<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.86.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.86.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨٦ بتاريخ: ١ - ٣ - ١٩١٤ جزاء العلماء والأدباء البشر سائر نحو الديمقراطية اليوم بعد اليوم في جميع ما فيه قوام الحياة المادية والمعنوية والعلم اليوم من جملة ما يخرج من قيود الارستقراطية والتيوقراطية والالغارشية إلى ساحة الديمقراطية الفسيحة لأنه أحق كل الأوضاع بان لا يكون عبداً أو مستعبداً لأحد. كانت العرب على عهد حكوماتهم الراقية تحسن إلى العلماء والأدباء إحساناً لا يحتاج معه العالم والأديب إلى بذل ماء الوجه ليعيش فالوظائف كانت للعلماء وكم من قاضٍ أو عامل أو وزير خلف وهو في وظيفته مصنفات كثيرة ساعدته على البحث فيها وتوفير المواد النافعة لها ومنهم من لم يحبوا أن يشغلوا أوقاتهم في النظر في شؤون الناس وأحبوا الانقطاع إلى العلم بتة ومع هذا لم تفتأ الأمة تتعهدهم بما يصلح من شانهم ليتوفروا على الانصراف إلى ما اخذوا النفس به وما تقرؤوه في تضاعيف الكتب من أفضال بعض الملوك والأمراء والأغنياء على الشعراء ليس الباعث إليه حب المديح فقط بل تشجيع الأدب والأدباء ولذلك نرى كثيرين وقفوا في أبواب الكبراء ولكن لم نسمع بالعطايا الباهظة تقدم إلا للمجيدين في شعرهم المبرزين بأدبهم على الأغلب أما المتوسطون من العلماء والأدباء فكانوا يرزقون على نسبة عقولهم رجاء أن يكون من صفوفهم نوابغ يخلفون السابقين المبرزين. اختلفت طرق إكرام العلماء فكان العظيم في دولة بني العباس يعطي العظيم من العلماء مبلغاً قد يستغني به أو يمنحه ضيعة أو يقوم بجميع نفقته طول العمر ويغنيه عن السؤال من احد أو يرزقه من عدة طرق كما وقع للزجاج وقد طلب منه المعتضد شرح كتاب جامع المنطق فعمل البتاني فاستحسنه المعتضد وأمر له بثلاثمائة دينار قال ابن النديم وتقدم إليه بتفسيره كله ولم يخرج لما عمله الزجاج نسخة إلى احد إلا إلى خزانة المعتضد وصار للزجاج بهذا السبب منزلة عظيمة وجعل له رزق في الندماء ورزق في الفقهاء ورزق في العلماء ثلاثمائة دينار. قلنا ومن العلماء من كانوا يرزقون عدة أرزاق لعلمهم ولإرادة الملوك ترفيههم وغناهم أي أن يأخذ رزقا أو راتباً في المهندسين ورزقا مع الفقهاء وأخر مع الأطباء وأخر مع الندماء. ولما أنشأت المدرستان النظامية ثم المستنصرية (المقتبس م ١ ص ٢٦٨ و ٥٧١ ) في بغداد وكثرت المدارس في مصر والشام على عهد الدولتين الأيوبية والجركسية اخذ الواقفون يجعلون على تدريس تلك المدارس طبقة مختارة في الجملة من العلماء. ومن العلماء من كانوا قيمين على المدارس ومنهم القيمون على خزائن الكتب ومنهم على المستشفيات والزوايا والمساجد والأوقاف والضياع السلطانية ومنهم القائمون على الأرصاد والمراصد والسفراء إلى الملوك المجاورة وكل هؤلاء كان يوسع عليهم في مشاهرتهم وإداراتهم. أما الإفرنج في القرون الوسطى فكان المفضل على علمائهم باباواتهم وكرادلتهم وبطارقتهم وأسقافهم وقسوسهم ثم بعض المنورين من ملوكهم وأعيانهم فلما جاء الدور الحديث وأنشئت في الغرب المجامع العلمية والجمعيات المنوعة والكليات والمدارس العليا أصبح العلماء يأملون الرز من اللحاق ببعض هذه الأوضاع وكثير من جمعياتهم جعلت لها مبلغاً سنوياً خصته بمكافأة المجيد في فنه والواضع فيه كتاباً أو المخترع فيه اختراعاً وبعد أن كان أهل الخير في القرون الماضية يحبسون الأموال ويقفون الضياع والعقار على إقامة البيع والكنائس أصبحوا الآن يجعلونها على الجمعيات والنقابات والجامعات وقد كان لأغنياء أميركا الشمالية في ذلك القدح المعلى فأنشئوا بثرواتهم الطائلة يفضلون على المعاهد الخيرية لتتعهد هي الأفراد المستحقين من العلماء والباحثين المخترعين. ومعظم العلماء والأدباء اليوم في الغرب يتكلمون في جلب معاشهم على قوتين ديمقراطيتين التأليف والتمثيل ساعد عليهما قوتان مهمتان انتشار الطباعة وكثرة المسارح ٠ وهاتان القوتان قائمتان ولا شك بإقبال الجمهور المتعلم فمن وفق إلى أن يصادف كتابه ومقالته أو قصيدته أو قصته إقبالاً من الناس يشتهر ومتى اشتهر فهناك المجد الأثيل والمال الجزيل وأنت ترى أن المجتمع العربي كان محروما من قوتين الطباعة والتمثيل ولذلك كان المتعلمون فيه أقل مما هم في المجتمع الغربي لعهدنا وكانت قوة الظهر عند العلماء الأمراء والأغنياء والنابغة منهم كان على ثقة من أنه يحيا بتأليفه في حياته ومماته حياة مادية ومعنوية. قال ميمون بن هارون: قلت للجاحظ إلك بالبصرة ضيعة فتبسم وقال: (إنما أنا وجارية وجارية تخدمها وخادم وحمار. أهديت كتاب الحيوان إلى محمد بن عبد الملك الزيات). فأعطاني خمسة ألاف دينار وأهديت كتاب البيان والتبيين إلى ابن أبي داؤد فأعطاني خمسة ألاف دينار وأهديت كتاب الزرع والنخل إلى إبراهيم بن العباس الصولي فأعطاني خمسة ألاف دينار فانصرفت إلى البصرة ومعي ضيعة لا تحتاج إلى تجديد ولا تسميد وكان أبو عبيد القاسم بن سلام إذا ألف كتابا حمله إلى عبد الله بن طاهر فيعطيه مالاً خطيراً فلما صنف غريب الحديث إهداء إليه فقال: إن عقلاً بعث صاحبه على عمل هذا الكتاب لتحقيق ألا يحوج إلى طلب المعاش وأجرى له في ك شهر عشرة ألاف درهم. وروى انه قال عملت كتاب غريب المصنف في ثلاثين سنة وجئت به إلى عبد الله بن طاهر فأمر لي بألف دينار. وسير أبو دلف القاسم بن عيسى إلى عبد الله ابن طاهر يستهدي منه أبا عبيد مدة شهرين فأنفذه فلما أراد الانصراف وصله أبو دلف بثلاثين ألف درهم فلم يقبلها وقال: أنا في جنبة رجل لا يحوجني إلى غيره فلما عاد أمر له ابن طاهر بثلاثين ألف دينار فاشترى بها سلاحاً وجعله للثغر. قال أبو العباس احمد بن يحيى قدم طاهر بن عبد الله بن طاهر من خراسان وهو حدث في حياة أبيه يريد الحج فنزل في دار اسحق بن إبراهيم فوجه اسحق إلى العلماء فأحضرهم ليراهم طاهر ويقرأ عليهم فحضر أصحاب الحديث والفقه واحضر ابن الإعرابي وأبو نصر صاحب الأصمعي ووجه إلى أبي عبيد القاسم بن سلام في الحضور فأبى أن يحضر وقال: العلم يقصد فغضب اسحق من قوله ورسالته وكان عبد الله بن طاهر يجري له في الشهر ألفي درهم فقطع عنه الرزق وكتب إلى عبد الله بالخبر فكتب إليه عبد الله قد صدق أبو عبيد في قوله وقد أضعفت له الرزق من اجل فعله فأعطه فائته وادر عليه بعد ذلك ما يستحقه. ولقد نزل أبو الجيش الموفق مولى عبد الرحمن الناصر بن المنصور محمد بن أبي عامر أمير الأندلس بعد الفتنة الجزائر التي شرقي الأندلس وهي دانية ومنورقة فغلب عليها وحماها وقصد سردانية وكان من الكرماء على العلماء كما قال ياقوت يبذل لهم الرغائب خصوصاً على القراء حتى صارت دانية معدن القراء بالغرب وهو الذي بذل لأبي غالب تمام بن غالب ألف دينار ليزيد اسمه في ديباجة كتابه فلم يفعل. قال ياقوت (معجم الأدباء) ولتمام تلقيح كتاب العين في اللغة لم يؤلف مثله اختصاراً وإكثاراً وله فيه قصة تدل على فضله وذلك أن الأمير أبا الجيش مجاهد بن عبد الله العامري وهو احد المتغلبين على تلك النواحي وجه إلى أبي غالب هذا أيام غلبته على مرسية وأبو غالب ساكن بها ألف دينار أندلسية على أن يزيد في ترجمة هذا الكتاب مما ألفه تمام بن غالب لأبي الجيش مجاهد فرد الدنانير ولم يفعل وقال: والله لو بذل لي ملا الدنيا ما فعلت ولا استجزت الكذب فاني لم اجمعه له خاصة لكن لكل طالب عامة. قال الحميدي فأعجب لهمة هذا الرئيس وعلوها وأعجب لنفس هذا العالم ونزاهتها. قال المقري إن مجاهد ملك دالية بذل لأبي الغالب اللغوي هذا ألف دينار ومركوباً وكساء على أن يجعل الكتاب باسمه فلم يقبل ذلك أبو الغالب وقال: كتاب الفته لينتفع به الناس واخلد فيه همتي اجعل في صدره اسم غيري واصرف الفخر له لا افعل ذلك فلما بلغ هذا مجاهداً استحسن أنفته وهمته واضعف له العطاء وقال هو في حل من أن يذكرني فيه لا نصده عن غرضه. وهكذا كنت ترى كثيرا من العلماء يأبون على ضيق ذات بدهم أن يأخذوا شيئاً على تأليفهم كما فعل أبو الريحان البيروني الفيلسوف فانه لما صنف القانون المسعودي أجازه السلطان بحمل فيل من نقده الفضي فرده إلى الخزانة بعذر الاستغناء عنه ورفض العادة في الاستغناء به. أما الشيخ الرئيس ابن سينا الفيلسوف فما كان يستنكف على جلالة قدره العلمي من أن يقدم احد كتبه لأحد أمراء عصره بل انه كان من جملة ندماء علاء الدولة صاحب همدان. ومن العلماء من كانت تبلغ بهم العفة درجة الغلو فقد حكا بعضهم عن أبي العباس ابن الرومية النباتي الأندلسي انه كان جالساً في دكانه باشبيلية يبيع الحشائش وينسخ فاجتاز الأمير أبو عبد الله بن هود سلطان الأندلس فسلم عليه فرد عليه السلام واشتغل بنسخه ولم يرفع إليه رأسه فبقى واقفاً منتظراً أن يرفع إليه رأسه ساعة طويلة فلما لم يحفل به ساق فرسه ومضى. قاله المقري في نفح الطيب. ومثل ذلك ما وقع الفيلسوف الرياضي أبو علي ابن الهيثم فانه وزر في البصرة لأول أمره ثم أحب التجرد عن الشواغل التي تمنعه من النظر في العلم قال ابن أبي أصيبعة فاطهر خبالاً في عقله وتغيراً في تصوره وبقي كذلك مدة حتى مكن من تبطيل الخدمة وصرف من النظر الذي كان في يده ثم انه سافر إلى ديار مصر وأقام بالقاهرة في الجامع الأزهر بها وكان يكتب في كل سنة إقليدس والمجسطي ويبيعهما ويقتات من ذلك الثمن ولم تزل هذه حاله حتى توفي. وذكر يوسف الفاسي الإسرائيلي الحكيم بحلب قال: سمعت أن ابن الهيثم يقول كان ينسخ في مدة سنة ثلاثة كتب في ضمن اشتغاله وهي إقليدس والمتوسطات والمجسطي ويستكملها في مدة السنة فذا شرع في نسخها جاءه من يعطيه فيها مائة وخمسين ديناراً مصرياً وصار ذلك كالرسم الذي لا يحتاج فيه إلى مواكسة ولا معاودة قول فيجعلها مؤنة لسنته. ولقد كنت تجد في كل صقع من أصقاع العرب ملوكاً واقيالاً وأمراء ووزراء احيوا دولة العلم والأدب بحسناتهم مثل الوزيرين ابن عباد وابن العميد في بغداد وبني عباد في الأندلس الذين يقول فيهم ابن حزم أن الأيام لم تزل بهم كأعياد وكان لهم من الحنو على الأدب ما لم يقم به بنو حمدان في حلب وكانوا هم ووزرائهم صدوراً في بلاغتي النظم والنثر مشاركين في فنون العلم وآثارهم مذكورة وأخبارهم مشهورة. نعم تساوت في الرفد للعلماء دولة الشرق العباسية البغدادية ودولة الغرب الأموية الأندلسية. أراد الحكم الربضي ذات يوم في قرطبة أن يقدم شخصا من الفقهاء يختص به للشهادة فاخذ في ذلك مع يحيى بن يحيى وعبد الملك وغيرهما من أعلام العلماء فقالوا له هو أهل ولكنه شديد الفقر ومن يكون في هذه الحالة لا نؤمنه على حقوق المسلمين لا سيما وأنت تريد انتفاعه وظهوره في الدخول في المواريث والوصايا وأشباه ذلك ولما شكا إلى ولده عبد الرحمن قائلاً ألا ترى لهؤلاء الذين نقدمهم وننوه عند الناس بمكانهم حتى إذا كلفناهم ما ليس عليهم فيه شطط بل لا يعيبهم ولا هو مما يزروهم صدونا عنه وأغلقوا أبواب الشفاعة وذكر له ما كان منهم قال لوالده: يا مولاي أنت أولى الناس بالإنصاف أن هؤلاء ما قدمتهم أنت ولا نوهت بهم إنما قدمهم ونوه بهم علمهم أو كنت تأخذ قوماً جهالة فتضعهم مواضعهم قال: فأنصفهم فيما تعبوا فيه من العلم لينالوا به لذة الدنيا وراحة الآخرة قال: صدقت. فلم يجد الخليفة بداً من إعطاء ذاك الفقيه ما يؤهله لتلك المرتبة من الغنى فنبه قدره بان أعطاه من اصطبله مركوباً وكانت هذه أكرومة لإخفاء بعظمها. يفنى الزمان وما بنته مخلد. ولو جئنا نعدد المؤلفين الذين أهدوا للعظماء تأليفهم فأجزل هؤلاء لهم العطايا لطال بنا نفس الكلام فمنهم محمد بن يوسف الوراق ألف للمستنصر في مسالك افريقية وممالكها ديواناً ضخماً ومنهم الشريف الإدريسي الذي ألف لروجار صاحب صقيلية كتابه في الجغرافية أيضا ومنهم ابن السيد البطليوسي ألف باسم عبد السلام الملقب بسحنون. وأهدى أبو علي القالي أماليه للحكم عبد الرحمن بن محمد ولي عهد المسلمين في الأندلس وأهدى ابن خلدون تاريخه إلى أبي الحسن بن مرين من ملوك الأندلس. وألف أبو منصور الثعالبي كتاب فقه اللغة باسم أبي الفضل الميكالي وأهدى أبو الحسن بن رشيق كتاب العمدة لأبي الحسن علي بن أبي الرجال الكاتب. حكا (عن تاريخ الوزراء) محمد بن ناصح الاهوازي قال حدثني النضر بن شميل المازني قال: كنت ادخل على المأمون في سمرة فدخلت عليه ذات ليلة وعلي قميص مرقوع فقال: يا نضر ما هذا القشف حتى تدخل على أمير المؤمنين في هذه الخلقان فقلت: يا أمير المؤمنين أنا شيخ ضعيف وحر ومر شديد فاتبرد بهذه الخلقان فقال: ولكنك قشف ثم أجرينا الحديث فأجرى هو ذكر النساء فقال: حدثنا هشيم عن مجالد عن الشعبي عن ابن العباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان سداد من عوز فأورده بفتح السين قال فقلت: صدق يا أمير المؤمنين هشيم حدثنا عوف بن أبي جميلة عن الحسين عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا تزوج الرجل المرأة لدينها وجمالها كان فيها سداد (بالكسر) من عوز قال وكان المأمون متكئاً فاستوى جالساً وقال: يا نضر كيف قلت سداد قلت: نعم لان السداد: هنا لحن قال: أو تلحنني قلت: إنما لحن هشيم وكان لحاناً. فتبع أمير المؤمنين لفظه قال: فما الفرق بينهما قلت: السداد بالفتح القصد في الدين والسبيل والسداد بالكسر البلغة وكلما سددت به شيئاً فهو سداد قال: أو تعرف العرب ذلك قلت: نعم هذا العرجي يقول: أضاعوني وأي فتىً أضاعوا ليوم كريهة وسداد ثغر فقال المأمون قبح الله تعالى من لا أدب له واطرق ملياً ثم قال: مالك يا نضر قلت: اريضة لي بمرو اتصابها واتمززها أي اشرب صبابتها قال: أفلا أفيدك مالاً معها قلت: إني إلى ذلك لمحتاج قال: فاخذ القرطاس وأنا لا ادري ما يكتب ثم قال: كيف تقول إذا أمرت من أن يترب الكتاب قلت: أتربه قال: فهو ماذا قلت: فهو مترب قال: فمن الطين قلت: طنه. قال: فما هو قلت: مطين قال: هذه أحسن من الأولى ثم قال: يا غلام أتربه وطنه ثم صلى بنا العشاء وقال: لخادمه تبلغ معه إلى الفضل بن سهل قال: فلما قرأ الفضل بن سهل الكتاب قال: يا نضر إن أمير المؤمنين قد أمر لك بخمسين ألف درهم فما كان السبب فأخبرته ولم اكذب فقال: لحنت أمير المؤمنين قلت: كلا إنما لحن هشيم وكان فتبع أمير المؤمنين لفظه وقد تتبع ألفاظ الفقهاء ورواة الآثار ثم أمر لي الفضل من خاصته بثلاثين ألف درهم فأخذت ثمانين ألف درهم بحرف استفيد مني. قال أبو بريد الوضاحي: أمر أمير المؤمنين المأمون الفراء أن يؤلف ما يجمع به أصول النحو وما سمع من العرب فأمر أن تفرد له حجرة من حجر الدار ووكل بها جواري وخدماً للقيام بما يحتاج إليه حتى لا يتعلق قلبه ولا تتشوف نفسه إلى شيء حتى أنهم كانوا يؤذنونه بأوقات الصلوات وصير له الوراقين وألزمه الأمناء والمنفقين فكان الوراقون يكتبون حتى صنف الحدود وأمر المأمون بكتبه في الخزائن فبعد أن فرغ من ذلك خرج إلى الناس وابتدأ يملي كتاب المعاني وكان وراقيه سلمة وأبو نصر قال: فأردنا أن نعد الناس الذين اجتمعوا لإملاء كتاب المعاني فلم تضبط فلما فرغ من إملاءه خزنه الوراقون عن الناس ليكتسبوا به وقالوا: لا تخرجه إلى احد إلا لمن أراد أن ننسخه له على أن كل خمس أوراق بدرهم فشكا الناس إلى الفراء فجعا الوراقين فقال لهم في ذلك: فقالوا: نحن إنما صحبناك لننتفع بك وكلما صنعته فليس بالناس إليه حاجة ما بهم إلى هذا الكتاب فدعنا نعيش به فقال: قاربوهم تنفعوا وتنتفعوا فأبوا عليه فقال: سأريكم وقال للناس: إني أريد أن أملي كتاب معانٍ أتم شرحاً وابسط قولاً من الذي أمليت فجلس يملي وأملى في الحمد مائة ورقة فجاء الوراقون إليه فقالوا نحن نبلغ الناس ما يحبون فنفسخ كل عشر أوراق بدرهم. ومثل ذلك في اقتراح الملوك على العلماء تأليف يؤلفونها ما وقع لابن الصفار الأندلسي لما أراد الحكم المستنصر غزو الروم سنة ٣٥٢ فتقدم إليه وكان مشهوراً بالعلم والأدب بالكون في صحبته فاعتذر بضعف في جسمه فقال المستنصر لأحمد بن نصر قل له: إن ضمن لي أن يؤلف في أشعار خلفائنا بالمشرق وبالأندلس مثل كتاب الصولي في أشعار خلفاء بني العباس أعفته من الغزاة فخرج احمد بن نصر إليه بذلك فقال: افعل ذلك يا أمير المؤمنين إن شاء الله قال فقال المستنصر: إن شاء أن يكون تأليفه في منزله فذلك إليه وإن شاء أن يكون في دار الملك المطلة على النهر فذلك له قال: فسأل أن يكون ذلك في دار الملك وقال: أنا رجل مورود في منزلي وانفرادي في دار الملك لهذه الخدمة اقطع لكل شغل فأجيب إلى ذلك وكمل الكتاب في مجلد صالح وخرج به احمد بن نصر إلى الحكم المستنصر فلقيه بالمجلد بطليطلة فسر الحكم به. والله اعلم كم أعطاه مكافأة عن تعبه. قال ابن المعتز في طبقات الشعراء: أجود ما قاله مروان بن أبي حفصة قصيدته الغراء اللامية التي فضل بها على شعراء زمانه يمدح فيها معن بن زائدة الشيباني ويقال انه اخذ منه عليها مالاً كثيراً لا يقدر قدره ولم ينل احد من الشعراء الماضيين ما ناله مروان بشعره فمما ناله ضربة واحدة ثلاثمائة ألف درهم من بعض الخلفاء بسبب بيت واحد ويقرب من ذلك ما ناله أبو الطيب المتنبي من مكارم سيف الدولة بن حمدان فانه اغتنى بشعره ولا اغتناء زولا وروستاند وغيرهما من أدباء الفرنجة لعهدنا. وليس رزق الفتى من فضل حيلته لكن جدود وأرزاق بأقسام كالصيد يحرمه الرامي المجيد وقد يرمي فيحرزه من ليس بالرامي حكا ابن جلجل أن أبا بكر محمد بن زكريا الرازي الطبيب صنف لمنصور بن اسحق ابن احمد بن نوح من ولد بهرام جور صاحب كرمان وخراسان كتاباً في إثبات صناعة الكيمياء وقصده به بغداد (وكان بنو سامان يحبون العلم ويكرمون العلماء) فدفع له الكتاب فأعجبه وشكره عليه وحباه بألف دينار وقال له أردت أن تخرج هذا الذي ذكرته في الكتاب إلى الفعل فقال له الرازي: إن ذلك مما يتمنون له المؤن ويحتاج إلى آلات وعقاقير صحيحة والى إحكام صنعه ذلك كله وكل ذلك كلفة فقال له منصور: كل ما احتجت إليه من الآلات ومما يليق بالصناعة احضره لك كاملاً حتى تخرج ما ضمنته كتابك إلى العمل فلما حقق عليه ذلك كاع من مباشرة ذلك وعجز عن عمله فقال المنصور: وما اعتقدت أن حكيماً يرضى بتخليد الكذب في كتب ينسبها إلى الحكمة يشغل قلوب الناس بها ويتعبهم فيما لا يعود عليهم من ذلك منفعة ثم قال له قد كافأناك على قصدك وتعبك بما صار إليك من الألف دينار ولا بد من معاقبتك على تخليد الكذب فجمل السوط على رأسه ثم أمر أن يضرب بالكتاب على رأسه حتى ينقطع ثم جهزه وسير به إلى بغداد فكان ذلك الضرب سبب نزول الماء في عينيه. هذه أمثلة قليلة مما كانت عليه حالة العلماء والأدباء في عصور ارتقاء العرب على أن الحال لم تكن تخلو من بائسين ومفلوكين (راجع الفلاكة والمفلوكين للدلجي) من العالمين والمتأدبين أما اليوم فان العالم الحقيقي الذي تعزف نفسه عن الدخول في سلك عمال الحكومة كالوظائف العلمية والإدارية والجندية والمالية إما أن يهلك جوعاً أو يتكسب بقلمه ما هو سداد عوز ويرضى بميسور العيش وفي الغالب إن التأليف لا تعول صاحبها ولو مهما جودها وانفق السنين في تصنيفها ولا يرمج لجهل القوم من المصنفات إلا التافه الحقير كبعض القصص والدواوين الشعرية البذيئة وغير ذلك من المعربات فهل يأتي على الأمة العربية يوم يا ترى تكون فيها التأليف ديمقراطية صرفة لا تحتاج إلا إلى إقبال القراء عليها حتى تغني أبا عذرها وترباً بنفسه عن الإسفاف للدنايا طمعاً في المال والنوال فانا في عصر لا يصح أن يعيش العلماء والأدباء مقتراً عليهم فإنهم كلما رزقوا حظاً من الرفاهية المعتدلة تجود تأليفهم وتصوراتهم ويزيد النفع ببنات أفكارهم. في ديار الغرب   نهضة ايطاليا ايطاليا القديمة كنت أحب أن اسطر قبل الآن ما اعرفه وعرفته عن النهضة الايطالية إلا أنني انتطرت ريثما قضيت شهراً في هذه الشبه الجزيرة ورأيتها إجمالاً من جنوبها إلى شمالها وقد اعتمدت فيما اكتب على من وقعت لي معهم تعارف من خاصة الطليان أو ما قرأته بأقلام الطليان بالفرنسية أو ما كتبه الفرنسيين عن الطليان وهو وان لم يكن مجموعاً صحيحاً من كل الوجوه لكنه اقرب إلى الصحة من كثير من الأحكام التي يصدرها صاحبها عفو القريحة وبادئ الرأي. وكنت أود لوسمح لي الزمان بتعلم مبادئ من لغة الطليان الرقيقة لأخاطب العامة كما أخاطب الخاصة بلغتهم نفسها واسمع تصوراتهم والقي عليهم الأسئلة وادرس أحوالهم بالنفس ولكن المدة التي قضيتها لا تكفي لان يتعلم المرء القدر الكافي للتفاهم بهذه اللغة مع قربها جداً من الفرنسية ولولا الخوف من علماء أصول اللغات لقلت أن الايطالية تحريف الفرنسية أو هذه تحريف تلك. ثبت كل الثبوت بعد الرحلة إلى ايطاليا أن مسالة اللغة من أهم المعضلات الاجتماعية التي يصعب حلها إلا بان يتعلم المشتغل بالعلم والتجارة عدة لغات من اللغات الحية كما يفعل الغربيين اليوم وان العامة أيضاً لأغنية لهم عن تعلم مبادئ طفيفة من لغة راقية منتشرة وان من كان يبيع منا أفكاره الصائبة بان الموظف يستطيع أن يحكم في لد لا يفهم لغة أهله وان التاجر يستطيع بواسطة الترجمان أن ينفق سلعته ويربح ويستفيد من كان لم تكن أفكاره أرقى من انفه إذ لم يستند فيها إلى تجارب ولا إلى تاريخ واجتماع. وها نحن نتكلم على نهضة ايطاليا فنقول: قضى مركز ايطاليا الجغرافي أن تكون في الأزمنة القديمة مركزاً عظيماً من مراكز المدينة لتوسطها بين الشرق والغرب وكانت رومية نقطة هذا الاتصال وواسطة هذا العقد منذ قام الرومان الأول واخذوا يدوخون الأمم والشعوب لسلطانهم. ولما وضع الشعب اللاتيني أول جسر على نهر التبر وهو نهر رومية المقدس ومن اكبر انهار ايطاليا أصبحت رومية مطمح الأنظار وصار هذا الجسر الذي كان بناؤه اقرب إلى الفطرة مما يستهوي قلوب شعوب الشمال للإغارة عليه لان منه يخلص المرء إلى ساحل البحر المتوسط على أيسر سبيل. ولما دفع اللاتينيون عن جسرهم غارات الاتروكسين واليونان أصبح مقدساً ومن ملكه كان هو الزعيم بلا مدافع. تمثلت بالقرب من هذا النهر ثلاثة مطالب أساسية للمرء والمجتمع وهي ضمانة الحياة المادية وموافقة الحياة الأدبية والصعود إلى الحياة العقلية بمعنى أن المرء يعيش ويحب ويعرف وان يكون في المجتمع قانون ودين وعلم. قارب الرومان القدماء هذه المظاهر الثلاثة ولكن الحياة المادية كانت أتم عندهم لأنهم محاطون بأعداء إن لم يحاربوهم بالمادة يهلكون لا محالة. وكانت الحياة العقلية في كثير من ادهارهم تامة بالنسبة لتلك الآباء ونظام الأسرة ثابت الدعائم وحب الجندية مغروساً فيهم حتى كان الوالد يقدم ولده للخدمة العسكرية في السادسة عشرة ليعفى منها في السادسة والأربعين وعلى قلة عدد السكان إذ ذاك وهو كما قال المؤرخون ( ١٥٠ ) ألف نسمة في رومية وذلك قبل المسيح بخمسة قرون في ارض ذرعها ٤٥٠ ميلاً مربعاً كان للرومان جيش مؤلف من ثلاثين إلى أربعين ألف نسمة يخرجون بهم من فتح إلى فتح. وكان الرومان إذا فتحوا بلاداً يقبلون في الحال ما يتراءى لهم حسناً من عادات أهلها وصناعاتهم وأسلحتهم وهذا سر وضع القانون الروماني الذي هو ابن الأوضاع الكثيرة وسليل شعوب عدة ألاف في قرون وتعاورته الأيدي بالشرح والتذليل والإنقاص حتى أصبح دليل الحكمة الرومانية بل هو مجلة الحقوق الإنسانية التي لا تتغير. وكانت تلك الحروب الرومانية من مجددات حياتها وحماستها الوطنية حتى لقد قال ليكورك الخطيب الأثيني ليس أحسن عاملاً من الحرب في تقوية الشعب لأنها تعلمه احتقار الأخطار والإخلاص لسلامة غيره ولأسرته ووطنه. ولما تخلص الرومان من السيزيلبيين كاد القرطاجنيون أن يهلكوهم فظفر الرومان بهم وورثت رومية مجد قرطاجية التي سقطت بعد الحروب البونيكية وقضت رومية على انيبال القرطاجني الذي جاء وهددها في عقر دارها وكان فتح الرومان لمصر وكثير من أقطار أسيا ومنها الشام من اكبر دواعي قوتهم فجلبوه به ثروة واعلاقاً نفيسة وكان من أكثر المشوقات للعسكر الذي أخذت رومية تستخدمه بالأجرة إن كان يعطى له شيء من الأنفال والغنائم لا كما كان في القديم يستأثر بها الزعيم أو رب الأسرة. ولما جعلت رومية بلاد اليونان ولاية رومانية أخذت عنها الذوق في الفنون الجميلة وكلما كان الرومان يجابون من كورنت وأثينا أثراً من أثار الهندسة والنقش والجواهر كانت تتربى أذواقهم ولم يكتفوا بالآثار بل جلبوا معها مؤثريها من مثل الخطباء والسفسطائيين من الحكماء فأصبح للخطابة شان مهم في الحياة العامة وصار ملعب الفووم المشهور الباقية إلى اليوم آثاره عكاظ الرومان يخطبون فيه ويتناقشون واخذوا يبعثون بفتيانهم إلى أثينا يتعلمون على حكماء الوقت إذ ذاك ما ينفعهم ثم هاجر كثير من العلماء الاثنين إلى رومية وانشئوا يعلمون كل طالب وبلغت النهضة أشدها على عهد الإمبراطور أغسطس وسقطت بعده بقليل شان أكثر مدنيات العصور السالفة كانت من عمل حاكم أو أمير أو بضعة حكام ثم يتناسى الأمر ويزهد فيه. جاءت أزمان ادخل فيها اليونان على الرومان أموراً أضعفت من سلطة الوالد على أولاده وتركت الحياة الجندية وأخذت الشبه والشكوك تسري إلى العقول وكثرت الموبقات بكثرة الرفاهية فكان بذلك انهيار ذاك البناء وخراب العالم الروماني فقضي على رومية وذهبت تلك المدينة كما ضعفت في النفوس آثار الوثنية واخذ الاضطراب يدخل في نظام تلك الحضارة ويبعثرها