<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.88.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.88.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨٨ بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١٤ المجودون من المصنفين التآليف في الأمم كالأشخاص منها العاطل والجيد والأجود والعاطل يقضى عليه لا يبقى لأنه ساقط بطبعه والجيد قد يدوم لفائدة قليلة فيه أما الأجود فباق بقاء الأيام وكلما ذكر اسم صاحبه حلا في الأفواه وتطلعت نحوه العيون كان الموجودون من المؤلفين في القرون الأولى للإسلام أكثر من المجودين في القرون الأخيرة لأن كانت أرقى عند العرب ومائدة العلم لا يجرأ على الأخذ منها طفيلي لأن الأمة تميز والنقد أشد والحرية أوسع. فإنا إذا قلبنا صفحات التاريخ نجد في كل عصر العشرين والثلاثين من الرجال المبرزين وهؤلاء يجب أن يشاد بذكرهم كل حين لأن تآليفهم وحدها إذا بقيت للأمة تتناقلها الجيل بعد الجيل تكفيها في قيام أمرها إلا قليلا مما يحدث مع كرور الأيام فالعرب مثلا إذا اقتصروا على تأليف المجودين من المصنفين في علوم اللسان والدين فلا يستغنون عن أخذ سائر العلوم عن أحدث الأمم حضارة. وها نحن أولاء نلم في هذه العجالة بأسماء بعض من اشتهروا من المجودين من علماء العرب على اختلاف العصور منذ بدأ التدوين عندهم فمنهم أبو بكر بن مجاهد العارف بالقراآت وعلوم القرآن وهو آخر من انتهت إليه الرئاسة بمدينة السلام توفي سنة ٣٢٤ ومنهم الخليل بن أحمد ١٧٠ وهو أول من استخرج العروض وغاية في استخراج مسائل النحو وتصحيح القياس ومنهم صاحبه سيبويه قال ابن النديم وعمل كتابه الذي لم يسبقه إلى مثله أحد قبله ولم يلحق به بعده قرأت بخط أبي العباس ثعلب اجتمع على صنعة كتاب سيبويه اثنان وأربعون إنسانا منهم سيبويه والأصول والمسائل للخليل ومنهم أبو عبيدة ٢١٠ والأصمعي ٢١٠ وأبو حاتم السجستاني ٢٥٥ والمبرد ٢٧٩ والزجاج ٣١٠ ومنهم ابن دريد ٣٢١ وأبو سعيد السيرافي ٣٦٨ وأبو الحسن الرماني وأبو علي الفارسي ٣٧٠ وال كسائي ١٩٧ والفراء ٢٠٧ والمفضل الضبي وابن الأعرابي ٣٣١ وأبو عبيد القاسم بن سلام وابن السكيت ٢٤٦ وابن قتيبة قال صاحب الفهرست أنه كثير التصنيف والتأليف وكتبه في الجيل مرغوب فيها وقال ابن خلكان أن كتبه كلها جيدة واو حنيفة الدينوري وابن خالويه ٣٧٠ وابن جني ٣٩٢ وابن إسحاق صاحب السيرة قال ابن النديم وكان يحمل عن اليهود والنصارى ويسميهم في كتبه أهل العلم الأول ١٥٠ وهشام الكلبي قال إسحاق الموصلي كنت إذا رأيت ثلاثة يرون ثلاثة يذبون علويه إذا رأى مخارقا وأبا نواس إذا رأى أبا العتاهية والزهري إذا رأى هشام ٢٠٦ والوا قدي وهو الذي خلف بعد وفاته ستمائة فمطر كتباً كل قمطر منها حمل رجلين وكان له غلامان مملوكان يكتبان الليل والنهار وقبل ذلك بيع له كتب بألفي دينار ٢٠٧ والمدائني ٢٢٥ والبلاذري صاحب كتاب البلدان وأحد النقلة من الفارسي وأبو الفرج الأصفهاني ٣٦٠ وعبد الله بن المقفع قال ابن النديم الكتب المجمع على جودتها عهد أزدشير كليلة ودمنة رسالة عمارة بن حمزة الماهانية اليتيمة لابن المقفع رسالة الحسن لأحمد بن يوسف الكاتب وسهل بن هرون وكان أبو عثمان الجاحظ يفضله ويصف براعته وفصاحته قدامه بن جعفر والمرزباني ٣٧٨ والصابي والصاحب بن عباد وأبو زيد البلخي كان فاضلا في العلوم القديمة والحديثة تلاقي تصنيفاته وتأليفا ته طريقة الفلاسفة إلا أنه بأهل الأدب أشبه وإسحق الموصلي وبشار بن برد وأبو نواس وابن الرومي والبحتري ومالك بن أنس والشافعي وأبو حنيفة وابن حنبل وأبو يوسف والمزني وداود بن علي وأبو عبد الله البخاري وابن جرير الطبري ويحيى النحوي ويعقوب ابن إسحق الكندي وأبو نصر الفارابي ومتى بن يونس ويحيى بن عدي وابن زرعه وبن بنو موسى بن شاكر وثابت بن قرة وإبراهيم بن سنان وعمر بن الفرخان ومحمد بن موسى الخوارزمي قال ابن النديم وكان منقطعاً إلى خزانة الحكمة للمأمون وهو من أصحاب علوم الهيئة وكان الناس قبل الرصد وبعده يعولون على زيجيه الأول والثاني ويعرفان بالسند هند وبنو الصباح محمد وإبراهيم والحسن قال في الفهرست والجميع من حذاق المنجمين بعلوم الهيئة والأحكام والبتاني صاحب الزيج وحنين بن إسحق العبادي والعباد نصارى الحيرة وقسطا بن لوقا البعلبكي ويوحنا بن ماسويه وإسحق بن حنين وأبو بكر الرازي وجابر بن حيان. وابن وحشية وابن السيد البطليوسي قال ابن خلكان وهو مجيد في كل ما صنفه ك وكمال الدين بن يونس ٦٣٩ قال ابن خلكان تبحر في جميع الفنون وجمع من العلوم ما لم يجمعه أحد وتفرد بعلم الرياضة وكان أهل الذمة يقرؤن عليه التوراة والإنجيل وشرح لهم هذين الكتابين شرحا يعترفون أنهم لا يجدون من يوضحهما لهم مثله وكان في كل فن من الفنون كأنه لا يعرف سواه لقوته فيه وأحمد بن الطيب السر خسي قال ابن أبي أصيبعة كان متفنناً في علوم كثيرة من علوم القدماء والعرب حسن المعرفة جيد القريحة بليغ اللسان مليح التصنيف والتأليف ٢٨٦ وثابت بن قرة قال ابن أبي أصيبعة لم يكن في زمانه من يماثله في صناعة الطب ولا في غيره من جميع أجزاء الفلسفة وله تصانيف مشهورة بالجودة وكذلك جاء جماعة كثيرة من ذريته ومنهم أبو سعيد ابنه سنان وأبو الحسن ثابت بن سنان وأبو علي بن زرعة وعلي بن العباس المجوسي مصنف كتاب الملكي في الطب وأبو الفرج بن الطيب وأبو الحسن بن بطلان وابن الشبل البغدادي وابن رضوان وسعيد بن هبة الله وابن جزلة وأمين الدولة بن التلميذ والبديع الاصطرلابي وأبو الخير الحسن بن سوار وأبو الفرج بن هند والرئيس ابن سينا وأبو الريحان البيروني قال ابن العبري أنه مبحر في فنون الحكمة اليونانية والهندية وتخصص بأنواع الرياضيات وصنف فيها الكتب الجليلة ومصنفاته كثيرة متقنة محكمة غاية الإحكام أبو الفرج بن الطيب قال القفطي أنه أحيا من علوم الحكمة والمنطق ما دثر وأبان منها ما خفي وقد تلمذ له جماعة سادوا وأفادوا منهم المختار بن الحسن بن عبدون المعروف بابن بطلان قال ابن بطلان إن شيخنا أبو الفرج بن الطيب بقي عشرين سنة في تفسير ما بعد الطبيعة ومرض من الفكر فيه مرضة كان تلفظ نفسه فيها وهذا يدلك على شدة حرصه واجتهاده وطلب العلم لعينه. وفخر الدين الرازي وابن جلجل والغافقي الأندلسي قال ابن أبي أصيبعة وكتابه في الأدوية المفردة لا نظير له في الجودة ولا شبيه له في معناه وأمية بن الصلت وابن باجة وأبو العلاء بن زهر وابن رشد وابن الرومية وابن الهيثم والمبشر بن فاتك وله تصانيف جليلة في المنطق وغيره من أجزاء الحكمة وهي مشهورة في ما بين الحكماء الخطيب التبريزي القطب الشيرازي الإمام القزويني والجوهري وابن سيده وابن الحاجب ونصير الدين الطوسي والغزالي وابن دقيق العيد والزمخشري وسيف الدين الآمدي والبيضاوي والماوردي وابن حزم وابن البيطار ومحي الدين بن عربي وابن مجلي الموصلي وابن فلوس المارديني وابن مسكويه والمسعودي وابن خلدون وابن الأثير وأبو الفدا وابن فضل الله وأفضل الدين الخونجي قال أبو الفرج بن العبري وفي هذا الزمان أي في النصف الأول من القرن السابع كانت جماعة من تلامذة الإمام فخر الدين الرازي سادات فضلاء أصحاب تصانيف جليلة في المنطق والحكمة كزين الدين الكشي وقطب الدين المصري بخراسان وافضل الدين الخونجي بمصر وشمس الدين الخسروشاهي بدمشق وأثير الدين الأبهري بالروم وتاج الدين الأرموي وسراج الدين الأرموي بقونية وعبد المنعم الجلياني وابن الصلاح وموفق الدين بن المطران وشرف الدين بن الرحبي وعبد اللطيف البغدادي والصاحب أمين الدولة السامري وابن حيان البستي ابن عبد ربه بديع الهمداني الحسن بن رشيق القيرواني قال ياقوت كان شاعراً أديباً نحوياً لغوياً حاذقاً عروضياً كثير التصنيف حسن التأليف وكان بينه وبين ابن شرف الأديب مناقضات ومحاقدات وصنف في الرد عليه عدة تصانيف وأبو هلال العسكري وابن جني ذكر الضبي في بغية الملتمس في تاريخ رجال أهل الأندلس أن أبا علي القالي صاحب الأمالي المشهورة لما هاجر من بغداد إلى قرطبة في سنة ٣٣٠ كان الأمير أبو العاصي الحكم بن عبد الرحمن من أحب ملوك الأندلس للعلم وأكثرهم اشتغالاً به وحرصاً عليه فتلقاه بالجميل وحظي عنده وقربه وبالغ في إكرامه ويقال أنه هو قد كتب إليه ورغبه في الوفود عليه واستوطن قرطبة ونشر علمه بها وكان الحكم المستنصر قبل ولايته الأمور وبعد أن صارت إليه يبعثه على التأليف وينشطه بواسع العطاء ويشرح صدره بالإفراط في الإكرام. وذكر أيضاً في ترجمة حسان بن ملك بن أبي عبدة الوزير أحد أئمة اللغة والآداب ومن أهل بيت جلالة ووزارة نقلاً عن ابن حزم أنه عمل على مثال كتاب أبي السري سهل بن أبي غالب الذي ألف في أيام الرشيد كتاباً سماه بكتاب ربيعة وعقيل قال أبومحمد ابن حزم وهو من أصلح ما ألف في هذا المعنى وفيه من أشعاره ثلثمائة بيت وكان سبب تأليفه إياه أنه دخل على المنصور أبي عامر محمد بن أبي عامر وبين يديه كتاب أبي السري بعجب به فخرج من عنده وعمل هذا الكتاب وفرغ منه تأليفاً ونسخاً وتصويراً وجابه في مثل ذلك اليوم من الجمعة الأخرى وأراه إياه فسر به ووصله عليه وروي أيضاً في ترجمة صاعد بن الحسن الربعي وكان عالماً باللغة والآداب والأخبار أنه كان سريع الجواب حسن الشعر طيب المعاشرة فكه المجالسة ممتعاً فأكرمه المنصور - أبو عامر الأندلسي في المئة الرابعة - وزاد في الإحسان إليه والإفضال عليه وكان مع ذلك محسناً للسؤال حاذقاً في استخراج الأموال طبناً بلطائف الشكر دخل على المنصور أبي عامر يوماً في مجلس أنس وقد كان تقدم فاتخذ قميصاً من رقاع الخرائط التي وصلت إليه فيها صلاته ولابسه تحت ثيابه فلما خلا المجلس ووجد فرصة لما أراد تجرد وبقي في القميص المتخذ من الخرائط فقال له ما هذا فقال له هذه رقاع صلات مولانا اتخذتها شعاراً وبكى وأتبع ذلك من الشكر ما استوفاه فأعجب ذلك المنصور وقال له لك عندي مزيد وكان قد حظي عنده بما ألف له من الكتب علي بن الحسين الأصبهاني الشريف المرتضى القاضي الجرجاني علي بن عبيدة الريحاني أبو حيان التوحيدي صاحب المقابسات ابن الجوزي ابن قيم الجوزية ابن تيمية ابن العميد ابن القفطي القلقشندي والنويري وإبراهيم بن الحصري صاحب زهر الآداب قال ياقوت وله تآليف جيدة في ملح الشعر والخبر أبو علي الفارسي أبو حنيفة الدينوري أبو العلاء المعري وابن النديم والجاحظ والحريري ابن الصائغ أبو بكر بن زهر القاضي أبو الفرج المعافي قال ابن خلكان كان فقيهاً أديباً شاعراً عالماً بكل فن وله عدة تصانيف ممتعة في الأدب وغيره وكتاب الجليس الأنيس تصنيفه أيضاً ٣٩٠ واصل بن عطاء ياقوت الحموي يحيى بن أكثم ابن السكيت ابن عبد البر وابن أبي الحديد شارح نهج البلاغة وابن الأنباري عبد القاهر الجرجاني أبو إسحق الأسفراييني قال ابن خلكان أخذ عنه العلم والأصول عامة شيوخ نيسابور وأقر له بالعلم أهل العراق وخراسان وله التصانيف الجليلة ٤١٨ أبو إسحق الشيرازي قال ابن خلكان أنه صنف التصانيف المباركة المفيدة ٤٩٦ أبو حامد الأسفراييني ٤٠٦ وابن زيدون والصلاح الصفدي أبو الفضل الميداني صاحب كتاب الأمثال ٥١٨ القاضي الفاضل الثعالبي صاحب اليتيمة القاضي عياض قال ابن خلكان صنف التصانيف المفيدة قال وبالجملة فكل تواليفه بديعة القاضي الباقلاني أبو الحسين البصري له التصانيف النائقة في أصول الفقه وانتفع الناس بكتبه الحاكم النيسابوري قال ابن خلكان إمام أهل الحديث في عصره والمؤلف فيه الكتب التي لم يسبقه إلى مثلها ٤٠٥ وابن دريد صاحب الجمهرة وأبو بكر الأنباري ٣٢٨ أبو عبد الله المرزباني صاحب التصانيف المشهورة ٣٧٨ المسبحي - بالباء لا بالياء - صاحب التاريخ المشهور وغيره من المصنفات ٤٢٠ لسان الدين بن الخطيب أبو العباس القرطبي انتفع الناس بكتبه وأجاد فيها عيسى بن دينار الأندلسي صاحب كتاب الهداية الذي يقوا فيه ابن حزم أنه أرفع كتب جمعت في معناها على مذهب مالك وابن القاسم وأجمعها المعاني الفقهية مالك بن علي الفهري صاحب القصي أبو عبد الرحمن بقي بن مخلد صاحب التفسير الذي قال فيه ابن حزم أنه الكتاب الذي أقطع قطعاً لا استثني فيه أنه لم يؤلف في الإسلام تفسير مثله ولا تفسير محمد بن جرير الطبري ولا غيره وإن تآليفه قواعد الإسلام لا نظير لها ومن الأندلسيين أيضاً القاضي منذر بن سعيد وأبو محمد قاسم بن أصبغ ومحمد بن عبد الملك بن أيمن ويوسف بن عبد البر وأبو الوليد الفرضي وابن سعيد المؤرخ والقاضي محمد بن لبابة والقاسم بن محمد المعروف بصاحب الوثائق وإسماعيل بن القاسم وابن القوطية وابن التياني وأحمد بن فرج وأبو الحسن الكاتب وأحمد بن محمد بن موسى الرازي وحسين بن عاصم وإسحق بن سلمة الليثي وأبو مروان بن حيان صاحب التاريخ الكبير في أخبار أهل الأندلس نحو عشرة أسفار قال ابن حزم هو أجل كتاب ألف في هذا المعنى وله كتاب المتينيفي التاريخ وهو في ستين مجلدة محمد بن عاصم قال ابن حزم وأما الطب فكتب الوزير يحيى بن إسحق وهي كتب حسان رفيعة وكتب محمد بن الحسن المذحجي المعروف بابن الكتاني وهي كتب رفيعة حسان وكتب التصريف لأبي القاسم خلف بن عياش الزهراوي ولئن قلنا أنه لم يؤلف في الطب أجمع منه ولا أحسن للقول والعمل في الطبائع لنصدقن وفي الفلسفة كتب سعيد بن فتحون السرقسطي المعروف بالحمار وأبي عبد الله محمد بن الحسن المذحجي وفي الأزياج مسلمة وابن السمح وأحمد بن نصر ومحمد بن عطية الغرناطي الحميدي والباجي وابن بشكوال ابن بسام صاحب الذخيرة أبو القاسم صاعد بن أحمد الطيطلي عريب بن سعيد القرطبي أبو محمد عبد الله بن إبراهيم الحجاري صاحب كتاب المسهب في فضائل المغرب لم يصنف في الأندلس مثل كتابه أبو عبد الله بن أبي الخصال الشقوري صاحب سراج الأدب وأبو عبيد البكري صاحب كتاب اللآلي وابن السيد البطليوسي وابن عصفور الإشبيلي النحوي وابن الطراوة والسهيلي وابن خروف وأبو عبيد البكري الأونبي صاحب كتابي معجم ما استعجم والمسالك والممالك وأبو علي الشلوبين وابن طفيل صاحب رسالة حي بن يقظان المقدم في علم الفلسفة أبو عمر الداني ابن جبير صاحب الرحلة أبو علي القالي صاحب الأمالي قال الضبي وكانت كتبه على غاية التقيد والضبط والإتقان وقد ألف في علمه الذي اختص به اللغة والأدب تواليف مشهورة تدل على سعة روايته وكثرة إشرافه وقالوا لئن كان كتاب أبي العباس المبرد أي الكامل أكثر نحواً وخبراً فإن كتاب أبي علي - النوادر - أكثر لغةً وشعراً ومن كتبه في اللغة البارع كاد يحتوي على لغة العرب وكتابه في المقصور والممدود والمهموز لم يؤلف في بابه مثله توفي أبو علي سنة ٣٥٦ ٠ رومانيا وملكها رومانيا إحدى ممالك البلقان بل رأسها عل التحقيق لفتت أنظار العالم في العهد الأخير بدهائها وحسن سياستها واستفادتها من مغانم الحلفاء البلقانيين بدون أن تهرق دماً أو تصرف وقتاً ومالاً في الاستعداد لإهراقه فهي اليوم مملكة في أوربا الشرقية شمالي شبه جزيرة البلقان تحدها من الشمال بلاد النمسا والمجر وروسيا ومن الشرق روسيا والبحر الأسود ومن الجنوب بلغاريا ومن الغرب صربيا والنمسا وكانت مساحتها قبل الحرب الأخيرة ١٣١ . ٣٥٣ كيلومتراً مربعاً وسكانها ٧٢٤٨٠٦١ نفساً فأصبحت بعد الحرب البلقانية ١٣٨ . ٨٧٨ كيلومتراً وسكانها ٧ . ٥٣٣ . ٨١٨ نفساً - المقتبس م ٨ ص ١٠٢ - أصل سكان رومانيا مزيج من عناصر مختلفة وكان يسكنها قبل الفتح الروماني الداسيون والجتيون ولما فتحها الإمبراطور تراجان الروماني أقام فيها عدة مستعمرات عسكرية جاء بها من إيطاليا فنزلت بين سكان البلاد وبعد حين جاءها كثير من المجر والصقالبة فأدخلوا فيها لهجاتهم ثم ورد عليها زمر من الشغان - النور أو الغجر - يبلغ عددهم مائتي ألف نفساً ووافاها أربعمائة ألف إسرائيلي هاجروا من روسيا وبولونيا وذكاء الروماني حاد وله ميل عظيم إلى الشعر والموسيقى والفنون والسواد الأعظم من السكان هم روم أرثوذوكس ولكن جميع المذاهب حرة. وبلاد رومانيا زراعية وأهم مواردها تربية الحيوانات والزراعة راقية في الأودية أكثر من الجبال وهذه للمراعي وتربية البهائم وهي ناجحة في إقليم البغدان أكثر من إقليم الأفلاخ وأهم محصولاتهم القمح والشعير والذرة والكرم والأشجار المثمرة كالمشمش والخوخ الذي يستخرج منه عرق جيد ومن مواردها الخشب الذي يقلع من غاباتها الكثيرة ويقل المستخرج من فحمها الحجري والفحم المعدني وغيرها من الفحوم المعدنية وفيها الكرانيت والبترول والملح وفيها صنائع لا بأس بها مثل صناعة الزجاج والنساجة والمناشير الميكانيكية في البلاد الجبلية ويعمل في بعض المدن النسيج والجوخ وغير ذلك ولكت رومانيا لما كانت تصدر من حاصلاتها الأرضية شيئاً كبيراً على ما سيجيء اضطرت إلى أن تستبضع البضائع الثمينة وتبتاع أدواتها وآلاتها من بلاد النمسا والمجر وألمانيا وإنكلترا. وقد أخذت تجارة هذه البلاد بالارتقاء فتجاوزت وارداتها منذ سنة ١٩٠٠ إلى ١٩١١ من ٢١٧ إلى ٤١٠ ملايين والصادرات من ٢٨٠ على ٦١٠ وأصبحت زراعتها بفضل القوانين الزراعية الرشيدة غاية الغايات وزاد المزروع من أراضيها وأخذت غلاتها تزيد سنة عن سنة وقد زاد سطح المزروع من أراضيها في الخمس سنين الأخيرة من ٣ ملايين إلى ٦ ملايين هكتار ومجموع سطح رومانيا ١٣ . ٠٧٢ . ٠٠٠ هكتار وبلغ صافي أسعار الحاصلات سنة ١٩١١ - ١٩١٢ ملياراً و ٣٩٤ مليون فرنك ومع كل هذا فالفلاح الروماني لقلة ما لديه من النقود لم يستطع حتى الآن أن يبتاع الأدوات الزراعية الحديثة كالحصادة والدراسة الميكانيكية والسكك البخارية لغلاء أسعارها ولكن كبار أرباب الأملاك قد ربحوا منها أرباحاً طائلة. وتاريخ الفلاح أو نصف رومانيا اليوم مثل تواريخ الممالك الصغرى لا يعرف عنه إلا الشيء القليل وقد ذكروا أن مؤسسها الحقيقي هو ميرتشا ( ١٣٨٦ - ١٤٨١ ) وهو الذي حالف الصرب لقتال العثمانيين الذين كانوا إذ ذاك يهددون أوربا بالهجوم عليها فهزمه السلطان مراد وأخذ أسيراً إلى بورصة فاضطر فدية عن نفسه أن يعلن بأن بلاد الفلاخ خاضعة للدولة العثمانية سنة ١٣٩١ ولما عاد إلى بلاده عقد محالفة مع البولونيين والمجريين لصد هجمات العثمانيين ثم انهزم في موقعة نيكوبولي ١٣٩٦ وعاد فظفر في روفيين على جيش السلطان بايزيد وقاتل إخوة هذا السلطان قتالاً شديداً وضم إلى بلاده جزءاً من بلغاريا وإقليم سلستريا ودوبريجة وكان أول امتياز ناله من الدولة العلية هو أنها لا تتدخل في مسائل رومانيا الداخلية ولا في انتخاب أمرائها وبعد موته عاد أولاده ففتحوا أبواب بلادهم للعثمانيين من أجل تاج رومانيا فوقعت بين الغالبين والمغلوبين وقائع كثيرة كانت الحرب فيها سجالاً حتى قيض العثمانيون على قياد البلاد وما برح الأمر كذلك حتى تولى الحكم في رومانيا الأمير ميشيل الشجاع ١٥٩٣ - ١٦٠١ بطل الفلاق المشهور فقد قاتل جيش السلطان محمد الثالث وظفر بأميري ترانسلفانيا والبغدان والجيوش الألمانية فنادى بنفسه أميراً على الأفلاق والبغدان وترانسلفانيا ولم يكن حلفاؤه مثله وأضاعوا تراثهم فصار نهباًً. أما تاريخ موالدفيا أو البغدان فهو أيضاً يبدأ من أوائل القرن الرابع عشر للميلاد وكانت تخضع تارة لملوك المجر تتقاذفها أهواء جيرانها بحسب أحوالها الداخلية وعلى نسبة متانة أمرائها أو أفن آرائهم وضعف نفوسهم حتى إذا ملك أمرها أتين الرابع الملقب بأتين الكبير ضرب ماتيا كورفين ملك المجر الذي جاز جبال الكاربات إلى بلاده وضرب التتار ضربة شديدة في راكوفا وقاتل جيش سليمان باشا الذي كان مؤلفاً من ١٢٠ ألفاً وهزم ملك بولونيا سنة ١٤٥٧ شر هزيمة وحاول أن يعقد حلفاً شرقياً ضد العثمانيين فلم يفلح ولما مات أوصى أولاده أن يخضعوا للدولة العلية فصدعوا بلأمر حتى زمن الأمير باسيل الذئب الذي كان معاصراً لماتيو بازاراب وعمل لإمارته كما عمل هذا لإمارة الفلاق ومنذ سنة ١٦٥٨ إلى سنة ١٦٨٥ تولى زمام هذه الإمارة أحد عشر أميراً منهم ثمانية أروام فأصبح كل شيء رومياً أو يوشك أن يكون كذلك في تلك الإمارة بل دام ذلك في الإمارتين إلى سنة ١٨٢١ أيام ثار الرومانيون وطردوا الأمراء اليونان وأقاموا أمراءهم الأصليين غريغوريوس جيكا في البغدان وجان ساندوستورزا في الفلاخ ( ١٨٢٢ - ١٨٢٨ ). ولما أعلنت روسيا الحرب على الباب العالي سنة ١٨٢٨ أخذت تحتل الإمارتين المذكورتين وأقامت فيهما حكومة موقتة وبعد أن عقد الصلح في أدرنة سنة ١٨٢٩ كان من شروطه أن تبقى الأفلاق والبغدان في يد روسيا ريثما تستوفي الغرامة الحربية البالغة عشرة ملايين دوكا وظلت روسيا في البلاد ست سنين عملت في خلالها على تنظيم داخليتها وأدخلت إليها دستوراً عرف باسم اللائحة الأساسية ودعي كل من الأميرين المومأ إليهما إلى تطبيق هذا القانون وإذ كان من شأنه أن يخنق كل دعوة وطنية رومانية ثار الرومان في ٧ حزيران ١٨٤٨ فكبح جماحهم في البغدان للحال ولكن امتدت ثورتهم في جميع بلاد الفلاة ونادوا بأميرهم رئيساً لعصابات الثورة ضد روسيا فاضطر الأمير أن يجيبهم إلى رغائبهم وأن يوقع على أمر يقضي بإلغاء القانون الذي وضعته روسيا ثم غادر البلاد وبعد ذلم وقع الاتفاق بين روسيا والدولة العثمانية على أن يعين للبلاد أمير كل سبع سنين يكون له حق تعيين الدواوين والعمال فاضطر الثائرون من الرومانيين أن يهاجروا من بلادهم فأخذوا يطوفون في أوربا ويقنعون رجال سياستها بمراميهم فكثر منهم أنصارهم ومن جملتهم نابليون الثالث إمبراطور فرنسا إذ ذاك وكان من معاهدة باريز ١٨٥٦ أن قضت على حماية روسيا لرومانيا وكان من عهدة باريز بعد سنتين أن منعت الباب العالي من التدخل في شؤون رومانيا أي في انتخاب العمال والنظر في الواوين وفي ذاك العهد تم للأفلاق والبغدان ما تريدان من الاتحاد الوطني فانتخب لهما أمير واحد وهو إسكندر كوزا ( ١٨٥٩ ) وبعد سنتين أعلن هذا الأمير وحدة الإمارتين وأن يكون لهما مجلس نواب واحد مركزه في بكرش ( ١٨٦١ ) وعند ذلك بدأ دور إصلاح في البلاد وأهمه إلغاء الاستعباد فشق ذلك على طبقة الأشراف أصحاب الأملاك وما برحوا يدسون دسائسهم حتى اضطروا أميرهم إلى التخلي عن إمارته سنة ١٨٦٧ وجعل شارل هوهنزولرن ملكاً عليهم وكان من نتائج الحرب العثمانية الروسية سنة ١٨٧٧ أن أضاعت رومانيا إقليم بسارابيا وتخلت عنه إلى روسيا لقاء إقليم دوبريجه ولكن استقلالها تم أمره ١٨٧٨ . خلف البرنس شارل هوهنزولرن الأمير كوزا أمير الأفلاق والبغدان في ١٨ أيار ١٨٦٦ عقيب تنازل هذا عن الإمارة ودخل بكرش عاصمة رومانيا باحتفال جرى له مثله في جميع البلاد التي اجتازها