<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.85.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.85.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨٥ بتاريخ: ١ - ٢ - ١٩١٤ مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت قليل من الناس بل من غلاة الكتب من يعرف من أمر هذه الخزانة الغنية الموجودة في المدينة المنورة شيئاً لعدم وجود فهرس مطبوع لها حتى أنك لا تجدها في ترجمة حياة صاحبها في كتاب قاموس الأعلام المؤلفة شمس الدين بك سامي الألباني كأنها ليست من الأعمال التي تجدر بالذكر أو أن يكون المترجم عرض بها فرفعوا قلم المراقبة في عهد السلطان السابق وقد كنا في عداد جاهليها إلى أن كتبت مجلة المقتبس بعض أسماء المخطوطات فيها وفي مكاتب المدينة المنورة نقلاً عن الشيخ جمال الدين القاسمي في الصفحة ٧١٨ من السنة الرابعة ثم عادت فنشرت قائمة أخرى بتوقيع إبراهيم أفندي حمدي خربطلي في الصفحة ٣٧٩ من السنة الرابعة. والذي زادنا تعريفا بها هو وصف صديقنا المتقبس لها في رحلته إلى طيبة إذ يقول وأحسنها أي خزائن كتب المدينة المنورة وربما كانت خير مكتبة في البلاد العثمانية كلها بنظامها وانتقاء أمهاتها هي مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت أفندي ففيها نحو عشرة ألاف مجلد كتبت بخطوط المشهورين من الخطاطين كأن تجد الكتاب ذا العشرين جلداً مكتوباً بخط مشرق بديع في مجلد أو مجلدين وفي هذه المكتبة من التسهيل على المطالعين والعناية براحتهم مالا تكاد تجد مثله في دار الكتب الخديوية بمصر لعهدنا وما ذلك إلا لكثرة ريعها وإنفاقها في سبله واختيار القيمين عليها وادرار المشاهرات الكافية عليهم. فلما قصدت إلى البلد الطيب صيف السنة الفائتة كان غابة مارميت إليه بعد زيارة الحجرة المعطرة زيارة هذه المكتبة فأخذني الدليل من زقاق ضيق عن يسار باب السلام وما كدنا نجتاز منعطفا هناك حتى كنا أمام دار المكتبة وهي ذات طابقين ومبنية من الجرار الحجر الأسود خلافاً لأكثر دور المدينة المبنية من اللبن فدخلناها من باب امتلأت حوله أصاحي الرياحين والأزهار واجتزناه إلى الغرفة الكبرى المتخصصة بحفظ الكتب فألفينا بعض المطالعين والنساخ يطالعون وينسخون كأن على رؤوسهم الطير إلا حركة خفيفة تنبعث مرة بعد أخرى من أهواء المهواة التي بأيديهم دفعاً لشدة حمارة القيظ. ولما استتب بنا الجلوس أتى إلينا حافظ الكتب بفهارس المكية الخطية وطلب غلينا معرفة اسمنا فلسمنا بطاقتنا وصرنا نطالع الفهارس المرتبة على أنواع العلوم والفنون والمنسقة تنسيقاً جميلاً يدل على ذوق سليم مما يعد عنواناً على نظام هذه المكتبة كما تراه في المثال المحرر أدناه تقلاً على أحد الفهارس. نمرة ١٧٥ اسم الكتاب تذكرة الشعراء المسماة بجمع الخواص المؤلف الصادق الكيلاني خط تعليق سطر ١٩ أوراق ١٠٥ جلد ١ جدول خالي ملاحظات بالتركي وبعد هنيهة قدم علينا مدير المكتبة عبد القادر أفندي حوار وغدا يرشدنا إلى أمهات الكتب النفسية الموجودة في الكتب فاطلعنا على تفسير انكشاف للزمخشري وبهامشه الكشف على الكشف وقد كتب التفسير أولاً بمجلد واحد بخط مشرق جميل وجداول مذهبة ثم أضيف إليه الهامش بإلصاقه على جوانب المتن الثلاثة إلصاقاً يكاد لا يظهر إلا على الناقد البصير وقد قيل أن هذا التفسير كلف صاحب المكتبة ثلاث مئة جنية مما يدل على مبلغ تأنق الرجل في انتقاء كتبه. وأرونا أيضاً كتاب تقويم الأبدان في الطب لابن جزله البغدادي وقد نسخه ناسخه سنة ٢٩٧ أي منذ نيف وألف سنة كما أننا رأينا ديوان شعر بالفارسية اسمه غزليات شاهي كتب سنة ٦٥٥ بحروف من ورق قطعت تقطيعا بديعاً وألصقت على صحائف من الورق الملون فجاءت غاية في الدقة. وقيل لنا أن فيها محاضرات ومحاورات الإمام السيوطي بخط يده إلا أن الوقت لم يتسع معنا لمطالعته وترى جميع الكتب مجلده تجليداً متيناً ومحفوظة ضمن غلافات من جلد أيضاً مصفوفة في القماطر بنظام معجب ومطرب والمجلد يشهدها كل يوم وبصلح ما فسد منها أما المكتبة فقد أسست سنة ١٢٦٠ كما هو مؤرخ في سقف قاعتها وهي السنة التي أقيل فيها من المشيخة ولعل لإقالته علاقة بتأسيس المكتبة وأوقف عليها من الكتب في اللغات الثلاث العربية والتركية والفارسية ٥١٣٥ مجلد وورد إليها بعد تأسيسها إلى يوم الناس هذا ٤٠١ فيكون مجموع كتبها اليوم ٥٥٣٦ مجلداً وزهاء ألفي رسالة محررة على هوامش هذه الكتب وبينها نذر يسير باللغة الهندية أردو. وقلة الكتب الواردة عليها التي لا يزيد معدلها السنوي على سبعة كتب تؤيد ما قلناه آنفا من أن عارفي مكتبة عارف قلائل جداً. ولقد اقترحنا على المدير أن يطبعوا فهرساً للمكتبة وينثروة بين الناس ويحذوا حذو المكاتب الراقية فيطلب من مؤلفي الكتب ومترجميها نسخة من كتبهم لتوضع في المكتبة وتعم الفائدة لاعتقادنا أن هذه الطبقة المنورة لا تضن على تلك المكتبة ببنات أفكارها ونتاج قرائحها فاستحسن منا هذا الاقتراح ولكنه اعتذر عن تقريره لأنه من خصائص متولي الوقف يحيى أفندي قاضي مصر السابق الذي يتوقع منه كل محب للعلم والأدب أن يحل هذا الاقتراح محله ويعمل على تعريف الناس بهذه الخزانة النافقة فإن عمال المكتبة الكثيرين هم كفء ويكفؤون للقيام بأعمالها كما ستراه. المشاهرة العدد العنوان قرش صحيح ٧٠٠ ١ مدير ٧٠٠ ١ حافظ كتب أول ٦٠٠ ١ حافظ كتب ثاني ٥٥٠ ١ حافظ كتب ثالث ٥٠٠ ١ حافظ كتب رابع ٥٠٠ ١ مجلد ٥٠٠ ١ بواب ٥٠٠ ١ سقا ٥٠٠ ١ كناس ٥٠٥٠ المجموع وللمرحوم أوقاف أخرى في المدينة تأتي من عاصمة السلطنة مع مرتبات المكتبة بواسطة الخزانة النبوية إليك بيانها: المشاهرة العدد الموقوف عليه قرش صحيح ٦٠٠ ٢ قارئ الشفافي الحرم النبوي ٦٠٠ ٢ قارئ دلائل الخيرات النبوي ١٢ ١ سقافي الحرم ٩٠٠ ١ امرأة الواقف المقيمة في المدينة ٢١١٢ المجموع ومما قلله لنا مدير المكتبة أن المرحوم كان ينوي إبلاغ كتب المكتبة إلى عشرة ألاف مجلد كانت تحت يده إلا أنه لم يتمكن من تحقيق أمنيته لأنه حين عزم على الحضور إلى المدينة المنورة يصحب بقية كتبه عاجلته المنية في دار الملك فبيعت كتبه فيها مع تركته بأبخس الأثمان ومنها كتاب الأغاني الذي بيع بخمسة عشر جنيها ثم باع من اشتراه من آخر بستين جنيها وطبع بعد ذلك عن تلك النسخة وانتشر بين القراء ويقولون أنه لو تمكن من جلب تلك الكتب وإضافتها إلى المكتبة لكانت اليوم من أحفل وأغنى مكاتب الشرق على أنها الآن تضم بين جدارها ألوفاً من الأمهات التي تفتقر إلى رجالات علم وعمل ليمثلوها للطبع ويبرزوها من خدرها وبعد أن قضينا بالمكتبة ما تيسر لنا من الوقت عدنا إلى الحرم النبوي من طريق آخر لا يبعد بضعة أذرع ودخلناه من باب جبريل. فلسطين في بلاد الغرب نساء الإفرنج الانكليز أعجب أمم الحضارة في أخلاقهم وعاداتهم لا يقبلون الجديد إلا بشق الأنفس ولكنهم إذا قبلوا تناغوا فيه وحرصوا عليه وبرزوا على من سبقهم وسابقهم. والغالب أن كل الحاجيات تمت أو كادت في هذه المدنية الغربية حتى