<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.92.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.92.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٩٢ بتاريخ: ١ - ٩ - ١٩١٤ الخطابة عند العرب توطئة دلتنا الحرب الحاضرة على كثير مما ينقصنا من العلوم والصناعات الشائعة عند الأمم الغربية وكانت فاشية في القديم عند أجدادنا. ومن ذلك صناعة الخطابة وهي من أجل العوامل في تربية النفوس أيام الحرب والسلم وفي بث دعوة أو سفارة بين متخاصمين أو متحابين إقناع يوم الحفل واستمالة الأفكار إلى رأي أو حزب في المجالس والمؤتمرات والمجامع والجوامع لا تستغني عنها أمة دستورية بحكمها مجلس نوابها إذ أن التنفير من مسألة والتذكير بأخرى لا يتم إلا بقوة البيان وسلاطة اللسان وفصاحة الحجة وظهور المحجة والسبب في قصورنا عن هذه الغاية طول عهدنا بالحكومة الاستبدادية المطلقة حتى إذا انقلبت إلى حكومة شورية أحسسنا بنقص في عامة مكونات الأمم وكان خطباؤنا المصاقع يعدون على الأصابع في جميع أدوار مجلسنا النيابي والمبرز منهم من كتب له أن كان أستاذا في مدرسة أو مدرساً في جامع ففتقت السن أهل هذه الطبقة وقليل ما هي على أيسر وجه لأنها كانت على جانب من ألفضل ومعرفة بأصول المجالس أما أكثر النواب فكانوا بمعزل عما ينبغي لهم من أدوات ألفهم والكلام والحرية فضاحة فضحتنا بقلة المتكلمين والمفكرين منا مع أن الخطابة مما أوجبته علينا الشريعة الإسلامية كما ظهر أمرنا وتبين عجزتا واستبان إفلاسنا في مسائل العلم والتأليف فقد كان بعضهم يوهمون أن طبائع الحكومة المطلقة وهي قائمة بكم الألسن وحجز الأقلام هي التي تحول دونهم وما يشتمون من انبعاث عملهم ونشر أبحاثهم ودروسهم وظهور أثر فضلهم وأدبهم وتحقيقهم وربما غالى بعضهم فقال اختراعهم واكتشافهم وأنهم لا يتوقعون إلا دور انطلاق حتى يظهروا ما كنته صدورهم من العلو والفنون وها نحن نعيش في ظل الحكومة الدستورية منذ ثماني سنين ولم نشهد أثراً لغير من عرفوا من قبل بألفهم والعلم وجل ما اتصل بنا أنه نشرت مباحثات ومناقشات قلما تفيد أمة تريد النهوض من طريق العلم والعمل نحن موقنون أن التبريز في الخطابة صعب ولكن بالتعلم والمعاناة يصل المرء إلى درجة حسنة في الجملة وفي العادة أن يكون النوابغ قلائل في كل فن فإذا عد في الأمة عشرة منهم في كل شأن ومطلب تعد غنية بعلمها وعقلها ولانحطاط الخطابة الدينية في هذا العهد تأفف كثبر من حضور الجمع حتى لا يسمعوا خطباً لاقتها الألسن منذ قرون وليس فيها شيء من النفع ولقلة المجيدين بل المتوسطين في هذه الصناعة غداً الناس يسمون خطيباً كل من يرفع عقيرته ولو كان جاهلاً عامياً بل أمياً غبياً وعلى العكس رأينا في بعض البلاد خطباء بعض المساجد مجودين في الجملة يقولون ماله معنى في الوغظ والإرشاد قد حببوا غشيان المساجد لمن كانوا لا يعرفونها وبتأثير الإخلاص والإجادة والكلام بحسب طبائع القوم وحاضر العصر كثر العاملون بأحكام الدين القائمون بتكاليفه وبلغت حالة الانحطاط في ضعف البيان وفسولة الرأي والحجة بأكثر خطباء الجوامع ومنهم الأميون الذين لا يكادون يقرأون الكتاب إن أصبحت نصف خطبهم زهداً في الدنيا على غير طريقة السلف المشروعة والنصف الآخر دعاء يحفظونه لا يحرمون منه كلمة ثم هم يدعون بأدعية مردودة في الشرع شأنهم في بيان فضائل الشهور والأيام والبلدان والجوامع حتى خطب بعضهم وكان حشوياً جلجلونياً في أعظم جامع في هذه البلاد عند إرادة الحث على تجديد بنائه فقال إن الصلاة فيه تعادل ثلاثين ألف صلاة وأورد لذلك أحاديث لا تعرفها إلا عقول الرضاعين والقصاصين ولطالما خطبوا أن من صام يوم كذا غفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر إلى غير ذلك من البدع والفضول التي لم تأت بها شريعة الرسول وقد أنكرها أئمة ألفقه والعلم من المتقدمين والمتأخرين ولاسيما شيخ الإسلام أبن تيمية وابن قيم الجوزية المتوفى سنة ٧٥١ وابن الحاج المتوفى سنة ٧٣٧ ولو كان الخطباء على جانب من فهم أسرار الشريعة وعرفة طرق البلاغة وما يصلح الناس ما عالجوا من الموضوعات ما يرجع بالناس القهقرى هذا في الخطب الدينية فهي أيضاً تتصرف على ذاك النحو نصفها تجميدات ومقدمات واعتذارات وسخافات واستطرادات منوعات ولو محصت لما بقي منها إلا التافه اليسير من المعاني أم تأثيراتها في الأفكار فضعيف جداً ولعل هذا النقص البين يتلافاه أساتذة المدارس الابتدائية والوسطى والعليا بتمرين طلبتهم أبداً على الإلقاء وممارسة الكلم ألفحل يوم الحفل وفي النوازل والأمور العامة فينشأ من هذا الجيل فئات تسد هذا النقص المحسوس المشاهد في طبقة رؤساء الدين ورؤساء الدنيا ويمرن الجميع على كتابة ما يريدون الخوض فيه وعلى استظهاره أو إلقائه على نحو ما سارت الأمم الحديثة والأمم القديمة الراقية فينبغ فيها خطباء ووعاظ ومرشدون داووا جهالة شعوبهم بأساليب القول الجزل والمنطق الخلاب والبرهان الساطع وها نحن نحفظ لطلاب هذا ألفن الطريق الذي سلكته العرب في تقوية ملكة البيان معتمدين في النقل على أئمة هذا الشأن مشيرين إلى تاريخ الخطابة والمجودين فيها من أهل هذا اللسان قبل الإسلام وبعده موردين من الشواهد ما يصح تحديه والنسج على أسلوبه وذلك بقدر ما يتسع صدر المصادر التي نقتبس منها وتسمح صحف هذه المجلة ولعل غيرنا ينهض إلى التوسع أكثر من توسعنا في هذا الموضوع الواسع الأطراف تلقيحاً للعقول وإهابة بها إلى ما يصلحها ويزكيها بالبلاغة فنقول: ٢ حد الخطابة وأقسامها نقل ابن رشد الخطابة صناعة تتكلف الإقناع الممكن في كل مقولة من المقولات وغايتها إقناع الجمهور فيما يحق عليهم أن يصدقوا به من الأمور السياسية والوظائف الشرعية وقال أبو البقاء: الخطابة هي الكلام النفسي الموجه به الغير للإفهام قالوا وليس للخطابة موضوع خاص تبحث عنه بعزل عن غيره ولذلك كان على الخطيب أن يلم بكل صنف من المعارف فوجب عليه لبلوغ هذه الأمنية أن يتبحر في العلم ويتفنن في ضروب ألفهم حتى كان سيسرون خطيب الرومان يوجب على الخطيب معرفة ألفنون الأدبية والرياضيات والرسم والتصوير والنقش والموسيقى وغير ذلك ومعنى إقناع الجمهور إرضاء السامعين بالبرهان بحيث تكون البلاغة ملكة في الخطيب وهناك يقتضي له من العلم الواسع ونفاد البصيرة وحضور الذهن وقوة التأثير وطلاقة اللسان ولطيف البيان ما يستميل به الجمهور إليه في موضوع ويصرف أذهانهم عن أمر ويوجه أنظارهم إلى آخر ويحرضهم ويقنعهم ولذلك أدخل الحكماء الخطابة والشعر في أقسام المنطق كما نقل عن أرسطو لأن المقصود منه أن يوصل إلى التصديق وأصولها عندهم ثلاثة الأول إيجاد المعاني الحقيقة بالإقناع من الأدلة والآداب والثاني تنسيق المعاني أي سرد أجزائها على نظام واحد ليحكم تركيب الخطة وارتباط أقسامها بحيث نكون ابين غرضاً وأحسن في النفوس وقعاً والثالث التغيير الذي يراعى فيه حال السامع لتصاغ له المعاني في ألفاظ تنتشر بها نفسه وتمتزج بأجزاء فهمه ويمكن إرجاع الخطابة إلى قسمين الخطابة المدنية والخطابة الدينية فالمدنية يتصرف تحتها كل ما فيه إصلاح المدينة والخطابة الدينية كل ما يرجع إلى تطهير النفوس ليكون لأهلها مدنية فاضلة في الدنيا وسعادة شاملة في الأخرى الخطابة نوع من منثور الكلام يأخذ من النثر تصوير الحقائق وإبلاغها النفوس من دون أتعاب ذهن ولا تكلف في الأداء ومن النظم سلاسته وتأثيره في النفس وقد كانت العرب في جاهليتها تقدم الشاعر على الخطيب بفرط حاجتها إلى الشعر الذي يقيد مآثرها ويفخم شأنها ويهول على عدوها ومن غزاها ويهيب من فرسانها ويخوف من كثرة عددها ويهابها شاعر غيرها قال أبو عمرو بن العلاء فلما كثر الشعراء واتخذوا الشعر مكسبة وتسرعوا إلى أعراض الناس صار الخطيب عندهم فوق الشاعر وكان لكل قبيلة شاعر كما كان لكل واحدة خطيب. الخطب والوصايا متقاربة يقصد بالأولى قوم لا على سبيل التعيين والتخصيص فتكون في المشاهد والمجامع والأيام والمواسم والتفاخر والتشاجر أمام العظماء والملوك والأمراء والوفود وفي الصلح وإشهار الحرب وفي الخطوب والنوازل أما الوصايا فتكون لقوم بعينهم في زمن مخصوص على شيء منصوص وربما كانت من شخص لأهل بيته أو سيد لقبيلته عند حلول مرض أو أجل أو هجرة في الأرض ٣ الخطابة والأنبياء ذكروا أن العرب عنيت بالخطب في جاهليتها أكثر من عنايتها بها في الإسلام ولم يظهر لنا سر هذا لأنا رأينا هدي النبيين والمرسلين على خلاف ذلك رأينا الرسول صلوات الله عليه لم يتعلم الشعر وما ينبغي له وكان سيد الخطباء بلا مراء وكلامه خطب وحكم وبسيرته الشريفة اقتدى كبار الصحابة والتابعين والخلفاء والملوك والمرشدين والعلماء العاملين ولكن كثر الشعر أكثر من الخطب لأن الشعر أقرب إلى تقييد المآثر والتأثير ولأنه يحتمل من الخيال والمحال مالا يحتمله الخطاب بحال من الأحوال قال صاحب الريحان والريعان إن ما تكلمت به العرب من أهل المدر والوير من جيد المنشور ومزدوج الكلام أكثر مما تكلمت به من الموزون إلا أنه لم يحفظ من المنثور عشرة ولا ضاع من الموزون عشر لأن الخطيب إنما كان يخطب في المقام الذي يقوم في مشافهته الملوك أو الحالات أو الإصلاح بين العشائر أو خطبة النكاح فإذا انقضى المقام حفظه من حفظه ونسيه من نسيه بخلاف الشعر فإنه لا يضيع منه بيت واحد قال ولولا أن خطبة قسس بن ساعدة كان سندها مما يتنافسه الأنام وهو إن النبي صلى الله عليه وسلم هو الذي رواها عنه في اطار ذكرها ما تميزت هما سواها قال القلفشنديبعد إيراد ما تقدم وليس ما أشار إليه لرفض النثر عندهم وقلة اعتنائهم به بل لسهولة الشعر وشيوعه في حاضرهم وباديهم وخاصهم وعامهم بخلاف الخطابة فإنه لم يتعاطها منهم إلا القليل النادر من ألفصحاء المصاقع فلذلك عز حفظها وقل عنهم نقلها وقد كانت تقوم بها في الجاهلية سادات العرب ورؤسائهم ممن فاز بقدح ألفضل وسبق إلى ذرى المجد ويخصون ذلك بالمواقف الكرام والمشاهد العظام والمجالس الكريمة والمجامع الحفيلة فيقوم الخطيب في قومه فيحمد الله ويثني عليه ثم يذكر ما سنح له من مطابق قصده وموافق طلبه من وعظ يذكر أو فخر أو إصلاح أو نكاح أو غير ذلك مما يقتضيه المنام نعم إن الخطابة صناعة الرسل عليهم السلام لأنهم يدعون إلى الله ويكلفون بإرشاد الخلق وهذا يقتضي البلاغة والبيان المتناهي لذلك قال موسى رب اشرح لي صدري ويسر لي أمري واحلل عقدة من لساني بفقهوا قولي وذلك لأنه كان به لعثة فخشي أن يعدها قومه عيباً ويلووا بوجوههم عن دعوته أما شعيب عليه السلام فقد سماه نبينا عليه الصلاة والسلام خطيب الأنبياء لما ورد في الكتاب العزيز من أسلوبه البديع في البيان وتلطفه في إبلاغ دعوته إلى أهل مدين الذين غلبت عليهم الشقوة قال تعالى وإلى مدين أخاهم شعيباً قال يا قوم اعبدوا الله مالكم من اله غيره ولا تقصوا المكيال والميزان إني أراكم بخير وإني أخاف عليكم عذاب يوم محيط ويا قوم ارفوا المكيال والميزان بالقسط ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تعثوا في الأرض مفسدين بقية الله خير لكم إن كنتم مؤمنين وما أنا عليكم بحفيظ إلى ا، قال: يا قوم أرأيتم إن كنت على بينة من ربي ورزقني منه رزقاًِ حسناً أن أخألفكم إلى ما أنهاكم عنه أن أريد إلا الإصلاح ما استطعت وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب ويا قوم لا يحرمنكم شقاقي إن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد واستغفروا ربكم ثم توبوا إليه إن ربي رحيم ودود. ولشرف الخطابة وتأثيرها في تطهير النفوس أوجبها الشارع وسنها للمسلمين في مساجدهم كل جمعة وعيد وفي الحج أي في عرفة واوجب على الحضور التزام الأدب مع الخطيب بل علمهم حسن الإصغاء وفي الحديث إذا قلت لصاحبك والإمام يخطب يوم الجمعة انصت فقد لغوت ولم يعين الشارع للخطب الدينية أو خطب الجوامع والمواسم موضوعاً خاصاً بل جعلها مطلقة يتناول الخطيب الكلام من المناسبات الزمنية ويورد للحضور من هدي الشارع ما يهذب به أرواحهم ويهيب بهم إلى بارئهم ويغرس فيهم مكارم الأخلاق ويطبعهم بطابع ألفضائل ويحذرهم البغي والظلم ويستل بلطيف أسلوبه سخائهم وأحقادهم ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويزين لهم العمل الصالح ويربأ بهم عن مهلكات الشهوات. ٤ البلاغة للعرب وفي البيان والتبين كلام طويل على الخطابة وأقوال الشعوبية أي غير العرب فيها وقد رد الجاحظ عليهم بقوله: قالوا والخطابة شيء في جميع الأمم وبكل الأجيال إليه أعظم الحاجة حتى أن الزنج مع الغثارة ومع فرط الغباوة ومع كلال الحد وغلط الحس وفساد المزاج لتطيل الخطب وتفوق في ذلك جميع العجم وإن كانت معانيها أجفى وأغلظ وألفاظها أخطأ وأجهل وقد علمنا أن أخطب الناس ألفرس وأخطب ألفرس أهل فارس وأعذبهم كلاماً وأسهلهم مخرجاً وأحسنهم ولاء وأشدهم فيه تحنكاً أهل مرو وأفصحهم بالفارسية الدرية وباللغة ألفهلوية أهل قصبة الأهواز فأما نغمة الهزبذة ونغمة الموبذان فلصاحب تفسير الزمزمة قال الجاحظوجملة القول أنا لا نعرف الخطب إلا للعرب والفرس وأما الهند فإنما لهم معان مدونة وكتب مخلدة لا تضاف إلى رجل معروف ولا لى عالم موصوف وإنما هي كتب متوارثة وآداب على وجه الدهر سائرة مذكورة ولليونانيين فلسفة وصناعة منطق وكان صاحب المنطق نفسه بكي اللسان غير موصوف بالبيان مع علمه بتمييز الكلام وتفصيله ومعانيه وبخصائصه وهم يزعمون أن جالينوس كان انطق الناس ولم يذكروه بالخطابة ولا بهذا الجنس من البلاغة وفي ألفرس خطباء إلا أن كل كلام للفرس وكل معنى للعجم فإنما هو عن طول فكرة وعن اجتهاد وخلوة وعن مشاورة ومعاونة وعن طول التفكر ودراسة الكتب وحكاية الثاني علم الأول وزيادة الثالث في علم الثاني حتى اجتمعت ثمار تلك ألفكر عند أخرهم وكل شيء للغرب فإنما هو بديهة وارتجال وكأنه الهام وليست هناك معاناة ولا مكابدة ولا إجالة فكرة ولا استعانة وإنما هو أن يصرف همه إلى الكلام وإلى رجز يوم الخصام أو حين أن يمتح على رأسه بئر ويحدو ببعير أو عند المقارعة والمناقلة أو عند صراع أو في حرب فما هو إلا أن يصرف همه إلى جملة المذاهب وإلى العمود الذي إليه بقصد فتأتيه المعاني إرسالاً وتنهال عليه الألفاظ انثيالاً ثم لا يقيده على نفسه ولا يدرسه أحداً من ولده وكانوا أميين لا يكتبون ومطبوعين لا يتكلفون وكان الكلام الجيد عندهم اظهر أو أكثر وهم عليه أقدر وأمهر وكل واحد في نفسه انطق ومكانه من البيان أرفع وخطباؤهم أو جزء والكلام عليهم أسهل وهو عليهم أيسر من أن يفتقروا إلى تحفظ أو يحتاجوا إلى تدارس وليس هم كمن حفظ علم غيره واحتذى على كلام من كان قبله فلم يحفظوا إلا ما علق بقلوبهم والتحم بصدورهم واتصل بعقولهم من غير تكلف ولا قصد ولا تحفظ ولا طلب وإن شيئاً الذي في أيدينا جزء منه بالمقدار الذي لا يعلمه إلا من أحاط بقطر السحاب وعدد التراب وهو الذي يحيط بما كان والعالم بما سيكون ونحن أبقاك الله إذا أدعينا للعرب أصناف البلاغة من القصيد والإرجاز ومن المنثور والأسجاع ومن المزدوج ولا يزدوج فمعنا العلم على أن ذلك لهم شاهد صادق من الديباجة الكريمة والرونق العجيب والسبك والنمط الذي لا يستطيع أشعر الناس اليوم ولا أرفعهم في البيان أن يقول في مثل ذلك إلا في اليسير والنبذ القليل ونحن لا نستطيع أن نعلم أن الرسائل التي في أيدي الناس للفرس أنها صحيحة غير مصنوعة وقديمة غير مولدة إذا كان مثل ابن المقفع وسهل بن هرون وأبي عبيدة الله وعبد الحميد وغيلان وفلان وفلان لايستطيعون أن يولدوا مثل تلك الرسائل ويصنع مثل تلك السير. وأخرى أنك متى أخذت بيد الشعوبي (راجع المقتبس م ٤ ) فأدخلته بلاد الأعراب الخلص ومعدن ألفصاحة التامة ووفقته على شاعر مغلق أو خطيب مصقع علم أن الذي قلت هو الحق وأبصر الشاهد عياناً فهذا فرق ما بيننا وبينهم فتفهم عني فهمك الله ما أنا قائلهذه حجة الجاحظ في العرب أن أفصح الأمم وقيل أيضاًإن جميع خطب العرب من أهل المدر والبر والبدو والحضر على حزبين منها الطوال ومنها القصار ولكل ذلك مكان يليق به وموضوع يحسن به ومن الطوال ما يكون مستوياً الجودة ومشاكلاً في استواء الصنعة ومنها ذوات ألفقر الحسان والنتف الجياد وليس فيها بعد ذلك شيء يستحق الحفظ وإنما حفظها التخليد في بطون الصحف قال ومتى شاكل أبقاك الله ذلك اللفظ معناه وأعرب عن فحواه وكان لتلك الحال وفقاً ولذلك القد لفقاً وخرج من سماجة الاستكراه وسلم من فساد التكلف كان قميناً بحسن الموقع وبانتفاع المستمع وأجدر أن يأمن جانبه من تناول الطاعنين ويحمي عرضه من اعتراض العيابين ولا تزال القلوب به معمورة والصدور مأهولة ومن كان اللفظ أيضاً كريماً في نفسه متحيزاً في جنسه وكان سليماً من ألفضول بريئاً من التعقيد حبب إلى النفوس واتصل بالأذهان والتحم بالعقول ودهشت إليه الأسماع وارتاحت له القلوب وخف على السن الرواة وشاع في الآفاق ذكره وعظم في الناس خطره وصار ذلك مادة للعالم الرئيس ورياضة للمتعلم الريض فإن أراد صاحب الكلام صلاح شأن العامة ومصلحة حال الخاصة وكان ممن يعم ولا يخص وينصح ولا يغش وكان مشغوفاً بأهل الجماعة شنقاً لأهل الاختلاف والفرقة جمعت له الحظوظ من أقطارها وسبقت إليه القلوب بأزمتها وجمعت النفوس المختلفة الأهواء على محبته وجبلت على تصويت إرادته ومن أعاره الله من معرفته نصيباً وأفرغ عليه من محبته ذنوباً حنت إليه المعاني وسلس له نظام اللفظ وكان قد أغنى المستمع من كد التكلف وأراح قارئ الكتاب من علاج التفهم ولم أجد في خطب السلف الطيب والأعراب الأقحاج ألفاظاً مسخوطة ولا معاني مدخولة ولا طبعاً ردياً ولا قولاً مستكرهاً وأكثر ما نجد في خطب المولدين البلدين المتكلفين ومن أهل الصنعة المتأدبين سواء كان ذلك منهم على جهة الارتجال والاقتضاب أو كان من نتاج التخير والتفكر ٥ مكانة الخطابة وعيوب الخطباء تقدم لك قانون البلاغة الذي وضعه عمرو بن نجر الجاحظ في صفحة وتدارسه يغني طالب الخطابة عن كتاب ورب مقالة خير من سفر ولقد عرفت العرب ما كانت عليه من الغريزة ألفائقة في البيان صعوبة الخطابة وأنها لا يوفق إليها إلا أفراد ولذلك كانت تكرم الخطيب أكثر من إكرام الشاعر وقد ضربت المثل بالخطيب في قولها الخطب مشوار كثير العثار والمشوار هو المكان الذي تعرض فيه الدواب وقالواعقل المرء من فوق بلسانهوكانت تتعاير بألفهاهة وقلة الإجادة في البيان وتقول نعوذ بالله من الإهمال ومن كلال الغرب في المقال ومن خطيب دائم السعال قال بشر بن معمر في مثل ذلك ومن الكبائر مقول متعتع جم التنحنح متعب ميهود وقال شاعرهم يعيب بعض خطبائهم: مليء ببهر والثغات وسعلة ومسحة عثنون وفتل الأصابع وضربوا المثل بالبلاغة بسحبان وائل فقالوا فلان أخطب من سحبان كما ضربوا المثل بالعي في الكلام بباقل فقالوا فلان أعيى من باقل وقد جمع الجاحظ في البيان والتبيين كثيراً من أخبار البلاغة والحصر والخطباء والبلغاء والإيمياء ومما قال: وليس حفظك الله مضرة سلاطة اللسان عند المنازعة وسقطات الخطل يوم إطالة الخطبة بأعظم مما يحدث عن العي من اختلال الحجة وعن الحصر من فوق درك الحاجة والناس لا يعيرون الخرس ولا يلومون من استولى على بيانه العجز وهم يذمون الحصر ويؤنبون العي فإن تكلفنا مع ذلك مقامات الخطباء وتعاطيا مناظرة البلغاء تضاعف عليهما الذم وترادف عليهما التأنيب وممتنة مماطلة العي الحصر البليغ المصقع في سبيل مماتنة المنقطع المفحم للشاعر المفلق وأحدهما آلوم من صاحبه والألسنة إليه أسرع وليس المجلاجالمتردد في كلامهوالتمتاممن تسبق كلمته