وكثر الانتحار واليأس من الحياة ومن لم يحبوا الانتحار يؤثرون العزلة وسرى اليأس من الطبقة الممتازة والأغنياء إلى البائسين والخدمة ولما كانت الحال على ذلك والنفوس تضيق من هذه المظاهر جاءت النصرانية على أنقاض المدينة الرومانية وكان لها من النساء اكبر عون على الانتشار فرأى فيها من دانوا بها عزاء لهم وسلوى. والدين وازع قوي في الدنيا والآخرة. اضطهد القائمون بالدعوة الدينية أيضاً أمثال نيرون يظلم ولا يبقي على احد وبينما كان يحرق المتنصرين أحياء ليضيء بهم حدائق الفاتيكان كنت ترى أولئك المتنصرين يذهبون إلى الحرق باسمين لاعتقادهم بان في العالم الآخرة حياة سامية لا يخيب من قضى في سبيلها. وكلما كانت الشدة تنال أولئك المضطهدين كنت ترى أشباههم يكثرون. وكان النزاع بين الإمبراطورية الرومانية والدين المسيحي من أعظم ما ذكره التاريخ حتى دان الإمبراطور قسطنطين بالدين الجديد فكان من انتشار الدين بعد الوثنية منافع مهمة في البلاد خصوصاً والدين اخذ يوافق ميول المتدينين به وحاجاتهم. توطد أمر ايطاليا بعد ذلك وأخذت تقطع أشواطاً في سبيل جمع شملها وتتناسى ما نالها في سبيل انتشار النصرانية التي عمت ايطاليا. وبينا الأمر على ذلك كان برابرة الشمال يتجمعون ليغزوا ايطاليا للاستفادة من مادياتها وقد أهلكهم الجوع ولم يكن لرومية طاقة بدفعهم فجاءوا يغشون العالم المتمدن ولكن من أولئك البرابرة من لم يلبثوا أن دانوا بالدين الجديد وتطوعوا بالدعوة إليه في القاصية بيد أنهم لنقص فيهم حرفوا ما تلقنوه ولم يعملوا بتعاليمه فاتوا مظالم كثيرة حتى اضطر الباباوات أن يجعلوا لهم سلطة مدنية فعمدوا إلى القوة علماً منهم بان سلطان الروح لا يؤثر كثيراً إن لم يكن وراءه سلطان القوة. وهذا كان مبدأ مزج الدين بالسياسة خصوصاً على عهد شارلمان وليون الثالث وهما الملكان اللذان حاولا هذا المزج وحرصاً عليه ثم كثرت البدع والإلحاد وقاومها الباباوات بالشدة وان جاء من هؤلاء أنفسهم من لم تحمد سيرتهم أحياناً. ولقد كانت ايطاليا خلال القرون الوسطى ميدان العراك بين الباباوية والإمبراطورية فنتج عن ذلك تمازج بين العناصر المختلفة في الغرب ثم جاءت الحروب الصليبية على الشرق وكان الدافع إليها دينيا ثم انتهت بالماديات وبعد ألف سنة للمسيح حدثت حوادث غيرت معالم العالم الغربي وكانت الدواعي إلى الحماسة الدينية حب الظهور والإتيان بالغرائب ولاسيما في نفوس العامة والزعماء من الأمراء. ولكن حرب المسلمين قرنين باستعادة الأرض المقدسة لم ينتج منه إلا أن جمهوريات ايطاليا أصبح لها مكاتب تجارية على شواطئ البحر المتوسط وباختلاط ايطاليا بل أوروبا بالمدينة الشرقية البديعة عاد إلى الغرب شيء من الحياة أصيبت به الصناعة والآداب وكان اثر الحروب الصليبية في ايطاليا اثر تقاليد اليونان المغلوبين على أمرهم في مدينة روميا. ايطاليا في القرون الوسطى جاء عهدان على روميا طمحت فيهما إلى أن تحكم العالم فالأول على عهد عظمة قياصرة الرومان وقد تم لها ذلك بعض الشيء والثاني على عهد التحمس الديني وبلوغ سلطة الباباوات حدها. وكان من اثر الحروب الصليبية ورؤية القوم للفنون القديمة البيزنطية والمغربية أن تمت لهم مقدمات النهضة الأولى. ثم إن المقاطعات تحررت من سلطة من كانوا يرهقونها من أمرها عسرا فأخذت تتنافس في إقامة الأبراج وتحب كل منها أن تكون كنيستها أوسع وأكثر بهجة واغني وخطيبها أشهر ومتفنن أشهر. وأنشأت تبحث عن الرجل الذي يكون اقدر من غيره على التغني بأمجادها في أشعاره وتعظيم أعمالها الصناعية وبدائع النقش والرسم. وبفضل هذه المباراة اغتنت المدن والقرى من معاهد البديعة فكنت ترى الكنائس الكاتدرائية في كل مكان تناطح الجوزاء والقصور تسمو من الأرض إلى الأجواء. وانتشر في شبه جزيرة ايطاليا ميل حقيقي للجمال فحدث منه ازدهار الفنون التي لم تزل تيهرنا إلى اليوم فكان هذا العهد مناسبا لتكوين أعاظم الرجال ليستطيعوا أن يحثوا أعمالا غريبة باقية وكان للقديسة كاترين ديسين والقديس توما دي أكيك والقديس فرانسوا داسيز في القرنين الثالث عشر والرابع عشر اثر يذكر في السياسة والعلم فكانت هذه النهضة الايطالية الأولى متشبعة بالفكر الديني إلا أنها كانت تحوي في مطاويها بذورا انبتت بعد النهضة الثانية. وقام على الأثر الشاعر دانتي الايطالي واضع أساس اللغة الايطالية الحديثة واخذ ينادي في شعره ونثره بفصل السلطتين المدنية عن الدينية. ينطق في ذلك بلسان طبقة كبيرة في عصره فلم يكد يصرخ صرخاته حتى جاوبه على الأثر أرباب الأفكار الحديثة ممن اخذوا ينزعون ربقة الدين بل ينحون على جوهره. وكان في هذا القرن أناس من أرباب الفنون الجميلة يؤمنون بما يصورون ويريدون به خدمة الدين ومنهم من كانوا يصورون وينقشون حبا بالمجد والشرف والمال خصوصا وهم يرون كم كانت أسرة ميدسيس إذ ذاك تغدق الهبات على أرباب تلك الصنائع. حتى لقد قيل أن رافاييل المصور رفض انيكون بابا واثر العمل بالتصوير. وهذا العصر يسمونه بعصر ليون العاشر الذي كان من أكرم الباباوات وأكثرهم علما وعصره كعصر أغسطس قام فيه أرباب الأفكار الحديثة واخذوا يشرون من طرف خفي بتحكيم العقل في المسائل فأصبح أهل العلم والأدب مرغوبا فيهم أكثر مما يرغب في الأمراء. وساعدهم اختراع الطباعة إذ ذاك فاخذوا يبثون أفكارهم في روح القوم على صور مختلفة حتى غدا أمثال بوج وفيللف وارتين الحاكمين المتحكمين بالافكار في عصرهم يصرفونها كما يشاءون. في ذاك العهد أيضا نشا للطليان أمثال المؤلف لورانزو فالا فخدم الآداب والتاريخ والخطابة والفلسفة خدما تذكر له على الدهر ومثله جيوردانوبرنو الذي احرق بأفكاره الفلسفية وكان عالما كاتبا مؤثرا وبينا كانت الأفكار تتمخض على هذه الصورة قامت حركة الإصلاح الديني في القرن السادس عشر ومنشئها من بيع الغفرانات واستئثار الباباوات بالسلطة المركزية يريدون أن يتم كل شيء في رومية في الأمر الدينية والملوك يريدون من حيث السياسة أن ينزعوا هذا العبء الثقيل عنهم والتخفيف من وطأة الارتباط بالمقام البابوي والفلاسفة والأدباء يريدون أن يحرروا العقل من قيوده وكلما كان المجتمع يدخل في طور الكمال كانت الحالة تستدعي تقسيما اكبر في العمل وتوجيه المناحي وجهاتها حتى أن أكثر من واحد من المتدينين جدا قد طلبوا التفريق بين السلطتين وبعد شؤون وشجون انفصلت ألمانيا وانجلترا عن روميا. كان العلم في أواخر القرن السادس عشر قليلا وقام أمثال غاليلة الذي قال بدوران الشمس حول الأرض فوذي لما نادى باراه العلمية وأن التجربة هي الشرط الضروري في تحقيق المسائل العلمية وقد طبق ليونارد في عقله العجيب هذا الأسلوب على جميع المسائل المبحوث فيها واخذ مكيافيللي واضع فن سياسة الخداع يتشبع بها في كتبه السياسية وكما كان الشاعر دانتي يطالب بضرورة فصل السلطة المادية عن الدينية كان العالم غليلة يثبت بان العالم العلمي يجب أن يكون منفصلا ومستقلا على الاعتقاد الديني وهكذا لم يبرح غاليلة يؤكد مع شدة احترامه للدين أن العلم أمران مختلفان ليس بينهما تناقض ولا ارتباط. ويرى أن الكنيسة هي الحاكمة في المسائل الدينية وليس لها أجنى سلطة في المسائل العلمية وينبغي لها أن تحاذر من الحكم في مسائل هي غريبة عنها تماما. رأت الكنيسة بعد عصر دانتي أن تحافظ على كيانها الأساسي بالقوة وأرادت ابعث غاليلة أن تحافظ على كيانها العلمي بالتعليم خصوصا يعد أن شاهدت النتائج التي تمت على أيدي اليسوعيين باتخاذهم العلم آلة للدين. واتحدت الكنيسة مع الأمراء وأخذت تلقم الناس الطاعة والخضوع فلم تحدث بعد ذلك ثورات وامن الناس ولكن ظهر بعد قرنين من انتشار الإصلاح الديني بقيام لوثيروس ونزع ألمانيا وانجلترا من الكنيسة الكاثوليكية أن الانحطاط اخذ يبدو على الشعوب التي ظلت كاثوليكية على اختلاف في عناصرهم ومناخ بلادهم وأحوالهم الاجتماعية والسياسية وذلك لان التعليم كان محدودا عند هؤلاء الشعوب ومقصورا على بعض الطبقات والعدل فيه شدة وضعف والطاعة أبدا يرغب فيه فقلت في هذه الشعوب القوة المبدعة على أن الرفاه المادي كان مضمونا بما انشأ فيها من المعاهد الخيرية ولكن كل ذلك لم يخرج الشعب عن حالة التنبيت والتراجع. وعلى عهد مل هذه الإدارة ينزل ميزان العقل من كل وجه فقد أمست الصناعات والآداب والعلوم لا ترتقي إلا ببطء حتى أن الشاعر كيودي المتوفى سنة ١٧١٢ من أعظم شعراء ذاك القرن كان يتغنى بمدح عصره معرضا بالجفاء البربري الذي كان يشاهد من خلال إهمال قبائل رومية القديمة الذين لم يكونوا يحلمون إلا بفتح العالم. ومن حسن الحظ أن ايطاليا لم تعد في ذلك الدور أناسا ينهضون هنا وهناك يثيرون العواطف وينادون قومهم بان ما هم فيه باطل لا بد له من التجديد وان هذا العالم ليس عالم الأموات. فقام بتروميكا بالدفاع عن تورينو وقام فيليكايا يتغنى باغانيه الحربية لينبه سكان هذه الشبه الجزيرة المتخدرة ونهض الأمير اوجين دي سافوا يحمل أمجاد الحرب والسياسة واخذ كاريا يقيم الحجة على فظائع المحاكم وقام غيره بأعمال كثيرة نبهوا فيها العقول من رقادها ما أمكن. ايطاليا في القرن الحديثة بينا كانت ايطاليا غارقة في هذا السبات كانت أفكار غاليلة قد وصلت إلى انكلترا فتلقاها الفيلسوف باكون وعادت إلى ايطاليا منعكسة من طريق فرنسا في كتابات الفيلسوف ديدو وأخذت السلطة الدينية تضعف أمام حقوق العقل وجاء انتشار دائرة المعارف سنة ( ١٧٥١ _ ١٧٧٢ ) فاحدث حركة في أهل الطبقة المستنيرة وساعد فيها أهل الطبقة الوسطى من لفرنسيس أملين أن يروا منها سلاحا يحاربون به رجال الكهنوت والإشراف إما العامة فقد استعملوها واسطة للإرهاب. وقد كفت فرنسا ثلاثون سنة حتى تأتي أفكار دائرة المعارف بعملها في التخريب وذلك لان فرنسا كانت مستعدة أكثر من كل امة لقبولها لان السلطة كانت فيها على اشد ما تكون ثم أن صلاتها مع الشعوب البروتستانتية كانت مستحكمة العرى أكثر من غيرها. فكانت ألفاظ الحرية المساواة الإخاء يؤثر السياسية. الأعظم من القوم فتدفعهم إلى الإعمال الخارقة في باب الرجولية ولما ظفرت جيوش الفاتحين من لفرنسيس بفتح شبه جزيرة ايطاليا ١٧٩٦ كانت حالة الأفكار في فرنسا مخالفة كل المخالفة لحالتها في ايطاليا ففي الأولى مضاء واعتماد على النفس وفي الثانية ضعف وخضوع ولذلك كان الأمراء يهزمون من وجه الجيوش الفرنسية على صورة بشعة بل ربما ركبوا عار الفرار قبل أن تحتل بلادهم فلما استحكمت سلطة لفرنسيس في ايطاليا قلبوا كثيرا من أوضاعها باسم الحرية ووضعوا لها القانون الفرنسي لايطاليا في أوائل القرن التاسع عشر قد نبهها من ثباتها العميق وحدا بها أن تعقد مع سائر أوروبا الممدنة علائق ولم يفهم العامة من الطليان ما يراد بهم فكانوا يساقون كالأنعام ولكن الطبقة المستنيرة ورجال الإعمال بعثت هممها حالة لفرنسيس فأخذت تدرك أماكن إعادة الوطن وتأليف شمله المبدد وتبحث عن الطرق لتحقيق هذه الأمنية فلم تمض على ذلك خمسون سنة حتى أثمر جهاد أرباب الأفكار تأليف الوحدة الايطالية الحديثة. وحدة قوامها المساواة أمام القانون ومنح الحرية السياسية. عاد رجال السياسة في مؤتمر فينا خريطة أوربا إلى ما كانت عليه قبل سنة ١٧٨٩ وعاد الباباوات والملوك والدوجات والأمراء إلى سابق أمجادهم تحميهم الحراب الأجنبية ولكن استحال الرجوع إلى الحالة الأصلية لان رجال الشعور الخارق للعادة ومن تؤهلهم الجاذبية العقلية الشديدة إلى أن يتحرروا من الوراثة والمحيط قد عدلوا في وجهة الأفكار وجددوا ميدان أعمالهم فكان الشعراء وأساتذة الكليات والقس والإشراف المتعلمون في مقدمة مكن تبدلت عقولهم بتأثير الحوادث وما تم لفرنسا من المجد قد افهمهم معنى الجمال الذي ينطوي في مدارج القوة. وتراجع الإيمان بالحق الإلهي وعادت الفلسفة فتأثرت بتأثيرات المجددين وضربت معتقد الكنيسة الرومانية ضربة قاسية وتحمس الأذكياء وأرباب القلوب لفكرة أن وطنهم سيستعيد بهائه ويعود عظيم جميل فاخذوا يعملون بمضاء وحماسة تدعوا كل من اطلع على أعمالهم أن يحترمهم ويمجدهم. وكثر تجدد الطبقات من الشعراء أخذت على عاتقها أن تنبه بلسان الشعار والحانة الرخيمة شعبا متناغما منذ قرون فتناول الشاعر جيو ستي صوت الهباء الذي سقط من يد باريني واخذ يضرب به وتحمس الشعراء بلاليكو ومانزوني ونيكوليني حماسة الفيري المفجعة. وساعدت قصائد فوسكولو واغاني برشت الوطنية على هذا النشور. بيد أن الدعوة الأدبية لا تستطيع أن تعمل إلا في الأفكار المستنيرة وادلو قليلا فاخذ الأشراف والطبقة الوسطى من الأحرار يدركون ضرورة نشر هذه الحركة بين العامة فانشئوا يدخلون التعليم إلى القرى. وكان تكثير سواد القائلين بفكر التجدد وضم الشمل في المدن قد تسهلت أسبابه بارتقاء مستوى العقل في الشعب واستعداده لقبول الجديد ولكن بث الدعوة كان خطرة ولطالما أعار بعض الكتيبين مؤخرة حوانيتهم لعقد الاجتماعات ليتهامس فيها المتهامسون بأفكارهم وإعمالهم وأحلامهم في المستقبل ونهضة البلاد. ثلاثة عوامل أعانت على تخمير هذه الثورة الجديدة وتنمية بذورها كبار الضباط والموظفين على عهد نابليون والجمعيات السرية ورجال الشرطة ومعظمهم كانوا دخلوا في الجمعية الماثونية فتعلموا فيها أساليب الاجتماع وجمع الشمل وحب النظام وبالنظر لحالة البلاد إذ ذاك لم يتأتى أن تنعش من سقطتها إلا بجمعية سرية وذلك لما عرى الأخلاق من انحلال وضعف ولقلة عدد أرباب الشخصيات الراقية فكثرت الجمعيات السرية من اجل ذلك في البلاد كلها وكان أشياعا بإكثار أولا بالكليات فدخل فيها أبناء الطبقة الوسطى وكثير من أبناء الأسر الكبرى وجماع الإسرائيليين وكان أكثر الداخلين مدفوعين إلى ذلك بعامل المنفعة الشخصية الممكنة وكلهم يرمون إلى جمع شمل الوطن. كان للإسرائيليين في هذه الحركة الكعب المعلى فإنهم وان كانوا في ايطاليا اقل حيفا من حيث مادياتهم خلافا لما كانوا عليه في سائر أوروبا لكنهم كانوا خاضعين لقانون يحرمهم من الوصول إلى المناصب التي يؤهلهم إليها ذكاؤهم وثباتهم المتواصل على العمل ولقد علمهم احتقار الناس لهم فضائل تجرد منها ظالموهم فكانوا محتقرين وسذجا في الصورة الظاهرة ويتذكرون أحيانا شيئا من الخير الذي نالهم ولكنهم لا ينسون على الدوام العار وهم على ثباتهم وحسابهم للعواقب قد أصبحوا متضامنين بداعي مقاومتهم للعدو المشترك يكتمون أمرهم ويسرون ما يجول في قلوبهم وهم قد اثروا إثراء مهما فكانت منهم قوة لا تعادلها قوة لمقاومة نظام سياسي تكرهه نفوسهم. فلم يكونوا يعتقدون في وحدة ايطاليا قلب الأوضاع التي طالما قاسوا منها الأمرين بل كانوا يرون فيها صورة من صور الانتقام من انكلترا المسيحية في رومية الباباوات ولذا يمكن أن يقال في ذلك العهد أن جميع الماسون في ايطاليا لم يكونوا كلهم إسرائيليين فان جميع الإسرائيليين كانوا ماسوناً وإذ كانت القوانين والعادات تبعدهم عن الحياة العسكرية فقدوا الشجاعة التي تورثها صناعة حمل السلاح فكانت معاونة الإسرائيليين ما عدا بعض الشواذ مالية أكثر منها شخصية وعظمت معاونتهم المالية في هذا السبيل حتى أن الحكومة المؤقتة في ميلان بالنظر لما ادروا عليها الإسرائيليون من المال بعد مغادرة النمساويين للبلاد قد شكرتهم على إعاناتهم الكريمة في سبيل الحرية. وما كان القسيسين غرباء عن هذه الحركة فان أول من صاح ايطاليا واحدة وحرة كان قساً فمات في هذا السبيل وأخر من قضى في هذا المقصد هو قسيس أيضا كان في صحابة إسرائيلي. وكان هذا شأن جميع المستنيرين من عامة طبقات ايطاليا يريدون أن يحيوا وطنهم ولا يبقوه ارض الأموات. وما صادقته هذه الدعوة من العواطف في طبقة رجال الدين لا يعجب منها إذا علم أن البابا يبوس السابع كتب إلى الكونت بورو بمناسبة أعضاء جمعية الكاربوناري الثورية: أنهم يحبون ايطاليا وأنا أحبها مثلهم وكذلك كان الأشراف الذين لم تكن لهم مناصب تشغلهم في الحكومة وأقصاهم الملوك عن قربهم فإنهم شاركوا في الحركة الجديدة حق المشاركة. قلنا الكاربوناري وهي جمعية اشتقت من الجمعية الماسونية وأعضاؤها من الجند والضباط على عهد نابليون فقامت منذ سنة ١٨٢٠ بثورات عسكرية في مملكة نابولي أولا ثم في معظم إمارات ايطاليا ولكن قلة عدد أعضائها وفقدان المرددين لأعمالها غادرت حركاتها قاصرة. ولما قام مازيني الكاتب الذي كان متأثرا يرمي إلى إنهاض ايطاليا وجد أنصارا وأعوانا وان كان العيب الوحيد انه كان يتعجل قطف الثمرة قبل نضوجها. ويضيق المجال إذا أردنا إحصاء من دعوا إلى هذه الوحدة ومنهم الراهب فنسانزو جيوبرتي الذي اغضب الكنيسة بعمله فقضى أخر أيام حياته شريدا في باريس لأنه قال بضرورة فصل السلطة المدنية عن السلطة الدينية ومنافع ذلك للسياسة والأخلاق. وكانت نيران الثورة تشتعل تارة وتخمد أخرى فيظن أن البلاد عادت إلى حالتها من الأمن والطمأنينة ثم لا تلبث فوهة البركان أن تقذف حممها وقد انفجرت لأخر مرة يوم قامت فرنسا وقلبت الملكية ونادت بالجمهورية وأخذت تهتز أعصاب أوربا فتحركت ايطاليا من أقصاها كأنها متأثرة بمجرى كهربائي فقامت قيام الرجل الواحد من بلاد الألب إلى صقلية أي من الشمال إلى الجنوب وظهر أن الملوك تظاهروا بالاشتراك بالحركة والبابا كذلك وان شئت فقل انه كان أكثر من غيره وتنازل عن سلطتهم المطلقة ومنحوا دساتير لشعوبهم والكل يريدون أولا طرد النمساويين من البلاد التي كانوا احتلوها. ولقد تمثلت الثورة العامة في سنة ١٨٤٨ في جميع الطبقة الوسطى لمناهضة السلطة المطلقة فصادقت أولا عطفاً من البابا فلما تحقق مقاصدها مزقت الدساتير المعطاة وأعيدت البلاد إلى نظامها السابق فلم يثبت من ولايات شبه الجزيرة سوى البيمون وكان لها فقط جيش يحسن الكر والفر وله نظام بزعامة الملك الجديد فيكتور عمانوئيل الثاني وما كانت المهمة التي انتدب إليها هذا الملك بالأمر السهل بل كانت تحتاج إلى سلاح ماض وطرق مواصلات منظمة ومعارف منتشرة وضم شمل أحرار الطليان وتهدئة الكاثوليك وهم كثار متحمسون في إقليم البيمون وإقناع أوربا التي لا تصدق أو هي معادية لهذا الفكر واتخاذ أنصار من حكومات أوربا ليفتوا في عضد العدو العظيم. كل هذا ولا مال لتلك المملكة الصغرى وهي مدينة بمليارين من الفرنكات هذا المركز من أحرج المراكز ولحل مشاكله يجب له نابغة من الرجال وهذا الرجل الذي تهيأ له هو كافور. قام هذا السياسي العظيم العظيم وعرف بما خص به من حسن لانتفاع أن يستخدم أمثال غاريبالدي ومازيني للمقصد الذي ترمي إليه فكانا يريدان المناداة بالجمهورية لا بالملكية. ومن دهاء الرجل انه بعث من إقليم البيمون جنداً إلى الحرب القريم يعاون الدول الأوربية التي عاونت الدولة العلية إذ ذاك فعد العالم عمله خرقا في الرأي على الأمة صغيرة فقيرة مثقلة بالديون ولكن هذه المناداة هيأت لايطاليا بل لمملكة البيمون مركزاً بين الدول وصار لها الحق أن تبعث بمن يمثلها في مؤتمر باريس. ولا عجب فالإعمال بمقاصدها ونتائجها. أتم النابغة كل ما كان يظن انه مستحيل ولا يعرف اليوم مذا كانت الحال ايطاليا لولا قيام هذا الرجل. وقد جبر بدهائه ما بدر من الضعف في الجمعيات السرية التي اندمجت في جمعية جيوفاني لان عملها لم يؤد إلا إلى فظائع فقام كافور يربط بحكمته القلوب حول عرش صاحب بيمون وغدت أسرة سافوا محط رحال الآمال وساعد أن كان الإمبراطور نابليون الثالث الفرنساوي من أعضاء جمعية الكارتوني منذ صباه فاضطر إلى مساعدة ايطاليا ولما أيقن الملك فيكتور عمانوئيل بمعاضدة الجيش الفرنسي نهض بالعمل بصورة أفخم وأعظم وأعلن الحرب على النمسا وقد قال لوزرائه عندما وقع على إعلان الحرب أني سأكون بعد عشرة أشهر ملك ايطاليا والمسيو سافوا. ظفرت الجيوش الفرنسية في مونتبولو وبالسترو وماجنتا وسولفيرينو وبموجب معاهدة زوريخ تركت لومبارديا المملكة البيمون وقامت طوسقانة رويدا رويدا على دوجها الكبير وأعلنت انضمامها إلى البيمون. ونزل غار يبالدي إلى صقلية وتآخى مع سكانها وكانوا مربوطين بعهود الإخاء من قبل مع جمعية مازيني السرية ثم اجتاز المضيق ودخل ظافراً إلى نابل وكاد يزحف على رومية ليفتحها وبعد أيام أعلنت جزيرتا صقلية انضمامها إلى الوحدة الايطالية وفي ١٨ شباط ١٨٦١ اجتمع البرلمان في تورينو ونادى بالملك فيكتور عمانوئيل الثاني ملكا على ايطاليا وتوفي كافور بعد بضعة أسابيع كأنه انتظر حتى أتم عمله المجيد مخلفاً لقومه شعاره الكنيسة الحرة في المملكة الحرة. وبقيت البندقية ورومية فقط لم تفتحا فقام أخلاف كافور وعقدوا مع بروسيا فاخذوا البندقية وسمح استدعاء الجنود الفرنسيين من ايطاليا سنة ١٨٧٠ للجيش الايطالي أن يدخل ظافراً إلى رومية مقاتلاً جيش البابا الذي قاوم بعض المقاومة ولكن ما حيلته أمام هذا التيار العظيم وإرادة الأمة في نزع السلطة المدنية من يد صاحب السلطة الدينية فحصرت سلطة البابا بعد ذلك في دائرة معينة لا تتعدى حد السلطة الروحية ايطاليا بعد الوحدة ها قد القينا نظرة مجملة على ماضي ايطاليا وأصول مدينتها وأمجادها ودرس الماضي عون على فهم الحاضر. ولقد ترك كل دور دخلت فيه البلاد طابعا في صورة ايطاليا الحديثة كما أثرت فيها المؤثرات الجوية والجغرافية والعنصرية ولم تقوم التربية إلا على تغيير قليل فيها ونشأت مؤثرات أخرى نفعت في نهوضها كل النفع وهي سرعة المواصلات وكثرة التنقل والصلات المتواصلة مع الأمم الأخرى وغير ذلك وبعد أن صرفت ايطاليا كل جهادها الماضي إلى سنة ١٨٧٠ في تكوين الوحدة الايطالية وإلغاء الامتيازات الأشراف ورجال الدين وتأسيس ملكية ديمقراطية وجب عليها أن تنظم هذه القوة فاختارت القانون الأساسي الذي كان معمول به في إقليم البيمون مع بعض تعديل أخذته عن القانون الفرنسي. ولقد حق على القائمين بهذه الوحدة من أهل الطبقة الوسطى وأبناء إشراف من الدرجة الثانية والإسرائيليين والماسونيين والبيمونيتيين وكل من وجدوا مصلحته في قيام هذه الوحدة أن يرعوها فلم يجدوا أمامهم إلا العامة يتقوون بهم فانشئوا لهم مسائل الاشتراكية والنقابات الصناعية واعديهم فيها بوعود خلابة اقلها أن الجمهور يعيش بدون أن يعمل وكل ذلك بمناهضة الأشراف ورجال الكهنوت ففقدت طبقة الأشراف كل موازنة ولم تبقى لها تلك المكانة المعروفة لها قديما إما رجال الدين فاحتفظوا بمراكزهم وذلك لأنهم يمثلون شيئا لا يبرح حيا في نفوس الشعب ولان لهم قانون يضم شملهم. التفتت الحكومة بعد الوحدة إلى تنظيم الجيش وكانت الفكر الحربي مفقودا من معظم طبقات الشعب فما برحت تزيد فيه وكان عدده على عهد أوائل الوحدة مئة ألف نسمة وأصبح ألان خمسمائة ألف نسمة منظم مدرب حين السلم وثلاثة ملايين وخمسمائة ألف جندي زمن الحرب يدخلوا فيهم البوليس وكل ايطالي بلغ سن العشرين يدخلوا الجندية فيخدموا فيها ثلاث سنين ويكاد السكر لا يعرف في الجيش وضباط يقومون على تدريب الجندي بإخلاص ويلقنوهم الفضائل الحربية ولذلك ترى مجلس النواب الايطالي يمنح ميزانية الحربية وهي ٣٦٤ مليون فرنك كل سنة دون أن ينظر فيها ثقة منه بأنها تصرف في سبيلها على أبناء الأمة. ومما يعمل لنفع الجندي بأنهم انشئوا بالقرب من بعض الثكنة في البلاد دروسا زراعية عملية يتعلموا فيها العسكر مدة خدمتهم ما ينفعكم من التعليم العسكري إذا رجعوا إلى قراهم من العمليات الزراعية. إما البحرية وميزانيتها ١٨٦ مليون فيمكن أن يقال على الجملة أن ايطاليا لما تكونت لم يكن فيها اثر في القوة البحرية فأخذت منذ سنة ١٨٧٣ تنظم بل توجد بحريتها ليكون لها شان في البحر المتوسط والبحر الادرياتيكي ورجال البحرية الذين يتخرجون من مدرسة ليفورنا يبدون كل إخلاص في تخريج الجند البحري. وهكذا تعمل ايطاليا على تحسين بريتها وبحريتها لتستطيع بذلك أن تجد موردا لامتها التي يكثر نسلها وتريد أن تجد لها مرتزقا في الأرض ولاسيما بعد أن طلبت بعض الحكومات التي تكثر مهاجرة الطليان إلى أرضها أن يحمي العملة من غير الطليان الحماية الكافية التي تخولهم عدم منافسة العامل الايطالي وان ايطاليا المضطرة بحكم الطبيعة أن تكون امة بحرية من الدرجة الأولى لان شطوطها على البحر المتوسط تبلغ ٦٠٠٠ كم على حين ليس لفرنسا سوى ٦٠٠ . وتناسل السكان وتناسل السكان والخوف من إغلاق أميركا ذات يوم في وجه المهاجر الايطالي دعا ايطاليا إلى إن تفكر في فتح طرابلس وبرقة حيث يجد أبنائها ولا سيما في الجنوب مناخا يشبه مناخ بلادهم ويكونون على مقربة من أرضهم أو مسقط رؤوسهم مما دعاهم إلى الغارة على شمال إفريقيا ذكرى إن أجدادهم الرومان فتحوا تلك البلاد واستعمروها أيام عزهم قد كلفت هذه الحرب ٩٢٧ مليون فرنك. ربما كان الإيطاليون من الأمم الأوربية حبا بالهجرة ذلك لان بعض الجنود من بلادهم فقير بزراعته لأنك لا تجد في ايطاليا طبقة وسطى على الأغلب فإما الفقير معدم يولد له كل سنة ولا يجد في أرضه من الموارد الاقتصادية ما يقوم بعيشه أو غني كبير وهم قلائل ولذلك لم يبق إمام الإيطاليين إلا الهجرة فقد كان عددهم سنة ١٨٦١ أي بعد الوحدة بقليل ٢١ مليون وهم اليوم ٣٥ مليون بحسب الإحصاء الأخير دع الطليان المنبثين في أقطار العالم وعدد سكان من يقطنون في كل كيلو متر مربع ١٢٢ ساكنا أي أكثر من معدل السكان في ألمانيا وفرنسا ولا يفوق ايطاليا كثرة عدد السكان بالنسبة لمساحة الأرض من