قامت بعض نساء الأمم وطالبت بإشراكهن في حقوق المدنية فأصبحن ينتخبن نائبات في المجالس النيابية ويشركن الرجل في أعمال السياسة ومن الفائزات السابقات في هذا السبيل نساء فنلندا واستراليا وزيلاندة الجديدة والنروج. رأى النساء الراقيات من الانكليزيات ذلك ورأينا حقوقهن مهضومة مع الرجل وغرن الغيرة من خصائصهن من اللاتي سبقهن من بنات جنسهن وقمن منذ ثلاثين سنة يطالبن حكومة بريطانية العظمى بحقوق بنات حواء وما زلن منذ عقدت العقيدتان كوب وميلنر احتجاجا في لندرا سنة ١٨٨٤ وهن على وتيرة واحدة من السعي وراء مقصدهن لم يدخل الملل على نفوسهن. خطبت إذ ذاك العقيلة ميلنر وقالت أنها أزمعت أن لا تدفع الخراج الذي عليها للجابي بحيث تضطره إلى أن يكسر بابها ويحجز متاعها وهكذا تقاوم الحكومة وكل سنة تزيد قسوة وإملالا فضحكت الصحف من هذا القول إذ ذاك ومن الغد أرسل إليها من جميع أطراف انكلترا ابر للخياطة إشارة إلى أن المرأة هذا شأنها ولا يليق بها أن تخرج عن هذا الحد. ولكن المطالبات بهذا الحق ظللن يجمعن قواهن هذا وهن على الملكة فيكتوريا التي سنت للملكات دع نساء الطبقات المختلفة من السوقة سبنة توفر النساء على تربية أولادهن وتدبير منازلهن والقيام على أسراتهن وبيوتهن حتى قالت في مفكرتها أن أحن امرأة هي التي تبدو صالحة لزوجها وأولادها. ولقد ربت ملكة انكلترا وإمبراطورة الهند بناتها على التربية البيتية الراقية حتى أن الأميرة أليس دي هيس درامستاد كتبت إلى أمها تقول: ها قد صنعت الفساتين اللازمة لبناتي الصغيرات في الشتاء فعملت منها سبعة ولم أطرزها فقد بل فصلتها وخطبتها وعملت أيضاً رداء من الصوف للطفل الذي ننتظر قدومه وأنا التي أتولى حسابات الدار ولذلك تريني مستغرقة في العمل إن أسرتنا الصغيرة تزداد بسرعة وستقضي علينا الحال بضع سنين أن نعيش باقتصاد زائد. في مثل هذه الأمة التي ملكتها وأميرتها على هذا الطرز من حب الانصراف إلى الأعمال البيتية يقوم ربات الحجال في أقصى بلاد الشمال ويعمدن إلى القسوة في المطالبة في حقوقهن السياسية حتى لقد لجأن كما قالت جريدة المئتينيمن مقالة افتتاحية إلى استعمال القوة في مقاومة رجال الضبط والربط بل أن تلك الأيدي اللطيفة التي يجب ان تكون رباتها ملكية الأخلاق بلغها ودعتها هي التي أنشأتها التيمس بأنها تشعل الحريق في بعض بلاد الانكليز لتحمل الحكومة على بابه تلك المطالب وإنه قد حرق في شهر تشرين الأول الماضي في بريطانيا من الأملاك ما يقدر بنحو ستة ملايين فرنك ونصف وثبت بالتحقيق أن للمطالبات بحقوق النساء يداً في نحو عشر حرائق منها ران النساء المتحمسات لهذه الفكرة يطلبن شيئاً من المال فلا يلبس أن يحمل إليهن فقد طلبن مرة مئة ألف جنية وأخرى ربع مليون جنية وكلما طلبن مالاً يأتيهن عفواً ويقدر ما يصرف النساء الانكليزيات في الشهر بنصف مليون فرنك على تحقيق مطالبهن. هذه هي أعمال النساء الانكليزيات ومعظم البشر لا يرافقونهن على استعمال القوة في مقاومة القوة ولكن هذا السبات يدل على روح غريبة لا أثر لها في الشرق وكيف تكون حال نساؤنا مرضية وهن راضيات عن تقهقرهن فرحات بجهلهن العاقل لا يطلب لنساء الشرق أن يشاركن الرجال كما هن في الغرب فإن تقاليدنا وأدياننا وعاداتنا لا تنطبق مع هذا ولكن كل ما تتقيد به من قديم لا يحول بين نسائنا وبين التعليم وليت شعري كم مدرسة فتحت لتربية البنات في عهد الدستور في القطر السوري وكم رجل فكر أن يعلم بناته فن تدبير المنزل كما يعلم في الغرب. القشور التي يتلقفها بعض بناتنا في الأمريكان ولفرنسيس والألمان ومدارس الحكومة لا ترقي أمة تشكو الليل والنهار من مجهلها وجاءتها وتخبيئها جميع المصائب من تعشيشه في صدور كبرائها فما بالك بالصغار أن ما يراه السائح في أوروبا من مظاهر تربية المرأة ومضاهاتها الرجال في جلائل الأعمال يبكيه على الشرق ولا سيما الشرق الإسلامي يأتيه العبر عن إيمانه وشمائله ولا يعتبر. تسعى إيطاليا اليوم لإعطاء المرأة حقها في التصرف بمالها كما تحب دون أن تكون مقيدة بإرادة زوجها أو وليها كما كانت حتى الآن وفي الشمال حاز بنات نوعهن كل هذه الحقوق وهن يطالبن بحقوقهن السياسية ونحن حتى الساعة لم يفكر نساؤنا ورجالنا في شيء لإنهاض المرأة من كبوتها فما أبعد الفرق بين الجنوب والشمال في تربية الرجال وربات الحجال. وبعد فإنا نشاهد كل آن العجب العجاب في هذه الديار الغربية من مشاركة الرجل للمرأة في أعمال الحياة مشاركة هي على غير الطريقة التي جرى عليها الشرق الأقرب الذي جعل المرأة في منزلة يصح أن يقال أنها أقصى دركات الانحطاط وهيهات أن تنجح أمة نصفها عاطل لا يعمل ولا يفكر ينظر إليه بغير العين التي يجب أن ينظر إليه بها وينزل منازل الجهل والخمول. قلنا أن العاقل لا يطلب لبلادنا أن تكون المرأة فيها كما هي في الغرب فإن هذا أشبه بمريض يحتاج إلى جرعة من الدواء قدر درهم فتعطبه رطلاً وبذلك تقتله لا محالة نعم لا نريد لنسأل الآن أن يكون لهن حق المشاركة في السياسة ولا الاختلاط بالرجال على مثل هذه الحال ولا أن يكن منقطعات إلى العلم والآداب فقط بل تزيد تعليمهن التعليم الابتدائي الراقي الذي يكون محوره ترقيه عواطفهن الدينية والمدنية ليكونوا من المرأة أم تحسن التوفر على تعهد بينها وبيتها وتتدخل السرور على قلب بعلها ومحارمها وأن نقتطع فئة من هؤلاء المتعلمات للتعليم ليتخرج بهن البنات والصبيات على السواء وهن يكن من الدراسات العلوم العالية بالطبع. قرأت الآن في الجورنال مقالة افتتاحية لأحد المشتغلين بالتعليم عند الفرنسيس جاء فيها بمناسبة القانون العسكري الجديد وجعل الخدمة ثلاث سنسن أن فرنسا استاقت ألفاً وستمائة معلم في سن القرعة للخدمة العسكرية وأنها ستستعيض عنهم بالمعلمات علمن الصبيان قال الكاتب أنه ساح في أوقات مختلفة في عدة بلاد كانت فيها المدرسة الابتدائية تقبل الفتيات كما تقبل الفتيان معاً على نحو ما تقبل المدارس العليا الطالبات مع الطلاب فرأى أن ذلك لا يضر بالآداب بل ينفعها فإن الرجال لما كان شأنهم أن يعيشوا مع النساء فمن السخف أن يفصل بعضهم عن بعض عشراً وخمس عشرة سنة وأن يعود كل جنس أن يعتبر الجنس الأخر دخيلاً وخطراً فإن التعليم المشترك يغرس في الفتيان الشعور بالرجولية وفي الفتيات حياء بدون أن يكشرن عن أنيابهن. فإنا نجد في البيوت التي يكون للبنات فيها أخوة والأخوة أخوات يحرزن صفات ليست أصلا لغيرهن من الأولاد ونحن لا نريد مدارس مختلطة بل مدارس للصبيان تسلم أزمة التعليم فيها للنساء. المرأة تحب الأولاد وتعرف مراميهم فإن فطرة الأمومة التي تتنبه في الفتاة تحبب إليها الأولاد وتعرفها بهم ويكون الأولاد في الحال على ثقة مع معلمة فتاة كانت أو عجوز في حين أن الشبان المعلمين لا يتيسر لهم أن يحبوا الأولاد وذلك لأن المتزوج رب الأسرة ربما توسع في حبه أولاده فأحب أولاد غيره على ما يوحي إليه العقل ولكن معلما في العشرين لم يتزوج لا يحب الأطفال بل