منذ الحدود وبعد ستة أشهر ذهب إلى الأستانة ليأخذ البراءة بتنصيبه على نحو ما كانت عادة السلطنة العثمانية مع أمراء الفلاق والبغدان منذ القديم ولكن الأمير الجديد أبدى شمماً في مقابلته لحضرة السلطان في قصر طولمه باغجه وحدثته نفسه أن ينزع عن بلاده حماية الدولة وكان أول عمل له استحصال رضا الدولة بافتراض رومانيا مبلغ ثمانية عشر مليون فرنك من باريز ولكن بشرط فاحش قضي عليها به أن تدفع ١٣ في المئة رباً فدفعت في ثلاث وعشرين سنة اثنين وثلاثين مليوناً وكانت أخذتها ثمانية عشر. وطفق الملك شارل يبذل الصبر والأناة وحسن السياسة وبعد النظر والجرأة والروية واللين ما كان به للبلاد استقلالها ثم قوتها ثم نفوذها وكم من عراك دخل غماره فأوشك أن يودي فيه وما ملكت يداه وقد كاد يتخلى سنة ١٨٧١ عن العرش الروماني زين له ذلك الأمير بسمارك الألماني ووالده ولكن من الرجال من تنفعهم المحن وتقوي عزائمهم وتمتن أخلاقهم فلما قنط من حاله لم يبق أمامه سوى الثبات إلى النهاية فثبت وحل المجلس الذي كان يحول دون رغائبه فزال كل إشكال. ولقد كتب في مفكراته الخاصة أن الأنواء العظيمة كانت تقذف بسفينتي صعوداً وهبوطاً ولكن الله حماني فلم أسلم النفس للغرق وأن البحارة لتريد عن رضا إلى اليوم أن تلقي بي من حالق ولكن قسماً منها يدرك بأن في استطاعتي أن أقود السفينة إلى مرفأ أمين فقد جعلت نصب عيني مسألتين أن أخرج من هذا المأزق واسمي طاهر لم يدنس وأن لا أطمع بحال من الأحوال في أن أترك من بعدي الطوفان بدون ذمة ولا قلب. قاتلت رومانيا في بلافنا أي في الحرب الروسية العثمانية فظنت أنها بذلك تساعدها أوربا على استقلالها بتاتاً ولكن لم يكتب لها ذلك إلا سنة ١٨٧٨ على شرط تجنيس الإسرائيليين فيها بالجنسية الرومانية وإصلاح بعض مواد من قانونها الأساسي وفي ٢٥ أيار ١٨٨١ نودي بشارل الأول ملكاً على رومانيا أي صار مستقلاً عن وصاية أية حكومة له ولبلاده فكان أكبر همه أن يحسن موارد بلاده الاقتصادية ويعلم أمته ما يخرجها من الظلمات إلى النور فنشط التعليم العام ونشر اللغة الرومانية وحرر الكنيسة من الخضوع لغيرها واعترفت لها بطريركية الفنار سنة ١٨٨٥ باستقلالها ثم أنشأ الخطوط الحديدية وابتاعتها الحكومة كلها وحسن الصناعة وعني عناية خاصة بترقية الزراعة وحدد الديون العمومية قام بذلك عقيب أن بويع له بالملك وذلك في دور كثرت فيه الاضطرابات والدسائس السياسية وتعدى العمال أطوارهم ولكن نفوذ الملك قد عدل من تكالب الأحزاب فانقلب تطاحنها إلى مناقشات لطيفة وتحسنت الأخلاق وتدمثت وكان الموظفون قديماً يبدلون عند كل تغيير في الحكومة فأصبحوا بعدها أمناء على مراكزهم وأصبح لهم استقلال وطمأنينة فكان من تثبيت أقدام الموظفين في وظائفهم والمثابرة على الأوضاع على وتيرة واحدة بإنقاذها من المؤثرات السياسية أعظم واسطة لإحياء البلاد حياة طيبة باقية. ومملكة هذا حالها وعملها قام بها ملك هو جندي وله أخلاق الجند من فطرته وله جيش قوي من ورائه مالية ناجحة لا تستطيع أن تسكت على ما ناله الحلفاء البلقانيون من المغانم وافتتحوه من الأراضي فأخذ الشعب يطلب حصته من المغنم في البلقان في حربها الأخيرة وكانت كلمة مليكهم حاجزاً دون التدهور فأبدت رومانيا طرفاً من التهديد فيما إذا تغيرت خريطة البلقان لأن في توسع البلغار في بلادها تهديداً لرومانيا فطلبت رومانيا إقليم سلستريا من البلغار فأبدت حكومتهم كبراً وعتواً وصرح رئيس مجلس بلغاريا أن أمته لا ترضى بالتخلي عن سلستريا فقال له ملك رومانيا لقد وقع لي في مدة حكمي أربعين سنة إن كنت أسير خلافاً للرأي العام أحياناً لأني كنت أرى في ذلك مصلحة بلادي فعلى رجال السياسة أن يعرفوا في بعض الأوقات كيف يعزمون عزماً ضرورياً يخالفون فيه شعور السواد الأعظم الذي يكون على غير سداد. وظلت بلغاريا على عتوها سكرى بخمار النصر الذي أحرزه جنودها وأضاعه سوء تدبير رجالها فلم تقبل بمقترحات الدول عليها بشأن تسليم سلستريا لرومانيا وغير ذلك من التسامح فاضطرت رومانيا لإعلان الحرب عليها يوم ٣ تموز فجندت في عشرة أيام ٤٦٧ ألف جندي مما دهش له العالم وتقدم جيشها واجتاز الطونة وحط رحاله أمام صوفيا عاصمة البلغار فعقد الصلح في بكرش بعد أسبوعين على صورة كان فيها الحيف على بلغاريا التي تركت من أرضها نحو ثمانية آلاف كيلومتر مربع فيها ٣٠٨ آلاف ساكن وهو نفع مادي قليل لكنه من الوجهة المعنوية كبير جداً وأقل ما فيه أن رومانيا أحرزت لها نفوذاً على حلفائها وسلطة وسعها اعتدالها في مطالبها ويرجع الفضل في عقد الصلح بسرعة إلى ملكها شارل فإنه لم يقع بعد انتصاره فيما وقعت فيه بلغاريا عقيب انتصارها من الجبر والاشتطاط والطمع بل أبدى من النصفة والاعتدال وكرم الأخلاق مع المغلوبين البلغاريين ما جعله وهو شيخ ملوك البلقان حكمها الذي لا ينازع ولم تتردد أوربا أن تمنحه هذا اللقب معترفة له بجميله. ولكن الممالك كالأشخاص قد لا تتم لها سعادتها ولا تنتهي أطماعها فإن رومانيا مع أحرزته مؤخراً من المنافع وكسبته من الصيت الحميد بين الدول لا تزال تحلم بأن تضم إليها الثلاثة ملايين والنصف مليون من الرومانيين الذين هم في حكم النمسا والمجر وتطالب المجر باستعادة إقليم ترانسلفانيا إليها لأن الرومان فيه يؤلفون الأكثرية ونفوسه ١ . ٤٧٢ . ٠٠٠ بحسب إحصاء المجر و ٢ . ٥٠٠ . ٠٠٠ بحسب إحصاء الرومان وكان هذا الإقليم ضم إلى المجر سنة ١٨٦٧ على الرغم من وعد الإمبراطور فرنسيس يوسف بأن يترك لرومانيا استقلالها قبل ذلك بأربع سنين ومنذ ذاك العهد والعراك قائم بين الرومان المستعبدين وبين حكومة المجر فإن هذه الحكومة تحاول بقوة عمالها أن تمجرهم أي تجعلهم مجراً بلسانهم ومدنيتهم وهم يأبون إلا البقاء على لغتهم ومناحيهم فلا تستطيع رومانيا رسمياً أن تنشط رومان المجر ولكنها بصورة غير رسمية تكتب جرائدها وتعمل جمعياتها أعمالاً من شأنها الوصول بأبناء لسانهم المنفصلين عنهم إلى ضمهم إليهم أو استقلالهم عن هنغاريا فرومانيا ترمي سراً إلى إنشاء مملكة رومانية يدخل تحت لوائها كل من يتكلم بلغتها وهذا من خيالاتها التي يحملها عليها شعبها والسياسة تحول دونه بإسداد. ومع هذا فإن مملكة رومانيا قد ختمت بسنة ١٩١٣ إحدى الفصول المملوءة بتاريخها فوسعت أرضها بدون إهراق دماء ووضعت أوزار حرب يمكن أن يحدث من طولها لأوربا عواقب سيئة وكانت بحكمتها وصبرها واعتدالها حكماً بين البلقانيين فالبلقان مدينة لها بالسلام وأوربا براحتها نعلم أن صحيفتها حسنة وأجمل منها أن تكتب بدون ترميج ولا حذف ويحق لعاهلها الشيخ أن يفاخر فخراً مازجه الاعتدال بنجاح سياسته في بلاطي فينا وبرلين. نكتب هذا وقد زار هذا الربيع عشرات من تلامذة دار الفنون أي جامعة الأستانة مدينة بكرش وتعرفوا إلى طلبة كليتها وزار هؤلاء أيضاً الأستانة وتعرفوا بطلبتها والحكومتان العثمانية والرومانية تتقاربان وتتعاطفان. عنوان المجد في تاريخ بغداد والبصرة ونجد تنافس فطاحل المؤرخين في الكتابة عن بغداد وتاريخها وأقسامها ودورها وقصورها ورجالها وفلاسفتها ومدارسها ومعاهدها وذلك لبعد شهرة هذه المدينة الطيبة التي ظلت خمسة قرون مهد الحضارة ومهبط المدنية وكعبة العلم والعرفان ومقر الدولة الإسلامية فبلغ عدد من ألفوا في هذا الموضوع المئات والألوف إلا أنه لم يبق من تصانيفهم غير قسم قليل في دور الكتب العراقية فإن أكثرها ذهب ضياعاًً وأكل عليها الدهر وشرب فمنها ما صار طعمة للنار أو ألقي في الأنهار ومنها ما اقتنته الإفرنج بوسائل شتى فازدانت بها معاهدهم ومكتباتهم ولقد رأينا كثيراً من علماء المشرقيات يطوفون هذه الديار قادمين إليها من القاصية للبحث والتنقيب عن آثار الحضارة العربية والإطلاع على ما في دور الكتب من نفائس الكتب ونوادر المخطوطات باذلين في سبيل غايتهم اللجين والنضار فالنسخة النادرة التي عسر على المستشرق ابتياعها أو استنساخها عمد إلى أخذ تصويرها الشمسي مهما كلفه ذلك تعباً ونصباً كذلك رأيناهم يعملون في بعض الأعلاق النفيسة التي ضمتها جدران خزائن كتبنا وأهملنا العناية بها والانتفاع منها وهكذا دأب الغربيون في سلب ذخائرنا وكنوزنا وآثارنا للوقوف على سر مدنية بلادنا القديمة فأصبحنا ونحن عالة على المغاربة حتى في الكتابة عن تاريخ بلادنا وحضارتها وعمرانها ورجالها وملوكها. ومن الكتب التي أسهب مؤلفوها في تاريخ بغداد وأجادوا في وصف ما كانت عليه من الجلالة والعمارة في الدولة العباسية كتاب تاريخ بغداد تأليف الحافظ أبي بكر أحمد بن علي بن ثابت البغدادي المعروف بالخطيب المتوفى سنة ٤٦٣ هـ - ١٠٧٠ م وهو كتاب ضخم في أربعة عشر مجلداً أسهب مؤلفه في تراجم علماء الزوراء وأدبائها ومن ورد إليها من الرجال العظام وقد ضم إليه فرائد وخرائد يضيق بنا المقام عن سردها وتبيانها ومنه الآن نسخة كاملة في خزانة السيد عبد الرحمن أفندي نقيب أشراف بغداد وخزانة هذا الزعيم من أغنى خزائن الكتب في هذا القطر ففيها نحو خمسة آلاف مجلد نصفها أو أكثر من النصف مخطوط وغير مطبوع وكل ما فيها نفيس نادر ناهيك أنه توارثها عن أسلافه القدماء منذ نحو أكثر من قرنين ونصف قرن ويقال أنه يوجد من هذا التاريخ الكبير نسخة تامة في كل من المتحف البريطاني بلندن والمكتبة الأهلية في باريس وهناك أجزاء متفرقة مبعثرة توجد اليوم في مكتبة برلين ومكاتب الأستانة العمومية وفي المكتبة الخديوية وبعض خزائن أعيان العراق وهذا السفر النافع فريد في أبحاثه وحيد في تبويبه وترتيبه ولم يقصره المؤلف على الشؤون التاريخية وسرد الواقع والأخبار بل ملأه بكل شاردة وواردة تتعلق بالتاريخ والجغرافيا والتراجم والآثار فهو سفر تاريخي جغرافي أثري يغنيك عن البيان أن مؤلفه ذلك الحبر العلامة الذي طبقت شهرته الخافقين وقد لخص هذا الكتاب الضخم أحد علماء القرن الخامس مسعود بن محمد البخاري بعد أن زاد عليه شيئاً كثيراً من الحوادث والأخبار التي عرفها بنفسه واعتمد فيها على أمهات الكتب التاريخية وهناك عدد كبير من مؤلفات المتقدمين في أحوال بغداد عروس البلاد الشرقية كتاريخ بغداد لأحمد بن طيفور البغدادي وهو أقدم تاريخ لدار السلام وكتاب - البيان - تأليف أحمد بن محمد بن خالد البرقي الكاتب الكبير وهو حافل بمحاسن دار السلام وذكر أطلالها ودوارسها وهذا ما يدل على مبلغ عناية المتقدمين بأحوال هذه العاصمة الكبرى ولو أردنا أن نستقصي كل ما ألف في هذا الموضوع لاحتجنا إلى مجلد ضخم ولما دخلت عصور الحروب والكروب والفتن والمصائب اشتغل الناس بحالة البلاد السياسية عن التأليف ومزاولة العلوم حتى قل من كتب عن بغداد في القرن الثامن والتاسع والعاشر أو سعى إلى تدوين ما تعاقب عليها من الأدوار التاريخية ولولا عناية بعض الأسر الكريمة كأسرة الألوسي والسويدي والحيدري بتاريخ البلاد واحتفاظها بما عثرت عليه من الآثار القديمة ونبوغ أبنائها واشتغالهم بالتأليف والتصنيف لبقي ذكر هذه المدينة خاملاً ولنوسي تاريخها واضمحلت آثارها وفقدت مكانتها. وقد اشتهر في القرنين الأخيرين جمهور من كبار العلماء المدققين الذين عاهدوا الله على خدمة الأمة والدين والوطن بعقولهم ومواهبهم وهم الذين أوجدوا هذه الحركة العلمية المباركة وأحيوا ميت الآمال وبعثوا في النفوس الخاملة عوامل السعي والعمل فقام من بينهم المؤلف الفاضل والفيلسوف الكامل والفقيه المحدث والمفسر الكبير والمتشرع الخطير والكاتب النحرير وكل منهم سار في الطريق التي اختارها لنفسه وحصر أوقاته في إتقان العلم الذي رغب فيه فغصت بتلامذتهم أندية العلم والمدارس وازدهت بهم دار السلام فعاد إلى البلاد رونقها وبهاؤها وكان من جملة المصنفين في تاريخ بغداد ثلاثة أعلام: ١ - السيد إبراهيم فصيح بن صبغة الله الحيدري البغدادي صاحب تاريخ عنوان المجد في تاريخ بغداد والبصرة ونجد ويوجد منه الآن أربع نسخ خطية الأولى بخط المؤلف وهي موجودة في المكتبة الخالدية - نسبة إلى الشيخ خالد النقشبندي - والثانية في خزانة العلامة السيد محمود شكري الألوسي والثالثة في مكتبة دير مبعث الكرملين والرابعة هي النسخة التي بأيدينا ونريد أن نتكلم عنها الآن. ٢ - الشيخ عبد الرحمن زين الدين بن الشيخ عبد الله الويدي البغدادي المتوفى سنة ١٢٠٠ هـ - ١٧٧٦ م مؤلف كتاب حديقة الزوراء وهو تاريخ جليل في ثلاث مجلدات ضخام يدور ما فيها حول ما وقع في العراق من وقائع العصور المتأخرة في زمن ندر فيه المؤلفون والكاتبون والمدونون للوقائع التاريخية ولولا هذا المصنف الجليل لضاع تاريخ هذا القطر الحديث ولا توجد منه إلا نسخة في خزانة السيد عبد الرحمن النقيب. ٣ - هو حيد عصره السيد محمود شكري الألوسي صاحب كتاب بلوغ الأرب في أحوال العرب الذي أعجب به علماء الفرنجة أيما إعجاب وأحرز قصب السبق على سائر المؤلفات في هذا المضمار وللعلامة المشار إليه تاريخ مفيد عن بغداد دعاه كتاب أخبار بغداد وما جاورها من القرى والبلاد جاء في أربعة مجلدات بحث فيه بحث العالم المدقق والمؤرخ المحقق عن تاريخ دار السلام ومدن العراق وما كان لها من القصور الشاهقة والأبنية السامية وأشبع الكلام على تراجم أدباء الزوراء وأكابر أعيانها وزهادها ومدارسها ومعابدها. وكتاب تاريخ المجد في تاريخ بغداد والبصرة ونجد من الكتب النفيسة النادرة التي قل من نسج على منوالها والمؤلف معروف لدى علماء العراق بسعة الاطلاع وطول الباع في المسائل التاريخية وهو ينتمي إلى أسرة شريفة المحتد عريقة في النسب هي أسرة الحيدرية ويتصل نسب جده الأعلى بموسى الكاظم وإلى هذه الأسرة تنسب الدولة الصفوية في فارس لأن جد الحيدرية أحمد الأعرابي كان من بادية الحجاز فتحضر في المدينة وهاجر بعض من سلالته إلى العراق وهم الذين نشأ منهم المؤلف المشار إليه والبعض الآخر إلى بلاد ما وراء النهر ومنهم نشأت الدولة الصفوية واتصال هذه الدولة بالحيدرية يرتقي إلى الشيخ صدر الدين ابن قطب الشيخ صفي الدين أبي الفتح إسحق وكان الصفويون على مذهب أجدادهم مذهب السنة والجماعة ثم تشيعوا لغايات سياسية اقتضتها حالة عصرهم والشاه إسماعيل أول من حاد عن مذهب أسلافه فإنه انتحل المذهب الجعفري ظناً منه أنه بذلك يقهر عدوه السني السلطان سليم خان وكان السلطان حسن الأبلخاني المعروف في كتب الأتراك التاريخية بأزون حسن حسن الطويل الذي ملك بغداد وآمد ديار بكر وخراسان ونواحيها فرعاً من هذه الشجرة الطيبة. وكان الشيخ إبراهيم فصيح الحيدري من مشاهير هذه العائلة وأكابر أعيان بغداد على عهده وتصدر في المدارس لتدريس علوم الدين وكان مبرزاً في الفقه والتفسير والتاريخ والمنطق توفي سنة ١٢٩٩ هـ - ١٨٨١ م ولم نعثر على سنة ولادته وله مؤلفات عديدة وكتابه عنوان المجد من أجلها قدراً وأبعدها شهرة والنسخة التي أمامنا قد بلغت صفحاتها ٤٧٨ كتب في كل صفحة ٢٠ سطراً والسطر مؤلف من تسع كلمات وقد ألف كتابه هذا في البصرة الفيحاء قال بعد البسملة والصلاة على رسول الله يقول العبد الفقير المحتاج إلى عفو ربه السيد إبراهيم فصيح بن السيد صبغة الله الحيدري البغدادي إني قبل هذا سافرت من بلدي مدينة دار السلام إلى دار الخلافة القسطنطينية حماها من كل سوء رب البرية ومنها إلى مصر والحجاز وعدت إليها ثانياً لأستوفي الوقوف على بدائعها بالحقيقة لا بالمجاز ثم خرجت منها إلى الديار السورية وبعض البلاد الأناضولية فاطلعت على تلك البلاد وأحوال العباد ثم رجعت إلى بلدي مدينة السلام ذات الثغر البسام ومكثت فيها بين أهلي وأحبابي غير قليل من الأعوام حتى رمتني الأقدار بسهام النيابة إلى البصرة المسماة بخزانة العرب وقبة الإسلام فلما وردتها ورأيت ما فيها من عجائب الأنهار وغرائب النخيل والأشجار الممتنعة الحد والحصر مع ما فيها من المد والجزر في اليوم مرتين بحيث تمتلئ الأنهار والسواقي وكل عين وقد آلت إلى الخراب فلم يبق منها إلا الاسم واندرست آثارها فلم يبق إلا الرسم أحببت أن أؤلف كتاباً في بيان أنهارها ونخيلها وأشجارها وبيان بيوتاتها القديمة من ذوي الثروة العظيمة مع بين أحوال بغداد وإن كنت قبل هذا قد ألفت في دار الخلافة كتاب أحسن السلام في دار السلام إلا أني أردت أن أجمع أحوال البلدتين في هذا الكتاب وأحوال أراضي نجد وقبائله وما يليه من البلاد مع تصدير الكتاب ببعض ما ذكره الحكماء في سياسة الملوك فشرعت في ذلك ورتبته على مقدمة وثلاث مسالك وخاتمة. . . وقد تكلم في المقدمة عن سياسة الملوك والسلاطين في رعاياهم وذكر الأحاديث النبوية والآيات الشريفة المنزلة في تدبير الملك وسياسة البلاد والعباد فأفاض في هذا الباب أحسن إفاضة وإليك بعض ما قاله: . . العدل من أعظم الأركان التي بها قوام السلطنة والملك ودوام الدولة فإنه ميزان الله تعالى في الأرض الذي يأخذ به للضعيف من القوي والحق من الباطل قال الله تعالى إن الله يأمر بالمعروف وينهى عن الفحشاء والمنكر يعظكم لعلكم تذكرون. وقد شبهوا الملك بالرجل واعتبروا السلطان رأسه والوزير قلبه والأعوان يديه والرعية رجليه والعدل روحه وهو موجب لاجتماع الرعية على محبته المفضي إلى استقامة أمره ونظام ملكه وإذا عدل السلطان قرب منه وصلح له وعدة السلطان ثلاثة أمور مشاورة النصحاء وثبات الأعوان وترويج سوق العدل ثم العدل ينقسم إلى قسمين قسم إلهي جاءت به الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام عن الله تعالى وهو الشرائع وقسم يشبه العدل وهو السياسة الاصطلاحية ويستحيل أن يدوم بقاء السلطان أو تستقل رعية في حالة إيمان أو كفر بلا عدل قائم ولا ترتيب للأمور ثابت ووافقت حكماء العرب وغيرهم على هذه الكلمات فقالوا الملك بناء والجند أساسه فإذا قوي الأساس دام البناء فلا سلطان بلا جند ولا جند بلا مال ولا مال إلا بالعمارة ولا عمارة إلا بالعدل فصار العدل أساساً لسائر الأساسات. . ثم أشبع الكلام عن الفقهاء والقضاة والتجار والرعية والخراج ومصالح الدولة ودواوينها مما دل على سعة خبرة وغزارة فضل وبعد غور في الشؤون الاجتماعية ثم أسهب في فضل العلم وحملته وحث الناس على تلقنه وتكلم باختصار عن الكيمياء والهندسة والحساب والجبر والسيمياء والنجوم والموسيقى والفلسفة إلى غير ذلك من الأبحاث الشائقة الرائقة. وكتب في المسلك الفصل الأول عن فضائل بغداد وبنائها وبانيها وبيان سواد العراق وخراجه وعشره وأنهار الزوراء وجسورها وعشائرها وأكابرها المعاصرين له وغير ذلك مما يتعلق بأحوال بغداد ومما أفاض في ذكره وبعد من جملة حسنات كتابه الكلام على بيوتات بغداد فإنه أجاد في هذا البحث وأفاد التاريخ فائدة كبرى فدون أسماء البيوتات القديمة وذكر رجالها ومشاهيرها وتراجمهم وأنسابهم وهو بحث جميل قل من تطرق إليه من المصنفين القدماء ومن فصول هذا الكتاب الممتعة كلامه على عشائر العراق ومشايخها وأمرائها ومنازلها وأنسابها القديمة ومذاهبها وعدد رجالها وعقب بعد ذلك الكلام على ذكر البيوتات البدوية الرفيعة ثم عقد فصلاً في تراجم العلماء والفضلاء الذين برزوا في صنوف العلوم والفنون ومن حسنات هذا الكتاب الكلام في أنهار بغداد القديمة والحديثة مع تعيين مواقعها ومصادرها ومصابها وبعد ذلك تكلم عن البصرة وبيوتاتها وعلمائها وأنهارها والمد والجزر فيها وإليك ما قاله عن بساتين البصرة: . . والبساتين الموجودة في البصرة ونواحيها ذات النخيل والأشجار والأنهار حدها من القرنة إلى رأس البحر المسمى بالفاو ويبلغ مقدارها ثلاثين ساعة بسير الفارس وأما المشي فالمسافة بالنسبة إليه أكثر والفرج بين ذلك الخالية عن النخيل يسيرة وهي من البصرة إلى الدواسر ومن القرنة إلى الكوت الفرنجي ولكنها بالنسبة إلى المتصلة لا تعد ولا تعتبر والبساتين الباقية كلها متصلة بعضها ببعض مقدار عشرين ساعة طولاً على طرفي شط العرب وأما عرضاً ففي الجنوب يبلغ أكثر من ثلاث ساعات وهي ذات نخيل وأشجار وفواكه لا تعد ولاتحد وحد البساتين شرقاً من كتيبان إلى سبع القصبات وجنوباً إلى الفاو وشمالاً إلى العنبري. . ثم أفاض في الكلام عن التجار في البصرة والعلماء والبيوتات القديمة هناك. ومما قاله عن أنهار البصرة الباب الثالث في بيان أنهار البصرة الموجودة في هذا العصر الكبار المحصوة والصغار التي لا يحصيها عد ويجري فيها الماء من شط يقال له شط العرب وهو مجتمع دجلة والفرات ويحصل لهذا الشط ولجميع الأنهار المد والجزر في اليوم والليلة مرتين مرة في الليل وأخرى في النهار وتختلف ساعات المد تقديماً وتأخيراً والأنهار الكبار لم تزل مملوءة من الماء إلا العشار فإنه يخلو من الماء حالة الجزر وأما الصغار فهي خالية أثناء الجزر فإذا حصل المد امتلأت الصغار وازدادت الكبار التي تجري فيها السفن وجميع الأنهار الكبيرة خارجة من شط العرب وبعض الكبار من الصغار فأول الأنهار الكبيرة ابتدأ من البصرة نهر العشار المشهور الداخل إلى البصرة وهو نهر عظيم تجري فيه المراكب والسفن وحوله بساتين كبيرة وبيوت عامرة. . وقد عد أنهراً كثيرة من الأنهر التي تمخر فيها السفن وقال إن الأنهر الصغيرة كثيرة لا يمكن حصرها وانتقل بعد ذلك إلى الكلام عن الخراج والأعشار والغرائب في عصره وتكلم بعد ذلك عن المحمرة وعبادان والأهواز وما في هذه الديار من الأنهار والأراضي والقبائل وجعل الكلام على نجد آخر فصول الكتاب فكتب عن قبائل نجد وأشرافها وعلمائها ومذهبها شيئاً فيه الغث والسمين إلا أن التحقيق يغلب على أكثر أبحاثه وقد قرظ أعمال النجديين وأثنى عليهم وعلى النهضة التي قام بها زعماؤهم وأمراؤهم وأتى في هذا الفصل على ترجمة صاحب الدعوة الوهابية والقائمين بترويجها وتراجم مشاهير الحنابلة وعلماء نجد الذين تصدروا للقضاء والإفتاء ومكاتباتهم إلى الملوك والأمراء المعاصرين لهم ومؤلفات نوابغهم ثم استطرد من هذا البحث إلى ذكر الحجاز وتهامة والبحرين والقطيف وما فيها من العجائب والغرائب ووصفها وتمثيلها أحسن تمثيل وتطرق أيضاً إلى البحث عن أحوال البلاد العربية الكائنة على ضفاف الخليج الفارسي كمسقط وعمان وإماراتها وأمرائها وقبائلها ثم أرصد فصلاً ممتعاً في أبعاد الأماكن التي ورد ذكرها في كتابه ومن حسنات كتابه أنه عقد فصلاً في أنساب الأمراء مع بيان أحوالهم وأطوارهم ورسوم حكوماتهم وعقد فصلاً آخر في تراجم مشاهير علماء المذهب الحنفي والمالكي ومشاهير الحنابلة على عهده. وأما الخاتمة فهي تشتمل على مباحث شتى منها العلم في بلاد العرب وأنواع خراجها ومقاييس مكاييلها وجباية الأموال الأميرية ومعاملاتهم وإقطاع البلاد إلى غير ذلك مما