<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.89.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.89.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨٩ بتاريخ: ١ - ٦ - ١٩١٤ المستشرقون ومؤتمرهم الاستشراف أو علم المشرقيات هو كما عرفه لاروس علم من العلوم الحديثة ودائرته الحالية واسعة فإذا نظرنا إلى الألفاظ من حيث مفهومها نرى أن التعبير عن اللغات الشرقية لا يتناول غير اللهجات التي يتكلم بها في شرقي أوربا أي في آسيا وفي جزء من افريقية المتصل باسيا ولكن لفظ الاستشراق بطلق اليوم بتجوز على لغات أمريكا وافريقية الجنوبية والبلاد الشمالية وآدابها وأخلاق سكانها فترى اللغة اليونانية الحديثة واللغة الرومانية والروسية تدرس في مدرسة اللغات الشرقية الحية في باريز كما تدرس لغات الشرق أي العربية والفارسية والتركية والصينية واليابانية والهندستانية والعبرانية والسريانية والحبشية والقبطية والامحرية بل أن اللغة المجرية نفسها بالنظر لعلاقتها باللغة التركية والمغولية تدرس هناك كما تدرس اللغات الشرقية. لم يدخل علم الشرقيات في أسلوب علمي إلا في القرن التاسع عشر. وقد كان اليونان واللاتينيون يدعون اللغات الشرقية التي كانوا يعرفونها (كالفارسية والفينيقية وغيرهما) لغة البربر ولذا يهملون دراستها. وشاعت في القرون الوسطى لغتان فقط من لغات الشرق بين العلماء وهما اللغة العبرية التي كانت تعتبر لغة الإنسانية الأصلية واللغة العربية التي كانت مهمة لكثير البشر الذين يتكلمون بها ولشهرة فلاسفة الإسلام أمثال ابن رشد وابن سينا ولذلك أنشئ في باريز منذ أواسط القرن الثالث عشر للميلاد درس عام لتدريس اللغة العربية. ثم أن المذهب البرتستانتي توخى البحث عن النص الأصلي للتوراة فحمل أشياعه على درس العبرية والكلدانية والسريانية. وأنشأ بعد ذلك البابا غريغوريوس الثالث عشر واوربانوس الثامن دروساً لتعليم اللهجات الشرقية بالعمل ليستفيد منها المبشرون بالنصرانية وفي سنة ١٦٢٧ أنشئت مدرسة الإيمان. وطفق المبشرون منذ ذاك العهد يأتون بالآثار النفسية لخدمة الدروس الشرقية. ونشر اليسوعيون في القرن الثامن عشر في العالم الغربي مدينة الصين واليابان ولغتيهما. وأنشأ الوزير كولبر في فرنسا مدرسة الشبان لتعليم اللغات قاصداً بها تخرج تراجمة تستخدمهم حكومتهم في الشرق وانشأوا يدرسون اللغة الفارسية والتركية وانتشرت القصص والحكايات الشرقية أمثال قصة ألف ليلة وليلة والرسائل الفارسية وغيرها ثم أن فتح فرنسا وانكلترا للهند قد دعا إلى اكتشاف اللغة السنسكريتية. وبعد نحو عشرين سنة تأسست طريقة نحو المقابلة فدخل درس اللغات في طور جديد حسن الأساليب وفي الجزء الأخير من القرن الثامن عشر اكتشفت انكتيل دويرون اللغة الزندية والبهلوية وكان من حملة بونابرت على مصر ١٧٩٨ - ١٧٩٩ أن بدأ بها دور السياحات العلمية الكبرى التي اشتهر بها القرن التاسع عشر وجيء إلى أوربا من مدينة رشيد في مصر بالحجر المشهور وكان حل خطه مبدأ درس الآثار المصرية وانحلت لغات دثرت منذ ألوف من السنين كاللغة الأشورية. وشرعت الحكومات تتفق على البعثات العلمية وتؤسس دروساً لتعليم تلك الأبحاث واللغات فترى فرنسا تعلم اللغات الشرقية الحية في مدرسة خاصة لذلك كما أن اللغات الشرقية القديمة دروساً في كوليج دي فرانس مدرسة فرنسا وكذلك في مدرسة الدروس العليا وفي الكليات. ومن أعظم العلماء الذين ساعدوا على الاستشراق في القرن التاسع عشر شامبليون في الآثار المصرية واوبرت ولفورمان وراولنسون وهنكس في الآثار الاشورية وبورنوف وجايمس دار مستتر وموللر ولاسن في الآثار الهندية وسانيسلاس جولين في الآثار الصينية. وكانت رغبة الأوربيين أولاً في تعليم اللغات الشرقية عن باعث ديني فقد قضى مجمع فينا سنة ١٣١١ م المقتبس م ٧ ص ٦٩٥ وكان برئاسة كلمنتس الخامس أن تؤسس في باريز واكسفورد وبولون وسلمنكة دروس عربية وعبرانية وكلدانية لتخريج وعاظ وأهل جدل أشداء لتنصير المسلمين واليهود وأنشأ الفرنسيسكانيون والدومينيكانيون من الرهبنات الكبرى في أديارهم دروساً في هذه اللغات فأصبحت ايطاليا مهد حركة نجحت في المشرقيات واخذوا بنوع خاص يدرسون العبرية للتعمق في فهم أسرار التوراة وتنصير اليهود واللغة العربية لتنصير المسلمين يأخذون العبرية عن اعلم العلماء الربانيين والعربية عن أناس من المسلمين أو من السوريين الموارنة أمثال بني السمعاني ومن مدارس ايطاليا نشأ العلماء الأول في اللغات القبطية والحبشية والامحرية ولكن دراسة اللغة العربية بقيت الحاكمة المتحكمة في شبه جزيرة ايطاليا فكان ينظر إلى تعلمها انه من الحاجات الماسة لكل تجار المدن البحرية كالبندقية وجنوه ونابل وبيترا وظلت اللغة العربية في بلاط ملوك تلك الأصقاع لغة العلم العالي والشعر والأدب. كانت رومية أول مدينة في العالم طبع فيها كتاب عربي عقيب اختراع الطباعة وهو قانون ابن سينا وظلت حركة المشرقيات تختلف ضعفاً وقوة في بلاد الطليان بحسب الحكومات وهم الأفراد والمقصد الأصلي ديني والعلميات بالعرض. وكان لأسرة ميديسيس فضل على الآداب العربية كما لها فضل على الشعر والموسيقى والتصوير والهندسة. وفي أواسط القرن الثامن عشر لما أخذت أوربا تتحفز لاستعمار الشرق اخذ علماؤها يبحثون في تأليف جمعيات لهذه الغاية فأنشئت جمعية العلوم والفنون في جاوة ( ١٧٧٨ ) والجمعية الآسياوية في البنغال ( ١٧٨٤ ) والجمعية الأسياوية في بومباي ( ١٨٠٥ ) وأنشئت منذ ذاك العهد في أوربا وأمريكا عدة جمعيات للمستشرقين وأقدمها عهداً الجمعية الأسياوية في باريز التي أسست سنة ١٨٢٢ بمعرفة شيخ المستشرقين من الفرنسيس سلفستردي ساسي وهو أعظم من خدم اللغة العربية من الاوربيين والفرنسيس خاصة وربما كان أعظم مستشرق نبغ ونفع (راجع كتابنا غرائب الغرب ص ٧٤ ) فأنشأت هذه الجمعية المجلة الآسياوية وهي خاصة بلغات الشرق وتاريخه وعلومه وآثاره تصدر مرة كل شهرين فيتألف منها مجلدان كل سنة وقد صدر منها إلى الآن زهاء ١٨٠ مجلداً ومن حواها فكأنما حوى أعظم مكتبة في هذه الأبحاث الجليلة. تخرج في مدرسة اللغات الحية في باريز كثير من مستشرقي الفرنسيس والألمان والطليان والسويسريين وأنشأت معظم عواصم أوربا مدارس على مثالها وان سبقت هولانده فكانت أول من أسس جمعية شرقية في باتافيا كما تقدم سنة ١٧٧٨ وكانت مطبعة ليدن الشرقية أقدم مطبعة طبعة الأمهات من كتب المشارقة والعرب منهم خاصة وذلك منذ زهاء ثلثمائة سنة. أنشأ المستشرقون عدة جمعيات في أوربا وأسسوا عدة مطابع شرقية وطبعوا بها ألوفاً من كتب الشرق ولا سيما اللغة العربية فان ما طبع من أمهاتها عندهم هو القسم الهم من كتبنا العلمية والتاريخية والأدبية وما زالت الكتب التي طبعتها مطابع باريز وأكسفورد ولندن وليدن وغوتنغن وليبسيك ورومية ومجريط وغيرها من حواضر العلم والمدنية في أوربا باللغات العربية هي المفخر الذي يحق لمدنية القرن التاسع عشر والعشرين في ديار الغرب أن تباهي به الإعصار والأمصار. وما برحت أسماء دي ساسي ووستنفيلد وفلوغل وريسك وبروكهار وكارليل وكاترمير ودي سلان وغوليوس وشولتنس وارينيوس وهيستما وشيد ودي بومباي ونيبوهر وزوزاريوو كولونبروك وجنستون وستونتن وفين وسيدليو وكوسان وكوسان دي برسفال وجوبرت وروزنمولر وكلايروت وهانجت ويولس وفراهن ومهران وهماكر وفرنيل ودي لاغرانج ودي فرجه ورينوومونك وبرنيه وكمباريل وبرون وموله وكازميرسكي وفريتاغ وكسغارتن وراك وبرنستين وارنلد ووتستشتين وفتزر وفولف وهاربوكو يورغستال وجونيبول وروردا وفايرس وكورتون وتاسولين وجونس وغوتوالد وكولسون وكريستيانوفتش وخانيكوف وكاينكوس وكودرا وموهل وبلن ودي تاسي وسولي وايفلد وديمانج وشرموا وبوتجانوف وبولديراف وسيانكوفسكي وسافليات وغريغورياف وبافسكي ونفروتسكي وبرايزين وسبنرجر وتورنبرغ وخانكوف ودوزي ووريخت - ما برحت أسماء هؤلاء الرجال تذكر بالحمد ويطلب لها أثواب عملها. هؤلاء بعض أئمة المستشرقين في القرن التاسع عشر من الألمانيين والنمساويين والهولنديين والفرنسيين والايطاليون والروسيين والانكليز والاسبانيين والدانيمركيين والاسوجين والبولونيين والبلجيكيين والأميركيين ولو جئنا نعدد مشاهيرهم في هذا الربع الأول من القرن العشرين لطال بنا المطال ومن مشاهير شيوخهم بروكلمان وولهاوزن وغويدي وغولد صهير وهوار وبراون ومرجليوث وفمبري وهوتسما وباسمه وزترستين وسكيابارللي وناللينو وهوداس ودارانبرغ ونيكلسون وموسل وسيبولدوهور وفيتزوبيكر وهرتمن وديفو وموتلنسكي ولتمان ولامنس ومسنيون وهوغروني وديكوي واماري وكاركماريك وفولرس وشادوير وارنولدور وسكادامس وجيزوبار تولد ومور تمان ولشاتليه وبوفا وكاباتون وكور وهاليفي وماسبر وشيفر ومكدوبل ودوفال ودي منار وبارت ووسينار وليفي وكازانوفا وروزن وشوفين وشافان ودوسو ومونتيه وسبيرو وشيل وماهفي ودلبروك وكولنيون ودي غوبرناتيس وبزنبرجر ودافيدس وهوبت وكررهن وكايتاني ولامبروز ونافيل واولدنبرغ هؤلاء بعض من أشهر واثارهم من علماء المشرقيات واتوا على الخاطر ساعة كتابة هذه العجالة وهناك مئات منهم المشهور وآخر الحامل وما منهم ومن سبقوهم من الإعلام إلا الذي نشر الآثار النافعة بالعربية أو منقولة من العربية أو عن إحدى اللغات الشرقية وفيهم من نشر عشرات من المصنفات كانت بصحبتها وفهارسها مادة الآداب العربية وخدم بها بلاده أولاً وهذه اللغة الشريفة ثانياً ومنهم من ينشر الكتاب لقدماء مؤلفي العرب بنصه ويعلق عليه حواشي باللاتينية لغة العلماء أو يترجمه إلى اللاتينية وينشره بهذه اللغة فقط ومنهم من يعلق عليه أو يترجمه بلغته كالهولندية والألمانية والانكليزية والافرنسية والايطالية والاسبانية والروسية والسويدية ولمستشرقي كل امة كبرى عدة جمعيات مهمة راقية وأقدمها جمعية باريز وتليها جمعيات ألمانيا والاستشراف أرقى ما يكون في بلاد الجرمان الآن والى علماء المشرقيات منهم ومن الهولنديين يعزى الفضل الأكبر في نشر أهم كتب أجدادنا في العلم والتاريخ والجغرافيا والأدب واللغة والدين. والجرمانيون والهولنديون اقدر الأوربيين على النطق بالعربية وبالنظر لاختصاصهم أو أخصائهم جاء منهم أئمة قل نبوغ أمثالهم في الأمم الأخرى ومجلة المستشرقين الألمانية راقية جداً وتتألف منها مكتبة مهمة بحثت كالمجلة الآسياوية الافرنسية في علوم الشرق وآدابه ولغاته ولم تترك شاردة إلا أحصتها ولا مبحثاً إلا محصته وتجيء بعدها مجلة المستشرقين النمساويين ومجلة المستشرقين الانكليز والطليان وغيرهم من أمم الحضارة والولوع بالمشرقيات. وقد اعتاد المشتغلون بالمشرقيات منذ سنة ١٨٧٣ أن يعقدوا مؤتمراً لهم يحضره جلة منهم ويكون مقره في إحدى العواصم المشهورة وتنتدب الحكومات من يمثلها في تلك المؤتمرات فتتلى فيها الخطب المفيدة والمحاضرات التي تنم عن فضل بحث ودروس في لغات الشرق وعلومه وتاريخه واجتماعه ويتنافس أئمة هذا الشأن في هذا السبيل المحمود وكانت الحكومة العثمانية والحكومة المصرية تنتدب أناساً يمثلونها في المؤتمرات التي عقدت حتى الآن وكان بعضهم من العلماء والأدباء. وقد عقد المؤتمر الأول سنة ١٨٧٣ في باريز والثاني سنة ١٨٧٦ في لندن والثالث سنة ١٨٧٧ في بطرسبرج والرابع سنة ١٨٧٨ في فلورنسة والخامس سنة ١٨٨١ في برلين والسادس سنة ١٨٨٣ في ليدن والسابع سنة ١٨٨٦ في فينا والثامن سنة ١٨٨٩ في استوكهولم والتاسع سنة ١٨٩٢ في لندرا والعاشر سنة ١٨٩٤ في جنيف والحادي عشر سنة ١٨٩٧ في باريز والثاني عشر سنة ١٨٩٩ في رومية والثالث عشر سنة ١٩٠٢ في هامبورغ والرابع عشر سنة ١٩١٢ في اثينة ويعقد السابع عشر سنة ١٩١٥ في أكسفورد وسيكون هذا المؤتمر برئاسة رئيس كلية أكسفورد وعهد برئاسة اللجنة المنظمة إلى الأستاذ مكدونل واللجنة العامة مؤلفة من أساتذة اللغات الشرقية أو من مدارس الدروس الشرقية في كليات ابردين وبريستول وكمبردج ودوبلن واديمبراج وغلاسكو وليفربول ولندرا ومنشستر ووسانت اندري وبلاد الغال في بريطانيا العظمى ومن لجان الجمعيات العلمية الانكليزية مثل الجمعية الأفريقية والجمعية التوراتية الأثرية والجمعية البوذية وجمعية آسيا الوسطى والجمعية الصينية وجمعية آثار مصر والجمعية اليابانية وجمعية الأبحاث الفلسطينية والجمعية الفارسية والجمعية الآسياوية الملكية وغيرها وستبدأ مداولات المؤتمر يوم ١٣ أيلول ١٩١٥ وتنتهي في ١٨ منه وسيكون أبحاثه في علم التعريف الإنسان والآثار وفي علم الآثار الأشورية وفي آثار آسيا الوسطى والشرق الأقصى ومصر وافريقية والهند واللغات والآداب الإسلامية وفي اللغات السامية وفي آسيا الغريبة وإيران وتكون اللغة التي يجوز هذه وجب عليه أن يطلب الترخيص له بذلك من رئيس اللجنة التي هو احد أعضائها أو يريد التكلم فيها وقيمة الاشتراك بالمؤتمر ليرة انكليزية تدفع سلفاً ويفاوض بكل ما يتعلق بشؤون المؤتمر القادم: ومن يشترك بالمؤتمر يأخذ كتاباً بأعمال رجاله ويحق للأعضاء أن يركبوا البواخر والسكك الحديدية وينزلوا في فنادق معينة بأجور متهاودة حقق الله نيات رجال العلم ونفع بهم على اختلاف الغايات واللغات. عبرة الحرين ١ انتدب القائمون على وقف المحسن كارنجي الأميركي جماعة من أهل النظر والإنصاف والعلم من الانكليز والألمان والفرنسيس إلى وضع تقرير في الفظائع التي ارتكبت في حرب البلقان الأخيرة بل في الحربين الأخيرتين فقامت اللجنة المؤلفة لهذا الغرض بما كان الواجب على الدول الممدنة أن تقوم به فكانت خدمتها عظيمة جداً لأبناء الأجيال المقبلة قاموا بذلك وهم على مثل اليقين بأن خدمة الحق المجرد توشك أن تسخط العالم كله. وقد عهد بتأليف هذه اللجنة إلى المسيو دستور تل دي كونستان من كبار المفكرين في مجلس الشيوخ الفرنسوي فتوخى أن يكون من تقرير هذه اللجنة فائدة اقتصادية كبرى لتلك الحكومات التي تقاتلت وتطاحنت فتكون واسطة للسلام بين الأنام وتسعى الحكومات إلى إصلاح خطئها الظاهر ويحقق المتحاربون آمال الرأي العام الأوربي الذي لا يريد أن يبقي جزء من أوربا معطلاً في حين يستطيع أن يشارك حق المشاركة في الارتقاء العام الذي آخذ مجراه من أوربا في كل مكان وقد طافت هذه اللجنة بلاد البلقان من بلغراد إلى سلانيك فأثينة فالاستانة فصوفيا ومن صربيا إلى يونان إلى مقدونية إلى العثمانية إلى تركيا إلى بلغاريا. ظهر من مجموع تحقيقات اللجنة أن جميع الحكومات مسؤولة عما أتت من الفظائع أن الجيش الروماني الذي لم يحارب في الحقيقة حرباً تشبه حرب المتخالفين من البلقانيين قد ثبت عليه إتيان المنكرات وجميع المتحاربين خالفوا المبادئ الجوهرية من الحقوق العمومية المتعلقة بالحرب. وقد نشرت لارفو الافرنسية فصلاً لدستور نل دي كونستان قال فيه: ما قط جاءت العبرة أصرح ولا أفظع مما جاءت هذه المرة فإن الشعوب التي طالما اضطهدت في شبه جزيرة البلقان قد أتت باتحادها بأعمال لم تستطيع أوربا القادرة المنشقة على نفسها أن تتصورها فاستولت في بضعة شهور على كريت وسلانيك واسكوب واشقودرة وادرنة وأوشكت أن تدخل الأستانة وكان ذلك خاتمة المطاف وآخر حل للخلاف. فلما انحلت رابطتهم قضي عليهم أن يبقوا وضعف قواهم. فإن الحرب الثانية ليست في الواقع حلاً للأشكال بل هي مقدمة لعدة حروب بل حرب كل ساعة وأفظع الحروب بل حرب الدين وحرب الانتقام وحرب العناصر وحرب شعب لأخر وإنسان لإنسان وأخ لأخيه وبه يسلب الجار ملك جاره ويأتي على قوميته فينتزعها وبقي العثمانيون في أوربا على كل حال. ولم تنجح نتيجة من ضحايا أدرنة وكان من أمر مقدونية أن نجحت من كونها مقبرة لتصبح جهنماً ومزقت تراقياً أجزاء وجعلت ألبانيا إمارة فكانت وما زالت أتعسهن حظاً وأكثرهن هدفاً للمطامع البربرية تكمن لالتقامها كل من النمسا وصربيا والجبل الأسود واليونان وايطاليا. والكنائس والبيع تتخاصم بحيث أصبحت اقل حرية مما كانت على العهد العثماني وستكون الأستانة أكثر مما كانت تفاحة الخلاف الأبدي تحت ملاحظة الروس تراقبهم ألمانيا والنمسا وبلغاريا والمجر وصربيا ترقب أحوال مضيق الأستانة والجزر تتخاصم عليها العثمانية بل أسيا مع ايطاليا واليونان وانكلترا بل جميع دول أوربا العظمى وقد فتح البحر المتوسط لخصومات جديدة فأصبح ساحة وغى لم يكنها من قبل فالمستقبل مظلم ولكنه يتجلى بالنور إذا أحبت ذلك أوربا بل الدول العظمى العسكرية فبيدها كما هو أوربا وأمريكا نزاع بين ظالم ومظلوم بل هو نزاع بين سياستين سياسة التسلح وسياسة الارتقاء فتقوي سياسة الارتقاء تارة وتتغلب عليها من الغد سياسة التحريض والبغضاء التي تؤدي إلى حمل السلاح فالحرب. عناية الشعوب في العالم القديم والجديد بالمنافسة الاقتصادية التي تؤدي إلى غلاء أسعار التسلح قد جعل الأمم تحنق على هذه الطريقة والإفراط في التسلح هو من لوازم ارتقاء الصناعات ولا يربح من هذا السلام المسلح في الحقيقة إلا البلاد الصغرى أو البلاد الجديدة التي ليس عليها ديون وليس لها ميزانيات ضخمة وقد اتضح للدول أن أغناهن أكثرهن تأثراً بالحرب فاخذ كل من انكلترا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وغيرها يطلبن السلام وكان العامل الأكبر في حملهن على الرغبة فيه أمور كثيرة واخصها ضرورة المنافسة العامة وسرعة المواصلات وعصيان أرباب التكاليف والخوف من الفوضوية ومما تخبؤه الأيام في بطونها. أن عدداً عظيماً من الناس ورؤوس أموال طائلة تعمل لصنع السلاح وكل يوم تزايد أدواتها وتتجمع القوى والأموال لتصرف في سبيلها فالأسواق تروج بطلب السلاح والجرائد توقد جذوة الحروب والنقابات المتعهدة بتقديم السلاح تعمل على توسيع كل خرق لتستفيد من ذلك فوائد مادية مهمة. والسياسة الخارجية في التسلح عند امة عظمى أن تستأثر هي قبل كل شيء بطلبية أسلحة والمحور الذي تدور عليه السياسة أن تقوم امة بتقديم بنادق ومدافع ومدرعات وان تصرف أموال القروض في بلاد معينة وقد أصبح الجهاد حروب نفوذ ودسائس والسفراء الذين لم ينظروا إلى ذلك نظر يقظة وانتباه يسقطون من مناصبهم فألمانيا سلمت العثمانية بل سلحت المستعمرات والممالك الصغرى الفقيرة وسعى رجال السياسة إلى حمل أميركا الشمالية والجنوبية واستراليا على التسلح واضطروا كندا - ومستقبلها مناط بإعفائها بحارة كان في وسعها أن تستغني عن إعالتهم قرناً آخر. وكذلك فعلت استراليا وقد حاولت برازيل والأرجنتين والشيلي وسائر جمهوريات أميركا اللاتينية أن تعيش بسلام ولكن شياطين الأنس من التجار ووكلاء معامل الأسلحة أقنعوهن باستصناع مدرعات ضخمة وحملوا برازيل والأرجنتين على الاستغناء على المدرعات القديمة لبيعها من العثمانية واليونانية وستصبح الأستانة دار صناعة كبرى بل مرفأ حربياً جديراً بتاريخها وتضطر أساطيل اليونان ايطاليا إلى أن تزيد أسطولها وتجري على مثال ذلك الممالك الكبرى في أوربا وأمريكا وهكذا تبلغ السفراء تبليغاتهم السرية إلى حكوماتهم مبالغهن بقوى غير دولهم ودولتهم تبلغها للصحف التي توقد جذوة الفتن كلما خمدت بحيث صحت نبوءة الأميركان في قولهم: أن الحرب المستقبلة ستعلنها الصحافة. وعندئذ يكون اليونان والعثمانيون والصرب والبلغاريون والجبليون والالبانيون مدججين بالأسلحة ولهم من المدافع والدردنوتات التي لا نعرف كيف نستخدمها فيعودون يقتتلون من جديد ويقودون وراءهم حكومات أوربا الذين يكونون مثلهم فدية الصحافة والوطنية في الحقيقة وطنية مال وكسب أو سياسة التسليح. قلت في خطاب لي في مجلس الشيوخ أن فرنسا أنفقت منذ ثلاث وأربعين سنة زهاء مئة مليار فرنك أي زهاء ملياري فرنك كل سنة على تسليحها ولم تنتج لها فائدة من هذه النفقة الكبرى. هذا معدل السلام المسلح في مملكة واحدة فضع ولا تخف عدة مئات من المليارات صرفت في خلال نصف قرن في مجموع البلاد. تمثل لذهنك عظمة هذه القناطير المقنطرة من الذهب الذي صرفته أوربا فيما لو صرفت نصفه على المدنية أما كانت أوربا بل افريقية واسيا تهذب كلها وتحيا بمواصلاتها ومعارفها وأمنها ولعمري كيف كانت هذه الشعوب البلقانية التعسة لو صحت عزائم ممالك أوربا الكبرى الحامية لها على التخلي عن المنافسة بينهن في تسليحهم وحصروا منافستهن في إنشاء طرق لتلك الشعوب وأعمال صناعية وفنية وسكك حديدية ونهرية ومدارس ومتاحف ومعامل كيماوية ومستشفيات. ليست الشعوب البلقانية هي المجرمة الحقيقية في سلسلة هذه المصائب والقتل والغرق والحريق والذبح والفظائع بل ولا الحكومات الأوربية بل المجرمون الحقيقيون هم الذين يخدعون الرأي العام ويستفيدون من جهله لينادوا بالويل والثبور وعظائم الأمور ويحمسوا ويهيجوا ويحملوا بلادهم على بغض البلاد الأخرى بل كل البلاد على التباغض بعضاً لبعض. المجرمون الحقيقيون هم الذين يعلنون كل يوم مدفوعين بعامل المصلحة أو المزاج الحرب التي لامتصاص منها وتنتهي بهم الحال إلى إعلانهم بحجة إنهم يئسوا من التحذير منها. المجرمون الحقيقيون هم الذين يفادون بالمصلحة العامة لأجل منافعهم الشخصية الذين يتبعون لبلادهم سياسة خرقاء سداها المشاكل ولحمتها الانتقام في حين لا ينفع الصغار كما لا ينفع الكبار إلا السلام والوئام وفيهما النجاة والحياة ليس إلا. هذا ما قراناه في الصحيفة الباريزية وقد رأينا أن نشفعه بما كتبه مجلة لاروس مانسويل في أسباب الحرب البلقانية ونتائجها من سنة ١٩١٢ - ١٩١٤ قالت: أن الحربين الشرقيين من سنة ١٩١٢ - ١٩١٣ والأولى بين الدولة العثمانية وممالك البلقان المسيحية المتحالفة والثانية بين هذه الممالك هي افجع الحوادث التي يسطرها تاريخ المسألة الشرقية بعد معاهدة برلين ( ١٧٨٧ ) فوفق شعوب البلقان بعد جهاد أربعة قرون كانوا مظلومين في خلالها إلى أن خطوا هذه الخطوة الواسعة فلم يبقوا للعثمانية إلا الطرف الشرقي من شبه جزيرة البلقان والى توسيع مصورات هذه الممالك المسيحية لتنمية عناصرها وانتشارها. بيد أن غلبة الممالك المسيحية التي تمت بدون معاونة الممالك العظمى وأحياناً على الرغم منها يعدل في مسلك هذه الممالك الكبرى في الشرق فيقضي على أطماعها أراض جديدة منه بدل يؤثر تأثيراً كبيراً في أطماعها الاقتصادية أيضاً وثبت أن الدول الست لم تعد تفلح في حمل شبه جزيرة البلقان على العمل بما تراه الشعوب البلقانية أدركت سر قوتها وغناها فعدل الشعوب البلقانية بأنفسهم سياسة البلقان وتزعزع المبدأ الذي سارت أوربا عليه في دعوى سلامة المملكة العثمانية فصارت أوربا تود أن تكون الأستانة حرة وقسمت الأصقاع الجديدة في الأرض العثمانية إلى مناطق اقتصادية. أن السبب في الحرب العثمانية التي نشبت في تشرين الأول ١٩١٣ شكوى المسيحيين من الإدارة في ابيروس وألبانيا ولا سيما مقدونية فكانوا ذريعة لتدخل