يضربهم ولا يبالي بهم لأنه يعتقد نفسه بأنه أشبه بالمرضعة وأن درجته انحطت فيجب مراعاة مصلحة التعليم والأولاد معاً أن يوسد أمر التعليم في مدارس الأطفال إلى النساء بدون استثناء فإن الطفل الذي يبدو شيطانا أمام معلمه يحاول أن يرضي معلمته كما هو الحال في المقاطعات المتوحشة في غرب الولايات المتحدة فيستبدل بمعلمة كل معلم لا يحسن التصرف مع الأولاد فيعود نظام المدرسة إلى أحسن مما كان. قال إن للمرأة أسرارا في اللطف والصبر والثبات الممزوج بحب وحسن النظر يجهلها حتى المعلم الخبير فما بالك بالمبتدئ بالتعليم. المرأة تعلم وتفهم ألف أمر لا يستطيع الرجل أن يفهمها ولا يحزرها. إنها رزقت جميع أسباب اللطف التي ترافق الإحسان. هذا ما له تعلق بموضوعنا نقلناه فمتى تنشأ لنا مدرسة في كل حاضرة من حواضر بلاد العرب تعلم الفتيات ليكن معلمات للبنات أولا وإن أمكن للصبيان أيضا تتم هذه الأمنية يكتفى اليوم بمتخرجات من مدارس المبشرين أو المدارس الطائفية ويوسد إليهن تعليم البنات والبنين. وما أظن إلا القليلات من المتعلمات في بعض المدن العربية والقليل من المتعلمين يفكرون في هذا المطلب الجليل الذي هو أهم الأدواء القاتلة في جسم مجتمعنا وهيهات أن يحصل على شيء من البرء إلا بتعليم البنين والبنات بل إنه بدون العناية أولا بتعليم البنات لا تستقيم لنا مدنية وتكون تعليمها الأمور النافعة بحسب ما تقضي به عاداتنا ومعتقداتنا فينهض المجتمع العربي بإنهاض شان المرأة وبدون ذلك لا أمل لنا بإصلاح بيوتنا. المدنية لا تشفق أحببت أن أخدر أفكاري مؤقتا عن النظر في أخبار بلادي فأخذت أطالع بكثرة صحف هذه الديار ولا سيما باريز منها وأعني عناية خاصة بالحوادث الداخلية مما لا يتيسر للصحافي الشرقي كل حين فأتلو كل يوم مرات أخار القتل والانتحار والاعتداء والفجائع والفظائع بتفاصيلها وكلها تدل على استهانة الغربي بالحياة جريا على ما ورد في المثل العربي احرص على الموت توهب لك الحياة. لا ينكر أن من الحوادث الطارئة هنا ما يسوق إليه اختلال الشعور من الإكثار من الخمور وانحلال العقيدة باليوم الأخر ولكن منها ما يدل على شمم وعزة نفس وتوقع المجد والشهرة. وبينا نجد أن ابن البادية عندنا يقتل عابر سبيل ليذهب ببندقيته أو فرسه أو كيسه أو ثوبه ترى الغربي ينتحر هو وزوجه أو ولده تخلصا من شقاء الحياة أو تفاديا من الوقوع في فضيحة أو لسائق غضب أو غير ذلك من الأسباب ومنها التافه ولكنها كلها تدور على احتقار الغربيين للحياة. قرأت الآن في البيتي جورنال إن العلماء بدؤوا يتحركون بفقد بعض أجناس من الحيوان كادت تضمحل بسوء تدبير الإنسان وظلمه وقسوته وان المجمع العلمي الباريزي قد حصر جلسته الأخيرة في البحث عن أسباب حماية الفيل والكركدن والحوت والطيور التي تكثر في البلاد الحارة وتصاد بلا شفقة ليتزين نساء الغرب بريشها وإذا لم ينظر في طريقة تحفظ بها أنسال هذه الحيوانات تنقرض بعد بضع سنين لا محال فيكون الناس أشبه حالا بحكاية من قتل الدجاجة اعتقادا منه أن في بطنها بيضة ذهب. قال صاحب المقالة: منذ عرف العالم مازال الإنسان يظلم ويطمع في القضاء على الحيوانات ويسيء استعمال الأسباب التي جعلتها الفطرة أمامه فلا جل نفع معجل بل وربما كان لجلب سرور بربري يقتل بدون خشية أنواع من الحيوانات النافعة التي يحدث من فقدها اختلال في ميزانية هذا الوجود هو يقتل الفيل لأن العاج ثمين جدا ويذبح كلب البحر لأن جلده يباع بثمن غال ويصيد الجوارح والطيور لأن ريشها تزدان به رؤوس النساء المتبرجات الخ. وبينا أتصفح هذا وأعجب من رقة شعور القائمين بهذا الأمر وعطفهم على الحيوان وخوفهم من انقراضه مخافة ان يحدث منه خلل في ميزانية عالم الكون والفساد إذا بي أرى في الصفحة الثانية أخبارا من فجائع الطيارات وهلاك الطيارين مما يحدث مثله كل بضعة أيام في الغرب لأن مدنيته لا تشفق بل لا تقوم إلا ببذل بعضهم أرواحهم في سبيل إعلاء كلمة العلم. كان بعض رجال الرحلات من الغربيين منذ قرون يهلكون في الصحاري والقفار أو في القطبين وتجشم أخطار وبحار أما اليوم فبعد ان اكتشفوا العالم الأرضي أصبحوا يريدون ان يكتشفوا العالم السماوي كانوا بالأمس يعملون في البسيطة وهم اليوم يريدون ان يسخروا الجو وما ندري غدا ماذا يخبئ العلم والاختراع من بدائع المستحدثات التي تباع في تحقيقها الأرواح بيع السماح. كنا بالأمس تقول إذا تلون سياحة احد أرباب الرحلات من الغربيين ان كاتب الرحلة في حلم يملي من عالم الخيال ليري انه لقي أهوالا في سفره ويشتهر بين جيله وقبيلة ونرجح ان معظمها أشبه بقصة السندباد البحري وحكاية ألف ليلة وليلة بيد ان ما نقراه اليوم بل نشاهده عيانا من أخبار الطيارين في أخبار السماء كاد يدعونا إلى تحسين الظن بأكثر ما أورده أرباب الرحلات وأن هذه المدنية التي نتمتع بها أن هي إلا ثمرة الاستهانة بالحياة في سبيل الأغراض الشريفة. مدنية الغرب تقتل الحيوان لفائدة الإنسان بل تقتل الإنسان لفائدة الإنسان وهذه التجارب التي خص الغربي بطول الروح عليها هي التي نشأت منها أكثر الاختراعات والاكتشافات الماثلة حسناتها للبشر اليوم منادية للأمم التي قام أبناؤها بشيء من هذه الأعمال حرية بان تنال ذروة المجد لأن من سخر قوة الطبيعة الصعبة لمنفعته لا يعثر عليه ان يسخر الإنسان للإنسان. مدنية الغرب لا ترحم أحدا ومتى رحم من لا يرحم نفسه. والغرب لا يحزن لفقد ألف أو ألوف من أبنائه قذفا من الجو وهم يطيرون لأنه موقن بان هذه التجارب في النتيجة عن خير بهذا المضمون فمتى نرى أناسا من الشرقيين ينهجون هذا المنهج ويقلدون الغرب في صالح أعماله فان مما يخجل الشرق من ان يعمل الغرب كل هذه الأعمال المدهشة وهو نائم باهت وان يقتل الشرقي إخاء في غرض تافه ولا يقتل نفسه في تحقيق عمل مجيد ومجد مؤثل: وبعض خلائق الأقوام داء كداء البعض البطن ليس له دواء يريد المرء أن يعطي مناه ويأبى الله إلا ما يشاء وكل شديدة نزلت بقوم سيأتي بعد شدتها رخاء ولا يعطى الحريص غنى لحرص وقد ينمى على الجود الثراء وبعض الداء ملتمس شفاه وداء النوك ليس له دواء تكريم الرجال عرف الغربيون حسن الانتفاع من كل شيء فصاروا إلى زمن من هم في العالم كل شيء لا قول إلا قولهم ولا مدنية إلا مدنيتهم التي هي خلاصة مدنيات العالم بأسره فيها اندمجت مدنية رومية وأثينة وبابل وأشور ومصر وفينيقية والأندلس وبغداد وفارس أن هذه المدنية التي تتمثل لنا كل يوم في صور شتى قامت بعقول الرجال وأعمال الأبطال ولذلك كان الحري بالتبجيل مصدر هذا الفضل والمعول الذي كان عليه المعوّل في نبث المدفون واختراع المعدوم. يكرم الغربيون رجالهم حتى ليخال الشرقي أنهم على شيء من المبالغة وأكثر الأمم ايغالاً في ذلك الفرنسيس على ما رأيت فان رجالهم لقوا من التكريم والتنويه مالا يكاد يراه أمثالهم في الأمم الغربية نفسها. وأن المرء ليعجب كل العجب من تغنيهم حتى اليوم بجان دارك إحدى فتيات القرون الوسطى التي برزت الرجال