<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.91.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.91.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٩١ بتاريخ: ١ - ٨ - ١٩١٤ الكلية الصلاحية إن أمتنا الإسلامية العظيمة بعد أن سارت في ميدان الحضارة شوطا قصيا. وتبوأت من قصائد المجد مكانا عليا. سقطت عن تلك المنزلة. وفقدت ما كان لهامن العز والسطوة وليس العار في هذا السقوط ما دمنا نراه يكاد يكون ناموسا عاما في سائر الأمم ذات المجد القديم كالرومان واليونان. وإنما العار كل العار في إن تبقى الأمة الإسلامية وحدها ساقطة في حفرتها متمادية في غفلتها فلا تنهض وتنشط وترمم ما تداعى من بنيانها كما اخذ يفعل غيرها من الأمم القديمة. وقد قال بعض الحكماء: ليس الشرف في أن لا تقع بل الشرف انك إذا وقعت لا تلبث أن تنهض فلا يراك احد إلا واقفا ولما حصل الاحتكاك بين العالم الإسلامي والعالم المتمدن الغربي في وساط القرن الماضي أي بعد حرب القريم انتبه نفر من علماء الإسلام ورجاله العظام إلى حالة المسلمين وما هم عليه من الانحطاط والخمول. وجعلوا يقلبون وجوه الرأي في تشخيص مرضهم وماذا عساه يكون علاجه الناجع. وحكموا جميعا أن المسلمين إذا لم يعملوا حتى التخلص من هذا المرض بجد واهتمام قضى عليهم. واستاصل شأفتهم. وجعلهم طعمة لغيرهم. وكانوا يذكرون أسبابا جمة لهذا المرض. ولكنهم لم يكونوا يختلفون في إن معظما لسبب فيه يرجع إلى (عدم فهم الإسلام فهما صحيحا) أو (عدم العمل بقواعد الدين المبين) حتى أصبح هذا الدين كالعضو الأشل وأصبحت رجاله كأنهم لا وظيفة لهم في هذا الوجود. مع إن الإسلام وتعاليمه الطاهرة هي السبب في السعادتين الدنيوية والأخروية ورجال الدين يجب أن يكونوا هداة الأمة إلى مجامع مجدها. والممسكين بيدها في كل موطن من مواطن حياتها وكل شان من شؤون اجتماعها. من القران والحديث وأقوال السلف الصالح يستخرج منها الأحكام التي تقتضيها حالة العصر الحاضر غير رجال الدين؟ من لوضع التأليف في العلوم الإسلامية ونشر الرسائل في الموضوعات الأدبية والأخلاقية والحياة الإسلامية غير رجال الدين؟ من لمنابر الخطابة أيام الجمع يعظ ويرشد ويحذر ويبشر غير رجال الدين؟ من لمنصات الحكم في المحاكم الشرعية والحقوقية يقيم العدل ويصون المصالح غير رجال الدين؟ من للدفاع عن الحقوق العامة والخاصة على صفحات الجرائد وفي ساحات المحاكم غير رجال الدين؟ من للخطابة في النوادي والساحات العمومية ينشر الآداب والأخلاق والفضائل بين العامة غير رجال الدين؟ من لتعليم النشء الإسلامي وتربيته تربية دينية فاضلة واجتماعية صحيحة غير رجال الدين؟ وبالجملة من لوراثة الأنبياء في هداية الشعوب غير رجال الدين؟ أن في إصلاح رجال الدين إصلاحا للدين والدنيا. اصلاحا للمساجد. اصلاحا للمحاكم. اصلاحا للمدارس. اصلاحا للعائلة. اصلاحا للجيش إن تقصير الدين في فهم علوم الدين فهما منطبقا على حالة الحياة التي استجدت لهم في هذا العصر أدى إلى تشويه وجه العدل في المحاكم. وخنق روح العبادة في المساجد. وتوهين رابطة الألفة في العائلة. وتلو بث النفس بالجبن في ميادين الحروب ولا يمكن آن يفهم زجال الدين تعاليم الإسلام فهما صحيحا منطبقا على مصالحهم الحاضرة وملائمة لحالة عمرانهم الجديد ما لم يقرنوا بفهمها والاشتغال بها لفهم والاشتغال بعلوم التمدن الحديث. ولا ترانا بحاجة إلى الاستدلال على هذه القضية فقد حفيت أقلام علماء السلام وكلت السنة كبار رجاله في بيانها وإيضاحها منذ خمسين سنة إلى اليوم فمصطفى رشيد باشا العثماني. وخير الدين باشا التونسي. والشيخ جمال الدين الافغاني. والسيد احمد خان الهندي. والشيخ محمد عبده المصري. والشيخ عبد الرحمن الكوكبي السوري. واسماعيل بك غصبر نسكي التاتاري. والبرنس ميلكم خان الإيراني - كل هؤلاء اشتعلوا في هذه المسالة وبرهنوا على هذه القضية بما لا يحتمل الرد. ولا مساغ معه للجدال والنقض وإن تأسيس الخلدونية بتونس. وانشاء كلية عليكرة في الهند. وادخال العلوم الحديثة على الزهر وتأسيس دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي في مصر. كل ذلك يرمي إلى الغرض الذي ذكرناه من جعل علماء الدين الإسلامي قادرين على القيام بوظائفهم في خدمة تعاليم الإسلام فهما صحيحا. وتدبر طبيعة العمران الحديث تدبرا رجيحا ولم تال دولتنا العثمانية (أيدها الله) جهدا في تحقيق هذه لأمنية وتنفيذ هذه الرغيبة فسعى خيري بك شيخ الإسلام في تأسيس (مدارس دار الخلافة) في عاصمة السلطنة. وانشا (كلية المدنية) في مدينة سيدنا الرسول العظم صلى الله عليه وسلم ولم يكن حضرة القائد الكبير احمد جمال باشا لتشغله مهام العسكرية عن خدمة هذه ألفكرة الشريفة فانه آمر بتأسيس كلية صلاح الدين الأيوبي في القدس الشريف لتكون حلقة منضمة إلى أخواتها من حلقات المعاهد الدينية التي لسست في العالم الإسلامي لتخريج علماء فضلاء مقتدرين على خدمة الإسلام. والاستفادة من تعاليمه الطاهرة في جميع المصالح والأحكام وبعد فليست هذه الكلية سوى اثر من آثار عناية حكومتنا بالعلوم الإسلامية وحرصها على ترقبة المسلمين ولم شعثهم عن طريق الدين. والرجوع إلى العمل بحكامه على ما القائد الكبير احمد جمال باشا أن يقف علماء الإسلام على أحوال هذا العصر واطرار عمر انه كما وقفوا على أسرار ألفقه الإسلامي وتفاصيل أحكامه - وهو يحب أيضاً السلطان صلاح الدين الأيوبي ويعجب بشجاعته وفرط غيرته على الإسلام والمسلمين فلما وقف على أمر المدرسة الصلاحية وقيل له أن السلطان صلاح الدين كان أسسها في القدس باسم أتباع الإمام الشافعي رضي الله عنهكما هو مسطور ومقروء على عتبة بابها اليوم وبلغه أنها قد تغيرت معالمها. وتحولت أوضاعها إلى غير ما أراده واقفها رحمة الله - وجد ألفرصة إذ ذاك سانحة لإظهار آثار حبه للأمرين معا: حبه العلماء الإسلام فيعيد إليهم هذه المدرسة باسم الكلية الصلاحية يتعلمون فيها ويتخرجون بواسطتها في مختلف العلوم والفنون - وحبه للسلطان صلاح الدين فيعبد مدرسته. ويحي ذكره. وما أجمل الأبطال يحيون ذكر الأبطال مر على الكلية الصلاحية سنة ونصف ٣٣٣ نحو مئة طالب. واذ كان مشروعها في بدء أمره تكرر التغير والتبديل في بروغرامها وطرق التعليم فيها. امافي هذه السنة ٣٣٤ التي انتهت فكان عدد طلابها ( ١٥ .) وكان بروغرامها اثبت. وطرق التدريس فيها اقصد واضمن وللكلية هيئة الإدارة وهيئة معلمين وكلهم يبلغون نحو بضعة عشر فاضلا. وبقية مأموريها وخدمتها يبلغون الثلاثين وهي مرتبطة مباشرة بمقام المشيخة الإسلامية الجليلة وبنظارة الأوقاف وطلابها اليوم ما بين الإثنتي عشرة والخامس والعشرين من أعمارهم ومعظمهم هؤلاء الكبار تركوها في المدة الأخيرة وتجندوا في الخدمة المقصورة والكلية تقبل من الطلاب كل سنة مئة طالب موزعين في قبول الكلية لهم - على ولايات السلطنة العثمانية والبلاد السلامية الأخرى بنسبة مقررة في تعليمات الكلية. وكلهم مجبرون على التزيي بلباس العلماء المعروف: عمامة بيضاء وجبة سوداء منطبقة على الكعبين: ويتلقون في الكلية العلوم الشرعية والحقوقية وألفنون المختلفة والالسنة المتنوعة. وينامون في الكلية ويأكلون فيها ويلبسون على حسابها. ولا يكلفون سيئا سوى الاجتهاد في دروسهم. والعمل بدينهم والإخلاص لدولتهم ووطنهم. والإطاعة لقانون كليتهم. ومدة التحصيل فيها عشر سنوات: سبعة منها للتعليم التالي (سلطاني) وثلاثة للتعليم العالي. وليس فيها تعليم ابتدائية طلابها يكلفون - وراء تحصيل العلوم والفنون - دراسة القران الكريم واستظهار طائفة من سوره. وتلاوته بالترتيل ورفع الصوت في اجتماعات خاصة بهذا الشأن. ويمرنون على التربية البدنية. والالعاب الرياضية. ويدربون على آداب السلوك والمعاشرة ومراعات النظام. في غرف الطعام وقاعات الحفل العام ولهم قاعة خطابة يتمرنون فيها على إلقاء الخطب والمحاضرات وقصائد الشعر - سواء كان ذلك من مقولهم أو من مقول غيرهم. كما يلقي الأساتذة شيئا من ذلك على مرأى ومسمع منهم فيزيدهم ذلك خبرة وحذقا. ويخرجون في الأحايين إلى ضواحي القدس وقراها ومشهور أماكنها مشيا على الأقدام ثلاث ساعات أو أكثر. ويحملون في ذلك الهواء الطلق على الوثب والقفز والجري وتلوية الشوي (أطراف الجسم) وتليين العضل وتقوية مجموع الجسم. وقد نصبت لهم في باحة الكلية أدوات ألعاب (جمنا ستيك) خاصة بذلك. لقد شهدتهم مرة في ضاحية القدس يتسابقون تحت نظر مديرهم ألفاضل وأساتذتهم في قطع واد من إحدى عدوتيه إلى العدوة الأخرى فكانوا يعدون عدو النعام من منحدر العدوة حتى يصلون إلى أسفل الوادي ثم يشتدون إلى العدوة القصوى ولا يزالون مصعدين في سند الجبل حتى يصلوا إلى نقطة معينة منه وقد تكررت هذه المسابقة بينهم في وقت واحد فكانت جامعة بين ألفكاهة والفائدة والتعب الشديد. وهكذا الأمم التي تريد أن تحيا في راحة يجب عليها أن تقضي شطرا من حياتها في تعب ويدرب ذو القابلية من طلاب الكلية على ممارسة الألحان وإلقاء الأناشيد بتغن وتطريب فيحدث ذلك في نفوس الطلاب راحة ونشاطا يعوض ما تكون خسرته أجسامهم بفرط الدرس والبحث وعناء القيام بالوظائف المدرسية المختلفة. ويكلف طلاب الكلية جميعهم كبارهم وصغارهم القيام سحرا لصلاة الصنج. ولم يكن يخول بينهم وبين هذه ألفريضة اليوم المطير. ولا يرد الزمهرير. وكأني انظر إلى صغارهم يتوضأون في السحرة القرة والدم يسيل من أشاجعهم وبراجمهم وسلامياتهم وهم يتضاحكون ويتحملون ذلك بتجلد وصبر ومباهات. وكنا نشجعهم على تحمل الأمر وننبههم إلى فائدته من الوجهتين الروحية والجسمية. وأنا لندعو لهذا المعهد بالتقدم والارتقاء. فان في ارتقائه ارتقاء للأمة إلى ذروة العز القعساء. منشى هذه الرسالة هو الشيخ عبد القادر المغربي كان من أساتذة كلية صلاح الدين فهو حجة فيما يصف ويقول ويؤخذ من تعليمات هذه الكلية الإسلامية إن هذا المعهد ربط مباشر بمقام المشيخة الإسلامية وبنظارة الأوقاف والغرض من الكلية تدريس العلوم الشرعية والحقوقية وألفنون المختلفة والألسنة المتنوعة وتخريج رجال أخصائيين في هذه العلوم يقتدرون عن الدفاع عن التعالم الدينية ويصلحون لمباشرة الوظائف العلمية والشرعية. ومدة التحصيل في الكلية عشر سنوات سبع منها (قسم تالي) وثلاث (قسم عالي) ولسان التعليم فيها اللغة العربية وتقبل كل سنة مئة طالب في الصنف الأول موزعة على الصورة الآتية: عشرة من لواء القدس وخمسون من سائر الولايات والأولوية العثمانية والأربعون من أقطار العالم الإسلامي. والخمسون طالبا الذين يؤخذون من العثمانيين يكونون بالمناوبة أما الطلاب الأربعون الذين يؤخذون من أطراف العالم الإسلامي فأمرهم بحسب ما يلي: أربعة من مصر واثنان من السودان والحبش واثنان من طرابلس الغرب وبنغازي ومن كل من تونس والجزائر وفارس وجنوبي افريقية واحد واحد وثلاثة من جاوة وفلبين وثلاثة من الصين وكاشغر وخمسة من الهند واثنان من أفغان وواحد من بلوجتان واثنان من إيران وستة من تركتان (أي بخارى وخيوه وطشقند وسمر قند وما يلي ذلك) وستة من قفقآسياو استرخان وقازان والقريم وبولونيا. وبفرض إناء التعليم في كل ساعة من ساعات التدريس في الكلية من عشرين إلى خمسين غرشا ويجوز للأساتذة أن يأكلوا ويناموا في الكلية ولا يؤخذ من الطلاب أجرة التعليم وهم فوق ذلك يأكلون ويكتسون على نفقة الكلية ولكن إذا ترك احد الطلاب العثمانيين الكلية من غير عذر شرعي ضمن ليرة ونصف ليرة عثمانية لقاء كل شهر لازم فيه غالكليه. وليس للكلية قسم نهاري بل كل الطلبة داخليون وعلى الأساتذة أن يؤلفوا كتبا في العلوم التي يدرسونها ولا يوجد فيها مؤلفات وافية بالحاجة وان يلقوا محاضرات على الطلاب في ألفنون المختلفة وتدعو الإدارة من شاءت لإلقاء محاضرات في العلوم التي اختصوا فيها وتمرن الطلاب على إلقاء الخطب ويدعى إلى القدس في كل سنة احد مشهوري العلماء في العالم الإسلام يلقي محاضرات في مسائل العلم التخصص به ويعقد لعده المحاضرات مجالس في المسجد الأقصى يشهدها طلاب الكلية وتستغرق شهرا من الزمن ويخصص للأستاذ الذي يدعى على هذه الصورة من الثلاثين إلى المائة والخمسين ليرة عثمانية لقاء نفقات وبزل ضيفا على الكلية وتقام سباحات للطلاب تحت رئاسة هيئة الإدارة خلال أشهر العطلة بقصد البحث والتقصي في المسائل العالية وألفنية. ولغة التدريس في الكلية هي اللغة العربية ومع هذا فيجوز أن يدرس مثل التاريخ العثماني ومجلة الأحكام العدلية وحقوق الدول والتاريخ السياسي باللغة التركية أو لغة أجنبية وكل إنسان أجنبي يدرس في الكلية يلقن بلغة أمته وتحصيل اللغات الشرقية والغربية في الكلية اختياري ويكون تدريسها بلغات أهلها على طريقة سهلة قريبة التنأول. أما العلوم التي تدرس في الصفوف العشرة في الكلية فهي التفسير والحديث ومصطلح الحديث وألفقه المعاملات وتاريخ على ألفقه وأصول ألفقه وعلى الكلام وتاريخ علم الكلام وعلم التصوف وعلم التربية وعلم الاجتماع وعلم النفس وعلم المنطق وعلم الأخلاق وتاريخ الفلسفة وعلم ما وراء الطبيعة والعلوم الحقوقية كالحقوق الأساسية والإدارية وحقوق الدول وقانون الجزاء وأصول الجزاية ومجلة الأحكام العدلية وأحكام الأوقاف وقانون الأراضي والتجارة البحرية والتجارة البرية وعلم الاقتصاد وعلم المالية واللسان العربي الصرف والنحو واللغة وأصول الإلقاء والمنطق والبلاغة وآداب اللغة) واللسان التركي (صرف ونحو وقراءة وكتابة وأدبيات) والتاريخ والسيرة النبوية والتاريخ العام وتاريخ العرب والإسلام وتاريخ العرب والعثمانيين والتاريخ السياسي للعصر الحاضر وتاريخ الأديان السماوية والجغرافية العمومية والجغرافيا الإسلامية والعثمانية وألفلك ومن العلوم الرياضية (الحساب العملي والهندسة والجبر وأصول مسك الدفاتر والحساب النظري والمثلثات والميكانيك) ومن العلوم الطبيعية (الزراعة المحلية والحكمة الطبيعية والكيمياء والحيوان والنبات والمعادن وطبقات الأرض وحفظ الصحة والتداوي الابتدائي) وفن الخط والرسم ومن الالسنة الشرقية ألفارسي والارد والتاتاري ومن الألسنة الغربية والألماني وألفرنسي والإنكليزي والروسية يشترط في الطلاب الذين يقبلون في الصنف الأول أن تكون سن الطالب لا اقل من اثنتي عشرة سنة سالما من العاهات والأمراض غير محكوم بجنحة ولا جناية ولا معروف بسوء الأحوال وبيده شهادة من المكاتب الابتدائية ذات الخمسة والستة صفوف أو يكون تحصيلة بهذه الدرجة ويثبت ذلك بالامتحان وان يودع لدى إدارة الكلية سندا مصدقا من وليه أو من جمعية أو جماعة إسلامية أو معهد علمي يتضمن كفالة مالية يمكن بواسطتها تحصيل ما انفق عليه في الكلية إذا أراد تركها من دون عذر شرعي. وعلى طالب الدخول أن تكون بيده تذكرة نفوس أو تذكرة جوازباسابورطو شهادة المكتب الذي تخرج فيه وشهادة تلقيح الجدري وسند الكفالة المذكور وشهادة بحسن حالة تتضمن عدم الحكم عليه بجنحة أو جناية وعدم اشتهاره بسوء الحال وتكون مصدقة من مجلس إدارة بلدة أو معهد علمي مشهور. ومن لم يكن معه شهادة وأراد الدخول في الكلية يمتحن في القران الكريم والمبادىء الدينية واللغة العربية (قراءة وتكلما وترجمة) والحساب والتاريخ والجغرافية الخط. ومن أراد الدخول من طلاب القسم التالي من مدارس دار الخلافة العلية أو من مدرسة أخرى بدرجتها يقبل في الصنف الذي تكون دروسه معادلة للدروس التي تلقاها في صنفه بشرط أن يكون بيده تصديق من مدرسة وعلى الذين بيدهم تصديق من المكاتب السلطانية أو الإعدادية أن يعطوا امتحانا في الدروس التي لم يكونوا تلقوها في مكاتبهم والتي تدرس في الصف الأدنى من الصنف الذي يريدون الدخول فيه فيمتحنون باللغة العربية ومن يريدون الدخول في الكلية وهم محصلون في مدارس معادلة للمدارس السلطانية عليهم أن يعطوا امتحانا في جميع دروس الصنف الأدنى من الصنف الذي يريدون الدخول فيه ومن كان من طلاب الكلية الصلاحية وبيده شهادة من قسمها التالي أو كان من طلاب مدارس دار الخلافة أو مدرسة بدرجتها ذات ثمانية صفوف وبيده شهادة من شعبتها الثانية في قسمها التالي جاز له أن يدخل في الصنف الثامن أي في أول صفوف التعليم العالي من الكلية الصلاحية أما متخرجوا المكاتب السلطانية فيقبلون في الكلية بشرط أن يكونوا واقفين على اللغة العربية وأن يؤدوا امتحانا في جميع المواد التي لم تدرس في مكاتبهم والذين هم في المعلومات بدرجة هؤلاء المتخرجين يقبلون أيضاً بشرط أن يفحصوا في جميع المواد التي تدرس في القسم التالي من الكلية. وتبدأ مدة قيد الطلاب وقبولهم من أواسط آب إلى انتهاء أول أسبوع من أيلول وامتحانات الدخول في أول أسبوع من شهر أيلول وعلى الطلاب أن يعتقدوا أن العلوم والمعارف لا تجديهم نفعا ما لم تكن مستندة على تربية حسنة وأخلاق كريمة وأن يتخذوا الأمور الآتية دستورا للعمل: عليهم أن يعتنوا بتربية قواهم البدنية وألفكرية والأخلاقية ليصبحوا فيما بعد رجالا ذوي أبدان قوية وأفكار سليمة وأخلاق متينة وان يمثلوا رجلا مدنيا في عزيمته وبعد همته وحسن مسعاه. وان يتوخوا في جميع أعمالهم مراعاة تعاليم الدين المبين ويتواصوا بالصبر على خدمة الحقيقة وترقية شان الإنسانية ويتباعدوا جهدهم عن ارتكاب نقيضة أو رذيلة وان يكون همهم ألفذ حب الخير وممارسة ألفضيلة (ب) أن لا يجعلوا الله عرضة لإيمانهم وان يتجنبوا الحيلة والدسيسة والكذب ويكونوا أمناء موثوقين وأرباب شرف وأنفة في جميع اطوارهم. (ج) أن يثابروا على دروسهم وان يحترموا ويطيعوا رؤسائهم وأساتذتهم وآبائهم وأقاربهم وأن تبقى نفوسهم مشبعة بعاطفة الحنان والشفقة نحو رفاقهم (د) يجب عليهم أن يحافظوا داخل الكلية وخارجها على القيافة الخاصة بهم وان يجتنبوا في أعمالهم كل ما يخل بمسلكهم العلمي المحترم وبكرامة المعهد الإسلامي الذي ينتسبون إليه وأن يجتهدوا في أن يكونوا مثالا حسنا وقدوة صالحة لغيرهم. (هـ) أن يهتموا بالنهوض من النوم باكرا ويحافظوا على الصلوات الخمس في أوقاتها عند إسباغ الوضوء ويواظبوا على تلاوة القران ومدارسته جهرة بعد صلاتي ألفجر الصلاة وخاصة صلاة الجمعة فيسعون إليها وهم على أكمل سمت وأحسن زي هذه شذرة من تعاليم الكية الصلاحية وهي نافعة جدا في تخريج أكمل مثال من رجال الدين الإسلامي على ما تقتضيه حالة العصر والله الملهم والموفق. معرفة العرب ناموس الجاذبية لا يخفى أن الناس في عالم العلم ينسبون تحقيق جاذبية الأرض إلى ألفيلسوف الإنكليزي اسحق نيوطن ويجعلونه من اجل ذلك في صف أعاظم رجال الدنيا وقل من شدا شيئا في ألفلك أو الجغرافية أو القوسموغرافية إلا وهو يحفظ اسم نيوطن والحال آن نسبة هذا الاكتشاف إلى ألفيلسوف المشار أليه هو قلة الإطلاع على كتب العرب وعدم الإحاطة بمبالغ علومهم وهذه المسالة هي أشبه بمسالة دوران الأرض التي توهم الأوروبيون أنها أيضاً من تحقيقاتهم ووفروا فيها فضل الاكتشاف لكوبرنيك والحال أنها أيضاً من المسائل التي انتبه أليها العرب تقدم لنا في فصل مختصر في علماء الهيئة من العرب نشرناه في جريدةالشرق والنجم تستصغر الأبصار رؤيته والذنب للطرف لا للنجم في الصغر وهاك ما اطلعنا عليه في القسم الأول من رسائل إخوان الصفا وخلان ألوفا مما يتعلق بالكرة الأرضية: وأما سبب وقوف الأرض في وسط الهواء ففيه أربعة أقوال منها ما قيل هو جذب الهواء لها من جميع الجهات بالسوية فوقفت في الوسط لما تساوى قوة الجذب من جميع الجهات ومنها ما قيل لدفع ألفلك إياها لا فوجب لها الوقوف في الوسط لما تساوت قوة الدفع من جميع الجهات وقيل هو جذب المركز لجميع أجزائها من جميع الجهات إلى الوسط لأنه لما كان مركز الأرض مركز ألفلك أيضاً وهو مغنيطس الأفلاك اعني مركز الأرض وأجزاء الأرض لما كانت ثقيلة انجذبت إلى المركز وسبق جزء واحد وحصل المركز ووقف باقي الأجزاء حولها يعني حول النقطة وطلب كل جزء منها المركز فصارت الأرض بجميع أجزائها كرة واحدة بذلك السبب ولما كان الماء أجزاؤه اخف من أجزاء الأرض وقف الماء فوق الأرض ولما كانت أجزاء الهواء اخف رمن أجزاء الماء صارت فوق الماء ولما كانت النار أجزاؤها اخف من أجزاء الهواء صارت في العلو مما يلي فلك القمر وقيل هي خصوصية للوضع اللائق به وذلك أن الباري تعالى اسمه جعل لكل جسم من الأجسام الكائنات من النار والهواء والماء والأرض موضعا مخصوصا هو البق به وهكذا فلك القمر وعطارد وبقية الكواكب لكل واحد موضعا مخصوصا في فلكه فهو ثابت فيه ألفلك يديره معه وهذه العلة أشبه الفاو بل بالحق انتهى وقد جاء في أول الرسالة من رسائل أخوان الصفا وخلان ألوفا التي فيها هذا ألفصل ما باتي بعد البسملة: من اجل أن إخواننا أيدهم الله مذهبهم النظر في جميع الموجودات والبحث عن مباديها وعلة وجدانها وعن غرائب نظامها والكشف عن كيفية ارتباط معلوماتها بعللها بإذن باريها جل ثناؤه احتجنا أن نذكر الأرض وكيفية صورتها ووقوفها في مركز العلم وما نسبته وذلك أن المعرفة مجالها وكيفية وقوفها في الهواء هو من العلوم