<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.87.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.87.TEIP5:</urn>
<passage>سماع الألحان فن الغناء نشأ مع البشر منذ طفوليتهم وتدرج في درجات العلو ودركات الهبوط بحسب ارتقاء الأمم. ولقد كان له شأن وأي شأن عند الأمم الراقية في القديم على ما دلت عليه روايات التوراة والصور التي وجدت في النواويس المصرية والنقوش البارزة في قصور نمرود وخراساباد حيث الموسيقيين والمغنين وأدوات الطرب كالشبابة والبوق والصنج والعدو وعيرها. ومزامير داود مشهور مذكورة. أجمعت الأمم من جميع الطبقات (الموسيقي الشرقي) على حب الألحان حسب عاداتهم واصطلاح بلادهم ولكل أمة أحان ونغمات يستلذونها ويفرحون بها لا يستلذها غيرهم ولا يفرح بها سواهم إلا تعود سماعها أو بمعرفة مواقع الطرب في أي لحن كان ومن الدليل البين أن لها تأثيراً في النفوس كون لناس يستعملونها تارة عند الفرح واللذة والأعراس والولائم وأخرى عند الحزن والغم والمصائب والمآتم وطوراً في بيوت العبادات والأعياد وآونة في الأسواق والمنازل وفي الأسفار والحضر وعند الراحة والتعب وفي مجالس الملوك ومنازل السوقة ويستعملها الرجال والنساء والصبيان والمشايخ والعلماء والجهلاء والصناع والتجار وجميع طبقات الناس. قال ابن ساعدة ومنفعة الموسيقى بسط الأرواح وتعديلها وتقويمها وقبضها أيضاً لأنه يحركها أما عن مبدئها فيحدث السرور واللذة يظهر الكرم والشجاعة ونحوها وأما إلى مبدأها فيحدث الفكر في العواقب والاهتمام ونحوها ولذلك يستعمل في الأفراح ولا حروب وعلاج المرضى تارة ويستعمل في الآتم وبيوت العبادات أخرى. قال أفلاطون: من حزن فليستمع الأصوات الطبية فإن النفس إذا حزنت خمد منها نورها فإذا سمعت ما يطربها اشتعل منها ما خمد. وقال إن هذا العلم لم تضعه الحكماء للتسلية واللهو بل للمنافع الذاتية ولذة الروح الروحانية وبسط النفس وترويق الدم أما من ليس له دراية في ذلك فيعتقد أنه ما وشع إلا للهو والترغيب في لذة شهوات الدنيا وغرور بأمانيها. قال الغزالي في الأحياء: لله تعالى سر في مناسبة النغمات الموزونة للأرواح حتى أنها لتؤثر فيها تأثيراً عجيباً فمن الأصوات ما يفرح ومنها ما يحزن ومنها ما ينوم ومنها ما يضحك ويطرب ومنها نا يستخرج من الأعضاء حركات على وزنها باليد والرجل والرأس ولا ينبغي أن يظن أن ذلك لفهم معاني الشعر بل هذا جار في الأوتار حتى قيل من لم يحركه الربيع وأزهاره والعود وأوتاره فهو فاسد المزاج ليس له علاج. وكيف يكون ذلك لفهم المعنى وتأثيرها مشاهد في الصبي في مهده فإنه يسكته الصوت الطيب عن بكائه وتنصرف نفسه عما يبكيه إلى الإصغاء إليه والجمل مع بلادة طبعه يتأثر بالحداء تأثراً تستخف معه الأحمال الثقيلة لقوة نشاطه في سماعه المسافات الطويلة وينبعث فيه من النشاط ما يسكره ويولهه فترى الجمال إذا طالت عليها البوادي واعتراها الأعياء والكلال تحت المحامل والأحمال إذا سمعت منادي الحداء تمد أعناقها وتصغي إلى الحادي ناصية آدانها في سيرها حتى تتزعزع عليها أحمالها ومحاملها وربما تتلف أنفسها من شدة السير وثقل الحمل وهي لا تشعر به لنشاطها. فقد حكى أبو بكر محمد بن داود الدينوري المعروف بالرقي رضي الله عنه قال كنت بالبادية فوافيت قبيلة من قبائل العرب فأضافني رجل منهم وأدخلني خباءه فرأيت في الخباء عبداً أسود مقيداً بقيد ورأيت جمالاً قد ماتت بين يدي البيت وقد بقي منها جمل وهو ناحل ذابل كأنه ينزع روحه فقال الغلام: أنت ضيف ولك حق فتشفع في إلى مولاي فإنه مكرم لضيفه فلا يرد شفاعتك في هذا فعساه يحل القيد عني قال: فلما احضروا الطعام امتنعت وقلت: لا آكل ما لم أشفع في هذا العبد فقال: إن هذا العبج قد أفقرني وأهلك جميع مالي فقلت: ماذا فعل فقال: إن له صوتاً طيباً وأني كنت أعيش من ظهور هذه الجمال فحملها أحمالاً ثقالاً وكان يحدو بها حتى قطعت مسيرة ثلاثة أيام في ليلة واحدة من طيب نغمته فلما حطت أحمالها ماتت كلها إلا هذا الجمل الواحد ولكن أنت ضيفي فلكرامتك قد وهبته لك قال: فأحببت أن أسمع صوته فلما أصبحنا أمره أن يحدو على جمل يستقي الماء من بئر هماك فما رفع صوته هام ذلك الجمل وقطع حباله ووقعت أن على وجهي فما أطن أني سمعت قط صوتاً أطيب منه. قال الغزالي بعد إيراد ما تقدم: فإذا تأثير السماع في القلب محسوس ومن لم يحركه السماع فهوة ناقص مائل عن الاعتدال بعيد عن الروحانية زائد في غلط الطبع وكثافته على الجمال والطيور بل على جميع البهائم فإن جميعها تتأثر بالنغمات الموزونة ولذلك كانت الطيور تقف على رأس داود عليه السلام لاستماع صوته ومهما كان النظر في السماع باعتبار تأثيره في القلب لم يجزان يحكم فيه مطلقاً بإباحة ولا تحريم بل يختلف ذلك بالأحوال والأشخاص واختلاف طرق النغمات فحكمه حكم ما في القلب. قال حجة الإسلام: إن الغناء اجتمعت فيه معان أن يبحث عن أفرادها ثم عن مجموعها فإن فيه سماع صوت طيب موزون مفهوم المعنى محرك للقلب فالوصف الأهم أنه صوت طيب ثم الطيب ينقسم إلى المفهوم كالأشعار وغلى غير المفهوم كأصوات الجمادات وسائر الحيوانات أما سماع الصوت الطيب من حيث أنه طيب فلا ينبغي أن يحرم بل هو حلال بالنص والقياس فهو أنه يرجع إلى تلذذ حاسة اسمع بإدراك ما هو مخصوص به وللإنسان عقل وخمس حواس ولكل حاسة إدراك وفي مدركات الحاسة ما يستلذ فلذة النظر في المبصرات الجميلة. كالخضرة والماء الجاري والوجه الحسن وبالجملة سائر الألوان الجميلة وهي في مقابلة ما يكره من الألوان الكدرة القبيحة وللشم الروائح الطيبة وهي مقابلة الإنتان المستكرهة وللذوق الطعوم اللذيذة كالدسومة والحلاوة والحموضة وفي في مقابلة المرارة المستبشعة وللمس لذة اللين والنعومة والملامسة وهي في مقابلة الخشونة والضراسة وللعقل لذة العلم والمعرفة وهي في مقابلة الجهل والبلادة فكذلك الأصوات المدركة بالسمع تنقسم إلى مستلذة كصوت العنادل والمزامير ومستكرهة كنهيق الحمير وغيرها فما أظهر قياس هذه الحاسة ولذتها على سائر الحواس ولذاتها. ونقل الغزالي أيضاً عن أبي طالب المكي إباحة السماع عن جماعة فقال: سمع من الصحابة عبد الله بن جعفر وعبد الله بن الزبير والمغيرة بن شعبة ومعاوية وغيرهم وقال: قد فعل ذلك كثير من السلف الصالح صحابي وتابعي بإحسان وقال لم يزل الحجازيون عندنا بمكة يسمعون السماع في أفضل أيام السنة وهي الأيام المعدودات التي أمر الله عباده فيها بذكره كأيام التشريق ولم يزل أهل المدينة مواظبين كأهل مكة على السماع إلى زماننا هذا فأدركنا أبا مروان القاصي وله جوار بسمعن الناس التلحين قد أعدهن للصوفية قال: وكان لعطاء جاريتان يلحنان فكان إخوانه يستمعون إليهما قال: وقيل لأبي الحسن بن سالم كيف تنكر السماع وقد كان الجنيد وسري السقطي وذو النون يستمعون فقال: وكيف أنكر السماع وقد أجازه وسمعه من هر خير مني فقد كان عبد الله ين جعفر الطيار يسمع وأنا أنكر اللهو واللعب في السماع. هذا ما قاله الغزالي ونقله في السماع وفوائده والمحرم منه في الإسلام ما كان مانعاً عن العمل والعبادة محركاً للشهوات البهيمية كما أن آلات الطرب يكون حكمها حكم السماع والتلحين وفي هذه المسألة مرادات واختلافات بين العلماء في القديم والحديث ولكن العقلاء منهم اختاروا التوسط والتوسط محمود في كل حال فإنهم لم يقبلوا أن يخرجوا بالناس عن الطبع والطبيعة لأنهم إذا منعوا ما هو ضروري من ضرورات الحياة لا يعود الناس يبالون ويسيرون بلا وازع وعلى كل فإن الاعتدال هو غاية الغايات حتى في العبادة. نحن في عصر أصبح فيه الغناء من الفنون ذات القواعد والروابط والأصول ولذلك ترى المنشدين والمغنين والموسيقيين يختارون من الألحان ما يناسب الظرف الذي هم فيه وتراعى به حالة المستمعين وقد ادعى بعضهم أن من النغمات ما يطيب في النوم ولا يطيب في آخر وبعض الألحان قد يكون لها من التأثير ما لا يكون لغيرها ولا شك أن للحالة النفسية التي يكون عليها المغني والمغنى له دخلاً في الطرب فقد وقع لنا أن طربنا مرات بشباب الراعي في الجبال أكثر من سماع الناي والقيثارة وإن راقنا الغناء الطبيعي أكثر من المصنع الموقع على الألحان وكثيراً ما يسمع المرء أمهر الموسيقاريين بين المنشدين فلا يرتاح كما يرتاح لسماع بدوي في البادية يحدو ويتغنى كأن النفس لا تميل إلى الطبيعي من الأشياء الخالي من الطلاء الصنعي. قال أبو المنذر هشام بن الكلبي: الغناء على ثلاثة أوجه النصب والسناد والهزج فأما النصب فغناء الركبان والقينات وأما السناد فالثقيل الترجيع الكثير النغمات وأما الهزج فالخفيف كله وهو الذي يثير القلوب ويهيج الحليم وإنما كان أصل الغناء ومعدنه في أمهات القرى من بلاد العرب ظاهراً فأشياء وهي المدينة والطائف وخيبر ووادي القرى ودومة الجندل واليمامة وهذه القرى مجامع أسواق العرب وكانت العرب تسمى القينة الكرنية والعود الكران والزهر أيضاً هو العود وهو البريط وكان أول من غنى في الإسلام الغناء الرقيق طويس وهو علم اين سريج والدلال ونؤمة الضحى. وقالوا غناء كل مغن مخلوق من قلب رجل واحد وغناء ابن سريج مخلوق من قلوب الناس جميعاً وكانوا يقولون الغناء على ثلاثة أضرب فضرب منه مطرب محرك ويستخف وضرب ثان له شجى ورقة وضرب ثالث حكمة وإتقان صنعه. الغناء مؤثر في البهائم فكيف لا يؤثر في الإنسان هو يؤثر في الطيور والهوام ولطالما شوهد العصفور والشحرور يرفرفان أمام مغن مطرب وآلة موسيقية شجية وقد أخذهما الطرب فاقتربا يستمعان للأغاني ورنات المثالث والمثاني كما يقترب الطروب من الأناسي وشوهد أن الأفاعي خرجت من أوكارها تستمع لنغمة شاد أو ضربة موسيقار بل شوهد أن من الغناء ما تهتز له جوانب القصور وترتج رفوفها وحيطانها ولعل ما قيل من أن صوت فلان يطرب الجماد له من الواقع ما يؤيده. الألحان تصفي الأرواح وتبعث النشاط في النفوس فيها قد يجسر الجبان في ساحة الوغى ويكرم الشحيح ويرق الكثيف ويلين القاسي ويقوى الضعيف ويعدل الظالم ويعطف اللئيم. وخير الأغاني والأناشيد ما كانت ملحنة بألحان تناسبها معن الألفاظ جيدة المعاني وما قيل من أنه ليس على المطرب أن يعرب ليس صحيحاً من أكثر وجوهه فإن لجودة اللفظ والمعنى تأثيراً لا ينكره إلا مريض الذوق بعيد عن مناحي الآداب سقيم الفهم. كان الناس في القديم لا يعرفون غير العود والقانون والمزامير والشبابات والصلاصل والطارات والكوبة من آلات الطرب واليوم أتي الإفرنج بالأرغن والبيانو وغيرهما من أدوات الطرب ولكن جل الاعتماد اليوم على البيانو لا يكاد يخلو منه بيت ذي نغمة في الغرب يضرب به أولاده وزوجه وضيوفه ويوقعون عليه أنواع الأغاني والاناشيد وتعلمه فيما نحسب لسهل من تعلم العود المألوف في هذا الشرق الأقرب. والتغيير هو الغناء بالطقطقة بالقضيب وإنما سمي تغييراً لأن محدثيه يسمون المغيرة والكوبة طبل طويل ضيق الوسط ذو رأسين وهو المعروف بالدربكة في بلاد الشام. قال يزيد بن عبد الملك يوماً وذكر عنده البربط فقال بيت شعري ما هو فقال له عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود أنا أخبرك ما هو هو محدودب الظهر أرسح البطن له أربعة أوتار إذا حركت لم يسمعها أحد إلا حرك أعطافه وهز رأسه. وقد ورد في الكتاب والسنة وسيرة أعاظم سلف الأمة إشارة إلى الغناء وإلى تجوزهم في سماعه وهم ولا شك أحسن قدوة في هذا الباب. قال القرطبي من مخطوطات المكتبة الظاهرية ومن الاستدلال بالكتاب من ذلك أي على الغناء قوله تعالى ومن الناس من يشتري لهو الحديث ليضل عن سبيل الله قال ابن عباس وابن مسعود ومجاهد وعكرمة هو الغناء وقوله تعالى واستفزز من استطعت منهم بصوتك قال مجاهد أنه الغناء والمزامير وأنتم سامدون قال ابن عباس: هو الغناء. ومن السنة ما خرجه الترمذي أن النبي صلى الله عليه وسلم رجع من بعض مغازيه فجاءته جارية سوداء فقالت: يا رسول الله إني كنت نذرت إن ردك الله سالماً أن أضرب بين يديك بالدف وأتغنى فقال لها: إن كنت نذرت فاضربي فدخل أبو بكر وهي تضرب ثم دخل عليٌّ وهي تضرب ثم دخل عمر فألقت الدف تحتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن الشيطان ليخاف منك يا عمر. وفي حديث عائشة أن امرأة زفت إلى رجل من الأنصار فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا عائشة أما كان معهم لهو فإن الأنصار يعجبهم اللهو. واللهو هو الغناء. وحكي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قدم من سفر فصعد النساء على السطوح يضربن بالدفوف ويقلن: طلع البدر علينا من ثنيات الوداع وجب الشكر علينا ما دعا لله داع روى ابن عبد ربه في العقد الفريد قال بعض أهل التفسير في قول الله يزيد في الخلق ما يشاء هو الصوت الحسن. وقال النبي صلى الله عليه وسلم لأبي موسى الأشعري لما أعجبه صوته: لقد أوتيت مزماراً من مزامير آل داود. كان أبو يوسف القاضي ربما حضر مجلس الرشيد وفيه الغناء فيجعل مكان السرور به بكاءٍ كأنه يتذكر به نعيم الآخرة. وقال أحمد بن أبي دؤاد إن كنت لأسمع الغناء من مخارق عند المعتصم فيقع علي البكاء حتى أن البهائم لتحن إلى الصوت الحسن وتعرف فضله. وكان صاحب الفلاحات يقول بأن النحل أطرب الحيوان كله إلى الغناء وإن أفراخها لتستنزل بمثل الزجل والصوت الحسن. قال في العقد واردف النبي صلى الله عليه وسلم الشريد فاستشهد من شعر أمية فأنشده مائة قافية وهو يقول: هيه استحساناً لها فلماً أعياهم القدح في الشعر والقول فيه قالوا الشعر حسن ولا نرى إن يؤخذ بلحن حسن وأجازوا ذلك في القرآن وفي الآذان فإن كانت الألحان مكروهة فالقرآن والآذان أحق بالتنزيه عنها وإن كانت غير مكروهة فالشعر أحوج إليها لإقامة الوزن وإخراجه عن حد الخبر وما الفرق بين أن ينشد الرجل أتعرف رسماً كاطراد المذنب مرسلاً أو ليرفع بها صوته مرتجلاً وإنما جعلت العرب الشعر موزوناً لمد الصوت فيه والدندنة ولولا ذلك لكان الشعر المنظوم كالخبر المنثور. واحتجوا في إباحة الغناء واستحسانه بقول النبي صلى الله عليه وسلم لعائشة: اهديتم الفتاة إلى بعلها قالت نعم قال فبعثتم معها من يغني قالت: لا قال: أوما علمت أن الأنصار قوم يعجبهم الغزل ألا بعثتم معها من يقول: أتيناكم أتيناكم فحيونا نحييكم ولولا الحبة السمرا ء لم نحلل بواديكم واحتجوا بحديث عبد الله بن اويس بن عم مالك وكان من أفضل رجال الزهري قال مر النبي صلى الله عليه وسلم بجارية بظل قارع وهي تغني هل عليّ ويحكم إن لهوت من حرج فقال النبي صلى الله عليه وسلم لا حرج إن شاء الله حدث عباس بن المفضل قاضي المدينة قال حدثني الزبير بن بكار قاضي مكة عن مصعب بن عبد الله قال: دخل الشعبي على بشر بن مروان وهو والي العراق لأخيه عبد الملك بن مروان وعنده جارية حجرها عود فلما دخل الشعبي أمرها فوضعت العود فقال له الشعبي: لا للأمير أن يستحي من عبده قال: صدفتم ثم فال للجارية هات ما عندك فأخذت العود وغنت ومما شجاني أنها يوم ودعت تولت وماء العين في الجفن حائر فلما أعادت من بعيد بنظره إلىَّ التفاتاً أسلمته المحاجر فقال الشعبي: الصغير أكيسهما يريد الزير ثم قال: يا هذه أرخي من بمك وشدي من زيرك فقال له بشر: وما عملك قال: أظن العمل فيهما قال: صدقت ومن لم ينفعه ظنه لم ينفعه يقينه. أرق معاوية ذات ليلة فقال لخادمه خديج: اذهب فانظر من عند عبد الله (بن جعفر وكان ضيفه أنزله في دار عياله بالشام) وأخبره بخرجي إليه فذهب فأخبره فأقام كل من كان عنده ثم جاء معاوية فلم ير في المجلس غير عبد الله فقال: مجلس من هذا قال: مجلس فلان قال معاوية: مرة يرجع إلى مجلسه ثم قال من هذا قال: مجلس فلان قال مره يرجع إلى مجلسه حتى لم يبق إلا مجلس رجل فقال من هذا قال مجلس رجل يداوي الآذان يا أمير المؤمنين قال له معاوية فإن أذني عليلة فمره فليرجع إلى موضعه وكان موضع بديح المغنى فأمره ابن جعفر إلى موضعه فقال له معاوية داو أذني من علتها فتناول العود ثم غنى أمن أم أوفى دمنة لم تكلم بجومانة الدراج فالمتثلم فحرك عبد الله بن جعفر رأسه فقال معاوية: لم حركت رأسك يا ابن جعفر قال: أريحية أجدها يا أمير المؤمنين لو لاقيت عندها لأبليت ولئن سئلت عندها لأعطيت وكان معاوية قد خصب فقال ابن جعفر لبديح هات غير هذا وكانت عند معاوية جارية أعز جواريه عنده كانت متولية خضابه فعناه بديح وليس عندك شكر للتي جعلت ما أبيض من قادمات الشعر كالحمم وجددت منك ما قد كان أخلقه صرف الزمان وطول الدهر والقدم فطرب معاوية طرباً شديداً وجعل يحرك رجله فقال ابن جعفر يا أمير المؤمنين سألتني عن تحريك رأسي فأخبرتك وأنا أسألك عن تحريك رجلك فقال معاوية كل كريم طروب ثم قام وقال: لا يبرح أحد منكم حتى يأتيه أذني فبعث إلى ابن جعفر بعشرة آلاف دينار ومائة ثوب من خاص ثيابه وإلى كل رجل منهم بألف دينار وعشرة أثواب. روى المبرد في الكامل قال: حدثت أن معاوية استمع على يزيد ليلة فسمع من عنده غناءً أعجبه فلما قال ليزيد: من كان ملهيك البارحة فقال له يزيد: ذاك سائب خاثر قال: إذاً فاخثر له من العطاء. وحدثت أن معاوية قال لعمرو: أمض ينا إلى هذا الذي قد تشاغل باللهو وسعى في هدم مروءته حتى ننعي عليه أي نعيب عليه فعله يريد عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فدخلا إليه وعنده سائب خاثر وهو يلقي على جوار لعبد الله فأمر عبد الله بتنحية الجواري لدخول معاوية وثبت سائب مكانه وتنحى عبد الله عن سريره لمعاوية فرفع معاوية عمراً فأجلسه إلى جانبه ثم قال لعبد الله: أعد ما كنت فيه فأمر بالكراسي فألقيت وأخرج الجواري فتغنى سائب بقول قيس بن الخطيم ديار التي كادت ونحن على مشى تحل بنا لولا نجاءُ الركائب ومثلك قد أصيبت ليست بكنة ولا جارة ولا حليلة صاحب وردده الجواري عليه فحرك معاوية يديه وتحرك في مجلسه ثم مد رجليه يضرب بهما وجه السرير فقال له عمرو: اتئد يا أمير المؤمنين فإن الذي جئت لتلحاه أحسن منك حالاً وأقل حركة فقال معاوية: اسكت لا أبالك فإن كل كريم طروب. وذكر ابن عميرة الضبي في ترجمة محمد ابن إسحاق بن سليم قاضي الجماعة بقرطبة أنه كان من العدول المرضيين والفقهاء المشهورين وله عند أهل بلاده حالة مذكورة منزلة في العلم والفضل معروفة وكان مع هيبته ورياسته حسن العشرة والأنس كريم النفس مات سنة ٣٦٧ حدث القاضي أبو الوليد يونس بن عبد الله بن مغيث عرف بابن الصفاران رجلاً من أهل المشرق يعرف بالشيباني دخل الأندلس فكن بقرطبة على شاطئ الوادي بالعيون فخرج قاضي الجماعة ابن سليم يوماً لحاجة فأصابه مطر اضطره إلى أن دخل بدابته في دهليز الشيباني فوافقه فيه فرحب بالقاضي وسأله النزول فنزل وأدخله منزله وتفاوضا في الحديث فقال له: أصلح الله القاضي عندي جارية مدنية لم يسمع بأطيب من صوتها فإن أذنت أسمعتك عشراً من كتاب الله عزًّ وجل وأبياتاً فقال له: افعل فأمر الجارية فقرأت ثم أنشدت فاستحسن ذلك القاضي وعجب منه وكان على كمه دنانير فأخرجها وجعلها تحت الفرش الذي جلس عليه ولم يعلم بذلك صاحب المنزل فلما ارتفع المطر ركب القاضي وودعه الشيباني فدعا القاضي له ولجاريته ولا بأس هنا أن نختم هذا الفصل بأبيات في صنعه الغناء نقلها الشريف المرتضي في أمالية قال: أخبرنا المرزباني قال: حدثنا على بن هارون قال: حدثني أبي قال: من بارع شعر بشار قوله بصف جارية مغنية قال علي: وما في الدنيا شيء لقديم ولا محدث من منثور ولا منظوم في صفة العناء واستحسانه مثل هذه الأبيات ورائحة للعين فيها مخيلة إذا برقت لم تسق بطن صعيد من المستهلات الهموم على الفتى خفا يرقها في عصفر وعقود حسدت عليها كل شيء يمسها وما كنت لولا حبها بحسود وأصفر مثل الزعفران شربته على صوت صفراء الترائب رود كأن أميراً جالساً في ثيابها تؤمل رؤياه عيون وفود من البيض لم تسرح على أهل ثلة سواماً ولم ترفع حداج قعود تميت به البلبنا وقلوبنا مراراً وتحيهن بعد همود إذا نطقت صحنا وصاح لنا الصدى صياح جنود وجهت لجنود ظللنا بذاك الذيدن اليوم كله كأنا من الفردوس تحت خلود ولا بأس أننا عند أهلنا شهود وما البابنا بشهود الملك الناصر صلاح الدين أشار إلينا أحد الأصدقاء إن نزيد القراء من سيرة أبي المظفر الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب أحد أفراد الملة الإسلامية وأكبر أبطال القرون الغابرة من كان يعلم أعداءه كيف تكون الرجولية كما كان قال امبراطور الألمان الحالي وإن نتوسع في وقائعه ما أمكن لأن سيرته الشريفة جديرة بأن بتدارسها الملوك والسوقة ويهتدي بهديها ابن القرن الحاضر والقرون الآتية فهي مثال الحكمة كلما كررت حلت ومهما أطال الناظر بصره فيها زاد بصيرة وماذا عسانا نقول فيمن جمع الفضائل النفسية ورزق من الصبر والثبات وحب الموت حباً بأحياء الأمة وخادنه من أسباب التوفيق ما لم يكتب لأحد فخدم الإسلام والمسلمين بعقله وجهاده خدمة الخليفة الثاني ونفعهم بسيرته كما نفع المأمون العباسي وكان في زهده وشدته على قدم علي بن أبي طالب وعمر بن عبد العزيز اجتمعت لصلاح الدين أرقى صفات تلزم الملوك والسلاطين وأسمى أخلاق الزاهدين العالمين والكرماء المحسنين وربي تربية رشيدة لا يكاد ينشأ عليها ابن أرقى البيوت المالكة لعهدنا في بلاد الغرب مع ما لهم من المدارس الجامعة والجمعيات وأسباب تهذيب النفس وتربية الملكات وإنارة العقول. فلاحت على وجهه مخايل السعادة وأخذت النجابة منذ نشأته تقدمه من حالة إلى حالة كما قالوا فنشأ كنف أبيه في قلعة تكريت وكان أبوه وعمه بها عمالاً لحاكم تلك الديار وكان أهله من دوين بلدة في آخر عمل أذربيجان من جهة أران وبلاد الكرج وهم أكراد روادية وفي قبيلة كبيرة من قبائل الأكراد وانتقلوا من هناك إلى تكريت وفيها ولد صلاح الدين. قال ابن خلكان أخبرني بعض أخل بيتهم وقد سألته هل نعرف متى خرجوا من تكريت فقال: سمعت من أهلنا يقولون أنهم خرجوا منها في الليلة التي ولد فيها صلاح الدين فنشأ موابه وتطيروا منه فقال بعضهم: لعل فيه الخيرة وما تعملون فكان كما قال. قلنا تشاءموا بولادة صلاح الدين وذلك لأنه صادف أنه أخرج والده من قلعة تكريت بأمر صاحبها بهروز ليلة ولادته. وذكر في الروضتين إن قد اجتمع مرة السلطان صلاح الدين ووالده الأمير نجم الدين في دار الوزارة بمصر وقد قعدا على طراحة واحدة والمجلس غاص بأرباب الدولتين يوم أراد نور الدين محمود بن زنكي أن نقطع خطبة المصريين وتقام دعوة بني العباس وعند الناس من الفرح والسرور ما قد أذهل العقول فبينا الناس كذلك إذ تقدم نصراني كان في خدمة الأمير نجم الدين فقبل الأرض بين يدي السلطان الملك الناصر صلاح الدين ووالده نجم الدين والتفت إلى نجم الدين وقال له: يا مولاي هذا تأويل مقالتي لك بالأمس حين ولد هذا السلطان فضحك نجم الدين وقال: صدقت والله ثم أخذ في حمد الله وشكره والثناء عليه والتفت إلى الجماعة الذين حوله والقضاء والأمراء وقال: لكلام هذا النصراني حكاية عجيبة وذلك أنني ليلة رزقت هذا الولد يعني السلطان الملك الناصر أمني صاحب قلعة تكريت بالرحلة عنها بسبب الفعلة التي كانت من أخي شيركوه رحمه الله وقتله النصراني وكنت قد التفت القلعة وصارت لي كالوطن فثقل عليَّ الخروج منها والتحول عنها إلى غيرها واغتنمت لذلك وفي ذلك الوقت جاءني البشير بولادته فتشاءمت به وتطيرت لما جرى على ولم أفرح به لم استبشر وخرجنا من القلعة وأنا على طيرتي به لا أكاد أذكره ولا أسميه وكان هذا النصراني معي كتاباً فلما رأى ما نزل بي من كراهية الطفل والتشاءم به استدعى مني أن آذن له في الكلام فأذنت له فقال لي: يا مولاي قد رأيت ما قد حدث عندك من الطيرة بهذا الصبي وأي شيء له من الذنب وبما استحق ذلك منك وهو لا ينفع ولا يضر ولا يغني شيئاً وهذا الذي جرى عليك قضاء من الله سبحانه وقدر ثم ما يدر بك أن هذا الطفل يكون ملكاً عظيم الصيت جليل المقدار فعطفني كلامه عليه وها هو قد أوقفني على ما كان قاله فتعجب الجماعة من هذا الاتفاق وحمد السلطان ووالده الله سبحانه وشكراه. ولما ملك نور