الممالك الأوربية إلا البلجيك وانكلترا وبلاد القاع (هولندا). وأكثر المهاجرين يهاجرون هجرة مؤقتة وقلائل منهم من يهاجرون هجرة قطعية بل إن المهاجرين من يقضون الشتاء في أمريكا ويأتون في الصيف يحصدون أرضهم ويقطفون ثمرات أشجارهم ولولا النقد الذي يحمله أولئك المهاجرون من أميركا يضعونه في المصارف وصناديق التوفير ربطت حركة ايطاليا الاقتصادية لان النقد قليل فيها حتى تضطر الحكومة بل الأمة إن تجري أكثر معاملتها بالورق ولا تكاد تجد الذهب إلا نادرا. وقد بلغ من هاجروا ايطاليا من أبنائها في الشهور التسعة الأولى من هذه السنة ٣٢٥ ، ٣٣٥ مهاجرا ولا يقل عدد المهاجرين كل سنة عن ٥٠٠ الف ومنهم من يهاجرون إلى البلاد المجاورة ولا سيما جنوبي فرنسا ومنهم إلى أمريكا. والعامل الايطالي قنوع للغاية يقتصد جانبا من هجرته ومنهم من يعودون برؤوس أموال إلى بلادهم المتعلقون بحبها فالعامل الإيطالي يقبض دولارا ونصف في الولايات المتحدة فيصرف النصف دولار ويقتصد الباقي حتى إذا عاد إلى قريته تحدثه نفسه إن يبتاع له أرضا يبني فيها سكنه لذلك ارتفعت أسعار الأراضي في القرى أكثر من ارتفاعها في المدن الكبرى ولا سيما بعد ناشات جمعيات ومكاتب للمهاجرين ومنها ما أسسته الحكومة ومنها ما أسسه الإفراد لتسهيل المهاجرة ووقاية المهاجر من التلاعب به. وليس لايطاليا من المستعمرات ما عدا طرابلس وبرقة غير اريتريا وبنادر والصومال الايطالية وهي مجاورة فيهما لفرنسا وانكلترا وايطاليا جاءت إلى عالم الاستعمار بعد وحدتها وقد تقاسمت أوربا مغانم إفريقيا واسيا وتوزعت ممالكها بينها. احتاجت ايطاليا بعد وحدتها وتأليف هذا الجيش الضخم البحرية القوية إلى موارد كثيرة فالتفتت فلم ترى أحسن موردا من الزراعة وثلث الايطاليين يعملون بها في ارض مزروعة تقدر بنحو ٢٠ مليون هكتار تخرج سنويا ١٠٠ مليون هيكتولتر من الحبوب حنطة وذرة وارزأ و ٤٠ مليون هيكتولتر من الخمور و ١٠ ملايين قنطار من الزيت والثمار. دع إعمال الألبان وتربية الحيوانات والحرير الخام وغيرها من الموارد التي تعد في جملة الزراعة يبلغ مجموع قيمتها نحو خمس مليارات فرنك كل سنة وزراعة الشمال راقية على الطرز الحديث قد أدهشنا ما رأيناه من بدائع في ضواحي فلورنسا وضواحي بولونيا ذلك لان إقليم طوسقانة وعاصمته فلورنسا عامر منذ القديم وهو مقر أمجاد الطليان وكذلك حال العمران من سفح جبال الألب إلى طوسقانة فان أرضها حدائق غناء وهذه البلاد الشمالية تختلط كثيرا بالأمم الراقية المجاورة لها مثل السويسريين والفرنسيين إما سكان الجنوب ولا سيما في صقلية وسردينيا وغيرها من الأقاليم الجنوبية فان المناخ مؤثر في أخلاق أهلها وليس لهم نشاط سكان الشمال ولا معارفهم وسكان الجنوب أشبه بالأمم الشرقية النازلة على الشواطئ البحر المتوسط وصناعة ايطاليا وتجارتها راقية على نسبة زراعتها فقد كان لهذه المملكة سنة ١٨٦٠ - ٢١٩٨ كم من الخطوط الحديدية فبلغت سنة ١٩٠٩ - ١٨٠٠٠ كم يضاف إليها ٥٠٠٠ كم من الترامويات والاتوبوس. وكانت الطرق العادية على عهد الوحدة ٤٨٠٠٠ كم فتجاوزت اليوم ١٤٠٠٠٠ وكان لايطاليا سنة ١٨٦٢ - ٥٧ سفينة بخارية تجارية تحمل ١٠ ، ٢٢٨ طنا و ٩ ، ٣٥٦ سفينة شراعية تحمل ٦٤٣ ، ٩٩٦ فأصبح لها سنة ١٩٠٨ - ٦٢٦ سفينة بخارية تحمل ٥٦٦٧٣٨ و ٤٧٠١ سفينة شراعية محمول ٤٥٣ ، ٣٣٤ طنا وبلغ عدد السفن الايطالية التي خرجت ودخلت في الموانئ الطليانية ١٩٠ ، ٥٥٥ سنة ١٨٦١ وبلغت في سنة ١٩٠٩ - ٢٤٦ . ٢٤٦ وكان إذ ذاك عدد الداخل والخارج إلى الموانئ الطليانية من بواخر الأجانب ٢٣ ، ٨٣ فبلغ في العهد الأخير ١٧ ، ٤٣٤ واشتركت في ذلك جميع موانئ ايطاليا وفي مقدمتها جنوا ثم تجيء نابل وليفورنه والبندقية وبارمة. وكان لايطاليا عام ١٨٦٠ - ٨٠٠٠ كيلو متر من الأسلاك البرقية ولها الآن ٥٤ ألف كيلو متر تضف إليها الأسلاك البحرية والتلغرافات اللاسلكية مع مالها من الخطوط التلفونية ولم يكن البريد الشيء الذي يذكر في بعض أصقاع ايطاليا على عهد الوحدة فبلغ وارده سنة ١٨٨٦ - ١٦ مليونا وفي سنة ١٩٠٠ بلغ ١٠٧ ملايين فرنك. وكانت الصناعة أيام الوحدة غير موجودة إلا في أقاليم البيمون ولومبارديا فعمت الآن أقاليم ايطاليا كلها ولا سيما في الثلاثين سنة الأخيرة فقد كان سنة ١٨٨٩ معمل واحد للسكر في جميع ايطاليا فأصبح لها ٣٢ معملا وارتقت صناعة حياكة الصوف والقطن والحرير والحديد الاتومبيلات ارتقاء هائلا. ووجدت الكهربائية في ايطاليا محيطا حسنا للغاية بالنظر لما خضعت به هذه البلاد من الأنهار السريعة جريتها ومن هذه القوى النافعة تخدم الصناعة اجل خدمة وربما أوصلت الكهربائية إلى مسافات متناهية ولا تسل عن معامل الأسلحة وبناء السفن مثل معمل انسالدو في مقاطعة جنوه وغيره كثير. وإذا ضم ما يرد ايطاليا من صناعتها إلى ما تأتيها به زراعتها بلغ مجموع تلك الثروة ٧٥ مليارا من الفرنكات يصيب كل فرد ٣٢٠٠ فرنك. ويستدل على الرفاهية والغنى مما يودعه الأهلون في صناديق التوفير فقد بلغ ما أودع في الصناديق العادية مليارين ونصف مليار من الفرنكات يضاف إليها ما أودع في صناديق توفير البريد وهو ١٧٠٠ مليون هذا غير ما يضعه العالم في المصارف وجمعيات التعاون مما يعد جزءا عظيما من ثروة الأمة. وما كانت البيوت المالية تعرف في ايطاليا إلا في إقليم البيمون قبل الوحدة الايطالية وقد كثر عددها اليوم وهي من الدرجة الأولى بين المصارف مثل بنك ايطاليا وبنك نابل وبنك صقلية وبنك رومية وغيرها وكلها تشغل بزهاء مليارين من الفرنكات ماعدا أموالها الاحتياطية النقدية التي تبلغ مليارا ونصف. وفي ايطاليا مصارف زراعية ومصارف عقارية وشركات تجارية مساهمة وشركات صناعية تعاونية وغيرها وعددها يكثر كل سنة كثرة هائلة. وقد بلغت ميزانية الحكومة من كل ذلك مليارين ومائتينيوستة عشر مليون فرنك في سنة ١٩١١ في قسم النفقات ومليارين وثلاثمائة وأربعة ملايين في قسم الواردات. أصيبت ايطاليا بأزمة سياسية شديدة سنة ١٨٩٠ أثرت في ماليتها كل التأثير فكان شان المضاربين على الأراضي للبناء في المدن الكبرى شانهم في مصر منذ بضع سنين فقدوا ثرواتهم إلا قليلا بسقوط أسعار تلك الأراضي وذلك لان بعض المدن الايطالية أرادت أن تجدد أبنيتها على الطراز الحديث فأخذت طائفة كبيرة من أبناء الأسرات القديمة ومنهم من يعتقد بان له الكفاءة في كل شيء يبتاعون من تلك الأراضي والأبنية القديمة للهدم فكان بها خرابهم وخراب كثير من أرباب رؤوس الأموال الصغيرة ومن المصارف وبسبب هذه الأزمة عرض الوزير كريسبي الايطالي على البرنس بسمارك الألماني أن تكون ألمانيا وايطاليا يدا واحدة فأحست فرنسا بالمر من الغد فلم تر أحسن من إخفاق مسعى ايطاليا وأشغالها بقطع الموارد المالية عنها وكانت ايطاليا إذ ذاك لا تعتمد في افتراضها وتجارتها إلا على بيوت المال والتجارة في باريس فاخذ هؤلاء يرفعون ثقتهم من ايطاليا ويشمون عليها بالمال فحدثت تلك الأزمة التي منشأها الحقيقي من أناس ما خلقوا ماليين ولم يستعدوا لمعاناة الشؤون المالية بالعمل. وعلى العكس كان من قانون الوراثة والمحيط أن هيا الإسرائيليين ليعملا أعمالا عظيمة في ايطاليا وللإسرائيليين اختصاص بالشؤون المالية ولا نجاح إلا بالإحصاء. فإنهم اختصوا بالتجارة ومعاناة المال فنشأت مهارة لهم لا نظير لها وقد بقيت سلطة الأب على أولاده محترمة عندهم بخلاف القوانين الحديثة الاجتماعية التي قللتها عند غيرهم وترى النظام في بيوتهم التجارية والصناعية أتم مما هو عند غيرهم والاعتصابات قليلة وأعمالهم ناجحة أكثر مما عداهم لأنهم يحسنون الانتفاع من القوى والأشياء أكثر من كل الطوائف ومنشأ ذلك كونهم كان مضطهدين فاحظروا ببطء صفات يولدها الاضطهاد فيمن يؤخذون به. وهذه الصفات هي قوة المقاومة والشعور بالتضامن واللين والمرونة في أسباب الحياة. وعلاوة على ما للإسرائيليين في ايطاليا من النفوذ العظيم الاقتصادي قد كان لهم في المسائل السياسية مكانة لا تنطبق مع قلة عددهم ولكن لها ما يشفع بها بما قاموا به من معاونة ايطاليا في وحدتها بالمال وما أبدوه من الصفات الحسنة التي ابانو عنها في تقلدهم إدارة المسائل العامة وطالما كان منهم رؤساء الوزارة والولاة فاظهروا من البراعة في الأمور السياسية ما يحق لهم أن يفاخروا به بل أن حاكم رومية نفسها هو اليوم إسرائيلي وكذلك أكثر الولايات التسع والستين الايطالية فان ولآتها من أبناء إسرائيل لا يأتون ما يمس عواطف الأكثرية من الكاثوليك بل كثيرا ما كان نوابهم ووزراؤهم في جانب المحافظين إذا أريد وضع قوانين واحدة وأحداث أمور جديدة من شانها إثارة الرأي العام مما دل على أن الإسرائيلي في ايطاليا خلافا لما هو عليه في سائر الممالك ايطالي أولا ثم إسرائيلي وفي غيره هذه الديار إسرائيلي قبل كل شيء وفي المظهرين تفاوت عظيم كما ليخفى. ايطاليا وعلومها وفنونها كان علينا وقد وصل بنا البحث إلى هذا الحد أن نتكلم على امتيازات به ايطاليا من دون سائر بلاد أوروبا من التفنين في الفنون الجميلة والتبرير في مضمارها على جميع الأمم الغربية مهما قالوا بانحطاطها عندهم بالنسبة للقرن السادس عشر والسابع عشر وذلك مثل الكلام على التصوير والنقش والهندسة والموسيقى ولكن ذلك يحتاج إلى فصول كثيرة لا تتسع لها هذه العجالة ولا تنطبق مع أذواق أكثر القراء ومع هذا فنتكلم على الآداب الطليانية في العهد الأخير من وكيف ارتقت حتى عم أهل القرى أثرها. يعتبر تاريخ اللغة الايطالية الحديثة منذ عهد دانتي الشاعر فإنها بعده لم يعد ينقصها شيء من الألفاظ للتعبير عن التفكير ومضت القرون الثلاثة التالية يعده فأصبحت البلاد لقلة المواصلات وكلا مقاطعة لموقعها الجغرافي لا تعرف ما عند جارتها فنتج عن ذلك تعدد اللهجات وفتحت هذه صدرها لكل الألفاظ الحديثة في حين ظلت الايطالية الأدبية جامدة تقرا في المدارس كما تقرا اللاتينية واليونانية أي كأنها لغة ميتة لا حية. ودام الحال على ذلك إلى قبل خمسين سنة وبفضل توفر المواصلات والخدمة العسكرية التي تقضي بتنقل الجنود في البلاد أخذت الايطالية الحديثة تفهم في كل مكان وبقيت اللهجات التي تعوق ولا شك دون نشر لغة عامة تفي بمطالب الفكر الحديث وأصبح عنهم لغة يتكلم بها تؤثر فيها اللهجات المحلية ولغة ايطاليا مكتوبة يحسنها الكتاب والمؤلفون. في ايطاليا نحو ١٤ لهجة لا يفهم أهل هذه لهجة أولئك وأفصح اللغات لغة طوسقانة ومنها سرت إلى رومية. ولغة ساردينا تشبه اللاتينية كثيرا وتختلف عن لغة صقلية وابن رومية لا يفهم لغة ساردينا واهم اللهجات الايطالية اللهجة البيمونتية واللومباردية والليكورية والبندقية والرومانية والنابولية والبولية والكالابرية وتعدد اللهجات مما عمت به البلوى لا في اللغة العربية فقط بل في لغات أوروبا التي يسعى أهل العلم والسياسة إلى توجيها منذ زمن طويل فمن ذلك أن في سويسرا ثماني لهجات ألمانية لا يتفاهم أهلها بعضهم مع بعض بها بل أن أهالي ألمانيا لا يفهمون لهجات سويسرا مثل لاهاي بافيرا ووتمبرغ وهيس وهكذا الحال في فرنسا وغيرها من البلاد التي يظهر إن لها لعنة واحدة والحال أنها مختلفة اللهجات لا يكاد يفهم المتناءون لغة بعضهم بعضا. اقتضت وحدة الروح الايطالية أن يكون لايطاليا لغة كتوبة واحدة فقام بهذا الغرض من الشعراء والكتاب في أوائل القرن التاسع عشر أمثال مانزوني وبلليكو وكاردوشي فأفادوا على اختلاف في طرق الأداء في بث اللغة الصحيحة في الشعب. ومن الشعراء الكتاب العاصرين الذين اشتهروا في الأفاق دانونسيو وباسكولي وفوكازاروودي سانكتيس وفريرو ومن النساء اللاتي نافسن الرجال في صناعة الأدب سيرا رو وواساني ودللادا ومنهن من تفردن في القصص التمثيلية وأخريات في القصص الروائية وغيرها في الصحافة. كان من توفر أسباب الرفاهية في الشعب الايطالي أن اخذ عدد المختلفين إلى المسارح الخاصة بالتمثيل يزيد اليوم بعد الأخر ومن نشر العلم وقلة عدد الأميين سنة بعد سنة أن كثر عدد الصحف وقراؤها وكان ذلك من مواد ثمينة لتعجيل كمال اللغة المحلية لان التمثيل كالصحافة إذا أراد القائمون بها أن يفهموا وجب عليهم أن يتكلموا بلغة تتناولها عقول الكافة وإذ بعض من هذه الجوقات التمثيلية تطوف بلاد الأقاليم اقتضى لها إن تعدل من لهجتها في كل محل بحيث تتناولها الأذهان على أيسر سبل. وعند الطليان مؤلفون كثيرون للروايات التمثيلية لا يقلون عن غيرهم من الأمم الراقية كالفرنسيس والألمان. إما الصحافة فهي تشبه صحافة فرنسا وغيرها من الممالك في الصورة والشكل وكل يوم نزيد العناية فيها بالخيار المنوعة المؤثرة وثقل مادتها من الانتقاد الجدي والموضوعات الأدبية فالصحافيون هنا مثل غيرهم في البلاد الأخرى يبيعون من الجمهور ما ينفق عليه ويروج عنده. وقال في صفاء المكان وذلك بان يكون المكان الذي هو فيه خاليا من الأصوات عاريا عن المخوفات والمهولات والطوارق وان يكون مع ذلك مكانا رائقا معجبا رقيق الحواشي فسيح الأرجاء بسيط الرحاب غير هم ولا كدر فإن الضم إلى ذلك ما فيه بسط للخاطر من ماء وخضرة وأشجار وإزهار وطيب رائحة كان ابسط للفكر وانجح للخاطر وقد ذهب بعضهم إلى انه ينبغي خلو المكان من النقوش الغربية والمرائي المعجبة فإنها وان كانت مما ينشط الخاطر فان فيها شغلا للناظر فيتبعه القلب فيشتت له. وليس للصحف الكاثوليكية رواج كثير كالصحف غيلار الكاثوليكية وأعظم صحف ايطاليا وأهمها جريدة كورريه دلاسييرا أي بريد المساء وهي تصدر في ميلانو من عواصم العلم القديمة أو العاصمة الأدبية كما يسمونها وتجيء بعدها جريدة التربيونا أي المنبر وهي نصف رسمية. ومن خبرة جرائدهم جريدة ايديا ناسيونالي أي الفكر الوطني وهي تمثل الفكر الوطني. وقد سارت صحافتهم كما هو شان الصحافة في كل مكان على توحيد الفكر واللغة كان السبب الرئيس في كل ما تقدم من ذرائع الارتقاء نشر التعليم بين جميع طبقات الشعب فقد كانت الحكومة الايطالية خصصت سنة ١٨٦١ مليون فرنك للمعارف العمومية وهاهي الآن تنفق مثله مليون لهذا الغرض كل سنة وأرقاء كهذا في البذل على المعارف تنشا منه تلك الوطنية والوحدة دع المدارس المنوعة التي أنشاها الجمعيات الدينية أو الإفراد وزاد عدد الطلاب ضعفي ما كان عليه عام ١٨٦١ فبلغ في السنة الماضية زهاء ثلاثة ملايين ومع هذا ايطاليا من أكثر البلاد الأوروبية أميين بعد روسيا ولاسيما في القرى وان كان التعليم لابتدائي إجباريا إلا انه لا يعمل به كثيرا وبالنظر لما وقع بالنزاع بين الحكومة والاكليروس انتهت الحال بان المدارس لا تعلم التعليم الديني إلا لولد يطلب ابوه ذلك والإباء قلما يحفلون بهذا الطلب. وقد تعطي الحكومة أحيانا إعانات للمدارس والأخويات الدينية ماله صفوف عالية وله الحق بان يكون لتلاميذه بالامتحان حقوق تلامذة مدارس الحكومة ومن المدارس ما يريه اليسوعيون وان ألغيت مدارسهم في ايطاليا منذ زمن طويل. ومدارس الجمعيات الدينية خاضعة إجمالا لتفتيش الحكومة وتترفع عن البحث في السياسة. بعد كناية ما تقدم اطلعنا على خطاب ناظر المالية الايطالي وقد جاء فيه أن ايطاليا ستصرف هذا العام على المعارف ١٤٨ مليون فرنك وتفيض المال الكثير على معارف الولايات ليطبق بالفعل قانون التعلم الإجباري في البلاد وقد بلغت الحركة الدولية في المقايضات خلال الأحد عشر شهرا من السنة الماضية ١٩١٣ ٥٥١٦ مليونا أي زيادة بمقدار ٤٤ مليونا عن مثلها في السنة الماضية وقلت الواردات ٤٨ مليونا وزادت الصادرات ٩٢ مليونا وزادت السفن التجارية الداخلة إلى موانئ ايطاليا وزادت كمية المعادن ومداخيل الضريبة على السكر والحديد والتبغ ودخل السكك وكثر الإنفاق على المصارف وإعمال الري والأسباب الصحية كثيرا والحكومة الايطالية ستزيد ميزانيتها البحرية والبرية وكل هذا بدون أن تستدين وتبادل الدخل والخرج على طريقة ماهرة في الأمور المالية يقسم التعليم الأوسط في ايطاليا إلى فرعين مختلفين. الفرع المدرسي وهي دروس المدارس المعروفة بالجمباز والتعليم العملي وهو يدرس في المدارس والجمعيات الفنية وقد كان عدد تلامذة الفروع الأولى على عهد الوحدة ١٢ ألفا فأصبحت في السنة الماضية ٤١ ألفا والدروس العملية التي يتخرج منها الشبان والذين يتمحضون لفروع الصناعات الكثيرة قد بلغوا سنة ١٩١١ - ١٠٠٠٠٠ وما كانوا منذ خمسين سنة أكثر من ٦٠٠٠ وفي الفرع المدرسي من تعلم اللغتان اليونانية واللاتينية وفي الفرع العملي تعلم اللغات الحية إما عدد تلامذة المدارس الوسطى للمدارس الخاصة فلا يقل عن ستين ألفا ويؤكد بعضهم أن المدارس التي يعلم فيها الرهبان والقسيسون أكثر نجاحا من التي يعلم فيها العلمانيون لان فتيان القس ممتازون بإنكار الذات والتشبع بالروح الدينية أكثر من غيرهم من الأساتذة. إما التعليم العالي فان ايطاليا منه سبع عشر كلية تتنافس فيها بلاد الأقاليم ولمن معظم هذه الكليات لا تخرج رجال عمل بل أكثرهم خيالون من أرباب النظر ويضاف إلى هذه الكليات مجامع العلم العالي الكثيرة لتدريس الآداب والعلوم في كل مدينة عظمى والحكومة تمدها بالمال. والمدارس العليا على كثرة ما تستلزمه من النفقات لا تتناول من مال الأمة أكثر من أربعة ملايين فرنك مساهمة مما يستبان منه أن الحكومة توفر العناية بالتعليم الأوسط والابتدائي أكثر مما عداهما. وعدد تلامذة الكليات والمجامع العلمية العليا نحو سبعة عشرين ألفا وكان الطلاب المدارس العليا في القرن التاسع عشر يصرفون أوقاتهم في الأعمال الوطنية أكثر من العلم إما الآن وقد استقرت حالة البلاد السياسية فإنهم اخذوا ينصرفون إلى أبحاثهم ودروسهم ليكون لبلادهم ما حرزته ألمانيا وانكلترا وفرنسا في مضمار العلوم والآداب. هذا جمال ما يقال في التعليم إما الاختراعات والاكتشافات فلم يقصر فيها علماء ايطاليا أسوة غيرهم من أمم الحضارة الحديثة فقد اكتشف لامي طبيعة الأمراض الميكروبية وهي النظرية التي خلصت الجراحة والمداواة من الأوهام التي كانت تعوقها. وكذلك كان شأنها في الكهربائية وساعدها على ذلك كثرة شلالاتها وتيسير إرسال الحرارة والنور والأعمال الكيماوية والميكانيكية إلى أبعاد شاسعة ومن مخترعيهم باشنتوفي وماركوني مخترع التلغراف اللاسلكي وغيرهم من الذين شاركوا في الأعمال العلمية فاختلط الأمر وأصبح من الصعب التمييز بين المتقدم والمتأخر من مكتشفي العلماء في أميركا وانكلترا وألمانيا وفرنسا والنمسا والبلجيك وهولندا وسويسرا وروسيا وغيرها من ممالك المدينة والنجاح كما قال الأمير جيوفاتي بور غزة في كتابه إيطاليا الحديثة واعتمال عقلي. بعض ما تقدم من هذا البحث إعلاء الوسط على الدوام ليتأتى للكائنات العليا أن تظهر بمظهرها وتثير الجموع بكلامها ومثالها وإعلاء الوسط يكون بتنشيط الشبيبة على القيم بجميع الأعمال الشريفة التي يخولهم ظغياها مظهرهم. ومن الخطأ العظيم في عصرنا أن تجعل قيمة الشعب على نسبة ما أحرز من الارتقاء العقلي. إن التعليم على اختلاف ضروبه يساعد على ظهور المدارك الاجتماعية وفي الكتابة والقراءة معنى جديد يجعل بيننا وبين الفكر العام صلة ولكن التعليم بدون تنظيم طبيعي من جهة وتربية أخلاقية من أخرى لا يتولد منه إنشاء رجال تامة أدواتهم في جمل لتنشأ على أيديهم عظمة مملكة وإذا نظرنا إلى ارتقاء إيطاليا نراها دخلت في ثلاثة أدوار هي أدوار النشوء الشخصي فالدور الأول الدور المادي والثاني النفسي والثالث العلمي وكان بدء الدور الأول على أوائل تأسيس روميا وفي سنة ٧٠٠ قبل المسيح أي بعد ٧ قرون كان عصر أغسطس وهو عصر مجدها وبعد ذلك ب ٣ قرون عندما نقلت عاصمة المملكة الرومانية إلى القسطنطينية تراجع أمر الدور المادي والنفسي والروحي هو دور ظهور النصرانية التي توفر الإمبراطور قسطنطين على نشرها وجعل عاصمة بلاده القسطنطينية فمضى ٧ قرون على ذاك العهد تنصرت أوروبا وتم عمل الدين إلى أواخر القرن العاشر للميلاد. وفيا ١٤ بدأت تظهر تباشير دور النهضة التي أريد بها تحرير العقل الإنساني من قيوده. والدور الثالث هو الذي نحن فيه والقرن الأخير كان أرفا أيامه وبه ظهرت إيطاليا بمظهر الدول العظمى واستقامت لها حياتها السياسية وتبعتها ثائر الأشياء ولا تستقيم حياة أمة بدون أن تستقيم حياتها السياسية واستقامة السياسة نتيجة ارتقاء العقول وارتقاء العقول لا يكون بغير قبول المدينة الحديثة والأخذ بأساليب التي اتخذها السابقون في مضمار التحضر. ومن أمعن النظر في هذه النبذة يدرك أن كل نهضة غير متعذرة وأن أمم بلغت من الشقاء مبلغا كبيرا وتيسر لها بقوة الإرادة وإخلاص المستنيرين من الوطنيين أن تغلبت على جميع العوائق وكونت مجموعا يفتخر به وحررته من قيوده الثقيلة ومن رأى إيطاليا أمس يجوس النمساويون أو الفرنسي خلال دياره أو يستعبدون أبنائها ويرى الطليان اليوم وقد آلفو مجموعا حيا ودولة قوية وهم في حكومتهم الملكية أكثر حرية من الفرنسيين في حكومتهم الجمهورية على رأي بعضهم - من رأى ذلك لا يقول بان في العالم شيئا مستحيلا. وان قوة العقل والثبات على العمل تفعلان أكثر من كل قوة في الأرض. في ايطاليا الحديثة عيوب كما في سائر الممالك وهذا يتعذر على السائح الشرقي في بلادها أن يدركه ولا يحل له أن يخط فيه حرفا لأنه لا يرى إلا الظواهر خصوصا ما عدم معرفته لغة البلاد فانه يبقى كالأصم الأخرس وليس ارتقاء الطبقة المستنيرة هو الميزان الوحيد في معرفة أقدار امة وكم عند الطبقة الوسطى والدنيا من الفضائل ونقيضها ما تؤخذ منه حقيقية شعب وذلك لا يتيسر إلا لمن عاشر الطبقات كلها وصرف زمنا طويلا في أصقاعهم المختلفة وحكم العقل والإنصاف في ما يكتبوا بعد درس العادات والأخلاق والتنظير بينهما وبين ما يماثلهما من الشعوب الأخرى. وغاية ما يستطيع المفكر أن يقول به إذا رأى ايطاليا أن بينها وبين الشرق القريب من الفروق أكثر مابين مصر أو الشام أو السنغال أو بلاد نيامنيام يشهد هنا بكل شيء قياما وقانونا من خرج عنه ضل واهتدى ويجد نشاط الإفراد على أتمه ليس له ما يعوقه من سلطة جائرة وقانون غير معقول فالشقي يشقى بصنعه والسعيد يسعد كذلك ولكن السعادة أوفر مما يناقضها بدرجات السرور تقراه في الوجوه والبسطة في الغنى والرفاهية تشهده على الأكثر في سكان الأقاليم الوسطى والشمالية ولكل صقع من الأصقاع خاصية لا يكاد يشركه فيها الصقع الأخر فهذا اشتهر بعاداته وأثاره وذاك بحدائقه وأنهاره وهذا بتجارته وذاك بصناعته وأخر بزراعته وغيره بسكونه وأخر بحركته وتكاد ترى المواهب مقسمة بين البلاد. فلفرنسا مدينة الزهور وعاصمة طوسقانا وأثينا القرون الوسطى ومسقط رأس دانتي وتبرراك وبوكاس وغاليلة ومايكل أنجلو وليوناردو دافنشي وغيرهم من نوابغ الطليان في الشعر والموسيقى والنقش والتصوير والهندسة والعلم من المزايا ما ليس لرومية وذلك لأسباب تاريخية واجتماعية كثيرة فان جمهوريات طوصقنا بينما كانت في القرون الوسطى تحسن الاندفاع من جميع العناصر الحيوية في الشعب كانت رومية تمحل بما قام فيها مكن المنازعات من الأسر الكبرى والذهاب في الدجالات المذهبية مذاهب. ولذلك كان المجد كله لمدينة فلورنسا التي هي اليوم إحدى الولايات الإيطالية. هذا شأن المدن الداخلية وكذلك الحال في المدن الساحلية فإنك تجد مثلا للبندقية من المزايا مالا تجده لجنوى ونابل كلها مما يستجدي الغريب ويستهويه لنزول هذه الديار ودرس آثارها الكثيرة بل التي لا تدخل في عد لكثرتها وقد اتخذ ت الحكومة الجديدة أنواع الراحة لجلب سياح الأرض لغشيان بلادها وفي ذلك من الفوائد المادية ما لا يقدر فلو انقطع سياح الغرب سنتين عن زيارة إيطاليا لأحست بفقر شديد وذلك لما يبزره أولائك السياح من الأوائل في جميع فروع الإنفاق. ولها أمثال في تاريخ إيطاليا وقد نشأ حين إذ وقوف تجارها عن طريق البر التي كانت تعمل الجمهوريات حتى إذا قام الإصلاح الديني في أوروبا وفصل جزء عظيم في هذه القارة عن البابوية كل ما كان يرد مدة زمن طويل إلى إيطاليا من الأموال بالطبيعة فافتقرت. إن كل كنيسة من كنائس إيطاليا حرة بأن يقصدها السائح للفرجة من القاصية وقد وقع ألي من الدهشة عندما رأيت كنيسة الدوم في فلورنسا مثلما وقع لي من الدهشة عندما زرت كنيسة القديس بطرس في روميا مقر البابوية وهوى أفئدة البابويين في الأرض ولكل مكان ميزته. امتازت روميا بكثرة كنائسها العجيبة كما امتازت بكثرة عيونها وكثرة تماثيلها في كل جادة مما يستهوي الغريب ويستدعي دهشته كما امتازت جنوا بمقبرتها لتفنن الجنوبيين منذ القديم لتصوير الأموات على الرخام وهم بين أهلهم وفي آخر ساعات حياتهم والمقبرة هناك ٣ طبقات كما أن أكثر الأبنية هي الآن في إيطاليا ٦ طبقات ويضيق المقام لو أردت فقط الألم لما في روميا وحدها من العاديات والقصور ولا سيما حديقة بنشيو العامة فإنها خصت لكل أنواع الملاحة والراحة وهي مجمع الحسان الرومانيات كل عشية وفيها تتجلى عظمة الطليان وتتبدى طبقاتهم الاجتماعية وكل ما يقع نظرك عليه في هذه المدينة الأزلية صاحبة المدينتين الرومانية والنصراني تقرأ فيه روح التفنن وتقدير العلم والنشاط وحب التسامح إلا قليلا دخلت مع أحد إخواني من مستشرقي الطليان لازور كنيسة البانتويون فدهشت لما رأيت واليك البيان: كنيسة البانتويون هي الكنيسة الوحيدة الباقية من عهد روميا القديمة بنيت معبدا في سنة ٢٧ قبل