الشريفة لان وقوف أجسامها عليها حكم جليلة ومنها بد الخ يشيرون إلى السبب الذي حداهم على البحث في مسالة وقوف الأرض في وسط ألفضاء في رسائلهم المتعلقة بتهذيب النفس وإصلاح الأخلاق قد اطلعنا على هذا الكلام في نسخة من رسائل أخوان الصفا جاء في أخره هذه الجملة: تمت الرسالة بحمد الله وعونه في الرابع عشر من شهر الله المحرم الحرام تسع وثمانين وثمانمائة وتاريخ النسخة التي نسخت منها سنة أربع وخمسمائة وكتبها محمد ابن علي بن ندى بن الحسن انتهى وربما التمس بعض القراء ذكر مجمل خير أخوان الصفا ومواضيع رسائلهم فان هذا الاسم يطرق مسمع كثير من الناشئة وربما من المشيخة ولا يفهمون عنه قليلا ولا كثيرا ولا يعلمون منه قبيلا ولا دبيرا فقصدنا أن نأتيهم من ذلك بما يزيح العلة ويشفي الغلة فنقول: قال الوزير جمال الدين أبو الحسن علي بن قاضي الأشواف يوسف اقفلي المتوفي سنة ٦٤٦ في كتابه (أخبار العلماء بأخبار الحكماء) إخوان الصفا وإخوان ألوفا هؤلاء جماعة اجتمعوا على تصنيف كتاب في أنواع الحكمة الأولى ورتبوه مقالات عدتها إحدى وخمسون مقالة خمسون منها في خمسين نوعا من الحكمة ومقالة حادية وخمسون جامعة لأنواع المقالات على طريق الاختصار والإيجاز وهي مقالات منشورات غير مستقصاة ولا ظاهرة الأدلة والاحتجاج وكأنها للتنبيه والإيماء إلى المقصود الذي يحصل عليه الطالب لنوع من أنواع الحكمة ولما كتم مصنفوها أسمائهم اختلف الناس في الذي وضعها فكل قوم قالوا قولا بطريق الدس والتخمين فقوم قالوا هي من كلام بعض الأئمة من نسل علي بن أبي طالب كرم الله وجهه واختلفوا في اسم الأمام الواضع لها اختلافا لا يثبت له حقيقة وقال آخرون هي تصنيف بعض متكلمي المعتزلة في العصر الأول ولم أزل شديد البحث والتطلب لذكر مصنفها حتى وقفت على كلام لأبي حيان التوحيدي جاء في جوابه عن أمر شاله وزير صمصام الدولة في حدود سنة ثلاث وسبعين وثلاثمائة وصورته: قال أبو الحيان حاكيا عن الوزير المذكور حدثني عن شيء هو أهم من هذا إلى واخطر على بالي إني لا أزال اسمع من زيد بن رفاعة قولا يريبني ومذهبا لا عهد لي به وكناية عمتا لا أحقه وإشارة إلى ما يتوضح شيء منه يذكر الحروف ويذكر النقط ويزعم أن الباء لم تنقط من تحت واحدة إلا لسبب والتاء لم تنقط من فوق اثنتين إلا لواحدة إلا لعلة والألف لم تعجم ألا لغرض وأشباه هذا واشهد منه في غرض ذلك دعوى يتعاظم بها وينتفخ بذكرها فما حديثه وما شانه وما دخلته فقد بلغني باابا حيان منك تغشاه وتجلس إليه وتكثر عنده ولك معه نوادر معجبة ومن طالت عشرته إنسان صدقت خبرته وأمكن إطلاعه على مستكن رأيه وخافي مذهبه فقلت أيها الوزير أنت الذي تعرفه قبلي قديماً وحديثاً والاستخدام وله منك الإمرة القديمة والنسبة المعروفة فقال ذع هذا وصفه لي فقلت هناك ذكاء غالب وذهن وقاد ومتسع في قول النظم والنثر مع الكتابة البارعة في الحساب والبلاغة وحفظ أيام الناس وسماع المقالات وتبصر في الآراء والبيانات وتصرف في كل فن أما بالشدو الموهم وأما بالتوسط المفهم وأما بالتناهي المفحم قال فعلى هذا ما مذهبه قلت لا ينسب إلى شيء ولا يعرف برهط لجيشانه بكل شيء وغليانه بكل ولاختلاف ما يبدو من بسطته ببيانه وسطوته بلسانه وقد أقام بالبصرة زمانا طويلا وصادف بها جماعة لأصناف العلم وأنواع الصناعة منهم أبو سليمان محمد بن معشر البيشي ويعرف بالمقدسي وأبو الحسن علي ابن هارون الزنجاني وأبو احمد المهرجاني والعوفي وغيرهم فصحبهم وخدمهم وكانت هذه العصابة قد تألفت بالعشرة وتصافت بالصداقة واجتمعت على القدس والطهارة والنصيحة فوضعوا بينهم مذهبا زعموا أنهم قربوا به الطريق إلى ألفوز برضوان الله وذلك أنهم قالوا إن الشريعة قد دنست بالجهالات ولا سبيل إلى غسلها وتطهيرها إلا بالفلسفة لأنها حاوية للحكمة الاعتقادية والمصلحة الاجتهادية وزعموا انه متى انتظمت الفلسفة اليونانية والشريعة العربية فقد حصل الكمال وصنفوا خمسين رسالة في جميع أجزاء الفلسفة علميها وعمليها وافردوا لها فهرسا وسموه رسائل إخوان الصفا وكتموا في أسمائهمإلى إن قال: قال الوزير: فهل رأيت هذه الرسائل قلت: قد رأيت جملة منها وهي مبثوثة من كل فن بلا إشباع ولا كفاية وفيها خرافات وكنايات وحملت عدة منها إلى شيخنا لأبي سليمان المنطقي السجستاني محمد بن بهرام وعرضتها عليه فنظر فيها أياماً وتبحرها طويلاً ثم ردها علي وقال: تعبوا وما أغنوا ونصبوا وما أجدوا وحاموا وما ردوا وغنوا فما أطربوا ونسجوا فهلهلوا ومشطوا ففلفلوا ظنوا ما لا يكون ولا يمكن ولا يستطاع ظنوا أنه يمكنهم أنهم يدسون الفلسفة التي هي علم النجوم والأفلاك والمقادير والمجسطي وآثار الطبيعة والموسيقى الذي هو معرفة النغم والإيقاعات والنقرات والأوزان والمنطق الذي هو اعتبار الأقوال بالإضافات والكميات والكيفيات في الشريعة وان يربطوا الشريعة بالفلسفة وهذا مرام دونه حدد وقد تورك على هذا قبل هؤلاء قوم كانوا أحداً أنياباً واحضر أسباباً وأعظم أقداراً وارفع أخطاراً وأوسع قوى وأوثق عرى فلم يتم لهم ما أرادوه ولا بلغوا منه ماأملوه إلى آخر ما قال وبرهن عليه وهو من قبيل ما يذهب إليهم بعضهم اليوم من كون الشريعة ينبغي أن تمشي في طريق والعلم في طريق خلافاً لرأي القائلين بتطبيق الشريعة على القواعد العلمية أو رد العلوم إلى أصول الشرع حتى لا تقع الشبهة في العقيدة وهذا بحث ليس من مقامنا اليوم وإنما جرنا إليه الاستطراد في التعريف برسائل إخوان الصفا وواضعيها ومدار الكلام اليوم على كون حكماء العرب عرفوا الجاذبية قبل اسحق نيوطن واستشهدنا على هذه الحقيقة بما ورد في رسائل إخوان الصفا وإليك نبذة ثانية أيضاً تأثرها عن ياقوت الحموي المتوفي سنة ٦٢٦ وهو كلامه في مقدمة كتابه معجم البلدانوقال قوم أن الذي يرى من دوران الكواكب إنما هو دوران ألفلك وقال آخرون أن بعض الأرض يمسك بعضاً وكثير منهم يزعم أن دوران ألفلك عليها يمسكها في المركز من جميع نواحيها وقال والذي يعتمد عليه جماهيرهم أن الأرض مدورة كتدوير الكرة موضوعة في جوف ألفلك كالمحة في جوف البيضة والنسيم حول الأرض وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى ألفلك وبنية الخلق على الأرض أن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل لأن الأرض بمنزلة حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد وما فيها من الحيوان وغيره بمنزلة الحديد وقال آخرون من أعيانهم الأرض في وسط ألفلك يحيط بها ألفرجار في الوسط على مقدار واحد من فوق وأسفل ومن كل جانب وأجزاء ألفلك تجذبها من كل وجه فلذلك لا تميل إلى ناحية من ألفلك دون ناحية لأن قوة الأجزاء متكافئة ومثال ذلك حجر المغناطيس الذي يجتذب الحديد لأن طبع ألفلك أن يجتذب الأرض إلى آخر ما قال وقال ألمقدسي فإما الأرض فإنها كالكرة موضوعة جوف ألفلك كالمحة جوف البيضة والنسيم حول الأرض وهو جاذب لها من جميع جوانبها إلى ألفلك وبنية الخلق على الأرض أن النسيم جاذب لما في أبدانهم من الخفة والأرض جاذبة لما في أبدانهم من الثقل لأن الأرض بمنزلة الحجر الذي يجتذب الحديد ومثلوا ألفلك بخرائط يدير شيئاً مجوفا وسطه حوزة فإذا أدار ذلك الشيء وقفت الجوزة وسطه. انتهى ومما يدل على معرفتهم حركة الأرض قول القز ويني في عجائب المخلوقات وهو: ومن القدماء من أصحاب فيثاغورسي من قال أن الأرض متحركة دائما على الاستدارة والذي يرى من دوران الكواكب فلا يكون حكماء العرب بقوا أجانب عن معرفة ناموس الجاذبية ولا عن حركة الأرض مما يتبجح الإفرنج بكونه من تحقيقاتهم وان كان نيوطن قد عرف الجاذبية بدون إطلاع على كلامهم فيكون من باب توارد الخواطر القدس وتواريخها العربية اشتهرت مدينة القدس الشريف بآثارها الدينية وموقعها وقل من عرف عناية المؤلفين بتواريخها ولا سيما مؤلفو العرب فلذلك وضعت فذلكة في مختصر تسميتها وأسماء المؤلفين في شؤونها منهم تذكرة للمطالع الكريم فأقول: عرف فذكرها قدماء العرب هذه المدينة لما انصلوا بجوران وعجلون وتلك الضواحي الأعشى شاعرهم باسم أورشليم في قوله: وقد طفت للمال آفاقه عمان فحمص فأوريشلم فحرف الاسم لضرورة الوزن. اما الفرزدق بعد فذكرها باسم ايلياء في قوله: وبيتان بيت الله نحن ولاته وقصر باعلى ايلياء مشرف وتابعه أعرابي فقال: فلو إن طيرا كلفت مش سيره إلى واسط من أبلياء لكلت سما بالمهاوي من فلسطين بعدما دنا ألفيء من شمس النهار فولت وذكرها مروان باسم (بيت المقدس) بالتخفيف فقال: قل للفرزدق والسفاهة كإسمها إن كنت تارك ما أمرك فاجلسي ودع المدينة أنها محذورة والحق بمكة أو بيت المقدس وذكرها ابن حجر العسقلاني باسم البيت المقدس بالتشديد في قوله مورياً ومتفشياً إلى البت المقدس جئت أرجو جنان الخلد نزلاً من كريم قطعنا في مسافته عقاباً وما بعد العقاب سوى النعيم وما اسم القدس فلم تعرف به إلا في العصور المتأخرة على أقدم من ذكرها به المطران سليمان الغزي أسقف غزة الشام في نحو القرن الربع عشر للميلاد في قوله أيدعوك للقدس الخيال الذي يسري فهل لك في ترك الزبارى من عذري هذا ما ذكره الشعراء في أسماء هذه المدينة الشهيرة في التاريخ منذ عهد بعيد وفيها إلى اليوم من الآثار الدينية والتاريخية ما يحتاج في وصفه على مجلدات حتى كثرت عناية المؤلفين بها من مشارقة ومغاربة وأعراب وأعجام. على أننا أفردنا الآن بالذكر من ألف فيها من العرب مما هو مشهور في المكتب والأسفار ذكر العرب القدس في كتبهم الكثيرة في ألفتوح والتواريخ والمعاجم الجغرافية والرحلات وأشاروا إلى تواريخها وما تقلب عليها من الحوادث وما جرى فيها من الوقائع وما عرفت به من الشؤون المختلفة وذلك في أثناء أبحاثهم وفي تضاعيف كتبهم وثنايا تواريخهم. أما الذين أفردوا لها المؤلفات الخاصة فكثيرون ومعظم كتبهم بل جميعها إلا قليلاً منها لا يزال مخطوطاً في زوايا المكاتب ومخادع الجوامع فرأينا الإشارة إليها واستقراء ما أمكن معرفته منها ليكون ذلك دليلاً للباحث عن شؤونها. ومرشداً للضرر في بيداء التاريخ الوطني فيجد فيها ضالته المنشودة. ويعثر على فائدته المقصودة من أقدمهم الحافظ ابن عساكر الدمشقي صاحب التاريخ المشهور المتوفى سنة ٥١٧ هـ ( ١١٢٣ م) في مؤلف: الجامع المقتصى في فضاء المسجد الأقصىومنه نسخة في المكتبة التيمورية بالقاهرة والقاضي أمين الدين أحمد بن هبة الله الشافعي من أهل القرن السابع للهجرة في كتابهالإنس في فضائل متعمداً على (الجامع المستقصى) الآنف ذكره إلى ابن عمه. وقد رأى الإمام السبوطي نسخة في جامع دمشق مقروءة على مؤلفها بتاريخ سنة ٦ . ٣ هـ ( ١٢ . ٦ م) وذكر السيوطي أيضاً كتاب باعث النفوس إلى زيارة القدس المحروث الشيخ برهان الدين إبراهيم بن اسحق بن تاج الدين أبي عبد الله عبد الرحمن درهم الشافعي الفزاري المعروف بابن قاضي الصلت وهو في ثلاثة عشر فصلاً ضمنها فضائل بيت المقدس وقبر الخليل انتخبها من كتابالجامع المستقصىلابن عساكر وبعضهم من كتاب أبي المعالي المشرف بن المرجي المقدسي ونسخته في المكتبة التيمورية بالقاهرة ومنهم عماد الدين الكاتب الأصبهاني المتوفي سنة ٥٧٩ هـ - ( ١٢ . . م) في كتابهألفتح القسي في ألفتح القدسي ويسمى أيضاً قدح القسيوقيل أن المؤلف عرضه على القاضي ألفاضل فقال له سمهالقبح القسي وقد طبع في ليدن (هولندا) وفي مصر * وابن السعد عبد الله بن الحسن بن عساكر المولود سنة ٦ . ٦ هـ - ( ١٣ . ٩ م) في كتابهفضل بيت المقدسوشهاب الدين أبو محمود أحمد بن محمد بن إبراهيم هلال بن تميم بن مسرور المقدسي الشافعي المتوفي سنة ٧٦٥ هـ - ( ١٣٦٣ م) في كتابه (مثير الغرام إلى زيارة القدس والشام) فرغ منه شعبان سنة ٧٥٧ هـ - ( ١٣٥٦ م) وكسره على قسمينالأولفي فضائل الشام وبيان حدوده وفيه أبواب وفصول والثانيفي فضائل المسجد الأقصى ويشتمل على أبواب وفصول أيضاً * والإمام أبو ألفرج عبد الرحمن ابن الجوزي في كتابهفضائل القدسذكره السيوطي المومأ إليه ولم يشر إليه الحاج خليفة فيكشف الظنون * والشيخ عبد الرحمن محمد بن أحمد المنهاجي السيوطي الذي دخل القدس يوم السبت في ٢٨ رمضان سنة ٨٧٤ هـ - ( ١٤٦٩ م) في كتابهاتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصى * والشريف عز الدين حمزة أحمد الحسيني الدمشقي الشافعي المتوفي سنة ٨٧٤ هـ - ( ١٤٦٩ م) في كتابهفضائل بيت المقدس ومحمد بن محمود اسحق القدسي المتوفي سنة ٧٧٦ هـ - ( ١٣٧٤ م) في كتابهتاريخ القدسوكمال الدين محمد بن محمد أبي شريف الشافعي المصري المتوفي سنة ٩ . ٦ هـ - ( ١٥ . . م) في كتابهاتحاف الأخصا بفضائل المسجد الأقصىألفه في مجاورته بالقدس سنة ٨٧٥ هـ - ( ١٤٧ . م) ورتبه على سبعة عشر باباً معتمداً في نقله علىالروض المغرسلثقة مؤلفه فصار عمدة ما فيه ٨ والقاضي محير الدين أبو اليمن عبد الرحمن العليمي الحنبلي المتوفي سنة ٩٢٧ هـ - ( ١٥٢ . م) في كتابهالأنس الجليل في تاريخ القدس والخليلجمع فيه خلاصة تواريخ القدس وأضاف إليه نبذة من الحوادث والوفيات أنجزه بأربعة أشهر مبتدئاً فيه من ذي الحجة سنة ٩ . . هـ ( ١٤٩٤ م) وهذا الكتاب طبع في القاهرة سنة ١٨٦٦ م وترجمه بالإفرنسية هنري سوفار وطبعه في أوروبا ٨ والشيخ أحمد الخالدي الصفدي المتوفي سنة ١ . ٣٤ هـ - ( ١٦٢٤ م) في كتابرحلته إلى البيت المقدس نظماً ٨ والشريف عزالدين بن حمزة بن أحمد الحسيني الدمشقي الشافعي المتوفي سنة ٨٧٤ هـ - ( ١٤٦٩ م) في كتابفضائل البيت المقدس وأبو حذيفة اسحق بن بشر في كتابفتوح بيت المقدسوالشيخ اسحق ابن إبراهيم بن أحمد بن محمد بن كامل التدمري الشافعي الخطيب والإمام بذلك المقام في كتابهمثير الغرام في زيارة الخليل عليه السلاموهو مختصر على سبعة وعشرين فصلاً وهو من معاصري السيوطي الآنف الذكر رأى كتابه هذا في المسجد الخليلي والشيخ تاج الدين أبو النصر عبد الوهاب الحسيني الدمشقي الشافعي في كتاب الروض المغرس في فضائل بيت المقدسذكره صاحباتحاف الأخصاوالإمام أبو المعالي المشرف المقدسي في كتابفضائل القدس والشاموهو في مائة وخمسة عشر باباً والتمرتاشي في كتابالخبر التام في حدود الأرض المقدسة وفلسطين والشامألفه سنة ١١ . ٦ هـ - ( ١٦٩٤ م) ونسخته في المكتبة التيمورية بالقاهرة والشيخ عبد الغني النابلسي المتوفي سنة ١١٤٣ هـ - ( ١٧٣ . م) في رحلتهالحضرة الأنسية في الرحلة القدسية وهي جزء من رحلته الكبرى والشيخ عبد الله الطرابلسي المتوفي سنة ١١٥٤ هـ - ( ١٧٤١ م) في رحلتهالمنحة القدسية في الرحلة القدسيةوالشيخ مصطفى البكري المتوفي سنة ١١٦١ هـ - ( ١٧٤٨ م) في كتابرحلة القدسوالياس الغضبان الحلبي في كتابهزيارة الأماكن المقدسةوهو أخبار رحلته إلى القدس في ٣ نيسان سنة ١٧٥٥ م وقد كتب فيها كل ما رآه يومياً بزيارته ونسخته في المكتبة الشرقية التي جمعها الآباء اليسوعيون في بيروت مخطوطة والشيخ مصطفى الشافعي اللقيمي المتوفي سنة ١١٧٨ هـ - ١٧٦٤ مفي كتابموانح الأنس في الرحلة إلى وادي القدسإلى غير ذلك مما في كتب ألفتوح والتواريخ والمعاجم الجغرافية والرحلات ووصف المساجد ككتابمعجم البلدانلياقوت الحموي وكتاب أعلام الساجد بأحكام المساجدللشيخ بدر الدين الزركشي الشافعي المتوفي سنة ٧٩٤ هـ - ١٣٩١ موتسهيل المقاصد لزوار المساجدللشيخ شهاب الدين أحمد بن العماد بن يوسف الافقسي الشافعي المتوفي سنة ٨ . ٨ هـ - ١٤ . ٥ م وقد رآهما السيوطي والثاني بخط مؤلفه ومنتخب في فضائل بيت المقدسرتب على ثلاثة عشر فصلاً أتم تأليفه سنة ١١٧٢ هـ - ١٧٥٨ م ذكر في برنامج الكتب العربية في المكتبة الخديوية في مصر ٧ - ٢ : ٥٧٤ وحسن الاستقصا لما صح وثبت في المسجد الأقصىمن مجاميع المكتبة الخالدية في القدس الشريف عدد ١٩ وسؤال وجواب عن بيت المقدسفي مجموع آخر فيها عدد ٤٧ والزهر العاطر لانشراح الخاطروهو شرح زيارات الأماكن الأورشليمية المقدسة تأليف شكر الله بن بطرس حوا الماروني الحلبي من أهل القرن الثامن عشر للميلاد إلى غير ذلك مما فقد أو لن يزال في مكاتب الخاصة والمكاتب الأوروبية محجوباً عن المطالعين وللمعاصرين شيء من ذلك مثل إرشاد الطالبين إلى الآثار المقدسة في فلسطينلحنا الخوري سكسك القدسي وهو مخطوط ضخم في نحو ١٨ . . صفحة كثير ألفوائد وهو اليوم في مكتبة ولده جرجي أفندي وفي مكتبتي نخبة منه وتاريخ القدسللخوري ميخاشيل برامكي القدسي ولا يزال مخطوطاً في القدس وفيه فوائد تاريخية جمةتاريخ أورشليم لخليل أفندي سركيس صاحب المطبعة الأدبية في بيروت. ومنشئ جريدةلسان الحالوإرشاد لطيف لزائر القدس الشريفلموسى أفندي مينا طبع في مصر مصوراً ودليل الزوار المقدسةللباس فرج باسيل اللبناني طبع في القدس. وعليه انتقاد لحنا الخوري سكسك الآنف ذكره لا يزال مخطوطاً عندي نخبة منه. وأشباه ذلك مما لايقع تحت حصر وفي القليل غنى الكثير في وصف مدينة القدس وما يجاورها من البقعة ألفلسطينية المتلاامية في القدم والمسهورة في التاريخ. كتاب نادرفي أصول التدريس في خزانة كتب جامع الحيدر خانة كتب مخطوطة ومطبوعة هي من أحسن السلف للخلف وأثمن ما أحتوت عليه مكتبات العراق، ولمرا فإن الذي وقف هذه الخزانة هو داود باشا والي العراق وهو خير وال على أريكة الحكم في هذا القطر المحبوب تولى سنة ١٢٣٢ هـ ١٨١٦ م وكان عالماً فاضلاً أنشأ المدارس العظيمة ودور الخير والإحسان جالس العلماء والحكماء والفضلاء والزهاد وأكرم وفادتهم وأحسن إليهم ما أستطاع إلى الإحسان سبيلاً وفي أيامه أخذت روح العلم تدب في أبناء العراق فقامت نهضة علمية كبرى تحت حماية هذا الوزير لا تزال آثارها باقية إلى الآن فكثر المؤلفون في زمانه وراج سوق الأدب رواجاً عظيما حتى وقفت على أبوابه الشعراء وكان يجيزهم على حسب كفاءتهم ومقدرتهم. وقد أوتي نمت التوفيق ومسالمة الدهر ما لم يؤت أحد قبله من ولاة العراق فإن الأمور انقادت إليه بطبيعتها وأطاعه جميع قطان العراق حاضره وباديه عربه وعجمه وكان محباً للعمران فتاقت نفسه إلى تقليد المدن الأوروبية في طرز البناء وشق الجواد وتعزيز الصناعة فجلب الصناع من الأوروبين وأخذ في أسباب التمدن والعمران وأمر بصنع المدافع والبنادق على الطرز الجديد حينئذ ونظم جيوشاً ضخمة على آخر نظام في زمانه حتى يلغت جنوده أكثر من مائة ألف فطمع في الاستيلاء على دبار العجم وأكتسح عدة ولايات منها وطمحت نفسه إلى الاستيلاء على آسيا الصغرى والاستقلال بالعراق العربي افتداء بمعاصرة محمد علي باشل الكبير أمير مصر وجد الأسرة الخديوية وقد داخل الدولة الرعب والخوف من اتساع الخرق عليها فأرسل عليه السلطان محمود الثاني جيشاً عدده عشرون ألفاً وناط قيادته بأحد الوزراء وهو علي باشا اللظ وصادف لحسن حظ هذا القائد أن دهم العراق وباء وبيل أفنى أكثر جيش الوزير داود وهذا ما جعله يسلم نفسه إلى علي باشل بعد حدوث عدة معارك خسر فيها جيش العراق عدداً غير يسير من الجنود فذهب إلى الآستانة وظل فيها إلى سنة ١٢٦ . هـ ١٢٤٤ م بعد أن مكث فيها ثلث سنوات لاقى في خلالها حفاوة وإكراماً من السلطان محمود من أبنه السلطان عبد المجيد وكان يلبس أيام الأعياد حلة رسمية كتب على صدرهاشيخ الوزراءبالطراز المذهب ثم إن عبد المجيد خان أرسله شيخاً على الحرم النبوي سنة ١٢٦ . هـ ١٨٤٤ م وبقي في المدينة منشغلاً بالعلم والتدريس ونفع أهل ذلك القطر بفضله وكان عاقداً العزم على فتح مدرسة لتنوير أفكار الحجازيين ولكن أختر منه المنية سنة ١٦٦٧ هـ ١٨٥ . مولم يتم ما أرادهوفن في البقيع تجاه قبة سيدنا عثمان بن عفان. فرجل هذه منزلته في العلم والسياسة والإرادة لا ينتخب لخزانته إلا كل نفيس نادر وهكذا فإن خزانته لا لا ترى في زواياه غير ما تميل إليه النفس ويصبو إليه القلب من غرائب المصنفات وعجائب المؤلفات. وبينما كنا على عادتنا نجيل الطرف في طرفها ونملأ العين والفؤاد من محاسن كتبها إذا أهدانا السيد محمود شكري الألوسي من علماء العراق إلى كتاب نفيس نادر الوجود ويعد من أنفس ما ألف في القرون المتأخرة ذلك هو كتابتحفة الجنانفي أصول التدريس والتعليم لمؤلفه حيتي أفندي أحد قضاة دار السلام فتصفحناه ملياً وطالعنا معظم فصوله وأبوابه فإذا هو آية من الآيات وقل من نسج على منواله في الترتيب والتبويب وبديع الأفكار والذي يطلع عليه ويقرأ بعض مطالبه يخيل إليه أنه يقرأ بعض مطالبه يخيل إليه أن يقرأ كتابات رجل راق بأفكاره وأسلوبه تلقى العلم في أكبر معهد علمي في هذا العصر ولم نقف على كتاب في هذا ألفن من الكتب الحديثة ما يصح أن يقاس بهذا السفر المفيد وبالجملة فانه من كتب أصول التدريس على اختلاف أجناسها وأزمانها وكثيرا ما اجتهدنا في الوقوف على ترجمة حياة المنصف ومنشاة وتأليفه فلم نوقف إلى ذلك لضياع الأسانيد في المحكمة الشرعية واندثار أثارها التي تنبئنا عن احو اله وإعماله وهذا الكتاب سيخلد ذكره ابد الدهر وبذكره في زمرة الأعلام المبرزين في كل ألفنون. وقد عرفنا من لهجته في كتابه انه ينتمي إلى عنصر غير عربي أو انه عربي ولكنه قضى العقود الأولى من حياته في بلاد غير عربية فان أسلوب