الدين محمود بن زنكي دمشق لازم نجم الدين أيوب خدمته وكذلك ولده صلاح الدين. ونور الدين هذا تركي الأصل وهو صاحب الفضل الأول في تأسيس ملك الشام ومصر بحيث قوي على رد غارات الصليبيين ودفعهم عن الأرض المقدسة. فصلاح الدين يوسف ليس إذاً من أصل وضيع ولا من أصل رفيع جداً تعلم القدر الذي كان يتعلم أبناء الكبراء ونشأ نشأة دينية راقية وأخذ حسن الخلق والعدل والشجاعة والكرم عن أبيه نجم الدين أيوب بن شاذي وكان عدلاً مرضياً كثير الصلاة والصلات عزير الصدقات والخيرات يجب العلماء ربي في الموصل ونشأ شجاعاً باسلاً وخدم السلطان محمد بن ملكشاه فرأى منه أمانة وعقلاً وسداداً وشهامة فولاه قلعة تكريت فقام في ولايتها أحسن قيام وضبطها أكرم ضبط وأجلى من أرضها المفسدين وقطاع الطريق وأهل العيث حتى عمرت أرضها وحسن حال أهلها وأمنت سبلها ثم أضيفت إليه ولايتها وكان نجم الدين عظيماً في أنفس الناس بالدين والخير وحسن السياسة وكان لا يمر أحد من أهل العلم والدين به إلا حمل إليه المال والضيافة الجليلة وكان لا يسمع بأحد من أهل الدين في مدينة إلا أنفذ إليه ما يستعين به على صلاح حاله. وكان أسد الدين شيركوه أخو نجم الدين أيوب في قلعة تكريت مع أخيه وكان شجاعاً باسلاً مثل أخيه فاتفق أن أسد الدين نزل من القلعة يوماً لبعض شأنه ثم عاد إليها وكان بينه وبين كاتب صاحب القلعة قوارص وكان رجلاً نصرانياً فاتفق في ذلك اليوم أن النصراني صادف أسد الدين صاعداً إلى القلعة فعبث به بكلمة ممضة فجرد أسد الدين سيفه وقتل النصراني وصعد إلى القلعة وكان مهيباً فلم بتجاسر أحد على معارضته في أمر النصراني فبلغ بهروز صاحب قلعى تكريب ما جرى وحضر عنده من خوفه من جرأة أسد الدين وأنه ذو عشيرة كبيرة وإن أخاه نجم الدين قد استحوذ على قلوب الرعايا وأنه ربما كان منهما أمر تخشى عاقبته ويصعب استدراكه فكتب إلى نجم الدين ينكر عليه ما جرى من أخيه ويأمره بتسليم القلعة إلى نائب سيره صحبة الكتاب فأجاب نجم الدين إلى ذلك بالسمع والطاعة وقعد هو وأخوه عماد الدين بالموصل فأكرمهما واقطعهما الاقطاعات الحسنة ثم اتصلا بنور الدين محمود بن زنكي إلى أن أرسل أسد الدين شيركوه إلى مصر ومعه ابن أخيه صلاح الدين. وبنور الدين تخرج صلاح الدين فقد كان نور الدين يرى له ويؤثره ومنه تعلم صلاح الدين طرائق الخير وفعل المعروف والاجتهاد في أمور الجهاد وسافر صلاح الدين إلى مصر وهو كاره للسفر فجعله عمه أسد الدين شيركوه مقدم عسكره سنة تسع وخمسين وخمسمائة وكان صلاح الدين في السابعة والعشرين من عمره فعرف أسد الدين حال مصر وكشف أحوالها والدولة الفاطمية فيها مشرفة على الزوال وقد ضعفت جنيديتها ودب الفشل والهرم في البيت العبيدي وصارت خلافتهم ألعوبة في يد كل ذي قوة. والسبب في دخول أسد الدين ومعه ابن أخيه صلاح الدين إلى مصر أن الوزير شاور هرب من مصر واستغاث في الشام بنور الدين من ضرغام بن عامر لأنه قهره وأخذ مكانه في الوزارة ولما وصل أسد الدين شيركوه وشاور إلى الديار المصرية واستولوا عليها الضرغام وحصل لشاور مقصوده وعاد إلى منصبه وتمهدت قواعده واستمرت أموره غدر بأسد الدين شيركوه واستنجد بالفرنج عليه وحصروه في بلبيس وكان أسد الدين قد شاهد البلاد وعرف أحوالها وأنها مملكة بغير رجال تمشي الأمور فيها بمجرد الإيهام والمحال طمع في الاستيلاء عليها فبلغ شاوراً أن نور الدين قد زين له الاستيلاء على مصر وأن أسد الدين لا بد له من قصدها ثانية فكاتب الإفرنج وقرر معهم أنهم يجيئون إلى البلاد ويمكنهم منها تمكيناً كلياًَ ليعينوه على استئصال أعدائه فبلغ نور الدين وأسد الدين مكاتبة شاور للفرنج وما تقرر بينهم فخافا على الديار المصرية أن يملكوها ويملكوا بطريقها جميع البلاد فتجهز أسد الدين وأنفذ نور الدين معه العساكر وصلاح الدين في خدمة عمه أسد الدين شيركوه وكان توجههم من الشام في سنة ٥٦٢ . استولى أسد الدين على أزمة الوزارة وقتل شارواً الوزير قبله بأمر الخليفة الفاطمي جرياً على عادة أجداده في الوزارة وذلك في ربيع الأول سنة ٥٦٤ كان صلاح الدين يباشر الأمور مقرراً لها لمكان كفايته ودرايته وحسن رأيه وسياستهومات أسد الدين بعد شهرين وخمسة أيام من توليه الوزارة للعاضد الفاطمي فتولاها صلاح الدين بعده وتمهدن القواعد ومشى الحال على أحسن الأوضاع وبذل الأموال وملك قلوب الرجال وهانت عنده الدنيا فملكها وشكر نعمة الله تعالى عليه فتال عن الخمر وأعرض عن أسباب اللهو وتقمص بقميص الجد والاجتهاد ومن حين اسئب له الأمر مازال يشن الغارات على الفرنج إلى الكرك والشوبك وغيرهما من البلاد وغشي الناس من سحائب الأفضال والأنعام ما لم يؤرخ من غير تلك الأيام وهذا كله وهو وزير متابع القوم لكنه يقول بمذهب أهل السنة مارس في البلاد أهل الفقه والعلم والتصوف والدين وهو يكرم كل وافد ولا يخيب أحداً قصده. بهذا الكرم والعقل دانت مصر لصلاح الدين وأصبح فيها الحاكم المتحكم واصطناع الفضلاء وتقريب العقلاء والأفضال على العلماء والشعراء من آكد الطرق في بلوغ المقصود وتهيئة أسباب الملك. أحسن إلى الناس تستعبد قلوبهم فطالما استعبد الإنسان إحسان ولما ثبتت قدم صلاح الدين في مصر وأزال المخالفين كما قال ابن الأثير وضعف أمر العاضد ولم يبق من العساكر المصرية أحد كتب إليه الملك العادل نور الدين محمود يأمره الخطبة العاضدية وإقامة الخطبة العباسية فاعتذر صلاح الدين بالخوف من وثوب مصر وامتناعهم من الإجابة إلى ذلك لميلهم إلى دولة المصريين فلم يصغ نور الدين إلى قوله وأرسل إليه يلزمه بذلك إلزاماً لا فسحة فيه واتفق أن العاضد مرض وكان صلاح الدين قد عزم على قطع الخطبة فاستشار أمراءه في كيفية الابتداء بالخطبة العباسية فمنهم من أقدم على المساعدة وأشار بها ومنهم من خاف ذلك إلا أنه لم يمكنه إلا امتثال أمر نور الدين فلما كان أول جمعة من المحرم ٥٦٧ خطب للمستضيء بأمر الله تعالى العباسي فلم ينكر أحد ذلك فلما كانت الجمعة الثالثة أمر صلاح الدين الخطباء بمصر والقاهرة بقطع خطبة العاضد وإقامة الخطبة للمستضيء بأمر الله ففعلوا ذلك ولم ينتطح فيها عنزان وكتب بذلك إلى سائر الديار المصرية. وكان العاضد قد اشتد مرضه فلم يعلمه أهله وأصحابه بانقطاع الخطبة باسمه وقالوا إن سلم فهو يعلم وإن توفي فلا ينبغي أن ننغص عليه هذه الأيام التي بقيت من أجله فتوفي يوم عاشوراء ولم يعلم ولما توفي جلس صلاح الدين للعزاء واستولى على قصره وجميع ما كان فيه وكان قد رتب فيه قبل وفاة العاضد بهاء الدين قراقوش وهو خصي يحفظه فحفظ ما فيه حتى تسلمه صلاح الدين ونقل أهل العاضد إلى مكان منفرد ووكل بحفظهم وجعل أولاده وعمومته وأبناءهم في أيوان بالقصر وجعل عندهم من يحفظهم وأخرج من كان فيه من العبيد والأماء فاعتق البعض ووهب البعض وباع البعض وأخلى القصر من أهله وسكانه. وكان ابتداء الدولة العبيدية أو الفاطمية بإفريقية والمغرب في ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتينيومقامهم بمصر مائتي سنة وملك منهم أربعة عشر ملكاً آخرهم العاضد وأولهم المهدي. أزال صلاح الدين دولة العبيدين على أهون سبب لأنها لم تعد صالحة للبقاء وكفى أن أمراءها أخذوا يراسلون الإفرنج لتسلم لهم مناصبهم كما فعل جماعة عمارة اليمني المقتبس م ٣ ص ١٧٧ وأخذوا يراسلون الفرنج في صقلية وساحل الشام ليقلبوا الحكومة الصلاحية ويعيدوا الدولة العبيدية فشعر بهم صلاح الدين وصلبهم وكما فعل غير واحد من ملوك الطوائف في الأندلس فأنشأوا يحتمون بجيرانهم وأعدائهم ويستعينون بهم على قتال ذويهم وأبناء ملتهم فكان ذلك من أهم الأمور في طمع الإسبانيين ببلاد الأندلس واسترجاعها بعد أن حكمها العرب قروناً. عن علي بن عيسى بن الجراح قال: سألت أولاد بني أمية ما سبب زوال دولتكم قال أربع خصال أولها أن وزراءنا كتموا عنا ما يجب إظهاره لنا والثانية أن جباة خراجنا ظلموا الناس فاحتلوا عن أوطانهم فخربت بيوت أموالنا والثالثة انقطعت الأرزاق عن الجند فتركوا طاعتنا والرابعة أيس الناس من إنصافنا فاستراحوا إلى غيرنا فهذا كان سبب زوال دولتنا. قلنا وهو سبب ذهاب أكثر الدول وهذه الخصال كانت ولا شك موجودة في الفاطمية. قال صاحب الكامل: ولما استولى صلاح الدين على القصر وأمواله وذخائره اختار منه ما أراد ووهب أهله وباع منه كثيراً وكان فيه من الجواهر والأعلاق النفسية ما لم يكن عند ملك من الملوك قد جمع على طول السنين وممر الدهور فمنه القضيب الزمرد طوله نحو قصبة ونصف والحبل الياقوت وغيرهما ومن الكتب المنتجة بالخطوط المنسوبة والخطوط الجيدة نحو مائة ألف مجلد. وهكذا عادت إلى مصر الخطبة والسكة باسم الخليفة العباسي بعد أن انقطعت دهراً طويلاً فأرسل المستضيء بأمر الله خلعة إلى نور الدين في الشام وأخرى أقل من خلعته إلى صلاح الدين في مصر. ثم حصلت وحشة بين نور الدين وصلاح الدين وذلك أن الأول طلب إلى الثاني أن يجمع العساكر المصرية ويأتي إلى الكرك ليجمع هو العساكر الشامية ويأتيها ليخلصوها من الإفرنج فبعد أن صدع بالأمر أرسل إليه كتاباً يعتذر فيه عن الوصول باختلال الديار المصرية لأمور بلغته عن بعض شيعة العلويين وأنهم عازمون على الوثوب بها وأنه يخاف عليها مع البعد عنها أن يقوم أهلها على من تخلف بها فلم يقبل نور الدين هذا الاعتذار منه وتغير عليه وكان سبب تقاعد صلاح الدين أن أصحابه وخواصه خوفوه من الاجتماع بنور الدين فإذا لم يمتثل أمر نور الدين شق ذلك عليه وعظم عنده فجمع أهله ومنهم والده نجم الدين وخاله شهاب الدين الحازمي ومعهم سائر الأمراء وأعلمهم ما بلغه من عزم نور الدين على قصده وأخذ مصر منه واستشارهم فلم يجبه أحد منهم بشيء فقام تقي الدين عمر ابن أخي صلاح الدين وقال: إذا جاء قاتلناه ومنعناه عن البلاد ووافقه غيره من أهله فشتمهم نجم الدين أيوب وأنكر ذلك واستظمه وكان ذا رأي وفكر وعقل وقال لتقي الدين: اقعد وسبه وقال لصلاح الدين: أنا أبوك وهذا شهاب خالك أتظن أن في هؤلاء كلهم من يحبك ويريد لك الخير مثلنا فقال: لا فقال: والله لو رأيت أنا وخالك شهاب الدين نور الدين بم يمكنا إلا أن نترجل له ونقبل الأرض بين يديه ولو أمرنا أن نضرب عنقك بالسيف لفعلنا فإذا كنا نحن هكذا فكيف يكون غيرنا وكل من تراه من الأمراء والعساكر لو رأى نور الدين وحده لم يتجاسر من الثبات على سرجه ولا وسعه إلا النزول وتقبيل الأرض بين يديه وهذه البلاد له وقد أقامك فيها وإن أراد عزلك سمعنا وأطعنا والرأي أن تكتب إليه كتاباً وتقول: بلغني أنك تريد الحركة لأجل البلاد فأي حاجة إلى هذا يرسل المولى نجاباً يضع في رقبتي منديلاً ويأخذني إليك فما ههنا من يمتنع عليك وقال بجماعته كلهم: قوموا عنا فنحن مماليك نور الدين وعبيده يفعل بنا ما يريد فتفرقوا على هذا وكتب أكثرهم إلى نور الدين بالخبر. ولما خلا أيوب بابنه صلاح الدين قال له: أنت جاهل قليل المعرفة تجمع هذا الجمع الكثير وتطلعهم على سرك وما في نفسك فإذا سمع نور الدين أنك عازم على منعه عن البلاد وجعلك أهم الأمور وأولاها بالقصد ولو قصدك لم تر معك أحداً من هذا العسكر وكانوا أسلموك إليه وأما بعد هذا المجلس فسيكتبون إليه ويعرفونه قولي وتكتب أنت إليه وترسل إليه في المعنى وتقول أي حاجة إلى قصدي يجيء نجاب يأخذني بحبل يضعه في عنقي فهو إذا سمع عدل عن قصدك واستعمل ما هو أهم عنده والأيام تندرج والله كل وقت في شأن. والله لو أراد نور الدين قصبة من قصب سكرنا لقاتلته أنا عليها حتى أمنعه أو أقتل. ففعل صلاح الدين ما أشار به والده فلما رأى نور الدين الأمر هكذا عدل عن قصده وكان الأمر كما قال نجم الدين أيوب وتوفي نور الدين ولم يقصده وملك صلاح الدين البلاد قال ابن الأثير وهذا كان من أحسن الآراء وأجودها. هذا هو التوفيق الذي حالف صلاح الدين دخل مصر كارهاً مع عمه فصار قائد جندها ثم تولى وزارتها فملكها وقلب دولة العبيديين وكل ذلك بأخذه بالحزم في أموره واستشارته العقلاء من أهله ورجاله وكان من طبعه أن لا يبيت أمراً بدون مشورة هكذا كان منذ ابتدأ شاباً إلى أن استولى بعد وفاة نور الدين سنة ٥٦٩ على الشام إلى أن استخلص بيت المقدس من أيدي الإفرنج وطردهم من أكثر مدن ساحل الشام يعمل بقول بشار: إذا بلغ الرأي النصيحة فاستعن برأي لبيت أو نصيحة حازم ولا تستحب الشوري عليك عضاضة فإن الخوافي رافدات القوادم  وكان نور الدين قد خلف ولده الملك الصالح اسمعيل وكان بدمشق عند وفاة أبيه فسار إلى حلب من دمشق فلما علم صلاح الدين أن الملك صالح صبي لا يستقل بالأمن ولا ينهض بأعباء الملك واختلت الأحوال بالشام تجهز من مصر في جيش كثيف وترك بها من يحفظها وقصد دمشق أنه يتولى مصالح الملك الصالح فدخلها بالتسليم سلخ سنة سبعين وخمسمائة وتسلم قلعتها ففرح الناس به وانفق مالاً جزيلاً وسار إلى حلب فنازل حمص وأخذ مدينتها ثم استولى على تلك البلاد إلى الفرات وما بعد الفرات وتوفي الملك الصالح بعد مدة قليلة فأخذ حلب ودانت له البلاد وفتح بيت المقدس بعد أن ملكه الإفرنج نحو مائتي سنة ولم يفشل في وقعة من وقائعه مع الصليبيين على كثرة عددهم وعديدهم أللهم إلى في عكا فاستعادوها منه بعد أن فتحها بواسطة ملك الإنكليز إذ ذاك ريشاردس قلب الأسد. إن عدل الملك الناصر صلاح الدين يوسف قد أدهش الأوربيين في ذاك العهد فكانوا هم يعاهدون فينكثون أما هو فما عاهد ونكث قط وكثيراً ما كان بعض خاصته من متعصبة المشايخ الذين لا يعرفون سياسة الملك ولا حسن إدارة الفتوحات يريدونه على أن يعامل الصليبيين بعملهم في الانتقام من أسراهم عنده كما فعل أولئك وقتلوا مرة مئات من أسرى المسلمين فما كان جوابه إلا الإعراض عن مقترحاتهم والعمل بسنة اللين واللطف حتى استهوى القلوب الشاردة وأحبه أعداؤه قبل أوليائه وهذا من أندر النوادر في الملوك وناهيك بعصره الذي كان عصر التعصب الديني في الغرب والشرق أيضاً فالصليبيون جاؤوا هذه الديار مدفوعين بعوامل الدين واستقاذ بيت المقدس من المسلمين وهؤلاء قاموا باسترجاع البلاد بهذا العامل القوي أيضاً. قال عبد المنعم الجلياني أحد شعراء الملك الناصر صلاح الدين من قصيدة يعلل فيها السبب الذي من أجله أحب الفرنج صلاح الدين: وفيت لهم حتى أحبوك ساطياً بهم ووفاء العهد قيد المخاصم فحانوا فخافوا فانتدوا فتلاوموا فقالوا خذلنا بارتكاب الجرائم وخص صلاح الدين بالنصر إذا أتى بقلب سليم راحماً وللمسالم فحطوا بأرجاء الهياكل صورة لك اعتقدوها كاعتقاد الأقانم يدين لها نس ويرقى بوضعها ويكتبه يشفى به في التمائم  ملك مصر والشام والعراق واليمن والملك لما يستتب له على ما يجب يستطيع بعقله وإخلاصه لأمته ووطنه أن يدفع غارات الأوربيين عن أرض الشام ومصر وبعد أن رسخت أقدامهم قرنين كاملين واستجاشوا لهم الأنصار وحشروا من جميع أمم أوربا العدد الكثير وبذلوا في ذلك من المال والرجال ما يقدر بالملايين والربوات أن هذا من عجائب التاريخ. تقف كتائب من العرب والترك والأكراد في موقف القتال مع الفرنسوي والألماني والإنكليزي والمجري والإيطالي والإسباني والنمساوي والسويسري وغيرهم من أمم الإفرنج فيبز الأولون الآخرون على قلة عددهم. ولكن الجيوش قد لا تؤتي من قلة أكثر مما تؤتى من سوء السياسة وعتو القواد والاستهانة بالشورى. وما كان المدافع كالمهاجم في وقت من الأوقات. ومع هذا الملك الضخم الذي كان لصلاح الدين كان يعيش المتوسطين وينفق بحيث تكاد تعده إلى الإسراف (المقتبس م ٨ ص ٢١ ) فقد كانت قطيعة الصلح بينه وبين الإفرنج في القدس مثلاً أن يؤدوا عن كل رجل عشرين ديناراً وعن كل امرأة خمسة دنانير صورية وعن كل ذكر صغيراً وأنثى ديناراً واحداً فمن أحضر قطيعته نجا بنفسه وإلا أخذ أسيراً فأقام صلاح الدين يجمع الأموال ويفرقها على الأمراء والرجال ويحبو بها الفقراء والعلماء والزهاد والوافدين عليه ولم يرحل عن القدس ومعه من المال الذي جبي له شيء وكان يقارب مائتي ألف دينار وعشرين ألف دينار. قال في البرق سمعت الملك العادل (أخو صلاح الدين) يوماً في أثناء حديثه في ناديه وهو يجري ذكر إفراط السلطان في إياديه يقول: إني توليت قطيعة القدس فأنفذت له ليلة سبعين ألف دينار فجاءني خازنه بكرة وقال: نريد اليوم ما نخرجه في الأنفاق فما عندنا مما كان بالأمس بشيء فنفذت له ثلاثين ألف دينار أخرى في الحال. قالوا: وكان يرضى من الأعمال لما تحمل عفواً وكله يخرج في الجود والجهاد. وكان يكتفي من اللباس بالكتان والقطن والصوف ومجلسه منزه عن الهزء ومحالفه حافلة بأهل الفضل قال العماد وما سمعت له قط كلمة تسقط ولا لفظة فظة تسخط يؤثر سماع الأحاديث ويكلم العلماء عنده في العلم الشرعي وكان لمداومته الكلام مع الفقهاء ومشاركته القضاة في القضاء أعلم منهم بالأحكام الشرعية وكان من جالسه لا يعلم أنه مجالس السلطان بل يعتقد أنه مجالس أخ من أخوانه وكان حليماً مقيلاً للعثرات متجاوزاً عن الهفوات تقياً نقياً صفياً يغضي لا يغضب مارد سائلاً ولا صد نائلاًَ ولا أخجل قائلاً ولا خيب آملاً. أخذ عقيدته عن الدليل بواسطة البحث مع مشايخ أهل العلم وأكابر الفقهاء كان إذا جرى الكلام بين يديه يقول فيه قولاً حسناً وإن لم يكن بعبارة الفقهاء وكان شديداً على الفلاسفة والمعطلة والدهربة وكان مواظباً على صلواته وصيامه عادلاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي وكان يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس هام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير وكان يفعل ذلك سفراً وحضراًَ على أنه كان في جميع أوقاته قابلاً لما يعرض عليه من القصص كاشفاً لما ينهي إليه من المظالم. كان عظماء الشجعان قوي النفس شديد البأس عظيم الثبات لا يهوله أمر وصل في ليلة واحدة من الإفرنج نيف سبعون مركباً إلى عكا وهو لا يزداد إلا قوة نفس وكان يعطي دستوراً (أي يسرح عسكره) في أوائل الشتاء ويبقي في شرذمة يسيرة في مقابلة عدتهم الكثيرة إذ كان عدد جيشهم لا يقل عن خمسمائة إلى ستمائة ألف مع هذا تراه صابراً هاجراً في محبة الجهاد في سبيل الله أهله وأولاده ووطنه وسكنه وسائر ملاذه قانماً من الدنيا بالسكون في ظل خيمة تضربها الرياح يمنة ويسرة. وكان لا بد له من أن يطوف حول العدو كل يوم مرة أو مرتين إذا كان قريباً منهم وإذا اشتد الحرب يطوف بين الصفين ويخرق العساكر من الميمنة والمسيرة يرتب الأطلاب ويأمرهم بالتقدم والوقوف في مواضع يراها وكان يشارف العدو ويجاوره. انهزم المسلمون في يوم المصاف الأكبر بمرج عكا حتى القلب ورجاله ووقع الكوش والعلم وهو ثابت القدم في نفر يسير فانحاز إلى الجبل يجمع الناس ويردهم ويخجلهم حتى يرجعوا ولم يزل كذلك حتى عكس المسلمون على العدو في ذلك اليوم وقتل منهم زهاء سبعة آلاف ما بين راجل وفارس ولم يزل مصابراً لهم وهم في العدة الوافرة إلى أن ظهر له ضعف المسلمين فصالح وهو مسؤول من جانبهم فإن الضعف والهلاك كان فيه أكثر ولكنهم كانوا يتوقعون النجدة والمسلمون لا يتوقعونها وكانت المصلحة في الصلح. ولقد كان يركب للحرب وهو على غاية المرض كما فعل يوم عكا اعترته دمامل ظهرت عليه من وسطه إلى ركبته بحيث لا يستطيع الجلوس وكان مع ذلك يركب من بكرة النهار إلى صلاة الظهر يطوف على الأطلاب ومن العصر إلى صلاة المغرب وهو صابر على شدة الألم وقوة ضربان الدمامل وكان يعجب من ذلك فيقول إذا ركبت يزول عني المها حتى أنزل. ومع كل هذه الصفات التي نعدد منها ولا نعدها لكثرتها وإجماع المؤرخين من العرب والإفرنج عليها كان السلطان حسن العشرة لطيف الأخلاق طيب الفكاهة حافظاً لأنساب العرب ووقائعهم عارفاً بسيرهم وأحوالهم حافظاً لأنساب خيلهم عالماً بعجائب الدنيا ونوادرها بحيث كان أصحابه يستفيدون محاضرة منه مالا يسمعون من غيره وكان يستحسن الأشعار الجيدة ويرددها في مجالسه وكثيراً ما ينشد قولهم: وزارني طيف من أهوى على حذر من الوشاة وداعي الصبح قد هتفا فكدت أوقظ من حولي به فرحاً وكاد يهتك ستر الحب بي شغفاً ثم انتبهت وآمالي تخيل لي نبل المني فاستحالت غبظتي أسفاً وكان يعجبه قول ابن المنجم في خضاب الشيب وما خضب الناس البياض لقبحه وأقبح منه حين يظهر ناصله ولكنه مات الشباب فسودت على السم من حزن عليه منازله وكان يسأل الواحد منهم عن مرضه ومداواته ومطعمه ومشربه وتقلبات أحواله وكان طاهر المجلس لا يذكر بين يديه أحد إلا بالخير وطاهر السمع فلا يحب أن يسع عن أحد إلا بالخير وطاهر اللسان فما شوهد مولعاً بشتم قط حسن العهد والوفاء عما أحضر بين يديه يتيم إلا وترحم على مخلفه جبر قلبه وأعطاه خبز مخلفه وسلمه إلى من يكفله ويعني بتربيته وكان لا يرى شيخاً إلا ويرق له ويعطيه ويحسن إليه. قال ابن شداد: ولقد رأيته وقد مثل بين يديه أسير إفرنجي قد أصابه كرب بحيث أنه ظهرت عليه إمارات الخوف والجزع فقال للترجمان: من أي شيء يخاف فأجرى الله على لسانه أن قال: كنت أخاف قبل أن أرى هذا الوجه فبعد رؤيتي له وحضوري بين يديه أيقنت أني ما أرى إلا الخير فرق له ومن عليه وأطقه ولقد كنت راكباً في خدمته في بعض الأيام قبالة الإفرنج وقد وصل بعض اليزكية ومعه امرأة شديدة التخوف كثيرة البكاء متواترة الدق على صدرها فقال اليزكي: إن هذه خرجت من عند الإفرنج فسألت الحضور بين يديك وقد أتينا بها فأمر الترجمان أن يسألها عن قصتها فقالت اللصوص المسلمون دخلوا البارحة إلى خيمتي وسرقوا بنتي وبت البارحة استغيث إلى بكرة النهار فقال لي المملوك: السلطان هو أرحم ونحن نخرجك إليه تطلبين ابنتك منه فأخرجوني إليك وما أعرف ابنتي إلا منك فرق لها ودمعت عينه وحركته مروءته وأمر من ذهب إلى سوق العسكر يسأل عن الصغيرة من اشتراها ويدفع له ثنمها ويحضرها وكان قد عرف قضيتها من بكرة يومه فما مضت ساعة حتى وصل الفارس والصغيرة على كتفه فما كان إلا أن وقع نظرها عليها فخرت إلى الأرض تعفر وجهها في التراب والناس يبكون على ما نالها وهي ترفع طرفها إلى السماء ولا نعلم ما تقوله فسلمت ابنتها إليها وحملت حتى أعيدت إلى عسكرهم. ولقد كان يسمع من المستغيثين والمتظلمين أغلظ ما يمكن أن يسمع ويلقى ذلك بالبشر والقبول دلالة على حرية نفسه وسعة صدره وقد كان يوماً بعض خدمه يلعبون بس موزة (بانتوفل) في ناحية فوقعت على رأسه فأدار وجهه كأنه لم يحدث شيء وتظاهر بأنه لم ير شيئاً وكان الحافظ ابن عساكر يدخل يوماً: ما هذا؟ كنا في عهد نور الدين ندخل هذا المكان والناس كأن على رؤوسهم الطير إشارة إلى أن صلاح الدين يتساهل مع خدمه ملق حبلهم على غاربهم. لما فتح صلاح الدين القدس وغيرها من السواحل ولم يبق في أيدي الصليبين إلا عكا وصور وغيرها من البلاد التي لا شأن لها ورأى أن المشيب أنذره بقرب الأجل عقد العزم على الحج إلى بيت الله الحرام فلما بلغ القاضي الفاضل كتب إليه مشيراً بتبطيله: إن الفرنج لم يخرجوا بعد من الشام ولا سلوا عن القدس ولا وثق بعهدهم في الصلح فلا يؤمن مع بقاء الفرنج على حالهم وافتراق عسكرنا وسفر سلاطيننا سفراً مقدراً معلوماً مدة الغيبة فيه ان يسيروا ليلة فيصبحوا القدس على غفلة فيدخلوا إليه والعياذ بالله ويفرط مديد الإسلام ويصير الحج كبيرة من الكبائر التي لا تغتفر ومن العثارت التي لا تقال إلى أن يقول: يا مولانا مظالم الخلق كشفها أهم من كل ما يتقرب به إلى الله وما هي بواحدة في أعمال دمشق من المظالم من الفلاحين ما يستغرب معه وقوع القطر ومن تسلط المقطعين على المنقطعين ما لا ينادى وليده وفي وادي بردى والزبداني من الفتنة القائمة والسيف الذي يقطر دماً ما لا زاجر له وللمسلمين ثغور تريد التحصين والذخيرة ومن المهمات إقامة وجوع الدخل وتقدير الخرج بحسبها. ملأت أوقاف صلاح الدين مصر والشام وهي غير منسوبة إليه قال اين خلكان ولقد أفكرت في نفسي من أمور هذا الرجل وقلت إنه سعيد في الدنيا والآخرة فإنه فعل في هذه الدنيا الأفعال المشهورة من الفتوحات الكثيرة وغيرها ورتب هذه الأوقاف العظيمة وليس فيها شيء منسوباً إليه في الظاهر لما مات صلاح الدين لم يخلق مالاً عن ٥٧ عاماً وخلف سبعة عشر ولداً ذكراً وابنة ولم يخلف سوى دينار واحد بعد أن دخلت في يديه ثروة الفاطميين وجبي إليه خراج البلاد المفتتحة وحاز مغانم الصليبيين مران تغيب السلطان صلاح الدين أربع سنين في فتح القدس وغيرها من بلاد الساحل وفلسطين لم يدخل خلالها دمشق مع أنه كان يحب البلد ويؤثر فيه الإقامة على سائر البلاد فرأى أولاده الأفضل والظاهر والظافر وأولاده الصغار وأقام في دمشق أياماً يتصيد هو وأخوه الملك العادل أبو بكر بن أيوب وأولاده ويتفرجون في أراضي دمشق ومواطن الصبا وكأنه وجد به راحة مما كان فيه من ملازمة التعب والنصب وسهر الليل ونصب النهار وما كان ذلك إلا كالوداع لأولاده ومرابع نزهه وبينما هو على ذلك ونفسه تحدثه بزيارة مصر بعد طول الغيبة عنها ناداه مولاه فلباه فأبكى المقل وأدمى الحناجر. مات رحمه الله والألسن تذكره بالمحمدة حتى قيام الساعة فكان رجلاً بعد بعشرات الملايين وكم من ألوف لا يساوون واحداً يساوي ألوفاً. مات وقد زلزل المسلمون لفقده كما كتب القاضي الفاضل في ساعة موته إلى ولده الملك الظاهر صاحب حلب من بطاقة: لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة أن زلزلة الساعى شيء عظيم كتبت إلى مولانا السلطان الملك الظاهر أحسن الله عزاءه وجبر مصابه وجعل فيه الخلف في الساعة المذكورة وقد زلزل المسلمون زلزالاً شديداً وقد حفرت الدموع المحاجر وبلغت القلوب الخناجر وقد ودعت أباك ومخدومي وداعاً لا تلاقي بعده وقد قبلت وجهه عني وعنك وأسلمته إلى الله تعالى مغلوب الحيلة ضعيف القوة راضياً عن الله عزَّ وجل ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وبالباب من الجنود المجندة والأسلحة المغمدة ما لا يدفع البلاء ولا ملك يرد القضاء وتدمع العين ويخشع القلب ولا نقول إلا ما يرضي الرب وأنا عليك يا يوسف لمحزون وأما الوصايا مما يحتاج إليها والآراء فقد شغلني المصاب عنها وأما لائج الأمر فإنه أن وقع اتفاق فما عدمتم إلا شخصه الكريم وإن كان غير ذلك فالمصائب المستقبلة أهونها موته وهو الهول العظيم والسلام. صفحة منسية أفضنا في السنة الأولى للمقتبس (ص ٣٠ و ٤٠ و ١١٠ ) في الكلام على ترجمة الوهراني ونكتة وكتابة وهو أحد أدباء عصر صلاح الدين وقد ظفرنا في الجزء الثالث عشر من مسالك الأبصار لابن فضل الله العمري من مخطوطات دار الكتب الخديوية بمصر على ما يأتي بشأن شكوى الجوامع في دمشق من سوء حالة الأوقاف في أيامه قال: الوهراني ليب أخترع طريقاً، وأفنزع عذراء لم تك رحيقاً، طلعت شمسه من المغرب ولم يغلق للرحمة باب، ولا كانت من مقدمات النذر للألباب، وقد والدولة الصلاحية قد استعلت، ويد تصرفها على البلاد قد استولت، والمجلس الناصري معمود باللإجلاء مأهول بالقاضي الفاضل وأقرانه من الفضلاء، وريح الأدب قد هبت، ووفود الخواطر إلى تلك المشاعر قد لبت، والحظ الفاضل قد أخذ معه حظ كل فأخذ ما للكل ولم يترك لهم إلا الفاضل، وكان يغر على كل بيت فكر ويرى أن لا نصيب لغيره على محياه حذر، وكان الوهراني لوذعياً تحميه لألأوه، والمعيا تريه البصيرة آراؤه، فخاف نفثات ذلك الصل، وعبثات ذلك السيف الذي لا يكل، فمال إلى السحف، إذ كان لا يحد على تلبيه ولا ينافس في ترديه وتحليه، وجعل هذا سبباً لإظهار ما عنده من الإحسان، وتكلم ولم يخف عثرة القلم ولا زلة اللسان، فرفرف عليه جانب من الحنو الفاضلي، ورق عليه كما يرق غسق البابلي، وهنيت له نغبة من العيش قدر عليه رزقها وقرر له رفقها، وولي خطابة المسجد الجامع بداريا، وقيل له الآن أنت وحي ليلى وأدر ريا، وكان إلى هذا ليس له من حاظ الدين ما يزعه، ولا من حاضر العقل ما ينزعه، فرداه سوء التجري من شاهقه وألقاه عدم التحري لقى لبوائقه، وأطلق لسانه فعثر في طلقه، وكبه في طبقه، وتخرص المنام الذي أتى فيه بالأكاذيب، وحسن باطله بحسن الترتيب، وذكر فيه الملائكة الكرام، وانهتك عرض السلف الحرام، وغير ذلك من كباره التي لا تطاق، ومنكراته التي لا يصبر عليها، وقد ذكرت بعضها هنا وإنما ذكرته لئلا أخلي هذا الكتاب منه، وهو من المسموع بهم والمسئول عنهم، وأنا استغفر الله مما ذكرت من دده، وأوردت من أباطيله، وعقدت البيان على القلم حين تسطير أضاليله، وإن كنت لم أوردها كالصد (؟) الحالي، وأنا فيه ناقل لا قائل ومن الله العصمة وبه السلام. ومن نثره الرقعة التي له عن جامع دمشق، لما حكمت يد الضياع، في مساجد الضياع وارتج باب العدل وغلق، ونبذ كتاب الله وحلق، فزعت المساجد إلى جلق، وهو يومئذ أميرها، وعليه مدار أمورها، فلما دخلوا عليه من بابه، واجتمعوا تحت قبته ومحرابه كتب لهم جامع النيرب قصة إليه، وتوصلوا إلى من عرضها عليه، فكانت الرقعة مسطورة على هذه الصورة. المماليك مساجد الكورة يقبلون الأرض بين يدي الملك المعظم، الرفيع المكرم، كهف الدين جمال الإسلاموالمسلمين، بيت الاتقياء والصالحين، مدفن الأنبياء والمرسلين معتد الملتين، صاحب الدولتين، بيه أمير المؤمنين أعلا الله مناره، وأيد أنصاره، وعمر بالتوحيد أقطاره، وينهون إليه ما يقاسون من جور العمال. وتضييع الأعمال. ونهب الوقوف. وخراب الحيطان والسقوف. قد ألفهم الظلمة والظلام. وأنكرهم المؤذن والإمام. فلا تسمع فيهم إلا آذان البوم. وتسبيح الغراب. قد ركعت أركانها. وسجدت سقوفها وحيطانها. تبكي عليها النواقيس. وترثي لها البيع والكنائس. يا ويح من يرثي له الشامت. وقد فزهنا أيها الملك إلى بابك. وأوينا تحت جناحك. فافعل بنا ما هو الأهل بك والسلام. فلما وقف على هذه الحكاية. وفهم مقتضى هذه الشكاية. استوى جالساً في مقعده وضرب بيده على يد. وقال: وكيف أم للإنسان ما تمنى ثم رفع رأسه وغنى وما شرب العشاق إلا بقيتي ولا وردوا في الحب إلا على وردي ثم أشرف عليهم من إيوانه. بين حفدته وأعوانه. وأقبل يقلب طرفه في الجموع ويكفكف أسراب الدموع. لما يرى من اختلالهم وفساد حالهم. فابتدر جامع المزة للمقال. فتقدم بين يدي الملك وقال: الحمد لله الذي قضى علينا بالخراب. وصير أموالنا كالسراب. وجعنا مأوى للبوم والغراب. أحمده حمد من كان فقيراً فاستغنى. وأدرك بما الوقف ما تمنى. وأشهد أن لا إله إلى الله وحده لا شريك له شهادة عالم عامل. متحمل لثقل الأمانة حامل. وأشهد أن محمداً عبده ورسوله الصادق الأمين صلى الله عليه وعلى آله الطاهرين الطيبين الأكرمين. أما بعد أيها الملك السعيد ثبت الله قواعد أركانه وشيد ما وهى من بنيانك. فإن الخراب قد استولى على المساجد حتى خلت من الراكع والساجد. فأصبحت جوامع الغوطة غيطان. لا سقوف لها ولا حيطان. ومشاهد البقاع. صفصفاً كالقاع. ومساجد حوران. مخازن وأفران. فكم من بنية لعب الجور بأربابها. ونسج العنكبوت وكم من بيوت الله أغلقت دون أصحابها فعشعش الحمام في محرابها. ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها. وقد دخل العمال أيها الملك على الوقوف. بحجة العمارة والسقوف. فاتفقت علينا الأهواء. واختلفت فينا الأمطار والأنواء. فلا يزال بنها. وتأخذه السيول والأمطار. حتى يمنحني رسمه. ولا يبقى منه إلا اسمه. وأنت أيها الملك عمادنا. وإليك بعد الله معادنا فالتفت أيها الملك إلى مالنا. وانظر في مصالح أحوالنا. يصلح الله أحوالك ويسدد أقوالك وأفعالك والسلام. ثم جلس فقال الملك: هؤلاء المساجد. فما بال المشاهد. فبرز مشهد برزة متوكياً على مشهد الأرزة وهو يصلصل ويصول ويلطم وجهه ويقول: كلما حاولت أشكو قصتي لا ألاقي غير ذي قلب جريح يتشكى مثل شكواي له يا لقومي ما عليها مستريح أما بعد أيها الملك السعيد أدام الله جمالك وبلغك في العدو آمالك فإن مقام إبراهيم، أصبح في كل وا يهيم، ومغارة الدم، لا تستفيق من الذم، ومسجد الكهف، لا يفتر من اللهف، وقير شيث، قد استأصله الخبيث، وقبر نوح، يبكي وينوح، وقبر جيلة، مالنا في عمارته حيلة، وقبرإلياس، قد تعوضنا عنه باليأس، فأمست المشاهد كأربابها، وأصبحت رميماً كأصحابها، قد محتها الغوادي، وحد بها الحادي، جرت الرياح على رسوم ديارها فكأنما كانوا على ميعاد فقال الملك رب طارق على غير وعد، وفي كل واد بنو سعد، ثم استفتح المقال بأن قال: الحمد لله الذي لا يحمد على المكروه سواه، نصب صراط العدل وسواه، وأمده بعونه وقواه، فمن أضل ممن اتبع هواه، وأضله الله على علم، وختم على سمعه وقلبه، أحمده على ما رزقني من الأحمال، وأشكره على ذهاب العرض والجاه والمال، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً سيد الأولين والآخرين رسول الله، أما بعد معشر المتكلمين، وطائفة المساجد المتظلمين، فإنه والله ما يصل إليكم من الجور إلا ما يفضل عني، ولا ينتهي إليكم إلا ما يستعار مني، ولولا أن أركاني سليمة، وبنيتي قديمة، لأصبح جامع بني أمية، يغني عليه يا دار مية، وقد والله شرقت بغصتكم، وحرت في قصتكم، إن رفعت أمركم إلى الملك العادل، ردكم إلى الشيخ العاذل، فلا يرعى لكم حرمة، ولا يراقب إلا ولا ذمة، شكوى الجريح إلى الغربان والرخم، والرأي عندي أن تكتبوا للشيخ قصة، ولا تتركوا في صدوركم غصة، وأن تجعلوا في الكتاب أنواعاً من الكتاب؟ فإن التأم رأيه برأيكم، إلا فالسلطان من ورائكم، أقروا قولي هذا واستغفر الله لي ولكم، فبادر الغلام بالدواة والأقلام. فقال: استعذ بالله من الشيطان الرجيم واكتب: بسم الله الرحمن الرحيم من ملك الجوامع بجيرون. إلى أبي سعيد ابن أبي عصرون لقد اسمعت لو ناديت حياً ولكن لا حياة لمن تنادي أما بعد يا عدرا فقد هجت الألم. وأبهمت الظلم. ومن استرعى ظالماً فقد ظلم. كم تغاضينا عن خياناتك. وتغافلنا عن جناياتك. حتى أكتنزت الأموال وبسببه طالت نياحك. ولأجله كنت تسبح وتصيح. حتى غبطك المسيح. لقد عجبت أيها الشيخ من حالك. في ابتداء حالك. ومن فساد أمرك في آخر عمرك. صليت بالمسوح والقيد. حتى ظفرت بأنواع الصيد. وقلدت الأمور العظام. حتى تقلدت الذنوب العظام. إن كنت في العمل إلا كما في المثل صلى وصام لأمر كان يأمله حتى حواه فما صلى ولا صاما عرفني أيها الشيخ المفتون. والبائع المغبون. لم بعت الباقية بالفانية. والقاصية بالدانية. إن فعلت ذلك إلا لعلة. أو لتحقيق حلة. أما إن تكون استطبت السكباج واستليقت الديباج. وأما أن تصدق أهل الأحقاد. في أنك نصري الاعتقاد لا تقول بالنجعة ولا تصدق بالرجعة. وكلاهما أنت فيه ملوم. ومعاقب ومذموم. وحسبك أنه قد بلغني ما أنت عليه من قلة الوفاء. مع هؤلاء الضعفاء. فاحسم عنهم أذاهم. ولا تمكن منهم عداهم والسلام الخ. معجم البلدان في الكتب ملا يبلى جديده كلما توالى الجديدان ومنها كتب ياقوت الرومي. وكتابه معجم البلدان إن لم يكن أفضل كتبه فهو من أفضلها على أنه لم يطبع به من الكتب حتى الآن غير معجم الأدباء والمشترك وضعاً والمختلف صقعاً أما كتابه معجم الشعراء وتاريخه المبدأ والمآل وكتاب الدول ومجموع كلام أبي على الفارسي وعنوان كتاب الأغاني والمقتضب في النسب وأخبار المتنبي وعيره فهذه لن يبلغنا أنها طبعت ولا نعرف إن كانت باقية في إحدى خزائن المخطوطات في الشرق والغرب أو دثرت مع ما دثر من آثار سلفنا وثمرات عقولهم. أخذ عبد الله شهاب الدين الرومي أسيراً من الروم وهو صبي فقيل له الرومي اشتراه في بغداد تاجر يعرف بعسكر الحموي المقتبس م ١ ص ٤٨٩ فنسب إليه فقيل له ياقوت الحموي أيضاً وقد جعله في الكتاب يتعلم ما يستفيد هو منه في ضبط متاجره وقرأ شيئاً من النحو واللغة وشغله مولاه بالأسفار فكان يتردد إلى كيش وعمان وتلك النواحي ويعود إلى الشام ثم اعتقه مولاه سنة ٥٩٦ فاشتغل بالنسخ بالأجرة وحصل بالمطالعة فوائد وعاد مولاه فألوى عليه وأعطاه شيئاً وسفره إلي كيش ولما عاد كان مولاه قد مات فأعطى أولاد مولاه وزوجته ما أرضاهم به وبقيت بيده بقية جعلها رأس ماله وسافر بها وجعل بعض تجارته كتباً. وبذلك سهل على ياقوت أن يطوف الشام والعراق والجزيرة وخراسان واستوطن مرو ودخل خوارزم وغيرها وبعبارة أخصر كما قال عن نفسه أنه جاء البلاد ما بين جيحون والنيل. تعود ياقوت في رحلاته الحالات المختلفة وألف من زمانه كل حالة حتى عده صاحب كتاب الفلاكة والمغلوكين في جملة البائسن ومنذ ذكر يوماً أحدهم في بع أسواق دمشق وذكر رأيه في أمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه وكان منحرفاً عنه فيما يقال وثار عليه الناس وكادوا يقتلونه ففر إلى حلب ثم إلى الموصل وأربل ودخل خراسان ومرو وخوارزم فانهزم منها من التتار بنفسه وقاسى شدائد وبلغ الموصل وهو فقير داثر منذ وقع له هذا وما زال يغتني بعض الشيء تارة ويفتقر أخرى وكثيراً ما يخرج من بلد كيوم ولدته أمه لا مال ولا نوال قال جمال الدين القفطي في تاريخ النحاة أنه كتب إليه رسالة من الموصل شرحاً لما لتم على خراسان ومنها كان المملوك لما فارق مولاه أراد استعتاب الدهر الجامح واستدرار حلب الزمان الجائح اغتراراً بأن الحركة بركة والاغتراب داعية الاكتساب فامتطى غارب الأمل إلى الغربة وركب ركوب التطواف مع كل صحبة فلم يرث له دهره الخؤون ولا رق له زمانه المفتون إن الليالي والأيام لو سئلت عن عيب أنفسها لم تكتم الخبرا وهيهات مع حرفة الأدب بلوغ وطر أو إدراك أرب ومع عبوس الحظ ابتسام الدهر الكظ ولم أزل مع الدهر في تفنيذ وعتاب حتى رضيت ن الغنيمة بالإياب. . . والقفطي هو وزير حلب الذي يروي عنه ياقوت كثيراً في كتبه بقوله وحدثني الصاحب الأكرم والغالب أنه كان من المحسنين لياقوت ولا يعرف الفضل إلا ذووه لأن القفطي كان عالماً أيضاً وهو صاحب أخبار الحكماء المقتبس م ٥ ص ٣٣٥ واحتكاك ياقوت بأمثال القفطي من أرباب الدولة هيأ له الإطلاع على ما يتعذر على كثير من المشتغلين بالتأليف أن يطلعوا عليه مثل مقدار الجباية في قطر وبعض أمور تتعلق بالبلاد وترى من ذلك نموذجاً في مادة حلب فإن ياقوت جوَّد الكلام على هذه المدينة أكثر من تجويده على دمشق في الجملة لأن الصاحب الأكرم أطلعه على أمور كثيرة ولذلك ترى المؤلف قضى شطراً من حياته في حلب وما نظنها كانت إلا دون دمشق بمكانتها العلمية والاقتصادية ولكن الرجل الواحد تكبر به البلد وتعظم في النفوس ومئات الألوف من الناس قد لا يكون فيهم الرجل الرشيد فتزدريهم وتتخطاهم إلى غيرهم. وقد اهدى ياقوت معجم البلدان إلى القاضي الأكرم وزير حلب فقال في ذلك: إذ كنت منذ وجدت في حل وترحال ومبارز للزمان ونزال أسأل منه سلماً ولا يزيدني إلا هضماً فلما قضت نفسي من السير ما قضت على ما بلت من شدة وليان بعد طول مكابدة حرقة الحرفة وانتظار تبلج ظلام الحظ يوماً من سدفة. علقت بحبل من حبال ابن يوسف أمنت به من طارق الحدثان فرد عني صرف الدهر والمحن ورفه خاطري عن معاندة الزمن لما تغطيت عن دهري بظل جناحه فعيني ترى دهري وليس يراني فأصبحت من كنفه في حرز حريز ومن إحسانه وتكرمه في موطن عزيز فلو تسأل الأيام عني لما درت وأين مكاني ما عرفن مكاني أهدى ياقوت كتابه إلى صاحبه الذي عرف قدره وهكذا تجده يصرح ولا يحمجم في ممادح البلاد وبالعكس فقد قال في مرو ولولا ما عرا من ورود التتر إلى تلك البلاد وخرابها لما فارقتها فارقها سنة ٦١٦ هـ - أي قبل وفاته بعشر سنين إلى الممات لما في أهلها من الرفد ولين الجانب وحسن العشرة وكثرة كتب الأصول المتقنة بها قال وكانت سهلة التناول لا يفارق منزلي منها مائتا مجلد وأكثره بغير رهن تكون قيمتها مائتي دينار فكنت أرتع فيها واقتبس من فوائدها وأنساني حبها كل بلد وألهاني عن الأهل والولد وأكثر فوائد هذا الكتاب معجم البلدان وغيره مما جمعته فهو من تلك الخزائن. تقرأ حرية ياقوت في تآليفه وكلامه على البلدان والسكان فاقرأ هذا الفصل وهو صورة من أخلاقه وقل معنا أنه لا يقل عن اعتراف الفيلسوف جان جاك روسو لكنه في غير محرم قال: وكنت قدمت نيسابور في سنة ٦١٣ وهي الشاذياخ فاستطبتها وصادف بها من الدهر غفلة خرج بها عن عادته واشتريت بها جارية تركية لا أرى أن الله تعالى أحسن منها خلقاً وخلقاً وصادفت من نفسي محلا كريماً ثم أبطرتني النعمة فاحتجبت بضيق اليد فبعتها فامتنع علي القرار وجانبت المأكول والمشروب حتى أشرفت على البوار فأشار علي بعض النصحاء باسترجاعها فعمدت لذلك واجتهدت بكل ما أمكن فلم يكن إلى ذلك سبيل لأن الذي اشتراها كان متمولاً وصادفت من قلبه أضعاف ما صادفت مني وكا لها إلى ميل يضاعف ميلي إليها فخاطبت مولاها في ردها علي بما أوجبت به على نفسها عقوبة فقلت في ذلك: ألا هل ليالي الشاذياخ تؤب فإني إليها ما حييت طروب بلاد بها تصبي الصبا ويشوقنا ال شمال ويقتاد القلوب جنوب لذاك فؤادي لا يزال مروعاً ودمعي لفقدان الحبيب سكوب ويوم فراق لم يرده ملالة محب ولم يجمع عليه حبيب ولم يحد حاد بالرحيل ولم يزع عن الألف حزن أو يجول كئيب أئن ومن أهواه يسمع أنتي وبدعو غرامي وجده فيجيب وأبكي فيبكي مسعداً لي فيلتقي شهيق وأنفاس له ونحيب على أن دهري لم يزل مد عرفته يشتت خلان الصفا ويريب ألا يا حبيباً حال دون نهائه على القرب باب محكم ورقيب فمن يصح من دار الخمار فليس من خمار خمارٍ للمحب طبيب بنفسي أفدي من أحب وصاله ويهوى وصالي ميله ويثيب ونبذل جدينا لشمل يضمنا ويأبى زماني إن ذا لعجيب وقد زعموا أن كل من جدَّ واجد وما كل أقوال الرجال تصيب الكلام على معجم البلدان طويل كطوله ولكنه طول غير مملول وكأن ياقوت شعر بما أتى فقال في مقدمته: ولقد ألتمس مني الطلاب اختصار هذا الكتاب مراراً فأبيت ولم أجد لي على قصر هممهم أولياء ولا أنصاراً فما انقدت لهم ولا أرعويت ولي على ناقل هذا الكتاب والمستفيد منه أن لا يضيع ما لفقت وتفريق ملتئم محاسنه ونفي كل علق نفيس عن معادنه ومكامنه باقتضابه واختصاره وتعطيل حيده من حليه وأنواره وغصبه إعلان فضله وأسراره فرب راغب عن كلمة غيره متهالك عليها وزاهد في نكتة فيره مشغوف بها ينضي الركاب إليها فإن أجبتني فقد بررتني جعلك الله من الأبرار وإن خالفتني فقد عققتني والله حسيبك في عقبي الدار ثم اعلم أن المختصر من الكتاب كمن أقدم على خلق سوي فقطع أطرافه فتركه عاطلاً أو كالذي سلب الكمي سلاحه فتركه أعزل راجلاً. وقد حكي عن الجاحظ أنه صنف كتاباً وبوبه أبواباً فأخذه بعض أهل المصنف كالمصور وأني قد صورت في تصنيفي صورة كانت لها عينان فعورتهما أعمى الله عينيك وكان لها أذنان فصلمتهما صلم الله أذنيك وكان لها يدان فقطعتهما قطع الله يديك حتى عد أعضاء الصورة فاعتذر إليه الرجل بجهله هذا المقدار وتاب إليه عن المعاودة إلى مثله أه. ومع كل هذا التصريح ودعاء ياقوت على من يقدم على اختصار كتابه معجم البلدان مع علمه بتطويله أقدم الجلال السيوطي على اختصاره كما أقدم على تلخيص اللباب في الأنساب لابن الأثير وسماه لب اللباب وأصل اللباب للسمعاني راجع باب المخطوطات والمطبوعات من هذا الجزء. جاء في كشف الظنون أن مختصر معجم البلدان للسيوطي لم يتمكما في الفهرست قال السيوطي في مختصره وبعد فإن الغرض من وضع هذا الكتاب إنما هو بيان ما يدل على المقصود فلا ينبغي أن يخلط به غيره مما يبين في علم آخر لئلا يتشعب الفهم ويطول الكلام فيؤدي إلى الإملال وهذه حال معجم البلدان فإن الغرض إنما هو معرفة أسماء الأماكن والبقاع التي على الربع المسكون من الأرض مما ورد به خبر وجاء في شعر وبيان جملة من الأرض من أصقاعها فما زاد على هذا القدر فهو فضل لا حاجة إليه وخلط الحموي اشتقاق الأسماء وذلك علم يرأسه تشتمل عليه كتب اللغة وكذلك ما ذكره من طول الكتب الموضوعة في معرفة الرجال واستقصاؤه غير ممكن فكتب منه ما لا بد منه في الأسماء الواردة على الأخبار والآثار وكتب المنازي وقيدت ما أهمله وربما زدته بياناً في بعض المواضع وأصلحت ما نبهت عليه فيه من خلل ووجدن النقل من غيره وهو خطأ وأظنه كذلك وسميته مراصد الإطلاع على أسماء الأمكنة والبقاع طبع في أوربا كما طبع لب اللباب قال كاتب حلبي بعد إيراد ما تقدم أقول لكنه أي مراصد الإطلاع لم يتم وللصميري ولأبي عبيد البكري ولابن عساكر ولصفي الدين عبد المؤمن مختصرات من كتاب معجم البلدان في معرفة المدن والقرى والخراب والعمار والسهل والوعر من كل مكان. بدأ مؤلفنا بوضع كتابه سنة خمس عشرة وستمائة أي قبل وفاته بإحدى عشرة سنة وقد نضج علمه وكثرت تجاربه وتجوابه إذ ألقي في روعه افتقار العالم إلى كتاب في هذا الشأن وقد سئل بمرو الشاهجان عن اسم حباشة فاستعصى كشفه في كتب غرائب الأحاديث ودواوين اللباب فأخذ منذ ذلك الحين يأخذ من كتب جغرافي العرب ولغويتهم قال وهذه الكتب المدونة في هذا الباب التي نقلت منها ثم نقلت من دواوين العرب والمحدثين وتواريخ أهل الأدب والمحدثين ومن أفواه الرواة وتفاريق الكتب وما شاهدته في أسفاري وحصلته في تطوافي أضعاف ذلك. رتب ياقوت كتابه على حروف المعجم ووضعه كما قال وضع أهل اللغة المحكم وإبان عن كل حرف من الاسم هل هو ساكن أو مفتوح أو مضموم أو مكسور وذكر اشتقاقه إن كان عربياً وفي أي إقليم هو وأي شيء طالعه ومن بناه وأي بلد من المشهورات يجاوره وكم المسافة بينهما وبماذا اختص من الخصائص وما قيد من العجائب وبعض من دفن فيه من الأعيان والصالحين والصحابة والتابعين ونبذاً مما قيل فيه من الأشعار في الحنين إلى الأوطان وفي أي زمان فتحه المسلمون وكيفية ذلك ومن كان أميره وهل فتح صلحاً أو عنوة ليعرف حكمه في الفيء والجزية ومن ملكه في أيامه ولا سيما البلدان المشهورة ونقل أشياء تأباها العقول على علاتها مع أنه مرتاب بها كما قال وهو في مثل هذه النقول مقلد أما وصفه للبلاد التي رآها فهو فيه مجتهد ولذلك ترى التحقيق بادياً على كلامه. ولقد رأينا بعض الخاصة ينقدون على ياقوت قوله في الأحايين أن الاسم الفلاني اسم جبل في اليمن مع أن بلاد اليمن واسعة الأطراف لا تعد مملكة بل ممالك وكان عليه أن يحدد موقع الجبل ويعينه تعييناً بيد أن هذا مما يفوت طوق المؤلفين لعهدنا فما بالك في القرن السابع للهجرة والعرب وأهل الغرب إلى اليوم لا يعرفون جغرافية اليمن على ما يجب مع ارتقاء فن الطبوغرافيا وكثرة المواصلات البحرية والبرية وكثرة الباحثين من الغربيين في مهد الحضارة الحميرية. فطلبنا من ياقوت أن يكون مدققاً في كل ما نقل وروي هو طلب خيالي لا تقوم به الجمعيات الكبرى اليوم فما الحال بالأفراد أمس وياقوت معذور على كل حال إذا يجود كلامه إلى على البلاد التي رحب إليها أو على الحواضر منها وكفاه ذلك منقبة ومثل ذلك يقال في كتب تقويم البلدان التي وضعها المقدسي والاصطخري وابن حوقل والهمداني وأبو الفدا وغيرهم من جغرافي العرب. ألا ترى إلى ما قاله ياقوت في أرم ذات العماد المختلف فيها ومن الناس من قال أنها الإسكندرية ومنهم من قال وهم الأكثر أنها دمشق وإياها عنى البحتري بقوله: إليك رحلنا العيس من أرض بابل يجور بها سمت الدبور ويهتدي فكم جزعت من وهدة بعد وهدة وكم قطعت من فدفد بعد فدفد طلبتك من أم العراق نوازعاً بنا وقصور الشام منك بمرصد إلى أرم ذات العماد وإنها لموضع قصدي موجفاً وتعمدي وحكى الزمخشري أن أرم بلد منه الإسكندرية وروى آخرون أن أرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد بين اليمن وحضرموت وصنعاء من بناد شداد بن عاد وكل مئة رجل من وكلائه وقهارمته تحت يد كل رجل منهم ألف من الأعوان وأمرهم أن يطلبوا فضاء فلاة من أرض اليمن ويختاروا أطيبها تربة ومكنهم من الأموال ومثل لهم كيف يعملون وكتب إلى عماله الثلاثة غانم بن علوان والضمان بن علوان والوليد بن الريان يأمرهم أن يكتبوا إلى عمالهم في آفاق بلدانهم أن يجمعوا جميع ما في أرضهم من الذهب والفضة والدر والياقوت والمسك والعنبر والزعفران فيوجهوا به إليه ثم وجه إلى جميع المعادن فاستخرج ما فيها من الذهب والفضة ثم وجه عماله الثلاثة إلى الغواصين إلى البحار فاستخرجوا الجواهر فجمعوا منها أمثال الجبال وحمل جميع ذلك إلى شداد ثم وجهوا الحفارين إلى معادن الياقوت والزبرجد وسائر الجواهر فاستخرجوا منه أمراً عظيماً فأمر بالذهب فضرب أمثال اللبن ثم بني بذلك تلك المدينة وأمر بالدر والياقوت