إلى حنكه الأعلى والتمتمة رد الكلام إلى التاء والميم والألسغ الذي يحول لسانه من السين إلى الثاء أو من الراء إلى الغينوألفأفأةمردد ألفاءوذو الحبسةالذي لا يسمع قولهوالحكلةالذي لا يسمع صوتهوالرتةالعجمةوذو اللقفعي بطيء الكلام إذا تكلم ملا لسانه فمهوالعجلة في سبيل الحصر في خطبته والعي في مناضلته خصومه كما أن سبيل المفحم عند الشعراء والبكي عند الخطباء خلاف سبيل المسهب الثرثار والخطل المكثار ثم أعلم أبقاك الله أصاحب التشديق تكلف البلاغةوالتقعيرالتكلم بأقصى ألفموالتقعيبتقصير الكلاممن الخطباء والبلغاء مع سماجة التكلف وشنعة التزيد أعذر من عي يتكلف الخطابة ومن حصر يتعرض لأهل الاعتياد والدربة ومدار اللئمة ومستقر المذمة حيث رأيت بلاغة يخالطها التكلف وبياناً يمازجه التزيد إلا أن تعاطي الحصر المنقوض مقام الدرب التام أقبح من تعاطي البليغ الخطيب ومن تشادق الأعرابي القج وانتحال المعروف ببعض الغزارة في المعاني والألفاظ وفي التحبيرالجبانأنه في مسلاخصفة التام الموفر والجامع المحكك وإن كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد قال: أياي والتشادق وقال أبغضكم إلي الثرثارون المتفيهقون وقال من بدا جفا وعاب الغدادين والمتزبدين في جهارة الصوت وانتحال سعة الأشداق ورحب الفلاحم وهدل الشفاهإرسالها إلى أسفلوأعلمنا أن ذلك في أهل الوبر أكثر وفي أهل المدر أقل فإذا عاب المدري بأكثر مما عاب به الوبري فما ظنك بالمولد القروي والمتكلف البلدي فالحصر المتكلف والعي المتزيد الوم من البليغ المتكلف لأكثر مما عنده وهو أعذر لأن الشبهة الداخلة عليه أقوى فمن أسوأ حالاً أبقاك الله ممن يكون الوم من المتشادقين ومن الثرثارين المتفيهقين ومن ذكره النبي صلى الله عليه وسلم نصاً وجعل النهي عن مذهبه معسراً وذكر مقته له وبغضه إياه قال: ولما علم واصل بن عطاء أنه الثغ فاحش اللثغ وإن مخرج ذلك شنع إذا كان داعية مقالة ورئيس نحلة وأنه يريد الاحتجاج على أرباب النحل وزعماء الملل وأنه لابد له من مقارعة الأبطال من الخطب الطوال وأن البيان يحتاج إلى تمييز وسياسة وإلى ترتيب ورياضة وإلى تمام الآلة وأحكام الصنعة وإلى سهولة المخرج وجهارة المنطق وتكميل الحروف وإقامة الوزن وإن حاجة المنطق إلى الطلاوة والحلاوة كحاجته إلى الجلالة والفخامة وإن ذلك من أكبر ما تستمال به القلوب وتنثني إليه الأعناق وتزين به المعاني وعلم واصل أنه ليس معه ما ينوب عن البيان التام واللسان والمتمكن والقوة المتصرفة كنحو ما أعطى الله نبيه موسى صلوات الله عليه من التوفيق والتسديد مع لباس التقوى وطابع النبوة ومع المحبة والاتساع في المعرفة ومع هدى النبيين وسمت المرسلين وما يغشيهم الله به من القبول والمهابة ولذلك قال بعض شعراء النبي صلى الله عليه وسلم: لو لم تكن فيه آيات مبينة كانت بداهته تنبيك بالخبر ومع ما أعطى الله موسى عليه السلام من الحجة البالغة والعلامات الظاهرة والربهانات الواضحة إلى أن حل تلك العقدة ورفع تلك الحبسة وأسقط تلك المحنة ومن أجل الحاجة إلى حسن البيان وإعطاء الحروف حقوقها من ألفصاحة رام أبو حذيفة إسقاط الراء من كلامه وإخراجها من حروف منطقه فلم يزل يكابد ذلك ويغالبه ويناضله ويساجله ويتأتى لسره والراحة من هجثه حتى انتظم له ما حاول واتسق له ما تأمل حتى صار لغرابته مثلاً ولظرافته معلماً ولولا استضافة هذا الجنس وظهور هذه الحال ولما استجرنا الإقرار به والتأكيد له ولست أعني خطبه المحفوظة ورسائله المخلدة لأن ذلك يحتمل الصنعة وإنما عنيت محاجة الخصوم ومناقلة الأكفاء ومفاوضة الإخوان واللثغة في الراء تكون بالغين والذال والياء والعين أقلها قبحاً وأوجدها في كبار الناس وبلغائهم وإشرافهم وعلمائهم. الشيعة في بر الشام المسلمون اليوم ينقسمون إلى فرقتين كبيرتين أهل السنة وهي الأكثر عدداً والشيعة وهي التي تتلوها في الكثرة ولا يقل عدد ألفرقة الأولى عن مائة وخمسين مليوناً من النفوس كما لا يقل عدد الثانية عن تسعين مليوناً وينطوي تحت هاتين ألفرقتين فرق أخرى تابعة لإحدى الطائفتين وتفترق الشيعة فرقاً متعددة أكبرها وأشهرها والمتبادر معناها عند إطلاق اسم الشيعة والتي عليها المعظم في كافة الأقطار هي فرقة الشيعة الأمامية الاثني عشرية فمنها أكثر شيعة إيران وشيعة بلاد القفقاس وسائر البلاد الروسية وشيعة الصين ومعظم شيعة الهند والتركستان وبلاد التتر المستقلة وشيعة الشام وشيعة الحجاز والعراق وشيعة جبل عامل المعروفون بالمتأولة أما شيعة جبل عامل المتأولة فقد كانوا ولم يزالوا معروفين عند عامة الشيعة في الإفطار بالصلاح والتقوى وإن لجبل عامل اسماً مقروناً بالتكريم عند عامة الشيعة في أكثر البلاد النائية لما أنتج من العلماء العاملين الذين ضربوا آباط الإبل في نشر مذهبهم وافنوا الوقت بحثاً وتدريساً حتى أصبح الكثير من كتب الحديث وألفقه وأصول ألفقه مما يدرس في مدارس الشيعة في جماع الأقطار من مؤلفات علماء جبل عامل المتأولة وحسبك بالرحالة العلامة الشيخ بهاء الدين العاملي صاحب الصاحب الكشكول والخلاصة الحسابية وغيرهما الذي تولى وزارة إيران مدة من الزمن ثم هجرها حباً بالإفادة والاستفادة وبالشيخ علي بن عبد العالي الكركي العاملي المعروف بين مؤلفي الشيعة بالمحقق الكركي الذي تولى مشيخة الإسلام في إيران زمن الدولة الصفوية وكان الركن الأقوى في نشر مذهب الشيعة في بلاد فارس وبالشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المعروف بالشيخ الحر صاحب كتاب الوسائل الحديث والهداية وغيرهما حسبك بمن ذكرنا فخراً لجبل عامل وأما الشهيدان فقد كان لهما القدح المعلى في التأليف والتصنيف والمنزلى العظمى بين علماء الشيعة على الإطلاق وكذلك من خلف من بعدهم كصاحب المدارك وصاحب المعالم وأمثالهما. بدء عهد الشيعة في الشام مذهب الشيعة في بلاد الشام قديم يرجع إلى زمن الخلفاء الراشدين بل هو في سوريا أقدم منه في سائر البلاد حاشا الحجاز ؤلاء شيعتكم قال هؤلاء شيعتنا حقاً وهم أنصارنا وإخواننا ولا يخفى أن الإمام أبا عبد والمعروف بينهم أن الذي دلهم عليه هو أبو ذر الغفاري رضي الله عنه لما سيره الخليفة الثالث عثمان بن عفان رضي الله عنه إلى الشام وكان أبو ذر رحمه الله معروفاً لعلي وأهل البين عليهم السلام بلا خلاف بل هو أحد الأربعة الذين عرفوا بالتشيع وأطلق عليهم أسم الشيعة في عصر النبي صلى الله عليه وسلم كما أخرجه أبو حاتم في كتاب الزينة في الألفاظ المتداولة ولا يزال في بعض قرى جبل عامل آثار معروفة لأبي ذر منها مقام معروف بقرية الصرفند بين صيدا وصور يعرف بمقام أبي ذر ومثله في قرية ميس الجبل على مشارف الحولة في أعالي جبل هونين إلا أنه لم يرد في كتب التاريخ المعتمدة مما بين أيدينا ما يدل على خروج أبي ذر من دمشق إلى جبل عامل فليس فيها إثبات هذا الأمر ولا نفيه الشهرة المتواترة لدى العامليين خلفاً عن سلف الناطقة بإثباته ربما تكون دعامة للصحو ولا تبعد صلاحيتها للاستدلال على خروجه إلى هذه الديار نعم ذكر الطبري وابن الأثير أن الذي خرج من دمشق إلى الساحل هو عامر بن عبد القيس وهو أحد الزهاد الثمانية معروف بالتشيع نص عليه الكشي في رجاله ولم يذكرا أي جهة من الساحل سكنها عامر هذا إلا أنه لا يصلح أن يكون مستنداً لما نحن فيه ولا سيما وأنه لم يعرف اسم عامر كما عرف اسم أبي ذر في هذه البلاد وذكر الشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي المشغري من علماء عامل في القرن الحادي عشر في كتابه أمل الآمل مايدل على خروج أبي ذر إلى جبل عامل فقد قال ما نصه: روي أنه لما مات رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يكن من شيعة علي إلا أربعة مخلصون سلمان ومقداد وأبو ذر وعمار ثم تبعهم قليلون اثنا عشر وكانوا يزيدون ويكثرون بالتدريج حتى بلغوا ألفاً وأكثر ثم في زمان عثمان لما أخرج أبا ذر إلى الشام في أياماً فتشيع فيها جماعة كثيرة ثم أخرجه معاوية إلى القرى فوقع في جبل عامل فتشيعوا من ذلك اليوم فظهر أنه لم يكن يسبق أهل جبل عامل إلى التشيع إلا جماعة محصورون من أهل المدينة وقد كان في مكة والطائف واليمن والعراق والعجم شيعة قليلون وكان أكثر الشيعة في ذلك الوقت في جبل عاملثم ذكر بعد ذلك رواية مرسلة عن الإمام أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق عليه السلام وقد سئل عن أعمال الشقيف فقال: أرنون وبيوت وربوع تعرف بسواحل البحار وأوطئة الجبال قيل يا ابن رسول الله ص الله الصادق ع كان في النصف الأول من المائة الثانية للهجرة وذكر صاحب الدمعة الساكبة المطبوع في إيران عن كتاب البحار للعلامة المجلسي رحمه الله عن كتاب الروضة والفضائل لشاذان بن جبرائيل القمي بالأستاذ إلى عمار بن ياسر وزيد بن أرقم (رضي الله عنهما) أنهما كانا بين يدي أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليه السلام بالكوفة يونم الاثنين لسبع خلت من صفر إذ ورد عليه رجال ذوو عدة وعدد ثم ساق قصة طويلة خلاصتها أن جماعة جاءت تستفتي أمير المؤمنين عليه السلام في بعض أمورها وهي من قرية أسعار من أعمال دمشق عند جبل الثلج والظاهر من الرواية أن هذه الجماعة من الشيعة وأنها رجعت مقضية الحاجة أما قرية أسعار هذه فموقعها في سفح جبل الثلج بين قريتي مجدل شمس وجباتا الزيت لا تزال خربة تعرف بهذا الاسم ومن دونها نهر يعرف بنهر أسعار وهي على طريق القادم من دمشق إلى جبل عامل وأهل ذلك الصقع من الطائفة الدرزية الذين انشقوا من الشيعة في القرن الرابع عشر غمض تاريخ وجود الشيعة في هذه الديار على كثير من المؤرخين فلم يذكروا حيث كان شيعة هذه البلاد منذ عهدهم بالتشيع تحت سلط أعدائهم من الأمويين ومن زمن أبي ذر إلى أن انقضى زمن الدولة الأموية لم يخرجوا عن سيطرة معاوية وأبنائه ورهطه وهمما هم في مناهضة العلويين ومطاردتهم في كل صقع ومصر فكان الشيعة متمسكين بحبال الثقة لايقدرون على إظهار انفسهم فاستولى الغموض على مبدأ أخبارهم ومنتهاه في هذه البلاد ولم يكونوا كما كان إخوانهم في البلاد النائية عن مركز السلطة الأموية. لماذا لقبوا بالمتأولة دون غيرهم من الشيعة ما زالت الشيعة منذ وجدوا في بلاد الشام مستضعفين عند ولاة الأمر وعند العامة التي امتازت في بر الشام بكرهها الشديد للشيعة وبرميهم بكل تهمة شنعاء تؤلب عليهم الغوغاء وكان مجرد لفظ الشيعة داعياً لإثارة التعصب لما تأل من كرههم في أخلاق الأكثر نقل الجاحظ مخبراً عن بعض التجار خبر ذلك الشيخ السيء الأخلاق الطويل الأطراق الذي كان إذا سمع اسم الشيعة غضب وأربد وجهه وزوى من حاجبيه أخرجه صاحب العقد ألفريد في ذلك العصر كان أحب إلى الرجل أن ينبز بكل نبز قبيح ولا يقال له شيعي لما استحكم من بغضهم في نفوس العامة بفعل السياسة والساسة وإنك لتجد مثل ابن حزم من العلماء المشهورين وصاحب كتاب ألفصل في الملل والنحل يرمي الشيعة بكل وصمة ويلصق بهم كل غريبة وهم هم إلى اليوم لم يغيروا ولم يبدلوا وهذه كتبهم منشورة ومشهورة لم يخالف قديمها حديثها فليقابل بينها المنصفون ولينظروا في كثير من كلام ابن حزم ليعلموا ما نسبه إليهم العلامة المشهور وترى ابن تميمة الملقب بشيخ الإسلام وحافظ الأنام لا يذكرهم إلا مع التشيع دون برهان يستند إليه أو دليل يعتمد عليه اللهم إلا عصيبة غير صالحة استحكمت في الأخلاق بحكم البيئة والمعاشرة واتباعاً للتقليد ولعل المثير لها مناظرته مع العلامة الحسن ابن المظهر الحلي وإن لم يسلك هذا مسلك ذاك من السباب والشتم في مثل تلك الحال كان شيعة بر الشام مستمسكين بحبال التقية مما كان حولهم من العصبية التي سنها الأمويون في هذه الديار وكان أصلح أرض لنوها أرض الشام فدعوا بالعلويين تفادياً من لفظية الشيعة المكروهة وكان هذا الاسم لهم إلى أن بدلوه بلفظة المتأولة كما سيأتي قال الأمير حيدر الشهابي في تاريخه في حوادث سنة ٥٨٤ هأ ما نصهوكان حاكم القرايا كذا التي بالقرب من صور رجلاً علوياً منشأ العجم وكان يحكم على ستين ألفاً من العلويين وكان حين تملك الإفرنج تلك الجهات هادنوهم على جزبة تدفع لصاحب صور وينسبون إلى العلويين القاطنيين بعلبككان شيعة بلاد الشام كما قال عنهم واحد منهم وهو الشيخ علي يونس النبطي من علماء الماية الحادية عشرة في مقدمة تفسيره مختصر مجمع البيانعلماؤهم تحت الخمول فلا تقول لأنفسهم ولاضر يتظاهرون بغير ما اعتقدوا فلا قوة لهم ولا ظهر رماهم بأنواع الأذبات الظالمون يريدون ليطفؤوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره المشركونكانوا كلما نبغ فيهم عالم اختار إحدى ثلاث أما الهجرة إلى بلاد الشيعة في سائر الأقطار كبلاد إيران حيث ينال المهاجر منهم الكرامة وكبلاد الهند والحجاز والعراق حتى بلاد اليمن لم تخل منهم وبلاد الروم وغيرها. وأما السكون إلى التقية والتكتم في موطن غلب عليه ألفقر واستحكمت فيه المسكنة وامتد فيه الاضطهاد ذكر صاحب أمل الآمل في علماء جبل عامل أكثر من خمسين عالماً هجروا بلادهم هرباً من الضغط والاستبداد بعضهم إلى بلاد فارس حيث أصبح الكثير منهم شيوخ إسلام وقضاة فيها وبعضهم إلى بلاد الهند وبعضهم إلى بلاد الحجاز في مكة والمدينة المنورة وبعضهم إلى القسطنطينية وبعضهم إلى أرض اليمن وبعضهم إلى العراق - فكان من نصيب بلاد إيران في المائة الحادية عشرة الشيخ بهاء الدين العاملي والشيخ إبراهيم البازوري والسيد بدر الدين الأنصاري والشيخ محمد بن الحسن الحر العاملي شيخ الإسلام والسيد محمد بن علي نحيب الدين القاضي بطوس والسيد محمد ابن مهدي والسيد ميرزا محمد معصوم والشيخ محمد ابن علي الحرفوشي والسيد علي رضا شيخ الإسلام بأصفهان والسيد حيدر بن نور الدين وكثير أمثالهم ومن نصيب البلاد الهندية الشيخ أحمد بن مكي الجزيني والسيد جمال الدين بن نور الدين والشيخ حسين المشغري والشيخ حسين بن شهاب الدين والسيد رضي الدين والسيد محمد بن أحمد العاملي والشيخ محمد بن خاونت والسيد محمد بن علي الحسيني وأمثالهم وهؤلاء بعضهم في كشمير وبعضهم في حيدر أباد وبعضهم في جيلان ومن نصيب القسطنطينية الشيخ الشهيد زين الدين بن علي الجبعي والشيخ إبراهيم ابن الحسن الحر ومن نصيب الحجاز السيد حيدر بن نور الدين والسيد نور الدين بن علي العاملي والشيخ زين الدين محمد بن الحسن ومن نصيب اليمن الشيخ زين العابدين الحر بصنعاء وفي العراق كثيرون في النجف والحلة وببغداد والبصرة. وإما أن يبلغ عزلته في بلده فيعرف أمره وربما كانت عقباه القتل أوالتشريد وكأني بالشهيد شمس الدين محمد بن مكي الجزيتي المقتول سنة ٧٨٦ وقد طبق ذكره الآفاق حتى استدعاه إليه صاحب خراسان لذلك العهد ليتولى مشيخة الإسلام بها كأني به يساق إلى السجن في دمشق مهاناً ثم يفتي بقتله بعد حبس سنة فيقتل ثم يصلب ثم يحرق وليس له ذنب سوى فضله وشهرته والتعصب الذميم في ذلك العصر الوخيم. ولم يكن حظ الشيخ زين الدين المعروف بالشهيد الثاني بأحسن من حظ زميله الشهيد الأول فقد شرد عن وطنه يطارده قاضي صيدا المعروف باسم معروف إلى أن استصدر أمراً سلطانياً بالقبض عليه وإرساله إلى القسطنطينية فأدركه الطالب بمكة زمن الحج ولم يمهله أن يؤدي حجه إلا بعد الالتماس والتضرع ثم أخذه أخذ عزيز مقتدر وجعجع به إلى بلاد الروم ثم قتله الموكلون بقتله بعد بلوغه القسطنطينية ثم شمل القتل غيرهما مثل الشيخ ابن سودون العاملي من علماء القرن الحادي عشر وغيره كانوا في ذلك الضغط وفي تلك الحال يعرفون في بلاد الشام باسم العلويين وفي غيرها باسم الشيعة، هذا عند العامة وأما الخاصة وأهل العلم فكانوا تارةً يسمونهم شيعة وتارةً رافضة وتارةً إماميه إلا أن اسم العلويين لم يكن ثقيلاً على أسماع العامة الذين كرهو ااسم الشيعة ونفروا منه وإنما اختص به من سكن منهم أرض الشام لأنهم كانوا أبعد الناس عمن يناصرهم لما احتف بهم من الغوغاء الذين رباهم الأمويون على كره أتباع آل البيت الكرام. حقيقة لفظة متوالي إن هذه اللفظة متوالي من وإلى إذا أحب ومنه ما ورد في الحديث اللهم وال من والاه، قال في لسان العرب وإلى فلان فلاناً إذا أحبه ولكن اسم ألفاعل منها موالي والفعل من متوالي توالي وفي اللغة توالى الشيء إذا تبع بعضه بعضاً وقد استرسل هؤلاء القوم في محبة آل البيت استرسالاً تبع الخلف فيه سنة السلف. ولكن جمعه هل يكن على متأولة أومتوالية؟ القياس يقتضي الثاني وصحح السماع الأول كما جمع غساني على غساسنة. يمكن أن يكون أصل اللفظة متولي من تولى أي اتخذ ولياً ومتبوعاً وتولى بمعنى اتبع نص عليه صاحب مجمع البحرين ومطلع النيرين وجعل منه قوله تعالى: ومن يتولهم منكم فإنه منهموقال صاحب لسان العرب وروي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال من تولاني فليتول علياً معناه من نصرني فلينصره ثم حرفت فصارت متوالي وجمعت على متأولة وأما ما قيل من أن متوالي محرفة عن متولي المركبة من كلمتين مت ولي وأصلها أن الشيعة كانوا زمن اضطهادهم يحرضوا بعضهم بعضاً على الثبات في حب علي عليه السلام فيقول بعضهم لبعض مت ولياً لعلي ثم اقتصر على مت ولي وركب منها متولي - فهو بعيد وإلا فكيف اختص به شيعة جبل عامل ولبنان دون غيرهم ولم اختصت به العصور المتأخرة دونما تقدمها مع أن زمان الاضطهاد ومكانه لم يكونا محصورين في جبل عامل إن لم نقل أن ما نال العامليين منه كان أقل مما نال غيرهم لشدة تمسكهم بالتقية التي ألفوها منذ نشأتهم لأن سلطة الأمويين أعدائهم لم تتزعزع عنهم زمناً من الأزمان فشبوا ودرجوا على التخفي والتقية والتجنب عن الوقوع في التهلكة مهما أمكن. والغريب من المذاهب في هذه اللحظة لفظ ما ذهب إليه بعض المعاصرين من أن لفظ متأولة مسهل عن متأولة، واحدها متأول لأن الشيعة من أهل التأويل!! والظاهر أن صاحب هذا القول لا يعرف من مذهب الشيعة شيئاً وإلا لما جعلهم من أهل التأويل وهم ليسوا منهم كما لا يخفى على كل من عرف مذهبهم. ولعل صاحب هذا القول وهم في ما نقله صاحب العقل ألفريد عن الشعبي من قوله ما شبهت تأويل الروافض في القرآن إلا بتأويل رجل مضعوف من بني مخزوم. . . . . الخ. ولكن يظهر أن المراد الشعبي بالروافض كما يدل عليه كلامه في الخبر الذي بعده أنهم هم الذين أحرقهم علي عليه السلام ونفاهم إلى البلدان ومنهم عبد الله بن سبأ الذاهب إلى الغلو في علي عليه السلام وتأليهه وقد خرجوا عن ربقة الإسلام والشيعة منهم براء وكيف كان، فالشعبي مع شدة تعصبه على الشيعة لا يكون كلامه حجة عليهم إذا صح أنهم هم المراد في قوله، وربما حمل صاحب هذا القول عليه المشابهة بالحروف بين متأولة ومتأولة وإن كان لا يساعد عليها المعنى ومع ذلك فلوصح ذلك في الجمع فكيف يصح في المفرد وبين لفظتي متأول ومتوالي فرق واضح. زمن إطلاقه عليهم بحث الكتاب في زمن تحديد إطلاق هذا اللقب متأولة على شيمة جبل عامل وجبل لبنان وبعلبك فذهب بارينوس إلى ما وراء الأمير حيدر الشهابي في تاريخه أنه كان في سنة ٦٣٥ هجرية لما أتوا من بلاد العجم وسكنوا عشر مدن بإذن أجناد الهيكليين المتسلطين يومئذ على تلك الجهات. . . . يومئذ أطلق عليهم اسم متأولة وفي قوله هذا بعد لأنه إن أراد ظهو ر مذهبهم يومئذ فمذهبهم معروف من صدر الإسلام. وإن أراد إطلاق الاسم فقط فهم لم يعرفوا به إلا في القرن الثاني عشر الهجري بدليل أن كل المؤرخين وأصحاب السير السابقين على القرن الثاني عشر الذين ذكروا بلادهم لم يكونوا يعرفون هذا اللقب ولوعرفوه لأطلقوا عليهم كما فعل صاحب سلك الدرر المتأخر زمنه فإنه لا يذكرهم إلا نبذهم