إنشائه دل على ذلك بدليل ميله الشديد إلى السجع في الإنشاء وتكليف نفسه فوق طاقتها فيأتي كلامه أحيانا معقدا تظهر عليه اثأر التكلف وهي خلة قل بين كتاب العرب من يميل أليها اللهم إلا ما جاء طبيعيا وأرسلته النفس إرسالا فذلك لا عيب إذ يجيء عفوا خالصا من كل شائبة تفسد معناه وتخل بجوهر الكلام. وجل ما وقفنا عليه من ترجمة هذا الرجل ما كتب على ظهر الكتاب حين وقفة وإليك نصه: الحمد لله الذي أوقف جناته على أوليائه وأكرمهم بمزيد نعمه آلائه والصلوة والسلام على سيدنا محمد صفوة أنبيائه وعلى آله وأصحابه وأزواجه وذريته وأحبائه وبعد فقد أوقف هذا الكتاب المسمىبتحفة الجنانتأليف حياتي القاضي أفندي بمدينة بغداد دار السلام الوزير الأكرم والدستور المكرم. صاحب الخيرات والمبرات. والي بغداد والبصرة شهرزور حضرة داود باشا يسر الله له من الخير ما يحب ويرضى ويشل على مدارسته المسماة الداودية الواقعة في الجانب الشرقي من محلة الحيدر خانة من محلات بغداد دار السلام وقفاً صحيحاً شرعياً وحبساً مؤبداً مرعياً وشرط أن لايخرج من المدرسة المذكورة ولا يباع ولا يوهب ولا يرهن ولا يبدل فمن بدله بعد ما سمعه فإما أثمه على الذين يبدلونه أن الله سميع عليم وكان ذلك سنة ثلاث وثلاثين ومائتينيوألف هجرية على صاحبها أفضل الصلاة وأكمل التحية أهل يقع الكتاب في ٢ . . صفحة في كل صفحة ١٧ سطراً وكل سطر مؤلف من نحو ١٦ كلمة وخطه بديع جداً كتب سنة ١٢٢٦ هـ ١٨١١ م كما يفهم من كتابة في آخر النسخة وهي: لقد وقع ألفراغ من كتابة هذه النسخة يوم الاثنين لخمس عشرة خلت من رجب ألفرد على يد أفقر العباد وأحوجهم إلى رحمة ربه الغني عبد الرحيم نجل الشيخ اسماعيل المولوي غفر الله له ولوالديه سنة ست وعشرين ومائتينيوألف هو الظاهر أن الناسخ كان من مشاهير الخطاطين في عصره وأنه نسخ الكتاب على نسخة المؤلف لقرب عهده به ومعاصرته له ووجوده معه في حاضرة واحدة وهي بغداد وهو مؤلف من متن وشرح كلاهما للمؤلف وقد علمنا بعد أن أكثرنا من تصفحه أنه مشتمل على مقدمة ومقالتين وخاتمة أما المقدمة ففي حد علم التدريس وموضوعه وفائدته وغايته والمقالة الأولى فهي في أحوال التدريس وفيها سبعة فصول فالفصل الأول في بيان إقساء الدرس ذاتاً لا وصفاً وألفصل الثاني في بيان أقسام الدرس وصفاً والفصل الثالث في الأسباب أي أسباب التمام والوفاء والنقصان والفصل الرابع في الدوران أي دوران الدرس بين التمام والوفاء والفصل الخامس في الحذف والترك والفصل السادس في فن الدرس وما يناسبه ألفصل السابع في بيان ما للدرس من الشروط وأما المقالة الثانية ففيها موقفان الموقف الأول وفيه تسع فصول ألفصل الأول في بيان متن الدرس والفصل الثاني في بيان أصل الدرس والفصل الثالث في بيان شرح الدرس والفصل الرابع في فرع الدرس وهو ما يجري فيه من جزيئاته والفصل الخامس في كمال الدرس وهو تقرير النكت المعينة للمعنى المقصود والفصل السادس في فيض الدرس وهو تقرير النكت الغير معنية للمعنى المقصود والفصل السابع في زيادة الدرس والفصل الثامن في فصول الدرس وهو تقرير كلام أجنبي العبارة مطلقاً والفصل التاسع في ربط الدرس أما الموقف الثاني فهو فيما يناسب التقرير وفيه ثلاثة مطالب المطلب الأول في طريق التقرير والمطلب الثاني في أداء الدرس والمطلب الثالث في طريقة استخراج الدرس من غيره وأما الخاتمة فهي تشتمل على تحرير الأجراء وهذه آخر فصول الكتاب وقد افتتح المؤلف كتابه بعبارة بليغة لولا أن التسجيع يغلب عليها فاخل بمعانيها خللاً بيناً وهو أنه أهدى مصنفه إلى السلطان سليم خان الثالث بعد أن امتدح أعماله وصفاته في خطبة الكتاب وإليك نصها بالحرف قال الحمد لله الذي علم الإنسان ما لم يعلم والصلوة والسلام على صاحب اللوح والقلم وعلى آله وصحبه الذين نطقوا بالمبادئ والحكم أما بعد فلما كانت الحكم العلية من بسط الوجود في البرية هي المعرفة والطاعة بحسب مرتب الوضع في البضاعة وكانت هذه فائدة الإرسال والإنزال وعليها دور الغدو والأصال فاستدعى تحقيقها تشعب علوم مدونة ليرى نقطة العلم المتكثر مبينة فالعلماء لتدوينها ملهمون وفي إحاطة مزاياها مستقصون إلى ترتيب قواعدها موفقون وأنها لكتب يشهدها المقربون فكأنهم لم يتركوا مما يطلبون إلا أنهم عن علم الأجراء ساكتون فعطفنا العنان إلى جمعه وتدوينه فلما وقفنا إليه بالعلف تكوينه هدانا فيه إلى متن متينيثم أرشدنا إلى شرحه المبين ولقد الهمنا في أثناء جمعه عرضه إلى حضرة السلطان الأعظم والخاقان المعظم مولى ملوك العرب والعجم وهاب جلائل العم والدقائق فياض سجال النوال على الخلائق ألفائز بالحكمة العلمية والعملية الجامع للرياستين الدينية والدنيوية كسا به الله دهراً حلة نسجت بالعدل والقسط والأنصاف والهمم سداؤه الشرع والإحسان لحمته طرازها من حرير اللطف والكرم بابه كعبة الحاجات يطوي إليه من كل فج عميق وتستقبل إليه وجوه الآمال من كل بلد سحيق الباسط جرده فراش العنوان ألفائض لطفه زلال الأمان وما قيل فيه غير أن ضيوفه تلام بنسيان الأحبة والوطن رافع رايات الشرع القديم المتينيخافض الكفرة والعجزة والمشركين ولا عيب فيهم غير أن سيوفهم لهن فلول من قراع الكتائب قاهر الأكاسرة والغفافرة مبيد ألفراعنة الجبابرة صاحب السلطنة العظمى ووارث الوكالة الكبرى فليخضع السادات دون سريره كخضوع وجه الأرض دون سمائه وبالجملة لو شبهته بذي المحاسن كلها لما أصبت في الجميع دقها وجلها ولعمري أن لساني كليل في فضائله وفواضله ومعارفه وعواطفه ولطائفة: لا يدرك الواصف المطري خصائصه وإن يكن سابقاً في كل ما وصفا إلا وهو السلطان بن السلطان السلطان سليم خان الثالث بن السلطان مصطفى خان الثالث بن السلطان أحمد خان الثالث لا زال لواء مجده منشوراً وطالع سعده منصوراً حائزاً في سلطنته مكاناً وتمكيناً ومظهراً لقوله إن فتحنا لك فتحاً مبينا ومصدقاً لقوله وينصرك الله نصراً عزيزاً ومشمولاً بقوله والله يؤيد بنصره من يشاء: من قال آمين أبقى الله مهجته فإن هذا دعاء يشمل البشرا لكن نسبة هذه التحفة إلى بابه كرجل جرادة من نمل على بابه فو الله لم أتحف هذا إلا لكون الهدية عن قدر مهديها ولكون هذا وإن كان في ذاته شيئاً قليلاً لكنه لندرته بل لعدم أمثاله يكون لدى حضرته أمراً مقبولاً ولأن نقل علم بقي في القوة إلى الآن براعة استهلال ظهور ألفتوحات في هذا الزمان وبالجملة فكل ما هو عظيم بالذات والصفات فهو بالنظر إلى عتبته العلياء بضاعة مزجاة فتوسلنا إلى بابه حتى نتوصل إلى نيل آمالنا لدى أعتابه اللهم انصره نصراً عزيزاً وافتح له فتحاً قريباً واجعل بابه محط رحال الأفاضل وملاذ أرباب ألفضائل وعون الإسلام والمسلمين وغوث الأنام والمؤمنين وسلمه في كل حالة باسمه السلام وأعانه في مهام أموره بالإلهام وأسعده في الدارين كل الإسعاد وفسح في عمره بالنصر والإمداد ورحب أسلافه يوم المعاد وهو الموفق للسداد والرشاد أهو ومن هنا شرع في بيان مقدمة الكتاب إلى آخر فصوله ولو أردنا أن ستقصي كل ما جاء فيه من سديد الآراء والأفكار ومحاسن الأبحاث ونفائس الموضوعات لضاق بنا المجال ولكن يكفي للاستدلال على أنه ذخيرة نادرة من آثار السلف كون موشي بردها من أعظم قضاة الشرع في الزوراء وكون مقتنيها ذلك الرجل العظيم داود باشا كبير وزراء الدولة على عهده وكونه مهدى إلى ملك هو من أجل ملوك آل عثمان قدراً وارفعهم مقاماً واسماهم ذكراً نعني به السلطان سليم الثالث ولكي يقف القراء على درر محتوياته وجواهر مضامينه ومقالاته استخلصنا نبذة صغيرة من متن الكتاب تاركين الشرح خشية الإسهاب والأطناب وهو مثال من أمثلة جلالة قدر هذا السفرقال في حد الدرس والتدريس: انه علم تعرف به أحوال الدرس والتدريس إجمالا لتعصم مراعاته عن الخطأ فيه والدرس هو العبارة الصالحة للتدريس فيها من كتاب أو رسالة أو غيرها والتدريس ملكة يقتدر بها على تقرير ما فهم من العبارة مع القدرة على إنادة كل ما لها وما عليها ومن الجرح والتعديل وهو لا يتحقق إلا بعد الكمال العرفي بل الحقيقي فالدرس لا يصح إطلاقه إلا على من له وقوف تام على القواعد بشرا شرها مقتدراً على إجرائها في كل مجاريها إذا اهتم كما إن ألفقيه لا يصح إطلاقه إلا على من له ملكة الاستنباط في كل مسألة وإن الحكيم لا يقال إلا على من له إطلاق تام بحقائق الأشياء كافة بحسب الطاقة البشرية وبالجملة إن أهل كل فن من ألفنون المدونة لا يصح إطلاقه عليه حقيقة إلا إذا بلغ درجة لو عرض عليه أية مسألة وأية شبهة يقتدر أن يجيب عليها بجواب صحيح وكثيراً ما يطلق التدريس على التقرير مطلقاً. وقال في تعريف موضوع هذا العلم: الدري والتدريس المشاركان في الانتساب إلى الإفادة أو في التعقل لأنهما متضايقان على أن الدرس جزء من التدريس بل في جميع الأعراض الذاتية وذلك لأن ما يلحق الشيء لجزئه الأعم وإن كان عرضا غربياً عند الأقدمين إلا أنه عرض ذاتي عند الآخرين وأما أحوال التدريس فلمساواته التدريس في الوجود والغرض معرفة الأحوال الجزئية الإجمالية للدرس والتدريس وفائدته العصمة عن الخطأ في الأحوال الجزئية. وأفاض في فصل أقسام الدرس إذ قال: إن الدرس إما بسيط وهو ما لا خلاف فيه حقيقة أو حكما وأما مركباً وهو بخلافه وكل منهما إما (؟) فالبسيط منه ما يحتاج إلى تفكير مكرر كقول المتنبي: ولو فلم ألقيت في شق رأسه من السقم ما غيرت من خط كاتبه والمركب ما يفتقر إلى تحرير محل النزاع كقول الأصوليين: التكليف بما لايطاق غير جائز عند النفية وقد يبلغ النكور إلى درجة الأجبار والأشكال كما سيجيء بيانهما وأما ميسور وهو ضد المنكور ثم إن المنكور إن ظهر المراد منه بعد إرادة ألفكر فهو معلوم كقوله: ولو أن ما بي من جوي وصبابة على جمل لم يبقى في النار كافر وكالألغاز والمعميات المقطوعة أسرارها كلغزي القلم ولغز العروة والذرة وكمعمى رحيم وإلا فإن قبل التوجيه الوجيه فمنكور موؤل كقوله: عينان عينان لم يأخذهما رمد في كل عين من العينين نونان نونان نونان لم يكتبهما قلم في كل نون من النونان عينان وإلا فمنكور مجهول. وقال في أقسام الدرس من حيث الوصف: إن الدرس إما تام وهو العبارة الآخذة حقها ومستحقها وأما واف وهو العبارة الآخذة حقها وأما الناقص وهو العبارة الناقصة عن حقها وإن حق الدرس هو ما لا بد له من المنطوق وضعاً ودلالة واستعمالا ووقوفا ومن المفهوم المعتبر بل من القياس ومن الأدلة الأخرى عند قائلها وبهذا الأعتبار يوصف بأنه فصيح وبليغ وقوي ومفيد ونحو ذلك وإن ما مستحقه ما ذاد على الحق بعد وجوده وهذا إنما يحصل بكونه أفصح وأبلغ وأفيد وأقوى. ومشتملاً على ما يندفع به وما ترتفع الأسئلة وعلى الصنائع البديعية كالجناس والغز اللطيف فالمدرس إذا قرر الدرس مطلقاً على ما هو عليه فهو معدل وإذا قرر الوافي تاماً بزيادة مستحقة على حقه فهو مدبر وإذا قرر الناقص وافياً بزيادة حقه فقط أو بإبداله إليه فهو متم أو تاماً بالزيادتين أو الإبدال فهو محدد وإذا قرر التام والوافي كالناقص فإن كان مما يحذف ويفهم بالقرائن فهو معلق كما صدر من حذاق الأساتذة وإلا فهو مقصر كما وقع من القاصرين وكل هذه الأتماء على صيغة ألفاعل وإذا أطلق على المدرس يصير على أسم المفعول. ومن لطائف ما ذكره عرضاً من اختصاص بعض المشاهير قوله: قال السيوطي في تاريخ الخلفاء رأيت الحافظ الذهبي من كان فرد زمانه في فنه أبو بكر الصديق في الأنساب وعمر بن الخطاب في القيام بأمر الله وعثمان بن عفان في الحياء وعلي بن أبي طالب في القضاء وأبي بن كعب في القراءة وزيد بن ثابت في ألفرائض وأبو عبيدة بن الجراح في الإمامة وأبن عباس في التفسير وأبو ذر في صدق اللهجة وخالد بن الوليد في الشجاعة وحسن البصري في التذكير ووهب بن منبه في القصص وأبن سيرين في التعبير ونافع في القراءة والأداء وأبو حنيفة في ألفقه وأبو اسحق في المغازي ومقاتل في التأويل والكلبي في قصص القرآن والخليل في العروض وفضيل بن عياض في العبادة وسيبويه في النحو ومالك في العلم والشافعي في فقه الحديث وأبو عبيدة في الغريب وعلي بن المدني في العلل ويحيى بن معين في الزجال وأبو تمام في الشعر وأحمد أبن حنبل في السنة والبخاري في نقد الحديث والجنيد في التصوف ومحمد بن نصر المزوري في الاختلاف والجبائي في الاعتزال والأشعري في الكلام ومحمد بن ذكريا في الطب وأبو معشر في النجوم وأبو فرج الأصبهاني في المحاضرة وأبو القاسم الطبري العوالي وابن حزم في الظاهر وأبو الحسن البكري في الكذب والحريري في المقامات والمتنبي في ألفصاحة والموصلي في الغنا والصولي في الشطرنج والخطيب البغدادي في سرعة القراءة وعلي بن الهلال في الخط وعطا بن السليمي في الخوف والقاضي ألفاضل في الإنشاء والأصمعي في النوادر وأشعب في الطمع وابن سينا في الفلسفة. وقال في اختصاص الحيوان: صهيل الفرس. جوار البقرة. شجيج البغل. نهيق الحمار. رغاء البعير. حنس ألفيل. خوار الثور. بعار المعز. نبيب التيس. زئير الأسد. عواء الذئب. نباح الكلب. ضباع الثعلب. قباع الخنزير. ضغاء الهرة. ضحك القرد. بغام الظبي. ضغيب الأرنب. عرار النعام. صرصرة البازي. قعقعة الصقر. صفير النسر. هدير الحمام. سجع القمري. تغريد العندليب. صقاع الديك. قوقاء الدجاجة. ثؤاج الخروف. نقيق الضفدع. صريبر الجرادة. طنين الذباب. دوي النحل. نعيب الغراب. وقال في اختصاص ما سوي الحيوان: خرير الماء. بقبقو الجرة. نشنشة المقلى. هزيم الريح. هزير الرعد. عزيف الجن. حفيف الشجر. وسواس الحلي. جعجعة الرحى. صرير الباب والقلم. خفق النعل صليل السلاح. رنين القوس. اطيط المحمل. قلقلة القفل والمفتاح. وقد أسهب إسهابا غريباً عند كلامه على المباحث التي ذكرنا اشتمال الكتاب عليها مما يعجب المطالع ويلذ لكل من يود الإطلاع على براعة السلف في علم التدريس ورغبتهم إعلاء شانه ورفع منارة ووضع الأصول والقواعد له ليكون مبنياَ على أسس متينة وقواعد رصينة ويا حبذا لو استفزت الغيرة أفاضل العراق لطبع هذا السفر النافع فانه من اجل ما طبع وسيطبع من الكتب العربية ومما استوقف نظرنا ما جاء في خاتمة الكتاب قوله: وآخر دعوانا إن الحمد لله رب العالمين جرى ذلك في السبع الرابع أي يوم الأربعاء لأنه رابع الأسبوعوهو العشر الثالث أي اليوم الثالثمن الثلث الثالث أي العشر الآخر لان كل شهر يعتبر في ثلاث عشرات من السدس الخامس من النصف الثاني يعني يعتبر كل سنة عربية نصفين وكل نصف ستة أشهر فالسدس الخامس من النصف الثاني هو ذو القعدةمن العشر الثاني أي من السنة الثانية من القعدة يقال لكل من العشرين والثلاثين إلى التسعين عقد لاكن المراد منه هنا كل عشر من مائة ففي كل مائة عشر عشرات فيكون في كل مئة عشر عقود الثاني يعني العشرة الثانية وهي من احد عشر إلى عشرين من العشر الثالث وهي المائة الثالثة لان في ألف عشر مئات فكل منها عشر الألف من الألف الثاني وهو معلوم من الهجرة النبوية على آله أفضل التحيةقلنا ومعنا ما تقدم من هذه الألغاز انه فرغ من تصنيفه يوم الأربعاء في اليوم الثالث والعشرين من سنة بضع عشرة ومائتينيوألف للهجرة النبوية وفي الكتاب غير هذه التعابير الغربية التي يحل ألغازها ويفسر غوامضها في الشرح وكل ما تقدم شواهد لا تحتمل النقد والتزييف تدل على فضل المؤلف وسعة علومه ومعارفه وانه إمام في هذا ألفن البديع غفر الله له فوائد الحرب مهما ارتقت المدينة ودعا دعاة الفلسفة فالحرب ما برحت العامل الرئيسي في أشغال المم. وبعيد أن يقال إن اكتشافات العلم تقلل الحروب بل من المحقق أنها بالمدينة أصبحت اشد فتكا وتدميراً. وإننا لو رجعنا إلى عهد كبار السفاحين عهد جنكيز وأنيلا لا نشهد في ساحات الوغى أرواحناً نزهق بقدر ما نرى في عصر الكهرباء والبخار. والقول بأبطال الحروب هو قول من يقول بأبطال الشيخوخة والموت من العالم. فان الجهاد بين الشعوب كان مصدر أهم الترقي ولا يرى كيف استطاع البشر الأول بدون حرب إن يخرج من دور التوحش ويؤسس هذه الممالك ألفخمة التي نشأت فيها ألفنون والعلوم والصناعات وبعد فأي حضارة كبرى لم تكن حربية بلحمتها وسداها؟ وأي شعب جنح إلى السلم والسكينة فكان له شأن في التاريخ غرس في فطرة الحيوان أن يأكل قويه الضعيف. لأجزم إن المدينة تقلل من هذه القاعدة ولكنها لا تستطيع أن تضعف النفرة المستحكمة بين العناصر الناشئة من اختلاف التركيب العقلي بينها وهي اختلافات تحمل كل عنصر يعيش عيشاً يخالف الآخر فيضطر أن يسلك مسلكاً يخالف غيره فيه وقد نشأ معظم التنازع بين البشر من هذا الاختلاف وكل حروب البشرية كحروب ألفتوح والحروب لتولي الزعامة والملك والحروب الدينية والحروب لإعلاء كلمة دين ومذهب كانت على الغالب حروباً عنصرية فقد كان الخلاف بين ألفرس والآشوريين وهو الذي نقل لأول مرة السلطة على العالم من أيدي الساميين إلى أيدي الآريين حرباً بين عنصرين وكذلك كان من أمر النزاع بين اليونان والآسياويين وبين الرومان والبرابرة وبين اليابان والروس بل أن الحروب الدينية في القرون الوسطى كانت حرباً عنصرية يريد فريق أن يفكر كما يريد ويريد الآخر أن ينحله نحلته ويقول بقوله ويخضع لسلطان الدين الجديد وما فيه من قيود عن مشخصاته أما اعتبار هذه الحروب حروب ملوك بعضهم مع بعض فليس من التحقيق في شيء فإن الملوك الذين لم تتجسد فيهم مرامي شعوبهم وأهوائهم وأحلامهم كانوا لا يلبثون على سرر الملك الأعشية أو ضحاها مهما تعددت صلات لأمم وحذت بعضها لغات الأخرى فاختلافهم في عقولهم ومناحيهم لا يزال على أتمة ولا سبيل إلى جمع الشمل بين عناصر متخلفة بالفطرة ولا التفاهم لأن كل واحد نظراً والمنازع متخلفة في مسائل كثيرة إذً فمهما وقفت المصلحة بين الشعوب فأرواحهم تباعد بينهم فبدلاً من أن يسيروا نحو أعظم يسيرون إلى نفور يزداد كل يوم تأصلاً ولهذه الكراهة عدة أسباب سياسية واجتماعية بعد أن تفاربت الأبعاد باختراع البخار والكهرباء أصبحت الأمم تستكثر من التسليح وتضع عقبات كمركية تقطع الاتصال بين المماليك وسيكون من أمرها بعد أن تطوق كل مملكة بطوق كسد الصين أن لا ترى الأمم هذا السد كافياً للحيلولة بينها وبين غيرها حتى لقد أخذت الحكومات حرة دستورية كانت أو مطلقة ألهية تقول بالابتعاد عن الأجانب فبعد أن أقرت أميركا كما أقرت أوستراليا على نفي الصينيين من بلادها أخذت تحظر دخول السفن الحاملة مهاجرين فقراء وحزب العملة في إنكلترا ينادي بطرد العملة من غير الإنكليز والحكومة الروسية عملت بإدارة العامة من شعبها وربما كانت هذه الإرادة أقوى من أي سلطة أعظم من القياصرة فقضت بطرد الإسرائيليين من المدن الكبرى والحكومة البروسية تطرد البولونيين والطليان الذين يعملون في سككها الحديدية وسويسرا بعد أن رفضت سنة ١٨٩٤ القانون القاضي بعد إعطاء عمل للعملة الأجانب أنشأت تطلب في تعهداتها مع المتعهدين للوازم الحربية أن لا يكون صناعها إلا من السويسريين وكذلك جرت فرنسا في عامة أحوالها كل هذا مما دل على القرن العشرين لم يقو على بث مبادئ الإخاء العام بين البشر وأنه لا سبيل إلى أحكام أواصره بين العناصر المختلفة إلا إذا جهل بعضهم ما عليه صاحبه فأنت إذا قربت بين الشعوب بتقريبك بين المسافات الشاسعة وسهلت ارتياد البلاد على كل مرتاد تحكم عليهم أن يعرفوا بعضهم معرفة تامة فينتج من ذلك أن يضيقوا ذرعاً أكثر من الأول عن تحمل بعضهم بعضاً ذلك لأن تزايد نفوذ الغريب في بلد هو من مقوضات حياة المماليك فالنفوذ الأجنبي يسلب من الأمم أعز ما عندها ونعني به روحها فإن الدخيل لما كثر في مملكة الرومان انحلت وتأذن الله بفنائها الأجنبي في بلاد غيره لايخضع لقانون التجنيد ويدفع أو قد لا يدفع قليلاً من الضرائب ويعمل عملاً أسهل بأجر أكثر مما في مسقط رأسه وتوارد الأجانب على مملكة يحاذر منه لأن العناصر المنحطة التي لا تقدر على القيام بأودها في بلاده هي التي تهاجر ومهما ذهب من الأنفس في ساحات الحروب لا يكون تأثير ذلك في الأمم بقدر ما يكون من غارة الغريب والدخيل على بلد ليس هو منها في العير ولا في النفير كان القدماء يخافون الغريب من فطرتهم ويعرفون حق المعرفة أن قيمة المماليك لا تقدر بعدد سكانها بل بعد الوطنيين فيها وكل دولة كانت ذريعة إلى السلم العام الدائم تقضي على كل ارتقاء وتعود بالناس إلى أقصى التوحش قال فوكويه إن ضمانة السلم تولد قبل أن يأتي نصف قرن فساداً وانحطاطاً افعل في تقويم دعائم الإنسانية من عوامل الحروب لا شك أن الحروب لا تخلو من محاذير وكثيراً ذات بال ولكن إذا قورنت بغيرها تبين الكفة الراجحة من الكفة الشائلة في الحروب محاذير ترد إلى أصول ثلاثة فقد المال وفقد الرجال ضعف العنصر ففقد المال لا شأن له إذ دلنا التاريخ أن الشعوب الكثيرة الغني كانت أبداً تضمحل أمام الشعوب الفقيرة وما أفقار أمة من المضر بها كل الضرر فقد قال الأخصائيون أن ألمانيا أنفقت حتى الآن كثيراً من المليارات للاحتفاظ بولايتي الألزاس واللورين وأن جميع أوروبا تفادي كل سنة بمليارات كثيرة في سبيل تسليح شعوبها ولا جدال في أن