بشجاعتها ودافعت عن وطنها أمام جيوش الفاتحين من الانكليز وإلى اليوم هي المهماز الأعظم لفتيات فرنسا لشبانها تقام باسمها المعابد وتسمى الشوارع وتنصب التماثيل وتؤلف القصص التمثيلية وغيرها في وصف سيرتها. ولا بدع فإن الفرنسيس كما قال برزباين - أشهر رجال الصحافة الأميركية - ورثوا عن اليونان والرومان نبوغاً كانوا به أدلة وموحين بالأفكار للعالم منذ عهد شارلمان فقد كانوا الأولين في الحركة العقلية السابقين في شجاعة القلب وشجاعة الفكر المجلين في فن الحرب وفن الهندسة وفن الجرأة الطبيعية الخارقة في إنشاء السيارات والطيارات وفي عامة الأعمال التي تحتاج إلى عقول لا تخاف وتطلب إقداما عليها لساعتها. قرأت أمس في الماتينيمقالة جاء فيها الفرنسويين يتأهبون للاحتفال بعيد مرور مئة سنة على موت بارمانتيه يوم ( ١٣ كانون الأول ١٩١٣ ) وربما يقل في قراء العربية من يعرفون هذا الرجل ويودون الاطلاع على طرف من ترجمه حياته ليذكنوا على الأقل من هو الذي يعاد ذكره بعد أن نصبت له التمايل وصيغة باسمه الصفائح التذكارية وأنشأت الجواد الشوارع بل أنشئت قرية باسمه في الجزائر. بارمانتيه هو مخترع البطاطا في فرنسا أو مدخلها إليها على صورة عم استعمالها جميع طبقات الناس فخدمتهم في اقتصادهم وبيوتهم وتغذيتهم مدة القرن الماضي كان هذا الرجل من أبناء العامة سافر من ببلده مونتيديه إلى باريز ليسابق في وظيفة صيدلة في الجيش فقبل وأرسل مرات إلى ساحات القتال ومنذ سنة ١٧٩٣ حتى يوم وفاته كان يتولى أعظم الوظائف الصحية العسكرية مثل عضو في مجلس الصحة ومفتش عام وصيدلي أول في الجيش الفرنسوي وفي خلال حرب السبع سنين أخذ أسيراً وفي أسره تسنى له أن يدرك ما في البطاطا من المواد المغذية وكانت في معظم الأوقات الغذاء الوحيد له ولا صحابة الأسرى. حملت البطاطا من أمريكا إلى أوروبا من سنة ١٥٨٠ إلى ١٥٨٥ نقلها الأسبانيون لولا ثم الانكليز من فرجينيا وكانت غير معروفة كثيراً في فرنسا وينظر إليها في الجملة نظرة ازدراء وما زال بارمانتيه منذ استقرار مرة في صيدلية الانفاليد بباريز يكرر في منثورات منوعة فوائدها ويدفع اعتراض المعترضين بشدة لأنهم كانوا يحملون عليه حملات منكرة قائلاً أن رأي الناس في البطاطا أنها غير صالحة لغذاء الإنسان ساقط لا يؤديه له وكذلك دعوهم أنها تضعف الجسم وتحوي الأخطار وعلى العكس فهي لذة الأغنياء ومعوان للفقراء وسلوى في الشدائد. وكان هذا المحسن مدفوعاً إلى ذلك بالعامل الذي وضعه بقوله: لا يكفي من أراد أن يكون نافعاً لأبناء جنسه أن يقول لهم مرة واحدة ما رآه وما عمله وما يجب أن يعمل بل يجب عليه أن لا يمل من تكرار دعوته على صور مختلفة وطرق منوعة اللهم إلا القوة فإنها لا تستحب ولا تنفع العلوم إلا إذا عمت الطبقات كلها هكذا كان شأن بارمانتيه حتى انتشرت البطاطا بفضل مساعيه المتواصلة وأصبحت تزرع في أرض تبلغ مساحتها مليوناً وستمائة ألف هكتار في وطنه. ولم يقتصر بارمانتيه على الدعوة إلى البطاطا وتحبيها إلى الناس بل كان له أثر محمود في الخبز والخبازة ودرس الأغذية الرئيسية عند هذه الأمة وله العمل المهم في تنظيم المستشفيات الثابتة والنقالة العسكرية والمدنية إلى غير ذلك من أعماله في تمشيط الأشغال العلمية والصحية والزراعية والصناعات الوطنية ونشر التطعيم وطبخ الأحسية الاقتصادية هذا إلى جمعيات البيطرة والإحسان والمأوي التي كان عضواً فيها أو مديراً لأعمالها مباشرة بحيث كان كما قال فيه أحد واصفيه السابق إلى كل مكان يمكن العمل فيه كثيراً وأن يخدم بدون عوض ويجتمع لعمل الخير ويتأتى لمن يدعوه أن يكون على ثقة من أنه بإشراكه بارمانيتيه في العمل يتسلط إلى وقته وقلمه وعلى ماله عند الاقتضاء. هذا هو عمل الرجل وربما يتساءل القارئ وكيف وجد من قلبه متسعاً للقيام بهذه الأعمال التي تحتاج إلى بضعة رجال والجواب بارمانتيه كان يصحو باكراً ويجلس إلى منضده عمله في الساعة الثالثة بعد نصف الليل صباحاً قالت (الماتين) وما أحق مدارسنا الابتدائية أن تتخذ من هذا للوالدين والشعب مثالا يبعث الهمم على العمل فإنه قد خرج من مسقط رأسه مستخدما صغيراً في الصيدلة لا سند له ولا مال بل ولا تعليم إلا التافه القليل وتمكن بعمله المتواصل من بلوغ المناصب العالية وجلس في الصف الأول بين المحسنين إلى الإنسانية. أبعد هذا نلوم الفرنسيس إذ غالوا بحمد رجالهم وهل نشأ لنا نحن يا ترى معشر العرب نصف رجل مثل بارمانتية منذ بضعة قرون وكان بسيرته وعمله حرياً بأن نحتفل به ونذكره بكل شفة ولسان ونخلد اسمه في سجلات الأزمان. صناعة الفنادق لعل بعضهم يعترض على هذا العنوان فيقول وهل أصبحت الفنادق والإنزال صناعة حتى تحدثنا بها ولكن من رأى الفنادق في الغرب ولا سيما في البلاد التي بكثير إليها اختلاف السياح كفرنسا وإيطاليا وسويسرا مثلا يهون عليه ان يتصور معنى الفنادق فيرى قصوراً شاهقة ذات حدائق غناء مجهزة بأجهزة قصور الملوك أو أكثر وفيها من التحف والألطاف وبدائع الصناعات ما يلفت عقل البليد دع الحساس الذكي. صناعة الفنادق لا لتمثل حق التمثل إلا لعين من كثرت سياحته إلى الأقطار المختلفة وهناك يدرك خطرها كما يدرك قدر الصحف فيرى إدارة كل نزل أشبه بديوان كبير من دواوين الدول أو مصرف عظيم أو جريدة منتشرة وإتقان تلك الصناعة متوقف على العلم الحديث فكلما تأمل في الشرق والغرب وكثرة الترف والنعيم زاد رواءً واتقاناً. إن ما تراه في مصر والشام من إتقان بعض الفنادق أن هو إلا جزء مما أوجده العلم في القارة الأوروبية والأمريكية وفي مقدمة الأمم التي استفادت من فنادقها وأحسنت القيام عليها الأمة السويسرية حتى سمى بعض الفرنسيس أهل سويسرا الفندقيين تحقيراً لهم مع أن هذه الصناعة كغيرها مما لا يثلم الشرف ولا بعبث بالمروءة شريفة في ذاتها ولا يعد التوفر عليها سبة وعاراً. وكفى السويسريين بأن أهم الفنادق في ايطاليا وغيرها هي بأيديهم يديرونها ولا يفوقهم أحد في هذا الشأن. ليس الفندق أو النزل الحديث كما يتخيل بعضهم عبارة عن خان من الخانات متقن بعض الشيء فإنه قد يوجد في الفنادق الحديثة من أسباب الرفاهية والنعيم مالا يوجد مثله في قصور العظماء الفندق الحديث هو معهد مؤلف من عدة أمور يحتاج حسن سيرها إلى عناية وملاحظة خذ لك فندقاً متوسط الكبر تجد فيه بحسب طبقته ومساحته أعمال الكهربائية مراجل ودينامو وآلات التدفئة والتهوية وأدوات لاستخراج الجليد وحجر مبردة وأفران للخبز والحلويات وآلات للتصعيد ومطبعة ومكتباً للبريد والبرق واصطبلات ومحال لحفظ المركبات والسيارات وأقبية وقد يساوي ما يحويه الفندق من المواد مئات الألوف من الفرنكات تكفي النزل الشهرين والثلاثة ومعملا للتصليح محمل نجارة وحدادة إلى آخر ما هنالك مما لا مقابل له بالعربية للتعبير عنه. وللفندق خدام يقومون على غاباته وحدائقه ومنتزهاته وطرقاته وسواق تامة أدواتهم لنق الأمتعة والأثقال منه واليه على الخيل والسيارات ورجال إدارته أكثر من