يطول ذكره والخلاصة أن هذا الكتاب من أجلّ كتب التاريخ التي تصور لنا حالة العراق وبلاد العرب الزراعية والصناعية والتجارية تصويراً حسناً وما يحتاج إليه المؤلف والمؤرخ والكاتب والأديب فإنه مما لا يستغني عنه العام والخاص نفعنا الله بعلم مؤلفه وأكثر بين أبناء الأمة العربية من أمثاله المحققين المدققين. بغداد إبراهيم حلمي العمر في ديار الغرب سويسرا الوطنية والجيش قالت العرب احرص على الموت توهب لك الحياة وقال المتأخرون من أراد السلم فليكن أبداً على استعداد للحرب وهاتان القاعدتان جرت عليهما سويسرا فمن يظن أن هذه الأمة التي تعيش بمعزل عن الدول وليست لها سياسة خارجية واستقلالها مضمون باتفاق الدول العظمى تتمرن ليلها ونهارها على الأعمال الحربية وكلها مسلحة وكلها محاربة عند الاقتضاء وتستطيع عند أول صرخة أن تجهز ١٨٠ ألفاً من الجند الذين يحسنون الرماية كأحسن أهلها ويعلمون عما يدافعون ويأتون إلى أي مكان من حدودهم في سرعة البخار ثم يستطيعون أن يجهزوا ١٤٠ ألفاً من الدرجة الثانية ومثل هذا العدد في الدرجة الثالثة وتجهيزاتهم ليست على الورق بل عددهم وعددهم حقيقة لا شائبة فيها كأعمالهم. قسم السويسريون الخدمة العسكرية إلى عدة أدوار حتى لا تثقل عليهم وينقطعوا بتاتاً عن أعمالهم وبيوتهم ويخففوا عن أمتهم نفقة إطعامهم وإيوائهم فبلاً من أن يقضي الشاب سنتين أو ثلاث سنين تحت السلاح كما هو عند معظم الأمم لا يبقون في الخدمة إلا أشهراً معدودة في السنة الأولى ولكن المرء يبقى جندياً من العشرين إلى الأربعين ويدعى لحمل السلاح والتعلم في مواعيد مختلفة قد لا تتجاوز إلا ربع السنين وتكون عنده بندقيته يتعلم فيها في بيته وحقله ولا يستعملها إلا لهذا الغرض والولد منذ المدرسة الابتدائية إلى المدرسة العليا إلى الكلية يتعلم التعليم العسكري وهو تحت ملاحظة الضباط الذين يأتون أحياناً للتحقيق عن أمره والإشراف على رمايته وفحص سلاحه الذي تعطيه إياه الحكومة ومن خالف ذلك يعاقب بأشد العقوبات وهيهات أن تجد مخالفاً. سويسرا الحديثة ليست محاربة ولا تثير بينها وبين جاراتها أسباب النزاع لأن قلة عددها بين أمم كبرى لا يجعل الحرب من مصلحتها ولذلك فاستعداد السويسري للطوارئ وتمرينه على الحرب ووطنيته المشتعلة وفكره الشعبي ليست إلى عداء وحب فتح بل للدفاع عن كيانه فسويسرا كل سنة تعطي منحة لمكتب السلام في برن ولكنها باليد الأخرى تبتاع السلاح الجديد وتجهز جيشها بكل ما تقدر عليه من القوة وتزيد في ميزانيتها البرية سنة عن سنة لم يمنعها الحياد أن تعمد على الطرق العملية كسائر أعمالها في فروع الحياة لأن أرضها لا تحمى إلا إذا كانت على حال الدفاع بحيث يحترمها جيرانها وب ١ لك تحفظ استقلالها لا بمجرد العهود التي تدار بالأرجل عند ثوران الغضب وهيجان النفوس للفتح وجر المغانم. سويسرا لا تريد أن تكون طعمة سهلة لكل آكل ولا تخاف في الأغلب أن تداهمها فرنسا من الغرب والنمسا من الشرق بل تحاذر في الأكثر من الشمال تخاف عادية ألمانيا وأن تضمها هذه ذات يوم بالقوة إلى أرضها كما فعلت بمقاطعة شلشويق هولستاين وهانوفر وهيس وفرانكفورت والألزاس واللورين وأخوف ما تخاف من عادية إيطاليا من الجنوب ولذلك تقيم على الشمال معظم جيشها وعلى الجنوب المعاقل المدهشة ومنها معقل غوتار والسمبلون فإن كان السويسريون يحمون بلادهم ويفادون بالرجال والمال للذب عن حياضها فذلك لأنهم يحبونها حباً يمازج أجزاء نفوسهم ولا شيء أحسن وأضمن للتعلق بالوطن من الاستقلال وحكم المرء نفسه بنفسه. قال أحدهم إن سويسرا ليست من البلاد التي تبقى لضرورة في بقائها كإنكلترا وإسبانيا بل إنها لم تبقى إلا لأن السويسريون يريدون بقائها نعم إن الإرادة وحب الحريات السياسية من القوى ولكنها ليست كلها جماع القوى فإن سويسرا لم تتألف عرضاً ولإرادة المتعاقدين المتحدين من أبنائها بل إنها اجتمعت لاتفاقها في العواطف والروح وبما لها من التقاليد المتماثلة والماضي والمجد الذي يتجسم كل حين باسمغليوم تل بطلها القديم. وغليوم تل هو أحد رجال الثورة الذين أنقذوا سويسرا منربقة النمسا سنة ١٣٠٧ م وذلك أن عامل الإمبراطور النمساوي كان علق قبعة الدوج على رأس خشبة في الساحة العامة في التورف وأراد أن يذل السويسريون بأن يسلموا على القبعة كلما مروا بها فأبى أن يخضع غليوم تل لهذه المذلة فاستدعاه الوالي النمساوي ولما عرف أنه من الرماة الماهرين بالقوس والنشاب حكم عليه جزاء إبائه أن يضرب سهماً على تفاحة وضعها الوالي على رأس أبن غليوم تل فلم يسع هذا إلا أن ألقى سهمه فأصاب التفاحة ولم يصب ابنه بسوء ولما سأله الوالي لماذا أعد سهمين فقال له الواحد للتفاحة والآخر لك وعندها نادى بالثارات سويسرا وكان بذلك خلاص البلاد من حكم النمساويين في أوقات مختلفة كان يكتب فيها النصر للسويسريون لأنهم مدافعون لا مهاجمون. غليوم تل نصبت له التماثيل الكثيرة اليوم في بلاد سويسرا فهو مثل غاريبالدي في إيطاليا أحيا أمته بشجاعته ومن أجل هذا التاريخ المعنعن بالواقع لا ترى السويسريين سواء ممن كانوا يتكلمون الألمانية وهم الأكثرية أو الإفرنسية أو الإيطالية أو الرومانشية تحدثهم نفوسهم أن ينضموا إلى أبناء جنسهم بل إنك ترى السويسري وأبناءه وأحفاده وأحفاد أحفاده تغربوا في إيطاليا وألمانيا والنمسا وفرنسا قرناً وأكثر ولا يزالون محافظين على تابعيتهم وقد عرض مرة على أحد علمائهم إدوار وود وكان باريزياً في موطنه فقط وسويسرياً بجنسيته أن يتجنس بالجنسية الفرنسوية لينتخب عضواً في المجمع العلمي مجمع الأربعين المخلدين فقالف والسذاجة طافحة من كلامه إنني أحب فرنسا وأسكن باريز ولكنني سويسري مات والدي ووالدتي في سويسرا وأنا لا أكون في المجمع العلمي. . هذه هي الوطنية السويسرية متأصلة في شغاف القلوب ولكنها ساذجة لا تتعمد الصياح ولا التظاهر ولا تجد داعياً للتبجح بها كل حين. وطنية السويسريين في صدورهم مكتومة لها أعياد وحفلات ومصانع وتذكارات تذكرهم الساعة بعد الساعة بما بذل أجدادهم من إهراق دمائهم في دفاعهم عن وطنهم وما يجب عليهم أن يقوموا به ليحفظوا هذا التراث الجميل النادر دع ما ينشره علماؤهم وأدباؤهم من المصنفات الممتعة التي كلها ترمي إلى تحبيب وطنهم إليهم وتلقن أبناءهم منذ نعومة أظفارهم التعليم الوطني في المدارس وتلامذة مدارسهم يتغنون في كل شارقة وبارقة بالقصائد الحماسية الوطنية التي نظمها الشاعر السويسري جوست أليفيه ويتلون الفترة بعد الفترة ما وصف الشاعر الكاتب أوجين رامبرت طبيعة سويسرا وجبالها وأوديتها وبحيراتها فيزيد هيامهم بأرضهم. السويسريون لا يقنعون أن يحبوا بلادهم حباً مجرداً بل يزورونها بعناية واهتمام وعدد من يرحل منهم صيفاً وشتاءً ٢٢ % في المئة من مجموع السياح القادمين إلى سويسرا ينتقلون في جبالها وأوديتها وترى العامي منهم إذا اجتاز أرضاً لم يعرفها بعد يقف في القطار مأخوذاً بما يمر به منا الأصقاع بحيث لا يفوته منها جميل وإذا ذهبت إلى القرى أتاك بعض من أهلها بدون طلب منك وحدثوك عما تجب زيارته من المحال البديعة في جوارهم فالسويسريون معجبون ببلادهم وحق لهم العجب وربما كانوا أكثر الأمم المجاورة في طربهم بما خصت به جبال الألب من المحاسن التي تخلب الألباب. اشتهر السويسريون منذ عهد غليوم تل أنهم في مقدمة الرماة في أوروبا لأن بلادهم تستلزم ذلك ولا تكون حربها بالنظر إلى جبالها إلا مناوشة وكميناً فترى في كل قرية جمعية للرمي وتقام له الأعياد وكل سويسري في سن العسكرية فلاحاً كان أو ساكن المدينة يصرف مع رفقته يوم الأحد ساعات طويلة في التدرب على الرماية وفي كل بيت بندقية أو عدة بنادق لشبان سويسرا يعدونها ليدفعوا بها عن أنفسهم وبلادهم كأنهم لا يزالون في عهد الإقطاعات يكلف فيها كل واحد بحماية نفسه وأسرته ولكن هذا شأن الأمة المسلحة بسلاحين سلاح القوة المادية وسلاح القوة المعنوية العلمية التي لم تكن في القرون الوسطى. ضباطهم يخرجون من الجيش مباشرة ثم يتعلمون التعليم الحربي وأكثره عملي في الغالب وهم في الأكثر من أبناء الفلاحين يعاشرون الأفراد ويواكلونهم وطعام الجنود من أحسن ما يعهد لهم مطابخ تنتقل معهم في المناورات فتراهم في كل وقت يتناولون الطعام الصحي الفاخر الذي لا يوجد إلا في المدن وفي حال التوطن والرفاهية وجنديهم يقبض كل يوم ٨٠ سنتيماً في المشاة وفرنكاً في الفرسان وهو أحسن راتب يقبضه جندي في جميع أمم أوروبا لأن هذه عجزت عن إطعامهم وإلباسهم لكثرتهم بدون فائدة دع إدرار النفقة عليهم ولا يبتعد عن أهله من الجند إلا من دخل في جيش الفرسان فالسويسري سعيد في كل حال من أحواله مرتب في حله وترحاله ممتع باستقلاله ناهض في عامة أعماله ولذلك لا تراه يشكو شيئاً على نحو ما يشكو ابن البلاد الراقية الأخرى الذي يرزح تحت أثقال المغارم والمظالم لينفق على بحريته وبريته قال لي كثيرون نحن سعداء في بلادنا فكنت أقول لهم بارك الله بسعادتكم التي أحرزتموها بجدكم ورزق شرقنا المسكين بعض ما أنتم فيه إنه كريم جواد. سويسرا المذاهب والقوميات واللغات الدين واللسان من جملة المظاهر المهمة التي تدل على روح شعب وقد كان لهما في الأرض السويسرية بفضل التسامح والاتحاد ومراعاة حرية الغير مشاكل في الماضي ولكنها اليوم قد انحلت صعوباتها وتعبدت عقباتها وكان الدين ثم اللسان شعار الوطن الأصغر ثم امتزج أهل كل دين وأهل كل لسان امتزاجاً في البلاد فلم ينشأ في سويسرا مشاكل تذكر كما نشأ في بعض البلاد التي تنازعتها البرتستانتية والكاثوليكية أو الأرثوذكسية والإسرائيلية أو مذهب أهل السنة والشيعة في الإسلام. المذهبان السائدان في سويسرا هما البرتستانتية والكاثوليكية ولما انتشر المذهب البروتستانتي في القرنين السادس عشر والسابع عشر على يد دعاة من أبناء البلاد أخذت كل مقاطعة تجعل مذهباً رسمياً وإجبارياً وتدعو إليه في أرضها وتحتم على الأهلين حضور الصلاة به وإن كان لا ينتحل هذا المذهب وهو شيء من الشدة نشأ للسويسريين بانتشار المذهب البرتستانتي ثم أخذت المدنية تعدل من شدته والبروتستانت أكثر عدداً من الكاثوليك بقليل. قال دوزا إذا كان الدين يؤثر احياناً أثراً ظاهراً في روح أمة فإن الشعب يكيف الدين على صورته مع توالي الأيام والأمر الثاني ظاهر في سويسرا وإن لم تكن تخلو من الأول ولا جدال بأن المقاطعات الكاثوليكية بمجموعها أكثر انحطاطاً من المقاطعات البروتستانتية والأنحاء الأقل نظافة هي كاثوليكية أيضاً والمقاطعات الكاثوليكية هي التي احتفظت بالأكثر بلهجاتها وإن فكر حرية البحث الذي دعت إليه البروتستانتية قد أثمر وأينع فإن التعليم العام في البلاد البرتستانتية أكثر انتشاراً مما هو في غيرها وأفكار التسامح مقبولة فيها بسرعة ورجال المذهب البروتستانتي قلما يعنون بالسياسة وليست هذه الفروق مهمة فإن تأثير عقل الأمة في المذهبين هو أشد ظهوراً. السويسري متدين حق التدين ولكن دينه في قلبه وهو لا يحفل على الجملة بالظواهر ولذلك ناسبت البروتستانتية مزاجه وللقيام بالفروض الدينية منزلة من حياة السويسري المنظمة كما للأعمال الدنيوية كذلك فتراه يذهب صباح الأحد إلى الكنيسة كما يذهب في المساء إلى القهوة بكل رزانة وتماسك أو كما يذهب إلى عمله خلال أيام الأسبوع والرجال والنساء يحضرون في القرى والمدن في البيع لسماع القداديس أو المواعظ وربما كان النساء أكثر عدداً في الكنائس الكاثوليكية كما لحظت من الحضور في بعض الكنائس لوزان الكبرى ولكن الكنيسة البروتستانتية مع هذا تغص بالمستمعين والعابدين الراكعين وكلهم يستمعون باحترام لما يلقى عليهم من المواعظ. ذكرت الفروض الواجبة نحو الخالق في جميع البرامج المدرسية ومعظم المدارس تقيم الصلوات وليس لرجال المذهب البروتستانتي في سويسرا ارتباط بسلطة خارجية وكذلك أهل المذهب الكاثوليكي ليس لهم أساقفة ورؤساء عظام بل إن كل واحد مرتبط بالمقام البابوي ارتباطاً خفيفاً لا يشبه ارتباط سائر البلاد الكاثوليكية في أوربا وآسيا وأميركا وأفريقية مثلاً فالسويسريون غلاة في حب الاستقلال في كل شيء حتى أن رهبانهم وقساوستهم يلبسون لباساً يخالف ألبسة غيرهم في الأمم الأخرى ونرى الكل متشابهين متقاربين مما يذكر أن سويسرا كانت في القرون الوسطى مهد التسامح وإن وقع لها في القرن التاسع عشر أن نشبت فيها حرب دينية من أجل القانون الذي وافقت عليه الأكثرية بنفي الرهبنات من سويسرا في حين لم تنشب في أوربا حرب دينية في ذاك القرن ومع ذلك تجد جنيف ببرتستانيتها وفيبورغ كذلك في تمسكها بكثلكتها كأنهما رومية بكاثوليكيتها ولم تمض على هذه الحرب خمس وعشرون سنة بفضل تلقين المدارس فكر التسامح حتى أصبحت سويسرا أكثر بلاد أوربا تعلقاً بحرية الوجدان والعبادة على صورة منظمة حرة لا مثيل لها. اعتبرت سويسرا حتى اليوم الكنيسة إدارة من إدارات الحكومة هذا مع أن الحياة الدينية فيها مادة من مواد الحياة العامة فجعل الأديان تحت سلطة الحكومة مثل المصارف والسكك الحديدية ولكل مقاطعة قانونها الأكليركي الذي تنظر فيه السلطة التشريعية وتقر عليه أو تعدل منه مطلقة الحرية تحت بعض شروط يقتضيها الدستور السويسري من مثل حرية الوجدان وحرية التدين وغير ذلك ورؤساء الدين بحسب المقاطعة بروتستانتاً كانوا أم كاثوليكاً تدفع لهم الحكومة رواتب تستوفيها من أهل هذه المذاهب وللحكومة حق التدخل في مسائل العبادة والطقوس وإذا أرادت فيكون القول الفصل في بعض المسائل لمجلس الأمة وتدخل الكنيسة البروتستانتية في أعمال الحكومة غير محسوس في سويسرا الألمانية البروتستانتية مثل ما هو في سويسرا الكاثوليكية الفرنسوية وغيرها. وبعد حرب سوند بربوند اتهم اليسوعيون بأنهم أوقدوا الفتنة الدينية في البلاد السويسرية فطردوا منها وقد حظر عليهم دستور سنة ١٧٤٨ الدخول إلى سويسرا بيد أنهم دخلوا في الحقيقة على فريبورغ بعد عشر سنين ومدرسة اللاهوت في هذ المدينة يديرها الدومنيكيون في الظاهر ولكنها بيد اليسوعيين في الواقع ولاهوتها هو اللاهوت اليسوعي دع من هناك من الرهبان الذين طردوا من فرنسا وجاؤوا فريبورغ وغيرها من بلاد الكثلكة السويسرية يعلمون ويعظون ولمعظم الكليات السويسرية صفة دينية ظاهرة عليها فإذا كانت كلية فريبورغ كاثوليكية محضة فكلية لوزان وكلية جنيف برتستانتيتان. هذا إجمال ما يقال في المذاهب في هذه البلاد أما القوميات أو الجنسيات أو العناصر المتألفة منها فإن نصف سويسرا روماني أو لاتيني والنصف الآخر جرماني وربما كان العراك بين هذين العنصرين على صورة لم يعرف بها في بلد آخر في أوربا منذ أوائل القرون الوسطى واختلط العنصر اللاتيني بالجرماني وعلى العكس اختلاطاً كبيراً ومن السويسريين الفرنسويين من تألمنوا أي أصبحوا ألماناً بلسانهم على طول الزمن ومن الألمانيين من تفرنسوا ويكاد لا يتجاوز اللاتينيون أي الفرنسيس والطليان والرومانش في سويسرا مليوناً ومائتي ألف وبقية الأربعة ملايين هم ألمان عاشوا حتى اليوم بحرية تامة في استعمال ألسنتهم بفضل استقلال المقاطعات وعدم المركزية وربما كان الألمان أكثر توسعاً في البلاد وهم الرابحون في التبسط في ربوعها على الزمن حتى أصبح اللسان الفرنساوي خاصاً بغرب البلاد والرومانشي بشرقها والإيطالي بجنوبها والألماني بشمالها ويقدرون عدد الألمان المهاجرين إلى المقاطعات الفرنساوية بمئة ألف وعدد الفرنسيس المهاجرين إلى المقاطعات الألمانية بخمسين ألفاً. ولم تعترف الحكومة رسمياً بلغة الرومانش كما اعتبرت الألمانية والإفرنسية والإيطالية وكتبت معظم الأوراق الرسمية بهذه اللغات الثلاث وذلك لأن المتكلمين بها قلائل ولأنها أشبه بلهجة خاصة لا أدبيات لها وأهلها يتزوجون بالألمان ويختلطون بهم وكل سنة يخف عدد المتكلمين بلسانهم وربما كان الرومانشيون مثال مملكة أضاعت لغتها على التدريج بدون أن تضيع استقلالها أضاعت لغتها واندمجت في غيرها على خلاف الطليان وعددهم في سويسرا اللاتينية زهاء ٢٣٠ ألفاً فإنهم احتفظوا بعنصريتهم لأنهم احتفظوا بلغتهم واحتفظوا بلغتهم لأن لها آداباً خلافاً للرومانشية. ومسألة الألسن غريبة في سويسرا لا تؤثر في الأمور الإدارية لأن حقوق الأقلية مصونة كحقوق الأكثرية ومن أعجب الأمور أن اللسان في سويسرا وإن كان من مواد الوطنية المحلية فليس شارة من شارات الوطنية الجامعة واختلاف الألسن ليس من العوائق في إدماج السويسريين في قالب الأخلاق وليس في اللسان أدنى مادة من مواد الانفصال فالسويسري الفرنساوي في مقاطعتي ألفو ونوشاتل لا يريد ان يصبح فرنسياً بتابعيته وكذلك السويسري الإيطالي لا يحب بوجه من الوجوه أن ينضم إل ى إيطاليا ومثله ألماني مقاطعات شافوز وتوركوفي وسان غال لا يريد أن ينضم إلى ألمانيا. ولولا أحوال نادرة لصح أن يقال أن سويسرا في جميع أدوار التاريخ قد نالت أعظم الحرية في استعمال اللغات في جميع الأعمال الخاصة والعامة أما اليوم فإن الحرية موجودة مبدئياً ولكن احترام حقوق الأكثرية والأقلية على أسلوب معقول تحت نظارة جمعيات تتولى النظر في مسائل اللغات المحلية وانتشارها وتدافع عن حقوق الأكثرية ولا تغمط حقوق الأقلية في كل بلد يسبق غيره في عدد المتكلمين بلغة دون أخرى وكانت كتابة جميع الرسميات والعموميات بعدة لغات في القديم للإفهام والتفهيم أما اليوم فإنه يراعى بما يكتب حق السواد الأعظم. اللغة الرسمية في كل ناحية هي لغة أكثرية السكان وبهذه اللغة تكتب مداولات المجالس البلدية والأعمال الإدارية التي تعلق ليقرأها الجمهور وبها تكتب أسماء الشوارع والمصانع ويدرس في المدارس ويلقى الوعظ أو القداس في الكنائس ومن النواحي من اختارت برضاها التساهل مع أهل اللغة الأخرى في بعض هذه المسائل كأن تترك مقاطعة المدينة اللغة الإفرنسية تجعل لسان التدريس فس مدرستها أو أن سكان مقاطعة رومانشية يقدس لهم بالألمانية وللمنتخبين في المقاطعات المختلفة أن يتكلموا بإحدى اللغتين كما يشاؤن في جميع المداولات وتكتب الإعلانات وغيرها باللغتين وإذا بلغت الأقلية العدد الكافي تكون لها مدرسة بلغتها وكنيسة تعظ وتقدس بلسانها وفي الكتابات الخاصة وعناوين الدكاكين تركت للناس حريتهم وما يسري على الناحية يسري على المديرية حذو القذة بالقذة أي تكون اللغة الرسمية لغة الأكثرية والأقلية لا تحرم من حق التفاهم. ويطلب إلى الموظفين في جميع المقاطعات المختلفة معرفة لغتين وتكثر فيها الإعلانات وأسماء الأماكن باللغتين ويقبل استعمال اللغتين في المجالس وعمال السكك الحديدية يبدأون في كل مقاطعة بلغة البلاد في مخاطبة الركاب ثم يثنون ويثلثون إذا اقتضى الحال بغيرها وجميع القطارات تكتب عليها اللغات الثلاث إلا الإيطالية فإنها تنقص من بعض القطارات التي تمر قليلاً في البلاد الإيطالية والسويسرية وللغتين الألمانية والإفرنسية المساواة التامة تكتب جميع أسماء المحطات وغيرها بهما ويجعل التقدم للغة البلدة الشائعة. وفي سويسرا سبع كليات منها ما يدرس بالألمانية ومنها بالإفرنسية وفي بعضها دروس مختلفة باللغتين فكلية بال التي أنشئت سنة ١٤٦٠ تدرس بالألمانية وكذلك كلية زوريخ التي أنشئت ١٨٣٣ وكلية برن التي أنشئت سنة ١٨٣٤ أما كلية جنيف التي أسست سنة ١٨٧٣ وكلية لوزان المؤسسة سنة ١٨٩٠ وكلية نوشاتل التي تمت سنة ١٩٠٩ وكلية فريبورغ التي قامت سنة ١٨٨٩ فإنها تدرس بالإفرنسية وفي كلية فريبورغ عدة دروس مختلطة بين اللغتين. أعضاء مجلس الاتحاد السويسري سبعة ومنهم رئيس الجمهورية خمسة منهم ألمان واثنان فرنسويان وقراراتهم تكتب باللغتين وفي سويسرا ثمانية فيالق اثنان فرنسويان وخمسة ألمان وواحد إيطالي ورومانشي ولغة التعليم في الفيلق الأخير الألمانية والإدارات الخاصة تتبع هذه القاعدة لإرضاء قرائها من ذلك أن نقابة أصحاب الفنادق في سويسرا الألمانية لم ترض أن تغير أسماء قوائم الطعام من الإفرنسية إلى الألمانية لأن معظم الداخلين إلى البلاد يفهمون الإفرنسية أكثر من الألمانية حتى أن الألمان أنفسهم يفضلون أن يرووا أسماء الألوان بالإفرنسية لاعتقادهم بأن المطبخ الفرنساوي هو خير المطابخ وألوانهم أجمل المآكل وكذلك ترى أصحاب الفنادق يصدرون جريدتهم باللغتين كل ذلك يدل على جوهر أخلاق السويسريين وإن المحافظة على حق أو على حرية ينبغي أن يكون على قدم المساواة. سويسرا بابل اللغات لأن فيها على صغرها منهن أربعاً وفي النمسا سبع وفي العثمانية سبع أمهات الآن ماعدا اللهجات ولكن سويسرا والنمسا حلتا هذه المسألة الحل المعقول العادل فهل نوفق نحن إلى حلها كذلك والعرب هم السواد الأعظم وقد أمرنا باتباع الأكثرية وللغتهم ميزات ليست لغيرها والأمم الدستورية تراعى فيها قبل كل شيء حقوق الأكثرية. سويسرا كيف تجلب الغريب كانت بعض البقاع في سويسرا منذ نحو ثلاثين سنة من أفقر بلاد أوربا فبفضل ما أنشئ فيها من الفنادق وبذل من المساعي لاستجلاب رضى السياح والمصطافين والمشتين اغتنت تلك الأصقاع وأصبحت سويسرا وجل اعتمادها على القادمين إليها من أقطار الأرض حتى لقبوها فندق أوربا ولكن هذا اللقب وهذه الثروة التي يبذرها فيها الأجانب لم تحصلها عن عبث فإن علم جلب الغرباء وإمساكهم وحملهم على العودة ثانية بكمية أوفر قد أصبح في سويسرا علماً حقيقياً له أساليبه وقوانينه وإحصاآته وجرائده ومنشوراته المنوعة الظريفة وكلها متناسقة متساوقة كآلة الساعة وقد علمت السويسريين التجارب أن السائح يستمال بست قواعد من أحسن استخدامها اغتنى وأفاد واستفاد. القاعدة الأولى: أن يزرع المرء كثيراً ليحصد أكثر فقد جعل السويسريون لنشر الإعلانات بالكلام والصور المقام الأول ما عدا إعلانات المحطات والمنشورات المصورة وغيرها من المقالات التي تدفع عليها الأجور الباهظة أحياناًُ في صحف سويسرا وغيرها والمقصود منها الإعلان وكل إدارة وكل نقابة توزع منشوراتها مجاناً وكثيراً ما تكون كبيرة الحجم يحتاج طبعها لمال كثير وعناية تامة من استجادة الورق والصور والجلود وفيها من كل شيء أطيبه بحيث تستدعي النظر إليها ولو بعد مدة وتنفق على ذلك كله نفقات هائلة ولكن الثمرات التي تعود منها قد قدرت بثلاثة أضعاف أو أربعة. القاعدة الثانية: جميع تراكيب هذه الآلة متضامنة ولا تنافس بينها وهذه قاعدة اقتصادية مهمة وهو أن كل صاحب فندق لا تحدثه نفسه أن يحتكر جميع السياح بل يهتم لإنجاح المدينة أولاً ثم الناحية وأرباضها أو النجاح العام وهذا لا يتم إلا بالتضامن بين أبناء هذه الحرفة فيشترك مثلاً جميع أرباب الفنادق في بقعة