الممالك الصغرى التي تطمح منذ زمن إلى ضم الشعوب التي هي من عنصرها إلى بلادهم ولم تستطع أوربا المختلفة المقاصد أن تحول دون هذا التدخل. ولقد حاولت أوربا أن تقطع شأفة الاضطرابات المقدونية فأخذت حكومتا فينا وبطرسبرج من سنة ١٩٠٥ إلى ١٩٠٧ تساعدهما لجنة دولية لتنظيم الإدارة المالية والقضائية في مقدونية ثم أنفقت روسيا وانكلترا غداة مقابلة رفال على توسيع المراقبة الأوربية في هذه البلاد ولكن انتشار القانون الأساسي قد وكل الأمر إلى الباب العالي وكان الانقلاب ٢٤ تموز ١٩٠٨ من عمل الوطنيين المسلمين ممن كانوا يكرهون المداخلة الأوربية مثل سائر الوزراء السابقين على عهد السلطان عبد الحميد وقد طرح برنامج الإصلاحات المقدونية جانباً فكان (كذا) حظ المسيحيين المستبعدين في شبه جزيرة البلقان في سنة ١٩١٠ أتعس مما كان عليه أيام المذابح الأرمنية. وبدت إمارات الضعف في حكومة الأستانة مرات فراحت أوربا تحاول حل المسألة الشرقية وكان من ذلك ضم النمسا لولايتي البوسنة والهرسك (تشرين الأول ١٩٠٨ ) وأعلنت بلغاريا استقلالها ونشبت فتنة في الوقت نفسه في اليمن ( ١٩١٠ ) وظل الاضطراب سائداً في أرمينية وكان من الحرب الايطالية العثمانية ( ١٩١١ - ١٩١٢ ) خصوصاً دليل على ضعف العسكرية العثمانية على حين اشتداد الأزمة على مسيحي مقدونية فخاف ملوك البلقان من حنق الرأي العام عليهم في بلادهم ونظروا إلى اختلاف أوربا فرأوا في ربيع سنة ١٩١٢ أن ساعة التحالف قد حانت. فاتخذت الممالك البلقانية اتحاداً سياسياً عسكرياً عقيب مفاوضات طويلة فعقدت محالفة أولى بين صربيا وبلغاريا سنة ١٩٠٩ ولم يخف على روسيا ما جرى بينهما فتلقته بالقبول لأنها رأت فيه جواباً مناسباً لتضم النمسا للبوسنة والهرسك. وتمت هذه المحالفة سنة ١٩١٢ على أن تكون التخوم بين البلادين صربيا وبلغاريا آخذة من وارنة مجتازة بحيرة أواخر يدا إلى أن تبلغ البحر الادرياتيكي وفي تموز ١٩١٢ عقدت محالفة أخرى بين بلغاريا واليونان على أن تترك هذه سلانيك خارج المنطقة التي تريدها ثم عقدت محالفة بين بلغاريا والجبل الأسود يسقط بموجبها الاتفاق الذي كان هذا الجبل عقده والنمسا سنة ١٩١٠ ويضمن هذا الاتفاق الجديد للملك نقولا جزءاً من لواء بازار (توفي بازار) ومدة هذه المحالفات إلى خمس وعشرين سنة وقد ترك البحث في مسألة الأستانة احتياطاً وتفادياً من مس أوربا. وفتحت المشاكل بين العثمانية وممالك البلقان أولاً بأن طلبت حكومة جتنة الجبلية إلى الباب العالي أن تعين حدود المملكتين إذ كان الجبليون من أهل الجبل الأسود في عراك دائم مع القبائل الارناؤدية فتضاممت الأستانة عن هذا الطلب وداهم في أوائل أب رجال الدرك العثمانيين ارض الجبل الأسود على طول تارا وأحدثوا مذابح في مواكوفاز وفليكا وبرانه وغيرها. وحدث مثل ذلك في بوتشانا من مقدونية بين العثمانيين والبلغاريين فزاد في سخط الرأي العام البلغاري فرأت حكومة صوفيا أن تبادر إلى إرسال مذكرة إلى الدول مخافة أن تستحق غضب الحزب الوطني وذلك في منتصف اب قائلة فيها انه بالنظر لحرج الحالة في البلقان فإن أحسن واسطة لمقاومة النزعة الحربية في الشعوب المسيحية في مقدونية وتراقياً أن تمنح الحكومة العثمانية الإصلاحات المطلوبة لذينك القطرين فأجابت الدول داعية حكومة صوفيا إلى التزام السكون وحكومة الأستانة إلى منح الإصلاحات المنشودة. واكتفى الباب العالي بأن يعد المسيحيين بقانون الولايات القديم الذي نشر سنة ١٨٨٢ ودلت التجارب انه لم يطبق فأخذت الحوادث تتكرر وكانت أنشأت صربيا وبلغاريا منذ أسابيع تعد جيشهما للقتال بحجة القيام بتمرينات عسكرية كبرى فقلقت العثمانية وجمعت ٢٥٠ ألفاً في ولاياتها الأوربية ولا سيما في أرجاء أدرنة وعلى الحدود الشمالية من تراقيا. وفي اليوم الثامن والعشرين من أيلول دعت بلغاريا الدول لتوقيف التجنيد عند العثمانيين. وفي ٣٠ أيلول زاد تجنيد العثمانيين فقررت بلغاريا وصربيا أن تدعو جميع جيشهما إلى حمل السلاح وفي ٣ تشرين الأول دفع وزراء الممالك المتحالفة إلى حكومة الأستانة بلاغاً مشتركاً تطلب فيه منح الاستقلال الإداري لجزيرة كريت ولصربيا القديمة ولمقدونية ولألبانيا وأمهلت الدولة ثلاثة أيام لإعطاء الجواب إذا لم يرسل الجواب بعدها بعمد الحلفاء إلى استعمال السلاح وحاولت الدول العظمى أن تدهل في إصلاح ذات البين بين العثمانية والحلفاء فلم تفلح وكان الباب العالي يستند على ألمانيا ويفاوض من جهة أخرى لندرا وفينا وباريز فيضيع الوقت في المفاوضة وفي ٩ تشرين الأول بدأ الجبل الأسود بإعلان الحرب على العثمانية وفي ١٣ تشرين الأول عاد الحلفاء للبلقانيون فبعثوا بمذكرة إلى الباب العالي يمهلونه ثلاثة أيام ويجعلون مطالبهم في احد عشر بنداً: تقسيم الولايات إلى إيالات تراعى فيها أجناس النازلين فيها وان يكون النواب في مجلس الأمة العثمانية نصفين الأول من المسلمين والآخر من المسيحيين على حد سواء وان يعين لها ولاة مسيحيون بلجيكيون أو سويسريون وان يقبل المسيحيون في جميع الوظائف الإدارية في المملكة العثمانية وتعين لجان للمراقبة يعهد إليها الإشراف على تنفيذ الإصلاحات التي يجب أن تتم في ستة أشهر الخ وفي ١٧ تشرين الأول بعد أن بعث الباب العالي بمذكرة فيها شيء من الإبهام في توجيه التبعة على من يستحقها أعلنت الحرب بلغاريا وصربيا وفي ذات اليوم قرر مجلس النظار اليوناني أن يعلن الحرب على العثمانية فاجتازت الجنود اليونانية التخوم العثمانية صباح ١٨ منه وبذلك نشبت الحرب على جميع تخوم المملكة العثمانية. يكفي إلقاء نظرة قليلة على المصور الطبيعي لبلاد البلقان لتتمثل للقارئ صعوبة الحركات العسكرية على قواد العثمانيين لدى مداهمة كل من بلغاريا وصربيا واليونان للبلاد العثمانية. فإن النجاد من جبل رودوب أو دسبوت طاغ التي تصل إسنادها الأخيرة إلى القرب من البحر بين سرس واورفاني مطوقة واديء ستروما وتفصل ترانية هي مضطرب الجيوش البلغارية العام عن وادي واردار الغني الفسيح وهو الطريق المستقيم لصربيا نحو سلانيك الذي كان الغاية التي تطمح إليها كل من الصرب واليونان. ومثل ذلك يقال في وادي فيستريزا الأوسط ولا سيما الأراضي الواقعة على البحر اليوناني ووادي فويتوزا وابيروس الجنوبية. فالطرق والأودية والسكك الحديدية كلها في التقسيم ألبانيا الشمالية حيث اشقودرة على أربعين كيلو متراً من حدود الجبل الأسود أن البلاد كانت أربع ساحات كبرى للحرب ممكنة ولكن بدون اتصال سهل بينها وبذلك لم يكن العثمانيون على ثقة من مواقع الهجوم عليهم فاضطروا إلى توسيع خطوط الدفاع فإن العثمانية وان استطاعت في الحال أن تجمع ٤٥٠ ألفاً من المشاة و ٢١ ألفاً من الفرسان و ١٠٤٨ مدفعاً لكنها لم تعمد إلى التزام خطة الدفاع وما كان الأمر بالتجنيد يتناول غير فيالق تراقية ومقدونية وجزءاً من الأناضول واقتضى في الأولى أن يلاحظ إدخال المسيحيين في صفوف المقاتلين في حرب عنصرية دينية وفي الثانية أي في عسكر الأناضول شعر بقلة المواصلات السريعة بين الأستانة واسيا الصغرى وليس في الأناضول سوى خطوط حديدية ضيقة أو ذات خط واحد والجند الاحتياطي الذي أرسل من مرافئ البحر الأسود اقتضى نقله على بواخر إلى الأستانة والى رودوستو (تكفور طاغي) أو سيلوري لتتجه بعد ذلك صوب البلاد التي تحارب فيها ثم أن الحرب الايطالية العثمانية وفتنة اليمن واضطرابات ألبانيا قد اقتضت نقل الجنود من تلك الأصقاع للحرب ومن هنا نشأ تأخير جديد في التجنيد أو تعديل في الحركات العسكرية في بعض الأحوال. ولم يستطيع العثمانيون أن يجمعوا في اليوم الخامس عشر في تراقية سوى ١١ فرقة نظامية و ٨ فرق رديف ثم بعد حين التحق بها ١٢ فرقة من رديف آسيا الصغرى والظاهر أن الخطة الأولى التي اعتمدها أركان الحرب العثمانية كانت الوقوف في وجه الجيوش البلغارية في تراقية حيث كان معظم قوتها وذلك بحشد الجند الكثير لسد جميع منافذ الدفاع من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي والى الجنوب من وادي واردار فإن الصعوبة الطبيعية في رسم الأرض هناك كانت موافقة للدفاع على ما يظهر. فإن القوى العثمانية بعد أن الفت حامية قوية لموقع أدرنة وحامية تمسك بافواه مضايق الجبل كانت عبارة عن أربعة فيالق في تراقية كل فيلق مؤلف من ثلاث فرق مقسمة بين معسكر أدرنة المنعزل القوي وقلعة قرى كليسا ويرأسه عبد الله باشا ( ٢٣٠ ألفاً) وكانت قوة العثمانيون في مقدونية مؤلفة من جند تلك الأصقاع أي من الفيالق الخامس والسادس والسابع ومن الفرقة الثانية والعشرين والثالثة والعشرين والرابعة والعشرين المستقلة ( ٢١٠ آلاف) أمدتها بالتدريج ثلاث عشرة فرقة من الرديف وتجمع الفيلق الخامس في سلانيك والسادس في مناستر والسابع في شمالي وشرقي اسكوب عند نقطة اتصال الخطوط الحديدية نحو نيش وسلانيك وسلمت قيادة حدود الجبل الأسود للفرقة الرابعة والعشرين والفرقتان الثانية والعشرون والثالثة والعشرون أخذتا بأفواه مضايق تساليا والبند وأرجاء قوازانا وأواسط فيستريزا وبانيا. وكانت قلة عددهم بالنسبة لجيوش اليونان مادية. وفاق الحلفاء البلقانيون الجيش العثماني بسرعة التجنيد وهجومهم فتم تجنيد المشاة والاحتياط في بلغاريا في اليوم الخامس وقلة الخيل آخر تجنيد الفرسان والمدفعين إلى اليوم الحادي عشر. فاجتماع تسع فرق من المشاة البلغار وتسعة الوية وفرقة من الفرسان قد تم من اليوم السابع إلى الرابع عشر وانتهى بتجنيد المهاجمين وكان محورهم الرئيسي متجهاً صوب وادي مارتيزا (وهو ثماني فرق عاملة و ٥ ألوية من الاحتياطي تحت القيادة العامة للجنرال سافوف يعاونه الجنرال فيتشف رئيس الأركان الحرب البلغاري) وهناك جيش ثانوي بقيادة الجنرال كونتشف رابط في كوستندل ماداً يده للجناح الأيسر من الجيش الصربي. وبعد ذلك يجيء جيش ثالث بقيادة القائد رادكوديمتريف منبعثاً على طول نهر طونجة من يلمبوني إلى قزل اغاطاش. أما الجيش الصربي (نحو ٧٠ ألفاً) فكان بقيادة القائد يوتنيك مجنداً في مثل هذه المدة التي تجند فيها الجيش البلغاري ولكنه اجتمع في اليوم العشرين مبثوثاً من كوستنديل (الفيلق الثاني) إلى رشكا ماراً بأعالي نهر مورافا (الفيلق الأول في جنوبي نيش) وكورشوميلي (الفيلق الثالث) أما الجيش اليوناني نحو ١٢٥ ألفاً فلم يبق في شمالي ارتاسوي كتيبة حامية (فرقة واحدة) والفرق الست الأخرى اجتمعت كتلة واحدة في تساليا شمالي لاريسا أمام مضيق الاصونة وكان لي العهد قسطنطين يقودها بنفسه. والأسطول اليوناني الصغير بأمره الريان كوندريوتيس يحارب على الشاطئ على مقربة من سلانيك ويستولي على بعض الجزر في بحر ايجة ولا سيما لمني وبزجه مر معنا أن الجبل الأسود أعلن الحرب يوم ٨ تشرين الأول أي قبل عشرة أيام من انقطاع المفاوضات رسمياً بين الدولة العثمانية والحلفاء البلقانيين. وقد بدأت الوقائع في الحال واجتهد الجبليون بعد أن كشفوا اشقودرة كان جيشهم في الجنوب بقيادة القائد مارتينوفتش قد اخذ على نفسه القيام بذلك سائراً نحو حصن ترابوش أن يبادر إلى مد يديه للصربيين بالقرب من لواء يكي بازار. فقاوم العثمانيون على طول التخوم الجبلية إزاء بودغورتسا ٩ تشرين ومن الغد استولوا على حصون روغام ودتشيش وفي الأيام التالية داهم الجبليون بشدة معاقل شبشانيك ١١ - ١٣ تشرين فاستولوا عليها ثم حصون وارنة وهليم واتوا بعسكر إلى الجنوب من طريق وادي درين نحو وسووسان جان دي مودا ومنذ اليوم السادس عشر من تشرين الأول نجح القائد فوكوفيش في حركاته نحو بلاد وغوسينه وفي اليوم الحادي والعشرين بلغ وادي ليم وفي اليوم السادس والعشرين التحق بالجيوش الصربية نحو سيانتزا واحتلت أبيك يوم ١٣ ولم يلبث الهواء من هذه الجهة أن تبدو صعوباته فانقطعت الحركات الحربية وحصر الجبليون وكدهم في مداهمة أعالي ترابوش التي كان يتقدم فيها القائد مارتينوفيش وفي ذاك التاريخ أخذت الوقائع في تلك الحملة تجري في ساحات أخرى. ولقد دخلت القوى المهاجمة اليونانية والصربية والبلغارية في آن واحد تقريباً أي في ١٨ تشرين الأول والنقد من حيث الوجهة العسكرية قليل على الجيشين اليوناني والصربي والعثمانيون لم يضعوا أمامهم سوى كتائب متوسطة بقوتها فقد اجتمع معظم الجيش اليوناني في سهل لاريسا من أعمال تساليا وسار على العثمانيين فرقتين واتجهت الفرقة التي تحت قيادة ولي العهد ١٨ تشرين الأول مارة بفجاج ملونا على الاصونة فاستولت عليها ووصلت طلائعها يوم ٢١ منه إلى سرفيا واقتتلت مع فرقة عثمانية فاضطروها إلى التسليم بفضل كثرة عددهم وكثرة مدفعياتهم ٢٢ - ٢٣ تشرين الأول وكانت فرقة الشمال خلال هذه المدة تتقدم على خط مواز على كرفنا جاعلة مناستر غاية قصدها فدخل ولي العهد إلى قوزانه يوم ٢٦ تشرين الأول وضايق فجاج ترميوتاموس في جنوب فريا وافتتح المدينة بعد حرب عوان. ومن هناك اتجه نحو سلانيك في ثلاث فرق من رجاله في حين الفرقتان الثانيتان سائرتين على مناستر من طريق بانيجه وفلورينه. وقد التقت طليعته يوم ٥ و ٦ تشرين الثاني مع العثمانيين على شواطئ الواردار في يكيجه ريثما تنضم إليها المدفعية وتعزز بمعظم الجيش في ٧ منه قذفوا بالعثمانيين إلى الشاطئ الشمالي من النهر بعد قتال شديد في الجملة فاجتازه ولي العهد على آثره ليدخل يوم ٩ منه إلى سلانيك فسلمت الحامية العثمانية مع القلعة وصحون المرفأ وكانت مؤلفة من ٢٥ ألفاً. وقد فشلت الفرقة اليسرى اليونانية في الغرب فاكتشفت من جناحها لكثرة سير ولي العهد فألقى بها الجيش العثماني من بانيجه إلى قيالر فحملتها خسائر جسيمة مادية ولكن العثمانيين عاد فرسان الصرب فهددوهم من الشمال فلم يستطيعوا مطاردة الجيش اليوناني. وفي ٢١ منه احتل اليونان فلورينة الجديدة واستولت الفرقة اليونانية التي غادرت ارتا في ابيروس على بروزة ثم اجتاز على شدة الفصل وضعف البلاد عل إعالة الجيش مضايق كوستزادس ومضايق بنتوبيكاديا واحتلت هذه المدينة الأخيرة يوم ١٥ منه في حين أن كتيبة سيارة تقصد فالونة من طريق وادي سوشيتزا. وكان الأسطول اليوناني قد قام بوظيفته خير قيام بأن اغرق في ميناء سلانيك البارجة العثمانية فتح بلند القديمة القائمة على حراسة الساحل وبإخراجه جنداً إلى جزائر ساموتراس وليمني وبوزجة ونيكاريا ومدللي وصاقز الخ. قام الصرب في مقدونية بأصعب مما قام به اليونان فكانت القوى العثمانية مجتمعة حول اسكوب فاجتاز الجيش الأول الصربي ( ٧٥ ألفاً) غداة إعلان الحرب بقيادة ولي العهد التخوم بين ريستوفاتزوز يبقجة ومقدمة الصفوف العثمانية نحو الغرب على طول السكة الحديدية. وفي اليوم نفسه اجتاز الفيلق الثالث (بقيادة زيفكوفيش) مضايق بروبولاز بالقوة أما الفيلق الثاني فقد عضده البلغار فاستولى يوم ٢ تشرين الأول والبلغاريون من ورائهم على كراتوفا وكوتشانا. وكانت قومانوه الغاية العامة وهناك نشبت المعركة الفاصلة يوم ٢٣ و ٢٤ تشرن الأول فهو هاجم الجيش العثماني المؤلف من ستين ألفاً بقيادة زكي باشا من ثلاث جهات فاضطر إلى أن يتراجع نحو اسكوب ودخل جيش القائد ستيانوفيش من الغد إلى اشتب واحتل ولي العهد اسكوب يوم ٢٦ منه فانهزم الجيش العثماني إلى مناستر. وكانت كتائب صربية ذهبت مدداً للجيش الجبلي بقيادة فوكوفيتش وأخرى نزلت وادي واردار مهددة سلانيك وثالثة (مؤلفة من فرقتين) رجعت إلى كوستنديل لتذهب منها في السكة الحديدية لنجدة الجيش البلغاري بقيادة القائد ايفانونف الذي عهد إليه حصار سلانيك. أما معظم الجيش الصربي فقد ظل متابعاً سيره ظافراً نحو مناستر وبعد قتال شديد دام يومين اضطرت المدينة إلى التسليم ( ١٨ تشرين الثاني). وفي ٢٨ منه اجتازت فرقة ألبانيا الشمالية ودخلت دراج على البحر الادرياتيكي. وفي تراقية بين العثمانيين والبلغاريين وقعت الوقعة الكبرى فقد تقدم آنفاً كيف قسمت قوى المتحاربين إجمالاً ففي اليوم الثامن عشر من تشرين الأول سار الجيش الأول إلى فرقتين فسارت الفرقة الأولى على طول نهر طونجة يدوس الفرسان العثمانيين من جهة أدرنة وأخذت الثانية نحو الغرب فاستولت على خاصكوي ومصطفى باشا وفي ٢٠ منه ضربت في جمعة بالأفرقة عثمانية وجاء في ٢٢ منه الجيش البلغاري الثالث لتقوية الجناح الأيسر من الجيش الأول سائراً في مسالك صعبة مبرزاً من الشجاعة شيئاً كثيراً آخذة في سيرة على مضايق الجبال ملقياً بالحامية العثمانية إلى فرق كليسا حيث كان الجيش بقيادة محمود مختار باشا وعزيز باشا فاستولى الذعر على العثمانيين كأنهم في قتال حمي وطيسه فجلوا عن المدينة يوم ٢٤ منه صباحاً وخاف الجيش كله أن يقطع عليه خط الرجعة مع الأستانة فتأخر إلى بابا اسكي ولوله برغوس والى الشاطئ الأيسر من ارجين وقد طورد مطاردة شديدة. ونشبت يوم ٢٧ تشرين الأول على نجاد يكاد حصار ولوله برغوس أول حرب دموية فنجح القائد كريستوف البلغاري في هذه الوقعن بفضل انتظام مدفعيته وذلك في يكار حصار كانت تتجه معظم القوى العثمانية في حين أن الفرق الأخرى من الجيش الأول والثاني قد انضمت إليه لتقوية جناحه الأيمن وإطالة حبل امتداده. وفي ٣٠ تشرين الأول عقيب وقعة جرت من الليل فتح طريق النجاد للبلغار وذلك في وسط المعسكر العثماني وفي ٣٠ منه مساءً اضطر العثمانيون إلى الجلاء عن تلك الأرض بتاتاً منهزمين إلى جورلي ثم إلى خطوط الدفاع في جتلجة الواقعة بين البحر الأسود وبحر مرمرة فحللوا دون كل هجوم عليهم إذ قد عززوا خطوط الدفاع على جهة طولها أربعون كيلو متراً معمولة من حصون وفيها مدفعية قوية (مائتا مدفع من العيار الكبير) وعلى هذه الجهة حاول البلغار التقدم فلم يفلحوا فإن عدة وقائع صعبة حدثت في لازاركوي ( ٧٧١ تشرين الثاني) والمحمودية وغيرهما لم تسمع لمشاة البلغار التي كانت تمزق شملها بالنيران والأمراض أن تقاوم العثمانيين والبحر من ورائهم تحميهم المدرعات العثمانية. وفي ٢٠ تشرين الثاني عقدت هدنة قصيرة بين المتحاربين وفي الأيام التالية ظهر الهواء الأصفر في الأستانة ثم في الجيش العثماني في جتلجة ومنها سرى إلى المعسكر البلغاري وفي ٢٣ منه أعلن كان الحرب البلغاري توقف الحرب وكانت انتهت هذه الحرب الهائلة التي دامت على أمدها شهراً من الزمن باستنزاف قوى الفريقين المتحاربين فحان الوقت المناسب لإصلاح ذات بينهما. الترجمة عند العرب كنت نشرت مقالة في جريدة المقتبس اقترحت فيها على فضلاء السوريين تأليف جمعية وتجعل هدفها نقل الكتب اللازمة لمدارس من اللغات الإفرنجية إلى اللغة العربية ووعدت أن اشفع ذلك الاقتراح بجملة اذكر فيها نشأة الترجمة في عهد الأمويين والعباسيين واهتمامهم لهذا الأمر الخطير إذ اللغة بالحقيقة لا تنهض وتمد أجنحتها ويأخذ القريب والبعيد بخط منها أن لم تكن لغة العلوم المادية وما كان الناس يقبلون على الألمانية أو الانكليزية أو الافرنسية لو لم تكن لغات العلم. بدأت الترجمة على عهد الأمويين فهم الذين سنوا تلك السنة فان ماسرجويه البصري الطبيب الشهير الذي كان معاصراً لمروان بن الحكم قد نقل من اللغة السريانية كناشاً من أفضل الكنانيش تأليف القس اهرون بن أعين فلما تولى الخلافة عمر ابن عبد العزيز وجد هذا الكتاب مدفوناً في بطون مكاتب الشام فرأى من الحكمة أن لا يدع ثمرة هذا الكتاب تذهب إدراج الرياح فنشره لينتفع به الناس وليشجعهم على نقل الكتب المفيدة. كان خالد بن يزيد بن معاوية المتوفى سنة ٨٥ هـ - حفيد معاوية الأكبر محباً للعلم والحكمة وكان فضلاً في نفسه عالي الهمة بعيد النظر راجح العقل ويسمونه حكميم آل مروان قد استقدم في نفسه من مدرسة الإسكندرية راهباً رومياً اسمه مريانوس ورغب إليه أن يعمله صناعة الكيمياء فلما تعلمها أمر بنقلها إلى العربية نقلها له رجل اسمه اصطفان القديم وكان خالد هذا مولعاً بعلم النجوم فانفق الأموال الطائلة وافرغ جهده في سبيل استحضاره لأنه ولعله أمر بترجمة شيء من هذا العلم ولم يصل إلينا خبره كما أمر بترجمة علم الكيمياء وقيل أن خالداً أمر بإحضار جماعة من فلاسفة اليونان ممن كانوا ينزلون مدينة مصر وأمرهم بنقل كثير من الكتب العلمية من اللسان اليوناني والقبطي إلى العربي وهذا أول نقل في الإسلام. ولا يعلم إذا كان عمرو بع العاص قد أمر بنقل شيء من الكتب العليمة إباء ولايته على مصر لما عرف به من الميل للعلم والعلماء وقد كان في أيامه رجل مسيحي من اليعقوبيين اسمه يوحنا النحوي كان في بدء أمره ملاحاً يعبر الناس بسفينته وعلائم الميل إلى العلم بادية على وجهه فإذا ركب معه جماعة من أهل العلم أصغى إلى مذكراتهم ولما اشتد به الشوق ولم يستطيع صبراً على الجهل ترك الملاحة واشتغل بالعلم وهو ابن أربعين سنة فبلغ ما لم يبلغه الناشئون فيه منذ طفولتهم وقد أحسن من العلم فنوناً كثيرة حتى عد من فلاسفة وأطبائه ومناطقه. فلما سمع به عمر بن العاص قربه إليه واحترامه وأكرمه لعلمه وفضله وجعل له المكانة الرفيعة ووقعت بينهما محبة عظيمة اشتهر أمرها وظهر حالها حتى قال بعض المؤرخين: أن المحبة التي نشأت واستحكمت بينهما ترينا مبلغ ما يسمونه النقل العربي من الأفكار الحرة والرأي العالي ولا يبعد أن يكون عمرو بن العاص قد أمر بترجمة بعض الكتب لان من كانت هذه سيرته من الميل للعلماء وشغفه باكتساب العلم لا بد أن تطمح نفسه لنقل بعض العلوم كالفلسفة والمنطق والطب المفقودة من اللسان العربي ومما تقدم تسقط دعوى من ينسب إحراق مكتبة الإسكندرية لعمرو بن العاص بأمر من عمر بن الخطاب رضي الله عنهما لأنه قول بعيد عن الحقيقة ولو صح أن عمر أمر بحرق تلك المكتبة لكان عمرو بن العاص أبان له وجه خطئه بادله ناهضة ويكفي أن يورد له بعض الأحاديث الصحيحة التي تأمر المسلم باتخاذ الحكمة من اغي وعاء كان وان الحكمة ضالة المؤمن يلتقطها أينما وجدها وان القرى حث على طلب العلم حثاً بليغاً ولم يقيده بعلم معين فقال: هل يستوي الذين يعلمون والذين لا يعلمون. على أن من يعرف قيمة الشيء ويقدره حق قدره لا يعقل أن يجازف به لا سيما وعمرو يعد تلك المكتبة من النفس خيرات واجلبا قيمة بدليل احترامه وإكرامه ليوحنا النحوي وما أسهل على عمر إقناع ابن الخطاب بترك هذا الأمر المشين بسيرته الطاهرة لما جبل عليه ابن العاص من السياسة والدهاء والمهارة في إقامة الحجة هذا اذ ١ فرضنا صدوره من الخليفة الثاني. ولا يظن أن عمرو بن العاص لأمر سياسي قد قرب إليه يوحنا فإن هذا كان بعيداً عن ضوضاء السياسة منعزلاً عن قومه لا يعرف إلا المطالعة والبحث والتأليف. قال سيديو المؤرخ الشهير: لا يصح أن تنسب حريق مكتبة الإسكندرية إلى عمر بن الخطاب المشهور له بوفور العقل الدى جميع الأمم ولذا لم يذكرها احد من المؤرخين المعاصرين له فلو فرض صدور أمره بإحراقها لما كان إلا