به وصاحب خلاصة الأثر عند ذكره الأمير فجر الدين المعني قال أنه كان درزياً لكنه عند ذكره رجال الشيعة من جبل عامل مثل بهاء الدين العاملي وكثير أمثالهم لم ينبذهم بالمتأولة مع أنهم من لباب الشيعة المتأولة، ولما ذكر شقيق آرتون قلعة الشقيف قال أن هذا العمل رافضة وفي ترجمة الأمير موسى الحرفوش البعلبكي قال أن البعلبكيين من الولاة في الرفض وفي كل ذلك، بل في كل تاريخه لم يذكر لفظة متأولة ولوعرفها لأطلقها. وقبل خلاصة الأثر مر ابن بطوطة الرحالة بصور وهي خربة في سنة ٧٢٦ وبخارجها قرية معمورة سكانها من الأرفاض وصاحب نخبة الدهر، قال عند ذكر جبل عامل وأهله رافضة أمامية وصاحب صبح الأعشى قال مثل قوله. ولم يذكر لفظ متأولة وكلهم متأخرون عن سنة ٦٣٥ التي ذكرها بارينوس، وعلى الجملة أن هذا اللقب لم يعرف عند مؤرخي العصور السابقة على القرن الثاني عشر ولوعرفوه لذكروه كما فعلوا بغيره مؤرخوالقرن الثاني عشر عرفوه فذكروه فيكون حدوثه في هذا القرن دون ما سبقه. ورأيت في بعض التقاويم التركية سالنامه في جدولها التاريخي أن ابتداء ظهور المتأولة سنة ١١ . . هجرية ولا شك أن هذا تقريبي والمراد أنهم عرفوا حوالي تلك الأيام وذلك يؤيد برهاننا السابق. على أن رواية بارينوس باطلة لبطلان جميع ما ورد فيها فقد جعل المتأولة قادمين من بلاد العجم في تلك السنة مهاجرين حيث سكنوا عشر مدن بإذن أجناد الهيكليين وظاهر ذلك أنه كان في جبل عامل فيما فوق مدينة صور التي كانت في حوزة فرسان الهيكل يومئذ ولم يخرجوا منها إلى نهاية القرن السابع الهجري. ومهاجرة أهل يربوعلى الستين ألفاً كما قال من بلاد العجم إلى بلاد الشام لا تخفى على أحد ولا تكون سراً مكنوناً فكيف لم ينتبه لها أحد سوى بارينوس من المؤرخين على أن بلاد العجم يومئذ كانت خاضعة لسلطة المغول ولم يكن مذهب الشيعة قد أخذ بالانتشار فيها وأول من نصره ونشره في تلك البلاد هو السلطان أولجانيومحمد خدابنده المغولي وتبعه من كان بعده إلى زمن الدولة الصفوية فعم المذهب يومئذ أقاصي البلاد. وقد خبط أيضاً بروايته فقال: إن الشيعة يدعون أنهم من نسل علي بن أبي طالب وأن الخلافة بعد عمر بن الخطاب كانت لهم، فرجل هذا مبلغ علمه بالشيعة كيف يعتمد على روايته في شيء من أمورهم. والحق أن هذا اللقب إنما صح إطلاقه عليهم لما أظهروا وجودهم السياسي وخلعوا طاعة أمراء لبنان وأعلنوا استقلالهم عنه واجتمعوا جملة واحدة ثم ظاهرهم ظاهر العمر الصفدي هنالك كانوا يتحمسون في حروبهم وينتدبون باسم بني متوال ومن تتبع أزجال شعرائهم يومئذ ظهر له حقيقة مقالنا. وهذا اللقب لم يعرف لأحد من الشيعة إلا الذين أطلقوه على أنفسهم يوم خاضوا غمار ألفتن في المائة الثانية عشرة وهم شيعة جبل عامل الذين ظهروا يومئذ بزعامة الشيخ ناصيف النصار والشيخ علي ألفارس وعشيرتهما وشيعة بعلبك الذين قادهم أمراء آل حرفوش وشيعة شمالي لبنان الذين كانوا تحت لواء المشايخ آل حمادة. وما عدا من ذكرنا من الشيعة في سورية كشيعة الديار الحلبية وكشيعة بلاد حماة وحمص وكشيعة نفس دمشق وكلهم لا يعرفون بهذا اللقب إلى اليوم ومن الغريب أن شيعة دمشق الأصليين ينبذون باسم الرافضة عندما لا يريد تكريمهم ومهاجرة بعلبك وجبل عامل في نفس دمشق يعرفون باسم المتأولة وما ذلك إلا إتباعاً للقبهم في ديارهم فقط ويتوهم كثير من العامة أن بين ألفريقين اختلافاً في المعتقد وليس الأمر كذلك. ديار الشيعة في سورية معظم الشيعة الإمامية في سورية في جبل عامل وهو البلاد الواقعة ما بين مصب نهر الأولى شمالاً إلى وادي نهر القرن شمالي صفد جنوباً ومن غور الحولة شرقاً إلى البحر المتوسط غرباً ويربوعددهم في هذا الجبل على المائة ألف نسمة وقد تقدم الكلام على أول عهدهم بالتشيع. وفي مدينة دمشق بضعة آلاف منهم وعهدهم بمذهبهم قديم وربما سبقوا العامليين في ذلك مدة قليلة. وفي ضاحية حلب قرى أهلها من الشيعة مثل الفوعا وكفريا ونبل والنغاولة ومعرة مصرين وفي نواحي حماة قرى أخرى كالشيخ علي كيسون والبويضة وسمنة وتليل وفي نفس حمص وفي القرى التي في شرقيها أم العمد، البويضة، تل الأغر، أم دالي، أم تويني وفي غربيها الغور سمعليل دلابوس، أم حارتين وعهد هؤلاء أجمع بالتشيع لا يتأخر عن زمن الدولة الحمدانية التي ملكت حلب وكانت عريقة في التشيع لا يتأخر عن زمن الدولة الحمدانية التي ملكت حلب وكانت عريقة في التشيع وكانت مدينة حلب في عهدهم زاهرة بفقهاء الشيعة وفي كتب ألفقه الإمامي أقوال مشهورة تعزى إلى فقهاء حلب وكان نقباء الأشراف آل زهرة الحسينيون الذين منهم السيد أبوالمكارم بني زهرة من جلة علماء الشيعة، يومئذ كان المؤذنون يؤذنون بحي على خير العمل في كل المآذن الحلبية ولما أراد سليمان بن أرتق بناء أول مدرسة شافعية في حلب لم يمكنه الحلبيون من ذلك إذ كان الغالب عليهم التشيع وكانت نار التعصب يومئذ مستجورة بين الطائفتين ومن ديار الشيعة في سورية قرى مقاطعات كسرونا والمتن والشوف والبترون والهرمل وشمسار وجزين وجبل الريحان الجرمق فهما داخلان في حدود جبل عامل وجزين كانت ذات مدرسة دينية فقهية للشيعة الإمامية وازدهت بعلمائها المشهو رين وأشهرهم الشهيد محمد بن مكي من أشهر علماء الشيعة في القرون الوسطى وهو صاحب المؤلفات المشهورة المعروفة في مدارس الشيعة والذي طلبه إليه صاحب خراسان ليتولى مشيخة الإسلام بها فلم يجبه إلى ذلك وكانت داره تحتوي على خمسة من العلماء والعالمات فكان أولاده الاثنان من خيرة العلماء وابنته أم الحسن وزوجته إليهما مرجع النساء في العلوم الشرعية وفاقت ابنته في العلوم العربية ولا تزال سلالته في جبل عامل لا تخلومن عالم فاضل منذ القرن الثامن إلى اليوم. والشيعة في لبنان لا يقل عددهم عن الخمسة والعشرين ألفاً. ومن ديار الشيعة في سورية مدينة بعلبك وما إليها وأكثر سكان تلك الجهة من الشيعة ولم يظهر لنا بدء عهد البعلبكيين بالتشيع ولكنه كان منذ القرن العاشر الهجري معروفاً بينهم ولم يخبرنا التاريخ بتقدمه على ذلك العصر كما لم ينف لنا وجوده قبله وأول ما اشتد أزر الشيعة فيها في عهد الأمراء الحرافشة الذين ملكوا بعلبك بعد دخول السلطان سليم إليها. وعهد الشيعة اللبنانيين بالتشيع إما في الجهات الشمالية فكان من مهاجرة بعلبك حوالي القرن الثاني عشر وأما في الجهات الجنوبية فعهدهم به كعهد العامليين أوقريب منه أي أنه قديم جداً. وفي حوران في بصرى فريق من الشيعة من مهاجرة جبل عامل استوطنوا ذلك البلد ويقارب عدد الشيعة الإمامية في جهات سورية المائتي ألف وربما يزيدون ولنجعل للبحث صلة في أحوالهم الاقتصادية وشؤونهم الاجتماعية وبالله التوفيق. النبطية جبل عامل أحمد رضا. الخرافات والأوهام في تأثير الفلك والأيام لا ترقب النجم في أمر تحاوله فالله يفعل لا جدي ولا حمل مع السعادة ما للنجم من أثر ولا يضرك مريخ ولا زحل البهاء زهير. إنّ الأوهام والخرافات في الظواهر الجوية قديمة في العمران تترامى إلى العصور الأولى وأهم مسبباتها عبادة الأجرام ألفلكية وحب استكشاف المغيبات ومعرفة المستقبل والاستعداد والاستشقاء ولاسيما في الأقاليم الشرقية التي يصفوجوها في معظم أيام السنة وتتجلى فيها الظواهر الجوية بأبهى أشكالها فنزعت نفوس سكانها منذ فطرتهم إلى استطلاع المؤثرات واستنطاق النيرات والكواكب التي رأوها من مقومات الحياة الأولية. فكان تلون أشكالها واختلاف مظاهرها وتبدل مواقعها وتغير ألوانها وما شاكل داعياً إلى عبادتها ثم استرشادها لما في نفوس تلك العصور من البساطة وهم في مهد الحضارة وفي سرير النشأة فاشتهر بذلك المصريون والفينيقيون والكلدانيون والآشوريون والبابليون والفرس واليونان والرومان إلى أن دالت دولتهم وقامت دولة العرب ثم الدول التي تلتها فظلت الاعتقادات الوهمية سائدة بينهم إلى مدة قرنين، ولذلك كثر الاشتغال خاصة عند القدماء بعلوم التنجيم كالكهانة والقيافة والعيافة والزجر والخط في الرمال وتعبير الرؤيا. ووضعوا أقاصيص للمعبودات والكواكب فوجد عندهم علم الذي كثرت فيه تجرصات الأوهام وتفشت الخرافات والأقاصيص. ومنه نشأت العلوم التنجيمية والسحرية بأنواعها وامتلأت كتب القدماء بأخبارهم وأحاديثهم القصصية في العصر الخرافي فألفت فيها الكتب الكثيرة من أهمها السندهند عند الهنود، وقد أمر الخليفة أبوجعفر المنصور بتعريبه فعربه الفزاري وقرب الخلفاء المنجمين واعتمدوا على أوهامهم فتفشى ذلك بينهم حتى لم يستطع اقتلاعه علماء الشّرع الصادعون بتخطئته. ونبغ من الغرب الخوارزمي فألف على مثال السندهند زبجه المشهو ر جامعاً فيه بين مذاهب ألفرس والهند والروم وهو جداول حركات الكواكب التي ترشد إلى التقويم والتوقيت. ثم اشتهر بعد ذلك أبومعشر البلخي ألفلكي فألف كتابه المملوء بالخرافات والأوهام ثم البتاني والبيروني والوسي وأمثالهم وقد نجوفي مؤلفاتهم نحوالاختبار والتحقيق أكثر من غيرهم. وسموا علم البحث في إحكام كل وقت وزمان من الخير والشر وما يندمج في سلك ذلك من السعد والنحس إلخ، علم الاختيارات وفي مفتاح السعادة لطاش كبري وكشف الظنون للحاج خليفة وأسماء مؤلفات كثيرة بهذا ألفن. وسموا علم الرصد وما يبنى عليه من النافع والضار وما شاكل علم الزيج والزايرجة ولهم أزياج كثيرة عددوا أسماءها في كشف الظنون وغيره. ولذلك ترى مؤلفاتهم كثيرة في أحداث الجو والآثار العلوية وأحكام النجوم والتأثيرات العلوية والزجر وألفال واستخراج الحب والضمير والتوفيق بين الطب والنجوم والاستدلال بالكسوفات على الحوادث وفي المذنبات وأيام العجوز وليعقوب ابن اسحق الكندي رسائل كثيرة في هذه الموضوعات كما نرى لغيره بعضها مثل أرسطووابن الخمار البغدادي والفارابي وابن سينا وابن خطيب الري والفضل بن حاتم النيريزي وأمثالهم. فتحولت خذه العلوم من النجامة إلى الرمل وحساب النسيم والزايرجة. وقيل لها في أيامنا التبريج والتنجيم. وهكذا بقي الإنسان سحابة عصور طويلة وأحقاب مستفيضة منهمكاً بمراقبة النجوم ورصد الطوالع والمنازل يوفق بين سعودها وأعماله ويحذر من نحوسها ومستقبله فينقاد بأزمة الأوهام ويسكن بمسكنات الإنذار بالويلات ولله در القائل يخاطب أمثال هؤلاء الضالين: يا راصد الخنس الجواري ما فعلت هذه السماء مظلمونا وقد زعمتم أنكم اليوم أملياء ولا نرى غير زور قول إذاك جهل أم ازدراء إنا إلى الله قد علمنا أن ليس يستدفع القضاء رضيت بالله لي إلهاً حسبكم البدر أوذكاء ما هذه إلا نجم السواري إلا عباد يد أوإماء يقضي عليها وليس تقضي وما لها في الوري اقتضاء فمن هذه الاعتقادات ما هو مبني على قواعد علمية ومشاهدات إخبارية مثل علاقة القمر بالمد والجزر وتقلبات الهواء وحدوث العواصف حتى ثبت عند بعض الراصدين بعد مراقبة سنوات طويلة: أن الزوابع والعواصف تكون أكثر عدداً إذا كان القمر هلالاً وتقل إذا أبدر. وكذلك معرفة الكسوف والخسوف بأوقاتهما ومواعيد رجوع المذنبات وقياس أبعاد الكواكب ومعرفة قطر الأرض ومحيطها وكرويتها ودورانها حول الشمس. وعلاقة السفع الشمسية أي سواد الشمس باضطراب حالة الأرض الجوية والداخلية فثوران البراكين والزلازل وشدة حرارة الصيف وبرد الشتاء والزوابع تكون إذا كانت السفع في معظمها أوأقلها لما يحدث من الاضطراب المغناطيسي. ومن مفاعيل حرارة الشمس أنها تسبب الرياح والغيوم والأمطار واختلاف الدورتين الهوائية والمائية فهي بحصر الكلام حياة الحيوان والنبات والجماد. وعرف المراقبون أن أكثر أيام الشهر مطراً يكون في اليوم التاسع من الهلال وأكثر ساعات النهار مطراً يكون في الساعة الرابعة بعد الظهر. كل هذه الإستقراآت والمشاهدات حملت الناس على تأليه الشمس والقمر وعدهما سبب حياة العالم. ومن هذه الاعتقادات ما لم يقم على صحته دليل قاطع حتى الآن وإن كان بعضها من الممكنات مثل اصطدام الأرض بالمذنبات أوبحلقة الشهب والنيازك التي تلتقي بمعظمها كل ثلاثين سنة مرة وميعاد رجوعها سنة ١٩٢٩ م. أما ملتقى الأرض بالمذنبات فيكون بموعد كل منها بحسب مدته وهي كثيرة الأنواع مختلفة المدات. على أن الرصد أفادنا أن اصطدام المذنبات بالأرض لا يضر هذه لأن مذنب بيالا سنة ١٨٥٢ انقسم بصدمته شطرين ثم تفتت وكان آخر العهد به، فلذلك كان تكهن بعض العلماء من هذا القبيل لا يريب العقلاء والمفكرين وإن كان قد أقلق العامة في أزمان مختلفة. على أن مخاطر الأرض كثيرة فقد يمكن أن يكون تفانيها بجفاف البحار والأنهار وانقطاع الأمطار ونضوب المياه وتوسيع نطاق الرمضاء كما هو الحال في المريخ الآن أويكون بفقدها هو اءها وزوال بخارها المائي فلا تنعقد السحب في جوها ولا يجد المتنفس أوكسجيناً يدخل رئتيه فتموت الناس اختناقاً كما هو الحال في القمر الآن أويكون موت الناس غرقاً بمياه البحار التي تدفعها البراكين المنفجرة في قلبها فترفعها من أماكنها وترسلها على البر فتجعل النجاد سهو لاً وتصير الكرة ملساء بلا تضاريس وتغير سطحها فتغمرها المياه. وكذلك إذا تراكمت الثلوج وقطع الجمد في القطبين الجنوبي والشمالي فتجتمع وتزيد مساحتها إلى أن تصل إلى المحيطين فتملأها وتدفق مياههما على الأرض فتغرقها وتغطيها بالجمد. ومثل هذا أيضاً إذا كثر سجل المياه للشواطئ وجرف السيول للأتربة ووضعها في البحار فقد تزول اليابسة متوارية تحت أعماق المياه. فمثل هذه الأسباب ممكنة منتظرة ولكن لا يعلم وقت حدوثها إلا خالق العالم الذي تسمح إرادته العالية بفناء العالم كما سمحت ببقائه لأسباب يريدها هو ونحن لا نعرف لها وجهاً ولا يمكن التذرع إلى استطلاعها بوسيلة. فبعد أن عرفنا من هذه المقدمات هذه النتائج نقول أن أول من سلك البحار بدلالة النجوم الفينيقيون سكان شواطئ آسيا وجرى مجراهم اليونان منذ حرب طروادة سنة ١٢ . . ق م والعرب أيضاً في إبان مجدهم ومعرفتهم الملاحة، فكان نجم القطب وغيره من السور الثابتة قائداً لهم ودليلاً في أسفارهم حتى إذا توارت هذه الأدلة بالغيوم عمدوا إلى الاستدلال بالإبرة المغناطيسية. ولكن بقي المقام الأول للملاحة معتمداً على النجوم ومطالعها. ولما كانت النيرات والكواكب أساساً لتقسيم الوقت كان القدماء من مثل السريان والعبران والعرب والهنود والصينيين قد قسموا السنة إلى اثني عشر شهراً والشهر إلى أربعة أسابيع والأسبوع إلى سبعة أيام فجعلوا لكل يوم من الأسبوع كوكباً من السيارات السبع لعهدهم والشمس والقمر والمريخ والمشتري والزهرة وعطارد وزحل ولا تزال تسمية الأيام عند الفرنج مبنية على هذه العلاقة، ونسبوا إلى ذلك كثيراً من التأثيرات الغريبة في طبائع الكائنات مع أنهم كانوا يجهلون شؤونهم الخاصة على حد قول شاعر العرب: وما الذي تدريه في فلك العلي إذا كنت في أحوال دارك جاهلاً أما العرب فقد قسموا الأفلاك إلى تسعة منها سبعة للكواكب السيارة والثامن للكرسي وهو فلك النجوم الثوابت أو الفلك المكوكب والتاسع وهو العرش ويعرف بالأطلس لخلوه من الكواكب، ولهذه الكواكب في الأفلاك أبراج عددها اثنا عشر فبعضها له منها برج والبعض برجان، وهذه البروج تنقسم إلى نارية ومائية وهو ائية وترابية وإلى صيفية وخريفية وشتوية وربيعية وإلى شمالية وجنوبية ومرتفعة وهابطة وسعيدة ونحسة. ومنازل القمر ثمان وعشرون منزلة يحل كل يوم من الشهر منزلة منها ويستتر. والكواكب السيارة منقسمة إلى سعد ونحس وممتزج، ولكل نجم شرف في المنازل فشرف زحل في إحدى وعشرين درجة من المنيران وشرف المريخ في ثمان وعشرين من الجدي والشمس في تسع عشرة من الحمل. وعطارد في عشرين من السنبلة. والزهرة في سبع وعشرين من الحوت والمشتري في أربعة عشرة من السرطان والقمر في الدرجة الثالثة من الثور إلى غير ذلك من أمثال هذه الاختيارات ومن كلفهم في هذا التأثير أن الخليل بن أحمد الفراهيدي مخترع العروض قد وجد اتفاق الحروف مع النجم فقال أن عدد الحروف العربية بعدد منازل القمر ٢٨ ) وغاية ما بلغ إليه الكلام مع الزيادة ٧ ) أحرف كعدد السيارات. وصور الزوائد ١٢ كعدد البروج. وما يدغم من الحروف مع لام التعريف عدده ١٤ ويعرف بالشمسي وهو مثل منازل القمر التي يسيرها تحت الأرض و ١٤ فوقها. فتأمل ولم ينحصر ذلك في اللغة بل تجاوزها إلى صناعة الطب فإنهم اعتمدوا على كثير من العلاجات على مثل هذه الموافقات والظواهر ألفلكية فهذا ابن أبي أصيبعة قد روى في كتاب طبقات الأطباء: أنه نقل من بعض الكتب أن بختيشوع الطبيب المشهو ر كان يأمر بالحقن والقمر متصل بالذنب فيحل القولنج من ساعته. ويأمر بشرب الدواء والقمر على مناظرة الزهرة فيصلح العليل من يومه. ولا بأس أن نلم بمعتقدات القدماء في مثل هذه المظاهر ألفلكية فقد ذهب أرسطو وتبعة العرب وأهل القرون الوسطى: أن المذنب ليس إلا أبخرة تتصاعد عن الأرض حتى تبلغ طبقة الهواء المجاورة لكرة النار فتتحرك بحركة تلك الطبقة على الاستدارة ثم تستطيل وتتكاثف إلى أن تحترق فتتوقد وتتألف حتى تنطفي نارها فتتوارى وهو من أعقم المذاهب وأدناها في نظر المحققين من العلماء. ومن مزاعم هذا ألفيلسوف أيضاً أن كرة الهواء تقسم إلى ثلاث طبقات فالسفلى تعيش فيها الحيوانات والنباتات وهي غير متحركة كالأرض التي تحتها والوسطى عليها وهي بغاية البرودة غير متحركة أيضاً. والعليا مجاورة لكرة النار تتحرك بحركة ألفلك الأعظم اليومية، وإن الأبخرة التي تتصعد من الأرض تسخن في طبقة الهواء التي تجاور كرة النار فتحمى وتتألف ثم تستطيل بدورانها. ويروى أن ديموقريطس زعم أن بعض المذنبات ليست إلا أرواح المشاهير حتى تابعه بودين من فلاسفة القرن السادس عشر. ومن أقواله في هذا الوهم: إنني أعتقد اعتقاد ديموقريطس أن الكواكب هي أرواح المشاهير تصعد إلى السماء ظافرة مزدهية ولذلك كانت الحروب والأوبئة والمجاعات وأمثال هذه النكبات الجائحة تدمر الأرض عند ظهورها إذ تفقد عظماءها ونوابغها فلا يبق فيها من يدبر شؤونها. وعلى هذا العزم الباطل توهموا أن مذنب هالي الذي ظهر سنة ٤٣ ق م هو روح جوليوس قيصر إمبراطور رومية الذي قتل بعد ظهوره بقليل. وأشاعوا بينهم هذه الرواية وهي أن قيصر هذا تحول كوكباً وهاجاً وانتظم في سلك الآلهة العلوية وأيد قولهم شدة تألقه حتى كان يرى في الهاجرة. ومن أغرب هذه المعتقدات أن تبقى راسخة في الأذهان حتى أوائل القرن الماضي فإن ألفرنسيين مع مدنيتهم العصر يتفاءلوا يوم ولادة نابليون بونابرت بظهور مذنب في ٨ آب سنة ١٧٦٩ وذلك قبل ولادته بأسبوع، وتشاءموا بظهور مذنب في ٢١ كانون الثاني سنة ١٨٢١ واشتداد تألقه في أوائل أيار ولاسيما في ٥ منه يوم مات نابليون فجمعوا بهذا بين المعتقدين. ومن مزاعم القدماء في كسوف الشمس وخسوف القمر اضطرابهم جميعاً حتى الملوك والعظماء فكان هؤلاء كثيراً ما يوصدون أبواب القصور ويلحقون شعور أولادهم حزناً وحداداً ويقدمون القرابين للآلهة وللكواكب دفعاً لغضبها وتمويهاً على الشعب بإلقاء الرعب في قلوبهم، ولاسيما عند اليونانيين والرومان. وأما الهنود والصينيون فيشهدون الأهازيج ويطلقون البنادق ويقرعون النحاس لإعادة نظام النيرين ومثل ذلك يجري عندنا حتى اليوم في بعض الأماكن. وكثير من الإفرنج ينسبون للقمر أيام نحس وسعد فمنهم من يتفاءل بالزواج في ليالي نموه وإبداره ومنه من يتفاءل بمحاقه فيفضل أهل أثينا ليلة الهلال. وأهل اسكتلندا اليوم الأخير من السنة، يعتقد الدانمركيون أن المولود والقمر في الزيادة بولد بعده من جنسه وبالعكس إذا كان القمر في النقصان. وإذا ولد والقمر في الحضيض مات قبل سن الرشد وإذا ولد في سنة كبيسة مات هو وأمه في ليلة واحدة وعند بعضهم أن دلك اليدين في ضوء القمر يذهب الثآليل والدمامل، وعندنا