<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.90.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.90.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٩٠ بتاريخ: ١ - ٧ - ١٩١٤ المقتبس بعد حولين تصدر هذه المجلة بعد انقطاعها عن قرائها حولين كاملين بسبب الحرب العامة التي انقطعت بها الصلات بين الأمم وأصبح القول قول المدفع والحسام لا قول الصحائف والأقلام وبلي البشر بمحنة لم يكد يبتلى بمثلها في العصور الغابرة فاضطررنا إلى التوقف لنفاد الورق وندرة المواد التي كنا نستقي منها كثيراً من موضوعات هذه الصحيفة بداعي وقوف حركة الأندية والمجامع والمعاهد العلمية وبينما كنا نقول يسعنا ما يسع غيرنا من مجلات الغرب والشرق في الانقطاع عن الصدور قيض الله لهذه المجلة رجلاً تفرد بمزية الإقدام على العظائم والأخذ بأيدي المشاريع العمرانية والعلمية ونعني به بطل العثمانيين ناظر البحرية أحمد جمال باشا قائد الجيش الرابع فأرادنا على معاودة الصدور مسهلاً لنا الصعاب من الأسباب وحجته أدام الله توفيقه أنه لا يليق بالبلاد أن تخلو من مجلة تدون العلوم والآداب وتبث الأفكار الصحيحة وتدعو إلى مكارم الأخلاق فصدعنا بأمره ونحن عاجزون عن أداء شكره ولا غرو فهذا أقل ما يسجل في صحائفه البيض من المآثر في هذا القطر فنسأله تعالى أن يوفقنا إلى إحسان العمل وإتمام ما بدأنا به منه وأن يعيد إلينا نشاطنا السابق في التأليف والتعريب والاقتباس على وجه يجمع بين مصلحة الأمة ومصلحة طلاب الحقائق وعشاق الآداب إنه كريم جواد. الحرب العامة بدأت في صيف سنة ١٩١٤ ( ١٣٣٢ ) سلسلة من أشأم سلاسل المصائب البشرية لم يعهد لها نظير في تاريخ الأمم السالفة وربما لا يكون لها مثيل في تاريخ الأمم الخالفة ونعني نشوب حرب عامة سالت بها الدماء أنهاراً وعد فيها القتلى بمئات الألوف بل بالملايين وما كان الناظرون في حركة السياسة الأوروبية يظنون أن الحالة تؤدي إلى إشهار هذه الحرب الضروس وتطيش بالنفوس إلى حد يتقاتل المتماثلون والمتجاورون والأقرباء الأدنون ولكن هي المصلحة السياسية المادية تعلو فوق المصالح وتنسى في جانبها القرابة والنسب واللسان والمذهب. السبب الرئيسي في هذه الحرب أن إمبراطورية النمسا والمجر كانت على ما جاء في الكتاب الأبيض الألماني تحاذر من الدعوة التي كانت تنتشر لسلخ الأقسام الجنوبية الشرقية من أملاكها وهي السياسة التي عاضدتها الصرب وجاهرت بها متكلة على معاضدة روسيا لها وهذه كانت تسعى بكل قواها إلى تحقيق هذه الآمال بعقد التحالف البلقاني وذلك بأن الصرب المجاورة لمملكة النمسا والمجر كانت تتقوى الحين بعد الآخر خصوصاً بعد الجرب البلقانية وقد زاد سكانها واتسعت رقعة ممالكها وأخذ الصربيون من سكان النمسا والمجر يتحفزون للوثبة وروسيا ممثلة العنصر الصقلبي العظمى تضمر خلاف ما تظهر فرأت النمسا حياتها صائرة إلى خطر خصوصاً بعد أن أثبت التحقيق أن مقتل ولي عهد النمسا والمجر الأرشيدوق فرنز فردينند في مدينة بوسنة سراي بينما كان ينوب عن عمه الإمبراطور فرنسيس يوسف في حضور المناورات كان بيد جمعية سرية صربية فهلك وقرينته على صورة اشمأز منها العقلاء وذلك لأن الصرب كانت تعد هذا الأمير عائقاً عن بلوغ آمالها فلم يسع النمسا وقد رأت هذا العمل ألفظيع الذي هاجت له أعصاب سكانها إلا أن شهرت الحرب على الصرب يوم ٢٨ تموز فتقدمت الجيوش النمساوية في أراضي الصرب وأخذت تذيقهم العذاب ألواناً. فشق ذلك على روسيا وأمرت بتعبئة جيشها على الحدود الألمانية والنمساوية فلما رأت ألمانيا أن حليفتها النمسا فتحت بينها وبين روسيا الحرب أنذرت روسيا وهددتها فلم يصادف إنذارها وتهديدها تأثيراً في دوائر حكومة القيصر وكان جوابها لألمانية أن على النمسا أن تسلم بالتوسط بينها وبين الصرب وإذا رفضت فلا مناص من إعلان الحرب وقد أبرق قيصر روسيا يوم ٢٩ تموز إلى قيصر ألمانيا يرجوه على أن يساعده على منع حليفته النمسا من التوغل في المسألة الصربية منعاً لنشوب حرب أوروبية طاحنة فبادر الإمبراطور غليوم إلى التوسط وبينما المسألة في أخذ ورد مع الحكومات ذات الشأن وإنكلترا تعضد ألمانيا حباً بعدم نشوب حرب عامة صدر أمر عام بتعبئة الجيش الروسي كله وإعداد الأساطيل فرأت ألمانيا سلامتها مهددة فبادرت هي أيضاً إلى تعبئة جيشها دفاعاً عن حليفتها النمسا ولو أتيح (الكتاب الأبيض الألماني) للصرب أن تنحشر في المستقبل بحكومة النمسا لكانت العاقبة تضعضع أركان هذه السلطنة ويلي ذلك خضوع جميع العناصر الصقلبية (السلافية) لصولجان روسيا وهذا مما يؤدي إلى هدم أركان العنصر الجرماني في وسط أوروبا. وفي ٣ آب شهرت ألمانيا الحرب على روسيا وشهرت فرنسا الحرب على ألمانيا على إثر إشهار ألمانية الحرب على روسيا بالنظر لتحالف روسيا وفرنسا ثم شهرت حكومة الجبل الأسود الحرب على النمسا أيضاً وفي ٤ آب أعلنت إنكلترا دخولها الحرب براً وبحراً وعلل ذلك سفيرها في الأستانة أن الأسباب التي حملت دولته على الاشتراك في الحرب الأوروبية هي أن ملك بريطانيا العظمى مرتبط بمعاهدة للدفاع عن الإغارة على مملكة البلجيك الواقعة قبالة الشواطئ الإنكليزية وبين فرنسا وألمانيا. ولما هاجمت ألمانيا البلجيك حاذرت إنكلترا أن تخترق ألمانيا أراضي بلجيكا لتهاجم فرنسا التي لها حدود غير محصنة بينها وبين البلجيك فأعلنت الحرب. قال المستر أسكو بث من ساسة الإنكليز في خطابه الذي ألقاه في مجلس النواب الإنكليزي: إذا سألنا لماذا نحارب فأجيب بعبارتين: أولاً - للقيام بأمور دولية مقدسة لو فرض وعقدت بين شخصين في أمور الحياة الاعتيادية لعدت لا شرعية فقط بل واجبات شرف أيضاً لا يسع أي إنسان يحترم نفسه أن يخل بها. ثانياً - إننا نحارب في وقت تعتبر فيه القوة المادية العامل على المبدأ القائل بأن الأمم الصغيرة لا يجوز أن تسحق بإغارة دولة كبرى تدعي أنها تحافظ على حقوقها وعلى النظام الدولي. وقال أحد كتاب الإنكليز أن بذور هذه الحرب زرعت ستة ١٨٨٤ أيام عزمت ألمانيا أن تصير من دول الاستعمار لما رأت من تغلب بلجيكا على بلاد الكنغو وبسط إنكلترا لسيادتها البحرية على بلاد النيجر وعمل فرنسا في غرب أفريقيا ومدغسكر حاسبة أنها إن لم تستول هي على جانب كبير من بلدان الأمم لتتناول منها المواد التي تستعمل في الصناعة وتبيع فيها مصنوعاتها صارت صناعتها مستعبدة ذليلة لأميركا وإنكلترا وفرنسا فاستولت في أفريقيا وجزائر البحر على بلاد مساحتها ١١٣٥ . . . ميل مربع ثم قصدت أن تصير من الدول البحرية الكبرى وتبسط نفوذها على البحر الشمالي وبحر البلطيق من الشمال والغرب وبحر الأدرياتيك من الجنوب والشرق وبلغت الأدرياتيك باتفاقاتها مع النمسا حتى صار اتصالها بها أشد من اتصالها ببفاريا إحدى ممالكها ثم إذا وصلت النمسا إلى بحر الأرخبيل وامتد سلطانها إلى كوروفو سهل على ألمانيا الوصول إلى بر الأناضول والعراق ثم رأى إمبراطور ألمانيا أن بسط دولته نفوذها في أفريقيا وما يتوقع أن يستولي عليه من الأملاك العثمانية لا يغنيانه عن الاستيلاء على أسوج والدانمارك وهولندا وبلجيكا فتمتد سلطته حينئذ من أسوج شمالاً إلى تريستا فكورفو فسلانيك فالأستانة فبغداد فخليج العجم جنوباً ويبقى الهند إلى أن تحين ألفرص لتدويخها وبدأ الآن في العمل بما ينويه فهاجم بلجيكا وفرنسا واضطر إنكلترا إلى الدفاع عنهما. وقال كارل هلفريش الألماني في أسباب الحرب العامة أن روسيا أوقدت جذوة الحرب بإعلانها النفير العام الذي أمرت به يوم ٣١ حزيران ١٩١٤ بحيث كان رجال السياسة الروسية يرون ويسمعون بأن عملهم يضطر ألمانيا إلى الدخول في الحرب لا محالة وكل ما نشرته الحكومة الروسية بشأن إعلان النفير العام في بلادها لا أصل له فلا الأسباب العسكرية التي اتخذتها النمسا ولا الأسباب التي تعزى إلى ألمانيا تكفي لتبرير روسيا من إعلانها النفير العام ثم أن روسيا أمرت بالتجنيد العام عقب أن رضيت النمسا بطريقة حل الإشكال بينها وبين جارتها ودخلت روسيا في الحرب بعد أن تأكدت اشتراك فرنسا معها وفرنسا في الغالب لم تعد بمعاونتها لروسيا إلا بعد أن تأكدت مساعدة إنكلترا لها وكان رجال السياسة الإنكليزية مربوطين مع فرنسا رباطاً أدبياً بحيث إذا دخلت فرنسا فلا يسع إنكلترا إلا السير معها أو أنه وقع الاتفاق بينهما في هذا الشأن في أسبوع تلك الأزمة ورأت إنكلترا أن مسألة مقتل ولي عهد النمسا ومسألة الصرب لا تبرر القيام بحرب فاختلقت حجة أمام أمتها وهي مسألة خرق حياد البلجيك. هذا وأمثاله من البراهين الثابتة في المنشورات الرسمية التي أعلنتها حكومات الوفاق ترد كل الرد أمام محكمة التاريخ ما يقال من أن ألمانيا أرادت الحرب وأوقدت شعلتها فقد كانت روسيا مسببة الحريق وشريكتاها في عملها إنكلترا وفرنسا. أوقدت روسيا نار الحرب لأنها طامعة في أن يكون لها السلطان الأكبر في الشرق بعد أن تراجع أمرها بعد هزيمتها مع اليابان وعزمها على التغلب على كل مقاومة تبدو من دول أوروبا الوسطى أما فرنسا فإنها اندفعت في هذا السبيل بما كان يغلي في صدرها من مراجل الحقد والأخذ بالثأر من الألمان ممزوجاً بالخوف منهم وذلك ما دعاها إلى أن تحالف كل أمة تعادي ألمانيا أما إنكلترا فإن الحسد الذي فطر عليه تجارها الذين لا يحبون أن يروا لهم منافساً جديداً وما عرف عن هذه الدولة الإنكليزية من الظهور بمظهر العداء أمام كل دولة قوية في التجارة الأوروبية وما اشتهر من تقاليدها في أن الواجب عليها أن تضرب على أيدي كل أمة تريد أن تتوسع في بحريتها هو الذي أدى إلى ما أدى. ولما أرادت ألمانيا اختراق حدود البلجيك أبت هذه عليها ذلك وشهرت عليها الحرب وأرسلت إنكلترا في الحال إلى بلجيكا عدداً من جنودها ورجالها وأعلنت كل من إيطاليا والعثمانية حيادهما إلا أنهما أعلنا النفير العام فباتت أوروبا وقد انقطعت مواصلاتها البرية والبحرية كأنها كلها ثكنة كبرى تتدفق بالجنود والأسلحة وقد قدروا عدد الجنود المتحاربة بنحو خمسة عشر مليوناً. وفي يوم ٦ آب أغلقت إنكلترا مضيقي بادوكالة وجبل طارق كما كانت العثمانية أمرت بإغلاق مضيقي البوسفور والدردنيل وحدثت أول حرب عظيمة بين الأساطيل الألمانية والروسية في البحر البلطيكي فكان ألفوز في جانب الأسطول الألماني الذي أغرق بقنابله طراداً روسياً واحتل جزر الأند التابعة لحكومة فنلندا الروسية وعددها ثلاثمائة جزيرة. واحتل النمساويون ساباك على الشاطئ الأيمن من الساف وبلغراد عاصمة الصرب ويساروفجة وسمندر وسيوط من أعمال الصرب واحتلت الخيالة المجرية اوشتيزا وتقدم الجيش الألماني تقدماً سريعاً في الحدود ألفرنسية واحتل جميع المراكز الحربية ودخلت العساكر الألمانية حدود روسيا وهدمت المراكز العسكرية وهاجمت الخيالة الألمانية طلائع الجيش ألفرنسي واحتلت ألمانيا جزر الأتلنتيك كافة ومنها جزر ايزلاندا وفي ٨ آب أعلنت أسوج والنرويج والدانمارك حيادها رسمياً كما أن اليونان ورومانيا وسويسرا دعت جيوشها إلى حمل السلاح وفي ٩ آب احتلت الجيوش الألمانية مدينتي ليج وبروكسل بعد معركة شديدة واحتل الألمان عدة استحكامات روسية وحدثت معركة بحرية بين قسم من الأسطول الألماني والأسطولين ألفرنسي والإنكليزي أسفرت عن غرق ست قطع ألمانية وثلاث قطع فرنسية وقطعتين إنكليزيين وأخرج الجيش الألماني الروس الذين كانوا اجتازوا الحدود الألمانية وأباد ثلاثة الايات من خيلتهم بألفرب من سولدو كما أهلك فرقة عن بكرة أبيها بجوار اينستر بورج واستولى الألمان على كازيتوكوفا وكاليسز وفيلون وكيستارتي وبلاداً أخرى على الحدود الروسية وسقطت مدينة ليج في أيدي الألمان بعد إطلاق القنابل عليها ٣٦ ساعة وفي ٩ آب أعلن مستشار الإمبراطورية الألمانية بأن احتلال الجيش الألماني لمقاطعة بولونيا الروسية قد أحدث سروراً عظيماً في جميع أنحاء ألمانيا وأن الحكومة الألمانية ستمنح هذه المقاطعة استقلالاً وتضم إليها بولونيا الألمانية وبولونيا النمساوية وبذلك يتم تأليف دولة بولونيا المستقلة وفي ١٢ آب ابتاعت الحكومة العثمانية من ألمانيا السوبر دردنوط غوبن والمدرعة برسلو الألمانيتين بأربعين مليون مارك فسمت الأولى ياوز السلطان سليم والثانية مدللي وذلك لتستعيض عن المدرعتين رشادية والسلطان عثمان اللتين استصنعتهما العثمانية في معامل إنكلترا فضبطتهما هذه أوائل الحرب بينما هي على عزم تسليمهما وفي ١٣ منه شهرت فرنسا الحرب على النمسا وحصر الأسطول النمساوي جميع سواحل الجبل الأسود بعد أن كان ضرب انتيفاري مرفأ الجبل ودمرها وشهر الجبل الأسود الحرب على ألمانيا. وانتصر الجيش الألماني في مولهوز ولاغارد على الجيوش ألفرنسية بعد معركة دموية هائلة. وهكذا كان النصر حليف الألمان في معظم الوقائع التي جرت بينها وبين خصيماتها والحرب سجال حتى استولت على انفرس ولوفان وبروكسل وليج ونامور وهاتان الأخيرتان من أعظم حصون العالم وذلك على ما ثبت بواسطة المدفع الذي اخترعته وكان مكتوماً سره عن كل أحد حتى ظهر بظهور الحرب الأخيرة وقطره من عيار ٤٢ سنتمتراً وهو يدك الحصون مهما عظمت ولهم طريقة في نقله إلى الأباعد تدل على تفنن الألمان في الحرب تفننهم في ضروب العلم والصناعات. أما الروس فقد ضربوا جزءاً من بروسيا الشرقية ولكنهم ردوا عنها مرات واستولوا على بعض غاليسيا من النمسا ولا سيما عاصمتها لمبرج وتوغلوا في جبال الكاريات ورجعت النمسا عن البلاد التي احتلتها من الصرب لحكمة مجهولة ولما استصفت ألمانيا معظم بلاد البلجيك تقدمت في الأراضي ألفرنسية من الشمال والشمال الشرقي فذعر ألفرنسيين لأنهم رأوا طلائع فرسان الألمان على بعد ثلاثين كيلومتراً من باريس فنقلوا عاصمتهم إلى بوردو في الجنوب الغربي مخافة أن يستولي الألمان على العصمة فتضعف شوكتهم ويختل أمرهم وقد ساعدت إنكلترا بجندها فأرسلت بعض كتائبها إلى البلجيك والبعض الآخر إلى فرنسا تقاتل مع حليفتها فرنسا كتفاً إلى كتف والتقى الأسطول الألماني بالأسطول الإنكليزي في بحر الشمال مرة وفي بحر الشيلي مرة أخرى فكانت الحرب سجالاً فقد من الجانبين مدرعات وطرادات واستولت اليابان حليفة إنكلترا على المستعمرة الألمانية في الشرق الأقصى كما أن جنود الاتفاق الثلاثي استولت على المستعمرات الألمانية في أفريقيا. وهكذا كانت الوقائع تجري بين الاتفاق أو الائتلاف الثلاثي الذي أصبح رباعياً بإعلان إيطاليا الحرب على النمسا وبين الاتحاد الثلاثي والنصر أكثره في جانب الألمان الذين أدهشوا العالم حتى اعترف لهم خصومهم أيضاً بتفوق جيوشهم على جميع الجيوش وثبت أن جيشهم أعظم جيش في الأرض وأن سلاحهم أمضى سلاح وأن قوادهم لا مثيل لهم بين أبطال القرون الماضية وكاد لا يكون لهم قرين بين أبطال القرون الحديثة. نادت الحكومة العثمانية بالنفير العام منذ أعلنت أوروبا الحرب العامة وأخذت بتنظيم فيالقها وأعلنت الأحكام العرفية في السلطنة على النحو الذي جرت عليه دول أوروبا المتمدنة وفي ١٩ تشرين الأول غربي ١٩١٤ صدرت الإرادة السنية السلطانية بإلغاء الامتيازات الأجنبية وفي يوم ٢٩ منه هاجم الأسطول الروسي جزءاً من الأسطول العثماني في البحر الأسود بينما كان يقوم بتمرينات فغرقت للروس سفينة لوضع الألغام وسفينة نسافة وفي ٣ . منه طارد الأسطول العثماني الأسطول الروسي فضرب سفاستابول ونوفوروسيسك من الموانئ الروسية وعندها غادر سفراء روسيا وفرنسا وإنكلترا عاصمة السلطنة العثمانية وأعلنت الحرب فدخلت الدولة مع حليفتيها ألمانيا والنمسا والمجر وفي ٢ تشرين الثاني هاجم الروس الجند العثماني المرابط على حدود القافقاس فأعلنت روسيا الحرب على الدولة العثمانية يوم ٢ تشرين الثاني وفرنسا على العثمانية يوم ٥ تشرين الثاني وإنكلترا على العثمانية يوم ٥ تشرين الثاني والبلجيك على العثمانية يوم ٧ تشرين الثاني والصرب على العثمانية يوم ٧ تشرين الثاني ويوم ١٢ تشرين الثاني صدرت الإرادة السنية قائلة بأن المملكة العثمانية دخلت في الحرب ضد إنكلترا وروسيا وفرنسا وفي ١٤ منه دعا الخليفة الأعظم العالم الإسلامي إلى الجهاد ضد دول الائتلاف لأن الإنكليز والفرنسيين والروس أخذوا بأساطيلهم وجيوشهم يحاصرون دار السلطنة يريدون الاستيلاء عليها. وهذا الحلم أي الاستيلاء على الأستانة حلم قديم تحلمه روسيا وإن كان مخالفاً لرغائب إنكلترا ولكن اتفاقها معها ومع فرنسا هذه المرة ضد ألمانيا والنمسا قد دعاها إلى الرضا بذلك حتى يفتح المضيقان البوسفور والدردنيل لأساطيل دول الاتفاق فتتخذ عامة الأسباب للقضاء على ألمانيا والنمسا والمجر. رأت العثمانية مصلحتها بالتحالف مع ألمانيا إذ أيقنت أن الحياة لها إلا بالحرب فوفقت إلى عقد المحالفة المطلوبة بفضل حسن نية الطرفين واشتراك مصالحهما لأن إنكلترا جاهرت بأنها تريد أن تكون العراق مسرحاً خاصاً لمتاجرها وملكاً مستقبلاً لأمتها وساستهم طالما جهروا بأن إنكلترا لا ترى بعين الرضا وجود دولة الخلافة قوية تشرئب إليها أعناق المسلمين وتعلق بها آمالهم بل تريد أن تقضي على آمال رعاياها وتدخل اليأس إلى قلوبهم حتى يبقوا عبيداً أرقاء لا أمل لهم في حياة مستقلة. وروسيا كثيراً ما ضربت على أحد أوتار المسألة الشرقية فحركت المسألة الأرمنية وأخذت تبث رسلها في البلاد العثمانية تثير كوا من التعصب مثل إثارة الأكراد على الأرمن وبالعكس. وفرنسا ظهرت نياتها مع الدولة العلية ولا سيما في سوريا إذ كانت المعاهدة السرية المعقودة بين الائتلافيين تقضي على العثمانية بإعطاء الأستانة لروسيا وأن تترك العراق لإنكلترا وتقسم البلاد السورية بين فرنسا وإنكلترا. ولكن حسن التدبير إذا اقترن بحسن التوفيق فعل أكثر من كثرة العدد فإن الانتصارات كانت خلال السنتين الأولى والثانية حليفة لنا ولحلفائنا وذلك لأننا إذا ألقينا على ختام ١٩١٤ نظراً دقيقاً وسبرنا غور حوادثه يتجلى أمامنا أن ما غبر كان من كل الوجوه مناسباً لموقف ألمانيا وحلفائها ومساعداً لهم. ففي الساحة الغربية أفضى فوز الجيوش الألمانية السريع إلى إيجاد حرب المتاريس والحصون وامتدت هذه الحرب بين من البحر الشمالي حتى تخوم جمهورية سويسرا وما برحت الآن تثبت وتستمر شديدة. وقد حاول الإنكليز والفرنسيون والبلجيكيون عند حلول عام ١٩١٥ أن يخترقوا خطوط الألمان حتى ينهوا أمد هذه الحرب التي صح القول بأنها حرب قلاع وحصون أبدية القرار وبذل أعداؤنا هذه المساعي في إقليم فلاندر وارتواز (في الجنوب الغربي من ليل) وفي شمبانيا وما بين نهري الموز والموزل وحتى الآن ما برح هؤلاء يندحرون دون أن يصيبوا مغنماً أمام بسالة الألمان. وكان العدو من خلال أشهر عديدة استطاع أن يعزز مواقفه وأن يأتي إليها بجنود كثيرة العدد والعدة وأن يزيد حصونه قوة. كل ذلك استعداداً لهجوم على الألمان ولكنه لم يصب مغنماً لأن جيش ولي العهد الألماني قد تقوى على العدو في ساحة شمبانيا وأحرز سلسلة باهرة من الانتصارات وعجز الفرنسيون رغم تكاثف قواهم عن حفظ بعض كيلومترات احتلوها من الأراضي الألمانية في الفوسج. ويقال على وجه الإجمال لأن الساحة الألمانية في الغرب بقيت دون أن يطرأ عليها تبدل في عام ١٩١٥ وظلت أراضي العدو التي افتتحتها جنود حلفائنا الظافرة عند هجومها الأول منيعة لا تؤخذ وفوق ذلك فإنها عززت حتى صارت في حالة لا يقوى العدو معها أن يصيبها بأذى. أما الحوادث في الساحة الشرقية فإنها أوسع نطاقاً. وكان الروس في ختام عام ١٩١٤ قد أغاروا بقواهم الجرارة على ولايات بروسيا الشرقية حتى أن جنودهم أطلت على بوزن فانتهت حركاتهم باندحارهم وعقب ذلك أصبحت الحروب حروب متاريس في بولونيا الروسية وفي القرب من خط الفيتول وناريف وبوهر وفي القسم الشرقي من بروسيا الشرقية وفي غاليسيا الغربية ولبست لباساً مماثلاً للساحة الغربية ورجع الروس إلى قلب مراكزهم محاولين التقدم على الجناحين غير أن هذه المحاولة ما لبثت أن تحطمت أمام مقاومة الجيوش النمساوية الألمانية في الكاربات وسقوط قلعة برزميشل وفي خلال ذلك كانت انتصارات جيش هندنبورغ في الشرق من بحيرة مازوريان من الأسباب التي أفضت إلى إنقاذ بروسيا الشرقية بصورة نهائية والحقيقة أن الاحتلال الروسي في تلك الأرض والأصقاع كان فصل انتقام شديد الهول. لكن الروس عوقبوا عليه باجتياح الألمانيتين لولايات البلطيك الروسية. وعند بزوغ شمس أيار كان اختراق الخطوط الروسية على ديانتز وفي غاليسيا الغربية مقدمة لتقدم هجوم الدول الوسطى في الساحة الشرقية ذلك الهجوم الذي كله فوز ونجاح. وتطهرت بيكوفينا وأعالي الكاربات وسفوحه وبقاع غاليسيا ولم يبق هنالك عدو بل أكره هذا على أن يخلي خطوط الفستول - نارف - بوهر المحصنة وأجلي عن قارسوفيا عاصمة بولونيا وكذلك أضاع الخط الثاني من خطوط دفاعه في الغرب مع قلاع برست ليتوسك وغرودونو وكوفنو وأجبرت مطاردة الجيوش الألمانية والنمساوية الظافرة العدو