المسيح ولما رسخت قدم النصرانية في رومية جعلت كنيسة وكان يشترط على كل شيخ في مجلس الشيوخ في القرن الثامن للميلاد من جملة ما ينبغي له الاحتفاظ به كنيسة البانتويون. وكان يدفن بها بعض قديسيهم وأعاظم رجال الدين عندهم وماراعني إلا وقد رأيت إلى جانب أضرحة رافاييل المصور النقاش التوفي سنة ١٥٢٠ والمصور دانيال كاراشي المتوفى سنة ١٦٠٩ وغيرهما من كبار المهندسين والمصورين الطليان ضريح الملك فيكتور عما نوبل الثاني المدعو أبو الوطن لأنه أقام الوحدة الايطالية وخلف لذريته من بعده التاج الايطالي بعد أن كانت أسرته لا تحكم على غير إقليم البيمون فقط وضريح ابنه همبرت الأول والد الملك الحالي الذي اغتيل سنة ١٩٠٠ نعم أعجبت لضريح المهندس والنقاش ويكون في مقام التكريم إلى جنب القديسين والشهداء وهذا في تلك القرون التي كنا نظن فيها أوروبا متوحشة وراقني أن يجيء ملوك ايطاليا اليوم ويحبون أن يدفنوا إلى جنب أولئك الصناع النوابغ. أن لحد بولس هو اكبر دليل على حب الباباوات لرجال الفنون الجميلة ولحد ملكين عظيمين إلى جنبهم هو أيضا مما يدل على روح التسامح الحديث وعلى أن لرافاييل ليس في مكانته في خدمة أمته ليس اقل من فيكتور. فان كانت باريس قد أقامت كنيسة البانتويون لتفن فيها رفات العظماء في العلم والسياسة في أوائل القرن الماضي فان رومية تفاخر بأنها خصت بانتونها لهذا الغرض منذ زهاء أربعة قرون. بانتيون باريس يضم رفات ميرابو وفنيلون وكوفيه وفولتيرو وروسو ونابليون وبانتيون رومية يحوي أمثالهم من إبطال الطليان. فمتى ترى يقوم ف الشرق القريب أعاظم من أبناء هذه الأجيال الحديثة يكونون في عقولهم وإعمالهم على مستوى أولئك الأبطال لتقوم بهم مدينتنا على أحسن الدعائم كما قامت مدينة الطليان في هذه الأزمان. صبح الأعشى للقشقلندي الكتب كالأشخاص فيها النافع وفيها الضار وفيها مالا يضر وما لا ينفع والنافع قليل على كل حال. واو تهيأ لمصر منذ طبع أول كتاب عربي في روما في العقد الثاني من القرن الخامس عشر للميلاد رجال يعرفون من أين تؤكل الكتف في العلم ليطبعوا حتى الآن جميع ما عرف للسلف من الكتب الممتعة ولكان ما طبع في ديار الغرب من نوادر الأسفار العربية متمما لما طبع في مصر كهف العرب والعربية ولكن مصر لم تنتبه لهذا الأمر إلا على عهد محمد عيي فطبعت في الطبعة الأميرية بعض النوادر وكثرت المطابع في مصر وفي غير ومصر فطبع الجود والجيد ومجموع ما طبع حتى الآن لا يبلغ نصف ما خلفه السلف من تركهم الثمينة وبعثره الجهل والخمول. وآخر ما احيي بالطبع من ذخائر العلم كتاب صبح الأعشى في كتابه النشا طبعته دار الكتب الخديوية بالقاهرة في المطبعة الأميرية وأخرجت للناس منه الجزأين الأول والثاني وكانت منذ بضع سنين طبعت الجزء الأول منه فأعادت طبعه ف المطبعة الأميرية لتتمه بحرف طريف ظريف وهو مقصد جميل يضاف لما لهذه الدار من المقاصد الحسنة في نشر الكتب النادرة على نفقتها خصوصا ما له علاقة بمصر مثل تاريخ مصر لابن إياس والانتصار لابن دقماق في وصف مصر وتاريخ الفيوم لأبي عثمان النابلسي وغير ذلك الكثير. وكتاب صبح الأعشى للقشقلندي هذا سيكون في بضعة أجزاء وقد وقع الجزآن الأولان منه في نحو ألف صفحة والقشقلندي نسبة لقلقشندة قال الزبيدي: قد تبدل اللام راء وهو المشهور بلدة بمصر من إعمال قليوب وفيها ولد الإمام الليث بن سعد لرضي الله عنه وخرج منها كبار العلماء والمحدثين منهم العشرة من أصحاب الحافظ ابن حجر وهذه القرية قد وردت عليها مرات يتولاها أمراء الحاج قال ابن خلكان وهي على ثلاثة فراسخ من القاهرة وهي بلدة حسنة المظهر كثيرة البساتين. هذه القرية هي مسقط رأس مؤلفنا كما قال السخاوي في الضوء اللامع وهو احمد بن علي بن احمد بن عبد الله الشهاب ابن الجمال أبي اليمن الفزاري القلقشندى ثم القاهري الشافعي والد النجم ولد سنة ست وخمسين وسبعمائة واشتغل بالفقه وغيره وسمع علي ابن الشيخ ومن في وقته وكان احمد الفضلاء وممن برع في الفقه والأدب وكتب في الإنشاء وناب في الحكم وشرح قطعا من جامع المختصرات بل شرع فنظمه وعمل صبح الأعشى في قوانين الإنسان في أربع مجلدات وكان ستضر أكثر ذلك من جامع المختصرات والحاوي وكتابا في الأنساب للعرب. هذا ما قاله السخاوي وأنت ترى أن هذه الترجمة المختصرة ادني إلى أن تكون ترجمة ففيه ذكي في الحماة لا ترجمة علامة من جملة كتبه هذا الكتاب صبح الأعشى الذي هو دائرة معارف كبرى أكثر ما عرف من العلوم ذاك الزمن مما فيه فائدة للمنشئ الذي يريد أن ينشئ عن علم وفهم. إليك طرفا من حال المؤلف إما تأليفه فكما قال عنه مبسوط يشتمل على أصول كتابه الإنشاء وقواعدها متوعيا من المصطلح ما اشتمل عليه التعريف والتثقيف موضحا لما افهماه بتبيين الأمثلة مع قرب المأخذ وحسن التأليف أتيا من معالم الكتابة بكل معنى غريب ناقلا الناظر في هذا المصنف عن رتبة أن يسال فلا يجاب إلى رتبة أن يسال فيجاب منبها على ما يحتاج إليه الكاتب من الفنون التي يخرج بمعرفتها عن عهدة الكتابة وردها ذاكرا من أحوال الممالك الكتابية عن هذه المملكة ما يعرف به قدر كل مملكة وملكها مبين الجهة قاعدتها معرفا الطريق الموصل إليها برا وبحرا. ذاكرا مع كل قاعدة مشاهير بلدانها إكمال للتعريف ضابطا لأسمائها بالحروف كي لا يدخلها التبديل والتحريف. إما أبواب الكتاب فكثيرة ترجع كلها إلى مقدمة وعشر مقالات وهي في فضل الكتابة ومدح فضلاء أهلها وذم حماهم وذكر مدلول الكتابة وتفضيل كتابة الإنشاء على سائر أنواع الكتابة وترجيح النثر على الشعر وصفات الكتاب والتعريف بحقيقة دور الإنشاء واصل وضعه في الإسلام وتفرقة بعد ذلك في الممالك وقوانين ديوان الإنشاء وترتيب أحواله وآداب أهله. الثانية في المسالك والممالك والخلافة ومن وليها من الخلفاء في القديم وما انطوت عليه ممالكهم من الأقطار المصرية ومصافاتها من البلاد الشامية وما يتصل بها من الممالك والبلدان المحيطة بمصر من الجهات الأربع. الثالثة في ذكر الأمور التي تشترك فيها أنوع المكتبات والولايات وغيرهما من ذكر الأسماء والألقاب وكتابة الملخصات وبيان الفواتح والخواتم. الربعة في أمور كلية تتعلق بالمكاتبات مثل مصطلح المكاتبات الدائرة بين كتاب الإسلام في كل زمن من الصدر الأول إلى زمن المؤلف. الخامسة في الولايات وكيف يكتب لكل منها والمبيعات والعهود. السادسة في الوصايا الدينية والمسامحات والطلاقات وتحويل السنين والتذاكر. السابعة في المقاطعات. الثامنة في الإيمان. التاسعة في عقود الصلح والمفسوخ. العاشرة في فنون من الكتابة بتداولها الكتاب ويتنافسون في عملها. وفي كل مقالة من هذه المقالات العشر أبواب كلها منسقة أحسن تنسيق مثل موانئ الفرنسي لعهدنا مع وفرة مادة الألمان في تأليفهم وانه إذا وقع للمؤلف شيء قليل في كل مئات من الصفحات مما لا ينطبق مع ذوق العصر الحاضر أو يخالف أصول العلم الحديث فالذنب في ذلك لأعلى المصنف بل على عصره الذي كتب ارق ما عهد فيه ومحصه تمحيص عاقل حكيم. وهناك أنموذجات من الكتاب الأول: من كان فردا في زمانه بحيث يضري به المثل في أمثاله: كان لاسكندر في طوفان الأرض وكسرى انوشروان في العدل وحاتم الطائي في الكرم وأبو قراط في الطب وأبو بكر الصديق رضي الله عنه في معرفة الأنساب وعمر بن الخطاب رضي الله عنه في قوة الهيبة وعثمان بن عفان رضي الله عنه في التلاوة وعلي بن أبي طالب رضي الله عنه في القضاء وأبو عبيدة بن الجراح في الأمانة وأبي ذر في صدق اللهجة وأبي بن كعب في القران وزيد بن ثابت في الفرائض ونافع في القراءة وأبو الحسن المدائني في الأخبار ومالك بن انس في العلم والشافعي في الحديث وأبو الحسن الأشعري في علم الكلام وابن حزم في مذهب الظاهر وسيبويه في النحو وأبو الحسن البكري السيرى في الكذب وإياس بن معاوية في الذكاء والتفرس وأبو الفرج الأصفهاني صاحب الأغاني في المحاضرة والرازي في الطب وابن القرية في البلاغة والجاحظ في الأدب والبين والحرير في المقامات والبديع الهمداني في الحفظ والزمخشري في تعاطي العربية وجرير الشاعر في الهجاء والقاضي الفضل في الترسل والعماد الكتب في الجناس وحنين بن اسحق في ترجمة اليوناني إلى العربي وابن سينا في الفلسفة وابن الهيثم في الرياضي ونجم الدين الكتابي في المنطق والقاضي احمد في الروية والصولي في الشطرنج وجابر بن حيان في علم الكيمياء. وقال من فصل في الحمام: ثم هو على قسمين احدهما ما ليس له اهتداء في الطيران من المسافة البعيدة والثاني ماله اهتداء ويعرف بالحمام الهدي وهو المراد هنا وقد اعتنى الناس بشأنه في القديم والحديث واهتم بأمره الخلفاء كالمهدي ثالث خلفاء بني العباس والواثق والناصر وتنافس فيه رؤساء الناس بالعراق لا سيما البصرة فقد ذكر صاحب الروض المعطار أنهم تنافسوا في اقتنائه ولهجوا بذكره وبالغوا في أثمانه حتى بلغ ثمن الفارة منه سبعمائة دينار ويقال انه بلغ ثمن طائر منها جاء من خليج القسطنطينية ألف دينار وكانت تباع بيضة الطائر المشهور بالفراهة بعشرين دينار وانه كان عندهم دفاتر بأنساب الحمام كأنساب العرب وانه كان ليمتنع الرجل الجليل ولا الفقيه ولا العدل من اتخاذ الحمام والمنافسة فيه والأخبار عنها والوصف لأثرها والنعت لمشهورها حتى وجه أهل البصرة إلى بكار بن كتيبة البكراني قاضي مصر وكان في فضله وعقله ودينه وورعه ما لم يكن عليه قاض بحمامات له ثقات وكتبوا إليه يسألونه أن يتولى إرسالها بنفسه وكان الحمام عندهم متجرا من المتاجر لا يرون بذلك باسا. ويطول بنا الكلام إذا أردنا إن نقتبس فصولا من الكتاب لبيان مزيته بين الأسفار الرائقة وقد دل تجويد المؤلف لتأليفه على مبلغه من العلم ووفرة ما كان لديه من كتب الأمهات فأوائل القرن التاسع للهجرة في زمن نسميه دور الفتور ولكن مصر لم تخل في عامة أدوارها بؤسها كأيام نعيمها من إجلاء حكماء تنبتهم تربة النيل وقد لا يشتهرون إلا بعد مماتهم لاتساع القطر والحدس المأثور عن بعض العلماء أحدهم للآخر ولكن العالم الحقيقي تظهر حسناته ولو بعد قرون وكم من مؤلف مثل القلقشندى رزق الحظوة في جميع ما كتب كما وقع المقريزي وياقوت والجاحظ والغزالي والماوردي وابن كتيبة والراغب والمجيدون في توليفهم من المتأخرين قلائل على كل حال بقي أن نسدي أطيب الثناء على عمدة دار الكتب الخديوية لتعهدها العلم الحين بعد الآخر بإحياء مثل هذه المصنفات التي قد يغني الكتاب منها عنه. خزانة كتب ويفيد في بث العلم في الدانية والقاصية ما لا تقوم به الخطب والمحاضرات والمقالات المقصورة على زمان معين وفئة معينة من الأرض ونخص بالشكر مديرها ووكيلها وقد أحسن الطابعون بجعل فواصل بين الفصول والأبواب وإنهاء السطر حيث تنتهي الجملة أو القطعة ووضع أدوات الفصل الجديدة المعروفة في اللغات الإفرنجية وإن كان أداة التعجب لم تجعل بعض الأحيان في أماكنها أما أغلاط الطبع فنادر في هذين الجزأين من الكبريت الأحمر، ورجاؤنا أن تزيد العناية في الأجزاء التالية ويشفع آخر الكتاب بفهرس مستوفى مثل فهرس تاريخ مصر لابن إياس طبع دار الخديوية أو أكثر توسعاً منه حتى نباهي بأن مصر فاقت أوروبا بمطبوعاتها العربية ويكون لنا هذا القليل الممتع من أمهات الكتب العملية الذي جود الطابعون طبعه ووضعه خير عزاء لما يصدر كل أسبوع من مطابع مصر التجارية ونخجل منه أمام أنفسنا دع غيرنا من علماء الأمم الراقية حتى لقد قلت ثقة علماء الشرقيات بمطبوعاتنا اللهم إلا النادر الفذ ولم يعولوا في مصنفاتهم ونقولهم إلا على ما طبع منها في بلاد الغرب خاصة. وذكر المقر الشهابي بن فضل الله في التعريفان الحمام أول ما نشا يعني في الديار المصرية والبلاد الشامية_من الموصل وان أول من اعتنى به من الملوك ونقله من الموصل الشهيد نور الدين زنكي صاحب الشام رحمه الله تعالى في سنة ٥٦٥ وحافظ عليه الخلفاء الفاطميون بمصر وبالغوا حتى افرد وله ديوانا وجرائد بأنساب الحمام وقد اعتني بعض المصنفين بأمره حتى صنف فيه أبو الحسن بن ملاعب القواس البغدادي كتابا للناصر لدين الله العباسي ذكر فيه أسماء أعضاء الطائر ورياشه والوشوم التي توشم في كل عضو وألوان الطيور نوما يستحسن من صفاتها وكيفية أفرخها وبعض المسافات التي أرسلت منها وذكر شيء من نوادرها وما يجري مجرى ذلك. وذكر في التعريف أن القاضي محي الدين بن عبد الظاهر صنف فيه كتابا سماه تمائم الحمائم وقال في مسافة الطيران: ذكر ابن سعيد في كتابه جني المحل وجني النحل أن العزيز بمصر ذكر لوزيره يعقوب بن كلس انه ما رأى القراصية البعلبكية وانه يحب أنيراها وكان بدمشق أن يجمع ما بها من الحمام المصري ويعلق في قدر كثير من القراصية فطلع بها إلى العزيز من يومه وذكر أيضا في كتابه المغرب في أخبار المغرب أن الوزير اليازوري المغربي وزير المستنصر الفاطمي وجه الحمام من مدينة تونس من افريقية من بلاد المغرب إلى مصر فجاء إلى مصر وذكر أبو الحسن القواس في كتابه في الحمام أن حماما طار من عبدان إلى الكوفة وان حماما طار من الترناوذ إلى الأبله ونحو ذلك. . وذكر في جملة ما ذكره في تجويد الإنشاء خلو الفكر عن المشوش وصفاء الزمان وقال في هذا: قال أبو تمام الطائي في وصيته لأبي عبادة البحتري مرشدا له للوقت المناسب لذلك: تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة في الأوقات إذا قصد الإنسان تأليف شيء وأحفظه أن يختار وقت البحر فان النفس تكون قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء وصفا الدماغ من أكثر الأبخرة والأدخنة وسكنت الغماغم ورقت النسائم وتغنت الحمائم. وخالف ابن أبي الصابغ في اختيار وقت السحر وجنح إلى اختيار وسط الليل اخذ من قول أبي تمام في قصيدته البائية: خذها ابنة الفكر المهذب في الدجى والليل أسود رقعة الجلباب مفسرا للدجى بوسط الليل محتجا لذلك بأنه حينئذ تكون النفس قد أخذت حظها من الراحة ونالت قسطها من النوم وخف عنها ثقل الغذاء فيكون الذهن حينئذ صحيحا والصدر منشرحا والبدن نشيطا والقلب ساكنا بخلاف وقت السحر فأنه وإن كان فيه يرق النسيم وينهضهم الغذاء إلا إنه يكون قد انتبه فيه أكثر الحيوانات الناطق وغيره ويرتفع معظم الأصوات ويجري الكثير من الحركات وينقشع بعض الظلماء بطلائع أوائل الضوء وبما انهضم عن بعض الناس الغذاء فتحركت الشهوة لاختلاف ما انهضم منه وخرج من فضلاته فكان ذلك داعيا إلى شغل الخاطر وباعثا على انصراف الهمم إلى تدبير الحدث الحاضر فيتقسم الفكر ويتذبذب القلب ويتفرق جميع الهم بخلاف وسط الليل فانه خال من جميع ذلك. وقال في صفاء المكان: وذلك بان يكون المكان الذي هو فيه خاليا من الأصوات عاريا من المخوفات والمهولات والطوارق وان يكون مع ذلك مكانا واثقا معجبا رقيق الحواشي فسيح الأرجاء بسيط الرحاب غير غم ولا كدر فان انضم إلى ذلك ما فيه بسط للخاطر من ماء وخضرة وأشجار وإزهار وطيب رائحة كان ابسط للفكر وانجح للخاطر. وقد ذهب بعضهم إلى انه ينبغي خلو المكان من النقوش الغربية والمرائي المعجبة فإنها وان كانت مما ينشط الخاطر فان فيها شغلا للناظر فيتبعه القلب فيشتتاه. ويطول بنا الكلام إذا أردنا نقتبس فصولا من الكتاب لبيان مزيته بين الأسفار الرائقة وقد ذل تجويد المؤلف لتأليفه على مبلغه من العلم ووفرة ما كان لديه من كتب الأمهات في أوائل القرن التاسع للهجرة في زمن نسميه دور الفتور ولكن مصر لم تخل في عامة أدوارها أيام بؤسها كأيام نعيمها من إجلاء حكماء تنبتهم تربة النيل وقد لا يشتهرون إلا بعد مماتهم لاتساع القطر أو للحد المأثور عن بعض العلماء احدهم للأخر ولكن العالم الحقيقي تظهر حسناته ولو بعد قرون وكم من مؤلف صنف المائة والمائتينيمن المجلدات فلم يكتب لها البقاء لأنها غير نافعة وفي غيرها عنها كفاية وكم من مؤلف مثل القلقشندى رزق الحظوة في جميع ما كتب كما وقع للمفريزي وياقوت والجاحظ والغزالي والماوردي وابن كتيبة والراغب والمجيدون في توليفهم من المتأخرين قلائل على كل حال بقي إن نسدي أطيب الثناء على عمدة دار الكتب الخديوية لتعهدها العلم الحين بعد الأخر بإحياء مثل هذه المصنفات التي قد يغني الكتاب منها عن خزانة الكتب ويفيد في بث العلم في الدانية والقاصية ما لم تقوم به الخطب والمحاضرات والمقالات المقصورة على زمان معين وفئة معينة وبلد معينة من الأرض نخص بالشكر مديرها ووكيلها وقد أحسن الطابعون بجعل فواصل بين الفصول والأبواب وإنهاء السطر حيث تنتهي الجملة والقطعة ووضع أدوات الفصل الجديدة المعروفة في اللغات الإفرنجية وان كانت أداة التعجب لم تجعل بعض الأحيان في أماكنها إما أغلاط الطبع فأندر في هذين الجزأين من الكبريت الأحمر ورجاءنا إن تزيد العناية في الأجزاء التالية ويشفع أخر الكتاب بفهرس مستوفي مثل فهرس تاريخ مصر لابن إياس طبع دار الكتب الخديوية أو أكثر توسعا منه حتى نباهي بان مصر فاقت أوروبا بمطبوعاتها العربية يكونوا لنا هذا قليل الممتع من أمهات الكتب العلمية الذي جود الطابعون طبعه ووضعه خير عزاء لما يصدر كل أسبوع من مطابع مصر التجارية ونخجل منه إمام أنفسنا دع غيرنا من علماء الأمم الراقية حتى لقد قلت ثقة العلماء المشرقيان بمطبوعاتنا اللهم إلا النادر الفذ ولم يعولوا في مصنفاتهم ونقولهم إلا على ما طبع منها في بلاد الغرب خاصة. سجع العماد ذكر لنا احد الفضلاء بأننا حملنا على العماد الكاتب في الجزء عند كلامنا على سيرة صلاح الدين والاستطراد إلى تبجحه بنثره دون التوسع في حسناته في بلاغته وفصاحته وما كان كلامنا فيه إلا من قبيل الاستطراد وإلا فان سجع العماد مما سار مسير المثل في البلاد ولو كان البحث خاصا فيه وقصرنا في توفيته حقه لتم هذا الحكم من كل وجوهه. وها نحن أولاء نشفع ذاك النقد بنقل شذرات من سجعه البديع وأمامنا من كتبه الفتح القسي وزبدة النصر وهما من الكتب التي باكر المستشرقون إلى تمثيلها بالطبع منذ زمن للاستفادة من مضامينهما العماد الكاتب الاصبهاني أبو عبد الله محمد بن صفي الدين المعروف بابن أخي العزيز من طلبة المدرسة النظامية في بغداد ولما تخرج ومهر تعلق بالوزير ابن هبيرة ببغداد غزلاه النظر بالبصرة ثم بواسطة فلما توفي تشتت شمل إتباعه ومنهم العماد الذي أقم مدة. كما روى ابن خالكان في عيش منكد وجفن مسهد ثم انتقل إلى دمشق سنة ٥٦٣ فاتصل بصاحبها نور الدين محمود بن زنكي وبصلاح الدين يوسف بن أيوب وأهل لكتابة الإنشاء قال العماد: فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي ولا تقدمت لي به دراية ولقد كانت مواد هذه الصناعة (أي الإنشاء) عتيدة عنده لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها واتى فيها بالغرائب وكان ينشئ الرسائل بالعجمية أيضا وبعد وفاة نور الدين اتصل بصلاح الدين فنظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين يضاهي الوزراء ويجري في مضمارهم وكان القاضي الفاضل هو الواسطة في ذلك بينه وبين صلاح الدين وقال أنا لا يمكنني الملازمة الدائمة في كل سفرة وغدا يكاتبك ملوك الأعاجم ولا تستغني في الملك عن عقد الملطفات وحل التراجم والعماد يفي بذلك ولك اختاره وقد عرف في الدولة النورية مقداره واخذ للعماد خط السلطان بما قرره له من شغل. وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية والعماد ملازم للباب بشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم. قال صاحب وفيات الأعيان وصنف العماد والتصانيف الفائقة من ذلك كتاب جريدة القصر وجريدة العصر جعله ذيلا على زينة دمية الدهر تأليف الخطيري الذي جعل كتابه ذيلا على دمية القصر للباخرزي والباخرزي جعل كتابه ذيلا على يتيمة الدهر للثعالب وهذا جعل كتابه ذيلا على كتاب البارع لهرون بن علي المنجم وكتاب العماد في عشر مجلدات وصنف كتاب البرق الشامي في سبع مجلدات وكتاب الفتح القسي في مجلدين وكتاب السيل على الذيل جعله ذيلا على الذيل لابن السمعاني وصنف كتاب نصرة الفترة وعصرة القطرة في أخبار الدولة السلجوقية وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات ونفسه في قصائده طويل وله ديوان صغير جميعه دونيت وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاضرات لطاف. توفي سنة ٥٩٧ بدمشق. وسجع العماد الكاتب وان كتب إليه الوزير ضياء الدين بن الأثير صاحب المثل الثائر: وكيف لا يكون ذلك وقلمها هو يراع الذي نفثت الفصاحة في روعة وكمنت الشجاعة بين ضلوعه فإذا قال أراك كيف تنسق الفرائد في الأجياد وإن قال ذلك فهو كلام الأخ لأخيه والسجع كان من مألوفات تلك الأيام وابن الأثير كان مسجع أيضا فن كلام العماد لا يخلو من تخلف مهما تمثلنا قال القلشندي في صبح الأعشى فيما يكون حسن السجع وقبحه: منها إن يكون السجع بريء امن التكلف خاليا من التعسف محمولا على مايأتعي به الطبع وتبديه الغريزة ويكون اللفظ فيه تابعا للمعنى بان يقتصر من اللفظ بما يحتاج إليه في المعنى دون الإتيان بزيادة أو نقص بسبب السجع دون المعنى خرج السجع عن حيز الذم ومنها إن تكون الألفاظ المسجوعة حلوة حادة لا غثة ولا باردة مونقة المعنى حسنة التركيب غير قاصرة على صورة السجع الذي هو تواطؤ الفقر فيكون كمن نقش أثوابا من الكرفس أو نظم عقدا من الحرز الملون: قال في المثل الثائر وهذا مقام نزل عنه الأقدام ولايستطيء إلا الواحد من أرباب هذا الفن بعد الواحد قال ومن اجل ذلك كان أربابه قليلا ولولا ذلك كان كل أديب سجاعا إذا ما منهم من احد إلا وقد يتيسر عليه تأليف ألفاظ مسجوعة في الجملة. وها قد إن أوان نقل فصول من كلام العماد بيانا لمنزلته في النثر وتجليه في حلبة البيان قال في مقدمة الفتح القسي: هذا كتاب أسهمت فيه بين الأدباء الذين يتطلعون اللي الغرر المتجلية وبين المستخبرين الذين يستشرفون إلى السير المتحلية. يأخذ الفريقان منه على قدر القرائح والعقول. . . ويكون حظ المستخبر أن يسمع والأديب إن يقول. فان فيه من الألفاظ ما صار معدنا من معادن الجواهر التي نولدها (انظر إلى هذه الدعوى التي لا تفوقها إلا دعوى الوزير ابن الأثير صاحب المثل السائر) ومن غرائب الوقائع ما صار به لسانا من السنة العجائب التي نوردها وإنما بدأت بالتاريخ به لاستقبال سنة ثلث وثمانين وخمسمائة لان التواريخ معادها إما إن تكون مستحقة من بدء نشأة البشر الأولى راما مستحقة بمعقب من الدول الأخرى فلا امة من الأمم ذوات الملل. وذوات الدول. إلا ولهم تاريخ يرجعون إليه. ويعولون عليه. ينقله خلفها عن سلفها وحاضرها عن غابرها تقيد به شوارد الأيام وتنصب به معالم الأعلام ولولا ذلك لانقطعت الوصل وجهلت الدول ومات في أيام ذكر الأول. ولم يعلم الناس أنهم لعلاقة الثرى. وأنهم نطف في ظلمات الأصلاب طويلة الثرى. وان أعمارهم مبتداه من العهد الذي تقادم لأدم وقد اخذ ربك من بني ادم من ظهورهم ذريتهم أراده من ظهورهم. فليعلم المرء قبل انقضاء عمره وقبل نزول قبره ما استبعده أهل الطي من حقيقة الشر. وتقبل في واحدة من الأطوار شهادة عشر. فقد قطع عمرا بعد عمر. وسار دهرا بعد دهر. وثوى والشر في ألف قبر. وإنما كان من الظهور في ليل إلى إن وصل من العيون إلى فجر ولولا التاريخ لضاعت مساعي أهل السياسات الفاضلة. ولم تكن المدائح بينهم وبين المذام هي الفاضلة. ولقد الاعتبار بمسالة العواقب وعقوبتها. وجهل ما وراء صعوبة الأيام من سهولتها وما وراء سهولتها من صعوباتها فأرخ بنو ادم بيومه. وكان أول من اشترى الموت نفسه وقاع النزع مقام سومه. ثم أرخ الأولون بالطوفان الذي بلل الأرض وأغرقها ثم بالعام الذي بلبل الألسن وفرقها وأرخت الفرس أربعة فإليه ترجع الفرس تواريخ لأربع طبقات من ملوكها أولهم كلشاه ومعنى هذا الاسم ملك الطين فإليه ترجع الفرس بأنسابها وعليه ينسق عقد حسابها وهي الآن تؤرخ بيزجرد أخر ملوكها وهو الذي بزه الإسلام تاج إيوانه وأطفئ نور الله بيت نيرانه وأرخ اليونان من فيلبس أبي لاسكندر والى قلوبطرة أخرهم وهؤلاء المسمون بالحفاء وهم الصابئون وأرخ اليهود بأنبيائهم وخلفائهم وبعمارة البيت المقدس وبخرابه على ما اقتضاه نقل أوائلهم وآبائهم وكانت العرب قبل ظهور الإسلام تؤرخ بتواريخ كثيرة فكانت حمير تؤرخ بالتابعة ممن يلقب يذو ويسمى بفيل وكانت غسان تؤرخ بعام السد حين أرسل الله عرم السيل وأرخت العرب اليمانية بظهور الحبشة على اليمن ثم بغلبة الفرس عليه وأرخت معه بغلبة جرهم للعماليق وإخراجهم عن الحرم ثم أرخو بعام الفساد وهو عام وقع فيه بين قبائل العرب تنازع في الديار فنقلوا منها وافترقوا عنها ثم أرخوا بحرب بكر وتغلب ابني وائل وهي حرب البسوس وثم أرخوا بحرب عبس وذبيان ابني بغيض وهي حرب داس والغبراء وكانت قبل المبعث بستين سنة ثم أرخوا بعام الخنان قال النابغة الذبياني: فمن بك سائلا عني فإني من الفتيان في عام الخنان وأرخوا بعدة من مشاهير أيامهم وأعوامهم بعام المخانق وعام النائب ويوم ذي قار وبحرب الفجار وهي أربع حروب ذكرها المؤرخون وأسندها الراوون وأدنى ما أرخوا به قبل الإسلام بحلف الفضول منصرف قريش من الفجار الرابع وبحلف المطيبين وهو قبل حلف الفضول ثم بعام الفيل وهو الجار ذو القربى لتاريخ الإسلام وخرجت إمام الجمعة فطويت الصحف وجفت الأقلام واظهر الله على الأديان الدين القيم ونسخ تاريخ الهجرة كل تاريخ متقدم. وقال في مفتتح فصل في ذكر