والجزع والزبرجد والعقيق ففضض به حيطانها وجعل لها غرفاً من فوقها غرف فعمد جميع ذلك باسطين الزبرجد والجزع والياقوت ثم أجرى تحت المدينة وادياً ساقة إليها من تحت الأرض أربعين فرسخاً كهيئة القناة العظيمة إلخ. وبعد أن أورد تتمة هذه القصة صفحتين قال ما نصه: قلت هذه القصة مما قدمنا البراءة من صحتها وظننا أنها من أخبار القصاص المنمقة وأوضاعها المزوقة. ومثل ذلك ما رواه في مدينة النحاس قال: ويقال لها مدينة الصفر ولها قصة بعيدة من الصحة لمفارقتها العادة وأنا بريء من عهدتها إنما أكتب ما وجدته في الكتب المشهورة التي دونها العقلاء ثم أتي على ذكرها القريب في ثلاث صفحات. فكأن ياقوت بما ينقل من هذه الأوهام وغيرها يريد أن لا يخلي كتابه من كل أطروفة ولو كانت سخيفة فيستفيد منه الجاهل ويتفكه به العالم وبتعلم الأديب ويقتبس الباحث. ومما ذكره في استعمال الفضة قوله في شنت مربة في الأندلس فال وأظنه يراد به مريم بلغة الإفرنج وهو حصن من أعمال شنتبرية وبها كنيسة عظيمة عندهم ذكر أن فيها سواري فضة ولم ير الراؤون مثلها لا يحزم الإنسان بذراعيه واحدة منها مع طول مفرط. ومن ذلك أيضاً ما ذكره في وصف قصر بهرام جور وهو أحد ملوك همذان بقرية يقال لها جوهستة والقصر كله حجر واحد منقورة بيوته ومجالسه وخزائنه وغرفه وشرفه وسائر حيطانه فإن كان مبنياً بحجارة مهندمة قد لوصك بينها حتى صارت كأنها حجر وحد لا يبين منها مجمع حجرين فإنه لعجب وإن كان حجراً واحداً فكيف نقرت بيوته وخزائنه وممراته ودهاليزه وشرفاته فهذا أعجب لأنه عظيم جداً كثير المجالس والخزائن والغرف وفي مواضع منه كتابة بالفارسية تتضمن شيئاً من أخبار ملوكهم وسيرهم وفي كل ركن من أركانه صورة جارية عليها كتابة. قلنا وليس حفر هذا القصر على هذه الصورة من الأمور المستحيلة بعد أن رأينا خزنة فرعون في وادي موسى (بترا) قطعة واحدة وعبارة ياقوت تبين أنه رأى ذاك القصر أو نقل عن ثقة. وهذا من أعاجيب الدنيا ولا شك مثل قصر شيرين وشيرين بكسر الشين بالفارسية الحلو وهو اسم حظية كسرى أبرويز وكانت من أجمل خلق الله والفرس يقولون كان لكسرى أبرويز ثلاثة أشياء لم يكن لملك قبله ولا بعده مثلها فرسه شبذير وجاريته شيرين ومعنيه وعواده بلهبذ. وقصر شيرين موضع قريب من فرميسين بين همذان وملوان في طريق بغداد إلى همذان وفيه أبنية عظيمة شاهقة بكل الطرف عن تحديدها ويضيق الفكر عن الإحاطة بها وهي إيوانات كثيرة متصلة وخلوات وخزائن وقصور وعقود ومنتزهات ومستشرقات وأورقة وميادين ومصابد وحجرات تدل على طول وقوة. . . . وقصر اللصوص بناؤه عجيب جداً وذلك انه على دكة من حجر ارتفاعها عن وجه الأرض نحو عشرين ذراعاً فيه إيوانات وجواسق وخزائن تحير في بنائه وحسن نقوشه الأبصار وكان هذا القصر معقل أرويز ومسكنه ومنتزهه. وإيوان آسك من نواحي الأهواز وهو عال في صحراء على عين غزيزة وبيئة وإزاء الإيوان قبة منيفة سمكها على مائة ذراع بناها للملك قبان والد أنوشروان قال مسعر بن مهلهل وما رأيت في جميع ما شاهدت من البلدان قبة أحسن بناء منها ولا أحكم. والتأنق في القصور ليس خاصاً بالفرس والروم بل هو من شأن العرب في دولتهم الشرقية ودولتهم الغربية ومن تلا سير الأندلسيين يعرف مبلغ حرصهم على تشييد القصور والزهراء والحمراء بعض بقايا تلك الهندسة البديعة والثروة الوسيعة فانظر الآن مثالاً مما قاله ياقوت في قصر عيسى وهو عباسي مشرقي قال: هو منسوب إلى عيسى ابن علي بن عبد الله بن عباس وهو أول قصر بناه الهاشميون في أيام المنصور ببغداد وكان على شاطئ نهر الرفيل عند مصبه في دجلة وهو اليوم في وسط العمارة من الجانب الغربي وليس للقصر أثر الآن إنما هناك محلة كبيرة ذات سوق تسمى قصر عيسى وقد روي أن المنصور زار عيسى بن علي ومعه أربعة آلاف رجل فتغذى عنده وجميع خاصته ودفع إلى كل رجل من لجند زنبيل فيه خبز وربع جدي ودجاجة وفرخان وبيض ولحم بارد وحلاوى فانصرفوا كلهم مسمطين (يقال رأيته متسمطاً لحماً أي يحمله) ذلك فملا أراد المنصور أن ينصرف قال لعيسى: يا أبا العباس لي حاجة قال: ما هي يا أمير المؤمنين فأمرك طاعة قال: تهب لي هذا القصر قال: ما بي ضن عليك به ولكني أكره أن يقول الناس أن أمير المؤمنين زار عمه فأخرجه من قصره وشرده وشرد عياله وبعد فإن فيه من حرم أمير المؤمنين ومواليه أربعة آلاف نفس فإن لم يكن بد من أخذه فليأمر لي أمير المؤمنين بقضاء يسعني ويسعهم اضرب فيه مضارب وخيماً لقلهم إليها إلى أن أبني لهم ما يواريهم فقال له المنصور: عمر الله لك منزلك يا عم وبارك لك فيه ثم نهض وانصرف. ومثل ذلك ما رواه في قنطرة خرزاذ تنسب إلى خرزاذ أم أردشير ولها قنطرتان إحداهما بالأهواز والأخرى من عجائب الدنيا وهي بين أيذخ والرباط وهي مبنية على واد يابس لا ماء فيه إلا في أوان المدود من الأمطار فإنه حينئذ يصير بحراً عجاجاً وفتحه على وجه الأرض أكثر من ألف ذراع وعمقه مائة وخمسون ذراعاً وفتح أسفله في قراره بالرصاص والحديد كلما علا البناء ضاق وجعل بين وجهه وجنب الوادي حشو من خبث الحديد وصب عليه الرصاص المذاب حتى صار بينه وبيه وجه الأرض نحو أربعين ذراعاً فعقدت القنطرة عليه فهي على وجه الأرض وحشي ما بينها وبين جنبي الوادي بالرصاص المصلب بنحاتة النحاس. وهذه القنطرة طاق واحد عجيب الصنعة محكم العمل وكان يجتاز عليها لا سيما في الشتاء وحدود الأودية وكان ربما صار إليها قوم ممن يقرب منها فيحتالون في قلع حشوها من الرصاص بالجهد الشديد فلم تزل على ذلك دهراً حتى أعاد ما انهدم منها وعقدها أبو عبد الله محمد بن أحمد القمي المعروف بالشيخ وزير الحسن بن بويه فإنه جمع الصناع المهندسين واستفرغ الجهد والوسع في أمرها فكان الرجال يحطون إليها بالزبل بالبكرة والحبال فلما استقروا على الأساس أذابوا الرصاصا والحديد وصبوا على الحجارة ولم يمكنه عقد الطاق إلا بعد سنين فيقال أنه لزمه على ذلك سوى أجرة الفعلة فإن أكثرهم كانوا مسخرين من الرساتيق التي بين أيذج وأصبهان ثلاثمائة ألف دينار وخمسون ألف دينار وفي مشاهدتها والنظر إليها عبرة لأولي الألباب. وسنقتبس في الجزئين التاليين شذوراً من كتاب ياقوت تفيذ في تصور العمران على عهده وتدل على مبلغ عناية العرب بكل شيء ولا سيما بفن تقويم البلدان وحالة الإنسان على مدى الأزمان. في ديار الغرب   سويسرا أصحيح أن القطار غداً يخترق العقاب والشعاب، ليخلص من إيطاليا مهد المدنيين الرومانية والنصرانية، إلى سويسرا جنة أوربا، بل جنة الدنيا، ومدرسة العمل العليا، وأبهج مصف ومشتى، لملتمس الراحة والسلوى. أيكتب غداً للروح أن تطمئن قليلاً في أشرف ديار، عرفت في بال حرية الأديان والأفكار، ويشهد الطرف حسناء ضمت إلى صدرها شمل المدنيات العصرية ووضعت على مفرقها تاج البدائع الأرضية والسماوية، بلاد خص كل شبر منها بمزية عالية غالية، وتعاورتها الأيدي بالتحسين والمزينين والتطرية، فلم يتصور العقل الآن أرقى من نظامها. ولا أبدع من طرازها وهندامها. أصحيح أن هذه المدينة الفاضلة، دهشة الأمصار والأقطار، وزبدة جهاتز القرون والأعصار، المغبوطة من جارتها بل من أهل الغرب أجمع، على قانونها لتتكامل، وأنها الشامل، سكول للنفس قسطمن الراحة في رباعها البهجة شهراً من العمر، بعد كالف شهر، فتستمتع الحواس بعجائب صنع الديان والإنسان. وآخر حسنات العمران في هذه الأزمان. سلام عليك يا جمهورية السلام والوئام، عقمت الأيام أن تنشئ مثلك أنت الوحيدة في العمل بتعالم السيد المسيح بين الممالك الغربية فلم يعد عليك أن جوزت بعد تحضرك قتل النفوس، لامتلاك النفائس، ولا أن ظلمت شعباً آمناً لاستصفاء بيته وحقله، ولا أن هتكت أستاراً وأعراضاً، لتغتنمي عروضاً وأعراضاً، بلى كنت من خير من عطف على مدحور ومظلوم، وأكرم مثوى وأفد مقهور مغموم، وعلم طالب علم وصناعة تعلماً مجرداً من النزعات المذهبية والنزعات السياسية، ومسلاة كل متعب راغب في التفريغ لنفسه، لقنت الأمم معنى الحكومة الصالحة في الأمة الصالحة، وحققت بالعمل معنى تضامنك في شعارك الواحد للكل والكل للواحد فحكمت نفسك بنفسك حقاً وصدقاً ولا كذباً ورياءً. هذه الوجوه النضرة التي تهش للغريب، كما تهش للقريب، هي صورة صحيحة من أخلاق هذا الشعب القليل بعدده، الكثير بفضائله وعدده، فإن كان هنا لا يتجاوز إحصاء المكين، أربعة ملايين، ولا مساحة المكان ٤١٣٤٦ كليومتراً مربعاً، فلكم كان القليل العالم، خيراً من الكثير الجاهل وعظمة الأمم بعلمها وعملها. لا يوفر سكانها وطول سهلها وجبلها: سويسرا تفاخر وحق لها الفخر بأنها اليوم لا تعرف الأميين. إلا بما تقرأه عنهم في صحف العالمين. فهل عهد مثل هذا النور لأمة في القدماء أو المحدثين. يخيل للناظر أن هذه البلاد الواقعة بين أربع ممالك راقية. فرنسا وألمانيا وإيطاليا والنمسا. قد أخذت من هذه المدنيات الأربع أطايبها. ولعله لا يخطئ من قال أن هذه الممالك أخذت كثيراً من أطايب ما عند سويسرا. فجاءت هلفسيا أو سويسرا مجموعة الإبداع. في البقاع والأصقاع. وسلسلة مفرغة في المحاسن لا يعرف أين طرفاها. تقاسمت القرى مع المدن. والأودية مع الجبال. آثار الجمال والكمال فعز لها قسيم في استهواء القلوب بين هذه الديارات. بل بين الخمس من القارات وما ظرف عمران الألمانيين والفرنساويين والإيطاليين والنمساويين. إذا قيس بظرف بلاد السويسريين إلا كالنضارة في خدود فتاة العشرين. في جنب نضارة ابنة الأربعين. لا جرم أن هذه الجمهورية الرشيدة هي التي وصفها للناس أفلاطون وروسو فكانت بما وفقت إله مما يضعف الفصحاء عن توفيتها حقها من الاستحسان وذكر المجردات لا يقنع بقدر الأدلاء بالحجة ولذا نقتصر على طرف مما عرفناه وعرفه عنها كوصف حياتها القومية والروحية والعملية والاقتصادية عسى أن يثمر ذلك فائدة لمستفيد. وعبرة لمعتبر. في شرقنا المتخدر الأعصاب منذ أحقاب. الذي كادت تدمع لحاله عيون الأعداء بعد أن أدمى مقل الأحباب. سويسرا: الأفراد والأسرة أول من يبده الداخل إلى أرض سويسرا: الخضرة والنظافة. فإنها كلها أشبه بحديقة في وسطها مصايف من أجمل ما بنى المهندسون ونقش النقاشون وصور المصورون. الدور على اختلاف هنستها سواء كانت بيضاء كما هي في سويسرا الفرنساوية أو منقوشة كما هي في الشمال الشرقي أو من الخشب على ما تراها في أوبرلاند تفيض بهجة ونضرة ونظافة وزينة وتبدو على الدوام جديدة حتى ولو كانت مبنية منذ قرنين أو ثلاثة. والغربيون مولعون بإبقاء القصور القديمة مهما لانت ويؤثرونها على الجديد من نوعها. وداخل البيوت على مثال خارجها في الحسن حذو القذة بالقذة. أدخل إلى الفنادق الكبرى أو الصغرى وإلى منازل الطبقة العليا أو الفلاحين وإلى قصور الأغنياء أو المقترين تجدها كلها متناسقة بنظافتها وتشهد المساكن والمخازن على هذا الطراز في الصباح والمساء على السواء. وما أنس لا أنس تلك النظافة التي شهدتها في المنزل الذي حللت فيه في مدينة لوزان المطل على بحيرة ليمان ومن ورائها جبال الألب وذلك منذ تدخل الدهليز فتصعد الدرج إلى أن تدخل المنزل وتجلس في غرفتك إلى المائدة إلى الطعام المنوع المستطاب إلى أحقر شيء في الدار. ولقد كنت أعجب كل يوم من رؤية الخادمة تمسح البلاط والدف في الأرض والنوافذ والدرفات وتنفض الستور والأغشية والكراسي والمقاعد والخزائن والمناضد والزروع الموضوعة في الأصاصي دع التحف والصور والتماثيل الصغيرة ومصابيح الكهرباء وغير ذلك مما لا تخلو منه دار في الجملة. كل هذا مع خدمة المطبخ والمائدة وبعض من يلزم من السوق تقوم به خادمة واحدة وليس هذا الحال خاصاً بالبيوت والفنادق فقط بل إنك تراه في الشوارع والأزقة على صورة مكبرة فإن الأوساخ الخفيفة لا تلبث أن تطرح حتى تكتسح وكذلك الثلج لا يلبث أن يتساقط ٢٠ سنتمتراً وأكثر إلا ويرفع من الطرق. وكل شارع وجادة وساحة وسوق وينظف ويغسل بلا إمهال بحيث تصح هنا حكمة الغرب: النظافة أثر من آثار النظام والعمل. والشعوب النظيفة هي التي تحب أن ترى كل شيء في مكانه تقاسي ضيقاً حقيقياً بل ألماً مبرحاً إذا شاهدت الخلل. ليست النظافة ابنة الكسل لأنها تستوجب من الأفراد والحكومة عملاً وجهاداً متواصلاً ويستدعي أن تحث عليه الحكومة المحكومين كما هو الحال في سويسرا فإن بلدياتها تنفق عن سعت لتجعل البلاد في هذه الحالة من النظافة التي تعجب لها أرقى أمم الحضارة دع شرقياً لا يكاد يقع نظره في بلاده إلا على أقذار الشوارع والساحات والحارات بل في البيوت والحوانيت وخللاً في كل شأن من شؤون الحياة الراقية. وكان من أثر هذه المفاداة التي أفادت بها بلديات سويسرا في متصرفياتها أو مديرياتها الاثنين والعشرين تحسين الصحة العامة واستجلاب السياح وأحسن معلم لبث الأفكار النظام والوقاية والرفاهية. تتبارى الحكومات والمديريات والإدارات الخاصة والعامة في مضمار النظافة فتجد اقفاصاً من أسلاك لطيفة موضوعة في المدن في كل شارع وحديقة لتوضع فيها القشور أو الأوراق وربما سار الواحد عدة أمتار حتى يرى تلك السلة المعلقة فيضع فيها ما بيده من الفضلات الخفيفة. ذلك لأن كل سويسري لا يحب أن يرى منتزهه وشارعه وحيه إلا كما يرى بيته طاهراً نقياً ليس فيه ما ينبو عنه النظر. وكيفما انقلبت في سويسرا في القطارات أو المراكب في المحطات والإدارات تشاهد النظافة المجسمة كأن هذه الخاصية صفة من صفات الأمة السويسرية. وربما نسي الغريب أن يضع ما استغنى عنه من الورق أو غيره فيشير إليه الآهلون إلى وضعها في محلها بل إن المفتش في القطار لا يستنكف أن يرفع أوراقاً تتساقط من ركاب قد يكونون في الأكثر غرباء لا يعرفون درجة غلو سويسرا في النظافة في كل شيء. ما كانت النظافة في فطرة سويسريين أو جنسهم بل هي كسبية وثمرة تربية طويلة ومدينة طاهرة. ولا جدال في أنهم بنظافتهم أرقى من سكان الجنوب والغرب أي من الطليان والفرنسيس نعم ما كانوا أمس كما هم اليوم والدليل على ذلك أن من البلاد السويسرية ما لم يبلغ حتى الآن درجة كافية من النظافة كما يحب السويسريون ولا سيما البلاد التي لا يقصدها السياح وليس فيها فنادق مثل بعض محال من مقاطعة الفالي والكريزون والرينتال وهي إذا قيست بمقاطعات وزوريخ أحياء قليلة على شيء من الوساخة بالنسبة لمجموع البلاد. ولكن مثل هذه الأحياء تهدم الواحد بعد الآخر والقرى تطهر بأسرع ما يمكن وهي نموذج مما كانت عليه سويسرا قبل خمسين أو مئة سنة فاستطاع أهلها بالتربية أن يحرزا فضيلة النظافة التي أصبحوا فيها قدوة الأمم الراقية. تساءل الباحثون في حال هذه الأمة فيما إذا كان للدين تأثير في نظافة السويسريين والراجح من آرائهم على ما ذكره البردزا في كتابه سويسرا الحديثة أن الدين أثر بالواسطة لا مباشرة وأن للتربية العملية المقام الأول. فالمقاطعات التي سبقت غيرها في مضمار العلم وأحب أهلها النظام وتفانوا في المحافظة عليه كالمقاطعات الألمانية في الشمال وأهلها برتستانت هي أكثر نظافة من مقاطعات الجنوب أي الفالي والتسين والكريزون وأهلها كاثوليك وذلك لأن سكان هذه إيطاليون جاؤوا متأخرين بالنظافة عن الألمان وكذلك في التعليم. ومع هذا ترى من مقاطعات الشمال مقاطعتي الفو ونوشاتل وهما من جنس فرنساوي لا تقلان في النظافة عن مقاطعتي زوريخ الألمانيتين. ومهما يكن من أصول السويسريين ألماناً كانوا أو فرنسيساً أو إيطاليين فإن سويسرا أشبه بفسيفساء من الشعوب والعناصر وامتزجت وتعاشرت لا تفرق بينهم إلا اللغة وقد اختلطت دماؤهم اختلاط الماء بالراح كما ترى من سحناتهم الألمانية غالبة عليهم وكذلك ترى في بعض المقاطعات الألمانية التي تتكلم باللغة الجرمانية منذ عشرة قرون ملامح السلئيين والريتيين من قدماء الرومان. نشأت من هذه العناصر الممزوجة روح سويسرية ووطنية سويسرية وذلك بامتزاج الفكر الجرماني بالفكر اللاتيني فأخذ السويسري عن الألماني صفات التدين والرزانة والشعور بالتضامن والنظام والثبات والرغبة في الماديات والحقائق واقتبس من العنصر اللاتيني تقاليد البشاشة والأدب وجودة الحكم وحسن التقليد والظرف. والرأي الديني في ابن مقاطعة تسين لا يماثل الرأي الديني في ابن مقاطعة لوسرن بين الفرنسويين ويغالي الأولون بالأكثر في توطيد سلطة الحكومة وتوسيع اختصاصها وتراهم مولعين بتقاليدهم مرتبطين بعاداتهم القديمة وحرياتهم المحلية وخصائصهم على العكس في السويسريين الفربسويين فإن هذه الصفات تبدو فيهم بمظهر آخر. والسويسريين على اختلاف أصوله ولغته أفرنسياً كان أو ألمانياً قليل الفضول لا يسألك في الفندق ولا في الشارع إذا تعرفت إليه عن مقاصدك ولا يتتبع عوراتك ولا يسألك أسئلة لا تحب أن تجيب عليها على العكس في السويسري الأيطالي وهو ساكن في الجنوب طبعاً فإنه يملل نزيله وصاحبة بأسئلته. ومن ترك الناس وشأنهم في هذه البلاد نشأ في أمم أوربا حسن الظن بالسويسريين فاختاروا سويسرا مصيفاً ومشتى لأن من تلك الأمم ولا سيما الشعوب الإنكلوسكسونية من لا يحب أن يسمعك صوته فضلاً عن أن يطلعك على عجره وبجره. وهذا الخلق سرى للحكومة وهي وقانونها صورة من صور الشعب أكتب هذا عن لوزان وقد مضى عليَّ فيها خمسة عشر يوماً وأنا لم أر سوى ثلاثة أو أربعة من رجال الشرطة بالعرض أقامتهم المديرية بداعي الأعياد فقط ولم أر سوى جندي واحد هذا والمدينة لا تقل نفوسها عن سبعين ألفاً وفيها على الأقل عشرون ألف غريب. هذه هي الجمهورية السعيدة التي أسسها ثلاثة فلاحين منذ عشرة قرون قد بلغت بالعلم والتربية هذا المبلغ من الرقي. وإن أكثر ما يقع في هذه الديار من الحوادث مثل السرقة والسكر والعربدة التي لا تخلو منها أرض لا يكون على ما رأيت من أنباء الصحف إلا من بعض الغرباء وأكثرهم من الطليان والأروام فبوركت بلاد هذا حالها. سويسرا: النساء والرجال السويسري كالإيطالي والألماني والإنكليزي كثير الولد والذرية وأولاده لا يعدون بالزوج بل بالعقد وبلغني أنه ولد لأحدهم من زوجة واحدة ثلاثون ولداً فقط لا غير أما الأزواج الذين رزقوا العشرة الخمسة عشر ولداً فهؤلاء أكثر من أن يحصوا فأولاد السويسريين كالبيض أو البرتقال يعدون بالخمسات والعشرات. وترى الأبوين لا يدهشان لكثرة نسلهما فإنهما في الأغلب يلبسانهم ولا سيما في القرى ألبسة بسيطة للغاية لا تختلق في الصيف عن الشتاء كثيراً ويطعمانهم ما حضر من الطعام وأكثره يدور على اللبن والحليب والبيض والجبن والخبز الأسمر وقد لا يطعمانهم اللحم إلا قليلاً أما الخمور فهذه لا تكاد تعرف لأنها محتكرة للحكومة وأثمانها فاحشة لا يصل الفقير إليها وليست كل المقاطعات مما تجود في الكرمة. يلعب الأولاد حول أمهم وفي الحقل حتى السابعة من عمرهم ثم يذهبون إلى المدرسة وعندئذ يقل لعبهم حتى أن ابنة العشرة أو الثانية عشرة تعمل أعمالا من الخدمة وتحصيل المال يعجز عنها ابن العشرين أو الثلاثين في شرقنا. فتراها من المدرسة إلى النزل تخدم في الأوقات المتيسرة لها إلى تربية أخيها أو أختها وتعهده إلى بيت فلان تغسل لهم الأواني أو غير ذلك. والحكومة تحول دون الأولاد وما يشتهون أحياناً فإن أكثر الحدائق العامة لا يستطيع الأولاد أن يدخلوها إذا كانوا دون الخامسة عشر إلا إذا كانوا مع كبير من أهلهم يسأل عن حركاتهم وسكناتهم وفي بعض المقاطعات يحرم على الفتى أو الفتاة دون الخامسة عشرة أن يخرجا إلى الشارع بعد الساعة السابعة ليلاً وفي أخرى لا يحضر الولد بعض المسارح والصورة المتحركة بل إن له مسارح ومشاهد غير للبالغين. انتشر فكر الأسرة كثيراً في سويسرا وذلك بتداخل الحكومة أيضاً التي جعلت في جملة المرغبات في الزواج إعفاء المواريث من كل رسم إذا انتقلت إلى وارث حقيقي مباشر كالابن ونحوه وأما إذا كانت تنتقل إلى الأباعد فإنه يدفع عنها رسم فاحش للحكومة وبينا ترى الحياة الصناعية في أوربا بأسرها قد عاقت كثيراً عن تأليف الأسرات وتأسيس البيوت ترى سويسرا كلما زادت حركتها الصناعية تتكاثر في ربوعها البيوت وذلك بأن العامل أو العاملة يعمل في داره ما يعرفه من أنواع الصنائع كعمل الساعات والتطريز والنقش على الخشب وغير ذلك فأبن القرى يعمل وهو في بيته ولا ينقطع عن عمله الزراعي طول السنة وقد خال ذلك دون كثير من أبناء القرى عن غشيان المدن والسكنى بها واقفار الأرياف فإن خلو الدساكر من سكنها هو من أول أسباب الخراب كما هو حاصل في الشام من الهجوة إلى أميركا مباشرة وكما هو كذلك في فرنسا في الهجرة من قراها إلى مدنها والخطب أسهل. نعم تعمل هنا المرأة والفتاة في قريتها ما تحسننه من الصناعات في المعمل أو في بيتها بدن أن تنقطع عن محيطها وأسرتها وأن تتجلى عن تدبير منزلها. والمرأة السويسرية مشتهرة بأنها لا تحب الظهور كل ساعة للناس وهي مخلصة صالحة على الجملة تؤثر تعهد عملها وبيتها على كل شيء وتفكر كثيراً بحيث أن السفاسف والزينة لا تشغل من قلنها مكناً فهي امرأة منزل وعمل تهتم لبيتها اهتماماً غريباً واظهر حبها للنظام حتى في عواطفها. ما من بلد في الأرض ساوت فيه المرأة الرجل كما هي في سويسرا فهي قرينته في عمله وشريكته حقيقة وهذا ناشئ ولا شك من تربية المرأة على العمل وحبه وقد بلغ سنة ١٩٠٠ عدد السويسريات اللائي يعملن في الصناعات المختلفة من زراعية وتجارية وصناعية وصناعات حرة ١ . ٥٧٥ . ٠٠٠ امرأة. هذا في شعب هواقل من أربعة ملايين فإذا فرضنا أن النساء ١٩٠٠٠٠٠ في سويسرا وأخرجنا منهن العاجزات وصغار البنات لا يبقى إلا عدد أقل من القليل غير عامل من النساء السويسريات فالمرأة العطلة عن العمل ليست بضاعة سويسرية والعاملات من النساء على نسبة العاملين من الرجال. وقد أحرزن منذ زمن طويل الحق بان يكون منهن الطبيبات والمحاميات أما حقوق الانتخاب ومشاركة الرجال فيها فإنها قلما تهمهن ولذلك كان النساء في التجارة والصناعات الحرة أكثر من الرجال. قال لنا رئيس تحرير جريدة غازت دي لوزان أن الناس هنا يعملون مهما كانوا أغنياء ولا تكاد ترى عشرة في مدينة لوزان لا عمل لهم على كثرة أغنيائها وأرباب الأملاك فيها الأخلاق هنا في الجملة قاسية والحياة بالغة حد النظام والناس كلهم يعلمون ولذلك تقل البواعث على التبذل والخلاعة وحب الشهوات لأن ذلك يستدعي أوقات فراغ والفراغ لا يعرفه السويسريون والسويسريات. ثم إن المناح لا يساعد على الخروج كل ساعة بل بالعكس مما يحمل على الرغبة في الحياة اليتية. وسويسرا مثل هولاندة أقل البلاد الأوربية التي يولد فيها أولا غير شرعيين قهي من هذه الوجهة أقل من ألمانيا ثلاث مرات. وسبب قلة العهر العمل بلا شلك لأن رأس البطال معمل الشيطان. متى توزجت المرأة السويسرية تصبح عشيرة الرجل حقاً فهي يوم الأحد تذهب وإياه إلى الكنيسة وفي المساء إلى القهوة. السويسري يجد في علطة الأحد أحسن فرصة له لأنه يتخلى عن عمله فلا يطلب من أسباب السرور إلا أن يكون مع أخل بيته. ويقل اختلاط الشبان والشواب في أوقات الفراع حتى يوم الأحد اللهم في الأعياد السنوية النادرة التي تقام فيها مراقص. ويذهبون الشبان أيام الآحاد إلى الكنائس ولا سيما البرتستانت منهم وبعد الظهر يذهبون عصابات يتمرنون على الرماية ولعب الكرة ويغنون ويعربدون قليلاً ولكنهم يوم الاثنين في الساعة المعينة تقرأ الرزانة في وجوهمهم ويعود كل رجل يستعيد مركزه في الحياة الاجتماعية. تذهب الأسرات مساء الأحد ولا سيما في سويسرا الألمانية إلى أحد الفنادق أو القهوات فترى الأمهات والنساء والأخوات جالسات إلى منضدة بالقرب من أبنائهم وأخواتهن أو أزواجهن يشربون جعة وقهوة وقليلاً جداً من المشروبات الروحية والرجال يدخنون وربما غنى الحضور ولكن أغاني هزلية أدبية ولكن لا غرام فيها ولا عشق. المرأة السويسرية قد يعالجها الهرم في الغالب أكثر من غيرها من النساء المرفهات في أوربا الغربية والوسطى ولكن هرمها يزيد في عقلها ويبقى قلبها على نضارته وأخلاقها على سذاجتها. والسذاجة خلق من أخلاق السويسريين والسويسريات والسويسري وسط بين حرية الغالي الفرنساوي ورصانة الإنكليز. ولئن كانت كتب الرقاعة والخلاعة لا محل