على الالتجاء إلى الداخلية متخلياً للغالبين عن كل منطقة الدفاع الغربية مع الحصنين العظيمين ليزك ورينيو في أيالة ولهينا. ولما عين القيصر قائداً عاماً للجيوش الروسية بدلاً من الغرادوق نقولا تذرع الروس بهجوم أحدثوه في نقاط متعددة من شرق ويلنا وبصورة خصوصية في أيالة ويلبينا فبقيت مساعيهم المدخرة لدحر جيوش الدول الوسطى بلا طائل وبالعكس فإن هؤلاء قد ظلوا محتلين للمراكز التي أخذوها من العدو والتي تمتد من تخوم رومانيا حتى سزرتوفيتزا وتضم إليها ايسيايلا مع قناة أوزنسكي وسرفتش ونيامن وفيليا مع البحيرات الواقعة في الجنوب من دونابورغ - ديتا حتى خليج ريغا وأصبح الجنود في مراكزهم التي توفرت فيها كل الاستعدادات لهجوم يثار في البرد القارس يستطيعون به أن يضعوا أمام هجمات الروس العنيفة سداً حائلاً يرجعهم القهقرى أذلاء صاغرين حتى ينسلخ فصل الشتاء فيعود هؤلاء الجنود إلى استعادة هجومهم المكلل بالفوز. وقد حولت الدولة العثمانية وجهتها في عام ١٩١٥ إلى النظر في معارك شيه جزيرة كليبولي التي كان يحتلها جنود الاتفاقيون بقصد إخضاع الدردنيل والوصول إلى العاصمة العثمانية فلم تثمر هجماتهم ومحاولاتهم على الرغم من كثافة قواتهم وكثرة معداتهم وعظمة أساطيلهم وكل ما قاموا به من المهاجمات أبطل أمام شدة الجيش العثماني وصلابته ورأينا الإنكليز في نواديهم يجهرون بهذه الخسائر التي ألمت بهم في أنافرطة وأري بروني وسد البحر رأيناهم ينتقدون أنفسهم وأخيراً رأيناهم ينزحون عن مرابع الدردنيل فكانت هذه الكسرة ضربة قاضية على ما للاتفاق من النفوذ الممتد في بلاد المتحايدين وتلاشت كل سلطة ونفوذ لهم في بلاد المسلمين. أما في القفقاس فلم يحدث في عام ١٩١٥ حادث خاص فقد حصر العثمانيون اهتمامهم في الدفاع عن مناطق الحدود ضد إغارة كان بقوم بها الروس وبعكس ذلك فقد كان للساحة العثمانية الثالثة وهي الساحة العراقية شأن خاص وقد قامت الجيوش العثمانية هنالك بأعمال خارقة في تاريخ الحرب الحاضرة فالإنكليز بعد أن أصبحت الدولة العلية في عداد المتحاربين قد أبحروا بجنودهم إلى الخليج ألفارسي فاستولوا على البصرة وامتدت سلطتهم حتى اتصلت بدجلة وكادت تشرف على بغداد ومع ذلك فهذه الأعمال ظلت عقيمة لا فائدة عسكرية منها للإنكليز وكان هؤلاء يعلقون أملاً سياسيا يتوصلون إليه لدى قبائل العرب. وقد تقدم هجومهم في عام ١٩١٥ وكادوا يحدقون ببغداد ولكن العثمانيين الذين تلقوا نجدات مهمة ردوهم على أعقابهم وطردوهم من كوت الإمارة طرد عزيز مقتدر كما أوقعوا بهم في سلمان باك ضروب التقهقر والفشل واتسعت مناطق الحرب أمام نهر دجلة وكانت الحوادث العسكرية التي تجري هناك سلسلة انتصارات كللت مفارق الجيوش العثمانية بأكاليل الظفر. أما حوادث الساحة العثمانية الرابعة ونريد بها قناة السويس فلم يحدث في عام ١٩١٥ فيها ما يدعو إلى الذكر غير كشف تعرضي بسيط ومع ذلك فيمكن القول أن في الزوايا خبايا يرتاع لها الإنكليز وفي مقدمتها وقعة القاطية الأخيرة. ولننظر الآن في ساحة الحرب الإيطالية التي خضبتها إيطاليا بالنجيع الأحمر ففي ٢٣ أيار سنة ١٩١٥ أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا وفي ٨ حزيران حدثت المعارك الأولى أمام إيزنزو واكتست هذه الحوادث في تلك السنة لباساً خطراً وعقب ذلك قيام العدو بهجوم شديد على جبهة حليفتنا وفي ذات الوقت كانت المعارك الصغيرة التي لا شأن لها تجري في ساحة التيرول زكارنتي وقصارى القول فإن العدو مع توفر استعداده لم يبلغ من النمساويين منالاً وظلت أعماله مجدبة لا ثمرة فيها وكان من جيوش النمسا والمجر أن تقدمت كثيراً في تلك الأصقاع وتوشك ونحن نكتب هذا أن تطل على أرض البندقية من عمل إيطاليا وتقسم الجيش الإيطالي شطرين. وعند نهاية عام ١٩١٥ أصبح للساحة البلقانية مركز عظيم وقد كان المقصد منها بادئ بدء إنزال العقاب بصربيا التي سببت هذا الحريق العالمي ثم الاتصال بالقسطنطينية وإعادة الأملاك المقدونية المفقودة إلى بلغاريا التي خسرتها فتم كل حادث في مدة عشرة أسابيع. ففي اليوم السادس من شهر تشرين الأول شرعت في الهجوم على صربيا بالاستيلاء على الساف والطونه وفي اليوم الحادي عشر من الشهر المذكور دخلت الجيوش البلغارية إلى أراضي مقدونية الصربية واسترجعتها قوة واقتداراً وتطهرت صربيا وأقطاع الجبل الأسود الشمالية من آثار العدو ودحر البلغاريون ألفرنسيين والإنكليز من وادي الوردار حتى اضطر هؤلاء إلى الاعتصام بسلانيك وفتحت طريق السكة الحديدية بين برلين والأستانة وكانت مسدودة من قبل. ومن الكوائن دخول البرتغال في الحرب مع الاتفاقيين نجدة لهم في العهد الأخير وأهم الوقائع الأخيرة التي كتب فيها النصر لأعلامنا سقوط كوت الإمارة في العراق بأيدي الجيش العثماني وقد أسرنا من الإنكليز ١٣٨٥٦ رجلاً منهم خمسة قواد و ٢٧٧ ضابطاً إنكليزياً و ٢٤٧ ضابطاً هندياً و ١٣٣ . . جندي ووقوع معركة بحرية هائلة حدثت بين الأسطول الألماني والأسطول الإنكليزي في ضواحي مضيق اسكاجراك في بحر الشمال كان ألفوز فيها للإنكليز وذلك في ٣١ أيار سنة ١٩١٦ فغرق للإنكليز عدة دريد نوطات وطرادات ونسافات عظيمة بلغت ست عشرة قطعة وغرق فيها سبعة آلاف إنكليزي ولم يغرق للألمان سوى طرادة وبعض نسافات وشفع هذه الواقعة الحربية الكبرى التي نزلت على إنكلترا كالصاعقة غرق اللورد كتشنر ناظر الحربية الإنكليزية مع أركان حربه بينما كان ذاهباً من إنكلترا على سفينة حربية قاصداً روسيا في البحر الشمالي. ومما ساعد الألمان على الإبلاغ في نكاية الاتفاقيين في البحر اختراعهم غواصات غريبة كانت تطوف بحار العدو وتوقع بأساطيله البلاء والرهبة وطيارات الألمان التي فعلت في البر مع أعدائنا أفعالاً تذكر فتشكر. وقد استولت ألمانيا حتى الآن على بلاد البلجيك إلا قليلاً وعلى بضع ولايات من شمالي فرنسا وعلى بولونيا الروسية وكثير من الولايات الروسية المتاخمة لها بحيث بلغت مساحة ما استولت عليه حتى الآن نحو ٤٥ . ألف كيلومتر مربع لا يقل سكانها عن ٣٥ مليوناً واستولت النمسا على الصرب وعلى جزء من ألبانيا الشمالية وأرجعت النمسا الروسيين عن بلادها أما عن حالة الحرب العمة عند كتابة هذه الرسالة فمشتدة في جميع الساحات ولا سيما في الساحات الأوروبية بين النمسا وإيطالية وبين النمسا وروسيا وبين ألمانيا وفرنسا وإنكلترا ولكن النصر حليف الحلفاء وربما لا ينتهي هذا الصيف إلا وقد حدث تبدل كبير في حالة الحرب العامة. وفي ٢٣ أيلول ١٩١٥ أعلنت بلغاريا النفير العام وعادت رومانيا واليونان فأعلنتا حيادهما وفي شهر تشرين الأول من تلك السنة قطعت بلغاريا صلاتها مع دول الاتفاق ودخلت مع دول التحالف أي مع العثمانية وألمانيا والنمسا والمجر فهاجمت بجيوشها العساكر الصربية من الشرق كما هاجمتها العساكر الألمانية والنمساوية من الشمال وقضي على الصرب فاستولت بلغاريا على مقدونية القديمة كما استولت النمسا على البلاد الشمالية المتاخمة وأخذت أراضي الجبل الأسود الذي تفرق شمل حكومته كما تفرق شمل البلجيك والصرب نسأل الله حقن الدماء ورفع البلاء. آلام وآمال نظمت في مبتدأ سنة ١٩١٥ م أرى سنة تمضي وعاماً بنا يجري يضيق من آجالنا فسحة العمر ودنا على هذا الوجود أجنةٌ تسير بنا الأيام في السهل والوعر فيوم على صفو نؤمل عوده وآخر في البأساء عد من الدهر لنا أمل في كل عام مجدد ترجي به صفو الحياة وما ندري ولولا أملني ألفتى ورجاؤه لأيقن أن العيش ضرب من الأسر مضى عمنا الأدنى بذنب فعله يجيء الذي يتلو المغادر بالعذر سلكنا به ظلماء حالكة الدجى فلما انقضى حانت لنار قبة ألفجر ألا أيها العام الذي كنا منه على الكون شؤبوبا من الدم لا القطر تحجب فيه الغيث حتى إذا انجلى لنا الأمر كان الغيث من دمنا يجري أفاض علينا في النعيم ابتداؤه وجادت بني الغبراء عقباه بالشر لقد هاجني من جانب الشرق صائح ينوح وباك حيث مستتر البدر وذو صخب الردى في شمالها يردد أنات الجنوب من الذعر تورد وجه البحر حتى حسبته من الجثث الملقاة ملتهب الجمر وشاب قذال الأفق من رهج الوغى وأقفر رحب البر من زمر البر فلا الأرض بالأرض التي تعهدونها ولا البحر بحر المد والجزر بالبحر تغير شكل الأرض في بعض حقبة وأسملت الأهلون للشر في شهر وكنا نرجي السلم لولا مطامع من بعض أدت للضغينة والهجر كوامن أحقاد أثيرت فهيجت نفوسا لتطلاب القديم من الثأر فغودرت الأقطار بعد ازدهارها خرائب والبلدان أوحش من قفر فيا أيها الحول الذي هل شهره يعلل منا النفس بالصفو والبشر لعلك حول الحول والقوة التي تطأمن من كبر العتاة ذمي الكبر تعزز مهضوماً وتجلي غضاضةً وتمحو عن الأقوام سطراً من الضر تسكن روع الجائفين فيزدهى بك الوجل المذعور مبتهج الصدر يحيى بك العلم الملم بأهله وأسفاره خوف المذلة والفقر ينال بك العلياء من يستحقها وتشرق شمس السلم باسمة الثغر هنالك بحلولي اليراع فأختلي بقيثارتي ألهو ببيت من الشعر أرجع الخان السواجع شادياً تحن إلي الشاديات من الطير سيسكن جأش الكون بعد اضطرابه ويرفل بالنعماء حيناً من الدهر دمشق خير الدين الزركلي في ديار الغرب حيلتنا والحياة الأوروبية سادتي الأعزاء تقاضاني بعض الأحباب ديناً لم أرى بداً من فضائه على حين اشتداد الأزمة بل الأزمات في بلادنا. أرادوني أن أحاضركم بشيء مما جنيته في هذه الرحلة الثانية إلى بلاد الغرب من ثمرات مدنيته الزاهرة فلم يسعني إلا إجابة الطلب مع الشكر لحسن ظنهم وإن كان البحث في نهوض القوم أو في فرع من فروع ارتقائهم يحتاج إلى درس عميق وبحث دقيق ولكن ما لا يدرك كله لا يترك جله فإذا أتيتكم بأمور تعرفونها أو أكثرها فذاك لأني أحببت المبادرة إلى امتثال الأمر مع علمي بأني لا آتي بجديد على أنه جديد تحت الشمس. كانت السياحة في سألف الأزمان ضرباً من شاق الأعمال ولكنها أصبحت في هذا العصر على سهولتها حاجة من حاجات المجتمع يحتاج الخاصة إليها أكثر من غيرهم ويدخل في الخاصة أرباب النعمة من التجار والزراع والصناع كما يطلق على العلماء والمفكرين والباحثين والمتعلمين وقد وردت عدة آيات في الكتاب العزيز في الحث على السياحة ولكن الشرق ضعف في العمل بهدي قديمه ولم يهتد إلى وجه الصواب في حديثه. كان لأجدادنا يطوون الأميال والفراسخ أياماً وشهوراً لينتقلوا من قطر إلى آخر ونحن اليوم نسيح من شرق الأرض إلى غربها في أيام يسيرة ونقطع بضعة ألوف من الكيلومترات في ساعات معدودة ومع هذا ترى السائحين منا إلى الآن أقل من السائحين في العصور الماضية هذا إذا قابلنا بين سرعة المواصلات وتوفر أسباب الراحة في عصرنا وفقدانها في عصور أجدادنا أيام كان يقول ابن زريق البغدادي وقد رحل من بغداد إلى الأندلس: ما آب من سفر إلا وأزعجه رأي إلى سفر بالبين يجمعه كأنما هو في حل ومرتحل موكل بفضاء الله يزرعه إننا إذا رحلنا اليوم إلى الغرب نجدد حياتنا بعد ذبولها ونقوي حواسنا بعد انثلام حدها وندخل في طور نتعلم فيه ونعتبر ونتعود عادات حسن أكثرها وجدير بنا أن نقتبسها عمن سبقونا مراحل وأشواطاً لأنها نتيجة علم متوارث ونظر بعيد متسلسل فكل ما نراه في بلاد الغرب وهو عمل مقرون خلت وأجيال علمت فعلمت: وأحب آفاق البلاد إلى ألفتى أرض ينال بها كريم المطلب تكثر الخواطر على السائح منا في ربوع أمم الحضارة الحديثة فلا يلبث أن يذكر بلاده ويقابل بين حالها وما يشاهده هناك من السير نحو الكمال بخطى سريعة في حين يرى أمته تسير سير السلاحف: إن القباع سار سيراً نكراً يسير يوماً ويقيم شهراً نعم يسير الغرب بسرعة البخار والكهرباء ونحن ما زلنا نسير بسير الجمال والبغال والحمير وشتان بين نظام السيرين. سر أينما شئت في بلاد المدنية تجدها نسقاً واحداً في الاستمتاع بنعم الجمال والكمال وقد تشاهد لبعضها على بعض امتيازاً في أمور تتفرد بها ولا فرق في أصل المادة بين الشرق والغرب: سهول وأودية وجبال وأنهار وبحيرات وبحار ولكن ألفرق في تربية العقول ونمط الحياة فالسر إذا في السكان لا في المكان. سحت هذه المرة في إيطاليا وسويسرا وفرنسا والنمسا والمجر فرأيتها إلا قليلاً متشابهة في راحتها ونعيمها وعمرانها وعلمها وآدابها وصناعاتها. الناس كلهم يتفننون فيما يعملون ويسيرون اليوم بعد اليوم نحو الكمال فيا رب ما هذه الروح التي تجرد منها جسم الشرق وسرت في عظام الغرب وأعصابه وشرايينه فأتى أهله بالعظائم ونجن بقينا خامدين مبهوتين منحلين متضائلين: لا تغبط المجدب في علمه وإن رأيت الخصب في حاله إن الذي ضيع من نفسه فوق الذي ثمر من ماله مدنية الغرب غريبة في كل مظهر من مظاهرها لأن أهلها أحسنوا الانتفاع من كل قوة في الوجود ونحن أضعنا بجهلنا القوى القريبة الانتفاع هذا شأنهم في كل شيءٍ فكأن الغرب حاف لا يحألف الشرق والشرق آلا أن يخالف الغرب على كثرة حاجته إليه واضطراره إلى الأخذ عنه. رأيت أولاداً وبنات دون العاشرة يسيحون في الغرب من قطر إلى آخر وحدهم بدون أدنى رهبة وارتباك ولم أشهد كثيراً من رجالنا يستطيعون السياحة في أوروبا وأميركا على ما يجب وبهذا تعرف درجتهم ودرجتنا وتسجل بأن صبيانهم أقوى من رجالنا وفتياتهم أعقل من نسائنا فإذا كانت النسبة مفقودة بين ابن العاشرة وابن الخمسين فهلا تكون المسافة بين حالنا وحالهم أطول وأجزل. إننا في درس المدنية الغربة نأخذ ما تهيأ لنا وتمثل لأنظارنا بادئ الرأي ولو أردنا استقصاء البحث لاقتضى علينا أن نصرف السنة والسنتين لندرس حال مدينة واحدة من مدنهم فما بالك بالمملكة أو الممالك. ينفد العمر ولا تنفد مادة الكلام عن رقي الغرب وكلما تأملنا معاهدة وحللنا مادة قواه نبكي لضعفنا وقوتهم وجهلنا وعلمهم ونكاد ندخل في اليأس المميت من تحسين حالنا لولا أن اليأس محرم وأن التاريخ يحدثنا أن أمماً كانت أحط منا منزلة فارقت لما صحت عزائم بنيها على إنهاضها والأمم لا تموت إلا إذا أسلمها بنوها العارفون للموت. مواد هذه المدنية التي تأخذ بالعقل والقلب كثيرة ومن أهمها تقدم الغربيين في بيوتهم عنا ورقي الأسرة هنالك وانحطاطها هنا والمملكة التي تتألف من بيوت راقية هي التي تحرز شوطاً أبعد من غيرها وما الممالك الراقية إلا مجموعة بيوت راقية والكليات تتألف من الجزئيات ومن تماسكت أجزاء مادته كانت أسبابه أقرب إلى القوة الطبيعية. كل من يدخل مدينة من مدن الغرب ويختلط بسكانها بعض الاختلاط فلا يبقى مقتصراً في معلوماته على حياة الشارع والمطعم والفندق والمسرح والقهوة والأماكن العمة يجل في مذكرته أمثلة لا يكاد يحصيها في رقي الأسرة الأوروبية تجسمت في جميع حالاتهم أي تجسيم وحامل المسك لا يخلو من العبق. تحمل مدنية الغرب في مطاويها حسنات وسيئات ولكن حسناتها تربو على سيئاتها فترى فيها ألفضيلة التي بزت ألفضائل والرذيلة التي تربو على مجموع الرذائل ولكن المليح يغطي وجه القبيح فكأن شعار المدنية الحديثة الارتقاء في كل شيء والجمع بين المتناقضات أما الشرق فهو وسط أو دون الوسط والوسط والدون لا يكادان يعملان عملاً محموداً في هذا الوجود. أذكر لكم أمثلة ثلاثة من عشرات الأمثلة وقعت العين عليها في باب ارتقاء الأسرة الغربية تمثل أدوار الأعمار وأدوار البيوت. المثال الأول أسرة فرنسية مؤلفة من والد ووالدة وطفلتين وطفلين من سكان الولايات من أهل مقاطعة الجورا على الحدود السويسرية جاءت لوزان لتطب أحد أولادها ونزلت في المنزل الذي أقمت فيه فلاحظت أمرها مدو أربعة أسابيع أنظر عناية الأبوين بتربية أولادهما فكان الوالد يوقظ الأولاد في الساعة السادسة والنصف ويأخذ في إلباسهم ثيابهم مع زوجته وهذه تسرح شعور الابنتين وتمشطهما فإذا تناولوا طعام الصباح يرافق الثلاثة من أولاده إلى المدرسة لأنه وضعهم في المكتب مع أن مدة مقامه في تلك المدينة لا تتجاوز شهرين ثم يعود إلى الدار ويحمل ابنه الطبيب ويعود به بعد ساعتين فيجيء الأولاد في وقت الظهر وبعد تناولهم الطعام يعود فيشيعهم ثانية إلى المدرسة وربما عاد إليهم في المساء ليصحبهم أو اكتفى بانتظارهم للخروج بهم مع والدتهم إلى النزهة. عناية فائقة من هذين الوالدين اللذين لا يعرفان غير تعهد صحة أولادهما وتعليمهم وتربيتهم وتخريجهم على الآداب والفضيلة والتدين. هذه الأسرة من أسر الأرياف أو ألفلاحين من أهل الطبقة المتوسطة التي تكون على شيء من اليسار ولطالما هنأت الوالدين على عنايتهما بأولادهما وقلت لهما أن الأسرة ألفرنسية لو كانت كلها مؤلفة على هذا النحو وتربى بمثل هذه العناية وتتعهد بما يشبه هذا الحنان ألفتان لاستحت فرنسا أن تشكو من قلة نفوسها وانحلال التربية في بعض عواصمها ولهذه الأسرة مئات الألوف من الأمثلة ومثل ذلك يقال في جميع ديار الغرب. والمثال الثاني الذي رأيته يمثل درجة أخرى من درجات الأسرة رأيته في إيطاليا في قصر من أعظم قصور الكبراء الذين جمعوا بين الطريف والتليد وأعني به منزل صديقي الأمير ليوني كايتاني الذي صرفت أياماً في الاشتغال في مكتبته أبحث عن تاريخ بلادي وأجدادي فإن هذا الرجل الشريف في أمته الغني بعلمه وماله لم يرزق سوى ولد واحد هو دون العاشرة ولما جاء وقت تعليمه أرسله إلى سويسرا يتعلم فيها ولم تأخذه الشفقة عليه وآثر أن لا يراه وأن يربى تربية راقية صحية على أن يكون في داره القوراء بين والديه وأهله وقبيله. والمثال الثالث أتيكم به من بودابست عاصمة المجر فإن العلامة غولد صهير شيخ المشرقيات في هذا العصر لم يرزق سوى ولد واحد علمه فلما زوجه أخرجه من بيته على عادة الإفرنج بإخراج أولادهم من دورهم متى شبوا وتأهلوا ليؤلفوا أسرة برأسهم ويعيشوا مستقلين عن أبويهم فلا يقع نفور بين الكنة وحماتها ولا بين الولد ووالده والراحة في الاستقلال في كل شيءٍ. هذه أمثلة ثلاثة من أطوار الأسرة الأوروبية تمثل أطوار تلك الأمم أما تحليل أجزاء تلك التربية ومادة تلك النفوس الكبيرة فيحتاج لمعمل كيماوي كبير يحشر إليه علماء التربية من أجدادنا والمحدثين من أهل الغرب ليقولوا لنا خلاصة تحلياهم لمادة الحياة الأوروبية النامية والعبرة بالكيفية لا بالكمية. دعاني الأستاذ غولد صهير لتنأول طعام العشاء في بيته وقال لي أنه سيكون معنا ابنه الأستاذ غولد صهير المهندس وكنته ولما قدمني إليهما قال لي: إن كنتي وهي تعرف خمس لغات فقط تكتب بها وتتكلم بسهولة عارفة بالآثار المصرية فقلت لها: بارك الله فيك أيتها العقيلة المحترمة. مجرية في مقتبل الشباب تدرس آثار مصر ومصر باريزنا وأهلها أرقى شعب إسلامي ليس فيهم لدرس آثار بلادهم سوى رجل واحد هو العلامة أحمد كمال بك وكيل المتحف المصري هذا الرجل ألفرد في وادي النيل يتوفر على البحث في عاديات مصره على الأصول الغربية وهو منذ زهاء عشرين سنة يلوب على من يعلمه ما يعلم ليخلفه على الأقل في منصبه لأنه بلغ سن الشيخوخة ولم يجد في ثلاثة عشر مليون مصري من يقبل على تعلم ما أفنى حياته في تحصيله وألف فيه ونوع الأساليب في نشره في الكتب والمحاضرات والمقالات. أنا أعلم أيتها العقيلة النبيلة أن في أوروبا نحو عشرة من علماء الآثار المصرية ولكن ما كان يخطر ببالي أن أرى في بلاد المجر فتاة تشارك الرجال في علمهم وتساهم معهم في فن يحتاج إلى نظر دقيق ومادة منوعة في العلم فإن كان نساؤهم على هذا المثال فلا عجب إذا كان من رجالهم العجب العجاب. إلى اليوم لم نفكر في هذا الشرق الأقرب في تعليم فتياتنا كما تتعلم فتيات الغرب والنساء نصف البشر ولا يقوم النصف الأول إلا بنهوض النصف الثاني فإن كانت كنة غولد صهير أستاذ تفسير القرآن والأصول والحديث والملل والنحل في جامعة بودابست عالمة بالآثار المصرية فكم عالمة بل عالم عندكم معاشر العرب بآثار البتراء وبعلبك وجرش وتدمر وبابل وآشور وحمير والحيرة؟ أنا مع الأسف على كثرة بحثي في تراجم الناس وأيامهم لا أقدر أن أتيكم بواحد يكون على النمط الأوروبي في بحثه ودرسه كما لا أجد في أمتي المهندس الذي أريده ولا الكيماوي ولا الطبيعي ولا المصور ولا النقاش دع من يماثلهم من النساء اللاتي شاركن الرجل في معظم حياته المادية والمعنوية في الغرب وعما قريب يشاركنه في الحياة السياسية. كل ما تعلمناه إلى يوم الناس هذا وقلدنا فيه الأمم الراقية لم يخرجنا من الظلمات إلى النور فلم نبرح عيالاً على الغرب في معظم شؤوننا ومرافقنا وقيام أمرنا فما دمنا نريد التحرير السياسي وليس لنا من أسباب التحرير العلمي قليل ولا كثير هيهات أن تقوم لنا قائمة. كيف تعمر بلادنا وتستبحر الحضارة فيها ونقلد الغربي في حياته السعيدة وليس عندنا مصور ولا مهندس ولا نقاش ولا معمار ولا موسيقار ولا كيماوي ولا غيرهم وزيادة على ذلك جهل النساء وهو من أعظم الويلات. لم نعمل حتى الآن إحصاء بعدد الأميين في بلادنا ولكن المفهوم أن عدد الأميين هو ٩٥ بالمئة في بلاد العرب في حين أصبح عدد المتعلمين في أكثر مدن الغرب مئة في المئة تساوى في الأخذ من العلم بالحظ اللازم النساء والرجال والمتعلم منهم التعليم الابتدائي أرقى من المتعلم منا التعليم الراقي وكل شيءٍ نسبي. قالت لي فتاة بولونيا في الثامنة عشرة من عمرها تدرس علم التربية والتعليم في جامعة جنيف على أحد مشاهير هذا العلم وهي عارفة ببضع لغات أوروبية وقد سألتها عما تقصده من تعلم هذا العلم: أريد أن أؤسس مدرسة في بلادي لأن الواجب على المرء أن يكون شيئاً في هذا الوجود. فقلت لها: جزاك الله عن هذا السعي لأمتك خيراً ولكن نسائنا في الشرق لا يردن ولا يريد أوليائهن مثل ما تريدين اكتفين بأن يكن لا شيء في هذا العالم ولذلك لا تجد بين ألوف من الطالبات البولونيات والروسيات والمجريات والألمانيات والإيطاليات والرومانيات والبلغاريات والصربيات واليونانيات والإسبانيات والبرتغاليات والبرازيليات والأرجنتينيات طالبة عربية اللهم إلا واحدة مصرية فيما أعلم تساهم بنات جنسها وتزاحمهن على دكات الجامعات في سويسرا وفرنسا وإنكلترا وألمانيا فتأملوا حال أمتكم وانظروا إلى أي درجة بلغ بين أظهركم انحطاط عقول بنات حواء. كلما نظرت ملياً في سعادة الحياة في الغرب وشقائها في هذا الشرق ينجلي لي سر تعليم المرأة كما يعلم الرجل وإنها هي التي أوجدت تلك الحياة البيتية السعيدة فبالحب والجمال والعواطف والرغبة في الكماليات تمت للبيت الغربي سعادته ومن سعد في بيته أو توقع السعادة فيه كان حرياً بأن يعمل الأعمال العظيمة خارجه إذ يجد له في منزله سلوى وعزاءً وراحةً وهناءً. رأيت كثيراً من شباننا يشكون انحطاط تربية المرأة العربية وقلة ما عندنا من ألفتيات المتعلمات اللاتي يلقن للزواج الذي تكون منه سعادة الأسرة الحديثة قوامها الآداب العصرية والفضيلة والمعارف ولكنني لم أر شاباً من هؤلاء المتعلمين ولا ممن سبقوهم من العلماء من عني بتعليم أخته أو ابنته التعليم الراقي ولا من فكر في تأسيس مدرسة ابتدائية من الطراز الحديث لتلقين البنات مبادئ تنفعهن حقيقة في تأليف البيوت التي يرفرف عليها طير السعد والرغد. النظريات عندنا كثيرة ولكن العمليات لم نسلك طريقها ويا للأسف حتى الآن. أوروبا ممدنة العالم وجنات النعيم المقيم وقرارة الراحة ومستقر الهناء أيقضى يا ترى على مدنيتك البديعة وتنحل بما حوت ديارك من جمال الوجوه وجمال ألفعال ووفرة العلم والغنى وآثار الغبطة ومعاهد الصفاء والنعمة ليقوم الشرق فيستلم زمام هذه المدنية ويكمل ما بدأت به أو يمزقه تمزيق الأخرق الأحمق كثروة ورثها ولم يعرف قيمتها أم تسلم لك هذه الحياة السعيدة وتقل مؤلماتها وموبقاتها ويعم الشرق أثرها فيشاركك في كل معنى من معانيك البديعة ويكون حظه كحظ البلاد الراقية من ربوعك ويتحرر من أسره السياسي وأسره الاقتصادي وأسره العلمي ويتخلص من التبعية لك في كل ما يدل على ضعفه وتراجع أمره. تيار الغرب ينهال علينا فيأتينا تارة بحماة وطوراً بقليل ماء فهل نرزق التوفيق يا ترى فنكرع من معينه ونطرح كدوراته أم نتناوله على علاته ولا نكاد نسيغه. إن ما لدينا اليوم من أسباب القوة لا يقوم في وجه ذلك التيار لأنها ضئيلة لا كفاء لها بالمقاومة ولعمري إن ألف أمي وأمية لا يوازي عقلهم عقل متعلم أو متعلمة واحدة. كانت حكوماتنا ومجتمعاتنا حتى الآن تعد الجهل قوة والانحطاط نهوضاً. وكلما كانت الأفكار منصرفة إلى وجهة واحدة يعينها صاحب الشأن كانت تلك المجتمعات تغتبط وتفرح ولطالما قال بعض من أحسنت الأمة ظنها بهم قروناً واستولوا على عقلها وقلبها وتصرفوا بعجرها وبجرها إذا قيل لهم أن العلم الفلاني مفيد ينبغي أن يكون في الأمة أفراد يعرفونه: أن هذا العلم لا تنفع معرفته ولا يضر جهله. بيد أن الأيام أثبتت أننا في أشد الحاجة لكل علم وفن ومجتمعنا العربي العثماني لا يقوم حق القيام إلا متى عمد أفرادنا إلى الأخذ من كل مطلب من مطالب الحياة كما هي سنة من سبقونا ومن الأسف أننا لم نبرح في مجتمعنا نشاهد ناشئتنا الكريمة على الأغلب تميل إلى المذاهب الاتكالية وأكثرها يؤثر التوظف في فروع الإدارة والجندية ولو كانت هذه غير رابحة في الجملة. إن جعل وظائف الحكومة هدفاً لنا في تعلمنا هو الذي أفقر هذه المملكة وجعلها في مؤخرة الممالك في عمرانها وثروتها وراحتها. والمال أساس الأعمال ولا يأتي به إلا المتعلمون من الرجال. فهل لكم يا رجال الأمة أن تحققوا هذا الظن بكم فقد سئمنا ونحن نسمع من إقبال المتعلمين من أمثالكم على الوظائف والزهد في الصناعات الحرة وإني لا أخجل إذا قلت أن صانع الخزف والفخار والقرميد أنفع لهذه الأمة من وزير متوسط القريحة ضعيف مادة العلم لا يحسن عمله وقد وصل إلى منصبه بالمصانعة والشفاعات وإن دباغ الجلود أو صباغ الحرير والقطن أشرف من فقيه تعلم بعض فروع المعاملات ليتولى بعض الأعمال القضائية والشرعية. وبعد فرجائي إليكم يا شبان هذه الأمة وبغيركم لا يتجدد شبابها أن تجعلوا نصب أعينكم الأعمال الاستقلالية ويكفي بعضكم أن يتولى الأعمال الإدارية وغيرها في المملكة فإن الكل لا تتسع خزينة هذه الأمة لإعاشته خصوصاً وأنتم تعلمون ضائقة الموظفين وأن جيوبهم في الغالب فارغة تتقاذفها الرياح لأنها خالية وهم على الدوام مثل تجار البورصة إقبال وأدبار والأدبار في الأكثر هو الغالب. من لي بأن يعمل كل واحد من شبان هذه الأمة الواجب عليه أولاً ويتوفر على دراسة ألفرع الذي يمت به فإن ست الدراسة معينة محدودة لا ينبغي أن يعمل فيها ما يجب عمله في غيرها ومتى أتم الطالب ذاك الدور فلا جناح عليه إذا اشتغل بالعموميات فمشركة الطالب في المسائل العلمية يجب أن تكون في سن الدراسة إلى حد محدود وبعد ذلك فهو في حل من الاشتغال بما أراد. أنا أحب أن أشهد من أبناء أمتي وقرة عينها رجالاً يفكرون في ترقية نفوسهم وذويهم وبيوتهم والأخذ بأيدي إخوانهم أكثر مما أحب أن أراهم يفكرون في المسائل الاجتماعية الكبرى التي يضيع بها الوقت على غير طائل بالنسبة إليهم وإن كان الواجب على كل وطني أن يصرف من وقته وفكره شطراً ولو قليلاً للنظر في المسائل العمومية. تلامذة الكليات في ألمانيا هم الذين هيئوا الوحدة الألمانية ووضعوا أساسها في القرن الماضي ولكن كان العم رائدهم وكان عملهم يقف عند حد محدود فهل يأتي يوم على هذه الأمة البائسة يا ترى تشهد فيه طلاب مدارسها العليا بعد أن يتموا وظائفهم المدرسية يفكرون في الخير العام لأمتهم خصوصاً متى أتموا سني الدراسة وأصبحوا أحراراً في أعمالهم وإرادتهم. نعم أيها الإخوان إن الشفيق بسوء ظن مولع وإن ما يتمثل للأنظار من مدنية أوروبا مهما كان ظاهره فيه الرحمة فرحمته لأهله لا لنا ونحن لا رحمة لنا إلا إذا أتتنا على أيدي رجال لنا أمثالكم وهؤلاء لا يأتون بعمل تام إلا إذا شاركهم النساء وحسن نظام البيوت وتنظيمها على الأساليب الغربية نعم نحن لا حياة لنا إلا إذا تعلم الرجال وربات الحجال التعليم اللازم وقام كل واحد بواجبه ووحدنا المقاصد في التربية والتعليم. إن القليل المتعلم منا لا يؤلف أقل أمة صغيرة وهذه الزهرات التي أراها مهما بلغ من نضارتها تضيع بين ما هناك من عوسج وبلان فلا سبيل إلى وقايتها إلا بتنقية هذا الشوك ما أمكن ولا ينقى بغير معول العلم والتربية ومعرفة الواجب والعمل بسنة الغرب التي سلكها في الترقي على تعديل طفيف يدخل فيها بطبيعة الإقليم والعادة. إن ناديكم هذا مثال من أمثلة التضامن ولكن أمتنا لا تعد مرتقية إلا متى كان في كل مدينة بل في كل قصبة من مدنها وقصباتها أندية تنسج على منواله في التعارف والتعاطف وتوقد في الصدور جذوة الغيرة الوطنية وتحمس النفوس إلى طلب العلم ويأخذ القوي بيد الضعيف حتى يساويه في المنزلة ويتدبر الكل في مستقبل مجيد للأمة يخرج بها إلى حالة أحسن من حالتها الآن ويتعلم ابن ألفلاح الصغير كما يتعلم ابن الغني الكبير وإذا لم تقم جميع أعضاء هذا الجسم لا ينمو ولا يتم له بقاء. واجباتكم أيها الأعزة كثيرة جداً والأولى البدء بالجزئيات ولكن على شرط أن نبدأ ونجعل تاريخ الأمم التي نهضت قدوتنا ومهمازنا على العمل يجب أن تكون مدنية الغرب إذا أردنا أن نحيا حياته مصدرنا وموردنا وبدون ذلك ألفناء المطلق والعياذ بالله أو الاندماج في جسم الأمم الغربية التي تبسط أيديها علينا اليوم بعد اليوم. إننا لا نحيا غلا بقوميتنا على نحو ما كان أجدادنا أمس وحال أمم الحضارة الحديثة اليوم ولكن هذا اللفظ الجميل - لفظ القومية - لا يطابق معناه مبناه إلا باتخاذ جميع أسبابه على نحو ما يعمل المجر والبولونيون والإيطاليون وما يجري من منافسة محمودة بين الفالونيين والفلامنديين في البلجيك والألمانيين والفرنسيين في سويسرا. ومن دواعي الحسرة أن من رحلوا من أبناء العرب إلى ديار الغرب يدرسون في معاهد العلم ليستحقوا الاسم العربي الشريف بالفعل لا بالقول أقل عدداً من أكثر عناصر هذه الدولة. نعم هم أقل من الأتراك والروم والأرمن هذا مع أننا أكثر من نصف سكان هذه المملكة المحبوبة وبلادنا أغنى من بلاد تلك العناصر التي أخذت ما استطاعت من الحكومة لتعليم أبنائها وقامت بسد العجز من أموالها الخاصة. بلغني أن في نية الحكومة السنية إرسال ستين طالباً من أبناء العرب إلى مدارس أوروبا العليا فإن صح النبأ عد من أعظم الإصلاحات. وإن كان هذا العدد دون الواجب أيضاً وذلك بأنه إذا خمنا عدد طلابنا الآن بستين طالباً بلغ من قابل مجموع طلبتنا في الغرب مائة وعشرين وهم لا يبلغون نحو سبع طلبة الإيرانيين في مدارس أوروبا مع أن العرب العثمانيين أكثر سواداً من الإيرانيين بالتحقيق. هذه عددنا وهذا ما عددناه هذه أداؤنا وتلك أدويتنا وبأيديكم وأيدي أمثالكم خلاصنا فلا تخيبوا آمالنا فيكم معاشر الشبيبة المستنيرة. العبء ثقيل عليكم وبتضامنكم وتماسككم يهون كل عسير على شرط اطراد العمل وإتقانه ومضاعفة الأفعال أكثر من الأقوال وصرف المسعى إلى المنتج النافع والزهد في التافه العبث والله يتولاكم ويسدد مراميكم ويقر عيون أوطانكم بنجاحكم ويجعل منكم أعضاء عاملة في جسم مجتمعنا وأصواتاً داعية إلى كل نافع ورافع إنه سميع الدعاء. أرض اليونان اغتنمت فرصة إرساء الباخرة الرومانية التي ركبتها من الأستانة إلى الإسكندرية في ميناء بيرا لازور أثينا مدينة أرسطو وسقراط والمسافة بين بيرا وأثينا تسعة كيلومترات تقطعها السكة الحديدية الكهربائية في خمس عشرة دقيقة. رأيت أثينا مدينة وسطى لا تزيد نفوسها عن مائتي ألف وهي في منبسط من الأرض وعلى مقربة منها أكمة قام عليها الأكروبول والمدينة نظيفة في الجملة مبلطة أرصفتها بحجر أبيض يشبه الرخام وفيها حدائق نظيفة وأبنيتها الحديثة من الرخام أيضاً وأهم ما لفت نظري فيها معاهدها التي قامت بعطايا المحسنين من أبنائها مثل الإستاد أو الملعب العجيب الذي أنشئ بمال أفيروف ونصب تمثاله أمامه وأفيروف هو الذي خلف الملايين من ألفرنكات أعطاها لأمته ومنها أنشأت قسماً من الدارعة اليونانية المنسوبة لاسمه. نعم في أثينا تتجلى عطايا اليونان المحدثين فترى مدرسة البنات عالية داخلية وخارجية أنشأها أرساكي من ماله وترى مكتبة الأمة أسسها فالينوس وترى لافيروف حبوس النساء والأودولسينا المجمع العلمي. لسيكنروس حبوس الرجال وقد أنشأ على نفقته من أثينا إلى فالير طريقاً معبدة وطولها ٩ كيلومترات. وأنشأ فارفاكيس مدرسة عالية للأولاد وجاباس قصر المعرض وهو مؤسس مدرسة البنات العليا للروم في الأستانة. وهكذا تجد فلاناً من أغنياء اليونان انشأ مدرسة صناعية وآخر مدرسة زراعية وغيره مدارس ابتدائية وليلية للفتيان والفتيات فتجد اليوناني مع أنه أكثر الأمم هجرة لبلاده - لأن نصف اليونان هاجروا إلى مصر والسودان ولأميركا وشواطئ البحر المتوسط وغير ذلك من البلاد - أكثرهم تعلقاً بحبها وتفكراً في إنهاضها يغتني أحدهم من مصر أو من أميركا ويجود بالألوف لبلاده لينهض بها وهذه خاصة من خصائص اليونان وأن كان المشهور عنهم كزازة الأيدي. نهضت اليونان في المدة الأخيرة نهضة عظمى بفضل نشر التعليم على اختلاف صنوفه بين أبنائها وهو الدواء الشافي لكل مرض اجتماعي. التعليم في اليونان مجاني إجباري وفيها اليوم ١٤١٤ مدرسة ابتدائية للذكور منها ١١٩٧ من الدرجة الأولى و ١٣٤ من الصنف الثاني و ٢٩ من الصنف الثالث و ٥٤ من الصنف الرابع وعندهم ٤ . . مدرسة للبنات منها ٣ . . من الدرجة الأولى وفي القرى ٨٨٤ مدرسة تقبل الذكور والإناث على السواء وعندهم مدرسة عليا لتخريج المعلمات وقد أنشأت جمعية أثينا الأدبية عدة مدارس مسائية يتعلم فيها المئات من ألفتيان المضطرين أن يعملوا في نهارهم وليس لهم من الوقت غير الليل. في اليونان ١٨٧٨ أستاذا و ٦١ . معلمات و ٧٦٨ معلماً في مدارس الأولاد في الحقول ولهم مدرسة صناعية عليا تنقسم إلى قسمين قسم يعلم ألفنون والعلوم ويخرج المهندسين والميكانيكيين ومنهم من يعد من الدرجة الأولى والقسم الآخر يعلم الصناعات النفيسة أي النقش والرسم والتصوير والحفر والصناعات النقشية. وعندهم مدرسة تجارية ومدرسة جامعة عليا فيها أساتذة اشتهروا بأعمالهم العلمية حتى في أوروبا. هذا مع أن لليونان في الممالك العثمانية مدارس كثيرة راقية فإن لهم في الأستانة وحدها ٧٨ مدرسة فيها ٥٩٧ معلماً يدرسون ١٦٣٧٣ طالباً دع ما لهم في البلاد التي ضمت إلى بلادهم حديثاً وكل المدارس التي هي خارج علمهم لا تنال شيئاً من الرواتب من الحكومة بل إن اليونان هناك يقومون بنفقاتها. ربما لم تصب بلاد بمصائب الهجرة أكثر من اليونان فإن الداخل منهم إلى نيويورك وحدها كل سنة يقدر بأربعين ألفاً فما بالك في الأقطار الأخرى فإذا كلن عدد اليونان قبل الجزر وسلانيك ويانيا التي انضمت إليهم نحو ثلاثة ملايين فأن المقدر أن مثل هذا العدد منهم موزع في أقطار العالم وهم يحافظون على لغتهم وعاداتهم حيثما كانوا بحيث كادوا يجعلون لغتهم في الإسكندرية ومصر والأستانة لغة رسمية لكثرة انتشارها وحرصهم على التناغي بها. ومع كثرة المدارس في اليونان نرى طلبتهم في جامعات الغرب كثاراً جداً ولا سيما في باريس ولندن. واليونان إن لم يكونوا أكثر الأمم إقبالاً على تلاوة الصحف والتشوق إلى الأخبار السياسية فهم في جملة الأمم المتقدمة في هذا الشأن فلا تكاد لا تجد واحداً لا يتلو جريدة أو كتاباً أو مجلة في كل مكان والفقير منهم يستعير جريدة جليسه ولذلك لا ترج جرائدهم كثيراً فإن لهم في أثينا ( ١١ ) جريدة يومية وإذا كان العدد الواحد ينتقل من يد إلى أخرى كما تنتقل جرائدنا في الشام ومصر في أيدي قرائها الذين لا يحبون أن يشتركوا ولا أن يبتاعوها اقتصاداً بارداً منهم صعب على جرائدهم أن ترقى. ولليونان جرائد كثيرة في الأستانة والقاهرة والإسكندرية وجرائد أسبوعية في بعض عواصم أوروبا ومنها ما يصدر بغير اللغة اليونانية ليبثوا فيها أفكارهم ويؤثروا في الأسواق المالية والمجالس السياسية. هكذا ما أمكن الإلماح إليه من حالة رقي المعارف في اليونان وأرضهم القديمة قبل الحرب لم تتجاوز ٦٤ ألف كيلومتر مربع وهي غير مخصبة في الجملة بل أكثرها جزر متقطعة في عرض البحر حتى أن سواحلها تبلغ بمساحتها سبع مرات مساحة سواحل إنكلترا وتربو ١٢ مرة على سواحل فرنسا ولذلك كان اليونان في كل زمن يحصرون قواهم في بحريتهم ويصرفون فيها أموالهم وقسماً عظيماً من ميزانيتهم وقد كان لبواخرهم التجارية يد طولى في استقلالهم سنة ١٨٢٤ لا ينكرها التاريخ. واختلف العلماء في أصل اليونان الحاليين هل هم من نسل القدماء الذين ملئوا الأرض فتوحاً وفلسفة وصناعات نفيسة والأرجح عند الباحثين في أصول الشعوب أنهم أخلاط من الناس جاءوا منذ قرون إلى هذه الأرض واستعمروها بعد أن فرغت من سكانها الأصليين أما هم فيصعب عليم سماع هذا الحجاج ويحاولون بالطبع أن ينتسبوا لأفلاطون وأرسطو وسقراط وديوجنس وهوميروس وغيرهم من فلاسفة اليونان الذين بيضوا وجه التاريخ بعلمهم وحكمتهم. أثينا تشبه المدن الأوروبية ممزوجة بشيء من الحياة الشرقية ولكن ألفقر ظاهر على السكان والغلاء فيه أكثر من جميع أوروبا قال صاحب كتاب اليونان الحديثة أن أسعار العيش في اليونان يزيد ٥ . في المئة عما هو عليه في إنكلترا ونحو ٢٥ في المئة عما هو في الولايات المتحدة. المدنية الرومية الحديثة منقول أكثرها عن فرنسا وفرنسا ساعدت اليونان كثيراً ولذلك حفظوا لها جميلها وما برحوا حتى اليوم يتخذونها معلمة لهم ومربية حتى أن معلمي جيشهم إلى الآن هم ضباط من ألفرنسيين وفي الحرب الألمانية ألفرنسية بعث اليونان بكتيبتين من متطوعتهم ليقاتلوا في صفوف الجيوش ألفرنسية فقتل بعضهم وبيضوا وجوههم مع من أسدى إليهم جميلاً ومن طبع اليوناني معرفة خدمة الأمزجة المختلفة والميل إلى النافع له ما أمكن بكل وسيلة. أما ما في أثينا من بقايا العادات القديمة ليس بالشيء الذي يلفت نظر السائح اللهم إلا إذا أحب أن يزورها ليتذكر ماضيها. وأين عظمة رومية من عظمة أثينا ولا نغالي إذا قلنا أن بقايا عادتنا في جرش ووادي موسى وبعلبك وتدمر أفخم وأعظم من بقايا عادات اليونان كلها التي لم تقو على عاديات الأيام. في العاصمتين رأيت هذه المرة في العاصمتين عاصمة العثمانيين الأستانة وعاصمة المصريين القاهرة ما طالما شكا منه الاجتماعيون من الاتكال المجسم والغلو في حب التوظف والاستخدام رأيت ابن الأستانة لا يفكر ولا يريد أن يفكر في غير استحصال الرزق من باب الحكومة ورأيت المصري كذاك كلاهما يستميتان في طلب الوظائف وقد زهدا في الأعمال الحرة فلا تكاد ترى في الأستانة متعلماً إلا وهو يرغب أن يبيع استقلاله من غيره ويكون بيده آلة تحرك بدون اختيارها ومن الأسف أن هذا الخلق استحكم حتى لا تشهد سوى أسباب الرزق الضئيلة بيد الأتراك أما التجارب الواسعة والصناعات الرابحة فهي للرومي والأرمني والألماني والفرنسي وغيرهم من الشعوب والأمم وكذلك المصري المتعلم لم يتعلم إلا للخدمة في الدواوين وترك التجارة وغيرها من مذاهب المعاش للرومي والإيطالي وغيرهما. داءٌ استحكمت حلقاته حتى افتقرنا. يسلب الغريب منا أموالنا ليحملها إلى بلاده ولا يزال آخذاً بالانتشار والعبر في القطرين تتلو العبر داعية القومين إلى إطراح المذاهب الاتكالية وإن أبواب الاستخدام إذا فتحت اليوم قليلاً فغداً تقفل حتى في وجوه الأكفاء من الطالبين وخزائن فروق ومصر تضيق صدراً عن إنفاق ما يلزم من المال على العمال والمستقل في عمله أنفع لنفسه ولقومه من المتعلق بأذيال غيره الذي يعيش عالة على السوي. كنت في القهوة في زيارة صديق لي من أهل العلم والمكانة في الحكومة المصرية فجاءته فتاة مسلمة ودفعت إليه ورقة بخطها كتبت فيها صورة ما نالها من تنحية ديوان الصحة لها من الخدمة في المستشفى وحرمانها من خمسة جنيهات كانت عينت لها منذ تخرجت من مدرسة القصر العيني وطالبة إليه أن يساعدها لإرجاعها إلى مركزها. فقال لها صاحبي أن مصلحة الصحة قد أسدت إليك معروفاً يجب عليك أن تشكريها عليه وهو أنه فتحت أمامك باب الاستقلال في عملك ومصر في حاجة إلى طبيبة مسلمة مثلك وليس فيها كثيرات من أمثالك وأنت تكتبين العربية والإنكليزية وتحسنينهما كما لحظت من كتابتك فأنصح لك أن تعمدي إلى نشر إعلانات عن محل تتخذينه وتشتهرين مع الزمن فلا ترضين بعد مدة أن تدفعي هذا القدر من المرتب الذي تعدينه شيئاً للممرض الذي تستخدمينه فإنك ستربحين العشرات من الجنيهات في شهرك وتخدمين بذلك بلادك ونفسك. فلم يحل هذا الكلام محل القبول من قلب الطبيبة وأخذت تورد الحجج على صحة ما تريده وأنه لا قبل لها إلا بالاستخدام ولا رزق لها إلا فيه وأنها إذا نالت الخمسة جنيهات فقد حيزت لها الدنيا وأخذت بحظ من السعادة لها ولأسرتها لأن هذه أنفقت ما كانت تملكه في تعليمها فلم يعد في وسعها أن تزيد على ذلك. وهكذا بقي صاحبي وأنا نورد البراهين القاطعة التي تلقن ألفتاة معنى الاستقلال وتبعد بها عن مواطن الاتكال حتى كل اللسان وانتهى الأمر إلى أن يكلم في أمرها أحد أصحاب الشأن ليرجعوها إلى وظيفتها التي أخرجت منها من دون سبب ولا تجد سعادتها إلا فيها. هذا مثال رأيته بالأمس في مصر وكل يوم يقع مثله عشرات في الأستانة. وإن المرء ليأسف جد الأسف على عقول تضيع من غير فائدة وأعمال وكفاءات تذهب هباءً. أناس يرضون بالدون من العيش وفي استعدادهم أن يبرزوا في كل عمل تصح إرادتهم على اتخاذه وإن يغتنوا ويرتاحوا ويعيشوا مرفهين لا مقتراً عليهم وأحراراً لا مقيدين مستعبدين. وفي الشرق قوى كثيرة تضيع وبعض ما يمكن الانتفاع به من موجوده لا يحسن استخدامه والمتعلم من أهله يعتقد أن الراحة والغبطة في الاعتماد على خدمة مخدمها وما درى أن تعبه في هذه الراحة وأنه لا راحة بدون تعب ولو كان هذا الخلق غرس في طباع الإنكليز والألمان والأميركان والفرنسيين وغيرهم من أمم المدنية الحديثة كما غرس في طباع سكان هذه الديار ما قامت هذه الحضارة التي تدهشنا وما استقام نظام الأسرة على صورة تبهرنا