لمقدار قليل فإن معظمها احرق في عهد الملك توديوس آه. ولما انتقلت الخلافة إلى بني العباس ورسخت قدمهم شرعوا بتشييد نهضة علمية فكنت ترى دور الخلفاء مجمع الأدباء والشعراء والعلماء وذلك لرغبة الخلفاء وميلهم للعلم وإجلال أهله وقد بالغوا في أكرام العلماء وقربوهم وجالسوهم وواكلوهم وحادثوهم وعولوا على آرائهم حتى لم يبق ذو علم أو أدب أو قريحة إلا وقصد دار السلام ونال جائزة أو هدية أو راتباً وكم تجود قريحة العالم عند ما يرى نفسه مبجلاً محترماً مقدوراً تعبه حق قدره وأفكاره ترتع في رياض الحرية ليس لأحد عليه سلطة يجاهر بكل ما يعتقده ما دام الدليل حليفه والبرهان مجنه وليس شيء ادعى لقتل الأفكار والمعتقدات من التحكم بها وقد اشتهر بنو العباس بأنهم حماة الرأي ناصروا العلماء حتى المخالفين لهم في المعتقدات وهي مزية عظيمة بها نضجت ثمار العلم وطاب مذاقه والعلم لا ينضج إلا إذا كان تحت عناية أمير تربيته والناس على دين ملوكهم. أول من اعتنى بالترجمة من العباسيين أبو جعفر المنصور وكان شديد الكلف بعلم النجوم وقد تقرب إليه كثيراً من علماء الفرس إذ كانت لهم معرفة زائدة بهذا العلم وأشهر من تقرب للمنصور توبخت المنجم الفارسي ترجم له كتباً كثيرة وكان يصحبه حيثما توجه وممن خدم المنصور في النجوم إبراهيم الفزاري وابنه محمد وعلي بن عيسى الاسطرلابي المنجم وقد قصد المنصور رجل من الهند سنة ١٥٦ هـ - قيم في حساب الهند وعرض عليه كتاباً في النجوم مع تعاديل معمولة على مذاهب الهند فأمر المنصور أن ينقل هذا الكتاب إلى العربية وان تؤلف فيه كتاب يتخذه العرب أصلاً في حركات الكواكب فتولى هذا الأمر إبراهيم الفزاري وعمل كتاباً سماه المنجمون السند هند الكبير وظل أهل هذا الزمن يعملون به إلى أيام المأمون. وممن تقرب إلى المنصور جورجس وهو أول من ابتدأ بنقل الكتب الطبية إلى العربية عندما استدعاه المنصور وكان كثير الإحسان إليه ومنهم البطريق كان أيام المنصور قد نقل كتباً كثيرة في الطب من تأليف ابوقراط وجالينوس وكان اهتمام المنصور بنقل الكتب الطبية لا يقل عن اهتمامه بالنجوم فقد بعث بطلب جورجيس بن بختيشوع السرياني الذي كان ماهراً بالطب ذكياً فطناً ذا هيبة ووقار وذلك على اثر علة أصابت المنصور فلما شفي ورجع إلى مزاجه منعه من الرجوع إلى بلده وجعل له مكاناً علياً لما فطر عليه من الصدق والأمانة والتدين وكان جورجيس هذا يعرف اللغة اليونانية فضلاً عن السريانية والفارسية والعربية ونقل كتباً كثيرة من اليونانية إلى العربية وقد مال إليه المنصور ميلاً شديداً حتى جعله طبيب أسرته وممن علت منزلته عند المنصور عبد الله المقفع وكان فاضلاً كاملاً وهو أول من اعتنى في الملة الإسلامية بترجمة الكتب المنطقية الثلاثة وهي كتاب قاطيغورياس وكتاب باري ارمينياس وكتاب انالوطيقا ترجم كل ذلك بعبارة سهلة وترجم مع ذلك كتاب الهندي المعروف بكليلة ودمنة والخلاصة أن المنصور كانت جل عنايته مصروفه لإيجاد مترجمين توسد إليهم هذه الصناعة الجليلة ولم يأل جهداًُ في هذا السبيل وترجم في خلافته كثير من كتب الهندسة والطب والنجوم. وفي زمن المنصور عرب كتاب بطليموس في الغناء واللحون الثمانية وأيضاً كتاب ارسوا عربه عبد المسيح الحمصي. ولما انتقلت الخلافة إلى هرون الرشيد قام احسن قيام بالنهضة العلمية وكان من أفاضل الخلفاء وفصائحهم وكرمائهم وقد انتشر العلم في زمانه انتشاراً هائلاً قال درابر في كتابه تنازع العلم والدين: أن الرشيد قد أمر بإضافة مدرسة إلى كل جامع في جميع أرجاء ملكه. وفي أيامه تقاطر إلى بغداد كثير من الأطباء وعلماء السريان والفرس والهند وطفقوا يتعلمون اللغة العربية ليستطيعوا الترجمة ويحكموا أصولها وكان الرشيد مشغوفاً بالعلوم ونقلها إلى لسانه فقد بذل الأموال الطائلة وكافأ كل من يأتيه بكتاب قديم واتفق له في أثناء إغارته على بلاد الروم أن عثر في أنقرة وعمورية وغيرهما على كتب كثيرة حملها إلى بغداد وأمر طبيبه يوحنا بن ماسويه بترجمتها وقد علت منزلة يوحنا عند الرشيد فقر به إليه حتى وضع جميع المدارس تحت مراقبته وكان فاضلاً طبيباً محترماً عند الملوك خدم الرشيد والمأمون والواثق والمتوكل وعدا عن الكتب التي ترجمها فقد كان له تأليف عظيمة منها كتاب البرهان وكتاب الحميات والكناش المعروف بالمشجر. وممن تقرب إلى الرشيد بختيشوع الطبيب وجبريل ولده ونقلوه كتباً متعددة. وممن اشتهر بالنقل الحجاج بن مطر نقل كتاب إقليدس النقلة الأولى ويسمى الهازونية تمييزاً له عن كتاب إقليدس الذي نقل في زمن المأمون ثم أصلح نقله فيما بعد ثابت بن قره الحراني وكان فيلسوفاً عظيماً بلغ درجة لم يدانه بها احد وله تأليف كثيرة في المنطق والطب والرياضيات وقد قربه المعتضد حتى علت منزلته على الوزراء. والخلاصة أن الرشيد قد افزع قصارى جهده بنقل الكتب ورفع أعلام العلم وكان يصرف قسماً كبيراً من أوقاته في هذا الشأن حتى أن العلماء والأدباء كانوا لا يفارقونه وإذا اجتمعوا بداره سما إلى مناظرتهم من حيث العلم والتواضع لا من حيث السيادة عليهم وهو بموضعه الجليل من الخلافة وقد بلغ به التواضع أن معاوية الضرير المحدث إذ جلس أمامه إلى طعامه قام الرشيد من موضعه وصب على يده الماء. على أن الباحث يعلم أن معاوية هذا لم يبلغ درجة من العلم يضارع بها الرشيد وكان جل عمله محصوراً بالحديث فأين هو من الرشيد الذي كان يضرب بكل علم بسهم صائب وإنما حمل الرشيد على التواضع لمعاوية أمر مهم وهو الترغيب فإن الناس إذا رأوا العالم يصل إلى هذا المقام من الاحترام حتى من العظماء وتنهال عليه المبرات المادية والمعنوية يتسارعون إلى طلب علم. ولما انتقلت الخلافة إلى المأمون نهض لخمة العلم أيما نهضة وأتم ما بدأ به سلفه من الترجمة والتأليف وكان مفطوراً على محبة العلم والعلماء بل لم ير في أولاد الملوك من تعشق العلوم الحمية والفلسفية مثله على حداثة سنة وقام بين العلماء قيام الأسد لمناظرتهم في جميع أنواع العلوم فمن كانت هذه سيرته في حداثة سنة فما بالك به وقد بلغ مبلغ الرجال واستلم زمام الخلافة وكان مع سعة عمله كثير الميل إلى القياس العقلي وطالع أكثر الكتب التي ترجمت إلى عهده وقد بلغ مبلغاً من العلم قل من يدانيه به فنقل عنه انه أولم يوماً وليمة لخاصة العلماء المقربين إليه وقد ظن بعض الحاضرين انه وضع أكثر من ثلثمائة لون وكلما وضع لون نظر المأمون إليه وقال هذا يصلح لكذا وهذا نافع لكذا فمن كان منكم صاحب بلغم ورطوبة فلتجنب هذا ومن كان صاحب صفراء فليأكل من هذا ومن أحب الزيادة في لحمة فليأكل من هذا ومن كان قصده قلة الغذاء فليقتصر على هذا وما زالت تلك الحالة حتى رفعت الموائد فقال له يحيى بن أكثم: يا أمير المؤمنين أن خضنا في الطب فأنت جالينوس وفي معرفة النجوم فأنت هرمس أو ذكرنا السخاء فأنت فوق حاتم أو في الفقه كنت علياً ابن أبي طالب أو ذكرنا صدق الحديث كنت أبا ذر في صدق لهجته. وكان أحب إليه من الملاهي لعب الشطرنج يمارسه كأبيه لاستنباط الحيل فيه حتى لم يكن في الناس من يفضله فيه وهو القائل في الشطرنج: أرض مربعة حمراء من أدم ما بين ألفينيموصوفين بالكرم تذكرا الحرب فاحتالا لها تبهاً من غير أن يسعيا فيها بسفك دم هذا يغير على هذا وذاك على هذا يغير وعين الحرب لم تنم فأنظر إلى الحرب قد جالت بمعركة في عسكرين بلا طبل ولا علم ويتبين لنا شدة ميل المأمون للعلم وأهله من قوله عن العلماء هم صفوة خليفة الله وأفضل عباده وانفعهم لأنهم ارصدوا حياتهم لتربية مواهبهم الطبيعية وان الذين يعلمون العلم والحكمة للناس هم مصابيح العالم ولولاهم لارتكس الخلق في عماية الجهالة وغياهب البربرية. أما عناية المأمون بنقل الكتب فهي في أقصى ما يتصوره العقل لا سيما في نقل كتب المنطق والفلسفة وقيل أن المأمون نقل إلى بغداد مائة حمل بعير من الكتب وكانت إحدى شروط معاهدة الصلح بينه وبين الإمبراطور ميشيل الثالث أن يعطيه إحدى مكاتب القسطنطينية التي كان فيها بين الذخائر كتاب بطليموس في الرياضيات السماوية فأمر المأمون بترجمته وسماه المجسطي وقد جعل الترجمة عامة لكل مؤلفات أرسطو في الفلسفة وغيرها وكان يحرض الناس على مطالعة تلك الكتب ويرغبهم في تعلمها وكان مثابراً على حضور أكثر الدروس التي يلقيها المدرسون واقتجى بالمأمون كثير من أهل دولته وجماعة من أهل الوجاهة والثروة في بغداد وتقاطر إليه المترجمون من أنحاء الجزيرة العربية والعراق والشام وفارس وفيهم النساطرة واليعاقبة والصائبة والمجوس والروم والبراهمة يترجمون من اليونانية والفارسية والسريانية والسنسكريتية والنبطية واللاتينية وغيرها وكثر في بغداد الوراقون وباعة الكتب وتعددت مجالس الأدب والمناظرة وأصبح هم الناس البحث والمطالعة وظلت تلك النهضة مستمرة بعد المأمون حتى نقلت أهم كتب قدماء اليونان إلى العربية. وقد تقرب جماعة من المأمون واختصوا بالنقل والترجمة منهم الحجاج بن مطر الشهير وابن البطريق وسلم صاحب بيت الحكمة وممن كانت لهم منزلة الرفيعة يعقوب ابن اسحق الكندي فيلسوف العرب خدم المأمون والمعتصم وابنه احمد ينتهي نسبه إلى الأشعث بن قيس من أصحاب النبي (صلى الله عليه وسلم) وله مصنفات جليلة ورسائل كثيرة في جميع العلوم منها الفلسفة الأولى فيما دون الطبيعيات والتوحيد ورسالة في انه لا تنال الفلسفة إلا بعلم الرياضيات وله كتاب في الحث على تعلم الفلسفة وكتاب في أن أفعال البارئ كلها عدل لا يجوز فيها ورسالة الاحتراس من خدع السوفسطائية ورسالة في نقص مسائل الملحدين وتزييف أقوالهم ورسالة في صحة النبوات وإنها ممكنة عقلاً وممن علت منزلته عند المأمون في الترجمة سهل بن سابور ابنه وأيضاً حنين ابن اسحق العبادي شيخ المترجمين وهو من نصارى الحيرة ولد سنة ١٩٤ هـ - وكان أبوه صيرفياً وانتقل في حداثة سنه إلى البصرة فتلقى فيها العربية ثم انتقل إلى بغداد ليشتغل بصناعة الطب فلقى في ذلك مشقة لا الأطباء خصوصاً أهل جند يسابور كانوا يكرهون أن يدخل في صناعتهم أبناء التجار وكان أعمر مجالس الطب يومئذ يوحنا بن ماسويه احد بلغاء مارستان جندريسابور فجعل حنين يحضر هذا المجلس ويلازم ماسويه فاتفق له أن سأله مرة مسألة مما كان يقرأه عليه فغضب يوحنا وقال: ما لأهل الحيرة وصناعة الطب فاذهب إلى فلان قرابتك حتى يهب لك خمسين درهماً تشتري بها قفافاً صغاراً بدرهم وزرنيخاً بثلاثة دراهم واشتري بالباقي فلوساً كوفية وفارسية وزرنخ القادسية في تلك القفاف واقعد على الطريق وصح الفلوس الجياد للصدقة والنفقة وبع الفلوس فإنه أعود عليك من هذه الصناعة ثم أمره أن يخرج من داره. فخرج حنين باكياً حزين القلب كئيباً وقد بعثه ذلك على زيادة النشاط للسعي في تعلم الطب بلغته الأصلية فغاب هذا المسكين عن بغداد سنتين ثم عاد وقد تعلم اليونانية وآدابها في الإسكندرية وحفظ أشعار هوميروس فأصبح اعلم أهل زمانه بالسريانية واليونانية والفارسية فضلاً عن العربية وأضحى أطباء بغداد بحاجة إلى لنقل الكتب حتى أن يوحنا بن مأسويه نفسه قد استخدمه لنقل الكتب جالينوس إلى السريانية وبعضها إلى العربية واحتذى فيهما حذو الاسكندريين وترجم أيضاً لجبريل بن يختيشوع كتاب التشريح لجالينوس وكان جبريل يخاطبه بالتبجيل والتعظيم فيقول له: يا معلمنا حنين. ولما أراد المأمون نقل فلسفة اليونان إلى العربية سأل عمن يستطيع ذلك فأرشدوه إلى حنين لأنه لم يكن ثمة من يضاهيه وهو لا يزال شاباً فوسد المأمون هذا الأمر إلى جماعة من المترجمين وهم الحجاج بن مطر وابن البطريق وسلك صاحب بيت الحكمة وغيرهم ورأس عليهم حنيناً المذكور يهذب كل ما يترجمونه وكان المأمون يعطيه من الذهب زنة ما ينقله إلى العربية مثلاً بمثل فكان من دهاء حنين يكتب الترجمة بحروف غليظة على ورق غليظ واسطر متفرقة وذلك لتعظيم حجم الكتاب وتكثر وزنه وذكر بعضهم أن حنيناً ذهب بإيعاز المأمون بطلب الكتب في بلاد الروم. كان لحنين ولدان داود واسحق صنف لهما كتباً كثيرة من مؤلفات جالينوس فافلح اسحق وتميز واشتغل بالترجمة مثل أبيه من اليونانية إلى العربية وترجم أيضاً بعض كتب الحكمة مثل كتاب ارسواطاليس وغيره من الحكماء وممن تقرب إلى المأمون جيش من الحسن الأعسم الدمشقي احد تلاميذ حنين والناقلين من اليوناني والسرياني إلى العربي وممن برع بالترجمة واشتهر قسطا بن لوقا البعلبكي وهو من نصارى الشام وكان طيباً حاذقاً وفيلسوفاً نبيلاً رحل إلى بلاد الروم في طلب العلم وكان عالماً بالسريانية واليونانية والعربية ونقل كتباً كثيرة من اليونانية إلى العربية وكان جيد النقل أصلح نقولاً كثيرة وألف رسائل عديدة وتأليف جليلة تزيد على مائة كتاب قال أبو الفرج الملطي لو قلت حقاً لقلت انه أفضل من صنف كتاباً بما احتوى عليه من العلوم والفضائل وما رزق من الاختصار للألفاظ وجمع المعاني وتوفي بارمينيه عند بعض ملوكها ومن المترجمين موسى بن خالد ويعرف بالترجمان نقل كتباً كثيرة من الستة عشر لجالينوس وهو دون حنين ومنهم أبو عثمان الدمشقي كان من النقلة المحيدين ومنهم أبو بشر متّى بن يونس من أهالي دير قنى وممن اشتهر بالنقل من اللغة الهندية منكه الهندي كان مع اسحق بن سليمان لن علي الهاشمي وابن دهن الهندي كان عالماً بالهندية والعربية وانتهت إليه رئاسة مارستان البرامكة. وممن عانى صناعة الترجمة يوحنا القس وأبو سهل الفضل بن نوبخت وله نقل من الفارسي ومنهم ابن الخمار من السرياني إلى العربي ومن نقله كتاب الآثار العلوية ومقالة في الأخلاق ومنهم ماسرجيس وكان من الأطباء ونقل من السرياني إلى العربي ومنهم هوينان الطبيب النسطوري ترجم كتباً لأرسطو وأفلاطون وهيبوكرات وغاليان. وممن مارس النقل الحسن بن البهلول الأواني الطبرهاني وأبو البشر متى والتفليسي ومرلاحي ودار يشوع وإبراهيم بن بكس وأيوب بن قاسم الرقي وأبو الريحان البيروني وابن وحشية وسعيد الفيومي وشهدي الكرخي وابن شهدي وابن جلجل وأبو عبد الله الصقلي وحبيب بن بهريز مطران الموصل وممن نقل عن السريانية كثيراً أبو الخير الحسن بن سوار المعروف بابن الخمار ويحيى بن عدي اليعقوبي ونقل من اليونانية نظيف القس الرومي. وكان عبد المسيح بن عبد الله الناعمي الحمصي المعروف بابن ناعمة متوسط النقل وهو إلى الجودة وفي درجته زوربا بن ما نحوه (مانجوه) الناعمي الحمصي وكان هلال بن أبي هلال الحمصي صحيح النقل ولفظه مبتذل وكذلك كان فتيون الترجمان يلحن ولا علم له بالعربية وكان أبو النصر بن أيوب قليل النقل لا يعتد بما نقل ويفوقه بسيل المطران وكان إلى الجودة اقرب ومن المتوسطين في نقلهم اسطاث وحيرون بن رابطة وإبراهيم ابن الصلت وثابت الناقل ويوسف الناقل ومنصور بن باناس وعبد يشوع بن بهريز وابراهيم بن بكس. هؤلاء التراجمة الذين عرفناهم في الإسلام وأكثرهم كانوا يرتزقون من نقلهم ويعملون مدفوعين بتنشيط الملوك والأمراء والحريصين على خدمة العلم إلا يعقوب بن اسحق الكندي فيلسوف العرب واحد أبناء ملوكها فإنه كان ينقل لنفسه ولم يرتزق بما يكتسب. وعلى الجملة فإن العباسيين عنوا بنقل الكتب وصرفوا الأموال الطائلة في هذا السبيل الشريف وقد شيدوا مدرسة لتربية المترجمين سموها مدرسة الألسن لا يدخلها إلا من أراد أن يختص بالنقل والترجمة وكانت تحت نظارة طبيب نسطوري. هذا ملخص تاريخ الترجمة في زمن الأمويين والعباسيين ولا سيما المنصور الرشيد والمأمون ولولا اهتمامهم بنقل العلوم لما نهضت اللغة العربية في ذلك الزمن واستجر العمران وأضحت مدنية العرب من أرقى المدنيات يحق لكل عربي أن يفاخر بها ولكن ذكرى السلف لا تجد بنا نفعاً إذا لم نسلك طريقهم وننسج على منوالهم فنرفع أعلام العلم ونتربى على أدب النفس والدرس ولا بأس من ذكر ما قاله المؤرخ الشهير سيديو عن التمدن العربي إذ بذلك نذكر الذين يغمطون من قدر العرب ولا يعترفون لهم بمدنية علمية أخلاقية وهو قول من لم يفقه كلمة واحدة من التاريخ الإسلامي قال: أن التمدن العربي قد تمكنت أصوله في آفاق الدنيا أقوى تمكن ولا تزال إلى الآن نرى آثاره حين نبحث عن أصل مبادئ ما نحن عليه من المعلومات الأوربية فان العرب في غاية القرن الثامن بعد الميلاد فقدوا الحمية الحربية وشغفوا باقتناء المعارف حتى أخذت عما قليل مدائن قرطبة وطليلة والقاهرة وفارس ومراكش والرقة وأصفهان وسمرقند تفاخر بغداد بنيل العلوم والمعارف وقريء ما ترجم للعربية من كتب اليونانية في المدارس الإسلامية وبذل العرب همتهم في الاشتغال بجميع ما ابتكره الإفهام البشرية من المعلومات والفنون وشهروا في غالب البلاد خصوصاً بلاد النصرانية من أوربا بابتكارات تدل على أنهم امتنا في المعارف ولنا شاهد اصدق على علو شأنهم الذي تجهله الإفرنج من أزمان مديدة الأول ما أوثر من تواريخ القرون المتوسطة وأخبار الرحل والإشعار ومعاجم ما اشتهر من الأمكنة والرجال والمجاميع الشاملة لكثر من الفنون الفاخرة والثاني ما كان لديهم من الصناعات الفائقة والاكتشافات المهمة في الفنون وما وسعوا دائرته من علوم الطب والتاريخ الطبيعي والكيمياء الصحيحة والفلاحة والعلوم التي مارسوها بغاية النشاط في القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر من الميلاد. وقال أيضاً وقد حفظت العرب مؤلفات اليونان واستعدت لتجديد المعارف في أوربا فكانوا رابطة بين هذين الزمنين وبذا يثبت فضل العرب على الإفرنج الذي حاول بعضهم خفض فضائل العرب الواضحة كالشمس في رابعة النهار ويعلم أن لا موقع لافتخار المتأخرين من أهل أوربا بتصورات أكثرها للعرب وسبق لك ما كان لعلماء المدرسة البغدادية من الحكم النافذ في الغرب والشرق. وبعد فإن الباحث في نهوض الأمم يرى أن مبدأ الارتقاء لا يكون إلا بنقل الكتب العلمية ولولا اهتمام محمد علي باشا بإرسال البعثات العلمية إلى بلاد الغرب واعتنائه بترجمة كثير من كتب العلم إلى العربية لما رأينا في مصر تلك النهضة التي تنير العالم العربي اجمع ولقد رأينا أن الأمويين والعباسيين لم يستطيعوا تشييد مدينة عظيمة إلا باعتمادهم على نقل الكتب والعلوم التي لم تكن معهودة لديهم كما أن الغربيين لما ضاقت صدورهم من الجهل المخيم على بلادهم وأرادوا أن يكونوا مدينة علمية بدأو أولاً بالترجمة وقد انبرى كثير من رجالهم ونقلوا كثيراً من الكتب العربية إلى لغتهم فإن جيراردي كريمونا كان مؤلفاً ينقل تأليف العرب في فنون الحكمة وقد أتقن العربية فعرب إلى اللاتينية ما يربو على ستين مؤلفاً جليلاً لمشاهير العلماء كالرازي وابن سينا في الرياضيات والهيئة والطب. وممن تصدى للنقل ميشال سكوت الذي انكب في طليطلة على إتقان العربية ولما رسخت ملكته شرع بالترجمة ونقل عدداً وافراً من أكثر العلوم ومنهم روجار باركول الذي كان نسيج وحده في العلوم الفلسفية والطبيعية فإنه افرغ جهده في نشر الدروس الشرقية وعلى الأخص الدروس العربية ثم استجرت تلك النهضة فعمت أكثر أقطار أوربا وتوفر عدد الدارسين للغات الشرقية وحفلت المكاتب بآثار العرب لا سيما خزائن كتب باريس ومجريط وليدن وأكسفورد ولندن ونشرت تأليف عربية لأعظم علماء العرب وأدبائهم وقد أنشأت فرنسا سنة ١٧٩٥ مدرسة لتعليم اللغات الشرقية الحية ومما زاد الفرنسيس نهوضاً في الآداب الشرقية أن نابليون لما دخل مصر سنة ١٧٩٨ كان بصحبته كثير من العلماء فانتهزوا تلك الفرصة وتعلموا اللغة العربية من المصريين ولما عادوا إلى فرنسا نشروا تلك اللغة في بلادهم وصار هم كثير من العلماء البحث والتنقيب عن كتب العرب. والخلاصة فإن شعور الأمة بنقل الكتب العلمية إلى لغتها دليل على نهضة وخير عظيم وان تلك الكتب تنشىء رجالاً عظاماً يحدثون انقلاباً كبيراً في الأفكار. واللغة ميزان الأمة ولا نهضة إلا بنهضة اللغة ولا يكتب لها النهوض أن لم تكن لغة العلوم المادية والمعنوية فأين علماؤنا الذين يغارون على تلك اللغة الشريفة. ويؤلفوا جمعية للنقل والترجمة فعلى العلماء أكثر من غيرهم تنوء التبعة والسلام على العاملين المخلصين. دمشق: عبد الفتاح السكري الركابي. فنلندا وعوامل ارتقائها فنلندا هي دوجيه كبرى من بلاد روسيا في أوربا بين الحدود النروجية من الشمال وفي الشمال الشرقي ولايات بطرسبرج واولونزا واركانجل الروسية وفي غربها بحر البلطيق مساحتها السطحية ٣٧٧٨٥٠ كيلو متراً وسكانها ٢٦٠٠٠٠٠ نسمة جاء في مجلة الحياة الباريزية أن قد كانت السويد (اسوج) مدة ستة قرون ونصف هي الحاكمة المتحكمة في الشعب الفنلاندي والقابضة على زمام تربيته التاريخية ونشر الاسوجيون بين الفنلنديين الدين المسيحي وحملوا إليهم المدنية الأوربية. ولقد اتحدت القبائل الفنلاندية على عهد الاسوجيين وألفوا امة آخذين القوانين والأوضاع الاجتماعية التي كانت للاسوجين الذين كانوا تحضروا قبل ذلك وأنشأوا مملكة ومزجوا ذلك بهم ومن حسن حظ الشعب الفنلاندي أن هذه الأوضاع التي نقلت من الخارج قد قامت كلها على حرية الفلاح وان حكومة الإقطاعات التي كانت قد انتشرت في شمال بلاد أوربا لم يكن لها تأثير في اسوج ذلك لأن الشعب الفنلاندي وان كان غلب على أمره بالسلاح قد توصل إلى أن يقبل نفس الحقوق السياسية التي كان يستمتع بها الاسوجيون ومنذ ذلك العهد سار الشعبان في رحلتهما التاريخية يتقاسمان البؤس والنعماء. ولئن كان المجد في الغالب من حظ الاسوجيين والألم من نصيب الفنلانديين فإن هؤلاء وجدوا في هذه السياسة منافع لهم لم يكونوا لينالوها بهذه الكثرة وفي مثل هذا الوقت القصير لو ظلوا على انفرادهم بيد أن هذا الشعب الفنلاندي الذي ظهر في ميدان التاريخ متأخراً قد بلغ بالتدريج مستوى بقية الشعوب المتمدنة فدب فيه دبيب الاستقلال وهو يرقى في سلم الاجتماع في الوقت الذي تنبه فيه فكر الوطنية وطلب حالة سياسية مستقلة وبذلك تهيأ الوقت للاستقلال عن أسواج إذ كان ذلك نتيجة لازمة للارتقاء الطبيعي الذي حازته فنلندا ولكن هذا الانفصال لم يكن نتيجة منافسة عدائية بل أن الرابطة الأخوية القديمة بين الشعبين قد انحلت فجأة بتقدير العزيز العليم تاركة وراءها تذكارات تظل عزيزة مقدسة عند الشعب الفنلندي. كان الشعب الروسي أداة هذا الانفصال وبلغ الارتقاء العقلي في الفنلنديين في ذاك العصر إلى مستواه في المدينة الأوربية بحيث لم يلبثوا قليلاً حتى غدوا ولهم المقام المحمود بين أمم الشمال فقد استولت روسيا على فنلندا ثلاث مرات مدة قرن من الزمن وما برح فكر الوطنية في الشعب الفنلاندي يتطلب مستعدون كل ساعة للمفاداة بحياتهم وسعادتهم لإحراز مجد أوطانهم. وكان نشأ لروسيا الإمبراطور اسكندر الأول نشأة حرة وتخرج بالسويسري قيصر لإرهاب فجاء منه عاقل يحب الحرية حتى إذا تولى قيادة الإمبراطورية الروسية أراد