لها من الإعراب في جملة حال السويسري فهو مع ذلك لا يخامره ريب في صحة أخلاق بناته وزوجته ويعرف أن اختلاطهن إذا اقتضى الحال بالرجال والخلوة بهم أو رؤية التماثيل المعراة في المتاحف وعلى قارعات الطريق مما لا يلقي أدنى اضطراب في عفتهن. ومن لم يكن له من نفسه وازع لا تحول الحواجز والأستار بينه وبين ارتكاز الرزائل. سويسرا الصفات الاجتماعية أول ما يبده المسافر في سويسرا ضبط المواعيد فإن السكك الحديدة كما هي في أكثر بلاد العالم المتمدن لا تتأخر ولا تتقدم دقيقة عن ميعادها والقطارات تسير الهوينا في أصقاع كأنها هي أيضاً تحب أن تمتع نواظرها بمناظر سويسرا البديعة فالسكك الحديدة هنا كسائر الأعمال تسير عجلة في بطء ولا حاجة لأن يعجل المرء هنا في المبادرة إلى المحطة لأن العالم كلهم مدققون في أوقاتهم ومتى كانوا كذلك بورك لهم فيها. الصلابة والثبات صفتان لازمتان للسويسري وقد كان المشهور أن الفرنسويين أكثر الأمم اقتصاداً ولكن ظهر أن السويسريين يفوقونهم فإنهم أول أمة أوروبية تحسن استخدام أموالها ويليها الأمم السكاند نافية وقد تجازوا ما وضعه ١ . ٣٠٠ . ٠٠٠ من السكان في صناديق التوفير مليار فرنك فيصيب الفرد ثمانمائة فرنك وهذا مما لا يكاد يكون له نظير: ثلث الأمة تقتصد وتجمع المال الذي لا نحتاج إليه! لا تردد في أخلاق السويسري يقبل الجديد ولا يخون القديم فهو إما أن يقول نعم أو لا ليتمثل لك ذلك في المشاريع واللوائح التي توضع وتسن مما يقتضي تنفيذه عند غيرهم سنين. أما هنا فإذا أريد القيام بعمل تبدأ الصحف بإعداد الأفكار له وتلقي المحاضرات فيضع أحد النواب أو الحكومة مشروع القانون الجديد وإذا اقتضى الحال تصدق عليه الأمة ويخضع له كل الناس وإذا وضع قانون ولم ينفذ فالسويسري يصر على العمل به بدون ملل مثال ذلك بعض السكك الحديدية الجديدية فإن من الخطوط ما يمد في عشرين سنة ولا يكون طوله أكثر من عشرين كيلومتراً ومع هذا فقد تفتح كل سنة محطة جديدة منه ولكن الخط ينتهي في الآخر. إذا كان السويسريون عنودين فذلك لأنهم عمليون لا نظريون في أعمالهم قلما يطيرون وراء الخيالات. وقديماً نبغ في السويسريين فلاسفة أمثال جان جاك روسو الذي في ولد في جنيف أما اليوم فلم تنشأ لهم مثل تلك الطبقة بل ينشأ لهم أهل عمل أقرب إلى الحقائق متشبعين بالحق عارفين المداخل والمخارج فخلف رجال الأعمال رجال الخيال. امتاز السويسريون بالصناعات فاستفادوا من ذلك فوائد جمة في بلاد شحيحة بخيراتها صبعة المراس بطبيعتها الاقتصار على الزراعة فيها لا تسير به الحركة الاقتصادية على محورها. فليس فيها فحم حجري ولا معادن للصناعة ولا شواطئ بحرية ولا أنهار عظمى للتجارة فيها عقاب من جبال صعبة المرتقى أقيمت على التخوم في الجنوب والشرق والشمال وربعها غير صالح للزراعة لأنه مألف الثلوج والجليد طول السنة أو صخور لا ترتقي وتربة قاحلة وثلثيها صالح للغابات والشتاء يطول ويشتد في بعض مقاطعاتها ويغمرها بالثلوج برمتها وبحيرات هي كالخال في عنق ذات الجمال والدلال ولكن الإنسان العاقل يغلب الطبيعة أو يعرف كيف يستخدمها. فإن تلك الحواجز الجبلية قد خرقتها السك الحديدية بحيث أن سويسرا بعد أن كانت تحول دون الاتصال بين فرنسا والنمسا وبين إيطاليا وألمانيا أصبحت الصلة اللازمة بينها فشق القطار جميع الأصقاع وتسلل بخطوطه المنوعة حتى الأصقاع البعيدة عن التركيب الاجتماعي يحمل إليها مائية الحياة الاقتصادية ورشاشة من بحر المدينة واستعاضت سويسرا عن الفحم الحجري الأسود بما عندها من الفحم الأبيض وأحسنت ضبط المياه فدورت بها المعامل والمواد الأولية تجلب من الخارج ولكنها تعود بأرباح فائقة فإن ثلاثة أرباع صادراتها هي من حاصلات بدلت فيها اليد السويسرية وغيرت مثل القطن والحرير والشكولاتا وأنوع المطرزات والساعات. أحسنوا هنا استخدام جميع أنواع التربة الصالحة للزراعة على أحدث الطرق الزراعية المنوعة فوفرت كرومها ومراعيها وكثرت فيها تربية البقر بما يلحقه من اللبن الزبدة والجبن حتى أن بعض مقاطعاتها الشرقية تبلغ حاصلاتها ٨٠ في المئة من البقر وما يشتق منه والثلوج والجمد والصخور والشقيف وكانت من المعونات على الاستكثار من إقامة الفنادق والإنزال ليأوي إليها السياح الذين ملوا من رؤية الحضارة ويريدون أن يرجعوا شهراً أو شهرين إلى الطبيعة فليس في سويسرا حيوانها وجمادها وإنسانها شيء لم يحسن استخدامه ويجر في سبيله. السويسريون عمليون في حياتهم الخاصة وهم كذلك في حياتهم العامة فلا تجد في الممالك مكاتب أشغال تنظر إلى الجواهر لا إلى العرض مثل مكاتبهم ولا إدارات أقل تشبثاً بالأعمال القرطاسية من إداراتهم. فهم في هذا الباب يصلحون أساتذة للفرنسيس والطليان والألمان. دخلت كثيراً من المصارف والبيوت المالية في مصر والشام وباريز ورومية فلم أشهد لمصارف سويسرا تلك الدهشة في مصارف الشرق والغرب على الغالب. وهكذا هم في كل أعمالهم الاشتراكية الاجتماعية. ومن أغرب ما يسمع أن مدينة بال ارتأت أن تستوفي الضرائب من الآهلين في بطاقات بريدية قتم هذا العمل في أسرع من يمكن ولم ينتظر المكلف في شباك البريد أكثر من عشر دقائث فاحتذى هذا المثال كثير من المدن السويسرية تخفيفاً من أجور الجباة وتيسيراً على الناس. اختار السويسريون السهولة حتى في أصول التعليم في مدارسهم فلا يخرجون اليوم من ست كليات راقية لهم سوى رجال أعمال لا رجال آمال وخيال. يخرجون رجل الغد على ما ينبغي له في جهاد الحياة فيتخرج من مدارسهم قليل من العلماء والأدباء وكثير من الزراع ولاتجار والعاملين. يعملون أموراً تنفع الطالب في الحال ويلقنونه العمليات وحب الأعمال المنتجة. يرى السويسيون الآن في الأمة كثيراً من المخترعين المتوسطين والمتفنين الجائعين والكتاب الذين لا قرائح لهم وكلهم لا فائدة منهم ولكن البقال والصانع وموظف السكة الحديدية وإن كان متوسطاً أفيد للحياة الاجتماعية من شاعر شقي لا ينتفع به في شيء. ولذلك ترى الكليات تطبق علومها على حسب أقطارها فكلية بال مثلاً يتفنن أساتذتها في تعليم الطلاب حسن استخدام الألوان في كل أبحاثهم الكيماوية لأن البلاد صناعية ولكليتي زوريخ وفريبورغ فرعان تجاريان. ولكل فروع التعليم مقام محمود التعليم الصناعي في سويسرا يوافق ضروريات الحياة والمصالح في كل مقاطعة. فالمدارس الزراعية منوعة وهي مرتبطة بالمديريات مثل المعارف العمومية ولكن حكومة الاتحاد السويسري تمنحها إعانات كثيرة تقوم بحاجتها وفي سويسرا مدارس نظرية وعملية زراعية ومدارس زراعية للشتاء ومدارس لتربية الكرمة ومدارس لاستدرار الألبان وغير ذلك وفيها كثير من المدارس التجارية للمديريات أو البلديات وتقيم شركة التجارة السويسرية كثيراً من الدروس التجارية ولكثير من المدارس الوسطى فروع تجارية هذا عدا المدارس الخاصة مثل مدارس الساعات ومدارس التطريز ومدارس الفنادق ومدارس تدبير المنزل. بين تلك الجبال الصعبة الخطرة رسولة الشتاء الطويل التي لا يستطيع فيها المرء بمفرده أن يعمل ما يقاوم الطبيعة التي لا تشفق أحس السويسري بضرورة التضامن وشعر بالحاجة إلى التساند والعمل يداً واحدة ترتيب الجهاد على ما يجب. الجبلي قاس وفطري وهو كريم المثوى وأقراء الضعيف سنة قديمة عند السويسريين كما هي عند الأيكوميين في إنكلترا أو العرب في بلادهم ولا تزال هذه السنة إلى اليوم كما كانت أمس ولكن الأجيال الجديدة مالت إلى الحقائق أكثر من أجدادها فاخترعوا من الضيافة صناعة وهي صناعة الفنادق والإنزال. وربما يبلغ التضامن عند أمة ما بلغه عند السويسريين فإن حركة جمعيات التعاون والشركات والنقابات أكبر دليل على رسوخ عادة الاجتماع في عقول السويسريين منذ أحقاب. فالنقابات الصناعية استعادت تقاليد الأخويات القديمة حتى أصبح المستخدمون والتجار والصناع والزراع في سويسرا مربوطين بنقابات لا ليكون من أثرها ضرر على المجموع من مثل الاعتصابات والإضراب عن العمل بل ليكون منها عموم النفع. والشركات المحلية متحدة كل مديرية بمديريتها ثم ترتبط مديرات البلاد كلها وهذا في جماعات العملة والمعلمين. وأصحاب الفنادق بل القهاوي متحدة بعضها مع بعض. وما الحكومة السويسرية إذا نظرنا إليها من حيث المجموع إلا اتحاد واسع من النقابات السياسية لا تزال يقابل الملك المشترك الذي كان معروفاً في القرون الوسطى في الغرب ولم يبرح معروفاًُ بعضه في الشرق قائمة على أتمها ولا سيما في الأصقاع التي بقيت على فطرتها فإن السكان إلى الآن في وادي أنيفرس يحلبون الأبقار بالاشتراك ولك الحق على نسبة ملكه في حصته من اللبن والزبدة والجبن ولم ترتفع من ذلك خلال عشرين سنة سوى شكويين. وكثيراً ما تكون بقرة أو بغل أو بيت مشاعاً بين عدة مالكين وكثير من المراعي الجبلية هي أملاك بعض رؤساء الأسر وفي كل قرية تملك الأسرة بيتاً خاصاً أو مشاعاً بين أهلها. وصناعة الجبن في أكثر بلاد سويسرا على أيدي شركات مرتبطة بجماعات المستخرجين للجبن وفي مقاطعة الفالي حيث تقل المياه تروي البلاد بأقنية جلبت مياهها من بعيد على مسافة ٤٨ كيلو متراً وكل قناة عملت وأديرت على يد جماعة من أرباب الأملاك ينتخب رئيس شركتها أصحاب الأراضي التي هي آخذة بالتقسيم والتجزئة. وبعد فإذا كان الشعور بالتضامن العملي والنظري هو على أتمه في سويسرا فإن الفكر الوطني والنظام الاختياري والضمير الإفرادي المشاهد في أخلاق الوطني السويسري جدير بالإعجاب من كل وجه. فالسويسري يعرف واجبه نحو المجتمع والحكومة ويخالف في ذلك الشعوب اللاتينية التي تحب الخلاف بفطرتها والشعب الألماني الذي يخنع للسلطة إدارية وعسكرية على صورة غريبة وذلك بإطاعته الرؤساء طاعة عمياء والخضوع لأوامر الإمبراطور ولكن الوطني السويسري يخضع لنفسه ويرضى بنظام ارتضاه بحريته. والفكر الوطني في سويسرا الألمانية أشد منه في سويسرا الفرنساوية هي مديريات نوشاتل وفريبورغ وجنيف ولوزان وسويسرا الإيطالية مقاطعتها التسين والغريزون وما عدا هذه الست مديريات أي الأربع عشرة مديرية فهي ألمانية. السويسري الألماني خصوصاً لا يستنكف من أن يشكو كل من يخالف الأمر والنظام لأن لكل شاك الحق بنصف الغرامة وقليل جداً من يشتكي منهم ولذا فليس من العبث ما تقرأه على المنعطفات وفي مداخل الحدائق والمنتزهات من الكتابات بحروف غليظة لجعلها تحت ملاحظة الجمهور ومعانة الوطنيين فإن هؤلاء قد عرفوا منزلتهم من بلادهم وما ينالهم من شرفها وما وضعته فيهم حكومتهم من الثقة فلا يريدون بحال أن يشوهوا وجوه مرافقهم ومتنزهاتهم وجناتهم بل يعملون بما فيه حفظها على ما يستلزمه حبهم لبلادهم وإعجابهم بها. ورجال الإدارة يجتهدون أن يعلموا الشعب وإن يؤهلوه ليخدم نفسه بنفسه بدلاً من أن يعتبروه ولداً يجب على الدوام الأخذ بيده وقيادته ولهذه أمثال كثيرة تعد بالعشرات مما لا مثيل له عند الأمم الأخرى. وندر جداً في السويسريين من يستحلون أكل مال خزينة الأمة أي أن يخفوا عن الحكومة ما يحق لها أخذ رسوم وضرائب منه ولا سيما في سويسرا الألمانية وإن كان بعض أرباب الغايات وهم لا تخلو منهم أمة مهما طهرت نفسها قد يقفون عثرة أحياناً في سبيل بعض الأعمال كما وقف بعضهم سنة ١٨٨٦ لما أرادت الحكومة احتكار اللالكحول ووقفوا ستة ١٩٠٧ لما أرادت منع شراب الابسنت المضر وحسنت صحة البلاد. لا جرم أن هذا الشعب الذي صورنا هنا صفاته الاجتماعية هو شعب عظيم فإن من يضرب صفحاً عن شهواته المادية لنفع المصلحة العامة ومن يفادي براحته وحب ذاته وهو راض ساكن باسم لأجل مصلحة وطنه بعد من الشعوب التي تحيا حياة طيبة. أللهم إني أحسد الشعب السويسري حسد غبطة على هذه الأخلاق الفاضلة واطلب إليك أن ترزق شرقنا المسكين مثلها حتى لا يموت بفساد أخلاقة وقلة علمه ميتة جاهلية وقد خسر الدنيا والآخرة. سويسرا: قيودها في الحرية منذ قام الهلفسيون وكانوا يسكنون في شمالي سويسرا الألمانية الحالية أي في أرض ألمانيا وانضموا نحو القرن الأول قبل المسيح إلى التوتونيين والسميريين وهم مثلهم يحبون الغزو والغارة وأخلاق الحرية تبدو على هذا الشعب الهلفسي الذي سميت سويسرا باسمه هلفسيا وضع هذا الخلق مع لبن أجداده وتسلسل فيه على اختلاف القرون. وما كان أشراف القرون الخالية ولا حكومة الرومان التي استولت على سويسرا نحو خمسة قرون ولا النمسا بعد ولا الأساقفة ورجال الدين وكانوا هم الحاكمين في كثير من بلاد أوروبا ولا دوجات ميلانو وسافوا وبورعونيا ممن حكموا سويسرا يستطيعون أن يشددوا الوطأة على السويسريين لأنهم أشداء من وراء النشأة الجبلية متضامنون بينهم أخوان في السراء والضراء. من قرأ تاريخ سويسرا يعجب من صبر السويسري ويرى أن حروبه حتى زمن القسوة كانت لطيفة وكثيراً ما كان السويسريون يردون غارات جيرانهم بفزيعهم وتشتيتهم فقط أو بأمطارهم الأحجار من الأعالي أو إلقائهم في البحيرات إرهاباً وما أظن أنه سبق في التاريخ أن محارباً يجيء معتدياً على بلد ويحاصرها ثلاثة أشهر ويضيق خناقها ثم تخدم المحصروين الأقدار ويفيض نهر فيحمل جسراً عليه كمية من عسكر عدوهم فيتركون الحصار ويأخذون بإنقاذ الغقرى كما رقع لمدينة سولور السويسرية فإن صاحب النمسا حاصرها لتخضع له وهي مستقلة ثلاثة أشهر فطاف نهر الآر وحمل طائفة من جنده فبدلاً من أن يغتنم المحصورون هذه الفرصة تنادوا لمساعدة الغرقى فأنقذوا منهم عدداً كثيراً فلما رأي الملك ليولولد من السلوريين هذه الشهامة تأثر جداً وعقد معهم الصلح ورفع عنهم الحصار وكان ذلك في القرن الرابع عشر. تعلم الهفلسيون الاحتفاظ بحقوقهم والاعتياد على الشورى وحكم أنفسهم بأنفسهم وكره الملوك منذ قال زعيمهم ديفكوليوليوس قيصر عامل الرومان تلك الجملة البديعة وقد أراد أن يعقد معه صلحاً فطلب قيصر إلى الهلفسيين رهائن فقال ديفييكو. تريد رهائن وقد علمنا آباؤنا أن نأخذها لا أن نعطيها وكان على الرومان أن يذكروا ذلك. ولكنك ترى اليوم هذه الأمة مع ما بلغته من الحرية التي لم تعهد لغيرها تتساهل بحقوقها مع حكومتها فيما تراه نافعاً لبلادها علماً منها بأن الحرية المطلقة لا يمكن حصولها في مكان من لمجتمع وهي بالضرورة محدودة بحقوق الغير وبالمصلحة العامة. السويسريون يرون في كل مكان المصلحة العامة ويتركون لها برضاهم صغار مطالبهم النفسية ويطالبون خاصة بتطبيق حقوق الفرد الأولية فلا يسيئون استعمال حريتهم الوجدانية وحريتهم القولية ليتخلصوا من عبءٍ فيه مصلحة عامة. السويسري لا يستطيع مع ما نال من الحرية أن يقطع شجرة من غابته إلا بإذن حكومته ولا أن يضمن داره من الحريق إلا عند حكومته لأنها هي ضامنه من الحريق ولا أن يلقي ورقاً ولا قصناً في إحدى البحيرات فضلاً عن الأقذار والأوخام فسويسرا التي احتفظت بحقوقها في عصور الظلمة قد زادت منذ خمسين سنة تدخل الحكومة في مصالحها على ما هي الطريقة المتبعة في إدارة البلاد الجرمانية وذلك بأن يكون للحكومة إشراف قليل على بعض شؤون لا تضر بحرية الأفراد والمجتمع. حرية الضمير والرأي والعبادة مضمونة في ارض سويسرا بموجب قانون الاتحاد السويسري الأساسي ولكن لا بصورة مبهمة بل إن لكل مديرية قانونها الخاص للاجتماع والدين والصحافة ينظر فيه الحين بعد الآخر ويطبق بحسن ارتقاء الشعب وأخلاقه. وحرية الصحافة لم تنقلب قط إلى عداء ومماحكات ومع شدة الانتقاد والجدال في المنازع السياسية فإن لها حداً تقف عنده لا تتعداه أعظم الصحف السويسرية ولذلك كانت صحافتهم على صورة لا تشبه صحافة الأمم الأخرى وربما كانت هي والصحف الإنكليزية صحف الحرية الحقيقية مع الاعتدال الغريب. أما نشر السفاهات والغراميات والخلاعيات فهذا لو جسر على نشره صحافي لا يجد من الأمة من يقرأه فيسقط بطبيعته. ومن الغريب أنك تجد في سويسرا كنيسة يصلى فيها أهل مذهبين من مذاهب النصرانية وجريدة هي لسان حال حزبين مختلفين الحزب المحافظ والحزب المتطرف الاشتراكي فالقارئ يحكم على آراء الفريقين المتخاصمين من العدد الواحد. لا جرم أن القرون الخالية وحوادث الأيام قد دربت السويسريين طويلاً على الحرية وقلبتهم بين الشدة والتسامح أزماناً فصاروا يقدمون نعمة السلام والوئام وما تعقلهم الحال إلا ثمرة نضجت على مهل بعد أن ذاق أصحابها في انتظارها وتكييفها على هذه الحالة نصباً. حرية العمل وحرية الاشتراك في سويسرا متعادلتان فمن هذه نشأ الاعتراف بنقابات العمال وبحقوق اعتصابهم ومن تلك نشأ احترام المعتصبين لحق المخالفين لهم في الإضراب عن العمل ومع هذا تجد الاعتصابات أقل مما هي عند الأمم الصناعية الأخرى والأجور تزيد بزيادة غلاء الحاجيات وارتفاع أسعار الكماليات لأن العملة يتفاهمون ويجتمعون على الدوام مع زعمائهم. وكذلك حق حماية سويسرا للمظلومين ولا سيما السياسيين فإنه أرقى مما عند الأمم الأخرى ولكن سويسرا لا تحمي القاتل وكثيراً ما تعمد بعض مقاطعاتها إلى إخراج السفاكين وأرباب الدعارة من غير أبنائها إلى خارج الحدود. يبدأ تلقين الحرية وتطبيق حقوق الوطني عند السويسريين منذ عهد المدرسة الابتدائية. وليس في سويسرا على الجملة مدارس داخلية بل إن الطلبة الذين يرحلون من قراهم وبلادهم للتعليم يدخلون بيوت الأسر حتى لا يعيش التلميذ منذ صغره عيشاً متكلفاً كعيش المدارس الداخلية لا مثيل له في الحياة ولا يخضع لقوانين جائرة وهو الذي يحتاج في بدء نموه إلى الهواء والشمس والانطلاق. ومن علماء التربية هنا من بالغوافي منح إعطاء الطلبة حريتهم وأنشأوا لهم مدارس التربية الذاتية أو الحكم الذاتي فيتألفون أولاداً من سن الثانية عشرة إلى السادسة عشرة جمهوريات حرة ينظمون بينهم أمرهم والمعلمون لا يعملون إلا أن يلقوا عليهم الدروس وذلك لتلقين الأولاد الاستقلال والحياة العمومية. فالأولاد يختارون رئيسهم وهيأتهم الإدارية وأمين صندوقهم ويكون اختيارهم حسناً جداً في الأغلب ويجيدون في مناقشة القانون الذي يضعه مديرهم وتصح أحكامهم في عقوبة المخالفين لنظامهم فلا يسرق شيء من مال الصندوق ولو كان الأمين عليه في الثانية عشرة من عمره تحدثه نفسه أن يبتاع ببعض الدريهمات حلواء أو شكولاتا أن ملبساً يأكلها أو كرة يلعب بها. فكأن سويسرا خلقت بدون أولاد أو أن التربية جعلت أولادها رجالاً ونساءها كذلك. حرية الصيد البري والصيد النهري والبحيري محدودة مقيدة في بعض الأوقات وعلى بعض المحال. ورجال الصحة يمنعون كل شيء إذا اقتضت الصحة العامة ذلك ولو كان فيه خراب عدة مقاطعات كأن يقيمون الحجر الصحي على الإنسان والحيوان فيمتنع أحد من الدخول إلى تلك المحال الموبوءة أو الخروج منها ولا ينبس أحد ببنت شفة اعتراضاً على ما حصل. وقانون العمل وتحديد أوقاته يشغل المستخدمين والعمال والعملة على صورة معقولة فيتمتعون به بشيء من الراحة والحكومة تتدخل في حياة الوطنيين الخاصة لتقدير الضريبة على دخل الأفراد الذين يقدرونها بأنفسهم أولاً وللحكومة الحق أن تراقبهم وكذلك كتابة كشف بعد وفاة الميت بملفاته. لكل عمل في سويسرا موانع ومحظورات فالماهر من يقرأ ما يقع نظره عليه من المكتوبات في الطرق والمحطات لئلا يغرم شيئاً بتعديه حمى لا ينبغي السير فيه أو إتيانه عملاً يعد منكراً في عرف القوم وهو عند غيرهم مباح وأي مباح. مثل منع دوس العشب في المروج عندما تنبت وقطع عدة زهور من جبال الألب وسير المرء في بعض المقاطعات على بعض طرق الكروم يتناول المنع في ذلك الأولاد والرجال مخالفة أن تحدث أحد الشرهين نفسه بأن يقطف خصلة من الكرم. واقتطاف العشب يجري بمعرفة الحكومة كل جهة بمفردها. ويمنع على بعض الجسور الخشب في بعض المقاطعات أن يدخن المرء أو يحمل قداحة ويوقف حيوانات اجتماعات. وهكذا تراهم يفرضون فروضاً ربما لا تقع مرة في العمر ويكتبون لها اللوحات ويضعون على من تعدى عليها الغرامات. هذه قيود الحرية وضمانات لها في آن واحد لأن الشعب مهما بلغ من رقيه هو كقطيع الغنم لا يخلو من جرباء وفي الأكثر يكون المقصود من هذه القيود الأجانب ليسوا على مستوى واحد في عقولهم وعاداتهم. عادة البصق ممنوعة قطعاً في كل مكان ولا سيما في القطارات حتى أن بعض الكنائس ككنيسة فريبورغ كتبت العبارة الآتية بحرف غليظ: احتراما لبيت الله المرجو الامتناع عن البصاق ويمنع التدخين من بعض المركبات في القطارات وللمدخنين مركبات خاصة كما أن للسكارى كذلك. وإذا حدث اختلاف بين راكبين في قطار أحدهما يريد فتح النافذة والآخر يأباه فالحكم في ذلك لرئيس القطار فهو الذي يحكم بني المختلفين وهذه أيضاً من جملة ما قدروه من الاحتمالات في أنواع الحريات. سويسرا أرض الحرية منذ القديم ولكنها كما رأيت حرية من نوع آخر خاص لا تخلو من قيد في كل حال خلافاً لما يتصوره بعض الخياليين. سويسرا: حياتها السياسة ليست سويسرا جمهورية بل فسيفساء مؤلفة من عدة جمهورات صغرى ملونة براقة غربية في حجمها ونظامها وأفكارها وأخلاقها السياسية. فمن مقاطعاتها ما هو صغير ومنها ما هو كبير ومنها ما تدار المدينة فيه بإدارة غير إدارة القرى المجاورة لها ومنها ما هو عبارة عن مدينة وبضع قرى حولها أو أرباض. ومنها من يدين أهلها بالكثلكة وأخرى بالبرتستانتية وغيرها مزيج من المذهبين ومنها ما ينتمي إلى الحزب الإكليركي وأخرى محافظة متنطعة في مذهبها وغيرها متطرفة في اشتراكيتها ومنها التي تقدم نوافذ للعذراء مثل فريبورغ في حين جارتها جنيف فصلت بين الكنيسة والحكومة. وفي الجبال الوسطى وجبال الشمال لا تزال الحكومة المعروفة بحكومة البطارقة على الحالة التي كانت على عهد الألمان والفرنك والقوة التشريعية بيد مجلس الوطنيين ومن الجمهوريات جمهوريات صناعية مثل زوريخ وبال احاطتا علماً بكل دقائق المجالس النيبابية فتضعان ضرائب على الدخل وضرائب على رأس المال وتحكران بعض الأصناف للحكومة وتختاران طريقة الانتخاب على نسبة العدد. عادات نروفدية قديمة إلى جنب الاختراعات السياسية في القرن العشرين! قطعة من الجبال والأودية والبحيرات لا تبلغ مساحتها ثلث مساحة ولاية سورية ونفوسها لا يزيدون عن نفوس بر الشام كله وحكومتها في مديرياتها والأصح أن يقال في مملكها لأن لكل مقاطعة حكومة كأنها مملكة مستقلة أنواع منوعة وهذا لتكون عندهم اللامركزية على أسدها ويستمتع أخل كل ناحية مهما صغرت بفصل ما يرونه الأنسب لمصلحتهم والتغيير يتناول حتى النواحي التي تختلف إدارتها بحسب الإقليم. في غرب البلاد يسيرون على الطرق الفرنساوية وفي سويسرا الألمانية لكل بلد نظامه والمرجع واحد. خنا تجيء الناحية الضرائب وهناك تسمح لها وإرداتها أن لا تطالب المكلفين بقرش. الاستقلال الإداري إلى جانب السلطة المحلية تختلق كل الاختلاف. المركزية في سويسرا الفرنساوية أكثر من غيرها في حين ترى نواحي أبينزل الألمانية جمهويات صغرى أنو جمهوريات تنوب عن جمهورية مستقلة إلا قليلاً وبهذا التغيير الكثير ساغ للأنظمة والأوضاع أن توافق أخلاق كل صقع وضرورياته وحاجات سكانة ورغائبهم التي تختلف باختلاف نوع الحياة. فالتعليم مثلاً إجباري في البلاد كلها يقضي على كل ولد أن يصرف في المدرسة من سن السادسة إلى الرابعة عشرة يتعلم فيها أموراً مشتركة بين المقاطعات كلها وما عدا ذلك فكل مديرية حرة بأن تنظم مدارسها على طريقتها وهي تطلق للنواحي حريتها أيضاً في بعض الأمور مدة التعليم في السنة تسعة أشهر ولكن بعض النواحي تقسم العطلة قسمين قسم وقت اشتداد الحر والآخر من آخر أيلول إلى أول كانون الأول وهو الزمن الذي تنزل فيه الماشية من الجبال وترعى في المروج إلى أوائل نزول الثلج تحت ملاحظة أولاد تلك القرى للتخصيص على هذه الصورة فوائد لا ينكرها إلا كل مكابر. يمنع التعديل الجائر ويحفظ للنواحي تنوعها وغرابتها ويبث روح الحياة المحلية والهمم الإفرادية ويزيد في ارتباط المرء بوطنه الصغير وهذه أحسن طريقة لتعريفه قدر الوطن الكبير وتحبيبه إليه. لكل مديرية وطنيتها فلها أعلام خاصة بها وألوان لا تشاركها فيها جارتها ولها أسلحة ولها شارات. وفي جميع الأعياد وعلى جميع المعاهد العامة توضع شارات لمديرية إلى جنب أعلام