ما جرت عليه حال الفرنجة في خروجهم من القدس وشرع الإفرنج في بيع الأمتعة واستخراج ذخائرهم المودعة وباعوا بالمجان في سوق الهوان وتقاعد الناس بهم فابتاعوا بأرخص الإثمان وباعوا بأقل من دينار كل ما يساوي أكثر من عشرة. وجدوا في ضم الذهبيات والفضيات من الأواني والقناديل والحريريات والمذهبات من الستور والمناديل ونقضوا من الكنائس الكمائن واستخرجوا من الخزائن والدفائن وجمع البطرك الكبير كل ما كان على القبر من صفائح التبر ومصوغات العسجد ومصنوعات اللجين وجميع ما كان في قمامة من الجنسين والنسيجين فقلت للسلطان هذه أموال الكنائس والأديار فلا تتركها في أيدي هؤلاء الفجار فقال إذا تأولنا عليهم نسبونا إلى القدر وهم جاهلون بسر هذا الأمر فنحن نجريهم على ظاهر الأمان ولا نتركهم يرمون أهل الإيمان بنكث الإيمان بل يتحدثون بما أفضناه من الإحسان فتركوا ما ثقل وحملوا ما عز وخف وتفضوا من تراب تراثهم وقمامة قمامتهم الكف وانتقل معظمهم إلى صور وكتفوا بالديجور الديجور وبقي منهم زهاء خمسة عشر ألفا امتنعوا عن مشروع الحق فاختصوا بمشروط الرق فإما الرجال وكانوا سبعة ألاف فأنهم ألفوا ذلا لم يكونوا آه بآلاف فاقتسمتهم أيدي سبا وتفرق الغانمون بجمعهم في الزهاد والربا وأحصيت النساء والصبيان ثمانية ألاف نسمة عادت بيننا مقتسمة وأصبحت ببكائها وجوه الدولة مبتسمة. وأنت ترى انه لو رفعت بعض الأسجاع من هذا الفصل البادي التكلف عليه لأصبحت عبارة العماد من السهل الممتنع ولكنه تشبث بأذيال هذه الصناعة واثر التصنيع الصعب المنقادة على الطبع السلس. وقال من فصل أخر وسار السلطان ومعه عماد الدين زنكي وسيفه بصقله يضحك وبدم الكفر يبكي ومظفر الدين كوكبوري وهو الذي حين يواري صارمة في نجيع العدى لزند الظفر يوري وصحبه من فرسان العرب كل فارس معرب ومن شجعان الأكراد كل فاتك مخرب ومن فتاك الأتراك كل قصور قاصر ومن صيد الصناديد كل كسروي كاسر وكل كمي كميش واكديش على اكديش وقارح على قارح وخضم على سابح وجرى جار جارح وبهمة وبطل وجبل على جبل وفحل على فحل وذمر نكل وورد على ورد ومرد على جرد وحلس على حلبس وباشر بالموت معبس واهيس اليس واحمى أحمس ووغشمشم همام وأيهم مقدام وباسل ذي باس وعاسل عاس ورئبال على رئبال ومشتمل على شمال وبحر على بحر وصقر على صقر وركبوا سلالهم وجنبوا جنائنهم وجروا على الساحل سيولا وجروا بالذوابل ذيولا وطارابليس طرابلس بخوا في الخوف ودام الجوى في رعب أهلها بدم الجوف وما سار إلا من خف في نهضته ونهض بخفته وأحسن حصن الأكراد بالا كدار وصفت على صافيتا بوارق البوار وقطع عرق عرقا وعقرت وتعرت العريمة وتعرقت ومزعت تلك الأعمال ومزقت وأرهقت وأزهقت ونفرت أنفارها وبقرت أبقارها وملئت بالدوائر ديارها وسيقت مواشيها وحشيت بالنيران أوساطها وحواشيها. وفي كتاب الفتح القسي فصول اشد إيغالا من هذا التكلف الذي اقتبسنا نموذجا منه للتعريف بأسلوب هذا الكاتب وله أيضا في زبدة النصرة ونخبة العصر الذي اختصره الفتح البندري ونشه الأستاذ هو تسما الهولندي المستشرق الشهير لأول مرة في الغرب قال في بداية حال السلجوقية وهم أتراك كانت السلجوقية ذوي وعدد وأيد ويد لا يدينون لأحد ولا يدنون من بلد وميكائيل بن سلجق زعيمهم المبجل وعظيمهم المفضل وقد سكنوا من إعمال بخارا موضعاً يقال له نور بخارا وما زالوا في انصر شيعة وأنضر عيشة وهم في الرعي يكلئون الكلأ وفي الريع يملئون الملأ لا يذعر داعر ولا يردعهم رادع والسلاطين يرعونهم للملمات ولا يرعونهم ويدعونهم للمهمات ولا يدعونهم حتى عبر عب السلطان يمين الدولة محمود بن سبكتكين إلى بخارا المساعدة قدر خان فرأى مكيال مكيائيل بحصا الحصافة معيرا وصاع مصاعه بباسل البسالة موفرا فرغب في استغرابه وانجذب إلى اجتذابه وأراد إن يعبر إلى خراسان به وبأهله ويكنف أكنافها الذي الحفظ والحفيظة بنبله ونبله وامتنع ميكائيل عليه ومال عنه ولم يمل إليه فغاظ السلطان تمنعه فقبضه واعتقله وعبر به وبأصحابه إلى خراسان ونقله وقال له ارسلان الحاجب أني أرى في أعين هؤلاء عين الهول وأنهم لمعروفون بالجرأة والقوة والحول والرأي عندي إن تقطع إبهام كل من تعبره منهم ليؤمن ضره ولا يخاف شره فما قبل خطابه في هذا الخطب وقال له انك لقاسي القلب فلما أقاموا في خراسان تقربوا إلى عميدها أبي سهل احمد بن الحسن الحمدوني وأهدوا إليه ثلثه أفراس مختلية وسبعة أجمال بخطية وثلاثمائة رأس غنم تركية وهداه إقبالهم إلى قبول الهدية وكانوا سألوه إن بمرجهم في المروج ويسد بمواشيهم محارم تلك الفروج فعين لهم مروج دندلقان فقاربها وما قاربها وتحاكماها من عداهم وجانبها وتوفي محمود بن سبكتكين وهو كاره لأمرهم مثفق من وميض جمرهم مستشف ستر القضاء في قضية شرهم وجد أبو سهل الصعب فيهم سهلا. واتخذهم لارتفاقه بهم صحبا وأهلا ونفذ مسعود بن محمود بن سبكتكين عسكرا من غزة إلى خراسان فواقعهم وقتل منهم عدة واسر منهم جماعة حملهم إلى غزة منهم يبغوا إلى خراسان فاستعطفوه فلم يعطف واستسعفوه فلم يسعف ولما غلق رهنهم وتوثق شربوا كاس اليأس وأبدلوا إيناس الناس بايحاش الحاشية ومشى شحنة طاس لاستياق ما لهم من ماشية واستلان خشونتهم واستسهل صعوبتهم ولما ظن انه أب بالغنم والغنيمة وباء بعز العزيمة ركبوا إليه صهوات الخنق وصرفوا نحوه أعنة الخيبة والعنق حتى لقوه فتركوه لقي وتبعوا المنهزمين ودخلوا إلى طاس فملكوها وجاسوا خلال ديارها وسلكوها وتشاوروا في ما بينهم وقالوا هذا بحر خضناه وفتح ابتكرتاه وطاس مدينتنا التي تؤوينا وحصننا الذي يحمينا فلا نفرج عنها ولا نخرج منها وشرع أبو سهل الحمدوني في إدراك ما فرط واستمساك ما اخبط وكادوا يجيبونه بالجميل ويحملون في الجواب ويميلون بما لأته إلى صوب الصواب فتسرع شحنة نيسابور وتعسر وجند وعسكر وشن على سرحهم غارة على غارة ونهض لمنفعة نهضت بمضرة فركبت السلجوقية إليه والى جماعته إرسالا ونبشوا معهم وشبوا قتالا وهزموهم وكسروهم وقتلوهم وأسروهم وامتدوا إلى نيسابور فدخلوها ووجدوا في خلوها فرصة فاهتبلوها وذلك في شهر رمضان سنة ٤٢٩ وعزموا على مد يد ونهب البلد فمنعهم طغرليك محمد بن ميكائيل بن سلجق وهو أميرهم وكبيرهم وقال لهم نحن في شهر حرام لأنهتك عصمته ولا يحصل من النهب ارب وإنما يسوئنه السمعة ويشيع الشنعة فنفرت جماعته من مقاله وسخفوا رأيه في تبيين حرام الفعل وحلاله. إلى إن قال واستولوا على خراسان وتجاوزوها إلى العراق وطارا على ملك الديلى ورموه بالصليم وغلوا الأملاك وبلغوا الأفلاك واقتسموا البلاد وطرفوا إطرافها والبلاد قال وهذه السنة ( ٤٣٧ ) هي أول سنة ورد فيها الأتراك (السلجوقيين) إلى العراق وانتشروا منها في الأفاق ثم قال وأجفل الملوك من خوف إقدامهم وتنحوا من طريق ضرامهم فما جاؤوا إلى بلدة إلا ملكوا مالكها وملئوا مسالكها وأرعبوا ساكنيها واسكنوها الرعب وغلبوا ولاتها وولوها القلب وازوروا إلى الزوراء وأشاعوا مد اليد بالغارة الشعواء وقال في ظهور الإسماعيلية فنابت نوائب وظهرت العجائب وفارق الجمهور بيننا جماعة نشئوا على طباعنا وكالوا بصاعنا وكانوا معنا في المكتب واخذوا حظا وافرا من الفقه والأدب وكان منهم رجل من أهل الري وساح في العالم وكانت صناعته الكتابة فخفي أمره حتى ظهر وقام فأقام من الفتنة كل قيامه واستولى في مدة فريبة على حصون وقلاع منيعة وبدأ من القتل والفتك بأمور شنيعة وخفيت عن الناس أحوالهم ودامت حتى استتب على استتبا بسبب لن لم يكن للدولة أصحاب أخبار وكان الرسم في أيام الديلم ومن قبلهم الملوك أنهم لم يخلوا جانبا من صاحب خبر وبريد فلم تخف عنهم أخبار الأقاصي والداني وحال الطائع والعاصي حتى ولي في الدولة السلجوقية ألب ارسلان محمد بن داود ففاوضه نظام الملك في هذا الأمر فأجابه انه لا حاجة بنا إلى صاحب خبر فان الدنيا لا تخلو كل بلد فيها من أصدقاء لنا وأعداء فإذا نقل إلينا صاحب الخبر وكان له غرض اخرج الصديق في صورة العدو والعدو في صورة الصديق فاسقط السلطان هذا الرسم لأجل ما وقع لهم من الوهم فلم يشعر إلا بظهور القوم وقد استحكمت قواعدهم واستوثقت معاقدتهم وأخافوا السبل وأجالوا على الأكابر الأجل وكان الواحد منهم يهجم على كثير وهو يعلم انه يقتل فيقتله غيلة ولم يجد احد الملوك في حفظ نفسه منهم حيلة فصار الناس فيهم فريقين فمنهم من جاهرهم بالعداوة والمقارعة ومنهم من عاهدهم على المسالمة والموادعة فمن عاداهم خاف من فتكهم ومن سالمهم نسب إلى شركهم في شركهم وكان الناس منهم على خطر عظيم من الجهتين فأول ما بدؤوا بقتل نظام الملك ثم اتسع الخرق وتفاقم الفتق ولما أكنوا تجمعوا من كل صنف تطق إلى جميع أصناف الناس التهم ودب البري السقم وتوفرت على التوفي الهمم. هذه هي انموذجات من سجع العماد ولعل في ذلك فائدة لمن يحب هذه الطريقة ولكنها صعبة لا تنتج في هذا العصر الذي أصبح فيه المعاني قبل المباني. احمد فتحي باشا زغلول رزئت مصر بل البلاد العربية برجل نافع في نهضتها العلمية والاجتماعية والفضائية ونعني به المرحوم احمد فتحي باشا زغلول من رجال الفضاء في مصر رفعه عمله إلى المناصب العالية وكتب له عمله درجة سامية بين العلماء بما ألف وعرب توفاه الله عن نحو خمسين عاما في القاهرة وكان من الرجال العاملين الذين يصرفون فضل أوقاتهم في التعريب والتأليف وجميع ما عربه وألفه من الكتب الاجتماعية والحقوقية يدل بعد غوره وانه لا ينشر للناس إلا المفيد فأول كتبه التي نشرها كتاب أصول الشرائع لبنثام الانكليزي عربه عن بالافرنسية في مجلدين لطيفين ثم عرب كتاب خواطر وسوا نح في الإسلام للكونت هنري دي كاستري ثم كتاب سر تقدم الانكليز السكسونيين لادمون ديمولان وهذا اشتهر كثيرا واثر وأي اثر في نفوس كل من طالعوه وترجم أيضا كتاب روح الاجتماع للفيلسوف كوستاف لوبون صاحب كتاب حضارة العرب وكتاب سر تطور الأمم لذاك الفيلسوف أيضا وألف من الكتب كتاب المحاماة وكتاب شرح القانون المدني. احتفل رجال العلم والقضاء والحكومة في مصر في أوائل شهر حزيران من السنة الفائتة في مقر الجامعة المصرية بالعالم فتحي باشا على اثر نشره كتاب شرح القانون المدني فتليت خطب كثيرة في إعماله وقدمت له نسخة مجلدة تجليدا مذهبا من كل كتاب ألفه ورسالة شكر وقع عليها المحتفلون. وفي التاسع من أيار هذه السنة احتفل طائفة من رجال العاصمة المصرية يوم الأربعين من وفاته بتأبينه وتعداد بيض أباد به علي العلم والقضاء وذلك في الأوبرا الخديوية بحضور جمهور كبير من العلماء والفضلاء والشعراء والوزراء والوجهاء فتقدم حسين رشدي باشا رئيس النظار ورئيس لجنة الاحتفال إلى مكان الخطابة وتلا خطبة ثم قام بعده عبد الخالق باشا ثروت ناظر الحقانية والقي خطبة رنانة ثم تلاهما الشيخ محمد الخضري وكيل مدرسة القضاء الشرعي والقي خطبة بليغة عن بعض ما يعرف عن الفقيد من النبوغ فيما اشتغل معه فيه من الأمور الشرعية ثم تلاه محمود بك أبو النصر المحامي نائبا عن المحاماة فصور للناس احمد فتحي زغلول باشا وحيد زمانه في الخطابة والكتابة والتأليف والتعريب وفضائل النفس وسمو الأخلاق ثم تلاه حسن بك عبد الرزاق المحامي نائبا عن الجمعية الخيرية الإسلامية فمثله في بره بالفقراء وعطفه على المعوزين ثم قام على أثره احمد بك لطفي السيد مدير الجريدة نائبا عن الصحافة والأدب فأتى على تاريخ الفقيد وسر نبوغه وإغراضه الكامنة في صدره منذ نعومة إظفاره في المبادئ السياسية والاجتماعية والتشريعية. وبعد إن أتم الخطباء خطبهم تقدم محمود بك نبيه المصري والقي مرثيه وتلاه الشيخ عبد الوهاب النجار المدرس بمدرسة البوليس قارئا لقصيدة الشيخ عبد المحسن الكاظمي شاعر العراق التي أجمل فيها العزاء لكل مصاب بهذا الفقيد سواء في مصر أو غيرها. ثم تلاه الشيخ عبد المطلب المدرس بمدرسة القضاء الشرعي فاسترق النفوس بما أودعه في قصيدته من الحقائق عن الفقيد العزيز ثم قام بعده خليل أفندي مطران فالقي قصيدة بليغة. وبعد ذلك هم سعد زغلول باشا شقيق الفقيد ومن كبار رجال مصر إلى مكان الخطباء ليقدم بالأصالة عن نفسه وبالنيابة عن عائلته الحزينة شكره للأمة المصرية على ماجبرت من خاطرهم فخانته قواه وارتج عليه باب القول ففاضت عبراته وقال كلمة متقطعة في ذلك. فما قاله رئيس النظار وهو من نبغاء مصر في العلم والقضاء أيضا: فان كنتم قد اجتمعتم اليوم مدفوعين بما عليكم الوجدان بتمجيد ذكراه وتعداد مناقبه ومآثره فإنما انتم تدلون بعلمكم هذا على ما كان للفقيد من المكانة الرفيعة في نفوسكم وعلى إنكم تعرفون أقدار الرجال. اشتغلت أنا والفقيد في نظارة الحقانية زمانا طويلا كان فيه ساعدي اليمين، وكان لي نعم المعين. واليتني كنت افتتح اليوم هذه الحفلة لا لتأبينه بل لتكريمه حيا ومستمرا على تأدية خدمة الجليلة لوطنه فانه والحق يقال كان من اكبر مظاهر الرقي العقلي في وادي النيل. وقال ناظر الحقانية وهو من رجال العلم والقضاء أيضا: إلا كل شيء ما خلا الله باطل وكل نعيم لا محالة زائل باطل هذه الدنيا بما فيها واكبر باطل فيها الحياة كالبرق خلاب بشدة السنا فإذا الظلام في عقبه أو ادني. وقلما يفكر الأحياء في هذه الحقائق الوهاجة أو يتدبرها إلا إذا مضى رجل منهم كبير بعمله كبير بآثاره. لمثل ذلك اجتمع هذا الجمع. اجتمع بذكر رجلا كبيرا قضى نخبه لا حتف انفه ولكن في جهاد عظيم وقتال كبير وليس لعمري دمه إلا ذلك المداد الغزير الذي أجراه سيف القلم على صفحات المصنفات التي أفاء الله بها عليه من المعرب والمنشأ أريد المرحوم احمد فتحي زغلول. ليس أدل على إن هذا الرجل نابغة من اعتراف فضلاء الأمة له بالفضل ولا تزال وأصواتهم ترن في أذاننا لقرب عهدنا باجتماعهم تكريما له وإجلالا لإعماله. احتفلوا بالأمس بفضله واجتمعنا اليوم لتأبينه لا غرابة فالعواصف لا تصيب إلا الأشجار الباسقة والصواعق لا تنقض إلا على ما تسامى فوق الناس إلى السماء والموت نقاد على كفه جواهر يختار منها الحسان توفي المرحوم فتحي باشا ولو إن للهمة شفاعة أو لو إن العزيمة تقبل عدلا لكان أول الخالدين ولكن هذا أمر الله ولا راد لما قضى. لو أردت إن أو في الرجل حقه من الوصف لما وسعني وقت ولما استغنيت بقلمي ولساني وحسبه رحمه الله السنة الخلق وأقلام الحق فقد وضعوه الموضع الذي هو به جدير. لقد كان في كل ميدان فرس رهان - كان كما يقولون رجلا جامعا رجلا عموميا نبغ في المعقول والمنقول معا ومعه الأدب الجم تزينه البلاغة ويزنه المنطق الصحيح إلى العلم الغزير تثبته الحنكة وتؤيده قوة العارضة إلى صفات نادرة في تصريف الأمور. كان كاتبا يرقص الأرواح بكتابته طربا وخطيبا لو قام بين وحوش علم الضاريات بر النقاد. كانت له باع طولي وذوق سليم في كل شيء يجمع إلى هذا كله شغفا غريبا بحسن التنسيق والتنظيم وليس على الله بمستنكر إن يجمع العالم في واحد ليس من قصدي إن اشرح حياة الرجل كلها فهذا ما ليس لي فيه مطمع وإنما أردت إن اذكر ما يحتمله المقام من ذلك. أردت إن يعرض قومه جنوده التي جاهد بها وعدد التي اعتد بها - كما تعرض الجيوش في لحظة ليتعرفوا. لم؟ لان لقوته صلب المعضلات واستقامت لغمزته قناة المشكلات. . . وبعد إن أجمل حياته القضائية حتى أصبح وكيلا لنظارة الحقانية وكانت هذه أخر عهد له بالوظائف قال: لست أبالغ إذا قلت إن جهاده في عام من أعوامها يقصر دونه جهاد رجال في أعوام. لم يقتصر همته على أعمالها الكثيرة العظيمة بل كنت تجده عاملا في كل شان من الشؤون العامة. له في نظارة الحقانية فضل المشاركة والمعاونة في وضع كل القوانين التي وضعت في عهده وهي كثيرة وفي الدرجة الأولى من المكانة واليه وحده يرجع الفضل كله في وضع قوانين المحاكم الشرعية التي يدعم عليها نظامها الحالي ولولا همته التي لا يعتريها الإكلال لما كانت الآن تلك المحاكم إلا كما كانت عليه قبل نظامها الحالي وكذلك كانت له اليد البيضاء والفضل الأول في النظام الحالي للمعاهد الدينية فان الجناب العالي لما توجهت أنظاره الكريمة إلى إصلاح تلك المعاهد عهد في وضع نظام جديد لها إلى لجنة الفت تحت رئاسة الفقيد ومعه زميلي صدقي باشا ناظر الزراعة ومنى واني لأؤدي دينا علي وعلى زميلي باعترافي الآن على هذا الملأ بان فتحي باشا رحمه الله هو وحده صاحب الفضل في كل ما وضع من النظامان الجارية عليها الآن هذه المعاهد لم تنته تلك الأعمال الكثيرة والمشاغل الجمة وقد أضنت جسمه وأضعفت قوته عما عود عليه أمته من خدمتها بالتأليف والتعريب وكان عهدها نفث هذا القلم القادر البليغ هذا المصنف الجليل الذي وضعه في شرح القانون المدني. حياة كلها جهاد وعمل لم يؤت فيها عقله وجسمه قسطهما من الراحة مدفوعا إلى ذلك بعوامل فطرته مغالبا نواميس الطبيعة. وخطب احمد لطفي بك السيد قال: إن شدة الذكاء وقوة النفس وحسن الإخلاص تلك الصفات التي ظهرت أثارها على فتحي باشا منذ شبابه الغض راجع معظمها إلى التأثير الوراثي من أبوابه وعلى الأخص والدته التي أفاضت عليه من صفاتها بما يفيض الأصل على الفرع وبما تعهدت أمره في التربية الأولى وما غرست فيه من المبادئ الصالحة مما جعل لفتحي شخصية ممتازة منذ صباه. لا يأخذكم العجب من قولي فان من أمهاتنا نحن القرويون من هن مع بساطة في المدارك العقلية وبعد عن المغلوب والمعارف على جانب عظيم من الذكاء الفطري ورفعة الأخلاق وعزة النفس وذوق الرفيع في الحكم وطيبة وتقوى في المعاملات ينقلن هذه الصفات لأبنائهن بحكم القانون الانتقال الوراثي فتكون لهم رأس مال في الحياة العملية ولولا هذه الصفات لهلك القرويون غير المتعلمين بما هم فيه من جهل عميق وما عانوا من استبداد طويل ولكن هذه الصفات الأولية قد قامت في نجاحهم مقام المعارف زمنا طويلا ولا يزال الاتكال عليها وحدها يؤدي إلى الآن نتائجه المتعارف في بلادنا فإذا جاءت العلوم والمعارف على هذه الصفات الأولية ظهر النبوغ قلة وكثرة تبعا لقوة الاستعداد أي لقوة تلك الصفات الوراثية فللأمهات القرويات إن يقبلن أيضا شكر الجيل الحاضر علينا إن نعترف علنا ومن غير تردد بما للأمهات من المكانة العظمى من حيث توريث البنين والقيام على تربيتهم الأولى وأمامنا المثل الحسي أن والدة فتحي باشا ينسب إليها الفضل الأكبر في أن أخرجت لمصر نابغين نرجو له العمر الطويل ونابغة فقدناه إسفين فقدناه ونقدم اليوم للتاريخ منه صورة هي أقوم صور نوابغنا حجة لحسن الاستعداد وعلو الكفاءة العلمية والعملية جميعا. قال: أن فتحي باشا كان رجل ارتقاء لا رجل ثورة - أنه كان يكره الثورة - بعد سن الرجولة بالضرورة يكرهها بكل مظاهرها حتى الفكرية منها فكما انه كان يرى إن الخير القوانين ليس هو القانون الحسن في ذاته ولكنه القانون الذي يحتمل الشعب تطبيقه كذلك كان يرى إن خير المبادئ الاجتماعية والسياسية هو ما كان بينه وبين طبائع الشعب وعاداته نسب تكمل ما فيها من اعوجاج. ويكتب ينالا يكاد يفارقه حتى يناديه الصبح من كثب لا ملل ولا سأم، تلك لذته ربها غرامه لا يزيده عذل العاذلين فيها إلا ولوعاً وربما أدرك سماره الإكلال وتشابهت عليهم وجوه الكلام وهو حديد الذهن كبير النفس ماضي العزيمة. ولم يكن سمره ولا عمله إلا فيما يرضي ضميره من كتاب يؤلف أو يترجم أو عمل صالح يقدم للجمهور من أمته. وقد ظهر لنا علو كعبه في حب الخير بما قام به في شأن الأزهر المعمور تلك المدرسة العظيمة التي بصلاحها يصلح عالم كبير من هذه الأمة إلى أن قال: ثم وضع بعد ذلك مشروع القانون الأخير ونماذج التعليم في العلوم المختلفة وقد كان عند وضعه واسع الأمل يريد للأزهر أن يكون فوق هامة المدارس وأن تكون مصر به فوق هامة البلاد الإسلامية كافة كما كان لها ذلك فيما مضى من الأزمان. وقد حاز هذا التقرير قبولاً لدى الجناب العالي الخديوي فصدر أمره الكريم أن يجري العمل به. ألف مجلس الأزهر الأعلى من ستة تعينهم وظائفهم ومن ثلاثة اختيروا الصلاح. أمر التعليم ومارس تشريع القوانين وتنفيذها وكان الفقيد أحد هؤلاء الثلاثة فسار في أمره سيرة رجل ينشد الإصلاح ويحث عليه فكنا نراه مهتماً بإنفاذ هذا القانون باذلاً جهده في علو شأن الأزهر والأزهريين كما يبذل الرجل جهده في تثقيف ولده وتقويم أوده يحب العامل ويثني عليه ويكره الكسول وينفر منه، يسوس النافر ويستجلب الشارد حتى لان له الأبي ورضي عنه الناس بعد أن علموا إخلاصه وتفانيه فيما يصلح شأنهم ويرقي جامعتهم. وقد سار الأزهر بتلك الهمة الشماء شوطاً بعيداً في طريق السداد والصلاح. وكما يتوجب الوفاء علينا أن نذكر لفقيدنا هذا الأثر الخالد نذكر له مواقفه في إصلاح المحاكم الشرعية فما من قانون أو لائحة وضعت لنظام هذه المحاكم وانتشالها من وهدتها إلا كانت له اليد الطولي في وضعها وإنفاذها، كان ينظر نظراً دقيقاً إلى ما هذه المحاكم من التأثير في حال الأسر المصرية الإسلامية والوصول بها إلى شيء مما تطلبه لها من النظام والاستناد على دعامة متينة وكان يرى والحق ما يرى أن الأمة لا يتم تكونها ولا ترتقي جماعتها إلا إذا اطمأنت الأسرة وأمن القرينان اللذان هما عمادها خطر الظلم وامتداد الآجال عند التقاضي إذا لم يكن منه بد تأصل هذا في نفسه فكان يرى صلاح هذه المحاكم من أول واجبات المفكرين والعاملين المخلصين فكان ينتهز الفرصة السانحة لإدخال كل نظام يسهل على المتقاضين حاجتهم وقد نجح في كثير مما أراد نجاحا عظيما وإن لم يكن كل ما أراد، وكانت الرابطة متينة في نفسه بين العملين إصلاح المعاهد الدينية وإصلاح المحاكم الشرعية لذلك كان مجهوده العظيم مبذولاً نحو الإصلاحيين على السواء. تسمية أبطال العرب وقاتليهم في الإسلام ( ١ ) الطبقة الأولى الذين أدركوا الجاهلية والإسلام حمزة بن عبد المطلب - أسد الله قتل في غزوة أحد رماه وحشيٌ مولى جبير بن مطعم بحربة نذر النبي صلى الله عليه وسلم أن يقتل به سبعين رجلاً من قريش وكبر عليه في الصلاة سبعين تكبيرة. أمير المؤمنين علي عليه السلام - قتله عبد الرحمن بن ملجم الأيادي وهو في صلاة الصبح وقيل كان داخلاً إلى المسجد بالكوفة. الزبير بن العوام - حواري رسول الله صلى الله عليه وسلم قتله عمر بن جرموز. خالد بن الوليد - هو صاحب أهل الروم وخالد الذي فتح دمشق وأكثر بلاد الشام وله واقعة عظيمة في الروم ووقعة مسيلمة ولم يلق المسلمون مثلها وقتل مسيلمة. مات خالد على فراشه وكان يقول لقد شهدت كذا وكذا - قولهم كذا وكذا من تعبير المؤرخين - وما في جسدي موضع شبر إلا وفيه طعنة أو ضربة أو رمية وها أنا أموت على فراشي فلا نامت أعين الجبناء ويروى أن وجد بجسده ثمانون مابين ضربة وطعنة فأما السهام فلم تكن تحصى وهو صاحب وقعة اليرموك في ثلاثمائة ألف. عمرو بن معدي كرب - فارس من فرسان الجاهلية ثم ارتد ثم عاد إلى الإسلام شهد حروب الفرس وكان له فيها أثر وعمر حتى ضعف وارتعش وهو أشهر الفرسان ذكراً طليحة الأسدي - من أكبر الشجعان جاهلية وإسلاماً ارتد وتنبئ وجمع جمعاً عظيماً وأغواهم وكان يتكهن ففل الجميع خالد وعاد طليحة إلى الإسلام وشهد حرب القادسية وغيرها من الفتوح وكانت له فيها آثار ومواقف المقداد - كان فارساً بطلاً رامياً وهو أول من رمى في سبيل الله ولما تخير عمر من يؤمن على قتال الفرس واستشار فيه قيل له هو الليث عادياً فبعثه حتى فتح العراق ولما قتل عثمان اعتزل ولم يشهد الحرب بعده ومات حتف أنفه. أبو دجانة الأنصاري - الذي أخذ سيف رسول الله لما عرضه على الجماعة وخرج أبو دجانة يتبختر بين الصفين فقال صلى الله عليه وسلم إنها لمشية يبغضها الله إلا في هذا الموضع. مسعود الثقفي - قتل الفيل عمار بن ياسر - صاحب رسول الله قال فيه لا تؤذوني في عمار فعمار جلدة بين عيني وأخبر أنه تقتله الفئة الباغية قتل بصفين مع علي عليه السلام. هاشم بن عتبة - من أكابر الشجعان صاحب راية علي بصفين وله فتح جلولاء وهي الواقعة المشهورة مع الفرس. مالك النخعي الأشتر - مات مسموماً في شربة من عسل فقال معاوية أن لله جنوداً من جملتها العسل. القعقاع بن عمرو - طاعن الفيل في عشية القادسية. أيام بنية أمية الطبقة الثانية عبد الله بن الزبير بن العوام - قاتل جرجير ملك افريقية قتله الحجاج بعد أن حوصر بمكة وأسلمه أصحابه وعشيرته ومثل به. أبو هاشم بن الحنفية - مات حتف أنفه. عبد الله بن حازم السلمي - والي خراسان كبش مصر قتله وقيع بن الأسود. وكيع بن أبي سويد - ولي خراسان بعد ابن حازم فلم يضبط الأمر لهوجه مات حتف أنفه. مصعب بن الزبير - جاد بماله وبنفسه عرض عليه الأمان وولاية العراقيين وقد خذله أصحابه وبقي في نفر فأبى أن يمضي حميداً كريماً قتله عبيد الله بن زياد - هذا غير ابن زياد الدعي - في الحرب التي كانت بينه وبين عبد الملك بن مروان. ابن مليك التغلبي - قتله عمير بن الحباب إبراهيم بن الأشتر - الآخأنفه. الحسين بن علي لقي عبيد الله بن زياد في أربعة آلاف وعبد الله في سبعين ألفاً فقتله بيده وهزم جيشه وحارب مع مصعب حتى لم يبق سواهما وبذل له الأمان والولاية على أي بلد شاء فلزم الوفاء لمصعب وقتل أمامه. مسلمة بن عبد الملك - فحل بني أمية وفارسها ووالي حروبها مات حتف أنفه قتل. ر قريش - شاعر شجاع فاتك كان لا يعطي الأمراء طاعة له وقائع عظيمقتل. . جدر بن ربيعة - لص فاتك شاعر أعي الحجاجومحك. حتال عليه فحصله وحبسه ثم اصطاد سبعاً ضارياً وجعله