أن يعطي دستوراً حراً لامته ولكنه رآها منحطة لا تنهض به فارتأى أن يجرب هذا القانون في فنلندا التي كانت خاضعة له وأصبحت دوجيه فنلندا الكبرى مثالاً حسناً للإمبراطورية الروسية ثم منحت استقلالها الإداري وتبين للقيصر أن وجود فنلندا حاجزاً حول عاصمة الروس أقوى من وقوف بعض الولايات المحتلة بقوة السلاح. هذا بالإجمال حال فنلندا السياسي أما حالها الأدبي الذي أدى بها إلى هذا الارتقاء الذي اضطر معه مثل القيصر اسكندر الأول أن يمنحها دستوراً مستقلاً لتكون لامته نموذجاً في الحرية التي نالها مؤخراً مع بعض القيود فقد رأى المفكرون من أبنائها في أوائل القرن الماضي أن يعنوا بتحرير لغتهم لأنهم لا يحبون أن يكونوا سوجيين واللغة الاسوجية كانت مستحكمة فيهم ولاروسين فلم يبقى أمامهم إلا أن يبقوا فنلانديين وهذا يكون بنشر لسانهم فشرعوا في درس المسائل التاريخية والفنلاندية واللسان الفنلاندي والشعر العامي. وكثيراً ما يحدث في حياة الأمم أن تكون الكوارث العظمى هي التي ينتبه بعدها شعورها وتبدأ تتماسك وتجمع قواها وتنشط من عقالها حائرة إلى عالم جديد متبعة طريقاً مهيعاً فقد كانت فنلندا لأول ذاك العهد في حالة من الإبهام والشك حتى إذا نقلت مدرستها الجامعة إلى مدينة هلسنفور عاصمتها الجديدة هبت من أرجائها حياة عقلية لم تكن تعهد وكانت اللغة السويدية هي لغة المدنية في فنلندا وقد كتب شاعر فنلندا بل احد عظماء شعراء أوربا واسمه رونبرغ أشعاره باللغة السويدية لا بالفنلاندية وكان القانون الأساسي الذي منحته فنلندا بفضل الإمبراطور اسكندر الأول قد عاد في عهد الإمبراطور نقولا الأول تتزعزع أركانه فلم ير عقلاء الفنلانديين إلا أن يدعوا مجموع الشعب إلى مستقبل عام وهذا لا يتم إلا إذا أخذت الطبقة الدنيا من الشعب بحظ من المعارف بيد أن هذه المهمة ظهرت متعذرة وذلك لان اللسان القسم الأعظم من الشعب كان عبارة عن لهجة جافة بربرية لا تستطيع أن تؤدي الأفكار الدقيقة وما كان يخطر بالبال أن اللسان الفنلاندي يصبح أداة للمدنية العالمية لولا أن قام احد علمائهم وجمع الأغاني العامية والشعر القصصي وكثر المنشئون والأساتذة بهذه اللغة الفنلندية وأراد بعض ساستهم أن يطرح اللغة الاسوجية بتاتاً وفاته أن جزءاً مهماً من الأمة الفنلاندية يتكلم بالسويدية وله الحق أن يربي أولاده بهذه اللغة فكان من ذلك أن البلاد التي تكون أكثريتها من الاسوجين لا يرخص مجلسها بإعطاء إعانات للمدارس العليا التي تكون لغتها فنلاندية فأخذ الفنلانديون يكتسبون بما يقتضي لذلك من المال وبهذه الطريقة أيضاً أنشى معهد للتمثيل فنلاندي وكثر الشعراء في الشعر الغنائي والأناشيد والقصصيون وكتاب الحقائق وكثر طلاب المدارس الابتدائية بحيث لا تجد اليوم في فنلندا أمياً وحيثما انقلبت من البلاد ترى على شواطئ البحيرات الدارسون ما تلقنوه من الدروس الابتدائية يتعلم فيها الذكور والإناث معاً والجنسان لا ينفصلان احدهما عن الآخر في جميع مدارس فنلندا فيتعلمون في تلك الكليات تعليماً آخر ويحضرون دروساً في التاريخ والآداب الوطنية والحساب والبستنة والاقتصاد. وهذه المدارس تقوم بإعانات المحسنين من القوم وأحياناً بإنفاق فرد واحد إنها تنشئها جمعيات الشبان الذين يجتمعون فيها لسماع المحاضرات وإنشاد الأغاني والبحث في المسائل الاجتماعية والمران على الأعمال. وعلى هذه الصورة ينتشر نور للعلم في البلاد حتى أن الفلاح الفنلاندي قد بلغ به من حب التعلم أن اخذ يبتاع كتب العلم الراقي مثل دائرة المعارف الفلانجية التي أخذت تنتشر حديثاً فكان الإقبال عليها عظيماً من جميع الطبقات حتى لقد أباع طابعها منها لأول أيام الظهور أجزائها الأولى نحو عشرين ألف نسخة هذا وهي تكلف مائتي فرنك كلها فكان يبتاعها حتى سكان الأكواخ الذين ليس لهم ما يسد عوزهم من القوت والشراب وترجموا إلى لسانهم أحسن روايات شكسبير وموليير ودانتي وراسين وفلوبر واناتول فرانس وماترلنك وفرلين. وقد زالت الاختلافات بين العنصرين الاسوجي والفنلندي إلى منافسة سليمة لأنهم رأوا أن إيغار الصدور لا ينير شيئاً وهم يريدون أن يقفوا في سبيل عدوهم لا أن ينشقوا على أنفسهم ويطعموا بهم خصوصهم وجيرانهم فأصبحوا بفضل المدنية الحديثة كلهم امة واحدة لها نزعة سياسية واحدة وان كانوا مختلفين في عنصرهم ولسانهم وكانت آداب ذينك العنصرين متأثرة بالمحيط متشابهة كل التشابه حتى لتجد الاختلاف بيناً بين الآداب الاسوجية المكتوبة في فنلندا والآداب الاسوجية الصادر من اسوج لان آداب كل امة تبعت بيئتها ومحيطها وسياسة بلادها بمعنى أن السويد في الفنلاندي أصبح كالسويسري الألماني والفرنساوي أو الايطالي سويسرا قبل كل شيء لا يريد أن يكون ألمانيا وان كانت لغته ألمانية ولا فرنسوياً وان كان لسانه الافرنسية ولا ايطالياً وان كانت لغته الايطالية وهكذا ترى الاسوجيين والفنلانديين في دوجيه فنلندا متخالفين بعنصريهما ولسانيهما ولكنهما متوافقان بمبداهما السياسي شأن بلجيكا وسويسرا مما يستدل منه بأن في الإمكان إنشاء مملكة قوية بلسانين رئيسين وتاريخين مختلفين. معجم البلدان تكلمنا في الجزئيين الماضيين ما ساعدنا نفس الكلام على معجم ياقوت واقتبسنا من فرائد فوائده ما اتسع له المقام وما هذا المعجم في الحقيقة إلا منجم واسع فه صنوف المعادن الثمينة يتكلم عن علل البلدان والسكان والإنسان علة فساد الأرض وصلاحها قال في دنيسر بضم أوله بلدة عظيمة مشهورة من نواحي الجزيرة فرب ماردين بينهما فرسخان ولها اسم آخر يقال له فوج حصار رأيتها وأنا صبي وقد صارت قرية ثم رأيتها بعد ذلك بنحو ثلاثين سنة وصارت مصراً لا نظيراً لها كبراً وكثرة أهل وعظم أسواق وهذا من العجائب الذي لا مثيل لها ويشبهه حال مدينة شيكاغو في غربي الولايات المتحدة الأميركية فإنها كانت منذ خمسين سنة قرية وها هي من أعظم عواصم العالم وأضخمها عمراناً ولكن سنة الشرق غير سنة الغرب إلا ترى إلى ما وراء ياقوت في أصبهان قال أن قد فشا الخراب لعهده وقبله في نواحيها لكثرة الفتن والتعصب بين الشافعية والحنفية والحروب المتصلة بين الحزبين فكلما ظهرت طائفة نهبت محلة الأخرى وأحرقتها وخربتها لا يأخذهم في ذلك إلى ولا ذمة ومع ذلك فقل أن تدوم بها دولة سلطان أو يقيم بها فيصلح فأسدها وكذلك الأمر في رسانيقها وقراها التي كل واحدة منها كالمدينة. ومثل ذلك ما وراء في اغمات قال: وأهلها فرقتان يقال لأحدهما الموسوية من أصحاب ابن ورصند والغالب عليهم جفاء الطبع وعدم الرقة والفرقة الأخرى مالكية حشوية وبينهما القتال الدائم وكل فرقة تصلي في الجامع منفردة بعد صلاة الأخرى كذا ذكر ابن حوقل التاجر الموصلي في كتابه وكان شاهدها قديماً بعد الثلاثمائة من الهجرة ولا ادري في الدين ثم عبد المؤمن وبنوه ولهم ناموس يلتزمونه وسياسة يقيمونها لا يلبث معها مثل هذه الأخلاط. وقال في مادة البري: كان أهل المدينة ثلاث طوائف شافعية وهم الأقل وحنفية وهم الأكثر وشيعية وهم السواد الأعظم لان أهل البلد كان نصفهم شيعة وأما أهل الرستاق فليس فيهم إلا شيعة وقليل من الحنفيين ولم يكن فيهم من الشافعية احد فوقعت العصبية بين السنة والشيعة فتظافر عليهم الحنفية والشافعية وتطاولت بينهم الحروب حتى لم يتركوا من الشيعة من يعرف فلما أفنوهم وقعت العصبية بين الحنفية والشافعية ووقعت بينهم حروب كان الظفر في جميعها هذا مع قلة عدد الشافعية إلا أن الله نصرهم عليهم وكان أهل الرستاق وهم حنفية يجيئون إلى البلد بالسلاح الشاك ويساعدون أهل نحلتهم فلم يغنهم ذلك شيئاً حتى أفنوهم فهذا المحال الخراب التي ترى هي محال الشيعة والحنفية وبقيت هذه المحلة المعروفة بالشافعية وهي اصغر محال الري ولم يبق من الشيعة والحنفية إلا من يخفي مذهبه ووجدت دورهم كلها مبنية تحت الأرض ودروبهم التي يسلك بها إلى دورهم على غاية الظلمة وصعوبة المسلك فعلوا ذلك لكثرة ما يطرقهم من العساكر بالغارات ولولا ذلك لما بقي فيها احد. ومثل ذلك مدينة ساوة بين الري وهمذان قال وبقربها مدينة يقال لها آوه فساوة سنية شافعية واوه أهلها شيعة أمامية وبينهما نحو فرسخين ولا يزال يقع بينهما عصبية وما زالتا معمورتين إلى سنة ٦١٧ فجاءها التتر وخربوها وقتلوا كل من كان فيها ولم يتركوا أحداً البتة وكان بها دار كتب لم يكن في الدنيا أعظم منها بلغني أنهم احرقوها. وهكذا ذكر بالمناسبة ما أحدثه التعصب الديني في خراب البلدان فقد ذكر في أبي محمد هياج بن محمد الحطيني الزاهد انه استشهد بمكة في وقعة وقعت بين أهل السنة والرافضة فحمله أميرها محمد بن أبي هاشم فضربه ضرباً شديداً على كبر السن ثم حمل إلى منزله فعاش بعد الضرب أياماً ثم مات في سنة ٤٧٢ قلنا والفتن الدينية لم تكد تخلو منها جهة من جهات بلاد الإسلام بضع سنين فقد ذكر المؤرخون في حوادث سنة خمس وسبعين وأربعمائة انه كانت فيها أيضاً فتنة ببغداد بين الشافعية والحنفية وكل هذه الفتن كانت تسيل فيها الدماء إلى الأباطح وما سببها إلا ضعف العمال وانتفاعهم سراً من الاختلاف بين أهل البلد الواحد فهم يفرحون بكل ما يقع إذ كان ينتج لهم بسط سلطاتهم بإشغال الناس عن النظر في أمورهم وكان استبعاد الملوك للرعايا يختلف باختلاف رقي البلد والقطر فقد روى ياقوت في مادة زغاوة وهم جيل من السودان يعظمون لملكهم ويعبدونه من دون الله تعالى ويتوهمون انه لا يأكل الطعام ولطعامه قومه عليه سراً يدخلونه إلى بيوته لا يعلم من أين يجيئون به فإن اتفق لأحد من الرعية أن يلقى الابل التي عليها زاده قتل لوقته في موضعه وهو يشرب الشراب بحضرة خاصة أصحابة وشرابه يعمل من الذرة مقوى بالعسل وزيه ليس سراويلات من صوف رقيق والاتشاح عليها بالثياب الرفيعة من الصوف الاسماط والخز السومي والديباج الرفيع ويده مطلقة في رعاياه ويسترق من شاء منهم امواله المواشي من الغنم والبقر والجمال والخيل وزرع بلدهم أكثرها الذرة واللوبياء ثم القمح وأكثر رعاياه عراة مؤتزرون بالجلود ومعايشهم من الزرع واقتناء المواشي وديانتهم عبادة ملوكهم يعتقدون أنهم الذين يحيون ويميتون ويمرضون ويصحون. ومن المسائل التي حققها ياقوت ما قاله في وصف الرقيم الذي جاء ذكره في القران وان فيه أصحاب الكهف أن هذا الكهف بين عمورية ونيقية وبينه وبين طرطوس عشرة أيام أو احد عشر يوماً وكان الواثق قد وجه محمد بن موسى المنجم إلى بلاد الروم (الأناضول) للنظر إلى أصحاب الكهف والرقيم قال فوصلنا إلى بلد الروم فإذا هو جبل صغير قدر أسفله اقل من ألف ذراع وله سرب من وجه الأرض فتدخل السرب فتمر في خسف من الأرض مقدار ثلاثمائة خطوة فيخرجك إلى رواق في الجبل على أساطين منقورة فيه عدة أبيات منها بيت مرتفع القبة مقدار قامة عليها باب حجارة فيه الموتى ورجل موكل بهم يحفظهم معه خصبان وإذا هو يحيدنا عن أن نراهم ونفتشهم ويزعم انه لا يأمن من أن يصيب من التمس ذلك آفة في بدنه يريد التمويه ليدوم كسبه فقلت دعني انظر إليهم وأنت بريء فصعدت بمشقة عظيمة غليظة مع غلام من غلماني فنظرت إليهم وإذا هم في مسوح شعر تتفتت في اليد وإذا أجسادهم مطلية بالصبر والكافور ليحفظها وإذا جلودهم لاصقة بعظامهم غير أني أمررت يدي على صدر احدهم فوجدت خشونة شعره وقوة ثيابه ثم أحضرناه ليتوكل بهم طعاماً وسألنا أن نأكل كل منه فلما أخذناه منه ذقناه وقد أنكرت أنفسنا وتهوعنا وكأن الخبيث أراد قتلنا أو قتل بعضنا ليصبح له ما كان يموه به عند الملك انه فعل بنا هذا الفعل أصحاب الرقيم فقلنا له أنا ظننا أنهم أحياء يشبهون الموتى وليس هؤلاء كذلك فتركناه وانصرفنا. ومن العجائب التي نقلها في قومسين أي كرمان شاء أن فيها الدكان الذي اجتمع عليه ملوك الأرض منهم فغفور ملك الصين وخاقان ملك الترك وداهر ملك الهند وقيصر ملك الروم عند كسرى أبرويز وهو دكان مربع مائة ذراع في مثلها من حجارة مهندمة مسمرة بمسامير من حديد لا يبين فيها ما بين الحجرين فلا يشك من رآه انه قطعة واحدة. ومما ذكرناه في كرخ بغداد ولما ابتنى المنصور مدينة بغداد أمر أن تجعل الأسواق في طاقات المدينة إزاء كل باب سوق فلم يزل على ذلك مدة حتى قدم عليه بطريق من بطارقة الروم رسولاً من عند الملك فأمر الربيع أن يطوف به في المدينة حتى ينظر إليها ويتأملها ويرى سورها وأبوابها وما حولها من العمارة ويصعده السور حتى يمشي من أوله إلى آخره ويريه قباب الأبواب والطاقات وجميع ذلك ففعل الربيع ما أمره به فلما رجع إلى المنصور قال له: كيف رأيت مدينتي قال: رأيت بناء حسناً ومدينة حصينة إلا أن أعداءك فيها معك قال: من هم قال: رأيت السوقة يوافي الجاسوس من جميع الأطراف فيدخل الجاسوس بعلة التجارة والتجار هم برد الآفاق فيتجسس الأخبار ويعرف ما يريد ويتصرف من غير أن يعلم به احد فسكت المنصور فلما انصرفت البطريق أمر بإخراج السوقة من المدينة وتقدم إلى إبراهيم بن حبيش الكوفي وخراس بن المسيب اليماني بذلك وأمرهما أن بيينا ما بين الصراة ونهر عيسى سوقاً وان يجعلاها صفوفاً ورتب كل صنف في موضعه وقال اجعلا سوق القصابين في آخر الأسواق فإنهم سفهاء وفي أيديهم الحديد القاطع. . . ولياقوت اقتدار عظيم في وصف أخلاق الشعوب وعاداتهم خصوصاً ما يحققه بنفسه مثل كلامه على أهل مرباط فرضة مدينة ظفار قال: وأهلها عرب وزيهم وفي العرب القديم وفيهم صلاح مع شراسة في خلقهم وزعارة وتعصب وفيهم قلة غيرة كأنهم اكتسبوها بالعادة وذلك انه في كل ليلة تخرج نساؤهم إلى ظاهر مدينتهم ويسامرون الرجال الذين لا حرمة بينهم ويلاعبهم ويجالسهم إلى أن يذهب أكثر الليل فيجوز الرجل على زوجته وأخته وأمه وعمته وإذا هي تلاعب آخر وتماشيه فيعرض عنها ويمضي على امرأة غيره فيجالسها كما فعل بزوجته وقد اجتمعت بكيش بجماعة كثيرة منهم رجل عاقل أديب يحفظ شيئاً كثيراً وأنشدني إشعاراً وكتبتها عنه فلما طال الحديث بيني وبينه قلت له: بلغني عنكم شيء أنكرته ولا اعرف صحته فبدرني وقال: لعلك تعني السمر قلت ما أردت غيره فقال: الذي بلغك من ذلك صحيح وبالله اقسم انه لقبيح ولكن عليه نشأنا وله مذ خلقنا ألفنا ولو استطعنا أن نزيله لا زلناه ولو قدرنا لغيرناه ولكن لا سبيل إلى ذلك مع ممر السنين عليه واستمرار العادة به. ومن ذلك ما ذكره في أمانة أهل قزدار من نواحي الهند: وفي كتاب أبي علي التنوخي حدثني أبو الحسن علي بن لطيف المتكلم على مذهب أبي هاشم قال: كنت مجتازاً بناحية قزدار مما يلي سجستان ومكران وكان يسكنها الخليفة من الخوارج وهي بلدهم ودارهم فانتهيت إلى قربة لهم وأنا عليل فرأيت قراح بطيخ فابتعدت واحدة فأكلتها فحممت في الحال ونمت بقية يومي وليلتي في قراح البطيخ ما عرض لي احد بسوء وكنت قبل ذلك دخلت القرية فرأيت خياطاً شيخاً في مسجد فسلمت إليه رزمة ثيابي وقلت: تحفظها لي فقال: دعها في المحراب فتركتها ومضيت إلى القراح فلما أتيت من الغد عدت إلى المسجد فوجدته مفتوحاً ولم أر الخياط ووجدت الرزمة بشدها في المحراب فقلت: ما اجهل هذا الخياط ترك ثيابي وحدها وخرج ولم اشك في انه حملها بالليل إلى بيته وردها من الغد إلى المسجد فجلست افتحها واخرج شيئاً منها فإذا أنا بالخياط فقلت له: كيف خلفت ثيابي فقال: أفقدت منها شيئاً قلت: لا قال: فما سؤالك قلت: أحببت أن اعلم فقال: تركتها البارحة في موضعها ومضيت إلى بيتي فأقبلت أخاصمه وهو يضحك ثم قال: انتم قد تعودتم أخلاق الأراذل نشأتم في بلاد الكفر التي فيها السرقة والخيانة وهذا لا نعرفه ههنا لو بقيت ثيابك مكانها إلى أن تبلى ما أخذها غيرك ولو مضيت إلى المشرق والمغرب ثم عدت لوجدتها مكانها فانا لا نعرف لصاً ولا فساداً ولا شيئاً مما عندكم ولكن ربما لحقنا في السنين الكثيرة شيء من هذا فنعلم انه من جهة غريب قد اجتاز بنا فنركب وراء فلا يفوتنا فندركه ونقتله أما نتأول عليه بكفره وسعيه في الأرض بالفساد فنقتله أو تقطعه كما نقطع السراق عندنا من المرفق فلا نرى شيئاً من هذا قال: وسألت عن سيرة أهل البلد بعد ذلك فإذا الأمر على ما ذكره فإذا هم لا يغلقون أبوابهم بالليل وليس لأكثرهم أبواب وإنما شيء يرد الوحوش والكلاب. وذكر في باشغرد قال كان المقتدر بالله قد أرسل احمد بن فضلان بن العباس بن راشد بن حماد مولى أمير المؤمنين ثم مولى محمد بن سليمان إلى ملك الصقالبة وكان قد اسلم هو وأهل بلاده ليفيض عليهم الخلع ويعلمهم الشرائع الإسلامية فحكى جميع ما شاهده منذ خرج من بغداد إلى أن عاد وكان انفصاله في صفر سنة ٣٠٩ . وهنا روى عبارة ابن فضلان في الباشغراد أو الباشقرد فقال أنهم قوم من الأتراك من اشد الناس انداماً على القتل وهم يحلقون لحاهم وذكر من عاداتهم كل غريب فبعد أن أورد ياقوت كل هذا على علاته قال: أما أنا فأني وجدت بمدينة حلب طائفة كبيرة يقال لهم الباشغردية شقر الشعور والوجود عن بلادهم وحالهم فقال أما بلادنا فمن وراء القسطنطينية في مملكة امة من الإفرنج يقال لهم الهنكر (المجر) وتحن مسلمون رعية لملكهم في طرف بلاده نحو ثلاثين قرية كل واحدة تكاد أن تكون بليدة إلا أن ملك الهنكر لا يمكننا أن نعمل على شيء منها سوراً خوفاً من أن نعصي عيسى ونحن في وسط بلاد النصرانية فشمالينا الصقالبة وقبلينا بلاد البابا يعني رومية والبابا رئيس الإفرنج وهو عندهم نائب المسيح كما هو أمير المؤمنين عند المسلمين ينفذ أمره في جميع ما يتعلق بالدين في جميعهم. قال وفي غريبنا الأندلس وفي شرقينا بلاد الروم قسطنطينية وأعمالها قال ولساننا لسان الإفرنج وزينا زيهم ونخدم معهم في الجندية ونغزو معهم كل طائفة لأنهم لا يقاتلون إلا مخالفي الإسلام. قال ياقوت: فسألته عن سبب إسلامهم فقال سمعت جماعة من أسلافنا يتحدثون انه قدم إلى بلادنا منذ دهر طويل سبعة نفر من المسلمين من بلاد بلغار وسكنوا بيننا وتلطفوا في تعريفنا وأرشدونا إلى الصواب من دين الإسلام فهدانا الله والحمد الله فأسلمنا جميعاً ونحن نقدم إلى هذه البلاد ونتفقه فإذا رجعنا إلى بلادنا أكرمنا أهلها وولونا أمور دينهم: فسألته لم تحلقون لحاكم كما تفعل الإفرنج فقال يحلقها منا المتجندون ويلبسون لبسة السلاح مثل الإفرنج أما غيرهم فلا. قلت فكم مسافة ما بيننا وبين بلادكم فقال: من ها هنا إلى القسطنطينية نحو شهرين ونصف ومن القسطنطينية إلى بلادنا نحو ذلك وأما الاصطخري فقد ذكر في كتابه من باشجرد إلى بلغار خمس وعشرين مرحلة ومن باشجرد إلى البجناك وهم صنف من الأتراك عشرة أيام. ووصف بلاد برغر قال: قال علي بن الحسين المسعودي مدينة البرغر على ساحل بحر مانطس وهو بحر متصل بخليج القسطنطينية وارى أنهم في الإقليم السابع وهم نوع من الترك والقوافل متصلة منهم إلى بلاد خوارزم وارض خرسان ومن بلاد خوارزم إليهم إلا أن ذلك بين بوادي غيرهم من الترك قال وملك البرغر في وقتنا هذا وهو سنة ٣٣٢ مسلم اسلم أيام المقتدر بعد العشر والثلمائة لرؤيا رآها وقد كان حج له ولد فورد بغداد وحمل معه المقتدر لواء وسواداً ومالاً ولهم جامع وهذا الملك يغزو القسطنطينية في نحو خمسين ألف فارس فصاعداً ويشن الغارات حولها إلى بلاد رومية والأندلس وارض برجان والجلالقة وافرنجة ومنه إلى القسطنطينية نحو شهرين بين عمائر وغمائر والبرغرامة عظيمة شديدة البأس ينقاد إليها من جاورها من الأمم ولا تمتنع القسطنطينة منهم إلا ياسوار وكذلك ما جاورها من البلدان والليل في بلادهم في غاية القصر في الصيف حتى أن احدهم لا يفرغ من طبخه حتى يأتيه الصبح، قلت أنا (ياقوت) هذه الصفة جميعها صفة يلغار وما أظنهما إلا واحداً وأنهما لغتان فيه لسانين وليس فيه ما أنكرته إلا قوله أن البرغر على سواحل بحر مانطس وما أظن بينه وبين ساحل بحر مانطس إلا مسافة بعيدة. وهكذا ترى ياقوت يذكر عبارة من سلفه في وصف الشعوب والبلدان ثم يشفعها بإخباراته وكثيراً ما ينقل مالا يعتقد صحته كما نقل ما قيل في الصين في اثنتي عشرة صفحة مقدماً عليه قوله: وهذا شيء من أخبار الصين الأقصى ذكرته كما وجدته إلا اضمن صحته فان كان صحيحاً فقد ظفرت بالغرض وان كان كذباً فتعرف ما تقوله الناس فان هذا بلاد شاسعة ما رأينا من مضى إليها فأوغل فيها إنما يقصد التجار أطرافها. ونقل المؤلف عن الاصطخري في وصف ما وراء النهر قال: ولقد شهدت منزلاً بالصغد قد ضربت الأوتاد على بابه فبلغني أن ذلك الباب لم يغلق منذ زيادة على مائة سنة لا يمنع من نزوله طارق وربما ينزل بالليل بيتاً من غير استعداد المائة والمائتاناوالأكثر بدوابهم فيجدون من علف دوابهم وطعامهم ورقادهم من غير أن يتكلف صاحب المنزل شيء من ذلك لدوام ذلك منه الغالب على أهل ما وراء النهر صرف مفقاتهم إلى الرباطات وعمارة الطرق والوقوف على سبيل الجهاد ووجوده الخيرات إلا القليل منهم وليس من بلد ولا من منهل ولا مفازة مطروقة ولا قرية أهلة إلا وبها من الرباطات ما يفضل عن نزول من طرقه. قال وبلغني أن بما وراء النهر زيادة على عشرة ألاف رباط في كثير منها إذا نزل الناس اقيم لهم علف دوابهم وطعام أنفسهم إلى أن يرحلوا وأما بأسهم وشوكتهم فليس في الإسلام ناحية اكبر حظاً في الجهاد منهم وذلك أن جميع حدود ما وراء النهر دار حرب فمن حود خوارزم إلى اسبيجاب فهم الترك الغزية ومن اسبيجاب إلى أقصى فرغانة الترك الخزلخية ثم يطوف بحدود ما وراء النهر من الصغدية وبلد الهند من حد ظهر الختل إلى حد الترك في ظهر فرغانة فهم القاهرون لأهل هذه النواحي وستفيض انه ليس للإسلام دار حرب هم اشد شوكة من الترك يمنعونهم من دار الإسلام وجميع ما وراء النهر ثغر يبلغهم نفير العدو ولقد اخبرني من كان مع نصر بن احمد في غزاة اشر وسنة أنهم كانوا يحزرون ثلثمائة ألف رجل انقطعوا عن عسكرة فضلوا أياماً قبل أن يبلغهم نفير العدو ويتهيأ لهم الرجوع وما كان فيهم من غير أهل ما وراء النهر كبير احد يعرفون بأعيانهم. وبلغني أن المعتصم كتب إلى عبد الله ابن طاهر كتاباً يتهدده فيه فأنفذ الكتاب إلى نوح بن أسد فكتب إليه أن بما وراء النهر ثلاثمائة ألف قرية ليس من قرية إلا ويخرج منها كذا فارس وراجل لابنتين على أهلها فقدهم وبلغني أن بالشاش وفرغانة من الاستعداد ما لا يوصف مثله عن ثغر من الثغور حتى أن الرجل الواحد من الرعية عنده ما بين مائة ومائتي دابة وليس بسلطان وهم مع ذلك أحسن الناس طاعة لكبرائهم والطفهم خدمة لعظمائهم حتى دعا ذلك الخلفاء إلى أن استدعوا من ما وراء النهر رجالاً وكانت الأتراك جيوشاً تفضلهم على سائر الأجناس في البأس والجرأة والإقدام وحسن الطاعة فقد الحضرة منهم جماعة صاروا قواداً وحاشية للخلفاء ونقاباً عندهم مثل الفراعنة الأتراك الذين هم شحنة دار الخلافة ثم قوي أمرهم وتوالدوا وتغيرت طاعتهم حتى بلغوا على الخلفاء مثل الافشين وآل أبي الساج