أن عد النجوم يولد الثآليل، ومن مزاعم الإفرنج في الشهر أن مولودة كانون الثاني مديرة للمنزل مائلة للسويداء والكآبة ولكنها كريمة الأخلاق. . . . وشهر تشرين الثاني عند ألفرنسيين شهر الأموات وعند الهولنديين شهر السرور وألفرح فيكثر فيه الزواج، ويعتقدون أن شهر آب تحت حكم الأسد والعذراء فمن أوله إلى ٢١ منه يحكم برج الأسد ومن ٢٢ إلى نهايته يحكم برج العذراء فمن ولد في الأيام التي يحكم فيها برج الأسد ينال الثروة والمجد ويكون من أرباب الترف واللهو ولكنه يصاب بالخصام في أسرته والحزن عليها وقد ينال ربحاً من إرث أونصيب. ومن ولد في الأيام التي يحكم فيها برج العذراء كانت حياته معرضة لخطر عظيم في صغره ولا أمل له بغير الإرث وكل ما يرثه يكون موضوع النزاع. والرومانيون واليونان وألفرنسيون والإنكليز يتشاءمون من شهر أيار ولا يتزوجون فيه والزواج في حزيران وتشرين الأول ميمون إلى غير ذلك. وأما الاعتقاد في أيام الأسبوع فالأميركان كانوا يقولون أن مولود يوم الاثنين يكون جميل الوجه والثلاثاء ممتلأ من نعمة الله والأربعاء مسروراً وبشوش الوجه والخميس تعساً شقياً والجمعة هبة إلهية والسبت منهمكاً في تحصيل معاشه والأحد مستغنياً لا يحتاج إلى شيء. والعطاس يوم الاثنين ينذر بالخطر والثلاثاء يدل على قبلة من أجنبي والأربعاء للحصول على رسالة والخميس لليمن والجمعة للحزن والسبت لمقابلة حبيبة والأحد للعياذ من الشيطان. ويوم الأربعاء أحسن الأيام والخميس آلام والجمعة خسارة والسبت خطر على العروس والأحد ندم على ما فعلت وأما بالنظر إلى الأشغال فالأربعاء عندهم أقبح الأيام والسبت أحسنها. وتقليم الأظافر يوم الاثنين للأخبار والثلاثاء لزوج أحذية جديد والأربعاء للصحة والخميس للثروة والجمعة للحزن والسبت للسفر والأحد للمصيبة. والزواج يوم الاثنين للثروة والثلاثاء للصحة والأربعاء أفضل يوم والخميس للبلايا والجمعة للخسران والسبت لحرمان الحظ ونيل التعاسة. ورأيت في تعاليق بعض المخطوطات التي أحرزها من مكتبتي ولاسيما شرح السبط المارديني لفرائض السخاوي وهو من نوادر المخطوطات ما يوافق هذه النظرات عند العرب فمما ينسب إلى الإمام الشافعي قوله في أيام الأسبوع وتنسب إلى الإمام علي أيضاً: لنعم اليوم يوم السبت حقاً لصيد إن أردت بلا امتراء وفي الأحد البناء لأن فيه إبان الله إطباق السماء وفي السماء إن سافرت فيه فترجع بالمليح وبالثناء وإن رمت الحجامة في الثلاثا ففي ساعاته هرق الدماء وإن شرب امرؤ منكم دواء فنعم اليوم يوم الأربعاء وفي يوم الخميس قضاء حاج لأن الله يأذن بالقضاء وفي الجمعات تزويج وعرس فتجتمع الرجال مع النساء ولابن حجر العسقلاني: قص الأظافر يوم السبت آكلة تبدووفيما يليه يذهب البركة وعالم فاضل يبدوبتلوهما وإن يكن في الثلاثا فاحذر الهلكة ويورث السوء في الأخلاق رابعها وفي الخميس يأتي لمن سلكه والقسم والعلم زده في عروبتها عن النبي رويانا فالتفوا نسكه وسعود الأيام ونحوسها هو بحسب ما ورد في كتاب جامع ألفنون وسلوة المحزون لابن شبيب الحراني المتوفي سنة ٦٩٥ هـ ١٢٩٥ م من نوادر مخطوطات مكتبتي ونسخه عزيزة الوجود. إن يوم الجمعة أفضل الأيام يحمد فيه الزواج والراحة وتقليم الأظافر والسبت يوم راحة لا يجوز فيه صرم النخل. والأحد أول يوم للخليقة يصلح فيه البناء وابتداء كل عمل، والاثنين مبارك ترفع فيه الأعمال والثلاثاء للحجامة والقعود وإصلاح حال النفس والأربعاء قليل الخير ولاسيما آخر أربعاء الشهر فهو يوم نحس مستمر يشرب فيه الدواء ويحمد فيه دخول الحمام وترك الشغل والخميس مبارك للابتداء بالسفر ولطلب الحوائج وفي المأثور عن الرسول بورك لأمتي في بكور سبتها وخميسها ويكره فيه الحجامة والقصد. وشهر محرم أوله عند ملوك العرب يجلسون فيه للهناء كالأعياد، وصفر القعود فيه أولى من الحركة، وربيع الأول شهر مبارك. وجمادى الأولى مبعث الحوادث العجيبة حتى قالوا العجب كل العجب بين جمادى ورجب. ورجب الأصم يمتنع فيه الحرب والاستئثار عند عرب الجاهلية ورمضان شهر مبارك للصوم والاستغفار إلى غير ذلك مما اقتطفته من صفحات كثيرة للاستدلال على اعتقاد العرب. ومن نوادر المنجمين عندهم أن هارون الرشيد مرض فأتى بمنجم فأخذ المنجم له تقويماً فتغير وجهه، فقال له هارون الرشيد أصدقني ما سبب تغير وجهك وما ظهر لك وأنت في أمان فأجابه أنه لم يبق لأمير المؤمنين إلا أيام قليلة وبينما هارون الرشيد مضطرب لهذا النبأ إذا بجعفر البرمكي وزيره قادم عليه فأعلمه بالقصة فاستدعاه إليه وقال له: كم عمرك؟ فقال ثلاثون سنة فقال له جعفر خذ تقويمك لنرى كم تعيش فقال ثلاثاً وثلاثين سنة فقال له هارون مر بقتله فقتل فقال له: لوكان صادقاً لصدق بنفسه. وعاش بعد ذلك هارون أعواماً. ولما أراد الخليفة المعتصم العباسي فتح عمورية سنة ٢٢٣ هـ ٢٣٨ م جمع المنجمين ليختاروا له الطالع السعيد للهجوم عليها فحذره من ذلك لأن المذنب هالي كان قد ظهر قبل ذلك أي سنة ٢٢٢ هـ ٨٣٧ م وقد وصفه المؤرخون مثل ابن الأثير وابن أبي أسامة وغيرهما. ولكنه اضطر إلى فتحها فظفر بها واكتسحها فقال أبوتمام قصيدته البائية المشهورة ساخراً بالمنجمين وهي من مشهورات القصائد الواقعية جاء فيها: السيف أصدق أنباء من الكتب في حده الحد بين الجد واللعب بيض الصفائح لا سود الصفائح في متونهن جلاء الشك والريب والعلم في شهب الأرماح لامعة بين الخميسين لا في السبعة الشهب أين الرواية بل أين النجوم وما صاغوه من زخرف فيها ومن كذب تخرصاً وأحاديثاً ملفقة ليست بنبع إذا عدت ولا غرب عجائباً زعموا الأيام مجفلة عنهن في صفر الأصفار أورجب وخوفوا الناس من دهياء مظلمة إذا بدا الكوكب الغربي ذوالذنب وصيروا الأبراج العليا مرتبة ما كان منقلباً أوغير منقلب يقضون بالأمر عنها وهي غافلة ما دار في فلك منها وفي قطب إلى آخر ما هنالك من التهكم ووصف بسالة المعتصم وإقدامه وتنكيله بأعدائه ومن لطيف ذلك أن عبد الملك بن مازة البخاري دخل عليه مملوك وفي يده قوس فقال مشيراً إلى حلول الشمس بالقوس سعد وبالعقرب نحس: تهاني لما بدا عقرب على خده أن أروم السفر فقلت وفي يده قوسه أسير ففي القوس حل القمر ومثل ما عند العرب كان عند الأعاجم فالتاريخ يروي لنا: أنه بينما كان أسطول اليونان على أهبة السفر لمحاربة السبرطيين في ٣ آب سنة ٤٣١ ق م وكان بيركليس على ظهر السفينة حدث كسوف فتشاءم البحارة من ذلك الظلام القاتم وكادوا يتقهقرون جزعاً فأسرع بيركليس ووضع رداءه على وجه أحد القواد قائلاً له: أست في ظلمة وهل في ذلك ما يخيفك؟ وأي فرق بين هذا الظلام وذاك القتام سوى أن الأول ناتج عن شيء أعظم من ردائي وهكذا استبقى قواهم واستعاد نشاطهم. إلى غير ذلك من الأمثلة الكثيرة. هذا ما احتمله المقام من النظر في أوهام الناس في الأفلاك والمواقيت ونحوها مما يتعلق بالجو وظواهره وفي فرصة أخرى إن شاء الله نعود إلى الكلام في تأثير النجم من سيّار وثابت على البسطاء عند الأمم قديمها وحديثها. في فن الأدب حدث رواة الأخبار أن حميدة بنت النعمان بن بشير الأنصاري تزوجت الحرث بن خالد بن العاصي بن هشام وكان شيخاً هرماً فلم تطب لها الإقامة معه وكانت تسكن دمشق فقالت في ذلك: فقدت الشيوخ وأشياعهم وذلك من بعض أقواليه) قولها فقدت إنشاء وليس بخبر: فهي تدعوعلى الشيوخ المسننين بأن تفقدهم عن آخرهم وتفقد كل من يتشيع بهم. ولعل مرادها بالمتشيعين لهم سماسرة السوء الذين يسعون لدى الأسر في تزويج فتياتهم من أولئك الشيوخ الطاعنين في السن فيقعن من عشرتهم في جحيم ومن العيش معهم في بلاء مقيم، ثم قالت حميدة أن دعاءها على الشيوخ هو من بعض أقوالها فيهم أي هو أقل ما يجب أن تقوله في حقهم وفي إظهار النفرة منهم والزراية عليهم. ترى زوجة الشيخ مغمومة وتمسي لصحبته قاليه) قالية مبغضة كارهة. والشيخ هنا لم ترد به حميدة الواحد من شيوخ العلم الديني ولوكان شاباً حسبما اصطلح عليه المتأخرون وإنما أرادت به المعنى اللغوي وهو الرجل الذي شاخ وطعن في السن وبلغ من الكبر عتياً عالماً كان أوجاهلاً. وللشيخ سبعة جموع استوفاها بعضهم في هذين البيتين فقال: مشايخ مشيوخاء مشيخة كذا شيوخ وأشياخ وشيخان فاعلما) ومع شيخة جمع لشيخ وصفرا بضم وكسر في شييخ لتفهما) قوله شيخة على وزن عنبة ولكنه سكن الياء لضرورة الشعر وقوله بضم وكسر يريد أنك إذا صغرت كلمة شيخ فقلت شييخ جاز لك إذ ذاك أن تضم الشين وهو الأصل في الاسم المصغر وأن تكسرها مراعاة لليائين التي بعدها ليسهل النطق باللفظ ويخف على السمع. نكحت الهشامي إذ جاءني فيالك من نكحة غاوية) تلوم نفسها على تسرعها بزواج ذلك الرجل فهي لم تتريث إن رضيت به مذ جاءها خاطباً ثم أظهرت الدهشة والعجب من هذا الزواج الذي كلفها ثمناً غالياً: عمراً خسرته وشباباً أبلته وجمالاً ابتذلته ومستقبلاً أضاعته: له فتحتان كصنان التيوس أعيا على المسك والغالية الذفر بفتحتين كل رائحة شديدة سواء كانت طيبة أوخبيثة: يقال مسك أذفر ورجل ذفر بكسر ألفاء له صنان وخبث ريح. والصنان بضم الصاد الرائحة الكريهة تنبعث من تحت الإبط واستعملتها الشاعرة هنا في رائحة التيوس بطريق النجوز. و الغالية ضرب من الطيب مركب من جملة أجزاء، تقول أن لزوجها ريحاً خبيثاً أعياها الأمر في إزالتها وتخفيف شرها وقد استعانت على ذلك وعالجته بأنواع الطيوب فلم تفلح. وإن دمشق وفتيانها أحب إلي من الجالية) الجلاء بفتح الجيم الخروج من بلد إلى آخر. ويقال جلا القوم عن الموضع الفلاني إذا تفرقوا عنه. والقوم الذين يخرجون هذا الخروج يسمون جالية ويسمى أهل الذمة جالية لأن عمر بن الخطاب أجلاهم عن جزيرة العرب. ومراد الشاعرة بالجالية هنا أولئك الذين كانوا يجلون عن ديارهم في الحجاز ويسكنون دمشق لذاك العهد ويظهر أن لدمشق في نفوس القوم إذ ذاك مكانة عالية فكانوا يتنافسون بالعيش فيها ويضربون المثل بحسن عشرة أهلها. ولم يزل هذا أدبها إلى اليوم فهم إذا أرادوا أن يصفوا إنساناً بالذوق وطيب العشرة وكرم الطباع قالوا أنه مدمشق على وزن اسم المفعول أي أنه كأهل دمشق ذوقاً وأدباً كما يقولون في مصر فلان ابن بلد يعنون به ما نعنيه نحن بكلمة مدمشق ويستعمل الأوروبيين في هذا المعنى كلمة جنتلمان الإنكليزية. وقد ذكر سليم أفندي سركيس في بعض أعداد مجلته: أن جريدة التيمس رأت أن تضع لكلمة جنتلمان الإفرنجية لفظة عربية أومعربة فقالت في وصف أحد سلاطين آل عثمان القدماء أنه كان يسمى محمود الشلبي وفسرتها لقرائها بقولها أن معنى الشلبي هو الجنتلمان ثم قال سليم أفندي: وما دمنا لليوم لم نقع على كلمة ترادف الجنتلمان في لغتنا العربية فلنرض بم رضيته لنا التيمس أي من استعمال كلمة الشلبي بمقام الجنتلمان وكلمة شلبي بالشين العربية محرفة عن جلبي بالجيم ألفارسية ذات النقط الثلاث وهي كلمة تركية معناها الشريف واللطيف والظريف. وقد غاب عن سليم أفندي أن يذكر في معاني الجنتلمان كلمة مدمشق كما غاب عنه أن يذكر أيضاً كلمة عايق التي يستعملونها في ذلك المعنى نفسه. ولا أذكر ما هو أصل اشتقاق عايق وكيف استعملت في هذا المعنى في لغتنا العربية. وإن كانت حميدة ذكرت دمشق في أثناء التهكم بزوجها والزراية عليه فإن شاعراً آخر ذكر دمشق في غضون عتابه لزوجته وتهديده لها فقال: دمشق خذيها واعلمي أن ليلة تمر بعودي نعشها ليلة القدر أكلت دماً إن لم أرعك بضرة بعيدة مهوي القرط طبيبة النشر دمشق منادى: يقول خذي يا دمشق زوجتي التي هربت من بيتي إليك واعلمي أن الليلة تموت فيها تلك الزوجة الغادرة وأراها فيها محمولة على أعواد نعشها هي عندي بمنزلة ليلة القدر. ثم أرى أن توقع الخلاص منها بانتظار موتها أمر يطول شرحه، فالتفت إلى الزوجة الناشزة واستحضرها في ذهنه وجعل يتهددها ويتوعدها فدعا على نفسه بأن يموت أحد الأعزاء عليه ويأكل ديته إن كان لا يتزوج ويدخل عليها الذعر ويضرم في قلبها نار الغيرة بانتقاء ضرة لها تكون أجمل منها، وأجمع لصفات الحسن. وفي البيت الثاني كنايتان من أشهر الكنايات التي يتمثل بها البيانيون في كتبهم وهما) أكلت دماً) و (بعيدة مهوى القرط). ومن أخلاق العرب أنهم يأنفون من ترك أخذ الثأر اكتفاءً بأخذ الدية من جمال وأنعام ويكنون عن هذه الدية الحيوانية بالدم ويعير بعضهم بعضاً بأكلها والرضا بها فشاعرنا يقول أنه إن لم يتزوج على امرأته تلك التي هربت إلى جلق فالله يبتليه بهذه الضعة والخزاية والعار الذي لا يمحى وهي أن يأكل دية قريبه بدل أن يأخذ بثأره فيقتل من قتله أما الكناية الثانية فهي قوله في صفة الضرة أنها بعيدة مهوى القرط فهو يصفها بالطول: إما طول العنق أوطول القامة. إذ أن مهوي القرط موضع هو يه وسقوطه وهو إما الكتف فالطول للعنق. أوالأرض فالطول للقامة وقوله في صفتها طيبة النشر أي طيبة الرائحة. وقوله مخاطباً لدمشق دمشق خذيها يشعر بأن لهذه البلدة مزية أومعنى يجتذب القلوب إليها وينزل الرحال لديها. وإنما هدد ذلك الشاعر زوجته الناشزة بما هددها به لكونه بعلم مبلغ غيرة النساء وجزعهن من الضرة، وأبلغ ما قيل في ذلك قول الآخر: خبروها بأني قد تزوجت فظلت تكلم الغيظ سراً ثم قالت لأختها ولأخرى جزعاً ليته تزوج عشرا يقول أنها عزمت أولاً على الصبر وكتم الغيظ وأسرار الغيرة في نفسها ثم غلبتها نفسها فباحت ببعض الشيء لكنها مع ذلك ظلت متجلدة متماسكة متظاهرة بقلة المبالاة فقالت لأختها ولصاحبة لها أخرى ليت زوجي بدل الزوجة الواحدة تزوج عشر زوجات فإني كارهة له غير راغبة في القرب منه. وأشارت إلى نساء لديها لا ترى دونهن للسر سترا يقول ثم ارتقى الحال بها واستولت الغيرة علليها فلم يعد يمكنها إخفاء الخبرالذي أضناها وأطار الرقاد عن عينيها: فقالت إلى نساء كن في مجلسها تأمن جانبهن بحيث لا ترى ضرورة لستر هذا السر عنهن وخاطبتهن مشيرة إلى قلبها تقول: يا لقلبي كأن ليس مني وعظامي كأن فيهن فترا من حديث نما إلي فظيع خلت في القلب من تلظيه جمرا تريد بكون قلبها ليس منها أنه أصبح كتلة نار من شدة الغيظ والكمد فهو ليس منها لأنها هي لحم ودم لا جهنم ولا أتون وفي عظامها فتر أي ضعف ووهن وانكسار ومعنى البيتين واضح لا يحتاج إلى بيان وتفسير. على أننا نشرح في الأحايين أبياتاً تكون جليلة المعنى لا غموض فيها حباً في تنبيه الطالب أوالناشئ إلى حل الشعر وتحويل معناه إلى نثر وبسط ألفاظه ومعانيه بسطاً يقوي في نفس الطالب ملكة المقدرة على تأليف الكلام وحسن التصرف فيه وتأدية المعنى الواحد بالطرق المختلفة والأساليب المتعددة وهذه هي الطريقة التي تعمد إلى منظوم فتحله إلى كلام منثور من أحسن الطرق في تحصيل فن الإنشاء وتقوية ملكة الكتابة في النفس. وقد وضع ابن الأثير صاحب المثل السائر كتاباً لطيف الحجم سماه حل المنظوم شرح فيه هذه الطريقة وإبان وجه ألفائدة منها لطلاب ذلك ألفن. هذا الذي تزوج على امرأته رجل يحب الانتقام ويريد لنفسه شفاء غيظها وتبريد غلها أما زوج أنيسة فقد رأى أن قطع علاقته بالمرة مع أنيسة خير له ولها من تحمل مشاكل الضرة فطلقها وقال: رحلت أنيسة بالطلاق وعتقت من رق الوثاق أنيسة بهيئة التصغير، يقول أنها رحلت هي إلى دار أبيها وتخلصت أنا من الرق والأسر لها، ومن ثم قالوا في المرأة سيئة الأخلاق أنها (غل قمل وجرح لا يندمل) الغل واحد الأغلال وهو طريق من حديد أوجلد، يجعل في اليد أوفي العنق. وقمل بكسر الميم ذوقمل أي فيه قمل فيؤذي الأسير ويحرمه لذيذ الوثن فالمرأة السوء في إرهاقها زوجها مثل هذا الغل: بانت فلم يألم لها قلبي ولم تبك المآقي ودواء ما لا نشتهيه النفس تعجيل ألفراق أرسل هذا البيت مثلاً سائراً وحكمة بالغة فهو ينصح لكل من ابتلي بما لا تشتهيه نفسه أن يعجل فيفارقه ويقصيه عنه. وقد يقال أن هذا كان منه لمجرد هو ى النفس ونزاع الشهوة في لؤم وخسة وإن كان لضرورة قاضية وليكون في بيته ذا عيشة راضية فلا عتب ولا لوم: لولم أرح بفراقها لأرحت نفسي بالأباق وصبرت نفسي لا أريد حليلة حتى التلاقي أرح مبني للمجهو ل من الراحة. وأصل الأباق فرار العبد من بيت سيده واستعمله هنا في مطلق الهروب. ومراده بالتلاقي اليوم الذي يموت فيه فيلاقي فيه أجله أويلاقي وجه ربه. يقول: لولم تتيسر لي أسباب طلاق أنيسة وبقيت جاثمة في وجهي جثوم الأفعى، لكنت فررت منها فرار الآبق. وفارقتها فراق غير الوامق. وكنت بذلك أستريح من شرها، ثم أحرم النساء من بعدها لكن قد أسعدني الحظ بتسهيل أسباب طلاقها بالطلوع والرضا فشكراً لتدبير القضاء وعفا الله عما مضي. دمشق: المغربي الحمى طبياً عرف العرب مرض الحمى مثل غيرهم من الأمم القديمة وعالجوه بالماء وغيره من الملطفات ووصفه أطباؤهم وألفوا فيها رسائل ومقالات ضافية من أهمها كتاب الحميات خمس مقالات لم يوجد أجود منه، وعلاجاته مجربة. ألفه إسحق بن سليمان الإسرائيلي الذي عمر فوق المائة ولم يتزوج ولا أعقب فعير على ذلك فقال: إن لي أربعة كتب تحيي ذكري أكثر من الولد وهي كتاب الحميات و الأغذية والأدوية و البول و الاسطقسات وتوفي هذا المؤلف سنة ٣٢ . هـ ٩٣٢ م ومن الرسائل في الحميات رسالة لمحمد بن إبراهيم ورسالة لجلال الدين السيوطي ولغيرهما رسائل وكتب أخرى ضمنت أنواع الحمى ومعالجاتها وكل ما يتعلق فيها مما هو مفيد اليوم. شعرياً ولقد وصفها الشعراء بقصائد ومقاطع كثيرة يحضرنا منها الآن قول المتنبي يصف حماه الليلية التي ظنها بعضهم حمى الدق السل: وزائرتي كأن بها حياءً فليس تزور إلا في الظلام بذلت لها المطارف والحشايا فعافتها وباتت في عظامي يضيق الجلد عن نفسي وعنها فتوسعه بأنواع السقام إذا ما فارقتني غسلتني كأنا عاكفان على حرام كأن الصبح يطردها فتجري مدامعها بأربعة سجام أراقب وقتها من غير شوق مراقبة المشوق المستهام وتصدق وعدها والصدق شر إذا ألقاك في الكرب العظام فإن أمرض فما مرض اصطباري وإن أحم فما حم اعتزامي وإن أسلم فما أقي ولكن سلمت من الحمام إلى الحمام وقال ابن شيروية فيها: وزائرة تزور بلا رقيب وتنزل ألفتى من غير حبه وما أحد يحب القلب منها ولا تحلوزيارتها بقلبه تبيت بباطن الأحشاء منه فيطلب بعدها من عظم كربه وتمنعه لذيذ العيش حتى تنغصه بمأكله ومشربه أتت لزيارتي من غير وعد وكم من زائرلا مرحباً به وقال أبوبكر الخوارزمي أمير الكتاب يشير إلى ترك الغذاء فيها: ولي من أم ملدم كل يوم ضجيج لا يلذ له شمام مقبلة وليس لها ثنايا معانقة وليس لها التزام كأن لها ضرائر من غذائي فيغضبها شرابي والطعام إذا ما صافحت صفحات وجهي غدا ألفاً وأمسى وهو لام وقال الأمير ناصر الدين بن النقيب في نوبة الحمى موارياً: أقول لنوبة الحمى اتركيني ولا بك منك لي ما عشت أوبه فقالت كيف يمكن ترك هذا وهل يبقى الأمير بغير نوبه وقال أبوالحجاج الفهري الغرناطي في الوزير ابن الحكم وقد أصابته حمى تركت على شفتيه عقابيل بثوراً: حاشاك أن تمرض حاشاكا قد اشتكى قلبي لشكواكا إن كنت محموماً ضعيف القوى فإنني أحسد حماك ما رضيت حماك إذا باشرت جسمك حتى قلبك فاكا وقال المتنبي مشيراً إلى توقيف الحمى في اصطلاح الأطباء وهو من التعليل الحسن المبني على الشك: ومنازل الحمى الجسوم فقل لنا ما عذرها في تركها خيراتها أعجبتها شرفاً فطال وقوفها لتأمل الأعضاء لا لإذاتها ولم يخرج عنه أبوالفتح كشاجم الرملي فقال في سبب الحمى: ولقد أخطأ قوم زعموا أنها من فضل برد في العصب هو ذاك الذهن أذكى ناره والمزاج المفرط الحر التهب ومن ألطف ما قيل في حمى الأولاد قول أحمد بن بدر المعروف بالبلاط في ولد له حم: أعزز علي بني ما تلقى سدت علي شكاتك الطرقا قد كدت بالحمى أحق فليتني التي من الحمى الذي