آثارها. أليس من الأسف أن نكون حتى في بلادنا غرباء فإذا أراد أحدنا أن يترفه بعض الرفاهية لا يجد نزلاً ولا مطعماً ولا قهوة ولا مسرحاً لوطني بل كلها للإفرنج. والتركي والعربي باهتان شخصان لا يعرفان من أين تؤكل الكتف لأنهما يجهلان أصول الحياة وتحصيل الرزق ويحبان التفخل والفخفخة وضخامة الألقاب. ولطالما رأينا من نعدهم من كبرائنا يطأطئون رؤوسهم ذلةً لتاجر صغير في مظهره في الحقيقة ولكنه كبير في ذاته لأنه جمع مالاً وعدده إرادة أن يقرضه ما يستعين به على تمشية أموره أو يتبلغ به يسيراً ريثما تصرف له مشاهرته وهذه الحال تراها على أشدها في القطر المصري لأن ابن مصر منفاق على الأكثر لا يفكر في أن يوازي غالباً بين دخله وخرجه ولذا انتقلت الأملاك أو جزءٌ كبير منها من أيدي المصريين إلى الغرباء والرومي في المقدمة والحال في الأستانة أدهى وأمر. وبعد فحيث اشتد العراك بين الأمم وبعبارة أخرى في العواصم الشرقية التي تكون فيها المنافسة على أتمها تجد الوطني يتضاءل ويضعف أمام الغربي بل ينهزم شر هزيمة وتتجلى للناظر صورة مجسمة من صور الاتكال والاستقلال بل صورة من العلم النظري الذي هو القشور وصورة العلم العملي الذي هو اللباب. اشتدت في فرنسا على عهدها الأخير محبة الوظائف وكثر فيها جيوش الموظفين والمستخدمين فأحس القوم بهذه الآفة التي تهدد كيانهم فأنشأ بعض المستنيرين حقيقة يستنكفون من تولي الوظائف حتى ضاق ذرع الحكومة أو كاد في البحث عن الأكفاء إذا لم يقبل عليها إلا المتوسطون وزهد في خدمتها النوابغ وما أنس لا أنس وزيراً تعارفت إليه في باريس ترك الخدمة وتولى إدارة مصرف صغير وكم في الغرب من رجل عظيم خطبته المناصب فأبى وآثر أن يكون تاجراً أو صرافا أو صاحب معمل أو مدير شركة أو محرر جريدة أو أستاذا في مدرسة على أن يكون وزيراً كبيراً يقدم ويؤخر في مصالح أمته ويحل ويعقد في أقدارها. والأمثلة كثيرة في هذا الباب فهل يتعظ شرقنا المسكين. هي النفس هي النفس هذبها بما تستطيعه فليس سواها بين جنبيك من نفس وصبح بها الأخلاق فهي غنائم فإنك لا تدري أتصبح أم تمسي وجدد من الذكر الجميل مراسماً لنفسك واترك داثر الشرف المنسي فإنك حي ما نسبت لها الإبا وإنك ميت ما انتسبت إلى الرمس يغالي ألفتى في سومه المجد غالياً ويرخص من باع الحمية بالبخس وأنت ابن هذا اليوم فاعمل لوقته فلم تملك الآتي ولم تغن بالأمس وليس يفيد الدرس ما لم تضف له خلائق تغني عن مطالعة الدرس وخذ بعيان الأمر لا بخياله فشتان ما بين التصور والحس قل ألفصل تملك سرة ألفضل منزلاً وتمتاز في فصل الخطاب على الجنس فما ألفضل بالكرسي تجلس فوقه ولكن أعمال ألفتى ذروة الكرسي كأن حياة الخلق في الأرض بقعة تخالفن نبتاً والفضيلة للغرس تروحني الأخلاق ألقى نسيمها كأن به روحاً يهب من القدس ابنتكم يا خاملون وإنما (بين هباء الذر في ألق الشمس) فلا قلمي باك برسم صنيعكم ولا ضاحك في نعت أخلاقكم دمي كم اعتضت عنكم ناطقين خواطئاً بما جاء منسوباً لأقلامي الخرس فوائد قس بها الكواكب أو فقل فصول خطابٍ لابن ساعده قس وما أنست نفسي بلهوٍ وإنما رقيك يا أرض العراق به أنسي لألبست أقطار البلاد معارفاً فهل حسن أني لك ألفضل استكسي يسرك أن الأجنبي قطاره يسير وأن الباخرات له ترسي سأفديك في أغلى من الملل غيرة وإن باعك الأغيار في ثمن بخس النجف محمد باقر الشبيبي المذكر والمؤنث لابن جني نشرها الدكتور أوسكاوريشر الألماني بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلواته على محمد وآله أجمعين المؤنث الذي لايجوز تذكيره عن ابن جني العين الأذن الكبد الكرش الفحث ألفخذ الساق العقب العضد الخنصر البراجم الرواجب الضلع القدم اليد الرجل الضرب السلطان الضحى الرب البغل القوس ألفهر النار الملح السلم العروض الحدور الكؤود الصبوب النحل الكأس ألفأس الموسى ألفرسي الذود السري الغول العناق الرخل الضبع المعز الضأن الأبل الخيل الغنم الناب المسنة من الإبل السن العصا العقاب القلت موضع يجتمع فيه الماء القتب من المرط البئر الدلو الدرع اللبوس سقر لظى الطس الشمس الشمال الجنوب الصبا الدبور اليمين الشمال النوى البعد المنجنون المنجنيق والافعى والجزور والسمر والبسر والشعير وحضار والعواء وكحل والأزيب النشاط وذكاء من أسماء الشمس والسراج والخندريس وجميع نعوت الخمر وأمام وقدام ووراء وخود ومسرح وضنك وحروف المعجم يؤنث ويذكر وما لا يجوز تأنيثه الأشاجع البطن الضحى الألف من العدد النعم الناب من الأسنان الضرس النجار القليب درع المرأة القميص الرداء اللبوس من اللباس الجحيم شمس قلادة الخرز ذكر الأرنب الزيخ ذكر الضباع العقربان ذكر العقارب الأفعوان ذكر الأفعى العشي الزند الأعلى من الزناد والشهور كلها مذكرة إلا جمادى العراق واسط دابق الزبعرى الجمل الشديد والعنبى منه والجلبى مثله والصلخدي مثله وفوق السهم والسور وفحال النخل وما لا ينون في النكرة ولا يدخل عليه علامة التأنيث فاقض بأن ألفه للتأنيث نحو بشرى وشعرى وإن كان بنون أو تدخل عليه علامة التأنيث فألفه لغير التأنيث نحو أرطى ومعزى وأما الهمزة التي للتأنيث فلا تكون إلا زائدة بعد لام ألفعل نحو حمراء وصفراء فوزنها فعلاء ولام ألفعل هي الراء ولا يجوز دخول علامة التأنيث عليها ألا ترى أنك لا تقول حمراءة وصفراءة كما تقول صلاءة وعباءة وكل اسم رأيت في أخره همزة زائدة بعد ألف لم يجز دخول هاء التأنيث عليه ولم يكن على وزن فعلاء نحو حرباء وعلياء أو فعلاء نحو قوباء وخشناء فاقض بأن همزته للتأنيث ومما يعلم أن همزته للتأنيث ما كان على فعلاء نحو الرخصاء والنفساء والكرماء والظرفاء أو فعلاء نحو السيراء والعنباء أو فعلاء نحو قدماء وجنفاء أو أفعلاء نحو أربعاء وأصدقاء أو فاعلاء نحو القاصعاء والراهطاء أو فاعولاء نحو عاشوراء. باب الهمزة: - الأضحى مؤنثة ويجوز التذكير يذهب بها إلى اليوم الألف من العدد مذكر فإن أنث فإنها يذهب بها إلى الدراهم الأنف مذكر الأشجع واحد الأشاجع وهو عصب على ظهر الكف مذكر الإبط يذكر ويؤنث وتذكيره الوجه الإبهام مؤنث وتذكيره لغة لبعض بني أسد الإصبع مؤنثة الأنعام جمع نعم مؤنثة الأذن أنثى الأفعى أنثى وللذكر أفعوان الأرنب أنثى وذكرها الخزز الإبل أنثى والآل الذي يشبه السراب مذكر وتأنيثه لغة أمام بمعنى قدام مؤنث الأذيب النشاط مؤنثة الأرض مؤنثة. باب الباء: - البسر يذكر ويؤنث البراجم إناث جمع برجمة وهي ملتقى رؤوس السلاميات الباز مذكر ويقال باز وباز أخبرني أبو علي أنه يقال باز وجمعه بواز وبزاة وباز وثلثة أبواز فإذا كثرت فهي البيزان الباع مؤنثة بطن الإنسان مذكر وإذا أريد بالبطن القبيلة جاز تأنيثه البئر مؤنثة. باب التاء: - التمر يذكر ويؤنث التوى الهلاك مذكر التولج الكناس مذكر التوت مذكر التولب ولد الحمار مذكر التجفاف واحد التجافيف مذكر الترس مذكر وجمعه أتراس. باب الثاء: - الثعبان الحية العظيمة يقع على الذكر والأنثى والثعلبان مذكر لا غير الثدى مذكر الثمر جمع ثمرة يذكر ويؤنث الثمار نبت يذكر ويؤنث الثجير عصارة الشيء مذكر. باب الجيم: - الجزور مؤنثة جرجان وكل اسم بلد في أخره ألف ونون زائدتان مذكر فإن أنث فإنما يذهب به إلى المدينة الجراد جمع جرادة يذكر ويؤنث وقد يقع الجراد على الواحد الذكر فيقال رأيت جراداً على جراد. الجحيم من بين أسماء جهنم مذكر وسائر أسمائها مؤنث الجبين ذكر الجام مؤنثة الجفن ذكر جمادى مؤنثة. باب الحاء: - حضار اسم نجم مبني على الكسر والحضار الإبل البيض مؤنث الحشا وأحد الأحشاء مذكر الحرور الريح الحارة بالليل أنثى الحرب مؤنث الحدور مؤنث وهو موضع ينحدر فيه الحجاز مذكر الحانوت أنثى فإن ذكرت قصد بها البيت حوران اسم موضع مذكر الحال يذكر ويؤنث الحمام جمع حمامة يذكر ويؤنث. باب الخاء: - الخمر أنثى وكذلك جميع أسماءها نحو القرف والشمول والمدام الخصر مذكر الخرنق ولد الأرنب الغالب عليه التذكير الحد مذكر. باب الدال: - درع الحديد أنثى ودرع المرأة ذكر دابق اسم موضع بطريق الشام مذكر الدار أنثى والدلاء جمع دلاة والدلاة والدلو أنثى ويجوز تذكير الدلو. باب الذال: - الذنوب الدلو الكبير مذكر وهو أيضاً الحظ والنصيب مذكر الذود من الإبل من ثلث إلى عشر من النوق أنثى ذكاء اسم للشمس مؤنثة الذهب مؤنثة وربما ذكرت الذراع مؤنثة وربما ذكرت. باب الراء: - الريح مؤنثة وكذلك جميع أسمائها نحو الجنوب والشمال الرخل مؤنثة وهي أنثى من ولد الضأن الرسغ مذكر الرحلى أنثى الرجل أنثى الروح مذكر فإن أنث فإنما يعنى به النفس. باب الزاي: - الزوج مذكر وهو يقع على الذكر والأنثى عند أهل الحجاز وأهل نجد يقولون زوجة الزند من اليد مذكر الزقر لغة في الصقر ذكر الزرنب ضرب من الطيب ذكر. باب السين: - السراويل مؤنثة السلم ذكر وربما أنث السلم الصلح مؤنثة وربما ذكر والسلم الاستسلام مذكر السري سير الليل مؤنث السبيل يذكر ويؤنث الساعد مذكر الساق مؤنثة السلطان يؤنث ويذكر السكين يذكر ويؤنث السن واحد الأسنان مؤنثة السلاح يذكر ويؤنث السوق مؤنثة وربما ذكر. باب الشين: - الشخص مذكر عنيت به ذكراً أو أنثى الشهر مذكر الشام مذكر الشمال خلاف اليمين مؤنثة الشفر واحد الأشفار مذكر الشعير يذكر ويؤنث الشمس الطالعة مؤنثة والشمس الذي في القلادة ذكر. باب الصاد: - الصعود من الأرض مؤنثة الصبوب مؤنثة مثلها الصاع يذكر ويؤنث صليف العنق صفحتها يذكر ويؤنث. باب الضاد: - الضرب العسل الأبيض مؤنثة الضبع وسط العضد مذكر والضبع مؤنثة الضأن مؤنثة الضحى مؤنثة الضحى بمعناها مذكر الضلع مؤنثة الضرس مذكر. باب الطاء: - الطريق يذكر ويؤنث الطس والطسة والطست مؤنثات طباع الرجل مؤنثة وربما ذكرت الطوي البئر ذكر فإن رأيته مؤنثاً فأنما يعني به البئر الطير جماعة طائر مؤنثة الطاعون يذكر ويؤنث الطاس مؤنثة. باب الظاء: - الظهر من الصلوة مؤنثة الظهر مذكر الظفر مذكر الظئر الداية مؤنثة وجمعها ظؤار الظبي جمع ظبة مؤنثة. باب العين: - العصا مؤنثة العضد مؤنثة العشاء مؤنثة عروض الشعر وغيره مؤنثة العرس مؤنثة العراق مذكر العجز العجيزة مؤنثة وربما ذكرت العاتق بذكر ويؤنث العقرب اسم للذكر والأنثى العقب مؤنثة العناق مؤنثة العقاب مؤنثة العلياء العصبة في العنق مذكر العنق بضم النون مؤنثة فإن سكنت النون ذكر العنز أنثى العنكبوت يذكر ويؤنث العين مؤنثة. باب الغين: - الغنم مؤنثة الغول مؤنثة غبر اسم يقع على الذكر والأنثى. باب ألفاء: - ألفرج مذكر ألفردوس مذكر ألفخذ مؤنثة ألفأس مؤنثة ألفرس يقع على الذكر والأنثى الفهر الحجر الصغير مؤنثة الفلك يذكر ويؤنث فرسن البقرة والجؤذر مؤنثة. باب القاف: - القلت مؤنثة وهي حفرة تكون في الصفا تمسك الماء والقليب من أسماء البئر يذكر ويؤنث القميص مذكر القوس أنثى القفا يذكر ويؤنس القدوم أنثى القدم أنثى وقدام أنثى وتصغير (ها) بالهاء القتب من الأمعاء أنثى. باب الكاف: - الكف أنثى الكؤود من الأرض مؤنثة الكرش أنثى الكراع أنثى وقد يذكر الكتف والكبد والكأس مؤنثات. باب اللام: - الليت مجرى القرط في العنق مذكر اللسان لهذا العضو مذكر فإن عني به القصيدة أو الرسالة فهو مؤنث. باب الميم: - محجر العين مذكر المسك مذكر المطر مذكر وربما أنث إذا أريد به الزراعة المعى مذكر وربما أنث المعز مؤنثة المتن مذكر وربما أنث وربما دخلت عليه الهاء فقالوا متنة المؤق والمأق مذكران وهما زاويتا العين اللتان تليان الأنف مثل يقع على الذكر والأنثى من يقع للمذكر والمؤنث الملح مؤنثة المنجنون ويقال المنجنين وهي الثالثة مؤنثة المنخر ذكر المنجنيق مؤنثة موسى الحجام مؤنثة. باب النون: - النجار مذكر ومعناه الطباع السمك مؤنثة الناب من الأسنان ذكر والناب الناقة المسنة مؤنثة نحن يقع على المذكر والمؤنث النحل يذكر ويؤنث النعل مؤنثة النوى البعد مؤنثة النوى جمع نواة يذكر ويؤنث النفس أنثى النعم يذكر ويؤنث النور خلاف الظلمة مذكر. باب الواو: - وراء بمعنى خلف مؤنثة وتصغيرها وريئة بوزن وريعة الوحش أنثى الورك أنثى واسط ذكر الوعاء ذكر. باب الهاء: - الهدى مذكر وقد يؤنث الهبوط من الأرض أنثى الهردى نبت مؤنثة الهجنع ذكر النعام. باب الياء: - اليمين اليد واليمين من الخلف كلاهما مؤنث اليسار اليد اليسرى مؤنثة واليد مؤنث اليأفوخ مذكر وكل اسم مؤنث هو على ثلاثة أحرف تصغيره بالهاء نحو قدر وقديرة ودار ودويرة إلا أحرفاً شذت وهي قوس وزود وحرب وعرس لأنها كثرت في كلامهم فاستخفوا بطرح الهاء من التصغير فإن كان المؤنث على أربعة أحرف فصاعداً كان تصغيره بلا هاء نحو عقرب تقول عقيرب وعقاب عقيب وأتان أتين إلا أنهم صغروا إماماً ووراء وقداماً (بالهاء) فقالوا وريئة وقديمة وأميمة لأن جميع الظروف مذكرة وهذه الثلاثة مؤنثة فلو صغروها بطرح الهاء أوهم أنها مذكرة كسائر الظروف فإن كان في الاسم المجاوز للثلاثة هاء في التكبير تنبت في التصغير تقول في سفرجلة سفيرجة وفي سلسلة سليسلة. تم الكتاب بحمد الله وجميل صنعه وصلى الله على محمد وآله أجمعين. قواعد العمران من بين آيات القرآن إذا تجرد الإنسان هنيهة من جلباب التقاليد. وترك التصديق والإذعان جانباً ونظر إلى القرآن ككتاب غامض خبره. مجهول مصدره. وأراد أن يقرأ فيه. ثم يحكم عليه. ويأخذ عبرة منه. فماذا يرى؟ وبماذا يحكم؟ أخذ ذلك الإنسان القرآن وما هو إلا أن وقع نظره على أوائل سورة الإسراء فرأى عجباً: رأى من ضروب الوعظ والتذكير. وأفانين التربية والتعليم. وأصول الآداب وقواعد الاجتماع. مفرغاً ذلك كله في أساليب عالية. وحلل بالفصاحة والبلاغة زاهية - ما جعله يكبر الأمر. ويتساءل ماذا عساه يكون السر. كتاب وجد منذ أربعة عشر قرناً في بلد منقطع عن العمران. محجوب عن أشعة العلم والعرفان. بين قوم أميين. قساة جاهلين. ثم هو يتضمن ما أشرنا إليه لجدير بالتعجب منه. حقيق بالتفكير فيه. تضمنت أوائل سورة الإسراء ما تضمنت وهي ست صفحات فقط. فماذا تتضمن إذا بقية صفحات ذلك الكتاب وهي زهاء ( ٨٧ .) صفحة. نحن لا نحيل القارئ الكريم إلى أمر بعيد عن القياس ولا إلى غيب لا يدخل تحت متناول الحواس. وإنما نحيله إلى عيان ومشاهدة واختبار. الإسراء والمعراج (من مزايا صاحب الرسالة صلى الله عليه وسلم) يصح نعت القرآن بأنه أقدس رسالة أتت من أقدس مقام بواسطة أقدس إنسان. وهو محمد بن عبد الله الرسول في تبليغ تلك الرسالة إلى الخلق. وقد افتتح مرسل تلك الرسالة إحدى سورها أعني سورة الإسراء - ببيان منزلة ذلك الرسول. ليزداد الناس ثقة به. وحباً له. وحرصاً على تلقي الرسالة عنه. فقال: سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا اطلاع الله لذلك الرسول على آيات الكون وأسرار الخليقة هي المنزلة الرفيعة التي امتاز بها عن سائر بني البشر. فالمقصد من الآية إثبات تلك المنزلة له. أما أن رحلة الرسول في الاطلاع على تلك الآيات كان بروحه الشريفة أو جسده المبارك فهذا لا نكلف الإيمان القطعي به ما دامت الآية ليست دلالتها على معناها بقطعيته. ولذلك اختلف العلماء بل الصحابة في الإسراء والمعراج: أسري بروحه أو بجسده وكيف كانت كيفيته. وعلى أية حالة وقعت غدوته وروحته هذا من عالم الغيب لا نكلف به تفصيلاً ما دمنا مؤمنين بالغرض منه إجمالاً. ألا وهو الإيمان بأن الله اطلع على نبيه على عالم الملكوت. ولنضرب لذلك مثلاً: نسمع أن أهل طرابلس الغرب قاموا اليوم لمناجزة إيطاليا. ونعلم أن حكومتنا العثمانية ذات الدهاء والقوة هي التي أمدتهم بالضباط والسلاح والذخائر فتمكنوا بذلك من القيام ضدها. فيقول قوم: وكيف أوصلت حكومتنا تلك الإمدادات إليهم بالبر عن طريق مصر؟ أو بالبحر على ظهر السفن. أو بالهواء على متون الطيارات؟ ولكن هل من المعقول أن توسع مسافة الخلاف بيننا في هذه المسألة ونكثر من اللغط فيها. وليس في ذلك من فائدة لنا. وإنما ألفائدة هي في أن نثق بالحكومة وفي أن لديها من الوسائط ما يكفل إيصال القوات إلى إخواننا السنوسيين بطريقة حكيمة مأمونة. يستبعد قوم أن يكون الإسراء قد حصل بجسده الشريف ولكن أقول أنه ربما كان هو الواقع كما يستبعد قوم أن يكون إمداد السنوسيين بطريق البحر مع أنه ربما كان هو الواقع أيضاً بل ربما كلن بواسطة الغواصات التي تنساب تحت مياه البحر. كيف أسري بجسده صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس؟ وكيف يتصور هذا؟ ولكن قل لي - ولنفرض أنفسنا عائشين منذ مئات السنين - كيف يمكن أن يطير الإنسان مسافة أيام بساعة من الزمن؟ لو قلنا ذلك لأهل القرون الأولى أما كانوا يستبعدونه ويعدونه من المحالات العقلية؟ وكذلك إسراء النبي إذا استبعده العقل وعجز عن تصوره ينبغي له أن لا ينكره ولا يحيل وقوعه. الاعتبار بالأمم الغابرة عرفنا منزلة الرسول حامل الرسالة. ولنقرأ الآن الرسالة نفسها أو بعض آيات منها أعني أوائل سورة الإسراء أول ما فعلته هذه الآيات أنها حولت نظرنا إلى أمة تقدمتنا كان لها في الحياة الدينية والاجتماعية والسياسية شأن عظيم وقد ذاقت حلو الزمان ومره بحيث أصبحت أجدر الأمم القديمة بأن يتعظ بها. ويعتبر بأحوالها. ألا وهي الأمة اليهودية: وآتينا موسى الكتاب. وجعلناه هدى لبني إسرائيل. ألا تتخذوا من دوني وكيلاً. ذرية من حملنا مع نوح. إنه كان عبداً شكورا. وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين. ولتعلن علواً كبيراً. فإذا جاء وعد أوليهما بعثنا عليكم عباداً لنا أولي بأس شديد فجاسوا خلال الديار وكان وعداً مفعولا. ثم رددنا لكم الكرة عليهم. وأمددناكم بأموال وبنين وجعلنكم أكثر نفيراً. إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم. وإن أسأتم فلها. فإذا جاء وعد الآخرة ليسؤوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علو تتبيراً. عسى ربكم أن يرحمكم وإن عدتم عدنا قصت علينا هذه الآيات من خبر اليهود ما فيه مزدجر وتحذير لنا أن يصيبنا مثلما أصابهم: فقالت أن الله أعطاهم التوراة فيها هدى وحذرهم مخالفة أوامره واستدبار سننه وأكد لهم أن هذه المخالفة تؤدي إلى غلبة عدوهم عليهم. واكتساحه بلادهم. فاليهود غفلوا عن سنن الكون. وتناسوا أمر الله. فسلط عليهم بختنصر نبوخذ نصر ملك الآشوريين. فأنزل بهم البلاء. ثم كشف ذلك عنهم على أمل أن يكونوا تابوا وأنابوا، فيعودوا للعمل بالتوراة. ومراعاة سنن الوجود والاتعاظ بما كان من إذلال عدوهم في المرة الأولى لهم - فلم يفعلوا شيئاً من ذلك وعادوا لما نهوا عنه. فجاءهم الرومانيون. وأوقعوا بهم واضطهدوهم وأذلوهم. كما قال لهم ربهم وإن عدتم عدنا أي وإن عدتم للمخالفة عدنا لتسليط عدوكم عليكم. هذا ما كان من أمر اليهود في سابق عهدهم. فوعظنا الله نحن المسلمين بهم. وحذرنا أن نخالف أوامره الإلهية وندابر سننه الكونية. فيصيبنا مثلما أصابهم. ولا ريب أن القدوة عامل من أقوى عوامل التربية. وهي في تربية الأمم مثلها في تربية الأفراد. فإن أحسن طريقة يتخذها المربي في تربية الناشئ هي أن يصف له إعمال رجال ألفضيلة فيقتدي بهم. وأعمال رجال الرذيلة فيتجنب عملهم. وهكذا الأمم في طور تكونها يجب أن تستفيد من أمم التاريخ فتقتدي بهذه. وتحيد عن عمل تلك. سلك القرآن الكريم في تربيتنا معشر المسلمين هذا الطريق من التربية فترونه يقص علينا أخبار الأمم السالفة وما جرى لها لنستفيد من ذلك عظة وعبرة. اليهود في عهد البعثة المحمدية كانوا مضرباً للأمثال. وموضعاً للشفقة عليهم. والتعوذ إلى الله من المصير إلى مثل حالهم. ولكنهم اليوم عادوا فلموا شعبهم. ورأبوا صدوعهم. وأخذوا يستفيدون من تجارب الأمم غيرهم. ومن عبر التاريخ التي تستنتج من حوادث من تقدمهم. انظروا إليهم تجدوهم في علو منزلة ورفعة شأن. على أنه لا حكومة لهم ولا سلطان لماذا انقلب ما بهم وغير الله ما بهم؟ ذلك لأنهم غيروا ما بأنفسهم. سلكوا إلى ألفوز في هذه الحياة من طريقه الطبيعي الذي طالما تنكبوه في سألف عهدهم. سلكوا سبيل الحياة الاجتماعية وهم مسلحون بثلاث أمور: ( ١ ) تقوية روح التضامن بينهم ( ٢ ) إصلاح التربية العائلية والمدرسية ( ٣ ) توفير الثروة من طريق علم الاقتصاد هذه القوى الثلاث هي عماد الأمم. وأكبر العوامل في نهوضها. فيجب علينا معشر المسلمين اليوم أن نقتدي بهم في توفير هذه القوى الثلاث: لأن الحكمة ضالتنا كما قال نبينا. وإلا كان أمرنا إلى خسار. وسعينا إلى تبار. واأسفاه. . . كنا نرثي لليهود. ونشفق عليهم. ونتعظ بالمثلاث من أحوالهم. فعدنا اليوم نعجب من أمرهم. ونباهي بأعمالهم. ونحض أنفسنا على الاقتداء بهم. والسير في الحياة الاجتماعية على أثرهم. (لا تحقرن امرءاً كان ذا ضعة فكم وضيع من الأقوام قد رأسا) (فرب قوم قد جفوناهم ولم نرهم أهلاً لخدمتنا صاروا لنا رؤسا) وهذا مصداق الآية الكريمة إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم غير أن القرآن الذي أعطانا نحن المسلمين هذا الأصل في نهوض الأمم وسقوطها وهو أن التغير الاجتماعي ناشئ عن التغير الأخلاقي - أعطانا أصلاً آخر في هذا المعنى وهوترك اليأس مذ قال: إنه لا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون هذه أسباب النهوض حوالينا. وطرق العزة والغلبة ممهدة أمامنا. فلنسلك هذه الطرق بصبر وثبات ورجاء كما أمر الله. فلا جرم أن نكون بعد ذلك من ألفائزين التربية النفسية بعد أن فهمنا من آيات اليهود لزوم الاتعاظ بما جرى للأمم قبلنا نرجع إلى بقية الآيات الأوائل من سورة الإسراء فنجد فيها مواعظ وحكماً وآداباً اجتماعية أخرى. من ذلك التربية النفسية: الأصل الأول في هذه التربية أن يعتقد المرء بأن كل ما يصدر عنه - منقول أو عمل أو فكر - له تأثير في أخلاقه وسعادته ومستقبل حياته: إن حسناً فحياته سعيدة وإن سيئاً فحياته شقية. وإذا علم المرء هذا كان جديراً أن لا يقول إلا حسناً. ولا يعمل إلا حسناً. ولا يفكر إلا حسناً. قال تعالى في آيات سورة الإسراء إن أحسنتم أحسنتم لأنفسكم وإن أسأتم فلها - ثم قال - من اهتدى فإنما يهتدي لنفسه ومن ضل فإنما يضل عليها والأصل الثاني في التربية النفسية حياة الضمير وصحة الوجدان في نفس المرء: فمن كان ذا ضمير حي. ووجدان صحيح كان على نصيب وافر من صحة الحكم والقصد في الأعمال. وسعادة الحياة. وهذا مغزى قوله تعالى في آيات سورة الإسراء: وكل إنسان ألزمناه طائره في عنقه ونخرج له يوم القيامة كتاباً يلقاه منشوراًاقرأ كتابك كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا طائر الإنسان عمله الذي صدر عنه فهو منوط به مقصور عليه كما مر في آية إن أحسنتم. . وآية ومن اهتدى. . فأعمالك التي تصدر عنك أيها الإنسان يكفي في تمحيصها ومعرفة صوابها من خطأها أن ترجع إلى نفسك أي ضميرك أو وجدانك كما يقولون اليوم ثم تقرأ ما انطوى فيها من الهواجس والخواطر والأميال والاعتقادات. فإذا قرأت ذلك كله فهمت كيف صدرت عنك الأعمال حسنة أو قبيحة؟ وكيف أصبحت بسببها سعيداً أو شقياً. نفسك وحدك هي نعم الحكم فيما إذا عرضت الأعمال. ونصب الميزان للفصل بين الحق والضلال. فالواجب علينا في تربيتنا النفسية إذا أن نقوي فينا الضمير والوجدان الذي يسمى القرآن. النفس أو النفس اللوامةتقوي ذلك فينا لنعرف كيف نقول الصدق. ونحكم بالحق. والأصل الثالث في التربية النفسية الصبر والثبات والتجلد وهو ما يسمونه اليوم قوة الإرادة والشجاعة الأدبية وقد نهانا الله في آيات الإسراء المذكورة عن اليأس والقنوط فقال ويدعو الإنسان بالشر دعاءه بالخير وكان الإنسان عجولا أي يا عجبا للإنسان! كيف يعجل بالسخط على نفسه والبراءة منها وتمني الشر لها إذا لم تفز في بعض المواطن. أو لم تنجح عند ممارسة عمل من الأعمال - كلا لا ينبغي أن يسخط ولا أن يدعو إلى نفسه بالشر والهلاك كأنه يدعو لها بالخير بل عليه أن يصبر ويتجلد. ويقوي إرادته فيعيد الكرة على العمل الذي لم ينجح فيه. فيتم له الفوز والغلبة. فبالله قولوا إذا لم تكن قوة الإرادة والصبر أساس السعادة في هذه الحياة فما هو الأساس؟ الأصل الرابع في التربية النفسية كبر النفس وعلو الهمة كما قال صلى الله عليه وسلم علو الهمة من الإيمان فلا يرضى المؤمن لنفسه بالدون من شؤون هذه الحياة. بل يقتحم المصاعب في نيل المطالب. ويكايد العظائم. في اكتساب الغنائم. وأي مناصب ومغانم؟ هي أن تكون أمته سعيدة فيكون سعيداً بها ومعها - هي ألفضائل والكمالات والأخلاق العالية والمظاهر السامية فيكون المرء بها رجلاً عظيماً ونابغة كبيراً. إذا كثر الأفراد من هذا القبيل في أمة من الأمم ارتقت وعزت. وإن قلوا وفقدوا تدهورت وذلت. والله سبحانه وتعالى يعطي المرء من هذه المظاهر العالية على حسب سعيه وما طلبه بلسان حاله (وإن ليس للإنسان إلا ما سعى) وقد أ - مره أن يسعى في نيل الكمال الإنساني بأبلغ أسلوب في آيات سورة الإسراء فقال: من كان يريد العاجلة (الخطة التي يسهل تناولها والمنزلة الناقصة) عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد. ثم جعلنا له جهنم يصليها مذموماً مدحوراً أي تكون عاقبة ما أراد التعجيل به من خطة الدون البلاء والشقاء الأبدي ومن أراد الآخرة وهي الحياة الكاملة والسعادة الشاملة وسعى لها سعيها وهو مؤمن واثق بالظفر فأولئك كان سعيهم مشكوراً. الأصل الخامس: من أصول التربية النفسية التي علمنا إياها الله في آيات الإسراء إعمال العقل في ما يعرض عليه من المسائل العلمية والكونية فلا يجوز للمرء تعطيل عقله ومشاعره وتصديق كل وهم يلقى عليه. فقال تعالى في آيات سورة الإسراء - ويا ما أسمى حكمته فيما قال - ولا تقف ما ليس لك به علم. إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسئولاً أي لا تتبع الظن فتصدق ما لا يلتحم مع العقل اليقيني بل استعمل عقلك وسمعك وبصرك. فإذا أهملتها وعطلت العمل بها سئلت عنها يوم القيامة. فإذا قال لك ربك يومئذ لماذا اعتقدت كذا أو كنت تذهب من المذاهب والآراء إلى كذا فقلت له: يا رب قيل لي كذا وقالوا لي كذا فتبعتهم. فيقول لك وأين عقلك وسمعك وبصرك التي قد وهبتها لك؟ ولماذا لم تستعملها وتستهد بها؟ هل أعطيتك إياها لتهملها؟ أهكذا حق النعمة وشكرها؟ لا جرم أن تقوم إذ ذاك الحجة على هذا المقلد فيقذف به في هوة الشقاء. أنقذنا الله منها بفضله وكرمه. التربية العائلية الأمة تتألف من العائلات كما أن الجدار يتألف من الأحجار. فإذا كانت الأحجار متينة قوية محكمة الوضع كان الجدار ثابتاً حسن الوضع والعكس بالعكس. كذلك الأمة إذا تألفت من عائلات راقية في نظامها وترتيبها ونظافتها وأدبها وأخلاق أفرادها كانت الأمة في أعلى درجات الرقي والعكس بالعكس. والعائلة تتألف من أول أطوار تكونها من أب وأم وابن والابن الأول هو حجر الزاوية في أساس البيت. فإذا كانت أخلاقه حسنة وآدابه راقية وباراً بوالديه تبعه أخوته وأخواته وانتظم حال الأسرة. وإلا فسدت الحالة واختل النظام. على أن البن إذا كان عاقاً لوالديه. يسيء عشرتهما. ويوصل الأذى إليهما كان جديراً بأن يفعل ذلك مع خلطائه ومعاشريه الآخرين. وهذا كاف في سقوطه وتعاسته. قال تعالى في آيات الإسراء: وقضى ربك أن لا تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحساناً. أما يبلغن عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما أف ولا تنهرهما وقل لهما قولاً كريما. واخفض لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما ربياني صغيراً ومعنى هذه الآيات ظاهر لا يحتاج إلى تبيان. ومن التربية العائلية التي جاءت في آيات الإسراء رحمة الوالدين وعطفهما على ابنهما فلا يقسوان عليه. ولا ينظران إليه كأنه متاع لا قيمة لفه في الوجود. وإنما هو حر مستقل في نفسه. يكلف أبوه بالإنفاق عليه وتربيته حتى يبلغ أشده. ثم يسرحه في هذا العالم ليسعى لنفسه وعائلته ولوطنه. وقد نعى الله على الآباء القساة صنيعهم فقال في آيات الإسراء: ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق نحن نرزقكم وإياهم إن قتلهم كان خطأً كبيراً فذه القسوة أو اليأس من حصول الغنى هو من أسباب خراب العائلات وتنغيص عيشها. ونحن اليوم لا نقتل أولادنا قتلاً حقيقياً وإنما نقتلهم قتلاً معنوياً. نهمل الإنفاق على تربيتهم وتعليمهم فيكونوا على حالة من الجهل والشقاء حتى الموت الحقيقي خير منها. فتربية الأولاد والرأفة بهم وعدم قتلهم قتلاً حقيقياً أو أدبياً هو مما أمرنا الله به وحضنا عليه في آيات الإسراء. ومن التربية العائلية استحكام ملكة الاقتصاد في نفوس أفرادها الآيتان السابقتان آية بر الوالدين وآية عدم قتل الأولاد تحضاننا على استكمال الروح الأدبي في العائلة. أما آيات الاقتصاد التي تضمنتها آيات الإسراء فهي تحضنا على استكمال الأمر المادي أي على توفير الثروة. والاهتداء إلى أحسن الطرق في استثمارها وتحصيلها. والعائلة التي لا تعرف كيف تستثمر ثروتها. أو تزيد فيها. أو لا تعرف كيف تنفق المال في طرقه القانونية. وتقابل الصرف بالخرج على أصول البودجة يوشك أن تنفق أموالها وتضيعها بالتدريج. أو تخزنها في صناديق دون أن تستفيد منها ويكون شأنها شأن من أعطاه الله عينين ليبصر بهما فهو قد أغمضهما أو وضع عليهما عصابة فلم يعد يرى ولا يبصر. فمثل هذا الرجل كيف يمكنه أن يعيش؟ وذلك البخيل الذي يقتر على عياله كيف تطيب له الحياة؟ قال تعالى في آيات الإسراء: ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً الحياة الاجتماعية آيات الإسراء على قلتها حافلة بالقواعد العمرانية. والأصول المدنية. التي يتوقف عليها هناء الجماعات البشرية. فالبشر ما داموا مدنيين بالطبع. وما داموا في حاجة إلى أن يعيشوا عيشة اجتماعية - كانوا محتاجين إلى هذه الأحكام والأصول التي جاءت في آيات الإسراء. وها نحن نسرد تلك الآيات سرداً من دون شرح ولا تعليق. خوف التطويل والتضييق. ١ وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميراًً. وهذا خطاب للأغنياء والعظماء في الأمم ٢ ولا تزر وزارة وزر أخرى. وهذا خطاب للحكام والزعماء فيأخذون كل مذنب بذنبه ٣ وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل. ثم في آية بعدها. ولا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن حتى يبلغ أشده. خطاب لكل فرد من أفراد الأمة وتنبيه حكام الشرع لحمل الناس على إيفاء الحقوق ٤ ولا تقربوا الزنا إنه كان فاحشةً وساء سبيلا. خطاب لكل فرد من أفراد الأمة فلا يتلوثوا بهذه ألفاحشة. ويصح أن نعد هذه الآية من آيات التربية العائلية لأن الزنا يهدم بناءها ٥ ولا تمش في الأرض مرحاً إنك لن تخرق الأرض ولن تبلغ الجبال طولاً. خطاب لكل فرد من الأمة بأن يكونوا ودعاء متواضعين فيتحابوا فيكونوا أقوياء وإلا تخاذلوا وضعفوا. وتصلح هذه الآية مثالاً للتربية النفسية لأن التواضع وعدم الغرور أساس تلك التربية ٦ ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق ومن قتل مظلوماً فقد جعلنا لوليه سلطاناً فلا يسرف في القتل إنه كان منصوراً. خطاب لكل فرد أو للحكام في حفظ الدماء والحكم بالحق وترك الشطط والإسراف ٧ وأوفوا بالعهد إن العهد كان مسئولاً. خطاب لكل فرد أو للحكام مع الدول الأخرى فيكون من قبيل التربية السياسية. وتصلح هذه الآية أن تدمج في آيات التربية النفسية ٨ وأوفوا الكيل إذا كلتم وزنوا بالقسطاس المستقيم خطاب عام وتنبيه للحكام هذه الآيات كلها مم جاء في أول سورة الإسراء. ولم تستغرق ست صفحات وهي كما يرى القارئ اللبيب جماع الأصول العمرانية وكفاف القواعد الاجتماعية ويتخللها آيات في مقاصد أخرى كآية وجعلنا الليل والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة لتبتغوا فضلاً من ربكم ولتعلموا عدد السنين والحساب وهذه الآية تصلح شاهداً للتربية الاقتصادية لأن فيها حضاً على السعي والكسب والاحتفاظ بالوقت فنعرف أقسامه. ولا ندع جزءاً منه يفلت منا سدى. أو يضيع علينا بدداً. هذه نماذج من آيات أوائل سورة الإسراء. كما أن هذه الآيات نفسها نموذج من مجموع ما في القرآن الكريم من الحكم والعبر. والمبتدأ والخبر. فرسالة هذه شأنها. والله مرسلها. ومحمد رسولها وواسطتها - هل يليق بنا أن نتغافل عند تلاوتها. أو ندع العمل بمضمون آياتها. دمشق المغربي إمارة مكة المكرمة بشرتنا البرقيات بصدور الإرادة السلطانية بتعيين حضرة الشريف علي حيدر باشا أميراً لمكة المكرمة مع توجيه رتبة الوزارة السامية إلى عهدة دولته فكان لهذا التوجيه رنة مسرور وابتهاج في أندية الشام يقدرها من عرف صاحب الدولة الشريف علي حيدر باشا في شمائله الذكية وأخلاقه الملائكية وفرط صداقته للدولة العلية وشدة استمساكه بعروة الخلافة العثمانية فضلاً عن مكانة الشريف من بنوة النبوة وسلالة البيت الذي نزلت بتطهيره الآيات المتلوة ولا يخفى أن هذه الإمارة منذ أيام الحسن ابن أبي نمي أي منذ نحو ثلاثمائة سنة كانت قد انحصرت في هذا البيت الكريم المعروفين بذوي زيد يتوارثونها خلفاً عن سلف وكابراً عن كابر ولا ينازعهم فيها منازع ولا يكابرهم في الحجاز مكابر إلى أن حصلت ألفتنة النجدية واتسع فتق ابن عبد الوهاب وقام بدعوته ابن سعود واستولى على نجد وجانب من اليمن فأرسل النجديون بعض علمائهم إلى الحرمين فناظرهم علماء الحرمين وأقاموا عليهم البرهان وكتبوا عليهم حجة عند قاضي الشرع في مكة تتضمن الحكم عليهم فأمر بحبسهم أمير مكة وكان الشريف مسعود بن سعيد بن سعد بن زيد المتوفى سنة خمس وستين ومائة وألف فوصل الخبر إلى ابن سعود فازدادت العداوة وصار النجديون يغيرون على بعض القبائل الداخلة تحت طاعة أمير مكة وفي سنة خمس بعد المائتيني والألف انتشبت الحرب بينهم وبين أمير مكة وكان الشريف غالب بن مساعد بن سعيد بن سعد بن زيد وقتل من ألفريقين خلق كثير. وما زال النجديون يتقدمون حتى دان لهم أكثر الغربان الذين في طاعة أمير مكة وفي سنة سبع عشرة بعد المائتينيوالألف هجموا على الطائف بجموع كثيرة وأخذوه وقتلوا أهله رجالاً ونساءً ولما انصرف الحجيج تلك السنة قصدوا مكة ورأى الشريف غالب أنهم سيملكونها فسار إلى جدة فقصدوه فضربهم من هناك بالمدافع وهزمهم وعضدته الدولة العلية بعسكر مع والي جدة شريف باشا فساروا وأخرجوهم من مكة سنة ١٢١٨ واستقر الشريف غالب في الأمارة ثم أعادوا الهجوم بجيوش كثيرة وأطاعتهم العربان التي حول مكة المكرمة وحصروا البلد الأمين من كل الجهات وقطعوا عنه الميرة فاشتد بأهله الجوع واضطر الشريف غالب إلى الصلح معهم على أن يبقى أميراً بمكة ورضي بذلك مصانعة لهم ورفقاً بالأهالي الذين بلوا منهم بالداهية العظمى ودخل عصاة النجديين مكة ١٢٢ . واستولوا على المدينة المنورة ولبثوا في الحرمين سبع سنين والدولة مشغولة عنهم بالحروب مع دول أوروبا إلى سنة ١٢٢٦ فصدر الأمر السلطاني إلى محمد علي باشا والي مصر بقتالهم فسير ولده طوسون باشا بجيش ملك الينبع وحأول أن يتقدم فاجتمعت عليه العرب وهزموه ولم يرجع من جيش مصر إلا القليل ولم يكن المصريون هذه المرة قد راسلوا الشريف غالب في أمر عربان الحجاز وقتلت أرض جاهلها فلما بلغ ذلك محمد علي سير جيشاً آخر سنة ١٢٢٧ ومعه عدة مدافع وراسلوا الشريف غالب سراً فأشار عليهم بما يجب أن يفعلوه من سياسة العرب فاستمالوا مشايخ حرب بالمال واستولوا على المدينة وعلى جدة ثم على الطائف وكان أكثر ذلك بحسن تدبير الشريف غالب ووصلت البشائر باسترداد الحجاز إلى الأستانة ومصر فتزينت دار الخلافة ومصر وسائر البلاد فرحاً وسروراً. وفي سنة ١٢٢٨ سار محمد علي بنفسه إلى مكة وأخذ يرتب الأمور ويبعث بالزحوف إلى بلاد عسير وغامد وزهران لقطع دابر السعوديين فأخمد جمرتهم وأناط من هناك معرتهم وأغرس نعرتهم لكنه عزل الشريف غالباً وأقام مكانه ابن أخيه الشريف يحيى بن سرور بن مساعد وتوجه الشريف غالب إلى دار السعادة وتوفي في سلانيك سنة ١٢٣١ وكان مدة إقامته هناك معززاً مكرماً وآلت أخيراً إمارة مكة إلى محمد بن عون من الأشراف الحسينية لكنه ليس من بيت الإمارة المتسلسلة فيهم وإنما أنهى له بها محمد علي باشا وجاءه التقليد من دار الخلافة ومن ثم صارت إمارة مكة مراوحة بين هذين البيتين الكريمين ذوي زبد وذوي عون تارة يتولاها أحد أبناء الشريف محمد بن عون وطوراً تعود إلى أصلها في ذوي زبد ويستقر الأمر في نصابه إلى أن كانت إمارة الشريف عبد المطلب جد الشريف حيدر باشا الأمير الجديد فتولاها ثم عزل عنها وآخر مرة جرت بحقه دسائس لم يأخذ منها حذره فعزل وخلفه الشريف عون الرفيق باشا من ذوي عون فبقي فيها مدة طويلة إلى أن توفاه الله فخلفه أخوه المرحوم الشريف عبد الإله باشا ولكن ما كاد يبلغ الإرادة السنية بتقليده إمارة مكة حتى توفي وأسندت الإمارة إلى ابن أخيه الشريف علي باشا فلما حصل انقلاب الشريف المشار إليه عن كرسي الإمارة فذهب وأقام بمضر وتولى مكانه ابن عمه الشريف حسين باشا وهو فيها منذ بضع سنين. والأمير الجديد هو الرئيس الثاني لمجلس الأعيان وقد كان تولى نظارة الأوقاف وهو من أركان الدولة الذين عليهم المعول ولهم المقام الأول وهو رئيس مجلس الإدارة للجمعية الخيرية الإسلامية التي هي تحت حماية سمو ولي عهد السلطنة نسأل الله تبارك وتعالى أن يجعل كل أيام الحجاز في أيامه مواسم كما جفل ثغور الأهلين بتوليته بواسم وأن يذلل لديه الصعاب ويمهد أمامه العقاب ويجعل التوفيق رفيقه في حله وشده ويمكنه من ناصية كل عاص حتى إن أبى أن يقف عند حده أغمد فيه سيف جده. الشيخ إبراهيم الحوراني رزئت الآداب العربية بفقد هذا العالم المشهور بسعة معارفه ودقة أبحاثه واعتداله بمبادئه الأدبية فاقتطفت ترجمته هذه من كتابي (مفاوض الدرر في أعيان القرن التاسع عشر) لتنتشر في مجلة المقتبس وهناك ما اقتطفته.  ١ - أسرته لا يخفى أن معظم الأسر المسيحية الشرقية المذهب حورانية الأصل من بقايا اليمنيين الذين قدموا حوران وما إليها حتى العراق في حادث سيل العزم الشهير في التاريخ. وكان منهم الغساسنة الذين نسبوا إلى ماء غسان حيث نزلوا وهو اليوم نبع عري في حوران وكانوا عمال الرومان بعد تنصرهم ثم تفرقوا في أنحاء حوران وغيرها فنشأت منهم قبيلة في إزرع المشهورة بأذرعات ومنها تسلسلت أسر كثيرة بأسماء مختلفة أهمها بنو فرح أو الحاج فرح وأبناء عمهم بنو قنديل الذين تعادوا ثم تصالحوا ثم تعادوا وتفرقوا في أنحاء سورية ولبنان. وكان بنو فرح قد قدم بعضهم في أثناء ألفتح العثماني إلى ضواحي حمص مع بعض بني قنديل أنسبائهم متصالحين ثم عادت المشاحنة ففرقتهم فنزل الفرحيون في تلك الجهات والآخرون هجروها مبتعدين عنهم عداءً وكان ممن نزل حمص وحماة من الفرحيين من لقب بألقاب مختلفة مثل بني الحوراني أسرة المترجم الآن وبني اسيسه وبني أبي عريضة وبني نسيم وأنسبائهم أما بنو الحوراني فينتسبون إلى جدهم شدود الحوراني ونشأ منهم سليمان جد جد المترجم فبنى قرية في حصن الأكراد باسم معمورة الحوراني ثم خربت ونزح منها سكانها الذين كانوا كلهم من هذه الأسرة فعرفت إلى اليوم بخربة الحوراني. وعادوا إلى حمص وحماة وضواحيهما. فنشأ ممن في حمص أبو يحيى يعقوب بن سليمان بن فرح وهو جد والد المترجم كان شاعراً بليغاً وصاحب مكتبة احترقت ومما يحفظ من شعره قوله من أبيات: لا تعجبي من آسى العاني فأعظمه منذ العصور الخوالي حظ يعقوب وله كثير غير هذا من بليغ الشعر ثم نشأ من أنسبائه إبراهيم الأول وهو ووالد المترجم حفيدا أخوين وكان عالماً درس على الخوري عيسى الحامض والد الدكتور سليمان الخوري الحمصي واشتهر بطلاقة لسانه وسعة معارفه في التاريخ والطب وكان واعظاً بليغاً توفي نحو سنة ١٨٧ . عن نحو ستين سنة. وله أولاد وحفدة في حمص. إلى غير ذلك مما يدل على أن العلم في هذه الأسرة موروث والشعر متسلسل. وأعظم علمائهم المترجم.  ٢ - نشأة المترجم هو الشيخ إبراهيم بن عيسى بن يحيى (أو يوحنا) بن يعقوب بن سليمان بن فرح الغساني الحوراني. ذهب والده عيسى إلى حلب نحو سنة ١٨٣٨ للاتجار بالمنسوجات وتدبرها إلى أن ولد له فيها المترجم في مساء ١٤ أيلول سنة ١٨٤٤ (رومية) فعاد به أبوه وبأخيه الأكبر إلى موطنه حمص والمترجم ابن سنة فترعرع فيها وتعلم مبادئ الحساب عند حائك بارع بالقواعد الأربع ومبادئ الصرف والنحو في الأجرومية على يد القس أبيلا والخوري بطرس الأرقش وبعض العلوم على الخوري عيسى الحامض أديب حمص في عهده. وكان يجمع أترابه ويدرسهم ما درسه. وولع بالزجل والمواليا من فنون الشعر العامي فنظمها وهو في الحادية عشرة فتناقل المنشدون قدوده يتغنون بها منها في البغدادي: يا ساكن البان صبري من بعادك بان يبكي دماً كلما غنى حمام البان سرك كتمته ولكن من دموعي بان والدمع فضاح أرباب الهوى في الصبا يا روح عطفاً على العاني أسير الصبا مولاي شكواي ألطف من نسيم الصبا وإن كان بتهز عطفك يا غصين البان ونظم الشعر الموزون في سن الثانية عشرة من العمر كما سنرى في شعره وسنة ١٨٦ . نزح بيتهم إلى دمشق فتعرفوا فيها إلى الدكتور مخايل مشاقة فأعجب بذكاء المترجم وأقنع والده بإدخاله إلى مدرسة عبية الأميركية فدخلها سنة ١٨٦١ وبقي فيها إلى سنة ١٨٦٤ فأحكم بعض العلوم وعاد إلى دمشق فأتمها على بعض علمائها فدرس الرياضيات والفلك والمنطق على يد الدكتور مخايل مشاقة والطبيعيات والكيمياء على الدكتور يوسف دمر ومبادئ الإنكليزية على السيدة كروفرد. ولكنه كان يعلم نفسه بالبحث والاستقراء والتدبير والمطالعة كما قال في مقالة أنشأها بعنوان أنا معلمي سنة ١٩١٣ وهو: وما زلت منذ ذلك الوقت أي زمن الصبوة أطالع وأتعلم إلى هذه الساعة فاستفدت من تعليم نفسي أضعاف ما استفدته من معلمي ودرس في بعض المدارس البسيطة في ضواحي دمشق. وحذق علم الجبر والهندسة والمنطق والجغرافية السماوية وبعض أحوال السيارات ومبادئ علم ألفلك وعلم قياس المثلثات والأنساب والفلسفة الطبيعية والكيمياء والنبات والحيوان. واشتهر بسعة معارفه ودقة مداركه فاستقدمته المدرسة الكلية للأميركان في بيروت سنة ١٨٧ . أستاذا فدرس فيها البلاغة والمنطق والرياضيات وانفتح له باب جديد للتعمق في العلوم والتبحر في إتقانها وابتكار كثير من القواعد الرياضية التي كان يمليها على تلامذته العديدين من أطباء وعلماء وأدباء وهم معظمهم نوابغ السوريين في القطرين وبقي فيها نحو عشر سنوات وقفها للبحث والتأليف والتعريب والتصحيح من سنة ١٨٧١ - ١٨٨ . م ودرس في مدرسة البنات وفي المدرسة البطريركية بضع سنوات وكان يدرس في مدرسة اللاهوت الإنجيلية بعض العلوم إلى آخر حياته. واتصل بالعلامة الدكتور كارنيليوس فانديك الأميركي المشهور ورصد معه الكواكب ثم صار يرصدها بمنظاره في بيته ويحقق شؤونها ويكتب فيها المقالات الضافية. وتولى كتابة النشرة الأسبوعية منذ سنة ١٨٨ . فدبجها بفوائد علمية وأدبية رائقة. وكان مصححاً لمطبوعات المطبعة الأميركية ومعرباتها مشتغلاً بالتأليف والكتابة منصرفاً إلى إتقان العلم وتوسيع المدارك. فكتب مئات من المقالات العلمية والأدبية. وابتكر قواعد وضوابط للعلوم مشهورة بين الأدباء. وألقى الخطب البليغة في الحفلات والمجتمعات الأدبية مما أرقص أعطاف المنابر. وعلى الجملة فإنه ملأ الآداب العربية بمباحثه المفيدة. وزين المجلات والجرائد بنفثات أقلامه. وأغنى اللغة بأوضاعه ومعرباته وأساليبه العصرية. وكانت مزايا كتاباته ومنظوماته الجمع بين آراء المتقدمين والمتأخرين مع دقة نظر وصحة بحث. وما زال يدأب في عمله إلى أن أقعده داء عقام فلازم ألفراش ولم يكن مع اشتداد وطأته عليه يمتنع عن العمل فوافته المنية بعد عام وذلك في ٢ شباط سنة ١٩١٦ في بيروت. فأقيمت له حفلة حزن مؤثرة رثاه فيها الدكتوران هسكنس وبلي والقسان هاردن وجسب والأستاذان فربان وكروفرد في الكنيسة أما على الضريح فتناوب تأبينه الأدباء ضوبط وبهنا ومصور وحمية وباز. وأقيمت له حفلة تذكارية أبنه فيها الأديبان خوري وغبريل. ورثاه كثير من الأدباء بمراث مؤثرة. وكان طويل القامة ممتلئ الجبهة حنطي اللون روماني الأنف أجش الصوت وخطه الشيب في آخر حياته ومن أخلاقه أنه كان حاد الطبع سريع الرضا كثير الجلد على العمل لا يكاد يمل ولا يكل من البحث والمراجعة. وإذا نظم ترنم بالوزن سريع الخاطر حاضر الذهن دقيق البحث في الوضع واللغة والترتيب واسع الاطلاع يسير بالقارئ بين حزون المباحث وسهولها. ترجم وألف وصحح أكثر من ٢٥ كتاباً. فكان جبار علوم ومقدام أعمال متحلياً بأجمل الصفات الأدبية مع ترو وتثبت وتحقيق وتدقيق محباً للآداب والأدباء غيوراً على اللغة وأبنائها. فهو من أ - هم أركان النهضة العصرية بلا مراء.  ٣ - شعره كانت مزية شعر الحوراني علمية الأسلوب والنزعة رشيقة التعبير متينة القوافي بليغة المعاني فصيحة الألفاظ دقيقة الخيال جامعة بين جزالة القدماء وأفكار المعاصرين. وله ارتجال بليغ ومعربات شعرية أجاد في نقلها مظهراً بلاغتها الأصلية.؟ كيف لا وقد ورث الشاعرية عن أسلافه كما مر ونظم في سن الثانية عشرة موزوناً وفي الحادية عشرة نظم الأزجال والموالينا وغيرها ولكنه كان قليل الحرص على حفظها فتشتت حتى قيل: أنها لو جمعت كلها لكانت خمسة أمثال شعر المتنبي أو تزيد. وقال بعضهم: أنه لا يلام إلا على إهماله جمع منظومه فمرثيته للشيخ ناصيف اليازجي وغيره من المشاهير فقدت من بين أوراقه. وقد اعتنى الأستاذ داود أفندي قربان بجمع ديوانه مما وعته حافظته المشهورة ومما رآه عند أصحابه ونشر بعضها بعنوان (الدقيق الحوراني) في (مجلة المورد الصافي) البيروتية. وسعي في حياة المترجم بجمع ديوانه فاطلع عليه قبل وفاته وأثبت ما صحت روايته منه. وكان يقول عن الأستاذ قربان: أنه روايته وذاكرته كما كان لدماء الشعراء رواة يحفظون منظوماتهم. وبعض أشعاره بدأ بنشرها في جريدة الرئيس التي تولى تحريرها. ثم في جريدة النشرة الأسبوعية وغيرها مم تناقله الأدباء فمتن أول أشعار صباه مورياً بأبواب حمص: ويونانية في باب (هود) سبت بالحسن عادات العريب فتحت لوصلها أبواب قلبي فلوصلها هجرها (باب الدريب) ومنه وقد سمع من أبيه نظم جده وحثه على تحديه فقال مضمناً ذلك: يقول أبي: بني الشعر فخر لمن بمقاله الغاوين يهدي فزوال نظمه وانشر علينا ذكي النشر من ورد ورند فجدك كان ذا شعر نفيس=فقلت: انشر لنا نفحات جدي فقال: إليك ما نقلت حداة به كانت مطي الشوق تجدي ألا دع ما استطعت حديث نجد ففي ذاك الحديث قديم وجد فجز تلك الربوع فإن فيها لقتلي غادة ربوات لحد فقلت: طربت من ذا الجد جداً سأبذل في نظام الشعر جهدي وأول ما أعلنه من شعره قواه وفيه صحة مذهبه الشعري: هذب كلامك في نظامك قبل نقد العالم فالشعر كالمرآة ير - سم فيه عقل الناظم وقال من أبيات: وعذاب أرباب ألفضائل لذة وكفى الأفاضل أن غدوا أبرار إن كان موتي في الفضيلة رفعة فليقض ربي أن أموت مراراً ومن ارتجالياته قوله: جميع الناس في تيهٍ=على طرق الردى باتوا فلولا الجهل ما تاهوا=ولولا التيه ما ماتوا ومما كتب تحت رسمه: رسم يشخصني لمقلة من به ولهي وروحي في حماه تقيم يعقوب أشواق إليه مهجتي وأنا بدين الحب إبراهيم ومن حكمياته قوله من أبيات: لا يخدعنك عاقل متفقه شرح الحقائق للعجاف مجاف حملاً يمثله المقال وفعله أبداً يقول الذئب بين خرافي لا خير في عقل ولا علم ولا دين ولا مال بغير عفاف وقوله في واعظ مراء: خلقت شجاعاً ولكنني جبنت لبأساء لا تتقي أخاف وكم خفت من واعظ كثير الصلاة قليل التقى وقوله مما يدل على تواضعه وحكمته: إني لا علم أنني لا أعلم وكفى بذا علماً لمن يتفهم إن الجهول الغر يحسب أنه أدرى من الشيخ الحكيم وأعلم وقوله من مرثية: يل نفس لست بمدرك كل الذي تبغينه فدعي عناءك واقصري إن الذي في دفتر الأقدار لا يأتي على وفق الذي في دفتري ولقد دخلت الأرض غير مخير وسأترك الغبراء غير مخير وقوله ينصح التي ترغب في مال خطيبها لا في كماله: ما كل ذي مال شريف فاطلبي من شرفته في الورى أخلاقه كم من غني مجده أمواله كالزهر كل جماله أوراقه وقوله في كأس الخمر: في هذه الكأس الهلاك فلا تذق حلب العصير صديد أهل جهنم عكست لظى لألائها من نارها وحبابه نفث الحباب الأرقم وقوله في الباخرة من قصيدة: حملتك جارية المحيط كأنها برق سرى ليل النوى بهجوعي دنت مني ومستني لهذا علقت بها كما حكم القضاء وقوله في صدر خطاب: لا ذنب لي قد قلت للقوم اطلبوا غيري فلست من أهل الخطب إن الخطابة لا تليق بغير من ألفاظه درر ومعناها ذهب أو ناسج طرفاً سداها حكمة ووشيعها علو ولحمتها أدب قالوا أر العذر المليح ولا تر الب - خل القبيح ولا تفر من الطلب فأجبت مضطراً فلا تتعجبوا من جرأتي هذه فقد عرف السبب وقال من قصيدة: ما سواد الشعر عندي حسناً كبياض الشعر في بعض الرؤوس إن تاج الشيب يا آل النهي عندنا أجمل من تاج العروس إن ذاك التاج نور ساطع من شعاع العقل في رأس الرئيس ومما يروى أنه كان سائراً مع صديقه المعلم سليم كساب رحمهما الله من بيروت إلى دمشق راكبين فنظم في طريقه قصيدته المشهورة: حمل النسيم لنا عبير شذاكا ظبي الختام فرحت من أسراكا ومنها: مغنى توهمت السماء رحابه لما رأيت أهيله أملاكا وظننت سكان المضارب أنجماً لما رأيت خيامه أفلاكا إلى أن قال وقد قدحت سنابك خيلهما شراراً في فحمة الليل: ركب الظلام وسار يخترق ألفلا نحو الربوع وغادر الأدراكا وتسنمت عصف الرياح جياده تجري كدمع الصب يوم نواكا ترمي سنابكها الشرار كأنها وقدت أضالعها بنار هواكا وهي طويلة بليغة كلها من هذا الطراز الرائع ومما ارتجله مشيراً إلى اسم أسرته في صغره: بدوية لاموا العميد بحبها فأحبتهم والدمع أحمر قاني ما شأن فيها ها بدوية ترمي السهام بمهجة الحوراني وله من قصيدة طويلة في صباه: من كل غرثى وشاح ما دنت ورنت إلا رمت بسهام الطرف مضناها تظل نيران إبراهيم موقدة منها كليم الحشى في طور سيناها هيفاء تزنو في بحر السنا وأنا اختال في مثل ما يشكوه جفناه بالوصل أبخل غادات الورى خلقت وعند سفك دم العشاق أسخاها وله أخرى في صباه متفنناً: في وجنتيه لكل شمس مطلع وبمقلتيه لكل نفس مصرع قمر لفه في كل صدغ عقرب من فرعه ومن البروج البرقع إلى أن قال وأجاد بالتوجيه النحوي والعروضي: خلفتموني مفرداً متمكناً في حبكم فلما بكم لا أجمع وخفضتموني قد نصبت لنبلكم هدفاً فحتى م الجفا لا يرفع ملتم إلى الواشي بأشعار الثنا فصرفتموني والموانع أربع إعجام صبري وازدياد تولهي وصفاتكم وجموع عذل تلذع بين المحب وطيف ظبي كناسكم لم يبق للتمييز عندي موضع طال النوى بمديد وافر هجركم والقرب يبطئ والمدامع تسرع ومن قديم فلكياته قوله من قصيدة بليغة في مدح السيد عبد القادر الجزائري: نظمت من الشهب القلائد مثلما حوت الأهلة في مقام أساور وتقنعت بغياهب وتبرقعت بكواكب وتمنطقت بنواظر وقوله موجهاً بخرافة الخسوف وقد جلست عجوز ثقيلة بين عروسين في عرس فسكت المغنون: ترنموا أيها الشادون وابتدروا إلى المزاهر والنايات والوتر وخلصوا البدر من حوت الخسوف أما رأيتم الأرض بين الشمس والقمر وقوله من قصيدة: إني رصدت كواكب العادات في أفلاكها من قبل نبت عذاري وعرفت مشارقها ومغاربها وما في أمرها من غامض الأسرار فهويت عن خبروما يرضى الهوى في أهله أحداً من الأغرار وعشقت أجمل غادة كلفي بها كلف البخيل برنة الدينار لا تعجبوا من صبوتي شيخاً ففي ثلج المشيب شبيبة من نار وقوله من قصيدة في مدح خالد بك والي بيروت: مغاني اللوى للنيرات مراصد مضاربها الأفلاك والصب راصد فكم أمهى العشاق والشوق سائق مطايا السري والوجد للركب قائد رقبنا بها الأقمار والدمع سائل بليل به نهر المجرة راكد ومنها: حكت مهجتي المريخ لما نوت كما نوى عن مدار ألفرقدين عطارد فبت وحادي النجم أعيت قلوصه وسرحان فجري للغزالة طارد وقال من مرثية لأستاذه مخايل مشاقة المتوفى سنة ١٨٨٨ م: لم يبق بعد غروبكم من مطلع في شرقنا لسوى نجوم الأدمع إلى أن قال: يا رمس ميخائيل لو درت العلا أمسيت محسود المحل الأرفع أقليدس الصوري فيك وذو النهى اسحاق أهل الغرب فاعرف من تعي بقراط والشيخ الرئيس وغيره من كل ذي زكن حصيف المعي ما للرياضيات بعد مشاقة ما دامت الأفلاك غير تفجع ودوائر العرفان لم يعرف لها من مركز في القطر أو من موضع شقت عليك جيوبها وصدوره وبغير شق قلوبها لم تقنع والصبر عز على الجميع كأنه تربيع دائرة ورسم مسبع وقال من قصيدة في تهنئة الدكتور كارنيليوس فانديك بيوبيله الخمسيني سنة ١٨٩ .: من لي بنظم كواكب الجوزاء عقداً فريدته الضحى لذكائي ليس الجمان إذا أحاط بجيدها إلا هباءً حول حبل ضياء شمس عنت كل الشموس لوجهها وغدت به كضرائر الحسناء وأولوا الصبابة حولها سيارة متحيرات من سنا وسناء وأسيرها أسد الهيام فلم يخف في الخافقين ملامة العواء إلى أن قال: ورصدتها ليل النوى في مرصد ما فيه غير مراقب الرقباء فكأنني والعين ترقب خدها فانديك يرقب نير العذراء فلك النهى قطب العلوم بعينها ومحيط دائرة الهدى للرائي دع ذكر هرمس وابن حيان وخذ عنه بيان صناعة الحكماء وانسخ به ألفلك القديم وخل ما أبداه بطليموس في الإخفاء وانظر مبادئه الصحيحة تلقها في غيرها كالدر في الحصباء واعدل عن الشيخ الرئيس فشيخنا شيخ الرئيس وعمدة الرؤساء لو كان بقراط الحكيم مريده في الطب أحيا ميت الأحباء أو شام جالينوس برق سحابه ما مات ميتة سائم للشاء هذا الذي ما جس نبض أخي ضنا إلا تبدل سقمه بشفاء يشفي العليل بحكمة كشفت له سر الدواء ومضمرات الداء هذا الذي جعلت رياضياته أمد الدراري من خطى الغيداء فلو استبان الدرو من أشكاله أقليدس استولى ذرى العلياء وقوله من أبيات ارتجلها في تأبين الياس صالح البيروتي المتوفى سنة ١٨٩٥ في شرخ شبابه: يا معشر الصحب هذه درة نثرت من عقدكم فاجتبت ترب البلا صدفا ذا غصن علم نمت أزهاره وزهت قبل اكتهال وزاد الحمل فانقصفت وقال من قصيدة يرثي بها صديقه الشيخ إبراهيم اليازجي أثابهما الله: دفنوا حجاب النفس في جوف الثرى والنفس حلت بالمحل الأرفع قالوا الممات من الحياة وما دروا أن الحياة من الممات المفجع فالحب ينبت بع ما يلي أما للحي بعد ذهابه من مرجع إن الخلود حقيقة أزلية نفي النفاة لها هباءة زعزع لم ينفها العلم الحديث وأثبتت في مجمع العلم القديم المجمع ومن معرباته البليغة قوله ناقلاً معنى لشكسبير الشاعر المشهور: شاب رأسي ولم أزل في مراسي واقتداري كأنني في الشباب سر هذا كرهي الخلاعة دهري واعتزالي لمسكرات الشراب وقوله معرباً نظم إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني: الله أعلن ذاته في وحيه ترساً لدرء الشر عنا والعنا ولدفع إبليس الرجيم فويل من يبغون عن سنن المهيمن دفعنا (الله معنا) تاجنا فجميعنا نسمو به وهو المؤيد جمعنا وعرب قول جون لو يصف ضوء البدر في المشرق على الغصون: وبدر الأفق فوق الطود يهدي إلى الجنات ضوء المقلتين أشعته على الأغصان تبدو كأسلاك غزلن من اللجين وقال من كريستوفرس كولمبوس مكتشف أميركا وقد طبع في كتابه الذي جمع له بلغات العالم كلها بخطوط أصحابها: أكرستوفر ألفرد نصف الناس لا تنكر علي ولا تكن بالناسي من كان نصف الأرض من مكشوفه أفلا أثمنه بنصف الناس ومن تواريخه الشعرية قوله موجهاً بالفلك بتاريخ زفاف ومن غرائب الاتفاق أن الشمس كانت في ذلك الوقت ببرج الأسد: تقول الدراري بتاريخه لقد حلت الشمس برج الأسد إلى غير ذلك مما جمع بين سلالة البحتري ومعاني المعري وأمثالهما مشاهد برلين مرافق الحياة يتوسط الشوارع الكبيرة في برلين رياض تسايرها طولاً وتفتح فيها سبلاً للراجلين خاصة فيكون الشارع مفصلاً إلى رصيفين وجادتين بينهما ممر يكتنفه عمارتان من نبات تطرزه الرياحين بألوان مختلفة ولا يشاهد الإنسان في ديارها ولو في الروض بناءً بالياً أو جداراً متداعياً والذي ساعد على تنسيق مبانيها ومتانتها أن عناصر الطين بمقربة من تلك المدينة وأن الحجارة والخشب يجلبان إليها على نهر شبري بسهولة وقيم زهيدة. وكثير من المباني قائمة من الحجارة الرملية ويستعملون البرفير زينة في داخل البيوت وهو ضرب من حجارة الكرانيت المرادف له في العربية كلمة صوان وتفرش بعض المحلات مثل دهاليز المدارس ببلاط استك وهو قطع دقيقة من الرخام تخلط بعجين الكلس. في كل منزل حمام يتخذ من الزنك يسخن ماؤه في قصبة تنصب إزائه مثل الأسطوانة ويتصل بحافته مجرى للماء الحار وآخر للماء البارد ومن فوقه الناضحة المثقبة ولكل واحد من المجاري الثلاثة مفتاح يتميز بكتابة على جانبه. ومن تلك الحمامات ما يتدفق إليها الماء الحار من معمل تشترك فيه منازل كثيرة فيتيسر للإنسان أن يتطهر منها في أية دقيقة حضرت، ويقل لهذا ترددهم على الحمامات العامة ولا يقصدونها في الغالب إلا لداعية زائدة على النظافة إذ يوجد فيها من يقوم بعمل الدلك على قاعدة صحية. ومن المنازل ما يتوسل لدفئه أيام البرد بإيقاد ألفحم في القصبات القائمة بزاوية من زوايا المنزل على الطريقة المعروفة. ومنها ما يدفأ بوسيلة ماء حار يمر في بعض نواحيه على أسلوب منتظم. وملخص ترتيبه أن ينصب في الطبقة السفلى مرجل توقد تحته النار يتناحب ويتصل بالمرجل قصبة يصعد فيها الماء إلى إناء فتح عند سقف الطبقة العليا ثم ينسكب نازلاً إلى مواضع التسخين في سائر الطبقات وحجراتها حتى يعود إلى المرجل مرة أخرى ويتركب موقع التسخين في الغالب من خمس عشرة إلى عشرين أسطوانة خشبية متلاصقة وحيث يجري الماء في مجال مستدير وسطح غير ضيق يحصل الدفء الكافي. وذكرت عند هذا الصنيع أن جبرائيل بن بخنيشوع المتوفى سنة ٣٥٦ كان يضع من وراء الحجارة التي يجلس فيها مواقد تبعث من وهجها ما يكسر سورة البرد. دخل عليه أحد ألفضلاء على ما قصه موفق الدين في طبقات الأطباء فأحس بدفءٍ وقد أصبح البرد شديداً فكشف له بخنيشوع عن جوانب المقعد فإذا موضع له شبابيك خشب بعد شبابيك من حديد وكواتين فيها فحم الغضا وغلمان ينفخون ذلك ألفحم بالزقاق مثلما يصنع الحدادون. ويفتحون في النوادي الكبيرة مراوح ذات آلات تجلب إليها الهواء النقي أو النسيم البارد بإدارة كهربائية. فمن محال القهوة ما يسع أكثر من ألف نسمة فتجد الجالسين صفوفاً مرصوصة ولا يحس الداخل بكدر في الهواء مع ما يقع من التدخين. وهذاأيضاً ذكرني أن بخنيشوع الذي دبر طريقة تسخين الحجرات إذا دبت عقارب البرد قد فكر في وجه استخلاص النسيم البارد إذا رمت الظهيرة بجمراتها فكان يعد من خلف القبة التي يتبؤها مواضع يصف فيها قطع من الثلج ويأخذ الغلمان مراوح يستثيرون بها من ذلك الثلج نسيماً بارداً فيهب إلى القبة في طريق متجددة. وكانوا يستوقدون الشمع وبعض أصحاب البيوت يصنعونه من شحم البقر بأيديهم إلى قريب سنة ١٨٤ . فظهر بينهم زيت الغاز المعدني اكتشفوه في أربع ولايات من ألمانيا ولكن منابعها ليست بغزيرة وقد تهللت اليوم بالضرورة مسارج الكهرباء والغاز البخاري في كل محلة. أما القصور القيصرية فكانت تنار بالشمع المستخلص من عسل النحل ثم انبجست فيها أنوار الكهرباء سنة ١٨٨٨ . ولا تخلو أبواب البيوت ودواخل الحجرات من أجراس يستند تنظيمها بين الضغط على أزرارها ورنة مطرقتها إلى مجرى كهربائي تستمده من معمل تشترك فيه محلات متعددة. ويصنعون في كل حجرة من ألفنادق الشهيرة ثلاثة أجراس يدعو النزيل بإحداها من تكلف بتنظيم الحجرة وبثانيها من يعين لمناولة ما يحتاج أليه من مثل طعام أو شراب ومن ثالثها من يختص بحمل الأمتعة. ترتبط المنازل بأسلاك حاكي الصدى التلفون وقد ريحوا بوسيلته قسطاً عظيماً من أوقاتهم فيكون الإنسان في غنى عن أن يبدد قطعة من الوقت الذي هو سلك عمره في مسافة الذهاب إلى مكان آخر والإياب عنه بإبلاغ كلمة والإنصات إلى مثلها. وقد أصبح من المعتاد عندهم أن الإنسان لا يضرب بخطوة إلى زيارة أحد حتى يعلم بهذه الوسيلة أنه حاضر في منزله ويفهم من خطابه أنه لم يكن في حال يقتضي تأخير اللقاء إلى دفعة أخرى. وتسلم إدارته لكل من عقد محله فرعاً منه مجلد يحتوي على أسماء المشتركين فيه مرتبة على أحرف الهجاء مع بيان الأعداد التي جعلت علماً على فروعهم. فمن أراد ليخابر آخر خاطب الموظف في مركز دائرته أولاً وأعلمه بالعدد الذي جعل على ألفرع الواقع في منزل صاحبه فيهيء له طريقة المخابرة معه. واختاروا أن يكون الموظفون فغي هذه الدوائر نساء وقالوا في علة ذلك أن التجربة كشفت على أن كلام المرأة في هذه الآلة أوضح من كلام الرجل وأمكن في السمع. ولا داعي إلى رفع الصوت عند المخابرة فيه فإن المتكلم يلقي بكلامه في مكر تلفون آلة تقوية الصوت الضعيف بل ربما أدى الجهر بالقول فوق العادة إلى فوات بعض الأحرف أو عدم تمكنها من سماع المخاطب. يضعون في المطبخ موازين تسمى ميزان المطبخ يزنون بها ما يشترون من لوازم الطبخ ونحوه لكي يتيقنوا نصح البائع أو خيانته. وعلم الباعة بمثل هذا مما يجعلهم على استقامة وحذر من التطفيف بالوزن. ويتخذون الريش حشواً لألحفة ألفراش التي تكون من كتان غالباً فيجمعون في صنعهم هذا بين دفئها وخفة وقعها ويستعملون للطبخ بإرشاد من نظارة الصحة العمومية القيصرية قدوراً من الألمنيوم معدن أبيض كالفضة لأن من خواص هذا المعدن أنه لا يفسده حامض ماء البارود ولا يتضرر من حامض الكبريت إلا إذا مسه مراراً متعددة ثم أن ما يجتمع من مائه لا يسري إلى جسم الإنسان بضرر ذي بال والقدور والأواني التي تصاحب العسكر إنما تؤخذ من هذا المعدن لخفة حمله وقلة أذيته. وفي ألفنادق الشهيرة ما عدا الساعات المنبهة المتداولة آلة تلصق في الجدران المحاذية للسرر تنالها يد المضطجع فيستعملها للإفاقة من النوم في وقت معين فتصدح في الوقت نفسه بصوت رخيم يستمر مدةً طويلةً ولا ينقطع إلا إذا أسكتتها يده بتحويل وضعها. الديانة ينتحل معظم الشعوب الألمانية مذهب البروتستانت. وأول من أطلق لذلك الشعوب في العقائد ولم يأخذ عليها في تقاليدها فريدريك الكبير فخفقت ولايته فتناً كانت التعصبات الاعتقادية تنفخ في جمراتها. وصرح بعض أساتيذهم بمزية القرآن في الدعوة إلى التوحيد الخالص وفهمت عنه أن لدلائله وأساليبها إذ أصبحت ترجمته تسعى بين أيديهم أثراً في تأييد الاعتقاد بوحدة الإله. ومما أخذوه في شعار الديانة ان رسموا في منطقة كل عسكري جملة تعريبها الله معنا. ويغلب على فلاسفتهم التمسك بما يدينون ولا يمرقون إلى الإلحاد مثل كثير من فلاسفة أوروبا الغربية. فأشهر فلاسفة الألمان كنت المتوفى في أوائل القرن التاسع عشر وقد تعرض في تأليفه المسمى انتقاد العقل الخاص للاستدلال على وجود الخالق وهذا التأليف أعظم كتاب يعتمد عليه فلاسفتهم. الجد والعمل يعمل الألمان في حيلتهم على شاكلة سياسيهم الكبير بسمارك القائل إن استراح صدأ فإذا رأيتهم لا سيما في غرة النهار وهم ينتشرون في الأرض بخطاً سريعة ونشاطٍ يتمثل