ليعملوا عملاً يسر جمهور النازلين في فنادقهم وإنزالهم ويجلبوا السرور والراحة لهم على السواء ومثل ذلك التضامن نراه على أتمه أيضاً بين الإدارات والشركات المختلفة لا تحاسد بينها ولا تعاير في المصلحة قد ألف معظم أرباب الفنادق نقابات لهم فتألفوا مديرية أولاً ثم تألفت المديريات كلها نقابة واحدة آخراً فأصبحت فنادق سويسرا كالبنيان المرصوص ومثل ذلك أصبحت بعض القهاوي ومحال السماع ومحال إعطاء التعليمات وشركات التضامن نقابة خاصة يأتون كل ذلك على شرط أن يرضى السائح ويرتاح. القاعدة الثالثة: أن تراعى حال جميع الطبقات بحيث يرضى كل سائح بالمعاملة التي يراها وذلك لأن سويسرا أدركت أن الرحلات اليوم قد أصبحت ديمقراطية أيضاً وإن المتوسط غناهم هم أكثر من الأغنياء أرباب اليسار بل هم أخلص وأشرف وعلموا بالإحصاء أن واحداًً فقط في المائة من السياح الذين يصطافون أو يشتون في بلادهم يركب في الدرجة الأولى في السكك الحديدية و ٨٥ في الدرجة الثالثة ولركاب هذه الدرجة ميزانية مقررة إذا فصدوا كثيراً في مادياتهم لا يعاودون رؤية تلك البلاد وفي سويسرا فنادق وإنزال على اختلاف أذواق الناس واقتدارهم فمن أراد الرفاهية يدفع ثمنها في قصور هي أحسن من قصور الملوك ومن أحب التوسط كان له ما أراد وكذلك من أحب أقل من التوسط وإني لم أسمع بأن إنساناً يمكن في أوربا أن يأكل ويشرب وينام بفرنكين وهذا ما أعلن عنه مؤخراً إحدى البيوت التي تنزل الأضياف عليها في لوزان القاعدة الرابعة: النظر أبداً إلى راحة السائح وإظهار العناية بأمره فقد عني السويسريون أن يسهلوا جميع مصاعب السفر على المسافر فيرى هذا أهم اللغات الأوربية الرئيسية يتكلم بها في المحطات والفنادق والمخازن الخ والبريد من أسهل ما يمكن وفي زهاء ١٠٧ مدينة وبلد من سويسرا مكاتب للاستعلامات للغريب والقريب يسأل الإنسان فيها عما يشاء مجاناً وقد نظمت بمعرفة الشركات المحلية ولا عمل لعمال هذه المكاتب إلا أن يجيبوا الناس عما يسألون من الصباح وإلى المساء والشعب يبدي العطف على الغريب والعناية بأمره فالسويسريون إذا لم يكونوا في رقة الطليان بالاحتفال بالغريب والأخذ بيده فيما لا يعلم ومرافقته مئات من الأمتار أحياناً لدلالته على طريق أو غيره فهم وسط في ذلك فإن الواحد منهم يشرح لك محل مقصدك بأوضح عبارة ممكنة وإذا شكرته لا يرى أنه يستحق الشكر. القاعدة الخامسة: أن يعرض كل شيء أمام السائح من دوت أن يعجز بمطالب مبرمة وذلك أن تصل إلى المحطة فلا تجد حمالاً بل أنت تصرخ حمال فيجيبك ولا تجد عاملاً من عمال الفنادق بل تجد لوحة موضوعة في مخرج المحطة فيها أسماء الفنادق في البلدة على اختلاف درجاتها ولا تجد حوذياً يريد أن يركبك في مركبته ولا سائقاً يريد أن يستاقك في سيارته بل أنت إذا طلبت واحداً منهم أتاك سريعاً بأدب أما وجود الشحاذين الذين يطلبون صدقة كما تشاهد في إيطاليا فهذا لا أثر له لأن الشحاذة ممنوعة هنا أكثر من فرنسا ولا تجد أحداً يتعرض لك لابتياع شيء منه وتحسين بضاعته بل تراها على اختلاف أنواعها معروضة في الزجاج وقد كتبت عليها أسعارها وهذه أخصر طريقة وأشرفها في قاعدة العرض والطلب وهكذا بائع المرطبات والمشروبات يكتب عليها أسعارها ويجلس في المحطات بحيث تراه ولا يسألك شيئاً. القاعدة السادسة: إرضاء جميع الأذواق والحاجات حتى الغريب منها واجتناب ما يكدر وإذا وقع خلاف فيراعى ذوق الأكثرية. ولأجل استمالة قلوب السياح عني السويسريون بحسن الانتفاع من بلادهم من كل وجه وضاعفوا المسليات والمفرحات فتقرأ في نشراتهم التي يستولون بها على عقل الغريب ما يشير إلى أن في بقعتهم ما يرضي جميع المشارب والأمزجة من أرباب الصفاء إلى طلاب الخلاء إلى المولعين بالألعاب الرياضية إلى الراغبين في التصعيد في جبال الألب إلى من يريدون التسلي إلى من يرغبون في التعليم إلى من يؤثرون الوحدة إلى المصورين والطبيعيين والأثريين وكل واحد يخاطبونه بما يشتهي ويدلونه على ما يهمه. نعم وفروا الراحة لجميع الأذواق وقاموا بما يرضي الأرواح والأشباح فترى أوقات الأطباء معينة مذكوراً إلى جانبها أوقات القداديس والمواعظ وعنوان الطبيب مع عنوان الكاهن أو الواعظ. ولا يأتون ما تشمئز منه نفس السائح حتى إن دفن الموتى لا يجري في أوقات الصيف إلا قبل الشمس حتى لا يقع نظر السائح على مار بما تشمئز منه نفسه فيذكر الموت في بلاد لا يجب أن يكون فيها إلا الصفاء والرخاء. وكثير من هذه الأعمال تقوم بها شركات لان فكر الاشتراك منتشر للغاية عند السويسريين فمن شركاتهم شركة المنتدى الأدبي السويسري وهذه عنيت بتربية الأدلة وتعليمهم يصعدوا مع السياح في جبال الألب وقد فتحت لتعليمهم ثلاث مدارس في أهم البلاد الجبلية وضمنت لهم حياتهم بمبلغ يربو على ثلاثة مليارات وربع من الفرنكات وعددهم نحو ٩٠٠ يدفع لهم المنتدى في السنة نحو نصف التقاسيط وهناك شركات لا تحصى في كل مديرية لتحبيب البلاد إلى الأمم ونشر ما ينبغي عنها من مالهم وربما أهان بعضها المجالس البلدية على تحسين حالة البلد أو القرية إذا كان هناك نقص يجب تداركه لاستجلاب رضا الغريب فكان من اثر هذه الجمعيات تكثير سواد القادمين على السويسريين سنة عن سنة. والحكومة لم تدخر وسعاً في هذا السبيل فبذلت الأموال عن سعة في المدن والدساكر فتحت الشوارع الجميلة وجملت الأرض وعبدت الأرصفة الفسيحة وأنشأت المتنزهات الظليلة والحدائق العامة وأقامت فيها المقاعد الكثيرة ليجلس عليها من أحب وأدخلت الكم باء إلى كل مكان وكذلك التلفون والمياه الطاهرة النقية وأقيمت القهاوي المهمة في جميع المحال التي يلحظ إن المسافر يقصدها. قد اعد السويسريون جميع الألعاب الرياضية التي يحبها الانكليز كالتينس والفوت بول وغيرها دع أيام الشتاء التزحلق والتدحرج في الثلج (لالوج والسكي والباتناج). عادات أولع الغربيون بها تقليداً للانكليز وكل سنة يموت في خلالها من المرتاضين المئة والمئتاناومع هذا ترى النساء والرجال يرتاضون هذه الرياضة الخطرة ويزيد عددهم سنة عن أخرى. وبذلك كثر ترداد الناس إلى سويسرا في الشتاء ولا سيما الانكليز والاميركان. ويقدر عدد من يقصد سويسرا كل سنة بزهاء مليوني نسمة فإذا فرض أن كل واحد ينفق عشرين ليرة فيكون المجموع أربعين مليوناً تأخذها سويسرا في أشهر معدودة من السنة من الألماني والانكليزي والروسي والنمساوي والمجري والفرنساوي والايطالي والاسبانيولي والبرتغالي واليوناني والمصري والهولندي والأميركاني والبلجيكي والسكاندينافي وغيره وللألمان المقام الأول في كثرة العدد وهم يؤثرون النزول في البيوت لرخص العيش فيها. ويقدرون عدد الفنادق الكبرى بزهاء ألفي فندق في سويسرا كلها من الطراز الأول والثاني أما الفنادق البسيطة والبيوت فهذه أكثر من إن تعد وما وصلت هذه الصناعة في إقراء الضيوف إلى هذا من الارتقاء إلا بالثبات والعمل والتفنن والعلم حتى أصبح السويسري معلماً للأمم في صناعة الفنادق وكثير من مدن أوروبا وحماماتها المدنية ومتنزهاتها البحرية بيد أناس من السويسريين. ويقدرون عدد السرر الموجودة على الدوام في هذه الفنادق بنحو مئة وثلاثين ألف سرير وعشرة آلاف سرير احتياطية وما برحت شركة الفنادق السويسرية منذ أسست سنة ١٨٨٢ وهي تتفنن في خدمة الفنادق والإنزال واستجلاب أنظار العالم المتمدن ولها جريدتان لبث أفكارها توزعها مجاناً دع المنشورات والكراسات والكتب التي لا تقصر في توزيعها ومما أنشأته مدرسة لتعليم صناعة الفنادق يتعلم فيها مدير الفندق تعليماً على أسلوب معقول وذلك لان ضرورة المباراة وحاجات الزبن وصعوبة الحياة الحديثة تجعل صناعته مشكلة يوماً بعد آخر ولذلك أحدثوا مدرسة داخلية في ضواحي لوزان واسعة الأطراف مطلة على البحيرة وفيها مجال للألعاب الرياضية وجعلتها داخلية وشددت قانونها فقضت بان ينام طلبتها في الساعة العاشرة وتطفأ المصابيح ويمتنع فيها جميع أنواع اللعب بالورق والقمار ومنعت التدخين والخروج بدون رخصة وان يذهب الواحد إلى غرفته حتى في النهار بدون ترخيص وان يختلف إلى الأماكن العامة وأجرة المدرسة أو ثمن الأكل فيها فقط ١٣٠ فرنكاً في الشهر لابن سويسرا و ١٥٠ للغريب. ومدة الدراسة ثمانية أشهر ويسأل فيها الطالب في الأكثر في اللغات الحية ويجب أن يكون سنه من ١٦ إلى ١٨ وتدرس في هذه المدرسة الفرنسوية والانكليزية والألمانية والايطالية والحساب والجغرافيا (الجغرافيا العامة وجغرافيا طرق المواصلات) وتاريخ سويسرا والتعليم الوطني وحسن الخط والحساب (أصول معاملة الفنادق والمعاملات التجارية على أصول الدفاتر) ومعرفة الحاصلات ونظريات في الخدمة ودروس في التنظيم وحسن الهندام وتقديم الطعام وحفظ الصحة والرياضة البدنية والألعاب والرقص وبعد أن ظهرت فوائد هذه المدرسة أنشئت عدة مدارس في سويسرا كلها للوفاء بهذا الغرض ولكن الظاهر أن مدرسة لوزان ارقأها. وأنشأت شركة الفنادق تعلم أناساً فن الطبخ وعهدت إلى الخبراء يمتحنون من يريد الدخول في هذه الصناعة بعد أن ينال شهادة منهم بتقدمه فيها. ويقدرون رؤوس الأموال التي وضعتها الفنادق نحو ثمانمائة مليون فرنك وما برحت على ازدياد وأرباحها كذلك في اعتدال لان السويسري يرضى بالربح القليل جرياً على ما تستلزمه القاعدة الاقتصادية. وتختلف أجور الفنادق فمنها ما يدفع فيه الواحد في اليوم مائتي فرنك منها ما يأكل فيه وينام كل يوم بأربعة فرنكات وكل على حسبه ويقدرون عدد المستخدمين في الفنادق بزهاء خمسة وثلاثين ألفاً معظمهم من النساء وفيهم الغرباء يدفع إليهم ١٦ مليون فرنك عدا الحلاوين التي تقدر بثلاثة أضعاف هذا المبلغ ومن الصعب تقدير ما تربحه البلاد كلها من السياح والمعروف أن أرباحها من ذلك تجيء بعد أرباحها من صناعة الحرير والتطريز والساعات اللهم إلا إذا حسب من ينتفعون من الغريب بالواسطة فإن أرباح السياح يكون لها المنزلة الأولى وبها اغتنت سويسرا بعد أن كانت فقيرة. طول الخطوط الحديدية في سويسرا نحو خمسة آلاف كيلو متراي ١٣ كيلو متر في كل عشرة آلاف متر مربع وقدر ب ٩٥ مليوناً عدد من يتنقلون كل سنة على خطوطها ولها طريقة جميلة في إعطاء أوراق اشتراك فيدفع الواحد ٤٥ فرنكاً يأخذ بها ورقة في الدرجة الثالثة يركب بها أي قطار أحب مدة خمسة عشر يوماً ويدفع ٦٥ في الدرجة الثانية و ٩٠ للدرجة الأولى. هذا عدا الخطوط الكهربائية والخطوط الحديدية الجبلية والحوافل. ولسويسرا ١٢٠ سفينة تجارية في ١٧ بحيرة كبرى من بحيراتها تغدو وتروح في نقل الركاب تنقل زهاء ثمانية ملايين راكب في السنة وهي دائماً تنتظر القاطرات والقطارات تنتظرها. والبرد متصلة علائقها مع السكك الحديدية وفيها جميع أنواع الراحة للقريب ومراكز البرد وصناديقها كثيرة حتى لقد ذكرت أحدث الصحف مؤخراً ما مثاله: ينم عن ارتقاء الشعب كثرة مواصلاته البريدية وكثرة ما يبتاعه من الصابون وقد امتازت الدانيمرك بكثرة بردها فإن لكل ٢٣٤ ساكناً فيها صندوق بريد وفي سويسرا لكل ٢٨٦ نسمة صندوق ولكل ٣٢٠ في لوكسمبورغ صندوق ولكل ٤٢٤ ألمانياً صندوق ولكل ٤٧٢ فرنساوياً صندوق ثم تجيء النمسا فانكلترا فالبرتغال أما العثمانية فقد أحرزت الدرجة الأخيرة إذ ليس عندها غير صندوق واحد لكل ٦٩ ، ٣٠٠ عثماني!. هذا بعض ما عرفته عن سويسرا وما يأتيه الأفراد والحكومة لجلب السياح إليها حتى أصبحت فندق أوربا حقاً وصدقاً. سويسرا: تفننها في الإعلانات لا ترى في مدينة سويسرا نقصاً في فرع من فروعها وعمل من أعمالها فكل مخزن وكل دكان وكل إدارة وكل معمل وكل شارع وكل حي وكل دار وكل منزل صغير وكل دائرة وكل مدرسة بل وكل مستراح وكل شيء كتب عليه اسمه وعمله وما يجب للداخل إليه والمعاملة معه بحيث لا يحتاج الإنسان أن يسأل أحداً وربما إذا ترويت قليلاً بالنظر لوضوح هذه الكتابات تطوف سويسرا كلها وقلما تطلب من يدلك على من تقصده إذا كانت نمرة محله واسم شارعه في جيبك. خاصية غريبة قلما تجد مثلها حتى في كثير من البلدان الراقية. بل قد كتب على الأبواب الخاصة والعامة ادفع أو اقفل وكتب على المراحيض ارفع أو اخفض لتطهير المكان وكتب على بلاس الباب الرجاء مسح رجليك وكتب في المدارس إياك وإدخال عصاك أو مظلتك إلى الداخل وكتب على الصور والتماثيل ممنوع مس شيء وكتب على صناديق البريد تفتح ساعة كذا ودقيقة كذا ولو أردنا تعداد مثل ذلك لطال بنا المطال وسئم القراء تفاصيل لم يسمعوا بها ولا تخطر لهم في عالم الخيال. ومن يظن أن في دور البريد صناديق تدفع إليها ثمن الطابع كما هو في بعض بلاد أوربا الراقية فينزل إليك فتلصقه على كتابك وفي صناديق البيوت التي تعلق في دهليز الدار وتكون هذه مؤلفة على الأكثر من خمس أو ست طبقات كل طبقة شقتان أو مسكنان فيجيء الساعي ويضع كتب وجرائد كل منزل في صندوقه حتى إذا وضعها يطن جرس من داخل الصندوق فيسمع أهل المنزل فينزلون ويأخذون بريدهم كل ذلك تخفيفاً على من الحركة بدون لزوم وفي المخازن والمحال العامة صناديق للقبض والصرف لا تغلط في العد وتحصي على العامل ما أباعه في اليومه. ذكرنا هذا وإن كان بعضه لا يدخل في باب الإعلان الذي هو المقصود بهذه الجملة فقد بلغ التفنن بالإعلان في الغرب حداً من الارتقاء لا يكاد يوصف وأظن سويسرا إن لم تكن أرقى الغربيين في التفنن بعلانها فهي من أرقاهم بلا جدال وكفاها فخراً إنها لولا الإعلان عن بلادها ما استطاعت أن يكون لها هذا الغنى الدثر والسعادة الشاملة فعرفت الناس بقدر بلادها وجمال أصقاعها وربما أفرطت في ذلك أحياناً لمقتضى الوصف الشعري ولقد أطلعت على كثير من الكراسات التي توزعها مكاتب الاستعلانات مجاناً على طالبيها فما رأيت أكثر من مهارتهم في إيجاد المزايا لكل مدينة ولكل قرية ولكل طريق ولكل غابة في أرض سويسرا. وكل شيء هنا بالإعلانات إذا لم تقرأ صحفها لا تهتدي إلى ما تريد ابتياعه أو عمله وقد يكون لها جرائد خاصة بها اسمها جريدة إعلانات مقاطعة كذا ومنها ما يطبع الثلاثين والأربعين ألفاً في اليوم لا تكاد تخلو منها دار واشتراكها عشرة فرنكات في السنة تصدر في ثماني أو عشر ورقات من حجم جريدة المقتبس وكلها إعلانات إلا الصحيفة الأخيرة أو الصفحتان الأخريان ففيهما حوادث ونكات قد يكتفي الواحد بهما للوقوف على حركة بلاده على الأقل. وكل جريدة مرتبطة مع شركة إعلانات تبتاع منها قدراً معيناً من الصحيفة وهي تفتش لها على إعلانات تناسب سعة انتشارها ومكانتها. كنت أتلهى في الأحايين بقراءة بعض الإعلانات في الصحف لأعرف منها روح الشعب وحركة تجارته وعمله فكنت استغرب في الضحك عندما أقرأ السذاجة تغلب على إعلاناتهم والتفنن فيها اخذ آخذه من النيقة والعناية. فمنهم من يعلن عن ١٠٠ كيلو من الجبن من جنس كذا بثمن كذا ومنهم من يقول أن عنده رأسين من البقر عمرها كذا وهما يصلحان للذبح ومنهم من يقول يحب أن يبيع خمس نعاج عجفاء وآخر عشرين رأساً من الغنم وبعضهم يعلن عن لبنه وآخر عن زبته وآخر عن بيع عربته أو دراجته أو دثاره أو صندوقه أو ثيابه وآخر عن خنزيره الذي علفه وغيره عن حذائه الذي ما أتلفه. وتجد آخر خزانته وبعضهم عن سريره وبعضهم عن آلة موسيقاه أو محراثه أو منكاشه أو مجرفته أو حصادته وعصارته ومذراته وآلة تصويره وآلة خياطته وآلة حياكته وآخر عن كلبه. والصدق يغلب عليهم في إعلانهم عن متاعهم وآنيتهم وأدواتهم. أما التفنن في الإعلان عن الاستخدام وطلب عمل في مخزن أو حقل أو إدارة أو منزل ذكوراً كانوا أم إناثاً صغاراً أم كباراً فهذا مما بلغ الغاية التي لم يبق وراءها وراء فكل طالب وكل طالبة يضع شروطه ومزاياه وعمله وربما الأجرة التي يريدها بأخصر عبارة تستهوي القارئ وتستدعي الراغب فيه إلى مفاوضته ومخابرته على أسرع ما يمكن وكل يوم تقرأ إعلانات كثيرة في طلب حالب بقرات تبلغ عدد كذا في محل كذا بغجرة كذا ومستخدم لمخزن يعرف كذا وطاهية تحسن إدارة بيت فيه كذا من الأنفس وبواب لمحل كذا وسائس باجرة كذا وحوذي وسائق وراع كذلك وحراث ومجلد ووراق وسكاف ومطرزة وعاملة في معمل إلى غي ذلك من الأساليب التي لم يسمع بها الشرق وهي من اختراع الغرب لان الإعلان نشأ فيها ومنه نشأت الجرائد. الإعلان عن الحاجيات والكماليات لطيف ونافع ولكن ما كان يظن أن الغربيين أيضاً تساوى في طلب ذلك الرجال والنساء لأنهم يعتبرون الزواج وما يشبهه من الحاجات الطبيعية التي لا عيب فيها الأمر أنهم يعلنون عن ذلك بدون تسمية أسم الطالب والطالبة. وهذه الطريقة كانت البادئة بها فيما أظن جريدة الجورنال الباريزية ثم تبتعها على الأثر جرائد العالم وكان للسويسريين حظ وافر منها وإن كان عدد الطالبين والطالبات أقل من عددهم في باريز. وذلك بان يطلب أحدهم خادمة تستخدم لكل شيء بأجرة كذا على أن تقوم بعمل كذا وأن يكون عمرها كذا من السنيين أو أن الخادمة تطلب ذلك ولا تتوقف عن أن تصف صفاتها وجمالها وسنها وتصف رزانتها ووقارها. أكتب هذا وأمامي صحيفة إعلانات لوزان وفيها كثير من هذا القبيل منها أن امرأة إسرائيلية تريد التعرف إلى زوج عمره بين الخامسة والعشرين والثلاثين وأن تكون له ثروة ثم وصفت عمرها وما تملكه ومنها أن عقائل وأوانس يردن أن يتعرفن إلى خواجات تكون لهم مراكز طبية ومنها أن شاباً في الثالثة والثلاثين لا يتناول المسكرات حسن الخلقة والخلق من كل وجه له منصب حسن في الأرياف يريد أن يتعرف إلى فتاة في الخامسة والعشرين إلى الثلاثين ويؤثر أن تكون مسيحية ومعودة النظام ويقبل بأن تكون حاملة شيئاً من النقود وأنه رزين لا يفشي سراً وإذا أرسلت إليه الصورة الفوتوغرافية يعيدها في الحال والرجاء أن يكتب في ذلك بنمرة كذا لإدارة جريدة لوزان. والقوم هنا لا يكتفون بتعليق إعلاناتهم على الحوائط والمركبات في السكك الحديدية والكهربائية وعجلات النقل وفي الصحف والمنشورات والكراسات وعلى الأبواب والنوافذ ورؤوس الأبنية بل إن التاجر يعلن عن محله حتى في الورق الذي يصر به لك قميصاً أو بدلة أو كتاباً أو حذاءً أو منديلاً أو ورقاً أو أي شيء تبتاعه بل إن الخيط الذي يربط به الاضبارة أو الرزمة قد كتب عليه أسم محله وما فيه وهكذا في جميع ما يخطر ببال. وتعتقد جميع المحال التجارية والشركات الصناعية والمدارس وغيرها أنها إذا لم تكثر من الإعلان عنها يتناساها الناس وتقل أرباحها وهذه لوزان لولا ما تفنن أهلها في الإعلان ما أصبحت عاصمة العلم في سويسرا الفرنساوية وبلغ طلبة كليتها ألفاً وأربعمائة منهم نحو ألف غريب من غير السويسريين وهكذا المدارس الخاصة التي يعيش بالتعلم فيها أناس لا يستقل بعددهم ومنها ما يدرس فن تدبير المنزل وآخر الفنون الجميلة وغيرها التجارة وبعضها اللغات وبعضها الألعاب الرياضية إلى آخر ما تفننوا فيه فجاء الغريب يستفيد منه فكان للوزان فصلان فصل الصيف يكثر فيه السائحون للنزهة وفصل الشتاء يكون خاصاً بالطلاب والمتعلمين ويستفيد من ذلك أهل البلاد مئات الألوف من الليرات. وبلغ من تفنن القوم بالإعلانات أن أحدهم ألف كتاباً في فن الطبخ فكسد كساد بضاعة العلم في بلاد العرب ففكر فلم يجد أحسن من أن يعلن أن الفتاة التي تراجعه مرسلة إليه ثلاثة فرنكات يقدم لها خير نصيحة قبل زواجها تكفيها غوائل الدهر وحوادث الأيام فكان يبعث لكل مرسلة بالمبلغ المطلوب بنسخة من كتابه ويقول لها تعلمي هذا فباع من كتابه ثلاثة ألاف نسخة. وكتب بعضهم إذا أردت أن تغتني فأعمل عملي وأنا لا أعلمك ما عملت إلا إذا بعثت بكذا فرنك حوالة. فكان جواب هذا الشاطر لمن طلب إليه النصيحة أن يقول له أعما عملي فتغتني لا أي أكتب في إعلانك كما كتبت وهناك المال يقبض عليك. ولكن هذه الطرق نادرة جداً والصدق هو الغالب على الإعلانات كما قلنا ولذلك اعتمد الناس عليها وزادت عنايتهم بأمرها وأسست لها البيوت والشركات المهمة التي تدخلها فتظن نفسك في مصرف كبير أو معمل خطير. والإعلانات مادة الصحف في الغرب وكثير من أمهات جرائدها لا تصدر يوماً واحداً لولا الإعلانات لأن ما تأخذه من القراء والمشتركين لا يبلغ ثمن الورق مع أنها تطبع بمئات الألوف فتأمل يا تاجر بلادنا سويسرا: التربية العملية من أعظم أسرار امتياز الغربي عن الشرقي إن الفرد عندهم يعيش بنفسه لنفسه ونحن نتكل في عيشنا في الأغلب على الوالد والوالدة والقريب والحكومة ويقل جداً فيهم من اغتنى من غير المذاهب الطبيعية في المعاش من صناعة وزراعة وتجارة واقل منه فتى أو فتاة في مقتبل العمر تقعد به همته عن اتخاذ أسباب الكسب انتظاراً لأرث ربما يورثه إياه أبوه أو أمه أو لوظيفة تليق بعظمته يتناول راتبها الباهظ بعمل ضئيل قليل. حالة تدهش في الغرب من عيش الاستقلال ونحن حالنا على ما تعهد من عيش الاتكال الذي انقض عدد العاملين والعاملات وقذف بنا من حالق مجد وسعة إلى دركات ذلة وفاقة. كلما ذكرنا وأيم الحق أن في دمشق نحو ثلاثة عشر ألف شحاذ أكثرهم أصحاء أقوياء نقضي المجب من حالنا ونسجل بأننا سواء وحكومتنا في هذا النوم أو التناوم عن السعي في مداواة أمراضنا الاجتماعية وبدون ذلك لا تقوم لنا قائمة ولا نتحرر من قيودنا السياسية والاقتصادية. وأني آسف وأبكي لمئات من الشبان في سورية ولا سيما في دمشق وحلب وحماة وطرابلس والقدس سئموا الحياة لبطالتهم وهم يعيشون عالة على أهلهم ومنهم الموسع عليه في رزقه لا يتنزلون للاحتراف بحرفة ولا يرون أنه يليق بهم إلا أن يتصدروا على مقاعد الحكم آمرين ناهين يؤثرون البطالة منتظرين أن يموت أولياؤهم ليستولوا على أموالهم وفي الغالب أن يموت الموسر عندنا وهو موسر بالنسبة لمحيطه ويخلف أولاداً كثاراً تقسم بينهم الثروة فينال الواحد جزءاً قليلاً لا يستطيع إنماءه ولا يقوم بتفخله وبذخه هذا إذا لم يكن فاسد الأخلاق ولم يصرف دخل سنة في شهر وهناك بشع بالفقر إلى أرذل العمر. أما الغرب فحاله غير حالنا إذا تعلم الولد التعليم الابتدائي غالباً يبدأ أهله يقطعون عنه راتبه ويطالبونه باجرة الدار وثمن الطعام ليلقي نفسه في معمعان الحياة ويعلم أنه فرد مسؤول عن نفسه لا يقوم بإعالته غير عمله ولهذا مئات الألوف من الأمثلة ولقد قلنا في مقالة سبقت أن ليس في الأرض امرأة ضاهت الرجل في عمله كالمرأة السويسرية فلا تكاد تجد في النساء من لا يحترفن في هذه الجمهورية السعيدة غنيات كنا أو فقيرات ولذلك تزيد ثروة البلاد يوماً بعد آخر وترتقي في كل فرع من فروعها المدنية الحيوية. وحال معظم أمم الحضارة كذلك. أكتب هذا وأمامي أربع فتيات في المنزل الذي أويت إليه في لوزان لا أطاب لوطني إلا أن يكون رجاله دع نساءه في درجتين من