تلقى وقال أبو نواس يخاطب عناناً جارية الناطفي مشيراً إلى إمكان عدواها وقد مرض وشفيا ولم يعلم هو بمرضها إلا بعد برئه: إني حممت ولم أشعر بحماك حتى تحدث عوادي بشكواك فقلت ما كانت الحمى لتطرقني من غير ما سبب إلا بحماك وخصلة كنت فيها غير متهم عافاني الله منها حين عافاك حتى إذا أنفقت نفسي ونفسك في هذا وذاك وفي هذا وذاك وقال إلياس صالح كنعان البيروتي لما ثقلت عليه وطأة الحمى وهو آخر نظمه مشيراً إلى تأثير الحمى في الأحشاء والرأس: إذا جن الظلام وغاب صبحي وفارقني أحبائي وناسي أتت تسعى إلي وليست ترضى مقاماً غير أحشائي ورأسي هذه طرف مختلفة من أوصاف الحمى الشعرية. فبقي علينا أن نذكر ما عرفه اللغويون عنها مما لم نره مجموعاً في رسالة أو كتاب بل استخرجناه بالبحث والاستقراء. لغوياً من الغريب أن الكلمات العربية المبدوءة بالحاء تدل على الحرارة والتوقد ونحوهما ولذا فنحن نستقري هذه السلسلة لنصل إلى اسم الحمى وصحة اختياره لهذا الداء ألفتاك الذي يذيب الدماغ والحشى بل يحرق الجسم ويهلك صاحبه. فإذا تتبعنا سلسلة الحاء وما يتركب معها من الحروف المضاعفة نجد: أنحب بمعنى عشق وحث الشيء حكه ليسقط وحثه على الشيء أحماه عليه وحج غلب بالحجة وفيه حدة وحد غضب وحذ قطع ومثلها جز وجذ. وحر ضد برد وحز قطع وفيه احتكاك وحرارة وحس البرد العشب أحرقه وحس اللحم جعله على الجمر زحش النار أوقدها والمحش ما تحرك به النار. وحص الشعر حلقه وأذهبه وحضه على الأمر أحماه عليه وحط وجهه خرج به الحطاط وهو نوع من البثور أي الحبوب يعرف بحب الصبا. والحظ التوفيق وحف الشيء كشطه. وحقت الحاجة نزلت واشتدت وحقه غلب على الحق وحكه دلكه وكشطه وحل الحرير استل خيوطه منه بالحرارة وحم التنور سجره أي أوقده وأحماه. وحن إليه أي اشتاق وانعطف وحي ضد مات. فإذا راجعنا هذه المادة نجد أنها من أشد المواد العربية دلالة على الحرارة والاشتعال ولذلك أخذ منها اسم الحمى التي هي من أشد الأمراض فتكاً بالأجسام اشتعالاً ومما يزيد قولنا هذا برهاناً أننا إذا حذفنا حروف هذه المادة الثنائية وأضفنا إليها حروفاً أخرى كان لنا من معنى المادة ألفاظ كثيرة تدل على الحرارة والاتقاد مثلاً حبحبت النار اتقدت والحباحب سراج الليل المتألق، وحبك شد وقطع. والحبوكرى الداهية. وحبت السفينة جرت وتحركت وحثحث إذا ضاعف الحث. وحجن عطف وجذب. وحدر الجدار ورم من الضرب، وحدث في السير أسرع، وحسم قطع إلى آخر المادة. ومن الكلمات التي تتعلق بالحمى من مادتها قولهم أرض وبلاد محمة ومحمة ذات حمى أو كثيرة الحمى، وحم الرجل فهو محموم إذا أصيب بها وأحمته البلد. إلى غير ذلك من الاصطلاحات. وأما حمى التيفوئيد فهي من كلمتين يونانيتين الأولى تيفوس أي السبات من الحمى والثانية بمعنى شكل فمجموع معناها شكل السبات أوشبه التيفوس. والتيفوس يونانية كما مر بمعنى سبات الدماغ ونحوه. أما كلمة الحمى في اللغات الإفرنجية فهي من كلمة اللاتينية بمعنى ليسخن وليحم فهي مثل الكلمة العربية ومنها اشتقت كلمة ألفرنسية وكلمة الإنكليزية الإسبانية والإيطالية وأشباهها. أما أنواع الحمى التي عرفها العرب فهي حمى مردم من أردمت عليه إذا لم تفارقه أياماً وحمى نائبة تنوبه كل يوم. والبرحاء شدة الحمى، وحمى الرس أول الحمى قبل أن تأخذه وتظهر فإذا كان مع الحمى قرة وجد مسها فهي العرواء البردية في اصطلاح العامة وعري إذا أصيب بها. وعك الرجل إذا وجد عرواء الحمى، فإذا عرق منها فهي الرحضاء وهو مرحوض وتقول أخذته رحضاء ورحض. والصالب الصداع من الحمى، وحمى صالب تسيل العرق من الصليب أي الورك وقد صلبت عليه الحمى وأخذته النفضة أي الرعدة، وأخذته حمى نافض ونفضته الحمى، والوعك الحمى التي معها حر خالص تقول وعكته الحمى فهو وعك، والورد يوم الحمى وقد وردته الحمى، وحمى ربع التي تأتي في اليوم الرابع وقيل التي تدع يومين وتأخذ يوماً وربع الرجل وأربع وأربعته الحمى وأربعت عليه وربعت، والقلد يوم تأتيه الربع والغب إن تأخذه يوماً وتدعه آخر وقد أغبته الحمى وأغبت عليه وغبت فهو مغب. وإذا أقامت الحمى فذلك الحين هو القلع وخمدت الحمى سكن فوارها، وصارت الحمى تتعهده وتتعاهده وتحاوده بمعنى تداومه وتنقطع عنه، والعقابيل ما يظهر على الشفتين من غب الحمى، وهو يتضور من الحمى أي يتلوى ويضج ويتقلب ظهراً لبطن، والمسبوت العليل الملقي كالنائم يغمض عينيه في أكثر أحواله وهي من أعراض الحمى، وحمى قبس اقتبسها من غيره بالعدوى وحمى عرض تعرض لها من تلقاء نفسه، والمليلة حرارة الحمى وتوهجها، والحمى الدائرة التي تأخذ وقتاً وتدع وقتاً، وأفرق المحموم إذا تركته الحمى. إلى كثير من أشباه هذه الاصطلاحات الكثيرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون. زحلة لبنان: عيسى اسكندر معلوف القصران العجيبان البديع وساروية ما أشبه الليلة بالبارحة والعلم متشابه في أعماله على اختلاف العصور والأصقاع لا تكاد تجد فروقاً يمتد بها. والإنسان حين كاد يوشك أن يكون واحداً في الشرق والغرب في تصوراته ومناحيه، ذكر الحازمي أن البديع اسم بناء عظيم للمتوكل بسر من رأى وقال اليعقوبي: بنى المتوكل قصوراً أنفق عليها أموالاً عظاماً منها الشاه والعروس والشبدار والبديع والغريب والبرج وأنفق على البرج ألف ألف وسبعمائة ألف دينار وذكر الأصفهاني أنه شغب ألفرسان على السلطان في بغداد سنة ٣١٥ فأحرقوا القصر المعروف بالثريا وانتهبوا ما فيه من الخزائن وخربوا القبة والقصر المعروف بالأترجة والكوكب وسلبوا ما كان فيه من الآلة والمتاع والوحش والطير ثم بكروا من الغد إلى الحلبة فأحرقوا أبوابها وقصدوا القصر المعروف بالحسن الذي ينزل فيه المقتدر فبقوا إلى المساء يشغبون ثم بكروا من الغد إلى القصر المعروف بالبديع وبهذا ظهر أن اسم البديع أطلق على قصرين في العراق الأول في سر من رأى والثاني في بغداد وكان هذان القصران موجودين إلى تاريخ المئة الرابعة وأنشأ في المئة العاشرة قصر اسمه البديع في مراكش خاصرة الغرب الأقصى أنشأه المنصور عام ستة وثمانين وتسعمائة من خلافته وأنفق جلائل الأموال ونفائس الذخائر ذلك أنه أراد كما في مناهل الصفا أن تكون لأهل البيت به مأثرة وشفوف على دولة البربر وغيرهم من المرابطين والموحدين ومن بعدهم بني مرين فكان كل من أهل تلك الدول ابتنى بناءً يحيى به ذكره ولم يكن لأهل البيت في ذلك المعنى شيء تزداد به حظوتهم مع أنهم أحق الناس بالجد الأصيل والسؤدد الأثبل فتصدى لبنائه بقصد تشريف أهل البيت لأن البناء كما قيل من فوائده: هم الملوك إذا أرادوا ذكرها من بعدهم فبالسن البنيان إن البناء إذا تعاظم شأنه أضحى يدل على عظيم الشأن اتصل العمل في هذا البناء من سنة ٩٨٦ إلى ١ . . ٢ ولم يتخلل ذلك فترة وحشر له الصناع حتى من بلاد الإفرنجة فكان يجتمع كل يوم من أرباب الصنائع ومهرة الحكماء خلق كثير حتى كان ببابه سوق عظيم يقصده التجار ببضائعهم ونفائس أعلاقهم وجلب له الرخام من بلاد الروم فكان يشتريه منهم بالسكر وزناً بوزن وكان المنصور قد اتخذ معاصير للسكر ببلاد حاحة وشوشاوة وغيرهما وأما جبسه وجيره وباقي أنقاضه فإنها جمعت من كل ناحية حتى إذا وجدت بطاقة فيها أن فلاناً دفع صاعاً من جير حمله له من تينبكت وظف عليه في عمار الناس وكان المنصور مع ذلك يحسن للإجراء غاية الإحسان ويجزل صلة المعلمين بالبناء ويوسع عليهم في العطاء ويقوم بمؤنة أولادهم كي لا تتشوق نفوسهم وتتشعب أنظارهم. وهذا البديع دار مربعة الشكل وفي كل جهة منها قبة رائعة الهيئة واحتف بها مصانع أخر من قباب وقصور وديار فعظم بذلك بناؤه وطالت مسافته ولا شك أن هذا البديع أحسن المباني وأعظم المصانع يقصر عنه شعب بوان وينسى ذكره غمدان ويبخس الزهراء والزاهرة ويزري بقباب الشام وأهرام القاهرة وفيه من الرخام المجزع والمرمر الأبيض المفضض والأسود وكل رخامة طلي رأسها بالذهب الذائب وموه بالنصار الصافي وفرشت أرضه بالرخام العجيب النحت الصافي البشرة وجعل في أضعاف ذلك الزلاج المتنوع التلوين حتى كأنه خمائل الزهر أوبرد موش وأما سقوفه فتجسم فيها الذهب وطليت الجدارات به مع بريق نقشه ورائق الرقم يخالص الجبس فتكاملت فيه المحاسن وأجرى بين قبابه ماء غير آسن وبالجملة فإن هذا البديع من المباني المتناهية البهاء والإشراق المباهية لزوار العراق ومن المصانع التي هي جنة الدنيا وفتنة المحيا ومنتهى الوصف وموقف السرور والقصف وفي ذلك قيل: كل قصر بعد البديع يذم فيه طاب الجني وفيه يشم منظر رائق وماء نمير وثرى عاطر وقصر أشم إن مراكشاً به قد تناهت مفخراً فهي للعلا الدهر تسمو وبه من الأشعار المرقومة في الأستار والأبيات المنقوشة في الجهات على الخشب والزليج والجبص ما يسر الناظر ويروق المتأمل ويبهر العقول وعلى كل قبة ما يناسبها وفي بعض القباب مفاخرة على لسانها لمقابلتها فمن ذلك ما نقش خارج القبة الخمسينية لأن فيها خمسين ذراعاً بالعمل من إنشاء أبي فارس عبد العزيز ألفشتالي على لسان القبة المذكورة: سموت فخر البدر دوني وانحطا وأصبح قرص الشمس في أذني قرطا وصغت من الإكليل تاجاً لمفرقي ونيطت بي الجوزاء في عنقي سمطا ولاحت بأطوافي الثريا كأنها نثير جمان قد تتبعته لقطا وعديت عن زهر النجوم لأنني جعلت على كيوان رحلي منحطا وأجربت من فيض السماحة والندى خليجاً على نهر المجرة قد غطا وهي طويلة وكلها من هذا النمط وقال أيضاً قصيدة كتبت بداخل القبة المذكورة وله أخرى كتبت في بهو ها بمرمر أسود في أبيض قال في مطلعها: لله بهو عز منه نظير لما غدا كالروض وهو نضير رصفت نقوش حلا ورصف قلائد قد نضدتها في الصخور الحور فكأنها والتبر سال خلالها وشي وفضة تربها كافور وكأن أرض قراره ديباجة قد زان حسن طرازها تشجير وإذا تصاعد نده نواً ففي أنماطه نور به تشجير شأ والقصور قصورها عن وصفه سيان فيه خورنق وسدير فإذا أجلت اللحظ في جنباته يرتد وهو يحسنه محسور وكأن موج البركتين أمامه حركات السحب صافحته دبور صفت بضفتها تماثل فضة ملك النفوس بحسنها تصوير فتدير من صفوالزلال معللاً يسري إلى الأرواح منه سرور ما بين آساد يهج زئيرها وأساود يعلولهن صفير وقال أيضاً وكتب في بعض المباني البديعية: معاني الحسن تظهر في المباني ظهور السحر في حدق الحسان وختمها بقوله: قصور مالها في الأرض شبه وما في المجد من للمنصور ثان وكان ألفراغ من بناء البديع عام اثنين وألف وفي تاريخه يقول الوزير علي الشياظمي وهو مما نقش في باب الرخام أحد أبواب الربيع: الحسن لفظ وهذا القصر معناه يا ما أميلح مرآه وأبهاه فهو البديع الذي راقت بدائعه وطابق اسم له فيه مسماه صرح أقمت على التقوى قوائمه ودل فيه على التاريخ معناه قال في نفح الطبيب اخترع المنصور من الصنائع ثلاثة أشياء فجاءت غريبة الشكل بديعة الحسن وهي البديع والمسرة والمشتهى ومما قال المنصور في ذلك مؤرخاً: بستان حسنك أبدعت زهراته ولكم نهيت القلب عنه فما انتهى وقوام غصنك بالمسرة ينثني يا حسن رمان به المشتهى والذي ذكره صاحب البيان المعرب عن أخبار المغرب وهو الشيخ أبوعبد الله أبوعذارى الأندلسي أن أول من أنشأ المسرة التي بظاهر جنان الصالحة عبد المؤمن ابن علي كبير الموحدين قال وهو بستان عظيم طوله ثلاثة أميال وعرضه قريب منها فيه كل فاكهة تشتهى وجلب إليها الماء من أغمات واستنبط له عيوناً كثيرة. قال ابن اليسع: وما خرجت أنا من مراكش في سنة ثلاث وأربعين وخمسمائة إلا وهذا البستان الذي غرسه يبلغ مبيع زيتونه وفواكه ثلاثين ألف دينار مؤمنية بحسب رخص ألفاكهة بمراكش ولعل المنصور جدد معالم المسرة بعد إندراسها وأفاض مجال الحياة على ميت أغراسها. وكان المنور يفتخر بالبديع كثيراً وبنوه بعده كذلك وفي ذلك يقول أبوفارس ألفشتالي: هذا البديع يعز شبه بدائع أبدعتهن به فجأة غريبا أضني الغزالة حسنه حسداً له أبدي عليه للأصيل شحوبا شيدتهن مصانعاً وصنائعاً أنجزن وعدك للعلا المرقوبا وجريت في كل ألفخار لغاية أدركتهن وما مسسن لغوبا فأنعم المسكك فيه دام موقراً تجني به فنن النعيم رطيبا ولما أكمل المنصور البديع وفرغ من تنميق بردته وتطويق حلته صنع مهرجاناً عظيماً ودعا الأعيان والأكابر فقدم لهم من ضروب الأطعمة وصنوف الموائد وأفرغ عليهم من العطايا ومن الجوائز ما لم يعهد من قبل ولكن دالت الأيام وأمر السلطان اسماعيل ابن الشريف بهدم البديع عام تسعة عشر ومائة وألف فهدمت معالمه وبدلت مراسمه وغيرت محاسنه وفرق مجموع حسنه وعاد حصيداً كأن لم يغن بالأمس حتى صار مرعىً للمواشي ومقيلاً للكلاب ووكراً للبوم وحق على الله ما رفع شيئاً من الدنيا إلا وضعه ومن العجائب أنه لم تبق بلد بالمغرب إلا ودخلها شيء من أنقاض البديع. أما قصر سارويه فإن القليل الذي ظفرنا به من وصفه لا يشفي غله. قال الأصفهاني أنه في سنة خمسين وثلثمائة تهدم من البنية المسماة سارويه في داخل مدينة جي جانب منة وظهر عنه بيت في نحوخمسين عدلاً من جلود مكتوبة بخط لم ير الناس قبله مثله فلا يدرى متى أخرز ذلك في هذه البنية وسئلت عما أعرفه عن خبر هذه المصنعة العجيبة البناء فأخرجت إلى حضرة الناس كتاباً لأبي معشر المنجم البلخي مترجماً بكتاب أخلاف الزيجة ويقول فيه أن الملوك بلغ من عنايتهم بصيانة العلوم وحرصهم على بقائها على وجه الدهر وإشفاقهم عليها من أحداث الجو وآفات الأرض أن اختاروا لها من المكاتب أصبرها على الأحداث وأبقاها على الدهر وأبعدها من التعفن والدروس لحاء شجرة الخدنك ولحاؤه يسمى التوز وبهم ابتدى أهل الهند والصين ومن يليهم من الأمم في ذلك واختاروها أيضاً لقسيهم التي يرمون عليها لصلابتها وملاستها وبقائها على القسي غابر الأيام فلما حصلوا لمستودع علومهم وجود ما وجدوه في العالم من المكاتب طلبوا لها من بقاء الأرض وبلدان الأقاليم أصحها تربة وأقلها عفونة وأبعدها من الزلال والخسوف وأعلكها طيناً وأبقاها على الدهر بناء فانتفضوا بلاد المملكة وبقاعها فلم يجدوا تحت أديم السماء بلداً أجمع لهذا الأوصاف من أصبهان ثم فتشوا عن بقاعها فلم يجدوا فيها أفضل من رستاق جي ولا وجدوا في رستاق جي أجمع لما راموه من المواضع التي اختط من بعد فيه بدهر داهر مدينة جي فجاؤوا إلى قهندز قصر وهو في داخل مدينة جي. فأودعوه علومهم وقد بقي إلى زماننا هذا ويسمى سارويه ومن جهة هذه البنية درى الناس من كان يأتيها وذلك انه لما كان قبل زماننا هذا سنين كثيرة تهدمت من هذه المصنعة ناحية فظهروا فيها على أزج معقود من طين الشقيق فوجدوا فيه كتباً كثيرة من كتب الأوائل مكتوبة كلها على لحاء التوز مودعة أصناف علوم الأوائل بالكتابة ألفارسية القديمة فوقع بعض تلك الكتب إلى من عني به فقرأ فوجد فيه كتاباً لبعض ملوك ألفرس المتقدمين يذكر فيه أن طمهو رث الملك المحب للعلوم وأهلها كان انتهى إليه قبل الحادث المغربي الذي كان من جهة الجوخبره في تتابع الأمطار هناك وأفراطها في الدوام والغزارة وخروجها عن الحد والعادة وأنه كان من أول يوم من سني ملكه إلى أول يوم من بدوهذا الحادث المغربي مائتاناوإحدى وثلثون سنة وثلثمائة يوم وأن المنجمين كانوا يخوفونه من أول ابتداء ملكه تعدي هذا الحادث من جانب المغرب إلى ما يليه من جوانب المشرق فأمر المهندسين بإيقاع الاختيار على أصح بقاعه تربة فاختاروا له موضع البنية المعروفة بسارويه وهي قائمة الساعة داخل مدينة جي فأمر ببناء هذه البنية الوثيقة فلما فرغ له منها نقل إليها من خزانته علوماً كثيرة مختلفة الأجناس فتحولت إلى لحاء التوز فجعلها في جانب من تلك البنية لتبقى للناس بعد احتباس هذا الحادث وأنه كان فيها كتاب منسوب إلى بعض الحكماء المتقدمين فيه سنون وأدوار معلومة لاستخراج أوساط الكواكب وعلل حركاتها وأن أهل زمان طهمورث وسائر من تقدمهم من ألفرس كانوا يسمونها سني وأدوار الهزارات وأن أكثر علماء الهند وملوكها الذين كانوا على وجه الدهر وملوك ألفرس الأولين وقدماء الكلدانيين وهم سكان أحوية من أهل بابل في الزمان الأول إنما كانوا يستخرجون أوسط الكوافي كب من هذه السنين والأدوار وأنه لما أذخره من بين الزيجات التي كانت في زمانه لأنه وسائر من كان في ذلك الزمان وجدوه أصوبها كلها عند الامتحان وأشدها اختصاراً وكان المنجمون الذين كانوا مع رؤساء الملوك في ذلك الزمان واستخرجوا منها زيجاً وسموه زيج شهريار ومعناه بالعربية ملك الزيجات ورئيسها فكانوا يستعملون هذا الزيج دون زيجاتهم كلها فيما كان الملوك يريدونه من معرفة الأشياء التي تحدث في هذا العالم فبقي هذا الاسم لزيج أهل فارس في قديم الدهر وحديثه وصارت حاله عند كثير من الأمم في ذلك الزمان إلى زماننا هذا أن الأحكام إنما يصح على الكواكب المقدمة منه وإلى ههنا حكاية ألفاظ أبي معشر في وصف البنية القائمة الأثر بأصبهان وأبومعشر إنما وصف آزجاً من آزاج هذه البنية انهار منذ ألف سنة أقل أوأكثر فعبر منه إلى زيج شهريار فأما الذي انهار في سنة خمسين خمسين؟ وثلثمائة من سنة الهجرة فآزج آخر لم يعرف مكانه لأنه قدر في سطحه أنه مصمت إلى أن انهار فانكشف عن هذه الكتب الكبيرة المكتوبة التي لا يهتدي إلى قراءتها ولا خطها يشبه شيء من خطوط الأمم وفي الجملة أن هذه البنية إحدى الآيات القائمة ببلاد المشرق كما أن بنية مصر المسماة الهرم إحدى الآيات القائمة ببلاد المغرب. بعض معامل الدولة شاهدنا في دار صنع المدافع الطوبخانة في الأستانة صنع المدافع الجديدة من عيار ٧ السريع المرمى على الأصول الألمانية الحديثة وهذا النوع هو أقوى من النوع ألفرنسي وشاهدنا صنع مدافع الصحراء وهي من عيار ٤ أيضاً أقوى من المدافع الجبلية وأسرع منها تطلق في الدقيقة ٣ . قنبلة ترمي إلى مسافة ٨ . . . متر وشاهدنا صنع مدفع أوبس وهو من عيار ١٢ وأثقل من المدافع الجبلية ومدافع الصحراء وهذا من الاختراعات حديثة الطراز وهذا المدفع يدار لكل جهة من الجهات وهو خاص بالتخريب، وشاهدنا مدفع البومبة أوالقذائف وهو من اختراع رجالنا اخترعوه جديداً لإطلاق القنابل المفرقعة وهو يرمي إلى مسافات بعيدة تنفجر قنبلته وتفجر كل ما تجده بطريقها وكان لهذا الاختراع أعظم التأثير في حربنا الحاضرة، وشاهدنا مسدساً من اختراع رجالنا أيضاً وهذا المسدس يطلق رصاصة ثخينة تضيء ضوءً كهربائياً لأجل رؤية العدوعن مسافة بعيدة وكان لهذا الاختراع أيضاً نفع كبير في حربنا الحاضرة وهو من المخترعات المدهشة وشاهدنا مصانع القنابل الكلل وصبها من جميع العيارات حتى من عيار ٣٥ التي ثقل قنبلتها ٧١٢ آقة ورأينا مصانع المارتين الحديث الطراز بقطر ٥٦ مع التعديل التام ومسافة مرماه كمسافة الموزر الألماني وشاهدنا الغنائم التي غنمتها دولتنا العلية من الإنكليز والفرنسيس وهي مدافع المتراليوز تحول إلى طراز تكون به صالحة لاستعمال الرصاص العثماني ومنها البنادق ليئن فيلد وهو من غنائم الإنكليز وبنادق لوبل وهو من غنائم لفرنسيس فقد كانت هذه الغنائم تتحول إلى أسلحة عثمانية وتعاد إلى دار الحرب ليقاتل جيشنا الأعداء بنفس أسلحتهم ثم شاهدنا دوائر خاصة لصنع الأخشاب وما يلزم الأسلحة من هذا النوع وكل هذه المصانع تدار بالكهرباء. يحتوي معمل الأسلحة والقذائف والقنابل في زيتون بروني على عدة مصانع ودوائر أول دائرة دخلها وفدنا هي دائرة عمل الرصاص الخرطوش الخاص بالمارتين والموزر فشاهد محلات صنع الظروف النحاسية وصب الرصاص وصقلها وملئها باروداً وتركيبها ثم صقلها ثانياً ثم طبعها بالمكنات الحديدية وإرسالها إلى الموازين الخاصة توضع في محل تمر على ميزانين فإذا كان عيارها تاماً أوناقصاً تسقط كل منها في المحل المعد له وهكذا يوضع صحيح الوزن في علب خاصة وترتب ترتيباً للإرسال إلى دار الحرب. يصنع المعمل يومياً زهاء نصف مليون رصاصة إذا اشتغل نهاراً وإذا اشتغل ليلاً تتضاعف الكمية وشاهدنا أيضاً معمل صب المدافع الرشاشة شرابنل وهذه أشهر المدافع الحديثة المدمرة التي لها التأثير العظيم في الحرب وشاهدنا تذويب ألفولاذ لصب القنابل المتنوعة العيار وقد صب أمامنا في قوالبها الخاصة من عيار ١٥ و ٢١ و ٢٤ ثم أخرجت من قوالبها وأرسلت إلى الصقال كما أنا شاهدنا محل الصقال وإملاء هذه القنابل والقفل عليها بصورة تدهش الرائين وشهدنا صنع البارود والكبسول وما يلزم ذلك لتركيب الأشياء المدمرة يشتغل في هذا المعمل زهاء خمسة آلاف عامل بينهم ٥ . . بنت تشتغل في عمل الرصاص ويصرف على العمال يومياً ما يقارب ١٥ . . ليرة كما أن معمل الطوبخانة العامرة يحتوي على هذا المقدار تقريباً ويصرف مثل هذه النفقة. أنشئت الأحواض في دار الترسانة دار الصناعة العامرة في زمن ساكن الجنان السلطان عبد العزيز وزادت انتظاماً وبهجة تدريجياً إلى أن وصلت إلى الدرجة المطلوبة التي تستوعب أكبر باخرة أوبارجة للإنشاء أوالتصليح وتملأ هذه الأحواض وتفرغ ٦ . طناً في الدقيقة بالآلات الكهربائية وشاهدنا تصليح الحديد مهما كان ثخيناً فإنه كان يقطع ويثقب بقليل من الزمن بواسطة الآلات الكهربائية وشاهدنا آلة من صنع ضباطنا البحريين وهي من أعجب الآلات الحديثة صنعت لرمي القذائف الديناميتية لمحوالأعداء وشهدنا مصنعاً لعمل القوالب الترابية الخاصة لتذويب أصناف المعادن الحديدية والفولاذية ومعملاً لصنع المرميات ومحلاً لتوليد الكهرباء على أحدث الطرق العصرية وشهدنا معمل طوربيد وهو على هيئة سمكة من نحاس بطول مترين وسماكة ٥ . سنتيمتراً محشواً من القذائف المهلكة يرسل بالآلات الكهربائية تحت الماء فحين وصوله إلى دارعة مهما كانت ضخامتها ينفجر وتهو ي تلك الدارعة إلى أسفل الماء. شاهدنا هذا الاختراع العجيب يعمل في معمل الترسانة العامرة كما أننا شاهدنا أيضاً معملاً جسيم البناء مفرزاً على حدة وهو للأعمال الخشبية الحديثة الاختراع ومحلاً لعمل القوالب الخشبية لأجل تعليم العساكر ألفنون البحرية ومحلاً لعمل قوالب مختلفة يدوية وغيرها لأجل التخريب مملوءة بالديناميت غير المؤذي لأن هذه القوالب مصنوعة لتمرين الجنود على ألفنون الحربية البحرية. أنشئ معمل الثياب في زمن الحرب على طراز جديد وهو يشتمل على طابقين فيهما عدة غرف مستطيلة الشكل خاصة بخياطة الأثواب العسكرية شاهد فيه الوفد الآلات الحديثة التي تدار بواسطة الكهرباء وفيه زهاء ألف ومائتي عاملة من سن ١٢ إلى سن ٥ . ينجزن يومياً ثلاثة آلاف بدلة عسكرية مع ما يلزمها ورأى في معمل الطربوش القديم فسخانة الذي أسسه ساكن الجنان السلطان عبد المجيد خان في محلة أبي أيوب الأنصاري رضي الله عنه وهو يحتوي على الأبنية العظيمة الجسيمة معامل لصنع المنسوجات اللازمة للجيش المظفر وشاهد فيه الصوف يوضع في ماكنات الغسيل فيغسل وينظف ثم ينشف بالآلات الخاصة ثم يندف وينعم وكل ماكنة تصنع يومياً ٢ . . آقة ومنها يرسل إلى ماكنات ألفتل فيفتل خيوطاً فيحاك أقمشة من الجوخ الجيد لا يميز عن الحرير لنعومته ولطافة حياكته وشاهدنا تفصيل الألبسة العسكرية بوضع مثلاً عشرة طاقات من الجوخ ويقطع بمقراض الكهرباء فيخرج عشرة تفصيلات وقد تجلى لنا حينما شاهدنا هذا المقراض سر سرعة الرخص الذي تقوم به معامل أوروبا وشاهد صنع الحرامات والبطانيات فيصنع يومياً ٥ . . حرام للجيش و ٧ . بطانية للمستشفيات. وشاهد صنع الجوارب فيصنع يومياً ٢ . . . زوج إلى الجيش وهناك محل خاص لصبغ الصوف والأقمشة وكل ما يلزم لتلوينه من الأنواع الأخرى وجميع الماكنات الموجودة تدار على البخار والكهرباء بسرعة تفوق الحد. وأنشئ معمل الدباغة والأحذية في زمن ساكن الجنان السلطان محمود خان ثم احترق وجدد في زمن ساكن الجنان السلطان عبد العزيز خان ووسعت دوائره واستحضر له عدة آلات حديثة في زمن مولانا السلطان الغازي محمد رشاد خان نصر الله. وشاهد الوفد في هذا المعمل المهم إدخال جلود الجاموس والبقر والغنم إلى مكان القشط بحيث ينزع منها الصوف فتغسل وتنظف وترسل إلى مكان الدباغة فيوضع لها ما يلزم من أجزاء الدباغة وتترك ساعات ثم ترسل إلى ماكنات التجفيف على البخار فتجف حالاً ومنها تدخل في مكنات ترقيق الجلد وتسويته ثم إلى أدوات الصقال ثم إلى غرف الدهن والصباغ فتصبغ من الألوان كافة وتصبغ هذه المكنات في كل يوم ٥ . . من جلد البقر والجاموس و ٥ . . من جلد الغنم ثم تدفع إلى دوائر التفصيل وعمل الأحذية فتفصل هذه الجلود بالآلات القاطعة الكهربائية. وهناك دوائر الأحذية الجزمات والكنادر فقسم من العملة تجمع الجلود المفصلة وقسم تجمع الجلد والنعل وقسم تصنع المسامير وكل منها يوضع في المكنات التي تتحرك بالكهرباء بغاية الدقة والضبط وبأسرع ما يمكن من الزمن يتحول إلى جزمات وأحذية حسب اللزوم. هذا إلى دائرة خاصة لعمل الأحذية ذات نعال من الخشب وهذه الأحذية تصنع خاصة لأجل الجيش في زمن الحر ب وأيام البرد للمحافظة على الصحة وفي المعمل من العملة زهاء ١٨ . . عامل من أفراد العساكر فينجز يومياً ١ . . . قطعة من الجزمات والأحذية. وأنشئت دار اللوازم العسكرية في آخور قبو في استانبول في زمن ساكن الجنان السلطان محمود خان وكانت إذ ذاك ثكنة عسكرية وجعلت بعد الانقلاب معملاً عظيماً للخياطة وفيها مصنع لتوليد الكهرباء على البخار ومصنع على الماء ومحل خاص كالمدرسة لتعليم بعض أفراد الجند فن الخياطة وفيها يجري تفصيل صنف اللباس والقميص الخام وصنف الكبوت والمعاطف الجوكتة والسراويل البنطلونات فينجز يومياً من خمسة آلاف إلى ستة آلاف قطعة وهناك الغرف التي تخاط فيها الخيام على أنواعها وقماش هذه المضارب الخام والكتان هو من حياكة ومعمولات معملي إزميت وطرسوس هذا إلى غرف خاصة لتصليح الأتوموبيل يوجد بها كل الماكنات الحديثة للتصليح وتصب أيضاً الأدوات الحديدية والفولاذية الخاصة بآلات الأتوموبيل في نفس هذا المعهد الذي يحوي ٥٦ . ماكنة تدار بالقوى الكهربائية ومن العملة على ١٢ . . عامل من أفراد الجند و ٦ . . امرأة تشتغل في المعمل كما أن هذا المعمل يشغل مئات من حريم ألفقراء في بيوتهم. أما معمل الأخواج في إزميت فهو من مؤسسات ساكن الجنان السلطان عبد المجيد خان أهمل زمناً طويلاً ثم أعيد فتحه في عهد مولانا السلطان الغازي محمد رشاد خان، وجعل من أعظم المؤسسات الصناعية وفيه خمسة أحواض حديدية على أحدث طراز لأجل غسل الصوف ثم ماكنات التجفيف والتنظيف من الأوساخ والتراب ثم يندف الصوف ويعمل خيوطاً فيحاك أقمشة فاخرة ثم يرسل إلى ماكنات تنظيف الأقمشة من الزوائد وغسلها وتنظيفها من الزيوت وغير ذلك ثم تجفف وتجمع فترسل إلى ماكنة مخصوصة لإزالة الغبار من المنسوج ثم إلى الطي والكبس فيخرج حينئذ جوخاً لطيفاً ويوجد فيه ماكنات للصباغ من جميع الألوان وإدارة خاصة لأجل مزج الصوف الأبيض بالأسود ليكون بهيئة واحدة وماكنات حديثة لإصلاح الأدوات الحديدية والخشبية إذا احتاج المعمل لإصلاحها وفيه من العملة ٥ . . عامل من أفراد الجند. ومعامل هركة من مؤسسات ساكن الجنان السلطان عبد المجيد خان وكان يزاد في نطاق توسيعها وانتظام إدارتها في كل دور من الأدوار حتى أصبحت تضاهي المصانع العظيمة وهذا المصنع مشهور بصنع السجاد ألفاخر على اختلاف أنواعه وفي غرف السجاد الموجود فيها مئة وعشرون نولاً للصوف والحرير يشتغل عليها العاملات بكل جد ونشاط وهناك مكنات خشبية لصنع الشريط الحريري المختص بأنواع الأوسمة التي تحسن بها الدولة العلية. وماكنات لصنع الأقمشة الحريرية ألفاخرة من جميع أصنافها وهذه الأقمشة على غاية من الدقة بل تضاهي أقمشة أوربا وتفوقها حسناً ورونقاً ومصانع لصنع قمصان الفانلا والجوارب والزنانير ودائرة خاصة لأجل صباغ الأصواف والحرير من كل أنواعه ومعمل الطربوش بكل أصنافه وقد حاز هذا المعمل ٩ ميداليات من معارض عديدة في أوربا تقديراً لمل فاق به غيره من الإبداع في العمل والإتقان في الأشغال. أسست دار الضرب العامرة في زمن ساكن الجنان السلطان أحمد الثالث وأضيف عليها دوائر عديدة في زمن السلطان عبد المجيد خان وأخذت بالتنسيق حتى أصبحت على ما هي عليه الآن من السرعة والانتظام فأول ما شاهد الوفد فيها غرف التحليل والتركيب بحيث تكون العيارات الذهبية والفضية طبق التعديل المطلوب ثم تذويب الذهب في الأفران وفي القوالب الخاصة المركبة من دقيق العظام وبعد الذوبان يصب في قوالب حديدية فتخرج سبائك بطول نصف ذراع وعرض ٥ سنتيمترات ثم ترسل إلى ماكنة تمدها زهاء ثلاثة أمتار فإلى أخرى تصقلها وتمدها زهاء خمسة أمتار حتى تصبح بسماكة الليرة وتسلم هذه السبائك بعد ذلك إلى ماكنة تقطعها ليرات بدون نقش فتقطع كل سبيكة ما يعدل ٥ . . ليرة ثم توضع هذه الليرات في محل خاص فتسير على الموازين المعدة لها فالموزونة تسقط في محل والناقصة في محل آخر ثم يؤتى بالموزونة تماماً فتوضع في آلة النقش فتنقش ليرة عثمانية وتسقط في محل خاص وهكذا في كل ١٥ دقيقة تنقش كل ماكنة ٥ . . ليرة عثمانية وهكذا الحال في النصف والربع ليرة ومثلها باقي النقود ألفضية كالريال المحيدي والنصف والربع والعملة البيضاء النيكل كالقرش والنصف والربع. ولكل صنف من العملة ماكنة خاصة. وعامة هذه الأدوات تدار بالقوة الكهربائية بغاية من السرعة، تصنع دار الضرب وتذوب كل يوم ٦ . . آقة من الذهب وقد صنعت في هذه السنة ثلاثة ملايين من الليرات ويوجد في دار الضرب العامرة من المديرين والمعاونين ورؤساء العملة زهاء ١٢ . عاملاً. هذه بعض إحصائيات ساعد الوقت على التقاطها من الأفواه أثناء زيارة الوفد العلمي ولعل فيها ما ترتاح له النفوس ويخلد في سجل التاريخ ليرى الأولاد والأحفاد كم كان مبلغ الآباء والأجداد من المعالي والأمجاد والحرص على سعادة البلاد والعباد وهناك أمور كثيرة يعد إفشاؤها من الأسرار الحربية لا يتسع لها كتاب وإنما اجتزأنا بما يمكن الإشارة عليه واللبيب تكفيه الإشارة. نبذة في وصف الأناضول عظمة بلادنا واتساعها ينبغي لمن يريد أن يوصف الأناضول أوآسيا الصغرى ومساحتها السطحية خمسمائة ألف وثلاثة آلاف كيلومتر مربع أونحومساحة فرنسا أن يطوفها على الأقل كما طفنا جزءاً منها في السكة الحديدية والمركبات وهذا لا يتيسر في أقل من بضعة أشهر على أقل تعديل ولا يرى الإنسان مع ذلك إلا الطرق العامة الموصلة بين الولايات. ولقد سألت كثيراً ممن طافوا ولايات كثيرة من كبار المأمورين عن مجموعة ما رأى من أرض السلطنة فلم أسقط حتى الآن على رجل رأى الأناضول الشرقي والغربي كله مثلاً ولا على رجل جمع في ذهنه معرفة الشام والحجاز واليمن ونجد والعراق والجزيرة وذلك لترامي أطراف هذه المملكة المحروسة وقلة سككها الحديدية وطرقها المعبدة بالنسبة لمساحتها السطحية. كل ولاية من ولايات السلطنة تبلغ بمساحتها السطحية مساحة مملكتين صغيرتين من ممالك أوروبا فمساحة ولاية أطنة قبل أن يفصل عنها لواء إيج إيل سلفكه ٣٩ . ٩ . . كيلومتر مربع وسكانها أقل من أربعمائة ألف في حين تجد مساحة الدانيمارك ٣٨ . ٨ . ٢ كيلومتر وسكانها مليونان ونصف ومساحة هولاندا ٣٣ ألف كيلومتر مربع وسكانها نحوخمسة ملايين ونصف ومساحة بلجيكا ٢٩ . ١٥٦ كيلومتر وسكانها زهاء سبعة ملايين وبينما تجد مساحة ولاية قونية ١ . ٢ . ١ . . كيلومتر مربع وسكانها ١ . ١ . . . . . . تجد جمهورية البرتغال ٩٢ . ٣٤٦ كيلومتر وسكانها خمسة ملايين ونصف ومساحة سويسرا ٤١ . ٣٤٦ كيلومتر وسكانها نحوأربعة ملايين فالمملكة العثمانية ينقصها والحالة هذه السكان العاملون والخطوط الحديدية والطرق السالكة. آسيا الصغرى يجتاز القطار بعد مدينة حلب قضاء كليس وهو المتاخم لولاية أطنة فيسير فيه نحو خمس ساعات على ما قدرت فتأمل قضاء يقطعه قطار البخار بمثل هذا الزمن. أراضي كليس تشبه سهو ل مصر تربتها جيدة وأشجارها مثمرة ولاسيما الزيتون الذي يزيد في بركتها. متى أتيت على آخر عمل حلب وأشرفت على سهل الإصلاحية من عمل أطنة يتجلى أمامك جبل اللكام الذي يسمى اليوم جزء منه باسم جبل بركت أوكاورطاغ وهو جبل شاهق كأنه حاجز طبيعي بين أرض الشام وآسيا الصغرى أوحد بين بلاد العرب والثغور كما كانت العرب تطلق عليها هذا الاسم والثغور هي طرسوس وأذنة وملطية والحدث ومرعش والهارونية والكنيسة وعين زربة والمصيصة مسيس أوأكثر عمل ولاية أطنة اليوم وربما أدخلوا المصيصة وطرسوس في العواصم والعواصم هي حصون موانع وولاية تحيط بها بين حلب وأنطاكية وقصبتها أنطاكية كان قد بناها قوم واعتصموا بها من الأعداء وأكثرها في الجبال فسميت بذلك. بين فروق والشام في هذا الجبل خرق القائمون بتمديد الخط البغدادي أكبر نفق في المملكة العثمانية وثامن نفق بطوله في العالم وهو السمبلون ٢ . كيلومتراً ويجيء بعده نفق سان غوتار وطوله أقل من ذلك وقد كتب لي الحظ أن ركبت في خط الديكوفيل أي السكة الحديدية الضيقة الموقتة ومررنا من هذا النفق في الليل مع رئيس وفدنا العلمي الأستاذ الشيخ أسعد الشقيري وثلاثة من رصفائي أرباب الصحف فقط فشاهدنا هناك عالماً يعمل كأنه الجن وقد جهزوه بآخر ما وصل إليه العلم الحديث في فتح الأنفاق وتقريب الأبعاد فتجده مناراً بالكهرباء وفيه آلات لتجديد الهواء وأنابيب لجر المياه وهم الآنن يهذبون من حواشيه ويعقدونه بالحجارة. وهذه الشعبة من الخط البغدادي تنتهي بعد عشرة أشهر كما كان أخبرني المهندسون فيه فلا تبقى غير شعبة وروس التي يعمل فيها الآن وتنتهي بعد سنة ونصف وعندئذ يتصل الخط البغدادي العريض المتقن من حيدر باشا من ضواحي الأستانة إلى حلب فرأس العين والمسافة بين الشهباء ورأس العين ٣٢٨ كيلومتر نجزت مؤخراً بمعنى أن الخط البغدادي من دار الخلافة إلى بغداد يكون طوله قريباً من طول الخط الحديدي بين باريز والأستانة أي نحوثلاثة آلاف كيلومتر والراكب يسير بين هاتين العاصمتين اثنتين وسبعين ساعة فيطوف قسماً من أرض فرنسا وبلاد سويسرا أوألمانيا وأرض النمسا والمجر بطولهما وبلاد البلقان والروم إيلي. فما أسعد اليوم الذي يركب فيه ابن أدرنة مثلاً ويصل إلى بغداد أوإلى المدينة المنورة أومكة المكرمة إن لم نقل إلى صنعاء في القطار الحديدي مرتاحاً مرفهاً. كان أجدادنا يجتازون المسافة بين دمشق والأستانة في ثلاثين مرحلة وسنجتازها قريباً في ثلاثة أيام أوأقل فنقطع شطراً من ولاية سوريا وولاية حلب وولاية أطنة وولاية قونية وشطراً من ولاية خداوندكار بورصة ولواءي اسكيشهر وأزميد المستقلين ولكم يفتح هذا الخط للبلاد من أبواب السعادة والرزق ويقرب بين أبعادها ويعرف سكانها بعضهم إلى بعض فنخلص من نقل حاصلاتنا على الجمال والبغال والحمير ومن ركوب العجلات المستطيلة المعروفة في الأناضول باسم بايلي وهي من صنع مدينة آماسية المعروفة في القديم بخرشنة أوعجلات تخنة عربة التي لا تبقي لراكبها عضواً لا تزعجه مهما كانت الطريق معبدة. سألت صديقاً كان نصب قائم مقام على قاش من أعمال أنطالية من ألوية ولاية قونية مدة حولين كاملين هل زرت مدينة قونية قال: كيف أزورها والمسافة على الراكب من قضائي وهو على ساحل البحر المتوسط إلى قونية عشرون يوماً وهكذا المسافات في الأناضول فإن العشرين والثلاثين بل الأربعين والخمسين يوماً بين ولاية وولاية ولواء وآخر هي من الأمور الغير المستهجنة والولاية السعيدة هي التي ارتبطت مع الولايات المتاخمة لها بطرق عجلات. المملكة العثمانية تحتاج لمائتي مليون ليرة تنشأ فيها خطوط حديدية وطرق عجلات وتجفف البطائح والمستنقعات وتقام لها الخزنات وتطهر الأنهار وتعدن المناجم وتغرس الغابات وعند ذلك لا تشكوولاية أطنة من الغرق ولا ولاية قونية من الشرق ولا غيرها من غير ذلك وتكون بعمرانها ووفرة سكانها كالبلجيك وهولاندا والدانيمارك وسويسرا والبرتغال. قيلقية أومملكة ذوالقدرية ولاية أطنة أوقيلقية كما عرفها القدماء ذات شأن بموقعها الطبيعي والاقتصادي قدروا ما تخرجه من القطن فقط بمليونين ونصف مليون من الليرات وأن قرية درت يول وحدها وسكانها أرمن بلغوا نحوخمسة آلاف نسمة باعت لأوربا في العام الذي قبل هذا ستين مليون برتقالة هذا إلى ما فيها من الحبوب الوفيرة والحيوانات التي تنمو في سهل جقوراوه كما تجود الحيوانات في سهو ل المجر والغابات فيها الكثير من الصنوبر والسنديان والزان وولاية من عملها جبل اللكام أوطوروس وفيها من السهو ل التي دونها سهو ل حوران والكرك لتحسدها الممالك وتبغضها على خيراتها كل أمة عاقلة ولذلك طمع فيها الفاتحون منذ القديم ففتحها ألفرس فالإسكندر فالرومان وأصبحت ساحة حرب بين البيزنطيين والفرس ثم بين البيزنطيين والخلفاء العباسيين الذين فتحوها أوائل حكمهم وكانوا يختلفون إليها ويعنون بإعمارها فأذنة بناها صالح بن علي العباس والهارونية بناها هارون الرشيد العباسي وطرسوس أعمر مدينة قيلقية في القديم والحديث غلب عليها الإفرنج زمن بني أمية إلى أن أخذها منهم أمير المؤمنين المأمون العباسي وبها مات وهو مدفون فيها كما دفن أبوه في طوس بخراسان ثم خرب ولاية أطنة جنكيز خان وتيمورلنك في القرون الوسطى. مناظر ولاية أطنة كلها جميلة لأنها سهلية جبلية ساحلية داخلية فيها من الأنهار سيحان وجيحان وكوصوونهر البردان ومن الجبال سلسلة جبال وروس الجسمية وشعباته الجنوبية وجبال قوزان وبيك بوغا وآلاطاغ وصوماق وكوسه وكلها تأخذ بمجامع القلوب لما حوته من البدائع الطبيعية ومن طرسوس إلى بوزانتي نحوعشر ساعات في العربة. جبال وروس وهنا مضيق يسمونه اليوم كولك بوغازي ومعناه مضيق الكيلة كيلة الحبوب وكانت العرب تسميه الدرب أوالدروب ذكره امرؤ القيس ملك الشعر في الجاهلية في شعره لما توجه إلى قيصر الروم وكان مشى معه صاحب يقال له عمروبن قميئة فلما رأى عمر الدرب وهو الحاجز بين بلاد العرب وبلاد العجم بكى جزعاً لفراقه بلاد العرب ودخوله بلاد العجم ففي ذلك قال امرؤ القيس: بكى صاحبي لما رأى الدرب دونه وأيقن أنا لاحقان بقيصرا فقلت له لا تبك عينك إنما نحاول ملكاً أونموت فنعذرا أما نحن فابتهجت أنفسنا وأيم الله واطمأنت لما اجتزنا الدرب وعلمنا أننا نركب بعده القطار ولم يمض لنا إلا ساعات معدودة لنبلغ دار الخلافة بهجة الدنيا وعاصمة الإسلام وقرارة الدعة ومدينة المنعة ومعهد الظرف واللطف وبلد الشعر والخيال. إن الدرب أومضيق كولك بوغازي هو كما قلنا واد تتخلله الأنهار والجداول ويكسوشجر الأرز نجاده ووهاده على صورة تظنها من هندسة أعظم مهندسي الزراعة لعهدنا وما هو في الحقيقة إلا مما نبت واستطال بنفسه أنت لا تنفك منذ تطأ عتبة جبال وروس تشم أريج شجرها ورندها وعرارها ولا تسأم من مناظرها لأنها منوعة في تقاطيعها وجمال هندستها بحيث لا تمل العين النظر ولا الأنف الشم ولا الأذن السماع لحفيف الأشجار وتمايل أغصانه وثغاء حملانه وخرير مياهه وأصوات عندليبه وعصفوره. إن من يسمع من بعد وصف كولك بوغازي يقول في نفسه ماذا عسى يكون في هذا المضيق وجبال الدنيا كثيرة متشابهة صخور وتلعات وأكمات ومنفرجات وبطون وشيح وقيصوم وسنديان وزان ولكن جبلنا هذا لا يشبه إلا جبل بحال لأن مدبر الأكوان خلقه على غير مثال من الجبال ولون صخوره وأحسن قطعها فمنها الكبير الهائل ومنها الصغير الحقير وتربته حمراء وسوداء وبيضاء ترى تارة في الهضاب طريقاً معبدة من الصم الصلاب أومرصوفة بالتربة الذكية غرست فيها يد القدرة أشجار الأرز غرساً يتخلل الهواء بينها ولا تنبوالعين عنها لعدم نظامها واختلال