لك الجد في أوسع مظهره وينكشف لك ألفرق ما بين العامل والقاعد في أجلى صوره. وفي بعض إحصائيات ليست ببعيدة أن ٥٢ في المئة من السكان يرتزقون من الصنائع وأن المعامل المنشأة في شمال المدينة وشرقها تحتوي على أكثر من ثلاثمائة ألف عامل. لا يلاقي المتجول في أنحاء المدينة على سعة مناطقها طائفة تتسول أو يسمع لها نغماً وتخطر لي ذكرى أني لم ألق من السائلين في أشهر الإقامة هناك أكثر من عدد أنامل الكف الواحدة وهم إما رجل قطع جناحه أو عجوز بلغت من الكبر عتياً. ولا عجب إذا لم نشاهد كثيراً من العجزة يتكففون فإن في الباب التاسع عشر من قوانينهم المدنية أن تقوم الحكومة بعيش من قعد به العجز عن الاكتساب بنفسه. المعاهد العلمية تأسست في برلين كلية يعمرها ٢٥ . أستاذا و ٦ . . . تلميذ ومن شعبها مدرسة الألسن الشرقية المنشأة في سنة نيف ١٨٨ . ويتعلم في هذه الشعبة نحو ( ٥ . .) تلميذ. والمدارس من غير هذه الكلية لم أحط بها حساباً وإنما عرفت منها مدرسة للصنائع بها نحو ( ٣ . . .) تلميذ ومدرسة للزراعة بها ( ١ . . .) تلميذ ومدرسة لطب الحيوانات بها ٥ . . تلميذ ومدرسة للمهندسين بها ٤ . . . تلميذ. وأنشئوا منذ خمس سنوات داراً في دالم على جانب من برلين وجلبوا إليها كل ما يفتقر إليه علماء الطبيعة من أدوات التجربة والوسائل المساعدة على البراعة ألفائقة في هذا العلم والمقدرة الواسعة في استنباط نتائجه وقد أصبحت هذه المحلة دار إقامة لكثير من علماء الطبيعة. وشرع فريدريك الأول الذي نصب ملكاً على بروسيا في أوائل المائة الثامنة عشرة بإنشاء دار كتب يقدر ما في خزائنها من المجلدات بمليون ونصف. ومن بينها قسم للكتب التركية وآخر للكتب العربية. طفت بعض خزائن هذا القسم فكنت أتناول كتاباً بعد الآخر فأجدهما مختلفين في فنيهما اختلافاً بعيداً ثم طالعت ألفهرس فلقيته مرتباً على حروف المعجم بحيث تسرد فيه الكتب التي تشترك بأوائل أسمائها في حرف من حروف الهجاء على نسق واحد وإن تفرقت في موضوعات فنونها فقرأت في حرف الهمزة مثلاً أحكام القرآن لابن العربي. إسعاف المبطي. الإعلام بالتوبيخ لمن ذم أهل التاريخ. إنفاذ الأوامر الإلهية بنصرة العساكر العثمانية وإنقاذ الجزيرة العربية. وخصوا قسماً منها بالخرائط الجغرافية العتيقة والحديثة وبها معرض نضدوا فيه آثار الخطوط العتيقة وما سبق لحروفها من الأشكال الغريبة. وفتحوا في طبقتها الأولى للمطالعة محلاً سمكوا بناءه في شكل مثمن فسيح وصففوا فيه مكاتب وكراسي في دائرة كبيرة ومن فوق كل مكتبة مسرجة من الكهرباء. وأعدوا قبالة هذا المحل بهواً في شكل مربع مستطيل لمطالعة الجرائد والمجلات خاصة ويماثله في طبقة عالية محل لمطالعة الكتب العربية والتركية أو النسخ منها. ولا يمكن أحد من الكتاب إلا إذا كانت بيده ورقة الإذن في المطالعة فإذا أحرز ورقة الإذن ممن له النظر في إعطائها وأراد المطالعة أو النسخ لم يسلم إليه الحافظ الكتاب غلا بعد أن يثبت في ورقة رسمية اسم الكتاب وعدده ويبين هل خط بالقلم أو بالمطبعة ثم ينهيها باسمه وصناعته ومحل سكناه. يسمح قانونها بإعارة الكتب المطبوعة دون ما خط بالقلم لأنها قد تصاب بضياع فيصعب إيجاد مثله وجعله بمكانة ولا سيما ما يكون له أثر تاريخي كالكتب المخطوطة بأقلام مؤلفيها أو غيرهم من مشاهير أهل العلم. نظامات علمية تنقسم المدارس إلى ابتدائية وإعدادية وجامعة كلية فيستمر التلميذ من السنة السادسة إلى الرابعة عشرة في القسم الابتدائي ثم يتمادى في الإعدادي ست سنين فينفصل عنها إلى الجامعة ويبقى بها ثلاث سنين فإن كان من طلبة علم الطب فسحوا له في الأمد إلى منتهى خمس سنين. والتعليم الابتدائي منتشر في جميع الطبقات على طريقة جبرية فيتحتم على الولد الاستمرار في دورته إلى أقصى غاية. وعلى وليه أن لا يمنعه بعد هذه الدورة من الاختلاف إلى المدارس الإعدادية مقدار ثلاثة أعوام ولم تشرع الحكومة قسماً ليلياً للتلاميذ الذين هم من نفس المدينة واختاروا أن يبقى للتلميذ اختلاف إلى أوليائه وانسه بهم ليراقبوا حالته ويرشحوه بشيءٍ من آدابهم. يتعلم البنات في مدارسهن كل فن إلا علم الإلهيات إذ لا يليق بالمرأة عندهم أن تكون واعظة. ومن أمثالهم المضروبة المرأة في الكنيسة تسكت تولى المرأة وظيفة التعليم على شرط أن تكون أيما فإن أصبحت ذات زواج انفصلت عن خطتها. جرى القانون أولاً على منع المعلم من مجازاة التلميذ بعقوبة الضرب ثم ألغاه ناظر المعارف وقال عندي ثقة بأن لمعلمي مدارسنا حناناً على التلاميذ وعواطف تأبى لهم أن يبلغوا بالضرب إلى ما فيه إساءة. لا يسوغ للتلميذ أن يتعاطى المسكرات ولو دخل في دور التعليم بالجامعة وقد قال لي أحد أساتذتهم عند الحديث في هذا القانون إن تلاميذنا مثل المسلمين. كان التلاميذ يترنمون بقصائد في اللسان اللاتيني فأبطلها القيصر وقال لا فائدة لهم في ذلك فأصبحت أناشيدهم الوطنية ألمانية محضة. يدرب التلميذ في المدارس الإعدادية على صناعة الخطابة ويطالبونه بأن يحرر في كل شهر رسالة يبحث فيها عن بعض الموضوعات العلمية. أجر التعليم السنوي في المدارس الإعدادية ( ١٥ .) ماركاً وفي الجامعة ( ٥ . .) مارك ويوازن المارك من نقودنا على وجه التقريب القطعة ألفضية ذات الخمسة قروش. يتعين مدير الجامعة في كل سنة بانتخاب من أساتذتها ثم تقرر ولايته بتسمية من صاحب الدولة. ترسل الدولة في كل سنة وفداً من طلاب العلوم إلى أميركا ليستطلعوا مدارسها ويستكشفوا عما عساه أن يتجدد من أساليب العلم ونتائجه. يتلقى أبناء العائلة القيصرية تعاليمهم في مدرسة خاصة لا يغشاها إلا من نشا في مهد الملك أو كان من أسرة راقية ويقال أن والد القيصر الحالي كان يود لهم لو أنهم يتعلمون بالمدارس العامة حتى يلاقوا سائر الطبقات ويكونوا على خبرة محققة من أحوالها. مشروعات خيرية من مساعيهم النافعة أن ألفوا جمعية تبحث عن البائسين من طرق خفية وتوجه إليهم في البريد صدقات من غير أن يشعروا بمصدرها. وقص علي بعض أساتذتهم أن إحدى البائسات كانت ترتزق بصنعة الخياطة فوافاها ذات يوم صاحب البريد ب - ٥ . . مارك وناولها إياها فدهشت فرحاً واندفعت تسأل عن باعثها بإلحاح. فأبى أن يكشف لها عن الحقيقة. وترى هذه الجمعية أن التبرع بقسط عظيم على مستحق واحد أنفع من توزيعه على طائفة ينال كل واحد منها حصة يسيرة. ومن الجمعيات عندهم جمعية (تخفيف المصائب) ومن أعمالها الحسنة أن تساعد من تنوبه مصيبة في جسده مساعدة ابتدائية ففتحت في أقسام العاصمة محالاً عينت لها أطباء ليسارعوا إلى علاج كل من يطرأ عليه حادث أو يفاجأ بمرض في أثناء الطريق مجاناً. ترجمتهم للقرآن ترجم القرآن المستشرق ريكرت المتوفى أواسط المائة الماضية ولكن انصرم حبل أجله من قبل أن يتم ترجمته ثم ترجمه المستشرق هنينك وهو عيش في مدينة فرانكفورت ترجمة تامة إلا أن الأول يراعي في الترجمة بلاغة اللسان الالماني فلا يبالي بالتقديم والتأخير والتعبير عن الحقيقة بالمجاز مثلاً. والثاني يحافظ على ترتيب الآية وحقيقتها في الغالب. وقد تتبعته في كثير من السور بالمقدار الذي وقفت عليه من هذه اللغة مع الاستعانة بالكتب اللغوية الألمانية العربية فوجدته ينظر إلى المعنى الأصلي ويتحرى في أدائه جهد استطاعته. ووضع غير هذين الرجلين ترجمة ثالثة لم أتتبعها ولكن قال بعض العارفين باللغتين أنه بعيدة عن المطابقة وليست في القرب من الصحة مثل ترجمة هنينك. ونبأني الأستاذ هردر أن إحدى الجمعيات راسلته بأن تراجم القرآن التامة قد يضيق الوقت عن مطالعتها واقترحوا عليه أن يترجم لهم الآيات من سور متفرقة فاقتبس لهم مما ترجمه المستشرق ركرت آيات كثيرة في التوحيد والأحكام فطبعوها مجموعة وظهرت بينهم في مثال التراجم الأخرى. عنايتهم بالعربية توسلوا إلى العربية بتعليم لسانها ثم خدموا مؤلفاتها بالطبع واقتبسوا من حكمتها بالترجمة. ألف الأستاذ (هردر) كتاباً في قواعد العربية فكان الكتاب المتداول عندهم في التدريس وقد توالى عليه الطلب هذه المدة بإعادة طبعه. وألف كتاباً يفسر فيه المفردات الألمانية بما يرادفها من العربية وأنجز طبعه في مجلد ضخم ثم وضع كتاباً آخر اقتصر فيه على الكلمات المألوفة في الاستعمال. ترجم المستشرق الأستاذ (منفوخ) كتاب علاج العيون لعمار الموصلي وفصل علاج العيون من كتاب علي بن عيسى في صناعة الطب وفصل علاج العيون لابن سينا وكتاب وقائع العرب لأبي عبيدة بن المثني الكبير والصغير ونقل إلى الألمانية أيضاً ترجمة حمزة الأصفهاني وترجمة ابن سعد مؤلف كتاب الطبقات. وترجم المستشرق (ريثر) قصائد أبي الأسود الدؤلي ومقامات الهمذاني وأطباق الذهب لعبد المؤمن الأصفهاني ومقامات الزمخشري والأدب الصغير لابن المقفع وكتاب أحسن ما سمعت للثعالبي طبعها ثم ترجم كتباً لم تبرز في عالم الطباعة مثل الأدب الكبير لابن المقفع ومقدار الربع من معجم البلدان للبلاذري. وربما طبع الكتاب والرسالة بلسانها العربي وعلق عليها بعض بيانات بلسانه الألماني مثل شرح ابن الأنباري لمعلقة زهير وشرحه لمعلقة عنترة ورسالة المذكر والمؤنث لابن جني ورسالة في بقايا الأشياء لأبي هلال العسكري وكان هذا الأديب يحاورني في كثير من معاني الأبيات أو الحكم المنشورة وربما تعاطى الترجمة في أثناء قيامه بالوظيفة العسكرية وبمثل هذه التراجم القديمة والحديثة كان للسان العربي كما قال أحد أساتذتهم آثر في رقي آداب اللغة الألمانية. ويشهد بصحة ما قاله ذلك الأستاذ أن أشهر شعرائهم (كيتي) المتوفى سنة ١٨٣٢ نظم قصيدة إبراهيم عليه السلام في أسلوب فلسفي وصرح أنه اقتبسها من القرآن الكريم. والمعروف عندهم من هذا الشاعر المستشرق أنه كان يحترم الإسلام ويعترف بحكمته. عنايتهم باللسان العثماني ليست عنايتهم بالعربية لهذا العهد بأوسع من وجهتهم المصروفة في اللسان العثماني فقد نبأني أحد المعلمين في مدرسة الألسنة الشرقية أن المتلقين للسان العثماني هذه الآونة يناهز عددهم ٢ . . بعد أن كانوا في السنين الماضية لا يتجاوزون نصف العشر من هذا المقدار ولبعض العثمانيين دروس خاصة يتلقاها عنهم في إدارة الأخبار الشرقية ملأ من الألمان. وصرف رئيس المستشرقين الأستاذ هرتمان همته إلى هذه اللغة ولفت نظره إلى تتبع آدابها بطلب حثيث من عصابة المستشرقين فنهض يحرر المقالة تارة ويلقي المحاضرة تارة أخرى. وانعقدت منذ أشهر لجنة توالي جلساتها في دار الكتب العامة وتنظر في القسم المؤلف بلهجة عثمانية. أخلاق وآداب يعرف الألماني بمتانة العزم وقلة الانقياد لخواطر اليأس وكنت طالعت مقالات لبعض أعدائهم الذين لا يثبتون لهم الذكاء ألفائق وسرعة الوصول إلى الدقائق فرأيتهم يسلمون لهم طبيعة احتمال الشدائد والثبات على الأعمال إلى أن يحرزوا فيها نتيجة حتى جعلوا مقدرتهم العلمية أو ما يظهر على أيديهم من المخترعات إنما هو ناشئ عن التجلد والمثابرة على السعي والتجربة. ورسوخهم في خلق الصبر هو الأساس الذي قام عليه تبريزهم في القوة العسكرية ولطالما طفت غابات وعرضات حول الثكنات فرأيت الجندي نائماً بملابسه الجديدة ووسامه الشرف على فراش من تراب ولا وسادة له غير ذراعه أو قطعة من جلمود. وما برح ملوكهم يحافظون على ما يقوي هذه الخصلة في نفوسهم حتى بالغ فريدريك ويليام الأول في الحط من قدر المعارف زاعماً أنها مدعاة للفشل وإضعاف مزية الشجاعة وكان من أثر زعمه أنه لم يعين لتنمية دار الكتب التي أنشأها أبوه سوى ستة ماركات في السنة. ولما استقلها أهل العلم حينئذ قال لهم: أليس في خزائنها كثير من الكتب المكررة فيمكن أن تباع ويستبدل بها كتب مستحدثة. استحكمت بينهم روابط الوفاق والمسالمة حتى أني أقمت ستة أشهر في برلين وثلاثة أشهر في قرية في ضواحيها ولم ألحظ مشاجرة أو أسمع صخباً ولو بين صبيين أو امرأتين. فعدم ملاحظة الغريب لمثل هذا في مدة واسعة يشعر بقلة المنازعات العدوانية فيما بينهم. ومن نتائج هذه التربية التي يعاضدها اتساع طرق الاكتساب أن الأمة أصبحت في قرار مكين من الأمن فلا يوجس السائر في سواد الليل بضواحي المدينة خيفة سوء فما الحال بين جدرانها. ولقد كنت أخرج من محل الأسرى عند منتصف الليل منفردا وأعود إلى القرية ماراً على غابة ليس قيها أنيس غير أشجارها المتعانقة وظلامها المتراكم ولا ألاقي في الطريق وحشة أو قلقاً. وازداد إعجاباً بهذه الراحة الشاملة إذا تذكرت صعاليك إيطاليا وأمثالهم كيف ينتشرون داخل مدينة تونس أو الجزائر ويقطعون السبيل على سكانها بنهب الأموال وسفك الدماء حتى لا يمر الرجل في الطرقات المنحرفة عن الجادة بعد العتمة إلا وهو يتوقع خطراً. يمنحون الغريب في بلادهم صدراً رحباً فيقف الرجل إذا استوضحته أمراً أو استخبرته عن مكان ولا يتسلل عنك إلا أن تستوفي منه بياناً كافياً وربما تفرس منك الحيرة في الطريق فيفاتحك بالسؤال عن الوجهة التي تريدها ويهديك إليها بالقول المفصل أو بالمرافقة إذا لم تكن المسافة بعيدة. اشتبه علي الطريق إلى محطة القطار في بعض الأيام فاستكشفت عنها أحد المارين في السبيل فأخذ يصفها بالإشارة والإمارة ولما لم يقنع بأن عبارته وقعت مني موقع ألفهم البين قفل راجعاً يسايرني بمقدار عشرين دقيقة حتى بلغت المحطة نفسها. يلاقي التجار والعملة عندهم الوارد بجباه منطلقة وألسنة رطبة ويعرضون عليه ما عندهم من صنوف الأشياء التي يطلبها من غير تقاعس ولا سآمة. ولهذا الأسلوب الأدبي الاقتصادي أثر عظيم في رواج البضائع والسباق في مضمار التجارة. فإن من الناس من يقصر معاملته على محل أو يبتاع منه البضاعة. ولو شطت قيمتها رعاية لما يتجمل به صاحبها من سعة الصدر ورقة الخطاب. يغلب عليهم خلق الرصانة والتؤدة ولا سيما في المشاهد العامة والنوادي الجامعة. امتطيت ذات يوم قطار المدينة فاتفق أن كان أمامي رجل أظهر في مغازلته لامرأة طيشاً وسفهاً فوقع في خاطري أنه أجنبي عن هذه الحاضرة ثم أنه جاذبني عند انصرافي محادثة عرفني بها أنه من أحد شعوب البلقانية. ومن آثار التعليم العام أن أصبحت الأمة بمحل الثقة في نظر الحكومة فالقطار الكهربائي ذو درجتين متفاضلتين وتقطع أوراق الركوب بها من طاقات في أوائل محطاتها ولا أذكر يوماً أن مفتشاً دخل عربات الدرجة العليا ونظر في أوراقها بل فوضوا ذلك إلى وجدان الشعب وأمانته. أما القطار البخاري الذي يسافر من العاصمة إلى قرى تبعد بمسيرة ساعتين أو أكثر فيتردد عليه مفتش الأوراق في الشهر مرة. مخطوطات ومطبوعات معلقة عنترة (وعليها شرح ابن الأنباري) نشرها الدكتور أوسكار ريشر الألماني لعلماء المشرقيات في الغرب ولا سيما في جرمانيا غرام شديد بإحياء آثار العرب وآدابهم وتاريخهم ومن جملة الناشئين في هذا ألفن ناشر هذا الشرح على معلقة عنترة نشره أولاً في مجلة الدروس الشرقية التي تصدر بالإيطالية في رومية ثم أخرجه للناس على حدة فجاء في ٩٧ صفحة بطبع مشرق وعلق عليه حواشي تدل على اختلاف النسخ التي نقل عنها وهي نسخة مدرسة بكى جامع ونسخة مدرسة نور عثمانية في دار السلطنة العثمانية وقد رجع أيضاً إلى نسخة مكتبة أسعد أفندي في الآستانة أيضاً مما دل على تحقيق وتدقيق. المعجم في بقايا الأسماء (لأبي هلال العسكري) هي رسالة نشرها الدكتور ريشر المشار إليه وقد قال المؤلف في مقدمتها وقد عرفت حاجتك أطال الله بقاءك إلى ذلك بإدمانك صنعة الكلام ونظمه ونثره فعملت لك كتباً متوسطة تشحذ ذهن البليد فضلاً عن اللقن الذكي بحسنها وبراعتها وقرب مأخذها مع بعد غورها وكتباً دون ذلك لطافاً حسنة مختارة رغبت الزاهد ونشطت ألفاتر مثل كتابي هذا وهو وإن صغر حجمه فقد كبر نفعه لغريب ما تضمنه من أسماء بقايا الأشياء وبديع طريقته في الدلالة على سعة لغة العرب وفضلها على جميع اللغات وقد نظمت ما ضمنته إياه منها على نسق حروف المعجم. شرح معلقة زهير لأبي بكر محمد بن قاسم الأنباري وهذا الشرح على معلقة زهير بن أبي سلمى هو مما أحياه بالطبع أيضاً الدكتور ريشر نقلاً عن مخطوط في إحدى خزائن كتب دار الخلافة كتب في سنة أربع وعشرين وخمسمائة بخط إسماعيل بن محمد بن الحسين الخطاط الجرباذقاني. كتاب المذكر والمؤنث لابن جني هي رسالة صغيرة في هذا الموضوع الجميل نشرها الدكتور ريشر المنوه به آنفا واقتبسناها برمتها في غير مكان من هذا الجزء. وقد نشرها أولاً في مجلة العالم الشرقي التي تصدر في مدينة أوبسال من بلاد السويد بست لغات وهي اللغات الاسكندنافية: السويدية والدانمركية والنرويجية ولغات العلم وهي الألمانية والفرنسية والإنكليزية. وللمشتغلين بمثل هذه الأبحاث طريقة عملية في النشر وهو أنهم إذا لم يجدوا كتباً أو ناشراً يتولى عنهم طبع هذه الرسائل ينشرونها في مجلات المشرقيات ثم يخرجون منها نسخاً قليلة على حدة فتحفظ في المجلات وينتفع منها في النشر مستقلة وهو مقصد حسن يثاب عليه المشتغلون بإحياء آثار سلفنا. النصرانية وآدابها (بين عرب الجاهلية) للأب لويس شيخو اليسوعي القسم الأول ص ١٤٩ طبع في مطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت سنة ١٩١٢ لصديقنا الأب شيخو همة لا تكل في نشر المقالات والرسائل والكتب التي تنهض بطائفته خاصة وتخدم الآداب العربية عامة وآخر ما نشره في مجلة المشرق هذا المبحث في النصرانية في بلاد العرب والقسم الأول منه في تاريخ النصرانية وقبائلها في عهد الجاهلية يدور على محور أن جميع سكان البلاد قبل الإسلام كان أهلها نصارى من قبيل الدعوى التي بسطها حضرته في كتابه شعراء النصرانية (المقتبس م ٢ ص ٦١ و ١٣٢ ) وقام الخلاف بينه وبين بعض علماء التاريخ والبحث في هذا الشأن هو يثبت وهم ينفون ولا يعدم كل فريق جملاً يستقر بها أو يستنبطها لتأييد دعواه وهذا المبحث وإن كنا لا نوافق على بعض ما أورده في مطاويه مثل كلامه على نصرانية غسان فإننا نعجب بما وفق إليه من استكثار المادة من العربية والفرنسية والألمانية. ولو كتبت هذه المباحث من العلم المحض كما يبحث بعض علماء المشرقيات لعدت أحسن مرجع جامع يستقي منه طلاب الحقائق. ديوان السيد محمد سعيد حبوبي عني بتصحيحه وتذييله الشيخ عبد العزيز الجواهري ونشره ولد صاحب الديوان السيد علي وطبع بنفقة الحاج عبد المحسن شلاش في المطبعة الأهلية في بيروت سنة ٣٣١ ص ٣٢ . صاحب هذا الديوان من شعراء النجف في العراق اشتهر بما نشر له في بعض المجلات الأدبية من القصائد وشعره على أسلوب شعراء القرن التاسع والعاشر فيه جزالة ولكن قل فيه وصف الطبيعة والاجتماعيات وهو يدور على الموشحات والمراسلات والنسيب والمديح والتخميسات والمراثي وقد قال مصحح ديوانه فيه ما نصه: لا أجازف في الحكم لو قلت أنه أشعر شعراء الشرق في فطرته الأدبية فإن جل شعراء العرب من جاهليين ومخضرمين ومحدثين ومولدين إن أبدعوا في أساليب الشعر وأفانينه إن من جهة اللفظ وإن من جهة المعنى إلا أنك لا ترى بينهم الجامع للجهتين الآخذ بزمام الشعر الحقيقي فالنابغة وجرير والكميت وزهير وأبو نواس والأبيوردي وحبيب والمتنبي والمعري والصنوبري والصفدي وغيرهم من فحول الشعراء وإن تحركت روح الشعر في أناشيدهم وأهازيجهم إلا أنهم بين مبتذل في اللفظ ومتعمل في المعنى كامرؤ القيس والحطيئة وأبو تمام والمتنبي وأبو العلاء وبين قلع بن برج اللفظ وزخرف المعنى كابن زريق وابن الأنباري والصفدي والقيراطي فهؤلاء وإن كانوا أئمة الشعراء ما أن تقلبت أدوار الشعر التاريخية إلا أنهم أشاحوا بوجه الشعر الحقيقي في أغلب أناشيدهم وخرجوا به عن دائرة ألفطرة الطبيعية ويمتاز شعر من نترجم اليوم برجوعه إلى الشعر الحقيقي إن من جهة اللفظ وإن من جهة المعنى أما الألفاظ فإنها السلسة الجامعة بين الطراوة والجزالة وأما المعاني فكلها وصف وتصوير لمناظر الطبيعة ونعت لمشاهد الكون وتجسيم للخواطر تحوز إلى فخامة التركيب جمال الأسلوب وبداعة الديباجة واستفزاز الشعور فها أنت تسمع من أوزانه العروضية تسبيح الراهب وتهليل العاشق ولحن المدمن وحشرجة روح الحب والجمال وكأن شعره المرآة تعكس فوقها الأرواح الشاعرة لا بل هو المجهر يريك صور الشعراء تتحرك بين أعاريضه وفواعيله فتارة يريك مسلماً يعزف عند قيفته وأخرى يطلك على أبي النواس يطرب حول باطيته وطوراً يجيئك بحبيب ثاكلاً بفقيده وطوراً يأتيك بالوليد هازجاً جنب ممدوحه ويشرفك على كشاجم في جوقه والصنوبري في حقله ولو خلعت القريحة على شعره حلة الأسلوب العصري لبز شوقي وحافظ والزناتي وصبري وكان السابق المجلي في حلبتهم وهم كانوا مصلين على أن العارف يرى فوق شعره مسحة من الذوق العصري إذ كله وصف وتصوير ونعت لمشاهدة الكائنات ويرى في أبياته من الحكم الرائعة والأمثال السائرة ما يكذب نبوة المتنبي كقوله من موشح: وإذا نبت البطاح اختلفا غلب الشوك على الورد الجني قوله: سل عن المسجد مني صيرفاً إنني أدرى بما في معدني قوله: سماء اليوم مثل سماء أمس وما نقصت سمواً أو ارتفاعاً فها