<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.9.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.9.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٩ بتاريخ: ١٨ - ١٠ - ١٩٠٦ صدور المشارقة والمغاربة جول سيمون ١٨١٤ _ ١٨٩٦ كان سيمون مثل كثير من رجال الإدارة في الإسلام جامعاً بين العلم والسياسة يشبه بعلمه وعقله يحيى بن خالد وزير الرشيد ويحيى بن أكثم وزير المأمون ولسان الدين بن الخطيب وزير بني الأحمر ويعقوب بن كلس وزير العزيز بالله الفاطمي والصاحب بن عباد وزير بني بويه وأبي بكر بن زهر الأندلسي وزير المصامدة وابن سينا وزير شمس الدولة صاحب همذان وعبد الملك بن سعيد وزير يحيى بن غانية الملثم ملك الأندلس وأبو القاسم الحسين بن المغربي وزير العبيديين وصاحب ديار بكر وميافارقين والقاضي الفاضل وزير صلاح الدين يوسف وغيرهم من الأفراد في العلم والرئاسة على اختلاف في الطباع والبقاع. لكن هؤلاء الأعاظم تمكنوا من العلم ونشأوا على معاطاة الأعمال بفضل عقولهم وقوة ولوعهم ومترجمنا هذا نشأ وسط أمة منورة ترغب في التعليم والتهذيب وتنشط القائمين بأمرهما فكان له من جودة طريقة العلم أعظم سبب يوصله إلى غاية الفضل والفضيلة. ولد صاحب الترجمة من أبوين فقيرين في إحدى قرى مقاطعة لوريان إحدى العمالات الفرنسية فلما ترعرع دخل المدرسة وناهيك بما يقاسيه أبناء المعوزين في المدارس للقيام بحاجاتهم المدرسية وأداء أجور الدراسة. بيد أن فقره لم يثن من عزمه ودرس في مدرستي لوريان وفان اللتين درّس فيهما بعد. ولما أتم الدراسة عين أستاذاً في مدرسة رين عام ١٨٣٢ ومازال يتقلب في التعليم من دار علم إلى دار علم حتى انتهى إلى مدرسة السوريون الباريسية الكبرى وعهد إليه تدريس الفروع الحكمية العالية وظل طول هذا الدهر حليف فاقة اضطرته أن يشغل أوقات فراغه من التدريس في مؤازرة الصحف وتأليف الكتب فقضى في ذلك تسع سنين أتته بأجزل الفوائد. وقد بدأ أولاً يؤازر في مجلة بريتان ثم في مجلة العالمين ومازال يؤازر في الجرائد والمجلات طول حياته فقد ذكروا أنه ساعد في كتابة جريدة البريس والسيكل وكان مديراً لهذه من سنة ١٨٧٥ إلى سنة ١٨٧٧ وأدار شؤون الغولوا من سنة ١٨٧٨ إلى سنة ١٨٨١ والماتينيوالفيغارو والطان والديبا وغيرها من الجرائد والمجلات ومنها مجلة البيوت. قالوا أن الأحوال توجد الرجال وهو قول يصدق على سيمون كما يصدق على غيره فلو لم تطرأ على فرنسا طوارئ سياسية هائلة لظل سيمون يعلم في المدارس ويكتب في الصحف وينشر الكتب ولكن حب بلاده دعاه إلى الدخول في غمار السياسة فخطب في قاعة السوربون بعد سقوط الحكومة الملكية سنة ١٨٥١ داعياً إلى الحكم الجمهوري فقال وهو مما اشتهر به كثيراً: ما جئت لألقي عليكم درساً في الأخلاق بل جئت وعامل الواجب يدفعني أن أكون لكم مثالاً تجرون عليه لا أن ألقنكم درساً تحفظونه. جئت لأقول لكم أن غداً تجتمع فرنسا وتلتئم منتدياتها لتندد بما أحدثته الحكومة أو لتقر عليه. أما أنا فأصرح على رؤوس الأشهاد بأنه إذا لم ير الراؤون غير رأي واحد يناقض الآراء ويكون إلى التنديد فأنا أكون صاحب هذا الرأي لا غيري. فكانت هذه الجملة المأثورة سبباً في تنحيته عن التدريس في السوربون واضطر إلى الاعتزال في نانت زمناً انقطع فيه إلى الأبحاث التاريخية. وبعد فإن الثورة الفرنسية الثانية ( ١٨٤٨ ) هي مبدأ دخول سيمون في السياسة فعين بعدها بقليل وزيراً للمعارف والأديان والفنون الجميلة وكان أكبر همه إصلاح التعليم فوضع مشروع التعليم الابتدائي الإجباري ثم استقال ولما كان في مجلس الشيوخ عني أيضاً بمسائل العلم وحاول أن يحول دون نشوب الحرب بين فرنسا وبروسيا فلم يفلح ولما انتخب سنة ١٨٦٣ عضواً في المجلس التشريعي استمال بما رزقه من شدة العارضة وقوة البيان قلوب من كانوا عليه إلباً حتى صاروا من أعز أنصاره فعرفه قومه بأنه من أشد أعوان الفقيرات من النساء وداعية الحرية الدينية ومصلح حال العملة والعلم والتعليم. وعين أيضاً عضواً في المجمع العلمي الباريسي وهو المجمع المؤلف من أربعين عالماً من كبار علماء الفرنسيين وسنة ١٨٧٦ تولى رئاسة الوزارة كما تولى رئاسة عدة جمعيات وحفلات سياسية وعلمية وأدبية. هذا هو الرجل العظيم الذي جمع في جنبيه العلم والعمل فكان العلم والتهذيب أكبر دافع له إلى مقاومة أنصار الباطل والصبر على المكاره فيما يلقاه من فقر وقلة ولم يتنازل عن مبدأه الذي ثبت عليه طول حياته. وأنت ترى بهذا النظر أن لسيمون من حيث السياسة والعلم شركاء ونظراء ليسوا بقلائل في كل أمة مرتقية لهذا العهد وإنما سمت منزلته من عداه بالأخلاق الفاضلة والتفاني في خدمة الإنسانية والمدنية. عاش من شق القلم وظل كذلك طول حياته بعد أن خطبته المناصب ورقي درجات العلى ولو أسف قليلاً للتنازل عن مذهبه في الأخلاق لأصبح في رئاسة الجمهورية وعد من كبار ساسة الأرض كما هو من أكبرهم في العلم والعمل ولقضى حياة طيبة خصوصاً في أخريات أيامه فقد ذكروا أنه كان يكتب في الصحف ليعيش بما يكتب حتى أن إحدى الصحف الكبرى نشرت مقالة من قلمه كان بعث بها في خلال مرضه ليأخذ أجرتها فصدرت يوم وفاته. يعد سيمون من مؤسسي الجمهورية الثالثة الحالية ومن أشد أنصار التكافل الاجتماعي كما يعد رأساً في الكتابة والخطابة. وكتبه ومقالاته وخطبه ومقاماته تعد بالمئات وأول كتاب نشره الواجب والدين الطبيعي والحرية الدينية والحرية السياسية والحرية المدنية وهذه الكتب الثلاثة الأخيرة موضوع واحد قسمه ثلاثة أقسام وأراد بها تعليم الجمهوريين وتنشئتهم على حب الجمهورية واشرابها قلوب الأمة. ونشر أيضاً عدة كتب مثل كتاب الفلسفة والطبقة العاملة والمدرسة وإصلاح التعليم الثانوي والوطني الصغير وموت سقراط والفلسفة الإسكندرية والمرأة في القرن العشرين والتعليم المجاني الإجباري وغير ذلك من الأعمال العلمية النافعة وكلها دالة على روح فاضلة ونفس شريفة طاهرة تألم للظلم وتطمع في الإهابة بالإنسانية إلى حظيرة التعاضد والتكافل وتنزع إلى إصلاح حال البائسين اليائسين. والناظر في كتبه يقرأ فيها أحسن ترجمة لحياته فقد كان على ما يظهر منها متديناً تديناً معقولاً مازجته الحكمة والاعتدال فصح أن يدعى فيلسوفاً إلهياً وهو ممن نحتاج إلى أمثالهم في مثل هذا القرن الذي قل الاعتدال في أهله فمن متدين غر جاهل لا يدري من أحوال العالم شيئاً ومن متعلم ينكر كل ما يقره المتدينون ويعد حطة عليه أن يتنزل إلى ما لا يفيد بزعمه. ألا أكرم برجل كسيمون بل أكرم ببلاد رفعته من حضيض قرية حقيرة كان فيها فلاحاً خاملاً إلى منصة العلم والوزارة فصار عضواً عاملاً في أمته بل أكرم بمبادئ صالحة وعلم صحيح سار على منهاجها فعف عن مالها وعاش عيشة حرية بمن يكتب في الحرية الحقيقية ويدعو الناس إليها عاش عيشة من وافق علمه عمله فكان العالم العامل والسياسي المحنك والغيور الصادق والنزيه المستقيم والحكيم العاقل. وقد كافأته أمته بأن نصبت له تحت رعاية الجمهورية تمثالاً في باريس خطب في الاحتفال به عظماؤهم في يونيو سنة ١٩٠٣ ورددوا أعماله وتأثيراته في عالم السياسة والعلم وأثنوا خصوصاً على طيب أخلاقه وفضيلته العملية. ملكة العربية اللغات من أحكم الصلات بين البشر ومن أقوى عوامل النهوض والارتقاء وعلى نسبة انتشار لغة الأمة يكون نفوذها في سياستها وآدابها وصناعاتها وكل أمة زهدت في لغتها أو تخلت عنها ولم تجر في ترقيتها مع الزمن تغلب على أمرها ويفنى كيانها. يقول أحد العارفين إذا استعبدت أمة ففي يدها مفتاح حبسها ما احتفظت بلغتها. وكان نابليون يقول علموا الفرنسية ففي تعليمها خدمة الوطن. وباللغة قامت الوحدة الأميركية والإيطالية واليونانية والألمانية والصربية والرومانية والبلغارية فنجت هذه الأمم بلغاتها من استعباد عداتها. جاء القرآن على ما فيه من قواعد التشريع والاعتبار بالأمم الخالية حاوياً قاعدة من أهم قواعد العمران وأعني بها الدعوة إلى توحيد اللغة فقضى على كل مسلم على اختلاف الأجناس أن يتعبد بالقرآن ويتلوه بلغته الأصلية فانتشرت بذلك العربية في القاصية والدانية وأخذ ابن الصين يتفاهم مع ابن مراكش بالعربية على بعد الديار. ولقد قامت الحكومات الإسلامية على اختلاف لغاتها بهذه اللغة وجعلتها لغة دواوينها وكتبت بها رسائلها وخطبها ومراسيمها. فجعلت حكومات الفرس والديلم والترك والبربر والكرد والجركس لغة العرب لغتها ولم تتخلف عن هذه القاعدة في العصور المتأخرة إلا بعض الحكومات جعلت كل منها لغة أسرتها المالكة لغة رسمية لبلادها فاستغرب هذا منها حتى خاصة أهلها. كان يرجى لمصر أن تكون كعبة العربية في العهد الأخير يحج إليها الطلاب من أقطار العالم لو جاء بعد محمد علي رأس الأسرة الخديوية من أنجز العمل الذي كان وضع أساه وتوفر على تعهد النبتة التي غرسها وأعوانه من الإفرنج في بث ملكة العربية ونقل العلوم الضرورية إليها من لغات الأعاجم ولو دامت تلك النهضة سائرة سيرها الأول لكان لمصر حضارة عربية صرفة لم تمازجها عجمة الإفرنج. نعم إن تعلم لغة قوم تحببهم إلى نفس المتعلم في الغالب فمن تعلم الفرنسية كان محباً للفرنسيين ومن أحكم الإنكليزية شغف بالإنكليز ومن شدا الألمانية أعز الألمان ولكم رأينا أوربياً تعلم العربية فأصبح يكرم العرب ويغار على مصلحتهم وآدابهم وبلادهم ولا غيرة ابنها العربي البحت. أقول هذا وأنا على يقين من أن لغة القرآن قد خدمها علماء المشرقيات من الغربيين أكثر من خدمة خاصتها ورؤساء حكوماتها لها فطبعوا لها من نفائس الكتب وأمهاتها وأقاموا لها محافل ودروساً وسافروا في تعلمها وبذلوا في سبيلها البذول منذ وجهوا وجهتهم قبل المدنية الإسلامية حتى أن أول الكتب التي طبعت بعد اختراع الطباعة في القرن الخامس عشر للميلاد كانت كتباً عربية من مؤلفات ابن شينا والرازي وابن رشد وغيرهم من فلاسفة الإسلام. ودامت تلك الروح تسري في جسم الحضارة الغربية حتى صار اليوم من علمائهم المختصين بدراسة لغتنا من يحسنون التكلم والتأليف فيها إحسان خاصتنا لها رأيت منهم الأميركي والإنكليزي والألماني والفرنسي والنمساوي والأسوجي والهولندي والروسي وكلهم محل الدهشة والاستغراب وشهدت من حميتهم وغيرتهم على لغة القرآن ما لا أجد بعضه عند كثيرين من خاصتنا. وليس في أهل الإسلام اليوم مثل أهل فارس عناية بالعربية وآدابها لأنهم لم ينسوا فيما احسب أن تعلمها من الدين وأن من ناهضها ووضع السدود في سبيل سيرها فكأنما ناهض الدين وعاق دعوته عن الانبعاث ولذلك كان تعلمها عندهم على حصة موفورة. وقد يجيد متعلمهم فهمها وكتابتها إجادة العربي القح. ولا عجب فللفرس في تاريخ النهضة الإسلامية القديمة أثر مشكور على غابر الدهور. ومع أن التعليم في مصر غداً إنكليزياً والأساس الذي قامت عليه نهضة العربية في أوائل القرن الماضي ترك وبني على غيره لا تزال العربية بالنظر لوحدة اللغة في القطر ولما وقر في النفوس من أن الأزهر أعظم مدارس الإسلام في الأرض وأن فيه جهابذة علماء ولما ينفخه فيها نوابغ البلاد المهاجرين إليها - مع كل هذا لا تزال مصر موطن العربية من هذا الشرق العربي وفيها تصدر أهم المطبوعات والصحف العربية. لا يبعد أن يكون لها شأن غير شأنها الحاضر في المستقبل القريب وإن قل تخرج النوابغ من أبنائها وإحكامهم ملكة اللسان العربي الإحكام الذي يسهل عليهم التأليف والإنشاء والخطابة وقرض الشعر والتمييز بين صحيح الكلام وفاسده. وكانت قويت ملكة العربية في سورية بما قام في بيروت من المدارس الكبرى منذ أربعين سنة ولما استبدلت تلك المدارس اللغات الإفرنجية باللغة العربية وجعلوها لغة التدريس والخطاب عاد حب لغات الأعاجم فاستحكم من النفوس خصوصاً بعد أن أيقن كثيرون من أهل الفئة التي هي أجرأ السوريين على الهجرة للاتجار والكسب أن العربية لا يأتي تعلمها بمال يعود على صاحبه بالرفاهية فلا تنفع في الماديات نفع اللغات الأوربية لهم في ذلك. اللهم إلا تلك الفئة الفاضلة من كتاب السوريين في أميركا ممن أنشأوا الصحف وأخذوا يسعون جهدهم في بث ملكة اللسان العربي بين المهاجرين في مهاجره كما يعنى مهاجرة الألمان في الاحتفاظ بلغتهم في وسط بلاد الولايات المتحدة. قلت أن ملكة العربية ضعفت في بلاد الشام ويكفي أنك تجتاز البلد والبلدين ولا تجد من يحسن الكتابة والقراءة بلا غلط بل أنك لتستقرئ حال المائة ألف نسمة في حواضر مدن الشام ولا تجد فيها خمسة يكتبون على وجه الصحة. وهكذا الحال في العراق ونجد والحجاز واليمن. وللشعر في هذه الأقطار الأخيرة أثر من الآثار القديمة أكثر من النثر ولا عبرة بالأفراد فهم لا يتجاوزون عدد الأنامل في هاتيك الديار التي كان يعد رجالها بالمئات في العصور السالفة. والأفراد ليسوا معياراً في هذا الباب. ومن أهل الأقطار التي يعنى أهلها بالعربية على عجمتهم مسلمو قافقاسيا والهند فإن تدريس العربية في مدارسهم وكتاتيبهم شائع كل الشيوع وهم معتقدون أن في تعلمها تعلم الدين. من أجل هذا رأينا كثيرين من أهل النهضة فيهم في العهد الأخير طافوا بلاد الشرق العربي للبحث عن طريقة سهلة تمكن ناشئتهم من إحكام العربية في أقرب مدة ومن أيسر السبل ولما يئس بعضهم من وجود بعض أفراد توفرت فيهم هذه الشروط من أبناء جامعتهم ليغنوا الغناء المطلوب عمدوا إلى اختيار أساتذة هم في الأصل أعاجم على نحو ما فعلت كلية عليكدة في الهند وأقامت إنكليزياً يعلم العربية على طريقة اللغات الأوربية تسهيلاً على المتعلمين من أبنائها. وحال القطر التونسي فيما أرى من إحكام ملكة العربية حال سورية حذو القذة بالقذة ولعل الناشئة المتمكنة من آداب القوم يكثر عددها فيعملون وجرائدهم ومجلاتهم وجمعياتهم على النظر في ترقيتها بينهم أما الجزائر ومراكش فما أخالهما يعرفان من العربية إلا بقدر ما يعرف منها أهل مالطة أو أكثر بقليل. دع أهالي شنقيط فإنهم أعظم أهل الأرض عناية بالعربية وحفظاً لدواوين شعرائها وخطبائها فقد تجد الطفلة تحفظ من أسفار الأدب ما لا عهد للخاصي به عندنا ولكن نظرهم في الأدب والشعر نظر مجرد لا محل للعمل فيه. وهناك بلا إسلامية كزنجبار ورأس الرجاء وجاوه وبعض مدن الصين وأفغانستان وبخاري فإنها ضعيفة في عربيتها ضعف الترك فيها. وبعد فإن من رأى توفر الغربيين على دراسة العربية يكاد يوقن بأن هذه اللغة لا تحيا إلا على أيدي هؤلاء الإفرنج فقد جعلوا لها المقام الأول بين اللغات الشرقية ولم يحسبوها من اللغات الميتة وأحيوا من مآثر الأسلاف ما يبيض الوجوه وينعي على الإخلاف وناءهم وتقاعسهم. وأقدر الأمم الغربية على تلقف العربية فيما أحسب الشعب الجرماني فإن فيه رجالاً يلفظون ويكتبون على مثال كتاب العرب أنفسهم ويليهم في باب العناية بها على ما أرى الإنكليز والأمريكان والنمساويون والفرنسيون والهولنديون والروسيون والطليان والأسبان. وكان الفرنسيين فيما مضى في مقدمة الأمم بالاشتغال بالعربية ولاسيما في عصر العالمين دي ساسي وكاترمير فأصبحوا اليوم في وسطها. ولا يبعد إذا دام الفرنجة على تعهد هذا اللسان بطبع كتبه ودراسة أصوله وفروعه أن يهاجر أبناؤنا إلى بلادهم بعد ليتلقوه عنهم إذا دمنا على خمولنا وتخلفنا. ولولا بعض كتب قديمة تحيا بالطبع اليوم لقلنا بالنظر لما نراه من ندرة المطبوعات العربية العلمية أنه سيجيء يوم نأخذ فيه عن الإفرنج حتى أصول ديننا. ومن الأسف أن جماع ما ينشر من تآليفنا منذ سنين لا يتعدى الروايات والهزليات أما كتب الجد كالفلسفة والتاريخ والرياضة والطبيعة والاقتصاد والاجتماع فلا محل لها من الإعراب في جملة أعمالنا. ولعل العربية في هذه الديار لا تمنى بما منيت به في سائر الأقطار فيكثر في أبنائها المتأدبون بآدابها وإن قل عدد النوابغ أي يعم تعلمها أكثر مما يخص. وعندي أن الرجاء معقود على الأكثر بالمجلات والجرائد إذا صرفت العناية بإنشائها واختيار موضوعاتها فهي هي المدرسة الكبرى للأمة وتأثيراتها متصلة باتصال صدورها وهي تبعث على المطالعة أكثر من الكتب. ومادام القرآن يتلى بلسان العرب فسيبقى أثر له في البلاد الإسلامية كافة وتضعف ملكته الحقيقية بضعف العمل به من دراسة آدابه. الملاهي وأدوات الطرب عند الأندلسيين من العرب ذكر المقتبس في الصفحة ٢٩٨ من هذه السنة نصاً للشقندي في أدوات الطرب التي كانت معروفة في عهد المؤلف في اشبيلية. إلا أن بعض أسماء تلك الملاهي لا توجد في دواوين لغتنا ولا ذكر لها في كتب أهل الفن. ولما كنت قد كتبت رسالة في هذا الموضوع وكنت قد أصلحت فيها نص الشقندي إجابة لطلب أحد الأدباء إذ أن النساخ قد أفسدوا بقلمهم ما غمض من تلك الألفاظ رأيت الآن أن أدرج هذا الإصلاح وأشرح تلك الكلمات