الاتحاد السويسري مثل دل برن وثور أوري ومفاتيح أونتروالد وكواكب فالي ومطرقة سان غال. لأن كل مديرية هي مملكة ووطن ولها تقاليدها وتاريخها وأمجادها فهي ليست مديرية بالمعنى الذي نتصوره في مصر والشام قطعة من بلاد اقتطعت منها كيفما اتفق بدون مراعاة الطبائع والتقسيم الطبيعي بل هي عضو حي نام واحد متماسك الأجزاء في الجسم الاجتماعي. وربما قيل أن تخصيص كل بقعة بحقوق خاصة مما يفرق أجزاء الحياة السياسية فتختلف الأحزاب وتكثر فلا يستطيع مجلس النواب العام أن يقوم بعمل ولكن سويسرا ليست على مثل ذلك فإن إرادة الأمة تسري حتى على المخالف ويسكت المناقش بظهور الحجة وربما قيل أن هذه للامركزية المفرطة تشغل أهل كل ناحية بخصوصياتهم فلا يعودون يلتفتون لأرقى مما يتجاوز حدود دائرتهم الضيقة كما هو المشاهد من جرائدهم الحلية فإنها كلها جرائد خاصة بدائرة لا تتعداها ولا سيما في سويسرا الألمانية ولولا الجرائد الكبرى مثل جورنال دي جنيف والبوند وهي الصحف الجوالة الراقية لكان من يعيش في سويسرا أشبه بمن يعيش في قطر منعزل لأن السويسريين لا يهتمون إلا لزراعتهم وتجارتهم ومجالسهم وحوادثهم وما عداها فمعرفة وعدمها سواء ولكثرة هذا التغالي في اللامركزية خيف في القرن الماضي من تشتت الكلمة بتعدد النظامات فاتحدت أكثر القوانين العامة والمدنية اتحدت الخطوط الحديدية واتحد نظام العمل والجمرك وسير التوموبيلات فلم يعد يخشى التباس وصارت البلاد مستقلة كل واحدة بذاتها ولكنها في الشؤون العامة متحدة. وحدثت من هذا الاتحاد فوائد جمة من مثل اتحاد المديريات على أن تحتكر الحكومة كلها الخمور فنشأت من ذلك فوائد قللت من مقطوعية الخمر وحسنت نوعه وقل السكيرون والمعربدون وحسنت على بث الدعوة للامتناع عن المشروبات الروحية!. وابتاعت الحكومة الخطوط الحديدية الكبرى ما عدا الخطوط الصغرى المحلية على صورة كأنها لم تدفع عنه ثمناً وذلك بدون أن تضرب ضرائب ولا أن تعقد قرضاً أو تحتال حيلة فإن باجتماع الخطوط تحت إدارة واحدة قلت النفقات وكثر الإقبال فأخذت تلك الخطوط تربح ومن ريعها السنوي مدة ٥٦ سنة يغطى المليار فرنك الذي يدفع ثمناً للخطوط على نجوم وتقاسيط. ومن عجيب احتكارات الحكومة السويسرية احتكارها لضمان الحريق بل للضمان من الحوادث والأمراض لا لطبقة مخصوصة من العمال كعمال السكك الحديدية مثلاً بل للجنود الذين هم تحت السلاح ومن السلام وزمن الحرب. ومن الغريب المدهش أن تضمن حكومة أرواح مكوميها من رصاص العدو وقنابله وهذا لا مثيل له في المدينة الحديثة. ولا تضمن الحكومة من الشيخوخة كطبقة العملة مثلا لتنفق عليهم واحد أن يفكر فيه وضمانة مبلغ معين لمن بغلوا سناً معينة هو مكافأة على عدم الحساب للعواقب وللكسل. ولذلك لا ترى في سويسرا من لا يعم أم الشحاذة فلا أثر لها ولا اسم. والحكومة العامة هنا احتكرت خطوط التلفون وضمتها منذ البدء لإدارة البريد والبرق ولكن للأفراد أن يضعوا في محالها أو منازلها كحذائقهم أو منازلهم أو فنادقهم ما أحبوا من مثلها. السويسريون عريقون في الديمقراطية بكل ما فيها من المعاني تأصلت في نفوسهم وتشربتها دواؤهم منذ قرون طويلة. قلا لي أحد مديري الصحف الكبرى في لوزان أنني لا أستطيع أن أعامل عمالي والمستخدمين في إدارتي إلا معاملة الأكفاء نعم أمرهم ولكنني أحاسبهم في معاملتي كما أحاسن رصفائي في التحرير وأصدقائي. وما ذلك إلا لأن الديمقراطية تأصلت فيهم وما ديمقراطية أميركا الشمالية التي يرد تاريخها إلى زهاءٍ مئة وثلاثين سنة وما ديمقراطية فرنس التي بلغت ٤٣ سنة من العمر بالنسبة لجمهوريات الاتحاد السويسري إلا بنات وأطفال فجمهوريات سويسرا عمرها خمسة وستة قرون ولذلك ترى في السويسري شعوراً طبيعياً في المساواة وليس في جمهوريته أوسمة ولا ألقاب تشريف فالعامل يشرفه عمله والمفضل على أمته ترفعه على رأسها في حياته ومماته. ورئيس الجمهورية السويسرية هو من أهل الطبقة الوسطى لا يميزه عن سائر أنباء السبيل في شوارع مدينة برن شيء من الأبهة والعظمة التي يبدون بها بلادنا القائم مقام الصغير دع لمتصرف والوالي والقائد والوزير ولا تجد تشرفات في سراي الاتحاد السويسري التي تضم إليها مجلس الأمة ومجلس الأقاليم وينتخب مجلس الاتحاد السويسري كل سنة رئيساً يتولى رئاسة المجلس ورئاسة جمهورية هلفسيا السعيدة وليس هو في الحقيقة إلا عميد مستشاريه الستة. ولا تشهد في بلاط حكومة سويسرا دسائس يراد بها بقاء الحكومة في أيدي المتولين عليها على نحو ما يقع في الأمم النيابية فإن المجلسين السويسريين لا يقبلان الوزارة قط فلا تعهد عندهم الأزمات الوزارية التي تسمع بها في الممالك الدستورية وإذا حدث خلاف بين المجلس والحكومة يتفاهمان بحرية إذا لم يتيسر لهما الاتفاق ويخضع المجلس الاتحادي أي الوزارة لإرادة مجلس النواب والأقاليم كما أن هذين المجلسين لا يماحكان ولا يراوغان. فمجلس الأمة لا يقلب الحكومة التي تنتخب مستشاروها السبعة أو وزراؤها السبعة كل ثلاثة سنين بل يجدد انتخابهم الفصل بعد الفصل لأنهم يكونون قد نشأت لهم تجارب مهمة في العمل. ورئيس مجلس الاتحاد السوري أو رئيس الجمهورية ينتخبه رصفاؤه الستة كل سنة ويعمل وإياهم بإخلاص وخلو غرض ويجددون انتخابه على رأس السنة وربما مضت الأعوام والرئيس لم يتغير لأنه إذا عمل العمل الصلاح وهو لا يعمل غيره بالطبيعة لا يرى من رصفائه من يحدسه على مركز الرئاسة. رواتب النواب هنا مقسمة بحسب الجلسات فأعضاء المجلس الاتحادي ينتاول أحدهم عن كل جلسة عشرين فرنكاً ويمكن أن يبلغ مجموع ما يتناوله أحدهم في السنة ثلاثة آلاف فرنك فقط أم نواب الأقاليم فيتناولون عضو البلد عن كل جلسة ستة فرنكات وعضو القرية سبعة للواحد منهم على طول السنة من الرواتب من ٢٤٠ إلى ٢٨٠ فرنكاً في السنة ورواتب مستشاري المملكة ووزراؤها ١٥ ألف فرنك لكل واحد مسانهة وراتب رئيسهم أي رئيس الجمهورية السويسرية ١٨ ألف فرنك مسانهة ولذلك قد يضطر المسكين إذا كانت له أسرى كبيرة أن يشتغل أحياناً أعمالاً أخرى من تجارة وزراعة ونحوها ولكن لا على أنه رئيس جمهورية له سلطة بل بصفته فرد حكمه حكم الأهالي. الإخلاص هو الخلق الجوهري في الديمقراطية السويسرية فالشعب هو السيد ويجب أن يبقى كذلك. وقد اتخذت جميع الاحتياطات لتظهر إرادته بمظهرها ولتكون محترمة على الدوام. حتى أن بعض الأقاليم لا تزال بحسب قاعدة الفليسوف جان جاك روسو تحافظ على الحكومة التي تحكمها مباشرة بمعنى أن مجلس الوطنيين فيها يلتئم كل سنة فيتجنب حكام الأقاليم ويصدق على الحسابات ويقرر القوانين التي أعدها المستشارون الذين انتخبوا في السنة الفائتة. في سويسرا حزبان مهمان حزب المحافظين وحزب الأحرار يتناقشان في مصلحة البلاد ولكن إذا تولت الأكثرية زمام المجالس لا تنحني على الأقلية بل ترى من مصلحتها أن تقبل أعضاءها في جلسات وهناك حزب اشتراكي ولكن لا تأثير له لأن الأمة اشتراكية بطبيعتها. قال لي المسيو جان سبير وأستاذ العربية في كلية لوزان عندنا حزبان وأنا من حزب الأحرار ولكنني لا أجد فرقاً بين الحزبيين يصح أن يعد فرقاً ولذلك فكلنا حزب واحد في الحقيقة. فبارك الله بأمة مهما تعددت مناحيها وأصولها وأهويتها ودرجة غناها وأعمالها لا تختلف في المصلحة الوطنية ولا تختلف عن الحق قيد شبر. آداب العرب من التطاول على مقام الشعر العربي أن أحاول الإحاطة به في محاضرات ثلاث. ولكنكم قد رأيتم جميعاً هذه الكتب الصغيرة الموجزة التي يستدل بها المسافرون في سياحاتهم يفتح السائح دليلة فيجد المؤلف قد تكفل بأن يريه باريس وعجائبها وما حوت من كنوز في خمسة أيام. ومصر ونيلها وأهرامها وقبورها ومعابدها ومسلاتها وما أبقت الأدهار فيها في اسبوع من الزمان. فيجري وراء دليله الصامت الناطق ويعمل برأيه فيعييه الجري ويتولاه التعب ويقطر العرق من جبينه ولا يكون لديه مجال للتأمل والتفكير فيما يتجلى أمامه من العبر وما يقع عليه بصره من عظات القرون ولكنه مع ذلك يرى من المشاهد ما يترك في ذهنه أثراً قديماً وما يكفي لتكوين فكر عام لديه وتتولد عنده من الأثر ويطيل الوقوف أمامها يسائلها عما مر بها العصور الخوالي فكأنما سفرته الأولى تمهيد لسفرته الثانية. . . . . . فغايتي الآن أن أطير معكم فوق ربوع الشعر العربي. نطير طيراناً مكتفين بالتحليق في ممائه دون أن تطأ أرجلنا أرضه فنمتع النظر معاً بمرآها البهيج ونستنشق هواءها العليل البليل حاملاً أريج بلاد العرب وشذاها العطري. فهل لكم بعد هذا التطواف أن تجوسوا تلك الربوع الفائنات التي تمر أمام عيوننا مسرعة تجري كالريح فلم تروا منها سوى شواهقها وأن تشعروا بالحنو عليها والرغبة في التجول فيها لتستريحوا في وديانها وتشربوا من عيونها وغدرانها وتقطفوا من يانع ثمارها وتترنحوا بشذا أزهارها العطرة وقد أسكرتكم محاسنها. وأول سؤال يخطر على البال هو: ما هو الشعر العربي قال بعضهم في تعريفه إنه صورة ظاهرة وفي هذا التعريف من حلاوة التعبير وفي سمو المعاني ما فيه لأن الشعر يكون إذ ذاك مظهراً لصور حاسة وعواطف حقيقية لا تصنع فيها ومجموع حقائق لا أكاذيب وعرفه غيرهم بصوت أحلى من ذلك وأليق بالشعر فقال: إن الشعر أنقى كلام وأغلى نظام وأبعد مرقى في درجة البلاغة وأحسنه ذكراً عند الرواية والخطابة وأعلقه بالحفظ مسموعاً وأدله على الفضيلة الغريزية مصنوعاً وحقاً لو كان الشعر جوهراً لكان عقيانا، أو من النبات لكان ريحانا، ولو أمسى نجوماً لزاد ضياؤها أو عيوناً لما غار ماؤها فهو ألطف من در الطل في أعين الزهر إذا تفتحت عيون الرياض غب المطر وأرق من أدمع المستهام ومن الراح رقرق بماء الغمام (من شرح ديوان المتنبي للواقدي) فالشعر هو ريحانة النفوس ومزيل الهموم وديوان الحكمة ومصدر الخير والشعاع الساطع الذي يجذب الأنظار وتحوم حوله النفوس. بل هو عنوان المجد الخالد ورائد البلاغة وحجة اللغوي ومالك القلوب والدافع إلى جلائل الأعمال والمحرك للعزائم والرسول الذي يحمل أدق الرسائل وأرق العبارات. وقد عرف ابن خلدون الشعر بأنه الكلام المبني على الاستعارة والأوصاف المفصل بأجزاء متفقة في الوزن والروي مستقبل كل جزء منها في غرضه ومقصده عما قبله وما بعده الجاري على أساليب العرب المخصوصة وهذا التعريف معول من قديم الأزمان ومن واجبات كل شاعر حريص على هذا الفن أن يتحراه في نظمه ويعمل به وإلا زالت عنه صفة الشاعرية. وعلى ذلك فالشاعر لا يكون جديراً بهذا الاسم إلا إذا صاغ عبارة في قالب خيالي وراعى أحكام الوزن واتبع فوق ذلك القواعد التي وصفها الأقدمون لتنسيق الشعر وأحكامه. فكأنما الحرية والتلاعب والخروج عن المألوف لا مجال لها في هذه المملكة مملكة الشعر التي كلها خيال في خيال والتي يهيج الفكر في أرجائها دون قيد ولا حرج. فإن صناعة الشعر خاضعة في شكلها بل وفي موضعها إلى حد ما لقواعد ثابتة لا بد من التقيد بها يظهر لنا إذن كأنه آلة موسيقية متناسقة الأنغام والتواقيع ولكنها خيالية من التنويع أما الشعراء فهم كالبلبل المغرد يحلو تغريده ويرق صوته ولكن نغماته هي هي في الصباح وفي المساء. . . . . وما دام هذا العيب هو العيب الوحيد في شعرنا فلنشهد أن شعراءنا عنوا على الدوام بالألفاظ والعبارات أكثر مما عنوا بالمعاني وهمهم أن يؤدوا المعنى الواحد بعبارات مختلفة متعددة رنانة بديعة الأسلوب. وقد شبهوا المعنى بالماء - وهل كان لهم أن يشبهوه بالخمر وهي من المحرمات - والشعر بالإناء وقالوا أن الماء ماء على الدوام ولكن العبرة بالإناء فكلما أجاد الصانع إتقان صنع هذا الإناء وحلاه بالنقوش والزخاريف وأبدع في صناعته وأبرزه تحفه تلفت الأنظار كان أعظم شأواً في عالم النظم وأجود شعراً وأرفع مكانه ولهذا ترى الشعراء على الدوام يسعون وراء الألفاظ البديعة ويتنافسون في صوغ العبارات الساحرة النادرة ويتلاعبون بها كما تشاء أهواؤهم وكما توحي إليهم مخيلاتهم وليس في الأرض أمة بلغت مبلغ العرب في سبك الألفاظ وصياغتها فهم حقيقة صواغ الكلام والسحرة الصادقون الذين كانوا يسحرون الناس بحسن بيانهم وهم أيضاً كانت تسحرهم الحروف التي كانت ترقص أمام عيونهم وتتلاعب بهم. ما كانت العرب تقول ماذا يهمنا من الكأس إذا طاب الشرب ودب دبيب الخمرة إلى النفوس بل كانوا من المولعين بفنهم الشغوفين به يسكرهم جمال الشكل وبسحرهم حلو الحديث ويأخذ بمجامع قلوبهم الكلام الجزل والخيال الذي لا تلمسه الأيدي. ألقى رينان محاضرة شهيرة في سنة ١٨٨٣ عن الإسلام والعلوم انتقد فيها بشدة ما قيل عن المدينة الإسلامية وقال إن ما تفق الناس على تسميته الحضارة الإسلامية لم يكن لم يكن في الحقيقة سوى المدينة اليونانية نشرت من رمسها وهذبت تبعاً لما أظهرته الأيام بل ولم يكن الفضل في نشرها للعرب وإنما كان الفضل في ذلك للسوريين والكدانيين وأهل الهند وفارس والأندلس الذين صاروا عرباً بحكم الفتح واتحاد اللغة. قد يكون فول هذا العالم الكبير صحيحاً من بعض وجوهه وعلى كل حال فإن مجال الأخذ والردلية فسيح وباب المساجلة واسع ولكن الأمر الذي لا مجال فيه للجدل هو أن العرب لم يأخذوا شعرهم من اليونان أوالرومان أن من أية أمة من الأمم. فالشعر العربي زهرة نبتت في أرض العرب وتفتحت أكمامها في بلاد العرب وأينعت في بلاد العرب دون أن تتلقح بلقاح غريب بل هي عذارى عربية ولدت في الصحارى العربية وشبت وترعرعت في البلاد العربية دون أن يلامسها غريب فيشوه محاسنها ودون أن تضيف إلى حينها البدوي حسناً مستعاراً ما أغناه عنه. ولاحظا يا سادتي أن العرب نفوا إلى لغتهم كل أوجل ما يهمهم من المؤلفات والكتب التي تركتها الأمم التي سبقتهم في ميدان المدينة وأخذوا عن كل أمة أحسن وأثمن ما أخرجت قرائح أبنائها فأخذا عن اليونان الفلسفة والطب والهندسة والموسيقى وعن الفرس الفلك وآداب الاجتماع والموسيقى والروايات، وعن الكلدانيين الزراعة والتنجيم وعن المصريين الجراحة والكيمياء إلى غير ذلك مما أخذوه عن غيرهم. ولكنهم ما خطر في بالهم يوماً من الأيام أن يقبلوا من أمة أخرى بيتاً من الشعراء ومعنى من معاني الخيال أو أن يتحدوا غيرهم في فن النظم. كانوا يعتقدون أن شعرهم أرقى وأسمى من شعر جميع الأمم فكانوا كلما ألقوا أنظارهم على ما أثمرت قرائح أبناء العرب طربوا ورقصوا لو داخلتهم العزة وحق لهم أن يفخروا وأنفوا أن ينقلو من غيرهم شيئاً في هذه الباب. وفي لاواقع فإنه لا توجد في العالم أمة وصلت آدابها إلى ما وصلت إليه آداب اللغة العربية لا في غناها وفي غزارة مادتها ولا في متانة أساليبها ولا في نوع شعرها الحماسي ولا غزلي وغيرهما من فنون الشعر الخيالي (فالشعر العربي يكاد يكون كله من الشعر الخيالي) ولم ينبغ في أمة من الأمم عدد من الشعراء يوازي أو يناهر عدد شعراء العرب وذلك راجع إلى ثلاثة أسباب رئيسية: السبب الأول - أن العربي حاد الإحساس إلى درجة غريبة سريع التأثير كثير التحمس كريم النفس قريب الغضب والرضا على السواء. ومن طبائعه أنه مندفع في أمره. مفيض بما في خاطره. فلا يمكنه كتمان ما في نفسه. ولذا تأبى طبيعته أن يظل ساكتاً عما حوله من المؤثرات فكان من الطبيعي أن تغنى بما يشعر به وأن يكون غناؤه صدى حقيقياً لعواطفه شبيهاً بها في شدتها وتناسبها وتناسقها فيخرج كلامه مصوراً تصويراً خيالياً موزوناً هو الشعر. السبب الثاني - أن اللغة العربية هي في ذاتها أصلح اللغات للشعر وهيهات أن تقاربها لغة أخرى في غناها وفيها ما لا يحصى من المترادفات المتوافقة لفظاً وكثير منها متحد وزناً وهي وحدها تكفي لتصوير الخيال بدون الاحتياج إلى الاستعانة بغيرها فإن فيها العشرات بل المئات من الأسماء للدلالة على بعض المسميات سواء كانت من الحيوان كالأسد والثعبان والحمار ولناقة والثور والكلب ولقط. أو من المأكول كاللبن والعسل والتمر أو من المشروب كالماء والخمر أو من السلاح كالسيف والقوس والسهم والرمح ولمجن أن أو من الأوصاف كالطول والقصر والكبر والصغر والشجاعة والجبن والكرم والبخل فللأسد خمسمائة اسم وللثعبان مائتانا وللناقة مائتاناوخمسون وللماء مائة وسبعون أما المصائب والأرزاء فأربعمائة اسم ولعمري أنه عدد لا مبالغة فيه بل ربما كان أقل مما يلزم بالنسبة إليها. . . . . . على أن هذه الكثرة في مادة اللغة لم تمنعها من أن تكون دقيقة في معانيها محكمة في مبانيها فقد خصت كل ليلة من ليالي القمر باسم كما خصت كل ساعة من ساعات الليل والنهار. وكذلك سميت الريح بأسماء مختلفة بحسب اختلاف أحوالها فإذا وقعت بين ريحين فهي النكباء وإذا وقعت بين الجنوب والصبا فهي الجربياء وإذا هبت من جهات مختلفة فهي المتناوحة وإذا كانت لينة فهي الريدانية. وإذا جاءت ينفس ضعيف فهي النسيم فإذا كان لها حنين كحنين الإبل فهي الحنون فإذا ابتدأت بشدة فهي النافجة وإذا كانت شديدة فهي العاصف. فإذا كانت شديدة ولها زقزقة فهي الزقزاقة الخ. . وربما كانت هذه الكثرة داعية إلى الاستغراب ولكن متى ظهر السبب بطل العجب. فقد كان العرب في جميع الأزمان من أكثر الأمم اشتغالاً بلغتهم ثم كانوا فوق ذلك مولعين بفطرتهم بتحليل كل ما تقع عليه أبصارهم ويدرس نزعات النفس وأحوالها. فدرسوا من كل شيء جسمه وشكله وروحه وأثبتوا أوصافه ومميزاته وأصله ومؤثراته وعيوبه وفضائله وخصوا كلاً من هذه الأوصاف والمميزات باسم يدل على الوصف وعلى الحالة التي يكون بها. فالخمر مثلاً سميت خمراً للدلالة على أن أصلها من الاختمار وراحاً للدلالة على ما تحدثه في نفس شاربها من الارتياح وحمياً للدلالة على ما تبعثه فيه من الانفعال الخ. . . . ثم إن الأمة العربية كانت مؤلفة من عدة قبائل ولكل قبيلة منها لهجة خاصة ولغة تختلف بعض الاختلاف عن لغة غيرها فلما توحدت هذه القبائل اندمجت ألفاظ كل قبيلة وعباراتها في صلب اللغة. وبعد ذلك جاء الفتح الإسلامي واختلط العرب بغيرهم من الأمم فرأوا من الأشياء والأدوات والحاصلات والعادات والصناعات ما لم يكن لهم له عهد من قبل، فاضطروا إلى إدخال الأسماء الأعجمية إلى اللغة العربية بعد أن نحتوها وهذبوها فأصبحت جزءاً منها. ومن ذلك توجد لديكم فكرة عن مقدار غنى لغتنا العربية الذي لا يحيط به حصر ويقصر عن وصفه لسان. أضيفوا إلى ذلك تعدد الجناس وتفرقه وهي تفتح السبيل واسعاً للتورية والمجاز وغير ذلك من ضروب البيان التي تأسر اللب فيجد منها الشعراء الفحول والكتاب البلغاء ما يبغون لكي يهيموا على عالم الخيال ما شاؤوا وشاءت لهم مقدرتهم وبكون لهم منها ينبوع للفكاهات والتنكات ولما تسمونه أنتم معاشر الفرنسيس كلامبور وبهذه المناسبة أذكر أن العلامة اللغوي الشهير لتريه زعم أن تاريخها يرجع إلى القرن الثامن عشر للميلاد وأنها من وضع شريف أوجي. ولكني أميل إلى الاعتقاد بأنها أعرق من ذلك شرفاً ونسباً وأنها مؤلفة من كلمتين عربيتين هما كلام وبور أي كلام فارغ. . . وللعرب قصائد بتمامها تنتهي كل أبياتها بكلمة واحدة يختلف معناها في كل بيت منها والآخر بسيط لا غرابة فيه فكلمة عين مثلاً لها ٣٥ معنى وكلمة عجوز ستون الخ. السب الثالث - أن العربي فطر على رقة الشعور وسعة الخيال والقناعة والتفكير والتمتع اليسير من حاجيات المعاش فساعده ذلك على الانصراف إلى التأمل والتفكير والتمتع لهذه الحياة التي ينشط منها الفكر من عقاله ويسرح في مسارح الخيال. فإذا انصرف عن القتال وانتهى من الغزو أحاط به السكون من كل جانب وشمله الهدوء ونظر إلى السماء فإذا هي زرقاء لامعة في النهار مرصعة بالنجوم في الليل فدعاه السكون الذي حوله وجمال المناظر التي يرسل إليها بصره إلى فحص فؤاده وتعرف خبايا قلبه والإمعان في مصائب الناس وتصاريف الزمان وتقلبات الأيام فإذا انقطع هذا السكوت فجأة واقبلت القبائل كعادتها تتقاتل وتتطاحن وجد في ضربات السيوف وفي ملاحمة الأقران ما يثير حماسته ويدعوه إلى الفخر والتغني بالبأس وشدة المراس. فكان من كل ذلك محرك للنفس العربية ولكل أوتارها ونغماتها. فليس بغريب إذن أن يكثر شعراء العرب وأن تكون ثمرات قرائحهم قد بلغت حد الإعجاز مع وفرتها. على أني لا أرسل الكلام على عوهنه ولا أقتصر على إرسال القول مبهماً بل أقول لكم جميعاً افتحوا مؤلفاتنا القديمة والحديثة سواء كانت تبحث في الفلسفة أو الطب أو الفلك أو الكيمياء أو الفقه أو الرياضيات أو لاموسقى أو لتاريخ. ثم أجيلوا النظر فيها تجدوا فيها حتماً كثيراً من الأشعار. ذلك أن العشر امتلك لب العربي منذ بزغت شمس تاريخهم وصار له على نفسه السلطان المطلق. فلو تركنا الشعر جانباً وغضضنا الطرف عنه لما استطعنا معرفة تاريخ العرب ولا فهم أحوالهم وعاداتهم والأدوار التي مروا بها فالشعر هو من عناصر الحياة العربية فهو بالنسبة لها كالهواء بالنسبة للحياة الإنسانية بل هو الحياة العربية نفسها بكل قوتها وشدتها ورقتها. وقد كان الشعر فطرة عند العرب يرسلونه على البداهة بلا أدنى صعوبة ولم يكن فقط مظهراً لسانحة تمر أو فكر يخطر على البال ثم ينمحي. بل كان مظهراً لكل معنى من المعاني العادية ووسيلة للتعبير عن كل المعارف الإنسانية حتى منها بل للتعبير عن أدق النظريات وأبعدها غوراً فتجد بعض المؤلفات النحوية شعراً بل تجد من المؤلفات الخاصة بالتقوى والعبادة أو بالطب أو الكيمياء أو المنطق ما وضع شعراً. بل إني أستطيع أن أقول دون أن أتعرض تعرضاً كبيراً للتكذيب، إن العرب لا بد أن يكونوا ضمنوا المعادلات الجبرية والهندسية بعض أبيات من أبياتهم حتى تعلق بالأذهان كما جرت عادتهم. بل إنه لا يكون من الإغراق في القول أن أقول بأن العرب كانوا يعبرون عن أفكارهم في غالب الأحيان وفي جميع الأزمان بطريق النظم فيكون الوزن قاعدة تعبيرهم كما كان قاعدة أفكارهم وحركاتهم وسكناتهم. ولا غرابة أن يكون ذلك من أقدم الأزمان فقد زعم بعضهم أن أول من نطق بالشعر العربي أبونا آدم عليه السلام وقد حفظ لنا التوراة الأشعار التي نظق بها. وما زال بعض المولعين بالمناقشات يتباحثون إلى اليوم إذا كان الأمر الذي لا نزاع فيه هو أنه إذا كان آدم شاعراص فإن العرب أحق الناس بالانتساب إليه وأجدرهم به لأنهم أمراء الشعر وسادة البيان. فإذا كان للملوك أسر فإن للشعراء أيضاً أسراً آل إليها المجد ووالله لهؤلاء أكبر شرفاً وأحق بالفخر الصحيح والمجد الرفيع من أولئك. وأذكر هنا النعمان ين بشير الأنصاري فهو شاعر اين شاعر وحفيد شاعر وابن شاعر ووالداً للشاعر الكبير زهير زجداً للشاعرين بن كعب بن زهير وبحير. وهل أنسى سلالة حسان بن ثابت التي نبغ فيها عدد عظيم من الشعراء مدة قرون متوالية. وقد كان الحال كذلك بعد الإسلام أيضاً فإن الشاعر الكبير فارس كان أبوه وجده من الشعراء ومثلها أبناؤه وأحفاده. وما الفائدة من هذا المقدار وأي إنسان تبلغ به الدعوى مبلغاً يزعم معه أن في وسعه أن يخصي شعراء العرب وقد كان عددهم يتجاوز على قول أحدهم النجوم التي ترصع الزرقاء والأزهار التي يفوح عنبرها في الحدائق والمروج. على أن كثيراً من الشعراء نعرف أسماؤهم ولكن لم يصلنا شيء من منظماتهم وبعضهم لم يصلنا منهم إلا أبيات قليلة مع أنهم كانوا على ما أثبت التاريخ من كبار الشعراء. ولا غرابة في ذلك إذا علمنا كيف وصلت إلينا أشعار الجاهلية. وكان يلتف حول الشعراء في العادة جماعة من مريديه وتلاميذه فيحفظون ما يلقيه من الأشعار ويتناقلونها عنه وينشدونها أمام الأمراء أو المجاهدين السائرين إلى البلاد أو بين الجماعات مراعاة لمقتضى الحال متبعاً لما إذا كان الغرض من القصيدة المديح أو الفخر أو الغزل أو الحكمة ثم تلا ذلك العصر كان الحفاظ أو الرواة يستظهرون عدة قصائد من فحول الشعراء مدفوعين إلى ذلك بعامل الإعجاب والتغني بها والمقارنة بينهما. وقد كان هؤلاء الحفاظ هم الوسيلة الوحيدة لبقاء هذه الأشعار وتناقلها بالتواتر من جيل إلى جيل. ولكن عدداً عظيماً منهم لقي حتفه في الحروب التي قامت في صدر الإسلام فنزل معهم إلى القبر جزء عظيم من الأبيات البديعة التي كانت تحويها صدورهم والتي كانت مفخرة العرب فلم يعد أحد يتناقلها