التفاني في الحياة العملية والتناغي بحب الاستقلال في الأعمال. الفتاة الأولى انكليزية والثانية ألمانية والثالثة سويسرية فرنساوية والرابعة سويسرية ألمانية وكلهن سواء في كره الاتكال ومثال صالح غريب المثال قالت لي الفرنساوية السويسرية وهي في الحادية والعشرين من عمرها تعطي دروساً في الموسيقى وقد سألتها عن والدها وحالته في الدنيا: إنه متعهد أبنية ولنا بيتان يحتويان على زهاء عشرين مسكناً نؤجرهما في شالي من ضواحي لوزان وشقيقي الواحد صاحب نزل في نيس والآخر معلم بستاني في لندرا فقلت لها مثلك في الشرق يستريح ولا يعرف إلا الأزياء والرفاهية فقالت إن الناس كلهم في سويسرا يعملون وكل واحد يعيش لنفسه فليس من العدل أن أعيش عالة على والدي أو والدتي ولا على أحد أشقائي بل أعمل وأجمع ثروة لنفسي عملاً بسنة العاملين والعاملات أما الفتاة الانكليزية وهي في الحادية والعشرين أيضاً فقد هجرت بلادها وجاءت لوزان تدخل في إحدى البيوت الخاصة التي توفرت على تعليم الفتيات اللائي تخرجن من المدارس العليا في انكلترا وألمانيا وروسيا أو غيرها وأردن أن يتقدمن في معرفة الفرنساوية وآدابها والرياضيات البدنية والرقص والغناء وغير ذلك من لوازم المرأة الأوروبية الراقية التي تليق لترأس المجتمعات العالية والتصدر في الردهات والقاعات. قالت إنها تعلم الانكليزية وهي لا تتناول مالاً وإنما تعيش مع الفتيات في مدرسة وتتعلم الافرنسية بهذه الواسطة. وقد ذهب الفتيات خلال عطلة رأس السنة إلى الجبال للتزحلق والتدحرج والتسلق على الثلج فاقفل باب النزل فعرض عليها هي ورفيقتها الفتاة الألمانية أن يذهبا مع الفتيات فأثرتا البقاء في لوزان فجعلتهما مديرة تلك المدرسة في النزل الذي نحن فيه مدة العطلة تنفق عليهما ريثما تفتح أبواب منزلها أو مدرستها. أما الفتاة الألمانية رفيقة الانكليزية فهي في الثالثة والعشرين وحالها أيضاً حال رفيقتها تعلم الألمانية وتتعلم الافرنسية وتزيد عليها بان تعطي دروساً خارج المدرسة وأهلها أصحاب يسار في الجملة ولكنها تحتاج لتعلم الافرنسية وهذه هي الواسطة التي رأت إن تعمد إليها في إتقان لغة هوغو وموسيه لتضمها في صدرها إلى لغة كيتي وشيلر. أما الرابعة وهي ألمانية سويسرية فحالها أدهش من حال الثلاث وذلك لان والدها صاحب مخزنين في لوسرن وانترلاكون لو حسب ما يملكه على حساب بلادنا لعدد من الأغنياء عندنا على انه لا يعد في المحاويج بل المتوسطين هنا فأراد إن يعلم ابنه وابنته الافرنسية لمسيس الحاجة إليها في تجارته وحتى يكونا على أتم الاستعداد لتلقي مصاعب الحياة فجاء بالوالد وهو في السابعة عشرة يجعله في نزل في ارباض لوزان خادماً يأكل وينام ويتناول راتباً قليلاً ويتعلم الافرنسية ويتمرن عليها بالعمل وكان تعلم مبادئها بالنظر في المدرسة وشقيقه هذا الفتى في التاسعة عشرة من عمرها شأن شقيقها تحب إن تتعلم الافرنسية وتدبير المنزل وتعيش مستقلة فجعلها أبوها خادمة براتب ٢٥ فرنكاً في الشهر في النزل الذي نحن فيه وهي وحدها تتولى جميع أعمال المنزل إلا ملاحظة الطبخ فان صاحبة الدار تنظر فيه بنفسها فترى تلك الفتاة من الساعة السابعة صباحاً إلى الساعة العاشرة أو الحادية عشرة ليلاً تعمل بكد لم أر مثله وتقوم بجميع أنواع الخدمة على صورة مدهشة فبينما تراها تكنس بضع غرف في الدار وترتب فرشها وتصلح أدواتها الكثيرة أو تفرك الدهليز والممشى والزجاج والدرفات والأبواب إذا هي تتعهد المطبخ أو تخرج كالبرق في جلب حاجة من السوق أو تقدم الطعام على المائدة وترتب السفرة أو تجلو الطباق والصحون أو غير ذلك مما يكثر عدده في البيوت الأوربية تعمل كل ذلك ومنه الشاق الوسخ ومع هذا لا تراها إلا باسمة في حين حرمت من رفاهيتها في دار أبيها وعند الخادمات والخدمة. هذا مثال ما رأيته بالذات من أمثلة التربية الاستقلالية في البنات هنا وبعدها هل يعجب المرء من غنى هؤلاء الأوربيين بعد أن عدوا كل عمل شريفاً اللهم إلا ما يثلم العرض ويعبث بالمروءة وهذا لا تكاد تخلو منه أمة مهما أدعت أنها أمة أخلاق وتدين وشرف. كل فتاة من هاته الفتيات وفرت على أهلها بعملها مئة أو مئة وخمسين ليرة في السنة وربحت التعلم العملي والتدرب على الحياة الاقتصادية الاستقلالية فبالله عليك أيستطيع احد أبناء الطبقة الوسطى عندنا وهي تعد من الفقراء في الغرب أن يقول لابنه اذهب إلى بلد كذا واخدم وتعلم فضلاً عن أن يقول لابنته علمتك القراءة والكتابة والحساب فعلميها لمن الطبخ وتدبير المنزل والخياطة والتفصيل. رآنا في مصر والشام أناساً من المسلتير لم يعقهم عن تعليم أولادهم التعليم المطلوب الأضيق ذات يدهم وكثرة أولادهم لأنهم كلهم يريدون أن يعيشوا مرفهين ابن الحراث كابن الغني صاحب المزارع والعقارات. ورأينا أناساً فادوا بالمال واقتطعوا جانباً من رؤوس أموالهم ليعملوا به أولادهم على أمل أن يعينوهم في أيامهم السود فكان من أولادهم من تعلموا تعليماً ناقصاً ولم يكن منهم إلا أن عظمت نفوسهم وظنوا أنفسهم شيئاً مذكوراً وشمخت أنوفهم عن العمل إلا في الأعمال التي يصورها لهم الخبال أنها نافعة شريفة وذهب ما صرفه أولياؤهم من الذهب عبثاً الأولاد إذا ربوا كما يربي السويسري والألماني والانكليزي بناته جاء منهم محنكون يعرفون قدر المال والعمال ويدخلون في الحياة من الصغير فيرتقون إلى الكبير. يتهمون الألمان بالشح والفرنسيس بالاقتصاد الزائد والانكليز بقسوة القلب والحقيقة أن البشر كله من طينة واحدة يحن إلى أولاده ويستميت في ترفيههم ولكن الفرق بيننا وبينهم إنهم يلقنون أولادهم معنى الحياة المستقلة ونحن ننشئهم على حياة الاتكال والرضا بالقلة. أيأتي يا ترى على الشرق الأقرب يوم نرى فيه الرجال والنساء صغارهم وكبارهم يعملون لنشهد أو أبناؤنا وأحفادنا مثالاً من الأمم التي تود البقاء لا الدثور والفناء أم نبقى هكذا يسرق بعضنا بعضاً ونعد عمله مهارة أو ينتظر صغيرنا كبيرنا ليموت فيرثه ونحسبه من الموفقين أم تضعف وطنيتنا وحبنا لبلادنا فنتركها تنعي من بناها إلى بلاد أخرى حيث الحياة سهلة والعيش خضال طف المدينة والمزرعة وادخل المعمل والمخزن وانظر الباعة والإشراف في سويسرا تجدهم كلهم لا يستنكفون عن العمل. في لوزان سوق تقام مرتين في الأسبوع على عادة معظم المدن الأوربية مثل سوق الأحد وسوق الجمعة في دمشق تباع في ذاك السوق جميع أنواع المأكول والملبوس والمنظور فترى فيه نموذجاً صالحاً من حاصلات البلاد وصناعتها وأكثرها رخيص قصدته عدة مرات للفرجة وابتياع بعض اللوازم فدهشت وقد رأيت بعض النساء الغنيات والفتيات البارعات الجمال يبتعن بأنفسهن حاجات بيوتهن يجعلنها في كيس براق من المطراز ويحملنها إلى مساكنهن وقد تكون بعيدة وعند أكثرهم على ما بلغني الخادمات والطباخات والوصيفات قلما يعهدن إليهن بشراء حاجة ولو طفيفة ويذهبن بأنفسهن لابتياعها وهكذا تجد الديمقراطية تشربتها نفوس الكبير والصغير فلا يجد احد من المعيب أن يخدم نفسه وداره وأهله وسواء في الشرف من يكسح القمامات والثلج من الشارع ويرزق خمسة فرنكات في النهار ومن يملك مصرفاً كبيراً يعد ما يربحه كل يوم بمئات من الفرنكات ما دام كلاهما يعمل في دائرته بقدر طاقته ولا يتعلق بأحد وأول ما يسأل الزوج عن فتاة يخطبها قبلان يسأل عن جمالها ما هي معارفها وما تسطيع عمله. فاللهم علمنا علماً ينفعنا في نهوضنا حتى لا نخجل من انحطاطنا في أنفسنا دع خجالتنا أمام غيرنا فان الفرق بين بلادنا وبلادهم أصبح كالفرق بين النور والظلمة والجنة والنار وما راء كمن سمعنا. معجم البلدان أفضنا في الجزء السالف في الكلام على هذا المعجم الجليل ونقلنا شذرات لطيفة منه بياناً لمنزلته بين المصنفات وها نحن نعاود البحث فيه فنقول: إن معجم ياقوت في البلدان هو من امثل ما طبع أيضا من كتب الخطط وتاريخ العمران وكوارث البلدان ووصفها تستخرج منه عدة أبحاث ولذلك ساغ أن يقال أن هذا المعجم عبارة عن كتب حواها كتاب أو هو دائرة معارف أو موسوعات العلوم العمرانية فما نقله في عمران البلدان فيالشاذباخ قال أنها مدينة نيسابور أم بلاد خراسان في عصرنا وكانت قديماً بستاناً لعبد الله بن طاهر بن الحسين ملاصق مدينة نيسابور فذكر الحاكم أبو عبد الله بن البيع في آخر كتابه في تاريخ نيسابور أن عبد الله بن طاهر لما قدم نيسابور والياً على خرسان ونزل بها ضاقت مساكنها من جنده فنزلوا على الناس في دورهم غضباً فلقي الناس منهم شدة فاتفق أن بعض أجناده نزل في دار رجل ولصاحب الدار زوجة حسنة وكان غيوراً فلزم البيت لا يفارقه غيرةً على زوجته فقال له الجندي يوماً: اذهب واسق فسقي ماء فلم يجسر على خلاف ولا استطاع مفارقه أهله فقال لزوجته: اذهبي أنت واسقي فرسه لأحفظ أنا أمتعتنا في المنزل فمضت المرأة وكانت وضيئة حسنة. واتفق ركوب عبد الله بن طاهر فرأى المرأة فاستحسنها وعجب من تبذلها فاستدعى بها وقال لها: صورتك وهيئتك لا يليق بهما أن تقودي فرساً وتسقيه فما خبرك فقالت: هذا فعل عبد الله بن طاهر بنا قاتله الله ثم أخبرته الخبر فغضب وحوقل وقال: لقد لقي منك يا عبد الله أهل نيسابور شراً ثم أمر العرفاء أن ينادوا في عسكره من بات نيسابور حل ماله ودمه وسار إلى الشاذياخ وبنى فيه داراً له وأمر الجند ببناء الدور حوله فعمرت وصارت محلة كبيرة واتصلت بالمدينة فصارت من جملة محالها ثم بنى أهلها بها دوراً وقصوراً. قال ياقوت هذا معنى قول الحاكم فإنني كتبته من حفظي إذا لم يحضرني أصله ولذلك قال الشاعر يخاطب عبد الله بن طاهر: فاشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً بالشاذياخ ودع غمدان لليمن فأنت أولى بتاج الملك تلبسه من ابن هوذة يوماً وابن ذي يزن ثم انقضت دولة آل طاهر وخربت تلك القصور فمر بها بعض الشعراء فقال: وكان الشاذياخ مناخ ملك فزال الملك عن ذاك المناخ وكانت دورهم للهو وقفاً فصارت للنوائح والصراخ فعين الشرق باكية عليهم وعين الغرب تسعد بانتضاح ومثل ذلك ما ذكره التاج وهو اسم لدار مشهورة جليلة المقدار واسعة الأقطار ببغداد وكانت من دور الخلافة وكان بناه جعفر بن يحيى بن خالد بن برمك أولا ليخلو فيه بندمائه وقيانه فلما أوقع الرشيد بالبرامكة وكان القصر إلى ذلك الوقت يسمى القصر الجعفري انتقل إلى المأمون فكان من أحب المواضع إليه وأشهاها لديه واقتطع جملة من البرية عملها ميداناً لركض الخيل واللعب بالصوالجة وحيزاً لجميع الوحوش (حديقة حيوانات) وفتح له باباً شرقياً إلى جانب البرية وأجرى فيه نهراً قال ثم نزل القصر الحسن بن سهل والد بوران زوج المأمون ولما طوت العصور ملك المأمون والقصور وصار الحسن بن سهل من أهل القبور بقي القصر لابنته بوران إلى أيام المعتمد على الله فاستنزلها المعتمد عنه وأمر بتعويضها منه فاستمهلته ريثما تفرغ من شغلها وتنقل مالها وأهلها وأخذت في إصلاحه وتجديده ورمه وأعادت ما دثر منه وفرشته بالفرش المذهبة والنمارق المقصبة وزخرفت أبوابه بالستور وملأت خزائنه بأنواع الطرف مما يحسن موقعه عند الخلفاء ورتبت في خزائنه ما يحتاج إليه من الجواري والخدم الخصيان ثم انتقلت غالى غيره وأرسلت المعتمد باعتماد أمره فاتاه فرأى ما أعجبه وأرضاه واستحسنه واشتهاه وصار من أحب البقاع إليه وكان يتردد فيما بينه وبين سر من رأى فيقيم هنا تارة وهناك أخرى ثم تولاه المعتضد وابتدأ في بناء التاج وجمع الرجال لحفر الأساسات ثم مات ولما تولى ابنه المكتفي بالله آت عمارة التاج الذي كان المعتضد وضع أسساه بما نقضه من القصر المعروف بالكامل ومن القصر الأبيض الكسروي الذي لم يبق منه الآن بالمدائن سوى الإيوان فكان الآجر ينقض من شرف قصر كسرى وحيطانه فيوضع في مسناة التاج وهي طاعنة إلى وسط دجلة وفي قرارها ثم حمل ما كان في أسست قصور كسرى فبنى به أعالي التاج وشرفاته قال وما صفة التاج فكان وجهه مبنياً على خمسة عقود كل عقد على عشرة أساطين خمسة أذرع ووقعت في أيام القتفي سنة ٥٤٩ صاعقة فتأججت فيها وفي القبة وفي دارها التي كانت القبة إحدى مرافقها وبقيت النار تعمل فيه تسعة أيام ثم أطفئت وقد صيرته كالفحمة وكانت آية عظيمة ثم أعاد المقتفي بناء القبة على الصورة الأولى ولكن بالجص والآجر دون الأساطين الرخام وأهمل إتمامه حتى مات وبقي كذلك إلى سنة ٥٧٤ فتقدم أمير المؤمنين المستضيء بنقصه وإبراز المسناة التي بين يديه إلى أن تحاذي به مسناة التاج فشق رأسها ووضع البناء فيه على خط مستقيم من مسناة التاج واستعملت أنقاض التاج مع ما كان اعد من الآلات من عمل هذه المسناة ووضع موضع الصحن الذي فيه الأئمة وهو الذي يدعى اليوم بالتاج ومن عجائب ما ذكره في القصور العربيةدار الشجرة قال هي دار بالدار المعظمة الخليفية ببغداد من أبنية المقتدر بالله وكانت داراً فسيحة ذات بساتين مونقة وإنما سميت بذلك لشجرة كانت هناك من الذهب والفضة في وسط بركة كبيرة مدورة أمام إيوانها وبين شجر بستانها ولها من الذهب والفضة ثمانية عشر غصناً لكل غصن منها فروع كثيرة مكللة بأنواع الجواهر على شكل الثمار وعلى أغصانها أنواع الطيور من الذهب والفضة إذا مر الهواء عليها أبانت عن عجائب من أنواع الفير والهدير وفي جانب الدار عن يمين البركة تمثال خمسة عشر فرساً ومثله عن يسار البركة قد البسوا أنواع الحرير المديح مقلدين بالسيوف وفي أيديهم المطارد يتحركون على خط واحد فيظن أن كل واحد منهم إلى صاحبه قاصد. وكثيراً ما يتوسع ياقوت في الكلام على تاريخ المدن ولا سيما مدن العرب (المقتبس م ٧ ص ٤٠١ ) مثل كلامه على واسط قال ورأيت أنا واسطاً مراراً فوجدتها بلدة عظيمة ذات رساتيق وقرى كثيرة وبساتين ونخيلاً يفوت الحصر وكان الرخص موجوداً فيها من جميع الأشياء ما لا يوصف بحيث أني رأيت فيها كوز زبد بدرهمين واثنتي عشرة دجاجة بدرهم وأربعة وعشرين فروجاً بدرهم والثمن اثنتا عشر رطلاً بدرهم والخبز أربعون رطلاً بدرهم واللبن مائة وخمسون رطلاً بدرهم والسمك مائة رطل بدرهم وجميع ما فيها بهذه النسبة. وواسط هي التي بناها الحجاج وكانت لرجل من الدهاقين يقال له داوردان فساومه عامل الحجاج فقال له الدهقان: ما يصلح هذا الموضع للأمير فقال: لم فقال: أخبرك عنه بثلاث خصال تخبره بها ثم الأمر إليه قال: وما هي قال: هذه بلاد سبخة البناء لا يلبث فيها وهي شديدة الحر والسموم وان الطائر لا يطير في الجو إلا ويسقط لشدة الحر ميتاً وهي بلاد أعمار أهلها قليلة قال: فكتب بذلك الحجاج فقال هذا رجل يكره مجاورتنا فاعلمه أنا سنحفر بها الأنهار ونكثر من البناء والغرس فيها ومن الزرع حتى تعدو وتطيب وأما قوله أنها سبخة وان البناء لا يثبت فيها فسنحكمه ثم نرحل عنه فيصير لغيرنا وأما قلة أعمار أهلها فهذا شيء إلى الله تعالى لا إلينا فاعلمه أننا نحسن مجاورتنا له ونقضي زمامه بإحساننا إليه. قال فابتاع الموضع من الدهقان وابتدأ في البناء في أول سنة ٨٣ واستتمه في سنة ٨٦ إلى آخر ما قال وفيه من كبر عقل الحجاج ما لا يقدر على الإجابة بأحسن منه اكبر ساسة العصر وأرقاهم بعلوم هذه الأيام ولا عجب فالعرب كانوا ينظرون في مسائل الصحة نظراً بليغاً. ذكر ياقوت في مادة حضوة انه شكا قوم من أهلها إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وباء أرضهم فقال لو تركتموها فقالوا معاشنا ومعاش إبلنا وطننا فقال عمر للحارث بن كلدة (طبيب العرب): ما عندك في هذا فقال الحارث البلاد الوبئة ذات الأدغال والبعوض وهو عش الوباء ولكن ليخرج أهلها إلى ما يقاربها من الأرض العذبة إلى تربيع النجم وليأكلوا البصل والكراث ويباكروا السمن العربي فليشربوه وليمسكوا الطيب ولا يمشوا حفاة ولا يناموا بالنهار فاني أرجو إن يسموا فأمرهم عمر بذلك ولذلك قال عمر وقد ذكرت له الشام ووباؤها: لبيت بركبة (أحب إلي من عشرة أبيات وقال في سيراف ما ملخصه: ذكر الفرس في كتابهم المسمى بالابستاق وهو عندهم بمثابة التوراة والإنجيل عند اليهود والنصارى إن كيكاوس لما حدث نفسه بصعود السماء صعد فلما غاب عن عيون الناس أمر الله الريح بخذلانه فسقط بسيراف فقال اسقوني ماءً ولبناً فسقوه ذلك بذلك المكان فسمي بذلك لان شير هو اللبن وآب هو الماء ثم عربت الشين إلى السين والباء إلى الفاء فقيل سيراف وهي على ساحل بحر فارس كانت قديماً فرضة الهند رأيتها وبها آثار عمارة حسنة وجامع مليح على سواري ساج وهي في لحف جبل عال جداً وليس للمراكب فيها مينا فالمراكب إذا قدمت إليها كانت على خطر إلى إن تقرب منها إلى نحو فرسخين موضع يسمى نابذ هو خليج ضارب بين جبلين وهو مينا جيد غاية وإذا حصلت المراكب فيه امتنعت جميع أنواع الرياح وبين سيراف والبصرة إذا طاب الهواء سبعة أيام. ووصفها أبو زيد حسب ما كانت في أيامه فقال أنها الفرصة العظيمة لفارس وهي مدينة عظيمة ليس بها سوى الأبنية حتى يجاوز على نظر عملها وليس بها شيء من مأكول ولا مشروب ولا ملبوس إلا ما يحمل إليها من البلدان ولا بها زرع ولا ضرع ومع ذلك فهي أغنى بلاد فارس قلت (أي ياقوت) كذا كانت في أيامه فمنذ عمر ابن عميرة جزيرة قيس صارت فرضة الهند واليها منقلب التجار خربت سيراف وغيرها ولقد رأيتها وليس بها قوم إلا صعاليك ما اوجب لهم المقام بها إلا حب الوطن ووصفها الاصطنحري إن بناءها بالسلج وخشب يحمل من بلاد الزنج وأبنيتهم طبقات وهي على شفير البحر مشتبكة البناء كثيرة الأهل يبالغون في نفقات الأبنية حتى أن الرجل من التجار لينفق على داره زيادة على ثلاثين ألف دينار ويعملون فيها بساتين. وكثيراً ما يستطرد ياقوت إلى ذكر واردات المدن وصنائعها كما فعل في نشر ميزانية الحكومة في حلب لعهده وكما فعل في وصف صنائع سلجماسة من بلاد السودان قال ولنسائهم يد صناع في غزل الصوف فهن يعملن منه كل حسن عجيب بديع من الإزار تفوق القصب الذي بمصر يبلغ ثمن الإزار خمسة وثلاثين ديناراً وأكثر كأرفع ما يكون من القصب الذي بمصر ويعملون منه غفارات يبلغ ثمنها مثل ذلك ويصبغونها بأنواع الأصباغ. وقال فيكاكدم مدينة بأقصى المغرب جنوبي البحر: وبأرضهم حيوان يقال له اللمط من جنس الظباء إلا انه أعظم خلقاً ابيض اللون يتخذ من جلده الدرق اللمطية قطر الدرقة منها عشرة أشبار لم يتحصن المحاربون قط بأوقى منها يكون ثمن الجيد منها بالمغرب ثلاثين ديناراً مؤمنية تدبغ في بلادهم باللبن وقشر بيض النعام وقال في شاطبة في شرقي الأندلس انه يعمل الكاغد الجيد فيها ويحمل منها إلى سائر بلاد الأندلس وقال في دمياط: ومن ظريف أمر دمياط في قبليها على الخليج مستعمل فيه غرف تعرف بالمعامل يستأجرها الحاكة لعمل الثياب الشرب فلا تكاد تنجب إلا بها فإن عمل بها ثوب وبقي منه شبرا ونقل إلى هذه المعامل علم بذلك السمسار المبتاع للثوب فينقص من ثمنه لاختلاف جوهر الثوب عليه وقال ابن زولاق يعمل بدمياط القصب البلخي من كل فن والشرب لا يشارك تنيس في شيء من عملها وبينهما مسيرة نصف نهار ويبلغ الثوب الأبيض بدمياط وليس فيه ذهب ثلاثمائة دينار ولا يعمل بدمياط مصبوغ ولا بتنيس ابيض وهما حاضرتا البحر وبهما من صيد السمك والطير والحيتان ما ليس في بلد - واخبرني بعض وجوه التجار وثقافتهم انه في بلد. وبها الفرش القلموني من كل لون العلم والمطرز ومناشف الأبدان والأرجل وتتحف بها جميع ملوك الأرض. ومن هذا المصنف البديع تفهم مبالغ الثروات في حكومات عصره وقبلة ودرجة تأنقهم ورفاهيتهم من ذلك ما رواه في سامراء من أن المتوكل انفق سبعمائة ألف دينار على نهرين. . . . . . . . . . . من دجلة تدخلان الجامع وتتخللان شوارع سامراء ولم يبن احد من الخلفاء بسر من رأى من الأبنية الجليلة مثل ما بناه المتوكل وعدد ياقوت ما أنفقه من مئات الألوف من الدنانير والدراهم على القصر المعروف بالعروس والقصر المختار والوحيد والجعفري والغريب والشيدان والبرج والصبح والمليح وبستان الابتاخية والتل والجوسق والمسجد الجامع والغرد والمتوكلية والبهو واللؤلؤة. بدائع لم تراها فارس ولا الروم في طول أعمارها وللروم ما شيد الأولون وللفرس آثار أحرارها ولا عجب في غنى الخلفاء فقد كان الوزراء أيضاً على هذه النسبة فقد ذكر ياقوت عن السلفى عمن حدثه قال كان لأبي غانم القصري أربعمائة غلام يركبون بركوبه وكان يدخل الحمام ليلاً فيكون بين يديه شمع معمول من العود والعنبر وأنواع الطيب إلى أن يخرج ولم يحك عن احد من الوزراء ما حكي عنه من التنعم. وذكر في مادة دور الراسبي وكان الراسبي من عظماء العمال وأفراد الرجال توفي سنة ٣٠١ في أيام المقتدر ووزراء علي بن عيسى وكان يتقلد من حد واسط إلى حد شهرزور وكورتين من كورة الأهواز وكان مبلغ ضمانه ألف ألف وأربعمائة ألف دينار في كل سنة ولم يكن للسلطان معه عامل غير صاحب البريد لان الحرث والخرج والضياع والشجر وسائر الأعمال كان داخلاً في ضمانه فكان ضابطاً لأعماله شديد الحماية لها من الأكراد والأعراب واللصوص وخلف مالاً عظيماً وحمل من تركته إلى بغداد. ما هذه نسخته: العين. أربعمائة ألف وخمسة وأربعون ألفاً وخمسمائة وسبعة وسبعة وسبعون ديناراً. الورق ثلاثمائة ألف وعشرون ألفاً ومائتاناوسبعة وثلاثون درهماً. وزن الأواني الذهبية ثلاثة وأربعون ألفاً وتسعمائة وسبعون مثقالاً. آنية الفضة ألف وتسعمائة وخمسة وسبعون رطلاً. ومما وزن بالشاهين من آنية الفضة ثلاثة عشر ألف وستمائة وخمسة وسبعون درهماً. ومن الند المعمول سبعة ألاف وأربعمائة مثقال ومن العود المطرا أربعة ألاف وأربعمائة وعشرون مثقالاً. ومن العنبر خمسة آلاف وعشرون مثقالاً ومن نوافج المسك ثمانمائة وستون نافجة. ومن المسك المنثور ألف وستمائة مثقال ومن السك ألفا ألف وستة وأربعون مثقالاً. ومن البرمكية ألف وثلاثمائة وتسعة وتسعون مثقالاً. ومن الغاليه ثلاثمائة وستة وستون مثقالاً ومن الثياب المنسوجة بالذهب ثمانية عشر ثوباً قيمة كل واحد ثلاثمائة دينار. ومن السروج ثلاثة عشر سرجاً. ومن الجواهر حجران ياقوت. ومن الخواتم الياقوتية خمسة عشر خاتماً. خاتم فضة زبرجد. ومن حب اللؤلؤ سبعون حبة وزنها تسعة عشر مثقالاً ونصف ومن الخيل الفحول والإناث مائة وخمسة وسبعون رأساً. ومن الخدم السودان مائة وأربعة عشر خادماً ومن الغلمان البيض مائة وثمانية وعشرون غلاماً. ومن خدم الصقالبة والروم تسعة عشر خادماً. ومن الغلمان الأكابر أربعون غلاماً بآلاتهم وسلاحهم ودوابهم. ومن أصناف الكسوة ما قيمته عشرون ألف دينار. ومن أصناف الفرش ما قيمته عشرة آلاف دينار. ومن الدواب المهاري والبغال مائة وثمانية وعشرون رأساً. ومن الجماز والجمازات تسع وتسعون