العويصة لتعم الفائدة. فأقول: أما الخيال وهو أول أدوات الطرب التي ذكرها الشقندي فهو تمثال معضَّى يتخذه أهل اللهو في ألعابهم ويحركونه حركات مختلفة مضحكة بخيط أو بزنبرك خفي وهو الذي يسميه البعض بالكركوز أو العيواظ وبالفرنسية قال في شفاء الغليل في مادة بابه ص ٥٠ وبابه إحدى بابات الخيال أما الخيال جعفر الراقص وأما لخيال الأزاد وجعفر اسم الذي اخترع الخيال الراقص. والكريج (وصحيح روايته والكرج) وهي تماثيل خيل مسرجة من الخشب معلقة بأطراف أقبية يلبسها النسوان ويحاكين بها امتطاء الخيل فيكررن ويفررن ويثاقفن وهي من آلات الرقص (عن ابن خلدون في المقدمة ص ٣٧٤ من طبعة بيروت الأولى) وبالفرنسية يسمى الكرج ; أما العود فمعروف فلا حاجة إلى زيادة تعريفه وبالفرنسية أما الروطة فلا ذكر لها في كتب اللغة وهي معربة عن الأندلسية أو وهي ضرب من الرباب كان يتخذها الشعراء المتجولون ليوقعوا عليها ألحانهم وأغانيهم وأول من اتخذها الغلطيون. وهي بالفرنسية أو والرباب مذكورة في معاجم اللغة فلتراجع وبالفرنسية وكذلك القانون فهو أشهر من أن يذكر وبالفرنسية أما المؤنس فهو قربة يركب فيها مزمار يتخذها أهل البادية في ملاهيهم وأغلب ما تكون في مزمارين. ولعل اللفظة من أصل إسباني يقابلها بالفرنسية أو وهذه اللفظة العربية لا توجد في كتب اللغة إلا أنها اليوم مشهورة في بلاد العرب بهذا المعنى. والكثيرة مصفحة عن كيثرة وهي في القديم نوع من الرباب ويراد بها اليوم ضرب من السنطور تنقر أوتارها بالإصبع. والفنار (وصحيح روايتها القثار) هي بالفرنسية ويراد بها آلة ذات ستة أوتار ولها يد مقسومة إلى أنصاف ألحان مركب عليها دساتين. والزلامي: نوع من المزمار وهو شكل القصبة منحوتة الجانبين من الخشب جوفاء من غير تدوير لأجل ائتلافها من قطعتين منفردتين كذلك بأبخاش معدودة ينفخ فيها بقصبة صغيرة توصل فينفذ النفخ بواسطتها إليها وتصوت بنغمة حادة يجري فيها من تقطيع الأصوات من تلك الأبخاش بالأصابع مثل ما يجري في الشبابة (عن ابن خلدون بحرفه في ص ٣٧٠ من الكتاب المذكور) والزلامي تصحيف الزنامي نسبة إلى زنام وهو زمار مشهور كان هند هارون الرشيد يضرب به المثل في حسن صناعته. قال الشريشي: زنام هو الذي استنبط الناي وهو المزمار الذي تدعوه عامتنا في المغرب الزلامي صحفوه بإبدال نونه لاماً وإنما هو زنامي. أما الشقرة والنورة فقد عرفهما المؤلف نفسه بقوله: وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقه. والبوق أيضاً معروف. وقد ذكره ابن خلدون في المقدمة ص ٣٧٠ بقوله: وهو بوق من نحاس أجوف في مقدار الذراع يتسع إلى أن يكون انفراج مخرجه في مقدار دون الكف في شكل بري القلم وينفخ فيه بقصبة صغيرة تؤدي الريح من الفم إليه فيخرج الصوت ثخيناً دوياً وفيه أبخاش أيضاً معدودة وتقطع نغمة منها كذلك بالأصابع على التناسب فيكون ملذوذاً. ثم تطرق الشقندي إلى ذكر أصناف الملاهي والرواقص وحسن انطباعهن وصنعتهن وإنهن أحذق خلق الله باللعب. ومن أنواع ألعابهن اللعب بالسيوف وهو معروف. والدك (وصحيح الرواية الدكر بذال مهملة مكسورة بعدها كاف ساكنة) هو نوع من الرقص أو اللعب يعرفه الزنج والحبش ولا يزال الزنج في البصرة يلعبونه في عهدنا هذا وهو النوع المسمى بالفرنسية وإخراج القرى. (وصحيح الرواية وإخراج القزى بزاي في الوسط جمع قزة كعزى جمع عزة. والقزة الحية) هو نوع من اللعب يعمد المشعوذ أو اللاعب إلى كيس أو جراب ويريه للحاضرين أنه فارغ وبعد أن يتلو عليه بعض الآيات يخرج منه حيات أو قزى أو حبالاً أو خيوطاً وغير ذلك. وكل هذا من أعمال المشعوذين يستلزم خفة عجيبة ومهارة غريبة في اللاعب وربما أخرج من الكيس محابس وخواتم وحلقاً ونحو ذلك. والمرابط. يعني وإخراج المرابط وهو جمع مربط وهو ما يربط به الدابة. والمعنى واضح مما تقدم شرحه. والمتوجه. والأصح الفتوخة وهي جمع فتْخة أو فتخة وهي خاتم كبير يكون في أصابع اليد والرجل أو حلقة من فضة كالخاتم لا فص فيها فإذا كان فيها فص فهو الخاتم. ومن ثم فيكون إخراج الفتوخ من قبل إخراج القزى والمرابط. هذا ما أردنا إيضاحه في هذا الباب حرصاً على كلام المؤلف من التصحيف والتحريف وربك فوق كل علم عليم. بغداد أحد قراء المقتبس الفرس معربة عن كتاب تاريخ الحضارة دين زردشت إيران - بين نهري دجلة والسند وبحر الخزر والخليج الفارسي صقع عظيم يعرف ببلاد إيران تبلغ مساحته خمسة أضعاف مساحة فرنسا أو تزيد ولكن معظمه مجدب قاحل فهو يتألف من صحارى رمال محرقة ومن أنجاد باردة قارسة تشقها أودية عميقة شجراء وتحيط بها جبال شاهقة. وإذ حيل بين الأنهار وجريها فهي لا تسير إلا ريثما تضيع في الرمال أو في بحيرات مالحة. ويشتد هواء هذه البلاد ويتقلب فيكون حراً في الصيف وقراً في الشتاء وقد يجتاز من يهبط هذه البلاد من منطقة تبلغ درجة حرارتها نحو ٣٢ تحت الصفر إلى منطقة حرارتها ٤٥ سنتغراداً بمعنى أن تلك البلاد جمعت إلى برد سيبيريا حرارة السنغال. وهناك تعصف الرياح الزعازع فتفعل في الأجسام فعل الحسام. بيد أن الأودية وضفاف الأنهار مخصبة منبتة. وهذه البلاد هي ولا جرم مصدر الدراق وشجر الكرز ومستنبت الثمار والمراعي. الإيرانيون - سكنت بلاد إيران قبائل من الآريين (القاطنين ببلخ أي بكتريا وهي الوطن الأصلي للجنس الآري) كانوا كسائر أبناء هذه البلاد جنساً من الرعاة المسلمين المحاربين. ولقد كان الإيرانيون يقاتلون على ظهور الخيل ويطلقون السهام ويلبسون ألبسة من الجلد يجعلونها وقاية على أبدانهم من هواء بلادهم الشديد. زردشت - عبد الإيرانيون أولاً ما عبده قدماء الآريين من قوى الطبيعة وخصوصاً الشمس ميترا وقام بين أظهرهم حكيم اسمه زردشت (مه أباد وله كتب كثيرة منها ما له علاقة بالشريعة ثم ظهر زردشت وأصلح هذا الدين) ويدعوه الإفرنج زرواستر فأصلح ديانة الإيرانيين بين القرن العاشر والسابع قبل الميلاد ولم يبلغنا من أخباره غير اسمه. الزاندافستا (الزندو بازندوافستا) - لم يبق شيءٌ مكتوب يؤثر عن زردشت ولكن تعاليمه المؤلفة بعده بزمن طويل قد حفظت في الزاندافستا أي الشريعة والإصلاح وهو كتاب الفرس المقدس. وقد كتب هذا السفر بلغة قديمة لم يفهمها اتباع هذا المذهب أنفسهم ودعوناها أي الإفرنج بازند وكانت تنقسم على ما ورد في أساطيرهم إلى إحدى وعشرين نسخة كتبت على اثني عشر ألف جلد ثور ضم بعضها إلى بعض بأسلاك من الذهب وأبادها المسلمون لما فتحوا بلاد فارس واحتفظت بعض أسرات إيرانية بتعاليم زردشت وأخلصوا دينهم له فلجأوا إلى بلاد الهند فحفظ فيها أخلافهم المدعوون بارسيس تلك الديانة القديمة. وقد وجد عندهم سفر تام من الزاندافستا وقطع من الكتابين الآخرين. أورمزد هرمز وهرمس واهريمن رمز إلى العقل والنفس وعند العامة إله الخير والشر هذه ديانة زردشت على نحو ما ورد في تلك الكتب إلا أن هرمز الذي يدعوه الإفرنج أورمزد وهو الديان الذي لا يخفى عليه شيءٌ خلق العالم والقوم يصلون له بهذه الألفاظ: أدعو الخالق هرمز واحتفل بشعائره فإنه النور والضياء عظيم رحيم كامل شبهم ذكي جميل سامٍ طاهر يعرف العلم الصحيح مصدر اللذة وهو الذي برأنا وصورنا وأطعمنا وإذ كان على جانب من الصلاح لم يخلق إلا ما هو كذلك وما يرى في العالم من شر فقد برأه رب الشر الكرامانيو أي روح العذاب وندعوه أهريمن (وديو أي شيطان). الملائكة والشياطين - يقف أهريمن الشقي المخرب قبالة هرمز البارئ الحليم ولكل منهما طائفة من الأرواح فجنود هرمز هم الملائكة المطهرون يازاستا وجنود أهريمن شياطين خبثاء (ديو) ويسكن الملائكة في الشرق في ضوء المشرق والشياطين في الغرب في ظلمات الشفق وكلا الجيشين لا يزالان في حرب دائمة والعالم ساحة قتالهما لأن كليهما حاضر في كل مكان فيسعى هرمز وملائكته إلى الاحتفاظ بالخلق وإسعادهم وصلاحهم ويطوف أهريمن وشياطينه حولهم لإهلاكهم وسوء طالعهم وطلاحهم. خلائق هرمز وأهريمن - كل حسنة في الأرض هي من صنع هرمز وتستخدم للخبر فالشمس والضياء اللذان يطردان الليل والكواكب والشراب المخمر الذي يتراءى كأنه صوءٌ سيال والماء المروي للإنسان والحقول المزروعة التي تغذيه والأشجار التي يستظل بها والحيوانات الأهلية والكلب والطيور منها خصوصاً ما يعيش منها في الضوء ولاسيما الديك لأنه يبشر بالنهار هذه كلها برأها هرمز. وعلى العكس ينبعث كل ما يضر من أهريمن فيكون شراً مثل الليل والجفاف والبرد والقفر والنباتات السامة والشوك والحيوانات الكاسرة والأفاعي والحلمات الطفيلية (كالبعوض والبراغيث والبق) والحشرات التي تعيش في الجحور المظلمة كالضبان والعقارب والضفادع والجرذان والنمل - وهكذا تنبعث الحياة والطهارة والحقيقة والعمل وكل ما حسن في عالم الأخلاق من هرمز. والموت والقذارة والكذب والكسل وكل ما خبث وساء ينبعث من أهريمن. العبادة - مصدر العبادة والأخلاق من هذا الاعتقاد فعلى المرء أن يعبد رب الخير ويناضل عنه. يقول هيرودتس: أن من عادة الفرس أن لا يقيموا هياكل ومعابد ومذابح للأرباب ويعدُّ من أتى ذلك كافراً بالنعمة لأن هذه الأمة لا تعتقد اعتقاد اليونان من أن للأرباب صورة على نحو صورة البشر. وأن هرمز ليبدو بهيئة النار أو الشمس ولذا يحتفل الفرس بعبادتهم في الخلاء على الجبال أمام موقد مشتعل فينشدون الأناشيد تمجيداً لهرمز ويذبحون له الحيوانات (كذا) دليلاً على عبادته. الأخلاق - ناضل الإنسان عن هرمز محسناً لعمله مقبحاً لعمل أهريمن فيجاهد في الظلمات وهو يمد النار بالحطب الجاف والعطور ويجاهد في القفر بحرث الأرض وابتناء البيوت ويجاهد حيوانات أهريمن بقتل الحيات والضباب والحلمات الطفيلية والحيوانات الكاسرة ويجاهد الدنس وذلك أنه يتطهر ويدفع عنه كل ما مات وخصوصاً الأظافر والشعور وحيثما وجدت الشعور والأظافر المقصوصة فهناك يجتمع الشياطين والحيوانات القذرة. ويجاهد الكذب جارياً على قدم الصدق. قال هيرودتس أن الفرس يستقبحون الكذب وهو عندهم عار وسبة كما أنهم يكرهون الاستدانة لأن المديون يكذب بالضرورة. ويجاهد الموت وذلك بالزواج والاستكثار من الولد. جاء في الزاندافستا ما أقبح البيوت التي حرمت من النسل والذراري. الجنائز - متى مات الإنسان تعود جثته إلى رب الشر ولذلك يقتضي إنقاذ الدار منها لا بإحراقها فإنها تنجس الدار ولا بدفنها فإنها تنجس الأرض ولا بإغراقها فإنها تنجس الماء ومن فعل ذلك فيكون قد تلطخ بحمأة القذارة أبد الدهر. وطريقة الفرس في دفن موتاهم تختلف عن غيرهم من الأمم فيجعلون الجثة في مكان عال مكشوفة جبهتها نحو السماء مثقلة بأحجار ثم يركنون إلى الفرار خشية من الشياطين لأنها تجتمع بزعمهم في أماكن الدفن حيث مأوى المرض والحمى والقذارة والرعب والشعور القديمة وعندها تجيء الكلاب والطيور وهي من الحيوانات الطاهرة فتطهر الجثة بافتراسها. مصير الأرواح - تنفصل روح الميت عن جسده وفي اليوم الثالث من موتها يؤتى بالروح على الصراط (شنيواد) المؤدي إلى الجنة ماراً فوق هاوية جهنم فيسأل هرمز الروح عندئذ عن حياتها السالفة فإن كانت محسنة تعضدها الأرواح الطاهرة وأرواح الكلاب وتأخذ بيدها لاجتياز الصراط ويدخل بها إلى مقام السعداء (برودس أي فردوس) فيهرب الشياطين لأنها تتجافى عن روح الأرواح التقية أما روح الشرير فتصل على العكس من ذلك إلى الصراط ضعيفة لا يأخذ أحد بيدها ويلقي بها الشياطين في الهاوية ويتناولها روح الشر ويقيدها في قعر الظلمات. طبيعة الديانة الهرمزية أو الهرمسية المزدية - نشأت هذه الديانة في بلد يشتد فيه الاختلاف والتناقض ففيها الأودية الباسمة بزرعها والأراضي البائرة المحزنة والواحات الرطبة والقفار المحرقة والحقول والسهول الرملية بحيث تتراءى قوى الطبيعة فيها كأنها في حرب عوان أبداً. وهذا الجهاد الذي يمثل للفارسي فيما يحيط به قد اتخذه شريعة العالم. وهكذا تألفت ديانة خالصة من الشوائب تدفع بالإنسان إلى العمل والفضيلة على حين قد انتشر هذا الاعتقاد بالشيطان والجن في الغرب وشغل شعوب أوربا كافة بالأوهام. المملكة الفارسية الماديون - سكنت بلاد إيران عدة قبائل ولم يشتهر من بينها سوى الماديين والفرس خيم الماديون في غرب بلاد فارس وهم أقرب إلى الآشوريين ولذلك كان على أيديهم خراب نينوى وبلادها ٦٢٥ ولكن لم يلبثوا أن استغرقوا في الترف وأنشأوا يتخذون ثياباً مسدولة ويألفون البطالة ويعتقدون اعتقادات خرافية شأن الآشوريين بين الساقطين ومازالوا على ذلك حتى امتزجوا معهم أي امتزاج. الفرس - أما الفرس فكانوا في الأنحاء الشرقية (والجنوبية) واحتفظوا بأخلاقهم وديانتهم وشدتهم. يقول هيرودتس: أن الفرس لا يعلمون أولادهم إلى سن العشرين غير ركوب الخيل ورمي النشاب وقول الصدق. قورش اوسيروس اوكيخسرو - قام رئيسهم قورش حوالي سنة ٥٦٠ وخلع ملك الماديين (الذي هو جده لأمه) وجمع تحت لوائه شعوب إيران كافة ففتح بهم ليديا وبابل وجميع بلاد آسيا الصغرى. ويروى لهذا الملك قصة فصلها هيرودتس في تاريخه تفصيلاً شافياً قال أنه دعا نفسه في بعض ما زبره على الأحجار بقوله أنا قورش ملك الكتائب والعظمة والاقتدار أنا ملك بابل وسومير وأكاد ملك الأقاليم الأربعة وابن كمبيز (كيكاوس) وسلطان سوزيان. رسوم بيستون - أهلك كمبيز بكر أولاد قورش أخاه سمرديس وفتح مصر (على قول اليونان) علمنا ذلك مما اتصل بنا من الرسم الذي مثل فيه ذلك ولا تزال ترى إلى اليوم في تخوم الفرس وسط سهل أفيح صخرة هائلة نحتت نحتاً عمودياً علوها ٤٥٠ متراً وهي صخرة بيستون وهناك حروف ناتئة على الحجر تمثل ملكاً متوجاً ويده اليسرى على قوس وهو يدوس أسيراً وتسعة أسرى آخرون واقفون أمامه وقد قيدهم بنفسه. وكتبت ترجمة حياة الملك في رسم بثلاث لغات فقد أعلن الملك داريوس دارا ذلك فقال: هذا ما قمت به قبل أن أغدو ملكاً فقد كان كمبيز بن قورش من بني جنسنا يحكم هنا قبلي وكان له أخ لأبيه وأمه واسمه سمرديس فقتل ذات يوم كمبيز أخاه سمرديس ولا علم للقوم بما جنته يداه. ثم وجه كمبيز وجهته نحو مصر وبينما هو نازل فيها ثار به الشعب وكان قد أصبح الكذب مألوفاً إذ ذاك في تلك البلاد وفي بلاد مادي وسائر العمالات فقام موبذان كان حاضراً إذ ذاك اسمه غوماتا وخدع الأمة بقوله: أنا سمرديس بن قورش وعندئذ انتفض الشعب اجمع وانصرفوا نحوه متخلين عن كمبيز. ثم قضى كمبيز نحبه بجراح جرح نفسه به وبعد أن أتى غوماتا ما أتى من هذه الحيلة واستلب من كمبيز بلاد الفرس ومادي وسائر الأقطار جرى في الخطة التي شاءها فصار ملكاً على هذه البلاد وحاكماً متحكماً في أهلها. فخافه الشعب لظلمه وكان لا يستنكف من قتل الأمة عن بكرة أبيها لئلا تنكشف حيلته ويعرف القوم أنه لصيق بسمرديس بن قورش ودعي في نسبه وقد أظهر للملك داريوس هذه الخديعة ولم يكن أحد في بلاد الفرس ومادي يجرأ على استرجاع تاج الملك من هذا الموبذان غوماتا. قال دارا بعد أن قدم ما سلف وعندئذ تقدمت ودعوت الرب هرمز فأعانني بالتوسل به وكان في صحبتي ناس ذوو إخلاص وصدق فأعانوني على قتل غوماتا وخاصة رجاله فأصبحت ملكاً بمشيئة هرمز واستعدت الملك الذي كان بنو قومنا سلبوه وأرجعته إلى حوزتي وأخذت أعيد المذابح التي طوى بساطها الموبذان غوماتا وذلك لأني كنت مخلصاً للأمة وأعدت الأناشيد والاحتفالات المقدسة إلى سابق عهدها. واضطر دارا بعد أن ضرب ذاك الدخيل غوماتا ضربة قاضية أن يقاتل عدة زعماء ثائرين فقال لقد قاتلت تسع عشرة مرة وغلبت تسعة ملوك. المملكة الفارسية - علم بما مضى أن دارا أخضع المملكة المختلسة وأعاد مملكة الفرس وقد وسع نطاقها بفتح تراس تراثياً وهي اليوم بلاد البلغار والروملي وولاية من الهند. وكان ينضم تحت لوائه شعوب الشرق أجمع من ماذيين وفرس وآشوريين وكلدانيين ويهود وفينيقيين وسوريين وليديين ومصريين وهنديين فكان سيف سطوته يحمي الأصقاع الواقعة بين نهر الدانوب الطونة غرباً ونهر الأندوس (السند) شرقاً وبين بحر الخزر شمالاً إلى شلالات النيل جنوباً. مملكة لم يعهد لها مثيل في الضخامة ( ١٢٠ مملكة) بيد أن قبيلة جاءت بعد واستولت على تركة الممالك الآسيوية بأجمعها. أقيال الفرس - قلما يعنى ملوك الشرق بأمر رعاياهم إلا ليستنزفوا أموالهم ويمتهنوا في سبيل سلطانهم أبناءهم وينالوا مديحهم وثناءهم وما قط أخذوا أنفسهم بالنظر في شؤون من يحكمونهم. وكان شأن دارا في هذا المعنى شأن سائر ملوك الشرق ترك كل قبيل في بلاده يحكم نفسه على ما يشاء ويشاء هواه محتفظاً بلغته ودينه وشرائعه وأحياناً برؤسائه وسادته من قبل. على أنه كان يعنى بتنظيم دخل المملكة الذي يتقاضاه من رعاياه فقسم بلاده إلى عشرين حكومة سماها إمارة. وكان في كل حكومة شعوب مختلفة كل الاختلاف سواء كان بلغتها أو بعاداتها ومعتقداتها وكان على كل حكومة أن تؤدي مسانهة خراجاً معيناً بعضه نقد ذهب وفضة وبعضه غلات ونواتج قمح وخيل وعاج فيتقاضى حاكم كل مقاطعة أو قيلها ممن وسد إليه أمرها الخراج ويبعث به إلى مولاه الملك. دخل المملكة - بلغ مجموع دخل الملك ثمانين مليوناً بسكة زماننا ما عدا خراج الغلات. وإذا اعتبرنا قيمة النقود في ذاك العصر فإنها تعادل ستمائة مليون جنيه في أيامنا. وكان الملك ينفق هذا على حكومته وجيشه وخاصته وبذخ قصره ويبقي عنده كل سنة سبائك عظيمة من العين يدخرها في صناديقه وكان ملك الفرس مثل سائر المشارقة يرى امتلاك الكنوز العظيمة من دواعي الأبهة والتمجد. السلطان الأعظم - لم يكن في العالم أغنى ولا أقدر من ملك الفرس فقد كان اليونان يدعونه السلطان الأعظم. (ملك الملوك شاهنشاه) وكان له كسائر ملوك الشرق سلطة مطلقة على رعاياه كافة فرساً كانوا أم غيرهم من سائر الشعوب الخاضعة لعرشه. وأنت ترى فيما ذكره هيرودتس كيف كان كمبيز يعامل أعظم سادات قصره: سأل يوماً بريكستاسب (بري كشتاسب أي روح العظمة) وكان ابنه يسقيه ماذا تقول الأمة في أمري؟ فأجابه: مولاي أنهم يثنون على محامدك أطيب الثناء ولكنهم يذهبون إلى أن لك ميلاً قليلاً للخمر قال كمبيز وقد استشاط غضباً من هذا: اعلم إذا كان الفرس يقولون حقاً وصدقاً. فإذا أنا رميت بسهمي قلب ابنك الذي تراه واقفاً أمامك في هذا البهو فذلك أن الفرس لا يعرفون ما يقولون. وما هو إلا أن أعد قوسه وضرب ابن بريكستاسب فخر الفتى صريعاً فجاءه الملك ينظر أين أصابه سهمه فرآه قد أصماه ومزق حشاه. فاستفز السرور الملك وقال لوالد الغلام وهو ضاحك: لقد رأيت بهذا أن الفرس قد أضاعوا رشدهم فقل لي هل عهدت أحداً يطلق السهم إطلاقي له فيصيب الغاية على ما رأيت من الرشاقة. فقال بريكستاسب لا أعتقد أيها المولى أنه في وسع الرب نفسه أن يرمي النبال مثلك في الدقة والاعتدال. أعمال الفرس - أدى شعوب آسيا في كل دور من أدوارهم جزية للفاتحين وخضعوا للظالمين والغاشمين فنفعهم الفرس كثيراً بأن كفوا بعضهم عن مقاتلة بعض وأزالوا من بينهم أسباب الشجناء وذلك لأنهم أخضعوا كل الشعوب لرئيس واحد. وكان عهدهم عهد سلام لم تعهد فيه مدن تحرق ولا ديار تخرب ولا سكان تذبح أو تؤخذ زرافات وأفواجاً لتستعبد. مدينتا سوس وبرسوبوليس - عني ملوك الماديين والفرس بإقامة القصور على نحو ما كان يقيم ملوك أشور. وأحسن ما اتصل بنا خبره من تلك القصور قصور دارا في سوس وبرسوبوليس وقد حفر المسيو ديولافوا الفرنسي خرابات سوس فعثر فيها على نقوش وقرامد مزينة بالمينا تبين ارتقاء الصنائع إذ ذاك وقد بقيت من قصر البرسوبوليس خرائب عظيمة وقد نحت في صخر الجبل سطح عظيم قام عليه القصر وهو يوصل إليه بسلم واسع بانحدار قليل بحيث كان يتأتى لعشرة فرسان أن يصعدوه معاً. النقش الفارسي - حذا نقاشو الفرس حذو الآشوريين في إقامة قصورهم فتجدها في برسوبوليس كما تجدها في بلاد أشور سقوفاً متسعة السطوح يحرسها أسود من الحجر والنقوش الناتئة تمثل صيوداً واحتفالات. وقد أحسن الفرس في إتمام نموذجاتهم في ثلاثة أشياء وذلك بأن استعملوا الرخام عوضاً عن القرميد وجعلوا في الردهات سقفاً بالخشب المصور وأنشأوا أعمدة خفيفة على شكل جذوع الأشجار في أقصى ما يعلم من الحذاقة واللطف وهي من أعلى من محيطها باثنتي عشرة مرة. ولذلك جاءت نقوشهم أجمل أثراً وأوقع في النفوس من نقوش بلاد أشور. وقلما نجح الفرس في الصنائع ويظهر أنهم كانوا أحشم شعوب ذاك العصر وأطهرهم وأشجعهم وكانت وطأة حكمهم في آسيا مدة قرنين أقل جوراً مما عرف من ضروب الحكومات وكانوا أميل إلى الرفق بمن يحكمون. خواطر سائح لا نخال أحداً من الناطقين بالضاد يجهل مكانة الأستاذ العالم الشيخ عبد المحسن الكاظمي البغدادي نزيل القاهرة ورسوخ قدمه في الشعر بعد أن حمل المؤيد والمنار قصيدته العينية الشهيرة إلى الأقطار التي يتكلم أهلها بالعربية ولقد أتحفنا حفظه الله بالقصيدة الآتية أرسلها إلى صديق له جواباً عن قصيدة وقد ضمنها ما رآه واختبره في رحلته من - أبو شهر - أحد الثغور الفارسية إلى القاهرة وهي كما يراها قراء المقتبس تصورات عصرية بأسلوب بدوي متينيوسبك محكم رصين وهذه هي: جوىً أودى بقلبك أم وجيبُ غداة حدا بك الحادي الطروبُ بعدت عن الديار وصرتَ تدعو على البعد الديارَ ولا مجيب رحلت وأنت للعلياءِ صاد تحوم على الموارد أو تلوبُ وخلفت المنازل آنساتٍ سروب الغيد تتبعها سروب تشق حشاك من كلف عليها وتأنفُ أن تشقَّ لك الجيوب وتسحب كالأنيس فضول برد وفي برديك ذو شجن كئيب تشدُّ الرحل من بلد لأخرى وما لمناك من بلد تصيب وتبلو الناس فرداً بعد فرد وما في الناس إلا ما يريب كأنك ترود مرعى كل أنس ومرعى الإنس في الزورا خصيب وفي مصر أراك وأنت لاهٍ وقلبك في العراق جوىً يذوب فكم والى مَ تنجب ثم تبكي ولا يجدي البكاء ولا النحيب وتشرب ماَء جفنك وهو ملح ووردك بالحمى عذب شروب كأن الدمع بنطف وهو قان عصارةُ كرمة والجفن كوب دع الأنفاس تصعد محرقات وخل الدمع من علقٍ يصوب لقد بان الخليط فلا خليط وقد بعد الحبيب فلا حبيب فلا تتكلفنَّ لي التصابي ولا تسم الحشا ما لا يثيبُ فلا حلوان في عينيَّ تحلو ولا طيب الجنينة لي يطيب وما في ذا الحمى لي من حميم بصحبته ألذُّ واستطيب ورب أخ رماه البين عني بعيداً وهو من قلبي قريب أناديه ولم أرَ من أنادي وأسأله النوال فلا يجيب أقول له وقد أحصى ذنوبي من الحسنات أن تحصى الذنوب يعاتبني وقلب الحرّ أدرى بما تطوي الأضالع والجنوب ويزعم أنني ثمل طروب وما أنا ذلك الثمل الطروب أخيّ أعر مناديك ابن سمع يصيخ إلى الدعاء ويستجيب عساك ترد من ذا العتب عني لنفسك أو إلى العتبى تثوب أراك أرتبت من حالات نفسي وما في النفس من حال يريب أعد نظراً تجد عذري صريحاً وعذر المرءِ آونة مشوب فما كانت قطيعتنا جفاءً فيوهم ظنك الحلمُ الكذوب فكن مني على ثقة وحول ظنونك أن بارقها خلوب فما أنا من تغيره الليالي وتثنيه الحوادث والخطوب ينوب بهاك لي عن كل حسن وما عن حسن وجهك من ينوب إذا ما عنَّ ذكرك لي تنزت له كبدي وطار بها الوجيب أعيذك من جوى شبت لظاه ببينك واستمرَّ لها الشبوب وأشفق أن أبثك بعض ما بي وبعض الغيب يعلمه اللبيب أؤمل أوبة مما تقضى واعلم ما تقضى لا يؤوب فمن عبثت بنا نطف التصابي ومالت للقبول بنا الجنوب فبينا تجمع الشملَ الأغاني إذا بالشمل فرقه نعيب بنفسي ما بنفسك يوم شطت (أبو شهر) وسرت ولا صحيب أقمنا برهة والفجر طفل بطلعته قرون الليل شيب وسرنا والهموم لها انسياب علينا والظلام له دبيب وعجنا راكبين اليم فلكاً وهل أغني الفوارس ذا الركوب بواخر من بنات الماء شماً على هام السحاب لها سحوب تحلق كالعقاب بنا وتهوي هويّ الطود أوهته الخطوب ولم يرعِ الحشا منا ومنها صعود بالعواصف أو صبوب تكفُّ الموجَ وهو بها محيط نزاع النفس لاقتها شعوب ومن عجب على الأمواه تطفو وبين ضلوعها أبداً وجيب بلغت بها قرارة كل لج بعيد القعر لؤلؤهُ رطيب هنالك شمت لألاَء اللآلي ولم تعبث برونقها الثقوب وجزت به أقاصي كل ثغر تسيب به المخاوف ما تسيب وظلت أجزّ لمة كل ليل له الولدان من هول تشيب وأرضِ جزتها من بعد أرض سباسبها المريعة والسهوب أعوج بحارها طوراً وطوراً أجوب من الموامي ما أجوب إلى أن قادني أملي لمصر قياد الجامحات وهنّ لوب وجاذبني إليها الشوق حتى سلست وراض مصعبي الجذيب إذا بالنيل رقراق الحواشي قريب النيل جارفه عزيب إذا ما سال سال بكل شعب وسالت في أباطحه الشعوب كأن عليه من ذهب مذاب مزيج باللجين ولا مذيب وما أحلى الجزيرة من محل ترفّ على جوانبه القلوب تحفّ بها رياض طيبات يطيب بنشرها الأرج المطيب عليها تصدح الورق ارتياحاً ويشدو في رباها العندليب وألفيت البلاد طغت خمولاً ودب بأهلها الكسل الدبوب وأسواق البطالة عامرات ووادي الموبقات بها عشيب وفيها من سمات الخصب لفظ يفاه به ومعناه جدوب وماءُ العز أدركه نضوب بها أو كاد يدركه النضوب بقاصمة الفقار رمى قراها ولما يخطها الرامي المصيب وهل أبقى لها إلا بقايا حشاً بليت كما بلي الشعيب فلا ينفك ينهبها وكل بها من حيث لا يدري نهيب فقمت مغاضباً شعباً فشعباً وكل جوارحي منها شعوب أيا أهل الحمية كيف أضحى حماكم وهو من عزّ حريب أليس الشرق بالإشراق أحرى وأجدر منه بالغرب الغروب فما لطنوبكم قصرت وطالت من الغربي فوقكم طنوب تطول جبالكم منها الروابي وتعلو هامكم منها العجوب رضيتم بالقعود على الدنايا ومنهجكم إلى العليا لحيب ترومون الفخار على الأعادي وعن خطط الفخار لكم نكوب وترجون الخلاص من احتلال وعار الاحتلال بكم لصيب كما يرجو الفريس خلاص نفس وقد علقت من الأسد النيوب أتيت لأستطب فزاد سقمي وقد يفضي إلى الداءِ الطبيب لها بقية النشوء العقلي والاجتماعي في مصر أخذ التقدم يرتقي في مصر بعد أن كانت مثل جميع البلاد الإسلامية لقلة العلم والزهد في معاناة الحياة التجارية تقول أن الحياة الدينية والمدنية شيءٌ واحد وأن في القرآن والسنة أحكام الحياتين وفي مضامينهما جميع القوانين. أما الأديان السماوية الأخرى فقد رأت من الضرورة الفصل بين السلطة الزمنية والروحية ولم يتسن للإسلام أن يشذ عن هذا القانون. ومن تأمل ما جرى في مصر منذ خمسين سنة فقط وقاس ما نتج من دخول التمدن إلى هذا القطر خلال هذه المدة يدرك بأن النشوء يكون على أتمه بعد قليل وأن هذا التغيير يجري تحت طي السكون جارياً في مجراه الطبيعي من دون إكراه ولا إعنات. ومع هذا ظنَّ كثير من المفكرين بأن البلاد الإسلامية تبقى بعيدة عن التمدن. حملهم على هذا الظن ما رأوه من شدة تحمس المسلمين لدينهم وخضوعهم لما أمر به القرآن خضوعاً أعمى. وحجة أهل الإسلام في هذا الباب أن التمدن الإسلامي لما كان منشراً أكثر من غيره كانت العقائد سالمة لم تمس وراسخة لم تزعزع إلا أنه يقال لهم أن علماء العرب في تلك العصور لم يكونوا يدرسون سوى علوم مقررة قام بها تمدن الشعوب الأخرى ولم يقتربوا من الكتب التي حوت علوماً غيرها أو من المصنفات الأدبية والصناعية التي تفتح على العقل باباً جديداً. على أن التمدن العربي لم تعهد له طفولية إذ ولد كاملاً وبلغ رشده في قرنين فكان من الإسلام كما كان من سائر الأديان أن عدل من امتداد تأثيرات الذكاء وتقهقره في آن واحد وذلك مما لا يتأتى أن يجدد اليوم عهده. لأن تحاكك البلاد الإسلامية بالعنصر الأوربي وانتشار العلم وضروريات الحياة الجديدة ستؤدي ولا جرم إلى تحرير العقول من قيودها وتنتهي بفصل السلطة الدينية عن السلطة الزمنية لا محالة على نحو ما نرى من سرعة النشوء الذي بدأ الآن يظهر في مصر آخذاً نحو المدنية الحديثة. ومما لا شك فيه أن الإسلام بعيد أن يضمحل الآن بل أنه على العكس ينتشر ويزداد أشياعه ويتجدد له أنصار حتى في أوربا وأميركا حيث تجد له الآن طوائف من المسلمين ولكن هذا السير سيكون أبطأ من ذي قبل ويقوم المسلم بفروضه الدينية سراً. نعم يكون للمسلم كما للمسيحي لعهدنا حياتان إحداهما ظاهرة والثانية باطنة ولا تكون الثانية سبباً في التشويش على الأولى. يقول المسيو هوداس من علماء المشرقيات من الفرنسيين إن المتعلمين يحبون أن يريحوا عقولهم بعض الراحة وذلك بأن يتناسوا أن لهم عقولاً. ولذلك تبقى الأديان الرئيسة في أوربا سنين كثيرة بعد على حالة ملائمة بعض الملائمة. فنشوء الجنس الإسلامي لا مناص من وقوعه لأنه يجري بطبيعة الحال والدين لا يكون عائقاً له في بادئ الأمر لأن جميع الديانات في الأصل تعمل كأنها أعنة تحول دون كل تقدم على أن اليهودية والنصرانية اللتين لهما تعاليم ضيقة وهما أقل حرية من الدين الإسلامي لم يحولا دون نشوء الأجناس الأوربية. يمثل الإسلام صورة مجتمع ديمقراطي فلا يعوقه عائق من سلطة الأشراف ولا عائق من سلطة رجال الدين ولا عائق من البابوية أي ليس فيه رئاسة دينية. وهذه العوائق هي من الأسباب المؤخرة فلا يخشى منها أن تؤثر في نشوء العنصر الإسلامي. ومنذ سقوط الدولة العباسية أصبح الخلفاء لا يجمعون في شخصهم وحدهم بين السلطة الروحية والسلطة الزمنية الدينية والسياسية وأخذت الشعوب الإسلامية تنمو وتنتشر في أطراف العالم بأسره ولا تخضع لسلطان واحد. ولقد عرف التعصب في جميع الأديان وأعني بالتعصب ذاك الإحساس الذي يحمل صاحبه على الجهاد دفاعاً عن دينه وحفظ التاريخ حوادث هائلة من هذا القبيل لكل طائفة من طوائف أهل الأديان وردد ما سكرت به من حب الغلبة وبسطة السلطان أما الإسلام فعلى العكس من ذلك ظهرت فيه مظاهر التسامح أكثر من غيره مما يرجع الفضل فيه أسباب خاصة بالإقليم الذي قامت في وسطه تلك الديانة أو هو خاصة من خواص العنصر الذي دان بها. وكان الداعي إلى المذابح التي أهرقت فيها الدماء في هذا الدور الجديد من الهجرة بواعث سياسية لا بواعث دينية. والدليل على ذلك أنك تجد في الشرق عناصر مسيحية كما فيه عناصر إسلامية وترى فيه الجامع مجاوراً للكنيسة والمسلم يعيش مع المسيحي وصلاتهما حسنة ومنافعهما متبادلة. وليس في الشرق ما يعد خطراً على نشوء الأمة الإسلامية السريع سوى جهل السواد الأعظم ممن لم يرزقوا حظاً من الذكاء يكفي لتكبير عقولهم فيراقبون أعمال رؤسائهم مراقبة فعالة ويعارضون إذا دعت الحال إلى معارضة سوء استعمال الأحكام. ونذكر من الأسباب التي تؤخر سير التقدم إلى الأمام قلة الاتفاق بين المصري المسلم والمصري غير المسلم. فإن الأول لا يعترف للثاني بأن يقول عن نفسه أنه مصري ويزعم أن مصر له دون غيره. نهم إن المسلمين أكثر عدداً ولكن المسلمين مع غير المسلمين في مصر من حيث التهذيب العقلي ومن حيث وجود طبقة عالية يكادون يتعادلون ويتوازون وكذلك نفوذ الطائفتين وتأثيراتهما. وأقول هذا وأنا على يقين من أن التعصب الإسلامي غير ممتد الرواق في مصر بحيث يحول دون سير المسلمين نحو الارتقاء وإذا فرض وجوده بقوة التقاليد فالتربية تكفي لإزالته. قلت أن الإسلام بعيد عن أن ينافي التمدن بل هو على العكس دين يسمح لمنتحله أن يقصد إلى الارتقاء مطلق الحرية والتصرف. ومن المعلوم أن المسلمين ليسوا تابعين لإمام واحد وأنه ليس من ضرورة في الدين أن يتبعوا خليفة واحداً يتولى السلطة السياسية والسلطة الدينية فتوسيد الأمر إلى رجل يجمع بين السلطتين متعذر في الإسلام. وإني لأعرف من الإنكليز والأمريكان من دانوا بالإسلام فما عاقتهم وطنيتهم الإنكليزية والأميركية عن التفاني في نصرة دينهم الجديد فتراهم خاضعين لحكوماتهم ونظامات أمتهم عاملين بشعائر الدين الذي انتحلوه. كان للعلم مقام جليل بين المسلمين بحيث كان من يعرف القراءة والكتابة يعد من الطبقة الراقية ويحترمه الناس ويبجلونه. وليس لرجال الدين عند المسلمين وأعني بهم العلماء والأئمة ما لأمثالهم عند أهل النصرانية. بل تؤلف تلك الفئة في الإسلام من جميع الناس على السواء مهما كانت طبقتهم. فإذا أحرزوا قسطاً من العلم يخضع لهم الناس وإن لم يكن في أيديهم شهادات تؤذن بأن لهم حق التسلط عليها. والباعث الثاني على نشر التمدن بين المسلمين اختلاطهم بأوربا فإن كل من رأوا انتشار التمدن المصري وقدروا تأثير السياحات إلى أوربا حق قدرها وعرفوا ما ينتج من اختلاط المسلم بغيره في هذه السياحات يتجلى له الشوط البعيد الذي قطعته الأمة المصرية والتقدم الذي سعى إليه هؤلاء السائحون فصح أن يدعوا من الممهدين لسبيل الحضارة والتمدن. والفرق في الحقيقة بين هؤلاء السائحين وبين المقيمين في البلاد جوهري محسوس إذ أن السياح سواء كانت رحلتهم للنزهة أو التجارة قد غيروا شكل البلاد وكان منهم أن جعلوا مصر اليوم تخالف مصر منذ ستين سنة وبين هذين الدورين بون شاسع كما لا يخفى على الناظر البصير. ومن يجرأ أن يشبه بلاد الجزائر اليوم بالجزائر قبل أن يفتتحها الفرنسيين؟ ومثل ذلك يلاحظ في جميع البلاد الإسلامية حتى أن مراكش لتمس بإصبعها المدنية الرافعة في جوارها أعلامها. وساكن الشاطئ أسمى عقلاً ومدنية من ساكن الداخلية لأنه يختلط على الدوام بالعناصر الراقية وينال بذلك علماً لا يناله سكان الوسط. اعتبر ذلك في أوربي يتوغل في داخلية مراكش فإن المسلمين يسبونه ويشتمونه. وإذا كان الأوربي في صحبة مراكشي تهذبت نفسه بالاختلاط بالأجانب فإن هذا يحاول أن يشرح للأوربي خطأ ابن دينه مستدلاً على دعواه بجهل مواطنه وأنه مازال على الفطرة متعصباً ومتشبعاً بأفكار أمته القديمة. وبعد فإن تهذيب المرأة سيكون من أعظم العوامل في المدنية الإسلامية. ولا يسعنا في هذا المقام إلا أن نعترف بأن ما تم من الارتقاء لبعض الطبقات المنورة في المسلمين كان الباعث الأكبر عليه تأثير تربية المرأة. لأن الشريعة المحمدية خولتها من الشعور ما تعرف به كرامتها لتكون مستقلة ولأن محمداً صلوات الله عليه أراد إنهاض المرأة من سقوطها الذي كانت فيه قبل الإسلام فتسامح بتعدد الزوجات. ومن المحقق أن أسباباً شديدة كانت تقضي بنيلهن هذا الامتياز. ذلك أن في تعدد الزوجات مضاعفة الأمة ونموها وتكثير سواد الموحدين مما حسن أثره في هذه الأمة. نعم كان تعدد الزوجات من الدواعي إلى تجنب الفسق فاستطاعت بذلك المرأة التي تحدثها نفسها بمن في خارج بيت زوجها أن تجد لها من الشرع نصيراً يجعلها في حل من التزوج ممن تحب. وبهذا لم يعهد بين المسلمين الزواج غير الشرعي ورفع عنهم عار التسري واضطروا إلى احترام الأبكار في بيوت غير بيوتهم. والدليل على هذا بأنه منذ قل تعدد الزوجات في البلاد التي نال أهلها نصيباً من التعلم أصبحت بيوت الفجور مملوءة بالوطنيات المسلمات بعد أن كان أهلها من غير بنات البلاد وقامت بيوت العهر الوطنية تجاري مواخير الدخلاء وتتغلب عليها. ظلت المرأة المسلمة راضية بما قسم لها من مال زوجها بعد وفاته إلى أن استنارت بقيس من المعرفة فأنشأت تدرك بأن حظها هذا يسجل عليها بأنها دون الرجل في المنزلة. وإنا لنلاحظ اليوم أن الرجل المسلم في البلاد المتحضرة لا يتزوج بغير زوج واحدة وقلما كانت الزوج فيما مضى تقضي أوقاتها مع زوجها بل تبقى في خدرها ولا تخرج منه إلا محجبة مبرقعة ولا تزور غير النساء إذ لا يزورها غيرهن فتخلصت المرأة اليوم من هذه العادات وهذا الزوج مهما بلغ من تدينه يتسامح مع زوجه لتخرج لمقابلة الناس على الطريقة الأوربية. وهذا مما أحدث في الرجل أيضاً أحسن تأثير لأنه بالاختلاط المتواصل مع المرأة في البيت أخذت أخلاقه تتدمث وعواطفه تلطف وترق واقتبست المرأة المسلمة بما عرفت به من الرقة المعهودة عن المرأة الأوربية - لما نزلت هذه بلاد الشرق مع زوجها الموظف - أساليب الانبساط والبهجة اللذين ما كان زوجها يجدهما من قبل إلا في البيوت الأوربية. ومن الغريب أن تعدد الزوجات الذي كان في القديم خاصاً بالغني أصبح لعهدنا عادة من عادات الفقير لأن هذا يستخدمهن آلات ينتفع بها في أموره المعاشية فإذا كان له عدة زوجات يكن له بمثابة أجيرات يحرثن أرضه ويزرعن زرعه ويوفرن عليه ماله فلا يحتاج بهن إلى أيدي العامل والزارع. لا جرم أن تعليم المرأة المسلمة سيكون من الدواعي الرئيسة في نشوء العنصر الإسلامي ويساعدها على ذلك فقدان الرئاسة الدينية عند المسلمين وخلاص المسلمة من التأثيرات السيئة التي ترجع بها القهقرى إذا تولى بعض أمرها أحد خدمة الدين. وهنا نلم بالارتقاء الاقتصادي في المسلمين لأنه أحدث تغييراً في حالتهم. فقد ظلوا قروناً كثيرة بعيدين عن الحركة الاقتصادية محتفظين بتقاليدهم في متاجرهم فكان منهم لما رأوا تكاثر الأعمال المالية أن عقدوا الصلات التجارية مع غيرهم من الشعوب. وأي واسطة أحسن في قلب العادات القديمة من المراباة. فقد كان المسلمون لا يقولون بجمع رؤوس أموالهم وقلما كانوا يستدينون بالربا فأنشأوا اليوم يستدينون بالربا ولكنهم لا يدينونه فنجحت بذلك أعمالهم وأخذوا يملكون أموالاً طائلة اضطرتهم إلى استثمارها والمسلمون اليوم يتعاطون جميع أعمال المصارف والخصم. وإنك لترى الآن في مصر شركات عظيمة ورؤوس أموالها من أهل الإسلام خاصة. وجملة القول ليس الإسلام كما رأيت جامداً لا يتحرك بل أنه يجري في نشوئه بحسب الحاجات والضرورات الحالية وأنا موقن بأنه يضرب الآن نحو المدنية ويسعى لها سعيها بطبيعة الحال. نظام الطبيعة والإنسان والحيوان نظام الأرض أن تدور دورة من الغرب إلى الشرق في كل أربع وعشرين ساعة فيكون الليل والنهار. ودورة في كل ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً من الغرب إلى الشرق فتتأتى عنها فصول السنة وهي الربيع والصيف والخريف والشتاء. أتى على هذا النظام الذي سنه الخالق العظيم لحفظ الكون نحو ستة آلاف سنة عند علماء الدين وتسعة أو عشرة آلاف عام على رأي علماء طبقات الأرض. وما برحت الطبيعة محافظة على نظامها لأنه من لزومياتها. ومتى تشوش اختلت الأرض وقضي على من فيها بالتقهقر الملازم والخراب الدائم. وما يقال في الأرض من حيث محافظتها على نظامها الطبيعي يقال في كل ما دب عليها من إنسان وحيوان وكل ما ينبت فيها من أعشاب ونباتات ومزروعات وغياض ورياض وغيرها. فالبشر سن عقلاؤهم والمتمدنون منهم نظامات لهم لحفظ حقوقهم ومصالحهم المدنية والعمرانية والعمومية والخصوصية وغير ذلك. وللحيوانات على تباينها نظامات تمشي بموجبها وإن لم يدركها أكثر البشر. هذه طائفة الذئاب من الوحوش الكاسرة يظنها معظم الناس لا ترتيب لديها ولا نظام على أن لها نظامات يجهلها الإنسان. وهذه طائفة النمل التي ينظر إليها المرء نظرة الازدراء والاحتقار حازت من النشاط والترتيب والنظام ما يذهل العقول ويحير الأفكار. راقب سرباً من الذئاب يسير في البرية ترى له قائداً يقوده. وكل ذئب منه يسير بترتيب وراء رفيقه وكأنها كلها جنود مدربة يقودها قائد محنك. وتأمل طائفة من النمل في جدار تلق ما لقيته في سرب الذئاب من القيادة أو الزعامة والترتيب والنظام. وما يقال في الذئاب والنمل يقال في سائر الحيوانات كاسرة كانت أو داجنة وطائرة أو سابحة. ويلحق كل من يخالف النظام من تلك الحيوانات قصاص بقدر جرمه. فالذئب الذي لا يسير على سنن النظام أو يخالفه إذ يمشي سربه يرتد عليه قائد السرب ثم سائر الذئاب فتمزقه تمزيقاً. وبديهي أن هذا القصاص عند طائفة الذئاب من الحيوانات بمثابة قتل القاتل عند البشر. وكل ما يقال في الذئاب بهذا الشأن يقال في غيرها من الحيوانات. خلق الله الإنسان الأول آدم وسن له شريعة ونظاماً كما برأ تعالى الخليقة وسن لها نظامات تمشي عليها منذ البدء فقال له من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر فلا تأكل منها وهذه الشريعة أو النظام أساس شرائع الجنس البشري وقوانينه فهي أولها. وكان لجماع الآباء الأولين والشعوب القديمة شرائع ونظامات وما فتئت نظامات هؤلاء الموسويين وشرائعهم مدونة في أسفار موسى كليم الله. وتلك الشعوب والأمم التي عاصرت الموسويين وجاءت بعدهم كالكلدانيين والآشوريين والفينيقيين والحثيين والمصريين والأدوميين والكنعانيين والعرب واليونان والرومان وغيرهم كان لهم شرائع ونظامات نقلها إلينا المؤرخون القدماء كهيرودتس اليوناني الذي ولد عام ٤٨٤ ق. م وزنفو الروماني الذي ولد نحو ٣٨٠ ق. م ويوسيفوس العبراني الذي ولد عام ٣٧ ق. م وغيرهم. ولقد عني اليونانيون في أيامهم بالنظامات المدنية والشرائع الدولية. على أن الرومانيين نظموها وأتقنوها. ثم أخذت شعوب الأرض مبادئ نظامات الرومانيين وشرائعهم وفي مقدمتهم الأمة النابليونية. وزادوا عليها كثيراً وشرحوها شروحاً حسب مقتضيات المكان ومطالب الزمان. ولا يزال معظم دول المعمور ساعياً إلى سن نظامات جديدة وشرائع مفيدة ومهتماً بتحسين قوانين بلاده وحكوماته. حتى أن الصين التي استولى الانحطاط عليها قروناً أفاقت من رقادها وبدأت بضبط نظاماتها وتحسين شرائعها وسنها على مثال شرائع العالم المتمدن. وإرسال الصين البعثة المؤلفة من اثني عشر عضواً من كبار رجال الأمة الصينية ومتهذبيها في هذه الشهور الأخيرة إلى العالم الجديد وأوربا لدرس شرائع القارتين ونظاماتهما العصرية أكبر شاهد على نهضة هذه الأمة وأشهر دليل على شدة اهتمامها بنظامات بلادها وشرائع دولتها. فالنظامات المدنية والشرائع الدولية والقوانين العمرانية رافقت الإنسان منذ وجد الإنسان الأول إلى الآن. وهي ضرورية للدول ضرورة الهواء للإنسان. ولازمة للأمم والبلاد لزوم الماء للإنسان والحيوان والنبات. وليست هذه النظامات من حاجات البشر ولا هي محصورة فيهم فقط بل هي من ضروريات كل ما نراه أمامنا ووراءنا وفوقنا وتحتنا من هذه الخليقة العجيبة أو هذا الوجود الذي لا يزال موضوع بحث الباحثين من علماء غربيين وشرقيين. فلتلك الأمطار التي تهطل وتحيي الزرع والضرع والإنسان والحيوان والنبات نظامات وما تحويلها أحياناً في البلاد الباردة إلى الثلج إلا من برودة الجو. وما المضار التي تأتي منها إلا منبعثة من تلك الطوارئ الخارجية التي هي سبب من أسباب تشويش نظامها الطبيعي. لولا تلك الأهوية والرياح التي نظنها مضرة ما نمت الزروع والأشجار النمو المطلوب وما أتت بالأثمار والفوائد المنتظرة منها. فالرياح المعتدلة تقوي جذوع المغروسات والمزروعات ومتى تقوت جذوعها كثر نموها. والرياح تسبب اللقاح المعروف بلقاح المغروسات ومتى تم هذا الازدواج أو اللقاح أثمرت المغروسات. أما المضار الناشئة من الرياح الشديدة فهي من عوامل الطبيعة الخارجية. فاعتدال الرياح نظامها واختلال الرياح طوارئ خارجية تطرأ عليها فتشوش نظامها ويكون بذلك تشويش نظامها واختلاله. وتلك الأشجار الزهراء التي تتضام بعضها إلى بعض عند تموجات الهواء وتلك الزروع الخضراء الني نشاهدها تتمايس وتتعانق وتلك الرياحين الجميلة التي تنفح عبيرها وتلك الأزاهير العطرية التي يعبق شذاها هي كلها ذات نظامات طبيعية وفي نموها وجمالها ورائحتها وثمرها وقائدتها أدلة على نظاماتها التي دونت في كتاب الطبيعة العظيم. بل هذه القبة الزرقاء ونجومها وسياراتها وكواكبها كالشمس والقمر والثوابت وغيرها فإن لها نواميس طبيعية ونظامات سطرتها لها أنامل الطبيعة. ونواميس النور معروفة وهي أن النور ينبعث بالتساوي من الجسم المنير إلى الجهات كلها وأنه يسير في خطوط مستقيمة إذا اخترق وسطاً متجانس الأجزاء. وأن كثافته تنقص بقدر ما يزيد مربع بعده. أما التشويش النظامي الذي يحدث للطبيعة بسبب الطوارئ الخارجية التي تطرأ عليها فهو بمقام الاختلال النظامي الذي يعرو الشعوب والدول فيفسدها ويلحق بها أضراراً فاحشة بل يسقطها من ذروة مجدها وقمة سعدها إلى حضيض الشقاء والدمار. هذه بلاد السودان من إفريقية قد كانت قبل أن احتلتها بريطانيا العظمى مسرح الجهل ومجزر سفك الدماء وفي أقصى دركات التأخر والانحطاط والتوحش لأن النظام فيها كان معدوماً. أما اليوم فقد سنت الدولة الإنكليزية نظاماً للقطر السوداني على حسب مقتضيات العصر فساد الأمن في ربوعه وافتتحت مدارس التهذيب فأخذت تبدد غياهب الجهل من بلاده. ولا يسع الواقف على تواريخ القدماء إلا التصريح بأن كل أمة حافظت على نظامها وكل دولة سارت على سنن قوانينها وكل قبيلة اتبعت شرائع بلادها حازت مقاماً من المجد والعز والرقي وإن كل من خالف تلك النظامات من تلك الأمم والدول انقلب عزها ذلاً وهناؤها شقاءً وارتفاعها سقوطاً وتقدمها تأخراً. ولا حاجة إلى القول أن الأمة الإسرائيلية لما خالفت شرائعها ونظامها المدنية والدينية دبت في مجتمعها روح الموت الأدبي والمدني وعبث بجامعتها عابث فمزق شملها وانفصل حبلها وما المصائب والاضطهادات التي لقيتها هذه الأمة في جميع قارات العالم بل ما المذابح التي جرت على شعبها المتفرق بل ما السيف الذي عمل في رقاب كثيرين من هذا الشعب العريق في القدم أينما كان وحيثما حل في خلال القرون الخالية وفي كل قرن من القرون المتوسطة والحديثة ما خلا القرن الثامن عشر للميلاد بل ما الداعي إلى انفصام عروة اليهود على وجه البسيطة إلا بسبب مخالفتهم للنظام والشريعة. وهكذا يقال في البابليين الذين بلغت أسوار مدينتهم العظيمة ٣٠٠ قدم ارتفاعاً و ٨٧ قدماً عرضاً وبلغ محيط دائرتها ٤٨ ميلاً. فقد سقطت بيد الماديين والفرس سنة ٦٤٤ ق. م. لأنهم سكروا في عيدهم السنوي فغفلوا عن واجباتهم نحو الشريعة الدولية والنظام الأدبي فهبطوا ذلك الهبوط المريع وخسروا تلك المدينة العظيمة التي أجمع المؤرخون القدماء على أنها كانت سيدة الممالك ودرة تاج فخار الأمصار. خسر البابليون على ذاك العهد بخسارة بابلهم مائة باب مصفحة بالنحاس وخسروا هيكل بابل الذي كان ارتفاعه ٦٠٠ قدم والبحيرة الصناعية التي بلغ محيطها مائة ميل وعمقها زهاء ٣٥ قدماً. وفقدوا أيضاً الجنائن الصناعية التي جعلت طبقات بعضها فوق بعض وبلغ علوها علو البرج. دع الدور الفخيمة والقصور الشاهقة والأبنية الجميلة. والواقف على تاريخ اليونان القدماء وامتداد سلطتهم وما بلغوه من قوة السعد وعلى تاريخ الرومان وما وصلوا إليه من مناعة العز والمجد لا يرى بداً من التصريح بأن تشويش نظامهم الدولي واختلال شرائعهم المدنية كانا قاضيين على تلك السلطة وذلك المجد والسعد بالتلاشي والزوال. فحري والحالة هذه بحكام البلاد الذين تشوش نظامهم وأخذ سوس الفساد بنخر جسم مدنيتهم وعمرانهم وحقيق بالآخذين بنواصي العباد ممن استولى عليهم الرقاد أن يستيقظوا ويعتبروا في مصير تلك الدول القديمة التي درست آثارها ويتأملوا في ما فعل التشويش النظامي بالشعوب الماضية التي طمست أخبارها. وأن يتمثلوا بالدول الراقية والأمم الناهضة ويقوموا بمطالب التمدن ويلبوا نداء هذا العصر. بل جدير بكل فرد يحب شعبه ويغار على وطنه أن يحافظ على قوانين بلاده ويساعد في تأييد نظام دولته وحكامه. فمتى تحسنت شؤون الأفراد تحسنت شؤون العيال فالجماعات فالشعوب. وإذا كان الإنسان ملكاً أو مملوكاً وجيهاً أو صعلوكاً رئيساً أو مرؤوساً غنياً أو فقيراً عالماً أو جاهلاً لا يجد من نفسه دافعاً يدفعه إلى المحافظة على نظام البلاد والدول والمشاريع المدنية والعمرانية فله أمثلة مما يراه في الجهات الست من جماد ومياه وحيوانات ونباتات وأجرام ما يجعله ينادي على رؤوس الأشهاد بوجود النظام ووجوب المحافظة عليه ووجوب ضرورته للبشر ضرورة الهواء والماء والشمس والطعام للإنسان. اوماهانبراسكا (الولايات المتحدة) يوسف جرجس زخم أيتها السماء إليك تتوق أيتها السماءُ نفوسٌ قد أضرَّ بها الشقاءُ ومضتها على الأرض الرزايا واسأمها بمحبسها الثواءُ أحقيّ يا سماء مني نفوسٍ إليكِ لها إليك لها التجاءُ ترجى فيكِ بعد الموت عيشاً فوا أسفاه إن خاب الرجاءُ عدينا ثمَّ إن شئت امطلينا فإنا بالوعود لنا اكتفاءُ وإنا نحن قومٌ قد أهنا وإنا نحنُ قومٌ أبرياءُ وإنا قد عشقنا الموت لما سمعنا ذكره فمتى اللقاءُ إذا أمست حياة المرءِ داءً فليس سوى الحمام لها دواءُ يساء المرء أن يحيا سليماً ولكنَّ الحوادث لا تشاءُ وما حبّ المعيشة في ديارٍ لأحرار النفوس بها جفاءُ فلا سقياً ولا رعياً لأرضٍ تراقُ على جوانبها الدماءُ وما سلمت عليها قبل هذا من الأرزاءِ حتى الأنبياءُ انفسي إن جزعتِ من المنايا فإني منكِ يا نفسي براءُ عبدتِ الأدنياَء رجاَء دنيا حوتها بالخداع الأدنياءُ وأوردتِ الهوانَ فلم تعافي فأين تحدثي أين الإباءُ أبيني يا سماء وخبرينا بما لم ندرِ دامَ لكِ العلاءُ ولا زالت على مرّ الليالي نجومكِ يستضيءُ بها الفضاءُ هل الأرواح بعد الموت منا لها في جوك السامي بقاءُ أم الأرواح تابعةٌ جسوماً لنا تبلي فيلحقها الفناءُ فضاؤكِ هل يصيرُ إلى انتهاءٍ أم الأبعاد ليس لها انتهاءُ وحقٌّ أنَّ للأجرام حداً أم الحد الذي يعزى افتراءُ وبعد نهاية الأجرام قولي خلاءٌ في الطبيعة أم ملاءُ يحيرني امتدادك في الأعالي ويبهجني بزرقتك الصفاءُ أحبّ ضياَء أنجمك الزواهي فأحسن ما بأنجمك الضياءُ نجومكِ في دوائر سابحات يحفّ بها المهابة والبهاءُ تراءى في تحركها بطاءً وما هي في تحركها بطاءُ ولا هي في الجسامة لو علمنا ولا في بعدها عنا سواءُ أبيني يا سماءُ وخبريني وإلا دام في قلبي امتراءُ أيبقى المكثرون من الخطايا إذا ماتوا وليس لهم جزاءُ لعمرك لا تريد النفسُ هذا فما أجاني وذو التقوى بواءُ رأيت البعض يخشع للمنايا فيذكرها ويغلبهُ البكاءُ مخافة أن يلمّ الموتُ يوماً ببنيتهِ فينهدمَ البناءُ ويضرب عن وراءِ الموت صفحاً كأنَّ الموت ليس له وراءُ فإن تسأل يقل ما الموت إلا نهاية كلّ من لهم ابتداءُ إضاءتك الحياة وكنت قبلاً بليل حشو ظلمته العماءُ وجودك بعد ذاك الليل صبحٌ وهذا الصبح يعقبه المساءُ رقيت من الجماد فصرت حياً تميزهُ الدراية والذكاءُ أقول كذا ولم أزدد يقيناً بما في الأمر لو كشفَ الغطاءُ فقلت لهُ وبعض القول حقٌّ صريحٌ لم يجز فيهِ المراءُ أليسَ مركبَ الإحياءِ طراً عناصرُ أوضحتها الكيمياءُ فقال بلى فقلت لهُ أليس ال عناصر لا تحسّ ولا تشاءُ فقال بلى فقلت إذن فماذا جرى حتى استتبّ لها انتماءُ وصارت بعد في الإنسان جسماً يفكرُ عاقلاً ولهُ دهاءُ فقال السرُّ في التركيب أنَّ ال مركب قد يقوم بهِ ارتقاءُ إذا اتحدت عناصرُ في بناءٍ تغير وصفه ذاك البناءُ وجدّ لهُ خصائصُ ذات شأنٍ عناصرُ جسمهُ منها خلاءُ وإنَّ حياتنا والموت فالعم أجيجٌ في العناصر وانطفاءُ ولكنَّ التعصب في أناسٍ أضلهم الهوى داءٌ عياءُ وإفهامُ الجهول الحقَ مرّاً عناءٌ ليس يشبهه عناءُ وفي الأصل الجواهر لو علمنا قوىً منها الأثيرُ له امتلاءُ تلاقى بينها