بعدهم. ولم ينبته أحد إلى تدوين قصائد كبار شعراء الجاهلية في بطون الكتب لحفظها من الضياع إلا في آخر القرن الأول من الهجرة وعمدوا في هذا السبيل إلى جمعها من صدور كبار الرواة الذين كانوا يستظهرون الكثير منها كحماد الذي كان يحفظ سبعة وعشرين ألف بيت من أشعار الجاهلية كل ألف منها تبدأ بحرف من الحروف الهجائية وكالمفضل الضبي وخلف الأحمر وأبو ضمضم الذي كان ينشد أشعاراً لمائة شعر باسم عمرو وكأبي تمام واضع كتاب الحماسة الذي كان يحفظ على ظهر قلبه أربعة عشر ألف بيت من الشعر كلها لفحول شعراء الجاهلية. أما الأشعار التي قيلت لعد الإسلام فقد ضاع منها عدد عظيم بسبب الفتن والحروب التي قامت بين المسلمين أو بينهم وبين غيرهم من الأمم في جميع لأزمان وفي جميع البلاد التي خضعت للإسلام ويكفي لمعرفة ما ضاع منها أن نلقي نظرة على مؤلفات بعض أكابر الكتاب التي هي أسبه بالفهارس لالتزامها جانب الإيجاز لنتبين منها أسماء الذين عاصورهم من الشعراء وما ألف في فنون النظم ثم نتساءل ما الذي بقي من كل ذلك لم يبق إلا النزر اليسير الذي لا ينكر ولكن هذا النزر اليسير يكفي لرفع شأن أمة واحدة وهو يدل على مقدار نبوغ العرب في حلبة النظم وعلى ما كان لكبار الشعراء لديهم من المنزلة السامية والمقام الرفيع. ويجرنا هذا الحديث إلى البحث في منزلة الشعراء في العالم العربي ثم إلى ذكر كلمة في بيان مميزات الشعر العربي في أهم العصور في تاريخ العرب. كان الشاعر في الجاهلية مهيباً موقراً يحيط به الإجلال وحف به الإكرام. فإنه كان عميد القبيلة وحامي ذمارها وراوي تاريخها والحافظ لأنسابها والمتغني بذكر مجدها فهو بهذا الاعتبار كان قريب الشبه بالكهنة في التاريخ القديم. فهو الذي كان يفتخر بأجداده وبالوقائع والغزوات التي امتاز فيها قبيلة بالبسالة والأقدام وشدة البطش فيحفظ بذلك ذكرها في أبيات من الشعر لأن الأشعار هي الأثر الوحيد الباقي في تاريخ العرب والوسيلة الوحيدة لمعرفة أحوالهم وتاريخهم. وهو الذي كان يهجو أعداء عشيرته ويدفع السباب بمثله. وكثيراً ما كانت كلمة عذبة حلوة من شاعر مجيد تسكن ثائر العداوات وتطفئ نار الخصومات كما أنه ما كانت كلمة منه تستفز بغضاء القبائل وتشعل نار الحرب بينها. ومن البديهي أن أمة هذه حالها وهذه طبائعها كانت تقابل ظهور شاعر بين ظهرانيها بالفرح والابتهاج وتعتبر شهرته من الحوادث ذات البال. فكانت القبائل الموالية للقبيلة التي نبغ فيها شاعر تقدم إليها زرافات لمشاركتها في إعلان أفراحها فتقام الولائم وتنحر الذبائح وتوزع الأرزاق وتعلو أصوات النساء ويتسارع الأطفال إلى تقبيل طرف ثوب بطل الاحتفال عسى ربة الشعر توحي إليهم في مستقبل الأيام ما أوحته إليه. وكان العرب في كل يوم ينصرون عن القتال وتبطل بينهم الحروب ويتهادنون لأيام معدودة ويغدون من كل فج سحيق من امرأة وعلماء وتجار وشعراء إلى حيث يجتمعون في عكاظ يتفاخرون بالشعر ويتبارون في الإبداع فيه. وكان يضرب لذلك فسطاط فخم ويتولى الحكم بين المتسابقين أبعد الشعراء شهرة وأعلاهم كعباً فكان يسمع ما يتلى بين يديه من القصائد ثم يبدي حكمه. وتكتب أجمل القصائد على نسيج من الكتان أو ورقة من أوراق البدي وتعلق ف يالكعبة ومن هذا أطلق عليها اسم المعلقات وعددها سبع وهي من أمتن الشعر وأحسنه بل إن المعلقات - وشعر الجاهلية عامة - هي المثال الذي مازال الشعراء ينسجون على منواله وينسجون نحوه إلى اليوم إلا في ما ندر من الأحوال تناقلها الناطقون بالضاد جيلاً بعد جيل وتغنوا بها وحفظوها وحاول شعراؤهم على ممر الأزمان يتحدوها في معانيها ومبانيها وتصوارت واصفيها وخيالاتهم. وما زال الشعراء إلى زماننا يتبعون في وضع أشعارهم القواعد والروابط التي وصفها شعراء الجاهلية فترى الشاعر يبدأ على الدوام ينصب المضارب والخيام ومنازل الأحباب كما كان يفعل شعراء العصر الجاهلي. ويطلب من صديقه أو من صديقته أن يقف معه ليبكيا معاً على الطلل والمنزل الذي كان مرتعاً للبهجة والأنس ثم هجره الصفاء وأصبحت ذكراه مصدراً للألم ومثاراً للأشجان. ثم ينتقل إلى التغزل بمحاسن المحبوبة والتفاخر بقومه وبشاعتهم وثباتهم في حومة الوغى ومكارمهم ثم يتخلص من ذلك ببيت يجب أن يكون غاية في الحسن والإبداع منتقلاً في تذكارات حبه وغرامه أن يرجعوا إلى المعاني القديمة والتخيلات البديعة التي سبقهم إليها سلفاؤهم مقتصرين على تغيير المبنى والتلاعب بالألفاظ وحسن السبك. ثم جاء الإسلام فانصرف الناس عن الشعر زمناً فإن العرب وجدوا في القرآن ما تصبوا إليه نفوسهم من جيد القول. وجاءهم الكتاب المنزل بصورة جديدة من صور الكتابة لم يألفوها من قبل فلاهي بنثر ولا هي بنظم بل هي شيء أعلى من ذلك جاءهم بصورة إلهية سامية لا يعرف الواصف يصفها جلبت ألبابهم ولعبت بعقولهم وهم الذين رضعوا الفصاحة من ثدي امهاتهم وتربوا على البلاغة من مهادهم وعغرفوا غث الكلام من سمينه فاسركتهم هذه البلاغة العالية الخالدة وهذه الكلم الجوامع. وذهب المفسرون بعد ذلك إلى أن القرآن هو غاية الإعجاز في باب البلاغة والبيان وإلى أن الملائكة والناس يعجزون عن الاتيان بآية من آياته. وقد نشأ من ذلك أن الشاعر سقط من شاهق مجده ولم تعد له نتلك المكانة الرفيعة التي كانت له في سالف الأزمان لم يعد ذلك الكاهن القديم والمدافع عن قبيلته وحامي حمى قومه بل تغير رأي الناس فيه وصاروا ينظرون إليه شزراً. وزاد الطين بلة أن بعضهم ذهبوا - أن صواباً وأن خطأ - إلى أن الرسول يكره الشعر، والشعراء واستدلوا على ذلك ببعض كلمات وردت في موضعين أو ثلاثة من القرآن يمكن تفسيرها بأنها لوم لبعض الشعراء أضف إلى ذلك أن الحماسة الدينية بلغت أشدها عند ظهور الإسلام فانصرفت الأذهان عن الأشعار والفنون واشتغلت بطبيعة الحال وبحكم الانقلاب الجديد بالبحث في أصول دينهم وأحكامه وتفاسيره وبالغزو والجهاد لنضر الدعوة إلى الإسلام. على أن الشعر رغماً من ذلك لم يمت تماماً فإن عمر بن الخطاب ثاني الخلفاء الراشدين أشار على المسلمين بأن يعلموا أولادهم الأمثال والشعر وكان الإمام علي ابن أبي طالب رابع الخلفاء من فطاحل الشعراء وأعلاهم كعباً في ميدان النظم. ولما أمر الخليفة عثمان بن عفان بجمع القرآن من صدور الرجال ولم يكن قد جمع إلى عهده وتبين أنه يصعب تفسير بعض آياته وكلماته وإدخالها في أذهان الأمم الأجنبية كأهل مصر والشام وفارس الذين كانوا قد انتحلوا الإسلام وتألفت منهم غالبية أهله منذ القرن الأول للهجرة - رجع شارحوه ومفسروه إلى الأشعار القديمة للاستئناس بها والاستعانة بها على فهم ما أغلق عليهم من معاني بعض الألفاظ القرآنية متبعين في ذلك قول ابن عباس إذا قرأتم شيئاً في كتاب الله فلم تعرفوه - فاطلبوه - في أشعار العرب فكان ذلك مشاهداً على نهضة الشعر والعناية بأمره بعد إهماله زمناً فبدأت تعدون إليه بهجة الأزمان الخوالي رويداً إلى أن بلغ أعظم شأو في أيام الأمويين وارتفعت منزلة ارتفاعاً كبيراًَ. وهناك أسباب سياسية دعت إلى هذا التغيير فإن موت الإمام على أوقع الفتنة في بلاد العرب فانقسموا إلى قسمين متناظرين حزب على وحزب معاوية. وعادت القبائل إلى التطاحن والقتال بعد أن كان الإسلام قد جمع بينها ووحد كلمتها ومحا الضغائن التي تأصلت في نفوسها قروناً فبعثت العادة القديمة من الرمس وسار كل شاعر في طليعة قومه يحرضهم على القتال ويبعث الحمية في نفوسهم متوسلاً إلى ذلك بتذكيرهم بوقائعهم الباهر وأفعالهم المجيدة. وكان معاوية داهية حصيف الرأي فعسى بجمع الوسائل إلى زيادة عدد أنصاره فأفلح في ضم معظم القبائل إلى جانبه بفضل دهائه وحكمته وسخائه وكان من بين الوسائل التي عمد إليها أنه أغدق هباته على الشعراء فقابلوا الجميل بمثله وألفوا القصائد في مدحه والتحدث بكرمه ومروءته فكان ذلك من أكبر الأسباب في ميل القلوب إليه وتمهيد أسباب النصر له. وسار خلفاء معاوية على نهجه ففتحوا أبوابهم للشعراء لاكتساب مودتهم من جهة ولأن بعض الأمراء كانوا مولعين بالشعر من جهة أخرى. فأزهر عصر الشعر وبلغ درجة لم يبلغها من قبل. ولكن الشعراء نسوا مقامهم القديم ومكانتهم الأولى ولم يدركوا قدر اللآليء التي كانوا يجودون بها فانحط مقامهم ونزل قدرهم. وبعد أن كان الشاعر في الجاهلية أمير قبيلة وسيد قومه أصبح في عهد الأمويين رجلاً من أولئك الذين تتألف منهم بطانات الأمراء. كل همه أن يستدر هباتهم وأن يتزلف إليهم وينال الحظوة لديهم. وفي عام ١٣٢ للهجرة حدث انقلاب جديد في العالم الإسلامي فإن أبا العباس ثار على الأمويين ونصره في ذلك أهل خراسان وفارس فتغلب عليهم ونزع الملك من بين أيديهم بعد أن نكل بهم تنكيلا وقد علا شأن الشعراء في عهد العباسيين من أول عهدهم إلى يوم زوال ملكهم حين استولى التتار على بغداد في عام ٦٥٦ للهجرة. فكان الشاعر نديم الأمير وسميره جليسه فإن الخلفاء العباسيين قربوهم إليهم واستصفوهم وبالغوافي أكرامهم مراعاة لأسباب سياسية لا طعماً في استعمالهم وسيلة لكسب قلوب المسلمين بل لأن جلهم كانوا من أهل العلم والأدب وكانوا لا يأنفون من قول الشعر. وقد بلغ العرب في أيام العباسيين من العزة والسؤدد إلى غاية ما وراءها غاية وأدركوا أكبر نصيب في ميدان التقدم والنجاح. بل إن عهد الدولة العباسية كان العصر الذهبي للشعر وللشعراء أيضاً مدة خمسة قرون متوالية. ولم يعد الشاعر ذلك الكاهن القديم ذلك العهد قبائل وشيعاً بل كانوا أمة واحدة جمعت كلمتها وتمازجت عشائرها - من الوجهتين الدينية والاجتماعية - بل كان الشاعر صديق الأمير ومؤانسه ومسيره ورفيقه في ساعات لهوه وأوقات أنسه. فعلا شأنه وارتفع قدره ونبه ذكره وانهالت عليه النعم وكان الناس يجلونه ويخشون بأسه وسطوته ويحسدونه على ما هو فيه من نعيم. وكان الشاعر عالماً أن الفضل فيما ناله من الحظوة والخير يرجع إلى إبداعه في فنه فكان يطلب المزيد كل يوم في الإجادة ويضرب في الإبداع بسهم أوفر حتى رق الشعر وسما وبلغ منزلة رفيعة لم يعرفها من قبل بل صار هيكلاً مقدساً لا تصل إليه النفوس العالية والقلوب الرقيقة الحساسة. تدخله خاشعة متهيبة تحاذر الزلل فيا له من عصر سعيد تحكم فيه الشعر في النفوس وملك الأفئدة ومهد السبيل لصاحبه ليصل إلى أرفع درجات الجد وأعلى ذرى السؤدد. كان الشعر يغنى عن الحسب والنسب ويغنى الشعر عن التفاخر بغيره من الفضائل الحربية أو المزايا السياسية. حتى أن شاعراً مدح أبا العباس مؤسس دولة العباسيين فولاه ولاية. بل إن المأمون فعل ذلك مع ابن الجهم جزاءً له على قوله بيتاً من الشعر أعجبه وأطربه. بل هل جاءكم نبأ الخلفية هارون الرشيد الذي بلغ من إكرامه للعلم والآداب أنه صب الماء لأبي معاوية الضرير ليغسل يديه. أو ابنيه الأمين والمأمون اللذين تنازعا في أيهما يقدم لأستاذه حذائيه ثم اتفقا على أن يقدم له كل منهما واحداً. وأذكر على سبيل الاستطراد أن مسلم بن الوليد عين لوظيفة سامية هي وظيفة صاحب البريد بتقاضي رواتبها دون أن يشتغل فيها وكفى أنه كان يغتني بابنة الكرم ومكارمها. وأن الطغرائي كان وزيراً لسلطان الموصل مسعود ين محمد السلجوقي وأن المتنبي كان يعامل الأمراء وتؤدى له التحية التي تؤدى لهم. في تلك الأيام السعيدة كانت القصيدة تكتب على قطعة من رخام فيجازى قائلها بثقلها ذهباً. وكان البيت الواحد يساوي من ألف درهم إلى ألف دينار. فيالك من زمن مضى وانقضى كان الشعراء فيه ملوكاً والملوك شعراء. نعم لقد كان الملوك شعراء لا مبالغة في ذلك ولا مجاز وفي طليعتهم الخليفة هارون الرشيد ومعظم الخلفاء العباسيين وأحسنهم وأبلغهم عبد الله بن المعتز الذي قضى في الخلافة يوماً وكأنما فيكتور هيجو شاعر الفرنسيس كان قد أخذ عنه حين قال في رواية روت ما معناه وفتحت روت عينها بين اليقظة ولمنام وتساءلت أي أله في هذا الصيف الخالد ألقى وهو سائر هذا المنجل الذي صيغ من ذهب في الحقل الذي رصعته النجوم فإن عبد الله بن المعتز قال قبل ذلك بعشرة قرون انظر إلى حسن هلال بدا يهتك من أنواره الحندسا كمنجل قد صيغ من فضة يحصد من زهر الدجى نرجسا ولقد أطلت القول عن هذا العصر. لأنه أحسن العصور بالنسبة للشعر العربي حيث تجلى فيه جمال الشعر وإبداعه أكثر من كل عصر سواه. وثانياً لأن ذلك العصر الزاهر الأنوار أعقبه ليل بهيم كشف الظلمات مازلنا نتخبط في دياجيره إلى اليوم فلا تغيره إلا بعض نجوم قليلة تتألق فيه حيناً بعد آخر وبعض بروق تومض أحياناً ثم تختفي. أذكر ذلك العهد السعيد لأنه منذ زال رحل الشعر معه وانحط شأن الشعراء فالناس تجهل أقدارهم وتغمط أفضالهم وهم يتخبطون بين الحياة والموت. وقبل أن أختم كلامي أقول كلمة عن مميزات الشعر العربي في كل عصر من العصور التي أشر إليها. كان الشعر في العصر الجاهلي مرآة حقيقية تنعكس فيها أخلاق العرب وعاداتهم وأحوال معيشتهم. فكان الأعراب في ذلك الحين يضربون في الصحراء لا يستقرون على حال وهم يعيشون من السطو والغزو وقطع الطرقات وشن الغارة على القوافل أما محاصيل الأرض فكانت ضعيفة لا تكفي لسد حاجاتهم. فكان شعرهم - وهو مرآة أخلاقهم - بسطاً سلسلاً سهلاً عليه أدلة الصدق مع مسحة من الخشونة وهل كان لشعرهم سبيل إلى أن يكون غير ذلك؟ وكانوا يقرون بالخاطر يجول في مخيلتهم ويتجلى لهم المنظر أمام عيونهم يدعو إلى السرور أو الأسى فيرسلونه شعراً للتعبير عما في نفوسهم دون إغراق ولا موارية. فتجد فيه العبارات العنيفة الوحشية للتغني بالقتل والقتال وسفك دماء الأعداء وتجد فيه العبارات اللينة التي تسيل رقة للتعبير عن غرام خالج الفؤاد ولعب بالقلب وأذل تلك النفس العاتية. ليس في عباراتهم تكلف بل هي تسيل كالماء الذي يجري من عين صافية دون جهد ولا عناء بل كأن الشعر جاء عفواً دون أن تستكد الشاعر ذهنه. لا يقيد شاعرهم بموضوع ولا يشعر ولا بقافية ولا يحاول أن يأتي ف أبياته بأنواع التشبيه والمجاز ولا بالغريب في الألفاظ ولا يسعى في تزيين القول ليكون صورة ما في نفسه وما تكنه جوارحه. فإذا لا قى ما يدخل السرور إلى قلبه هتف هتاف الفرح وإذا عرض له ما يدعو إلى الأسى أنَّ وناح. أو إذا أراد الفخر عبر عن أعماله وأعمال قومه بغاية البساطة والسهولة لا فرق في ذلك بينه وهو في هذه الحالة الفطرية وبين الطير الذي من الرياء والتصنع فهو كالطبيعة بل هو كالجمال. أما في أيام الأمويين فإن اللغة بعثت كما كانت ولكن الشعر لم يعد هذه العذراء الطاهرة التي لم يقربها رياء بل إن الشعراء الذين نزلوا إلى مصاف المملقين والمتزلفين شوهوا محاسنها ومزقوا ثوب عفافها. فبينما كان الأقدمون يقولون مع حسان: وإن أحسن بيت أنت قائله بيت يقال إذا أنشدته صدقا أصبح المتأخرون يزعمون أن أحسن الشعرا كذبه. أضف إلى ذلك أن فتوحات الإسلام امتدت فدخل تحت حكم العرب كثير من الأمم الغريبة عنهم التي تخلفت مشاربها عن مشاربهم وإن هذه الأمم المغلوبة دانت بدين الفاتحين وتعلمت لغتهم فيم يعد الشعراء من العرب دون سواهم بل كان بينهم المصري والسوري والفارس والأندلسي ولكل منهم نزعة خاصة قسم عليها شعره ويظهر أثرها في قوله. والصفة الغالبة في شعر ذلك العصر أن معظمه كان شعراً غرامياً الغرض منه الغزل والتشبه مع خلاعة ومجون يرجع السبب الأصلي فيهما إلى كثر النساء اللواتي وقعن في أسر المسلمين في حروبهم وهناك أشعار اشتملت على أمور سياسية وعلى مطاعن يعزى السبب فيها طبعاً إلى انشقاق المسلمين إلى أحزاب وإلى ما قام من الخلاف بين أسرة معاوية وأسرة الأمام علي. على أنه يمكن القول بوجه الإيجاز أن هذا العصر كان زاهراً بالشعر وقد نبع فيه جماعة من فطاحل الشعراء وأعظمهم كالأخطل وجرير والفرزدق. وبلغ الشعر أعلى ذروة في عهد العباسيين فإن النجاح الذي صادفه العرب والتقدم الذي بلغوه والمدينة التي أصابوها كل ذلك كان له أثر كبير في الروح الشعرية. ثم إن معيشة الخلفاء وترفهم والخمور والحب الخ. حول الشعر من حال إلى حال فرق حتى صار نسمة من نسمات الروح وتهذيب ألفاظه وحلت مبانيه وخفت روحه. هذا فضلاً عن تقدم العلوم وانتشار المدينة والفلسفة وبلوغ حرية الفكر والقول إلى درجة كبرى وسعت دائرة العقل وشحذت القرائح ورفعها إلى الابتكار فوصلت تخيلات الشعراء إلى درجة من السمو لم تصل إليها في من الأزمان. ويمتاز الشعر في العصر العباسي من جهة شكله بمتانة الوزن والقافية مع السهولة والمرونة بحيث أصبح أسهل تناولاً وأطوع للشاعر وبروح جديدة كشرت قيود القوالب القديمة التي تقدي بها الفكر العربي في سالف الأزمان. وامتاز من جهة موضوعية بقوة التصور والمناقشات العلمية والخيالية والتأملات الفلسفية التي تضمنها. وبعد أن كانت الأشعار في الماضي كفة القلوب فقط أصبحت تتضمن الحكمة والآراء العلمية والأبحاث المنطقية. فكان الأطباء يضعون كتباً في الطب شعراً. والفلاسفة يقيدون شوارد أفكارهم وخواطرهم شعراً فيما يتعلق بمنشأ الكون والقضاء والقدر وحرية الاختيار وخلود النفس إلى غير ذلك من الأبحاث العويصة. ولا يزعمن زاعم أن ذلك كان عمل ناظم يرص الكلمات رصاً دون أن يكون في كلامه أثر من آثار الشاعرية الصحيحة بل إن ذلك ما فعله جماعة من فحول الشعراء أمثال المتنبي وأبي العلاء المعري وابن هاني وغيرهم وأسعارهم في هذا الباب تنفذ إلى القلوب فهي من أحسن الشعر وأرقه وأكثره تأثيراً في النفوس. أما ما آلت إليه حالة الشعر العربي بعد سقوط بغداد فإني أضرب صفحاً عنها مكتفياً بالكلمة التي قلتها فيما مر. وإنما أقول أنه منذ القرن الثامن للهجرة (القرن الخامس عشر للميلاد) أصبح الشعر صورة كيكية فاسدة. وتقليداً سقيماً للأشعار القديمة لا أثر فيها للابتكار على الإطلاق وأصبح الشعراء - استغفر الله بل الناظمين - أضحوكة يقلدون من سلفهم تقليداً أعمى مع جهل مطبق بروح الشعر القديم وبأحوال الزمان الحديث على السواء فتراهم كما كان الحال أيام امرئ القيس وأصحاب المعلقات يبدأون بذكر المضارب والخيام في الصحارى والقفار ويشكون من الظمأ ويخاطبون الناقة التي أخناها السير وأنهكها التعب ويغزلون بمحاسن المحبوبة بنفس لاألفاظ التي كان تغنى بها الشعراء أيم البداوة مع أنهم يقيمون في مدائن آهلة بالسكان ومنازل عامرة توفرت لهم فيها أسباب الراحة والزفاه وبجانبهم أنهر جارية تروي مياهها ما هم فيه من الظمأ وهم يتطون صهوات الجياد أفنات عليها السروج من الخز وقد تحجرت قلوبهم فلا تنبض لهوى ولا تشعر بعاطفة من عواطف الغرام! ولكن ذلك لا يمنعنا أن نقول كما قال الأستاذ جول لومتر إن الشعر في مجموعة بما حوى من العواطف الرقيقة أنقى شعر عرفه العالم وقد أضاف الأستاذ إلى ذلك وهو الناقاد البصير الذي لا يلقي الكلام على عواهنه أنه أقرب الأشعار إلى المعاني الرجولية والشرف والحياء الصحيح والشهادة أه. مخطوطات ومطبوعات تاريخ العربللمسيو كليمان هوار جزآن طبع في باريز سنة ١٩١٢ - ١٩١٢ ص ٨٩٣ ٢ عرف المسيو هوار بين علماء المشرقيات من الفرنسويين بتوفره على العلم ووقوفه على أحوال الشرق فهو بيعرف عدة لغات شرقية ولا سيما الفارسية والعربية ومن جملة ما نشر كتاب البدء والتاريخ لأبي البلخي مع ترجمته إلى الإفرنسية وتاريخ آدات اللغة الإفرنسية ورحلته إلى قونية ودراويش الولوية ومفركات على سياحته في سورية وتاريخ بغداد منذ استيلاء المغول إلى مذابح المماليك وكتب الخطاطين والمذهبين في الشرق الإسلامي إلى غير ذلك من الرسائل والأبحاث في دائرة المعارف الإسلامية والمجلة الآسيوية ومجلة العلم الإسلامي وكله من آثار الجد وآخر ما نشروه هذا الكتاب في تاريخ العرب الذين كانوا كما قال دعاة الإسلام ويهتم الغربيون لهم حق الاهتمام ولا سيما في ابتداء هذا القرن العشرين وقد كثر احتكاك الأوربيين بهم. وتاريخ العرب على ماقال عنه المؤلف عبارة عن تاريخ شبه جزيرة العرب قبل الرسول وعلى عهد خلفائه مباشرة ثم الممالك الإسلامية العربية ولم يتكلم فيه على البلاد العربية التي اقتحمها العثمانيون في القرن الخامس عشر والقرن السادس عشر ولكنه عني بالإمارات التي احتفظت باستقلالها مثل عمان ومراكش. وصف المؤلف جزيرة العرب أولاً وتكلم على عادات العرب وأخلاقهم وعلى تاريخ الجزيرة في القديم ويدخل فيه الكلام على ملوك غسان الذين كانوا عمالاً لامبراطورة الرومان في حوران وأرجائها وعلى مكة قبل الرسول والكعبة وبداية أمر محمد (عليه الصلاة والسلام) ووقعة ذي قار وعلى الهجرة إلى المدينة وعلى نظام المجتمع الإسلامي وخلافة الراشدين ثم الأمويين فالعباسيين فالأغالبة في تونس فالطولونين في مصر فالحمدانين في حلب فالفاطميين وعلى الأوضاع السياسية والاقتصادية في الإسلام من مثل نظام القضاء والشحنة والتملك والأوقاف والمواريث ومزانيات العباسيين. هذا مضمون فصول الجزء الأول وفي الجزء الثاني تكلم على الدولة الأيوبية والحروب الصليبية والدولة الأتابكية ودولة المماليك البحرية وعلى الصلات السياسية والتجارية مع دول الغرب من مثل البضائع التي كان يجري عليها التفاوض بين الشرقيين والغربيين والطرق التجارية وإنشاء القنصلات وابتياع الأسرى والعلائق السياسية مع رومية وبحث في إسبانيا والمغرب وفتحهما والحروب الأهلية في إسبانيا والممالك الصغرى فيها وعن دولتي المرابطين والموحدين ويدخل فيه الكلام على قلعة بني حماد وصقلية وهجرة اليونان إلى شمالي أفريقية وخاتمة استيلاء العرب على إسبانيا ودول مراكش والأشرف الحسنية في سجلماسة واليمن والدولة الرسولية وعمان والخوارج والوهابين وعرب والسودان والمهدي والآداب العربية والعلوم عند العرب. ولم بتوسع المؤلف في بحثه كثيراً بل جعله مختصراً تكون فائدة المطالع منه على طرف الثمام وتكون عند المطالع من الإفرنج فكراً أجمالياً عن تاريخ هذه الأمة الجليل والمسيو هوار ليس كسيد لميو صاحب تاريخ العرب الذي ترجم بالعربية في غرامه بالعرب وإنصافه لهم فهما وإن كانا فرنسويين لكن زمنهما مختلف ومشربهما كذلك. ومما راقنا في كتابه قائمة الكتب التي رجع إلها المؤلف في آخر كل فصل ومعظمها مما نشره الألمان لأن علم المشرقيات عند الجرمانيين أرقى منه عند غيرهم. وله فهرس واسع حوى الأسماء التي ورد ذكرها في الكتاب وفي آخر كل دولة من الدول الإسلامية فهرس بأسماء ملوكها في آخر الفصل لتسهيل الكشف عنهم وتيسير حفظهم ولعل صاحبنا المسيوهوار يؤلف بعد هذا المختصر مطولاً في تاريخ العرب يطلق فيه العنان لقلمه السيال حتى يكون المرجع الأعظم للباحثين والمسترشدين من الأوربيين والشرقيين خصوصاً مع توفر المواد له بعدة لغات في مدينة كباريز مهد العلوم والآداب فنثني الثناء الأطيب على المؤلف والطابع ونرجو أن تظل هذه العناية على اتمها عند الفرنسيس بعلوم الشرق وتاريخه كما هي عند الألمان والإنكليز وغيرهم من أمم المدينة الحديثة. تاريخ حماهتأليف الشيخ أحمد الصابوني طبع بنفقة مكتبة عنوان النجاح في مطبعةحماة سنة ١٣٣٢ (ص ١٦١ ) هو مختصر في تاريخ هذه المدينة تكلم فيه مؤلفه أحد أدباء حماة على تاريخ الحثيين والإسرائيليين واليونان والرومان والعرب وتوليهم مقاليد الحكم على هذه المدينة ولكن بإيجاز يكاد يكون مخلاً وكلام قليل على حماة القديمة وحدودها ونهرها العاصي ونواعيره وراحيته وجسوره ومحلاته وعدد نفوسه ومساكنه والجوامع والمدارس والمارستان والحمامات وأحوال حماة الجوية والصناعية والعمرانية وهذا استغرق نحو نصف الكتاب وهو بحجم الربع ثم تراجم مختصرة لبعض مشاهير ملوكها وفقائها وعلمائها وأدبائها استند فيها المؤلف على طبقات السكي وتاريخ ابن خلكان وتاريخ أبي الفدا والمحيي والمرادي وغيرها من الكتب المتداولة. وأفيد ما في هذا الكتاب بعض ما نقش على أبواب المساجد والمدارس والمحال العامة منذ القديم من الكتابات وبيان ما هو معروف منها ومن أوقافها لهذا العهد ولو توسع في ذلك كثيراً لجاء في أحسن مرجع في بابه ولكنه اكتفى بما تهيأ له لأول وهلة والنظرة الأولى قد تخطئ وتراجم الرجال لا تشبع غليلاً لأن منها زاد بإيراد شيء من شعر المترجمين ومنه مالا يفيد لأنه خال