بعض الأمم ذاهبة نحو الإفلاس وعلاج هذا الداء فيها أن تحرض على العمل وتعلم الاقتصاد ويجب أن تعتبر هذه المبالغ المصروفة في سبيل التجنيد ضرباً من ضروب المكافأة الضامنة لمن يدفعها شر الغارة عليه فالأمة الأوروبية التي تبقى يوماً بدون جيش تضم حالاً إلى دولة قوية فتستضيفها وترهقها بما تضعه عليها الضرائب الباهظة وهي أشد من كل ضريبة تؤديها في سبيل التسليح ولذلك ترى الأمم تتنافس في إنفاق الملايين على جيوشها ريثما يضرب بعضها بعضاً بالقنابل والأصل الآخر الذي يحاذر منه في الحروب قلة الرجال وهذا ليس من العظم بالقدر الذي يحمل له خصوصاً عند الأمم التي يكثر توالدها فإن نابليون أضاع في حروبه ثلاثة ملايين من الأنفس ولكنه خلف مجداً لعنصره من فوائد الحروب أنها تؤلف روحاً وطنية وبالحروب فقط تتولد هذه الروح وتتأصل في جسم الأمة بدون روح وطنية يصعب أن تقوم لشعب مدنية وحضارة. فالروح الوطنية تقويها الحروب عند الظفر وتنمو قوتها كل النمو عند الانكسار. يقولون إن وقعة اينا كانت مصيبة على ألمانيا والحقيقة أنها لم تكن كذلك إذ بدون هذه المصيبة الموهومة كانت وحدة ألمانيا وقوتها تأخرت بضعة قرون وإنا إذا لم ننظر إلى الحوادث إلا باعتبار نتائجها البعيدة يسوغ لنا أن نقول إن وقعة أينا كانت وبالاً على فرنسا الظافرة إذ ذاك لا على ألمانيا المغلوبة في تلك الوقعة. نشأ من الحروب الأخيرة في أوروبا قانون التجنيد العام فإنه وإن أضر بالأمم الأوروبية من حيث الماديات ولكنه نفعها من وجوه ولولاه لانتشرت ألفوضى وسادت الاشتراكية وتقدمت جميع أبنية المدينة الحديثة. فإن الأسس الدينية القديمة التي كانت تقوم عليها المجتمعات الحديثة في الغرب قد خربت فلم تجد أوروبا شيئاً تستعيض به عنها. فالقانون العسكري كان المهيمن الذي لقن أهل الغرب قليلا من الصبر والثبات وأشرب قلوبهم فكر المفاداة وأورثهم الميل نحو الكمال موقنا وبه قضى على الأنانية والترف الذي يستولي على الشعوب فينهك قواها. ضريبة الخدمة العسكرية ثقيلة تذكر باشق إدوار العبودية القديمة ولكنها لا يتأتى لمجتمع القيم بدونها ومن زهد فيها أندغم من غيره أو أغارت عليه الأمم المتوحشة فلا يجد إلى دفعها سبيلا. قال السير مولتكه في مفكراته: لا يخضع الشبان إلا زمنا قصيراً في الجملة لنفوذ المدرسة النافع ومن حسن الحظ عندنا معاشر الألمان أن التربية الحقيقية تبدأ حالما تنتهي التربية الشخصية وما من أمة أحرز مجموعها تربية تشبه تربيتنا التي جاءتنا من طريق الخدمة العسكرية. قالوا إن معلم المدرسة هو الذي كتب النصر لأعلامنا ولكن العلم وحده لا يكفي في تربية الإنسان والأخذ بيده إلى مستوى من الأخلاق يستعد به لأهراق دمه في سبيل تأييد فكر والقيام بواجب وفي طريق الشرف والوطن وغلى هذا كله ترمي تربية الإنسان. فليس معلم المدرسة هو سبب النصر بل السبب هو المربي الحقيقي: الحكومة العسكرية هي التي انتصرت فربت في الناس مدة ستة عشر سنة متوالية القوة الجسدية والعقلية وعلمتهم النظام والتدقيق والاستقامة والخضوع وحب الوطن. إن نفع القانون العسكري لا يقتصر على تعليم الأمم الشمم والإهابة بأخلاقها إلى السمو بل إليه يرجع ألفضل في النجاح العظيم الذي أحرزته الصناعة الحديثة ولا سيما في أعمال المعادن وذلك لأن البحث الذي وقع لأستجادة السلاح قد كان من إثره إدخال الصناعة في طور علمي دقيق وفي سرعة لم تكن تعرف منذ خمسين سنة على نحو ما كانت الضرورات الحربية مؤدية إلى انتشار الخطوط الحديدية فكانت الأصل في معظم الكمال الذي بلغته الملاحة في البحر. فالحروب والخوف منها هي من أقوى العوامل الأخلاقية والمادية في الشعوب ومن الأفكار العسكرية يتألف أخر عماد بدعم المجتمعات الحديثة وبذلك كان على الشعوب التي لم ترض عن الجندية أن تعترف لها بالجميل. وعلينا ألا نشكو كثيراً من النفرة المتبادلة بين الشعوب إذ بدونها يزول كل خشية ممن الحرب وبذلك تضمحل المدنية فتغدو رباعها بلقعاً. مثال الأمم التي اضر بها السلام أهل الهند فإنهم يعيشون منذ زهاء قرن في سلام دائم وبلادهم أوسع البلاد وأكثرها سكاناً حتى قدرت الزيادة فيهم مدة عشرين سنة بأكثر من ثلاثين مليوناً ويسكن الكيلو متر الواحد من الناس في الأرض القابلة للسكن ضعفاً ما يسكن في الممالك المتمدنة في أوروبا ومع هذا نشأت خطوب كثيرة منها مجاعات ذهبت بأرواح مئات الألوف من السكان في أدوار متعددة فلم تنفع السكك الحديدية والأسلاك البرقية وهلك في ولاية أوريسا وحدها سنة ١٨٦٦ من الجوع فقط مليون إنسان كما هلك ١٢ . . . . . سنة ١٨٦٨ في إقليم بنجاب وفي سنة ١٨٧٤ هلك مليون وربع من الهنود في مملكة الدكن. فهل كانت الحروب تحصد أكثر من هذا القدر من الناس وهلا كان الهلاك في الحرب أشرف وأعظم في حسن الأحدوثة؟ وبعد فإن خير الطرق لإعداد النفوس إلى ما عساه يطرأ على الأمم هو أن تبث فيها روح وعواطف يقال لمجموعها ألفكرة الجندية وهذا هو أقوى دعامة في الجيش وبدونه لا أمل لشعب في إحراز مظهر في الوجود بل يشبه حملاً ضعيفاً ليس له حول ولا طول. من أجل هذا وجب على كل من يحب وطنه أن يربي أولاده تربية جندية ويبث هذه الروح في الجنود الذين لم تمكنهم أحوالهم فيما مضى من تلقف هذه الروح حتى لا يكون حال الأمة التي تطالب بالسلام حال البيزنطيين في الأستانة أيم جاءها محمد ألفاتح يتجادلون في المسائل اللاهوتية وألفاتح يحط رحاله في أسوار القسطنطينية. يتوقف الانتصار في الحروب على معنويات الجيوش لا على كثرة عددها فهي التي تغلب وتقطف ثمرات الحرب الأخيرة. وقد أفادتنا الحرب العامة أن دول الاتحاد (ألمانيا والنمسا والمجر والعثمانية) اقل جنداً ونفوساً من الاتفاقيين (روسيا وإنكلترا وفرنسا وإيطاليا والبلجيك والبرتغال والصرب الجبل الأسود واليابان) ومع هذا رأينا الغلبة للاتحاديين على الوفاقيين وعلمتنا أمن لاتحاد ألفكر بين القواد والضباط العامل الأقوى في الغلبة فأحلافنا لم يختلفوا ساعة على المصلحة على حين ترى أعداءنا كل يوم في شأن من أجل القيادة والمحور الذي يدور عليه العمل للوصول إلى الغاية. هذا بعض ما تجر الحروب من ألفوائد التي أقرها علماء الاجتماع وأيدتها الشواهد التاريخية الكثيرة فإن الصين على كثرة عددها ونفوسها لا تقل عن أربعمائة مليون لما تغلبت عليها فلسفة السلم وأخلدت إلى الراحة تنقصها الأمم الغربية من أطرافها ويابان التي لا نبلغ بعدد نفوسه سدسها ضربت روسيا التي هي ثلاثة أضعافها ضربة أفقدتها منذ سنين خمسها فضربت بهذه الضربة جميع ممالك أوروبا وأمريكا عن الطمع في بلادها وأصبحت يابان إذا ذكرت طأطأت لها الجباه إجلالا وأصبح الغربيين يتفاخرون في الأخذ عن مدنيتها والهند لما نزعت منها الأخلاق الحربية رئمت للمذلة وخضعت لسلطان القوة فأصبح أهلها وهم خمس الأرض بعددهم لا يساوون الهولنديون وهم ثلاثة ملايين فكأن مائة مليون هندي أقل مكانة من مليون هولندي. الحرب والتاريخ نشر المسيو هنري ماركزالي من أساتذة كلية بودابست مبحثاً في الحرب العامة في نظر التاريخ في مجلة التي تصدر بالفرنسية قال بها ما نعر به بما يأتي: قال القائد كلوزفيتز أحد أساتذة فن الحرب الحديث: الحرب هي السياسة بالسلاح. ونحن هنا نبحث في سياسة الممالك المتحاربة إلى يوم نشوب الحرب ونبين ما بين الأمم المختلفة من المصالح والأهواء التي دعت إلى هذه الحرب وأطالت مدتها. وقد رأينا الجماعات هذه المرة قد قضت بالحرب لا الأفراد مهما بلغ سلطانهم وعظمتهم. وبعد فلا يخفى أن الحرب نشبت رغم إرادة القيصر أكبر ملك يدعي أن سلطته من الله ولقد تنبأ مولتكه بأن الأمم هي التي ترغب بالحرب لا الوزارات وما حدث فإنه نتيجة نشوء تاريخي وسلسلة كوائن وأول هذه الحوادث حرب فرنسا وألمانيا سنة ١٨٧ . - ١٨٧١ وهي الحرب التي أضاعت فيها فرنسا ولايتي الألزاس واللورين اللتين كانت افتتحتهما بالسيف وقلبت كيانيهما وفرنست سكانهما ودفعت فرنسا فوق ذلك غرامة باهظة ولم تعد أول مملكة أوروبية كما كانت وظل جرحها دامياً وما برحت العداوة الفرنسية الألمانية العامل الدائم في الحالة الأوروبية. وقد حاول الألمان أن يسلو تلك السخائم والعداوات من صدور لفرنسيس وحاول أناس من رجال السياسة ومن أشهرهم غامبتا ألفرنساوي أن يعيدوا الألفة بين الشعبين ولكن أخفقت جميع مساعيهم لأن أبرة هذا الانتقام ظلت متأصلة في الجرح. خرجت روسيا بعد الحرب ألفرنساوية الألمانية من قيود الاحتياط التي علمتها إياها حرب القويم ولم تبصر أمامها أوروبا كما كانت حالها من قبل وأخذت تحمي الدولة العثمانية وكانت هذه ضعفت وأختل نظامها على عهد السلطان عبد العزيز وأعلنت روسيا أنها لا تعترف بمعاهدة باريز ( ١٨٥٦ ) التي كانت تحظر عليها أن تنشأ أسطول حربي في البحر الأسود وعادت تبعث آمالها القديمة من مرقدها لامتلاك المضيقين والعبث بالأملاك العثمانية وكانت إنكلترا والنمسا والمجر في مؤتمر لندر تقاومان هذه الدعوى وحدهما ولئن وصف الملك غليوم عمل القيصر بأنه الضربة القاضية فلأن المحالفة الروسية كانت أساس السياسة البروسية فأخذت بروسيا تنشأ أسطولا بحرياً في البحر الأسود ثم جددت هممها وتوسعت في ميولها لتقوية دعائم المملكة العثمانية واستعملت لذلك طريقتين فكان الكونت أغناتيف سفير روسيا يسيطر على السلطان الذي كان يبدي ضعفا وقلة خبرة ويوهمه بأنه هو الصديق الحقيقي له ولسلطانه وأنه وحده يحول دون أوروبا وما تشتهيه من وضع حد لسلطة السلاطين المطلقة بمحاولتهم إدخال الإصلاحات على المملكة العثمانية ولطالما قدم هذا السفير المال إلى السلطان والمقربين منه. وهكذا كانت تعمل روسيا الرسمية ولكنها كانت من جهة أخرى توقد جذوة الاضطراب وتدس الدسائس في جميع الولايات العثمانية. فكانت أموال الروس ونفوذهم تشتغل في بلغاريا والبوسنة وألبانيا والجبل الأسود والصرب ورومانيا. وإذا أيقنت روسيا الرسمية أن طريق الأستانة يمر من فينا وبودابست صرفت وكدها كلها لتقلب رأساً على عقب بوكوفينا وغالسيا وبوهيميا وهنغاريا روسيا. وكانت تجاهر بأن غايتها الوحيدة تحرير جميع الشعوب الصقلبية وضم شملهم تحت سلطان روسيا الأكبر وتدير هذه الحركة جمعية الاتحاد السلافي في موسكو وهي وإن لم تكن رسمية ولكن كان بعضدها الغراندوقات والقواد ولما تخمرت الثورة وبلغت روسيا الغية من انتفاض البوسنة والهرمك وإلقاء الاضطراب في بلغاريا ثم فرغت الصرب والجبل السود إلى حمل السلاح دخلت روسيا إلى ذاك الميدان علناً وكانت من السرعة في العمل بحيث قام الوطنيون من العثمانيين وأنزلوا عبد العزيز عن عرشه لاعتقادهم بوخامة الحالة ولم تنل الصرب من روسيا معاونة مالية فقط بل بعثت إليها بالمتطوعة وحاولوا دون العثمانية وزحفها ظافرة على بلغراد. ولم تتدخل إمبراطورية النمسا والمجر في الأمر وحالت عداوة غلاوستون للعثمانية دون إنكلترا وعمل شيء وفتحت رومانيا طريقاً للجيش الروسي طوعاً أو كرهاً وعضدت روسيا في حملة ١٨٧٧ _ ٧٨ التي انتهت بهزيمة العثمانيين فأملى الجيش الروسي شروط الصلح على أبواب الأستانة في سان ستيفانو وأنتجت هذه الحرب تأسيس مملكة بلغاريا الكبرى وتوسيع أملاك مملكتي الجبل الأسود واليونان ولم تحظ الصرب وكانت متعلقة بأهداب النمسا والمجر بقسم كبير من هذه الغيمة وكانت رومانيا أعلنت استقلالها من قبل. وإذ كانت هذه الممالك بنات روسيا وهي القائمة على نموها واتساع رقاعها أصبح من الأمور الطبيعية إن تكون أدوات لسياسة الاتحاد السلافي. أما رومانيا واليونان فانهنا وان لم تكونا صقالبة من حيث العنصر فقد انضمتا إلى لواء القيصر بجامعة الدين الواحد. حالت إنكلترا والنمسا والمجر دون تحقيق هذا الحلم الذي طالما حلم به أهله فحدد مؤتمر برلين (من ١٣ حزيران إلى ١٢ تموز ١٨٧٨ ) تخوم بلغاريا وأقترح مندوب الإنكليز أن تفوض للنمسا والمجر إدارة مقاطعتي البوسنة والهرسك واحتلال بكي بإزار. وحازت روسيا أملاكاً في أوروبا فاستضفت من حليفتها. رومانيا مقاطعة بسارابيا شمالي مصاب نهر الطونة وروسيا نفسها هي التي قدمت البوسنة للنمسا والمجر ولولا ذلك لخال جيش هذه دون دخول الروس إلى الروم أيلي. وقد عمل بسمارك في مؤتمر برلين عمل السمسار الشريف بيد أ، توسطه لم يقنع روسيا المعتادة أن تجد لبناً أكثر عند الحكومة البروسية. فأخفقت المشاريع السلافية وأصبح قواد الروس منذ ذاك العهد ينظرون إلى ألمانيا نظر الخصم الحقيقي وأخذوا يبصرون أن طريق الأستانة يمر ببرلين. دلت التجارب أن روسيا الرسمية المالية لم تعد تستطيع أن تقاوم الجامعة السلافية كثيراً واضطر بسمارك أن يعقد مع النمسا والمجر محألفة كانت تعد موادها منذ زمن طويل على الشروط التي وضعها الوزير اندراسي. وهذه المحالفة تنظر خاصة إلى السياسة العدائية التي سارت عليها روسيا وقد حياها سلسبوري باسم إنكلترا بعين الاستحسان هذه المحالفة التي كانت المفردة في أوروبا فأصبحت روسيا بمعزل وما كان لفرنسا إذ ذاك سوى ميل من الحزب غير الراديكالي الإيطالي عندما وضعت فرنسا يدها على تونس ( ١٨٨١ - ٨٣ ) وهكذا تألفت المحالفة الثلاثية التي قامت مقام تحالف الأمبراطورة الثلاثية الموجود سنة ١٨٧٣ وكانت أواخيها قد انحلت انحلالاً كبيراً فتحققت أمنية بسمارك في ضمان السلم لمملكة ألمانيا والمحافظة على المكانة التي بلغتها بحروب شعواء وما كان يفكر إلا في توسيع روابط تلك المحالفة وإن يدخل فيها ما أمكن من الممالك حتى بلغت بها الحال بعقد عهدة مع روسيا. هذا والمملكة العثمانية تسير في طريق التجزؤ فاحتلت انكلتراسنة ١٨٨٢ معترفة بسيادة الباب العالي عليها وعلى قبرص وذلك بأن تؤدي إليه الجزية وتحتفظ بالإرادة الخدبوية وفي سنة ١٨٨٥ أعلن الروم أيلي الشرقي وكان انفصل عن بلغاريا في مؤتمر برلين انضمامه إلى هذه الأمارة وأصبحت الثورة دائمة في كريت إذ كان عمل روسيا محسوساً في كل هذه الشؤون ولا سيما في إسقاط الشجاع ألكسندر دي باتنبرغ من على عرشه على صورة وحشية لم تجوز النمسا والمجران أن تصبح شبه جزيرة البلقان تحت نفوذ روسيا ولذا كادت الحرب تنشب من أجل ذلك نحو أواخر سنة ١٨٨ أنبعث فالنوكي إذ ذاك بلاغاً إلى بطرسبرج فاضطرت روسيا إلى الإذعان وفي ذلك التاريخ نشرت عهدة التحالف المعقود بين ألمانيا والنمسا والمجر ( ٧ شباط ١٨٨٧ ) وألقى بسمارك خطابه المشهور ضد روسيا الذي قال في ختامه نحن الألمان نخاف الله ولا نخاف سواه فاضطرت روسيا أن تحجم مرة أخرى عما تريد وذلك لأن حركة العدميين () كانت تهدد اليوم بعد اليوم حياة القيصر وأدوات ظلمه ومع هذا لم ترجع عما عقدت العزم عليه وانجلت المحالفة المقدسة بين ممالك الشمال الشرقي انحلالاً أبدياً وكان امتلاك الأستانة على الدوام تفاحة النزاع على نحو ما كانت عليه الحال في أوائل القرن عندما أريد إن يعرف من يكون صاحب المضايق فانحلت بذلك معاهدة نابليون واسكندر الأول إن روسيا لا تحلم باحتلال القسطنطينية مدفوعة إلى ذلك بعوامل تقاليدها القديمة بل إن مصالحها التجارية والسياسية تسوقها إلى الاستيلاء على عاصمة البيزنطيين لأن هذه العاصمة تستطيع أن تسد الطريق على سفنها الحربية كل حين وتحول دونها دون ما تشتهيه من نقل حبوبها إلى مرائي البحر المتوسط وهي أحسن وأقدم المصارف لتجارتها بقيت فرنسا وحدها فأصح من الطبيعي تحالفها مع روسيا وكان الاعتقاد الراسخ منذ سنة ١٨٧٥ أن تدخل روسيا هو الذي أنقذ فرنسا من غارة الألمان ثانية عليها ليفصدوا فرنسا فصدة تصفي دمها. فعقدت المحالفة بين فرنسا وروسيا سنة ١٨٩٣ ووقعت هذه المحالفة الثنائية أمام المحالفة الثلاثية وأخذت أموال لفرنسيس لتسرب إلى روسيا التي لم تتعب من الأفراض ( ١٥ مليار فرنك في ٢ . سنة) وبذلك تبين أن الموازنة الأوروبية عادت فاستقامت. ولما تخلى عن الدولة العلية حاميها القديم وجهت وجهها بالطبيعة نحو المحالفة الثلاثية واستدل على هذا الانقلاب بسياحة الإمبراطور غليوم إلى الأستانة وفلسطين ١٨٩٨ ونالت الصناعة الألمانية والأموال الألمانية امتياز السكك الحديدية في آسيا الصغرى وبين النهرين وهي مشاريع تبشر بمستقبل زاهر. وحاربت العثمانية اليونان حرباً خرجت منها ظافرة. لا جرم إن الخوف كان مستوليا على مكدونية فكانت عصابات يونانية وبلغارية تعد للمستقبل عدته ولكن أتفاق حكومتي فينا وبطر سبرج بشأن إدخال الإصلاحات كان ضماناً للحالة الحاضرة ولبقاء الحكم العثماني عليها ( ١٨٩٧ ) ولم يجر الوفاق بين النمسا والمجر وبين روسيا على قاعدة التساوي وكان من الحزب الروسي في بلغاريا أن استلم زمام الحكم فيها بعد مقتل ستامبو لوف ١٨٩٥ وعلى العكس في الصرب المدينة لساستنا بتوسيع بلادها سنة ١٨٧٨ ولبقاء استقلالها مصونا من عبث البلغار سنة ١٨٨٥ فإن سلالة اوبرنوفيتش قد علقت بقائها ومستقبلها على طالع بلادنا. ومقتل ملك الصرب الذي كان داعيا إلى صعود أسرة قره جبورجو فيتش على عرش صربيا الملوث بالدماء لم يكن فيه سقوط بيت ملوكي فقط بل تداعى معه النفوذ النمساوي في البلقان ١٩ . ٣ وعلى العهد الأخير وعقبت اتفاقنا مع روسيا اضطررنا إلى التخلي مركزنا فأصبحت بلغراد للحال بؤرة اضطرا بات مفرطة لا تطمح إلى الاستيلاء على مكدونيا فقط بل لتطال إلى مقاطعتي البوسنة وسلا فونيا فعادت الحال إلى ما كانت عليه قبل سنة ١٨٧٦ وأصبحت الدولة العثمانية وسلطة إمبراطورية النمسا والمجر في خطر من جديد. النسر ذو الرأسين هو الرمز الحقيقي لروسيا فإنها ليست ذات سياستين إحداها رسمية والأخرى سرية بل إن لهذه السياسة الأخيرة: الغرب والشرق. عندما تقف في وجه روسيا عقبات مهمة في الغرب تنقلب إلى آسيا ومتى صادفت هنا مشاكل نعود فنبحث عما تعوضه في أوروبا. فروسيا لا تعرف لا توقفاً ولا راحة. لما أخذت روسيا بعد حرب القريم تجمع شملها كما قال السياسي غور تشا كوف استولت على إقليم الأمور منتزعة إياه من يد الصين ثم افتتحت بلاد خانات آسيا الوسطى مثل بخارى وخو قنذوخيوه وكان من أمر وفاق سنة ١٨٩٧ الذي وقعت عليه وحظر عليها العمل في البلقان علنا لما فيه مصلحة سياستها إن وجهت وجهتها نحو الصين الآخذة بالانحلال فاحتلت بلاد منشور وألقت نظرها إلى كوريا طامعة أن تكون دولة بحرية في المحيط الباسيفيكي إذ لم تستطع أن تكون كذلك في أوروبا ولكن هذه الأحلام جرتها إلى عراك مع اليابان وهذه كانت قد تجددت حياتها الداخلية فزادت قوتها وكان من حربها مع الصين وخروج اليابان ظافرة سنة ١٨٩٤ أن تنبه في هذه الدولة الغالبة الشعور فخرجت اليابان منصورة في البر وفي البحر في حرب سنة ١٩ . ٤ - ٥ وفقدت روسيا بوراثور وكان من أمر كوريا أن احتلتها اليابان فاضطرت روسيا أ، تتخلى مؤقتاً عن أمانيها في آسيا الصغرى وحالت الثورات التي نجمت بشدة سنة ١٩ . ٥ - ٦ دونها ودون السياسة الأوروبية ولو كان للمحالفة الثلاثية خلق اعتداء وأطماع في فتح بلاد لتيسر لها في ذلك الحين أن تغتنم ألفرصة لأضعاف مملكة القياصرة زمناً طويلاً. وكانت اليابان في هذه الحرب نصيرة إنكلترا التي كانت مربوطة معها على ما علم بمعاهدة لا يزال حكمها ساريا وبتحريض الإمبراطور غيليوم الثاني دخلت روسيا في الحرب لتقضي على الخطر الأصفر فإن ألمانيا كانت تحاذر أبداً من جارتها في الشرق ومن اتحادها مع فرنسا فرافها اشتعال روسيا في الشرق ونظرت إليه بعين الرضا وهذا مما ينافي مصلحة إنكلترا. وكانت مشاكل هذه المصانع الحيوية منذ عهد نابليون تتقاذف القرن التسع عشر بجملته ويرجع ألفضل إلى فمبري العالم المجري الشهور في إنارة الرأي العام الإنكليزي في معنى النتائج المضرة على إنكلترا التي تحدث من التقدم الروسي وقد أدركت إنكلترا منذ ذلك العهد بأن اتساع مستعمراتها وتباين أفكارها امتداد تجارتها والمحافظة على مصارف صناعتها وطرق مواصلاتها تقتضيها مشاق تزيد اليوم عن الآخر. وصرح المركيز سلسبوري البوزير الإنكليزي في إحدى خطبه بما يجب على بريطانيا العظمى من الاستسلام للقضاء بلسان الحزن أمام ما يعترضها من أصعاب التي تكاد لا تذلل لحل هذه الإشكال. فمن ثم رأت إنكلترا بعين الرضا المحالفة الثلاثية تقيد الأطماع الروسية عن الانبعاث في أوروبا وكذلك تفعل اليابان في آسيا. وبديهي أن الأملاك البريطانية في آسيا هي أثمن في نظرها من الدولة العثمانية والمضايق وهي ترجح أيضاً أن تشفي روسيا أطماعها التي لا ينتهي في أوروبا بدلاً من أن تعبث بإمبراطورية الهند ومصارف الصين. عرف هذا فخطر لرجال السياسة الإنكليزية أن يشغلو روسيا في أوروبا ليخلو لهم الجو ويمتعوا بنعمة السلام في آسيا. ومن ألقى نظره على التاريخ يرى أن السياسة الإنكليزية ذات وجهين تشبه السياسة الروسية تقريباً فإن اختلاف الأحزاب في بريطانيا في مسائل السياسة الخارجية تحدث بينهم اختلافا كبيراً كالانحراف الشاهد في بطرسبرج بين روسيا الرسمية وغير الرسمية فحزب المحافظين من الإنكليز الذي تشبع بما دار من العراك القديم مع فرنسا يبحث أحيانا أن يكون من حزب الحكومات الألمانيا ومن قواعدهم ومن قواعدهم إجمالاً أن يكونو على صلات حسنة مع بلاط فينا ويحافظوا