فتكون منها جواهرُ في النفار لها ولاءُ صغيرات الحجوم محقراتٌ ومنها الكائناتُ لها ابتناءُ تضمن قوتي جذبٍ ودفعٍ كما يبديهِ هذا الكهرباءُ وإنَّ الشمس والأجرام طرَّاً من الحركات ولدها السماءُ لكلّ مقولة منها إليها على الدور ابتداءٌ وانتهاء فإن برزت فذاك لها وجودٌ وإن خفيت فذاك له فناءُ سماؤك هذهِ تحوي نجوماً لأكثرها عن البصر اختفاءُ فتحسب ما يريك الليل منها شموعاً في الصباح لها انطفاءُ وما هي لو تعي إلا شموسٌ بها ليدي منوّرها اعتناءُ شموس قد أضاَء الجوّ منها وزال بها عن الكون العماءُ يصغرها بعينك حين ترنو لها بعدٌ هنالك واعتلاءُ أهمّ بأن أعد الأرض منها كواحدة فيمنعني الحياءُ فإنَّ الأرض تابعة لشمس إلى أمّ النجوم لها انتماءُ فتيهي يا سماءُ فليس شيءٌ تكونَ فيكِ عنك لهُ غناءُ فأنتِ لكلّ موجودٍ وجودٌ وأنتِ لكلّ موجودٍ وعاءُ وهذا الجوّ أنتِ لهُ امتدادٌ وهذي الأرض أنتِ لها غطاءُ وإنَّ وجود ما في الكون طراً عليكِ إذا تأملنا ثناءُ يليق يليق (ما استعليت كبراً) بشأنكِ يا سماء الكبرياءُ فقبل القبل كنت كذا سماءً ولا شمسٌ هناكَ ولا ضياءُ ستفنى الكائنات وليس إلا لوجهِ الله ثمَّ لكِ البقاءُ فقلت لهُ رعاكَ الله هذا على ما جاَء في العلم اعتداءُ فإن حقائق الأشياءِ سرٌّ خفيٌّ ما لغامضهُ انجلاءُ وأبدت قبلنا الحكماء فيها أقاويلاً فما برح الخفاءُ العراق ج. ص تاريخ علم الهندسة وكبار المهندسين كل فن من الفنون المعروفة اليوم نشأ نشوءً تدريجياً وانتقل ينمو من البسائط إلى المركبات وقد كانت مبادئ العلوم جميعها موجودة في عقول البشر وهم بعد في طور الهمجية ثم أخذت تلك المبادئ تنمو وتزيد بالاستدلال والاستقراء إلى أن انتهت في طريق تكاملها إلى الحالة التي نجدها عليها في هذا الزمان. وقد كانت الحاجة أماً للاختراع والاكتشاف وكثرة مطالب الناس في مجتمعاتهم ومقتضيات عمرانهم كانت تدعوهم إلى التوسع في ما لديهم من المعرفة وتحملهم على التجربة والقياس فوطدوا أساس العلم الذي وضعه لهم العقل ورفعوا عليه البناء الذي أنشأه لهم الاختبار حتى شخص إلى عنان السماء وأصبح اليوم يغيب البصر في بعد مداه وترامي أطرافه وقسمه القائمون به إلى فروع كثيرة اختص بكل فرع منها فريق من العلماء الأعلام وأخذوا على أنفسهم الاحتفاظ به والزيادة فيه فكان ما نراه اليوم من المعلومات في كل فن خلاصة عصور كثيرة مر بها الإنسان وعمل عقول جمة تعاقبت عليه الواحد بعد الواحد. من ذلك علم الهندسة الذي نحن في صدده في هذه المقالة التي كتبناها لقراء المقتبس ونحن على ثقة أننا لم نأت إلا على نزر من غزر ووشل من بحر من أسماء الجهابذة الأعلام الذين أنشأوا هذا الفن وتعاونوا على إبلاغه حده في هذا العصر. الهندسة علم يبحث في أوضاع الخطوط المستقيمة والمنحنية وفي الزوايا والسطوح والأجسام مع النسب التي بين المقادير وهي أقسام منها الهندسة البسيطة للسطوح والمجسمات وهي تبحث في صفات الخطوط القياسية والسطوح المستوية مع ما تحيط به من الأجسام وينطوي فيها أبحاث الخطوط والزوايا والمثلثات والمضلعات والدائرة والكرة مع الأجسام المحاطة بسطوح قياسية مثل المكعبات والأهرام وغيرها. والهندسة العالية وهي التي تبحث في المنحنيات الحاصلة من قطع المخروط والأشكال الشلجمية والذهلولية. ومنذ عهد غير بعيد ارتقت الهندسة العالية ارتقاءً باهراً وتفنن العلماء في إدخال الطرق الجبرية لحل القضايا الهندسية وتوسيع ما يعرف عندهم اليوم بالهندسة الحلية أو التحليلية. ومن أقسام هذا الفن الهندسة الوصفية أو الرسمية وهي عبارة عن توسع في معالجة الأظلال العمودية أو المرتسمات الهندسية ورسم أشكال الأجسام على السطوح المستوية وهذا القسم من الهندسة يحتاج إليه كثيراً في صناعة البناء وإقامة القباب والجسور وغيرها. قال الحكيم فانديك في أحد كتبه الهندسة قسم من التعليميات موضوعة المقدار وهو كمٌّ ذو امتداد أي كل ما له واحد من ثلاثة أشياء وهي الطول والعرض والعمق ويقال لها الأبعاد الثلاثة. ولذلك يكون كل من الخط والسطح والمجسم مقداراً دون الحركة فإنها وإن كانت كماً لا تعد مقداراً إذ ليس لها شيءٌ من الأبعاد المذكورة وهو تعريف محكم لهذا الفن اخترنا إلحاقهُ إلماماً بأطراف البحث. قلنا أن الهندسة مثل غيرها من العلوم بدأت بالبسائط وتدرجت إلى المركبات ومدارها أوليات بسيطة وحقائق مدركة بالبداهة مثل قولهم الكل أعظم من جزئه والأشياء المساوية لشيءٍ واحد هي متساوية والكل يساوي مجموع أجزائه وأمثال هذه من الحقائق المفهومة بدون برهان وغير المفتقرة إلى إقامة الدليل. وهذه الأوليات هي أساس فن الهندسة وعليها مداره وهي قد أدركها الإنسان منذ ظهوره وانسلاخه عن العهد الحيواني. وأول رجل استعان بشبره أو بقدمه أو بإصبعه أو بذراعه أو بباعه أو بقامته أو بخطوته أو بسهمه أو بنشابة تناولها من الأرض وقاس بها طول طريقه أو عرض كهفه أو محيط جذع شجرته أو ارتفاع جداره يكون هو المهندس الأول الذي ظهر بين الناس. وكما يستحيل علينا اليوم أن نعرف البادئ بعلم الحساب وواضع الأعداد وقواعدها الأولى كذلك يستحيل أن نعرف البادئ بالقواعد الهندسية ونكتفي بالقول أنها وجدت منذ وجد العقل ونمت معه مصاحبة لنمو العمران وارتقاء تمدن الإنسان. ويرجح الباحثون أن المصريين هم أول قوم دققوا في المقاييس وعينوا بعض الأشكال الهندسية مثل المربع والمثلث والدائرة ومسحوا الأرض ودونوا في أطوالها وعروضها جداول وسجلات حفظت في دار الملك ورجع الناس إليها عند الحاجة. وذلك أنهم كانوا في أول أمرهم يقسمون الحقول بينهم ويقيمون عليها تخوماً من الطين فيعدو عليها النيل عند فيضانه ويذهب بها فتضيع الحدود والفواصل ويضل الفلاحون أرضهم فدعا رعمسيس الثاني في القرن الرابع عشر قبل الميلاد جماعة العلماء وأمرهم بالتفتيش عن طريقة يخلصون معها من هذا الارتباك وتكفيهم شر المنازعة على التخوم كل سنة فمسحوا الحقول المستثمرة ووضعوا قواعد مسح المربع والمستطيل من السطوح واستخدموا الزوايا والأقواس في تعيين الحدود وإقامة الفواصل وألفوا كتباً وقسموا الأرض على موجبها وفرضوا الجزية بحسبها وجرت دولة المصريين على ترتيبهم عهداً طويلاً. وقبل عهد رعمسيس كان المصريون قد عمروا الأهرام وشيدوا الهياكل والأبنية الضخمة على أصول هندسية أدركوها بالتجربة والعقل وجروا عليها في الأعمال غير أنهم لم يجعلوها فناً ولا كتبوا فيها شيئاً انتهى إلى المنقبين في هذا العصر. وعلى هذا النمط جرى الكلدان بين النهرين في بناء القصور وإقامة الآثار التي مازال بعضها ماثلاً إلى هذا اليوم. قال هيرودتس أن منشأ علم الهندسة كان في مصر وذلك يوم جعل سيزوستريس أو رعمسيس الثاني المزارعة دورية بين الفلاحين فاضطر الناس في مثل هذه الحالة إلى مساحة السطوح المستطيلة والمثلثة والمستديرة لأجل تعيين الحدود بين الحصص في أرض لا يوجد فيها شيءٌ من التخوم والفواصل الطبيعية كالصخور والمسايل والرجم والسدود وغيرها وأكد أرسطوطاليس هذا القول بأن العلوم الرياضية نشأت في مصر. هذا وإن كان المصريون والكلدان بدأوا بوضع القواعد الهندسية إلا أنهم لم يتجاوزا فيها القدر الذي دعتهم إليه أحوال معيشتهم في مسح الأرض وتشييد الهياكل ومراقبة النجوم لمعرفة الأوقات مما له دخل في زراعتهم وعبادتهم وبقوا واقفين عند هذا الحد حتى ظهر اليونان ومدوا يدهم إلى كل جرثومة من جراثيم التمدن والعلم في الشرق فأخذوها ونمت على أيديهم نمواً عجيباً فوسعوا أطراف الهندسة ورفعوها إلى منزلة جديرة بالاعتبار وبسطوا قواعدها واكتشفوا فيها الأسرار العميقة وألفوا الكتب المطولة بالأقسام والأبواب حتى صار فن الهندسة يصف بين أرفع العلوم شأناً وأجلها قدراً. وأبعد مهندسي اليونان عهداً ممن انتهى إلينا خبرهم طاليس الفيلسوف أحد الحكماء السبعة ( ٦٣٩ _ ٥٤٨ ق. م) نزل مصر ودرس المعروف عند علمائها وكهنتها من مبادئ الهندسة وقاس ارتفاع الأهرام بواسطة أظلالها وحمل العلم إلى اليونان حيث رجع وأسس المدرسة الأيونية جاعلاً الهندسة أحد الفنون القانونية فيها فقرأه عليه عدد كبير من طلاب الحكمة ومحبيها ونبغ فيه بعضهم وهو الذي اكتشف أكثر القضايا في المثلث متساوي الساقين وخواص الزوايا المحيطية في الدائرة وقضايا المثلثات المتشابهة فكان أول من جعل لهذا الفن حلقة تدريس خاصة به وجمع الأشتات المعروفة منه ولقنها الطلبة وفتح باباً لمن بعده إلى الاكتشاف والزيادة. أوسع تلاميذه فضلاً وأسيرهم شهرة فيثاغورس الفيلسوف الذي ولد سنة ٥٧٠ قبل الميلاد ورحل إلى مصر متشبهاً بأستاذه بعد أن طاف أكثر بلدان الشرق ثم رجع إلى جنوبي إيطاليا وأسس مدرسة صار لها شأن عظيم في تاريخ التمدن. وهو الذي أثبت عدم التناهي في قياس قطر المربع بالنسبة إلى ضلعه وأثبت القضية المشهورة في أن مربع وتر المثلث قائم الزاوية يساوي مجموع مربعي القاعدة والعمود ويذهب بعضهم إلى أن هذه القضية كانت معروفة عند المصريين قبل زمن فيثاغورس والصحيح أنه أول من أقام عليها البرهان الهندسي. واكتشفت عدة قضايا في الأشكال والأجسام القياسية والمضلعات التي محيطاتها متساوية وهو أول من جعل الهندسة فناً استقرائياً. وقام بعد فيثاغورس عدد عديد من علمائهم صرفوا اهتمامهم في كشف القضايا وإقامة البرهان عليها منهم اناكساغورس المتوفى سنة ٤٣٠ ق. م وهو أول مهندس جر على من بعده ويلاً كبيراً وحملهم عبثاً ثقيلاً بتفطنه إلى تربيع الدائرة وصرف القسم الأعظم من وقته في حل هذه المشكلة التي تعاصت عليه وعلى من أتى بعده إلى يومنا هذا والغرض من تربيع الدائرة هو رسم مربع بطريقة هندسية تساوي مساحته مساحة دائرة مفروضة فمات رحمه الله وأوصى من يعقبه في علم الهندسة بإكمال العمل الذي بدأ به فصرفت الأيام والشهور والسنون والمعضلة في مكانها كلما زادوها احتفاءً زادتهم إبهاماً وخفاءً حتى أدركوا في العصور الأخيرة أنهم يطلبون الأبلق العقوق كما أدرك كيميو الأقدمين أن حجر الفلاسفة لا ينال. قال الحوراني في رثاء أستاذه الرياضي الشهير المرحوم ميخائيل مشاقة: والصبرُ عزَّ على الجميع كأنه تربيعُ دائرةِ ورسمُ مسبع ومنهم اينوبيدس مكتشف طريقة رسم العمود ورسم زاوية مساوية لزاوية مفروضة ومنهم هبوقراط الرياضي المولود سنة ٤٥٠ ق. م الذي تقبل مثال صاحبه في الاشتغال بتربيع الدائرة. وهو أول من اشتغل بالبحث في مسح السطوح المحاطة بخطوط منحنية فاكتشف طريقته لتربيع الأهلة المعروفة عند المهندسين بأهلة هبوقراط والتي جعلت أساساً لمسح السطوح المنحنية وهي أنك إذا رسمت على كل من الوتر والضلعين في المثلث قائم الزاوية نصف محيط إلى جهة رأس القائمة فمساحة الهلالين الحادثين من تقاطع المحيطات ناؤه ٢ / ٣ ١ . ٢٥٩٩٢١ وإذا كان ضلع الصغير أربع أقدام كان ضلع الكبير ٣ / تساوي مساحة المثلث. ومسح أيضاً أهلة أخرى بطرق متعددة جميعها قاصرة على انطباقها على الأهلة دون سائر السطوح المكتنفة بالخطوط المنحنية. وعرضت عليه قضية تضعيف المكعب التي كانت شغل الرياضيين الشاغل في ذلك العصر. ذلك أن الطاعون تفشى في جزيرة ديلوس وثقلت وطأته حتى أعيت به حيلة السكان ولم يطيقوا معه مقاماً فلجأوا إلى هاتف أبولون في تلك الجزيرة وسألوه عن الوسيلة لانكشاف الوباء عنهم فأشار عليهم بأن يجعلوا المذبح المكعب الذي في هيكله مضاعفاً في حجمه ففعلوا في الحال بأن زادوا على المذبح ما يساويه مقداراً وأقاموا ينتظرون انفراج الأزمة فما ازداد الوباء إلا فتكاً ولم يجدهم التوسل نفعاً فعادوا إلى الهاتف فأجابهم أن أبولون يريد أن يبقي المذبح مكعباً في شكله مع إضافة مقدار جرمه إليه. فوقع القوم في ارتباك وحاروا في حل هذه القضية ثم عرضوها على العلماء الراسخين في ذلك الزمان فلم يوفقوا إلى معرفة طول ضلع المكعب المطلوب ليكون حجمه مساوياً لضعفي حجم المذبح وأربكتهم المسألة كما أربكت كثيرين بعدهم من الرياضيين أصحاب الشهرة وطول الباع وقد عرضت على أفلاطون فعجز عنها ولجأ إلى المغالطة والسفسطة في إثباتها. ولم يقم رياضي بعد ذلك العهد إلا ضرب رأسه بها وحاول حلها فأعجزت جميعهم حتى أفضى أمرها أخيراً إلى ديكارت في القرن السابع عشر فمثلها بالشكل الشلجمي من قطع المخروط وبالدائرة متقاطعين وأثبت أن حلها بالخطوط والدوائر مستحيل. أما بالأعداد فهي من أبسط المسائل التي يعرفها المبتدئون لا تزيد عن استخراج الجذر الكعبي فإذا كان ضلع المذبح الصغير قدماً وجب أن يكون ضلع المذبح المطلوب ١٢٨ . ثم ظهر أفلاطون ( ٤٣٠ _ ٣٤٧ ق. م) وبعد أن أقام في مصر زماناً وأخذ العلم عن كهنتها عاد فوقف على المذاهب الفيثاغورية وأعلن اهتمامه وعنايته بعلم الهندسة فكتب على باب مدرسته لا يدخلها إلا من كان محباً للهندسة وكان يدعو الله سبحانه المهندس الأزلي. وهو أول من بحث في القطوع المخروطية وهو صاحب الرأي المتعلق بالنقط والأوضاع الهندسية وأتلف جزءً كبيراً من وقته في الاشتغال بقضية تضعيف المكعب فعجز عن حلها بالإثبات الهندسي ولكنه اهتدى إلى طريقة عملية وأصر على أنها إخراج صحيح للمسألة وهي ليست كذلك. هذه القضية جرها هاتف أبولون على العلم والعلماء فذهبت بأثمن الساعات وأرفعها قدراً بدون أن تأتي بفائدة لأصحابها غير أنهم اهتدوا وهم يعالجونها إلى حل عدة قضايا هندسية واكتشاف عدد كبير من القواعد والحقائق الرياضية حتى أن أفلاطون تدرج منها إلى وضع أساس الهندسة التحليلية لأنها هي التي جرته إلى استخدام الجبر والحساب في الهندسة كما جرت غيره إلى وضع مقدمات مسهبة وتأليف رسائل مطولة تمهيداً لحلها وتذرعاً إلى بابها. ولا يخطر لي الآن أن علم الهندسة استفاد من الدين في غير هذه المرة. (البقية تأتي) الحياة كم ساعة آلمني مسها وأزعجتني يدها القاسية فتشت فيها جاهداً لم أجد هنيهة واحدة صافية وكم سقتني المرّ أخت لها فرحت أشكوها إلى التالية فأسلمتني هذه عنوة لساعة أخرى وبي ما بيه ويحك يا مسكين هل تشتكي جارحة الظفر إلى ضارية حاذر من الساعات ويل لمن يأمن تلك الفئة الطاغية وإن تجد من بينها ساعة جعبتها من غصص خالية فالهُ بها لهو الحكيم الذي لم ينسه حاضره ماضيه وامرح كما يمرح ذو نشوة في قلةٍ من تحتها الهاوية فهي وإن بشت وإن داعبت ختالة قتالة عادية عناقها خنق وتقبيلها كما تعض الحية الباغية هذا هو العيش فقل للذي تجرحه الساعة والثانية يا شاكي الساعات اسمع عسى تنجيك منها الساعة التالية المعنى مأخوذ من المثل الفرنسي المشهور وترجمته آه لو يعلم الشباب وآه لو يقدر المشيب. لم يدر طعم العيش شبا ن ولم يدركه شيب جهل يضلُّ قوي الفتى فتطيش والمرمى قريب وقوى تخور إذا تشبث بالقوي الشيخ الأريب بينا يقال كبا المغفل إذ يقال كبا اللبيب أوّاه لو عقل الشباب وآه لو قدر المشيب القاهرة إسماعيل صبري صحف منسية حكم ابن المقفع ظفرت في دار الكتب الخديوية بالقاهرة برسالة في الحكم من تأليف ابن المقفع ولعلها رسالته المشهورة في الأدب كتبها علي بن أحمد الحلبي سنة ٨٤٤ هـ وقال في آخرها أنها كتاب الأدب الصغير وذكر في أولها أنها كتبت برسم خزانة المقر الأشرف الكريم العالي الجمالي ناظر الخواص الشريفة بالممالك الإسلامية عظم الله شأنه وصانه عما شأنه. ومعلوم أنه لم يطبع حتى الآن لابن المقفع سوى كتاب كليلة ودمنة ورسالة الدرة اليتيمة. قال القفطي في ترجمة ابن المقفع ما نصه: كان فاضلاً كاملاً وهو أول من اعتنى في الملة الإسلامية بترجمة الكتب المنطقية لأبي جعفر المنصور وهو فارسي المنسب ألفاظه حكمية ومقاصده من الخلل سليمة ترجم كتب أرسطوطاليس المنطقية الثلاثة وهو كتاب قاطيغورياس وكتاب باري ارمينياس وكتاب انالوطيقا وذكر أنه ترجم اسياغوجي تأليف فرفوريوس الصوري وغيره وترجم ذلك بعبارة سهلة وترجم مع ذلك الكتاب الهندي المعروف بكليلة ودمنة وله تواليف حسنة منها رسالته في الأدب والسياسة ورسالته المعروفة باليتيمة في طاعة السلطان. وإليك الرسالة كما هي في الأصل: بسم الله الرحمن الرحيم قال عبد الله بن المقفع رحمه الله تعالى: عمل البر خير صاحب. أحق ما صان الرجل أمر دينه. الآلف للدنيا مغتر. من ألزم نفسه ذكر الآخرة اشتغل بالعمل. المغبون من طلب ثواب الآخرة في الدنيا. القلب أسرع تقلباً من الطرف. أحسن العفو ما كان عن عظيم الحرم. الاعتراف يؤدي إلى التوبة. الإصرار وعاءٌ للذنوب. الجواد من بذل ما يضنُّ به. المتكلف لما لا يعنيه متعرض لما يكره. الفكر مفتاح القلب. الاستماع أسلم من القول. كمون الحقود ككمون النار في العود. أكرم الأخلاق التواضع. التواضع يورث المحبة. الكبر مقرون به سوء الظن. من عذب لسانه كثر إخوانه. من استبعد الآخرة ركن إلى الدنيا. سرور الدنيا كأحلام النائم. المغبون