من نكتة تاريخية وأدبية وليس فيه إلا ما يورث الترجمة طولاً على غير طائل فأي فائدة مثلاً من نقل ما قيل من المراثي في صاحب حماة أبي الفدا وإهمال التوسع في ترجمته وهو ثاني المأمون بخدمته للعلم والآداب لم يشرف حماة بنسبته إليها بل شرف الشام والعالم العربي فمن كان بهذه المثابة جدير بان يتوسع في ترجمته لا أن يكون حظ أديب من العناية أكثر منه وهذا ليس له إلا شعر قد يكون ضئيلاً لاجزالة فيه بل أي فائدة من ترجمة أصحاب الكرامات والتنويه بمن كانوا يعتبرون الرؤيا ووسمهم بأن ذلك من الفنون ومن أصحاب هذه التراجم ما لوحظ فيه على ما يظهر إرضاء بعض العامة والأعيان والتاريخ لا يكتب على الهوى وإذا لم يستطع المرء أن يترجم الأسلاف إلا بما يمليه الأخلاف فالأولى به أن يطوي تاريخه لينشر بعده خالياً من أعراض هذه الأغراض. وقد وقعت للمؤلف غلطات منها مطبعية ومنها لغوية وصرفية ومنها جغرافية تاريخية كنا نود أ - ن يعرى منها هذا المختصر مثل تذكيره للبئر ص ١٥ وهي مؤنثة وتذكيره للحما وهو مذكر. ومثل ذلك ما رقع في الرسم وأغلاطه النحوية والطفيفة الدالة على تساهل كقوله (ص ٥٩ ) ثلاث أميال. ثلاث أقضية و (ص ٢٣ ) ثمانية ساعات والصحيح ثلاثة أميال ثلاثة أقضية وثماني ساعات ومن أغلاطه الجغرافية واللفظية قوله في ترجمه ابن واصل (ص ١٤ ) ومن تأليفه الأنبروزية في المنطق صنفها للإمبراطور ملك الصقالبة (إيطاليا) المسمى فريدريك والصحيح الأنبرورية بالراء المعجمة في الثانيةلا بالزاي نسبت إلى الأنبرور أو الإمبراطور وقوله الصقالبة غلط ومنازل العنصر الصلقي ذكرها جغرافيو العرب والإفرنج. وكان مثل ابن واصل حرياً بأن يتوسع في ترجمته لأنه يعد في الفلاسفة وهو أهم من مائة أديب يعتاش بشعره أمثال ابن مليك ومن أغلاطه قوله في أبيات لابن حجة (ص ١٢٩ ) من قصيدة قالها سنة ٨٢٠ في مدح الخيثمي هو أي بسفح القاسمية والجسر إذا ذهب ذاك الريح فهو والهوى العذري قال في الحالية والقاسمية هي الرحى على جانب جسر باب النهر من بناء قاسم باشا الخطيب. ولم تن الدولة العثمانية قد دخلت سورية على ذاك العهد بل دخلتها سنة ٩٢٢ ولفظ باشا من مصطلحات الأتراك في التشريف لا من مصطلحات الجراكسة على أن معظم ما أورده صاحب هذا الكتاب من الحواشي مفيد في بابه مزيل للبس ونشكره على تأليفه ونرجوا أن يضع هذه الملاحظات محلها من النظر ويضيفها وغيرها إلى الطبعة الثانية التي وعد بطبعها من كتابه هذا خدمة للتاريخ والحقيقة وبتوسع في الأعمال الواجب بسطها ويختصر في الأماكن التي لا يجوز فيها إلا الإيجاز. مدارك الشريعة الإسلاميةوسياستهاطبعت بمطبعة الترقي بدمشق من علماء الدين رجال اطلعوا على أسرار الشريعة فأنشأوا يبثونها في صور مختلفة ويشربونها القلوب بلسان يوافق الأذواق العصرية ومن هذه الفئة الفاضلة السيد محمد الخضر بن الحسين من مدرسي الجامع الأعمظم في تونس سابقاً فقد اعتاد هذا الأستاذ أن يلقي محضرات يبين فيها حكمة الشريعة وينشرها في كراسات خاصة يبثها بين جميع الطبقات وآخر محاضراته التي ألقاها في تلك العاصمة رسالة في مدارك الشريعة الإسلامية وسياسيتها أفاض فيها في حكمة التشريع والشرائع وتقسيمها ومنابع الشريعة الإسلامية والإسلام دين وسياسة واختلاف المذاهب وانتشارها وطبقات الفقهاء والأمراء كل ذلك بعبارة منسجمة تجمع إلى الطلاوة متانة وهاك نموذجاً مما قال في اختلاف المذاهب: كره الشارع التفريق في الآراء وندب الأمة إلى الوفاق بقدر ما يمكنها ولكنه يعلم أن تماسكهم وسيرهم في جميع الأحكام على مذهب واحد غير ميسر لهم فإذن لهم بعد بذلهم الوسع في انفاق الرأي أن يأخذ كل طائفة بما استقرب عليه أفهامهم ولا يضرهم متى تمكنوا في صناعة تقرير الأحكام واستوفوا شروطها أن لا يصيبوا وجه الحق في الواقع قال صلى الله عليه وسلم إذا حكم الحاكم فاجتهد فأصاب فله أجران وإذا حكم فاجتهد فأخطأ فله أجر وأطلق الشارع للعقل عنانها في الاجتهاد ليفتح لها المجال في النظر ويربيها على مبدأ الاستقلال بالرأي حتى لا يستولي عليها التقليد من جميع جهاتها فيتخللها الجمود ويصلح الفرق بينها وبين العقول المتصرفة كالفرق بين الماء الراكد في حماءٍ والماء المنهمر على الصفا لا يمازجه كدر. ومن شعر بهذه الحكمة لا يمكنه الغض من جانب علماؤ الإسلام حيث أفضى بهم الاجتهاد إلى الاختلاف بل هذا مما يجر إلى الاعتراف بمزيتهم ويبرهن على أنهم نشأوا على مبدأ البحث واستقلال الفكر ولو أنهم كانوا بعقول خامدة وإرادة ميتة لاتبعوا ما يفتي به أول فقيه منهم وتسلموه بتقليد. وبعد أن أبان الوجوه المتعددة التي تدعو المجتهدين إلى الخلاف قال: ولو أن أهب الإسلام استمروا على تأليف الجمعيات العلمية لتحرير أحكام الحوادث واستخلاص الحقيقة من الآراء المتلاقية لا لتأمت عدة خلافات حقيقية وسقطت أقوال كثيرة من حساب مسائل الخلاف وقد كان للسلف اهتمام بجمع العلماء في المسائل المشكلة فقد نقل الحافظ ابن عبد البر عن المسبب بن رافع أنه جاء الشيء من القضاء ليس في الكتاب ولا في السنة رفع إلى الأمراء فجمعوا له أهل العلم فما اجتمع عليه رأيهم فهو الحق أه. كتاب الأنساب للمعاني  عرفوا علم أنساب فأنه علم يتعرف منه أنساب الناس وقواعده الكلية والجزئية والغرض منه الاحتراز عن الخطأ في نسب شخص وهو علم عظيم النفع جليل القدر وقد عنيت العرب بضبط أنسابها حتى إذا أكثر أهل الإسلام واختلظت أنسابهم بالأعجام تعذر شبطها بالآباء فانتسب كل مجهول النسب إلى بلده أو حرفته أو نحو ذلك حتى غلب هذا النوع قال كاتل حلبي وقد صنفوا فيه كتباً كثيرة والذي فتح هذا الباب وضبط علم الأنساب هو الإمام النسابة هشام بن محمد السائب الكلبي المتوفي سنة ٢٠٤ فإنه صنف فيه خمسة كتب ثم اقتفى أثره جماعة. قلنا ومنهم الإمام أبو سعيد عبد الكريم ابن محمد المرزوي الشافعي الحافظ المتوفي سنة ٥٦٢ وكان أبو سعيد هذا كما قال صاحب وفيات الأعيان واسطة عقد البيت السمعاني وعينهم الناظر ويدهم الباطشة وإليه انتهت رئاسيهم وبه كملت سيادتهم رحل في طلب العلم والحديث إلى الشرق البلاد وغربها وجنوبها وشمالها وسافر إلى ما وراء النهر وسائر بلاد خرسان عدة دفعات وإلى نومس والري وأصبهان وهمدان وبلاد الجبال والعراق والحجاز والموصل ولاجزيرة والشام وغيرها من البلاد التي يطول ذكرها ولقي العلماء وأخذ منهم وكان عدة شيوخه تزيد على أربعة آلاف شيخ وصنف التصانيف الحسنة الغزيرة منها كتاب الأنساب نحو ثمان مجلدات وهو الذي اختصره عز الدين أبو الحسن علي ابن الأثير الجزري واستدرك عليه والمختصر هو الموجود بأيدي الناس والأصل قليل الوجود. قال في الكشف أن ابن الأثير سمى كتاب السمعاني اللباب وهو في ثلاث مجلدات ثم لخصه السوطي وجرده عن المتنسبين وزاد عليه أشياء وسماه الألباب في تحرير الأنساب ولخصه الخيضري المتوفي سنة ٨٩٤ وكأن اله ادخر كتاب السمعاني في خزانة المتحف البريطاني إلى هذا العهد ليقوم أحد علماء المشرقيات الأستاذ مرجليوث بنشره على نفقة تذكار حبيب الإنكليزي. طبع على المجر (ليتوغرافيا) فجاء مثل الأصل المأخوذ عنه حذو القذة وذلك على ورق جيد في زهاء ألف ومائتي صعحة من الحجم الكامل وإذ كانت النسخة المنقول عنها مختلفة الخطوط جاءت كذلك وفي ظننا أن هذه النسخى لو طبعت بالحروف كما طبع الأستاذ مرجليوث أيضاً معجم الأدباء لياقوت لعمت الإستفادة من هذا السفر الجليل وسهل على كل مطالع الأخذ منه لأن في هذه الخطوط ما يصعب حله إلى بعد أعمال النظر وأكثره من الخلط اللطيف النسخي ويا حبذا لو شفع الناشر هذا الكتاب بمعجم لألفاظ الإعلام الواردة فيه وأتبعه بغير ذلك من الفهارس على عادة الأوربيين في طبعهم كتبنا العربية. قال السمعاني في مقدمته: وكنت في رحلتي أتتبع ذلك وأسأل الحافط عن الأنساب وكيفيتها وإلى أي شيء نسب كل أحد وأثبت ما كنت أسمع ولما اتفق الاجتماع مع شيخنا وأمامنا أبي شجاع عمر بن الحسين البسطامي ذكر الله بالخير مما رواء النهر فكان يحثني على نظم مجموع في الأنساب وكل سنة إلى قبيلة أو بطن أو ولاء أو بلدة أو قرية أوجد أوحرفة أو لقب لبعض أجداده فغن الأنساب لا تخلو عن واحدة من هذه الأشياء شرعت في جمعه بسمر قندفي سنة خمسين وخمسمائة وكنت أكتب الحكايا والجرح والتعديل باسانيدها ثم حذفت الأسانيد لكيلا يطول وملت إلى الاختصار ليسهل على الفقهاء حفظها ولا يصعب على الحفاظ ضبطها وأوردت النسبة على حروف المعجم وراعيت فيها الحرف الثاني والثالث إلى آخر الحرف وابتدأت بالألفف الممدودة لأنها بمنزلة الألفينيوذكرت الأبرى في الألفينيوهي قرية من سجستان وإلا برى بالألف مع الباء المحد وهذه النسبة إلى عمل الإبرة وأذكر نسب الرجل أذكره في الترجمة وسيرته وما قال الناس فيه وإسناده وأذكر شيوخه ومن حدث عنهم ومن روى عنه ومولده ووفاته إن كان بلغني ذلك. هده جملة حال الكتاب والمحور الذي يدور عليه وتراجم الرجال الواردة أسمائهم فيه مختصرة على الأغلب لأن المقصد الأول تعيين نسبته وله شبه كثير بكتاب المشتبه في أسماء الرجال المحافظ الذهبي إلا لأنه مطول أكثر وفيه تراجم يصح أن تعد تراجم ولكن المشتبه عبارة عن معجم لما استعجم من أسماء الرجال. فنشكر الطابع والناشر أطيب الثناء ونتمنى أن يوفق الأمناء على تذكار جيب إلى طلع أمثاله من كتب العلم المبعثرة في خزائن التب في الغرب والشرق لأنهم مؤتمنون عليها عارفون بأقدارها بعلمون بتأن في إخراجها للناس بحسب المناسب والدواعي وفقهم الله. دروس الجغرافياتأليف فوزي بك العظم طبع بمطلعة جمال بنفقة المكتبة الأهلية فيبيروت سنة ١٣٣٢ - ١٩١٤ ص ١٢٨ هذا هو القسم الثاني الذي وعد به المؤلف في العام الفائت وهو يشتمل على دروس وتمارين في الجغرافيا بعبارة تترقى بحسب الطالب وهذا الموجز أوسع من الجزء الذي سلفه فنشكر مؤلفه ونرجو له التوفيق إلى إتمام هذه السلسة النافعة لتلامذة المدارس وغيرهم. أخبار وأفكار الموسيقى الأهلي تألف في القاهرة معهد للموسيقا الأهلي من جماعة من الوطنيين والأجانب ورئاسة حسن باشا واصف من عيون أعيان القاهرة والغرض منه ترقية هذا الفن الشريف وقد جعله الجناب الخديوي تحت حمايته وخصه أمراء الأسرة الخديوية برعايتهم ومعونتهم. الجنايات في مصر بلغ عدد حوادث الجنايات في القطر المصري في العام الماضي ٤٠٩٦ حادثة مقابل ٣٧٨٤ في العام الذي قبله. السفن الراسية في بيروت بلغ مجموع السفن البخارية والشراعية التي أرست في تغر بيروت سنة ١٩١٣ - ١٠٢٤ سفينة بخارية منها ٢٣٢ إنكليزية و ١٧١ أفرنسية و ١٤٧ روسية و ١٤١ نمساوية و ١٣٩ طليانية ومحمولها كلها ١ . ٧٦٦ . ٥٤١ وجاء الثغر ١٨٢٦ سفينة شراعية محمولها ٣٢ . ٨٧٣ طناً منها ١٨٢٦ سفينة عثمانية. أكل الثوم كان بعضهم يذهب إلى أن البلغاريين تطول أعمارهم لإكثارهم من تناول اللبن الرائب وقد ذهب أحد أطباء باريز اليوم إلى أن الإكثار من أكل الثوم مما يطيل الحياة فهو يحرض الناس على مزاولة أكل الثوم ويمدح الحساء المطيبة بالثوم ويعتقد بأن من يتناولها يعيش أكثر من ثمانين سنة ويخطئ من يقول بأن البلغاريين تطول باللبن أعمارهم وعلل ذلك لكثرة تناولهم في مآكلهم من الثوم. الطلبة المصريون ثبت بالإحصاء أن مجموع الطلبة المصريين الذين يطلبون العلم في أوربا على نفقاتهم نحو ٦١٤ منهم ٣٧٣ طالباً في بلاد الإنكليز و ١٣٩ في فرنس و ٦٤ في سويسرا منهم من يتعلم الحقوق ومنهم الاقتصاد السياسي ومنهم الطب ومنهم الآداب ومنهم الهندسة ومنهم الزراعة ومنهم التجارة ومنهم الفنون الجميلة ومنهم غير ذلك. أهل الإسلام ذكرت مجلة العالم الإسلامي التي تصدر في لندن أن في الدنيا كلها ٢٠١ . ٢٩٦ . ٦٩٦ مسلماً منهم ١٥٦٦٩٠١١٠ في آسيا و ٤٢ . ٠٣٩ . ٣٤٩ في إفريقية و ٢ . ٣٧٣ . ٦٧٦ في أوربا و ١٧٣ . ٦١ في أميركا الشمالية والجنوبية و ١٩ . ٥٠٠ في أوستراليا والجزر التابعة لها. وإن ١٦٧٠٩٣ . ٨٩١ منهم تحكمهم حكومات مسيحية والباقون وعددهم ٣٤ . ١٩٢ . ٨٠٥ لا يزالون يتمتعون باستقلالهم. حفلة تكريم أقيمت في مصر ليل ٤ حزيران ١٩١٤ ( ١١ رجب سنة ١٣٢٣ ) حفلة في أوتل شبرد لتكريم واصف بك غلي صاحب المحاضر المنشورة في هذا الجزء لنقله إلى الغرب مزايا العرب وآدابهم ووقوفه موقف الدفاع عنهم وهو ابن بطرس باشا غلالي أحد رؤساء النظار السابقين ومن كبار رجال النهضة القبطية فاحتفل به جمهور كبير من عظماء مصر وعلمائها وأدبائها ورجال صحفها وسياستها وعددهم ١٠٧ فانتدب الجناب الخديوي عنه عثمان باشا مرتضى رئيس ديوانه وجعلت الحفلة برئاسة إسماعيل باشا صبري ولما تناولا الطعام هنيئاً طابت نفوسهم إلى الكلام فافتتح الكلام إسماعيل صبري باشا بأبيات قال في مطلعها أي صوت حيته بالأم س باريس مقر العلوم والعلماء من ترى ذلك الذي جملته حكمة الشيب في ربيع الفتاء ذلك الأسمر الذي به البي ض مطلاً من منبر الخطباء وأما اللثام عن أدب العر ب كرام الآباء والأبناء إلى أن قال أيه ياابن الأمجاد قمت بأعبا ءٍ كبار والمجد ذو أعباءِ وأريت الأنام ذوي القر بى ورأي الكريم في الكرماء وقال أحمد بك شوقي في قصيدة إنما يقدر الكرام كريم ويقيم الرجال وزن الرجال وإذا عظم البلاد بهوها أنزلتهم منازل الإجلال توجت هامهم كما توجوها بكريم من الثناء وغال إنما (واصف) يناء من الأخ لاق في دولة المشارق عال ونجيب مهذب من نجيب هذبته تجارب الأحوال وأهب المال والشباب لما ين فع لا للهوى ولا للضلال ومذيق العقول في الغرب مما عصر العرب في السنين الخوالي في كتاب حوى المحاسن في الشع ر وأوعى جوائز الأمثال من صفات كالعين صدقاً وسبتاً في أداء الوجوه والأشكال نسيب تحاذر العيد منه شرك الحسن أو شباك الدلال ونظام كأنه فلك اللي ل إذا لاح وهو بالزهر حال وبيان كما تجلى على الرس ل تجلى على رعاة الضال ما علمنا لغيرهم من لسان زال أهلوه وهو في إقبال بليت هاشم وبادت نزار واللسان المبين ليس يبال كلما هم مجده نزوال قام فحل فحال دون الزوال يا بني مصر لم أقل أمة القب ط فهذا تشبث بمحال واحتال على خيال من المج د ودعوى من العراض الطوال إنما نحن مسلمين وقبطاً أمة وحدت على الأجيال سبق النيل بالأبوة فينا فهو أصل وآدم الجد تال نحن من طينة الكريم على الل هـ ومن مائة القراح الزلال مر ما مر من قرون علينا رسفاً في القيود والأغلال وانقضى الدهر بين زغردة الع س وحثوا التراب والأعوال ما تحلى بكم يسوع ولا ك نا لطه وديمه بجمال وتضاع البلاد بالنوم عنها وتضاع الأمور بالإهمال يا شباب الديار مصر إليكم ولواء العرين بالأشبال كلما روعت بشبه يأس جعلتكم معاقل الآمال هيئوها لما يليق بمنف وكريم الآثار والأطلال وانهضوا نهضة الشعوب لدنيا وحياة كبيرة الأشغال وإلى الله من مشى بصليب في يديه ومن مشى بهلال وقال حافظ بك إبراهيم: يا صاحب الروضة الغناء هجت ينا ذكر الأوائل من أهل وجيران نشرت فضل كرام في مضاجعهم جرَّ الزمان عليهم ذيل نسيان إني أحييك عنهم في جزيرتهم وفي العراق وفي مصر ولبنان جلوت للغرب حسن الشرق في حلل بما يستهين بها نساج (هرنان) ظنوك منهم وقد أنشأت تخبطهم بما عنا لك من سحر وتبيان ما زلت تبرهنا طوراً وتبرهم حتى ادعاك محياك الفريقان لولا اسمرارك فازوا في ادعائهم (بواصف) وخسرنا أي خسران إلى أن قال: أمسى كتابك كالسيما يعيد لهم مرأى الحوادث مرت منذ أزمان قد شاهدوا فيه تحت النفع عنترة يصارع الموت عن عبس وذبيان وشاهدوا أسداً يمشي إلى أسدٍ كلاهما غير هياب ولا وآني هذا من العرب يلوي به فزع زذاك أروع من آساد خفان لله در يراع أنت حامله لو كان في أنملي يوماً لأغناني وقفت تدفع عن آدابنا تهماً كادت تقوض منها كل بنيان فكنت أول مصري أقام لهم على نبالة مصر آلف برهان ما زلت تلقي على أسماعهم حججاً في كل ناد وتأتيهم بسلطان حتى أثنيت وما في الغرب مجتريء على البناء ولا زار على الباني محوت ما كتبوا عنا بقاطعة من البراهين فلت قول (رينان) انحنى على الأدب الشرقي مفترياً عليه ما شاء من زور وبهتان ظن الحقيقة في الأشعار تنقصنا واللفظ والقصد والتصوير في آن وإننا لم نصل فيها إلى مئة عداً وذاك لعي أو لنقصان ولو رأى ابن جريح في قصائده لقال آمنت في سري وإعلاني مالي أفاخر بالموتى وبين يدي من شعر أحيائنا ما ليس بالفاني في شعر شوقي وصبري ما نتيه به على نوابعهم دع شعر مطران بوركت يا ابن الوزير الحر من رجل لم يختلف فيه أو في فضله اثنان بلغ إذا جئت بايزاً أفاضلها عنا التحيات وأشفعها بشكران وخص كاتبهم (جولاً) بأطيبها كيما نقابل إحساناً بإحسان واجعل لسفرك ذبلاً في شواعرنا وقف لهن هناك الموقف الثاني وقال أحمد أفندي نسم من قصيدة: وحسب فضلك أن أعليت بينهمو قدر النساء باكبار وإجلال حليتها بالعفاف المحض فابتدرت بالطهر غالية عن كل لآل لو كان عندي كعوب جئت تمهرها لكان شفرك أقصى مهرها الغالي أحييت فضل الألي بادت أوائلهم من مالكين زمام الدهر أفيال قوم إذا سئلوا جادوا بباهرة من العوارف لم تخطر على بال وإن همو حاربوا هشت نفوسهمو للحرب من كل كرار ونزال حتى إذا نهضوا خافت بوادرهم كواسر الوحش من شبل ورئبال وإن أحبوا فما في حبهم ريب تؤذي العفاف لغدار ومحتال وإن هم انتسبوا في كل منقبة جاؤوا بكل كريم العم والخال الصادعين على الأملاك بيضتهم من كل أروع بادي الكبر مختال فجدد العهد واذكر أمة سلفت يا من فخرت بذكرى عصرها الخالي عز القريض فمن لي بابن هانئه يطريك في حكم غر وأمثال كنت الرسول إلى القوم الألى نكروا هذي المآثر عن سهو وإغفال فكنت مثل يسوع في واقفه يهدي نفوس شعب عنه ضلال نايين! حاسدة باريس مذ أخذت عندك النهى بين تكبير وإهلال شفيت فيها جهالات مغشية على عقول أناس منذ أجيال فالعمي مبصرة والصم سامعة والميت قام لما تلقيه من قال وتكلم ويصا أفندي فما قال عن المحتفل به: أنه كتب ما كتبه كشاعر ليجب من يقرأ كتابه في اشعر العربي فاستعمل لغة الشعراء حتى لقد يخيل إلى القرئ أنه يقرأ شعراً لا نثراً. وفي الحقيقة فإن واصف بك ولد شاعراً فغرامه بالشعر العربي سيد الشعر كما يقول هو غرام فطري فعبر عنه بلغة هي لغة الآلهة كما يقول القدماء فكر كثيراً في الشكل الذي يصوغ فيه معنيه فأدهش من قرأها من الفرنسويين حتى أن كتابه ولو أنه حديث في آداب القوام فقد عنيت الجرائد الكبرى كلها بإنقاذه وتقريظه ثم دعي بعد فألقى محاضرات في الشعر العربي بأجمل ما قيل في اللغة الفرنسوية. بين في مقدمة بليغة كيف أن الشعر كان شريفاً عند العرب فجعلوه ديوان علومهم وأخبارهم وتواريخهم وحكمهم وحياتهم اليومية كما فعل المصريون على جدران معابدهم وكيف كان ملكة مستحكمة فيهم حتى أنهم كانوا ينطقون به ارتجالاً فكانوا كلهم شعراء ثم سرد لذلك أسباباً عدة: منها شعور العربي وشدة تأثره وانفعالاته النفسانية واتساع مدى خياله. ومنها استيعابه اللغة العربية وما فيها من المترادفات العديدة فكان رؤساء العرب متنافسين في الشعر فرئيس القبيلة كان ناشدها وحامي ذمارها ينشد انتصاراتها ويهجوا أعداءها. ثن بين مصادر الشعر وقسمها ستة أقسام أصلية وهي الغزل والحماسة والمدح والذم والوصف والحكم ثم بين كيف كان الشاعر ب \ يقصد المدح والافتخار بقومه ولم يكن ينتظر أجراً على ذلك. ولكن بعد الفتح الإسلامي جاء خلف لم يكن اللسان لسانهم وتعلموا الشعر صناعة ثم مدحوا أمراء العجم بأشعارهم طالبين أجراً فصار الغرض من الشعر الاستجداء فترفع أهل المراتب عنه وأصبح تعاطيه مذمة وكذلك الهجو فكان الشاعر يبيع أشعاره كالسلع لمن غالى في شرائها. كل ذلك صاغه المحتفل به بلغة فصيحة شعرية فعند ما تكلم مثلاً على الغزل أمام السيدات الشريفات في الليسيوم الذي ترأسه الدوقة دوسين انظروا كيف وصف الحسناء العربية منتقياً ألفاظ الجمال من كتب العرب فترجمها بألفاظ شعرية من اللغة الفرنسوية حتى أني بعد ما قرأت هذا الوصف سألت نفسي هل هذه الحسناء لم تكن تمثالاً من المرمر صوره خيال الكاتب أو هل لم يصف أحد هذه التماثيل المعروضة في متحف اللوكسمبرج والتي لابد أن يكون قد وقع نظره عليها قبل إلقاء محاضراته. ثم انظروا كيف وصف الحب عند العرب. قال إنه كان طاهراً نقياً بعيداً عن كل بهيمية وكانت المرأة محترمة مساوية للرجل وذكر من اشتهر من النساء في الحروب والشعر والآداب والطب والعلوم. ذكر عمرة ابنة علقمة التي اشتهرت في واقعة واحد والخنساء التي حمدت ربها على استشهاد بنيها الأربعة يوم القادسية ورجت منه أن يجمعها معهم في مستقر رحمته وزينب التي مارست في الطب وجندب زوجة امرئ القيس وعائشة بنت طلحة وعمرة بنت هبل اللاتي سبقن مدام دي رمنوييه في جمع الشعراء والأدباء في بيوتهن للسمر والمحادثة في شؤون الآداب. ثم بين ما امتاز به العرب من الصفات كالوفاء بالعهد أمثال حمظلة بن أبي عفرة وهو مشهور ومعروف والسموأل ثم احترام المرأة واحترام البنين لآبائهم والكرم وحب الانتقام الخ. ولكن أحسن ما كتبه واصف بك هو ما كتبه عن حكم العرب فقال إن هذه الحكم هي نوع من الحماسة والفخر مصدرها الأنفة العربية فالشاعر العربي لا يفتخر فقط بأنه أشعر الشعراء وأشجع الفرسان وأكرم الكرماء بل يفتخر أيضاً بأنه أحكم الحكماء خاض معترك الحياة وذاق حلوها ومرها وعرف أسرارها فمن اتبع نصائحه اهتدى وهذه النصائح يهديها إلينا بلا مقابل كرماً منه فهو رجل كامل. ثم لخص بعد ذلك ما جاء في هذه الحكم فقال إن حكماء العرب يفكرون في الموت ويستهينون بالدنيا ويذكرون أنها ليست لحي وطناً فيجب اتخاذ صالح الأعمال فيها والاعتصام بالصبر والسكوت ذخيرة. ومن قرأ هذه الحكم وأراد أن يقارنها بنوع من الفلسفة الحديثة لم يجد إلا الفلسفة المعروفة بال ولكن الشعر العربي له مزية خاصة إذ إنه يرفع هذه الحكم ويلبسها ثوباً من الظرف والجدة. وقال أحمد حافظ بك عوض من خطبة. أن آداب اللغات سواء كانت فطرية خالصة كما كانت آداب العرب في عهد البداوة أو مزر كشة عليها مسحة الصناعة والرشاقة كما كانت في أواخر المدينة العربية - هي مرآة صادقة تظهر فيها أخلاق الأمة وأطوارها ظهيراً لا سبيل فيه إلى المراء والمداراة وقد كانت الدرجة التي تصل إلها آداب اللغة في أمة من الأمم هي مقياس رقيها في درجات المدينة والكفاءة العقلية حتى ليصح أن يقال أن وحدة القياس للمدينة هي الآداب من شعر ونثر وحكمة. وما على الباحث في تواريخ الأمم الغابرة إلا أن يكون لديه من سلامة الذوق ودقة النظر ما يمكنه من استجلاء صور هاتيك الأمم من قراءة الآداب. وأما التاريخ فهو بمعزل عن هذه الروح لأنه لا يؤدي إلى إلا إحصاء حوادث قد يقع مثلها في كل أمة وفي كل عصر. وربما أصدق التواريخ في وصف حالات الأمم النفسية والاجتماعية ما كان لمؤلفه يد في الأدب ومشاركة فيه ولهذا فإن كان مؤرخو العرب قد قصروا في الصناعة التاريخية فإنهم كانوا أدباء في تواريخهم، مؤرخين في أدبهم وبذلك أوقفونا على حالة الأمة العربية النفسية والأخلاقية وجعلونا كأننا نعيش معهم. إن أوربا اليوم قد ألقيت إليها مقاليد السيادة في العالم فجلست على منصة الحكم بين الأمم. لا أقول الحكم بالاستعمار والتسلط فقط ولكن والحكم على رقي الأمم في مستوى المدينة والآداب أيضاً. فليس من سبيل إلى رفع مقدار أمة من الأمم الشرقية خاصة أو اللاأوربية بوجه عام في نظر الأمم أو الدول الأوربية أقرب وأشرف من رفع اللثام عن الحالة النفسية لتلك الأمة وعرضها كما هي مصورة في أشعارها وآدابها. وذلك ما صنعه واصف بك بين الأمة العربية والأمة الفرنسية بل والعالم الأوربي بأجمعه، ولهذا نحن نكرمه الليلة. فواصف كان كالمحامي عنا خصه الله بموهبة المعرفة بلغة قضاتنا أمامهم غير هياب ولا وجل يناضل عنا بأفصح عبارات لغتهم ويشرح لهم ما لأمتنا من الآداب الراقية والحكم الرائقة حتى يحصرهم بفصاحته وحجته فحكموا لنا حكماً يفيدنا في مصالحنا الاجتماعية والأدبية بل والاقتصادية والسياسية.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_87.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.87.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