رجال الوزارة فمنهم المستقبلون والقائمون على إعطاء التعليمات لمن يطلبها ومنهم العارفون بالسكك الحديدية وآخرون للمحاسبة وبعضهم للضجة وغير ذلك. فالفندق مستعمرة صغيرة ينقسم أقساما قد يختلف عدد القائمين بأعماله من ١٠٠ إلى ٣٥٠ شخصاً. ومدير الفندق سواء كان مالكه أو مديره مسئول عن كل ما فيه مديره ويعنى به ويمونه ويلاحظه ويسأل عن كل غلط يأتيه رجاله العاملون بإشارته أو النازلون عنده والقانون يسأله وحده فقط عن كل ما يحدث. ولذا لا يكون صاحب الفندق ق في العبر رجلا عاديا يكتفي منه أن يكون حسن البذة عارفا بالقراءة والكتابة والحساب بشوشا مؤنسا بل هو رجل متعلم من الدرجة الأولى يحسن إدراك ألوف من التفاصيل في إدارة تحتوي غرائب معقدة بحيث يكون أهلا لان يتصرف في الحوادث اليومية التي قد تقع اضطرارا في عمل يحوي في حملته أعمالا صناعية وتجارية مختلفة وليست الأدوات التي يقوم بها الفندق ميكانيكية بل عقلية قد تتعارض فلا بدع إذا طلب هنا من صاحب الفندق أن يكون مهندساً نقاشاً سياسياً تاجراً بل طبيباً للأرواح والأشباح. عرفت الأمم المتمدنة مكانة هذه الصناعة فجعلت لها المكان الأول في حياتها الاقتصادية والتجارية والصناعية وفتحت المدارس لتعلمها كما فتحت مدارس لتدبير المنزل الذي تتوقف عليه حياة البيوت وسعادتها وغبطتها ولقد كانت النفس تحدثني وأنا أشهد من لذاذة الحياة في فنادق الغرب ومساكنه (بانسيون) وحذاقة طهاتها ونظافة خدامها وخادماتها من لي بأن يأتي أناس من الطبقة المستنيرة المثرية من أبناء بلادي ليروا شاهداً عيانياً محسوساً على ترقي الغرب وتدني الشرق ويفاضلوا إذا رجعوا إلى أهلهم بين حالنا وحال غيرنا وينقل بعض ما يمكن نقله من أسباب النظافة وحسن تحضير المأكل وتنويعها وجمال السرر وبساطتها والغرف وفرشها والمقاعد والخزائن والمغاسل والحمامات وأماكن الاطمئنان وغير ذلك من أساليب الراحة والنعيم الذي لم يظفر يبعضه أغنى الأغنياء فينا اللهم إلا بعض عقلاء الكبراء في الحواضر الكبرى وخصوصا في مصر. ولكم كنت اشتهي أن يأتي بضعة شبان ممن سبق لهم الخدمة أو النظر في فنادق مصر والشام واختلطوا بالإفرنج وعرفوا خصائصهم وتأنقهم في مطعمهم ومنامهم وملبسهم أن يقضوا ولو أشهرا في الفنادق الكبرى ويحضرون ولو سنة دروس مدروسة الفنادق وتدبير المنزل في سويسرا وأظن أن من يفتح فندقاً ويحسن النظر فيه بحيث يضاهي به أو يكاد فنادق الغرب المتوسطة ينفع نفسه وأمته في اقتصادياتها أكثر من ألف موظف في الحكومة متوسط المعارف لا يهمه إلا رضا من سبقه في الدرجة وانتظار آخر الشهر لقبض الراتب. سوريا بمناخها تشبه سويسرا ولكن هذه تأخذ في السنة من المصطافين والمشتين فيها قناطير مقنطرة من الذهب وذلك لأنها عرفت من أين تؤكل الكتف في خدمة الناس وتوفير أسباب الهناء والصفاء لهم بحيث يتأتى للمرء أن يكون في الفندق سعيداُ كما هو في بيته وزيادة وأن أتاهم بعضهم الدماشقة بأنهم لا يفكرون في غير إلا كل والنوم وان هذه العادة غالبة عليهم ولكن يشفع في ذلك حالة الغرب واهتمامه في هذه الشؤون الحيوية أيضا وأن يكن الفرق بيننا وبين غيرنا أننا نذكر التفكر في ذلك وهم يجعلون له وقتا لا يبحثون فيه بغيره والسلام. رجال الكثلكة يجدر بنا ونحن في مهد انتشار الدين المسيحي وكل ساعة يقع نظرنا على قساوته ورهبانه ونرى بيعه ونسمع أجراسه أن نحدث قومنا بعمل هؤلاء الرجال وتفانيهم في واجبهم. من يمر في شوارع رومية يجد الرهبان والقسوس سائرين زمراً زمراً ويجدهم على الجملة يحلقون شواربهم ولحاهم ويلبسون لباسا اسود في الاكثر على عاداتهم في الشرق ويختلف هذا اللباس فالألمان والمجربون منهم يلبسون أردية حمراء فقط والفرنسيس والانكليز يلبسونها سودا والايكوسيون سودا مع زنانير زرقاء وياقات سوداء والبلجيكيون يلبسون سواداً فيه شيء من الحمرة والبولونيون يكتسون السواد وغيارا اخضر البوهميون سواداً وغياراً ممزوجاً بزرقة فاتحة واليونان الروتنيون يلبسون زرقة وزنانير حمراء مبقعة بزرقة وقسوس أميركا الجنوبية يلبسون الأسود مع غيار ازرق وبطانة زرقاء الأميركان يلبسون لباساً أسود واسع الأكمام والأردان غياراً أحمر وأعضاء الدعوة إلى الدين يلبسون أردية سوداء مع غيار وبطانة هما إلى الحمرة. هذا هو الشكل الظاهر في طلاب المدارس الاكليريكية الذين يأتون من أنحاء العالم الكاثوليكي ليدرسوا ويتخرجوا بآداب دينهم ثم يعودوا إلى بلادهم أو غيرها يعلمون ويرشدون. وهم قسمان قسم القسوس وهؤلاء يتعلمون في مدارسهم وبعد الدرس يذهبون إلى منازلهم وقد يعيش بعضهم بين أهله وذوي قرباء فمن هؤلاء لا يطلب إلا أن يسيروا بموجب القواعد المقررة وهم أحرار فيما عدا ذلك أما الرهبان فدائرتهم أضيق لأنهم يعيشون في مدرسة واحدة مع أقرانهم ويطعمون طعاماً واحدا ويكون في الاكثر طعام تقشف ولا يخرجون إلا برخصة أي أن هؤلاء مقيدون كثيراً ولا قيد صغار الطلبة في المدارس الداخلية. والرهبنات أقسام منها الفرنسيسكانيون والدومنيكيون واليسوعيون واللعازريون وغيرهم ولهم أنظمة وقوانين مشوا عليها منذ قرون وأفادوا النصرانية بنشرها في البلاد التي لم تدخلها ولا سيما في الصين والهند واليابان وأواسط أفريقية وغيرها من البلاد النائية. وكان لليسوعيين يد طولى في هذا الشأن وهم بين الرهبان والقسوس أي أنهم يترفهون ويأكلون ما يشاؤن لكنهم يأوون إلى بيت خاص خلافاً للرهبان الذين يأكلون أكلاً معيناً وخلافاً للقساوسة الذين يأوون إلى بيوتهم واليسوعيون بجند منظمون على نظام غريب لم يختل على كثرة ما نالهم من اضطهاد الحكومات في الأزمان السالفة. قال الأمير بورغزه في كتابه ايطاليا الحديثة: إن تأسيس طغمة اليسوعيين المشهورة هو من غرائب النظام الحقيقي فتراها جمعية مؤلفة من عناصر مختارة تخضع على الدوام لأداة الرئيس مباشرة والداخل فيها يربى على الطاعة بالتدريج والخروج المطلق عن شخصيته وإرادته. ويتراءى للناظر في نظامهم أن واضعه جندي فإن كل شيء فيه يشعر بالنظام. وقال أن نظام هذه الرهبنة ربما جرى في وضعه أغناس لويولا مؤسس اليسوعية على قواعد بعض الجمعيات الإسلامية التي كانت مشهورة في الأندلس فبنى نظام رهبنته على طاعة لا نهاية لها فتوصل بهذه الصورة أن يؤلف جيشاً يتصرف به رؤساؤه تصرفاً مطلقاً وتفنى إرادة صغيرهم في كبيرهم. ولمعظم الرهبان والقسوس أعمال علمية وغيرها يتعاطونها ويبرزون فيها فإذا انقطعوا للتدريس تخرج بهم طلاب كانوا صورة صحيحة منهم وإذا أخذوا بالتأليف قد يعدون من كبار المؤلفين ولذا ترى الناس في ايطاليا وفي غيرها كثيراً ما يفضلون أن يربى أولادهم على أيدي القسوس وإن كان آباؤهم ملاحدة مارقين من دينهم. ترى الرهبان إذا أخذوا بالزراعة والصناعة بما سبقوا من تخرجوا فيها أعمارهم والحكومة هنا قد جعلت رواتب لقسوس الطليان كما عينت راتباً للحبر الأعظم منذ يوم أخذت حكومة الوحدة الايطالية أزمة الأمر بيدها واستولت على أموال الرهبنات وكنائسهم وأوقافهم سنة ١٨٧٠ لأن جميع مرافق البلاد المهمة كانت بأيديهم إذ ذاك فغيرت بعض المعاهد وجعلت بعضها مدارس ومتاحف ودواوين حكومة وثكناً للجند وغير ذلك وحظرت على أي جمعية دينية امتلاك ملك إلا أن لرئيس الجمعية أن يملك ما يشاء وقد عادت الملة النصرانية فأخذت تدر المال على رجال الدين بعد الوحدة الجديدة ولذا تراهم يعيشون عيشاً حسناً وأديارهم وكنائسهم منظمة وإرادتهم دارة نامية والفضل في ذلك يرجع إلى المتدينين من أغنياء الكاثوليك في العالم. قلنا أن الحكومة الايطالية عينت منذ زهاء أربعي سنة راتباً لإمام الأحبار ولكنه لم يقبله بعد أن رعت منه السلطة الزمنية وكانت بيده هي والسلطة الروحية بيد أن الحكومة وضعت المبلغ تحت أمره في المصارف وفي كل خمس سنين ترفع منه الفائدة فقط وتبقي رأس المال بحاله الذي يزيد كل سنة حتى بلغ فيما بلغني ١٨٠ مليون فرنك وحضرة البابا لا يريد أن يتناوله وهكذا عف هو وأسلافه وسيتعفف أخلافه عن أخذ مال ممن يرونهم غاصبين حقهم معتمدين على سلطتهم. إن انشقاق ألمانيا وانكلترا وغيرهما عن الكنيسة الكاثوليكية بقيام أمثال جان هوس وكلفن ولو ثيروس في أوائل القرون الحديثة وتلك الأزمة التي دخل فيها المقام البابوي إذ ذاك لم تؤثر كثيراً في سلطته على الأرواح والأشباح وكذلك تغلب الحكومة الزمنية في إيطاليا على جيش البابا يؤثر كثيراً فبقي مقام حضرته مقدساً وكذالك الكرادلة والأساقفة والقس والرهبان وذلك لأن عمل هؤلاء الرجال قائم على أنظمة وقواعد معينة لا تغيرها الطوارئ والرزايا ولأن هذه السلاسل في مراتب الكهنوت لا يصل إليها المريد إلا بالتعلم والتهذيب على الأصول المتبعة وكل ما جعلت التربية والتعلم أساسه يثبت وبعم أثره ويوفق الناهضون به. ولقد لاحظنا أن الفتن الدينية التي أثارها التعصب الديني في القرون الوسطى كانت في ايطاليا أقل مما هي في فرنسا واسبانية حتى أن الإسرائيليين في اسبانية لما ذاقوا العذاب الأليم جلوا عن بلادهم فكان من إيطاليا أن قبلتهم وهذا ناشئ من لين أخلاق الشعب هنا ويرجح أن كل ما وقع من الاضطهادات لم يكن مما وقف الرؤساء على حقيقته ولو رجعنا إلى تراجم أكثر عظماء هذه الملة من باباوات وكرادلة ورؤساء أساقفة لوجدنا كثيرين منهم خدموا المدينة والآداب خدمة تذكر فتشكر كانوا كذلك يوم كانوا ملوكاً زمنيين وروحيين ويوم أمسوا روحيين فقط حدثنا التاريخ أن الباباليون العاشر في القرن الثالث عشر للميلاد وهم من أسرة ميديسيس المفضلة على العلم قد وسع نطاق الآداب وبث كلمة العلم حتى عد قرنه القرن الذهبي وكان يبسط جناح حمايته للمصورين والنقاشين والمهندسين والأدباء ويفضل عليهم بالطبع أن من يأتي بعده في الدرجة يحاول أن يقلده في محامده. والله أعلم. العرب والطليان وصل العرب إلى بلاد الأمة التي هي وارثة الرومان منذ القدم أوائل عهد فتح افريقية وما برح العرب يطمعون في فتح جزيرة صقلية لقربها من الشاطئ المقابل لأفريقية حتى تم لأسد بن الفرات فتحها سنة ٢١٢ هـ -. قال المؤرخون كان ابتداء حصار بلرم عاصمة صقلية في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين ومائتينيودام إلى شهر رجب سنة عشرين ومائتينيوفتحي بالأمان وفي سنة خمس وعشرين ومائتينيأستأمنت قلاع كثيرة من قلاع جزيرة صقلية منها حرصه وقلعة البلوط واللاطنوا وقلعة ماروب ومرنا وغير ذلك. وهذه القلاع ما زال بعضها إلى اليوم أسماء مدن تبدأ بلفظة قلتا أي قلعة فيقولون جيرونة زقلتا بلونة وقلتا لستا وكلها من تلك الحصون والقلاع بقيت أسماؤها كما بقيت أسماء كثيرة عربية في لغة سكان هذه الجزيرة فيقولون مثلاً منديللو للمنديل وغير ذلك مما يشهد بأن العرب حكموا هذه الجزيرة قرنين ونصفاً وأثرت في أهل مدينتهم ولسانهم وعاداتهم كما هي عاداتهم في كل ما ملكوه. راجت حضارة العرب زمناً في صقلية ومنها تسربت إلى البلاد المجاورة فكان يرشح منها شيء كثير إلى الأقرب فالأقرب من البلاد ولعل تلك الحضارة راجت أيضاً في جزيرة قورسقة وأهلاه يتكلمون الايطالية أيضاً وهم اليوم تحت حكم فرنسا وملك العرب جزائر ميورقة ومنورقة المعروفة بجزائر البالايار ويابسة وكانوا يغزون شطوط اسبانية وفرنسا ولا عجب بعد ذلك إذا دخلت كلمات عربية كثيرة في لغات الفرنسيس والطليان والاسبان والبرتغال. ومن يعلم أن تلك الجزائر مما ارتفع عليه علم الإسلام وأن أقريطش (كريت) وقبرص ورودس ومالطة كان حظها كذلك يعرف أن العرب كانوا رجالاً في البحر كما هم رجال في البر وأنه لا سبيل إلى الأمن من الداخل إذا لم يحفظ الساحل بالجزائر والمواني والفرض ولطالما كانت الحكومات تمتلك الساحل فلا تلبث أن تبسط سلطانها على الداخل. كان الأدارسة حكام تونس هم المتكلفين بغزو جزيرتي سردانيا وصقلية ففتحوا صقلية وكذلك ملوك جزائر الغرب أخذوا على عهدتهم غزو منورقة وميورقة فاستولوا عليهما وعامل العرب الايطاليين والاسبانيين بالحسنى على نحو ما يأمرهم به دينهم ولما رأى الايطاليون هذه المعاملة لم يشاؤوا أن يغيروا شيئاً من مصطلحاتهم حتى أن الملك رجار الذي عاد فاستولى على صقلية سنة ٤٨٥ كان يتكلم بالعربية وهو الذي أفضل كثيراً على الشريف الإدريسي الجغرافي الذي وضع كرة أرضية بالفضة كانت من أعاجيب القرون الوسطى دهشت لها أجيال الإفرنج كلهم كما دهشوا للساعة الدقاقة التي أهداها أمير المؤمنين الرشيد إلى شارلمان ملك فرنسا. قال الإدريسي في رجار هو الملك المعظم رجار المعتز بالله المقتدر بقدرته ملك صقلية وايطالية وانكبرود وقلورية أمام رومية الناصر للملة الناصرية إذ هو خير من ملك الروم بسطاً وقبضاً. ولقد كان أهل الشرق على صعوبة ركوب البحر في أيامهم يرحلون إلى بلاد ايطاليا كما يرحلون إلى الأندلس فيكتبون عليها في رحلاتهم ما تقع عليه أنظارهم وممن زار ايطاليا الجغرافي ابن حوقل فقد قال أن مدينة ملف ويقال لها الآن ملفي تتصل بأرض نابل وهي مدينة صالحة بحال دون ملف في كثير من الأحوال وأكثر أموال نابل من الكتان وثياب الكتان وقال أنه رأى بها ثياباً لم ير في سائر أقطار الأرض لها شبيهاً ولا يستطيعها صانع في جميع طرز الأرض وهو ثوب يعمل مائة ذراع في خمسة عشر ويباع الثوب منها بمائة وخمسين رباعي وزائد وناقص. ووصف ابن حوقل صقلية فقال أن طولها سبعة أيام في أربعة أيام والغالب عليها الجبال والقلاع والحصون وجميع أرضها مسكونة مزروعة وليس لها مدينة مشهورة معروفة غير المدينة المعروفة ببلرم وهي قصبة صقلية على نحو البحر من الشمال وهي خمس جادات محدودة غير متباينة ببعيد مسافة وإن كانت حدودها ظاهرة فمنها المدينة الكبرى التي تسمى بلرم عليها سور من حجارة مانع شامخ يسكنها التجار وفيها مسجد الجامع الأكبر وكان بيعة للروم وفيه هيكل عظيم ومدينة تعرف بالخالصة ذات سور أيضاً من حجارة وليس كالسور الأول يسكنها السلطان وأتباعه وفيها دار صناعة البحر والديوان وبعد أن وصف أسواقها وباعتها واستطرد إلى كثرة مساجدها وقال أن فيها نيفاً وثلاثمائة مسجد وفي قرية البيضاء