هندستها وترامي أبعادها وهناك الأشكال الهندسية برمتها فمن تلعة مستطيلة إلى أخرى هرمية وبجانبها ذروة ذات شكل بيضوي وآخر محدود أومربع أوقائم الزوايا أومنفرجها جعل بعضها إلى جانب بعض ومساحتها السطحية متقاربة وكلها مزينة بالأشجار. أنت هنا تجتاز وادياً ولا كالأودية بحيث تعطي الحق لمن قال في القديم ماء ولا كصدأ ومرعى ولا كالسعدان وفتى ولا كمالك ولورأى القائل الدرب لقال مضيق ولا كهذا وجبال لا كطوروس. هذه العظمة في الخلق التني تراها ماثلة على أتمها في جبال وروس التي أعجزت ألفاتحين من الأقدمين والمحدثين فكانت كالحاجز الطبيعي الذي لا يرام بين الثغور وبين بلاد الروم عامرة بطبيعتها هندسها ألفاطر وحفها بأنواع البهجة والزينة بحيث لا تملها نفس مهما اكتأبت وتود لوتقضي فيها شطراً من العمر بعيدة عن ضجة العالم وأوهام الخلق وترهات المتمدنين والمتبربرين. . جبال وروس البديعة لقد أعجزت ألفاتحين عن اجتيز مضائقك كما أعجزت الشعراء والمصورين عن رسم بدائعك وخصائصك فما هذا الإبداع الذي عز نظيره في الأصقاع والبقاع. إيه يا منطقة البكم بالشعر ومعجزة المتكلمين في ذكرى فضائلك وفواضلك. إن جبال الألب التي استبت الألباب ببدائعها وجبال الكاريات التي اشتهرت بصياصيها الطبيعية وجبال حملايا المعروفة بسموها هي دونك في جمع كل هذه المعاني ولوهيأ لك ما تهيأ لتلك من يد صناع تحسن حواشيك وتحسن من أطرافك وتتعهد أزهارك وأشجارك بآخر ما اهتدى إليه العقل البشري من ضروب الصناعة لكنت لعمر الحق معهد اجتماع المصطافين والمرتبعين ومسرح أنس طلاب اللذائذ الطبيعية والصناعية وخزانة ثروة لا هلك ولا ينضب معينها أوتنضب مياه الرافدين دجلة والفرات ولكنه تعالى لا يمنح بلداً كل ما يحتاجه ولا يجمع في شخص كل الصفات والمزايا فسبحان من قسم الخصائص بين البلاد كما قسم الحظوظ بين الجماعات والأفراد. مصنوعات الأناضول في ولاية أطنة صناعات لطيفة من الأقمشة والخام والألاجة والبسط وغيرها ولاسيما في مدينة طرسوس التي فيها معمل للخام أنشأه رجل مصري اسمه راسم بك فيه ١٢ . . عامل كما أن في ولاية قونية يصنع مثل هذه الصنائع وفيها يعمل السجاد. وهاتان الولايتان تخرجان أنوع الحبوب والثمار الطيبة ولاسيما الزيتون ومن ولاية قونية يصدر الأفيون أيضاً والقنب ولكن معظم حاصلاتها من الحبوب فإن سهو لها واسعة جداً تشبه سهو ل بلاد العرب والجبال بعيدة عنها وحاضرتها قونية عاصمة ابن قرمان والسلاجقة ثم عاصمة ابن عثمان الأولي وهي سرة الأناضول وعش التركية وما أظن نفوسها تتجاوز الخمسين ألفاً قال القرماني: إنها مدينة ذات خيرات كثيرة وبساتين وافرة ولها جبل ينزل منه نهر ويدخل البلد من غربيها وبها قبر جلال الدين الرومي الشهير بملاخنكار وقبر صدر الدين القونوي أحد المشايخ الصوفية. وبينما تجد الأبنية في صميم بلاد الأناضول من الطين واللبن تجدها في ولاية بروصة وما والاها من سواحل البحرين الأبيض والأسود القريبة من الأستانة معمولة من الخشب شأن أكثر بيوت دار الخلافة القديمة ولذلك ترى الحريق يسرع إليها ورصفها لا يوازي سرعة عطبها ولكن القوم انتبهوا في العهد الأخير فأصبحت الدور التي تجدد وتعمر بالحجر والقرميد والحجر المطبوخ والآجر وغيره من المواد المتينة الجميلة على أحدث طراز. يكثر العمران في الأناضول وتزيد مدينة السكان على نسبة قرب البلاد من البحر وقربها من دار الملك فكلما سهل الطريق إلى الأستانة تزيد السعة ويتوفر التعليم فأهل ولايتي خداوندكار وآيدين أرقى بمراحل من أهل قونية وأنقرة كما أن أهل سيواس وأرضروم أحط من أهل أطنة وطرابزون ولسرعة المواصلات اليد الطولى في ذلك فالولاية التي كتب لها أن تصدر حاصلاتها إلى الخارج يأتيها النقد وتتكاثر همم سكانها وتتوفر على الربح فيتعلم بعض أفرادها في المدارس الوسطى والعليا فيكونون رسل المدنية الحديثة ومتعلم واحد في أسرة كبيرة كلها من الأميين يؤثر فيهم وينشلهم من جاهليتهم الجهلاء والولاية المرتبطة بالساحل بخطوط حديدية تكثر السياحة في أهلها والسياحة مدرسة الكبار كما أن المدرسة للصغار. تحس النفس بانبساط عندما تنتهي من ولاية قونية وتدخل في ولاية خداوندكار ولواءي اسكيشهر وإزميت فإن العمران هنا يبدوفي السهل والجبل وتكثر الأنهار والبحيرات والغابات ولا تقل فيما أحسب جبال بروصة وإزميد في عمرانها عن أرقى جبال الأرض عمراناً والصنائع على هذه النسبة حتى أن مصنوعات بروصة الحريرية من أجمل ما حاكه قول نساج وألطف ما طرزته يد صناع يجمع إلى الرخص متانة وجمالاً فحبذا اليوم الذي نتعلم فيه دروساً في الوطنية ونقتصر على مصنوعاتنا الخاصة ونزهد كل الزهد بأقمشة أوروبا ولا نلبس منها ولوأعطيناها مجاناً. بلادنا تخرج الصوف والقطن والحرير والقنب والكتان وغيرها من لوازم الأقمشة للدفء والزينة ومع هذا لا نزال متعلقين بما تصنعه لنا المعامل الغريبة الغربية ونزهد فيما تنتجه مصانع دمشق وحلب وحماه وطرابلس إلخ إن الثوب من الأقمشة الوطنية يكتسي به أحدنا يكون عوناً لأسرة صانعه الذي تعيش بربحه اليوم واليومين فمن لي بأن أرى كبراءنا وخاصتنا يبدأون أولاً ليكونوا قدوة فيلبسون وعيالهم من أقمشتنا الوطنية في الصيف والشتاء. إن جوخ إزميت وحرير بروصة وقماش أنقرة تكفي الآن لحاجاتنا وكمالياتنا فتبقى أموالنا في بلادنا وتنشط صناعنا فتكثر اليد العاملة من نسائنا ورجالنا ونخلص من البطالة فإن رأس البطال معمل الشيطان. التقليد والاقتصاد بعد الحرب ستزيد الدولة ولا شك الرسوم على البضائع الأجنبية فتحمي الصناعات الوطنية حماية حقيقية خصوصاً وقد خلصنا من شر الامتيازات وأصبح الأجنبي يدفع من الرسوم مثل ما يدفع الوطني ولا يحميه من الحقوق قنصله ولا ترجمانه فليت جمعية الاتحاد والترقي التي حمت الدستور حتى الآن بتضامن أفرادها تصح عزيمتها مذ اليوم الأول فتعاون الحكومة في هذا الشأن كما هو برنامجها وتبين للأهلين بالعمل مقدار ألفوائد التي تنجم عن اقتصارهم على لبس الأقمشة الوطنية مهما كان نوعها كأن يشرع أعضاؤها وكل من ينتمي إليها وعامة المأمورين ونساؤهم وأولادهم بلبس الخام والديما والألأجة والقطنية والحبر التي تعمل في المصانع العثمانية في ولايات الأناضول وسورية والعراق واليمن. والناس مفطورن على التقليد من يعتقدون فيهم العقل والذوق من رؤسائهم ومشايخهم وعمالهم كما أن المغلوب مولع بشعار الغالب في زيه ولباسه وسائر حالاته ونتعاهد بيننا أن نلوي وجوهنا عما يبعث لنا به الإفرنج مهما أرخصوا بضائعهم ونستعيض عما يرسلونه لنا بما صنعنا بأنفسنا وعندها تكثر المعامل بالأدوات الحديثة في أرضنا ونكون بعد عشر أوعشرين سنة كالغربيين أمة زراعية صناعية فقد نخرت السلع الأوروبية عظامنا وعرقت لحمنا وما ذلك إلا من ضعف مداركنا في المسائل الاقتصادية التي بها حياة الأمم اليوم. مسألة اللغة رأيت في طرسوس وأذنة أمراً سرني وهو أن معظم أهلها يتكلمون باللغتين التركية والعربية مع أن بلادهم تركية على ما هو عرفنا فحبذا يوم نرى أهل العنصرين الكبيرين في هذه السلطنة يسيران على طريقة أهل طرسوس وأطنة فيتعلم العربي التركية على نحوما يتعلم التركي العربية قال أحد كبار عمال السلطنة ممن تولى الولايات في بلاد الترك وبلاد العرب أن أحسن حل لمسألة اللسان الاجتماعية أن يتترك العرب ويتعرب الأتراك أي أن يتعلم أهل كل عنصر لسان العنصر الآخر إذ لا مناص لكل منهما من هذا الأمر فالعربية لسان دين الإسلام وتاريخ المسلمين والتركية لغة السياسة والإدارة فإذا وقفت جمعية الاتحاد إلى إنفاذ هذه الخطة في الولايات جمعاء فتعلم العربي بعد إتقانه للغته التركية كما تعلم التركي بعد إتقان لغته العربية تكون قد عملت عملاً معقولاً في باب سياسة العناصر العثمانية كما أن الواجب علينا إذا أردنا أن ننافس الغربي في صناعاته ومتاجره وعلومه أن يتعلم كل فرد منا لغة أولغتين من لغات العلم والمدنية وبعبارة أخرى الألمانية والفرنسية والإنكليزية لغات الحضارة الحديثة لهذا العهد وأكثر ألسن الأمم انتشاراً. أنا لم أر في الأناضول شيئاً يقال له عرب وترك بل رأيت أخواني الترك يقدسون ابن العرب ويتبركون به رأيتهم مثل قومي يقرون الضيفان ويحبون مكارم الأخلاق ويغلب عليهم التدين والتمسك بالفضائل والمناغاة بذكرى الآباء والأجداد رأيتهم لا يفرقون بين أهل الدين الواحد والعلم الواحد والتاريخ الواحد ولوأضيفت إلى هذه الحسنات معرفة اللسان العربي كما أضيفت إلينا معرفة اللسان التركي لذهب كل ما نتوهمه من فرق بين أكبر عناصر السلطة المحبوبة. ولعل رجال الحل والعقد يجعلون هذه القضية نصب أعينهم بعد الحرب فيوسدون أمر المعارف إلى أناس جبلت عليها نفوسهم وهضموا ما تعلموا وعرفوا من أين تؤكل الكتف لئلا يسيروا على قاعدة من جهل شيئاً عاداه. فأعظم بلايانا جهلنا وأعظم أنواع جهلنا أن يجهل أحدنا من هو أخوه وما هو محيطه وزمانه. حرب القرن العشرين دم صبغ الثرى أم أرجوان وسد الأفق سحب أم دخان وشهب في الفضا انتشرت تهاوي كما انتثرت من العقد الجمان وعرس ما تهادى الناس فيه المسرة والهنا أم مهرجان وحرب في السما والأرض قامت لها سوق بها نفذ الطعان أجل يوم تداعى الناس فيه لملحمة بها افتقد الجنان فليس يرى بها إلا دماء وأعناق تقطع أوبنان وأشلاء يفصلها حسام وأكباد يخيط بها سنان أرانا الهول لم يشبهه هو ل زمان ليس يشبهه زمان فللحرب الزبون به اعتزاز ولكن فيه للسلم امتهان به جبن الكمي كما تسامى على البطل الكمي به الجبان وأفحم خططه البلغاء حتى جفا اللسن البليغ به البيان وعدن به الأوانس من قواف أوابد لا يراض لها حران وكم هجر الصهيل به حصان ومزقت الحجاب به حصان وفي الغبراء قامت معمعان وفي الخضراء قامت معمعان وجن الناس في طعن وضرب كأن الناس ليس لهم جنان وقد ألغوا لظي الهيجاء حتى كأن لظى معاركها جنان ونصل السيف تصقله قيون لهم كالعود تجلوه القيان كأن الحرب معبود فنسر له الخطي والغصب المدان كان معارك الهيجاء مصلى وهمهمة الرجال بها أذان ولاذ المالكون بسقي جو وماء تستسر وتستبان وفيها الأنس قد برزت لأنس وفيها قد سطا بالجان جان وفي رهج الكفاح الشمس غابت وفي البارود غاب الزبرقان تلاعب في كلى وهام قناً وظبى وألحانا وحان كأن نفوسنا أكر دحاها لعبث في ألفضاء الصولجان زمان كل ما فيه هزال خلا أن الخطوب به سمان هو أن كل عيش فيه حتى هو أنا والهواء به هو أن كأن له ديوناً ليس تقضي وأنفسنا على الدين الرهان نقاد بحكمه طوعاً وكرهاً وما غير الهوان لنا عنان وللعقل الذكي به اعتقال وللمال الصفي به احتجان ويخطئ قصده ذواللب فيه ويدرك ما يحاوله الهدان وبكر للحوادث جاء فيها لها بنفوسنا حرب عوان فلم تر قط عين الدهر حرباً تماثلها ولا بصر الزمان عجائبها تطيش بها عقول وهن بكل حادثة رزان فدع أثراً يكذبه عيان وخذ خبراً يصدقه العيان إذا خاض الوغى دب وحوت ونسر قل متى يلفى الأمان تفانى الناس إرهاقاً وقتلاً ومن هذين لم يخل مكان وكم عطف الهلال على البرايا وما أجدى التعطف والحنان بدا بدراً ومذ ساموه نقصاً تعطف مثل ما انعطف السنان تألبت الملوك على مليك تدين له الملوك ولا يدان وإن تعاون الأملاك جهل على ملك بخالقه يعان سرت بفيالق الحلفاء روح بها ضعف العدو وما استكانوا فروا للاتفاق هشيم جمع كما يذري على الريح الدخان تبدد شملهم تبديد عقد تبدده الولائد والحسان إذا جهلوا لسان الحرب يوماً فما غير البنادق ترجمان وللألمان فيها معجزات بمحكم أيها الدنيا تزان لهم فيها كما في العلم نجم له في كل محمدة قران مشوا فيها بكل قريع حرب يخف إذا مشى فيها إبان لقد رضعوا ثدي الحرب حتى كأن دم الكماة لهم لبان إذا خفقت بنود في الثريا فنسرهم هناك له معان فسل فالكاربات تجيبك عنهم بأنهم الجحاجحة الرزان وفي فرسوفيا نبأ عظيم لهم ترويه ألسن واللقان وهل ألفرس كانت في الصياصي من الألمان حوزتها تصان إذا نزل القضاء فلا حصون مشيدة تفيد ولا حصان ولولا بأسهم لم يروا رلو عجائبها ولم ينطق لسان وأصدق ما روى عنها لسان المدافع والمثقفة اللدان كأن حصونها كانت كعاباً محجبة ففارقها الصيان مشوا والموت في حلف وثيق وتدمير الحصون له ضمان أسلمهم علوم واقتصاد وحربهم فتوح واضطعان أم التمسوا الأمان من المنايا وشنات المنايا والأمان فخاضوا الحرب وهي لهم سلام وشبوا النار وهي لهم جنان أعصر الكهرباء حفظت عهداً ولكن فيه أهل العصر خانوا أضأت لهم طريق العز عفواً فهانوا إذ بغايته استهانوا أتلك نتائج العشرين قرناً فنون للفناء بها افتنان إذا ترضى به توراة موسى وإنجيل ابن مريم والقرآن وكم بسياسة الغربي أضحى لأهل الشرق في الغرب افتتان ما هي لووعوا إلا خداع وكذب أورياء أورهان إذا لأن السياسيون قولاً فما لان ألفعال ولا استلانوا روى التاريخ أهوالاً ولكن كهذي الحرب لم يرو الزمان النبطية جبل عامل: سليمان ظاهر مخطوطات ومطبوعات الرحيق المختوم في المنثور والمنظوم. تأليف السيد محسن الحسيني العاملي طبع في المطبعة الوطنية بدمشق سنة ١٣٣٢ ص ٤٢٦ هو كتاب حوى شعر هذا المؤلف ونثره قدم له مقدمة في منافع الشعر قال فيها: إنه صقيل الأذهان وزينة الإنسان وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الشعر واستنشده وارتاح له وأجاز عليه وعفا عن المجرمين بسببه ونظم أمير المؤمنين عليه السلام من الأشعار ما هو مشهور معلوم في كتب السير والآثار وإن كان الديوان المنسوب إليه لم يصح كونه من نظمه بل علم كون بعضه ليس من نظمه عليه السلام ونظم غيره من الصحابة أيضاً كما نظم العلماء والفضلاء وحسبك بالسيدين المرتضى والرضي رضي الله عنهما وما لهما من جلالة القدر والمكانة العظمى في العلم وديوان الرضي مشهور وديوان المرتضى في عدة مجلدات. . . وورد في أخبار أهل البيت عليهم السلام من الحث والثواب على رثائهم ومدحهم بالأشعار ما هو مشهور إلى غير ذلك مما يدل على أن الشعر معدود في ألفضائل. ومن شعر المؤلف الشاعر في القطار الحديدي: سرت بنا الغيطان وإلا كما تسابق الريح مهما هب أونسما بزلاء ليس لها رحل ولا قتب ولا زمام ولا شدوا لها حزما من السوابق في المضمار ما حملت سرجاً ولا مضغت في دهرها اللجما تخب طوراً وطوراً سيرها رمل وتارة تسبق السيل الذي دهما ذلولة المتن تسري طوع سائقها بلا شعور ولم تفهم له كلما يغدو القريب بعيداً إذ نفارقه وإذ تؤم بعيداً يغتدي أمما تغدو بقطر وتمسي في سواه وفي سواهما لمراسيها الصباح رمى عجماء ناطقة صماء سامعة فأعجب لعجماء تحوي السمع والصمما من الجماد غدت لكن سرعتها نظيرها في ذوات الروج ما علما ومن حديد لقد أمست محجتها وجسمها من حديد عاد ملتئما تطير مسرعة من غير أجنحة تمشي وما استعملت في سيرها قدما تمشي على عجل مشياً على عجل كأنها السيل من فوق الزبى هجما تظن غضبى وما أن مسها غضب وذات داء وما أن صادفت ألماً تطبق الأرض من أصواتها زجلاً ولم تكن حركت عند الصراخ فماً والماء في جوفها تغلي مراجله والنار قد ألهبت من تحته ضرما وللبخار غدا في جوفها زجل وجوفها أبداً منه لقد فعما تظل تزفر إن جد المسير بها وقلبها يقذف النيران والحمما كأنها ملئت غيظاً واحتملت غماً وما عرفت غيظاً ولا غمما تنساب كالأفعوان الصل صادفه من يختشيه فولى عنه منهزما ما أن رأينا جبالاً قبلها قطعت كالبرق عرض الفلا تستصغر الهمما إن فارقت منزلاً أوقاربته غدت تصيح معلمة من لم يكن علما وقال في الحكم والمواعظ: لعمرك ليس العلم بالفرو والقبا وبالكم في عرض السموات والأرض وبالندب المسدول تحت عمامة تسد قضاء الجو بالطول والعرض ولا بإشارات الأكف كأنما يريد بها الأفلاك في البسط والقبض ولكنه قلب حفيظ ومسمع سميع وطرف قد جفا طيب الغمض إذا لم يزن علم ألفتى بتواضع وعقل وحفظ للنوافل والفرض فللجهل خير للفتى من علومه إذا لم تكن يوماً إلى عمل تقضي وهذا الديوان يدور كسائر الدواوين أوأكثرها على المديح والتقريظ والغزل والنسيب وعلى الشيب والتهاني والمراسلات والعتاب والرثاء والحماسة والحكم والمواعظ والآداب والمناجاة وشكوى الزمان والهجاء والصفات والمعميات والألغاز والملح والتاريخ والحنين إلى الأهل والأوطان، ومنثوره مسجوع كنثر أهل القرن الحادي عشر والثاني عشر ينظر فيه إلى الألفاظ أكثر من المعاني وقد ختم ديوانه بترجمة حاله بنفسه ترجمة طويلة ذكر فيها عائلته ومنشأه وأساتذته وإجازاته وما مدح به من القصائد فجاءت وحدها في ٦٦ صفحة ومعظم الديوان يدور في الحقيقة على مدح الرسول وآل البيت وأئمة الشيعة كأن قصد المؤلف الثواب على ذلك. البعثة العلمية إلى دار الخلافة الإسلامية. تأليف محمد كرد علي صاحب المقتبس ومحمد الباقر صاحب البلاغ وعبد الباسط الأنسي صاحب الإقبال وحسين الحبال صاحب أبابيل. طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٣٣٤ - ١٩١٦ ص ٢٩٦ ارتأت الحكومة في السنة الماضية إرسال وفد من علماء سورية وفلسطين ووجهائها إلى دار الخلافة ليزوروا جناق قلعة ويشاهدوا ما آتاه أبطال العثمانيين من الخوارق في الدفاع عن جزيرة كليبولي الذي هو في الحقيقة دفاع عن الأستانة نفسها فسافر الوفد مؤلفاً من ٣١ رجلاً وفيهم كثير من المفاتي والفقهاء والشعراء وأرباب الصحافة اختار بعضهم أحمد جمال باشا قائد الجيش الرابع المخيم في ربوع الشام وناظر البحرية وبعضهم انتخبتهم الولايات ووقع الاختيار على الشيخ أسعد الشقيري رئيساً للوفد لكفاءته العلمية وتفرد بالخطابة في اللغتين العربية والتركية فقضى الوفد شهرين في الذهاب والإياب والمقام في دار السلطنة ودار الحرب وقرر أرباب الصحف المومأ إليهم برئاسة رئيس الوفدان يؤلفوا رحلة يذكرون فيها ما لقيه الوفد من العناية وما شاهد من عظمة الدولة وقوتها وقوة الدفاع في جناق القلعة وما ثأثرت به نفوس الخطباء والشعراء من أفراده وفاض على ألسنتهم نثرا ونظماً وما أقيم لهم من المآدب ودار فيها من الخطب. وقد عهد أرباب الصحف إلى صاحب المقتبس أن يؤلف هذه الرحلة فنسجها ونشرت وقد أوردنا في هذا الجزء نموذجاً منها مقالة بعض معامل الدولة ونبذة في وصف الأناضول وسنورد نموذجاً من شعرها. وقد صدر الكتاب برسم أحمد جمال باشا وفيه صورة الوفد في نظارة البحرية وصورة الرئيس والهيئة التحريرية. الرحلة الأنورية إلى الأصقاع الحجازية والشامية تأليف محمد كرد علي صاحب المقتبس. طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٣٣٤ - ١٩١٦ ص ٣ . ٢ زار أنور باشا وكيل القائد الأعظم وناظر البحرية ربوع الشام والحجاز منذ أشهر ولم يسبق لناظر في مثل مركزه العظيم أن بروز البلاد ويتفقد أحوال الجيش والرعية فضممنا ما تفرق من أخبار رحلته وما قيل من التنويه بأفضاله على الدولة والملة فجاءت الرحلة كتاب أدب ومحاضرة وخطب حوى نموذجاً من شعر الشعراء وخطب الخطباء في هذا العصر وهذا الدور تاركين لأقلام من كتبوا وخطبوا في هذا المجال حريتهم فإن نقل الشيء على حقيقته أدعى إلى تصور كل قائل بقوله فتتمثل للأنسال القادمة حالة عصرنا ومبلغ أهله من الأفكار والآداب وقد أوردنا ما قالته الصحف على اختلاف لغاتها بحرفه وأشفعناه بترجمته إلى اللسان العربي والكتاب مصدر بصورة صاحب الرحلة أنور باشا وفيه عدة رسوم تمثله وتمثل زميله أحمد جمال باشا في القدس الشريف تحت قوس النصر وفي الكلية الصلاحية في القدس وفي المسجد الأقصى والحرم القدسي وفي استعراض الجند في بئر السبع. السنة الثانية للحرب المركزية هي كراسة نشرتها إدارة جورنال بيروت سنة ١٩١٦ وفيها خلاصة ما نقله البرق من الحوادث عن ساحات الحرب المختلفة مما يدخل في سجلات التاريخ وقد