وهم من اشروسنة والاخشيند من سمرقند. . قلنا وهذا مبدأ دخول الأتراك في خدمة الخلفاء. ومثل ذلك ما قاله في وصف خوارزم قال: ذكروا في سبب تسميتها بهذا الاسم أن احد الملوك القدماء غضب على أربعمائة من أهل مملكته وخاصة حاشيته فأمر بنفيهم إلى موضع منقطع عن العمارات بحيث يكون بينهم وبين العمائر مائة فرسخ فلم يجدوا على هذه الصفة إلا موضع مدينة كانت وهي إحدى مدن خوارزم فجاؤوا بهم إلى هذا الموضع وتركوهم وذهبوا فلما كان بعده مرة أخرى جرى ذكرهم على بال الملك فأمر قوماً بكشف خبرهم فجاؤوا فوجدوهم قد بنوا أكواخاً ووجدوهم يصيدون السمك وبه يتقوتون وإذا حولهم حطب كثير فقالوا لهم كيف حالكم فقالوا عندنا هذا اللحم وأشاروا إلى السمك وعندنا هذا الحطب فنحن نشوي هذا بهذا ونتقوت به فرجعوا إلى الملك واخبروه بذلك فسمي ذلك الموضع خوارزم لان اللحمة بلغة الخوارزمية خوار والحطب رزم فصار خوارزم فخفف استشقالاً لتكرير الراء. واقر أولئك الذين نفاهم بذلك المكان واقطعهم إياه وأرسل إليهم أربعمائة جارية تركية وأمدهم بطعام من الحنطة والشعير وأمرهم بالزرع والمقام هناك فلذلك في وجوههم اثر الترك وفي طباعهم أخلاق الترك وفيهم جلد وقوة وأحوجهم إلى مقتضى القضية للصبر على الشفاء فعمروا هناك دوراً وقصوراً وكثروا وتنافسوا في البقاع فبنوا قرى ومدناً وتسامع بهم من يقاربهم من مدن خراسان فجاؤوا وساكنوهم فكثروا وغزوا فصارت ولاية حسنة عامرة. وكنت قد جئتها في سنة ٦١٦ فما رأيت ولاية قط أعمر منها فإنها على ما هي عليه رداءة أرضها وكونها سنجة كثيرة النزور متصلة العمارة متقاربة بالقرى كثيرة البيوت المفردة والقصور في صحاريها قل ما يقطع نظرك في رساتيقها على موضع لا عمارة فيه هذا مع كثرة الشجر بها والغالب عليه شجر التوت والخلاف لاحتياجهم إليه لعمائرهم وطعم دود الابريسم ولا فرق بين المار في رساتيقها كلها والمار في الأسواق وما ظننت أن في الدنيا بقعة سعتها حوارزم وأكثر من أهلها مع أنهم قد مرنوا على ضيق العيش والقناعة بالشيء اليسير وأكثر ضياع خوارزم مدن ذات أسواق وخيرات ودكاكين وفي النادر أن يكون قرية لا سوق فيها مع امن شامل وطمأنينة تامة. . قال: والشتاء عندهم شديد جداً بحيث إني رأيت جيحون نهرهم وعرضه ميل وهو جامد والقوافل والعجل الموقرة ذاهبة وآتية عليه. وقد قال في وصف جيحون: وقد شاهدته وركبت فيه ورأيته جامداً وكيفية جموده انه إذا اشتد البرد وقوي كلبه جمد أولاً قطعاً ثم تسري تلك القطع على وجه الماء فكلما ماست واحدة الأخرى التصقت بها ولا يزال يعظم حتى يعود جيحون كله قطعة واحدة ولا يزال ذلك الجامد يثخن حتى يصير ثخنه نحو خمسة أشبار وباقي الماء تحته جار فيحفر أهل خوارزم فيه آباراً بالمعاول حتى يخترقوه إلى الماء الجاري ثم يستقوا منه الماء لشربهم ويحملوه في الجرار إلى منازلهم فلا يصل إلى المنزل إلا وقد جمد نصفه في بواطن الجرة فإذا استحكم جمود هذا النهر عبرت عليه قوافل والعجل بالبقر ولا يبقى بينه وبين الأرض فرق حتى رأيت الغبار يتطاير عليه كما يكون في البوادي ويبقى على ذلك نحو شهرين فإذا انكسرت سورة البرد تقطع قطعاً كما بدأ في أول أمره إلى أن يعود إلى حالته الأولى وتظل السفن في مدة جماده ناشبة فيه لا حيلة لهم في اقتلاعها منه إلى أن يذوب وأكثر الناس يبادرون برفعها إلى البر قبل الجماد. وبعد فقد علم القارئ من وصف مصنف ياقوت البديع انه خاص ببلاد الشرق والإسلام منه خاصة وما يذكره بالعرض من البلاد القاصية كبلاد الروم فانه يأخذه بتحفظ وقد قال في الروم: وفي أخبار بلاد الروم أسماء عجزت عن تحقيقها وضبطها فليذر الناظر في كتابي هذا ومن كان عنده أهلية ومعرفة وقتل شيئاً منها علماً فقد أذلت له في إصلاحه مأجوراً وقال في زقاق بن واقف: وقد تتغير أسماء الأماكن حسب تغير أهلها. وقال في مادة عكوتان: وجبلا عكاد فوق مدينة الزرائب (باليمن) وأهلها باقون على اللغة العربية من الجاهلية إلى اليوم لم تتغير لغتهم بحكم أنهم لم يختلطوا بغيرهم من الحاضرة في مناكحة وهم أهل قرار لا يظعنون عنه ولا يخرجون منه. ومؤلفنا لا تفوته شاردة إلا ويأتي بنموذج منه قوله في نقيرة في كتاب أبي حنيفة إسحاق بن بشر بخط العبدري في مسير خالد بن الوليد رضي الله عنه من عين التمر ووجدوا في كنيسته صبياناً يتعلمون الكتابة في قرية من قرى عين التمر يقال لها النقيرة وكان فيهم حمران مولى عثمان بن عفان رضي الله عنه. وذكر في ترجمة أبي عبد الله محمد بن خفيف الشيرازي شيخ الصوفية ببلاد فارس وواحد الطريقة في وقته انه لما توفي بشيراز سنة ٣٧١ عن نحو مائة وأربع سنين خرج مع جنازته المسلمون واليهود والنصارى. وهنا نختم هذا البحث - الذي طال لنا توخينا نقل عبارات ياقوت برمتها لمتانتها وسلاستها ولان فيها من الفصح ما يجدر بطلاب الآداب واللغة أن يقبسوه - بقصة وقعت لفقيه مع خليفة وفيها عبرة العبر في خراب البلدان وعمرانها بل هي السر الأعظم فيهما. قال: كان أبو خالد عبد الرحمن بن زياد بن انعم الأفريقي قاضيها وهو أول مولود ولد في الإسلام بافريقية تكلموا فيه فقدم على أبي جعفر المنصور ببغداد قال: كنت اطلب العلم مع أبي جعفر أمير المؤمنين قبل الخلافة فأدخلني يوماً منزلاً فقدم إلي طعاماً ومريقة من حبوب ليس فيها لحم ثم قدم إلي زبيباً ثم قال: يا جارية عندك حلواء قالت: لا قال ولا التمر قالت: ولا التمر فاستلقى ثم قرأ هذه الآية (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستحلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون قال: فلما ولي المنصور الخلافة أرسل إلي فقدمت عليه والربيع قائم على رأسه فاستدناني وقال: يا عبد الرحمن بلغني انك كنت تفد على بني أمية قلت: اجل قال: فكيف رأيت في سلطاني من سلطانهم وكيف ما مررت به من أعمالنا حتى وصلت ألينا قال: فقلت يا أمير المؤمنين رأيت أعمالاً سيئة وظلماً فاشياً والله يا أمير المؤمنين ما رأيت في سلطانهم شيئاً من الجور والظلم إلا ورايته في سلطانك وكنت ظننته لبعد البلاد منك فجعلت كلما دنوت كان الأمر أعظم أتذكر يا أمير المؤمنين يوم أدخلتني منزلك فقدمت إلي طعاماً ومريقة من حبوب لم يكن فيها لحم ثم قدمت زبيباً ثم قلت يا جارية عندك حلواء قالت: لا قلت: ولا تمر قالت: ولا التمر فاستلقيت ثم تلوت (عسى ربكم أن يهلك عدوكم ويستحلفكم في الأرض فينظر كيف تعلمون) فقد والله اهلك عدوك واستخلفك في الأرض ما تعمل قال: فنكس رأسه طويلاً ثم رفع رأسه وقال: كيف لي بالرجال قلت أليس عمر ابن عبد العزيز كان يقول أن الوالي بمنزلة السوق يجلب إليها ما ينفق فيها فان كان براً أتوه ببرهم وان كان فاجراً أتوه بفجورهم: فاطرق طويلاً فاومأ إلي الربين أن اخرج فخرجت وما عدت إليه. رحلة إلى البصرة وجوارها ١ في اليوم التاسع والعشرين من شهر المحرم لهذه السنة امتطينا ظهر إحدى البواخر العثمانية فأقلعت بنا من بغداد في اليوم الثاني قاصدة البصرة الفيحاء، وهذه الباخرة حسنة جداً توفرت فيها أسباب الراحة للركاب والسياح وهي بنظامها وترتيبها أشبه بنظام البواخر الكبرى التي تخر في انهار الغرب وبحاره. مما جعلنا نطري مدحت باشا وهو في رمسه على ما أتاه من ضروب الإصلاح واحدث من المشاريع العمرانية في هذا القطر ومن جملتها إنشاؤه هذه الشركة التي أحدثت ذلك الانقلاب الاقتصادي والتجاري في مرافق القطر العراقي فقربت المسافة بين بغداد والبصرة بل بين أوربا والعراق. وقد أزيلت بواسطتها كل المشاكل والعوارض التي تقف سداً حائلاً في نمو التجارة الوطنية وانتشارها. وكانت وسائط النقل والمواصلات بين الزوراء والفيحاء في حكم العدم قبل أيام ذلك الوزير وجل ما كان هو السفن الشراعية تقطع المسافة ما بين تينك الحاضرتين في ثلاثين يوماً أو أكثر تبعاً لحالة الجو وهبوب الهواء في حين تقطع السفن التجارية ذلك الطريق وطوله نحو ٥٢٠ ميلاً في ثلاثة أيام إذا كان الموسم في الربيع والشتاء وخمسة أيام إذا كان صيفاً أو خريفاً دع عنك الراحة التي يجدها المسافر في ذهابه وإيابه هذا عدا ما في ذلك من الأمن على الأرواح والأموال. جلسنا ومن كان معنا من ركاب الدرجة الأولى فوق سطح الباخرة لتتمتع الأنظار بما كان عن اليمين والشمال من المشاهد الطبيعية التي تأخذ بمجامع القلوب وتسحر الألباب، وكانت باخرتنا تسير الهوينا بالرغم من أن شحنتها نحو ٢٥٠ طناً وإنها سريعة الجري إذ تقطع في الساعة ١٢ ميلاً بحرياً. ومنشأ ذلك ضعف جريان دجلة، ولا تدري هل هذا الضعف الذي انحل جسم الأمة وأنهك قواها قد سرى إلى أشجارها وأنهارها حتى كاد يقف دجلة عن السير، أو أن دجلة أحسن بعجز الأمة وحكومة البلاد عن الإصلاح وإعمار الأراضي الطيبة وتوزيع مياهه فيها على ما يتطلبه الفن الحديث فأصابه فتور وكان منه ما كان أو انه غضب فنجل بمائة النمير - ويحق له البخل - على قوم لا يستحقون هذه النعم التي توفرت لهم أو انه ادخر ما عنده إلى الوقت الذي يدب فيه دبيب الحياة في جسم الأمة العربية فتنشط من عقالها إلى شق الأنهار وحفر الجداول وتقسيم مياه دجلة عليها؟؟ لست ادري، وغاية ما في الباب أن دجلة ضعيفة جربته ويعللون لذلك أن وقت الفيض لم يحن بعد لأنه يبتدئ من آذار وينتهي بانتهاء شهر أيار على الحساب الغربي إلا أن هناك مؤثرات أوجبت هذه البطاءة في سير دجلة وهو ذهاب المياه في الاهوار ضياعاً من جون أن تنتفع منها التربة، وقد صادف في طريقنا ظهور جزر كثيرة في وسط دجلة فكان ربان الباخرة وهو من أبناء يعرب المقتدرين يتقي الأخطار بفطنته ودرايته فسار بها على مقتضى الحكمة والخبرة خشية الارتطام بإحدى الجزر والجنوح إلى الشاطئ وهذا العارض الطبيعي قد يسر لنا مشاهدة ما أمامنا من الرياض والغياض والحقول وقد كنا نسمع عن كثب أنين النواعير وخرير المياه وحفيف الأشجار وتغريد الأطيار وصغار الخراف وخوار العجول التي هي اوقع في النفوس من أوتار الموسيقار وألذ على القلوب من ضرب البيانو وغناء ربات الجمال. وكان النسيم عليلاً فيهب علينا من جهة الغرب حاملاً بين برديه أريج الأزهار وروائح الإثمار فأنشدنا قول الشاعر: إن هذا الربيع شيء عجيب يضحك الأرض من بكاء السماء ذهب حيثما ذهبنا ودر حيث درنا وفضة في الفضاء واصلت الباخرة بنا السير وهي تشق عباب دجلة الجميل فما وقعت أنظارنا إلا على ارض ضاحكة مستبشرة قد كستها الطبيعة حلى خضراء تبهج الناظرين وكنا نرى أشجار النخيل الباسقة ممتدة على ضفتي النهر وبينها القصور الشاهقة والمباني السامقة وكانت تحجبها عنها نور الشمس أحياناً لارتفاعها وذهابها صعداً في الهواء وممرنا بنهر ديالة المشهور في كتب العرب باسم نهر تأمرا ومنبع هذا النهر من غربي اسداباد في ديار العجم عند الدرجة ٣٠ والدقيقة ٤٠ عرضاً شمالياً وطوله ٣٥٠ متراً ومصبه في ساحل دجلة الأيسر على بعد بضعة فراسخ من بغداد وهو يمر بخرسان العراق وتتفرع منه بضعة انهر كنهر الخالص وبلدوزر وغيرهما، وكان لهذا النهر شأن خطير في حضارة القطر العراقي، ويجري فيه من المياه ما يناهز ٣٠٠ متر مكعب في الثانية أيام الفيض و ٥٠ متراً مكعباً زمن هبوط المياه بيد إنها لا توجد في كل الشهور ويبتدئ موسم فيضه من شهر تشرين الثاني وينتهي في تموز على الحساب الرومي، وموقف هذا النهر يساعد على أسقاء ٢٠٠ ألف هكتار من أخصب البقاع وأكثرها استعداداً لزراعة قصب السكر والقطن على اختلاف أنواعه. وقد بلغ عرض دجلة في هذا الموضع نحو ٣٨٠ متراً مكعباً وكمية ما يجري فيه من المياه تبلغ ١٢٠٠ متر مكعب في الثانية على انه في فصل الربيع يبلغ نحو ٤٠٠٠ متر مكعب ويظل يتناقض حتى يستقر في شهر كانون الأول والثاني على ٤٥٠ متراً مكعباً في الثانية وإذا دخل شهر شباط ابتدأ الفيض تدريجياً حتى يبلغ منتهاه في شهر آذار وأكثر ما رأيناه في طريقنا من البساتين والحقول والمزارع يسقى بالكرود والآلات الرافعة للمياه تحرك بالبخار أو بالبترول، وفقر الفلاح وغناه منوطان بقربه من المدينة بغداد وبعده عنها فكلما دنا منها كثر ماله وحسنت حاله وازدادت أرباحه لان أكثر نواتج بقاعه من بقول وفاكهة وإثمار تجد في أسواقها تجارة نافقة والأمر بالعكس مع الفلاح الذي بعدت أرضه عن المدينة، وقد سرنا ما رأيناه من نشاط الفلاح البغدادي واجتهاده في تربية النخيل وأعمار الأراضي الغامرة وحرثها والاستفادة من تربتها وآثار ذلك بادية في حقوله وكرومه وظاهرة في جنائنه ورياضه ولو احكم وسائل السقي واقتفى اثر الفلاح الأوربي في الحرث على الأصول الحديثة وعضدته الحكومة بالمحافظة على زراعة وضرعه وكفلت له السلامة من الغرق لكانت البلاد اليوم في ارفع درجات العمران وفي اوج العلاء والتقدم. وعلى طول زهاء عشر ساعات امتدت على ضفتي دجلة قصور قوراء توفرت فيها أسباب الرفاهية والنعيم قد شيدها أعيان الوزراء وموسروها على الطراز الأوروبي ولم يذخروا واسعاً في إعداد كل أدوات الزينة من الأثاث والرياش الفاخرة مما لا يقل عما في قصور الملوك وعظماء المتمولين في البلاد الأخرى وفيها يقطن الأعيان فصلي الربيع والصيف لقضاء الشهوات والتنعم بلذيذ العيش الذي هو بعرفهم عبارة عن اللهو والقصف والملبس الجميل والمأكل الفاخر وأكثر ما شاهدناه من آثار العمران لأغنياء الإسرائيليين والمسيحيين وما بقي وهو شيء قليل بيد المسلمين. ومع هذا فانك تجد الفرق ظاهراً بين المعيشتين فترى النظام والترتيب وحسن الذوق يغلب على قصور غير المسلمين وبعكسه تجد في دور أغنيائنا على أن ما ينفقه المسلم في سبيل انه وراحته يبلغ أضعاف أضعاف ما ينفقه المسيحي والإسرائيلي، وما ذلك إلا من معرفة هؤلاء طرق الاقتصاد وتفننهم بالإدارة المنزلية وعدم إلمامنا بالمسائل الاقتصادية وإهمالنا أمر العناية والتحقيق في إدارة بيوتنا وتنظيم شؤون اسرنا. وما اقبلنا على طاق كسرى إلا واستقبلنا فلاة مقفرة قاحلة فكنا نمر الساعة والساعتين فلا تقع الأنظار إلا على خرائب طامسة وإطلال دراسة أكل الدهر عليها وشرب ولكن ما فيها من نفيس الآثار كالتلال والروابي التي انبثت فيها التصاوير والرسوم ينطق بلسان فصيح بما كان لهذه المواطن من عظيم الشأن ورفيع المقام في قديم الزمان، ولما لاحت لنا عن كثب بقايا طاق كسرى انوشروان فخر الدولة الساسانية وإطلال إيوانه المشهور سكبت منا العبرات وتصاعدت من أنفاسنا الزفرات إلى السماء حزناً على ما كانت عليه هذه اليدار من الحضارة والعمران فتقلبت عليها الأزمان ونزلها من لا يصلح ولا تصلح له، وأنشدنا قول الشاعر العربي: امست خلاء وأمسى أهلها ارتحلوا اخنى عليها الذي اخنى على لبد لطاق كسرى هذا شأن خطير في تاريخ العراق القديم وهو من الآثار الجليلة التي تمثل للاعصرة المتأخرة عظمة الفرس وضخامة تمدنهم وعلو كعب دولتهم في الحضارة والمدنية، وقد أفاض المؤرخون من المتقدمين والمحدثين في وصف هذا الإيوان العظيم الذي تصدر فيه كسرى العادل ويعتبر مؤرخو العرب أن له مسيساً بتاريخ عرب المناذرة في الحيرة لا تصالهم بدولة الفرس، وممن كتب عنه ابن الأثير المؤلف المشهور قال في الكامل:. . . وهو - يعني الإيوان - مبني بالآجر وهو على مرتفع من الأرض طوله ١٥٠ ذراعاً في عرض مثلها وأمامه ميدان طوله ٨٠ ذراعاً في ٢٥ وقيل سعة الإيوان من ركنه إلى ركنه ٩٠ ذراعاً. . وكان فيه من التماثيل والصور شيء كثير من جملتها صورة كسرى انوشروان وقيصر ملك إنطاكية وهو يحاصرها ويحاربها فلما فتحت المدائن سنة ١٦ هجرية على يد سعد بن عبادة ترك ما فيه من التماثيل واتخذه مصلى وصلى فيه صلوة الفتح ثماني ركعات لا يفصل بينها وقيل أن المسلمين احرقوه بعد ذلك بقليل هذا ما قاله ابن الأثير وهو من رجال القرن السابع للهجرة غير أن ما جاء في كلامه ليس إلا وصف الإيوان على عهد الفتح الإسلامي ولم يشر إلى حالته في عصره وجاء ذكر هذا الإيوان عرضاً في مقدمة تاريخ بغداد للخطيب البغداجي قال المدائن لكثرة ما بنى بها الملوك والأكاسرة واثروا فيها من الآثار. . . وتسمى المدينة الشرقية العتيقة وفيها القصر الأبيض القديم. وتتصل به المدينة التي كانت الملوك تنزل بها وفيها الإيوان ويعرف باسانير. . . فالظاهر من كلام الخطيب أن الإيوان كان في المدائن عاصمة دولة الفارسيين وهو الصحيح الثابت ويؤيده ما وجدناه من الأنقاض والخرائب التي تشير إلى وجود المدينة وقد نقب بعض الباحثين في الآثار القديمة فوجد هناك بعض النقوش والكتابات على الآجر المشوي اهتدى بواسطتها إلى حدود المدينة وعثر على بعض أنقاض سورها الذي ورد ذكره في مقدمة تاريخ بغداد للخطيب أيضاً حيث قال: وكان الإسكندر. . . ينزلها يعني المدائن. . . بونى فيها مدينة عظيمة وجعل عليها سوراً أثره باق إلى وقتنا هذا موجود الأثر وهي المدينة التي تسمى الروضة في جانب دجلة الشرقي. والإيوان في موضع يبعد عن بغداد ست ساعات من طريق البر وعشرات ساعات من جهة النهر بينه وبين ساحل دجلة الأيسر مسافة ١٥ دقيقة وهو بناء ضخم هائل يبلغ طوله نحو ٤٢ متراً في عرض ٢٥ متراً وارتفاعه يناهز ٣٠ متراً وعرض الباقي من العقد إلى أعلاه وثخنه ٨ طاباقات لو متران ونصف وهو قومي الشكل ويبلغ مقدار قوسه ١٤ متراً وعرض حائط الإيوان الذي عليه طرف العقد زهاء خمسة أمتار وعرض الباب الذي يكون مقابلاً لك إذا وقفت في وجه الإيوان ووجهك إلى الجنوب الغربي متران و ٢٠ سنتيمتراً وارتقاء خمسة أمتار وهو معقود مقوس. وفي جانبي الجدار الذي فيه الباب المذكور من أعلاه روزنتان نافذتان إلى الوجه الآخر من الجدار يبلغ ارتفاع كل منهما مترين في عرض متر وارتفاع الجدار المار الذكر يناهز ١٨ متراً وفي حائط الإيوان الشرقي مما يلي وجهه باب طوله سبعة أمتار ونصف متر وفي عرض متر ٨٧ سنتيمتراً وقد شق عقده إلى أعلى الإيوان ويزعم أهل العراق أن الشق قد حدث وهلة يوم ولادة النبي صلى الله عليه وسلم فتطير من ذلك كسرى ورسخ في ذهنه أن انقضاء حكم الفرس وزوال ملكهم قريب الوقوع، وفي شرقي الجدار المذكور جدار آخر قائم قد سقط أعلاه وتداعت بعض أركانه من طرفه الشرقي ولم يبق منه إلا ما يناهز طوله نحو ٣١ متراً في عرض سبعة أمتار في ارتفاع قرابة ٣٠ متراً وفي وجهه الذي هو تجاه الشمال الشرقي آثار نقوش ومشاك وأعمال هندسية في البناء بديعة الشكل حسنة الوضع وفي أعلاه تجاه الجنوب الغربي اثر عقد يدلنا على انه كان هناك إيوانان هناك إيوان آخر صغير غير هذا الكبير وقد هدم، وطوله من الأرض إلى اثر العقد قرابة ٨ أمتار، وفي وسط الجدار المذكور باب معقود طوله ٧ أمتار في عرض ٤ أمتار و ٢٠ سنتيمتراً وفي ارتفاع متر و ٨٠ سنتيمتراً وبناء الإيوان بالجص والطاباق. هذا ما يمكن أن يقال عن الإيوان في هذا العهد وأنت ترى انه لم يبق منه إلا انقاض بالية لولا وجودها لاندرست رسوم هذا الصرح الفخم بيد أن ما بقي منه كاف لإظهار عظمة الفرس القدماء وحسن ذوقهم وطول باعهم في الفنون الهندسية وهذا الصرح الشاهق لا يقل ضخامة وفخامة عما شيده اليونان والرومان في البلاد التي دانت لهم واعضوا أهلها بأسيافهم وبلغت فيها حضارتهم أقصاها ومنتهاها. ولا جرم فالفرس أو لو تمدن زاهر ونسب عريق في الحضارة والمدينة، وقد وقف البحتري الشاعر الشهير على أطلال المدائن ففاه بقصيدة هي أحسن وأعذبها وارقها قال بعد أن عاتب زمانه وشرح حالته: حضرت رحلي الهموم فوج هت إلى ابيض المدائن عنسي اتسلى عن الحظوظ وآمي لمحل من آل ساسان درس ذكرتنيهم الخطوب التوالي ولقد تذكر الخطوب وتنسي وهم خافضون في ظل عال مشرف يحسر العيون ويخسي مغلق بابه على جبل القب م ق إلى دارتي خلاط ومكس حلل لم تكن كإطلال سعدى في قفار من البسابس ملس ومساع لولا المحاباة مني لم تطقها مسعاة عنس وعبس نقل الدهر عهدهن عن الجدة م حتى غدون أنضاء لبس فكأن الجرماز من عدم الأ م نس وإخلاله بنية رمس لو تراه علمت أن الليالي جعلت فيه مأتماً بعد عرس وهو ينبيك عن عجائب قوم لا يشاب البيان فيهم بلبس فاذا ما رأيت صورة انطا م كية ارتعت بين روم وفرس والمنايا مواثل وانوشر م وان يزجي الصفوف تحت الدرفس في اخضرار من اللباس على اص م فر يختال في صبيغة ورس وعراك الرجال بين يديه في خفوف منهم وإغماض جرس من مشيح يهوي بعامل رمح ومليح من السنان بترس تصف العين أنهم جد أحياء ئهم لهم بينهم إشارة غرس يغتلي فيهم ارتيابي حتى تتقراهم يداي بلمس إلى أن قال: وكأن الإيوان من عجب الصن م عة جوب في جنب ارعن جلس يتظنى من الكآبة أن يب م دو لعيني مصبح وممسي مزعجاً بالفراق عن انس ألف عزاً ومرهقاً بتطليق عرس عكست حظه الليالي وبات الم - م مشتري فيه وهو كوكب نحس فهو يبدي تجليداً وعليه ككل من كلا كل الدهر مرسي مشخر تعلو له شرفات رفعت في رؤوس رضوي وقدس لابسات من البياض فما تبصر منها م إلا غلائل برش ليس يدري اصنع انس لجن سكنوه ام صنع جن لانس وكأن اللقاء أول من أمس م ووشك الفراق أول أمس عمرت للسرور دهراً فصارت للتعزي رباعهم والتأسي فلها أن أعينها بدموع موقفات على الصبابة حبس ذاك عندي وليست الدار داري باقتراب منها ولا الجنس جنسي غير نعي لاهلها عند اهلي غرسوا من ذكائها خير غرس أيدوا ملكنا وشدوا قواه بكماة تحت السنور حمس ولو أردنا أن تثبت كل ما جاء في وصف هذا البناء الشامخ من منظوم ومنثور لضاق بنا المقام واحتجنا إلى مجلد ضخم له تلو. بغداد=// إبراهيم حلمي العمر. في ديار الغرب قل سيروا في الأرض ليس كالسياحة تجدد الحياة وتزيد الاختبار وتعلم وتهذب وتزيد في الاعتبار بحوادث الليل والنهار. وإني لا تمنى لكل من ساعدته الحال أن ينهض ليعتبر ويتعلم ويتسلى فان النفس في قرارها تصدأ كما يصدأ الحديد بالرطوبة فهي تحتاج للنور وللحرارة وإلا فتذبل كالزهرة. قال وليم هازلت من مفكري الانكليز أن الوقت الذي أمضيناه في السياحة الأجنبية مقطوع من عمرنا مفصول من حياتنا إلى وصله ولا وسيلة إلى إدماجه والمرء خارج وطنه رجل آخر غير الذي كان هنالك حتى أن المسافر ليودع نفسه فيمن يودع ولله در القائل خرجت من موطني ومن نفسي فمن أراد أن ينسى الحزن والشجن فليذهب إلى غير بلده من بلاد الله يجد في عجيب المناظر وغريب الأحوال سلوة وروحاً وتغيب من عينه مذكرات الهموم وباعثات الأسى ولذلك كنت انفق حياتي خارج بلادي لو وجدت من يقرضني حياة أخرى أنفقها في وطني حتى اقضي حقوقه. كلمات حكمة وخبرة ولذلك ترى أكثر الأمم رقياً أكثرها سياحاً والعكس بالعكس. والانكليز والأميركان هم في المقدمة ثم يجيء الألمان والفرنسيس وغيرهم من أمم المدينة الحديثة وامتنا العربية يكون محلها في قائمة السياح في الآخر بالطبع لأنها اعتادت سير القهقري وأنا لو أخرجنا المصريين من جملة السائحين في الغرب لا تجد لنا إلا عدداً يضحك بالنسبة لأرباب الرحلات