مائتا مسجد قال ولم أر مثل هذه العدة في بلد من البلدان الكبار على ضعف مساحتها ولا سمعت به وقد رأى على مقدار رمية السهم نحو عشرة مساجد يدركها البصر ومنها شيء تجاه شيء وبينها طريق قال وسألت عن ذلك فقيل لي أن القوم لشدة انتفاخ رؤوسهم كان يحب كل واحد منهم أن يكون له مسجد مقصور عليه لا يحب أن يشركه فيه غير أهله وحاشيته وربما كان إخوان منهم متلاصقة دارهما متصافية الحيطان فعمل كل واحد منهما مسجداً لنفسه ليكون جلوسه فيه وحده وفي جملة هذه العشرة مساجد التي ذكرتها مسجد لولد وابنتاه ليتفقه فيه وغرض كل واحد منهم أن يقال مسجد قلان لا غير. قال وبها رباطات كثيرة على ساحل البحر مشحنة بالبطالين والفساق ووصف أبواب بلرمة التسعة وقال أن هذه المدينة مستطيلة ذات سوق قد أخذ من شرقيها إلى غربيها يعرف بالسماط مفروش بالحجارة عامر من أوله إلى آخره بضروب التجارة. ووصف الشريف الإدريسي جزيرة سردانية فقال أنها كبيرة القطر مثيرة الجبال قليلة المياه وطولها مائتاناوثمانون ميلاً وعرضها من المغرب إلى المشرق مائة وثمانون ميلاً وطولها ماراً من الجنوب إلى الشمال مع قليل تشريق وفيها ثلاث مدن منها الفطينة وهي مما يلي في جنوبها وهي مدينة عامرة ممدنة ومنها مدينة قالمرة وهي رأس المجاز إلى جزيرة قرسقة ومدينتها الثالثة تسمى قشتالة وأهل جزيرة سردانية في الأصل روم أفارقة متبربرون متوحشون من أجناس الروم وهم أهل نجدة وحرم لا يفارقون السلاح وفي جزيرة سردانية معادن الفضة الجيدة ومنها تخرج الفضة إلى كثير من بلاد الروم وبين سردانية وجزيرة قرسقة مجاز طوله عشرون ميلاً. ثم وصف جزيرة قرسقة وجزيرة البتة وبالوسة وقبريرة وقبرة وشكلة وبيت برة ومونسة وبونسة واسترنجلو وجزيرة البركان وليبر ودندمة وفيكوذة رركذة وأشتقة وجزيرة الراهب واليابسة وغيرها وقال في وصف مدينة بلرم: وبها حسن المباني التي سارت الركبان بنشر محاسنها في بناتها ودقائق صناعتها وبدائع مخترعاتها وهي على قسمين قصر وربض فالقصر هو القصر القديم المشهور فخره في كل بلد وإقليم وهو في ذاته على ثلاثة اسمطة فالسماط الأول يشتمل على قصور منيفة ومنازل شامخة شريفة وكثير من الفنادق والحمامات وحوانيت التجار الكبار والسماطان الباقيان فيهما أيضاً قصور سامية ومباني فاخرة عالية. وذكر القزويني في عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات مدينة رومية فقال أنها مدينة رياسة الروم وعلمهم وهي في شمال غربي القسطنطينية وبينهما مسيرة خمسين يوماً وهي في يد الفرنج ويقال لملكهم ملك المان وبها يسكن البابا الذي تطيعه الفرنج وهم عندهم بمنزلة الإمام الذي يكون واجب الطاعة ومدينة رومية من عجائب الدنيا لمعظم عمارتها وكثرة خلقها. ذكر الوليد بن مسلم الدمشقي أن استدارة رومية أربعون ميلاً في كل ميل منها باب مفتوح فمن دخل من الباب الأول يرى سوق البياطرة ثم يصعد درجاً فيرى سوق الصيارفة والبزازين وذكر أن بين يدي السوق سوق آخر على أعمدة نحاس كل عمود منها ثلثون ذرعاً وبين هذه الأعمدة نقير من نحاس في طوق السوق من أوله إلى آخره فيه لسان من البحر تجري فيه السفن فتجيء السفينة في هذه النقرة وفيه الأمتعة حتى تجتاز على السوق بين يدي التجار فتقف على تاجر فتختار منها ما تريد ثم ترجع إلى البحر. وذكر أشياء عجيبة عن كنيستها وقال أن فيها عشرة آلاف دير للرجال والنساء وبها جامع لمن يلتمس صنوف العلم من الطب والنجوم والحكمة والهندسة وغير ذلك قالوا أنها مائة وعشرون موضعاً قال وقد مثل في الكنيسة صورة كل نبي من وقت آدم إلى عيسى عليه السلام وصورة مريم عليها السلام كأن الناظر إليهم يحسبهم إحياء وحكي أن أهل رومية يحلقون لحاهم ووسط هاماتهم فسآلو عن ذلك فقالوا لما جاؤوهم شمعون الصفى والحواريون دعوهم إلى النصرانية فكذبوهم وحلقوا لحاهم ورؤوسهم فلما ظهر لهم صدق قولهم ندموا على ما فعلوا وحلقوا لحى أنفسهم ورؤوسهم كفارة لذلك. وممن رحل إلى ايطاليا جمال الدين محمد بن سالم بن واصل قاضي القضاة بحماة وكان إماما مبرزا للعلوم العقلية عارفا بالمنطق والهندسة والأصول والفقه والهيئة والتاريخ توفي سنة ٦٩٧ ذهب هذا رسولا إلى صاحب صقلية من قبل الملك الظاهر بيبرس الصالحي وذكر انه أقام عنه وفي مدينة من مدائن البر الطويل المتصل بالأندلس من مدينة انبوليا واجتمع به مرارا ووجده متميزا ومحبا للعلوم العقلية يحفظ عشر مقالات من كتاب إقليدس قال وبالقرب من البلد الذي كنت فيه مدينة تسمى لو حارة أهلها كلهم مسلمون من أهل جزيرة صقلية يقام فيها الجمعة ويعلن بشعار الإسلام. وفي هذا القرن كان الايطاليون هم رجال التجارة والأساطيل في البحر المتوسط وكانت لسكان بيزاوهم من إقليم توسكانيا تجارات واسعة في الشام وقال ياقوت أن السعة ظاهرة عليهم وجمهوريات بيزا وجنوا والبندقية هي أكثر البلاد الايطالية في القديم والحديث ولما كان الطليان يأتون بلاد مصر والشام وسواحل البحر المتوسط منتجعين للزق والاتجار كانت بقية أمم أوروبة غائصة في مفاوز الجهالة. نشر المستشرق ميشيل أماري في مدينة فلورنسا الشروط والعقود السياسية بين ملوك بيشة (بيزه) وفورنتا (فلورنسا) أو فلورنسا وبين ملوك المسلمين في تونس والغرب الأقصى ومنها عقد من الملك قايتباي للفلورنتيين ذكر في شروط البنادقة ان تجار المسلمين يبتاعون من تجار البنادقة أصنافاً من متاجرهم من جوخ وصوف وغير ذلك وآخر هذه العقود سنة عشر وتسعمائة هجرية وأولها في منتصف القرن السادس. وهكذا عاد العرب فاستخلصوا بلادهم من الطليان فكان الاختلاط على اتمه بين الأمتين ولاسيما عندما تضع الحرب أو زارها وكثيرا ما كان رسل ملوك الإسلام يأتون ايطاليا فقد ذكروا أن ابن خلدون المؤرخ جاءها رسولا من قبل صاحب تونس وصورة الطليان إذ ذاك على الحجر وجاءها في القرن الحادي عشر الأمير فخر الدين المعني صاحب لبنان وأقام بها عدة سنين ملتجأ ووصف عمرانها بالضخامة وتفنن أهلها في النقش والرسم والبناء. ولا يتسع المجال هنا إلى ذكر كل من زاروا ايطاليا من العرب ومن زاروا من الطليان بلادنا إلى هذا العصر. ولقد كانت اللغة الايطالية في مصر والشام معروفة أكثر من الافرنسية والانكليزية إلى منتصف القرن الماضي ثم تراجعت وخلفتها هاتان اللغتان. هذا وكان رجال الدين من كاثوليك الشرق يختلفون إلى رومية منذ القديم ويتعلمون لغتها ويدرسون الدين فيها وهم أكثر من أن يحصوا وفي مقدمتهم السمعاني اللبناني المشهور واللبنانيون الموارنة على ما يظهر أشد الكاثوليك رغبة في المهاجرة إلى رومية وتواريخ رجال الكهنوت عندهم شاهدة بذلك. لذائذ الغريين قرأت في الصحف الباريزية أن إمبراطور ألمانيا منع ضباط مملكته من رقص التانغو وألوان ستب في الحفلات الرسمية وكذلك فعل ملك الانكليز وهما رقصتان قيل أنهما من أصل أمريكي في أقصى ما يكون من الخلاعة خلافاً للرقص الذي اعتاده الأوروبيون في حفلاتهم الراقصة خاصة كانت أو عامة. ولعل الآن بعضهم يقول وأنت الآن تحدثنا