إلى تكوين اعتقاده حتّى يرتاح ضميره. لا جرم أنهلا يمكنه القيام بذلك إلا إذا كان عنده بعض معلوماتٍ بالطّبّ أو الهندسة أوغير ذلك يجب على المحامي أن يكون كذلك حتى يصون حقوق موكّله ويقوم بالدّفاع خير قيام. أستشهد بقضايا كثيرةٍ تحتاج إلى المعلومات العلميّة مثل قضايا التّنويم المغناطيسي والتّسميم وأشير أيضاً إلى قضيّةٍ حدثت في بلاد الإنكليز كان لها رنّةٌ بين رجال القانون. قضيّةٌ تضمّنت حيثيّاتها منشأ التّلغراف اللاسلكي وتاريخه وتركيبه وكلّ ما يتعلّق به حتّى قال بعضهم لمّا قُرأ الحكم: إنّ القاضي الذي أصدر الحكم كان بلا شكٍّ مرافقاً لمخترع هذا الاختراع في جميع أبحاثه. فهذا يبيّن لكم بأجلى بيانٍ المعلومات التي يجب على القاضي أن يعرفها فلا تحرموا إذا مكاتبكم من كتبٍ متعلّقةٍ بتلك الموضوعات حتّى تقوموا بحرفتكم أحسن قيام وكونوا في كلّ أطواركم مهذّبين من الرّقّة والأدب على جانبٍ أي ليكن كلٌّ منكم جنتلمان مرض المسكرات ألقى الطّبيب مطهر عثمان بيكأحد الأخصّائيين في الأمراض العقليّة والعصبيّة محاضرة في مرض السّكر أحببت أن أعبها قال: كان يحظّر على طبقة النّبلاء في الهند قديماً تناول السّكّر ومن أقدم على تناوله منهم فإنّه يسقط عن مكانته الأولى ولا يحسب في عداد النّبلاء. أمّا الصّين اليوم فإنّها ذاهبةٌ قرباناً للمسكر وإنّ أكبر عامل في انحطاط هذه الأمّة المؤلّفة من مئات الملايين من النّفوس هو المسكر وإنّه هو الذي جعلها تصل إلى هذه الدّركة من التّدنّي وأفقدها روحها وتركها بها يائسة ومما يؤثر عن أحد امبراطرة الصّين أنه قال: إذا دام فتك مرض السّكّر بهذه الصّورة فإنّي في شك من بقائنا على تخت السّلطنة في المستقبل وقد اتّخذوا تدابير كثيرة لوضع حد لتفشّي هذا المرض وأثر عن فلاسفتهم مثل قوا وكنفوشيوس كثيرٌ من القول في هذا الصّدد ولكن هذه المملكة الهرمة القاطنة في الشّرق الأقصى لا تزال سكرى ثملة ولا يزال أهلوها قاطبةً يتناولون أقراص الأفيون في منازلهم المنزوية بين ثنايا تلك الأزقّة الضّيقة ويقضون كلّ يوم ساعات كثيرة سكارى لا يعقلون تعاطي المسكر لم ينحصر في الهند والصّين فقط بل تفشّى عند التراك والعرب والعجم وبين كل المم الشّرقيّة غير أنّه في دور مبعث صاحب الرّسالة عليه السّلام أعلنت أكبر حرب على المسكر ونزل كثير من آيات القرآن الكريم المعجزة ورويت أحاديث نبويّة جمّة بأسلوبها الّطيف الوقور ومتانتها وكلّها تخطر على من دانوا بالإسلام تعاطي هذا السّمّ القاتل وبسبب هذه الحرب التي أعلنها الدّين الإسلامي على المسكرات دخل المسلمون إلى حظيرة من السّعادة ولم يجد المسكر بين ظهرانيهم محيطاً ملائماً ولا مناخاً سهلاً وإنّ هذه الشّدة التي جاء بها الدّين الإسلامي إزاء تعاطي المسكر يؤيّدها ألفن اليوم ويسعى للقيام بها بكل ما أوتي من قوّة المسكر أحد الأمراض الإنسانيّة الواجب معالجتها وهو أنواع جمّة متعددة ولكننا نستطيع أن نقول بصورة