رأساً. ومن الحمير النقالة الكبار تسعون رأساً. ومن قباب الخيام الكبار مائة وخمس وعشرون خيمة. ومن الهوادج والسروج أربعة عشر هودجاً. ومن الغضائر الصيني والزجاج المحكم الفاخر أربعة عشر صندوقاً. قلنا ولا عجب أن يختلف احد العمال مثل هذه الثروة والبلاد عامرة على ذاك العهد أكثر من اليوم ولم تكن الدولة تحتاج كما هي حال الدول اليوم أن تنفق على بحريتها وبريتها هذه النفقات المضنية الفاحشة ذكر ياقوت في مادة السواد أن الخليفة الثاني أمر بمسح السواد سواد العراق فكان بعد أن اخرج عنه الجبال والأودية والأنهار ومواضع المدن والقرى ستة وثلاثين ألف ألف جريب فوضع على جريب الحنطة أربعة دراهم وعلى جريب الشعير درهمين وعلى جريب النخل ثمانية دراهم وعلى جريب الكرم والشجر ستة دراهم وحتم الجزية على ستمائة ألف إنسان وجعلها طبقات الطبقة العالية ثمانية وأربعون درهماً والوسطى أربعة وعشرون درهماً والسفلي اثنا عشر درهماً فجي السواد مائة ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم. قال عمر بن عبد العزيز لعن الله الحجاج فإنه ما كان يصلح للدنيا ولا للآخرة فإن عمر بن الخطاب رضي الله عمه جبى العراق بالعدل والنصفة مائة ألف ألف وثمانية وعشرين ألف ألف درهم وجباه زيادة مائة ألف ألف وخمسة وعشرين ألف ألف درهم وجباه ابن عبيد الله أكثر منه بعشرة آلاف ألف درهم ثم جباه الحجاج بعسفه وظلمه وجبروته ثمانية وعشرون ألف ألف درهم فقط وأسلف الفلاحين للعمارة ألفي ألف فحصل له ستة عشر ألف ألف قال عمر بن عبد العزيز وها أنا قد رجع إلي على خرابة فجبيته مائة ألف ألف وأربعمائة وعشرين ألف ألف درهم بالعدل والنصفة وأن عشت له لأزيدن على جباية عمر بن الخطاب رضي الله عنه. وشبيه بهذا ما وراء ياقوت في مادة مصر عن احمد بن المدير من انه لو عمرت مصر كلها لوفت بالدنيا وقال: أن مساحة مصر ثمانية وعشرون ألف ألف فدان وإنما يعمل فيها في ألف ألف فدان. جبى عمرو بن العاص مصر لعمر بن الخطاب رضي الله عنه اثني عشر ألف ألف دينار فصرفه وقلدها عبد الله بن أبي سرح فجباها أربعة عشر ألف ألف فقال عمر لعمرو يا أبا عبد الله أعلمت أن اللقحة بعدك درت فقال: نعم ولكنها أجاعت أولادها. وقال لنا أبو حازم: أن هذا الذي رفعه عمرو بن العاص وابن أبي سرح إنما كان عن الجماجم خاصة دون الخراج وغيره. . ولا عجب فإن عمران مصر في القديم كعمران العراق أو هو أكثر روى ياقوت في مادة حرجة قال: حدثني الثقة أن شمس الدولة توران شاه بن أيوب أخا الملك الصالح الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب كان يقول: ما اعرف في الدنيا أرضاً طولها شوط فرس في مثله يستغل ثلاثين ألف دينار غير الحرجة. يفيض ياقوت في كلامه على البلدان بذكر أسماء من خرج منها من الأعيان ولا سيما المحدثون بحيث ربما ادخل الملل على بعض المطالعين لأنه يورث الكلام طولاً ولكن منهم من هو المهم في فنه. ويستشهد بأقوال الشعراء في البلاد وربما استشهد بالشعر لجودته أو للتنويه بقائله بالمناسبة مثال ذلك ما قاله في طرطوشة في ترجمة ابن أبي رندفة الطرطوشي المتوفى ٥٢٠ وكانت له نفس أبيه أخبرت انه كان في بيت المقدس بطبخ في شقف وكان مجانباً للسلطان استدعاه فلم يجبه وراموه الغض من حاله فلم ينقصوه قلامة ظفر وله تأليف وشعر فمن شعره في بر الوالدين: لو كان يدري الابن أية غصة يتجرع الأبوان عند فراقه أم تهيج بوجده حيرانة وأب يسخ الدمع من آماقه يتجرعان لبينه غصص الردى ويبوح ما كتماه من أشواقه لرثى لأم سل من أحشائها وبكى لشيخ هام في آفاقه ولبدل الخلق الأبي بعطفه وجزاهما بالعذاب من أخلاقه. وقال في صيمرة ومنها أبو العنبس الصيمري المتوفى سنة ٢٧٥ وكان شاعراً أدبياً مطبوعاً ذا ترهات وله تصانيف هزلية نحو الثلاثين منها تأخير المعرفة وغير ذلك ومن شعره: كم مريض قد عاش من بعد يأس بعد موت الطبيب والعواد قد يصاد القطا فينجو سليماً ويحل القضا بالصياد ومثال الإشعار التي أوردها في البلدان قول أحيحة بن الجلاح في أرضه الزوراء: استغن أو مت ولا يغررك ذو نسب من ابن عم ولا عم ولا خال يلوون ما عندهم عن حق جارهم وعن عشيرتهم والمال بالوالي فاجمع ولا تحقرن شيئاً تجمعه ولا تضيعنه يوماً على حال أني أقيم على الزوراء أعمرها أن الحبيب إلى الإخوان ذو المال بها ثلاث بناء في جوانبها فكلها عقب تسقى بإقبال كل النداء إذا ناديت يخذلني إلا ندائي إذا ناديت يا مالي ما أن أقول لشيء حين افعله لا استطيع ولا ينبو على حال ومثله ما أورد في مادة يميم بفتح أوله وثانيه وميم ساكنة وباء موحدة أخرى وميم اسم موضع قرب تبالة عند بيشه وترج والتلفظ به عسر لقرب مخارج حروفه قال حميد بن ثور وما هاج هذا الشوق إلا حمامة دعت ساق حر ترحة وتأوما من الورق حما العلاطين باكرت عسيب أشاء مطلع الشمس مبسما اذا زعزعته الريح أو لعبت به أرنت عليه مائلاً ومقوماً تنادي حمام الجهلتين ونرعوب إلى ابن ثلاث بين عودين أعجما مطوق طوق لم يكن عن تميمة ولا ضرب صواغ بكفيه درهما تقبض عنه غرقي البيض واكتسى أنابيب من مستعجل الريش أقتما يمد إليها خشية الموت جيده كمدك بالكف البري المقدما فلما اكتسى الريش السخام ولم يجده لها معه في باحة العش مجثما اتيح لها صقر منيف فلم يدع لها ولداً إلا رماماً وأعظما فأرقت على غصن ضحياً فلم تدع لباكية في شجوها متلوما فهاج حمام الجهلتين نواحها كما هيجت ثكلى علي الموت مأتما اذا شئت غنتني باجزاع بيشة أو النخل من تثليث أو من يميما عجبت لها أنى يكون بكاؤها فصيحاً ولم تغفر بمنطقها فما فلم ار مخزوناً له مثل صوتها أحر وانكي في الفؤاد واكلما ولم أر مثلي شاقه صوت مثلها ولا عربياً شاقه صوت أعجما. أخبار وأفكار التلغراف اللاسلكي أخذ هذا السلك يرتقي ويكثر ويقدرون الآن عدد محطاته بمائتين وثلاثين محطة على سطح الكرة منها ٣٢ في كندا و ٢٥ في انكلترا و ٢٣ في روسيا و ٢٠ في ألمانيا و ٢٠ في ايطاليا و ١٥ في البرازيل و ١١ في الهند و ٩ في اسبانيا و ٨ في فرنسا ويبلغ عدد البواخر التجارية التي تمخر عباب جميع البحار التي ارتبطت بالتلغراف اللاسلكي ١٢٠٠ باخرة منها ٥٩٠ لانكلترا و ١٥٣ لألمانيا و ٩٠ لفرنسا وهذه الطريقة من المواصلات تنمو سنة عن سنة. لغة الاسبرانتو الشيء لأنها سهلة مؤلفة من ابسط الكلمات اللاتينية ويرجو ناشروها اليوم أن تعم العالم كله فتصبح لغة الأمم لتزول الخلافات بين الشعوب التي تتقاتل كل يوم ولا تفكر إلا في أن ينقض بعضها على الآخر وينهب احدها ملك الآخر. قال احدهم إذا كان بعضهم يرون أن من الخيال أن تكون اليوم للبشر لغة عامة مشتركة فإنه لا يبعد أن تحقق هذه الأمنية غداً فإن المستقبل للمتخيلين. واكبر دليل على أن البشر يستطيعون أن يتعلموا لغتين تكونان لهم بمثابة لغة واحدة أن شعوباً برمتها لهذا العهد تتكلم بلغتين وتعتبرها لغة واحدة. فإن الشعب في إقليم البروفانس يتكلم باللغة البروفانسية ومع هذا يتكلمون بالافرنسية بسهولة وفي بلاد الباسك يتكلمون الفرنسية وباللغة الباسكية وفي إقليم برتانيا يتكلمون بلغة البروتون وبالافرنسية وفي بلاد الغال بالغالية والانكليزية وفي سويسرا يتكلم نصف مليون من أهلها باللغتين الافرنسية والألمانية وأهل فلندا يتكلمون باللغة الفلاندية وبالسويدية وأهل صقلية والبيمون في ايطاليا يتكلمون باللغة الايطالية ولهم لهجة خاصة مختلفة أحداها عن الأخرى تختلف عن الايطالية الحقيقية التي يتكلم بها في فلورنسة ورومية. فإذا صحت عزائم الصناع والعملة والفلاحين على تعلم هذه اللغة لا يضطرون في دراستها إلى مدارسة النحو والصرف بل يتعلمونها لاهون سبب وتنفعهم في جميع أرجاء العالم لسهولتها وهذه اللغة كما قالوا هي أشبه بالأخوة المسيحية لأن المتكلمين بها يتكلمون كما يتكلم الأخوة إذ لا اختلاف بينهم. أما الشرقيون فإن تعلم لغة الاسبرانتو يقرب في صعوبته عليهم من تعلم لغة من لغات المدنية الحديثة ولذلك كانت الاسبرانتو لغة للغربيين. والشرقيون ولا سيما في تركستان والصين وافغانستان وبلوجستان وإيران وجاوره ومعظم أقطار افريقية اقرب إلى أن يتفاهموا باللغة العربية لأنها سهلة وكثير من خاصتها يحسنونها ولا سيما أهل الإسلام منهم. الطيور اللامعة كان القدماء يعتقدون بوجود طيور مضيئة وقد أكد ذلك بلين في عصره وقال انه كان في غابة هرسنين الممتدة بين نهري الرين والفستول من هذه الطيور وما زال العلماء بعده يثبتون هذه الدعوى من حين إلى آخر حتى أثبتت إحدى المجلات العلمية الانكليزية سنة ١٩٠٧ انه ظهر في ضواحي كمبردج طيور من هذا الشكل فأكدت ما طالما ذهب إليه علماء الفرنسيس من وجود طيور بهذه المثابة في جبال البرنية والغوج وقد قتل احد الصيادين مؤخراً بومة فيها هذا اللمعان وثبت لهم أن لمعانها من ريشها وان تأنق بعض الطيور أثبته الطبيعيون ونسبوه إلى ميكروبات تقوم على أجنحة الطيور والمسألة آخذة شأناً مهماً من البحث بين العلماء. حانات الأمم كان الشائع أن الطليان أكثر الأمم إغراقاً في تناول المسكرات ولكن تبين من عدة إحصاءات أن الفرنسيس أشد استرسالاً في هذا السبيل فقد ذكرت مجلة الصحة الافرنسية أن أماكن بيع المشروبات الروحية في العالم المتمدن هي كما يلي: يصيب في فرنسا كل ٨٣ شخصاً حانة واحدة يصيب في سويسرا ١٤٣ شخصاً حانة واحدة يصيب في ايطاليا ١٧٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في هولاندة ٣٠٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في انكلترا ٢٣٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في ألمانيا ٢٤٦ شخصاً حانة واحدة يصيب في الولايات المتحدة ٣٨٨ شخصاً حانة واحدة يصيب في البلجيك ٤١٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في السويد ٥٥٠٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في كندا ٩٠٠٠ شخصاً حانة واحدة يصيب في نروج ٩٥٠٠ شخصاً حانة واحدة وبهذا الإحصاء تسقط دعوى من يقول أن البلاد الباردة يحتاج ساكنها إلى الكحول أكثر من غيرها فأنت ترى السويد ونروج وهما اشد أوربا برودة اقلها مسكرات فليتأمل الشرق الذي يقلد على العميا في تناول المشروبات الروحية. المرأة في الهند عقد هذه السنة المؤتمر الأول لتعليم المرأة المسلمة في الهند بحضور مئات من الطبقة الراقية من المتعلمات وألقيت فيه خطب ترمي إلى تهذيب الفتاة المسلمة وتعليمها التعليم الديني المدني. وقد ذكرت بعض المجلات أن الهند قد بدأت في العشر سنين الأخيرة تستفيد من ارتقاء المرأة فيها بفضل مساعي الهنود والذين استفادوا من التربية الغربية وبمعاونة المرسلين وعمال الحكومة فتحررت المرأة الهندية من جهلها وخرافاتها وقد دلت الإحصاءات الأخيرة أن في كل عشرة آلاف امرأة ١٠٥ متعلمات و ١٠ في العشرة ألاف تعرف الانكليزية ولا يوجد في شعب يبلغ ٣١٥ مليوناً سوى نحو مليون امرأة متعلمة. والمتعلمات أكثرهن في طائفة البارسيس ومنهن المسيحيات وقد بدأت النهضة من مدينة بومباي وفيها تألفت جمعيات النساء الأولى ونشرت مجلة تحرير المرأة الهندية. وشارك النساء الرجال في جميع الأعمال وأثرن في كل شيء حتى في السياسة. وقد اشترك في جمعية كبرى في لندن البارسيسيات والمسلمات والمسيحيات والأوربيات وأخذن يتبادلن الأفكار ويتعارفن ويتريضن وربما دعون الرجال في الأحايين لمشاركتهن في الألعاب الرياضية وهذه الجمعية خدمت في فك القيود التي ما زالت تتقيد بها الطبقات من الشعب هناك وتحول دون النساء من الاختلاط بالرجال. ومن جمعيات النساء ما يسعى بتطهير الضواحي وتعلم الأمهات حفظ الصحة والنظافة وتمرض المرضى وتقاوم الكحول والفساد وتقاوم مبدأ تزويج البنات في سن الطفولة وقد أسست مثل هذه الجمعيات في جميع حواضر الهند في بنجاب وبنغال وكلكوتا ومدارس وقد تعدى عملهن إلى ما وراء الهند فبلغ جنوبي افريقية حيث هاجر كثير من الهنود مع أزواجهن. حرير الخث ظهر أن في الخث أو نبات الماء الذي يقذف به البحر على شواطئ نورمانديا ونروج وايكوسيا وكندا المعروف باسم تان خصائص فنية يصلح معها لعمل حرير صناعي ينافس الحرير المعروف بجنس شاردونه وقد اخذ أناس من أرباب الصناعة من الانكليز يستثمرون هذا النبات ويعلقون عليه آمالاً كبيرة ومتى حول الخث إلى نسيج يصبح ذا قيمة صناعية لم تكن له حتى الآن. آثار في الحبشة جرت حفريات في بلاد الحبشة منذ أربع سنين فاكتشفوا قصر ميروي الملكي والحمامات المعدنية المتصلة به كما عثروا على كنز من الذهب. وقد حفروا في خرائب معبد صغير من الطراز الروماني رأوا فيه أمتعة يستدل منها أن الجيش الروماني احتل بلاد الحبشة زمناً وهذا مما يصحح بعض ما أشكل البت فيه على مومسن صاحب تاريخ دولة الرومان. وعلم الآثار منذ كان أعظم مساعد على فهم الحقائق التاريخية القديمة. فطر ينفجر اسم هذا الفطر العلمي فيلوبولوس كريستالينوس وهو ينبت وينمو ويموت في أربع وعشرين ساعة فيبدو لطعاً صفراء أولاً ولا يلبث أن تتكون منه أنبوبة صغيرة مذهبة وبعد ثلاث ساعات ينفتح طرف الأنبوب وتغطيه حقة تكون له بمثابة غطاء وفي هذا الانتفاخ توجد التراكيب المنتجة للفطر ثم يفقد لونه ويصبح شفافاً كما عدا الحقة الصغيرة التي تسود وبتأثير الضوء يأخذ السائل الحامض الموجود في الأنبوب بالتخمر وتنفجر الحقة ولما كان طول هذا الفطر نحو ثلاثة مليمترات فقط أصبح لا يرى إلا بالمجهر. استعمار الجزائر في المجلة الأسبوعية أن النفوس قد تكاثرت في الجزائر بسرعة بالنظر لما فيها من الموارد العظيمة فزاد عدد سكان ذاك القطر في خلال خمس وثلاثين سنة ضعفاً وكان سنة ١٨٧٦ : ٢٨٠٧٠٠٠ فأصبح ٥٥٦٣٠٠٠ سنة ١٩١١ يدخل في هذا العدد الوطنيون من سكان الأراضي الجنوبية الذين اخرجوا مؤخراً من هذا المجموع لأسباب إدارية وحددت الجزائر على البلاد الساحلية فأصبحت ١٦٦ ألف كيلو متر مربع وما كان وراء ذلك من الصحراء والقريب منها جعل ولاية خاصة على أن عدد الجزائر على تحديد رقعتها قد بلغت زهاء خمسة ملايين نسمة في إحصاء سنة ١٩١٢ ومنه ٧٦٦ ألف أوربي. ولما بدأت فرنسا باحتلال تلك البلاد سهلت السبيل إلى المستعمرين (وهم بالطبع من الأوربيين) فأخذت تمنحهم أراضي مجاناً على شرط أن يسكنوا في البلاد فأنشئت قرى جديدة وأعطيت امتيازات إلى بعض المستعمرين المنفردين ولكن هذه الطريقة لم تأت بنتيجة وذلك لان المستعمرين لم يكونوا في الغالب أهل قابلية ولا عندهم الأسباب اللازمة للأعمال الأولية في الزراعة فظلت الأراضي بائرة إلا قليلاً ولما رأت أن هذه الطريقة لم تأت بفائدة عمدت إلى بيع الأراضي في المزاد كما هي طريقة الاستعمار وبذلك يبتاع الأرض غالباً من اعتاد القيام عليها ويتعلق بها لأنه يكون قد وضع كمية من النقد لاستثمارها وبذلك تنتخب الحكومة كل سنة أراضي تريد أن تحدث فيها مزارع أو قرى تربطها بالمراكز القريبة منها وتقوم بالحاجيات العامة من مثل جر المياه اللازمة أروائها وإنشاء الأماكن العامة الضرورية للحياة المدنية. وهذه الأراضي المقسومة إلى عدة قطع تختلف مساحتها بين ١٠٠٦٠ هكتاراً (الهكتار عشرة ألاف متر مربع) وتعرض للبيع بأقل من ثمن مثلها بقليل وتأخذ ثمن الأراضي على تقاسيط ثمانية مدة عشر سنين. اثنان منها عند عقد المقاولة الأولى وواحد بعد ثلاث سنين واحداً من الثمانية في السنين الأخيرة وقد قالت المجلة التي عربنا عنها ما سلف أن نتائج هذه الطريقة قد كانت مما يوجب الرضا كما تبين من إحصاء الأراضي التي أخذت تباع على هذه الصورة منذ نهاية سنة ١٩٠٤ فقد بيع ١٠٤٤٣٧ هكتاراً بمعدل ١٢٥ فرنكاً كل هكتار فجاء يستثمرها ويسكن بالقرب منها ٦٦١ أسرة مستعمرة مؤلفة من زهاء ألفي نسمة على حين أن ٤٢٧٠٧ كانت توزع مجاناً على ٥٣٥ أسرة ولا تأتي بفائدة. قلنا وهذه الطريقة في توزيع الأراضي إذا جربتها الحكومة في الشام والعراق والجزيرة العربية تأتي ولا شك بفوائد مهمة خصوصاً إذا اشترطت أن يفضل فيها الوطني على الأجنبي. الخشب الباقي الخشب يتغير على الزمن وان صنع بحيث يقاوم تأثير الرطوبات والخشب الطبيعي هو غاية الغايات في هذا الباب وقد وجدت في بعض الجوامع والقصور والقبور نوافذ ومنابر وصناديق منذ القرن الخامس والسادس ومنها نموذجات في دار الآثار العربية في القاهرة كانت وما زالت موضع إعجاب من يحبون بقاء المادة وإبقاء الآثار. والغالب أن أرز لبنان الذي بني به هيكل سليمان وكان الفراعنة ينقلونه على سفنهم من شواطئ سورية إلى شواطئ مصر كان ولا يزال أعظم خشب لا تبلي الأيام جديدة هذا مع انه كان في مصر غابات ولا سيما على عهد الخلفاء الفواطم وسلاطين بني أيوب استخدم خشبها لعمل المراكب للأسطول ولا شك في انه عدا هذه الأشجار المعدة للبحرية من زرع شجر آخر نجد خشبه في معروضات دار الآثار الكثيرة ولجفاف هواء مصر صار الخشب يحفظ جيداً في ربوعها ومن ثم أضحى له دخل كبير في أبنيتها إلا ترى أن دعائم جامع ابن طولون التي يزيد عمرها على ألف سنة لا تزال بها السافات الخشب الأصلية وكذلك أقدم القباب المعمولة من الآجر تحتوي على مجموعة من الخشب أشبه بشيء بالقفص أو الهيكل الذي أقيمت عليه القبة وهناك إفريز نقش عليه القرآن الكريم كله بالقلم الكوفي. أما في بلاد الشام فإن أقدم خشب عثر عليه فيما نذكر تابوت السلطان صلاح الدين في مدفئته شمالي جامع بني أمية فتح في أوائل هذا القرن عندما ترميم القبة ثم أعيد إلى ما كان عليه كأنه عمل الساعة لم يلحقه سوس ولا أرضة ولا رطوبة ولا شيء من مفسدات الخشب وفي دار الآثار الإسلامية في الأستانة نموذجات من الخشب القديم ولكنها غير قديمة كثيراً على ما يظهر. وقد قرأنا في المجلة الباريزية أن في عينة الفرنسوية شجراً اسمه المانجروف وهو أشبه بخشب الأرز بمتانة ابتاعت إحدى شركات السكك الحديدية منه ألواحاً سنة ١٩٠٩ لتجعلها عوارض في الخطوط فغمرتها منذ ذاك العهد في بئر جعلت فيها جميع عناصر الإفساد للخشب ولا تزال الألواح سليمة بحالها وكثافة هذا الخشب تبلغ ١١٠ في حين أن كثافة البلوط ٧٠ وكثافة الصنوبر ٤٠ وتكثر فيه المادة الدابغة التي تقيه سطوات الحشرات وهو لين صعب قطعة يستعمل عوارض للسكك الحديدية وعمداً للجسور ودعائم في إنفاق المناجم ولتجارة السفن وغير ذلك. الحرب والعناصر اصدر احد الانكليز بحثاً في تأثير الحرب في أجيال الناس وعناصرهم فقال أن تأثيرات الحرب هي منافية لقاعدة الانتخاب الطبيعي وبقاء الأنسب فإن تقاتل الأمم يبيد العناصر الأكثر فتوة والأشد قوة ويترك للضعاف أمر تدبير من عاشوا بعد الحرب فقد استطاعت يابان بعد مائتي سنة قضتها في السلام المتواصل أن تجند جيشاً كان برجوليته موضع إعجاب العالم ولا سيما الصين والروس وما ذاك إلا لان قاعدة الانتخاب الطبيعي خلال هذه المدة لم يصادمها عائق من العوائق. وهكذا الحال في ايكوسيا من بلاد الانكليز فإنها بعثت خلال مائة وخمسين سنة بالقوة أبنائها يقاتلون في صفوف الانكليز فلم يبق لها اليوم إلا عدد قليل من العنصر القديم والكتائب الايكوسية تشكو من هذه القلة. الحرب يأتي على جذوع الشجرة الوطنية فالثمر لا يناله شيء من بوائقها من حيث كيفية بل يناله من حيث كميته فإنها تقل وبذلك لا يأتي زمن طويل حتى يضعف الجذع نفسه. وهكذا ترى الأقوياء من الرجال بعد حرب طاحنة على ندرة ويتنازل معدل الرجولية. المراقبة بالسينما توغراف يعمد أرباب المعامل في العادة إلى المعلمين في معاملهم لملاحظة العملة من إضاعة أوقاتهم وتليهم عن العمل ولكن هذه المراقبة قد لا تتناول جميع المستخدمين فاخترع اثنان من أهل البحث في الغرب طريقة فعالة في منع العملة من النجاة من المراقبة ومن خديعة المراقب وذلك باستخدام السينما تواغراف فأنشأ آلة لها ساعتان دقاقتان لإحداهما وجه مقسم إلى مئة جزء متساو تتحرك عليه إبرة تدور عشر دورات في الدقيقة وكل تقسيم يقابل واحداً في الألف من الدقيقة وليس في الساعة الثانية شيء خاص بل هي تدل فقط على الساعة كالتي ترى في كل مكان فتوضع الساعتان إحداهما في مقابل العامل وتأخذ تخرج حركاته في الآن الذي يبدأ بالعمل فإبرة الساعة الأولى تدل على الوقت الذي مضى بين كل من هذه الحركات والساعة الثانية تدل على سير الساعة والجهاز الذي ينقل الحركات يتوالى ثلاث مرات في كل ألف مرة من الدقيقة وترى وهي تدور ببطء تقيد العامل بما يعمل وهذا الاختراع يفيد في بيان ما يلزم لعمل شيء أو لإدارة آلة فالعامل لا يستطيع بهذه الآلة أن يغش في عمله من حيث الكيفية والكمية وليس في هذا الاختراع من عيب إلا غلاء سعره ومتى رخص يعم استعماله وما ندري كم يأتينا العلم من الغرائب بعد. أقدم متحف أقدم متحف في العالم هو في مدينة نارا من أعمال يابان أنشئ سنة ٧٥٦ م وفيه مجموعة نفيسة من الجوامد والمعادن وإنموذجات من الخشب الوطني وألوف من الأواني المعمولة من الملك الصيني ومجموعة أعشاب يابسة. ولكن هذا المتحف محظور دخوله فلا تتأتى زيارته متى بعهد إلى لجنة خاصة كل صيف أن تدخله للتفتيش عليه وفيما خلا ذلك من الأوقات فهو مغلق. غنى العالم الذهب والفضة اليوم جزء ضئيل من ثروة الأرض فإذا شئت أن تعرف مبلغ غنى امة فعليك أن تتمثل أساليبها في عملها وتتدبر قوتها المالية كما تتدبر قوتها العددية والجندية. وعلى كثرة الإحصائيين والماليين والاقتصاديين يصعب اليوم إعطاء حكم صريح في ثروة العالم المنقولة وغاية ما قدره نيمارك إلى آخر سنة ١٩١٢ أن مجموع الثروة المنقولة في الأرض هي ٨٥٠ مليار فرنك وكان مجموعها سنة ١٩٠٣ ٦٧٧ ملياراً فزادت في عشر سنين ١٧٥ ملياراً أي بزيادة ١٧ . ٣ ملياراً كل سنة. تزيد حاجات الإنسانية العامة بسرعة ويزيد غرام الأمم بالقروض. وهذه الأرقام تمثل القيمة الحقيقية لثروتنا المنقولة فالقول بأن ثروة العالم المنقولة أو ثروتها من ذهبها ٨٥٠ مليار فرنك موضع نظر بليغ فأول ما يجب جعله قيد النظر أن ترد هذه الثروة إلى كل مملكة برأسها ويحسب ماذا يصيب الممالك وقد اعتاد الأخصائيون أن يقسموا الثروة في العالم إلى خمسة أقسام أساسية: انكلترا ومستعمراتها (ما عدا كندا وممالك افريقية الجنوبية المتحدة) وقارة أوربا وقارة أمريكيا وقارة أسيا وقارة افريقية، ثم يقسمون نوع الثروة المنقولة إلى ثلاث فصائل القروض العامة (قروض الممالك والبلديات والقروض الداخلية) أسهم المصارف وأموال الصناعات مثل ثروة التجار وثروة المعادن. والقسم الأول من ذلك وهو قسم القروض آخذ بالنمو كثيراً فقد كان سنة ١٩٠٧ - ٥ مليارات فرنك فأصبح سنة ١٩١٠ - ٩ مليارات ثم نزل معدلها في سنة ١٩١١ - ١٩١٢ - ١٩١٣ وذلك بداعي الحروب والأزمات