قدم لها حليم بك حرفوش أحد محرري تلك الجريدة ألفرنسية بلغتها مقدمة لطيفة ختمها بلفظ الصلح في السنة الثالثة. الرسائل العصرية تأليف بطرس البستاني. طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١ . ص ٣٤٤ أجاد صديقنا مؤلف هذا الكتاب في مجموعته هذه التي حوت في مطاويها رسائل في عامة الموضوعات المألوفة في فن التراسل وقد أجاد كل الإجادة في تعريف المراسلة وأقسامها وأحوالها وطرقها مما لم يترك بعده مقالاً لقائل بعبارات من السهل الممتنع خالية من الحشو والتعقيد حالية بالسلاسة والرشاقة وقد اختار نموذجان من الرسائل منوعة ليتخرج بها الطالب فجاء كتابه من أوعى ما ألف في موضوعه دليل الخبرة في أحوال الطلاب وما ينبغي لهم للنبوغ في الإنشاء فنشكر المؤلف على كتابه الممتع وترجوأن يوفق إلى نشر أمثاله مما يفيد الطلاب والآداب. آداب المراسلة تأليف الخوري بطرس البستاني طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١٣ ص ١٤٧ كتاب التلميذ هو مختصر في فن الإنشاء على طريقة السؤال والجواب ليتأتي للأحداث استظهارها وفيه نموذجان من الرسائل يصح للمبتدئ الأخذ بها والتطريس على منوالها. الفلسفة النظرية أوعلم الحكمة البشرية: تأليف الكردينال مرسيه رئيس أساقفة مالين في بلجيكا. عني بنقله إلى العربية وتعليق حواشيه الخوري أسقف نعمة الله أبي كرم الماروني رئيس المدرسة المارونية في رومية. طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١ . وهو في ستة أجزاء لا تقل عن ١٥ . . صفحة. أهدتنا إدارة المطبعة العلمية هذا الكتاب وهو في الفلسفة المنطبقة مع روح الكثلكة وفيه ردود كثيرة على أصحاب الفلسفة الحسية من الماديين وغيرهم وقد تصفحنا جانباً منه فرأينا بعض الغموض في بعض صفحاته وما ندري إن كان ناشئاً من الترجمة أومن الأصل الذي فيه لبس وإشكال ومعان لم يحسن مؤلفها الأول تأديتها بألفاظ مفهومة وتقريبها من عقول القراء وقد قدم المترجم مقدمة نحو ٩٥ صفحة قال في آخرها وإنني اصطلحت على بعض ألفاظ نقلتها عن أصل وضعها للدلالة على معان علمية حديثة أومذاهب جديدة لم أجد لها دلالة في لغتنا العربية لمسوغ ملابسة بين المعنى الوضعي والاصطلاحي كما هو شأن المؤلفين والمترجمين في كل اللغات وليس فوات مثل هذه الدلالة الجديدة نقصاً منحصراً في لغتنا العربية إنما هو شامل لكل الألسنة المستعملة بين الناس لأن واضعي اللغات تقصر بهم المدارك عن استغراق كل المعاني الموجودة والممكنة ويمتنع عليهم ضبطها في دلالات اللفظ على أن اللفظ وإن كان محدوداً بالفعل فلا يحبس قوته حد بدليل توسع نطاق الذهن بالممارسة ودوام تقدم العلوم تقدماً يزيد مع الأيام والأعصر حتى دهش العقل نفسه من سموترقيه وهو لا يزال يرغب فيه ويرتاده يوماً فيوماً بدافع نزعته ألفطرية. ولعل هذا النقص في الوضع هو كان السبب في توسيع التجوز والاستعارة في الكلام ثم في الاصطلاحات التي يسمونها الاصطلاحات الخاصة الرائج استعمالها في كل الألسن بيد أن هذا أيضاً لم يكن كافياً لسد الثلمة وقضاء اللبانة فكم من المعاني تبقى شاردة عن مصادر الألفاظ الوضعية والمجازية والإستعارية والاصطلاحية بالاصطلاح الخاص المستعمل فهذا الاختبار اليومي يشهد بشدة ما يقاسيه المؤلف والمترجم من عناء تقليب المعاجم وتصفح صحائف أهل اللغة وفرك جبهة الذاكرة فلا ينشد ضالته بل يعود حابط الجد والقلب شيق متطلع إلى ما يرى من بديع المعاني لامعة في فضاء ألفكر يشرئب عبثاً إلى اصطيادها بشراك اللفظ الواهية وعليه فإنك ترى علماء الغرب والمصنفين قد لجأوا إلى حيل النحت في الألفاظ وأكثر ما يكون هذا النحت عندهم من اللغة الإغريقية لتأصلها من أصل وضعها إلى بناء الكلمة الواحدة من ألفاظ كثيرة دالة وعدم حصر الأسماء في أوزان قياسية لا تتجاوزها فكأنما هذه الحلقة قد خلقت ينبوعاً للألفاظ العلمية في كل عصر يستقي من فيضه المؤلف والمترجم هذا وما كان أجدر بواضعي قواعد اللغات وخصوصاً بأئمة لغتنا العربية أن يصلحوا على طريقة يتهيأ لهم بها سد خلل الوضع والقيام بما لا يفي به من المجاز والاستعارة والكناية وذلك مثلاً بأن يسوغوا ما تسوغه اليونانية من النحت والتركيب رابطين قاعدة عامة يكون النحت بها قياساً مصطلحاً عليه فيستعمله المصنف أوالمترجم بلا حرج ويفهمه المطالع اللبيب بقليل من الإشارة ويعلق بحافظته لأنه مركب من ألفاظ يأنسها هي من لغته. وليس النحت بدعة في العربية ولا منكراً منه وله اسم عربي وورد عليه أمثلة إلا أنهم حصروا شمول فوائده في حيز ضيق ومثل مسماه لعل ذلك لأنه لم يكن لهم حاجة ماسة إلى أكثر كما هي الحال في عصرنا فما بال أئمة لغتنا اليوم لا ينشطون إلى تلافي هذا الخلل وتدارك هذا النقص يتخذون مثال الأجداد في النحت مع زيادة قوانين يترتب عليها وشروط يتقيد بها فهم إذا فعلوا يكفون أبناء جلدتهم المؤلفين والمترجمين مؤونة الكد وعناء الطلب العقيم في إيجاد ألفاظ جديدة قد لا تكون في محلها في مزج خالص كلامهم العربي بغريب الأعجمي أهو عار علينا وحط من مقام لغتنا الشريفة ومن قدر الأجداد الذين برزوا في أيامهم أن نبقى ساهين عن هذا الأمر الجليل مغضين الطرف عن قصور في لساننا مع توقد الذكاء في فؤادنا مما لا ينكره علينا عليم وحولنا من كل جانب قوم يفصحون عن المعاني الجديدة والعلوم الحديثة بألفاظ منحوتة يفهمها خاصتهم وعامتهم وهي وإن كانت ليست من أوضاع لغاتهم مأنوسة عندهم وغير أجنبية عنهم لمزاولتهم عموماً لغة الإغريق ثم لملابستها لألسنتهم. معالم الكتابة ومغانم الإصابة إنشاء عبد الرحمن بن علي بن شيث القرشي عني بنشره وتعليق حواشيه الخوري قسطنطين الباشا المخلصي وطبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١٣ . هذا كتاب جليل تشكر الآداب العربية ناشره الفاضل على إحيائه بالطبع وتعليق حواش على بعض متونه. أما المؤلف فقد استدل الناشر أنه كان في القرن السادس من الهجرة في زمان الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي وأخيه الملك العادل وذكر له أنه كان مصري المولد استوطن القدس وكان كاتباً في ديوان الإنشاء كما يظهر من نفس كاتبه الذي أخذه ناشره عن أصل مخطوط محفوظ في مكتبة دير المخلص في لبنان في مجموعة خطية تشتمل أيضاً على كتابين ناقصين وهو في صدرها لم يذكر ناسخه اسمه ولا تاريخ اسمه لكن الغالب فيما يرى من خطه أنه كتب في آخر القرن السادس أوالسابع من الهجرة وربما كان بخط المؤلف وقد تقلبت هذه النسخة بين أيدي كثيرين وعلق علها غير واحد. وقد وقع هذا المختصر في ١٩٢ صفحة وهو فيما يجب تقديمه ويتعين على الكاتب لزومه في آداب كتاب الملوك وأركان الدولة وفي طبقات التراجم وأوائل الكتب وما يكون به التخاطب بين المتكاتبين على مقدارهما وذكر وضع الخط وحروفه وبري القلم وإمساكه وفي البلاغة وما يتصل بها وفي ألفاظ يقوم بعضها مقام بعض وفي الأمثال التي يدمجها الكاتب في كلامه ويستشهد بها وفيما لا بد للكاتب من النظر فيه والتحرز منه وكثيراً ما يسقط فيه الكاتب وهنا نحث كل متأدب على اقتناء هذا الأثر النفيس للأخذ من مضامينه والدمج على طريقته في الإنشاء العربي المتيني والإيجاز اللطيف المرغوب فيه. أخبار وأفكار المكرر يحلو جاءنا من الأمير شكيب أرسلان ما يأتي: قد نقلتم عن الشرق مقالتي في صناعة السكر في الشرق واشتهار بلاد فلسطين بها وما ذكره ياقوت الحموي عن زراعة قصب السكر في غور بيسان وصناعته في تلك الأرجاء إلى غير ذلك. وأزيدكم الآن برهاناً آخر وهو أنه وجدت في طرف أريحا الغربي آثار ثلاث معاصر للسكر مما يعزز هذه الحقيقة ويقوي الحجة على أهل زماننا هذا في إهمالهم زراعة السكر وعمله في بلاد كانت منذ مئات من السنين معدنة ومخزنة. وأزيدكم أيضاً برهاناً آخر على عناية المسلمين بهذه الزراعة وتلك الصناعة وإن كان في جهة المغرب فالإسلام عالم واحد فأقول ورد في كتاب الاستقصاء لأخبار دول المغرب الأقصى عند ذكر المنصور السعدي واسطة عقد الملوك السعديين أصحاب فاس، مراكش أنه بنى قصر البديع المشهور في حاضرة مراكش وابتدأ ببنائه في شوال سنة ست وثمانين وتسعمئة واتصل العمل فيه إلى سنة ١ . . ٢ ولم يتخلد ذلك ألفترة، قال: وحشد له الصناع حتى من بلاد الإفرنجة فكان يجتمع كل يوم فيه من أرباب الصنائع ومهرة الحكماء خلقاً عظيم حتى كان ببابه سوق عظيم يقصده التجار ببضائعهم ونفائس أعلافهم وجلب له الرخام من بلاد الروم فكان يشتريه منهم بالسكر وزناً بوزن على ما قيل وكان المنصور قد اتخذ معاصر السكر ببلاد حاقة وشوشاوة وغيرهما حسبما ذكره الفشتالي رحمه الله في المناهل هذا وقد أدرك أهل سوريا الآن ما فرطوا من أمر عمل السكر وقصروا به عن أسلافهم وعرفوا ما فاتهم من الأرباح الطائلة بعدم وجود معمل واحد أومعملين للسكر في بلادهم في هذا العصر الحاضر الذي نشأ عن الحرب فضلاً عما اضطر بالأجسام من فقد السكر وغلاء الحلوى لأنه من المقرر أن الأمزجة تلتاث بانقطاعها عن الحلويات ولا شك أن الأمراض التي نشأت في هاتين العامين كان من جملة أسبابها قلة السكر وأجدر بهذه البلاد أن تنبهها الحرب العامة إلى استدراك فرطات كثيرة من جملتها هذه. الحرب ومنسوب المياه كتب أحد مهندسي برلين في عام ١٨٩٧ كتاباً سماه أدوار الحرب والاجتهاد العقلي في حياة الشعوب تنبئ فيه أن هذا الدور الذي نحن الآن فيه يكون فيه أدهش الحروب مستنداً في دعواه على منسوب مياه الأرض فإنها تختلف بموجب قانون لا يتغير بين طرفين متباينين: ألفيضانات الكثيرة واليبوسة والجفاف. وللوصول من طرف إلى آخر يقتضي من الزمان ١١ . سنوات أي نصف الزمن اللازم وهو ٢٢ . سنة التي تتم فيها حركات بعد الإبرة من خط نصف النهار وتتبدل الحرارة في الأقاليم الشمالية وهذا الدور من ١١ . سنين ينقسم إلى أربعة أدوار مختلفة كل دور ٢٨ سنة اثنان منها تمثل الأكثرية واثنان منها تمثل الأقلية فأدوار الجفاف على حسب رأي المهندس المومأ إليه تولد الحرب وأدوار إدرار المياه تبشر الإنسانية بدور ارتقاء في المدنية والدور بحد ذاته يختلف طولاً وقصراً في الحرب والمدنية على معدل حدود الدور المقابل لها فقد حدث دور جاف عظيم من سنة ١٧٣٧ إلى ١٧٦٥ وكان ذلك عهد الحروب، فر بدر بك الكبير واتبع ذلك الدور من سنة ١٧٦٥ إلى ١٧٩٣ وقد علا منسوب الماء كثيراً فكان فيه العصر الذهبي في الآداب والارتقاء العام لراحة الإنسانية وعلى العكس في الدور التالي بين ١٦٩٣ و ١٨٢١ وقد بلغ الجفاف حده فيه فجرت في خلاله الحرب العامة على عهد نابليون ومن سنة ١٨٢١ - ١٨٤٨ وهو عهد رطوبة كان ارتقاء الحضارة على قدم نشاط يسير في ظل السلام واتبع هذا الدور عهد الجفاف فوقعت فيه حروب ١٨٤٨ - ١٨٧٦ ثم جاء دور الرطوبة من سنة ١٨٧٦ - ١٩ . ٤ وفيه تمت مدهشات الارتقاء الذي نعرفه وقد تنبأ المهندس المومأ إليه سنة ١٨٩٧ أن عهد الجفاف من سنة ١٩ . ٤ - ١٩٣٢ سيكون طافحاً بالحوادث ولكنها تأتي على شدتها بين سنتي ١٩١ . - ١٩٢ . فحرب روسيا واليابان وحرب البلقان والحرب العامة الحالية تؤيد كلام هذا المتنبي. ومن رأيه أن عهد الرطوبة يبدأ سنة ١٩٣٢ وينتهي سنة ١٩٦ . فيكون دور علم وحضارة ولكنه لا يفوق ما وقع من أمثاله بين سنتي ١٨٧٦ - ١٩ . ٤ ومن سنة ١٩٦ . إلى ١٩٨٨ يبدأ أيضاً دور الحروب وتبقى مع ذلك في حد معين وسط فتأمل. مدارسنا ومدارسهم كتب خالد ضيا بك الكاتب العثماني الشهير مقالة في إحدى صحف الأستانة قال فيها: أن أمور المعارف في ألمانيا معدودة من الشؤون الداخلية وعليه فإن هذه الإمبراطورية العظيمة المؤلفة من ولايات مختلفة تختلف إدارة مدارسها باختلاف ولاياتها فلكل منها تنسيق وترتيب يخالف تنسيق المدارس في ولاية أخرى ولكنا بقطع النظر عن الأمور ألفرعية نجد أن المدارس كلها في هذه الإمبراطورية ترجع إلى غرض واحد وتتبع غاية فذة ولا ينتظر من مملكة مؤلفة من ولايات مختلفة تساوت من حيث العلم والمدنية واتحدت أفكارها الحيوية والقومية غير هذه النتيجة. إن درجات المدارس في ألمانيا لا تختلف عن درجاتها عندنا إلا اختلافاً طفيفاً. المدارس الابتدائية فالإعدادية فالعالية ومتى جاز التلميذ هذه الثلاث سلاسل الكبيرة وهو عندنا في درجة التخرج من المدارس السلطانية فإما أن يبرز إلى ميدان الحياة تواً وإما إن كان قصده دوام التحصيل أن يقصد إلى مدارس الأخصّاء حيث يجد أمام المدارس العليا للأمور التطبيقية وشعبات دور ألفن المختلفة مفتحة الأبواب. دققت كثيراً في مجتازي هذه السلاسل المدرسية الثلاث وبحثت عن السبب الأولي في ألفائدة العظيمة المتأتية عن هذه المدارس فتبين لي أن السبب في ذلك لا كتب التدريس ولا الأساتذة ولا التلاميذ وإنما هو أصول التدريس وإن المدروسين آنفاً من حيث المكانة هم في الدرجة الثانية. وبعد أن بحث في كتب التدريس الألمانية المكملة المنقحة الخالية من الحشو والأطناب والمتبعة كلها في سلسلة التدريس غاية واحدة قال: أن أول ما يلفت النظر في هذه المدارس هو الارتباط والمحبة بين التلامذة والمعلمين أول ما يتبادر إلى الذهن عندنا من لفظة المعلم أنه يأتي ساعة كذا ويذهب ساعة كذا ويأخذ أجرة كذا أما عند الألمان فالمعلم مع تلميذه كالأب مع ابنه والمعلم عندهم لا يعرف اسم التلميذ فقط بل يعرف مزاياه ونقائصه وخاصيات مزاجه وقابلية ذكائه ويعرف أيضاً النقط المحتاجة إلى الإصلاح والتمريض إلى الإصلاح والتمريض في التلميذ فيوجه نحوها عنايته ويبذل وسعه في تقويمها. فالتلميذ عندهم بين يدي المعلم أشبه بالمريض تمضي عليه مدة طويلة تحت مراقبة الطبيب وتدقيقه وإليك أصول التدريس عندنا: بعد أن يصعد المعلم منصة التدريس يشير إلى أحد التلامذة بالقيام فيقول مثلاً مخاطباً التلميذ برقمه ١٦٦ دور سلطنة السلطان سليم الأول فإما أن يأخذ التلميذ بسرد صحيفة أوصحيفتين مما بقي في ذهنه من الحفظ متلجلجاً متلعثماً يطلب مساعدة حافظته له ومداخلتها في الأمر وإما أن ينقطع من أول الأمر فيشير إليه المعلم بالجلوس وينهض غيره قائلاً ٢٧٥ وهكذا تمضي مدة الدرس بين مختلف الأرقام أما التلامذة غير المعرضين للأسئلة فإما أن يشتغلوا بحفظ ما أهملوه من هذا الدرس وعندها لا نر إلا أعيناً مغمضة وشفاهاً تهتز وتضطرب وإما أن يخط هذا رسماً ويبري ذلك قلماً ويكتب ذلك مكتوباً. أما الحال في ألمانيا فليس على هذا المنوال وقد زار الكاتب ودخل إلى أحد الصفوف أثناء درس التاريخ فقال: إن التلاميذ بعد أن سلموا علينا للجلوس على مقاعدهم وأعينهم محدقة في معلمهم فقط ينتظرون ولم يكن أمامهم كتاب ولا ورق. ذكر المعلم موضوع درسه في جملة واحدة والموضوع هو هذاتبسيط دولة بروسيا والأسرة المالكة وبعد أن مكث ثانية أورد سؤالاً في هذا الموضوع فرفع التلاميذ أيديهم وكان هذا الصنف بأجمعه مستعداً لإعطاء الجواب ولكن المعلم أشار إلى أحدهم باسمه فنهض التلميذ حالاً وأجاب عن السؤال بنحو صحيفة مما كان حفظه وتعلمه ولكن لم يكن ما أورده تكراراً لعبارة كتاب معين ربما ينسى اليوم أوغداً وربما يحفظها دون أن يعرف معناها بل كان الجواب الذي أورده بلسانه نفسه حسب فهمه. وهكذا تسلسلت الأسئلة وتوالت وارتفعت الأيدي ثم انحطت ومضت نصف ساعة على هذا الموضوع أوالمباحثة وكان المعلم بلا شبهة قد تعب أكثر من كل التلامذة. وكانت هذه المباحثة أشبه بامتحان عمومي منها يدرس لأن الأجوبة كانت ترد علناً والأسئلة تثب من هنا إلى هناك والأيدي تعلوثم تنزل وبهذا الأسلوب لم يبق نقط مجهولة في هذا الموضوع وكان المعلم في الدرس الذي قبل هذا الدرس قد كتب تقريراً في تبسيط دولة بروسيا والأسرة المالكة هو هنزلون فقرأه التلامذة وأضافوا الذي بقي في ذهنهم من هذا التقرير إلى ما قرؤوه في هذا الكتاب الذي بأيديهم واليوم في هذه المباحثة أوالمجاوبة العلمية فإن الذين كان فهمهم ناقصاً أوأهملوا الدرس أونسوه أصبحوا كأنهم درسوه من جديد. وقال الكاتب أن الألمان قد طبقوا هذا الأسلوب في التدريس ليس على درس واحد فقط بل على دروس الحساب والجغرافية والكيمياء والحكمة الطبيعية والتاريخ الطبيعي حتى على الألسن والأدبيات وختم مقاله بقوله: ليست المدارس الألمانية الابتدائية بأحسن من المدارس العثمانية ولكن التلميذ الألماني متعلم أكثر من التلميذ العثماني وفضلاً عن ذلك فإن الأول يمكنه أن يستعمل علمه فيما يفيده في حياته وهذا على ما أظن الغاية المهمة التي يجب أن نسعى إليها. رومانيا وجيوش التحالف شهرت ألمانيا الحرب على النمسا والمجر هذا الشهر لتفتح ترانسلفانيا وتضم من فيها من الرومانيين أبناء عنصرها فشهرت ألمانيا والعثمانية وبلغاريا الحرب عليها والحرب الآن قائمة بين جيوش الرومان وقد أطلعنا على إحصاء أخير نشره أحد أساتذة كلية غراز قال فيه أن مساحة رومانيا السطحية تبلغ ١٣٩ . ٧٩ كيلومتراً مربعاً عدا ما دخل في ملكها من أرض بلغاريا سنة ١٩١٣ وهو ٧٧٢٦ كيلومتراً وهو أكثر من مساحة ربع ألمانيا وسكانها نحوسبعة ملايين ونصف أي أنه يسكنها ٥٤ نسمة في كل كيلومتر وبحسب إحصاء سنة ١٨٩٩ يوزع هذا الشعب على النحوالآتي خمسة ملايين ونصف روماني و ١ . ٨ . . . نمساوي ومجري و ٢٤ . . . عثماني و ٣٢ . . . من رعايا مختلفين من الممالك البلقانيا و ٨ . . . ألماني و ٢٦٧ . . . إسرائيلي وخمسة ملايين ونصف من سكانها يدينون بالمذهب الأرثوذكسي و ١٥ . ألفاً كاثوليك و ٢٣ ألفاً من البروتستان و ١٨ في المئة من السكان هم من أهل المدن و ٨١ وكسر من سكان الحقول وسكان العاصمة بكرش ٣٤١ ألفاً وفيها كلية كان عدد طلبتها سنة ٩ . ٨ - ٤٢٨ . طالباً وميزانيتها مليون ونصف مارك وفي رومانيا كلية ياسي وهذي هي ثاني مدينة في رومانيا وكانت ميزانية حكومة رومانيا سنة ١٩١٥ - ٤٨٦ مليون مارك وكسور من الدخل والخرج يصرف منها ٤٧ مليون مارك على التعليم و ٧٩ مليوناً على الحربية وكان الدين عليهم ١٦٨ مليار مارك و ٧ في المئة من صادرات رومانيا تصدر إلى ألمانيا ويرد إليها من ألمانيا ٤ . في المئة من الواردات و ٢٣ في المئة من النمسا والمجر. العلماء لا يحاربون ذكرت جريدة الديلي نيوز الإنكليزية أنه جرى مؤخراً في لندرا توقيع ألحان من تأليف واكنر الألماني المتوفي سنة ١٨٨٣ وأنه هذه هي المرة الأولى منذ إعلان الحرب لحنت فيها أغان لهذه الموسيقى بحضور جمهور كبير من الأهلين ومنهم ضباط بألبستهم الرسمية وربما عد بعضهم تلحين مؤلف ألماني انحطاطاً في الوطنية وعده آخرون علامة جيدة على تقرب الشعبين وقد ذكرت إحدى الصحف الألمانية أن القوم في ألمانيا لم يفتؤوا يتلون ويلحنون أقوال المؤلفين الذين هم من أمم معادية لألمانيا اليوم، فلم يتل موليير ألفرنسي ولا شكسبير الإنكليزي شيء من الحرب والحرب ليس مع الأفراد النوابغ وهم لكل أمة شرع. وهكذا الحال في بلاد النمسا والمجر فإن نوابغ المؤلفين من لفرنسيس والإنكليز والروس تقرأ مصنفاتهم وتمثل رواياتهم كما كان في السابق واللغة ألفرنسية واللغة الإنكليزية تدرس في مدارس المجر كما كانت قبل الحرب وقد احتفلت ألمانيا منذ أشهر في مدينة نيمار بمرور ثلاثمائة سنة على وفاة شكسبير الشاعر الإنكليزي احتفالاً يليق بتكريم أمة عالمة للعلماء والأدباء من أي عنصر ولسان كانوا وناب عن المجر رئيس مجمعها العلمي ولم يكدر صفوهذا الاجتماع مكدر ولم يذكر شكسبير إلا بالتجلة كأنه من شعراء ألمانيا نفسها فتأمل هذا التسامح في إكرام العلماء حتى زمن ألفتن والحروب.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_92.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.92.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