مطلقة أنّها كلّها مضرّة وأنّها تهدم البنية وتنخر الدّماغ والعصاب ولها تأثير كبير في الأنسال فإنّ أكثر المرتطمين في حمأة المسكر لا يلدون وإذا نسلوا ولابد فيكون ولدهم شخت الخلقة سيءّ التّركيب ضعيف البنية. المسكر ليس بغذاء يربّي الجسم أو يزيد الدّم أو يبعث القوّة ولا يصدق هذا على الإنسان وحده فقط بل على الحيوان أيضاً والتّجارب التي أجراها العلماء تؤيّد هذه الحقيقة. إنّ ألفراشة التي تعيش متطايرةً في حدائق الورد لتسكرها تلك القطرات المترقرقة على اوراق الأزهار الملوّثة المفتّحة في فصل الربيع، وإن القردة لتشرب المسكر من يد سقاتها بكل لذّة وشوق ولا تزال تعوي وراء أولئك السّقاة تستعطفهم ليزيدوها من هذا المسكر حتى تصل إلى جدران المدينة، والخيل إذا سقيت المسكر يقوى بها الشّبق الشّهوةوتعدو كثيراً ولهذا ترى فرسانها يحرصون كلّ الحرص على سقيها المسكرات قبيل السّباق، ولكن هذا الحيوان المسكين لا يلبث أن يسقط فيما بعد مريضاً، حتى أن الحمر ليمرضها تناول الجرعة الواحدة منه. يوجد في بلادنا اعتقادٌ غريب وهو أن المسكر يصلح أن يكون دواءً لبعض الأمراض وهذا بناءً على بعض روايات باطلة يعزونها إلى أطبّاء اليونان، لا، إنّ هذا الاعتقاد من الأمراض السّارية فالمسكرلم يكن في وقت من الأوقات نافعاً للحياة. وأعود فأكرر القول بأنّ المسكر سمّ قاتل لأنّه يبيد الحجيرات الدّماغية وانّه يأتي إلى العروق وإلى أدق الأعضاء وألطفها فينخرها. يبحث بعضهم عن فائدة تعاطي المسكربكميّة قليلة. وهذا يصلح أن يكون نموذجاً لإغلاط ألفكر الإنساني، نعم، إنّ كل القرابين التي قُدِّمت من بني الإنسان لهذا السّم بدأت أولاً تتعاطاه قليلاً قليلاً ثمّ تمكّن منهم وعُدّوا فيما بعد من صرعاه. وإنّ كل الجنايات والفضائح في العالم كله أثرمن آثار المسكر. في الغرب لا يتناول المسكر إلا الطبقات السفلى من البشر أمّا عندنا فإنّ كبار الأسرات تضعه على موائدها بين الأطعمة المغذّية وبين مختلف النّقول. وإنّ هذا الخائن الذي يُطرد اليوم من كلّ الممالك وُجِد له بين ظهرانينا مباءة صالحة. وأهم ما يجب عمله على الحكومة بلا شبهة أن تمنع تعاطي المسكر بين موظّفيها بصورة قطعية. المسكر لم يكن منذ زمن قريب معروفاً عند الأهلين وإنّما تسرّب إليهم من بعض الأورام المهاجرين من بلاد اليونان للإتجار في بلادنا فإنّ هؤلاء كانوا السببفي تفشّيه بين شبابنا في عامة الأنحاء فتراه اليوم يباع في الأناضول في كل مدينة وقصبة وقرية ومزرعة ومن المُحَقّق أنّه بعد مدّة يصبح دواء هذا الخطر من أعقد المسائل وعليه فينبغي اتّخاذ الأسباب اللاّزمة من الآن والتّحيّل لرد هذا العدو الأزرق الذي يسمّ النّسل ويضربه ضربة قاضية لا يقوم منها أبداً. رشدي الحكيم.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_93.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.93.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