من الأمم. أما العرب السوريون ممن يهاجرون إلى أمريكا فهؤلاء لا يقصدون من رحيلهم إلا الكسب ولا يعرفون على الأغلب كيف يستفيد المرء من سياحته علماً وعملاً. نتمنى لامتنا أن يسيح منها العلماء والوجهاء والتجار والموظفون وأرباب الصنائع والزراعات الواسعة ممن يمكنهم ولو بعض الشيء تطبيق ما رأوه عند من ارتقوا عنهم مراحل. فهذه الطبقات الغنية هي التي تستفيد بالاحتكاك بغيرها من أهل طبقتها في الغرب إذا أخذت على نفسها البحث والدرس خلال التنقل وترويح النفس. السياحة لا تكلف اليوم من العناء والمال ما كانت تكلفة منذ مئة سنة فان العارف قد يستطيع أن يطوف أهم عواصم العالم ولا ينفق في يومه أكثر من ليرة مرفهاً رفاهية لا تتيسر له في بلده ولو كان من أغنى أغنيائها لان البلاد في الغرب كلها منظمة ومعظم الفنادق والبيوت سواء في الأخذ بأسباب الراحة. وللعيش فيما خلا العواصم الكبرى سهل للغاية وهو ارخص مما هو في بلادنا فان المصطاف أو المشتي في سويسرا قد يستطيع أن يكون في عائلة ولا ينفق في شهره ثمن الطعام والمنام الجيد أكثر من ١٥٠ فرنكاً وهذا قلما تجد له مثيلاً في بلدة أوربية اللهم إلا في المدن الصغرى أو القرى وكل مدينة من مدن سويسرا حرية بأن يتعلم فيها الشرقي سنين لا أياماً ومن رأى مدينة أو ثنتين يكون قد رأى نموذجاً صالحاً من هذه المدينة الفاضلة. بيد أن من يسيح في الغرب لا يصح له أن يتخلى عن غثيان العواصم الأمهات مقر المدنيات الضخمة كرومية ولندن وباريز وبرلين وفينا وهذه العواصم يكتفي منها للسائح ببضعة أيام والأولى أن ينظر إلى دولاب الحركة في المدن الصغرى إذ يستطيع أن يحيط بها فكرة أما العواصم الكبرى فان أهلها قد ضاعوا فيها ولا تكاد تجد واحداً منهم يعرفها حق معرفتها فباريز مثلاً كلما غبت عنها أشهراً وعدت إليها تجد فيها غرائب جديدة وجواد فخمة لم تكن من قبل وكل شيء فيها يزداد على الزمن فخامة وعظمة فالفرع الواحد فيها إذا أراد درسه السائح الشرقي لا يتيسر له في اقل من بضعة أشهر ولكن النظرة الإجمالية يكفي لها خمسة عشر يوماً ومثلها سائر العواصم وأصعبها على السائح إحاطة لندن مدينة الثمانية ملايين نسمة ونيورك مدينة الخمسة ملايين. أن مدينة الغرب متشابهة في أكثر الأوضاع فمن رأى نموذجاً منها اكتفى والزيادة على ذلك من النوافل. من زار باريز مثلاً أعظم نموذج في الحضارة الحديثة. وخير لمن يعرف لغة مملكة في الأكثر أن يذهب إليها. وان كان من يعرف لغة أوربية كبرى مثل الفرنسية أو الانكليزية يستطيع أن يسيح بدون عناء في كل مملكة وبتفاهم مع أهلها ولا سيما أهل الطبقة العليا والتجار والعلماء. ثلاث لغات أصول هي التي تفرعت منها لغات القارات الثلاث أوربا وأميركا واوستراليا الانكلوسكسونية واللاتينية والسلافية فمن عرف الروسية مثلاً لا يشق عليه السياحة في البلقان واكثر النمسا ومن عرف الانكليزية استطاع السياحة في أميركا الشمالية واوستراليا ومن عرف الافرنسية كانت عليه سياحة ايطاليا واسبانيا والبرتغال والبرازيل والأرجنتين مثلاً من أسهل الأشياء. أما من لم يكتسب له الأخذ بحظ من هذه اللغات وأراد الاستفادة من الغرب فليس أحسن له من استصحاب ترجمان من بلاده ويكون ممن سبقت له الرحلة إلى ديار الغرب وإذا أريد الاقتصاد فالأولى أن يجتمع كل ثلاثة أو أربعة أشخاص ويرافقهم ترجمان مؤتمن عندهم وعندها تقل النفقة نحو الثلث. ولقد شاهدنا كثيراً من أغنياء مصر ساحوا أوربا وهم لا يعرفون لغة من لغاتها ولكنهم بواسطة التراجمة استطاعوا أن يحسنوا التصرف بيد أن الأولى أن يكون المرء نفسه عارفاً بإحدى لغاتهم وهناك حدث ما شئت أن تحدث عن استفادته وسروره. وبالجملة فإن الخوف من السياحة توهم ليس في محله فلا المال وقلته ولا عدم الإحاطة بلغة إفرنجية بل أن المحرك الأعظم في السياحة الإرادة ومن صحت عزيمته زعزع الجبال فما بالك بالسياحة وأبناء السابعة والثامنة اليوم يسيحون في أوربا وأميركا بدون أن يخشوا ضرراً والفتيات الجميلات يضربن في البر والبحر ولا من يتعرض لهن بسوء فهل من العجل أن يكون فتيان الغرب وفتياته أرقى منا كعباً وأكثر إقداماً ما دامت لنا في السياحة فوائد لا يقدرها الخامل في بلده والسياحة مدرسة لتعليم الكبار كما أن المدرسة هي المعلمة للصغار فاللهم علم كبارنا وصغارنا علماً نافعاً. نحن في البلاد الفرنسوية ليس عجباً أن ترى العثماني والإيراني وغيرهما من سكان أسيا الغربية والساحل الشمالي من افريقية يطربون في البلاد الفرنسوية ويؤثرونها على غيرها من بلاد الغرب في التجارة والتعلم والنزهة فإن معرفة لغة قوم هي مفتاح جميع هذه الأعمال وتعليل صحيح لعامة هذه الأحوال. انتهت فرنسا قبل غيرها لاستتباع الشرق الأقرب بتعليمه على مناحيها وتلقينه لغتها فكانت منذ زهاء قرنين تبعث البعوث وترسل المعلمين بمدينتها ولغتها فلم يمض زمن طويل وفرنسا إذا ذاك صاحبة الكلمة الأولى في السياسة الغربية قبل انكلترا وألمانيا وروسيا إلا والخاصة في هذه البلاد يعرفون الافرنسية ويأخذون عنها ويؤثرون الفرنسيس على غيرهم لأنهم لم يعرفوا غيرهم خصوصاً وان المرونة التي يجونها عندهم تشبه مرونتهم والفرنسيس عرفوا بلين الجانب وكثرة التفاني بتعليم ما عندهم لغيرهم لأنهم يرون لغتهم أرقى اللغات الأوربية وامتهم في مقدمة الشعوب التي قاتلت لأجل الحرية. أن ميل الفرنسيين للابتكار في كل شيء دعا إلى نشر أفكارهم وأوضاعهم في بلادنا كتب احدهم مقالة افتتاحية في جريدة الايكودي باري قال: انه مما أثبتته التجارب أن الفرنسوي خلق مخترعاً وقد اتى الفرنسيس أمثال لافوزايه وكوفيه وكلود برنارد وبيشا وباستور من الأعمال العلمية ما استحقوا به أن يكونوا مؤسسين لجميع العلوم الحياتية والكيمياء والتشريح والفسيولوجيا وقمت أهم الاختراعات الغربية في الأربعين سنة الأخيرة على أيدي الفرنسيس فهم الذين اخترعوا سر التلغراف بلا سلك واوجدوا صناعة الاوتوموبيلات وعملوا مدفعاً من عيار ٧٥ وعثروا على الأسباب الرئيسية التي سمحت بالطيران. وهكذا في السياسة فان الفرنسيس أول من اوجدوا في أوربا وحدة وطنية وهي الوحدة الفرنسية وأول من أسسوا وطناً وهو الوطن الفرنسوي وهم كانوا أول الناشرين تحت ستار الحرية والمساواة الأفكار الثورية. فالفكر الفرنسوي حاد ينتبه بسرعة للصلات المجهولة في الأشياء وهو براق يدرك بدون كبير عناء المؤثرات التي تحدث بين أجزاء عناصر المادة فهو ذو خاصة تخدم حاجته للمعقول وحبه للوضوح. الفرنسوي جريء على مثال لويس الثالث عشر ونابليون والموت الذي كثيراً ما يكون جزء المخترع قلما يفرغه بل يبعث همته ويشحذ بكثير من الضباط أن يتجشموا الأخطار إلى آسيا وافريقية لفتح أراض جديدة واسعة وهذا الذوق هو الذي ساق فيما مضى النورمانديين والبروتونيين إلى سلوك البحار التي لم يسلكها احد ليؤسسوا مدائن في الشواطئ البعيدة. هذا هو الوجه الحسن وإذا جئنا إلى نقيضه نرى الفرنسوي يخترع ولكنه ما قط عرف الانتفاع ثمرة اختراعه ولا يحقق وينظم ما اخترعه. وخفته العقيمة تحمل إلى غير الانتفاع بتطبيق ما أوجده هو. فهو يفتح المستعمرات بدمه وماله ولكن الألمان والايطاليين أو الاسبانيين هم الذين يستثمرونها. اختراعاته في العلوم لا يقع عليها حصر ولكنه لم يستعملها قط لتحسين أدواته أو حاصلاته فقد أسس مثلاً الكيمياء ولكن الألمان هي التي وجدت في الصناعة الكيماوية مورداً عظيماً من الثروة أي مليار وستمائة ألف مليون من الحاصلات السنوية منها نحو سبعمائة مليون صادرات وأنشأت تسعة ألاف معمل فيها مائتا ألف عامل يدفع إليهم ٢٦٠ مليون فرنك مشاهرات وأجوراً. - الفرنسوي يتحرك في الهواء أسرع من الطير. وهو طيار خارق للعادة بجرأة طبيعية فيه تظنها بلادة منه. ولكنه يستطيع أن يجعل للطيارين ولمراكز الطيران نظاماً معقولاً وإذا سقطت في درجات الأشياء الصغرى ترى الفرنسوي على هذه الصورة من الاضطراب وعدم الانتظام وقلة الاهتمام. ويقال في ذلك أن الفرنسوي يكره وهو على هذه الصورة من الحركة أن ي \ نشئ إلى ذروة انتباه طويل متساوق ويشعر بأنه يخنع إذا لم ير نفسه مائلة إلى الأعمال المختلفة التي تحثه وإذا وجب عليه أن يعمل عملاً مجهولاً يحتاج إلى صبر. أما الألماني فهو على العكس من ذلك له قليل جداً من النبوغ في الاختراع والإيجاد بل لا يكاد يذكر له شيء منه ولكنه مختص كل الاختصاص بالانتفاع بما اخترع وتنظيمه. وما عدا الفلاسفة والموسيقيين في ألمانيا القديمة الذين اخترعوا واوجدوا فان الألماني لا يخترع لا فكرة ثقيل وبطيء ومفكر لم يختلق لهذه الأنوار الفجائية التي توحي بالمجهول ولكنه متى اخترع فهناك حدث ما شئت أن تحدث عن حسن استخدامه له فهو يحب العمل الذي يحتاج لثبات ولا يستعجل لان الضروري عنده أن لا يعمل بسرعة بل أن يعمل بجودة وان يكون على استعداد لحين الحاجة فيكون مجهزاً لساعة العمل ولا يبدأ قط بطيئاً. جاء الألماني بعد الفرنسوي في الطيران ولكنه أدهش العالم بتنظيمه له فلم يخبط على غير هدى بل رأى بسرعة كل ما ينبغي أن يرى ووفاه حقه. له قليل من المستعمرات ولكنه يسكن مستعمرات غيره فينزلها التجار والصناع الذين يبعث إليها بهم. الألماني لم يخترع التلفون لألمانيا الآن نحو مائتي ألف كيلو متر من الأسلاك التلفونية أي أكثر من فرنسا وعدوا المخابرات التلفونية في بلاده ب - ٨٠٠ مليون لقاء ١٩٠ مليوناً في فرنسا وما من قرية ألمانيا مهما صغرت وهي مرتبطة بتلفون تخابر به وإدارتها في البريد أول إدارة في العالم. وهي تعترف أن ليس بين كيماوييها الكثار واحد مثل لافوزيه وبرتلو ولكن لها معامل تجريبية تعينها الحكومة والمدن والنقابات الصناعية. أن كان الفرنسوي مخترع الأصباغ الصناعية فالألماني بفضل مدارسه ومعامله أتى فيها بالعجائب حتى يكاد يختص بتجارة الأصباغ. وما من بلد يعني بتجديد إدارته على الدوام لتكون كاملة من كل وجه على احدث طرز كما يعني في ألمانيا. وإلقاء أدنى نظرة على محطة من محطات يككهم الحديدة تشهد لهم بذلك الخ. ثم انتبه الانكليز والأميركان والطليان للأمر ولكن بعد أن رسخ التمدن الفرنساوي في النفوس وكثر أنصاره بطبيعة الحال مع انه ربما كان في أوضاع الأمم الأخرى ما يماثله أو يفوقه. وإذ قبلت مصر والعثمانية وإيران أن تعلم الافرنسية بصفة إجبارية في مدارسها مثل لغة البلاد كان ذلك من اكبر المعونات على بث هذه اللغة البديعة فاتخذناها لغة التخاطب والتكاتب في التجارة والسياسة. للبلاد المصرية والعثمانية والإيرانية في البلاد الفرنسوية اليوم مئات من الطلبة يدرسون العلوم المنوعة في مدارسها في حين لا تجد سوى عدد محدود من الطالبين في مدارس انكلترا وأميركا وأكثرهم من المصريين والهنود أما في ألمانيا والنمسا وايطاليا وروسيا فان عددهم يعد على الأنامل والإيرانيون أكثر الشرقيين اختلافاًَ إلى مدارس روسيا للجوار والسياسة. فإذا طربت النفس يود دخولها ارض فرنسا وسويسرا الفرنسوية وبلجيكا الفرنساوية فذلك لأننا نشعر بأننا بين قوم يفهمون من نحن ونفهم من هم أننا نستفيد هنا إضعاف استفادتنا في أي ارض سواها لأننا لا نجد تقارباً في الأفكار والمناحي ولأننا نعرف تاريخ هذه البلاد كما نعرف تاريخ بلادنا وقد حصلت لنا على الزمن آنسة بأوضاعها المرنة اللطيفة ومن تعلم لغة قوم قلت ما بينه وبينهم من الفوارق وتيسر له أن يشاركهم ويشاركونه في كل ما لا يضر بعاداته وأخلاقه الخاصة. أن المدينة الأوربية تتسرب كل يوم إلى عقولنا في طرق تنقلها الصحف والسياح والمدارس والجيش والأسطول بل ينقلها البرق والهواء ونحن لو أردت أن تجردنا مما استفدناه منها منذ عهد محمد علي الكبير وسليم الثالث لرجعت بنا قروناً إلى الوراء ظننتنا نعها من أهل القرن السابع أو الثامن للهجرة على نحو ما تشاهده اليوم الأفغانيين أو المراكشيين أو الجلويين بين الذين سدلوا دون مدينة الغرب حجاباً كثيفاً فحرموا من حسناتها ولم ينجو مثل غيرهم من شرورها. أن سكان الشرق الأقرب إذ ذكروا الفرنسيس كثيراً فذلك لأنهم يعتقدون فرنسا فاتحة العالم على نحذو ما كانت على عهد نابليون الأول ففرنسا هي التي وضعت في الحقيقة أساس النهضة المصرية الحديثة وفرنسا هي التي كانت كذلك في سورية منذ جاء نابليون عكا طعاماً في فتحها لأنها كانت مفتاح سورية حتى إذا جاءت حادثة الستين المشؤمة. وكان لفرنسا اليد الطولى في إعطاء لبنان استقلالاً إدارياً عظمت تلك المنة على أهلها وعمت المدينة الافرنسية بلاد الشام من طرق مختلفة خاصة وعامة وطينة وأجنبية رسمية وغير رسمية. نحن اليوم إذا لجانا إلى فرنسا في معظم حالاتنا فللأثر الناتج من تلك التربية والدعوة الطويلة المتأصلة ولا يضرنا الأخذ من مدينة القوم ولكن يضرنا العلو والجمود فكما أن الفرنسيس أنفسهم لا يستنكفون أن يقتبسوا ما عند الأمم الأخرى كالانكليز والألمان والأميركان مثلاً مما ليس في أوضاعهم فنحن من مصلحتنا أن لا نكون حكرة لأمة فنأخذ عن كل قبيل أحسن ما عندهم ولا نقول هذا سويسري وذاك بلجيكي وهذا فرنسوي وآخر ألماني وغيره ايطالي أو انكليزي فكلهم أرقى منا مراحل ونحن في حاجة لكن من يعلمنا مدينة تنهض بنا من خمولنا ليساوا بنا بنفسه بعد وتعد شيئاً مذكوراً في سلسلة المراتب البشرية. رأيت كثيراً من خاصة الطليان والألمان والانكليز يشيرون إلى أن السوريين خاصة من بين سكان الشرق الأدنى يغالون بحب الفرنسيس وليس حتى في البلاد التي حكمتها فرنسا في أقطار الشرق بلد كسورية يحسن أهلها الظن بالفرنسيس فكنت أقول لهم أن ذلك صحيح ولكن لا على إطلاقه فان القوم هناك درجات ومن يحبون الفرنسيس هم الذين أحسن هؤلاء إليهم بتعليمهم على أساليبهم وتلقينهم لغتهم العذبة فأممكم أيضاً إذ مدت يدها لسورية تعلمها لغاتها وأمجادها يعترف السوريون لها بصنيعها ويصبحون زبنها في التجارة. وكيف يحب السوري ألمانيا مثلاً وهو لا يعرف عنها إلا ما يقرأه في الجرائد الفرنسية والكتب الافرنسية وألمانيا حتى الآن لم تفتح لها مدرسة راقية في سورية والفرنسيس ملأ وأسهلنا ووعرنا بمدارسهم الدينية والعلمانية على اختلاف درجاتها لا ينال المرء إلا بقدر ما بذل والأمم الانكلوسكسونية هي أرقى الأمم بأخلاقها وآدابها ولكن أنانيتها الكثيرة دعتها إلى أن أحبت في العهد الأخير الانتفاع من الشرق دون أن تبذل في سبيل رقيه درهماً أو تخطو إلى أعلاه شأنه قدماً. ولذلك يبقى الشرق الأقرب يتغنى بالفرنسيس والفرنسوية حتى ينافسهم غيرهم من أمم الحضارة الحديثة منافسة حقيقية. ولا عار علينا إذا صرحنا بأننا نطرب في ارض فرنسا لأننا لا نعرف غيرها في الواقع ونفس الأمر فقد سبقت فعلمتنا آدابها وذكرتنا أمجادها فنحن بها عرفنا الغرب والمرء لا ينفق إلا مما عنده وعرفان الجميل لأهله طبع الكرام ولا ينسى الأيادي التي لك عندهم إلا اللئام والسلام. الحياة السياسية والاقتصادية في بلاد المجر تسكن بلاد المجر عناصر مختلفة قد يثور بينها ثائر الخلاف أحياناً ولذلك كان لمسألة الجنسيات في الأرض المجرية شأن عظيم وحروب إقليمية ولسانية لا تكاد تهدأ وتدور المناقشات في الغالب على برامج المدارس وعلى القدر الذي يجب أن يعطى للغة المجرية في التعليم في المقاطعات التي فيها رومان وسلوفاكيون وصربيون. وهناك اضطرابات تحدث زمن الانتخابات النيابية تتدخل فيها القوة المسلحة لتحمي حرية الانتخاب وأزمات وزارية وربما أطلق بعضهم عياراً نارياً على خصمه أو هدده بالقتل أو ضربه بكتاب ودواة كما حدث ولا يزال يحدث. نحو نصف سكان بلاد المجر هم من العنصر المجري والنصف الآخر من عناصر مختلفة (ألمان وسلوفاكيان ورومانيون وروتنيون وخراتيون وصربيون) بلاد أشبه ببرج بابل اختلطت فيها الألسن وتبلبلت والمجريون يحاولون بكل ممكن أن يحترم غيرهم جنسيتهم باحترامهم لغتهم والاعتراف بتقدمهم السياسي والمدني وهذه هي الحالة هي حالة المجر ولولا أن العناصر غير المجرية مؤلفة من أجناس كثيرة ليس بينها اقل صلة وطريق الانتخابات النيابية الجارية في المملكة تحول دون أدنى مقاومة لما تم للمجر هذا التقدم على غيرهم. ولئن حاول الإمبراطور فرنسيس يوسف ملك النمسا والمجر أن يصلح أسلوب الانتخاب بوضع الاقتراع العام منذ سبع سنين فان مسائل الجنسيات ما برحت مقدمة على المسائل الاجتماعية وقد وقع التحكيم على أن تكون النمسا متجانسة بالجرمانية وان يكون للمجرية حق التقدم في هنغاريا (بلاد المجر) وقد كان في مجلس النواب المجري سنة ١٩١١ - ٤٥٣ مبعوثاً. منهم ٣٨٧ مجرياً و ٤٠ خرواسياً و ٢٤ وطنياً وهذه نسبة تستدعي الاستغراب والمجلس الأعلى أو مجلس الأعيان مؤلف من أعضاء وراثيين مثل البالغين من الارشيدوقة وأعضاء الأسر الشريفة التي تدفع على الأقل ضريبة عن عقارتها لا يقل عن ٦٠٠٠ كورون ومن أعضاء يعينهم الملك مدة حياتهم بإنهاء رئيس المجلس ومن أرباب المناصب العليا مثل كبار الحكام ومن ٣٣ اسقفاً كاثوليكياً و ٩٨ أساقفة روم أرثوذكس و ٦ يمثلون المذاهب اللوثرية والكالفانية البرتستاتية ومن ثلاثة ينتسبهم مجلس نواب خرواسيا. وللمجلس الأعلى أن يرد ما يشاء من المشاريع والقوانين التي يقررها مجلس النواب ولكنه لا يستعمل هذا الحق إلا نادراً لأن مجلس النواب موقر في صدره وغاية ما يستطيع عمله أن يرجئ الإقرار على قرار مجلس الأمة. ومن الأمراض التي أصيبت بها بلاد المجر كما أصيبت بها فرنسة والعثمانية مرض كثرة الموظفين الذي يزداد استحكاماً اليوم بعد اليوم ففي إحصاء رسمي أخير في المجر ٣٠١٤٨٠ موظفاً في شعب لا يتجاوز احد وعشرين مليون نسمة فان الوزارة التي تولت شؤون المجر منذ سنة ١٩٠٦ - ١٩١٠ قد أحدثت عملاً ل - ٤٥ ألف رجل والوزارة التي خلفتها أحدثت في العشرة الأشهر الأولى لتوليها الأمر ثلاثين ألف وظيفة، وهذا السواد العظيم من الموظفين ينفع الحكومة مدة الانتخابات النيابية لأنه يمثل نحو ثلث المنتخبين بيد أن كثرة الموظفين في الحكومة لا يفسر بان الأشغال تمشي بسرعة على طريقة حسنة بل أن الوقت والمال والقوة تضيع في هذا التطويل والقيود. يساعد على ذلك الإهمال المغروس في طبيعة الموظفين على الأغلب ولا سيما في المجريين فمن لم يتابع البحث عن لوراقه ويلحقها من ديوان إلى آخر ويوصي صاحب الشأن تضيع وتهمل ولا نغالي إذا قلنا أن المجر على كثرة تغاليهم في التغاني باستقلالهم قد فتحوا للحكومة من أبواب التدخل في أمرهم حتى في المسائل الخاصة ما يصح معه أن يحكم بان البلاد المجرية أكثر الممالك التي جعلت نفسها تحت وصاية حكومتها في كل شأن من شؤونها. ولقد عددت مجلة القرن العشرين الحرة وهي لسان علم الاجتماع في بودابست عدة أحوال نابت فيها سلطة الحكومة مناب الأقدام الخاص والتبعة الشخصية فقالت أن الحكومة تعطي راتباً للكاهن الذي يعمد الوليد وللموظف الذي يقيده في السجل وترزق المعلمين وتوصي الطابعين وصناع الأدوات المدرسية وتدفع لمؤلفي الكتب المدرسية ولنقادها ولإنشاء دكات للمدارس ويستعمل خشب الحكومة وحديدها والحكومة تعاون المطابع ومخازن الدخان وعمال الدخوليات (اوكتروا) والكتاب والإخباريين وغيرهم والجمعيات العلمية والصناعية والزراعية والنقلية والمجمع العلمي والممثلين والمغنين وكل من لهم مشاريع يريدون إبرازها إلى حيز الوجود ولأرباب الضجة والسكوت وتدر المال على الصانع الأهلية واستملاك محال الوقود وتساعد العامل الصغير والصانع الكبير ومنها بطلب الممثل قرضاً والصراف مالاً. هذا وحرية الأديان والمساواة لم تتم في المجر إلا سنة ١٨٩٥ وكان للكثلكة المقام الأول ولرجال الدين سلطة نافذة ويكفي أن يقال أن مساحة بلاد المجر تبلغ ٣٢٤٨٥٠ كيلومتراً مربعاً تملك الأسقفيات والأديار والبيع ١٢ ألف كيلو متر مربع منها وبذلك يحكم رجال الدين لأن من المال قوة فكيف فيمن اجتمعت له القوتان القوة الروحية والقوة المالية. أهم القوانين الدستورية في المجر ٤٥ قانوناً يرد عهد الأول منها إلى القرن التاسع أي إلى احد عشر قانوناً وأهمها قانون سنة ١٧٣٢ و ١٨٤٨ وضم النمسا والمجر سنة ١٨٦٧ الذي تم الاتفاق بين المجر والنمسا على أن يدافع المجر عن مملكة النمسا كما يدافعون عن مملكتهم أنفسهم ويكونون مستقلين إلا في الجيش والبحرية والأمور الخارجية فيدفعون قسطاً صالحاً من المال لمعاونة حكومة فينا وتتعهد الأسرة المالكة النمساوية بالمحافظة على استقلال المجر وحرية البلاد واستعمال جميع قوة النمسا للدفاع عن سلامة الأملاك البحرية وملك النمسا يحكم المجر كما يحكم بلاده ولكنه يمثل مملكتين متباينتين ولا يكون ملك النمسا ملكاً شرعياً إلا إذا اقر على تتويجه مجلس المجر ويقضي القانون الأساسي في البلاد أن يقيم الملك ستة أشهر في فينا وستة أشهر في بودابست ولكن هذه العاصمة لا تنال حظ قدومه سوى مرة واحدة على الأغلب وهو يتلطف التلطف مع الأمة المجرية إلا أن هذه لا تنسى ما نالها من سحق النمساويين لها في ثورة ١٨٤٨ التي لا يبرح المجر يذكرونها ويحتفلون كل سنة بذكرى مقتل الثلاثة عشر قائداً مجرياً الذين اعدموا سنة ١٨٤٩ لاشتراكهم بحرب الاستقلال ضد النمسا ويسمونهم الثلاثة عشر شهيداً وترفع الإعلام السوداء على النوافذ وقد كانت جنازة كوشوت سنة ١٨٩٤ من أعظم الدلائل على ذلك كما كان الاحتفال بافتتاح قبته سنة ١٩٠٩ بالغاً حداً دل على مبلغ تعلق هذه الأمة برجالها الذين سعوا لاستقلالها. للمجر أنشودتان الملك والجيش وأنشودة ولهما عيدان وطنيان الأول في ١٥ آذار والثاني في ١١ نيسان فالأول هو عيد المجر الحقيقي يحتفل بذكرى سنة ١٨٤٨ وقد قرر مجلس الأمة المجرية اشتراك الإشراف في جميع التكاليف العامة وإلغاء حقوق السادة وحرية الصحافة وفي ١١ نيسان هو اليوم الذي صدق فيه الملك فرد ديناند على القوانين الدستورية. لا يحب المجر النمساويين ويريدون أن يخالفوهم في كل شيء ولو بالصورة الظاهرة وما انس لا انس يوم اجتاز بنا القطار من الأرض النمساوية وابتعدنا ساعتين عن فينا ودخلنا في الأرض المجرية فان الأرض تكاد تلبس خلة غير الحلة الأولى وقال لي رفاقي في القطار وكانوا مجريين أنت الآن في ارض هنغاريا يا مولاي ثم خرج الشرطة والمفتشون كأننا دخلنا إلى مملكة أخرى وان ما بين فرنسا وألمانيا من التباين لا يشعر به على الحدود بأكثر مما يشعر بالتباين بين المجريين والنمساويين. والمجر يطلبون إشارات خاصة لعسكرهم كما يطلبون أن يكون التعليم العسكري باللسان المجري ولهم مطالب أخرى يسعون لئلا يكون للنمساويين عليهم اقل سلطة وتأثير وان كان لهؤلاء تأثير كبير في الأمور الاقتصادية والعلمية كما للألمان هذا مع أن بلاد المجر غنية بصناعتها وزراعتها وعلمائها ويكفي بان ثروة المجر قدرت سنة ١٩١١ بثمانية عشر مليار فرنك قيمة أملاكها