على الدولة العلية وفي بعض الأحوال عندما كانت الأستانة تهدد والقوى الروسية تقترب من الهند كان الأحرار يعضدون سياسة الاستعمار ولكن تقاليدهم السياسية تختلف اختلافا محسوساً. وقد ورد في كتاب مفاوضات هوراس والبول إن كاتربنا الثانية أوصت في سنة ١٧٩٢ على تمثال فوكس زعيم حزب الأحرار المعارض الإنكليزي في عهده لأنه قاوم نشوب الحرب بين الشعبين العظيمين روسيا والإنكليز فكانت القيصرة تحارب إذ ذلك الدولة العثمانية التي كان يدافع عنها ببت الإنكليزي وطلبت كاترينا حصن أوتشا كوف والصقع الواقع بين نهري بوج ودنيستر أعدت الحكومة الإنكليزية عدتها لتبعث إلى بحر روسيا بأسطول من قبلها ولكن المعارضين صرخوا بأعلى أصواتهم أن هذه السهول لا توازي المبالغ التي تقتضيها الحرب وتكلم المعارضين بلسان الصناعة والتجارة الإنكليزية وما ينالهما من ألفتور بحيث اضطر ببت أن يتخلى عن دعواه أما كاتربنا فظلت تفتح فتوحها بتؤدة. ومثل ذلك حدث في الحروب العثمانية الروسية ١٨٦٧ - ٧٨ وكانت وزارة ديزرانيللي إذ ذاك تميل إلى العثمانيين وتقترح عقد محالفة مع بلاط فينا وعلى العكس في وزارة غلادستون التي كانت بسبب المذابح البلغارية تحمل الحملات المنكرة على العثمانية وتطالب بإخلاء النمساويين للبوسنة ولما استلم أزمة السياسة في بلاده لم يلق للعثمانية بالاً وكان من عمله احتلال مصر وقد أبانت تقاليد حزب الأحرار كيف أن هذا السياسي العظيم قد اسغوته عقلية نوفيكوف بلطفها على أيسر وجه بيد أن تقاليد حزب الأحرار لم تمكن إنكلترا من تجاوز حدها والانضمام إلى المحالفة الثنائية ولولا أنم حدث تبدل كبير في أوروبا ما استطاعت أن تلوي وجهها عن حليفاتها القديمات وتضع يدها في يد عدوتيها منذ الزمن الأطول: فرنسا وروسيا. وما دعت إلى هذا التبدل حوادث تاريخية بل كوائن النشوء والأريقاء وهو ارتقاء ألمانيا الخارق للمادة فإن ألمانيا بعد حرب فرنسا ظهرت في مظهر لا مثيل له في التاريخ إذا اعتبرت مملكة قوية الشكيمة في داخليتها ومعروفة بأنها أول دولة حربية في القارة الأوروبية تنصرف إلى عمل سلمي ولا تسئ استعمال قوتها لتخضع إليها شعوباً أخرى ولم يكن بسمارك يعني بغير تنظيم داخلية ألمانيا وما كان يعقده من المخالفات لا غاية له إلا تمكن بلاده من أن تعمل في ظل السلام في تنظيم داخليتها وكان هذا العمل مضاعفا وذلك لأنه يقتضي له من جهة أن يسكن ما أمكن الجدالات المذهبية والاجتماعية ومن جهة أخرى أن ينشط الأعمال الألمانية ويثمرها وهذه الأعمال نتيجة العلم العملي. فسكنت الجدالات الذهبية بعدما ثار ثائر الجهاد على الكثلكة واستطاع الكاثوليك في ألمانيا أن يشاركوا في العموميات البرتستانت جنبا إلى جنب. اقتضت الحال للرضاء العملة أن توضع نقطة من الزيت الاجتماعي في الآلات الحكومية ( ١٨٨١ ) وبمعاونة حزب السوسياليست الديمقراطي أحدثت على التدريج طريقة تامة لضمانة أحوال العملة وكان من نتائج الاقتصاد الألماني والعمل الألماني جمع رؤوس الأموال الكبرى. فالعلم الألماني مطبقاً على الصناعة رفع البلاد فوق درجة منافسيها من حيث إنشاء الأسلحة وجعل العالم أجمع عالة على معاملها الكيماوية وعلى تلك النسبة أرتقت التجارة الألمانية فشركات الملاحة في بريم وهامبورك كانت تنافس الشركات الإنكليزية الفرنسية في الصين وأميركا الجنوبية بل وفي الهند وهذه الشركات كانت تطمح إلى امتلاك المستعمرات فامتلكت أراضي أهملت الدول الأوروبية احتلالها مثل مستعمرات افريقية الشرقية والغربية غينا الجيدة ( ١٨٨٤ ) وقد استلمت الحكومة الألمانية بعد هذه الأملاك. من أقوال اللورد بيكو نسفيلد المشهورة وهو ما نقله عن المؤرخ الروماني إن عظمة إنكلترا تقوم في الجميع بين النقيضين: إمبراطورية والحرية أما نحن فنرى أن الصفات الرئيسية في ألمانيا الحديثة قائمة أيضاً في أحكام العلا بين نقيضين: بين السلطة ونظام الجيش والإدارة بين الحرية في ألفكر والحرية في العلم. كان من بسمارك أن دخل في اعتدال زائد بل بشيء من الخوف في ميدان السياسة الاستعمارية وإنشاء أسطول حربي لأنه كان في عدة مسائل يذهب مذهب تقاليد بروسيا القديمة فكان الألمان يحاذرون من حقد لفرنسيس وعداوة الروس ولا يريدون أن ينبهوا حسد إنكلترا بيد أن الجبل الذي نشأ منذ الحرب الكبرى أصبحت له أطماع أعلى من ذلك لأنه أيقن أن فرنسا قد سحقت وروسيا مابرحت غامرة من حيث أن إنكلترا هي الخصم الممكن للأمة الألمانية التي دعيت لتكون دولة العالم بغناها وقوتها المعنوية وكان رأي الإمبراطور غيليوم كذلك من سنة ١٨٨٨ وعلى عهده وبمساعيه بدأت ألمانية تصبح دولة بحرية عظمى وارتقاء البحرية الحربية هو عمله بالذات عقدت عقدة الاتفاق الأولى مع إنكلترا فبعد مفاوضات مع سلسبوري وقع الاتفاق في حزيران ١٨٩ . ان تكون لإنكلترا السلطة على زنجبار وتترك ذلك لألمانيا جزيرة هليكولاند وبهذه الصورة انتقل إلى المملكة الألمانية هذا الحصن الطبيعي في بحر الشمال. وكانت إنكلترا استولت عليها خلال حروب نابليون وخلص الأسطول الألماني من مراقبة خطرة في جواره مباشرة وقد أثبتت الحرب الحالية مكانة تخلي إنكلترا عن هذه الجزيرة لألمانية وتبين لماذا لا يغفر الإنكليز هذا العمل لرجال سياستهم ولم تنشأ العداوة الحقيقية بين الألمان والإنكليز إلا في حرب البوير فان الإمبراطور غيليوم أرسل إلى الرئيس كر وجر برقية تهنئة بعد أن غلب الإنكليز في فرضة جامسون فأحدث ذلك سخطا شديدا في إنكلترا لان الإمبراطور هو حفيد الملكة فيكتوريا وكان ولاة الأمر في ألمانيا والرأي العام منحازين خلال حرب البوير إلى هذا الشعب الصغير الذي كان مستبسلا في سبيل الدفاع عن استقلاله انعزلت إنكلترا عن السياسة الأوروبية منذ سنة ١٨٧٨ فلم تعد في جملة محالفة من محالفة من محالفاتها وكان سلسبوري يدعو هذه الحالة العزلة الرائقة بيد أن حرب البوير وعواطف الكراهة التي نالتها السياسة الإنكليزية في كل صقع وناد عدا النمسا أبانت لها أن هذه العزلة ليس فيها ما يشوق ويروق وكان. اسطول ألمانيا الحربي بزيد على الدوام حتى فاق أسطول فرنسا وكان بعد أسطول هذه بعد الأسطول الإنكليزي بعدده وعدده والتجارة الألمانية تفتح لها مصارف جديدة في العالم وبيننا كان يقال سنة ١٨٧٦ ان المصنوعات الألمانية غالية ورديئة ولكنها بالنسبة للمصنوعات الإنكليزية رخيصة وجيدة أصبحت تنافس الصنائع الإنكليزية حتى في إنكلترا منافسة شديدة ولم تر ألمانيا أن تكتم أمانيها وصرح رئيس النظار البرنس بولوف في مجلس النواب أن ألمانيا تطالب أيضاً بان تحيا على هذه الأرض ولقد كتبنا سنة ١٩ . ٤ ما يأتي: تجري ألمانيا على سياسة لتحرز الأولية بين الدول فإلى أين تستطيع أن تسير بدون أن تحدث لها مشاكل مع المسيطرين على العالم وهم اليوم خصومها هذا سر من أسرار المستقبل فاقتضى لألمانيا أن تنزع من فكر إنكلترا فقط أنها الحاكمة المتحكمة في البحار وفي الاستعمار والعالم واستعمال عقد اتفاق بين المملكتين وكانت روسيا. مرتبكة أنواع الارتباك أن تباشر عملا في آسيا. وفرنسا تحالف الشيطان على شرطان تكون المحالفة ضد ألمانيا بل تحالف إنكلترا التي أورثتها سنة ١٨٩٨ عار الطرد من فاشودة. هكذا كانت الحال عند ما تولى ادوارد السابع زمام الملك في إنكلترا فرأى بعين البصيرة في الحال ما يجب مداولته وأيقن أن من الواجب تحويل أنظار روسيا عن الشرق الأقصى حيث يرجى أن يكون خطرا على السياسة الإنكليزية وان يجذب بضبع روسيا إلى الغرب يجعلها مناصبة لألمانيا ولحليفتها ولا شك أن مصلحة فرنسا كانت كذلك. ولهذه الغاية ذهب ملك إنكلترا إلى ريفال في حزيران ١٩ . ٨ فلم تلبث إيران وكانت منذ زمن طويل موضع الشقاق بين روسيا وإنكلترا أن تقاسمتاها فجعلت منطقتين روسية وإنكليزية وأصبحت الأولية بذلك لروسيا في بلاد فارس. واهم من ذلك التقرب الذي وقع بين اليابان ومملكة القيصر من حيث النتائج. وعلى ذلك حدث تبدل تام في السياسة الإنكليزية عقيب استلام الأحرار أزمة الأحكام في إنكلترا وأصبحت المحالفة الثنائية وفاقاً بدون أن تتقيد إنكلترا بمحالفة عسكرية مثل شريكتيها. حدث في خلال سنة ١٩ . ٨ الأنقلاب العثماني واستولى فتيان العثمانية على زمام الحكم في البلاد وضمت عقيب ذلك البوسنة والهرسك إلى النمسا والمجر وكانت روسيا أظهرت ارتياحها إلى هذا العمل بادي بدء ثم دفعتها سياسة السير ادواردغراي فأنشئت تدافع عن حقوق الدولة العلية ثم عن مزاعم الصرب فلم تنشب الحرب لأن ألمانيا عقدت العزم على الأخذ بيد النمسا وفرنسا منهمكة فتنها الداخلية يتعذر عليها أتعاون معونة فعلية بحيث أصبحت روسيا وحيدة فولت منهزمة. ومع هذا تخلت النمسا لواء يكي بازار على مكانته الحربية لأطماع الصرب والجبل الأسود وهذه كانت جعلت مملكة وأخذ شبح الحرب العامة منذ ذلك العهد يبدو سنة عن سنة وحضت هولندا أوائل سنة ١٩١١ مرفأ فليسنج ففهم من ذلك أن النية عقدت لأقفال مجرى نهر السكوت الذي يجري إلى أنفرس ولم يصعب علينا أن نستنتج من ذلك أنه عقد تحلف فرنساوي إنكليزي من مضمونه أن تحتل إنكلترا احتلالاً عسكريا هذه القلعة المهمة ومرفأها حين نشوب حرب بين فرنسا وألمانيا. فأنقلب الوفاق الودي إلى محالفة عسكرية. وفي صيف تلك السنة دهش العلم أجمع لإرسال ألمانيا إحدى بوارجها العسكرية إلى أغادير على الشاطئ الجنوبي الغربي من مراكش وذلك للدفاع عن المصالح الألمانية من احتلال فرنسا بإشهار الحرب بل هددت إنكلترا ومع هذا وقع اتفاق هذه المرة أيضاً فأخذت ألمانيا جزءاً من الكونغو ألفرنساوية تعويضاً عن مطالبها. بيد أن الهمة انصرفت إلى اتخاذ الأسباب لفصل ألمانيا عن حليفتها حتى إذا تخلى عنها الكافة يتعذر عليها أن تقاوم ضعفت أعدائها فأخفقت هذه الأعمال على المهارة المبذولة لدى حكومة النمسا والمجر ومعلوم ما أعقب ذلك من ضم طرابلس وبرقة إلى إيطاليا ثم حرب البلقان التي أنتجت فقد الدولة العثمانية لولاياتها في أوروبا ثم ضعفت بلغاريا وتوسع صربيا كل ذلك جعل الدعوى إلى تأسيس دولة صربيا الكبرى مهيأة الأسباب وجرأ قائل ولي عهد النمسا على ارتكاب جنابته في سراجية ويوم ٢٨ حزيران ١٩١٤ ومن جهة أخرى كان الاعتداء يعتمدون على المنازعات الداخلية في النمسا والمجر. ويظهر لهم أن اختلاف الأحزاب السياسية في المجر والقومية في النمسا تسهل طريق تجزئة هذه الإمبراطورية المثنوية ولكن دلت النتيجة، هذا الرأي مغلط فقد يتنازع إخوان فإذا جاءهما ثالث غريب عنهما يتدخل في شؤونهما ينقلبان في الحال يداً واحدة عليه ولو لم يكن أعداؤنا من هذا الرأي لكانوا أحجموا عن مداهمتنا في عقر دارنا. تبين مما تقدم أن سلام العالم كان ضعيف الأركان منذ سنة ١٩ . ٨ لتضارب المصالح الكثيرة والأهواء المنوعة بحيث يتعذر وصف علاج بقطع آفة المرض الذي ابتليت به أوروبا. وعبثاً جرى القول في الصلح وفي وضع طريقة السلاح النسبي وكان جثام الحرب العامة يضغط على الأرواح وبهذا المؤثر وافقت المجالس النيابية على تجنيد الملاين من الجند وصرف المليارات من النفقات وهي إعداد ما كان الإنسان لطولها ليصدقها إلى ذاك العهد ونرجو أن تكون كذلك في المستقبل بعد فلماذا فادت الممالك مفاداة عظمى بالرجال والمال لو لم تكن في صدد حريق عالمي هائل؟ ذلك أن فرنسا تريد أن تستعيد ولايتين كانت فقدتهما وان تعود إلى المركز الذي كان لها قديما وان روسيا تريد إن تكون الحاكمة على المضايق وتخضع لصولجان القياصرة الشعوب السلافية الذين يدينون بالمذهب الأرثوذكسي وان يابان تريد التوسع في أملاكها وتزيد ثروتها لإنشاء أسطول حربي أما نحن النمسا بين والمجرمين والألمانين والعثمانيين فقد دفعنا إلى الحرب لندافع عن كياننا فاضطررنا لنفادي بأمور ثم إلى إعلان الحرب. وربما قيل إن المسلمين بأجمعهم يقفون في مصاف الدولة العليا لتقاوم عد واتها القديمة روسيا وإنكلترا وفرنسا وهاتان الأخيرتان أصبحتا عدوتيها وكانتا صديقتيها أما إنكلترا فان الداعي لها إلى إعلان الحرب هو الخوف من تخطي ألمانيا لها في مضمار الارتقاء فهي لا تريد أن ترتفع بل أن تخفض خصيمتها إن هذه الحرب هي حرب شعوب لا حرب أمراء ومع هذا فان مقتل ولي عهد النمسا وقرينته كان شرارة اتقدت بها النار بمواد غير ملتهبة كانت منبعثة من العالم اجمع. لا جرم إن نار ودنا أودرانا هي منذ عهد الباطنيين (القرن الثاني عشر) الشيعة السياسية التي كثيراً ما كانت تعمد إلى القتل لبلوغ غايتها وكان الباطنية مسلمين متعصبين يسقيهم زعماؤهم حشيشاً ليبعثوا بهم يسفكون دماء وقد حار بهم غير ما مر سلاطين السلجوقيين وفرسان الهيكل فأبادهم مؤخراً أبنا دينهم مماليك مصر ومن العبث أن يبحث في أوروبا في القرن العشرين عن عواطف للتضامن وخشي من هول الجريمة وما من رابطة تجمع خصومنا ومن العجب أن روسيا التي أبادت أمماً كثيرة تقف الآن موقف المخلص للشعوب الصغيرة بقتالها التسليح العام في جنب إنكلترا وفرنسا ولا وجه للبحث هنا عن الاتحاد السلافي والاتحاد الروماني فإن الاتحاد السلافي الأدبي قد فسد بالروسية الوحشية وبانتحال المذهب الأرثوذكسي بالقوة وما من أحد يفكر بتاتاً أن يحقق أحلام الثورة الإفرنسية من حيث السياسة والاجتماع أو أماني المحالفة المقدسة الخيالية ولا يعمل هناك غير القوة الوحشية ليس إلا ونلاحظ فقط أن التطرف الغربي قد ملأ الحكم الروسي المطلق لإبادة أمم أوروبا المركزية البعيدة عن الاستبداد والفوضى وما شعارها إلا الترقي والإصلاح الاجتماعي الرصين لها. الشيخ إبراهيم الحوراني تتمة مافي الجزء السابع ٤ نثره أرهف المترجم به يراعه منذ الصبا فأجاد في الموضوعات التي دبجها به ولم يبق بحثاً لم يتناوله باسلاته فتفنن في مقلاته تفنناً لا يجيد فيه إلا من كان مثله كثير الاطلاع متضلعاً من العلوم والآداب متقناً للمنقول والمعقول فتراه يذهب بعقل المطالع لكتاباته الوضيحة البليغة كل مذهب وينحو به كل منحى فيمر على المدن والدساكر ويريه الشوارع والمنعطفات ويسدد خطواته في مناهج الحقيقة ويطير به في عالم الخيال ولكنه لا يتيه بالقارئ ولا يضله سبيلاً بل يملأ مخادع حافظته صور تعابير بليغة ويمأن فكره موضوعات مفيدة ويرشده إلى الصراط المستقيم ويطبع في مخيلته أصح الآراء وأسد الأفكار العلمية الأدبية فيعود مطالع أبحاثه مستفيداً كل الاستفادة محرزاً ما يريد من الأبحاث والألفاظ والمعاني مع تفنن في التعبير وخلوص من التعقيد وبساطة في التركيب ومن قرأ ما جادت به قريحته من المقلات الرنانة في المجالات والجرائد والكتب شهد بصحة قولنا ولم يحمله على الإطراء والتزلف فإننا وإن كنا من أصدقائه المخلصين فلسنا من مريديه الكاذبين ولذلك أحيل المطالع المتقيد على ماله من المقلات والخطب والمباحث وأفوض فيه أمر الحكم على المترجم بما يوحيه إليه ضميره الصادق وبصيرة النقادة المنصفة فطالع مقلات (عالم الحس الخيال) و (الكيمياء) و (العين) و (الشعر) و (القلب والعين) و (الظل) و (الشعر العربي والشعر الأوروبي) و (العالم المادي والعالم الأدبي) و (حكمة الأولين) و (فلكياته) و (والبلاغة) و (الكفاية) و (آراء جديدة في أجزاء المادة) و (الخمير والاختمار) و (غرائب الكيمياء) و (تاريخ الكرة الأرضية الطبيعي) و (الاختلاف في الآراء والعقائد) و (الجهل والهوى) و (الطبيعيات والأدبيات) و (ضرر العلم القليل) و (مساعدات الذاكرة) و (الصدى الطبيعي والصدى الأدبي) و (ألفينيقيون) و (أصل اللغات) و (قدرة العلم وعجزه) و (اختلاف تأثير العلة الواحدة باختلاف طبيعة المعلول) و (المام القدماء بظلال ما كشفه المحدثون) و (الكهربائية وكرات النار الجوية و (الموضوع) و (استقر واستدل واحكم) و (مقاومة تنازع البقاء) و (الإنسان) وما شكل كل ذلك من المباحث المختلفة والتفننات الرائقة وإذا تعذر على المطالع الوقوف على هذه الآثار الأدبية الرائقة فإنمني أسهل له ذلك بانتخاب بعض فقرات كلامه: فمن قوله في خطبة (عالم الحس وعالم الخيال) ومن فوائد (الخيال) أنه نزهة المعتزل ففيه يرى الحدائق الغناء توقع عليها فيان الورق أطيب الألحان وتجري تحتها جداول زلال الذمن بنت إلحان وتحيط بمنابتها بواسم الأزهار كما يحيط بالمعاصم السوار. وترى مدافع الشواهق تقذف بلجين الماء على در الحصباء في الأودية الخضراء فترده اماة المهى وظمأ الظبى فتصبو إلى الورد ولا تطفي اواما فتئن وجدا وتنشد هياماً: ألا قل لسكان وادي الحمى هنيئاً لكم في الجنان الخلود أفيضوا من الماء علينا فيضاً فنحن عطاش وأنتم ورود ثم إذا مللت مشاهد النهار توجهت إلى مشاهد الليل وبدلت طلعة الشمس بمحيا سهيل فتري هنالك النجوم درراً في باطن الخيمة الزرقاء والمجرة نهراً عظيماً تدفق في حديقة نرجس وفروعها جداول البطحاء وترى هناك تباين المؤتلفات. وائتلاف المتباينات فتشاهد الطائر الواقع والذاهب والراجع والخفي والظاهر والثابت والسائر والأسد بين السرطان والعذراء والسرطان بين الأسد والجوزاء والأبراج والطوالع والأوافل فترى العالمين على العلم الأصغر وتنسى أنك العالم الأكبر ثم تنتبه إلى المعتزل وإليه تبوء فتعلم صحة قولهم: (الوحدة خير من جليس السوء) ثم قال في الخيال قولاً فلسفياً هو: ومن فوائده انه معمل المتصرفة ومخترعها أما المتصرفة فعرفوها بأنها قوة من قوى العقل الباطنة شأنها تركيب الصور والمعاني وتفصيلها والتصرف فيها واختراع أشياء لا حقيقة لها. ومن أهم أعمالها التجريد وهو ما تكتسب به الكليات من الجزئيات ولولاه كانت الصور العقلية هويات متفرقة لا علاقة بينها وقد تكلمت عليه بالتفصيل في المقالة الثالثة من كتاب (الحق اليقين) فليطالعها. ومنها إن التركيب جمع المراد مما علم بالتحليل والتعميم في صورة واحدة وهو (أما حقيقي) وهوان يجمع في الذات الحقيقية ما لها من الصفات المختلفة في الواقع كأن تجمع الحمرة والاستدارة وانتساق الأوراق وطيب الرائحة وسائر ما لا بد منه من الشخصيات في هذه الذات لتصوير هذه الوردة. (وأم تخيلي) وهو جمع مختلفات لتصوير ما لا حقيقة له كأن تجمع حمرة الورد ورائحة القرنفل في زهرة الأقحوان على نبت الزنبق فتصور نباتا لم يخلقومن قوله في مقالة (البلاغة): الكلام البليغ ما وضح معناه ووجز لفظه وسهل وطاب للسمع. ومن أهم ما يستلزمه وضوح معناه معرفة المخاطب معاني مفرداته. والمعنى هو الصورة الذهبية المراد بيانها. فالبليغ يرسم في ذهن المخاطب مثل الصورة التي في ذهنه. فإذا أراد أن يصف إليك الإبل مثلاً صورة في خيالك بوجيز كلامه كما يصوره البارع من المصورين على قرطاسة ومثله فيه كما يمله الماهر من نحاتي التمثيل: أما غير البليغ فربما أراد أن يرسم في خيال سامعه ظبياً فصوره قرداً أو شيئا لم يخلق بالعبارات المطولة المشوشة. ولا بد في البلاغة من مراعاة حال المخاطب فابلغ الكلام في خطاب النبيه غير بليغ في خطاب غيره. . . . ومن هذا يعلم أن الإيجاز في البلاغة نسبي أن البلاغة في خطاب الخاصة أيسر منها في خطاب العامة ولهذا سموا ما يفهمه العامة ويرضي به الخاصة بالسهل الممتنعومن قوله في صدر مقالة (أبسط مبادئ الرياضيات): المسائل الرياضية عبء الأذهان وغول الزمان ولذة إدراكها خير اللذات مع أنها نتاج الآلام والأنات وإني ممن قسم لي أن أولع بأبكارها وأسجن دهراً في دارها وشغلت وقتاً طويلاً بتدريسها وألفت وحشها وأنيسها فوجدتها من خير مميزات الأذهان. والحاملات على بغض التقليد وحب البرهان وأقوى العينات على علم الميزان (علم المنطق). ولكن رأيتها تصعب على أكثر الطلاب. وتدق عن إدراك أولى الألباب. لتشعب العقاب. وكثرة الشعاب. فبذلت الجهد عفي البحث عن أصولها ونقائها. إلى أن يسر الله الوصول إلى حقائقها. إن كل المسائل الرياضية في المقادير الصحيحة المنطقة مبنية على ثلاث سلاسل. (الأولي) سلسلة الأعداد الطبيعية ١٢٣ الخ (والثانية) سلسلة الأعداد الوترية ٧٥٣١ الخ والثالثة سلسلة المثلثات ٦٣١ الخ وهي تنشئ عن جمع حلقات السلسلة الطبيعية على هذه الصورة. + ١ و ١ + ٢ و ١ + ٢ + ٣ الخ ولهذه السلاسل خواص كثيرة لا محل لها في مثل هذه المقالة الوجيزة فاق - تصر على ذكر ما الحجة إليه في بيان المرادأهالي غير ذلك مما لا يمكن استقراؤه ومعرباته ومصححاتهكلف المترجم منذ صباه بالتأليف وأول مؤلفاته (الشهب الثواقب) في الجدل و (جلاء الدياجي في لألغاز والمعميات والأحاجي) وهي رسالة لطيفة فيها كثير من منظومة ومناهج الحكماء في مذهب النشرة والارتقاءوالحق اليقين في الرد على مذهب دروينوالآيات البينات في عجائب الأرض والسماواتوضوء المشرق في علم المنطقوهذا آخر مؤلفاته المطبوعة. أما مؤلفاته التي لم تطبع فكثيرة منهاديوانه الشعريوقد لاحظ جمعه وتنقيحه ومراجعته قبل وفاته بقليل والأعراب في نهج الأعرابوشمس البرهان في علم الميزانوهو في المنطق اختصر منهضوء المشرقالمذكور الذي طبعالكوكب المنير في علم التفسير. وعنده فذالك كثير من المؤلفات في البيان والفلسفة الطبيعية والفلسفة العقلية والرياضيات لم يحكم ترتيبها لانشغاله بخدمة غيره سحابة العمر. عدا خطبه ومقالاته التي تناقلتها