واضطرت الحكومات إلى إصدار سندات أو استلاف أموال من طرق منوعة كما فعلت الدولة العثمانية خلال ذلك ريثما عقد بعد الحرب البلقانية القرض الأخير بسبعمائة مليون فرنك وكما فعلت حكومات البلقان نفسها وذلك لان ميزانيات الحربية آخذة بالازدياد في كل الممالك المتحايدة حتى الصغرى مثل البلبيك والدانيمرك واسوج ونروج وسويسرا فقد زادت ميزانية يابان ٥٧٨ في المئة عن سنة ١٨٩٠ أو نحو ستة إضعاف ما كانت عليه منذ ٢٤ سنة وازدادت في النمسا ٤١٠ في المئة خلال هذه المدة وزادت ٢٣٨ في المئة في روسيا و ١٤٠ في ألمانيا و ١١٢ في البلجيك و ٤٧ في فرنسا وما قط تحمل نظار المالية مثل هذه التبعة. والقسم الثاني أي أسهم المصارف اقل من الأول بكثير فلم يكن ٢٠ في المئة من مجموع ما صدر من السندات والأسهم أما القسم الثالث فهو أهم الأقسام لأنه يدخل فيه مجموع ما صدر من السندات والأسهم أما القسم الثالث فهو أهم الأقسام لأنه يدخل فيه جميع المشاريع الإنسانية وحدوده واسعة للغاية فإذا أخرجنا منه ٣٠٠ مليار فرنك قيمة الخطوط الحديدية في العالم يبقى المال المستخدم في الصناعات فإنه حسب ما هو موجود منها في برلين فقط مكان عشرة مليارات سنة ١٩١٠ والبلجيك آخذة بإنماء ثروتها في صناعاتها فقد كانت سنة ١٩١٣ - أربعة مليارات ومئة مليون فرنك وهي تزيد السنة بعد السنة زيادة كبرى بفضل معادنها وأعمالها الحديدية والكهربائية فقد ربحت من ذلك أرباحاً طائلة ولا سيما من الحديد والكهرباء. بقي هنا أن يقال من يملك يا ترى هذه الثروة المنقولة فالجواب أن بريطانيا العظمى هي أغنى الممالك فإنها تملك من ١٤٥ - ١٥٠ ملياراً ثم الولايات المتحدة ولكنها توشك أن تحرز المقام الأول فإن ثروتها تقدر ب - ١٣٥ - ١٤٠ ملياراً كلها لها ولامتها وفرنسا هي الثالثة بثروتها بين ممالك العالم فإنها تقدر من ١١٠ إلى ١١٥ ملياراً وتزيد ثروتها في السنة مليارين ونصفاً ومن ذلك ثروة الفرنسيس أنفسهم من ٦٠ إلى ٧٥ ملياراً ونحو أربعين ملياراً للأجانب واهم البلاد المقترضة من فرنسا هي روسيا فإن لها عندها ١١ ملياراً ثم أمريكا اللاتينية ومصر والممالك البلقانية والدولة العلية. وألمانيا تكاد تكون مثل فرنسا بثروتها فإنها تقدر ب - ١١٠ مليارات وكانت سنة ١٩٠٨ - ٨٥ ملياراً فربحت في خمس سنين ٢٥ ملياراً فالربح السنوي الذي يزيد في ثروتها بالاقتصاد وغلاء الأسعار يبلغ سنوياً خمسة مليارات أي قيمة الغرامة الحربية التي قبضتها دفعة واحدة من فرنسا في حرب السبعين. أما الممالك الأخرى فلا يتأتى تشبيهها بتلك الممالك الأربع الكبرى فإن أموال روسيا كلها تقدر بخمسة وثلاثين ملياراً والنمسا بخمسة وعشرين وايطاليا بثمانية عشر واليابان بستة عشر ومع هذا فإن ثروة هذه الممالك آخذة بالازدياد فروسيا ترقى السنة بعد السنة ديونها وكذلك ايطاليا واسبانيا وكذلك اليابان وعلى هذا ربما حدث تغيير في ميزانية الدول في المستقبل. هذا بعض ما قرأناه في إحدى الصحف المالية الكبرى نقلناه تفكهة للقراء فان الجارية القرعاء تفتخر بشعر جارتها ونحن في الشرق لا نعرف من تنمية الثروة إلا أن نقترض ونستلف. التهاب المفصل من جملة أمراض المفاصل الداء المعروف بالالتهاب (ارتريت) المشوه الذي يسميه العامة وجع الشيخوخة وان كان يصيب الصغار كما يصيب الكبار وقد جرت مداواة هذا المرض بأدوية كثيرة حتى الآن كالرياضة البدنية وصيغة اليود واخذ الحمامات الكبريتية والمعالجة بالماء البارد ولكن جميع هذه الوصفات لم تثمر الثمرة المطلوبة للمصاب بهذا الداء الذي حسب في جملة الأمراض العضالة. وقد اخترع أحد أهل الأخصاء من أطباء الألمان دواء جديداً غريباً لهذا المرض وهو أن يوضح نحل على المحل الموجع فليذع بحمته الجلد فيحدث فيه احمرار ومن سميته يرتعش جسم المصاب ويحس بوجع رأس وغثيان وضربات قلب أولاً ثم يخف آلمه ويتبين بعد ذلك فيما إذا كان هذا الوجع حادثاً من التهاب في المفاصل أو انه أعراض سل أو سيلان مخاطي أو غير ذلك واشترط المخترع في معالجة المبتلى أن يكون الداء في أوله لا مزمناً والعظم سليماً لا مشوهاً. تأثير الهواء كان العلماء إلى أوائل القرن العشرين يرون الهواء عاملاً ثانوياً في تركيب الأرض وقد دلت الأبحاث الأخيرة في آسيا الوسطى وافريقية الاستوائية والجنوبية وفي الجنوب الغربي من أمريكيا الشمالية أن ما كلن يراه العلم مقرراً من هذا القبيل يحتاج إلى تعديل وعلم الآن أن الهواء عامل قوي في انحلال الصخور وتسوية الأراضي واليه ينسب تركيب الأصقاع المقفرة أو البوادي. وهذه النظرية من أهم نظريات العلم في السنين العشر الأخيرة أثبتها لأول مرة سنة ١٩٠٤ الجيولوجي بأسارج الألماني وأيدتها التجارب التي جربت في منطقة ما وراء بحر الخزر وفي أعالي سهول المكسيك ففسرت الظواهر العديدة التي تلاحظ في الأراضي الحارة تفسيراً معقولاً وكان القدماء يعزونها إلى عمل الأمطار ومجاري المياه وإنها هي العامل الأول في تبديل صورة الأرض فظهر اليوم أن هذه النظرية مغلطة وان للهواء اليد الطولى في هذا التبدل فيه تنحل الصخور وتحمل بقاياها إلى المحال البعيدة. ورق الرتم أخذت صناعة الورق تستخدم في حاجياتها النامية مواد أولية من النباتات الغنية بالخلووز ففي أمريكيا يصنعون الورق من الذرة والسورغو وفي الصين من الخيزران والتوت وشمالي افريقية يستخرج من الحلفا وفي جنوبي فرنسا يحاولون اليوم صنع الورق من الرتم الزان وهذا النبات غني بأليافه ذات النسيج وكثير ينبت بنفسه في الأراضي البائرة ويمكن الحصول عليه بنفقة قليلة ولا يضر به الجليد الشديد ولا القيظ الفاحش ويستخرج هذا النبات من ايطاليا بثمن زهيد وقد جمعوا ما ينفق عليه فكان مهما بلغ نحو نصف أكلاف سائر المواد التي يستخرج منها الورق. والرتم هذا يقوم مقام الخشب الذي يعمل منه الورق أيضاً وقد اخذ بالتناقص وأسعاره بالارتفاع. هبة كريمة وهبت السيدة بهية خانم كريمة المرحوم علي باشا برهان في مصر للجمعية الخيرية الإسلامية في القاهرة سراياً في درب الجمامين ومساحة ما يتبعها من الأراضي ١٧٠٠٠ دونم وقيمة هذه الهبة لا تقل عن خمسين ألف جنيه. ورصدت للجمعية غير ما ذكر ٦٠٠ جنيه مساهمة. وللسيدات مبرات كثيرة غير ذلك جزاها الله خيراً. الجامعة المصرية يستخلص من تقرير مجلس إدارة الجامعة المصرية عن أعمالها عام ١٩١٣ _ ١٩١٤ أن مجلسها يفكر في إنشاء ستة أقسام أخرى غير الأقسام الموجودة الآن كما مست الحاجة إلى احدها وتوفر المال اللازم لإنشائه وهي لعلم طبقات الأرض أو الجيولوجيا وللعلوم الطبيعية وللعلوم الكيماوية وللمعادن والفلزات ولعلم الحيوان وتشريح المقابلة ولعلم النبات مع حديقة خاصة بهذا القسم وقسم المكتبة الجامعة. أما حالة الجامعة المالية فلا تزال ما يقتضيه هذا المشروع العظيم ولكن المجلس يستبشر خيراً بالهبة العلوية التي نفحتها بها الأميرة فاطمة إسماعيل فإنها نهضت بالجامعة نهضة يرجى أن تكون فاتحة عصر تقدم سريع لها وارتقاء مطرد. وقد بلغت إيرادات الجامعة من أكتوبر (تشرين الأول) ١٩١٢ لغاية سبتمبر (أيلول) ١٩١٣ نحو ٩٠٩٦ ج م وإعانة الحكومة المصرية وقدرها ٢٠٠٠ ج. م وفوائد أموال الجامعة وهي ١١٢٤ ج. م وإيجار الوقفيات وإيرادات متنوعة وكان للجامعة في أول أكتوبر ١٩١٢ من الأموال في البنك الألماني الشرقي وسواه ١٩٨٠٨ ج. م. وبلغت جملة المصروفات في المدة عينها ٨٣٩٤ ج. م فزاد المال الذي للجامعة وصار ٢٠٥١٠ ج. م في آخر سبتمبر ١٩١٣ وتقدر قيمة الأطيان الموقوفة على الجامعة بنحو ١٧٠٠٠ ج. م. ويظهر من مراجعة بيان الدروس المنشور في هذا التقرير أن الجامعة لم تقتصر على تعلم الآداب بل شرعت في تعليم العلوم فقد أدخلت في مواد التدريس العلوم الرياضية والعلوم الطبيعية وعلم الفلك. وسينضم إلى أساتذة العلوم ثلاثة من طلبة الجامعة في أوربا يعودون إلى القطر في آخر هذا العام. وقد وافقت نظارة المعارف على تمييز متخرجي قسم الآداب في الجامعة في الراتب واشترطت لذلك أن تمثل في لجنة الامتحان لشهادة العالمية وكان عدد طلبة الجامعة في العام السابق ٧٥ فبلغ في هذا العام ٣٢١ منهم ٩٤ من طلبة المدارس العالية و ٤٨ من طلبة الأزهر ومدرسة القضاء الشرعي ودار العلوم و ٣١ من موظفي الحكومة و ٧٠ من طلبة المدارس الثانوية والخصوصية و ٩٠ من رجال القضاء والمحاماة والهندسة والطب و ٩ من الموظفين في محلات تجارية و ١١ من المزارعين أو غير ذوي مهنة وعدد النساء منهم ٣٥ والزيادة مطردة في مكتبة الجامعة فقد صار مجموع ما فيها من المجلدات نحو ١٢ ألفاً منها ٣٧٠٠ إفرنجية و ١٣٠٠ عربية و ٢٠٠٠ من مكتبتي شفيق بك منصور ويحيى باشا منصور يكن وقد أهديتا إلى الجامعة و ٢٠٠٠ كتاب أيضاً. أموال المهاجرين يقول قنصل الولايات المتحدة في طرابلس الشام أن المهاجرين السوريين أرسلوا إلى أوطانهم في سورية عن يد أصحاب البنوك في طرابلس شام في سنة ١٩١٣ أكثر من ٧٧٥ ألف ليرة. وانه يؤخذ من المصادر الصادقة انه وصل إلى المواني السورية الخمسة في العام الذي انتهى فيه آخر حزيران سنة ١٩١٣ أكثر من مليون و ٧٧٥ ألف ليرة من المهاجرين السوريين في أنحاء العالم. الأراضي الزراعية في أمريكا تبلغ مساحة الولايات المتحدة ما عدا أملاكها ومستعمراتها في الخارج ٢٩٧٣٨٩٠ ميلاً مربعاً ومساحة الأراضي التي توزع منها بحسب إحصاء سنة ١٩١٠ نحو ١٣٥٧٢٥٠٠٧ فداناً منها ٨٧٨٧٩٨٣٢٥ فداناً مزارع (أبعاديات) قدرت قيمتها بنحو ٤٠٩٩١٤٥٠٠٠٠ ريال و ٤٧٨٤٥١٧٥٠ فداناً أراضي معدة للزراعة قدرت قيمتها بنحو ٢١ ألف مليون ريال وغلتها السنوية كلها بأكثر من خمسة ألاف مليون ريال. ويبلغ عدد السكان الذين يشتغلون في الزراعة ١٠٣٨١٧٦٥ نفس منهم ٩٤٠٤٤٢٩ رجلاً و ٩٧٧٣٣٦ امرأة ويملك الأميركيون البيض من المزارع ٤٧٧١٠٦٣ مزرعة والبيض غير الأميركيين (الأجانب) ٦٦٩٥٥٦ مزرعة والزنوج ٩٢٠٨٨٣ مزرعة ويسكن في هذه المزارع ٣٩٤٨٧٢٢ من أصحابها و ٥٨١٠٤ من مديريها و ٧١٢٢٩٤ من مستأجريها و ١٣١٩٩٥٣ من مستأجريها بالشركة و ٢٠٨٤٣٦ من مستأجريها بالنقد والشركة والباقون عمال. وبلغ المزروع من الذرة في العام الماضي ١٠٥٨٢٠٠٠٠ فدان محصولها ٢٤٤٦٩٨٨٠٠٠ بشل ومن القمح ٥٠١٨٤٠٠٠٠ فدان محصولها ٧٦٣٣٨٠٠٠٠ بشل ومن الشوفان ٣٨٣٩٩٠٠٠ فدان محصولها ١١٢١٧٦٨٠٠٠ بشل ومن الجودار ٢٥٥٧٠٠٠ فدان محصولها ٤١٣٨١٠٠٠ بشل ومن الشعير ٧٤٩٩٠٠٠ فدان محصولها ١٧٨١٨٩٠٠٠ بشل ومن البكهويت (نوع من الحنطة) ٨٠٥٠٠٠ فدان محصولها ١٣٨٣٣٠٠٠ بشل ومن بزر الكتان ٢٢٩١٠٠٠ فدان محصولها ١٧٨٥٣٠٠٠ بشل ومن الأرز ٨٢٧١٠٠٠ فدان محصولها ٢٥٧٤٤٠٠٠ بشل ومن البطاطس ٣٦٦٨٠٠٠ فدان محصولها ٣٣١٥٢٥٠٠٠ بشل. وبلغت مساحة الأراضي التي زرعت قشاً لعلف المواشي ٤٨٩٥٤٠٠٠ فدان كان محصولها ٦٤١١٦٠٠٠ طن وقيمتها ٧٩٧٠٧٧٠٠٠ ريال. وبلغ محصول القطن ١٣٦٧٧٠٠٠ بالة ومحصول سكر القصب ٦٩٦٦٤٠٠٠٠ رطل وسكر البنجر ٧٢٧ ألف طن. وبلغت مساحة الأراضي التي زرعت دخاناً ١٢١٦٨٠٠ فدان محصولها ٩٥٣٧٣٤٠٠٠ رطل. ويستخدم الأميركيون في زراعة أراضيهم الواسعة بحسب التقدير الذي قدرته الحكومة في أوائل العام الحالي ٢٠٩٩٢٠٠٠ حصان و ٤٤٤٩٠٠٠ بغل و ٥٦٥٩٢٠٠٠ رأس من البقر على اختلاف أنواعها. ويربون فيها الآن ٤٩٧١٩٠٠٠ رأس من الغنم و ٥٨٩٣٣٠٠٠ رأس من الخنازير. وبلغت قيمة الأبقار ما عدا الحلوبة منها ١١١٦٣٣٣٠٠٠ ريال وقيمة الأبقار الحلوبة ١١١٨٤٨٧٠٠٠ ريال وقيمة المواشي التي في المزارع كلها ٦٨٩١٢٢٩٠٠٠ ريال. وبلغت زنة الصوف الذي جز من الغنم ٣١٨٥٤٧٠٠٠ رطل وزنة اللبن الذي حلب من الأبقار والأغنام ١٢١٨٣٣٧٥٨٨٥ رطلاً صنعت جبناً وزبدة ولبناً محفوظاً بالعلب فبلغت قيمتها بعد صنعها ١٨٦٨٢٧٨٩ ريالاً. وبلغت قيمة البقول التي عللت وحفظت في العلب سنة ١٩٠٥ نحو ٤٥ مليون وربع مليون ريال وقيمة الفواكه المسكرة والمحفوظة في العلب ١١٦٤٤٠٤٢ ريالاً وقيمة الفواكه المقددة ١٥٦٦٤٧٨٤ ريالاً. الافرنسية ذكرت مجلة مستندات الترقي الباريزية أن اللغة الافرنسية ما برحت في الدرجة الأولى من المكانة فهي لغة ثانية للمستنيرين من البورتقاليين وتنتشر بين الأسبان أي انتشار وتعد لغة رجال السياسة في رومانيا وقد قل استعمالها في روسيا ولم تبرح شائعة في فنلندة وبولونيا كما إنها منتشرة في المملكة العثمانية واليونان وكندا والبرازيل. وفي هولاندا ١١٧٥ مدرسة تعلم الافرنسية وفي طهران ٣٠٠٠ طالب يتعلمها وفي مصر ٢٢١٧٥ طالباً، وفات المجلة أن تذكر عدد من يعلمها من الجزائريين والتونسيين فإننا رأينا أناساً من أهلها المتعلمين يتعامي عليهم التكلم بالعربية ويجدون كل السهولة بالتخاطب والتكاتب بالافرنسية. انتشار الألمان نشرت مجلة الاتحاد الجرماني إحصاء في عدد الألمان المقيمين خارج بلادهم فكان عددهم ١٨٠٠٠٠٠ في روسيا و ٥٠٠٠٠٠ في فرنسا و ١٠٠٠٠٠ في انكلترا و ٥٠٠٠٠ في الدنيمرك و ٥٠٠٠٠ في رومانيا و ٥٠٠٠ في البلاد العثمانية و ٥٠٠٠٠ في جاوة و ٤٢٠٠ في الصين و ٤٢٠٠ في الهند الصينية و ١٢٠٠٠ في مصر و ٣٦٠٠٠٠ في كندا و ٢٦٦٦٩٩٠ في الولايات المتحدة و ٤٠٠٠٠٠ في برازيل و ١٠٧٢٤ في الشيلي. التشويه اعتادت الأمهات والمرضعات عادة سيئة وهي أن يحملن الطفل مضطجعاً على ذراعه الأيسر ممسكات باليد اليمنى المضمومة إليهن وهذه الوضعية إذا تجددت على الولاء مدة طويلة من النهار غير متقطعة إلا وقت وضع الطفل في السرير ولتطهيره وإرضاعه تنتج في الغالب عقيب الضغط على الحوض أو على الفخد تحويل سلسلة الفقار ويكون ذلك محسوساً في البنات ويظهر ظهوراً بيناً عندما يبلغن سن البلوغ. وقد اثبت الدكتور انجلمان من فينا الذي قام بتجارب طويلة مبنية على التشريح أن هذا التشويه يبدو في العادة من جهة اليسار أكثر من اليمين ويكون شديداً جداً إذا كانت المرضعات ضعيفات البنية مستعدات للكسح. ويستدل من الإحصاء قام به أناس من الاختصاصيين أن في كل ٢٣١٤ تلميذاً من تلامذة المدارس الابتدائية ٩١ . ٤ في المئة فيهم تشويه في العمود الفقري مع انحناء إلى اليسار. وأكد آخر أن في ٦٤ في المئة من المشوهين من يحنون رؤوسهم إلى تلك الجهة. ويرى الطبيب النمساوي أن هذه العاهة لا تحدث إلا من الطريقة الرديئة في حمل الطفل ولذلك ينصح بالانتباه إلى ذلك على الدوام. على أن التشويه القديم غير قابل للشفاء فإن المشدات والتمسيد وأدوات الجبس كلها من الوسائط التي قلما تؤدي إلى تقويم هذا التشويه إذا كان المرض عقاماً وان الأحسن التوقي لا التداوي وتلافي هذا المرض من أصله لا معالجته بطرق أكثرها عقيم. غرس الأشجار نشرت نظارة الزراعة المصرية منشوراً في كيفية غرس الأشجار جاء فيه: يجب أن تفك الأشجار المحزومة حال وصولها وتوضع جذورها في حفرة وتغطى جيداً بالتراب ثم تروى رياً كافياً وتوضع الأشجار منفردة في الحفرة إذ لا فائدة من وضعها حزمة واحدة وتغطية جذورها الخارجية بالتراب. فإذا تأخرت الأشجار العارية الجذور في الطريق وظهر على قشرتها انكماش فالأحسن غمرها ليلة في مجرى ماء ثم تدفن بجذورها وأغصانها في الأرض مدة ثلاثة أيام وبعد ذلك يمكن استخراجها وغرسها ويجب أن تفحص الجذور بعناية قبل الغرس فتنزع جميع أجزائها الممزقة والمنسلخة والمكسورة. أما الأشجار التفاح واللوز والمشمش والتين والخوخ والكمثرى والبرقوق والسفرجل والحمضيات فيجب قطع سوقها على ارتفاع ٦٠ سنتيمتراً من القاعدة وإذا وجدت في بقية الساق أغصان صغيرة تقل على بعد ٧ أو ٨ سنتيمترات من الساق. وقد يموت عدد عظيم من الأشجار لأنها لم تقل وقت النقل ويحسن قبل نقلها إلى المغارس أن تغمس جذورها في الطين (الرهريط) فتحفر حفرة عمقها ٤٠ سنتمتراً ويملأ جزء منها بالتراب ثم يخلط التراب بماء كاف حتى يصير مائعاً وتغمس فيه الجذور فيقل الضرر الذي يلحق بالأشجار من تعرضها للشمس أثناء الغرس. وأما الأشجار المغلفة الجذور بالطين فيجب غرسها وريها حال وصولها. باشلس الخناق ثبت أن باشلس الخناق (الدفتريا) لا يعشش في محل واحد من الجسم كما كان يظن إلى اليوم بل انه يغشى القلب والرئتين والكبد والطحال والكلية والنخاع وأحياناً الدماغ. أشعة اكس أن أشعة اكس التي استعملت واسطة للبحث قد استخدمت أيضاً عاملاً من عوامل الشفاء فإن بها تعرف بعض الأمراض في القناة الهاضمة وتشخص أمراض الكبد ويبحث عن الأجسام الغريبة في تركيب الجسم وترى بها آفات الهيكل العظمي وتعدل على الآكلة والبثور الصغيرة الجلدية والأكزيما والثآليل والقرع والنواتئ الجلدية والغدد والأورام الليفية. وهذه الطريقة نافعة في الأكثر خصوصاً لأنها خالية من الألم. الرياضة البدنية أن الرياضة البدنية ولا سيما الألعاب الشائعة في الغرب وبعض الشرق مثل التينس والكريكت والسكتين والفوتبول والتجديف في الزوارق وركوب الدراجات والسباق والقفز هي نافعة للصحة بلا جدال ولكنها تعرض اللاعب للخطر وقد وضع احد أطباء هايدلبرغ إحصاء في العوارض التي تحدث منها وهذا الإحصاء في بعض الحالات يعلم اتقاء الوقوع في المخاطر ويدل على طرق الإصلاحات الواجب إدخالها في هذه التمرينات المنتشرة وقد أخذت بعض المدارس في الغرب تضع ملاحظات الطبيب موضع النظر. الهواء السائل ثبت انه يمكن استعمال الهواء السائل بدون صعوبة ولا خطر بمثابة مادة منفجرة وجرب احدهم مزيج الهواء السائل بفحم من الحطب فكانت منه مادة منفجرة سماها اوكسيليكيد ولكن هذا التركيب لا يخلو من خطر ويحتاج إلى يد ماهرة جداً في استعماله وقد وضعت حكومة ألمانيا المقالع الملكية بالقرب من برلين تحت أمر رجلين من رجال البحث في هذا الاكتشاف ليركبا تركيباً ينفجر ولكن يكون مضمون النتيجة. الحرب في القرون الأخيرة أحصى العالم كاستون بودار الحروب التي جرت منذ سنة حتى ١٩٠٥ فكانت كما يأتي: بمدة ٢٨٧ عاماً حدث ١٠٤٤ موقعة برية و ١٢٢ موقعة بحرية و ٤٩٠ حصاراً و ٤٤ تسليم مدينة. الحرب التي كانت مدتها اطول من كل هذه الحروب هي التي اشتبكت بين البندقية والعثمانية وقد دامت ٥٥ سنة أي من سنة ١٦٤٤ إلى سنة ١٦٩٩ واقصر هذه الحروب هي الحرب بين النمسا وايطاليا سنة ١٨٤٩ ودامت ستة أيام. والأمة التي حاربت أكثر من غيرها هي الأمة الفرنساوية فإنها خاضت ١٠٧٩ موقعة ويأتي بعدها بالترتيب النمسا وانكلترا وروسيا وبروسيا واسبانيا حاربت فرنسا ١٥ مملكة وانتصرت ٥٨٤ مرة واندحرت ٤٩٥ مرة. ومعدل انتصارات بروسيا وانكلترا ٦٠ في المائة واندحارهما ٤٠ في المائة. ولتكون لفرنسا هذه النسبة يجب أن تكون انتصاراتها ٦٤٨ واندحارها ٤٣١ . انتصرت فرنسا بحروبها مع النمسا ٢٦٢ مرة واندحرت ١٩٦ ومع انكلترا غلبت ١٢٠ مرة وانكسرت ١٥٥ مرة وبحروبها مع اسبانيا ٩١١ انتصاراً و ٤٥ اندحاراً ومع هولاندا ٨٠ ضد ٦٣ وبلغ عدد المواقع بين فرنسا وألمانيا ٣٠٩ مرات وكان الانتصار للفرنسيويين في ١٥٢ معركة. وأطول حصار كان حصار جبل طارق فان هذه القلعة قاومت الانكليز مدة ١١٦٧ يوماً أي من سنة ١٧٧٩ إلى سنة ١٧٨٢ . وقادس ٩٠٣ أيام ضد جنود الانكليز والأسبان المتحدين ويأتي بعدها حصار فينا بيد العثمانيين في سنة ١٦٨٣ وحصار سباستوبول دام ٣٤٦ يوماً وبروت ارثور ٢٢١ وكنديا ٢٢٨ وبلافنا ١٤٢ وكانت خسائر موقعة موكدن ١٣٨ ألف رجل وفي سيدان ١٢٢ ألفاً. الأشربة الروحية خطب الدكتور حبيب أفندي همام في جمعية الاعتدال السورية في الأشربة الروحية فقال: أن في الإدمان عليها والإفراط فيها أضراراً لا يحمل الإغضاء عنها أضراراً يظهر بعضها في القريب العاجل وبعضها في البعيد الآجل وفي أواخر الحياة إذ تتحجر الكبد وتتصلب الشرايين ويلين الدماغ ويحول القلب حؤولاً دهنياً حؤولاً يضعف من قوته ويقلل من نشاطه فينوء بثقل ما تقتضيه مصلحة الجسم ويعجز عن القيام بما يناط به من العمل فيعيش المرء بذلك زماناً ضعيف الجسم واهي القوى لا يقوى على عمل ولا يرتاح إلى حال تلك عاقبة من يد من على استعمال الأشربة الروحية وتلك حال من يفرط في استعمالها تتشابه أعراضها بأعراض الهرم ولذلك يخفى على الناس أمرها فإذا شكا ابن الستين من الضعف قالوا هذا من الستين وإذا أن من ضيق النفس قالوا هذا أيضاً من الستين وإذا اقتضى شهيد المسكر قالوا هذا أيضاً من الستين وما كانت (الستين) لتفعل مثل هذا وإنما استدرجوا إلى هذا الخطأ بما ألفوه من رؤية مثل هذه الأعراض في مثل هذا العقد من الحياة وقد فاتهم أن للأشربة الروحية والتدخين وغيرهما من العادات الذميمة فعلاً في تقصير مدة الآجل وانفصام حبل الحياة. شاع استعمالها في جميع أنحاء المعمورة وسرى سمها في عروق الكثيرين من أبناء هذا الجيل فكثرت بها الإمراض والأدواء وتفاقم منها البلاء والشقاء حتى قيل أن معظم شقاء الإنسان صادر عنها وهو قول وان لم يصح على إطلاقه فقد يصدق في كثير من الأحوال ولما كان الجهاز الهضمي هو أول ما يصاب منها بالأذى كان من الواجب أن نبدأ فيه أولاً فنقول: الجهاز الهضمي ويقال له القناة الهضمية أيضاً وهو جهاز لطيف يتم فيه الهضم وينضج فيه الطعام ويراد به الفم والبلعوم والمريء والمعدة والأمعاء وغيرها من الأعضاء التي تشترك في عمل الهضم وتتكافل على إنضاج الطعام. الغشاء المخاطي ولا نزيده تعريفاً امتداد من الجلد ينعطف إلى الداخل فينشئ ما في الجسم من التجاويف التي تتطرق إلى الخارج ويبطن ما فيها من الغدد التي تستطرق إليها وهو غشاء رقيق النسيج لطيف المادة ابن القوام مخملي الملمس تخدشه خطرات النسيم ويدميه لمس الحرير على هذا الغشاء اللطيف تمر الأشربة الروحية وفي هذه الغدد والتجاويف تستقر الكحول ولا يخفى أن الكحول هي المبدأ الفعال في الأشربة الروحية فكل ما يعزى إليها من نفع أو ضرر يرجع إلى ما فيها من طبيعة الإحراق وخاصة التخدير أما ما يراد منها بالإحراق فهو نفس ما يراد بالحامض النتريك والبوتاسا الكاوي. وغيرهما من الكاويات الكيمية التي تحرق ما تتصل إليه من أنسجة الجسم بما فيها من شراهة امتصاص الماء فإذا دخلت القناة الهضمية أحرقت ما تتصل به من حويصلات الغشاء المخاطي فإذا كان الغشاء المخاطي بليداً أثرت فيه تأثيراً حسناً لأنها تذهب بما تبلد من نسيجه وشاخ من حويصلاتها فيظهر من تحتها حويصلات آخر أقوى على العمل واقدر على الإفراز فيشعر المر بالجوع ويستطيب الطعام وربما تناول منه شيئاً حتى إذا زالت بلادة الغشاء المخاطي واستمر استعمالها زمناً طويلاً أثرت فيه تأثيراً سيئاً لأنها تفعل عند ذلك في حويصلات جديدة وغشاء جديد يتآكل على كرور الأيام ويتقرح على مرور الزمن فيحدث من ذلك عسر الهضم وفقد شهوة الطعام. أما ما يراد منها التخدير فهو أيضاً نفس ما يراد بغيرها من المخدرات كالأفيون والبنج وغيرهما من العقاقير