العقارية وخمسة مليارات قيمة أموالها غير المنقولة ومثلها صناعتها وباثني عشر مليوناً نقودها وبثلاثمائة مليون أموالها في الخارج أي بأربعين مليون مليار وثلاثمائة مليون فرنك يخرج منها ديونها العمومية خمسة مليارات ونصف. هذا حال مملكة أفقدتها النمسا استقلالها ولكنها لم تقض أو لم تستطع القضاء على حياتها الوطنية والاقتصادية كما فعلت روسيا مع بولونيا وبقيت بولونيا بحالها أو زادت ولولا معاونة روسيا للنمسا ما استطاعت هذه أن تغلب المجريين. ليست الأمة المجرية عريقة في المدينة كالأمم القديمة في أوربا فقد جاءت حوالي القرن التاسع وانضمت إلى أهل أوربا ونزلت بلادها اليوم ولذلك تجد فيها حتى الآن شيئاً من أوضاع القرون الوسطى في نظاماتها الاجتماعية فان تسعة أعشار من يعملون في الحقول المجرية إلى اليوم هم من السلافيين الصقالبة أو الرومانيين المغلوبين على أمرهم افتتح المجر البلاد وامتلكوا الأراضي وما زالوا يستثمرونها بأيدي غيرهم ولم يبرحوا في كثير من البلاد على طريقة القرن الرابع عشر والقرن الخامس عشر. وإذا تأملت ملياً في حال المجري تجده يشبه التركي في كثير من أحواله فانه يعمل القدر اللازم حتى لا يموت جوعاً هكذا شأن الفلاح والصانع وكذلك شأن طالب العلم وصاحب المنصب كأن حكم العثمانيين على بودابست مئة وخمسين سنة قد طبعهم بطابع تركي فقد رأيت المجريين يشكون من ضعفهم وقلة توفرهم على العمل ويقولون أن منا كثيرين من يعملون شهرين وينقطعون عن العمل عشرة أشهر وهذا عبء كبير في مجتمعنا. تقدر مساحة أملاك صغار الفلاحين في المجر بعشرة ملايين هكتار أي أن يكون الواحد يملك ستين هكتاراً والوسط الذي يملك ستمائة هكتار يقدر بثلاثة ملايين وكبار المزارعين بستة ملايين ومجموع ما تملكه الحكومة والمدن والمقاطعات والكنائس والأديار بعشرة ملايين هكتار. وقد أصيبت بلاد المجر بداء الهجرة فهاجر منها منذ سنة ١٩٠٠ إلى ١٩١٠ سبعمائة ألف رجل فارتفعت أجور العملة وبيعت أملاك صغار الفلاحين من أواسطهم وكبارهم ومهاجرهم مقتصد بحيث يرسل مهاجروهم إلى بلادهم كل سنة مئة وستين مليون كورون ومن يعودون إلى بلادهم أغنياء وقليل ما هم والعائدون يبتاعون الأراضي بالأثمان الفاحشة. وللإسرائيليين المقام الأول في تجارة البلاد تعرفهم بسيماهم ولا سيما في بودابست عاصمة البلاد فان ثلث سكان هذه العاصمة من الإسرائيليين أي ثلثمائة ألف من أصل تسعمائة ألف وبيدهم التجارة والصرافة والصناعة وهم أكثر الأمة تعلماً وأقدمهم على الأعمال هذا مع أنهم ليسوا قدماء في البلاد بل أن هجرتهم إليها ترد إلى العهد الذي طردت فيه اسبانيا وفرنسا وألمانيا وبلاد القاع الإسرائيليين من بلادها فوجدوا في بلاد المجرد صدراً رحباً وخلفوا اليونان في التجارة. وحيث توطدت قدم التاجر الرومي يصعب على التاجر الإسرائيلي أن ترسخ قدمه والرومي كالإسرائيلي بشوش لين العريكة يعرف من أين تؤكل الكتف في التجارة بخلاف المجري. يقدر عدد الإسرائيليين في المجر بثمانمائة وأربعين ألفاً منهم ستمائة ألف تمجروا أي أصبحوا مجراً حتى في أسمائهم ومناحيهم ولا يزال عددهم ينمو فان كان أبناء إسرائيل يقبلون على التوطن في هنغاريا فليس لان التجارة والصناعة والصرافة تستميلهم إلى نزولها بل لان جميع الصناعات الحرة مفتحة الأبواب أمامهم. هذه معلومات قليلة عن بلاد المجر التقطها في يومين اثنين صرفتها في عاصمة بلادهم ازور معاهدها البديعة وبودابست من أجمل عواصم أوربا وهي مدينتان في مدينة أي بودا وبست يفصل بينهما نهر الطونة وترتبط البلدان بأربعة جسور كبرى بديعة من أجمل ماهندس المهندسون والجسران الجديدان الأخيران هما من صنع مهندسين مجريين أما المدينة فمقسمة شوارع فخمة فسيحة وهي نظيفة لا تقل عن أحسن العواصم. وأهل المجر يحبون الأتراك ولا يزالون يذكرونهم بالخير لأنهم يرون أن إخواننا أسدوا إليهم جميلاً غير مرة وآخر مرة في ثورة المجر الأخيرة يوم لجأ زعماء الثورة إلى الأرض العثمانية فحماهم سلطان العثمانيين وأظنه المرحوم السلطان عبد المجيد من أن تنالهم يد النمسا التي طلبت بإلحاح تسليمهم واثر أن يشهر حرباً على النمسا أو تشهرها عليه على أن يسلم من دخل حماه ولذلك ترى المجر يذكرون هذه المنة على الدهر ويشفعونها بالشكر وحسن الذكر. أخبار وأفكار الأموال وتعليم الأطفال خطب احمد شفيق باشا مدير الأوقاف الخصوصية في مصر في الاحتفال السنوي لمدرسة المرحوم خليل أغا أمين فقال: التمثيل ظاهرة تسلية ولهو وباطنه حكمة وعظة وضع لإرشاد الناس وتقويم المعوج من الأخلاق والرواية التي شهدناها تشرح بعض أمراضنا الاجتماعية ووسائل علاجها وتبين مجموعة من نقائصنا وعيوب أسرنا وتشرح السبيل إلى إصلاحها قد مزجت فيها الحكمة البالغة بالخيال الجميل ولم يزل هذا من طرق الفلاسفة في التعليم والإرشاد منذ القدم ولمثله ألف كتاب كليلة ودمنة ونحوه من الحكم الممزوجة بالخيال ولعل كتابنا ينهضون إلى عمل الروايات النافعة الموافقة لأحوالنا الشرقية المؤثرة في تهذيب العواطف وإصلاح النفوس. رأينا في هذه الرواية محسناً عظيماً من سراة المصريين هو محمد بك أبو الذهب جاد بالألوف من الجنيهات لإقامة المعاهد ودور التعليم لأبناء بلده من بنين وبنات وظهرت لنا الثمرة الكبرى التي جناها هذا الوالد من ولده إذ علمه التعليم القويم وأنشأه النشأة الطيبة رأينا جعفراً وكيف حافظ على أدب قومه ودينه وسافر إلى أوربا وتعلم في معاهدها واختلط بأهلها فلم تستطع العادات الغربية أن تهدم بناء أخلاقه الشرقية المتينة كما هو مشاهد مع الأسف الشديد في حال كثيرين من المتعلمين في البلاد الأجنبية. رأيناه انتخب أصلح فتاة لزواجه راعى في اختيارها العدل والحكمة غير ناظر إلى الفروق التي يراعيها من شبابنا من مصلحة الزوج ولا من فائدة البيت. ما أجمل البر وما احلي الخير خصوصاً إذا وضع في موضعه. إن الصنيعة لا تكون صنيعة حتى تصيب بها طريق المصنع وأفضل الخيرات ما خصص للتعليم والتربية فانه ينهض بكثير من الأمة بل بالأمة كلها فجميع الناس في حاجة إلى التعليم وأكثرهم يحتاج إلى المعونة والمساعدة في سبيله كم نرى في وقفياتنا من مال أوقف ليصرف على قبر يحلى ويزين على خوص وريحان يبتغى به الثواب وإنما الثواب في معونة متعلم أو مساعدة محتاج إلى حياة طيبة الثواب في تنمية ذكاء في صدر لا تحلية أحجار على قبر الثواب في عمل البر والإحسان لا في جمع الخوص والريحان فجدير أن توقف هذه الأموال على تعليم الفقراء لتساعد على إصلاح الحياة الدنيا وترضي المولى جلا وعلا. واني إذا أردت أن اذكر كبار المحسنين من عظماء الرجال في عصرنا الأخير لا أجد منهم إلا القليل وكم من المصريين ممن يستطيع أن يخلد لنفسه الأثر ويكتسب عظيم الأجر إذا خص تعليم الفقراء بشيء من ماله ينفعهم ولا يضره ويزيدهم ولا ينقصه. فإذا ذكر المحسنون فإننا نبدأ بأولهم وأولادهم بالثناء أكرم الكرماء وناشر العلم والآداب في ربوع مصر إلا وهو المغفور له إسماعيل باشا الخديوي الأسبق فانه لم يكتشف بما شيده في مدة حكمه من المدارس الابتدائية والثانوية والعالية بل أراد أن يبقي له أثراً مخصوصاً فأوقف ما هو معروف بوقف الشيخ صالح ورصد إيراده الجسيم على الخيرات التي منها مدرسة كبيرة للبنين وأخرى للبنات. ثم نذكر مشيد هذا المعهد فهو اثر حي قائم ومأثرة كبرى على الدهر باقية أسداها إلى الإنسانية رجل اسود أبت روحه البيضاء الناصعة إلا أن يكون له نصيب من خلود الذكر وحسن الأثر فرحمة الله عليك يا خليل أغا أمين. اذكر كذلك محسناً كبيراً وهو المرحوم احمد باشا المنشاوي فله في طنطا الآثار الخالدة والهبات العظيمة للمتعلمين والفقراء والمحتاجين منها المعهد الديني والملجأ والمستشفى والمسجد الفخيم فضلاً عن مدرسة السنطة الصناعية وما ارصده من المال للجمعيات الخيرية والأعمال النافعة فهكذا يكون البر والإحسان. هؤلاء هم كبار المحسنين فما اقلهم يا للأسف. أما عدد المحسنات من كرائم السيدات فهو أعظم دليل ساطع على أن المشاعر والعواطف فيهن أنمى وأكبر. فإنني اذكر وقف أم عباس باشا الأول الذي هو تحت إدارة ام المحسنين والدة الجناب العالي الخديوي فانا نعلم جميعاً الفوائد العظيمة العائدة على البلاد وأهلها من مدارس هذا الوقف. اذكر وقف الأميرة زينب خانم أفندي الكبيرة كريمة ساكن الجنان محمد علي ياشا فإنها أرصدت ما يفوق عن الأربعة ألاف فدان للبر والإحسان ومنها التعليم. اذكر وقف المرحومة شويكار خادن أفندي للمدرسة الحسينية. اذكر وقف المحسنة الكبيرة الأميرة فاطمة خانم أفندي التي أرصدت ٦٦١ فداناً على الجامعة المصرية وربع مائة فدان على الجمعية الخيرية الإسلامية غير ما جادت به من سنة أفدنة بجوار سرايها لإقامة الجامعة عليها ومن جواهرها النفيسة لتشييدها فكذلك يكون الإحسان. اختم بذكر الوقف الجليل الذي أتمته أخيراً السيدة المحسنة الجليلة خديجة بهجة خانم أفندي برهان فإنها أوقفت للجمعية الخيرية الإسلامية قصرها الفخم الذي تيلغ مساحته ١٧٠٠٠ متر ومنازل للاستغلال يؤخذ منها مائتا جنيه سنوياً تقريباً ثم مبلغ ستمائة جنيه في كل سنة من إيراد أوقاف أخرى. العميان في مصر يؤخذ من التقرير الذي قدمه الدكتور محمد علوي باشا الرمدي الشهير إلى جمعية تحسين حال العميان في مصر أن قد بلغ عدد عميان القطر المصري زهاء مائة وخمسين ألفاً وهو عدد هائل بالنسبة إلى عدد سكان القطر. وبعبارة أوضح فنسبة العميان هناك هي ١١٣ من كل عشرة ألاف نسمة مع إنها لا تتعدى ٨ في العشرة ألاف من سكان البلاد الأخرى. قال وهي حالة دعتنا سنة ١٩١١ إلى عقد المؤتمر الدولي الرابع لتحسين حال العميان المنكودي الحظ وتفضل حينئذ مولانا الخديوي المعظم بوضعه تحت رعايته السامية وساعدتنا على إنجاحه الحكومة السنية أدبياً ومادياً واشتركت معنا فيه الدول الأوربية والأميركية وأرسلت مندوبيها إلى القاهرة لحضوره وانضم إلينا عدد ليس بقليل من الأجانب متحملين عناء الأسفار والبعد عن ديارهم للاشتراك معنا في العمل كما اشترك معنا كثير من مواطنينا الأفاضل وكان مدار البحث مدة خمسة أيام على أسباب العمى ومناهضته في بلادنا وبعد انفضاضه بسنة رأينا وجوب تأسيس هذه الجمعية لتهذيب عميان بلادنا وتعليمهم ومساعدة المحتاجين منهم على قدر الإمكان وفي ذلك فائدتان أدبية واقتصادية. وقد كان أول اجتماع لتلك الجمعية في منتصف يوليو (حزيران) سنة ١٩١٢ تذكرون أن جمعيتنا أنشئت في عهد الحروب العثمانية الطليانية ثم البلقانية حين بذل أهالي القطر مالاً كثيراً يقدر بنحو نصف مليون جنيه إعانة للدولة العلية ورحمة لبائسي الإنسانية في تلك الحروب الجائرة تحت لواء الهلال الأحمر المصري. وهو عمل شريف جليل لكنه حول الإبصار والأيدي عن مشروعنا حيناً من الدهر كذلك لم تساعدنا الأحوال من جهة أخرى بالنظر إلى شؤون القطر المالية. على أن تلك الأسباب الوقتية وان حالت في السنتين الأوليين لتأسيس جمعيتنا دون بلوغ أغراضها فهي لم تثبط عزائمنا عن السعي لدى أولي الفضل والبر لإقامة جمعيتنا على أساس ثابت قبل الشروع في عمل نافع للعميان. ولقد كان جل اهتمامنا أثناء المدة الماضية منذ تأسيس الجمعية منحصراً في آمرين. استمالة الجمهور إلينا ودعوته للاشتراك في جمعيتنا وجمع ما أمكن جمعه من النقود قبل الشروع في عمل نافع. وبعد أن قال أن مجموع الداخلين في الجمعية مائتا شخص وانه جمع خمسمائة جنيه قال فخمسماية جنيه وبضعة ألاف لا تكاد تكفي لتحقيق بعض الأماني فعدد عمياننا كثير جداً وان كاد لا نريد فرضاً إلا تعليم من يمكن تعليمهم وإيواؤهم إلى مدارس خصوصية فهم جيش مؤلف من ثلاثين ألفاً مختلف أعمارهم بين الخامسة والخامسة والعشرين وهم كلهم غارقون في بحار الظلمات الأدبية والمالية والعقلية. ولنأخذ مثالاً لنا في هذا العمل البلاد الراقية التي تعددت فيها مدارس العميان ومصانعهم وملاجئهم فهي تعد بالعشرات على قلة عدد العميان بالنسبة إلى بلادنا. ومع ذلك ففي تلك البلاد لا يفتأ الناس كل يوم في تحسين مطرد لحال إخوانهم العميان وإكثار عدد معاهدهم وتخفيف حسراتهم. ولا بد أنكم اطلعتم على تلغرافين أتتنا بهما من لندرا شركة روتر في ٢٠ و ٢٧ مارس (آذار) الماضي جاء في الأول: أن الملك والملكة افتتحنا معهداً جديداً للعميان فتهتف لها ألاف من هؤلاء وأجاب الملك على خطاب تلي أمامه في الاحتفال فاستحث كل مملكة البريطانية على مساعدة المعهد الجديد. وافتتح محافظ لندن اكتتاباً طالباً فيه ١٣٠ ألف جنيه رأس مال لذلك المعهد. وجاء في التلغراف الثاني بتاريخ ٢٧ مارس انه سيطلب غداً مساء التلغراف اللاسلكي من جميع البواخر الكبرى الماخرة بحار العالم مساعدة معهد العميان الجديد. وهاتان البرقيتان على اختصارهما تدلان على اهتمام انكلترا بهذا المعهد الجديد وفي بلادنا أكثر من ٣٠ مدرسة و ٥٠ مصنعاً و ٢٠ ملجأ و ٦٠ جمعية لمساعدة العميان وما ذكرت انكلترا هنا إلا اعترافاً بفضلها في سبيل تحسين العميان وأملاً بان يصل صدى ندائنا لذلك الجواد الكبير السرارنست كاسل العضو الشرفي في جمعيتنا هذه وصاحب الأيادي البيضاء على هذا القطر فانه كان أول من أجاب نداءنا سنة ١٩٠٢ في المؤتمر الطبي المصري الأول عند ما طلبنا في تقرير واف مناهضة الرمد في ديارنا العزيزة فتبرع إذ ذاك بأربعين ألف جنيه لذلك الغرض وهي منة يجب ترديد ذكرها على مدى السنين. الآلة الكاتبة لئن كانت الآلة الكاتبة كالاختزال أو السرعة في الاستملاء لم تنتشر في بلاد العرب كما فان استعمال تلك الآلة قد اخترع منذ سنة ١٧١٤ وعيدوا مؤخراً عيد مرور المئتي سنة على اختراعها وكان المخترع الذي نال براءة بذلك رجل انكليزي ثم تعاقب المخترعون من جميع الأمم في ادوار مختلفة حتى إذا كانت سنة ١٨٧٥ انبعث هذا الاختراع ثانية في مدينة نيويورك وأصبح استعمال الآلة الكاتبة بعد ذلك من الواجبات في البيوت التجارية والدواوين والمصارف والإدارات العامة والخاصة حتى أن معظم الصحف والمجلات والمطابع في الغرب اليوم لا تقبل كتابة أن لم تكن مطبوعة على الآلة الكاتبة. السينماتوغراف والتعليم الزراعي سيعرض المجلس الزراعي في ولاية دوسلدروف الألمانية حيث يقام معرض في سنة ١٩١٥ نوعاً من التعليم يلفت الأنظار وهو تطبيق السينماتوغراف على دروس الزراعة وستمر أمام عيون الجمهور سلسلة من الصور تمثل الارتقاء الذي تم في زراعة الأرض خلال القرون الأخيرة وما تعاورته الأيدي من الأعمال الزراعية التي كملت على التدريج باستعمال البخار والكهرباء والقوة الميكانيكية على اختلاف أشكالها. ويمثلون أيضاً بهذه الطريقة صورة من الصور الحديثة عن المعلومات الصحيحة في الحرث والزرع والحصاد والدرس على ما هي شائعة في البلدان المختلفة بدون أن ينسى ما كان يدعى سابقاً تدبير الحقول فيتمكن الناظر على هذا الوجه من تصور ماله علاقة باستثمار الأرض وبنفع في الاستفادة من التربة ومن الأدوات الزراعية وفي وضعها واستعمالها على اختلاف ادوار المدنية وفي صور متحولة بحسب الأجيال. وهذه أول مرة جرى فيها استعمال السينماتوغراف للانتفاع في العلم والزراعة وبه تفتح طريق تتبعها المدارس العلمية لا في تلك الأرجاء من البلاد الألمانية فقط بل في ألمانيا وفي خارجها لان القائمين بهذا العمل لا يضنون على الناس بيع صور منهم. تجديد البطاطا ثبت أن البطاطا في أوربا قد أخذت تصاب بأمراض كثيرة جاءتها مع الزمن منذ انتشرت في تلك القارة قبل أربعمائة سنة وقد اخذ العلماء يجربون تجارب كثيرة في هذا الصدد ومنها الاعتماد على البزر وفي زرع البطاطا لا على تقسيم الرأس الواحد إلى عدة أجزاء وزرعها وذلك بواسطة سماد خاص اتوابه من أمريكا مهد هذه الشجرة المباركة ويأمل المخترعون لهذه الطريقة أن يحسن جنس البطاطا تحسيناً كبيراً بواسطة الانتخاب الطبيعي والتزاوج ويكون النفع من الجهتين الغذائية والمادية. الجرذان الجرذان يخرب الولايات المتحدة الأمريكية ولا يرحمها فقد حسبوا أن فيها ٣٠٠ مليون جرذ تخرب من الحنطة ما قيمته ١٠٠ مليون دولار في السنة وهي تفسد المواني البحرية يقشرها الطاعون الدملي وما برحت تلك البلاد تكافح هذا الحيوان إلا إنها لم تفلح في إبادته وقد الفت اللجان لهذا الغرض وعلى كثرة ما لجأت إليه من الذرائع لم تقض على الجرذ ويضاف إلى الخطر الناشئ منه في البادية وباء الحيوانات الناشئ من القمل الذي ينتقل في أجسامها ويعشعش في جلودها. اختراعات أديسون الجديدة عرض أديسون المخترع الأميركاني الكبير على مؤتمر الكهربائيين الأخير في فيلادلفيا الأساليب الجديدة التي يهمه اختراعها اليوم فقد ارتأى بأن الطيران يحتاج لآلة طيارة تستطيع أجنحتها أن تضرب الهواء مائتي ضربة في الدقيقة ولبلوغ هذه الغاية يجب الاقتراب ما أمكن من طيران النحل لا أن يحتذى مثال الفراش في طيرانه وهو يعمل بجد لاستخراج الكهربائية مباشرة من المفحم ويرجو أن ينجح في ذلك قريباً ويصرف جزءاً من وقته في تحسين إلى السينماتوغراف المتكلم الذي سيكون رخيصاً جداً يسهل على كل الناس انتناؤة. مدينة ليبسيك تسعد المدن وتشقى بسكانها ومدينة ليبسيك في ألمانيا إحدى عواصم العلم في الغرب قد بلغت منزلة تحسدها عليها كل مدينة فقد كتبت إحدى العقائل في وصف هذه المدينة إنها وان ضحك منها لوثيروس المصلح في القديم ويتي الشاعر بتشبيهه لها بمدينة باريز قد اتسع نطاقها فا كليتها وأسواقها جعلت منها مدينة ذات مسحة خاصة مقسومة قسمتين القسم العقلي العلمي والقسم التجاري الاقصادي فقد أنشئت جامعتها سنة ١٤٠٩ وكان تلاميذها بادئ بدء ينظرون إلى هندام ثيابهم أكثر ما ينظرون إلى العلم ومع هذا نشأ منها أمثال الفيلسوف ليبتز والعالم توماسيوس وقام فيها في القرن الثامن عشر كتاب وأدباء أصلحوا طرق التمثيل وحسنوا ملكة النقد وأخذت المدينة تستميل إلى نزولها أعاظم الكتاب الذين تشهد الصفائح التذكارية الموضوعة على الدور التي سكنها أمثال لسنغ وكيتي وسيلر من العلماء والأدباء بما كان لهم من المكانة وقد خربت ليسيك بحروب نابليون ونحو سنة ١٨٣٥ عادت مطابعها فأخذت تطبع المطبوعات المدهشة في الموسيقى والآداب والتاريخ ونشأ لها كثير من كبار رجال الموسيقى منهم فاكنير ومن أهم أرباب المطابع بها كارل بذكر الذي نشر دليله المشهور منذ سنة ١٨٢٨ وزادت هذه الأدلة التي أصبح لها واحد عن كل مملكة أو مملكتين ومنها واحد عن سورية وفلسطين يجدد طبعه كل ثلاث أو أربع سنين وواحد من مصر والسودان بل كل مملكة يلاحظ أن يرحل إليها الغربيون قد جعل لها دليل غريب في تدقيقه ومنها ما يطبع بالألمانية فقط وأكثرها تطبع بالألمانية والانكليزية والافرنسية وقد توالت على هذا الأدلة كل سنة مليون نسخة. وقد عددت الكاتبة أسماء بعض الرجال العظام الذين أنشؤوا من تلك المدينة ونحن نقول أن مدينة ليبسيك قد قام فيها كثار من أعاظم المستشرقين أيضاً فطبعوا كثيراً من كتب العرب أحسن طبع وهي اليوم أعظم مدينة تقام فيها سوق للكتب وفيها مئات من المطابع وقد أقيم فيها معرض للكتب في العام الماضي دل على تفوق الألمان في صناعة الطباعة والرسم والنقش والتجليد وان ليبسيك لم توفق إلى أن تطبع كل سنة وربع ما يطبع من الكتب في العالم إلا عن استحقاق فقد قالوا أن نصف ما يطبع من الكتب يطبع في ألمانيا والنصف الثاني يوزع على أقطار العالم ونصف ما يطبع في ألمانيا من الكتب يطبع في ألمانيا ينشر في مدينة ليبسيك فانعم بمدينة هذا حالها جمعت العلم والعمل وفي ليبسيك ونفوسها لا تتجاوز ٤٥٠ ألفاً بورصة الكتب وهو وحيد في نوعه ليس له نظير في العالم. وضع احد الأميركان جائزة بعشرة ألاف دولار لمن يجيد في موضوع القصص الفاجعات فنالت الجائزة العقلية اليس براون محرزة قصب السبق من بين نحو ألف رجل دخلوا في هذه المسابقة فعجب الناس لذلك في الغرب وعدوه من أقصى تفوق المرأة. البولونيون ثبت أن عدد البولونيين المنبثين في أقطار الأرض يتجاوزون ٢٥ مليوناً نصفهم في بولونيا الروسية وأربعة ملايين ونصف في بولونيا النمساوية وأربعة في بروسيا وأربعة ملايين في سائر أقطار العالم فهو بكثرة عددهم في الدرجة السادسة من الأمم بين ايطاليا واسبانيا وهم أكثر شعوب الأرض أولاداً وسيصبح عددهم بعد خمسين سنة ٣٥ مليوناً وعدد الروس ١٢٠ والألمان ١٠٠ والانكليز ٥٥ والفرنسيس ٣٥ مليوناً. وقد قسمت أراضي بولونيا ثلاث قسمات منها ١٢٧ ألف كيلو متر مربع ضم إلى ارض روسيا و ١٠٠ ألف كيلو متر إلى النمسا و ٦٠ ألفاً إلى بروسيا أي مساحة بولونيا القديمة ثلثمائة ألف كيلومتر مربع أو بقدر مساحة النمسا بدون المجر أو نصف ألمانيا أو نصف مساحة فرنسا أو نحو مساحة بر الشام. وقد ذكر احدهم في مجلة الأمم أن بولونيا الحية العظمى المجروحة في كبدها المظلومة في حقوقها تتوقع تحريرها من حالتها وجعلها مملكة برأسها مستقلة أو تابعة لمملكة أخرى تبعية المجر للنمسا وتدور جميع سياستها حول هذه المسألة وهو هل تكتفي باستقلال إداري مهما كان نوعه أو تقاتل للحصول على استقلال سياسي تام كامل وهذه المسألة ما زالت توضع على بساط البحث في بوسنانيا وغاليسيا ومملكة بولونيا ففي بوسنانيا يطالب البولونيون إلى حب النمسا وفي بروسيا بالنظر للتيار الديمقراطي الألماني أصبحت أصول إدارة القسم البولوني محتملة مقبولة على العكس في روسيا فان الضغط فيها على البولونيين على اشده والحجة في ذلك أن البولونيين هناك إذا نفس خناقهم يعودون إلى شق عصا الطاعة في حين أن فنلندا التي لم تفارق الجماعة يوماً لا تعاملها روسيا معاملة أحسن بولونيا وبهذا عرفت أن جزءاً من الأمة البولونية يفكر في نيل استقلاله أو على الأقل يود الانضمام إلى النمسا. كل هذا مما يدعو البولونيين إلى إهراق دمائهم في سبيل الحصول على حياة سياسية فقدتها وما فتئت تدل إنها لها أهل فقد قيل: إذا سلست حكومة الغريب فان البولونيين يثورون لأنهم يستطيعون ذلك وإذا اشتدت حكومتهم يثورون أيضاً لأنه يجب عليهم ذلك. ولكن انقسام الأحزاب السياسية في بولونيا يحول دون تحقيق هذه الأماني من جعل مملكة بولونيا مستقلة ولذا ترى هذا الشعب يميل إلى وضع يده بيد النمسا لان منازعها الوطنية ليس فيها عنف ولا إكراه والأمل في تحقيق هذا الرجال معقوداً على أبناء الأجيال المقبلة من بنين وبنات ممن يرحلون في طلب العلم والتربية إلى كليات فرنسا وسويسرا وانكلترا والبلجيك يتعلمون التعليم الحر ولا ينسون مصير وطنهم. موت المستحمين تدعو حرارة الصيف بعض الناس إلى الاستحمام في الأنهار فليس من العبث تنبيههم على الأخطار التي يتعرضون لها وقد يهلك بعضهم فجأة في شهري تموز وأب عقيب اغتسالهم في الماء الجاري وينسب موتهم في العادة إلى صرع يصيبهم من كثرة التعب