الصحف وبعضها لا يزال مخطوطاً. ونشر بعض الروايات الأدبية مثلإسفار ذات السوارفي مجلة الرئيس ومختصر بعض روايات شكسبير الشاعر وغيرها. أما معرباتها فكثيرة وبعضها لم يذكر فيها أسمه ومنها: المواعظ الميلاديةلسبرجنمواعظ موديووتفسير التوراةأس الأسفار الخمسة بزيادة تفسير له على الأصل وسكان وادي النيلورجال التلغرافوسيرة القديس أوغسطينوسو الطريق السلطانيةوأما مصححاته فليست بقليلة ولكنه لم يذكر اسمه فيها أيضاً فمنها تصحيحالنهج القويم في التاريخ القديمللأستاذ بورتروقاموس الكتاب المقدسللدكتورجورج بوست وساعد الدكتور أدي في جميع تفسير الإنجيل واشتهر في جميع ما كتبه بتحقيقه ورقة أوضاعه العربية وصحة تعابيره اللغوية مع بساطة العبارة ووضوحها حتى يسهل بحسن أسلوبه ما صعب من المباحث فتراها مفهومة. ٦ ً منزلته العلمية صرف حياته منذ صبوته بالتدريس والجمع وتوسيع مداركه بالمطالعة وانتظم في سلك الجمعيات العلمية والأدبية وانتدب مدعواً لبعض المؤتمرات العلمية في أوروبا وعرفه الأوروبيون والأميركيون يسمو المدارك أما في البلاد العثمانية فكان طائر الشهرة وكثيراً ما ترجمت الصحف العثمانيةالتركيةمقالاته وأطرته وتناقلت الصحف العربية آثار أقلامه من جرائد ومجلات وقد سافر إلى مصر سنة ١٩ . ٨ م ولم يلبث فيها أكثر من سنتين ترأس أثنائها تحرير جريدة المحروسة ثم عاد إلى عمله في بيروت ولقد رصد الكواكب في بيته وقرر كثيراً من شؤونها بعدما رافق أستاذه الدكتور فانديك يرصدها في مرصد الكلية في بيروت وتخرج على يده كثير من أدباء وأديبات سورية ومصر كتب كثيراً في الصحف مثلالنجاحوالجنانوالمشكاةوالمقتطفوالنشرة الأسبوعيةوالصفاوالطبيبوالمباحثولسان الحالوالمحروسةوقلما خلت جريدة من كتاباته ولو نقلاً عن غيره لما فيها من الطلاوة واللذة والفائدة وكثيراً ما دعته الحفلات لإلقاء الخطيب فيها فطربت له أعواد المنابر وأفاد بما يلقيه من منشور ومنظوم ومن مكتشفاته معادلة الجيوب ومعادلة معرفة أضلاع الأشكال القياسية الوترية من المسبع والمتسع وذي الأحدي عشرة وما فوق ذلك إلى غير نهاية وعبارات لجمع الأسرار المعنية وبعض التقارير ألفلكية التي انتبه إليها بالرصد ومن آرائه التي تيقنها الرأي الدوري وصدقه كثير من علماء العصر وأشكال أجزاء المادة وهذا لم يفهمه إلا الخاصة. وكثيراً ما برهن المنطق بالجبر وأجاب على أسئلة في جميع الموضوعات بسداد رأي ودقة نظر. وعرف مؤخراً طريق رسم الأشكال القياسية وقيمتها العددية بلا تكعيب. أما معارفه اللغوية فلم تطن أقل من معارفه العلمية فإذا أورد لفظة تثبت فيها وأشار إلى أول من استعملها مثل شبه جزيرة ملعقةملقةكما قال الشيخ داود البصير الأنطاكي في تذكرته. وهكذا ستخرج من بطون الكتب المصطلحات القديمة وحقق آراء العصر فيها. ومن أوضاعه المشهورة المرقب والمجهر والحوصلةالبكسولوالمضلعالقباجوروالبخيريالمدخنةوألفوارةالنوفرة وأمثالها ومن تعابيره العصرية قوله: مهيع الأخلاق أوسع من فلك نبتن وأطول من قطر المجرة. هذه صورة الحوراني المعنوية مثلناها للقراء الكرام ليعلموا خسارة الوطن بفقده أثابه الله عداد حسناته وأعاض الأدب عنه خيرا بمنه وكرمه ٧ ً أقواله وحكمه وآراؤه للفقيد الكثير من الآراء الأدبية والعلمية والأقوال الرائعة والحكم الناجعة انتخب منها الآن نبذة تدل على مكانته وربما كان بعضها معرباً ومقتبساً: فمن ذلك قوله: المرأة المبتسمة أجمل من أجمل النساء المقهقهات. ريشة الإوزة أخطر من براثن الأسد الحكم على البعض لا يستلزم الحكم على الكل ولا نفيه عنه. أن أعظم الناس حرية أقواهم وأكثرهم خداعاً أضعفهم. كل شيء كم أنواع الخير وأفراده فرضنا أنه الخير الأعظم والسعادة لا يصح ما لم يكن ألفضيلة وإن لم يسلم بذلك بعض ألفلاسفة الأقدمين. إن الشرائع الطبيعية كلها نفع وعلة التأذي بها جهل. إن الكبرياء قد يؤدي إلى الجنون. إن القوة الطبيعية مقسورة أبداً والفضيلة متوقفة على الاختيار. كثيرا ما يقع الناس في الخطأ لإطلاقهم الحكم على الشيء في كل الأحوال والاعتبارات. فليتوقع الراغب في كثرة العلم قلة المال أو ألفقر المدقع. أنه قد يجهل العالم ما يعلمه الجاهل من آفات الانتباه توجيه ألفكر إلى أمر واحد وقتاً طويلاً ومثله الاقتصار على فن واحد أو الولوع به أكثر من سواه. متى ثار غضبك فلا تقل ولا تفعل. لا يقاس على الآراء الضعيفة إلا على سبيل الإمكان. ولا يقاس على الآراء القوية التي لم تبلغ اليقين إلا غلى سبيل الظن. قليل الطعام المغذي ونقي الهواء ومعتدل الرياضة من أمنع الحصون دون جيوش الأمراض والأوباء. إن العلل لا تفعل بالمعلولات إلا بالمباشرة. إن من اللذات آلاماً. من الناس من يخسر كل شجاعته وإيمانه في ساعة اضطراب. إن الذي لا يؤثر فيه الشعر البليغ خشن الطباع سقيم الذوق. ومما ينتج من الرياء طبعاً أن صاحبه لا يصدق ولا يركن إليه وإن تكلم بالحق وكفى ذلك عذابا للمرائين. إن نظرك في إساءتك إلى غيرك يخمد نار غيظك من إساءة غيرك إليك. القول الصالح حسن والفعل الصالح أحسن منه فالقول الصالح الجسد والعمل الصالح الروح. المرأة أجمالاً تعادل الرجل فهماً لكنها تجري أعمالها على سنن التصور أكثر مما تجريها على مقتضى المنطق. المرأة ألفاضلة مهذبة الزوج والأولاد الأقرباء والأصدقاء بالقول والفعل ولها في ذلك من التأثير ما لا تستطيعه كل فلاسفة الأرض. اللطف رشوة من لا رشوة له. من أفسد بين اثنين فعلى أيديهما هلاكه إذا اصطلحا. الصدق أس الإصلاح الأدبي. إنه يستحيل على المترجم للشعر من لغة إلى أخرى يأتي بكل محسناته الأصلية مع المحافظة على تمام الأصلي إلا نادراً. الاختبار أثبت قبول الإنسان التهذيب والتحلي بالفضائل ولكن أكثر الناس يجهلون السبيل. استقر واستدل واحكم. الشعر ضرب من الوحي. إن القوة على نظم الشعر موهبة إلهية يشرفها الإنسان أو يحقرها بالموضوعات التي يستعملها فيها. إن للشعر البليغ تأثيراً في النفوس عظيماً حتى شبهه الكثير من المشارقة والمغاربة بالسحر. نعم إنه سحر حلال يحمد به الساحر وينعم به المسحور. العلم القليل أضر من الجهل. إياك وخداع الخيال فإنه مصدر كثير من صنوف الضلال والخرافات الثقال. وأخزن فيه صور الهاديات الأخلاق والحاملات على مكارم الأخلاق. إن شرف نفس الإنسان يحفظ شرف يحفظ شرف نفسه لا شرف نسبه يحفظ شرف نفسه. ما أقدرنا على الكلام وما أعجزنا عن العمل. إذا مالت نفسك إلى كتابة مالا تريد أن يعلن بخطك فأعلم أن ذلك الميل خطر هائل لأنك بذلك تضر نفسك أكثر مما تضر غيرك. إن أصل المادة بأسرها أجزاء صغيرة لا تدركها الحواس تتجزأ في بعض الأحوال دون بعض. إن الصداقة تنتهي حيث يبتدئ الحذر إنا خلقنا نشعر بالألم لنحذر من أن نؤلم سوانا أحسن وقاية من النميمة أن تسد أذان عنها وأن يكتب تجاهك أبداً قول بعضهم (لا تصدق كل ما تسمع) الوعظ من أسباب الحياة الجسدية والحياة الروحية لمن يؤثر فيه إلى ما يضارع هذه الروائع ويشاكل هذه النواجع. ٨ ً مجونه وأزجاله كان رحمه الله ينزع المجون والأحماض في الأحاديث أو إحجاماً للخاطر ليس إلا على حد قول الشاعر: أروح القلب ببعض الهزل تجاهلاً مني بغير جهل أمزح فيه مزح أهل ألفضل والمزح أحياناً جلاء العقل ولذلك كثرت نوادره وأزجاله وأشعاره الدالة على بداهته وسرعة خاطره فكان إذا آنس من السامعين انقباضاً أو مللأولا سيما في العمليات البحتة ونحوها بنكتة رائعة تستجم خواطرهم وتلفت أسماعهم وتتلاعب بعواطفهم فيثيب إليهم نشاطهم ويتجدد ارتياحهم كما قال الرشيدالنوادر تستحد الأذهان وتفتق الآذانوإذا استقرينا أخلاقه منذ صغره رأيناه مولعاً بهذا الأسلوب الفكاهي وهذه الرقائق المستحبة حتى أنه لما كان يدرس في (عبيه) في صبوته سمع أحدهم يفاخر بقول الشيخ ناصيف اليازجي من قصيدة رقيقة: كلفت حمل تحيتي ريح الصبا فكأنني حملتها بعض الربى لا تجمل الريح الجبال وليتني كلفتها حملي فإني كالهبا فقال المترجم له: وأين يروح الشيخ بعمامته وكبرهاثم لما غار المدرسة وجاء بيروت اجتمع باليازجي سنة ١٨٧١ قبل وفاته فقال له الشيخومإذا ثقلت عليك عمامتيفأجابه الحورانيوالله لو عرفت أنه سيبلغك حديث العمامة لما رأيتك إلى يوم القيامةومن نكاته أنه لما كتب في (أشكال أجزاء المادة) لم يفهم كلامه إلا القليلون فقال عنه بعضهم أنه كتب في أمر لم يدركه حق الإدراك حتى أبهم قولهفأجابه الحورانيوأنا أثني عليه أصاب أم لم يصبوله كثير من أمثال هذه الرقائق التي تدل على ظرفه وبديهته ودماثة أخلاقه أما نكاته الشعرية المجونية فمنها أنه كان مرة يروح النفس على شاطئ نهر العاصي حمص فعثر وسقط على فتاة كانت قريبة منه فشكت إلى أبيها فاغلظ له الكلام وكان لا يزال صبياً فقال مورياً وأجاد: ياسيد الحلم يامن نور حكمته - يهدى به الناس من دان ومن قاص زللت في شاطئ العاصي إلى رشاء عن غير عمد فاضحى الظبي قناصي وقد شكاني إليكم فاغفروا زللي حتى يقولوا غفرتم زلة (العاصي) وقال في فتاة جميلة لقية متعصبة في الدين كانت تعنقه على مزاحه وتبكيه عند ضحكه غراء شمس نهارنا من وجهها وهلال ليلتنا مثال جبينها ما كان أطربني لطيب حديثها لو أن رقة خصرها في دينها ودعي مرة إلى صيداء ليخطب في حفلة مدرسية فافتتح بأبيات غزلية وتمحل لشيخوخته عذراً بقوله قدم الزمان وصبوتي تتجدد فكأنني في كل عصر أولد شيخاً أرى بين الشيوخ وأمرداً في المراد مما شاب قالت غواني الرقمتين وقد رأت ثلجالمشيب أظن نارك تجمد فأجبتها ما الشيب بل لهب الهوى في الرأس مما في الحشى يتوقد قالت مشيبك أسود في ناظري قلت الحقيقةأن لحظك أسود وكان مرة مبحراً من طرابلس إلى بيروت ورفيقه الخواجه موسى مخايل الطرف الطرابلسي ومعهما فتاتين جميلتان عيسوية اسمها مريم وموسوية اسمها سارة فلما نزلا في القارب جلست مريم على مقربة من موسى وسارة قرب إبراهيم فقال المترجم: شمسان في القارب شنت على وجهيهما شمس العلى الغارة فظل موسى رد عن مريم وظل إبراهيم عن سارة وأرخ زفاف حسناء اسمها لمى إلى رجل ذميم بليد سنة ١٨٦٢ م: زفاف كالحمام لكل نفس به شمط الرزابا قد تجلت وأشد في الحداد مؤرخوه لمى سمش ببرج الثور حلت وقال شيخ كثير المعاصي خضب شعره: يا خاضب المبيض من فرعه=بالخزي لا يحسن هذا السواد إن كنت ذا لب ورمت الهدى فاصبغه قبل الردى بالرماد وقال في أمرأة تركت مهذباً ألفقره وتزوجت خشناً لغناه فعذبها: لقد هجرت أخافهم قليلاً ما له يعلم وودت بعده وحشاً كثير المال لا يفهم فنالت من مخالبه جراحاً ما لها بلسم وذاك جزاء تاجرة تبيع الحب بالدرهم وقال في غابة دمشقية: سقت أجفان صبك كل صدر من العواد أيام ألفراق ففرخ في قلوبهم التصابي وجن النبت من تلك السواقي وارتجل للائم مضمناً قوا العامة (من غير شر) لما يؤذي: ليس لي عن صبوتي بالائمي ماتجلى وجه سلمى من مفر وملام الصب شر في الهوى فانصرف ياعاذلي (من غير شر) وقال في منتزه في دمشق اسمه الجزيرة مورياً: رأتني عند شط النهر أجري إليها كاعبيد إلى الأميرة فقالت ما أتى بك قلت القى عبيدك بحر حبك في الجزيرة وقال لعاشق يبكي ويشكو: كثيراُ ما أرى العشاق تلهو وأنت تظل تذكر أم عمرو وتبكي للنوى ما جن ليل كأنك في الصبابة (بوم قبر) إلى كثير مما يساوي هذا الأسلوب من المجون الأدبي والنكات وللطائف والأحماضات (أما زجلياته) فلطيفة التصرف بديعة المعاني والألفاظ ابتكر فيها أوزاناً رائقة وابتده أناشيد رائعة ننتخب منها الآن ما يدل على براعته بها فمن ارتجالياته من فرادية مثل فيها السكران قوله: اعتبروا من نحسي ياناس أوعوا تجوا صوب الكاس أصل الضنا والإفلاس خمره في كاس الساقي في كأس الساقي خمره وفي قلب الشارب جمره لاتشرب منها بمره لتصبح بالدنيا راقي ومن تفنناته قوله من قصيد طويل موجهاً بالغناء وألفقه ومورياً: يبكي (صبا) في حين بتغني (نوي) يلي شفافك تمر خالي من النوى أحرقت قلبي بالتجافي والنوى ما كان ظني فيك تحرق منزلك ما سمعت في محبوب أحرق مسكنه واللي عطاه أياه واللي سكنه مين عاد من أهل الضمانة يضمنه إذا عرف أنك أحرقته وهوإلك ومن مخترعاته الترصيع في المطلع المخمس المردوف من قصيد طويل يلي بلحظك بابل الأسحار وبصحن خدك كوكب الأسحار سرك مصون بمهجة المفتون ما بتدركوا الأباب والأفكار سرك مصون بمهجة المفتون لولا دموعي والعيون عيون ياظبي عينك سيفها مسنون قطع أكباد الغزلان وجندل آساد ألفرسان واستعبد مي وغزلان وليلى وعاشقها المجنون ولحظك صاب أسود الغاب برشق حراب وشق كبود وهز العطف رماح الحتف وسل الطرف سيوف الهند ودار الريح بغير أقداح وبلبل صاح بلحن العود ومال البان وسري بان وكان الكان بكاف ونون سر الهوى مدفوق مع دمعة العاشق يافتنة المخلوق ياآية الخالق قلب ألفتى مسروق من لحظك السارق سر العيون بيسرق الأرواح وبيظهر الأخفى من الأسرار وهكذا إلى آخر هذه الأنشودة البليغة الجامعة لتفننات تأخذ بمجامع القلوب ومن ذلك قوله في مطلع آخر ليس بقابل بلاغة من غيره: حنوا على المحبوس في حبس الهوى ضاقت علي الأرض من أربع قطار سهرت عيوني وطال ليلي بالنوى من طول ليلي نسيت شو شكل النهار سهرت عيوني وطال ليلي بالنوى يلي شفافك تمر خالي من النوى غنيت لحن حجاز وعراق ونوي حتى بكوا طيور السما ولأنوا الحجار حتى بكوا طيور السما ولأن الصفا وزاد نهر الدمع عا نهر الصفا يا حسرتي حل الكدر بعد الصفا وصار ألفي وصاحبي وحش القفار وصار ألفي الوحش في قفر اللوى ومال صالب مهجتي عني ولوى يلي رفعتو للظى أعلى لوا - دلوا غريب الدار عا ظبي النفاروقوله في مطلع آخر وفيه تلميح وتفنن: آمنت برهان ما بيلزم أنك نبي الزهر وبدر التم من طور خدك ما قرب موسى ومنين جبت ألن للمبسم من طور خدك ماقرب موسى ونارة اشترت منها السما شموساً تخمين قبل مبسمك عيسى وحول رضابك خمر حلو الطعم حول رضابك بالعجل خمره بكاس العقيق الزابدة حمرة من برقها في وجتنك جمرة قلبي مجاهرها وصبري ألفحم خمرة شفافك طعمها سكر ممزوج بالأطياب والعنبر خمارها خمارته سكر والوف عند أبوابها تلتم إلى أن ختمها بقوله: إياك تطمع بعدها لمرة في الطيف كاسات الطمع مرة ما كل مرة بتسلم الجرة خايف أنا بعد الطمع بتندم وله مع بعض الزجليين (القوالين) نوادر ومحاضرات ولاسيما ألفران وغيره إلى كثير مما يماثل هذه النوادر والنكات اللطيفة الجامعة لكثير من الأنواع البديعة كالجناس والتورية والتلميح والتوجيه والانسجام والتفنن وغيرها من ملح الكلام ولطائف النظام وكثيراً ما يساعد الزجل على سرد القصص والأقوال طبيعية بدون تكلف أملة القيود مثل الأعراب والوزن الخاص ذلك فيجيئ كله من السهل الممتنع والمعنى المبتكر. مشاهد برلين وعلى ذكر البحث في الأخلاق والآداب اذكر أني كنت أتجول في بعض الغابات حول قرية عن برلين نحو ساعة في القطار (فيزدورف) فخطرت على قلبي الموازنة بين المعارف والأخلاق وبدا لي وقتئذ أن كفة الأخلاق الإنسانية نظراً إلى وزنها بترقياته العلمية لم تزل خفيفة فقلت تحت عنوان أيها الإنسان: أما كفاك ظباء أو مهاً بربي حتى تقنصت آساد الشرى بزبي وما اقتنعت بما يطفو على لجج فغصت تلقط دراً تحتها رسبا ولمتقف عند تنسيقي المقال إلى أن ماج حسناً وصار الثغر والشنبا فبعد الرسالة دهراً أقمت له وزناً - أكان حصاً ثم انثنى ذهباً؟ قلبت وجهك بعد الأرض في فلك فظلت ترصد منه السبعة الشهبا أما تفقهت عنها في حقائق ما وراءها فنضحت الشك والريبا سار اليراع رويداً فانتهضت لما يحدو الصحائف في شوط أو الكتبا صغت الحديد مطايا إذ تلبثت ال - جياد أو لقيت في سيرها نصبا وضاقي الأرض ذرعاً عن خطاك فما لبست أن سرت في جو مسير جدا واشتقت لهجة ألف فاهتديت لأن تمتع السمع منها حيثما ذهبا حكى الصدى صيحة زجت فجئت بما يحكي القصائد أنى شئت والخطبا حب الحياة استثار منك إلى طب وحرب فكنت البرء والوصبا فما الطبيب بمستشفاه أرغب في ال - بقاء ممن يلاقي البيض والشهبا أرسلت في كل واد رائداً فدرى من حكمة البحث كنه البحث والسببا لكنني ما دريت اليوم أنك قد أفرغت في نفسك الأخلاق الأدبا كنت أسيح في تلك الغابات ترويحاً للخاطر وإيثاراً لها في بعض الأحيان على مشاهد الحضارة وزخارفها ولاسيما في أيام رمضان حتى قلت خلال السياحة في سياق الأعجاب بالبداوة والارتياح إلى بساطتها أبياتاً صورت فيها حالة راعي الغنم تحت عنوان (الملك الطبيعي) وهي: تقلد الملك بين الضال والسلم وهب يفتح من غور إلى علم فعرشه ربوة حاكت طنافسها أنأمل الغيث إذ جادت بمنسجم والشمس تاج تجلى فوق هامته فلا تسوره أضغان محتدم ما البدر والنجم إلا الكهرباء سرت من حوله فأماطت برقع الظلم وآلة الطرب الحملان ترتع في خصب فيسمع منها أطيب النغم والظبي يرقم في طرس ألفلاة خطاً أحلى لناظره من جولة القلم والرعد يوجز في إنذاره خطباً يكفيه رائعها عن مطنب الحكم والبرق (برق) بلا سلك يبلغه بشرى تلقنها من مصدر الديم صفت مناظر غدران فكان له فيها مرايا جلاها ساقل النسم عيناه ذي سارقت جفن المها نظراً وتلك ناظرة شزراً إلى الأجم لم يتخذ سمرا توحي إليه بما شاءت وتخضب بعض الحق بالكتم وما توارى لا بحجاب تذود أخا قضية قد أسالت قلبه بدم لم يثنه الغوص في مجرى السياسة إن تهزه رقية النفاث في الكلم ألم تقف تلكم الورقاء تنشده من شعرها موقف المثني على هرم وما أمتطى مركباً كي لا يضاق في مطافه أنفس العجفاء الهرم ومن تولى زمام الأمر في ملا=لم يقل في ساسهم سعياً على قدم وأذكر أني كنت ذات يوم في مقعد من أحد المنازه العامة وفي يدي صحيفة أكتب بها بعض ما يسنح من الخواطر فوقف علي أحد الأساتيذ فسألني عما أكتب فقرأت عليه من حديث تلك الصحيفة الجمل الآتية: تفرق الأمة يفضي إلى موتها. وأقول التفرق أثر الموت فإن الجسم يموت فتفرق أجزاؤه. أربط نفسك باعتقاداتك تعمل لمن يشب أو ينشأ بعد موتك حتى لا يكون في صدرك حرج إذ تكون بضاعتك بين أهل عصرك كاسدة. يتلذذ المستقيم بعفته كما يتلذذ ألفاسق ببلوغ شهرته ولكن أمام لذة الاستقامة عقبة لا يقتحمها إلا قوي الإرادة. لا تثق في نفسك فيما تدعي من الإخلاص لأمتك حتى يلذ لك أن تصلح الخلل في نظامهم وهم لا يشعرون. إذا وثقت بعرى التوكل على الله لم تحتج أن تمر إلى الحق على جسر من الباطل إن الرجل ليعجب مما يصنع الساحرون أفلا يعجب من لذة تمر على قلبه مر السحاب ثم تنقلب مخازي تلبث في صحيفة حياته أحقاباً. يكفيك فيما تجتني من ثمرة العلم الصحيح أن يرفع همتك عما فتن به الجاهلون من زهرة هذه الحياة. إذا أغلق المحيط عين رقبائك وختم على أفواه عذالك ثم راودك على أن تنزع حلية أدبك فقل ليس للفضيلة وطن كيف تسترسل مع الأصحاب إلى أن تحيد عن جانب ألفضيلة وهم لا يرقبون ذمتك فيقفوا لك عند ما تقف في دائرتها. أسير مع الرجل على قدر ما أدرك من قيمته فإن نظرت إليه على حسب وجاهته أو كساد سمعته عند الناس فقد ألقيت بنفسي في حمأة من التقليد. إذا أحببت الذي يجاملك وهو يحارب الله لم يكن بغضك لمن حارب الله وأمسك عن مصانعتك من قبيل الغيرة على حرم الشريعة. لا يدرك قصير النظر من الحدائق المتناسقة غير أشجار ذات أفنان وثمار ذات ألوان وإنما ينقب عن منابتها وأطوار نشأتها ذو فكرة متيقظة. لا تحمل نفسك مالا تطيق من منة وضيعاً ونخوة فخور فإذا أحسست في صدرك بالحاجة إليه فاصنع ماذا تصنع لو بقي في مولته الأولى أو أدركته مولته الثانية. لا تعجب لذوق ينكر ما ألفته أو يألف ما أنكرته حتى ينقلب في التجارب والمشاهدات التي تقلب فيها ذوقك أطواراً. قد يقف لك الأجنبي على طرف المساواة حتى إذا حل في وطنك غالباً دفعك إلى درك أسفل واتخذ من عنقك موطناً. في الناس من لا يلاقيك بثغر باسم إلا إذا دخلت عليه من باب الغباوة أو خرجت له عن قصد السبيل فأحتفظ بألمعيتك واستقامتك فإنما يأسف على طلاقة وجهه قوم لا يفقهون. إن من الجهال من يرمي على مقام وجيه فعلمه بسيرتك القيمة إن الجهالة لا ترجح على العلم وزناً وإن وضع بإزائها السلطة الغالبة أو الثروة الطائلة يكفي الذي يسير في سبيل مصلحة الأمة وهو يلاحظ من ورائها منفعة لنفسه يكون في حل من وخزات أقلامها أما أطواق الشكر الصادق فإنما يتقلدها المخلصون ألا ترى الماء الذي في مجاريه الأقذار كيف يتهجم منظره ويخبث طعمه فاطرد عن قلبك خواطر السوء فإنه المنبع الذي تصدر عنه أعمالك الظاهرة لا تنقل حديث الذي يفضى به إليك عن ثقة أمنك وحسن عقيدة في أمانتك ويمكنك متى كان يرمي إلى غاية سيئة أن تجعل مساعيك عرضة في سبيله فتحفظ للمروءة عهدها وتقضي للمصلحة العامة حقها لو فكرت في لسانك حين يعرض لاطراد نفسك لم تميزه عن السنة تقع في ذمها إلا بأنه يلصق بك نقيضة لا يحتاج في إثباتها إلى بينة إذا ركبت في السياسة مركب الشعر فقلت ما لا تفعل أو همت في واد لا تعرج فيه على حق فانفض ثوبك من غبارها فإنه ليس بالغبار الذي يصيبك في سبيل الله أصغي ذلك الأستاذ إلى هذه المخاطرات فابتسم لها ابتسام المستحسن ولكنه ناقشني في الخاطرة الأخيرة منها قائلاً إن مجال السياسة أوسع من دائرة الحقيقة) فلم يسعني في الجواب عن هذا النقد سوى