الطبية فإذا مرت بالقناة الهضمية خدرت ما تتصل به من ألياف العصبية ولا سيما الألياف المحيطة بالأوعية الدموية في توزيع الدم وانتشاره في الجسم انتشاراً يضمن لكل عضو حقه من الغذاء فإذا تخدرت بالكحول أو بغيره من أنواع المخدرات اضطراب نظام الجهاز الدموي واختل ناموس توزيع الدم فيجري إلى حيث تخدرت هذه الألياف العصبية ويتجمع فيما تحيط به الأوعية الدموية التي تتمدد جدرانها وتتسع مساحتها فيحتقن فيها الدم احتقاناً يبعث في القناة الهضمية نشاطاً على العمل فيشعر المرء في الجوع ويستمرئ الطعام وربما تناول منه بها ضعف ما يتناوله بدونها إلا أن احتقان مرضي حاصل من تخدير الألياف العصبية ولا يخفى بان التخدير هو نوع من الشلل فإذا تكرر مراراً عديدة حصل على الشلل التام والاحتقان الدائم وذلك يفضي إلى الزكام الحاد والالتهاب المزمن وكلاهما من أسباب عسر الهضم هذا ما يعلل به عما تحدثه الأشربة الروحية في القناة الهضمية من النفع الذي ينقلب إلى ضرر وذلك بما فيه من خاصتي التخدير والإحراق أما ما يعزى إليها من التنبيه اثر استعمال شيء منها مسبب عن احتقان الدم الحاصل من تخدير الألياف العصبية فالإدمان يفضي إلى نتيجة واحدة لان التنبيه المستديم يستنزف القوى وينهك الأعضاء فتعجز عن العمل أو تعمل عن عجز. وللأشربة الروحية في القناة الهضمية أضرار آخر يرجع بعضها إلى ما تحدثه من تجميد الزلال وبعضها إلى ما تحدثه من إرساب الببسين أما ما تحدثه من تجميد الزلال فواضح مما يشاهد من تصلب المواد الحيوانية إذا حفظت بالكحول فقد تتصلب حتى تصير اشد صلابة من الأديم ومعلوم أن الزلال من أهم أجزاء الطعام وأنواع الغذاء وهو على الحالة الطبيعية لين القوام سهل الهضم لطيف المادة فإذا تجمد بالكحول تصلب مادته وتعسر هضمه وقل غذاؤه وأصبح مما لا تفعل فيه عصارات الهضم ولا تقوى عليه المعد الضعيفة شاهد ما تراه من سهولة هضم البيض البرشت وصعوبة هضم البيض الجامد ثم أن البيسين احد العصارات المعدية وسبب اختمار المواد الآزوتية هو مادة زلالية أيضاً يتجمد به غيره من أنواع الزلال فإذا تجمد بالكحول ورسب في القناة الهضمية تعذر اتصاله بجميع أجزاء الطعام وامتنع امتزاجه بها امتزاجاً يضمن اختمارها ويكفل هضمها ويتضح ذلك بأجلى بيان مما يشاهد في كل يوم من أنواع الاختمار فلا يختمر العجين إلا إذا أذيبت خميرته في الماء وأضيفت بالدقيق ولا يروب الحليب إلا إذا مرت شيء من اللبن ثم أضيف إليه. وجملة القول أن الاختمار لا يتم إلا بامتزاج ما يراد اختماره بالخمير امتزاجاً تاماً وذلك يقتضي الإذابة والحل وعلى ذلك كان الكحول وغيره مما يجمد الزلال ويرسب البيسين مضراً في عمل الهضم. فيؤخذ مما تقدم أن الأشربة الروحية تفيد في عمل الهضم ثم تضر به ولذلك يختلف الناس في الكلام عليها اختلافاً عظيماً ويتباينون في الحكم فيها تبايناً جسيماً فمنهم من يقول بنفعها ومنهم من يقول بضررها حتى انك لترى عالماً من علماء منافع الأعضاء يكتب كتاباً في فائدتها وأخر يكتب كتاباً في مضارها وذلك من الغرابة بمكان. وفي كتاب الوحي ما هو اغرب من ذلك فإنك ترى بعض النبيين ومن أتى بعدهم من الحواريين هذا يصفها علاجاً في تطيب النفس وذاك يصفها دواء في عسر الهضم ثم لا تلبث أن ترى غيرهم من رجال الله هذا يحض على تركها وذاك يحذر من شرها إلى غير ذلك مما هنالك من الأقوال المتضاربة والآراء المتباينة مما يبعث في الناس ميلاً إلى الريبة في العلم والكفر في الدين على أن لا اختلاف في العلم ولا تباين في الدين وإنما الخلاف كل الخلاف في اتجاه مطارح النظر فان من ينظر إلى ما في الماء من نقع الصدى وإرواء ألماً يصفه علاجاً للصادي ودواء للظمآن. ومن ينظر إلى ما فيه من الخطر من الغرق يحذر من ركوب البحر واقتحام عباب اليم من ذلك ما جاء عن جند من أجناد العصور الخوالي اثر حرب كتب لهم فيها النصر قيل أنهم جلسوا إلى الشراب بعد أن سكروا بخمرة النصر فأتوا على ذكر ما وقع لهم مع الأعداء واسترسلوا في الكلام إلى وصف درع غنموها في جملة ما غنموه من أسلاب العدو فقال بعض إنها سوداء وقال بعض إنها حمراء واشتد بينهم اللجاج حتى أفضى إلى امتشاق السيوف وتسديد الأسنة فاقبل أمير الجند واخمد نار الفتنة ثم أمر فأتي بالدرع فإذا هي من الجانب الواحد اسود ومن الجانب الآخر حمراء فعلم أن كلاً منهم نظر إليها من جهة واحدة ولو نظروا إليها من جانبيها لما اختلفوا فيها ولا اقتتلوا عليها وما اختلاف الناس في الأشربة الروحية إلا من هذا القبيل فان من ينظر إلى ما تحدثه من النفع ومن ينظر إلى ما تحدثه من الضرر يقول بضررها ولو نظر كل منهم إلى ما ينظر إليه الآخر لما تباينوا فيها ولا اختلفوا عليها ومهما اختلف الناس في الكلام على ما تحدثه الأشربة الروحية في القناة الهضمية فهم لا يختلفون على ما تحدثه في الأعضاء الرئيسية من الضرر. فقد اجمع جمهور المحققين من أطباء وفسيولوجيين أن ما ألمعنا إليه من تحجر الكبد وتصلب الشرايين ولين الدماغ وحؤول القلب وغير ذلك من الأعراض التي تظهر في أواخر الحياة أعراض مرضية تحدث من الأشربة الروحية تحدث من الجرعات الصغيرة كما تحدث من الجرعات الكبيرة. التنقيبات في الشرقاط وجه الألمان منذ ربع قرن وجوههم نحو الشرقاط في العراق وما فيها من الآثار الخالدة للتنقيب عنها في باطن الأرض وبعد أن عرفوا ما فيها من الآثار المفيدة استحصلوا رخصة من الحكومة بإجراء الحفريات في تلك الأنحاء فاستخرجوا هناك من الآثار القديمة الخطيرة شيئاً كثيراً. وجاؤوا إلى بغداد بنحو ٩٠٠ صندوق ملأى بالآثار وقد تبرعت الحكومة بنصف هذه الآثار للمتحف الألماني في برلين. مسألة اللحم بحث احد أطباء الدانيمرك في اللحم فقال أن الخصائص المغذية والمقوية في اللحم لا تحتاج إلى مناقشة ولكن أسعاره الغالية تجعله صنفاً خاصاً بالمترفين بحيث يتأتى حذفه أو على الأقل تقليل تناوله بدون أن يلحق ضرر بصحة الجسم وان المواد المغذية الضرورية فيما خلا الماء وبعض الأملاح المعدنية هي المواد الزلالية والأدهان والمواد النشاوية والسكرية فالمواد الزلالية ضرورية لإطعام الخلايا البشرية فيجب على كل إنسان أن يتناول منها كمية وفي الإفراط من أخذها خطر ولا سيما في الصيف بسبب الحرارة التي تحدثها في جسمنا متعبة الكليتين وملوثة الدم بسمياتها ويختلف مقدار ما يجب تناوله في اليوم من المواد الزلالية من ١٢٠ إلى ٦٠ غراماً ويمكن إنزاله إلى اقل من ذلك ويظهر أن ما يمكن استخراجه من اللحم واللبن والبيض أسهل تحولاً مما يمكن استخراجه من اللوبياء والحمض وغيرهما من الحبوب بسبب ما فيها من القلويات الصعبة التحليل فالادهان والمواد النشوية والسكرية تعطي قوة وحرارة وليس من اختلاف بين سرعة الهضم الأدهان النباتية أو الحيوانية ولكن الأولى ارخص. لا جزم أن لتحضير الطعام شأناً مهماً ومن الخرق في الرأي أن تطبخ البقول في كمية كبرى من الماء ثم تطرح فإن هذا الماء يذيب أملاحاً مغذية فمن الجنون الحرمان منها. إذا حسبنا كمية متساوية في الوزن من اللحم وغيره من المغذيات نجد في اللحم ثلاثين غراماً من المواد الزلالية و ٣٤ من اللبن و ٢٧ من الأرز و ٦٢ من الحبوب و ٩٨ من دقيق القمح فالبقول اذاً ارخص واللحم الذي هو اقل سعراً بقيمته الغذائية هو سمك الارنكة وليس مرق اللحم غذاء بل مقبلات يحث العصارة المعدية. أن لمن يعيش من الفلاحين والعملة في الهواء الطلق غذاء معقولاً جداً من البطاطا المعمولة بالدهن ومن الحساء المعمول بالبقول وكذلك من خبزهم الأسمر. أن الأشخاص الملازمين للجلوس الذين تحتاج شهوتهم للطعام تعالج بما يصلحها ويحسن أدوات هضمهم أكثر إذا تناولوا كمية قليلة من اللحم بيد أن الطباخات الماهرات يستطعن أن يجعلن لحساء البقول طعماً كافياً للاستغناء عن هذا المشهي. ولقد ثبت أن من الممكن أن تجود صحة المرء بطعام مقتصر فيه على البطاطا والدهن. الإسلام والاشتراكية ألف بالانكليزية به مشير حسن كيداوي من علماء الهند كتاباً في الاشتراكية الإسلامية وقد كتب عليه المسيو مونتيه احد أساتذة جامعة جنيف في سويسرا المعروف بالاطلاع على أحوال الإسلام والمسلمين فصلاً في جريدة جنيف قال فيه أن المؤلف الهندي قد عني بأن لا يبين فقط الصفة الاشتراكية في الإسلام بل بين ما يراه الاشتراكية الإسلامية مميزاً بينها وبين ما نقصده بالاشتراكية معاشر الغربيين. فقد أورد من تاريخ الرسول والخلفاء الراشدين أموراً تبين الخلق الديمقراطي الموجود في الإصلاح الإسلامي وإبان أن بعض هذه الحوادث هي مظهر من المظاهر الاشتراكية فقد كان الرسول ينطق بما يشف عن حب الجمهورية أو عن فكر ديمقراطي وقد علم بهديه جماعته هذا الشعور ولذلك نصب الخليفة الأول بعده بالانتخاب. وما كانت غاية ما وضعه من قوانين الإرث إلا أن يحول دون تأليف الأملاك الواسعة وجمع الثروات الطائلة وكان مجنداً من جماعة من الوطنين المسلمين وقضى بأن يعطى العجزة واليتامى والأيامى من بيت المال ثم جعل عمر بعد ذلك قدراً معيناً من المال يعطى للأولاد الذين يستحقون أن ينفق عليهم إلى حين بلوغهم سن النمو وهذه الحوادث وكثير غيرها مما استشهد به المؤلف الهندي تؤيد القضية التي وضعها ومما قاله: إننا معاشر المسلمين نرى أن معنى الاشتراكية هو التعاون المنظم الدائم المنشق بين الأفراد في شؤون الحياة الصناعية والاقتصادية الإدارية أو السياسية الاشتراكية أو الدينية لأجل أن تضمن للعالم رفاهيته ونجاحه وكلما عم هذا التعاون كان اخوياً وكلما كان إلى التساوي حسن تركيب أجزاء الاشتراكية. قال العالم السويسري واني لأحب أن اذكر جملة أبين فيها إلى أي درجة كان للإسلام علاقة بالاشتراكية كما نفهم ذلك في أوربا: لا شك أن في الإسلام فكر الجمهورية (الديمقراطية) وان فيه ميلاً إلى المساواة تبدو في صور كثيرة وهذا الفكر وهذا الميل يظهران في الصلات الراسخة بين الكبراء والصغار فان استعمال الضمير المفرد في المخاطب أنت الذي هو أصل من أصول التخاطب في اللغة العربية يساعد ولا شك على وضع المتخاطبين على قدم المساواة ويكفي لذلك أن يدخل المرء في العالم الإسلامي ليتمثل لذهنه أن تمايز الطبقات الظاهر على أتمه عندنا لا اثر له عند المسلمين فمن المألوف العادات عندهم أن يختلف الصغير إلى الكبير باحترام وحشمة ولكن بسهولة ندر مثلها في غير الأندية الإسلامية ويخاطب الكبير الصغير بسذاجة طالما كنا ننظر إلى إنها تمس الإحساس بين الناس. وفكر المساواة الإسلامية ظاهر حق الظهور في الطرق الدينية على الرغم من طبقات الناس الذين يؤلفون تلك الجمعيات وأنا لنذكر أنا كنا في مراكش وكان لنا خادم يذهب يوم المقابلة والذكر ليلتقي بإخوانه وفيهم من هم أرقى منه منزلة في المجتمع. الإخاء على أتمه بين المسلمين يقومون به بينهم حق القيام والإسلام هو الدين الذي قضى أكثر من غيره على التمييز في الأصول والعناصر وليس هذا الإخاء مقصوراً على المسلمين بعضهم مع الآخر بل قد يتعدى به المسلم إلى غير ابن نحلته واني لأدهش من إطلاق بعض المسلمين علي كثيراً قولهم يا أخانا في الله. وفي الإسلام زيادة على الفكر الجمهوري والمساواة والإخاء ما اسميه فقط الاتصال مع الاشتراكية فقد دهشت كثيراً في مراكش من هذا الأمر ولطالما لاحظت في الشعب المراكشي فكر التعاون والاجتماع متأصلاً للغاية وجميع أعمال الحياة الاجتماعية في مراكش تميل إلى وسائط الاشتراك من مثل جماعة الصناع التي تذكر بما كان لأوربا من مثلها في القرون الوسطى وجمعيات الرماة الكثيرة وجمعيات الإحسان والأخويات الدينية الوفيرة. ومن أهم ما يلفت النظر في هذا الشأن الأسباب التي قام عليه الإسلام في الزكاة فقد فرض محمد على المؤمنين إغاثة الفقير فرضاً عيناً وكان هذا الفرض احد أركان الإسلام الخمسة يؤخذ المال من الغني ليعول الفقير وليس هذا واجباً أو دعوة يراد بها تنبيه العاطفة الدينية بل هو حق مفروض مشروع. الإسلام امة فإذا سألت مسلماً من أي جنسية أو امة أنت يجيبك أني مسلم وقد حدثت قضايا ذات شأن في أوربا ولا سيما في فرنسا ظهر فيها ظهور الشمس عدم الاتفاق في هذا المعنى بين الشرع الإسلامي والقانون الأوربي ولذلك جاء القران بان الإنسانية تؤلف امة. مخطوطات ومطبوعات محنة الأديب في المكتبة الظاهرية بدمشق في قسم المجاميع تحت نمرة ٩ رسالة الأديب إملاء الشيخ الفاضل أبي علي الحسين بن احمد الاستراباذي قال في مقدمتها بعد البسملة والحمدلة والصلولة هذا كتاب يتضمن مسائل من معاني القران ونخباً من غريب الحديث وشيئاً من اللغة. . . من النحو وطرقاً من الأبنية ونتفاً من الأمثال وشعبة من الاشتقاق وذروا من معاني الشعر وصدراً من العروض وفقراً من التصريف ولمعاً من القوافي سميناه محنة الأديب لأنه يختبر بما فيه مدعو الأدب والمتبذخون (؟) بحفظ الأصول والكتب لتتميز المقدم في العلم من المؤخر ويظهر فضل المبرز فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم نزلوا الناس بمنازلهم فالدعوى لمن رامها ذلول فالبينة الأعلى (!) وقد قيل من تجلى بغير ما هو فيه فضحته شواهد الامتحان والرسالة في ثماني عشرة ورقة صغيرة مكتوبة بخط يغلب عليه التحريف وهذا مثال منه: مسألة ضرب غلامك غلام زيد واسم كل واحد من الغلامين عبد الله كيف تخبر عنهما وتضيف كل واحد من الغلامين إلى صاحبه وأنت تخاطب زيداً وتذكر الغلامين الجواب ضرب عبد الله صاحبي عبد الله صاحبك ولا يجوز غير ذلك لان المضاف لا يمكن أن يضاف ولكن يؤتى بما تدل عليه. مسألة رجلان اسم كل واحد منهما ما شاء الله نحو قولك جاء الزيدان الجواب جاء ما شاء الله وجاؤوا ما شاء الله ورأيت ذوي ما شاء الله وللجميع رأيت ذوي ما شاء الله وكذلك كل ما سمي بجملة نحو تأبط شراً وذرى حباً. التاريخ الكبير لأبي القاسم علي بن عساكر طبع على نفقة مطبعة روضة الشام لصاحبها خالد أفندي قارصلي عني بترتيبه وتصحيحه عبد القادر أفندي بدران. صدر الجزآن الثالث والرابع من هذا التاريخ الذي شرعت بطبعة مطبعة روضة الشام بدمشق منذ أربع سنين وهذان الجزآن يحتويان معاً على زهاء ٩٢٨ صفحة حذفت من الأصل الأسانيد رقد قدم لها مصححه في كل جزء مقدمة طويلة وأضاف إليها بعض تعليقات. بدأ الجزء الأول بباب الهمزة مع السين وختم بحرف الحاء المهملة. وفي الجزء الثاني بقية من يبتدئ اسمه بحرف الحاء وفي هذين المجلدين تراجم كثير من رجال دمشق والوافدين عليها من أهل الحديث والفقه والأدب والإدارة والقضاء وفيه زهاء ألف ترجمة وفيهم كثير من المشاهير تسقط في تراجمهم على أشياء لا يكاد يعثر عليها فيما طبع من كتب التراجم والسير وفيه مع ذلك حكايات وقصص وأشعار وآداب جميلة مسلية مفيدة فحبذا لو اقتناه كل متأدب خصوصاً أهل سورية عامة والمشتغلون بالحديث والتاريخ خاصة. فنشكر للطابع همته وفي مأمولنا أن يتم الباقي من الكتاب وهو لا يتجاوز فيما يظن أربعة أجزاء أخرى. وسنفرد مقالاً خاصاً لهذا التاريخ المعتبر عند العلماء. سيرة عمر بن عبد العزيز تصنيف الحافظ جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمن بن الجوزي القرشي المتوفي سنة ٥٩٧ صححه ووقف على طبعه محب الدين أفندي الخطيب وطبع بنفقته ونفقة عارف أفندي المحايري في مطبعة المؤيد في القاهرة سنة ١٣٣١ - هـ ق ١٢٩١ هـ. ش. أجاد صديقنا ناشر هذا الكتاب محب عبد الرحمن أفندي الخطيب في نشر هذا السفر المفيد في سيرة خامس الخلفاء الراشدين عمر بن عيد العزيز رحمه الله فان سيرته الشريفة جديرة بأن يتدارسها جميع أصناف الناس دع الملوك والأمراء ومن كتب لهم أن يتولوا أزمة أمور الجمهور في هذه العصور التي تدعى بعصور النور وقد عني الناشر بتمثيلها أحسن تمثيل ونقل اختلاف النسخ عن المختصر المطبوع في ليبسيك كما عني من قبل بتجويد الكتب والرسائل التي أحياها بالطبع فدلت على ذوقه ولطف بحثه وكنا نود لو كتب جملة في مقدمة هذا السفر أشار فيها إلى النسخ التي اخذ عنها فقد رأيناه يشير في الحواشي إلى نسخة حماة ونسخة مصر ولم يعرفنا بهما. أما الكتاب فقد وقع في ٣٠٥ صفحات من قطع الربع عجا الفهارس التي ألحقها في آخره بأسماء الأماكن والرجال التي بلغت ٢٤ صفحة فزادت الكتاب رونقاً وقربت علي المتناول سيرة رجل كان قدوة لأرباب الولايات والولايات فحري بمدارسنا أن تدرسها لتنطبع في ذاكرة التلامذة منذ الصغر. وقديماً ألف بعضهم في سيرة هذا الخليفة العادل العاقل كتباً ومنهم بقي ابن مخلد الأندلسي وقال في كشف الظنون أن المؤلف هذه السيرة أبي الفرج ابن الجوزي كتاب سيرة العمر ين ولعله غير هذا الذي طبع فإن المؤلف يقول في مقدمته انه افرد لكل شخص من أعلام كل زمن وأخيار، كتاباً للأعلام بأخباره. كتاب الانتصار لواسطة عقد الأمصار تأليف إبراهيم بن محمد بن ايدمر العلائي الشهير بابن دقماق طبع بالمطبعة الأميرية الكبرى ببولاق مصر سنة ١٨٩٣ إفرنجية جزان في ٢٦٣ ص والفهرس ١١٠ ص. هذا الكتاب هو مما نشرته دار الكتب الخديوية بمصر ونظر فيه مديرها الأسبق المسيو فولرس ومؤلفه من أهل القررن الثامن للهجرة جعله عشرة أجزاء لعشرة أمصار والمصر هي المدينة الكبرى الممتازة بخاصية من الخواص كاشتهار البصرة بصناعتها وبغداد برخاوتها والكوفة بفصاحتها والقاهرة بتجارتها. وهذا الجزء أو الجزآن وهما الرابع والخامس من كتابه قد خصهما بالكلام على القاهرة والإسكندرية ولم يظفروا بسائر الأجزاء التي تكلم فيها المؤلف على الأمصار الكبرى والمؤلف وان كان ثقة في الأمهات التي نقل عنها لأنه نقل عن كتب مهمة لم يكد يظفر بمثلها حتى المقريزي صاحب الخطط كما قال الناشر الألماني لكتابه إلا انه مملوء بالأغلاط النحوية والصرفية التي تركها الناشر على علاتها آملاً بذلك أن يحتفظ خطة جديدة في اللغة العربية كأنه كان يريد عفا الله عنه أن يترك لغتنا بدون قواعد يكتب فيها كل إنسان كما يشاء. أفاض المؤلف في ذكر كور مصر ومدنها وما بني بالوحى منها وما بها من غريب التحف والطرف قال ويقال أن بالديار المصرية ثمانين كورة كل كورة بها تحف وطرف وعجائب وغرائب وقد أورد في كل كورة ما فيها من ذلك. والكتاب أشبه بخطط المقريزي ولكنه مختصر ذكر فيه الدور والقصور والقرى والمزارع والجوامع والكنائس والمدارس والبيوت العامة والمدارس والحمامات وأعمال مصر وما إلى ذلك من آثار العمران. وفهرست أسماء الإعلام الواردة في هذا الكتاب رتبها السيد محمد علي الببلاوي وكيل دار الكتب الخديوية وهو الذي تولى عمل معظم فهارس الكتب التي نشرتها تلك الدار العامرة مثل فهرس تاريخ مصر لابن إياس وغيره. والكتاب بأصله وفرعه من الكتب التي لا تستغني عنها مكتبة باحث في أحوال مصر راغب في الوقوف على تاريخ عمرانها العجيب. سفن الأسطول الإسلامي هو كراسة في ٣٢ صفحة طبعت بمصر ذكر فيها مؤلفها عبد الفتاح أفندي عبادة من فضلاء مصر أنواع السفن الحربية الإسلامية ومعداتها وأوصافها وما دخل في ألفاظها من اللغات الإفرنجية وقوانين حروبها البحرية وحركاتها وتاريخها في الإسلام وما نطقت به السن بعض الشعراء المحدثين من مشارقة ومغاربة في وصف الأساطيل والرسالة تنم عن تحقيق وبحث وقد نشرت في مجلة الهلال أولاً وفيها بعض الصور وحبذا لو توسع المؤلف أكثر من ذلك فإن في الكتب العربية المطبوعة في الغرب ما يصح أن يكون من مادته كتاب متوسط الحجم في هذا الموضوع المفيد. الثورة الايطالية لإبراهيم أفندي حلمي العمر طبعت بمطبعة الآداب في بغداد سنة ١٣٣٢ ص ٣٢ لمؤلف هذه الرسالة وطنية يمازحها الإخلاص وقلم يؤيده العلم والغيرة وقراء العربية يعرفونه بما نشره من الفصول البديعة عن النهضة العراقية وبعض المعالم العراقية مما دل على خبرة وفضل اجدب وقد بين في هذه الرسالة التي أهداها إلى صديقه مزاحم بك آل الباجه جي تاريخ الانقلاب الايطالي الذي أدى إلى وحدة ايطاليا قال وأظن أن القائلين بقطع الرجاء من نهوض العرب ليعترفون بخطئهم لدى أول نظرة يلقونها إلى تاريخ ايطاليا وما كانت عليه من التضعضع والتشتت ثم ما أصبحت فيه اليوم من القوة والعظمة والصولة بفضل جهاد ايطاليا واتفاق كلمة زعمائها وقادة الرأي فيها فليس إذاً بعيداً على امة كالأمة العربية وهي أكثر استعداداً وأعلى كلمة وارفع صوتاً راشد قوة من الأمة الايطالية أن تصبح بفضل ما نراه من بريق الحركة الوطنية القائمة في جميع البلاد العربية امة لها وسائل الدفاع ما يحفظ لها ممتلكاتها وبقي شعوبها وجامعتها من الاضمحلال والزوال. وقال في الانقلابات العنصرية إنها لم تعرف في البلاد الشرقية إلا في أوائل القرن العشرين فقد أوجدت التعاليم الأوربية حركة فكرية في عقول المشارقة المفكرين وأصبحت كل امة من الأمم الشرقية تسعى السعي الحثيث فيما يبث تعاليمها وينشر مبادئها بين طبقاتها وأفرادها والأمة التركية النجيبة في مقدمة الأمم الساعية إلى تأسيس جامعة تركية كبرى حتى يرتبط أتراك الأناضول والأستانة باتراك القوقاس وبلاد ما وراء النهر وأصقاع شمالي البحر الأسود وفي الأمة التركية اليوم رجال من أولي الفضل والنبل اخذوا على عاتقهم نشر هذه المبادئ السامية وإنماء الشعور القومي بين الأتراك حتى لا يمضي زمن قليل إلا ويصبح للجامعة التركية منزلة لا تقل شأناً وخطورة عن الجامعات الألمانية والايطالية والانكليز قال ومتى تيسر للعرب زعماء وقادة أمثال زعماء الأمة التركية وقادتها تصبح في مقدمة الأمم الناهضة وفي طليعة الشعوب الطامحة في تأسيس جامعة كبرى على نظام ثابت ودعائم راسخة لا يقوى العدو على نقضها وتقويضها وإذا كان للعرب أمل في نجاح مقاصدهم الجنسية فهو قائم على ما يأتيه رجال العرب في بيروت ومصر وأمريكا من الحكمة والرواية والاعتدال في إدارة دفة هذه الحركة المباركة وإذا اتفقت كلمة الزعماء وإبطال الأمة العربية فقد لا نغالي إذا قلنا أننا لا نحتاج إلى كبير عمل أو كثير تفكير فإن الفكر ينتشر بطبيعته ما دام لا يلقى معارضة من بعض أبنائه الخ. رسائل وكتب مختلفة فهرس أمالي القالي - ألف هذا الفهرس اثنان من مستشرقي الانكليز كرنكووبوفن وطبعته مطبعة بريل في ليدن سنة ١٩١٣ ص ٨٩ وأهالي أبي علي القالي من أهم كتب الأدب طبعت في المطبعة الأميرية في مصر سنة ١٣٢٤ هـ -. رسالة التوحيد والتثليث - لمؤلف لم يذكر اسمه طبعت بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣٢ ص ٥٦ .</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_88.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.88.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