في حفيرة وألقي جحدر عليه مقيداً وبيده سيف فقتل الأسد وقال: ليث وليث في مجال ضنك كلاهما ذو أنف ومحك. فأطلقه الحجاج ومات حتف أنفه. المهلب بن أبي صفرة وأولاده - كلهم أنجاد وكان المهلب يجمع إلى النجدة الرأي والحزم وله في الحرب مكايد مشهورة ووقائعه في الخوارج أبادتهم مات حتف أنفه وكذلك ابنه المغيرة وفيه يقول زياد الأعجم: مات المغيرة بعد طول تعرض للموت بين أسنة وصفاح القتال الكلابي - جنى جناية فخافها فأقام في جبل عشر سنين يأكل من صيده. أبو بلال - خرج في أربعين فهزم ألفينيشبيب الخارجي - الذي غرق في الفرالمؤمنين. لا يبلغون ألفاً نذرت امرأته غزالة تصلي في جامع الكوفة ركعتين تقرأ في إحداهما (البقرة) وفي الثانية (آل عمران) فعبر بها جسر الفرات وأدخلها الجامع ووقف على بابه يحميها حتى وفت بنذرها والحجاج في الكوفة في خمسين ألفاً. قطري - قتل في بعض الوقائع مع المهلب وكان رأس الخوارج خاطبوه بأمير المؤمنين. الدولة الهاشمية الطبقة الثالثة معن بن زائدة الشيباني - قتله الخوارج في أيام المهدي. الوليد بن طريف الشيباني - هكذا في الأصل. عمر بن حفص - أخو المهلب قيل أنه كان يتصيد فتبع حمار وحش ومازال يركض إلى أن حاذاه فجمع جراميزه ووثب على ظهره ومازال يجز عنقه بسيف أو بسكين في يده حتى قتله. أبو دلف القاسم العجلي - فارس بطل شاعر مغن نديم جامع لما تفرق في غيره طعن فارسين رد بفين فأنفذهما. المعتصم - كان يشد يده على كتابة الدينار فيمحوها ويأخذ العمود الحديد فيلويه حتى يصير طوقاً في العنق وهمته في فتوحه تناسب شدته في جبلته. قوميتنا ولغتنا مسألة القوميات من مسائل القرن التاسع عشر ولدت فيه ونشأت وترعرعت وربما كان الفرنسي أسبق غيرهم من الشعوب المتحضرة إلى إنشاء القومية والتناغي بها منذ قيامهم بثورتهم الأولى وقد قام اليونان في سنة ١٨٢١ - ١٨٣٠ وخلعواالطاعة العثمانية باسم القومية وقام البلجيكيون وانفصلوا في سنة ١٨٣٠ - ١٨٣١ عن الهولنديين بهذا الاسم أيضاً وثارا لبولونيون في سنة ١٨٣٠ - ١٨٣١ والمجرفي سنة ١٨٤٨ مدفوعين أيضا بعامل القومية والجنسية وساعد نابولي الثالث على إنشاء القومية الإيطالية أو الوحدة الإيطالية في سنة ١٨٥٩ وسها عن تأليف الوحدة الألمانية في سنة ١٨٦٦ - ١٨٧٠ وكثيرمن الدول العظمى تتخذ من تشابه اللغات حجة لتوحيد الجنسيات والقوميات وضم من تراهم أهلاً لذلك مثل الجامعة الجرمانية والجامعة السلفية وفي البلقان تجري اليوم قاعدة الجنسية على أصولها يريد الروماني والبلغاري والصربي والرومي أن ينشئوا لهم من الضعف قوة ويوحدوا ألسن من ينضمون تحت لوائهم وتجنسوهم بجنسياتهم خلافاً لما جرت عليه الحكومة العثمانية في الروم أيلي مدة خمسة قرون. وقد أنشأ بعض أتراك الأستانة يؤسسون منذ مدة لنشر لغتهم وإقامة دعائم قوميتهم أندية كثيرة مثل ترك يوردي وترك درنكي وترك أوجاعي وغير ذلك وإليك مقالتين لنا في هذا المعنى كنا نشرناهما في جريدة المقتبس (عدد ١٢٣٠ - ١٢٤٦ ٢٥ رجب ١٣٣١ و ١٣ شعبان هـ ١٣٣١ حزيران وتموز ١٩١٣ ) فان فيهما الماعاً كبيراً إلى هذا الموضوع الخطير ولعل الطبقة المفكرة العالمة تعاود البحث فيه بحثاً علميا مجردا عن الشعوبية والعصبية. ذكر علي كمال بك من كبار أدباء الأتراك في إحدى افتتاحياته الأخيرة في إقدام: مبحثاً في أن القومية هي قوة فقط ورد بالبراهين التاريخية على من قاموا يؤسسون أندية تركية صرفة فقال أن ألمانيا حاولت بما فيها من قوة منذ ثلاث وأربعين سنة وقد استولت على ولايتي الألزاس واللورين من فرنسا أن تجعل أهلها ألماناً في لغتهم ومناحيهم فنوعت الأساليب بين الشدة والرخاء فلم توفق إلى إخراجهم عن فرنساويتهم وإن كانت أصولهم جرمانية في القديم ولكنهم تفرنسوا بعد ونشأ لهم رجال فرنسيون في فروع العلم والإدارة والجندية خدموا فرنسا أصدق خدمة وكذلك فعلت ألمانيا من قبل باستيلائها على مقاطعة شلزويق الدانمركية فظل أهلها دانمركيين على الرغم من كل تضييق ومثل هذا يقال عن القسم الذي اقتطعته من أرض بولونيا فإن أهله بقوا على بولونيتهم ومن طاف أوروبا وقضى زمناً في ربوعها يعرف تأثير القومية في الأمم الراقية فالألماني لا يحب أن يتخذ عن ألمانيته بديلاً وكذلك الفرنسي والانكليزي والايطالي وغيرهم من الأمم الراقية يتناغى الفرد منهم بجنسيته ويقدسها ويفادي بكل شيء في سبيل الاحتفاظ بها. قال وأنا معاشر الأتراك نزلنا هذه الديار منذ ستمائة سنة فأنشأنا بقوة فطرتنا وماضينا وتاريخنا دولة وسلطة وقومية ثم بالرابطة الدينية واشتراك المنافع واتحاد المنازع تجلت القومية العثمانية في مظهر آخر وإن الشعوب التي يتألف منها هذا المجموع العثماني مهما ذهبت من المذاهب في أمانيها لا ترى بداً من احترام العثمانية محبتها فعلينا نحن الأتراك أن نعمل على تأييد هذه الرابطة بقوة الخلافة والسلطنة واللسان وما لنا من الأنسال المتفرقة في قسم من قارة آسيا فنجعل العثمانية مستندنا لا التركية وحدها لأن هذه إذا اتبعنا في الدعوة إليها خطة الشدة لا تلبث أن تزول وتنطفي جذوتها ولقد أخذنا منذ عصور نقرب إلينا الشعوب العثمانية الأخرى ولاسيما من تربطنا بهم جامعة الدين مثل الأكراد والجركس واللاكز وغيرهم حتى كاد يظن أنهم امتزجوا بنا فكبرت بهم قوميتنا التركية من حيث الكيفية والكمية والمادة والمعنى ولكن أخذ بعضهم آخراً يفرطون في الدعوة التركية فكان من أثر ذلك أن أصبح أولئك الشعوب يبتعدون منا فتنبهت فيهم فكرة قوميتهم الأصلية وانشئوا يعملون على إعادة مجدها مما يورث الدولة ضعفاً فيقل عددنا كثيراً من حيث القومية في حين أننا أسسنا هذه السلطة بالتكاتف يداً واحدة مع هاته الشعوب فإذا افترقنا عنهم نكون قد عبثنا بكياننا. وكم تركي صرف يبقى يا ترى من الرعيل الذي بيض وجوهنا من الأسلاف والمعاصرين الذين اشتهروا بفضلهم وكمالهم وعقلهم. وعجيب كيف لم نعتبر بما أتى علينا من المهالك ونحن نريد أن نقوم اليوم بما يعرض حياتنا للخطر غير معتبرين بما جرى. هذا محصل ما قاله صديقنا وقبيل أن أحصله للقراء اطلعت في طنين على مقال بتوقيع أحمد توفيق ذكر فيه رحلته إلى بيروت فقال أن ستين في المائة من سكان الأستانة من أصل تركي ومع هذا نرى ثمانين في المائة من مشاريعها وأعمالها غريباً عن التركية والحال ليس كذلك في بيروت فإن كل ما أنشئ فيها من الأعمال قد تعرب وأنت لا تحتاج لمعرفة غير العربية في المرفأ والترام والسكة الحديدية والمخازن لأن بيروت قد عربت كل ما دخل عليها ولم تبعد من العربية كل ما صدر عنها فإنا نرى العرب الذين تفرقوا في أقطار المعمور مهما طالت غربتهم عن ديارهم لا ينسون قوميتهم فلا تسمع في أحياء العرب في نيويورك وبوني أيرس غير اللسان العربي وبواسطتهم دخلت عادات العرب وأخلاقهم إلى تلك القارات الواسعة ولا مناص لمن ينزل هذه الديار بضعة أشهر من أن يستعرب فيندمج في العرب للحاجة الماسة في حين نرى التركي الذي يقيم بضع سنين في فرنسا ينسى لغته أو يتناساها أو يصبح على الأقل وهو يمزج في حديثه ألفاظاً إفرنجية وهذا وإن كان من أسباب فقر اللسان لكن السبب الرئيسي فيه فقدان فكر الوطنية من النفوس. وإنك لتجد في بيروت حتى المدارس الأمريكانية وبالافرنسية التي تبث الأفكار الأجنبية لم يكتب لها البقاء إلا عندما تعربت. والكليتان الأمريكية والفرنسية قد جعلا للعربية مقاماً جليلاً والمعلمون كلهم محيطون باللغة العربية ومنهم المؤلف والأديب والكاتب على حين نرى أمثال هذه المدارس في الأستانة لا يكاد يوجد فيها من يكلمك بغير اللسان الإفرنجي ومهما افتخر الفرنسي بكليتهم البيروتية وقالت جريدة الظان عن سورية أنها القطر الذي فتحناه بلساننا فإن الحقيقة الراهنة أن هذه المدرسة لم تفتح البلاد بلسانها بل لأن المملكة قد أرجعتها إلى قوميتها الخاصة ولسانها الخاص أي أن العرب لم تأسرهم هذه المدرسة بلغتها بل أسروها بلغتهم. إليك زبدة المقالتين والأولى ترمي إلى التخفيف من التحمس إلى التركية لئلا يقل عدد الأتراك الحقيقيين والثانية تدعو قراءها إلى التشبه بالعرب في قوميتهم والتحمس لها حتى يبتلعوا غيرهم ولا يبتلعهم غيرهم. وكلا المقالين صحيح فإن الشعوب لا تقهر على الأخذ بلسان غيرها مهما كثرت عليها عوامل الضغط والإرهاق وحالة التركستان التاتارية وبولونيا الروسية أعظم شاهد من هذا القبيل فإن روسيا تسعى بكل ما لديها من قوة حتى تجعل سكانها روساً فلم يتيسر لها ذلك حتى الآن وإنما الناس يتعلمون لسان قوم ويتجنسون بجنسياتهم إذا وجدوا فيهما مصلحة كما وقع لكثير من الروس والطليان والمجر والألمان والبولونيين والتشيك والبوهميين في أمريكا الشمالية فإن البلاد قد جذبتهم إليها بسائق طلب المعاش أولاً ثم حببت نفسها إليهم بنظامها وعاداتها وغناها فنسوا على التدريج ألسنتهم بعض الشيء واندمجوا في غيرهم فتأمركوا وإذ كانت الولايات المتحدة حتى اليوم مجموعة جنسيات ولغات مختلفة لأن الهجرة إليها لم تنقطع بعد فإن الجيل القادم أو الذي بعده يصبح أميركياً لا محالة بعاداته وأخلاقه ولغته والتعريب أيضاً يقاس على هذا المقياس فقد انتشرت العربية من أقصى الشمال الغربي من أفريقية إلى أوسطها إلى تخوم فارس بقوتين قوة الدين الذي يقضي على من يدين به أن يتعلم اللسان العربي لأن صلاته ومناسكه كلها عربية والقوة الثانية قوة المصلحة لأن الأمم المغلوبة وجدت مصلحتها في الأخذ بلسان الفاتحين ومهما حافظ القليل وسط الكثير على إرثه الطبيعي من حب قوميته ولغته فإن هذا الحب يضعف فيه مع الزمن ولذلك لامناص من تأمرك عرب نيويورك وبونس ايرس مهما طال عليهم الزمن وكذلك الحال في بقايا من العرب المصريين انقطعوا من جيش إبراهيم باشا المصري لما أوغل في صميم آسيا الصغرى فاتحاً فمنهم لا يزالون إلى اليوم في لواء أنطاكية من أعمال قومية عرباً ومع هذا فالأمل ضعيف جداً في بقائهم على عربتيهم فأما أن يصبحوا أرواماً بلغتهم كما أصبح مسلمو كريت أو أتراكاً. والتركية والرومية تنازعانهم هناك. ومثل ذلك يقال في المهاجرين الجركس والششن والطاغستانيين والأتراك الذين نزلوا ولايات سورية وبيروت وحلب واستوطنوها فأنهم لم يستطيعوا الاحتفاظ بقوميتهم ولسانهم أكثر من خمسين سنة وأخذنا نرى أولادهم وقد تعربوا مختارين أو مضطرين وهذا لما وقر في صدر كل مسلم من وجوب تعلم العربية ومن تنازل عن جنسيته ليتخذ العرب قومه لا يرى غضاضة عليه فيما أتى لأنه يكون خرج من شعب ليس له تاريخ مجيد كالعرب ولا لسان فيه كل أسباب المدنية كلسان العرب. العربية مرنة للغاية على الرغم مما يدعي صعوبتها بعض من لا يحبون أن يتعبون أنفسهم ولو أشهراً في تعليمها ولذلك يندمج فيها أهل العناصر الشرقية الأخرى أكثر مما يندمج أهلها في أهل تلك العناصر. وحال مصرفي هذا الشأن أدهش الأغرب أنك ترى الرومي والايطالي والنمساوي والمجري والأسباني والإنكليزي يكلمون المصريين بلهجتهم مع أنه ندر في الطبقة المستنيرة من المصريين من لا يحسن التكلم بلغة أوروبية مشتركة ولا سيما بالافرنسية والانكليزية كل هذا لأن المصلحة تقضي بأن يتعلم نزيل المصريين لسانهم يكلمهم على اختلاف طبقاتهم حتى أن انكلترا وضعت شرطاً على كل من يحب تقلد الوظائف في مصر والسودان من أبنائها أن يحسن اللسان العربي وجعلت جائزة مهمة لمن يكتب له إحراز قصبات السبق بين أقرانه ويستعرب كل من يرى مصلحته من أهل هذه العناصر البقاء في مصر ولو بعد حين مهما حافظ على قوميته ولغته لأن الجوار يعد على نحو ما نرى بلاد القوميات المجسمة كالفرنسيس والطليان والألمان مثلاً يتكلم سكان الحدود لغتين لغة البلاد التي هم منها ولغة المملكة المجاورة وهذا كثير في الشرق أيضاً فإن بعض أهل الجزيرة لمتاخمتهم لبلاد فارس والأكراد يتكلمون مع العربية بالفارسية والكردية وأحيانا بالتركية وهكذا سكان تخوم الهند من الأفغانيين والإيرانيين. نعم إن العربية تعرب كل ما يدخل إليها من الأوضاع لأن في العرب خاصية التقليد والإقدام على أمور المعاش من مذاهبه الطبيعية ولذا ترى أكثر العمال في السكك الحديد الفرنسية وشركات الترامواي في بيروت ودمشق عرباً لأن تلك الشركات لا تجد في أبناء جنسها من يضاهيهم في عملهم ومعارفهم بمثل الرواتب التي تؤديها إليهم وهكذا قل عن مصر ولكن الأتراك لا يتعلمون مبادئ اللغات أو العلوم إلا ليوظفوا في خدمة الحكومة وهذا هو السر في قلة مثول التركية في المشاريع والشركات في الأستانة مثولها في بلادنا. وهنا سؤال وهو هل تستطيع فرنسا بعد استيلائها على مراكش كما استولت على الجزائر والتونس أن تجعل أهلها فرنسيا مع الزمن وهل يكون نصيب طرابلس وبرقة مع الطليان ومصر مع الانكليز كذلك أما جزيرة العرب وما تاخمها من الأقطار العربية اللسان فإنها تبقى عربية صرفة كمصر لأن بعض أجزائها أخذت من الحضارة الغربية حظاً وأنشأت تدمجه في لغتها وأبدت من المرونة ما قربها من مناحي الممدنين فتعلم بعض أهلها شيئاً من ألسن الأجانب ولم ينسوا لغتهم أما الجامدون كبعض أهل الغرب الأقصى والأوسط فإنهم إذا ظلوا على تعصبهم على اللغة الفرنسية يضيعون اللغتين معاً خصوصاً وولاة أمرهم الفرنسي أشد الأمم تناغياً بحب لغتهم ومناحيهم حتى يقال أنهم أقل الأمم تعلماً للغات الأخرى في حين عدوا نحو ثلث سكان بريطانيا العظمى يعرف أهله اللغة واللغتين والثلاث الغربية عنه ومن أراد منا الاحتفاظ بقوميته ولغته على وجه الدهر فعليه إلا يحتقر قومية غيره ولا لغته وأن يداوي معرفته بتعلم لغة أو لغتين من لغات السياسة والتجارة وبذلك تسلم له لغته ويعرف كيف يحتفظ بها. في ساعة واحدة تناولت كتابين غريبين في بابهما احدهما من ليبسيك إحدى قواعد الإمبراطورية الألمانية والثاني من دمشق قاعدة البلاد العربية. الأول كتب باللغة العربية وهو صادر عن أشهر باعة الكتب هناك يريدنا إن نبتاع منه كمية من المصاحف الشريفة التي جود طبعها في ألمانيا بمعرفة زمرة من أهل العلم وبعث إلينا بنموذج منها وقد رجانا في آخر كتابه أن نجيبه إن استحسنا باللغة الألمانية أو الانكليزية أو بالافرنسية لأنه يحسنها. إما الكتاب الثاني فهو من دمشقي نشأ في دمشق وتخرج من المدارس العليا وتعلم إحدى الصناعات الحرة وله غرض بإدارتنا فكتب إلينا كتاباً باللغة التركية فلما فضضناه أسفنا جداً ودفعناه لأول نظر إلى حامله وقلنا لصاحبك إن يكتب إلينا إن أحب لغتنا ولغته فإن وقتنا لا يتسع أن نترجم أفكار كل من يريد نشر شيء من اللغة التي يستحسنها أو يحسنها أو يزين له عقله التفاصح بها وجه الغرابة في الكتابين ظاهر لأدنى تأمل وهو أن رجلاً ألمانياً يريد أن يبيع نسخاً من الكتاب العزيز من مسلم في بلاد الإسلام فيخاطبه بلغته على بعد الديار وقلة من يكتب له بالعربية في بلاده والثاني مسلم عربي يكتب لعربي في صميم بلاد العرب باللغة التركية. فما هذه العناية من الأول وقلتها من الثاني: غربي يستعرب في الغرب وعربي يترك في بلاد العرب! من أضحك الأطوار أن تشاهد عربياً يكلم ابن جنسه أو يكاتبه بغير لغته لغير داع فكأن المتخاطبين يشيران بلسان الحال إلى إن اللسان الذي نتخاطب به أرقى من لساننا وأدل على علو كعبنا واستبطاننا أسرار المعارف في حين نرى أبناء المدينة الحديثة مهما بلغ من انحطاط أممهم وصغر عددها وقلة شأن تاريخها إذا خلوا بعضهم إلى بعض لا يتكلمون بغير لغتهم ولا يتكاتبون بسواها. وكم روى لنا السائحون إلى ديار الغرب منا أنهم كانوا يكلمون الانكليزي بالافرنسية وهم في غير الديار الانكليزية فإذا ما بلغت بهم السفينة إحدى مواني الجزائر البريطانية لا يعود ذاك الانكليزي ينطق بكلمة فرنسية. وقد سئل بعضهم في ذلك فقال نحن الآن في بريطانيا العظمى فلا يسوغ لنا أن نتكلم بغير لغتها وكذلك الألماني مع اللغة الانكليزية والفرنسية فإن معظم رجال التجارة والعلم في ألمانيا يحسنون إحدى هاتين اللغتين أو كليهما معاً فإذا دخلت عليهم في بلادهم يتجاهلونهما ليضطروك إلى التفاهم معهم بلغتهم ويحملوك على تعلم الألمانية من حيث تشاء أو لا تشاء. ولا نزال نعجب بصنيع علماء الشرقيات في هولا نده فإنهم طبعوا بضع مئات من كتب العرب في مطبعة ليدن الهولندية وجعلوا جميع حواشيها ومقدماتها باللغة الهولندية مع أنه قل جداً من يعرف هذه اللغة من أهل أوروبا المجاورين لبلاد القاع. هذا والطابعون والناشرون موقنون بأن كتبهم لا تباع في هولندا فقط بل إنها تروج في ألمانيا وايطاليا والنمسا والمجر وإنكلترا وأميركا وفرنسا وروسيا وأسبانيا بل وفي غيرها من بلاد الشرق ولاسيما في بلاد العرب فلولا حبهم للسانهم لما رأيت تلك المقدمات والشروح إلا باللغة المشتركة بين الأمم في الغرب كالفرنسية مثلاً أوالغة العربية التي نشرا لكتاب برمته فيها والناشرون لأمثال هذه الكتب يكتبون بهاتين اللغتين على التحقيق أو بإحداهما قطعاً. إننا بزهدنا بلغتنا نزهد في قوميتنا وتاريخنا ومن لا ينتسب إلى أصله ينكره الفرع الذي يحاول أن يتقرب منه. إن عظمة العرب وعظمة مدينتهم وحسن بيانهم دع ما هناك من الروابط الدينية مما يدعونا إلى التناغي بلساننا والحرص على تعلمه وإيجاده التخاطب والتكاتب به غير مخلين بأصل من أصوله ما أمكننا ذلك لأن من المحمود. لى مشخصاته كان حرياً بأن لا يغار على أي عزيز ويستحق احتقار غيره. إننا نحبذ كل من يتقن منا لساناً أجنبياً حتى ولو حذق لغة مالطة لما في ذلك من الفائدة فكيف باللسان العثماني وحاجتنا إليه أمس ولكننا نحب أن تكون الميزة للساننا الشريف لأن الله جعل له هذا المقام المحمود. ومدنيتنا وتاريخنا ومجدنا أعظم باعث لكل من ضعفت فيهم أعصاب العصبية القومية أن ينزعوا من نفوسهم تلك المؤثرات التي فيها من الصغار والذل مالا يرضاه من عرف أمته ويريد أن يحيا بها. إن في تاريخ لغات الأمم المتمدنة لعهدنا أعظم محرض لنا على الاحتفاظ بلغتنا مهما كلفنا ذلك فقد رأينا الفلامندي في البلجيك يتفانى في بث لغته حتى جعل لها أدبيات وأقام لها شأناً في جنب اللغة بالافرنسية التي يتكلم بها نحو نصف أهالي بلجيكا وكذلك رأينا الهولندي والدانيماركي والسويدي والفنلندي من صغار شعوب الشمال في أوروبا يحتفظون بألسنهم ولم تكن منذ مائتي أو ثلاثمائة سنة بالتي يعرف لها شأن بين اللغات وأعظم معلم لنا في هذا الباب أهل بوهيميا من مملكة النمسا والمجر فإن لغتهم وهي لغة التشيك كادت تندثر من ألسن أهلها في القرن السابع عشر بما تغلب عليها من اللسان الجرماني فعاد أستاذان من أساتذة كلية براغ إلى أحيائها بنشرهما مخطوطاً في آدابها زعما أنه قديم وقيل أنهما واضعاه فبعد أن كان البوهيمي يكتب بالألمانية ويؤلف ويخطب بها والألمانية عنده لغة الصنائع والتجارة والأدب والتمثيل والصحف عادت فانبثقت لغة التشيك في نفوس أبنائها حتى أصبح المتكلمون بها في بوهيميا وحدها الآن زهاء تسعة ملايين وبهيمي أتشيكي ومليوني نسمة من المورافيين وزهاء ثلاث ملايين السلوفاك في هنغاريا وأصبحت الآداب التشكيلية مما يتنافس فيه كما يتنافس فيه في مدنية البوهيميين وصناعاتهم وصارت كلية براغ أخت كلية برلين وفرانكفورت وميونخ وفيينا من عواصم البلاد الجرمانية وربما فاقت كثيراً من كليات أوروبا. لغة مجهولة أحياها بضع من أهلها بعد دثورها ونحن نرى بعض المستنيرين منا يضيعون بتهاملهم لساناً كالعربية يفاخر الغربي قبل الشرقي بتلقفه وبعد تحصيل ملكته من النعم. إن البوهيميين أعظم مثال في تناغي الأمم بألسنتها ولا تنسى سكان الألزاس واللورين الفرنسيين ولا سكان شلزويك هولستاين الدنمركيين من المانيلولا البولونيين مع روسيا ولا غيرهم مع غيرهم فكلها عبر لنا معاشر العرب لسان يتكلم به سبعون مليون من الناس ويتعبد به زهاء مائتي وخمسين مليون من أهل الإسلام وأهله لا يهتمون به واللسان العبراني والروماني والبلغاري والأرميني على قلة الناطقين به مثلا يتخذ أهلها كل ذريعة لنشرها ويستميتون بالأخذ بناظرها فتأمل الفرق بين كثرتنا وقلتهم وغنانا بلغتنا وفقرهم بألسنتهم وانحلالنا في وطنيتنا واستبسالهم في الحرص عليها. الحركة العلمية في البلاد العربية العثمانية مضت ست سنين على إعادة انتشار القانون الأساسي في المملكة العثمانية ربحت البلاد العربية من نعمته بعض الربح من حيث النور والعلم لأنه بفضل الصحف والمجلات والأندية والجمعيات التي أنشأت في العراق والشام وغيرهما من الأقطار انتبهت العقول قليلاً من رقدتها وشعر العرب بأن هناك حياة ثانية أرقى مما هم فيه بكثير ولا يتيسر لهم الاستمتاع بها إلا بالأخذ بحظ وافر من التعليم والتربية. لو لم يكن من فضل حرية القول والاجتماع في العهد الأخير على ما فيها من القيود إلا لإدراك الناس لهذه الحقيقة لكفى بها منقبة تؤدي إلى أحسن مغبة فإن كل نهضة لا تقوم على أصولها إلا إذا جعلت لها من التعليم العصري أساسا وهذا ما كاد اليوم يشعر به ابن البادية والدساس كردع ابن المدن والحواضر من كل من كثر اختلاطه بالغريب واعتبر بما شاهد من حوادث الأيام حتى أن جميع الأقطار التي سقطت في أيدي حكومات الاستعمار كان السبب الرئيسي في استصفائها جهل بنيها الذي فتح الأبواب للعدو فاستباح حماها وقبض بعلمه على قيادها عفواً صفواً كذا كان شأن جاوة مع هولندة والهند ومصر مع انكلترا وطرابلس مع ايطاليا وتونس والجزائر مع فرنسا ومراكش مع أسبانيا وفرنسا والروم أيلي مع حكومات البلقان فبالعلم كان قليل من العدو كثيراً وبالجهل كان كثير تلك البلاد قليلاً. وإنا إذا أطلقنا العلم هنا فلا نعني به علوم الآخرة فقط بيد إن هذه إذا درست على أصولها نفعت أيضا الدنيا ولكن علوم العالم هي كل ما يعمره ويعرف الأمم طبائعه وإسرار بقائه وفنائه. نريد بالعلم العلوم التي بها فتحت أوروبا العالم واستعمرته فأصبحت كلمتها هي العليا وتراجع أمر الشرق إلى ما نراه عليه من الانحطاط المادي والسياسي والأدبي بل السقوط المؤسف في عوامل الحياة الفاضلة السعيدة. كان جمهور المسلمين في هذه الديار العربية إلى عهد قريب يرون السعادة في اتخاذ صناعتين تعلم الفقه لتولي مناصب القضاء والإفتاء والتدريس أو تعلم شيء من العلوم التي تؤهل الطالب إلى تولي الأعمال الجندية والإدارية والكتابية فالمحور يدور على التماس الشرف من مناصب الحكومة وسبيل ذلك درس فروع قليلة مما يقتضي لهذا الشأن ومنها ما هو قشور لا لباب فيها. وبينما كان إخوانهم المسيحيون والإسرائيليون يتعلمون في مدارسهم الطربه. ومدارس المرسلين الأمريكان والانكليز والألمان والفرنسي والطليان والروس وغيرهم ما يؤهلهم إلى التجارة والصناعات الحرة في الجملة مثل الطب والهندسة والحقوق كان المسلمون تتلمظ شفاههم بحلواء التوظف والاعتماد على الأوقاف والرواتب جمدوا عليها فتأخروا في ثرواتهم وقل الهناء في بيوتهم وضعف مستوى العقول حتى أمسوا وكثيرون يغبطون السارق والمرتشي والمزور من الموظفين والمستخدمين ويعدون عمله مهارة وتوفيقاً لأنه اكتسب من الحرام مالاً وتأثر وارتاش وأضاع حقوقاً ليملأ كرشه وجيبه ومن الغريب في نظام هذا الاجتماع أن يحبس من يسرق ديناراً يأكل به وعياله خبزاً ولا يعاقب بل يمدح السارق الكبير الذي يعرق اللحم عن العظم ويخرب قرية أو بلدة برمتها ليشتري بما يسرق دكاناً أو بستاناً أو يعمر قصراً وداراً. نعم إن الدستور عرف الناس نقصهم وإن كانوا لم يبرحوا في معظم البلدان العربية في دور الأقوال ولكن القول بدرجة العمل كما أن الشك أول مراتب اليقين. ومن النعم العظمى إن يعرف الإنسان مجال الضعف منه ومن عرف نفسه عرف ربه. عرفوا نقصهم فأخذوا يفكرون في تعلم الصناعات الحرة التي قوامها الاعتماد على النفس والخروج عن قيود الاتكال إلى باحات الاستقلال وقد زاد الإقبال على ذلك في الشام والعراق خاصة لما أيقن الناس بأن خزانة الدولة تضيق على إعاشة كل طلاب الوظائف بعد أن انسلخت ليبيا ومقدونية وتركيا وألبانيا عن جسم المملكة العثمانية. لم تكن قبل هذا الدور تسمع بأن من المسلمين في مدارس الغرب طلاب هندسة وزراعة وحقوق وكيمياء وسياسة وفلسفة واليوم تجد منها عشرات من أبناء الشام والعراق خاصة وهذا العدد وإن كان قليلاً بالنسبة لكثرة سوادهم لكن الرجاء معقود بزيادته كلما سدت في وجوه الناس طرق الاستخدام في الوظائف واقتنع القوم بأن مذاهب المعاش في العالم ثلاثة الزراعة والصناعة والتجارة وأن الاستخدام ليس مذهباً طبيعياً من مذاهب المعاش التعليم العالي هو الذي يكون أمة ولا فائدة بتعلم أفراد هذا الضرب من التعليم إلا إذا عمت المعارف سواد العامة. وهذا أخذت تتكفل به المدارس الابتدائية والوسطى التي أنشئت مؤخراً مثل المدرستين العلمية والعثمانية في دمشق والكلية الإسلامية العثمانية ودار العلوم في بيروت والمدرسة التي أنشئت في صيدا وطرابلس وحلب وحيفا ويافا والقدس ونابلس وكلها قامت بهمم الأفراد من أهل الطبقة الوسطى والأغنياء كانوا في الجملة بمعزل عن المعاونة ولو كان جمهور أرباب الأموال والأملاك متعلماً لقامت حتى الآن ألوف من المدارس والكتاتيب في الولايات العربية لا تزال تشتد حاجة البلاد إليها ولاسيما في غير المدن بل لإنشاء كل قطر من الأقطار العربية مدرسة كلية أو جامعة فأصبحنا نقول جامعة الشام وجامعة العراق وجامعة الجزيرة وجامعة اليمن وجامعة الحجاز كما نقول الآن الجامعة المصرية وكلية الأمريكان