أن قلت أن الوقائع النادرة لا تمنع من سبك المقلات الموجزة وصياغتها في أساليبها المطلقة نقودهم تحتوي الليرة على ٢ . ماركاً وتترتب من ٩ . . قسم من الذهب و ١ . . قسم من النحاس ويحتوي المارك على ١ . . فينيش ويتركب كالقطعة ذات ثلاثة أو خمسة ماركات من ٩ . . قسم من ألفضة و ١ . . قسم من النحاس ويتركب ألفنيش من ٩٥ قسماً من النحاس و ٤ أقسام من القصدير وقسم من الزنك وهناك قطع من النيكل ذات خمسة فينيشات وتتركب من ٢٥ قسماً من النيكل و ٧٥ قسماً من النحاس ولا فرق في المعاملة عندهم ما بين الأوراق النقدية والمسكوكات الذهبية والفضية وكثيراً ما تعطى الورقة ذات الخمس الليرات لمن يستحق مقدار عشرة متليكات كصاحب القهوة فيمسكها من غير أن يشمئز منها قلبه ولا يعز عليه أن يصرفها بأوراق صغيرة وكثير من المسكوكات ألفضية كلمة في الموسيقى اقتبسوا أنغامهم الموسيقية وتلاحينهم من الأوضاع الإنكليزية وقد هموا هذه الآونة أن يهجروها ويستبدلوا غيرها بها قطعاً لآثار الإنكليز من بينهم وأكبر موسيقي ظهر لديهم الشاعر (فكتر) - المتوفي سنة ١٨٨٣ وله روايات شعرية تستعمل في الملاهي التي تجري فيها الروايات مقارنة لأنغام موسيقية وتستعمل عندهم رويات شاكسبير الإنكليزي من شعراء المائة السادسة عشرة وقد أحب بعضهم طرحها والاستغناء عنها بالروايات التي هي من أوضاعهم ورأى آخرون إبقائها لأن شاكسبير لم يقل في الأمة الألمانية سوءاً اللغة ونبذها من آدابها تنقسم اللغة الجرمانية إلى قسمين شمالية وتندرج فيها الدانماركية والنرويجية والسويدية وجنوبية وتدخل فيها الإنكليزية والهولاندية والألمانية واندمج في اللسان الألماني مفردات كثيرة من اللسان ألفرنسي والإنكليزي وكان فيما ولد عن هذه الحرب أن أخذوا في إلغائها والاستغناء عنها بما يقوم مقامها من الأوضاع الألمانية ولا يعز عليهم ذلك ما دامت لهم جمعية لغوية قائمة بإصلاح اللغة وتكميل نواقصها بني اللسان الألماني على وضع الأعراب مثل اللغة العربية وينقسم الاسم فيه إلى مذكر ومؤنث وواسطة يسمى بالمجرد وعلامات الإعراب في الأنواع الثلاثة مختلفة ومن خواص هذا اللسان أن يضع المتكلم أداة التعريف ويذكر عقبها أوصاف المعرف مفردات وجملاً ثم يأتي بالسم المعرف من بعدها وربما اشتملت تلك الجمل المتوسطة على أدوات تعريف ومعرفاتها ويماثل هذا أن لهم أفعالاً كثيرة تتركب من كلمتين وتدل على معنى واحد فيأتي شطر ألفعل بصدر الجملة وتلقى القطعة الثانية في آخرها وقد يفصل بين القطعتين بما ينوف على عشر كلمات وهذه الوجوه هي التي يلاحظها من يرى في تعلم هذا اللسان صعوبة تستدعي مدة أوسع من أوقات تعلم كثير من الألسنة ولكنها من جهة الكتابة سهلة المأخذ جداً لأنم الأحرف المرسومة هي المنطوقة بها من غير تفاوت ويلتزمون التعبير عن المفرد المخاطب بضمير الجمع إلا لاأن يكون من صغار أقاربه أو يكون الخطاب في شعر وإيراد ضمير الجمع للمفرد المخاطب تعظيماً له لم يكن معتاداً للعرب قبل هذه العصور وإنما يعرف منهم هذا الأسلوب في حال المتكلم فيستعمل المتكلم ضمير الجمع مكان ضمير المفرد تعظيماً لنفسه وورد عنهم ضمير الجمع المخاطب في الواحد بقلة ومن شواهده قوله تعالى (رب ارجعون) الآية حيث وقع خطاب الله تعالى بواو الجماعة إجلالاً وأدباً رفقت لهم فيما يستعملون من محاسن البديع على مثل الجناس والتورية وكانوا يعتبرون في طريقة شعرهم اتفاق الكلمات في أحرفها الأولى وأصبحت اليوم مراعاتهم لهذا الشرط نادرة أما صنعاة الخطابة فإني كنت شهدت محاضرات وخطباً كان أصحابها ينظرون عند إلقائها إلى أوراق نصب أعينهم فوقع في خاطري أن هذه الصناعة لم تبلغ عندهم أشدها ولكني حضرت مسامرة موضوعها (الإسلام في عالم الحرب) فقال بعد المسامر ثلاثة خطباء من غير أوراق والقوا خطباً مسهبة بترسل في القول ونؤدة ولا يشير الخطباء بأيديهم كثيراً حال الخطبة بل سمعت منهم من ينكر ذلك الصنيع ولا سيما حركة لا يكون وضعها مناسباً للمعنى الذي يقترن بها وهذا ما كان العرب ينقدونه على خطبائهم أيضاً قال الحجاج لأعرابي الخطيب أنا قال نعم لولا أنك تشير باليد وتقول أما بعد ويعدون بسمرك من أبلغ خطبائهم الذين يخطبون بلهجة شديدة ولبلاغته في لسانهم يستشهد مؤلفو الكتب اللغوية ببعض عباراته يوجد في أدابهم من يقول الشعر ارتجالاً كنت حضرت لشاعر يقف في مشهد عظيم فيلقى عليه طوائف من الحاضرين جملاً منثورة في معان متباينة وهو يكتبها في أوراق بيده جملة بعد أخرى وبأثر ألفراغ من الكتابة ينطق بكل جمله منها شعراً يؤديه في صوت ولهجة قوية ضبط إداري يوجد مع كل شرطي سفر في ضمنه أسماع الشوارع والحارات والمحلات الشهيرة مثل دوائر الحكومة والمعاهد العلمية فيستعين به في أداء وظيفته ويهدي به من عمي عليه السبيل من السائلين ويحمل ميزات المائعات (أر يوميتر) فيزن ما يجده عند الباعة من حليب ونحوه فإذا عرف فيه خلطاً أراقه ويراقب الشرطي الغرباء وغيرهم يتتبعهم بالملاحظة حيثما تقلبوا كنت يوم ماراً في جاداً من العاصمة فلقيني شرطي وناولني مكتوباً أرسل إلى من طرف إحدى الجمعيات وانصرف من غير أن يسألني عن اسمي ومن تراتيب إدارة الشرطة أن أصحاب البيوت أو الخانات إذا نزل عندهم أحد قدموا إليها ورقة تحتوي على اسمه وبلاده وعمره وحرفته ثم أن الدائرة تطلب الشخص نفسه لتنظر في حاله وتطلع على رخصة سفره أن كان من بلاد أجنبية. ومن شواهد اعتناء إدارة السكة الحديدية بالشؤون المتعلقة بها وأخذها فيها بطريق الحزم أن ضاعت مني ورقة القطار الشهرية بين برلين وقرية فنزدورف فبقيت ثلاثة أيام أسافر بورقات يومية ولما جئت في اليوم الرابع إلى مقطع الأوراق أقبل على أحد العاملين في الإدارة وقال لي ضاعت منك ورقة شهرية وقد عثرنا عليها ثم صعد إلى محل الإدارة وناواني إياها وكان وجه العجب إني لم ألق إليهم خبرها من قبل ولم أضع عليها اسمي ذهولاً عما جرت به عادتهم. العقوبة البدنية لا يجيزون العقوبة البدنية إلا لمن سجن في جناية تنزع شرفه ويخاطب عند ذلك بضمير المفرد المخاطب ومن أمثلة الجنايات التي ينسلخ بها الشرف عندهم أن يفسد الرجل عرض من لم يتجاوز عمرها الرابعة عشرة من سنها ويجري الإعدام قصاصاً عندهم بآلة مثل الساطور تضرب في عنقه من خلف ولا يقع علناً بل يشهده أفراد خاصة مثل الحاكم به والمدعي العام. مسجد الأسرى  أنشأت الدولة الألمانية للأسرى المسلمين جامعاً للصلاة وحماماً ومحلات للوضوء ومنارة شامخة للآذان وإقامت غرة رمضان سنة ١٣٣٣ حفلة افتتاحية محضرها سفير دولتنا العلية محمود مختار باشا وفريق من أعيان العسكرية والنظارة الخارجية الالمانية وجمع كبير من الشرقيين والمستشرفين فألقى نائب النظارة الحربية خطاباً ترجمه إلى العربية بمنطق فصيح القبطان منس ثم ألقى سفيرنا خطاباً باللسان الألماني ثم تلا أمام الاسارى وهو من أعيانهم الجزائر بين خطاباً شكر فيه رفق الدولة الألمانية ومجاملتها لهم ثم القي كاتب هذه المقالة خطاباً عربياً. عنايتهم بأحوال الشرق لم يكن للألمان على ما عهدوا من إشباع البحث في أحوال الأمم عناية بمعرفة الشؤون الشرقية تشابه العناية التي أخذتهم لعهد هذه الحرب فقد أصبحوا يوسعون البحث في أحوال الشرق ويلتقطون دقائق أخباره السياسية أو العلمية أو الاجتماعية بملء آذانهم ومجامع قلوبهم ومن أثر هذه العناية أن أنشئوا منذ ابتداء الحرب دائرة ترتبط بنظارة الخارجية تسمى إدارة الأخبار الشرقية واستخدموا فيها فريقاً من العارفين الألسنة الشرقية فترى بين العاملين فيها الكاتب العراقي والمصري والجزائري والفارسي والحجازي والقفقاسي والهندي وتجلب إليها الجرائد والمجلات العربية والتركية والفارسية والهندية وغيرها ويترجمون منها إلى الألمانية ما يهم الإطلاع عليه، ولا سيما المقالات والآراء التي لها مساس بحالة الإسلام أو ألمانيا ومن أعمال هذه الإدارة نشر الرسائل والمحاضرات التي لها علاقة بالحرب الحاضرة بالسنة مختلفة. وألقى بعض الألمانيين أيام كنت هناك محاضرات كثيرة في الكشف عن أحوال الشرق الإسلامي منها محاضرة تبحث عن الاقتصاد في العثمانية وأخرى في ألفرس ومحاضرة موضوعها الإسلام في عالم الحرب، ومن عاداتهم في المحاضرة أن ينصب المحاضر عن يساره أو يمينه خريطة البلاد التي يقصد البحث في حالتها وربما عرضها في التمثيل السموتغرافي ويشير في أثناء تقريراته بإصبعه أو بقضيب في يده إلى الأماكن التي جرته المناسبة إلى الحديث عنها. ومن بين صحفهم مجلة تسمى (العالم الإسلامي) تنشر الأبناء الواردة عن عالم الإسلام وتبحث عما يجري فيه من شؤون اجتماعية أو علمية، وكنت أهديت إلى مدير الأخبار الشرقية نسخاً من تأليفنا الحرية في الإسلام. حياة اللغة العربية. الدعوة إلى الإصلاح. مدارك الشريعة الإسلامية. مناهج الشرف. فعرضها على الأستاذ (مرتين هرتمان) مدرس اللغة العربية بمدرسة الألسنة الشرقية وأخبرني هذا الأستاذ أنه كتب في التعريف بها كتابة يريد نشرها في عالم الصحافة. مخطوطات ومطبوعات الأسرار الكونيةفي الكرة الأرضيةالجزء الأول والثاني تأليف محمد علي أفندي المحايريطبع بمطبعة روضة الشام بدمشق سنة ١٣٣٣ وهو مختصر في أقسام الأرض الطبيعية والسياسية وأقسام المخلوقات مع فروعها وهو نافع لتلامذة المدارس الأحداث وقد توسع المؤلف قليلاً في جغرافية بلاد الشام وعساه يعتمد في الطبعة الثانية على أحدث المعلومات عنها فإن منها ما قدم وتغير ولكن ذلك لا يضر بفائدة هذه الرسالة. دروس الزراعةتأليف فوزي بك العظم طبع على نفقة المكتبة الهاشميةبمطبعة الترفي هو مختصر يحتوي على أبحاث زراعية مقتبسة من إحداث الكتب العصرية والمؤلف سبق له أن نشر رسائل في بعض العلوم الحديثة واعتاد التأليف والتدريس وعرف حاجة الطلبة ولا غرو إذا كانت رسائله وكتبه نافعة في بابها لمن يقصد به نفعهم من عشاق العلم والمعارف. كنز النجاة في علم الأوقافللشيخ عبد الواسع يحيى الواسعي طبع بمطبعةالفيحاء بدمشق سنة ١٣٣٤ هـ هو مختصر في ألفلك القديم ذكر فيه عدد المنازل وتقسيمها إلى الجنوب والشمال وتقسيمها على فصول السنة ومعرفة ميزان الشمس وعدد البروج وتقسيمها على المنازل وعدد الشهور الرومية وأسمائها ومعرفة العمل بجدول السنين العربية وجدول الأوقاف ومعرفة القمر في أي منزلة ومعرفة الساعات بالنجوم ونجوم الزيادة والنقصان والإستواء ومعرفة ألفجر الصادق والكاذب والكوكب الليلي والنهاري ومعرفة ساعات الظهر والعصر ووقت العشاء ووقت ألفجر إلى غير ذلك من ألفوائد. تاريخ بيروت تأليف ف. فارجابيد هو مختصر في تاريخ بيروت نشرة بالا فرنسية في جورنال بيروت ثم طبع على حدة وفد اعتمد فيه المؤلف على مصادر كثيرة وواجز بقدر ما تساعد عليه حالة جريدة يومية ومع هذا فهو غاص بالفوائد. السنة الأولى للحرب////. هو مختصر الحوادث في الحرب وكيف نشبت الحرب بين الدول المركزية وسائر دول أوربا نشرتها جريدة بيروت الافرنسية باللغة الافرنسية بعبارات موجزة اخصر من عبارات البرقيات كل يوم بيومه بحيث يرجع إليها فيما بعد ويأخذ منها محل الشكال من أيسر سبيل فلهذه الجريدة الشكر على هذه العناية. حق اليقينفي التأليف بين المسلمين للسيد محسن الأميننشرت أولاً في مجلة العرفان في صيدا سنة ١٣٣٢ غرض المؤلف أن يفهم ألفريقين أهل السنة والشيعة أن منافرة كل فريق للفريق الآخر لا تعود عليه بنفع وإنما تجلب له الضرر وإنه يجب على ألفريقين تحكم العقل والدين لأجل التقرب من ألفريق الآخر ومعاملته بالحسنى وأورد على ذلك الحجج. رسالة الخطللشيخ أحمد رضا نشرت تباعاً في مجلة العرفانسنة ١٣٣٢ في ٤٨ صفحة المؤلف مشهود له بالفضل وسعة المدارك والبحث العلمي عرف ذلك له مما كتب في المجلات ولا سيما في العرفان والمقتطف وهذه الرسالة في الخط هي مما خططه أنامله من حاضر المواد التي عثر عليها ووصلت إليه فأشبع الموضوع وضوحاً ببحثه من أطرافه. كتاب المسح على الجوربينتأليف المرحوم الشيخ جمال القاسمي ويليه كتاب الاستئناسلتصحيح انكحه الناس له أيضاًطبعاً في مطبعة الترقي بدمشق سنة ١٣٣٣ هاتان الرسالتان لفقيد الإسلام المشار إليه وهو كسائر ما كتبه من التحقيق وبغض النظر وفهم أسرار الشريعة وتقريب الناشزين منها إلى إرجاعهم إلى حظيرتها وقد عني بتصحيحهما شقيق المؤلف الشيخ قاسم خير الدين القاسمي. المردانياتلشيخ الإسلام أحمد تقي الدين بن تيميةطبع على نفقة الشيخ نايف سليمان الصالح شبليفي مطبعة ألفيحاء بدمشق سنة ١٣٣٣ (ص ١٢٢ ) أبدع شيخ الإسلام ابن تيمية المصلح الأعظم في القرون الوسطى في كل ما كتبه وهذه الرسالة هي في حل مسائل يكثر وقوعها ويحصل البتلاء بها ويحصل الضيق والحرج بالعمل بها على رأي إمام بعينه وكلها معقولة مشفوعة بالعقول الصحيحة الجغرافية العمومية العثمانيةالحلقة الثالثة تحتوي على ٤٤ شكلاًو ٨ خرائط تأليف أحمد جودت أفندي الماردينيطبعت بمطبعة الترقي بدمشق سنة ١٣٣٣ ( ٣ . ٤ ) هو مختصر مفيد في هذا ألفن الجليل جعله المؤلف بحيث تتناوله أذهان الطلبة على أسهل ما يكون ورتبه على طريقة جميلة في إجمال ما فصل والسؤال عما أورد في كل فصل واعتمد فيه على أحدث كتب هذا ألفن. مبادئ الجغرافيا العمومية والعثمانيةتأليف أحمد جودت أفندي الماردينيطبع بمطبعة الترقي بدمشق هذا مختصر من الكتاب الأول يحتوي على ٣١ شكلاً و ٨ خرائط بنفع أحدث الطلاب وأصغرهم سناً وعسى المؤلف أن يكمل هذه السلسلة البديعة فيجعل عدة كتب بحيث يستغني بها الطالب عن تطلب المزيد في علم تقويم البلدان. ولاة مصر وقضاتهالأبي عمر محمد بن يوسف الكندي نشره المستر رفن غست طبع فيالمطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩٠٨ طبع هذا الكتاب الأوصياء على تركة المستر جيب المستشرق ذكرى لأثره وإتماماً للخدمة التي كان بدأ منها من أحياء أثار العرب والفرس والترك وقد أضاف إليه طابعه ذيلاً لأحمد بن عبد الرحمن بن برد في أخبار القضاة الذين تولوا مصر سنة ٢٣٧ و ٤١٩ منقولاً عن كتاب رفع الأصر في قضاة مصر للحافظ بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ ومن كتاب النجوم الزاهرة بتلخيص أخبار قضاة مصر والقاهرة لجمال يوسف بن شاهين سبط بن حجر ومن كتاب تاريخ الإسلام للحافظ شمس الدين الذهبي الدمشقي المتوفي سنة ٧٤٨ فجاء الأصل ألفرع في ٦١٤ صفحة عدا فهرس الإعلام الذي يبلغ نحو ٧ . صفحة وعدا المقدمة الإنكليزية التي قدمها الناشر وهي تبلغ مع ألفهارس نحو ٦ . صفحة وعدا الخريطتين الإنكليزيتين اللتين شفع بهما الكتاب وهما خريطة مملكة الدولة العباسية وخريطة مصر وقد أتى بنموذج من الخط المنقول عنه الأصل طبعه بالطبع الحجري. وقد كان كتاب القضاة الذين ولوا قضاء مصر لكندي هذا مع ذيله لابن برد طبعاً في رومية سنة ١٩ . ٨ على يد الأستاذ كوتهيل أستاذ جامعة نيويورك وألحقه ببعض ألفهارس فجاء في ١٦٧ صفحة ماعدا ألفهارس إلا أن هذه الطبعة التي وضعها المستر غست مع الزيادات أتم وأهم (المقتبس م ٦ ص ٧٧٣ ) وفي المقدمة الإنكليزية به تاريخ القطر المصري وما تقلب عليه من الحوادث وكلام على المؤلف طويل والنسخة المنقول عنها كتبت له أيام كان قائداً لجيوش الملك المعظم عيسى الذي حكم دمشق من سنة ٦١٥ إلى سنة ٦٢٤ وطريقة المؤلف في الرواية طريقة المحدثين وفي الكتاب مادة لمعرفة تاريخ مصر والشام ولاسيما مصر ومن قام فيها من رجال وما حدث فيها من الأحداث وهاك نموذجاً منه قدوم أمير المؤمنين ألفسطاط قدم لعشر خلون من المحرم سنة سبع عشرة ومائتينيفسخط على عيسى بن منصور وأمر بحل لوائه وأمره بلباس البياض وقال لم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك حملتم الناس ما لم يطيقون وكتمتوني الخبر حتى تفاقم الأمر واضطربت البلد وضم أصحابه إلى أبن عمه موسى بن إبراهيم وولى المأمون على شرط الفسطاط أحمد أبن اسطام الأزدي من أهل بخارى وركب أمير المؤمنين فنظر إلى المقياس وأمر بإقامة جسر آخر فعمل له هذا الجسر القائم بالفسطاط اليوم وترك القديم وعقد لأبي مغيث موسى بن إبراهيم على جيش بعثه إلى الصعيد في طلب أبن عبيدس الفهري ومعه رشيد التركي فظفروا بالفهري بطحا وارتحل المأمون إلى سخاسلخ المحرم سنة سبع عشرة ثم سار إلى البشرود والأفشين قد أوقع القبط بها فنزلوا على حكم أمير المؤمنين فحكم بقتل الرجال وبيع النساء والأطفال فبيعوا وسبي أكثرهم وأتى بالفهري إلى سخا فقتله وتتبع كل من يومي إليه بخلاف فقتله فقتل ناساً كثيراً ورجع إلى ألفسطاط يوم السبت لست عشرة من صفر سنة سبع عشرة ومضى إلى حلوان فنظر إليها وأقام بها ثلاثاً ورجع إلى ألفسطاط فخرج على مقدمته أشناس وارتحل المأمون يوم الخميس لثماني عشرة من صفر فكان مقامه بالفسطاط وسخا حلوان تسعة وأربعين يوماً هذا مثال من العمل الإداري في مصر لعهد المأمون والعبرة في هذه القصة بقول المأمون رضي الله عنه لعاملهلم يكن هذا الحدث العظيم إلا عن فعلك وفعل عمالك حملتم الناس على مالا يطيقون وكتمتموني الخبروكانت الناس في تلك العصور على شيء من الأباء وعزة النفس ومن ذلك أمثلة كثيرة في هذا الكتاب منها ما ورد في الذيل نقلاً عن رفع الأصر في ترجمة عبد الله بن أحمد بن زبر أحد القضاة الذين تولوا دمشق ومصر قال المؤرخ أنه كان قوي النفس كثير الجهد واسع الحيلة وكان الوزير علي بن عيسى منحرفاً عنه ولما سعى في قضاء مصر دافع بولايته وكان السبب في انحرافه عنه كان يولى فضاءؤ دمشق فاتفق أن الوزير دخل دمشق في مهم من المهمات فخرج أهلها إلى لقيه ومنهم القاضي فسايره فصاح به أهل البلد ونسبوا القاضي إلى كل سوء من الرشا والظلم وغيرهما من ألفواحش والوزير يلتفت إليه فيقول له ما يقولوا هؤلاء فقال يشكون إلى الوزير غلو الأسعار وضيق الأحوال ويسألون حسن النظر إليهم والعطف عليهم فلما عاد إلى بغداد صرفه عن الحكم بدمشق أقبح صرف قال الحافظ الذهبي في حوادث سنة ٣٢٩ قال أبو عمر الكندي أخبرني علي بن محمد المصري أنه رأى القاضي ابن زبر بدمشق اجتاز بسوق الأساكفة فشغبوا عليه ودقوا بشفارهم تخوتهم قائلين كلاماً قبيحاً وهو يسلم عليهم ويتطارش ويظهر أنهم يدعون له وهاك نموذجاً آخر من الكتاب قال ابن ميسر لما مات ابن الخطيب سعى ابن الوليد في القضاة وبذل لكافور مالاً فقام الناس في وجهه فرفعوا عليه فعزل عنه إلى أبي طاهر الذهلي ولما ولي عبد الله بن وليد قضاة دمشق أرسل ولده محمداً نائباً عنه وكان أهل دمشق اختاروا حكم بن محمد المالكي قاضياً عليهم لما شعر القضاة بموت قاضيهم الخصيبي وإعزال خليفته محمد بن اسمعيل الزيدي وذلك في أمرة فاتك الأخشيدي على دمشق فوصل محمد إلى دمشق في شعبان سنة ٤٨ وهو شاب ثم وقع من دمشق من أهل دمشق منازعة في اختيار من ينوب في القضاة فتعصب قوم لمحمد ولد ابن وليد وقوم ليوسف الميانجي وكان الأعيان مع الميانجي والأوباش مع ابن وليد وذلك في رجب سنة ٤٩ فاجتمع الشيوخ وانضم أكثر أهل البلد فاجتمعوا بفاتك ورفقته الغلمان الأخشيدية وشكوا لهم ما لقوا من الإساءة فانصفوهم فانصرفوا من عنده احسن انصراف وصرف ابن وليد. رواية وفود النعمانهي عربية تاريخية تمثيلية تمثل وفود العرب على كسرى أنو شروان ذات خمسة فصول لمؤلفها محمد عزت أفندي دروزة من أدباء نابلس جاءت في ٥٤ صفحة. في زوايا القصورطبع بمطبعة جدعون في بيروت سنة ١٩١٣ هو سفر أخبار ونوادر غربية عن ملوك هذا العصر وأمرائه وحياتهم البيتية مأخوذة عن أوثق المصادر مكتوبة بعبارة سهلة طيلة بقلم أمين أفندي الغريب ومطالعة هذا السفر تسلي القارئ وتزيد معلوماته عن الغربيين وعاداتهم وما حواه مبعثر في بطون الكتب والصحف فجمعه المؤلف على هذا المثال بعد نشره في جريدة الحارس. تاريخ آداب اللغة العربية تأليف جرجي بك زيدان صاحب الهلال الجزء الثالث ص ٣٤٨ طبع بمطبعة الهلال بمصر سنة ١٣١٣ يحتوي هذا الجزء على تاريخ آداب اللغة العربية من دخول السلاجقة بغداد سنة ٤٤٧ وإلى دخول ألفرثا وبين مصر سنة ١٣١٣ وفيه كلام على ما انتجته العقول في العصر العباسي الرابع والعصر والعصر المغولي والعصر العثماني وهي عصور الإكثار من المصنفات وتأليف أمهات كتبنا منسقاً أحسن تنسيق على عادة المؤلف فقيد الآداب بحيث يقرأ المرء كل فصل في محله ويلتقط كل فائدة من مكانها وكتابه زبدة عشرات من كتب العلم والتاريخ والسير المعروفة ومنها المخطوط الذي تيسر للمؤلف العثور عليه في بعض المكاتب العامة والخاصة ولو كانت طبعت جميع تركة السلف من الأسفار لجاء هذا الجزء ضعفي ما هو عليه من الحجم وتكون ألفائدة على تلك النسبة ولكن لا جود إلا من موجود ومن تلا هذا الجزء والجزئين السالفين يتبين له إفدار علماء السلف وإكثارهم من التأليف في كل فن ومطلب أيام كانت اللغة زاهرة وسوق العلم نافقة غير بائرة. إرشاد الأمةإلى التبر المدفونالقسم الأول تعريب أحمد مختار بك الحسني طبع بمطبعة الترقي بدمشق عام ١٣٣٣ هـ (ص ١٧٦ ) هو كتاب في الزراعة عربه معربه عن الإفرنسية ومزجه ببعض الأفكار من عنده ولا سيما في المقدمة وصف فيها حالة الزراعة وتسامح ألفلاح