من طلب الدنيا بعمل الآخرة. المصيبة العظمى الرزية في الدين. سرور الدنيا مخوف المغبة. من أهلك نفسه في مرضاة غيره عظمت جنايته. أنفع الكنوز العمل الصالح. أحقُّ الناس بالبر أعلمهم بالعاقبة. من أبصر العاقبة فآثرها أمن الندامة. الوالي من وزرائه بمنزلة الرأس في أعضائه. من عرف ثمار الأعمال كان حقيقاً أن لا يغرس مراً. أهن دنيا بائدة تستكمل كرامة. أبقي الجروح مضضاً جرح الآثام. ائت إلى الناس ما تحب أن يؤتى إليك. استصغر المشقة إذا أدت إلى منفعة. رأس البر الورع. اطلب الرحمة بالرحمة. خير الأعمال ما دبر بالتقوى. بالحزم يتم الظفر. من أحب التزكية تعرض للضحكة. الدنيا نوم نائم والدولة حلم حالم. من سالم الناس ربح السلامة ومن تعدى عليهم كسب الندامة. بادر لعمل الخير إذا أمكنك. من حصن سره أمن ضرر ذلك. الدنيا قد تدرك بأجهل كما تدرك بالعقل. أحسن العمل الصالح ما كان بصدق النية. خسر من أنفق حياته في غير حقها. طوبى لمن ترك دنياه لآخرته. من الحق على السلطان رفع ذي الفضيلة وأن يسد فاقته. لا تحمد نفسك على ما تركت من الذنوب عجزاً. والرسول يعرف قدر المرسل. رفق الرسول يلين القلب الصعب. لا رأي لمن انفرد برأيه. من ترك رأي ذي النصيحة اتباعاً لما يهوى استوخم العاقبة. المشاورة أوثق ظهير. المستشار مؤتمن. اعتبر عقل الوالي بإصابته موضع أصحابه. من صحب السلطان لم يزل مروعاً. كثرة أعوان السوء مضرة بالعمل. بالحزم يتم الظفر. بأصالة الرأي تظفر بالحزم. استوجب الطاعة من ذوي الرأي بالمودة الصنيعة عند الملك. (كذا) الحازم من استمسك برأي الحزمة من ذوي الرأي. لا صلاح لرعية واليها فاسد. خير مستفاد الهدى. أكثر محادثة من يصدقك عن عيوبك. حلية الملوك وزراءهم. أكمل النصحاء من لم يكتم صاحبه نصيحة وإن استقلها. فساد الوالي أضر بالرعية من جدب الزمان. استعن بالصمت على إطفاء الغضب. لا تجنين على نفسك عداوة وبغضة اتكالاً على ما عندك من العمل والقوة والمنعة. كن في الحرص على معرفة عيبك بمنزلة عدوك في معرفة ذلك. البصير من عرف ضره من نفعه. (التواضع يورث المحبة. أكرم الأخلاق التواضع. الكبر مقرون به سوء الظن) ربما تحولت البغضاء مودة والمودة بغضاء. قرب الصالحين داع للصلاح. أحسن العفو ما كان عن عظيم الجرم. المال عون قويٌ على المروءة وإنفاقه مهلكة للمروءة. من عدم ماله أنكره أهله. خير الملوك من يرى أنه لا يضبط ملكه إلا بالعدل بين رعيته وأضيعهم الفظُّ المتهاون. لا تغتر الأقوياء بفضل قوتهم على الضعفاء. الضعيف المحترس من العداوة أقرب إلى السلامة من القوي المغتر. أخوف الأحقاد أحقاد الملوك. أبصر الوزراء من بصر صاحبه عيبه بالأمثال. من قلَّ كلامه حمد عقله. من عرف قدره قلَّ إفراطه. احسن والدولة لك يحسن إليك والدولة عليك. (كمون الحقود ككمون النار في العود) من حرم العقل رزئ دنياه وآخرته. آفة العقل العجب. الهمُّ مرض العقل. احذر صولة اللئيم إذا شبع. احسن المدح أصدقه. الإحسان يقطع اللسان. مطبوعات ومخطوطات  كتاب المعجب في الناس من يحكمون على الأشياء بظواهرها وعلى كليات الأمور بجزئياتها فيأخذون من الغلط صواباً ومن الباطل حقيقة ويا ليتهم ما استنتجوا ولا استنبطوا. عادة يكفي في وصف قبحها بأنها تخلط بين الحق والباطل والصدق والكذب. ولقد كنت استحلي من بعض أهل العلم تأففه من سماع الاستنباط في الأخبار علماً منه بأن صحة البرهان تكاد تكون مفقودة في الأمة فكان شأنه إذا قصَّ عليه أحد قصة أن يشير إليه بترك الاستنباط وأن يكتفي بذكر نبأه مجرداً عن الشروح والحواشي وحواشي الحواشي. ومن سوء الاستنتاج أو الاستنباط دعوى بعضهم أن سوق الشعر لما راجت في الأندلس كانت السبب في زوالها وتبديد شمل أهلها لتشاغل القوم به عن الذود عن حياضهم. والظاهر أن القائل بهذا القول طالع بعض كتب التراجم وفيها شيءٌ من الشعر للمترجم بهم فظنَّ أن هذه العناية بالقريض سلبت من النفوس الاستقلال ونزعت منها قوة الإرادة وأغرقتها في بحور الترف والسرف وفاته أن الشعب في تلك البلاد كان في أخلاقه وعلمه وقت زوال ملكه أحسن من كثير من الشعوب الباقية اليوم وأن ملوكهم هم الذين يبوءون بالتبعة وأحق باللوم والتعنيف. نعم كان للقوم غرام أيامئذ بالشعر والأدب لأنهما وسيلة إلى العلوم كافة حتى قيل عن المعتمد بالله بن عباد الأندلسي أنه كان لا يستوزر وزيراً إلا أن يكون أديباً شاعراً حسن الأدوات فاجتمع له من الوزراء الشعراء ما لم يجتمع لأحد قبله ولم يكن الشعر هو القاضي على تلك المملكة وإنما هو اختلاف كلمة المتغلبين ووجودهم وسط أعداء أشداء يسعون كل يوم إلى تأييد سلطانهم والنيل من عداتهم والأخذ بالقديم من ثاراتهم على حين كان أمراء الطوائف بالأندلس لاهين ساهين همة أحدهم كأس يشربها وقينة تسمعه ولهو يقطع به أيامه وبلغ من تخاذل ملوك الأندلس وتواكلهم إن كان ملوك النصارى يأخذون الإتاوة من ملوكها قاطبة يدفعونها إليهم في حين ضعفهم عن يد وهم صاغرون. ولما تمكن حب الأثرة من جوانحهم أخذ أحدهم يلتجئ إلى عدوه الإفرنجي ليعينه على أخيه وأبيه. ولذا كان العقلاء يتنبأون بذهاب الأندلس عن حكم المسلمين قبل سقوطها بزهاء قرنين ومن هؤلاء الرجال عبد الرحمن بن خلدون شيخ فلاسفة العمران. على أن فتح الأندلس كان من الغلطات التي جرت على الأمة وبالاً كان في الوسع تحاميه. بيد أن الغلط في فتح هذه البلاد كان باعثاً على ظهور إبداع العرب وفضل ذكائهم في الغرب فحمل ذاك الشعب المبذعر البائد لجيرانه من الأوربيين نموذجاً من الحضارة والعلم. وإني لأحمد الله على أن أرانا دوراً سقطت فيه كلمة الممخرقين والسفسطائيين فطبع من كتب الأسلاف ما سهل الوقوف على حقائقهم وأخبارهم ومن جملتها كتاب المعجب في تلخيص أخبار المغرب لمحيي الدين أبي محمد عبد الواحد بن علي المراكشي طبعه في ليدن أحد علماء المشرقيات العلامة دوزي الهولندي صاحب كتاب المسلمون في إسبانيا المكتوب باللغة الفرنسية وناشر كثير من مؤلفات الأندلسيين كما طبعه طبعة ثانية غيره من علماء المشرقيات. لم أعثر لمؤلف المعجب على ترجمة وإنما قال عن نفسه في كلامه على مراكش وبهذه المدينة أعني مراكش مسقط رأسي وهي أول أرض مس جلدي ترابها وكان مولدي بها لسبع خلون من ربيع الآخر سنة ٥٨١ في أول أيام أبي يوسف يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن ابن علي ثم فصلت عنها وأنا ابن تسعة أعوام إلى مدينة فاس فلم أزل بها إلى أن قرأت القرآن وجودته ورويته عن جماعة كانوا هناك مبرزين في علم القرآن والنحو ثم عدت إلى مراكش فلم أزل متردداً بين هاتين المدينتين ثم عبرت إلى جزيرة الأندلس في أول سنة ٦٠٣ فأدركت بها جماعة من الفضلاء من أهل كل شأن فلم أحصل بحمد الله من ذلك كله إلا معرفة أسمائهم وموالدهم ووفياتهم وعلومهم وانفردوا دوني بكل فضيلة ولا مانع لما أعطى الله ولا معطي لما منع يختص برحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم. وهذا الكتاب هو كما وصفه مؤلفه: أوراق تشتمل على بعض أخبار المغرب وهيئته وحدود أقطاره وشيءٍ من سير ملوكه وخصوصاً ملوك المصامدة بني عبد المؤمن من لدن ابتداء دولتهم إلى سنة ٦٢١ ينضاف إلى ذلك نبذة من ذكر من لقيه المؤلف أو لقي من لقيه أو روى عنه بوجه ما من وجوه الرواية والشعر والعلماء وأنواع أهل الفضل ومن الوجوه التي ذكرها لمن قدم له كتابه عذر في غاية اللطف وإن كان في غنية عنه إلا وهو قوله ضعف عبارة المملوك وغلبة العي على طباعه فمهما وقع في هذا الإملاء من فتور لفظ أو إخلال بسرد فهو خليق بذلك على أن عبارة الكتاب في الغاية جزالة وبلاغة شأن معظم ما أثر عن الأندلسيين. حدد المؤلف أولاً جزيرة الأندلس أجمل تحديد مندمج واضح وذكر خبر فتحها وأتى بأجمع تفصيل لأخبارها وسير ملوكها ومن كان فيها من الفضلاء وذكر هناك حديثاً ضعيفاً في فضل الأندلس وهو في معنى الأحاديث التي يرويها أهل كل بلد من بلاد الإسلام في فضل بلدهم وقال أن معظم ما يروى من هذا القبيل فيه نظر. وأحسن بأن عدَّ من جملة فضائل الأندلس أنه لم يذكر قط أحد على منابرها من السلف إلا بخير إشارة إلى أن بني مروان وإن استولوا على تلك البلاد بعد سقوط دولتهم في المشرق بأيدي العباسيين لم يعمدوا ثمت إلى لعن أحد على منابرها كما جروا مع الخليفة الرابع نحو ألف شهر. أوجز المؤرخ في ذكر الأمويين لأنه لم يضع كتابه لذكر أخبارهم وإنما أورد طرفاً مجملاً منها حباً بتسلسل الحوادث وعني بذكر دولة المصامدة خاصة فلم يصف عبد الرحمن الداخل بأكثر من قوله: (فلم يزل مستتراً يتنقل في بلاد المرغب حتى دخل الأندلس ودخلها حين دخلها طريداً وحيداً لا أهل له ولا مال فلم يزل يصرف حيلته ويسمو بهمته والقدر مع ذلك يوافقه إلى أن احتوى على ملكها وملك بعض بلاد العدوة وكان أبو جعفر المنصور إذا ذكر عنده قال ذاك صقر قريش وكان عبد الرحمن بن معاوية من أهل العلم وعلى سيرة جميلة من العدل. وبعد فلو اعتدل المترجمون في ذكر مترجميهم إلى هذا الحد لما احتاج المطالع في تمحيص الحقائق إلى روية زائدة ولسقط كثير ممن تلتمس بركاتهم ويترضى عنهم كلما ذكروا. وقال في هشام بن عبد الرحمن أنه كان حسن السيرة متحرياً للعدل يعود المرضى ويشهد الجنائز ويتصدق بالصدقات الكثيرة وربما كان يخرج في الليالي المظلمة الشديدة المطر ومعه صرر الدراهم يتحرى بها المساتير وذوي البيوتات من الضعفاء ولم يزل هذا مشهوراً من أمره وذكر ولده الحكم بن هشام الملقب بالمرضي بأنه طاغ مسرف وله آثار سوءٍ قبيحة قال (وفي أيامه أحدث الفقهاء إنشاد أشعار الزهد والحض على قيام الليل في الصوامع أعني صوامع المساجد وأمروا أن يخلطوا مع ذلك شيئاً من التعريض به مثل أن يقولوا يا أيها المسرف المتمادي في طغيانه المصر على كبره المتهاون بأمر ربه أفق من سكرتك وتنبه من غفلتك وما نحا هذا النحو فكان هذا من جملة ما هاجه وأوغر صدره عليهم وكان أشد الناس عليه في أمر هذه الفتنة الفقهاء وهم الذين كانوا يحرضون العامة ويشجعونهم إلى أن كان من أمرهم ما كان). يقسم المعجب إلى قسمين طبيعيين ينتهي الأول بقيام محمد بن تومرت صاحب دولة الموحدين وينتهي القسم الثاني بسنة ٦٢١ ففي القسم الأول خلا التاريخ السياسي تراجم كثير من أهل السياسة والعلم والأدب. وتراجم المشاهير هي في الحقيقة تاريخ السياسة. فممن ذكرهم من أهل العلم أبو محمد بن حزم وأورد له قطعة من شعره ومما قاله في رجل تمام أتمُّ من المرآة في كل ما درى وأقطع بين الناس من قضب الهند كأن المنايا والزمان تعلماً تحيله في القطع بين ذوي الود وذكر ابن عبدون وابن وهبون القائل قلَّ الوفاءُ فما تلقاهُ في أحد ولا يمر لمخلوق على بال وصار عندهم عنقاءُ مغربة أو مثل ما حدثوا عن ألف مثقال وترجم ابن زيدون وابن عمار وقد أورد له من قصيدة بيتاً لم يسمع لمتقدم ولا لمتأخر بمثله وهو السيف أفصح من زياد خطبة في الحرب إن كانت يمينك منبراً وألمَّ بذكر ابن اللبانة الذي أكثر من رثاء المعتمد على الله وقد حبسه صاحب مراكش باغمات واستلب منه ملكه وقتل ولده ومما قاله ابن اللبانة في المعتمد والدهر في صبغة الحرباء منغمس ألوان حالاته فيها استحالات ونحن من لعب الشطرنج في يده وربما قمرت بالبيدق الشاة وأطال المؤلف في ترجمة ابن عمار وأجاد لأنها دالة على حالة سياسية وقد يورد من الأشعار أرقها وأعذبها ويعتذر بأنه خالف الغرض الذي فرضه على نفسه من الاختصار كل مرة بأسلوب. ولابن عمار لما حبسه المعتمد (قصائد لو توسل بها إلى الدهر لنزع عن جوره أو إلى الفلك لكف عن دوره فكانت رقىً لم تنجع ودعوات لم تسمع وتمائم لم تنفق) فمنها قوله: سجاياك إن عافيت أندى وأسجح وعذرك إن عاقبت أجلى وأوضح وإن كان بين الخطتين مزية فأنت إلى الأدنى من الله تجنح حنانيك في أخذي برأيك لا تطع عداي ولو أثنوا عليك وأفصحوا إلى أن يقول: وماذا عسى الواشون أن يتزيدوا سوى أن ذنبي واضح متصحح نعم لي ذنبٌ غير أن لحمله صفاة يزلُّ الذنب عنها فيسفح عليك سلام كيف دار به الهوى إليّ فيدنو أو عليَّ فينزح ويهنئه إن مت السلو فإنني أموتُ ولي شوق إليه مبرح وبين ضلوعي من هواه تميمة ستنفع لو أن الحمام يجلحُ وأطال صاحب المعجب أيضاً في نقل رسائل ابن عبدون وهي في الغاية جزالة ورشاقة وشعره الجيد المنسجم وهو صاحب القصيدة التي يقول في أولها الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاءُ على الأشباح والصور وكان ابن عبدون (أديب الأندلس وإمامها وسيدها في علم الآداب) ومن شعره لاح المشيب على رأسي فقلت لهُ الشيب والعيب لا والله ما اجتمعا يا ساقي الكأس لا تعدل إلي بها فقد هجرت الحميا والحميم معا ومنه إني نظرت إلى المرآة إذ جليت فأنكرت مقلتاي كل ما رأتا رأيت فيها شييخاً لست أعرفه وكنت أعرف فيها قبل ذاك فتى ومن لطيف الشعر ما رواه لأبي عمر القسطلي من شعراء الطبقة الثالثة في الأندلس - قال أبو منصور الثعالبي في اليتيمة القسطلي عندهم كأبي الطيب بصقع الشام - يمدح بها أبا علي القالي: من حاكم بيني وبين عذولي الشجو شجوي والعويل عويلي أقصر فما دين الهوى كفر ولا اعتد لومك لي من التنزيل عجباً لقوم لم تكن أذهانهم لهوى ولا أجسادهم لنحول دقت معاني الحب عن إفهامهم فتأولوه أقبح التأويل في أي حاجة أصون معذبي سلمت من التعذيب والتنكيل إن قلت في عيني فثم مدامعي أو قلت في قلبي فثم غليلي ومما ارتجله أبو عمر في بعض مجالسه أجد الكلام إذا نطقت فإنما عقلُ الفتى في لفظه المسموع كالمرءِ يختبر الإناَء بصوته فيرى الصحيح به من المصدوع ولما ملك أمير المسلمين يوسف جزيرة الأندلس وكان صاحب المغرب الأقصى وضخم سلطانه واستحق اسم السلطنة وتسمى هو وأصحابه بالمرابطين وانقطع إليه (من الجزيرة من أهل كل علم فحوله حتى أشبهت حضرته حضرة بني العباس في صدر دولتهم واجتمع له ولابنه من أعيان الكتاب وفرسان البلاغة ما لم يتفق اجتماعه في عصر من الأعصار فممن كتب لأمير المسلمين كاتب المعتمد على الله أبو بكر المعروف بابن القصيرة) (كان على طريقة قدماء الكتاب من إتيان جزل الألفاظ وصحيح المعاني من غير التفات إلى الأسجاع التي أخذها متأخر والكتاب اللهم إلا ما جاء في رسائله من ذلك عفواً من غير استدعاء) وذكر غيره مثل ابن عبدون وأورد له بعض رسائله التي كتبها عنه وهي مسجعة منمقة كما كان أورد له طرفاً صالحاً من شعره. قال ولم يزل حال أمير المسلمين من أول إمارته يستدعي أعيان الكتاب من جزيرة الأندلس وصرف عنايته إلى ذلك حتى اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك كأبي القاسم بن الجد المعروف بأن القبطرنة وأبي عبد الله محمد بن أبي الخصال وأخيه أبي مروان وأبي محمد عبد المجيد بن عبدون المذكور آنفاً في جماعة يكثر ذكرهم وكان من أنبههم عنده وأكبرهم مكانة لديه أبو عبد الله محمد بن أبي الخصال) وهنا نقل المؤلف شيئاً من رسائل هذا وبها انتهى القسم الأول باختلال أحوال المرابطين واستبدادهم بالأمر حتى خرج عنهم. يبتدئ القسم الثاني من هذا الكتاب بقيام محمد بن تومرت الذي قام بدعوى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر سنة ٥١٥ وادعى المهدوية ولحقه جماعة في بلاد المغرب وأسس دولة المصامدة في الأندلس بممالأة عبد المؤمن بن علي. أفاض المؤلف في ترجمة هذا المهدي فكشف الغطاء عن حقيقته ولا عجب فإن ابن تومرت من أعاجيب الخلق ورجال العلم ثم ذكر خليفته من بعده عبد المؤمن وأولاده وأحفاده ووزراءهم وكتابهم وقضاتهم وأخلاقهم وصفاتهم وأخبارهم. ولما دانت أكثر بلاد الأندلس لعبد المؤمن وتشوفت إليه أعيانها سار حتى نزل سبتسة فعبر البحر ونزل الجبل المعروف بجبل طارق وسماه هو جبل الفتح فقام به أشهراً وابتنى به قصوراً عظيمة واجتمع له في مجلسه فيه من وجوه البلاد ورؤسائها وأعيانها وملوكها من العدوة والأندلس ما لم يجتمع لملك قبله واستدعى الشعراء في هذا اليوم ابتداءً ولم يكن يستدعيهم قبل ذلك إنما كانوا يستأذنونه فيؤذن لهم وكان على بابه منهم طائفة مجيدون فدخلوا فكان أول من أنشد أبو عبد الله محمد بن حبوس من أهل مدينة فاس وكانت طريقته في الشعر على نحو طريقة محمد بن هاني الأندلسي في قصد الألفاظ الرائعة والقعاقع المهولة وإيثار التقعير. كرر المؤلف الثناء على عبد المؤمن ومما قاله فيه وقد كرر هذا المعنى مراراً (وكان محباً في الآداب مؤثراً لأهلها يهتز للشعر ويثيب عليه اجتمع له من وجوه الشعراء وأعيان الكتاب عصابة ما علمتها اجتمعت لملك منهم بعده) وأفاض ما شاء وشاء بيانه في وصف أبي يعقوب يوسف بن عبد المؤمن وكان عالماً مفنناً مكرماً للعلماء والشعراء كثيراً ولم يزل (يبحث عن العلماء وخاصة أهل علم النظر إلى أن