وشدة التحول من الحرارة إلى البرودة أو إلى الدخول في الماء على امتلاء قبل أن يتم الهضم. وهذه الأسباب بعيدة عن الحق قليلاً إذ تبين من تشريح الغرقى انه قل وقوع الاضطراب في القلب ولا سيما في سن الشباب ممن تكون أجسامهم قوية ويحسنون العوم. وقد قال احد أطباء الألمان أن السبب في هلاك بعض المستحمين هو اضطراب يحدث في دهليز الأذن الداخلي بسبب دوران الرأس والرمش التشنجي. وهذه الظواهر تبدو في بعض الأشخاص الذين أصيبوا بآفة في غشاء طبلة الأذن عندما يدخل الماء البارد في أذانهم والموت الفجائي الذي يحدث في الماء ينشأ من تلف دهليز الأذن وكثير من الشبان قد أصيبوا بآفة فيها منذ صغرهم بدون أن يعرفوا ذلك ولذا فإن الغطسة الفجائية قد يحدث منها اضطراب في حاسة السمع والماء البارد قد ينشأ منه بانهيال فجائي على تجويف الأذن تأثير سيء في المعدة والدماغ ولذلك كان من الضرر على الصحة امتلاء معدة المستحم وهو ينغمس في الماء وقد نصح الطبيب الألماني لمن كانت فيهم آفة في غشاء طبلة آذانهم أن يسدوها بسداد من القطن المندوف. الغدد أن الغدد أو الأورام التي تحدث في الأعناق تنشأ من تضخم الجسم الدرقي وتكون تارة متفرقة أو خلقة وطوراً موضعية أو ناشئة عن أسباب محلية. والغدد أو السلعات تكثر في الغالب في البلاد الجبلية وقد يصاب المصاب بصمم وخرس ووجع قلب واضطراب في الذهن يكون منها البله أو نقص في البنية والفهم. وكانوا في القديم يعزون هذا المرض إلى ماء الشرب ثم اخترعوا له أسباباً أخرى أكثرها تصوري وقد ذكر احد علماء الفرنسيس مؤخراً هذه الغدد شجر الجوز وان إحدى القرى لما قلعت أشجارها لم يبق اثر للغدد في أهلها إلا قليلاً مصابين بها وأكد احد أطباء سويسرا وسويسرا بلد الغدد أن هذا المرض صلة مع التركيب الجيولوجي للبلد فان الأراضي من العصر الأولي المركبة تركيباً بحرياً أكثر استعداداً للغدد من الأراضي التي هي من الدور الثانوي وتكون طباشيرية أو من الطبقة الأرضية المعروفة بالترياس. وان الماء الذي يجري من الأراضي المركبة تركيبا ً بحرياً تحتوي مواد تحدث منها الغدد. وقال طبيب سويسري آخر أن هذه الغدد يصاب بها الواحد ونجا الآخر وجربت تجارب كثيرة في سويسرا وفرنسا وانكلترا ونرويج في هذا المرض وقد أصيبت قرية برمتها بالغدد في سويسرا فحاولت الحكومة بكل ما لديها من وسائل التطهير ونزع العادات المضرة التي ربما كان منها فتو هذا المرض فلم تفلح وبقي أهلها ذوي غدد وقد الفت لجنة تبحث في المياه التي ستقون منها فتبين إنها خالية من كل شائبة وان الغدد في السكان لم تنشأ من تركيب الأرض ولا من الينابيع مما لا يحول دون اشتداد المرض ونسبت اللجنة ذلك إلى الأسباب الصحية التي جرت عليها أهل تلك المقاطعة وثبت أن الغدد خلقية لا موضعية وأكد احد الأطباء انه رأى رجلاً مصاباً بالغدد وله ولدان أبلهان ناقصا البنية كانا يلعبان مع كلبين في الدار يجعلانهما في فراشيهما فأصيب الكلبان بالغدد والكلب الثالث كان أقوى بنية من أخويه أصيب أيضاً بهذا المرض مما دل أنه يعدي وهو وبائي. وفي بلاد البرازيل مرض يشبه الغدد يصيب صغار الأولاد خاصة. التلفون والسينماتوغراف جربوا مؤخراً نقل الأصوات بالتلفون بواسطة السينماتوغراف فنقلوا في ساعة عشرين صورة إلى مسافة طويلة بدت كأنها تمثل أمام ناظرك وبذلك تنقل الحوادث التي تحدث في باريز بعد زمن قصير جداً إلى برلين بواسطة التلفون. النقرس والمفاصل أسس في كلية كمبردج من بلاد الانكليز مستشفى خاص بالعناية بالمصابين بأمراض النقرس وداء المفاصل وذلك برئاسة أخصائي كبير بطب هذا المرض وهو يبحث بحثاً علمياً وتجريبياً في أسباب شفاء هذا المرض الذي لم تبرح أسبابه مجهولة وفي هذا المستشفى معمل للتصوير وآخر لاستعمال أشعة اكس وفيه مجموعة نادرة من العظام يتصور المرء الصور الشتى التي تشوه الصورة الإنسانية والأصل فيها داء المفاصل وفي متحف المستشفى هياكل عظام عثر عليها مدفونة في مصر وفي مقابر يونلن ورومية القديمة يستدل منها أن داء المفاصل كان موجوداً على اختلاف ضروبه منذ الأعصر المتطاولة ويجري مدير المستشفى الآن تجارب كثيرة في الحيوانات لاكتشاف باشلس داء المفاصل والنقرس وتركيب مصل يشفي من ألام هذا المرض العقام. الذباب يدخل الذباب في معدته جراثيم باثولوجية وتحتفظ بها في حواسبها على اشد ما تكون من القوة السمية مدة الشتاء وقد شرح احد الأطباء مئات من الذباب فوجد في معدها جراثيم كثيرة من الكوليرا والحمى التيفوئيدية وبذلك ستصبح عزائم بعض حكومات الغرب على إبادة الذباب حتى لا يدخر الجراثيم في معدته وينقلها من الشتاء إلى الصيف. مخطوطات ومطبوعات التحفة السنية بأسماء البلاد المصرية جمع الشيخ شرف الدين يحيى بن المفر بن الجيعان طبع بالمطبعة الأهلية بمصر سنة ١٨٩٨ هذا الكتاب هو في ذكر ما بإقليم مصر من البلدان وعبرة كل بلد وكم مساحته بالأفدنة نشره المسيو موريس مدير دار الكتب الخديوية السابق على نفقة هذا الدار العامرة وقد قال في مقدمته أن مؤرخي العرب لم يذكروا تقويماً في أملاك مصر وهو المعروف بالروك أيضاً على عهد استيلاء دولة المماليك سوى مرتين نظم احدهما بأمر حسام الدين لاجين سنة ٦٩٧ هـ ١٢٩٨ م والثاني بعد سنين قليلة أي في سنة ٧١٥ هـ - ١٣١٥ م أمر بعمله الملك الناصر محمد بن قلاوون وهو صاحب الآثار الكثيرة في العمران في مصر والشام وهذان الروكان لم يعرف عنهما شيء ولعل هذا الروك لابن دقماق الذي عمله سنة ٧٧٧ هـ - على عهد السلطان الأشرف شعبان هو عيرذينيك الروكين إذا لم يجر في كتابه ذكر للروكين السافلين. قال المؤلف أن جملة عدة الأقاليم بالديار المصرية على ما استقر عليه الحال إلى آخر شوال سنة سبع وسبعين وسبعمائة وذلك في أيام الاشرف شعبان بن حسين وجملة ذلك تسعة ألاف ألف وخمسمائة ألف وأربعة وثمانون ألفاً ومائتاناوأربعة وستون ديناراً جيشية وعدتها خارجاً عن بلاد الديوان بالجيزية ألفاناومائة وثلاث وستون ناحية واصل ما وضعت عبرة البلاد فيما مضى من الزمان ليعرف من عبرة كل بلد قدر متحصلها وبيان ذلك أن الدينار الجيشي كانت قيمته ثلاثة عشر درهماً وثلث درهم. . وقد وقع الكتاب في ١٩٦ صفحة فهرست الإعلام الواردة فيه في ٧١ وهي من عمل السيد محمد الببلاوي. تاريخ الفيوم وبلاده لأبي عثمان النابلسي الصفدي طبع بالمطبعة الأهلية سنة ١٨٩٩ ونشره المسيو موريس ص ٢٠٤ مؤلف هذا الكتاب هو من عمال الملك الصالح أيوب بن الملك الكامل محمد بن الملك العادل أبي بكر أخي الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب من أهل القرن السابع للهجرة وهو سوري وكل إليه إصلاح بلاد الفيوم المصرية فكتب كتابه هذا في وصفها ومزاجها وهوائها ومائها وخلجانها وسكانها وبدوها وحضرها وبحرها وأسماء بلادها وجوامعها ومساجدها وأديارها وكنائسها وغلتها وثروتها وارتفاعها بلداً بلداً وجعل ذلك لسنة ٦٤١ وهي السنة التي أمر بالنظر في الفيوم وعقيبها ألف هذا الكتاب والغالب أن المؤلف أصيب بمرض الأب وأخذه الحنين إلى نابلسه وصفده ولعلهما كانتا أمر من الفيوم إذ ذاك فقال في آخر كتابه: اللهم خلد ملك مولانا السلطان وانصره وارزقني عاطفة من عواطفه أعود بها إلى وطني واسكن إلى سكني ألاقي بها سرور النفس وأفاق من قارنته من غير الجنس. قال المؤلف في مزاج الفيوم وهو قول شف عن كبرياء فيه له ما يماثله من كبرياء العمال في هذا العصر بل وفي كل عصر وما هو إلا دليل ترفعهم عمن كان يجب عليهم الاختلاط بهم من السكان وإصلاح ما اختل من أحوالهم أن كان بأيديهم الرفع والخفض والإبرام والنقض: ولقد رأيت سكان مدينة الفيوم نفسها كأنهم وحش في صورة بني ادم ليس فيهم ولا بهم انس يستوحش الجالس في جمعهم ولا يستأنس الوافد في ربعهم حتى إنني وجدت الوحشة بدخولي إليها والانفراد بمقامي فيها حتى كتبت لبعض الناس من أبيات: اشتقت فيها الناس حتى لقد ناديت وأشواقي إلى الناس وأنشدني بعض الناس لشاعر دخل إلى الفيوم بيتين وهما: يا حبذا بلد الفيوم من بلد كجنة الخلد انهاراً وأشجاراً الله يعلم أني مذ حللت بها وجدت داراً ولكن لم أجد نارا فأجبته في الحال بديهاً إن قال من سكن الفيوم آونة وجدت داراً ولكن لكم أجد جارا فإنني لم أجد مذ جئتها أحداً من الذي قال لا داراً ولا جارا. ولا يتحركون بحركة إلا بمحرك مثل البهائم يقيم الواحد المشهور منهم المدة الطويلة في بيته ولا يخرج من داره ولا يعرف ما الناس فيه ورأيت من أقام بها من الغرباء فطالت مدتهم يلحقه من حيث لا يشعر والانفراد يوجب الوحشة ويكدر الروح الحيواني ويقتضي تردد العفن في المواضع التي هم بها والرطوبة عليها غالبة فيتراجع العفن إليهم يستنشقونه مع الهواء الذي يجد الحرارة الغريزية والروح الحيواني فيكدره وتقوى السوداء عليهم وتتكاثف الأبخرة المتحللة منهم وتبطي وتقل وتتراد في أبدانهم لعدم الحركة لا يعرف احد منهم بمكرمة ولا شجاعة ولا كرم ولا أريحية ولا ترنح ولا منهم ذو صورة جميلة ولا من له صوت حسن البتة ولا علم من العلوم ولا بعمل من الأعمال الدقيقة ولا من الصنائع الحسنة والأفعال المستحسنة قد غلب عليهم الكمد ولعمري لقد أقمت بالفيوم إلى حين تأليف هذا الكتاب مدة تزيد على شهرين في موضع عالي البناء رحب الفناء مكشوف من جهاته الأربع للهواء فما سمعت فيها بعرس ولا اجتماع طائفة لأنس ولا مر في طريقها احد فترنم أو غلبه ترنح فغنى أو على مذهب الفقراء زمزم بزهم في غاية الغلظ والخشونة قليل البقاء عند استعماله موصوف الغزل بضعفه وانحلاله بخلاف ما حولهم من البلاد وأغناهم لحومها قحلة رخوة كثيرة العروق عديمة الدهن قد غلب عليها العجف مع كثرة العلف لا يوجد فيها سمين البتة كأنه في المذاق تبن وكأنه في الفم وقت المضغ خرقة يلوكها الإنسان أو قطعة لبن وضعت فوق اللسان وطعامهم لعدم الآلية بشحم الكلى لا يدهن السلى وألبانهم لا تنعقد ذلك الانعقاد المعروف وخبزهم رخو إلى الغاية لكن إذا بقي يوماً وليلة يبس وصار كالبقسماط لا لذة في طعمه. والكتاب ملحق بفهرس من عمل السيد الببلاوي أيضاً كسائر الكتب التي أحيتها بالطبع دار الكتب الخديوية العامرة. قاموس القضاء العثماني الجزء الخامس لمؤلفه سليمان أفندي مصوبع طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣٢ - ١٩١٤ ظهر الجزء الخامس من هذا القاموس اللطيف وهو كالأجزاء السالفة بتبويبه وتنسيقه وحسن تأليفه يفيد كل طالب في علم الحقوق وراغب من العثمانيين في دراسة القانون فلمؤلفه الشكر على نشاطه وقد بلغ ما صدر من صفحات هذا الكتاب إلى آخر هذا الجزء ٦٠٠ صفحة ولا يزال في حرف الدال. نهاية الأرب في معرفة انساب العرب لأبي العباس الشيخ شهاب الدين احمد بن عبد الله بن احمد بن عبد الله بن سليمان بن إسماعيل القلقشندي الشهير بابن غدة طبع بمطبعة الرياض ببغداد. على نفقة سليمان أفندي الدخيل سنة ١٣٣٢ ص ٣٧٢ مؤلف هذا الكتاب هو صاحب صبح الأعشى الذي تكلمنا عليه في الجزء الثالث من هذه السنة وكتابه هذا في معرفة قبائل العرب والعلم بأنسابها رتبه على حروف المعجم وذكر في مقدمته ما يحتاج إليه في علم الأنساب ومعرفة القبائل وفيه خمسة فصول الأول في الأنساب وفائدته الثاني في بيان من يقع عليه اسم العرب وذكر أنواعهم الثالث في معرفة طبقات الأنساب الرابع في مساكن العرب القديمة التي منها درجوا إلى سائر الأقطار الخامس في أمور يحتاج إليها الناظر في علم الأنساب. ثم الحق ذلك بمقصد تكلم فيه على انساب قبائل العرب وفي جملة لك ذكر عمود النسب النبوي وما يتفرع عنه من الأنساب وذكر تفاصيل القبائل مرتبة مقفاه على حروف المعجم وما يتهيأ ذكره من مساكنهم وفي الخاتمة ذكر أموراً تتعلق بأحوال العرب فتكلم على ديانات العرب قبل الإسلام وعلى أمور من المفاخرات الواقعة بين قبائلهم وما ينجر إلى ذلك وعلى الحروب الواقعة بين العرب في الجاهلية ومبادئ الإسلام وعلى نيران العرب في الجاهلية وأسواق العرب المعروفة فيما قبل الإسلام وأمور يحتاج إليها في علم الأنساب ومعرفة القبائل وقد خدم المؤلف بكتابه خزانة أبي المحاسن يوسف الأموي القرشي عزيز المملكة المصرية وسفيرها ومدير الممالك الإسلامية ومشيرها وهو المعروف بالمقر الجمالي ومدحه في المقدمة في صفحتين وعاد في ص ٢٨ فمدحه أيضاً في صفحتين نظماً ونثراً وبالغ فيه مبالغة الثعالبي بأبي الفتح الميكالي الذي قدم له كتاب فقه اللغة. جمع هذا الكتاب فأوعى من أسماء قبائل العرب ومساكنهم ونقل من ثقات المؤرخين كابن فضل الله وأبي الفدا وابن جرير وابن خلدون والحمداني. والحمداني هذا كما قال فيه القلقشندي صفحة ١٧٧ كان مهمندراً ومن شأنه معرفة العرب الواصلين إلى الأبواب السلطانية وليس هو الهمداني صاحب صفة جزيرة العرب (المطبوع في ليدن سنة ١٨٨٤ ) فإن هذا من خير من عني بالبحث في قبائل العرب ومنازلهم ولكن يصعب الكشف عنهم في كتابه ويسهل في كتاب القلقشندي لان هذا مرتب على حروف المعجم وذاك يتعرض للقبائل بالعرض أو بالمناسبة والقلقشندي أكثر توسعاً لأنه قرأ كتب المتقدمين وكتب المتأخرين فانتفى ما وقع عليه اختياره. ولو سلمت هذه الطبعة من التحريف والتصحيف وشفعت بفهرس عام لمطالب الكتاب كله لجاء هذا السفر مستوفياً شروطاً الجمال من حيث الوضع والطبع لجلالة موضوعه وفيه من أحبار القبائل في مصر والشام والعراق خصوصاً ما يفيد في تصور أنسابهم وان هؤلاء الإخلاف من أهل البادية هم أبناء أولئك الأسلاف وكثير من القبائل حافظت على أسمائها منذ قرون فنشكر للطابع ونرجو أن يوفق إلى أحياء أمثاله من كتب العرب النافعة. تسريح الأبصار في ما يحتوي لبنان من الآثار للأب هنري لامنس اليسوعي الجزء الأول ص ١٥٩ الجزء الثاني ص ٢٦٤ طبع في بيروت بالمطبعة الكاثوليكية سنة ١٩١٤ مؤلف هذا الكتاب من علماء المشرقيات أقام في هذه الديار زمناً وخدم تاريخها وآدابها في دائرة معينة ومن أحسن ما خطته أنامله هذا البحث الجليل في آثار لبنان استند فيه إلى اصح ما كتب في هذا الشأن بعدة لغات وطبق العلم على العمل في المسائل الجغرافية والتاريخية والعادية وكل صفحة من صفحاته تنم عن مادة واسعة وتحقيق دقيق. وقد حلي هذا السفر النافع بعدة رسوم وصور للعاديات فجاء على جبين الدهر من الكتب الخالدة التي لا يستغني عنها كل من يحب الوقوف على حالة هذا الجبل الطبيعية. وقد نفذت طبعته الأولى وكان نشر أولاً في عدة سنين من أجزاء مجلة المشرق. ثم أعيد طبعه ثانية هذه المرة مع تنقيح قليل وزيادة فهارس للمواد تسهل الانتفاع به فنحث على اقتنائه لأنه من الكتب الممتعة على صقع مهم من أصقاعنا بروية وفضل بحث. تاريخ حوادث الشام ولبنان من سنة ١١٩٧ إلى سنة ١٢٥٧ هجرية ( ١٧٨٢ - ١٨٤١ مسيحية) عني بنشره الأب لويس معلوف اليسوعي في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩١٢ ص ١٢٤ ناشر هذا الأثر التاريخي الأب معلوف صاحب معجم المنجد وغيره هو من العاملين بين الأدباء اليسوعيين وقد أجاد في نشر هذا السفر الذي يجلو الغامض كثيراً في بعض المسائل التي حدثت في عصر كان فيه التاريخ صفحتين سوداء وحمراء سوداء بالجهل وحمراء بالفتن وإهراق الدماء. والمؤلف على ما يظهر ميخائيل الدمشقي كان من موظفي الحكومة والغالب أن هذا الاسم مستعار خاف صاحبه على نفسه فأخفى حقيقته وكتب ما كتب بلسان اقرب إلى العامية الدمشقية في عصره ولم يصحح الناشر من نصها إلا القليل النادر وابقي جمل الكاتب بحالها وعلق بعض الألفاظ العامية شرحاً خفيفاً وقد نقل هذا الكتاب من نسخة في مكتبة المتحف البريطاني في لندن فجمع إلى الفائدة لذة وفكاهة وهو يتناول كثيراً من الوقائع المهمة كبعض وقائع ابن سعود والوهابيين ووقعة سليم باشا في دمشق والسبب فيها ووقائع احمد باشا الجزار صاحب عكا والأمير بشير الكبير صاحب لبنان وحملة نابليون على عكا ودخول المصريين إلى الشام وغير ذلك مما تلذ تلاوته لصدوره من شاهد عيان فنثني على الأب معلوف لإتحافه التاريخ العربي بهذه الذخيرة الفريدة. البلغة في شذور اللغة لائمة كتبة العرب نشرها الدكتور أوغست هفنر والأب لويس شيخو طبعة ثانية بالمطبعة الكاثوليكية سنة ١٩١٤ ص ١٧٥ هذا مجموع حوى رسائل لغوية من أنفس ما كتبه علماء العربية كالأصمعي وأبي زيد وأبي عبيد والنضر بن شميل وفيه كتاب الدارات وكتاب النبات والشجر وكتاب النخل والكروم وهي للأصمعي نشرها الدكتور هفنر وكتاب المطر لأبي زيد والرحل والمنزل لابن قتيبة (لأبي عبيد) واللباء واللبن لأبي زيد وملحق بكتاب اللباء واللبن لابن قتيبة ورسالة في المؤنثات السماعية ورسالة في الحروف العربية للنصر بن شميل وشرح مثلثات قطرب بالرجز وقد علق لناشران عليها حواشي لتسهيل الغامض أو إثبات صحة النص وجعلا لكل رسالة فهارس لغوية مرتبة على حروف المعجم وقدما على كل رسالة نبذة وجيزة لتعريف صاحبها ومضمونها والنسخ التي استند إليها وشكلاها بالشكل الكامل بطبع مشرق تلذ مطالعته. ومعظم هذه الرسائل مما تشتد حاجة المؤلف والكاتب إلى مدارسته مثل رسالة المؤنثات السماعية ويظن إنها لنور الدين بن نعمة الله الحسيني الجزائري وهي صغيرة وقعت في خمس صفحات. وأكثر موضوعات هذه المجموعة ليست مضمونة في شيء مما لدينا من كتب اللغة المضمونة كالمخصص واللسان والتاج والأساس والمصباح والصحاح وفقه اللغة بل هي في موضوع خاص مثل كتاب الأضداد والمقصور والممدود وأدب الكاتب والصاحبي وفقه اللغة وفصيح ثعلب والألفاظ الكتابية وغيرها. فأكرم بهمة ترينا كل يوم أثراً من آثارها وتحيي لنا أثراً نافعاً من آثار أجدادنا. جرجي بك زيدان فجعت الآداب العربية في العشر الأخير من تموز ١٩١٤ برصيفنا جرجي بك زيدان صاحب مجلة الهلال ومؤلف تاريخ التمدن الإسلامي وصاحب التصانيف والروايات الكثيرة مثل تاريخ الآداب العربية وتاريخ مصر الحديث ومشاهير الشرق والفلسفة اللغوية وتاريخ الماسونية العام وغيرها. توفاه الله في القاهرة فجأة فعز نعيه على الأذان أكبرت النفوس الخطب فيه الجليل خدمته للعرب وتاريخهم ولغتهم وحضارتهم. ولد الفقيد في بيروت يوم ١٤ كانون الأول من شهور سنة ١٨٦١ وتلقى مبادئ العلوم في مدارسها الابتدائية ثم دعته حالة والده المالية إلى الانتقال معه وكان صغيراً ولما بلغ الثانية عشرة وانشأ خلال ذلك يكب على المطالعة ويتعلم الانكليزية وبعض العلوم ودرس الصيدلة ونال شهادتها ثم هبط مصر ليتلقى الطب في القصر العيني فاستطال مدة الدراسة ثم تولى تحرير جريدة الزمان حولاً كاملاً وفي سنة ١٨٨٤ سار مع الحملة إلى السودان لإنقاذ غوردون باشا بصفة مترجم بقلم المخابرات وعاد بعد عشرة أشهر إلى بيروت وفي صيف سنة ١٨٨٦ زار لندرا وعاد في الشتاء إلى مصر فتولى إدارة مجلة المقتطف والمؤازرة فيها حتى سنة ١٨٨٨ وفي سنة ١٨٩٢ اصدر مجلة الهلال وقد اتم بوفاته سنتها الثانية والعشرين وزار في السنة الفائتة بعض بلاد الغرب وكتب عنها ومعظم تأليفه صدرت في العهد الأخير مع اطراد صدور مجلته التي راجت رواجاً لم يعهد لمجلة عربية ومع هذا لم تكن تقوم بنفقته كلها كما كان أكد لنا لولا الروايات التي كان يشفعها بها ثم يخرجها على حدة ومنها ما طبع مرات ومنها ما ترجم إلى بعض اللغات. راجت كتب الفقيد العالم ومجلته لأنه كان له أسلوب خاص قلما يشاركه فيه مشارك من السلاسة وحسن التنسيق فكان يكتب ليفكه القارئ أولاً ثم يعمله وفي الغالب انه كان يتوخى النوع الأول فجاءت بعض كتبه التاريخية والعلمية كثيرة الاستنباط عليها في بعض الأحيان مسحة من أسلوب القصص والتوسع في الاستنتاج ولكنها مفيدة في تثقيف عقول جمهور كبير من القراء ممن نشرت بينهم المعارف التاريخية ولا سيما تاريخ الإسلام في الجملة وهذه الطبقة من الناس لو لم تأتها الفوائد بالعرض من أيسر السبل لم تجب إليها المطالعة. ولذلك فإن لصاحب الهلال فضلاً كبيراً على الآداب العربية لأنه نشر كتبه ومجلته أبحاثاً كانت مدفونة عن العامة لا يتناولها سوى الخاصة من العلماء والمتأدبين. ولكثرة ما كان يطلب منه أن يكتسب يضطر أحياناً إلى عدم التوسع في البحث ويكتسب من حاضر الوقت بحسب ما يجول في خاطره لأول وهلة وقد عيب عليه تحامله في تاريخ التمدن الإسلامي على العرب حتى اتهم بأنه من غلاة الشعوبية وتناولته السن الناقدين من العلماء والأدباء بالنقد ومنهم من جاوز الحد في غمطه حقه وتحامل عليه في أشياء لا يخلو منها كتاب ومنهم من كان يطلب منه أن يكون مسلماً في بحثه وكان من قومه من يرمونه بالميل للإسلام والإفراط في ذكر مآثر العرب. صرف فقيدنا العزيز معظم حياته في خدمة التاريخ فهو المادة الأولى في مجلته وكتبه كلها ينوع أساليبه ويقرب من الأذهان بعيده وكان لبسط العبارات الساذجة يتناول ما قاله المؤرخون ويقتضب من كلامهم أو يكتسبه بأسلوبه المعتاد فيضيع أحياناً بعض جمل ربما كانت هي روح تلك الفقرات وكثيراً ما كان يتغاضى عن ذكر السند أو ينقل ما يدور على الأفواه ويأخذ بالمتعارف لعامة القراء الملذ لهم المفرح. وقد تعلم في آخر أمره مبادئ الألمانية والافرنسية فكان يقتبس في كتبه العلمية بعض ما كتبه علماء المشرقيات منهم على الآداب العربية والتاريخ الإسلامي وحاز شهرة في الأندية العلمية في الغرب وعين عضواً في بعض جمعياته ونال بعض الألقاب والأوسمة. وكان أجزل الله ثوابه عاملاً مجداً مرتب العمل انتظمت حاله برواج مطبوعاته بواسطة الهلال ومكتبته ومطبعته وله شهرة في العالم العربي نالها عن استحقاق وبسهر الليالي والمطالعة والمراجعة. كان عصامياً فصار بدرسه وبحثه واجتهاده من أفراد الناس بين من يعانون صناعة التأليف في الشرق العربي ووصل به جده واجتهاد إلى مصاف العلماء على حين لم يدرس في الكليات العظمى ولا نال شهاداتها وإجازاتها الطنانة الضخمة وكم من أناس أسعدهم الحظ بقضاء سنين طويلة في المدارس الجامعة ودرسوا علومها وأحرزوا شهاداتها ولم يكتب لهم أن يبلغوا جزءاً صغيراً مما بلغه صاحب الهلال بثباته ومثابرته ودرسه وعنايته مما دل أن العبرة بالدارس لا بالمدارس وبقوة العقل في الرجال لا بمجد الآباء وكثرة الأموال. ولذا كان فقد المترجم به في سن الكهولة شديد الألم على كل عارفيه وأصدقائه ومن انتفعوا بآثاره وأقهم تلطفه في الأداء وخدمته امزجه الجمهور من القراء وسيكون اسمه على جبين الدهر خالداً ما دامت العربية وتبقى ما خطته يمينه يتداول حتى يقوم في الأمة من يكتب لها بأسلوب آخر ومعلومات أوفر وبحث أوسع وأمتع. عوض الله الأمة العربية عنه وجازاه جزاء العاملين.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_89.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.89.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