السوري والملاك السوري وقد حلاه ببعض الصور فجاء نافعاً في بابه لقلة ما في الأيدي من الكاتب الزراعية الحديثة ومن أهم ما قرأناه فيه الإدارة الزراعية في الغرب والإدارة الزراعية في سورية إلا أنه ألقى جميع التبعة لتساهلنا على عاتق الأهليين وحدهم فنحث كل من تهمه الزراعة على مقتتناه تنشيطاً لمؤلفه وأخذاً من فوائده المقتبسة عن الغربيين. التصريف الملوكي صنعه أبي ألفتح عثمان بن عبد الله بن جني عني بتصحيحه وفهرسة مطالبه وشواهده وإشارات جملة الشيخ محمد سعيد النعسان طبع بمطبعة شركة التمدن المصريةسنة ١٣٣١ و ١٩١٣ المؤلف من أئمة العربية والناشر الشارح من أساتذة حماه لعهدنا وقد جود طبعه بالشكل الكامل وعلق عليه تعليقات لطيفة فجاء وافياً بالمراد جديراً بإقبال طلاب العربية عليه الذين يشكرون له هذه الخدمة ويتمنون إطرادها بأحياء الأسفار النافعة للسلف وخدمتها بالتعليق عليها خدمة تقر بها من أذهان الطالبين والمتأدبين. جواهر الأدبمن خزائن العربطبع في المطبعة العمومية في بيروت هو مجموع آداب وحكم وأشعار ولطائف مختارة من أهم كتب المحاضرات والأدب ودواو البلغاء بنشره سليم أفندي إبراهيم صادر صاحب المكتبة العمومية في بيروت وقد ظهر منه إلى الآن خمس مجلدات لطيفة وكلها بالشكل الكامل طبعت بالمطبعة العلمية فنثني الثاء المستطاب على جامعها وناشرها ونحث المدارس على الاعتماد على مثل هذه الكتب القليلة الجرم الغزيرة العائدة التي تقوي ملكة البيان في الشبان وتجعل منهم عبارات البلغاء والحكماء على طرف الثمام. كتاب الياس جرجس طرادجمع جرجي أفندي نقولا باز طبع بمطبعة جدعون في بيروتسنة ١٩١٤ (ص ٣٩٨ ) أجاد صديقنا جامع هذا الكتاب في جمع سيرة سليل مني طراد المشهورين بأنه ظهر بينهم عدة فضلاء ونوابغ أدباء وهذا هو في جملتهم وقد الم بأصل أسرة طراد البيروتية وقال أنها عادت كمعظم الأسر المهمة في لبنان في القرن الرابع عشر من حوران إلى الكورة وبعد مائتي سنة تفرقت في البلاد وذكر تراجم المشاهير من هذه الأسرة وتوسع في ترجمة من ألف له الكتاب وذكر شيئاً من خطبه ومقالاته وكتبه وشعره فاستحق صديقنا المؤلف ثناء الأدباء لعنايته بأخبارهم وآثارهم وغيرته على ألفضل والفضيلة. التحفة السنيةفي المشايخ السنوسيةلعلي أفندي الجميل الموصلي طبعت بمطبعة سرسم في الموصل سنة ١٣٣١ هي رسالة نافعة جميلة الإنشاء عرب بعضها عن رسالة تركية لأحمد حلمي أفندي الفلبه لي ضم إليها معربها ما قالته بعض الصحف العربية في الشيخ السنوسي ونسبه وأسرته وعمله في الحرب الطرابلسية وما صدر عنه فيما قيل من الرسائل إلى قائد العساكر الطليانية والرسالة مفيدة في بابها لو تجردت من المبالغة. أخبار وأفكار الخط البغدادي سيكون أهم الخطوط الحديدية في السلطنة خط الأستانة - بغداد وطوله ٢٤٢٥ كيلو متراً تم منها الآن ١٨ . ٢ وجرى استثمراها بالفعل أما ال - ٤٢ كيلو متراً المارة من سلسلة جبال طوروس وال - ١١ كيلو متراً الواقعة في النفق العظيم هناك فلا يتأتى إنجازها قبل ستين لعسر الطريق وقد انشئ طريق موقت ربط الخط به الذي انتهى إلى رأس العين على نحو ثلثمائة كيلو متر من حلب. قرانا وقراهم كتب رصيفنا صاحب الدام في جريدته مقالتين وصف بهما قرية قلد كيرخ في النمسا على عشرين دقيقة من الحدود السويسرية وسكانها خمسة آلاف يعيشون من غاباتهم وبقولهم وذكر فيها من أنواع الرفاهية والراحة والجمال واللطف ما لا يقصر عن أجمل العواصم هذا إلى تلك الغابات التي أصبحت بها الجبال والأودية خضراء غضراء والمياه تنبعث من كل مكان فكثرت بها المروج السندسية وعدلت برد الشتاء وحر الصيف ولم تصبح عرضة للسيول وتطهرت الأودية من الحصى الذي تجرفه الأمطار وكثرت الألبان وجادت اللحوم والثمار وأصبح السكان مظهراً للحياة المدنية وذكر عناية الأهلين بهندام بيوتهم وغرس الزهور والأشجار حواليها ولكل بيت حديقة تكفيه أرضها لإنبات البقول له وما يغالون به من تنظيم الكنائس والمدارس ولكل قرية مهما صغر حجمها كنيسة ومدرسة في أجمل مكان وأمتن صورة من البنيان وأن الحكومة أنشأت لهذه القرية كل مرافق الحياة من طرق معبدة وجادات وطرق وجسور وسكك حديد وتلفزيونات وإنارتها بالكهرباء والغاز وجعلت فيها بريداً ومدارس وملاعب عالية للبنات ودار للمعلمين وقال أن مثل هذه البلاد يحق لأهلها أن يدفعوا عنها من فتيانها إلى ابن الستين ولولا الحرب لقلت أنها أسعد بلد يسكنها إنسان لجمال أبنيتها وما زينت به من البدائع الصناعية الطبيعية وأنه يرى أن الأهالي إذا رقتهم الحكومة أولاً يعملون بعد أعمالاً مهمة كما فعل اليسار من سكان هذه القرية فإنهم أقاموا من أموالهم مقاعد في الجبال والأودية للسياح الذين يزورون بلدهم ليستريحوا عليها ولم يقولوا أن ذلك أمر لا يعنيهم وقال أن الوالي والمتصرف والقائمقام إذا كان لهم ذوق ومعرفة ينهضون بالبلاد نهوضاً غربياً وإن أعمالنا في الولايات لا يعنون بترقية من يتولون أمرهم وقال لو كان لي من الأمر شيء لنظرت في أحوال العامل قبل أن أعينه لأرى إذا كان يحسن تدبير أو أسرته فإذا كان كذلك وسدت إليه أمر الأمة وأيقنت أنه يحسن الإدارة قال أنه يحسن الإدارة قال إن هذه القرية ليس فيها كما في مملكتنا فرد واحد أصابته الحاجة وإن نواب النمسا والمجر صرفوا فضل معارفهم المدنية والاجتماعية في إنهاض أمتهم وإسعادها مما فكروا في إملاء جيوبهم وأنه رأى دكان مزين بهذه القرية ليس مثل مضافتها ولطفها في جميع جادة الباب العالي في دار السعادة وبهذا يتبين ألفرق بيننا وبين جيراننا ولم يرى في الآستانة شبيهاً للبلاط الذي رصفت به شوارع هذه القرية بل ولا متراً واحداً هذا ما قاله صاحب أقدام وهو يعود باللائمة على المحكوم وعلى الحكام أيضاً. والناس كلهم هنا إلا قليلاً حسالة لولا ما يحفزهم دافع الجوع في القرى ما رأيتهم زرعوا أرضاً أما الكماليات التي نعدها نحن كذلك وهي عند الأوروبيين حاجيات بل من متممات الحياة كهندسة البيوت وتنظيمها واستجادة فرشها وتحسين الموائد وهندام الثياب والشعر وقص الشعر واللحية وتعليم الأولاد وحضور الصلوات إلى غير ذلك مما أملت به القوانين الدجولية والمدنية فهذا مما لا يكاد يكون له أثر في أكثر قرانا ولذلك كانت قرية الدكيرخ أرقى من حاضرة ولاية من ولاياتنا بمراحل وليس غنى الأمم بكثرة عددها بل بنسبة الوطنيين العاملين فيها يقول رصيفنا أن النمساويين متدينون لا متعصبون وهذا التدين نفاهم في جامعتهم وتكوين وطنيتهم وليس في الدين ما ينفر من اتخاذ أسباب الراحة والتعامل بالحسنة ولا فيه ما ينكر اللطف والذوق وينافي العمل للرقي. إن قرية كالتي ذكرها يحيط أهلها بكل ما في العالم من موجبات الترقي والتعالي لا يكونون غرباء مما تعمله حكومتهم بل يقدرونه حتى قدره ويبادرون إلى إيجابة سؤلها من تلقاء أنفسهم في يوم الشدائد لو عمل الأهلون الواجب عليهم هنا على القدر الذي تعمله الحكومة لما أنحط لنا عمران ولا شكا ألفقر إنسان وإذا كانت النمسا بل قرية فيلدكيرخ إحدى قراها تعيش عيش سعادة ورخاء فذلك للأثر الناتج عن تعلم أهلها تعليماً عملياً ولأن أهل اليسار من أهلها ما ضنوا يوماً بوفرهم في سبيل الإخاء بأيدي أهل الطبقة الدنية من جيرانهم الغني عندهم لم يقل ليس هذا من شأني بل كان يفكر في جيرانه كما يفكر في أهل بيته وبذلك قامت مدينتهم وخافهم عدوهم وغبطهم صديقهم وكانت قراهم أرقى من قرانا ومدنهم لا تقبل القياس مع مدننا. خسائر الاتفاق يفهم من التقارير التي نشرتها دول الاتفاق أن خسائرها كانت إلى أخر سنة ١٦١٥ ثمانية ملايين وثلث مليون رجل منها ٢١ . . . . . رجل من فرنسا و ٤٦٥ . . . . من روسيا و ٣٥ . . . . من إنكلترا و ٣ . . . . . من بلجيكا (لم يبقى سوى ٥ . ألف من جيش بلجيكا المؤلف من ٣٥ . ألف) و ٥ . . . . . من سربيا (دعت لحمل السلاح رجالها إلى سن ٧ . فبلغ عدد الجيش ٦ . . ألف لم يبقى منه سوى ١ . . ألف) و ٥ . . . . من الجبل الأسود و ٢٥ . . . . من إيطاليا و ٨٣ . . . . . المجموع. معامل السكر في الشام الغالب أن مؤلفي العرب لم يكونوا يعنون عناية أهل هذه الأيام بذكر الصادرات والواردات من البلاد ولذلك عميت علينا كثير من أحوالها الاقتصادية فلا نعرف أكثر الصناعات التي كانت لعهد ارتقاء هذا القطر مثلاً إلا من سطور قليلة لا تكاد تبل الصدا. من كان يظن أنه كان يصدر في القرن الرابع عشر في الهجرة من بيت المقدس المرايا وقدور القناديل والإبر ومن طبريا ودمشق الكاغد أي الورق ومن صور السكر والخرز والزجاج المخروط لو لم يشر إلى ذلك المقدسي في كتابهأحسن التقاسيم في معرفة الأقاديمإشارة خفيفة. ومعلوم أن هذه الصناعات معدومة بتاتا في هذا القرن الرابع عشر من بلاد الشام وقد كتب الأمير شكيب أرسلان بمناسبة قلة الوارد من السكر وارتفاع أسعاره في القطر الشامي جملة في جريدة الشرق قال فيها: من أكبر دواعي الأسف أن يكون عندنا نهر كنهر الشريعة ماراً بأخصب أراضي الدنيا من بانياس إلى البحر الميت مسيرة خمسة أيام على ألفارس طولاً ويوم واحد عرضاً وأن لا نستفيد منه إلا سداداً من عوز. وأشد داعياً للأسف من ذلك أن تكون هذه شابكة العمارة في الغابر دارة الحلبة فائضة الخير والمير متصلة بالمدن والقرى وأن تبقى الآن عاجزة عن مبرة من فيها من بادية العرب ورحل الغوارنة قال ياقوت الحموي المتوفى سنة ٦٢٦ للهجرة عند ذكر الأردن في معجمه هي أحد أجناد الشام الخمسة وهي كورة واحدة منها الغور وطبريا وصور وعكا وما بين ذلك قال أحمد بن الطيب السرخسي الفيلسوف هما أردنان الأردن الكبير والأردن الصغير فأما الكبير فهو نهر يصب إلى بحيرة طبريا لمن عبر البحيرة في زورق أثنا عشر ميلاً تجتمع فيها المياه من جبال وعيون فتجري في هذا النهر فتسقى أكثر ضياع جند الأردن مما يلي ساحل الشام (أين نحن اليوم من هذه الحال) وطريق صور ثم تنصب تلك المياه إلى البحيرة التي عند طبريا وطبرية على طرف جبل يشرف على هذه البحيرة فهذا النهر أعني الأردن الكبير بينه وبين طبرية وأما الأردن الصغير فهو نهر يأخذ من بحيرة طبرية ويمر نحو الجنوب في وسط الغور فيسعى ضياع الغور (وهذا أيضاً لا أثر له اليوم والأراضي التي تسقى في الغور فإنما تشرب من مياه أخر) وأكثر مستغلهم السكر ومنها يحمل إلى سائر بلاد الشرق وعليه قرى كثيرة ومنها بسان وقراوة وأريحا والعوجا وغير ذلك وعلى هذا النهر قرب بحيرة طبرية قنطرة عظيمة ذات طاقات كبيرة تزيد على عشرين (ينبغي أن يكون جسر المجامع ولكن غير الموجود اليوم إذ هذا ليس فيه عشرون طاقة) ذات طاقات كبيرة تزيد على عشرين (ينبغي) أن يكون جسر المجامع ولكن غير الموجود اليوم إذ هذا ليس فيه عشرون طاقة) ويجتمع هذا النهر ونهر اليرموك (ويقال له اليوم شريعة حوران) فيصيران نهراً واحداً فيسقي ضياع الغور وضياع البنية ثم يمر حتى يصب في البحيرة المنتنة في طرف الغور الغربي وذكر ياقوت عند كلامه على الغور والغور غور الأردن بالشام بين البيت المقدس ودمشق وهو منخفض عن أرض دمشق وأرض البيت المقدس ولذلك سمي الغور طوله مسيرة ثلاثة أيام وعرضه نحو يوم فيه نهر الأردن وبلاد وقرى كثيرة وعلى طرفه طبريا وبحيرتها ومنها مأخذ مياهها وأشهر بلاده بيسان بعد طبرية وأكثر ما يزرع فيه قصب السكر ومن قراه أريحا مدينة الجبارين وفي طرفه الغربي البحيرة المنتنة وفي طرفه الشرقي بحيرة طبريا وقال عنه ذكر بحيرة طبرية وينفصل منها نهر عظيم فيسقي أرض الأردن الأصغر وهو بلاد الغور ويصب في البحيرة المنتنة قرب أريحا فلننظر الآن إلى ما تحول من الأحوال في تلك الأصقاع فنقول أولاً أن كلاً من الأردن الكبير والأردن الصغير يجري في الغور الأعلى ومن دون فائدة تذكر وربما ماتت زوابع كثيرة في الغيران عطشاً والماء جار في جانبها ثانياً إن الأراضي التي لها حظ من الشرب في هذه الغيران إنما تسقى من أودية جارية من الجبال مثل سيل الزرقا السائل من جهة عجلون إلى الغرب ومثل مياه بيسان المنحدرة من صوب مرج بني عامر إلى الشرق ومثل ماء ألفارغة النازل من الغرب إلى الشرق ومثل عين السلطان التي تسقي جنان أريحا ومثل ماء غور نمر المنحدر من وادي شعيب أسفل الصلت إلى الغرب وماء حسبان وغيرهما من المياه وهذه الجدأول كلها لو اجتمعت ما ساوت معشار الأردن الذي أصبح عاطلاً من كل عمل ثالثاً إذا وقف السائح على المعالم والآثار ودقق في بقايا القنوات والحنايا تحقق صحة ما هو وارد في كلام ياقوت وغيره من أن الأردن كان يسقي ضياع الغور رابعاً أن زراعة قصب السكر أصبحت اليوم مفقودة من كل هاتيك الأرض مع أنه قد عرف بالتجربة أنه لايوجد أرض صالحة لهذه الزراعة نظير الغور وقد صادف في هذه المدة أن بعض النابلسيين زرع نصيباً من قصب السكر فجاء منه غلة مدهشة ونوع من القصب هو الحلاوة والمائية بحيث لايوجد له نظير في الدنيا ومن هنا يعرف سبب اختيار الأولين هذه الأراضي لزراعة القصب وقد جاء في كلام ياقوت قوله وأكثر مستغلهم السمر ومنها يحمل إلى سائر بلاد المشرق فيظهر منه أنه كان هناك معامل للسكر كما هي الآن في صعيد مصر وفي جنوبي الغور إلى يومنا هذا مكان معروف بمطاحن السكر ومما يدل على وجود السكر قديماً في عكا ما ورد في تاريخ الروضتين عند ذكر فتح صلاح الدين عكا وهو قول العماد الاصفهاني وتصرف الملك المظفر تقي الدين في دار السكر فأفنى قنودها واستوعب موجودها ونقل قدورها وأنقاضها وحوى جواهرها وأعراضها ولعمري عار على البلاد أن تكون فيها معامل السكر في القرن السادس والسابع وإن لا يوجد فيها معمل واحد اليوم حتى يبلغ ثمن رطل السكر مائة قرش فأكثر ويلتجي الناس إلى دبس الحروب الذي كان يباع الرطل منه بقرشين ونصف قرش فصار اليوم بثلاثين قرشاً فإذا أعيد الأردن إلى محاربه الأولى وانشقت منه جداول من عند بحيرة طبرية ذاهبة جنوباً ركبت الغيران بأجمعها بسبب التحدر الذي في الأرض وأصبحت تلك الأراضي كلها سقياً بعد أن كانت عذباً تشرب من ماء المطر. الغذاء غير المألوف إن قلة الأغذية التي أحس بها في كل مكان من الكرة بداعي قد لفتت الأنظار إلى غذاء الشعوب المتوحشة ولا سيما من لم تساعدهم الطبيعة وقضى عليهم مركزهم الجغرافي وما في أرضهم من النبات والحيوان أن يتناولوا أطعمة يظهر أنها غير مألوفة لا تؤكل ونحن لا نطعمها للعادة ولو غذاء موقتاً من المآكل ما ألفه الشرقي دون الغربي وعلى العكس وما يطعمه الناس في أوربا قد لا يتناولونه في آسيا وما يحبونه في أميركا واستراليا لا يرغبون فيه في إفريقية وجزائر المحيطين وإذا أعملنا النظر نجد أن غذاءنا قليل الألوان فلا نألف إلا بعض الحيوانات من ذوات الضرعين والطيور والأسماك أما الحيوانات ذوات الأصداف وذوات القشر والهوام وغيرها مما تطعمه بعض الأقاليم فإن فيها ما حرم الإسلام أكله ومنها ما أباحه لم يجوز ألفقهاء أكل كل ذي ناب وذي مخلب من السباع أي سباع البهائم والطيور والسباع يتناول سباع الطيور والبهائم لأن كل ماله ناب أو مخلب سبع والسبع مختطف منتهب جارح عادة عادة فالمختطف مل يخطف بمخلبه من الهواء كالبازي والعقاب والمنتهب ما ينتهب بنابه من الأرض كالأسد والذب وسباع الطيور كالبازي والصقر والنسر والعقاب والشاهين وسباع البهائم كالأسد والنمر والذئب والفهد والثعلب والضبع والكلب والسنور البحري والبري والأهلي ويكره ألفيل لأنه ذو ناب واليربوع وابن عرس من السباع الهوام وكرهوا أكل الرحم والبغل ولا يحل أكل السلحفاة والغراب ألا يقع والضب والغداف واليربوع وحيوان الماء ما عدا السمك وحل الأرنب والعقق وغراب الزرع كان قدماء اليونان يأكلون الزيزان المطنة ويفضلون منها إناثها ويأكلون الديدان قبل أن تنسل وكان الرومان يحبون الديدان حتى أن الشاعر كاتول قبل المسيح وجد طعم الجراد الأصفر قريباً من فطيرة رجل الدجاجة المعمولة بالزبدة وقل جداً في عهدنا من يطعم الديدان من الأوروبيين ولكن ملايين من البشر يتناولونها في أقطار الأرض الأخرى ويؤثر سكان إفريقية الوسطى تناول السرفة والأرضة فيأكلونها نيئة ومطبوخة ومشوبة ويأكلون في جارة الصرف ويعدونها منمشة للقوى الضعيفة من الشيخوخة وبفضل الشيوخ في الهند تناول النمل المجنح والنمل المجفف المعمل بالسمن في برازيل مشهور موصوف. وأهل المكسيك يحبون بيض البق (ألفسفس) من جنس كوريزا يجعل منه حلواء فيغالي الناس في تناوله. والجراد غذاء شائع في بلاد العرب فهو مصيبة يأكل المزروعات ويؤكل أيضاً وقد ذاقه كثير من الناس مع الأرز أو مملحاً أو مع ألفلفل الأحمر أو الخل أو مشوياً فقالوا أنه جيد مريء. والجراد يحضر بحسب أذواق البلاد التي يظهر فيها ففي الجزائر يغلونه في ماء مملح كما يفعلون به في الصين وفي مدغسكر يأكلونه مطبوخاً في ألفرن أو مجففاً ويجعلونه مع الأرز أو يغمسونه في الدهن الغالي وفي هذه الأقطار يعدونه من الأطعمة اللذيذة. ولقد ذاق بعض السياح الأوربيين جميع أصناف الديدان فرأي أن التي تعيش في جذوع الاكآسيا أطيب طعماً من العجة على شرط أن تشوى في رماد حام. ويؤثر وحوش أوستراليا كل الإيثار دبابة الألف رجل وأم الأربعة وأربعين أما أهالي التونكين فإنهم يغذون الديدان من الانجاص والموز والخوخ ليعطروا بها لحمة. وجميع هذه الأطعمة تفضل علي قطائف ذباب البقر والحمير التي يتنافس في أكلها الزنوج على ضفاف نيازا وعلى البراغيث وغيرها من الهوام الدقيقة التي يأكلها أهل غرونلاندا يتناولونها من شعورهم فيلقونها في أفواههم. ويقول اليابانيون أن حلويات النحل مطبوخة في الشراب لا تقل في لذاتها عن أطيب عصير ألفاكهة ويتناول الوطنيون من سكان جاوة وصومطرة وأنام كعكعهم من الطين محلولاً بماء مطبوخاً في قدر معتقدين أنه خير غذاء. والحاصل فإن البشر احتالوا على الطبيعة والطبيعة أعطت البلاد المعتدلة كل ما يقوم بحاجة سكانها والمسألة في الأغذية ترجع إلى العادة والذوق. معادن السلطة قالت مجلة ألمانية: في البلاد العثمانية كثير من الخزائن الطبيعية الكبرى منها ما يزيد على عشرين معدناً من أهم المعادن وقد أعطى إلى الآن في ولاية آيدين وحدها ما ينوف عن تسعين امتيازا لتعدين المناجم، ولألمانيا في هذه البلاد كثير من معدن حجر الصفار (فروم) ( ١ ) وقد منحت الحكومة العثمانية إلى الآن نحو ستين امتيازا لاستخراج هذا المعدن وقد ابتاعت مصانع كروب إلى الآن معدنين من حجر الصفار واستأجرت اثنين منه استئجاراً معدن الرصاص موجود بكثرة أيضاً في البلاد العثمانية فإذ كانت هذه المعادن الرصاصية تسد من عوز ألمانيا للرصاص واحداً من عشرة فقط فيها ونعمت وقد زاد الوارد من العثمانية إلى ألمانيا من معدن الشبه (النحاس الأصفر) في السنوات العشر الأخيرة ثلاثة أضعاف الوارد منه أولاً ولو أن ألمانيا كانت مهيأة له رؤوس الأموال اللازمة لاستثمار معادن الشبه فلا شبهة في أن الوارد منه إلى ألمانيا يزيد زيادة كبرى ولا كان لا يتيسر للحكومة العثمانية تدارك رؤوس أموال لاستثمار هذه المعادن فهي لا تستفيد من كثير من المعادن المانحة امتيازات بها ويمكننا أن نذكر من بين هذه المعدن المستثمرة معدن الرصاص في ناحية (بالية) فإنه في الدرجة الأولى من حيث سعته وأوضاعه وقد بلغ الحاصل منه عام ١٩١٣ ثلاثة ملايين ونصف مليون مارك وفي جبال وروس معدن رصاصي فضي يستثمر بيد الحكومة يبلغ إيراده السنوي نحو المائة ألف فرنك وبين (خربوط) و (دبار بكر) تعدن الحكومة أيضاً معدن شبه نحاسي بلغ دخله عام ١٩١٤ قريباً من نصف مليون مارك وفي شمالي البلاد العثمانية معادن شبه نحاسية غنية ذات قيمة كبرى يعد البترول من الحاجات المدنية المهمة لكل مملكة ومن المعلوم في كل الدنيا أن المملكة العثمانية غنية جداً بمنابع البترول وإليك ما قاله الأستاذ (شيفر) المشهور ببحثه العميق عن منابع البترول في العراق نقلاً عن مجلة اقتصاديةإذا علمنا أن منابع البترول في العراق الممتدة في الأرض والبالغ طولها ٤ . كيلو متراً ينبع زيت الغاز في بعضها على سطح الأرض مما لم يعرف له نظير أبداً في علم طبقات البترول لا يبقى عندنا أدنى ريب في أن هذه المنبع من أغنى منابع البترول في العالم وأغزره وأنه يمكن بأسباب فنية تعدين هذه المعادن بأقل كلفة وأشد سرعة من عامة المشاريع الصناعية المراد إنشاؤها في البلاد العثمانية وإذا استنبطت منابع البترول في البلاد العثمانية فإنها تساعد على تقدم الوسائط النقلية في البلاد وإن استخدم البترول في القاطرات ليس بالأمر الصعب وما عدا هذا فإنه يمكن استخدام البترول بدلاً عن ألفحم في السفن الماخرة في الرافدين (دجلة والفرات) وإن اصطناع سفن تقطع في الساعة ٤٥ كيلو متراً بواسطة استعمال البترول لا يعد أمراً عسراً وهذه السفن تقوم بخدم كبرى للمسافرين ولنقل الأمتعة والبريد وبهذه الواسطة تصير التجارة حوالي دجلة والفرات أكثر سرعة وتستجر تجارة هاتيك البلاد وتعظم ثروتها.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_91.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.91.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