اجتمع له منهم ما لم يجتمع لملك قبله ممن ملك المغرب وكان ممن صحبه من العلماء والمتفننين أبو بكر محمد بن طفيل أحد فلاسفة المسلمين كان متحققاً بجميع أجزاء الفلسفة) (يأخذ الجامكية مع عدة أصناف من الخدمة من الأطباء والمهندسين والكتاب والشعراء والرماة والأجناد إلى غير هؤلاء من الطوائف وكان يقول لو نفق عليهم علم الموسيقى لأنفقته عمدهم وكان أمير المؤمنين أبو يعقوب شديد الشغف به والحب له بلغني أنه كان يقيم في القصر عنده أياماً ليلاً ونهاراً لا يظهر وكان أبو بكر هذا أحد حسنات الأندلس في ذاته وأدواته) (ولم يزل أبو بكر هذا يجلب إليه العلماء من جميع الأقطار وينبهه عليهم ويحضه على إكرامهم والتنويه بهم وهو الذي نبهه على أبي الوليد محمد بن أحمد بن محمد بن رشد فمن حينئذ عرفوه ونبه قدره عندهم). وابن الطفيل هو الذي استدعى ابن رشد يوماً وقال له: سمعت اليوم أمير المؤمنين يتشكى من قلق عبارة أرسطوطاليس أو عبارة المترجمين عنه ويذكر غموض أغراضه ويقول لو وقع لهذه الكتب من يلخصها ويقرب أغراضها بعد أن يفهمها فهماً جيداً لقرب مأخذها على الناس فأن كان فيك فضل قوة لذلك فافعل وإني لأرجو أن تفي به لما أعلمه من جودة ذهنك وصفاء قريحتك وقوة نزوعك إلى الصناعة وما يمنعني من ذلك إلا ما تعلمه من كبر سني واشتغالي بالخدمة وصرف عنايتي إلى ما هو أهم عندي منه قال أبو الوليد فكان هذا الذي حملني على تلخيص ما لخصته من كتب الحكيم أرسطوطاليس وابن الطفيل هو صاحب رسالة حي بن يقظان في أسرار الحكمة المشرقية التي استخلصها من كلام الرئيس أبي علي بن سينا. وختم المؤلف ترجمة أبي يعقوب بقوله وهو شاهد على انطلاق في الفكر: (وفي الجملة لم يكن في بني عبد المؤمن في من تقدم منهم وتأخر ملك بالحقيقة غير أبي يعقوب هذا) ومما دل على حرية خاطره ما وقع له مع أستاذه أبي جعفر الحميري علم الأندلس في الآداب والعلم وقد نظم بيتين استحسنها وقال لابنه هذا والله الشعر لا ما تصدعني به طول نهارك فما كان من ابن أستاذه إلا أن عمل بيتين أخذ معنى بيتي المؤلف وأعدمهما رونقهما ومسخهما جملة قلما تلاها الحميري على تلميذه استحسنهما فقال: هذا والله أحسن من شعري فتغير له وقال: (يا بني دع عنك هذه العادة فإن أسوأ ما تخلق به الإنسان الملق وتزيين الباطل سيما إذا أصاف إلى ذلك الحلف الكاذب والله إنك لتعلم أن هذا ليس بشيءٍ وإلا فقد اختل ميزك وساء اختيارك وما أظن هذا هكذا). وكتب المؤلف ثلاثاً وثلاثين صفحة في ترجمة أمير المؤمنين أبي يوسف وكان يخالف من تقدمه في مشربه تداخل في عقائد الناس وألزمهم بعقيدته وطلق الحرية بتاتاً واضطر اليهود أن يلبسوا ثياباً غير ثيابهم تمييزاً لهم وإهانة والغالب أن سوق الشعر لم ترج في أيامه كل الرواج كما كانت في أيام غيره من الملوك وكانت كلها حروباً وفتناً وسفكاً وبطشاً وعمارة قصر وأحياء مدينة. ومما رواه حيلة لطيفة احتالها ابن عمار رجل الجزيرة على ملك الاسبانيول الأدفنش عندما خرج في جيوش ضخمة يقصد بلاد المعتمد طامعاً فيها (وذلك أنه أقام سفرة شطرنج في غاية الإتقان والإبداع لم يكن عند ملك مثلها جعل صورها في غاية الإتقان أظهرها بحيث بلغ أمرها ملك الأسبان وكان مولعاً بالشطرنج وكان ابن عمار طبقة عالية فيه فأراده الملك على أن يلعبا معاً فما كان إلا كلا ولا حتى غلب ابن عمار ملك الإفرنج غلبة ظاهرة لجميع الحاضرين لم يكن له فيها مطعن فقال له ابن عمار هل صح أن لي حكمي قال نعم. فما هو قال أن ترجع من هاهنا إلى بلادك فأسود وجه الملك وقام مقعد ورجع عن قصد الفتنة بعد أن أخذ إتاوة عامين بفضل ابن عمار. ومن نكت الكتاب ما رواه من أن أبا العلاء صاعد بن الحسن الربعي دخل على المنصور أبي عامر يوماً في مجلس أنسه وقد كان تقدم له أن اتخذ قميصاً من رقاع الخرائط التي كانت تصل إليه فيها الأموال منه فلبسه تحت ثيابه فلما خلا المجلس ووجد فرصة لما أراد تجرد وبقي في القميص المتخذ من الخرائط فقال له ما هذا يا أبا العلاء فقال هذه الخرائط التي وصلت إليّ منها صلات مولانا اتخذتها شعاراً وبكى واتبع ذلك من الشكر فصلاً كان رواه فاعجب ذلك المنصور وقال له لك عندي مزيد وكان كما قال. وألف له أبو العلاء هذا كتباً فمنها كتاب سماه كتاب الفصوص على نحو كتاب النوادر لأبي علي القالي واتفق لهذا الكتاب من عجائب الاتفاق أن أبا العلاء دفعه حين كمل لغلام له يحمله بين يديه وعبر النهر نهر قرطبة فخانت الغلام رجله فسقط في النهر هو والكتاب فقال في ذلك بعض الشعراء وهو ابن عبد الله محمد بن يحيى المعروف بابن العريف بيتاً مطبوعاً بحضرة المنصور وهو قد غاص في البحر كتاب الفصوص وهكذا كل ثقيل يغوص فضحك المنصور والحاضرون فلم يرع ذلك صاعداً ولا هاله وقال مرتجلاً مجيباً لابن العريف عاد إلى معدنه إنما توجد في قعر البحار الفصوص ومما يستفاد من هذا الكتاب وهو حريٌّ بأهل هذا العصر أن يتدبروه ما ذكره لبعض الأولاد ممن لا يتجاوزون الخامسة عشرة من الشعر والنثر فمن ذلك قصيدة للرصافي الشاعر قالها في حضرة الخليفة في يوم الحفل ولم تكمل له عشرون سنة ورسالة أوردها لصبي بعث بها للمؤلف من مدينة سوس يخبره بفتح عظيم تم على يد السلطان وقطع دابر من كان نازعاً إلى الفتنة وهي من اللطافة بحيث يتعذر على كثير ممن يسمون العلماء الأفاضل لعهدنا أن يكتبوا مثلها أو دونها بدرجات. وألم المؤلف في سير المصامدة وأخبارهم وقبائلهم وأحوالهم في ظعنهم وإقامتهم وذكر صفة إقامة الجمعة عندهم وذكر خطبتهم وكيفية دعائهم لملكهم وهو عندهم الإمام المعصوم والمهدي المعلوم. وهكذا تجد الكتاب من أوله إلى آخره على نسق واحد يتنقل فيه المطالع بين السياسة والتاريخ وتراجم الرجال وذكر العلماء ومفاوضاتهم والشعراء وشعرهم والوزراء وأخبارهم والكتاب ورسائلهم والفلاسفة وما جرى لهم. كل ذلك لم يخرج فيه عما قصده من التلخيص وذكر أقاليم المغرب وعين مدنه وحدد ما بينها من المراحل عدداً من لدن برقة إلى سوس الأقصى وذكر جزيرة الأندلس وما يملكه المسلمون من مدنها. عمل ذلك عملاً بإرادة الملك الذي صنف الكتاب باسمه وقال في الاعتذار عن ذلك وما أحلاه من اعتذار: فلم ير المملوك بداً من الجري على العادة في سرعة الإجابة وامتثال مرسوم الخدمة لوجوب ذلك عليه شرعاً وعرفاً هذا مع أن هذا الباب خارج عن مقصود هذا التصنيف وداخل في المسالك والممالك. فجاء الكتاب كما ترى سفر جغرافية المغرب فيه ذكر معادنها وأنهارها ومدنها وتاريخ مختصر لها بل تاريخ للآداب والعلم والاجتماع فيها يطالعه المستفيد فيكاد لا يترك القلم من يده يقيد من شوارده وفوائده مع أن صفحات الكتاب لا تتجاوز ٢٧٣ من القطع الوسط وهو على اختصاره يغني عن مطالعة المطولات لقلة الظفر بها. وما أخال عالماً في هذا القرن على جودة طرق التعليم في بلاد الإفرنج ووفرة أسباب العلم عندهم لو أراد أن يؤلف في موضوع هذا الكتاب أن يكتب أصغر منه جرماً وأكثر منه فائدة وإمتاعاً. وقد قيل أن الأسماء تدل على مسمياتها ولكل شيء من اسمه نصيب. وكتاب المعجب هو في الحقيقة مما وافق اسمه مسماه وطابق لفظه معناه لا يقرأه مستفيد إلا ويعجب به كل الإعجاب وقد أجاد طابعه في اتباعه بفهرست للأسماء الواردة في الكتاب وأسماء الكتب المذكورة فيه وذلك على عادة الغربيين في كل ما طبعوه من الكتب العربية جزاهم الله خيراً.  تاريخ التمدن الإسلامي من الكتب النافعة التي عني بتأليفها تاريخ التمدن الإسلامي لرصيفنا المؤرخ الفاضل جرجي أفندي زيدان صاحب الهلال الأغر وهو يبحث في نشوء الدولة الإسلامية وتاريخ مصالحها الإدارية والسياسية والجندية وبيان ثروتها وتاريخ العلم والأدب والتجارة والصناعة فيها ونظام الهيئة الاجتماعية وآدابها والعادات والأخلاق. وقد تفرع عن كل مبحث مباحث وعن كل باب فصول تدل على مبلغ علم المؤلف فتم له هذه السنة الجزء الخامس منه وهو آخر الكتاب. وكان كل سنة يصدر جزءاً فيتحفنا بنسخة منه نطالعها بروية واستبصار. ومن يطالع فهرس الكتب العربية والإفرنجية التي رجع إليها أثابه الله في وضع مصنفه يتجلى له قدر التعب والمعاناة. أما وقد وضع الآن صديقنا المؤلف الخطوط المهمة من رسم هذا الموضوع الواسع فسيجيء يوم يستوفيه هو بنفسه فيزيد فيه أو ينقص منه أو يجيء غيره من متعاطي هذا الفن فيصلحون بعض ما وقع له منها مما لا نسميه هفوات بل اضطراريات لا مناص للواضع في فرع من فروع العلم من الوقوع فيها. والكتاب مطبوع طبعاً جيداً وهو يطلب من مكتبة الهلال بالفجالة بمصر فنهنئ المؤلف على هذا العمل النافع الذي جعله خلاصة علمه وزبدة ما وصل إليه اطلاعه على الفن الذي يمت به ونسأل الله أن يكثر فينا من أمثاله العاقلين الفضلاء.  المدونة الكبرى صدر الجزء العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر والرابع عشر من هذا الكتاب الجليل رواية الإمام سحنون عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم عن الإمام مالك وبقي منه جزءان فيقع الكتاب بذلك في ستة عشر مجلداً وقد تبين لنا من تصفح هذه الأجزاء الأخيرة أن في بعض الأحكام المنقولة عن محدث المدينة أحكام وافقه فيها القانون الفرنسي ولذلك أصبح من الجدير بكل مشتغل بالحقوق المدنية كما هو حري بطالب العلوم الشرعية أن يقتني هذا الكتاب الممتع ليقابل بين القديم والحديث وليعلم أن الفقه الإسلامي لم ينقل عن الفقه الروماني بل أن مأخذه الكتاب والسنة والإجماع والقياس. وإنا نثني في هذا المقام أطيب الثناء على طابعه الغيور الحاج محمد أفندي الساسي المغربي كما لا نزال نشكر له ما بذله من العناية في سبيل الحصول على النسخة الأصلية المقروءة على رجال هذا الشأن ليخرج للأمة هذا الكتاب المعدود من أمهات كتبها التي يرجع إليها ويعول في هذا الباب عليها.  منتخبات المؤيد جمع سعادة الصحافي الفاضل الشيخ علي يوسف صاحب المؤيد الأغر وجريدته أقدم جريدة إسلامية كبرى تصدر في هذا القطر منذ ست عشرة سنة - منتخبات سنة جريدته الأولى جمعها في كتاب وقع في زهاء خمسمائة صفحة وقد أتحفنا بنسخة منه فقرأنا فيه لباب تاريخ تلك السنة السياسي والإداري والعلمي وكل ما يتصرف على ذلك من الأوامر والمنشورات والحوادث المهمة الخاصة بمصر والسودان والدولة العلية فجاء سفراً حافلاً بما يلذ ويفيد نرجو له التوفيق إلى إنجاز سائر السنين في أقرب وقت فإن في بعض الصحف اليومية من الأبحاث التي تقع لها في الغالب ما يجدر بأربابها أن يحرصوا على تخليدها لتنقل خلفاً عن سلف وتكون في القماطر يرجع إليها عند اللزوم. وحبذا لو جرى على مثال صاحب المؤيد الأغر غيره من أرباب الجرائد اليومية ممن يكتبون اليوم ويفقد ما تعبوا بإنشائه غداً. وهذه المنتخبات جيدة الطبع وثمن الجزء عشرون قرشاً مصرياً فنحض كل محب للاطلاع على اقتناء نسخة منها.  روح التسامح من القرآن هو كتاب وضعه بالفرنسية حضرات الأفاضل قيصر أفندي ابن العطار والهادي أفندي السبعي وصديقنا السيد عبد العزيز الثعالبي التونسي ترجموا فيه الآيات والأحاديث النبوية الآمرة بالتسامح واحترام المخالفين وأفاضوا في حرية الاعتقاد في الإسلام ورفع شأن المرأة وبينوا فيه أن الإسلام دين عام لا خاص جاء للعرب فقط وأنه يأمر بتعليم الرجل كما يأمر بتعليم المرأة ويقضي باحترام كل صالح من أي نخلة كان وبينوا فيه ما كان من شأن الإسلام في خدمة الحضارة والمدنية ونعوا على المسلمين إغفالهم أصول دينهم والتمسك بخرافات وأضاليل من مثل تقديس الأئمة ومشايخ الطرق وغير ذلك وهو كتاب إصلاحي مفيد قدموه إلى المسيو فالي أحد أعضاء مجلس الشيوخ في فرنسا وناظر حقانيتها سابقاً فشكرهم على غيرتهم ونشاطهم. والكتاب طبع في باريس أحسن طبع ويطلب من مؤلفيه في تونس.  امالي الزجاجي لبعض العلماء في القديم طريقة كانوا يملون فيها مسائل من علمهم يسمونها الامالي وممن اشتهروا بذلك ابن الشجري إمام الأدب والشعر وأيام العرب ألف اماليه فكان أحسن كتبه ومنهم أبو العباس ثعلب النحوي له امالٍ ولأبي علي القالي كتاب في الامالي عرف به ولأبي بكر محمد بن القاسم الأنباري امالٍ ولأبي القاسم الزجاجي النحوي المتوفى سنة ٣٣٧ هـ امالٍ أيضاً وقد طبعت هذه الأيام امالي الزجاجي بمصر وشرحها الفاضل الأديب الشيخ أحمد ابن الأمين الشنقيطي فجاءت في نحو ١٤٠ صفحة جيدة الورق والطبع فنثني على طابعيها الألباء أحمد أفندي ناجي الجمالي ومحمد أمين أفندي الخانجي الكتبي وأخيه وهي تطلب من مكتبة أمين أفندي المومأ إليه بالحلوجي وفيها فوائد لغوية وأدبية وتاريخية لا يستغني عنها متعاطي هذه الصناعة فنشكرهم على هذه التحفة.  سقوط نابليون الثالث قلما ينشر بيننا من الروايات المفيد التصحيح الأسلوب والتراكيب النابي عن طور الخلاعة والرقاعة ولكن رواية سقوط نابليون التاريخية الاجتماعية الأدبية الغرامية العصرية جاءت وافية ببعض الغرض فهي بلا مراء من أحسن ما عرب لنا. ألفها الكاتب الفرنسي اميل جابوريو وعربها الشاعر الكاتب المجيد نقولا أفندي رزق الله ولم يقع المعرب في مثل ما وقع فيه غيره من كتاب الروايات من التراكيب الإفرنجية والألفاظ المبتذلة العامية والتراكيب الركيكة بل أنها على طولها نسق واحد في جودة عبارتها وتعبيرها مع انطباقها على الأصل في الغالب بحيث جاءت في ثلاث مجلدات تقرب من ألف صفحة. ويقيننا أنه لو رجع المعرب الفاضل على ما كتب لحذف بعض ما جاء على رأس قلمه عفواً من التجاوزات وبعض الألفاظ التي لا يكاد يسلم منها كاتب عربي في هذا العصر على أن ما كتبه غاية ما يمكن لكتاب الروايات أن يجيدوا فيه الآن فنثني على همته وأدبه كما نثني على طابعها الأديب عزتلو خليل بك صادق صاحب مجلة مسامرات الشعب وصاحب مكتبة الشعب ومطبعتها بمصر وهي تطلب من مكتبته وثمنها ثلاثون قرشاً صحيحاً.  ديوان الرافعي صدر الجزء الثالث من هذا الديوان لناظمه الفاضل الأديب مصطفى أفندي صادق الرافعي وهو تمام ديوانه وقد صدره بباب التهذيب فالحكمة فالنسائيات فالوصف فالغزل والنسيب فالمديح والتقريظ فالأغراض والمقاطيع فالمراثي ويدخل في كل باب ضروب من الحكمة والدب تدخل السرور على قلب الكئيب وتحمل النور إلى عقل الأديب الأريب من ذلك قوله: قومي (ولا فخر) على حالة لا يعرف الإنسان إنسانا فكلهم مأربه واحدٌ فيما أرى شيباً وشبانا (وظيفة) تكتب تحت اسمه أو (رتبة) تذكر عنوانا وقال في الطبيعة والناس ضلت الناس لا الفقير ممنى بثراءٍ ولا الغني يبالي خفض الدهر ثم أعلى فأمسى بعضهم سادة وبعض موالي أخوة كالغصون ينبتها الجذ ع قصار تكون تحت طوال أيهذي النفوس ملت عن الفط رة حتى بليت بالإذلال الثرى ينبت الحبوب جزافاً والورى يقسمون بالمكيال والشاعر على ما يعرفه القراء مطبوع في شعره مجيد في نثره فله منا الشكر على همته ونشاطه وقد وقع هذا الجزء في ١٥٠ صفحة جيدة الطبع والورق وهو يطلب من المكتبة الأزهرية في السكة الجديدة وثمنه خمسة قروش وأجرة البريد قرش واحد فنحث المتأدبين على مقتناه.  الرحلة الحجازية هو كتاب في ٢٢٨ صفحة من جمع الأديب الشيخ عبد الله القدومي فيه حوادث ومسائل علمية أثرت عن الشيخ عيسى القدومي النابلسي من علماء القرن الماضي وفيها مطالب دينية وبعضها مما لا يقره أهل التحقيق الراجعين إلى هدى الكتاب والسنة من أقوم طريق ممن ردوا مفتريات الحشوية وأهل التلفيق. وإنا إذا عذرنا المؤلف على ما وقع فيه لما عمت به البلوى من السخافات في عصره عصر التقهقر والجهالة فإنا لا نعذر الطابع اليوم وعصره عصر الارتقاء والعلم.  