وكلية القديس يوسف. وفي العهد الأخير أنشئت جمعيات خيرية تعليمية ولاسيما في بيروت ودمشق وحمص توفر العناية بتعليم أبناء الفقراء وفي دمشق منها الآن خمس جمعيات تعلم زهاء أربعمائة طالب على نفقتها ومنها التي أنشأت لها مدارس خاصة مثل جمعية الإسعاف الخيري وجمعية المقاصد الحسنة والجمعية الخيرية الإسلامية في حمص تعلم نحو ألفي فقير، وهذه الجمعيات تقوم بمعاونة المحسنين من أهل الطبقة الوسطى ومن دونهم أيضاً كما أن جمعية المقاصد الخيرية في بيروت والمقاصد الخيرية في صيدا تقومان بريع أملاكهما لأنهما أمستا منذ زمن ونمتا معه بفضل العقلاء منا لوطنين. كثرت الصحف في السنين الست الأخيرة ولا سيما في حواضر الشام والعراق وأنشأت صحف في الموصل مابرحت ضئيلة تغلب عليها العجمية بخلاف الصحف الشامية والعراقية التي أخذت تكتب بلغة سلسة متينة الجملة ولغة صحف الشام أرقى من لغة صحف العراق وإن كانت هذه قطعت شوطاً محموداً في هذه الأعوام القليلة حشا مجلة لغة العرب البغدادية ومن يؤازر فيها من المنشئين والباحثين فإنها على أسلوب المجلات الإفرنجية الأخصائية سدت فراغاً في تاريخ العراق والبحث في أثاره. أنشأت مطابع كثيرة على عهد الدستور في بلاد الشام وفي بغداد والبصرة والموصل ولكن مطبوعاتها مابرحت قليلة نادرة لأن المؤلفين المجيدين قلائل والناس مابرحوا يقبلون على المطبوعات المصرية لأن صادرة من بلاد هي أعرف الأقطار العربية في العلم على اختلاف ضروبه وأهلها أرقى العرب بل المسلمين ولعله لا يتم هذا العقد من عقود الحرية حتى تبدأ المصنفات العصية والقديمة تصدر من هذه المطابع فقد أنشأ بعض شبان المؤلفين يؤلفون في بيروت ودمشق وبغداد في العلوم الطبيعية والجغرافية والتاريخية كتب مدرسية خصوصاً بعد أن رأوا إقبال المدارس الأهلية على التعليم بالعربية وأنشأت الحكومة مدرسة سلطانية عربية في بيروت ومثلها في دمشق تعلم العلوم كلها باللغة العربية. وهاتان المدرستان إذا أنشئت خمس مثلها في بغداد والبصرة وصنعاء ومكة والموصل توشك أن يكون من أثر مهما كانت درجة تعليمها الرسمي منافع للناس فتفيدهم في تهذيبهم وتكون لكثير من الطلبة مدارس إعدادية تهيئهم للدخول في الجامعات الكبرى واتخاذ الأعمال الاستقلالية ومن هذه الطبقة ينشأ العلماء والمفكرون والباحثون. ثلاثة عوامل أنشأت هذه النهضة: المدارس الأهلية وما يلحقها من إقبال أرباب اليسار على تخريج أبنائهم من مدارس الغرب العليا. والجمعيات الخيرية التعليمية وتعددها. والصحف والمجلات والكتب وكثرة انتشارها لرخص أثمانها، ولو ضم إليها عامل رابع آخر هو ارتقاء فن التمثيل وتسهيل غشيان دوره على طبقات جميع الشعب كافة لتمت الأمنية من إنهاض هذه الولايات من كبوتها ولما انقضت ثلاثون سنة إلا وهي على مستوى مصر برقيها الأدبي. وبعد فإن ما يبلغنا عن قطري اليمن والحجاز لا يصح أن يكون من مجموعة ما يستدل منه على أنه حدث فيهما شيء في العهد الأخير من حيث النهوض العلمي الحديث والغالب أن للفتن والتعصب يداً طولى في هذا التنبت ولعل الحوادث تعلم المستنيرين من أهلهما ما يجب عليهم القيام به وتدفعهم إلى العمل بالعهد الذي أخذه الله على العلماء في تعليم الجهلاء. مخطوطات ومطبوعات ثلاث مجلات جديدة الأولى المرأة وهي أسبوعية مصورة تصدر الآن مرتين في الشهر ورئيس تحريرها وصاحبها خليل أفندي زينيه وهو من كتاب الطبقة الأولى وقدماء رجال الصحافة العربية تصدر في مدينة بيروت وفيها مقالات منوعة عصرية فكاهية وأدبية وتاريخية وصور منوعة شرقية وغربية وإنما ما عرف به صاحبها من الخبرة الواسعة في صناعة التحرير والتحبير ليدعونا إلى الرجاء بنجاح صحيفته الجديدة وقيمة اشتراكها في الولايات العثمانية عشرون فرنكا وخارج السلطنة خمسة وعشرون. الثانية مجلة المنتدى الأدبي تصدر بإدارة احمد عزت أفندي العظمي وعاصم أفندي بسيسو في مدينة الاسيتانة مصورة وسنتها عشرة أشهر في ٤٨ صفحة كل شهر وهي خلف لمجلة لسان العرب التي صدرت في السنة الفائتة حولا كاملا ويحرر هذه المجلة زمرة من رجال العرب في عاصمة السلطنة وخارجها وفي العدد الأول صور بعض المشاهير ومقالات منوعة في الاجتماعيات والأدبيات وغيرها مما يرقي العقول ويهذب النفوس وهذه المجلة هي إحدى حسنات المنتدى الأدبي الذي هو أجمل اثر قام لطلبة المدارس العليا من أبناء العرب في عاصمة آل عثمان. فنرجو لها النجاح الذي تستحقه وقيمة اشتراكها ثلاثة ريالات في البلاد العثمانية وستة عشرة فرنكا في الخارج وللتلامذة ريال والثالثة المستقبل مجلة علمية أدبية عمرانية أسبوعية تصدر في القاهرة في عشرين صفحة لصاحبها ومحررها سلامة أفندي موسى من أفاضل المفكرين في وادي النيل معروف بين المؤلفين والعالمين والمتأدبين بما نشره من مقالاته وتصوراته في المجلات المصرية ولاسيما المقتطف وقد تصفحنا الأجزاء الأولى من هذه المجلة فرأيناها توخت أولا جمع وتنسيق المعارف العلمية والعمرانية التي يشتغل بها العلماء الأوربيون ونشرها لقراء العالم العربي حتى يعتاد كتبته ومؤلفوه طريقة التفكير العلمي الصحيح ويقلعوا عن التقليد في النظر للمسائل العمرانية فنتحرر بذلك من القيود التي وضعها إسلافنا وننظر لمستقبلنا كصحيفة بيضاء نكتب فيها ما نشاء. وثانيا: توجيه الأدب العربي الحديث في الوجهات التي يتنبه الأدب الأوربي وتسييره على المبادئ التي يرسمها كبار الأدباء في أوربا. وذلك اعتقادا بان الأدب الافرنسي قد فات الأدب العربي بمسافات بعيدة. وكما ارتقى الإفرنج في الصناعة والزراعة والطب والهندسة الخ وتأخرنا نحن عن اللحاق بهم فكذلك ارتقى أدبهم وتأخر أدبنا وأصبح من الضروري إن نحتذ بهم في طرائقه وأساليبه حتى نلحق بهم. وفي المجلة شذرات ومقالات وقصص ونوادر في هذا المطلب الذي وضعته وتوخت فيه تقليد المجلات الانكليزية فجاءت هذه الصحيفة بأسلوبها وصراحتها في أفكارها مثال الصحف المفكرة التي ترمي إلى غرض مهما كان الباعث إليه فهو شريف لأنه يراد منه إنارة العقول وتنقيتها من الشوائب والفضول فنرجو لهذه المجلة الثبات ليطرد صدورها ويكون من أثرها عموم النفع في العالم العربي وقيمة اشتراكها في مصر ٣٢ قرشا صحيحا وفي الخارج ٩ فرنكات. تاريخ صيدا تأليف الشيخ احمد عارف الزين صاحب مجلة العرفان طبع في مطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ ص ١٧٦ . لصديقنا مؤلف هذا الكتاب صاحب مجلة العرفان همة شماء ونظر بعيد في كل ما يعلي شان الآداب ويؤيد كلمة الحق وأخر ما أصدره من تأليفه هذا التاريخ الذي افرده لمدينة صيدا وحدها مستندا فيه إلى مظان كثيرة عربية وإفرنجية وتركية فجاء منسق الأسلوب سلس الإنشاء يحوي عمران ذاك الثغر البديع وتاريخه منذ عرف إلى وقتنا الحاضر لا يستغني عنه كل من يريد الإلمام بحال هذه المدينة وجميع ما يتعلق بها من المعلومات بل إن كل من ينزل صيدا مقيما كان أو ظاعنا لابد له من الأخذ عن هذا السفر البديع الذي جمع مؤلفه أثابه الله في ورقات ما تفرق في بطون عشرات من المجلدات وفيه فوائد في زراعة البرتقال وبكي دنيا وغير ذلك لا يستغني عنها كل من يحب الاطلاع على هاتين الشجرتين اللتين كانتا سبب غنى صيدا في عهد الحديث فانعم بهذا العمل ولو كان كل عالم يخدم بلده وشعبه خدمة صديقنا لهما لكانت سورية في مقدمة أقطار الشرق في العلم والعمل ولاشك إن كتابه سيصادف الإقبال الذي يستحقه فضله ووطنيته. العراقيات الجزء الأول لجامعه رضى وظاهر وزين طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ ص ٢٠٩ ثلاثة رجال يفاخر بهم جبل عامل لطول صبرهم على خدمة العلم والأدب ونعني بهم الشيخ احمد رضا والشيخ سليمان ظاهر والشيخ احمد عارف زين وقد جمعوا في هذا السفر ما تفرق من شعر العراقيين فاتوا في هذا الجزء على ترجمة عشرة من شعرائهم ولباب أشعارهم وهم السيد محمد سعيد حبوبي والسيد إبراهيم الطباطبائي والسيد حيدر الحلي والشيخ جواد شبيب والشيخ ملا كاظم الازري والشيخ عباس بن ملا علي النجفي والسيد جعفر الحلي والشيخ عبد الباقي الفاروقي والشيخ عبد المحسن الكاظمي والشيخ الأخرس البغدادي وترجموهم ترجمة صورتهم للقارئ أحسن تصوير ومنها ما هو بقلم الشيخ محمد رضا الشبيبي النجفي العالم الباحث المشهور وفيها ما هو بقلم جامعي الكتاب الثلاثة وفي شعر العراقيين روح غريبة لا تكاد تعرف لشعراء الشام بل ولا لشعراء مصر على ارتقاء دولة الشعر في مصر هذا العصر ولذا كان جمعه على هذه الصورة من اكبر المعونات على الأدب وإخراج درر الشعر الغوال على هذا المنوال جزى الله جامعيه أفضل ما يجازى الغيور على أدب العرب المتفاني في خدمة الحق. نقد عين الميزان تأليف الشيخ محمد بهجت البيطار طبع في مطبعة الترقي في دمشق سنة ١٣٣١ ص ٥٩ مؤلف هذه الرسالة من ناشئة دمشق الأدباء جعل رسالته هذه ردا على الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطاء الذي نقد بعض المواضع من كتاب ألفه فقيد العلم الشيخ جمال الدين القاسمي وسماه ميزان الجرح والتعديل الذي بين فيه منشأ النبذ بالابتداع ومضاره فعمد الأول إلى التطرف في بعض أبحاثه للتكفير أو التفسيق فرأى المؤلف إن ينقد النقد متلطفا فيه موردا بعض الشواهد على صحة دعواه. وقد قال في صفحة ٣١ ردا على من قام من أحداث الأسنان سفهاء الأحلام الذين زعموا أنهم مصلحون ممن أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات وقصروا همتهم على دراسة الكتب الغريبة ونسوا ما لسلفنا من العلوم العربية وهم الضاربون بأوفر سهم في كل فن وعلم عاشق الغرب وأولعوا بلغته وصبغوا بصبغته ففسدت أخلاقهم وساءت آدابهم وصارت التفرنج لهم عادة وذكر أوروبا لهم عبادة وليت هؤلاء خفاف العقول قلد الأوروبيين بالشيء النافع والعمل الرافع لكنهم يقلدونهم بالأزياء واستحسان تبرج النساء وإذا نشر الواحد منهم مقالة في صحيفة توهم نفسه انه صار بها المفرد العلم واسترسل في بيان مضار هذه الفئة والغالب انه يتكلم في أناس مخصوصين وقال إن الله لا ينصرهم على عدوهم ما لم يقلع عن غيهم ويرجعوا إلى شريعتهم ويسلكوا سبيل السلف الصالح ويرحموا الله القائل لن يصلح أخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها. وكل هذه الجمل حسنة في بالها لكنها تحتاج إلى تفصيل وان لم يكن الكتاب من موضوعها فان التفرنج مضر والاقتداء بالسلف وحده لا ينجينا من شرور هذا التيار المنهال علينا من مدينة الغرب الحديثة فإننا لو تلونا جميع ما خلفه الأجداد من إسفارهم وعملنا به لتستقيم لنا حال إلا إذا أخذنا منهم ما يفرض أخذه واقتبسنا من معلمينا الغربيين علومهم ولذلك نرى من درسوا في الغرب وكانوا على شيء من أدب النفس اعرف بما ينشل هذه الأمة من سقوطها من الذين يخاطبونها الحين بعد الأخر بالجمل الخطابية ويلبون على طريق النجاة ولا يهتدون ولو كتب لبلادنا إن تكون في أوضاعها إلى الجد لما شكا العالم الديني ولا العالم المدني من انحطاط الأخلاق والإيغال في المفاسد ولكن هذه الموبقات نراه منتشرة في الفئتين على السواء فئة المجددين وخصومها وبودقة المدنية تمحص وتنفي كما ينفي الكبر خبث الحديد إما الزبد فيذهب جفاء وإما ينفع الناس فيمكث في الأرض. شرح قصيدة ابن عبدون لما اختلت بني أمية بالأندلس سنة ٤٢٧ وتفرق أهلها شيعا وتغلب في كل ناحية متغلب وتقيم المتغلبون ألقاب الخلافة من معتضد ومعتمد ومأمون ومستعين ومقتدر ومعتصم وموفق ومتوكل ألقاب وصفها الحسن ابن رشيق بقوله: مما يزهدني في ارض اندلس سماع مقتدر فيها ومعتضد ألقاب مملكة في غير موضعها كالهر يحكي انتفاخا صورة الأسد وصار الأمر كما قال في المعجب في غاية الاخلوقة والفضيحة أربعة كلهم يتسمى بأمير المؤمنين في رقعة من الأرض مقدارها ثلاثون فرسخا في مثلها فأشبهت حال ملوك الأندلس بعد الفتنة حال ملوك الطوائف من الفرس بعد قتل دارا بن دارا. لما جرى كل هذا وقويت شوكة دولة المرابطين أصحاب يوسف بن ناشفين فقتلوا سنة ٤٨٥ بني المظفر ملوك مغرب الأندلس وكان ملجأ للآداب وقبلة أمال العلماء والكتاب نظم أبو محمد عبد المجيد بن عبدون من وزراء الأندلس قصيدته المشهورة التي يقول في مطلعها: الدهر مفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور أنهاك أنهاك لا ألوك موعظة عن نومه بين ناب الليث والظفر فالدهر حرب وأنا لبدي مسالمة والبيض والسود مثل البيض والسمر ولا هوادة بين الرأس تأخذه يد الضاربة بين الصارم الذكر فلا تغرك من دنياك نومتها فما صناعة عينيها سوى السهر ما لليال أقال الله عثرتنا من الليالي وخانتها يد الغير في كل حين لها في كل جارحة منا جراح وان زاغت عن النظر تسر بالشيء لكن كي تغر به كالا يم ثار إلى الجاني من الزهر والقصيدة في خمس وسبعين بيتا عدد فيها بعد هذه المقدمة ما لقي أبناء الزمان وبعض أمراء الأيام من بوائق الحدثان وقد شرحها شرحا مستوفي ابن بدرون الأندلسي وطبعت في أوربا في جملة ما طبع من كتب الأندلسيين نشرها دوزي المستشرق الهولندي. مجموع رسائل في أصول التفسير وأصول الفقه جمعها وعلق حواشيها المرحوم الشيخ جمال الدين القاسمي طبعت بمطبعة الفيحاء في دمشق سنة ١٣٣١ ص ٦٣ هي ثلاث رسائل الأولى في أصول التفسير للإمام جلال الدين السيوطي وهي أهمها لأنه لم يسبق إلى الآن في الأيدي متن أو رسالة يحوي لباب ما يبحث في النفسي إلا هذا الذي انتخبه ناشر الرسائل من نقابة السيوطي. والرسالة الثانية في أصول الفقه لابن حزم والثالثة مجمع الأصول ليوسف بن عبد الهادي وعليها كلها حواش تبين غوامضها. تاريخ الجهمي والمعتزلة تأليف المرحوم جمال الدين القاسمي نشر في مجلة المنار أولا وطبع بمطبعتها بمصر سنة ١٣٣١ هـ. ق وسنة ١٢٩٢ هـ. ش هذه الرسالة مستوفاة للشيخ القاسمي أيضا تدل على بعد غوره وتحقيقه لعيون المسائل التي كان يخوض فيها رحمه الله. والجهمية فرقة من فرق المسلمين انتحلت مذهب الجهم ابن صفوان من أهل خراسان ينسب إلى سمرقند وترمز ومحتدي الكوفة وكان مولى لبني راسب من الازد اخذ الكلام عن الجعدي بن درهم وكان فصيحا اتخذه الحرث ابن سريج التميمي أيام قيامه بخراسان كاتبا له وكان يقص في بيت الحارث في عسكره وكان يخطب بدعوته وسيرته فيجذب الناس إليه وكان يحمل السلاح ويقاتل معه وكان صاحب مجادلات ومخاصمات في مسائل الكلام التي يدعو إليها وكان أكثر كلامه في الإلهيات قتل سنة ١٢٨ في خراسان ومرجع فلسفة جهم تأويل آيات الصفات كلها والجنوح إلى التنزيه البحت وبه نفى إن يكون لله صفات غير ذاته وان يكون مرئيا في الآخرة وان يتكلم حقيقة واثبت إن القران مخلوق إما المعتزلة فقد نشرنا مبحثا فيهم في المجلد الثالث ص ١٦٣ من هذه المجلة ففيها حقيقة حال المعتزلة ومذهبهم ورجالهم وتأثيراتهم قاموس القضاء العثماني لسليمان أفندي مصوبع طبع في مطبعة العرفان في صيدا صدر الجزء الرابع من هذا المعجم المفيد في القضاء العثماني وفيه كالأجزاء السابقة فوائد لايستغنى عنها كل من يعيش في هذه السلطنة من أبناء العرب الذين لا يعرفون اللغة العثمانية فعساهم يقبلون عليه لتصح عزيمة مؤلفه على إتمامه فان كتب الحقوق الحديثة عزيزة في لغتنا وحاجتنا كل ساعة ماسة إليها. دفع الهجنة في اتضاح اللكنة لمعروف أفندي الرصافي طبع على نفقة مجلة لسان العرب في الأستانة سنة ١٣٣١ ص ١١١ ألف صديقنا هذه الرسالة منبها فيها على الألفاظ التي استعملها الأتراك العثمانيون في غير معناه العربي وعلى ما لم يكن عربي وهم يحسبونه عربيا وأخذها العرب منهم فاستعملوها استعمالهم وأورد على ذلك الأمثلة التي تدل على بعد غوره وتحقيقه في هذه المسالة اللغوية. التحفة الايقاظية في الرحلة الحجازية لسليمان أفندي فيضي الموصلي طبعت في المطبعة المحمودية في البصرة سنة ١٣٣١ ص ٣١٠ هو كتاب لطيف وصف فيه المؤلف رحلته في ذهابه وإيابه من البصرة إلى الحجاز مارا بسورية وأزمير وسيسام والاسيتانة وحلب وبغداد وقد ذكر المشاهد والأحوال وما تأثرت به نفسه ووصلت إليه يده من الإيضاحات وكلها نافعة وقد جعل في مقدمة الكتاب التقاريظ النثرية والشعرية التي كتب له بها بعض أدباء العصر وهي في ٩١ ص جعلها مفصولة عن الكتاب ونعما فعل فنشكر للمؤلف الفاضل هذه العناية. تاريخ حرب البلقان تأليف يوسف أفندي البستاني بمصر أجاد مؤلف هذا الكتاب الذي وقع في ٣٢٧ صفحة فذكر فيه الحرب البلقانية الأولى والثانية وحلاه بنحو ٤٠ رسما وخريطتين ونقل ما قاله المكاتبون الحربيون وغيرهم في هذه الحرب المشأمة متحريا ما التجرد عن الغرض على ما يجب على المؤرخ وفي الكتاب من المستندات التاريخية الحقيقية ما تقر به العين ويدل على أدب الكاتب. الهدى إلى دين المصطفى الجزء الأول طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ تأليف كاتب الهدى النجفي ص ( ٣٩٣ ) هو كناب في الجدل الديني إلفه مؤلفه جوابا على مقالة في الإسلام لجرجس صال الانكليزي أو رسايل وكتاب الهداية في الرد على كتابي إظهار الحق والسيف الحميدي لأنه وجدهما على طريقة ينكرها شرع التحقيق في البحث والأدب في الكلام والأمانة في البيان ولا يرتضيها خدام المعارف وذلك بلسان هو إلى الأدب والحجاج الديني المعتدل وينم عن الاطلاع على الدينين السماويين الإسلام والنصرانية فلمؤلفه الشكر على عنايته وأنصافه في نقده حقائق وعبر تأليف اسكندر أفندي الخوري البيتجالي طبع بمطبعة القبر المقدس بالقدس سنة ١٩١٣ ص ١٩٤ هو مختار ما نشره المؤلف من الشذوذات الاجتماعية والقصص الأدبية وزنابق الحقل في بعض الصحف العربية السورية وفيه الملذة اللطيف إلا أن الخطابات تغلب على كلامه مثل فصل الشرقي والغربي والتفاوت بينهما فانه لم يأت فيه بأقل من القليل الذي يجب أن يقال فيهما كأن كلامه أشبه بكلام تلميذ صغير يبتدئ بالكتابة جديد أما سائر لكتاب ففيه الحسن الجميل رسائل وكتب مختلفة دليل لبنان وسورية لمنشئه بولس أفندي مسعد الجزء الأول طبع في مصر في سنة ١٩١٢ - ١٩١٣ ص ٤٥٢ رجال المعلقات العشر للشيخ مصطفى الغلايني طبع بالمطبعة الأهلية ببيروت ١٣٣١ في ٣٠٨ صفحة سحر بابل أو ديوان السيد جعفر الحلي النجفي طبع مطبعة العرفان: في صيدا سنة ١٣٣١ في ٤٦٦ صفحة الفصول المهمة في تأليف الأمة لمؤلفها الشيخ عبد الحسين بن شرف الدين الموسوي العاملي طبعت بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣٠ في ٢٣٨ صفحة الشبيبة والمرأة والضجة بين الأديب (ف) والأديبة (ز. ف) على صفحات الصحف الفكاهية لجامعها ابن دمشق طبعت بمطبعة الفيحاء بدمشق سنة ١٣٣١ نوادر وفكاهات من أحاديث الحيوانات لمؤلفها اليأس بك قدسي هي قصص موزونة على الوزن القرادي المعروف بالمعنى باللغة الشامية الدارجة منها ما هو معرب عن لافونتين شاعر الفرنسيين وإنها مبتكر غير مقتبس ولا معرب طبعت في دمشق رواية شمم العرب هي رواية تمثيلية عربية ذات أربعة فصول من تأليف صديقنا نجيب أفندي نصار صاحب جريدة الكرمل في حيفا المعلومات المدنية لتلامذة المدارس الابتدائية لفائز بك الغصين طبعت على نفقة المكتبة الهاشمية بدمشق جمال المعاني في الديوان الثاني للسيد جمال الدين محمد الحسن بك الحموي الكنى بابي العزم طبع بمطبعة حماه سنة ١٣٣٢ . أفكار وأخبار بكر الأولاد كان الناس يذهبون إلى اليوم بان بكر الأولاد أرقى عقلا ولذلك خصته بعض الأمم كالانكليز بامتيازات في المواريث وغيرهما ولكن احد علماء منافع الأعضاء في الدنمارك تبين له خلاف ذلك فانه فحصه ٥٩١٥ ولدا بكرا فاستنتج بان الولد الثاني والثالث قد يكونان أرقى من البكر وان القول بمتانة حمسه وكبر عقله حديث خرافة بل تبين أن السل اشد فتكا في بكر الأولاد من الثاني والثالث فناء الأرض كثر بحث العلماء في فناء مادة بقاء الكرة الأرضية وقد قدم مؤخرا احد الرياضيين الفرنسيين إلى مجمع العلوم في باريس خلاصة أبحاثه في هذه المسالة جاعلا ما بقي من عمر الأرض مليوني سنة فاضمحلوا النباتات والحيوانات ويفنى الإنسان معها فتقفر الأرض إذ تبلغ حرارتها إلى درجة يهلك فيها كل حي وليست هذه النبوءة المشئومة جديدة بل قد تنبأ بها كثيرون حتى اليوم ولكنها حسبت ألان بحسابات علمية وقد استند هذا العالم إلى نظرية هلملوز الذي يقول بان الشمس تبرد بالتدريج فاقدة من قوة حرارتها فان درجة حرارتها الحاضرة أخذة بحسب بعض أراء بالتناقص قال وإذا نظرنا إلى ماضيها يثبت معنا أن قرص الشمس كان منذ مليوني سنة ضعفي ما كان عليه اليوم وكذلك كانت أشعتها اشد حرارة مما هي ألان وبذلك يجب أن تكون درجة الحرارة في الأصقاع القطبية التي هي في عرض ثمانين - تسعين بميزان سنتغراد وحسب العالم الفرنسي أيضا انه ينقضي عشرون إلف قرن قبل أن يصغر قرص الشمس نحو العشر وفي خلال ذلك يجمد سطح الكرة بحيث تنزل درجة حرارة فيه إلى الصفر وتدخل حياة في دور الموت والأرجح انه يصير مال الأرض التي نعيش عليها إلى الفناء وعليه فان مجموع عمر الأرض هو أربعة ملايين سنة وما نحن كما قال الشاعر الطلياني دانتي في منتصف الطريق. الدجاج المسمن ظهر للباحثين أن ضرر تسمين الحيوانات الخاصة بإطعام الإنسان أكثر من نفعه وذلك ماخلا الوقت الذي يسبق أوان ذبحها بقليل وما عدا ذلك من الحالات فزيادة الثقل لا تأتي إلا بضرر فان البقر الثقيل جدا يعمل عملا قليلا والبقرات المعلوفة كثيرا لا تنتج كثيرا أما الدجاج الذي يطعم أكثر من كفايته ولا سيما في الشتاء فإنها تبيض كسلانة أو بيضا رديئا عند انتهاء الشتاء ولا يكون بيضها على ندرته بنسبته ما صرف عليها من الغذاء خصوصا وان رياضتها تقل في فصل الشتاء فيقضى عليها أن تعيش مدة في فنها وما كان كبيرا في السن منها يموت لا محالة وقد شرح الباحثون أشلاء الدجاج الميت على هذه الصورة وظواهر صحته حسنة فتبين لهم أن الأنسجة قد كثر شحمها وان الكبد عراه ما أوقف عمله وكذلك القلب والدم لم يعد يجري جريه العادي والرئة أضاعت من نشاطها ولم يتمكن الأوكسجين (أحد مولدي الماء والهواء) من إحراق الشحم في تركيب الجسم قالت المجلة الباريسية وهذه الحوادث نادرة ولكن الذي يجب أن لا ينسى انه ينبغي الإقلال من التغذية عندما ينقطع الدجاج عن البيض فلا تعطى عندما تبيض شيئا من الحبوب ولا الذرة ولا الشعير ولا الأرز لأنها تسمنها بل يستعاض عن ذلك بالبقول التي تبعث على القوة ويتقى بها السمن. بحيرات ملح القلي شرعوا يستثمرون في شرقي افريقية الانكليزية بحيرات الصودا أو ملح القلي الطبيعي وهي على مسافة غريبة باتساعها وبصفاء حاصلاتها وهذه المستودعات من الصودا هي كغيرها مكونة من الرواسب تجمعت خلال مئات من القرون فاجتمعت المياه في قيعان لا منفذ لها تاركة بالتبخر الأملاح التي تحتويها وهي عبارة عن كربونات ممزوجة بسولفات وكلورور ويكثر الكربون في هذه البحيرات التي تعرف ببحيرة ماكادي ويمكن أن يستخرج منه كل سنة مائتا مليون طنا وذلك ودون أن يضر بتجارة الصودا الصناعية. أعظم الاكتشافات الحديثة الاكتشافات الحديثة عشرة المصباح الكهربائي المتأجج. نقل المجرى الدوري وتبديله. الطيارات. يب الازوتية في الزراعة. تعديل المحركات ذات المحروقات الداخلة. الطيارات. الآلة التاللاسلكي. نها أشعة اكس. طريقة استخراج الرسوم. تحسين طريقة التصوير الشمسي. الفرن الكهربائي. التلغراف اللاسلكي. وهذه كلها نتيجة علم العلماء وبحث الباحثين من أهل الغرب والشرق لم يكد يعرف منها اسمها دع جسمها ورسمها. الإفراط في التغذية كتب احد الأطباء في إحدى المجلات الصحية أن بعض الأطباء رأوا مؤخرا أن يقتصر في تغذية الأطفال على البقول وذهب آخرون إلى أن الطفل في مبدأ نموه يحتاج إلى غذاء كاف ولذلك وجب على أمه أن تحمله على الطعام وتحببه إليه بكل ممكن قال وارى أن ذلك من الوهم فان الإفراط في تغذية الولد تؤدي به إلى الشيخوخة المعجلة وتبتليه بداء المفاصل إلى غير ذلك من الإمراض فان تعويده الشره يحدث فيه عادات وحاجات جديدة يكون مستعبدا لها طول حياته وتنتهك بها صحته وتضمحل سعادته فان هذا الفكر المغلط طالما حمل الأمهات على تحميل أولادهن فوق طاقتهم من المأكل اعتقادا منهن أن الصحة والقوة هما بنت الغذاء الكثير ولذلك يأخذن أولادهن بالشراهة وأفضل طريقة اتبعها الانكليز في إطعام الأولاد أن يقدم الطعام إلى الأولاد قبل أن يقدم للكبار في الدار وتجعل مواعيده لهم غير مواعيده للكبار ويكون غذاء الأطفال ساذجا لا يحتوي على ملح ولا على ابازير من مثل الفلفل والتوابل والخل وغير ذلك من المقبلات التي تصيب حلمات الذوق وتثلم حاسة التأثر فيه فلا يعود يتذوق طعم الأغذية الطبيعية بل يفسد ذوقه ويحتاج إلى مشهيات اقوي مما كان يتناوله وينشا له من ذلك قلة لذة في تناول الطعام وتهيج الأنسجة المخاطية الهاضمة على هذه الصورة بغير عملها العادي وبسبب سوء الهضم وكثيرا من الإمراض في الجهاز الهضمي. سقي النبات أن حسن بقاء النباتات ولاسيما ما يجعل لزينة البيوت منها يرجع إلى طريقة سقيها فإذا زاد أو نقص يحدث ضرر في نموها ويؤدي أحيانا إلى ذبولها وإفنائها فان النباتات الكثيرة الجذوع يجب أن يزاد في إرواءها أكثر من التي تقل جذوعها وأفضل طريقة يتحقق بها ما يحتاجه النبات من الماء هو أن يلاحظ عند السقي في ما إذا كانت فقاقيع من الماء على سطح التراب فان ظهورها يدل على أن هناك تبخر في الرطوبة فإذا تجاوز الساقي هذا الحد اضر بالنبات وتجربة