أنت ترى في هذه الأبيات من الفلسفة الأدبية ما يحط دونها فكر أبي العلاء وقد سلك في شعره طريقة ابن ألفارض. وبعد أن أورد الناشر أبياتاً من هذا القبيل ليس فيها إلا كلام هو دون كلام الشعراء المبرزين بمراحل وبالغ هذه المبالغة الشرقية التي هي أشبه بالهزل منها بالجد قال: وقد كانت تعنو لسماع شعره شيوخ أدباء العراق وتتهافت عليه ولا تهافت ألفراش على وذيلة السراج حتى إذا جفت حديقة الأدب والتوت عيدانها بين أناس تطلس من آثارهم عنوان الأدب والنبوغ دعاه ذلك إلى الإضراب عنه والانعكاف على ألفقه والأصول وبذلك صدر الديوان بوصف صاحبه بأنه أشعر شعراء الشرق وأكبر علمائه اليوم وما كنا نظن المبالغة تبلغ هذه الدرجة بعد أن اشتهرت بالطبع دواوين المتأخرين والمتقدمين وربما كانت هذه الدعوى تجوز في بلد معين وأهل إقليم خاص ولكن هذا التعميم لا يصح على إطلاقه فلا نقول مثلاً أن شوقي أو حافظاً أو البارودي أشعر الشعراء ولا أن عبده والشميل والجزائري أعلم العلماء بل نذكر لكل واحد ميزته التي يمتاز بها على أقرانه وبها يثبت نبوغه بين معاصريه ومن سبقوه وإلا فإن الرجل الواحد لا يستجمع هذه الصفات كلها فيكون أشعر شعراء الشرق اليوم وأكبر علمائه اليوم. بيد أن لصاحب الديوان قصائد رقيقة تحسب من الجيد العصري كقوله: ما لقلبي تهزه الأشواق خبرينا أهكذا العشاق كل يوم لنا فؤاد مذاب ودموع على الطلول تراق عجب كيف تدعي الورق وجدي ولدمعي يجيدها أطواق كم لنا بالحمي معاهد أنس والصبا يانع الجنا رقراق عهد لهوي به الليالي ترامت ما لها عرست به الأحداق بالظعن به الرياق تهادي نهنهي السير ساعة يا نياق فبأحداجك استقلت ظباءٌ آنسات بيض الخدود رفاق فارحمي يا أسيم لوعة صب شفه الوجه بعدكم والفراق كاد يقضي من الصبابة لولا أن تحاماه في الوداع العناق وقوله: ضممتها فنثنت وهي قائلة بالغنج رفقاً لقد فصمت أطواقي رقت محاسنها حتى لو اتخذت عرشاً بناظرتي لم تدر آماقي وبت أسقى وباتت وهي ساقيتي نحسو الكؤوس ونسقي الأرض بالباقي في مربع نسجت أيدي الربيع له مظارف الزهر من رند وأطباق تشدو العنادل في أرجائه طرباً والغصن يسحب فيه ذيل أوراق كأنما النرجس الغض الجني به نواظر خلقت من غير أحداق والنهر مطرد والزهر منعكس والناي ما بين تقييد وإطلاق صج الأعشى نشرت دار الكتب الخديوية بمصر كتاب صج الأعشى في كتابة الإنشا تأليف الشيخ أبي العباس أحمد القلقشندي المصري المتوفى سنة ٨٢١ هـ -. وقد طبعت أولاً الجزئين الأولين منه ثم طبعت جزأين آخرين الثالث والرابع بطبع مشرق بديع وورق صقيل قل جداً في الكتب العربية ما طبع على مثاله الرائق. وهذا الكتاب (ص ١٧١ ج ٨ من المقتبس) هو دائرة معارف مكبرة لطالب الإنشاء فيه جميع ما يحتاج إليه مما هو مبعثر في كتب مبعثرة يذكر فيه ما يشق طلبه من كتب متفرقة وتصانيف متعددة أو يكون في المصنف الواحد منه النبذة غير الكافية ولا يجتمع منه المطلوب إلا من كشف الكثير من المصنفات المتفرقة في ألفنون المختلفة أو هو كما وصفه مبسوط يشتمل على أصول كتابة الإنشاء وقواعدها ويتكفل بحل رموزها وذكر شواهدها مستوعباً من المصطلح ما اشتمل عليه التعريف والتثقيف موضحاً لما أبهماه بتبيين الأمثلة مع قرب المأخذ وحسن التأليف متبرعاً بأمور زائدة على المصطلح الشريف لا يسع الكاتب جهلها متنقلاً من توجيه المقاصد وتبين الشواهد بما يعرف به فرع كل قضية واصلها آتياً من معالم الكتابة بكل معنى غريب ناقلاً الناظر في هذا المصنف من رتبة أن يسأل فلا يجاب إلى رتبة أن يسأل فيجيب منبهاً على ما يحتاج إليه الكاتب من ألفنون التي يخرج بمعرفتها عن عهدة الكتابة ودركها ذاكراً من أحوال الممالك المكاتبة عن هذه المملكة ما يعرف به قدر كل مملكة وملكها مبيناً جهة قاعدتها معرفاً الطريق الموصل إليها براً وبحراً وانقطاعاً واتصالاً ذاكراً مع كل قاعدة مشاهير بلدانها إكمالاً للتعريف ضابطاً لأسمائها بالحروف كي لا يدخلها التبديل والتحريف. هذا إجمال لما يحوي الكتاب أما التفصيل فلا يقف عليه الناظر إلا بتصفحه من أوله إلى آخره لأنه حوى كل ما يلزم المتعلم لا المنشئ فقط فيخرج منه مثلاً مختصر في البيان ومختصر في اللغة وآخر في الشعر وآخر في الحيوان وآخر في النبات وغيره في علم ألفلك وسابع في الجغرافيا وثامن في التاريخ وتاسع في مصطلحات الدول في رسمياتهم وإداراتهم إلى آخر ما فيه مما يوسع دائرة التصور ويسقط فيه الكاتب على كل ما يلزمه من المواد ليكتب عن علم وفهم. وفي هذين الجزئين الأخيرين الثالث والرابع مطول من علم الخط بالأشكال والرسوم اللازمة بحيث لم يترك بعده مجالاً لقائل وقد استغرق هذا المبحث ٢٢٦ صفحة أي نحو زهاء ثلث المجلد الثالث ولكنه شفى الصدر وكان مأخذاً في هذا الباب على حين قلت المواد التي يعتمد عليها في هذا المبحث وقد أجادت المطبعة بأن طبعت على الحجر مع طبع الحروف جميع الصور بالخطوط التي أوردها المؤلف فكانت كأن الإنسان يرى النسخة الأصلية. وفي هذا الجزء كلام جليل على المسالك والممالك ذكر فيه الأرض والأقاليم والبحار والأبعاد والخلافة ومقراتها وترتيبها في كل عصر ومصطلحات الدول الإسلامية وأفاض في مملكة الديار المصرية وخططها ونيلها وخلجانها وأمهات مدنها وزروعها ومواشيها وحدودها وأقاليمها وتاريخها القديم وكورها القديمة وملوكها جاهلية وإسلاماً إلى عصره وترتيب أحوالها وجسورها وأموالها ومكوسها ومصطلحات دواوينها وموظفيها وجندها وأعيانها والجزء الأول ٥٣٢ صفحة وفي الجزء الرابع تتمة هذه المباحث في المصطلحات المصرية وفيه كلام مستوفى على المملكة الشامية وما يتصل بها من بلاد الأرمن والروم وبلاد الجزيرة بين ألفرات ودجلة مما هو مضاف إلى هذه المملكة وقد توسع في الكلام على الشام لأنه كان تابعاً لحكومة مصر إذ ذاك وتكلم فيه عن ذوق وتتبع شأنه في كل الأبحاث التي طرقها في كتابه بحيث يصور الأشياء كأنك تراها عياناً وفي الجزء الرابع مقالات في المملكة الحجازية وأعمالها وملوكها ومصطلحاتها وتكلم على الممالك الصائرة إلى بيت جنكيز خان وهي إيران والجزيرة الفراتية والعراق وخوزستان والأهواز وفارس وكرمان وسجستان والرخج وأرمينيا وأذربيجان وإيران والجبل وخراسان وزابلستان وتوران وغيرهما وفي كل ذلك اعتمد النقل عن الثقات بذوق وحسن اختبار كأن المؤلف ساح هذه البلاد وعرف مصطلحاتها بنفسه وهو يعزو لمن يأخذ عنهم من المصنفين والسائحين والكتب كانت في عهده مبذولة محفوظة أكثر من الآن وعندنا المطابع ووسائط النشر الموفورة وقد وقع الجزء الرابع في ٤٨٧ ص أحسن ناشرو الكتاب بالتعليق والتحشية عليه مما دل أكثر الأحيان على تحقيق وتتبع لإثبات الرواية الصحيحة ووضع الروايات المختلفة أما الأغلاط المطبعية فهي أقل من كل كتاب نشر في مصر اللهم إلا المخصص لابن سيدة وقد أحسنت دار الكتب الخديوية بأن أرخصت ثمنه بالنسبة لأكلافه بحيث يتيسر لكل طالب علم أن يقتنيه ويزين به خزانته فيستغني به عن كثير من الكتب التي لا توجد الآن وإذا وجدت فأثمانها فاحشة لا يتيسر لكل إنسان اقتناؤها فنحث كل عارف باللغة العربية على اقتنائه ونشكر للناشرين والطابعين والمصححين عنايتهم بإحياء آثار السلف على هذا النموذج الرائق. جريدة الشرق صدرت هذه الجريدة منذ نحو ثلاثة أشهر في مدينة دمشق وهي أعظم جريدة عربية بحجم واسع ومادة غزيرة مصورة الأحايين وقد أرصد لها رأس مال كبير وعهد بإنشائها إلى جلة من العلماء المفكرين فجاءت بعد اتخاذ أسباب النجاح كلها نافعة للأمة العربية عامة وللمسلمين خاصة تستطيع خدمة الخلافة العثمانية والجامعة الإسلامية على ما يجب ويسجل صدور مثل هذه الصحيفة الراقية في باب ارتقاء الأفكار والآداب العربية في هذه الديار حقق الله رجائها إلى نيل الغاية التي ترمي إليها من خدمة الأفكار الصحيحة والسياسة الرجيحة وبث العلوم والدعوة إلى الإصلاح الحقيقي من طريق العقل والنقل. أخبار وأفكار الطلاب والطالبات في السلطة نشرت نظارة المعارف في مجموعة الإحصاء أن عدد الطلاب الذكور في المدارس الابتدائية العامة في الممالك العثمانية ٣ . . ٧٧٦ طالباً وعدد الإناث ٤١٢٩٣ وعدد الذكور في المدارس الخصوصية ١٢٦٢٨٤ وعدد الطالبات ٦١٥٧١ وعلى هذا فيكون مجموع الطلبة في السلطنة العثمانية ٤٢٩٩٢٤ بينهم ١ . ٢٨٦٤ من البنات ويوجد في المدارس الابتدائية غير المسلمة ١٥٢٧٤٤ طالباً ومقدار الطلاب في باقي المدارس كما يلي: ( ١٥١٨ ) في دور المعلمين و ( ١ . ١ .) في المدارس التالية و ( ٦٦٨٨ ) في المدارس العالية وبدوام في بيله جك وإزمير وأدرنة وجتالجة على المدارس ( ٥ .) في الألف أو أكثر والبلاد التي يختلف فيها الطلاب إلى المدارس أقل ما يمكن هي الموصل وأورفه وديار بكر وتوقاد فهنا يداوم من ١ - ١ . بالألف. أما البلاد التي تداوم فيها البنات على المدارس أكثر من غيرها فهي قرق كليسا وجتالجه فإنه يداوم من الطالبات على المدارس من ٣١ - ٥ . على عكس أورفة وكركوك وتوقاد وقسطموني فإنه يداوم على المدارس طالبة واحدة في الألف أما البلاد التي لا تكاد تجد فيها طالبات تختلف إلى المدارس فهي ألوية السليمانية وحكاري وحوران مما يذكر بقول الشاعر التركي توفيق فكرت بك القائل قلبك بحسرة الأمة التي لا تعلم بناتها لأنها تحكم على أبنائها باليتم المعنوي. الزراعة في سورية نشر داويد تريتش من الألمانيين الأخصائيين في الزراعة مقالة في إحدى المجلات الألمانية إليك ترجمة ما قال فيها: من المعلوم أن الزراعة في الممالك العثمانية هي الأساس الوحيد الذي يبنى عليه الاقتصاد الوطني وقد جرى البحث كثيراً في احتمال ترقي العثمانية في ميدان الصنائع ومن رأي بعض الأخصائيين في العلوم الاقتصادية أنه يمكن ارتقاء الصنائع في البلاد العثمانية قبل الزراعة في وقت أقصر من المخمن لها إذا صلحت أصول الزراعة في الممالك العثمانية ومما لا ريب فيه أن التراب يمنح الآهلين ثروة ورفاهية لأن غلات الممالك العثمانية إلى الآن لا تقبل القياس مع المقدار الذي يمكن أن تعطيه. ومما هو طبيعي أن الأراضي التي تظل السنين الطوال خالية لا تعود إليها قوتها الإنباتية في بضع سنوات إلا أنه من المحقق أن قوتها الإنباتية هذه تعود إليها. نحن الغربيون إذا بحثنا في البوادي في الممالك العثمانية تمر على خاطرنا في الحال الأراضي المملوءة بالأكوام من الرمال مع أن هذي الصحاري ليست من الأراضي التي لا تزرع بل إنها أراض خالية منذ سنين طوال وعليه فإن البوادي التي هي من هذا القبيل في البلاد العثمانية يمكن أعمارها والاستفادة منها حتى أن كثيراً من البوادي هي من الأراضي الأكثر إنباتاً وهي بقليل من العمل تكتسب قوة إنباتية تضمن لصاحبها الثروة. صادف القرن الثامن عشر دور تناقص النفوس في آسيا الغربية وفي ذاك الحين أضحت الأراضي بحالة البادية بسبب عدم زرعها ومما لا شك فيه أن الأراضي الرملية المتروكة التي شاهدناها في سورية منبتة وتعطي محصولاً أكثر من الأراضي الأكثر إنباتاً وفي السبعين سنة الأخيرة بدأت تتزايد النفوس بدرجة محسوسة وهذا الازدياد في النفوس حدث في بعض الممالك العثمانية بصورة لم يشعر بها ظاهراً وبرقي ذلك اتسعت بعض المدن وتأسست قرى جديدة وفي كل نقطة من البلاد العثمانية كثرت فيها النفوس زادت القوة الإنباتية مثال ذلك أن قصبة غزة كان عدد نفوسها سنة ١٨٤ .: ( ٢ . . .) فصار ١٦ . . . في سنة ١٨٨ . واليوم يبلغ عدد نفوسها ٤٥ . . . وبفضل كثرة النفوس عمرت وزعت الأراضي التي تحيط بغزة وأصبحت بلاداً زراعية تغل كثيراً من المحصولات التي تصدر إلى الخارج فتحسن فيها القطن في الآونة الأخيرة تحسناً ظاهراً ولا يمكن للمسافر في تلك الجهة أن يقطع مزارع الليمون بأقل من شهر واحد. هذا عدا عن حقول الحنطة والشعير التي تمتد مسافات شاسعة في جنوبي وشرقي غزة وقد فحص أحد المتخصصين الحنطة التي تنبت في غزة وحكم أنها محصولات صحراء. وعدا الحبوب أصناف اللوز والزيتون والأثمار اللذيذة ولعدم اعتناء سكان البلاد بالزرع على الأصول الحديثة فالإيراد قليل بالنسبة لجودة التربة المهملة. وحيث أن الماء قليل الغور في أكثر تلك الجهات فري الأراضي على الطراز الحديث سهل جداً وكيفية ري الأراضي بسيط أيضاً لا يحتاج لاستعمال الآلات الزراعية الميكانيكية ونظراً لقلة غور المياه كما ذكرنا يكتفى بتخطيط المجاري تخطيطاً بسيطاً ووضع المضخات بالمراكز الضرورية لتوزيع المياه وتشعيبها في جميع الخطوط وهي وسائل بسيطة لا تكلف المزارعين الأثمان الباهظة إذ أن الأراضي التي يشتغل فيها المزارع بيده لا تنتج المحصولات التي يؤمل الاستفادة منها. ولا أقصد بهذا الشرح بيان إحالة عن أراضي غزة وما حواليها فقط فإن الوصف الذي قدمته شامل لسواحل سوريا وشبه جزيرة سيناء أيضاً وما كانت بيروت ويافا إلا مدناً صغيرة منذ زمن غير بعيد كانت نفوس يافا ٦ . . . في سنة ١٨٥٤ فأضحت اليوم ٦ . . . . وكانت نفوس بيروت في سنة ١٧٨٢ ( ٦ . . .) فصارت ( ٢٥ . . .) في سنة ١٨٦٥ وارتقت إلى ( ١ . . . . .) في سنة ١٨٨٥ وهي اليوم ( ٢ . . . . .) وعلى هذا قس باقي المدن. ومع ذلك فإن المدن التي يراد إعمارها ورقيها لا يتم لها ذلك ما لم تزرع الأراضي التي تحيط بها وجميع مدن سوريا محاطة بأراضٍ منبتة للغاية وإن بعض الجهات من هذه الأراضي وإن تكن مستورة بالرمل فإنها لم تفقد قوتها الإنباتية والقسم الساحلي من هذه البلاد منبت للغاية وما عدا ذلك فإن إقليم البحر المتوسط اللطيف يساعد على إنتاج المحاصيل والبلاد الساحلية من الممالك العثمانية تخرج زيتوناً جيداً قل نظيره ويمكن قياس هذا الزيتون فقط بالزيتون الموجود في أفريقيا الشمالية وكاليفورنيا وأفريقية الجنوبية والجنوبية الشرقية وأستراليا وتنتج السواحل العثمانية الزبيب والتين واللوز والمشمش والخوخ والدراق والرمان والبطيخ الأخضر والأصفر والثوم والبصل والقطن والتبغ وغير ذلك من الزروع وتكثر فيها البساتين ويمكن أن تكون هذه ذات مكانة أهم من مكانتها الحاضرة وعليه فإن هذه الأراضي المنبتة ذات الهواء اللطيف إذا أعطيت لها رؤوس أموال صغيرة وجلب لها القليل من الأدوات فمما لا شك فيه أن أهاليها يعيشون الرفاهة والسعادة وبالطبع فإن العثمانية التي هي مملكة زراعية يغتني أهلها برقي الزراعة وتمتلئ صناديق الحكومة. وإن ألمانيا بعد الحرب تتدارك حاجتها الزراعية من الممالك العثمانية وعليه فإن هذه البلاد تعد القسم الأعظم من لوازم النسج لألمانيا بأصول الألمانيين ألفني وآلاتهم ورؤوس أموالهم وإن المواد التي تجلبها ألمانيا من البلاد العثمانية هي القطن والصوف والزيت والزبيب والعنب وجميع أنواع ألفواكه والتبغ والنباتات الليفية ومواد السروج وإذا استفيد حق الاستفادة من هذه البلاد فإن رأس المال الذي يطرح يضمن منفعة تعادل عشرة أمثاله. دائرة المعارف أول دائرة معارف مشهورة في أوروبا كتبها في القرن العاشر للمسيح ألفيلسوف ألفارابي في بغداد ولا تزال محفوظة في مكتبة قصر الأسكوربال الإسباني. وقيل أن أبا ألفرج كتب دائرة وطبع أول مجلد منها منذ ٦٧٢ سنة. أما أول من فكر بتأليف دائرة معارف فالصينيون. وقد اشتغل منهم بهذا المشروع العلمي العظيم ألفانامن العلماء. واسم دائرة معارفهم (بنك لوتانيان) وهي مقسومة إلى ٢٣ ألف جزء في ١١ ألف مجلد مجموعها ٩١٧ ألفاً و ٤٨ . صفحة. وإذا وضعنا الكتب صفاً بعضها فوق بعض يبلغ علوها ١٥٩ يارداً وبالطبع لا يوجد في الصين نفسها إلا نسخات قليلة كاملة من هذا الكتاب الهائل. أما أول دائرة معارف إنكليزية فطبعت عام ١٦٢ . والفرنسية ألفها ديدرو ودالمبر اللذان قربت كتاباتهما عهد الثورة الكبرى في فرنسا. أما الدائرة العربية فقام بها مرة واحدة بطرس البستاني وطبع منها هو وأسرته ١١ جزءً فقط ولم تكمل. جراحات الحرب كان الجراحون في حرب السبعين بين ألمانيا وفرنسا منذ ٤٥ سنة يعمدون لمن أصابته شظية من قنبلة أو رصاصة فيبترون العضو المؤوف أو المصاب ولكن وسائط الجراحة على ترقيها في هذه الأيام قد أورثتها الحرب البلقانية تجارب نافعة في البقاء على أعضاء من أصيبوا بشظايا أو رصاصات فأصبح من يصاب في هذه الحرب يضرب في جسمه بمأمن من بتر العضو المصاب بل إن وسائط الجراحة قد خففت الويلات وأكثر من يصابون إلى سلامة. شجرة المطاط على تخوم بوليفيا في أميركا الجنوبية شجرة مطاط استدارتها من أساسها ٨ أمتار و ٣٥ سنتيمتراً وتغل من المطاط مدة ١٢ . يوماً من السنة ١ . كيلو غرامات تساوي الآن ٢٧ . ألف فرنك بمعنى أن الشجرة تساوي ثلاثمائة ألف فرنك وهي لأسرة وطنية تعيش من ريعها مؤلفة من سبعة أشخاص. مادة جديدة اكتشف أحد الأساتذة ألفرنسيين مادة ألفلور وهو زجاج يشبه الأحجار الثمينة وأثبت أنه موجود في جميع المعادن النادرة فقال أن في كل ١ . . غرام من الأسنان ١٨ . ميل غراماً وفي كمية من مثل ذلك من العظم ٥٦ ميل غراماً و ١٧ ميل غراماً من البشرة وميل غرامان من الدم و ١٥٥ . في اللبن الحليب وقال أنه في الجنين من هذه المادة أكثر مما في البالغ وفي البيض أكثر من الدجاجة أو الجلد أو الشعر أو الأظافر وهذه المادة هي التي تورث الأجسام صلابة كالملاط لأحجار البناء. الأجانب في سويسرا أحب بلاد المدنية الحديثة بلاد سويسرا الصغيرة الجميلة يزورها كل سنة ملايين من السياح ولا تزال الهجرة إليها متصلة حتى بلغ عدد الغرباء المقيمين بها سنة ١٩١ . - ٥٥٢ . . ١١ نفساً في حين كانوا سنة ١٨٥ . - ٧١ . ٥٧ . نفساً أي أته كان فيها على ذاك العهد غريب واحد لقاء ٣٢ سويسرياً واليوم واحد في كل عشرة من سكانها ومن مديرياتها مل فيه غريب واحد لقاء أربعة من السكان وزهاء ثلث هؤلاء السكان من الألمان فإن عددهم ٢١٩ . ٥٣ . وعدد الطليان ٢ . ٢٨ . ٩ والفرنسيين ٦٣٦٩٥ وعدد الروس ٨٤٥٧ ومعظمهم طلبة ففي كلية لوزان وحدها ٤٥٨ روسياً و ٣ . . سويسري وعلى كثرة مداهمة الأجانب لهذه البلاد خاف أهلها على سلامتهم ووطنهم وعاداتهم وتقاليدهم فأخذ أرباب الأفكار يفكرون في عدة طرق للنظر في مداواة هذا النقص المحتمل وقوعه كما هم يفكرون أن صناعة ألفنادق التي طالما جلبت الغريب إليها قد قللت في البلاد من الأيدي العاملة فصار ألفلاحات يعملن في ألفنادق بدل أن يعملن في الحقول واحتاجت هذه في استثماراتها وانباتها إلى أيدي الغرباء. نوادي الشبيبة ألقى المير ألاي فون هوف بك الذي عهدت إليه الحكومة تأسيس نوادي الشبيبة في البلاد العثمانية محاضرة في الآستانة قال فيها ما يلي: إن نوادي الشبيبة تشمل جميع العثمانيين الذين هم من سن الثانية عشرة إلى الحادية والعشرين والغاية من تأسيس هذه النوادي هي تربية جميع ألفتيان العثمانيين وعلى الأخص في المحال التي لا يوجد فيها مدارس بدناً وروحاً وأخلاقاً وترقية مداركهم وهذه النوادي تربي بلا استثناء ألفتيان من سن الثانية عشرة إلى سن الحادية والعشرين بلا مقابل وهي نوع من المدارس للذين حرموا منها تعلمهم ما هي حياتهم وكيف يمكنهم اكتسابها ويحمل كل فتى على الدخول إلى هذه المدرسة والتحصيل فيها ولا يستثنى فرد واحد من ذلك والغاية من تأسيس أندية ألفتيان عالية وهي تنمية القوة البدنية في الأولاد والفتيان بصورة متناسبة مع سنهم وتلقينهم ما يلزم لدوام صحتهم والمحافظة عليها وتمرينهم على احتمال المشاق وتعليمهم إدارة أنفسهم وحركاتهم وأن يكونوا أصحاب فكرة انتظام وأن لا يبقوا في هذا السبيل في طور النظر بل يدخلون في طور العمل وأن يربى فيهم الميل والمحبة للاستقامة والشرف حتى في أصغر الأعمال التي لا شأن لها وأن يقدروا الاجتهاد متحدين لأجل المنافع العامة والمحافظة على الوطن وأن يبدوا المعونة لوطنهم وبلادهم أوان التهلكة وأن يدربوا على جرأة تزيل منهم التردد والخوف في هذا الصدد وأن يتعودوا الاجتهاد بعزم لا يتزعزع وأن يميزوا الحسن من القبيح والتميز بالنظام والانتظام إلى غير ذلك من المقاصد الشريفة. الجراد انتشر الجراد في ربيع السنة الماضية في سوريا جاءها من جزيرة العرب فأضر أضراراً كثيرة بالأشجار والزروع الصيفية حتى أن بعض الأشجار لم تبرح إلى هذه السنة متأثرة من سطواته فلم تأت بثمرها. الأمراض سرى الهواء الأصفر أو الكوليرا إلى مدينتي حلب ودمشق وما إليهما في ربيع هذه السنة جاءها من العراق وهذه أتاها من الهند وإذا كان من المقرر أن عدواه تنتقل في الماء تيسر توقيف سريانه حتى لم يكد يصاب به أحد في دمشق لجودة الماء واتخاذ أسباب الصحة. وقد تفشت في المدن ضروب من الحميات أهمها الحمى النمشية وإذ لم يهتد العلم بعد إلى أسباب سريانها فتكت بعض الشيء في سورية ولا سيما في البلاد التي تزدحم فيها أقدام الناس ثم انتقل إلى القرى والبلدان الصغيرة.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_90.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.90.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