روايتان جديدتان أهدانا الأديب إبراهيم أفندي فارس صاحب المكتبة الشرقية نسخة من رواية القبطان بول تعريب الأديب حبيب أفندي فهمي ونسخة من رواية حورية الفلك تعريب الأديبين توفيق أفندي حبيب وقسطنطين أفندي نوفل وهما تطلبان من مكتبته. مجلات جديدة (الجامعة) هي المجلة التي اشتهرت بأبحاثها الأدبية والاجتماعية المعربة عن علماء الإفرنج وكتابهم وبعد أن صدرت أربع سنين في الثغر الإسكندري انتقلت منذ مدة إلى ثغر نيويورك فأصبحت تصدر هناك مرتين في الشهر وقد انتهت إلينا أعدادها الخمسة من سنتها الخامسة فألفيناها سارت سيرتها الماضية من التوسع في المطالب المشار إليها فنثني على منشئها الفاضل فرح أفندي أنطون ونحث الأدباء على مقتناها وقيمة الاشتراك بها ثلاثة ريالات في القطر المصري. (الحياة) هي المجلة الإسلامية العمرانية الفلسفية التي أصدرها الفاضل محمد فريد بك وجدي ثمانية عشر شهراً ثم انقطع عن إصدارها وقد بدا له هذه الآونة إعادتها فصدرت شهرية جاعلة مذهبها في الإصلاح مواجهة أنصار القديم وزعماء الجديد وطائفة المعتدلين والسعي في إحداث حركة فكرية بينهم في أبواب قسم عليها أبواب المجلة فنثني على نشاط منشئها الفاضل ونتمنى له التوفيق إلى ما يقصد إليه وقيمة اشتراك المجلة ٢٠ قرشاً في مصر وريال ونصف في البلاد العثمانية. (النبراس) مجلة علمية أدبية تاريخية فكاهية تصدر في كل شهر مرة لصاحبها الأديب أحمد أفندي شاكر وهي في ١٦ صفحة وقيمة اشتراكها ١٥ قرشاً أميرياً وخمسة فرنكات ونصف في الخارج فنتمنى لها الثبات والبقاء. (فتاة الشرق) صدر العدد الأول من هذه المجلة الأدبية التاريخية الروائية لصاحبتها الأديبة العقيلة لبيبة هاشم وهي مشهورة بإنشاء بعض الروايات والمقالات في الصحف سابقاً ولذلك يرجى أن تحسن الاضطلاع بأعباء هذا العمل ولا تتكل على أقلام الرجال في كتابة مجلة لربات الحجال وقيمة الاشتراك ٥٠ قرشاً في القطر و ١٣ فرنكاً و ٥٠ سنتيماً في الخارج. أهديت إلينا بعض كتب كبيرة لم نتمكن بعد من النظر فيها فمعذرة إلى مرسليها وموعدنا الأجزاء التالية. سير العلم صحافة مصر يؤخذ من تقرير البريد المصري عن سنة ١٩٠٥ أنه يصدر في القطر المصري ٣٣ جريدة سياسية وتجارية عربية و ٨ جرائد شرقية غير عربية و ٥٣ إفرنجية وجريدتان عربيتان هزليتان وثلاث جرائد إفرنجية وعشرون مجلة أدبية وعلمية وصناعية عربية ومجلة واحدة شرقية ومجلتان إفرنجيتان و ١١ مجلة عربية ومجلتان دينيتان عربيتان و ٤ مجلات طبية عربية ومجلة واحدة نسائية إفرنجية ومجلة عربية ماسونية. فمجموع ما يصدر في القطر بين صحف ومجلات عربية وإفرنجية ١٤٦ منها ٦١ إفرنجية و ٩ شرقية غير عربية و ٧٦ عربية. تطهير الهواء هواء المدن في العادة فاسد مضر رديء فالأبخرة والغازات والغبار المتراكم والدخان والروائح القذرة العفنة التي تتكاثف في الجو بلا انقطاع تفسد المناخ ولاسيما إذا زاد سكان المدينة عن المليون يحيط بهم مليارات من الأمتار المكعبة من الهواء الذي تنمو فيه الجراثيم القتالة. وقد عرض طبيبان من أطباء غلوستر في مقاطعة الماساشوست في أميركا الشمالية طريقة ادعيا أنهما وفقا إليها وأنها تطهر الأهوية وذلك بأن تقام مئات من الآلات المفرغات تنقي كل منها عشرة آلاف متر مكعب من الهواء كل دقيقة. واقترحا أن تجرب طريقتهما تحت القبة الأرضية من السكة الحديدية الجديدة التي أنشئت منذ بضعة أشهر تحت مدينة نيويورك. ويكلف إقامة مائة آلة مفرغة مليون جنيه فتتجمع المواد الحيوانية والنباتية والمعدنية المعلقة في الفضاء بعد إجراء التطهير في حفر ذات بواليع (مجارير) فيستخدم ما يجمع في بعض الأعمال الزراعية والصناعية فيكون من ذلك أرباح توفي النفقات وتزيد. نفق المانش أقيم منذ أشهر نفق (تونيل) بين إيطاليا وسويسرا واليوم يراد إقامة نفق ثان تحت بحر المانش بين إنكلترا وفرنسا ويكون طول هذا النفق ثلاثين ميلاً أو ثمانية وأربعين كيلومتراً على عمق ٤٥ متراً عن قاع البحر فتستفيد الأمتان من اتصال بلادهما مباشرة بدون ركوب اليم ويصبح ثغر دوفر أعظم الثغور فينافس ثغر همبورغ وانفرس وتتصل لندن بباريس ومجريط مدريد ولشبونة وبروسل وفينا ورومية والأستانة وأثينا وبطرسبرج. القهوة (البن) الخالصة تصعب معرفة جيد القهوة الناعمة من رديئها وقد نشر مكتب الزراعة في الولايات المتحدة كراسة لإحاطة القوم علماً بالقهوة الرديئة جاء فيها إذا كانت القهوة المسحوقة ذات شكل واحد تفحص بالعين المجردة أو بالعدسية وإذا لم تكن على شكل واحد فتكون القهوة مخلوطة بفول أو حمص أو هندباء أو غيرها من المواد وللوقوف على سلامة القهوة ضع قليلاً من مسحوقها في زجاجة مليء نصفها ماءً وحركها حتى يبتل كل جزءٍ من أجوائها فيكون في القهوة الخالصة بعض مادة زيتية وبها تطفو على وجه الماء أما ما كان من غير مادة البن فيرسب في أسفل الزجاجة. أما الهندباء فتترك عندما تذاب في الماء أثراً مائلاً إلى السمرة تخدع النظر. الفقراء والأغنياء ارتأى بعض الأمريكيين أن اختلاف كثير من فتيان الأغنياء إلى المدارس الكلية يجلب على فكر الشبيبة ضرراً وخطراً. وقد وافق رئيس كلية يال على هذا التغيير ومن رأيه أن معايب الطلبة الأغنياء كمعايب الطلبة الفقراء ولكلا الفريقين صفات يمتاز بها وفي العادة أن يكون الفقراء أصحاب أنانية وأن يكون الأغنياء ضعافاً في الغالب قال وليس الفقر منقذاً من الأهواء والنزغات. اللغة الجديدة قيل لما رأى تيمورلنك التتري في القرن الثامن لهجرة جيشه مزيجاً من أجناس مختلفة ذات السنة متبلبلة أوعز إلى بعض خاصته بإنشاء لغة يتفاهمون بها على تباين لهجاتهم فأنشؤوا لغة اردو أي الجيش فانتشرت حتى أصبحت الآن لغة الهند الرسمية يتكلم فيها الهنود على اختلاف ولاياتهم ومناحيهم. وأن هذه اللغة الاردية أو الهندستانية كانت من جملة الأمور التي حملت في العهد الأخير أحد أهل العلم في روسيا فأنشأ لغة سماها الاسبرانتو ألفها من لغات أوربا وسهل مفرداتها وتراكيبها ونحوها وبيانها حتى شاعت في مدة قصيرة بين الإفرنج على تنوع لغاتهم وأخذت تصدر فيها الكتب والصحف ويتعرف بها الإيطالي إلى الروسي والألماني إلى الإسباني والصربي إلى الإنكليزي والبلغاري إلى الفرنسي. وقام في أذهان العلماء أن يسعوا لجعل هذه اللغة لغة دولية كما كانت الفرنسية من قبل فأخذت بعض الجمعيات الساعية في نشر ألوية السلام بين الأنام تبذل الجهد لتكون هذه اللغة التي ألفها البشر عمدة لكل المتمدنين وإنقاذهم من عناء تعلم لغات جمة ليتآلفوا مع بقية الأمم. ويؤخذ من لهجة الصحف الغربية أن عدد المتكلمين بهذه اللغة يزيد كل يوم مئات وأن مجموعهم أربى على مئات الألوف. فلز جديد يتألف هذا الفلز (برونز) اللدن السهل التطريق من النحاس المعروف والقصدير وغيرهما من المعادن الصلبة دعاه مخترعه فورميتال (المعدن القوي) وأنه للينه الخاص به ليصنع كما يصنع الحديد والفولاذ والنحاس فيتأتى سبكه صفائح متجانسة ويصنع على نحو ما تصنع هذه المعادن فيدق محمىً وبارداً ويطرق ويصفح ويطبع ويحدب ويجعل أسلاكاً وقطعاً. وهذا المعدن لا يصدأ ويقاوم فعل ماء البحر فلا يتآكل كما يتآكل الحديد وغيره ويصبر على رطوبة الأرض والحوامض المحلولة. وكل هذا مزايا خاصة به يفضل بها الحديد والفولاذ وليس هو أغلى قيمة من أجود أنواع النحاس ويستعمل للمضخات والاسطوانات المائية والكراسي الميكانيكية واللوالب التي تقذف المواد المدمرة وعدادات توزيع المياه والدواليب المسننة وغيرها. المشي على الماء اخترع ضابط في أميركا قبقاباً إذا وضع الإنسان فيه رجله يسير به على سطح الماء فيعوم ولا يغرق وسمى هذا القبقاب أيضاً زورق الرجل أو حذاء الماء وهو من خشب على شكل زورق صغير تدخل فيه الرجل بسهولة وينحني اللابس إلى الأمام على نحو ما يفعل من يريد التزحلق على الجليد ثم يحرك الرجل اليسرى فيسير الماشي على النحو الذي يسير به الهندي من السهولة إذا ركب زورقه المعمول من القش. وليس هذا الحذاء ثقيلاً وقد كانت الأحذية التي جرب بها الضابط اختراعه بادئ بدء طويلة ثم صغر مقياسها فأصبح الماشي يلبسها ويسير بالسرعة التي يتطلبها ويتجه به حيثما شاء. ويحتاج لبس القبقاب المائي إلى قليل من المعرفة ليتوازن جسمه معها ومتى تعلمها يسير بها كما يسير راكب الدراجة (بسيكلت) ومتى مشى هذه المشية ثلاث مرات يمهر فيها مهارة تبعده عن الخطر. وإذا حدث أن سير القبقاب انكسر فلا يغرق لابسه لأن القبقاب المائي يستعمل عند الحاجة كما تستعمل الأطواف (الكلخات المشدودة) وهذا السير يكون على وجه الترع والأنهار لا في تيار البحار. قالت المجلة الإفرنجية التي نقلت عنها هذا النبأ ولقد كان بعضهم حاول اختراع شيء يماثل هذا الحذاء الغريب في القرن الماضي وجربه في نهر السين في باريس فلم يفلح أما اختراع الضابط الأميركي اليوم فواف بالغرض المقصود. قلنا وقريباً نرى السائرين على سطح الماء يعبرون النيل والفرات ودجلة وبردى والأعوج والعاصي ونهر إبراهيم ونهر أبي علي وسيحان وجيحان وغيرها من الأنهار والترع ويصدق ما كان يزعمه بعضهم من أنهم كانوا يمشون على الماء ولكن دعواهم كانت بلا علم ولم يقم برهان واحد على صحتها تقبله العقول السلمية ودعوى المخترع الجديد يدعمها العلم والبرهان. الري الشائع أن الأراضي التي تروى على نظام واحد تأتي ثلاثة أضعاف الغلات والثمرات التي تأتي من أرض من مثلها بالتعهد بالسقيا وقد بحث عالمان من علماء الفلاحة من الإفرنج في هذا الأمر فأثبتا أن عدة أسباب تدعو إلى عدم كفاية الري وأن حاجة الأرض إلى الماء ليست على معدل واحد في كل مكان على أنك تجد أكثر الفلاحين في معظم الأقطار يسقون زروعهم على طريقة واحدة وبكمية واحدة ويشحون بالماء على الأرض التي تتطلب مزيد ري على حين كان عليهم أن ينظروا في كل أرض إلى حالة رشحها ويعطوها من الماء ما تقتضيه طبيعتها. وذلك بأن لا تسقى التربة القليلة الرشح سوى كميات كثيرة فيكون ما ينفق على الري متعادلاً مع الغلات التي تأتي منها. ويعنى هذا العالمان بوضع رسم على ما يقتضي لكل أرض صرفه من الماء يتوازى مع غلاتها وعلى حسب طبيعة كل تربة. مستقبل الشمس قال كثيرون من علماء الفلك أن الشمس آخذة بالهبوط وأنها ستظلم بعد أن كانت ضياء العالمين وتوشك أن تنطفئ شعلتها وتبطل حرارتها. وقد أثبت اللورد كيفن ونوكمب وبل من رجال هذا الفن أنه سيكون لعمل الشمس حداً وأنه انقضى زهاء نصف عمرها ولم يبق لها إلا أقله. وخالفهم الأستاذ سي من المرصد البحري في كاليفورنيا بأميركا قائلاً أن الشمس لم تبلغ حتى الآن سوى ربع عمرها وأن المستقبل كفيل بما سيكون من حالها بعد بانياً حكمه هذا على أعمال رياضية قام بها قيام الأبطال وصبر حتى تناول النتيجة صبر المتخاصمين يوم النزال فبان له أن ما مضى من ملايين السنين على ما ارتآه داروين في النظام الشمسي هو من الاستقراء الناقص في حالتها لأن الجاذبية هي التي تشعل في الشمس وأن حظ معظم السيارات الثابتة كحظ الشمس أي أنه مازال فيها نصف حرارتها وزيادة. وقد اهتم بعض أرباب هذا الشأن باستقراء الأستاذ سي وأخذوا يبحثون في أمره وعلى كل فإن كلامه يبعث على الاطمئنان من ناحية الشمس وأنها ستبقى أيضاً بضعة ملايين من السنين. مركبات القطارات كل من ركب القطارات يعلم ما ينالها من الغبار خصوصاً عندما تصل إلى آخر الخط بعد أن تسير ساعات متواليات وأن السكك الحديدية تستعمل في الغالب المكانس لإزالة الأوساخ التي تعلق في المركبات وقد استعملت بعض البلاد مؤخراً أداة ميكانيكية لكنها لم تأت بنتيجة نافعة لأن الغبار كان يزول عن ظاهر المقاعد ويعلق في الثنايا والطيات التي لا تصل إليها تلك الآلة وجربت الشركات الفرنسية منظفات متحركة ذات مضخات فارغة من المواد تدار بمحرك كهربائي وتنقلها عجلات فأسفرت عن نتيجة حسنة وسرعة مطلوبة. وجربت بعض الخطوط الألمانية هذا الاختراع في ضاحية برلين فظهر لها نفعه. الطماطم البندورة كان يحظر على المصابين بداء المفاصل وآلام العضلات أن يتناولوا الطماطم لما فيها من حامض ملح الحماض الذي يزيد في ألم المصابين بهذين الداءين وقد أقام العالم الفرنسي ارمند غوتيه الحجة على هذا الخطر إذ استبان له أن في الطماطم كمية وافرة من الحامض الليموني وحامض الماليك مما يصفه الأطباء للمصابين بآلام العضلات. كتاب فرنسا قدرت إحدى المجلات أن لفرنسا في هذا القرن مائة ألف كاتب أو دعي في الكتابة منهم ٦٤ . ٧٥٠ لا صفة لهم أي ليس لهم حسنات ولا سيئات و ٣١ . ١٠٠ كاتب هم وما تخطه أناملهم سخرية وهزوءٌ و ١٣٥ رجلاً يكتبون أموراً مهمة بإنشاء وسط و ٢٨ هم كتاب حقيقيون مما دل على أن المجيدين قلائل في كل أمة. الصنائع العربية قال أحد الباحثين في المجلة التونسية أن جودة الصناعة العربية تتمثل لك في التحف منها وفي المصنوعات العادية وأن العرب أخذوا عن الروم والفرس أولاً كيفية إقامة دورهم وأن صناعة تطريق المعادن ارتقت عندهم كما فاقوا غيرهم في صنع الفسيفساء ويقال أن الفينيقيين أخذوا صناعة الزجاج عن زجاجي العرب. مدرسة الكتاب في ميلان إحدى المدن الإيطالية مدرسة أسست سنة ١٨٨٨ على يد جمعيات الطباعة في تلك المدينة دعوها مدرسة الكتاب أي صنع الكتاب وما يتوقف عليه من طبع ووضع وقد كانت الحكومة الإيطالية تساعدها مسانهة بألف وخمسمائة فرنك وظلت حقيرة حتى سنة ١٩٠٠ وهي السنة التي وهبها بعضهم ملايين من الفرنكات وقفها عليها وقفاً شرعياً تنتفع تلك المدرسة بمغله مادامت الأرض والسماء. فعندها أقامت عمدة المدرسة لها بناءً فخيماً كلف ثلاثمائة ألف فرنك وجعلت فيها صفوفاً لتعليم تنضيد الحروف وصفها باليد وعلى الأداة وصفوفاً للطبع والتصحيح والقطع والحفر على الخشب وطبع الحجر والتذهيب والتنحيس وصفوفاً لدرس طريقة التصوير الميكانيكي والتجليد والرسم وتعلم اللغة الإيطالية وغيرها ومدرسة لتعليم المستخدمين في حوانيت الكتبية. ويتعلم التلاميذ في هذه المدرسة ما يروقهم من هذه الصناعات مجاناً لا يدفعون شيئاً. بحيرة زئبق اكتشفت في الجبال المجاورة لفراكروز في المكسيك بحيرة من الزئبق سطحها نحو ١٢٥ فداناً وعمقها خمسة أمتار ويساوي الزئبق الذي فيها عدة ملايين من الفرنكات وكانت هذه البحيرة معروفة عند أهل الجوار منذ أجيال ولكن يصعب الوصول إليها لما في طريقها من الصخور والتلعات حتى إذا فعلت الحوادث البركانية فعلها سهلت السبيل إليها وسيقام نفق في الجبل ليصل إليها الناس آمنين. هواء المدن والأرياف ثبت لأحد الباحثين في هواء المدن العظمى أن ميزان الحرارة الترمومتر يعلو علواً متوسطاً في المحال التي تجتمع فيها البنايات بكثرة وقد أخذ معدل الحرارة في لندن وبرلين وباريس وقاسه بحرارة ضواحي تلك المدن فكانت في الغالب أنقص في الأرياف منها في المدن درجتين أو ثلاث درجات. وأكد الشيوخ من الإنكليز أن البرد في إنكلترا لا يقرس الآن كما كان يقرس منذ خمسين سنة وعلل ذلك أصحاب الشأن بأنه كان هناك مستنقعات جففت فانقطعت الرطوبة وكان الشتاء قديماً يبدأ في إنكلترا في شهر ديسمبر (كانون الأول) بل وفي نوفمبر (تشرين الثاني) أما الآن فتصل إلى يناير (شباط) وقد خلصت من البرد. إذا عرفت هذا فإنه يسوغ لك أن تقول بأن هواء سيبيريا الجليدي سينقلب عما قريب. ومعلوم أن درجة الحرارة في فرخويانسك وهو أبرد مكان في الأرض من ولاية اياكوستك يبلغ معدل الحرارة فيه في الشتاء ٦١ . ٩ تحت الصفر ثم أن لقطع الغابات دخلاً في تغيير الهواء فإن قطع الأشجار من الغابات التي لم تقطع منها من قبل شجرة قد أحدث في أميركا أسوأ التأثير في الزراعة التي كانت تلك الأشجار في الحقيقة بمثابة واق لها من بوائق الجو. قوى الأمم كتب أحدهم في المجلة الاستعمارية النيابية مقالاً جاء فيه أن ما يتنبأ به العالم من ظفر أمة على أمة يكون تخرصاً فلا يصدق فأل المتفائل ولا حدس الحادس من ذلك أن اليابان وكانت سنة ١٨٩٤ أربعين مليوناً قد دحرت جيش ابن السماء وكان عدد الصينيين إذ ذاك ٣٦٠ مليوناً وها أن جمهوريتي الأورانج والترانسفال ولم يكن فيهما أربعمائة ألف نسمة ولا جيش دائم قد تغلبا على الجيش الإنكليزي وقهرا إنكلترا ذات الحول والطول وضخامة الملك والسلطان وكان من اليابان أن غلبت الجيش الروسي وهو جيش القياصرة الجرار. قال الكاتب وإنا لنجهل مع هذا تقدير قوى الممالك الجندية على وجه التقريب وكل أمة لا تكون قوية بدون تنمية الشهامة الطبيعية وتعويد أفرادها النظام في العمل واقباسها قبس التهذيب والتعليم والتثقيف هيهات أن تعد من القوة في شيءٍ فقد كان لروسيا مورد عظيم للرجال ولكن كان ينقصها التمدن ويكفي أن العمل بين سكانها كان غير مكرم على الجملة وأن الأمة في روسيا لتضطر أن تنقطع عن العمل في السنة ١٣٥ يوماً في أعياد بطالة. قانون الوراثة نشرت مجلة أميركا الشمالية بحثاً في كيفية انتقال الصفات والعيوب الطبيعية والعقلية بالوراثة من الآباء للأبناء ومن جيل إلى آخر ظهر منه كيف خلطت الوراثة بغيرها من المؤثرات الكسبية أو الناشئة من المولد والموطن فاستنتج الباحث بأن الأمراض الظاهرة أو الكسبية لا تنتقل أصلاً وأن الاستعداد للأمراض هو الذي ينتقل لا المرض نفسه. مثال ذلك السل فقد تبين اليوم أن المسلول لا تنتقل إليه من آبائه جراثيم العلة بل ينتقل إليه الاستعداد لهذا الداء ولولا ذلك ما تيسر الشفاء منه. واستنتج بأن عيوب التراكيب الظاهرة لا تنتقل في العادة وأنه من الممكن أن ينتقل الخلل الباثولوجي في الحواس الداخلية. وقع خطأ في ص ٤٢٥ س ٨ وأبي بكر بن زهير والصواب وأبا بكر وس ١٠ أبو القاسم والصواب أبا القاسم وفي ص ٤٥٩ س ٥ فما اجاني والصواب فما الجاني. n=""</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_9.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.9.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