ذلك سهلة أما الوقت اللازم انتظاره لإعادة السقي فهو متى شوهد أن التربة جفت أي قبل أن تتبخر رطوبتها ورطوبة الأوراق تماما وهذا التبخر تابع لكمية بخار الماء الذي يحمله الهواء وهو ينشا أيضا من نمو الجذوع ولا يمكن وضع قاعدة عامة بذلك بل ينبغي أن يعرف بان الواجب تكرار الإرواء أربع مرات إذا كانت الجذوع وافرة والواجب أن يعنى الساقي بان يغمر بالماء جميع التراب بحيث لا يبقى محل فارغ بين النبات والأصيص أي إناء النبات وإذا لم تتخذ هذه الاحتياطات تكون الظواهر حسنة ولكن النبات ظمآن في الحقيقة فتنقبض العروق صغيرة وتنفلج المادة المغذية وتنحل الأوراق فلا يلبث النبات أن يهلك فكما انه يجب أن لا يفرط في إظماء النبات ينبغي أن لا يفرط في إرواءه أيضا فإنها في الحالة ثانية تبلى جذوعها وتتعفن وكثرة غمرها بالماء يؤدي إلى ظهور الحموضة فيها ولذلك فالواجب إرواء النبات ولاسيما في فصل الحر ولكن بدون أن يتبخر الماء تماما ويغمر كل الغمر فقد يكون سطح التربة نديا والطبقة السفلى منها عطشى وبالجملة بأنه لا يشرع بإرواء النبات إلا بعد أن تكون الرطوبة الناجمة على الإسقاء الأول قد زالت كل الزوال وبذلك تحفظ نباتات المساكن طويلا خصوصا إذا غسلت الأوراق الكبيرة من النبات مرة في الأسبوع وذلك بان تمسح بإسفنجة مغموسة بماء غال فيه قليل من الصابون مسحا خفيفا فتظل بذلك مسامها مفتحة وتبعد عنها الحشرات المؤذية ولاسيما الذباب الأخضر ومما ينفع في هذا الباب أيضا تجديد التربة وان يضاف إليها بعد المخصبات في الأوقات المناسبة وان لا تعرض النباتات إلى درجة من الحرارة تقل عن ٥ بالميزان المئوي ولا حرارة الشمس ومجاري الهواء. مرض الجذام اشتغل المجتمع الطبي الفرنسي بمرض الجذام وقد طلب منه أن يعطي رأيه في كيفية التوقي منه بعد أن ثبت بان مؤتمر الجذام الذي عقد في برلين سنة ١٨٩٦ أكد انه من الإمراض العضالة المعدية على أن هذا الرأي لم يقل به جميع المشتغلين من الأطباء بهذا المرض ومن مشاهيرهم الدكتور زامباكو باشا من مشاهير أطباء الأستانة المنوفي حديثا فانه نشر كتابا مهما أيد فيه رأي الجمهور في عدم سرابه هذا الداء وقد قدرت نظريته حق قدرها بين العلماء ولكنه لم يوفق إلى إقناع العالم الطبي كله بصحتها وقد رأى المجمع الباريسي أن يكره الطبيب الذي يداوي مصابا بالجذام كما تكره أسرة المريض أن يعلنوا ذلك للحكومة وان يخضع المصاب به إلى مراقبة خاصة أو يجعل منفردا وان يحظر على المجذومين أن يدخلوا فرنسا جميع أسباب الوقاية الخ. وقد عرف العرب الجذام حتى قالوا أن في ماء دمشق خاصية لمنع سرايته وقد جعل له مستشفى خارج باب شرقي لا يزال يأوي إليه إلى اليوم المجذومون كأن العرب تحققوا سرايته قبل لن يتحقق علماء العصر الحاضر كما تحققوا سرابه الطاعون والهواء الأصفر والأوبئة والحميات. كبريت الكاربون جرب في مستشفيات مرسيليا هذا الكبريت المعدني وذلك بحقن المصاب بالسرطان به فأنتج نتائج حسنة سريعة في إبادة الغدد السرطانية وقد ظهر هذا المضاد للفساد أثبت أصل السرطان وسرايته. واردات دور التمثيل والفرج بلغت واردات دور التمثيل والمشاهد في باريس في السنة الماضية ٦٨٤٥٢٣٩٥ فرنكا وهو أعظم دخل نالته تلك الدور المنقطعة النظير في العواصم الأرض لان باريس كهف العلم كما هي كهف اللذائذ ومعظم هذه الواردات من واردات السينماتوغراف. المخازن الكبرى بلغ ما باعه مخزن البون مارسه في باريس في السنة الماضية ٢٤٠ مليون فرنك منها ١٦ مليونا ربحا وبلغ ما باعه مخزن الساماريتان ١٢٥ ملايين منها ربح ثمانية ملايين وبلغت مبيعات مخزن اللوفر ١٣٢ مليونا منها سبعة ملايين وربعا وباع مخزن لافييت بما قيمته ١٢٥ مليون فرنك وكان ربحه منه ثمانية ملايين وربع مليون فرنك هذه مخازن باريس التي يعد مستخدموها بالمئات والحكومة تتقاضى منها رسوم الباتنت ولكنها تتساهل مع أكبرها أكثر مما تتساهل مع المخازن الصغيرة. أمراض النبات أحصي ما تحدثه في العالم أمراض النباتات مسانهة بخمسة مليارات فرنك على اقل تعديل وقد قرر المؤتمر الذي عقد في رومية مؤخرا بان يعقد عهد دولي يضمن لكل من الاثنين والثلاثين مملكة التي اشتركت في هذا المؤتمر ما يقي نباتاتها من المضار. من الرأس إلى القاهرة تعمل الحكومة الانكليزية ألان بما فيها من القوى لانجاز الخط الحديدي الذي يربط رأس الرجاء الصالح في جنوب افريقية بمدينة القاهرة في شماليها وهو تحقيق الأمنية التي طالما حلم بها سيسل رودس المتري الانكليزي الشهير. ولا يكون هذا الخط كالخطوط العسكرية التي فتحها الرومان أيام عزه لتنقل عليها الحكومة جندها وذخائرهم وإثقالهم بل غاية من هذا الخط سلمية على ما يظهر ألان ينظر فيه إلى ترقية المدنية في ذاك الصقع العظيم من افريقية ويستفيد الناس من ذلك في الشؤون الاقتصادية وسينجز هذا الخط الذي شرع فيه منذ سنتين في سنة ١٩١٦ وقد ساعد في اليوم على انجازه تنازل البلجيك لانكلترا عن شطر من أراضي الكونغو البلجيكية فأصبح الخط يسير في ارض انكليزية على طول ٦٩٤٤ ميلا أو ١١١٠٠ كم وهذه هي المسافة بين الرأس والقاهرة أو ٧٠٧٤ ميلا أي ١١٣٣٠ كم إذا أريد إبلاغه إلى الإسكندرية ويركب المسافر بين ذينك الثغرين في القطار تارة وفي الباخرة أخرى فيكون ركوبه من كابتون إلى بوكاما في القطار ومن بوكاما إلى كونغولو بالباخرة ومن كونغولو إلى خندو في القطار ومن خندو إلى بونترفيل في السفينة ومن بونترفيل إلى ستانليفيل في القطار ومن ماهاجي إلى كوستي في السفينة ومن كوستي إلى وادي حلفا على طريق الخرطوم في القطار ومن وادي حلفا إلى أسوان في الباخرة ومن أسوان إلى القاهرة في القطار. وقد قاسى القائمون بهذا المشروع الأمرين من اعتداء السكان وفتكات الحيوان لاسيما الأسود في رودسيا الشمالية حيث اضطروا إلى أن يقيموا حواجز ليؤمن عملة السكة الحديدية من هجماتها. أزمة الخدمة شعر الناس حتى في البلاد التي لم تبلغ درجة راقية من المدنية كمصر والشام لقلة الخدام والوصيفات والخادمات والمرضعات والمربيات حتى أصبح بعضهم يجلب خادماته وخدامه من الخارج وما دروا أن فرنسا بل وألمانيا وانكلترا والولايات المتحدة هي أيضا في أزمة خدم تشكو قلته حتى لقد كان في فرنسا تسعمائة إلف خادم وخادمة فأصبحت اليوم وليس فيها سوى ٧٥٠ ألفا وأسباب ذلك كثيرة منها قلة المواليد بحيث أصبح الفقراء من الذكور والإناث يجدون في القرى ما يعيشون به بدون الاختلاف من المدن ومنها أن الثروة زادت في الفلاحين ومنها ماحشيت به رؤؤسهم هناك من تساوي الناس جميعا وان لفظ الخادم مرادف للفظ المنحط ومنها انتشار الصنائع والاحتياج إلى الأيدي العاملة هذا في الغرب وأما في الشرق فليس له من سبب سوى حب البطالة فترى الفتى أو الفتاة يؤثر أن يعيش بالشحاذة ولا يمتهن خدمة عند احدهم كأنه يرى الشحاذة اشرف من الخدمة المشروعة ولو طبق قانون المتشردين في هذه الديار لبلغ عددهم نصف سكان مملكة من ممالك أوروبا الصغرى فحبذا تطبيقه بالفعل ليقل الخاملون ويزيد العاملون وبذلك لا يشكو خادم ولا مخدوم. طريقة جديدة للاستصباح اخذوا في بلاد البلجيك يستخدمون فحم كوك المعدني لا فحم كوك في معامل الغاز لإنارة المدن بثمن ارخص من الغاز المعتاد في الاستصباح وقد تألفت شركة لهذه الغاية وهي تعقد ألان مقاولات مع بلديات كثير من المدن البلجيكية لتنيرها بهذا الضوء الجديد الرخيص الذي لا يكلف متره المكعب سوى خمسة سنتيمات ويمكن أن تنزل قيمته إلى النصف بعد سنة ومن المدن ما وفرت بهذه الطريقة مبالغ طائلة فان مدينة انفريس تدفع خمسة عشرة سنتيماً ثمن المتر المكعب من غازها فكم يكونوا المبلغ الذي تقتصده غدا إذا ابتاعت كل متر بسنتيمين ونصف. الأرضة الأرضة أو دود الخشب مما لا يحاذر الناس منه كثيرا في العادة بيد أنها بما تحدثه من التلف تعد من جملة مصائب المساكن فهي تسكن في الأثاث والدفوف وكل أعمال الخشب وحملاتها شديدة بحيث يكاد لا يلحظ وجودها ولا انتشارها وكثيرا ما تدخل هذه الدودة في البيوت التي كانت سالمة منها على غير انتباه والأرضة كالقمل والبراغيث والبق إذا سكنت صعب جدا إبادتها فإنها كثيرة التناسل وتقاوم كل طريقة لإتلافها ولذلك تقضي الحال بان يحاذر كل الحذر من نقلها إلى المساكن وذلك بان لا يستخدم إلا الخشب الجديد السالم من الأرضة وكثيرا ما يحدث أن البنائين وأصحاب الأملاك يستعملون أنقاضا من البيوت تكون أخشابها عتيقة ملوثة بالأرضة ومن الناس من ينتقلون إلى بيوت فيهملون تنظيفها وتنظيف أمتعتهم التي تكون الدودة الخبيثة قد اتخذت لها فيها مساكن لا ترى وكم من دار أصيبت بعدوى هذه الحشرة وكانت من قبل سالمة ولا سبيل إلى الخلاص منها إلا بإبادة جميع الأمتعة التي عششت فيها. العاج النباتي كان الأوروبيون يتنافسون في افتتاح بلاد السودان لأنه يخرج منها العاج وريش النعام وغيرهما من حاصلات البلاد المهمة وما كنا نظن أن العاج الذي طالما تنافس فيه المتنافسون يصدر منه كميات وافرة من أميركا الجنوبية من نبات لا من حيوان. وقد نجحت الآن تجارته نجاحاً كلياً بفتح برزخ باناما وشجر هذا العاج يجود في جنوب مملكة باناما وكولومبيا وجمهورية خط الاستواء وشمالي البيرو وفي أودية الآند على ثمانمائة أو تسعمائة متر من العلو عن سطح البحر وجذعه عظيم وقصير وهو ينمو ببطء ولا يبلغ طوله في العدة أكثر من ٣ إلى ٨ أمتار ونادراً أن يكون طوله ١٠ أمتار وورقه عظيم يشبه ورق جوز الهند وثمره أشبه برأس ولد زنجي وتحتوي قشرته لوزة يكون شكلها أولاً شكل كيس مملوء من شراب حلو مرطب ثم يجمد بالتدريج ويصلب بحيث تكون كصورة العاج وصدفته تحتوي على ٦٠ إلى ٩٠ لوزة كل خمس أو ست لوزات وحدها وهي تفتح بذاتها متى آن أوان نضوجها تلتقي على الأرض ثمرها الذي يبيض إذا تم نضوجه فيكون كالعاج ولا يعلم كم سنة حتى ينضج ثمر هذا الشجر ولكن الملاحظ أنه يتم في ست سنين وأن عمر الشجرة منه وأكثر وهذا العاج النباتي بفصل وينشر ويحضر كما يفعل بالعاج الطبيعي تعمل منه أزرار وأدوات زينة وقيمته أرخص من في سن الفيل. وقدروا أن جمهور خط الاستواء وحدها تصدر منه ما قيمته ثلاثة ملايين بيزو (والبيزو ثلاثة فرنكات وخمسة وسبعون سنتيماً) أو عشرون ألف طن وقد اغتنى ب هجانوه الذين يبيعونه من التجار وهؤلاء يبعثون به إلى المعامل في أميركا الشمالية على الأكثر وهي تخرج منه الرطوبة بواسطة الأدوات المستعملة لذلك ثم يجعل في براميل حديد يكون في داخلها مطارق تعريها من غشائها على طريقة ميكانيكية فتكون صبلة كالعظم بيضاء ناصعة. أعمار الموسيقيين أراد أحد الإحصائيين في أوربا أن يتفكه بإحصاء معدل أعمار الموسيقيين فبدأ يبحث في الصحف والمجلات منذ سنة ١٨٧٠ إلى يوم الناس هذا فظهر له أن مات منذ ذاك العهد ٤١١٣ موسيقياً عرف السن التي قضى فيها ٣٧٣٧ وحسب أن معدل أعمارهم كانت ٦١ سنة وبلغ في هذه المدة ١٨٧٠ - ١٩١٣ عدد من تجاوزا المئة سنة أربعة و ٧٦ موسيقياً منهم مات منتحراً ويكثر عدد المنتحرات من الموسيقيات والمغنيات. حفظ السمك كانت الطريقة المتبعة حتى الآن في حفظ الأسماك طرية غير تامة ونافعة من كل الوجوه ولا سيما طريقة تمليحها وجعلها في الجليد وقد ظل الباحثون يفكرون في طريقة جديدة تكون أضمن وأحسن حتى عثر رجل دانيمركي على محلول يفي بالمطلوب. يستخدم لها آلة واسعة الحجم جداً مؤلفة من إناء داخلي من المعدن يدور على محور أفقي مفتوح من أعلى ومن أسفل. وهذا الإناء الداخلي مملوء بماء مملح سلامورة وهناك إناء خارجي يحتوي ماء البحر وتجعل فيه السمكة التي يراد حفظها وتدور الآلة تدويراً ميكانيكياً فينفذ الماء المملح من ثقوب الاسطوانة الداخلية يوصل بينهما بمجرى دائمي من المحلول المالح ويغطى السمك بطبقة من الجليد أن يشبع بدون بالملح ويحفظ جميع صفاته. عقم الأمم كان بعض الاقتصاديين بين ذهب إلى أن قلة المواليد في الأمة يدل على هرمها وأن العقم كما هو عند الأفراد في الأمم حذو القذة وكل أمة قديمة تهرم فهي عاقر عقيمة وقد رد أحدهم هذه النظرية بقوله أن فطرة أن العناصر تكون عاقر عقيمة إذا هرمت هر من الخطأ الظاهر بل أن الأمم تزيد قزة إذا هي تقدمت في السن. لكل الأمم عمر واحد إذا نظر حياتها ولا تختلف إلا بعمر مدينتها والعلماء يعيشون أكثر من الجهلاء. فإنا نرى الأميرات أكثر أولاداً من نساء الشعب وأساتذة المدارس والوعاظ وأساتذة الكليات أكثر نسلاً وانحطاط الأمم يكون بهجرة الطبقة الراقية من بينها كما هجرت الطبقة الذكية من اليونان إلى إيطاليا طمعاً في مغانم تصوروها ولم يلحق بهم النساء ويكون الانحطاط بإنهاك قوى الأرض والأمة التي تحسن تسميد تربتها لا تموت أو بحروب تأتي على العامر والغامر أو بمنافسات شديدة هكذا اضمحلت تروادة وقرطاجة أو بتبديل المناخ كأن ينتقل أهل البلاد الباردة إلى الحارة وبالعكس فقد شوهد أن الجنس الجرماني لما توطن في إيطاليا وإسبانيا وإفريقية في القديم قد اضمحل. فالعمر لا يهرم الأجناس بل يجدد شبانها فعقم الأمم هو من الأمراض الوهمية كغيره من الأمراض اعتقدت به القرون الماضية ولكن العلم الحديث قد ناقضه. الأحداث والأعاظم أنشأ أربعة تلامذة من مدرسة جانسون دي سايللي في فرنسا مجلة جديدة سموها نظرة وأكبرهم سناً لا يتجاوز السادسة عشرة وقد أحدثت مجلتهم حركة إعجاب من الأمة حتى أن رئيس جمهوريتها تنازل وبعث إليها بقصيدة جميلة لم تطبع بد لتنشرها في إحدى أجزائها التالية دليل مؤازرته وعنوان تشجيعه لمن لقنوا العلم تلقيناً قبل أن يبلغوا الحلم. دور نضوج العلم كتب أحد المفكرين يزيف قول من قال أن أحسن الكتب في العالم هو ما كتبه مؤلفوه في عهد الشباب فإن هلاك بعض الشعراء والكتاب في سن الشباب لا يقوم دليلاً على هذه القضية وذلك لأن الأمثلة أكثر من أن تحصى في هذا الباب وتاريخ الأدب الحديث طافح بها فإن تنسون لم يحرز هذا المقام في الشعر الغنائي إلا بما ألفه يوم كان في الحادية والثمانين من عمره وكذلك كان من كبار رجال الأرض مثل سقراط وشاتوبريان ولافونتين ولاماوتين وهوغووكريم وميشله وأمير سون ووتمان وتولسوي وبجورنسون وتوين مما عاشوا كلهم فوق السبعين وكذلك يقال في الشاعر ايبس الدانمركي من المعاصرين وأن كيني الألماني لم يكتب الجزء الثاني من روايته الفوست إلا عند ما بلغ الثمانين وبلغ أشيل وسفوكل واورييدوهم كبار شعراء اليونان في الفاجعات سن الشيخوخة وهكذا يقال في دانتي شاعر إيطاليا ورونسارد وشكسبير ومن الذن يدخلون في سلك المعمرين الذن جودوا أيضاً تآليفهم في سن عالية مليتون وراتجة ولونغول وكانت وتاسيت وكارلايل ومولير ورابلي ومونتين وسرفانتس وبالزاك. الاستحمام ذكرت إحدى المجلات الخطيرة أن الواجب أن لا يستحم المرء كيفما اتفق فالحمام بحسب عادة المستحم وكيفية استحمامه ومزاجه وصحته يكون نافعاً أو ضاراً. فلا يستحم المستحم بوجه عام بماء بارد تحت درجة ٢٤ بدور استشارة الطبيب فإذا كان الحمام الذي يؤخذ على هذه الصورة يحدث أوجاعاً في الرأس وهبوطاً في الجسم فالأوفق الاستعاضة عنه بالمضخة (الدوش) الباردة. وما كان جيد الصحة لا يستحم في حمام تتجازو درجة حرارته ٤٠ والحمامات السخنة هي في العادة قليلة النفع ولا سيما إذا أخذت في الماء لأنها تكون مهيجة لا مسكنة وهي بادية الضرر في الضعاف أو الضئال. ولا أحسن في تسكين إضرابات الجسم وإراحته مثل الاستحمام في حمام تكون درجة حرارته ٤٠ ويكون تناوله قبل النوم. ومن أنواع الاستحمام ما ينبغي اعتباره من المقويات التي أرقى من كل شراب مز ومنها الدلك بفوطة مبللة وهي توافق في الأكثر النساء المتبعات مهما كان نوع تعبهن. والأحسن أن يساعد المستحمة دلاكة فتقف المستحمة على قدمها في حمام حار ( ٤٠ درجة تقريباً) مغطاة بملحفة مبللة من رجليها إلى نقرتها ويصب عليها سطل ماء بارد من درجة ٢٥ ثم تدلك بمنشفة ثم تلف في ملحفة ناشفة وتدلك حتى ينشف جلدها تماماً وتجدد هذه العملية كل يوم بخفض درجة حرارة الماء بالتدريج. ويستعمل ضد الأرق الماء الفاتر بحسب حرارة الجسم فيتغطي المستحم ليكون بمأمن من الهواء ومدة هذا الحمام عشرون دقيقة فتجعل عصائب مبلولة وتربط حول الرأس ولا حاجة للدلك بعد هذا الحمام. الجراد الجراد هو الجرح النغار في جسم الزراعة في كل بلد وقد اتخذوا حتى الآن لإبادته طرائق كثيرة منها جمعه وإحراقه ومنها إحراق المحصولات والأشجار التي يعلق عليها ومنها ضربه بالبنادق وسحقه بأحجار أو حديد وعبثاً حاولت الحكومات إنقاذ البلاد من ويلاته وصرفت الأموال الطائلة في سبيل إبادته حتى وفق أحد أعضاء مجمع باستور العلمي أثناء جوله في يوكاتان في الشرق الأقصى إلى اكتشاف جائحه من الجوائح تسطو على الجراد فتبيده فأخذ منذ سنة ١٩١٠ يربي جراثيمها وتوصل إلى أخذ سمها الذي يقتل الجراد لا محالة وكل لترين من مسحوقه مغلياً يطهر هكتاراً من الأرض والتطهير يجري خاصة في الأماكن الملوثة بالجراد فتقتله وتقتل بيوضه وقد أنشأوا يستعملون هذا الدواء الناجح في جنوبي أميركا مثل كولومبيا وفنزويلا والأرجنتين كما استعملته فرنس في الجزائر وكلفت حكومة إنكلترا مخترعه إلى استعماله في جراد جزيرة سيلان والحكومة العثمانية إلى استعماله في أزمير. وبذلك انحلت مسألة إبادة الجراد التي شغلت الأمم سنين طويلة. الخشب الأحمر في بلاد القوقاز لا سيما في المنحدر الجنوبي من السلسلة الكبرى وعلى المنحدر الشمالي الغربي من السلسة الصغرى بجبال القافقاس في كولشيد وعلى شواطئ البحر الأسود توجد شجرة ذات أوراق تدوم على مدة الفصول وفيها صمغ وخشبها غير قابل للفساد ويسمونه الخشب الأحمر ويبلغ طول شجرته ٢٥ متراً وقطرها ٧٥ متراً وهو ينمو ببطء إلى ما لا نهاية له معرضاً للأهوية الشديدة التي تهب في الجنوب الشرقي ومن أشجاره ما عمره ٣٠٠ أو ٤٠٠ سنة وقد بقي قائماً على ممر الدهور ثابتاً أمام حوادث الأيام لم يلحقه عفن ولا سوس ولطالما عرضت من خشبه مصنوعات لطيفة من النجارة البديعة في المعارض فوقعت موقع الاستحسان عند أرباب الذوق والراغبين في البدائع. شهداء الطيران ابتدأ الطيران سنة ١٩٠٨ وما زال عدد شهدائه سنة عن سنة فقضى في السنة الأولى رجل واحد وفي الثانية ٣ وفي سنة ١٩١٠ - ٢٩ وفي سنة ١٩١١ - ٧٨ وفي سنة ١٩١٢ - ١٤٠ وقطع خمسة طيارين في السنة الأولى ١٦٠٠ كيلو متر من حيث المجموع وقطع في سنة ١٩٠٩ خمسون طياراً ٤٤ ألف كيلومتر وبلغ عدد الطيارين في السنة التالية ٥٠٠ ومجموع ما اجتازوه - ٩٦٠ ألف كيلومتر وبلغ عدد الطيارين سنة ١٩١١ - ١٥٠٠ قطعوا ثلاثة ملايين وسبعمائة ألف كيلومتر وفي سنة ١٩١٢ بلغ مجموع الطيارين ٥٨٠٠ قطعوا عشرين ملون كيلومتر فكان مجموع من هلكوا في السنة الأولى واحداً في ١٦٠٠ كيلومتر وفي السنة التالية واحداً في كل ١٥ ألف كيلومتر وفي السنة الثالثة واحداً في كل ٣٣ ألف كيلومتر وفي الرابعة واحداً في ٤٧ ألف كيلومتر وفي الخامسة واحداً في كل ١٤٠ ألف كيلومتر وقد حسب الحاسبون أن عدد الطيارين الهالكين آخذا بالنقص نقص إلى عشرة ويوشك أن يقل أكثر من ذلك كلما قل عدد المتهورين من الطيارين وجرى في آلات الطيران. المطاط أخذ شجر المطاط الكاوتشو تكثر رزاعته في صومطرا من مستعمرات هولاندة بفضل تربتها ومناخها ورخص أجور العملة فيها وسينافس قريباً المطاط الذي يستخرج من سيلان وغيرها من البلاد الإنكليزية. وفي جزائر هبربد الجديدة شجر ضخم اسمه البانيان لم سكن معروفاً من قبل ولكن تبين الآن أنه يستخرج منه المطاط وقد أخذوا مؤخراً يستثمرونه ويبعثون به إلى قارة أستراليا ليدخل في الصناعات. سارة برنارد ما نظن في البشر الراقي أناساً لم يسمع باسم سارة برنارد أعم ممثلة في الأرض لهذا العهد وقد احتفلت الأمة الفرنساوية بتكريمها في العهد الأخير كما يحتفل بالملكات أو أكثر وقال ناظر المعارف الفرنسوية إن حكومة الجمهورية قلدتها وسام جوقة للشرف لأنها كانت ممرضة في المستشفيات العسكرية للجيش الفرنساوي سنة ١٨٧٠ ولأنها نشرت اللغة الفرنسية في العالم كله مثلت في جميع الممالك وقد امتدحها بار الشعراء بشعرهم والأدباء بنثرهم وفاضت البالغة يوم تلك الحفلة التي دعاها فيها أحد كبرائهم إمبراطورة المحاضرة لأنها أخذت تحاضر الجمهور وهي الآن في شيخوختها بعد أن مثل أبدع القصص نحو نصف قرن وهي في شبابها وكهولتها واغتنت من التمثيل كما يغتني كبار رجال المال والأعمال في الغرب. الخطوط الحديدية في أميركا قالوا أن طول الخطوط الحديدية التي تشق بلاد الولايات المتحدة الأميركية يبلغ ٢٤١ . ١٩٩ ميلاً أي أطول من مجموع خطوط ممالك أوروبا كلها وستخدم فيها ٢٤١ . ١٥٥ عاملاً في حين يقتضي لها مليون مستخدم ومتوسط أجرة العامل في السنة ٣٦٠ ريالاً أميركياً وثمن هذه الخطوط تشعة عشر مليار دولار وكثير من الخطوط يملكها رجل واحد أو اسرة واحدة مثل خطوط اسرة فندربلت الغني الشهير ولا ترق قلوبهم بالعطف على مساكين المستخدمين في حين قد دفعت مؤخراً إحدى بنات فندربلت ثمانية لايين دولار لتصبح دوقة إنكليزية وذهبت مجموعة البدائع التي حواها متحف مورغان الغني إلى المتحف العام في أميركا بعد وفاته والمثل يقول عند الغربيين القمل بعيش على حساب الكلب المضروب أعظم نفق فتح نفق في العالم في نيويورك وهو مجرة تحت الأرض يسقي مدينة نيويورك فيملاً كل يوم باثنين وعشرين ألفاً وخمسمائة مليون لتر من الماء آتياً من مكان بعيد عن تلك العاصمة ١٤٥ كيلومتراً وقد حفر على عمق ١٢٢ متراً عن سطح الأرض ودام العمل في هذا النفق سبع سنين وأنفقت عليه بلدية نيويورك مليار فرنك واستخدمت فيه كل يوم ٢٥ ألف عامل وهدمت لأجله سبع قرى فيها ثلاثة آلاف ساكن إلى غير ذلك من الأعمال العظيمة التي لا تقوم بها إلا الأمم ذات المدينات الراقية. شعر الشهر قال خليل أفندي مطران في الأهرام من قصيدة في الطيران والطيارين. خواض أجواز العنان ممانع غير النهي عن أخذه بعنان يدعو الرياح عصية فتنله أكتافها بالطوع والإذعان يسمو فتضع الشوامخ دونه حتى تأوب بذله الغيطان يطأ السحائب ممنعاً في شوطه زجل الفوائد له أزير الجان فترى منائرها هوت وجبالها دكت وأبحرها عفت في آن وترى قراها العامرات وروضها أقوين من حسن ومن عمران وترى مناجم تبرها وعقيقها مهدودة مشبوبة النيران وترى الصفوف الكثر من حيوانها بادت فما كانت من الحيوان وترى عوالم ليس منها باقياً إلا اختلاط أشعة ودخان حتى إذا ما جال غير مدافع أو عام بين النسر والسرطان الوى يحط فما يقول شهوده إلا جلال النسر في الطيران فإذا دنا خالوه عرش كرامة شدته أملاك بلا أشطان فإذا أسف رأوه مركبة لها عجل تسيرها يدا شيطان فإذا جرى ثم استوى فوق الثرى ظهرت لهم أعجوبة الإنسان قال أحمد بك شوقي في الطيارين اللذين طارا من بيروت إلى القاهرة على ما نشره الأهرام. يا راكب اليح حي النيل والهرما وعظم السفح من سيناء والحرما وقف على أثر مر الزمان به فكان أثبت من أطواده قمم وأخفض جناحك في الأرض الني حملت موسى رضيعاً وعيسى الطهر منفطما وأخرجت حكمة الأجيال خالدة وبينت للعباد السيف والقلما وشرفت بملوك طالما اتخذوا مطيهم من ملوك الأرض والخدما هذا فضاء تلم الريح خاشعة به ويمشي عليه الدهر محتشما إلى أن قال: يا صاحبي أدرميد حسبها شرفاً أن الرياح إليها ألقت اللجما وأنها جاوزت في القدس منطقة جرى البساط فلم يجتز لها حرما مشت على أفق مر البراق به فقبلت أثراً للخف مرتسماً ومسحت بالمصلى فاكتسبت شرفاً=وبالمغار المعلى فاكتسبت عظماً وكلما شاقها حاد على أفق كانت مزامير داود هي النغما جشمتماها من الأهوال أربعة الرعد والبرق والإعضار والظلما حتى حوتها سماء النيل فانحدرت كالنسر أعيا فوافي الوكر فاعتصما قال السيد محمد حبيب العبيدي الموصلي في فتى العرب: أمعاتب الأيام في تبعاتها منيت نفسك طامعاً بمحال أوترت للأغراض غير قسيها وأرشت عند أترمي غير نبال أنت الزمان وأنت رب بلائه ماذا تريد من الزمان البالي حملته تبعات نفسك جاهلاً فحملت أثقالاً على أثقال إن الزمان حديثه وقديمه ن بيض أيام وسود ليال الدهر حرث بنيه في أعمالهم يأتي بما زرعت يد العمال فلمن أطال النوم لوعة جائع ولمن يغوص البحر عقد لآل عطل الضعيف فآذنت بشقائه ذكرى السعادة للقوي الحالي لا حق في هذي الحياة لعاجز مستضعف ولخسائر مكسال تجلي الحقيقة بالدليل فتنثني حقاً فتعوزه قوي قوى الأبطال الحق من دون العناية باطل ولباطل معها فسيح مجال خير الحياة وشرها في موقف الحكم فيه لصارم وعوال حتى ضعاف الطير صيد سباعها والظبي قنص لحبائل المغتال إن الحياة هي العناية، والردى من دونها حظ الضعيف السالي قال خير الدين أفندي الزركلي في فتى العرب من قصيدة يا أمة العرب هلا تنظين إلى ماضي العصور، لدن حليت تيجاناً أيام سدت بني حواء بانيه لهم من العلم والعرفان بنياناً أيام كنت التي يمنى لصولتها عز الممالك، من لخم وغسانا أزمان كنت - وخير القول أصدقه أم البلاد - إلا حيين أزمان ألا ترين رقي الأمس باكية رجالك الغر من أنسال عدنانا أما تنوحين عهد الفاتحين أما تبكين من قد أقاموا قصر عمدانا ولات يجديك نوح النائحات إذا + لم تجعلي للنهوض الجد عنوانا</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_86.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.86.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