عن الرقص وأمامك محيط أوروبا وكله مما يستملي القرائح مهما كانت كليلة للكتابة والتأمل. نعم أن البحث في الرقص هو مما يجب البحث فيه أيضاً لشرقي يبحث في مدنية الغربيين. إننا بحسب عاداتنا واصطلاحنا سكان المدن العربية لا البوادي ننكر الرقص ونعده حطة ولكن الغربيين يرون غير رأينا فيه. يرونه من الحاجات الطبيعية لبسط النفس ولذلك لا تكاد ترى الكبير والصغير والرجل والمرأة إلا ويعتادون الرقص على أنواعه من غير نكير اللهم إلا رقص التانغو وألوان ستب فإن العقلاء أنكروه لأنه باعث الشهوات البهيمية ومخرج للرقص عما وضع له. والرقص في الغالب يكون على إيقاع النغمات الموسيقية على لحن متساوق وربما أشفع بغناء. فالرقص والموسيقى والغناء هي من المستحبات وربما تجوزنا وقلنا من الواجبات في بلاد الغرب لا يعد الفتى ولا الفتاة من أهل الظرف بدون الأخذ بحظ وافر منها فكأن الغربيين رجعوا في مدنيتهم إلى الفطرة الأولى وذلك لأنا نرى سكان البوادي في الشرق أيضاً يرقصون ويغنون ويضربون بطبل أو ينفخون بمزمار. أمور يأتونها على الفطرة وعلى حال أولية ولكنها على كل حال تدل على أن سكان غير المدن في شرقنا أقرب إلى الفطرة من المتحضرين. كانت الطبقة العالية من رجالنا أيام رقي العرب في الأندلس ومصر والشام والعراق والجزيرة وفارس وغيرها من البلاد التي تأصلت فيها الحضارة لا تستنكف من الضرب بالعود أو غيره من أدوات الطرب أو ترفع أصواتها بالغناء ولا ينكر عليها ذلك ولطالما كنت ترى بينهم الفقيه والمحدث والطبيب وصاحب الوقار من القضاة والعمال. انحطت الحضارة عندنا والفنون الجميلة آخر ما تستعيده الأمة الناهضة وأول ما تفتقده المنحطة وما الغناء والموسيقى إلا من الفنون الجميلة فارتقاء صناعة الغناء والموسيقى في الأمة دليل ارتقائها فهما محركان عظيمان لأرواح أبنائها ومهمازان قويان لترقية شعورهم وتحسين عواطفهم يصرفون فيهما آونات الفراغ فيدخل بهما السرور على القلوب. تصدر هذه العجالة من بلاد هي مهد الرقص والغناء والموسيقى من أرض أين اتجهت في حواضرها وبواديها تجدها تطرب وتتغنى من بلد قام فيها من الموسيقيين القدماء أمثال روسيني وبلليني ودونيزيتي ومن المحدثين أمثال فردي وبوتنشيني وما سكانية وليون كافاللو ومن المغنيين في المحدثين بونشي وماركوني وكاروسو ود يللوكا وباتستيني وغيرهم من المغنيات والموسيقيات ممن أعظمت الأمة واحاتهم في منزلة علمائها وفلاسفتها ورجال نهضتها. وكل ما نراه من الموسيقى ونسمعه من الغناء يكون على ضرب النوتة بأدوار وتقاطيع مخصوصة وهو ما لم يتم حتى الآن عند العرب اللهم إلا الموسيقى الوترية في مصر ولما يعم استعمالها فإذا أصبحت موسيقانا وغنانا ضمن دائرة القانون يكون قد وضع الحجر الأول في أساس نهضة هذه الفنون الجميلة في شرقنا العربي على نحو ما جرى عليه سكان الأستانة وأفلحوا فيه من تقليد الأوروبيين في موسيقاهم وغنائهم. الموسيقى والغناء هما مثال من حالة النفس ومن لا يريد أن تكون نفسه شفافه براقة حساسة ولكل أمة غناؤها قد تتبرم به الأمة الأخرى وتعد منكراً ولكنه يفيدها ويلذها كما ذكر ابن زندقة الاسكندري من سياح القرون الوسطى في وصف أهل شلشويق (أي أهل شلزويك هولستايين في شمال ألمانيا) وقال أن لهم نوعاً من الغناء يشبه عواء الكلاب ولو فهم معناها لما حكم هذا الحكم الذي يقوله اليوم أيضاً كل من لا يعرف لغة غيره ولا تأثير موسيقاه وغناءه ومراميها. اللذائذ الثلاث هما من أول ما تدور عليها الحياة الغربية اليوم ولا تضر بالوقار بل تعد من أدوات الظرف والكمال ولعل شرقنا يحتذى في الموسيقى والغناء حذو الغرب مع تعديل تقتضيه طبيعته وعاداته واشتغال البيوت أو لأصحاب آونة الفراغ بضرب من ضروب الموسيقى والغناء أنفع ألف مرة من لغو الحديث وانتقاض بعضهم بعضاً والحط من أقدار أنفسهم والسلام. التبدل المادي في الحياة السياسية أوردنا في الجزء الأول نموذجات من كتاب تاريخ السياسة الأوروبية الحاضرة وها نحن نشفعه بفصل ضاف عقده في معنى التبدل المادي الذي حدث في الحياة السياسية قال ما ترجمته: الاختراعات المادية - لم يأت زمن في تاريخ البشر تبدلت فيه الأسباب المادية في الحياة بسرعة كما تبدلت فيه في القرن التاسع عشر في أوروبا فإن الصناعات العملية التي تكملت منذ العهد القديم بما نالها من الارتقاء الطبي في مجموعها قد انقلبت انقلاباً أصليلاً ظهراً لبطن بحيث كانت المسافة كبيرة جداً بين الطرق العلمية التي كان الناس يجرون عليها في القرن الثامن عشر والصناعة الحديثة وبين الطرق التي اتخذت في القرن الثامن عشر وصناعات الأقدمين ومنها الصناعة المصرية. وهذا الانقلاب هو نتيجة الاختراعات التي قامت بالتجربة فقط أو بتطبيق أساليب العلوم العلمية وكثير منها ينتهي إلى الثلث الأخير من القرن الثامن عشر بيد أن نتائجها العملية لم يشعر بها في جمهور الشعوب في أوروبا قبل أواخر حرب الإمبراطورية الفرنسوية فتغير الحياة المادية لم يبدأ إلا بعد سنة ١٨١٤ فهو أعظم حادث عصري بل هو حادث دولي لأن تلك الاختراعات أوجدتها عقول العلماء والمخترعين من كل الأمم وهي مشتركة بينهم بحيث يتعذر كل حين تمييز من له الحظ الأوفر من الأمم في هذه الخدمة فقد انتقلت من أمة إلى أخرى مفيدة لها كلها على السواء. امتزجت أساليب الحياة المادية الجديدة في عاداتنا بحيث يصعب علينا أن نتمثل كيف كانت أوروبا سنة ١٨١٤ على قربها من زمننا واختلاطنا معها في طرز الحياة ولا يخلو من فائدة التذكير بالمخترعات الرئيسية التي جعلت بيننا وبين أجدادنا في ثلاثة أرباع قرن هذا الاختلاف العظيم وأني لأحاول أن أقص هنا تاريخ ما حدث فإنها قامت كلها في أدوار مختلفة على أساليب مختلفة من التكمل المتواتر مما يصعب به نظمها بحسب السنين بل أريد هنا أن أحصيها جامعاً على طبقات المعارف التي هي عملياتها في الحقيقة. فإن الاختراعات الميكانيكية التي تمت كلها في إنكلترا خلال القرن الثامن عشر كانت أولاً أدوات تدار بالأيدي مثل أدوات نسج القطن ونسج الصوف وخياطة الصوف وحياكة القطن وحياكة الصوف وخياطة أقمشة الصوف وصنع الجوارب (أما آلة الخياطة فلم تحدث إلا في القرن التاسع عشر) ثم جرى العمل باستعمال القوى الطبيعية المنبعثة من شلالات الماء لإدارة آلات النسيج والحياكة (وذلك في إنكلترا من سنة ١٧٩٠ إلى ١٨١٥ ) أما البخار فلم يستعمل إلا بعد ذلك العهد ويلحق بالميكانيكيات الآلات الزراعية التي جاء استعمالها متأخراً وآت صنع الورق وقد نشأ من ارتقاء الميكانيكيات انقلاب في طرق المواصلات وذلك باختراع الطرق المحجرة (المكادام) سنة ١٨٢٠ والطرق ذات الانحدار القليل والافريز التي قامت مقام الطرق المعبدة (الشوسة) بالحجر فقط الباهظة الثمن المشوشة النظام والطرق المستقيمة ذات الانحدار الصعب بإنشاء الجسور المعلقة والقناطر وأنفاق السكك الحديدية. ولقد استفادت الميكانيكيات بتبديل صناعة الاستخراج فأوجدت المواد الضرورية للصناعات الأخرى بكميات وافرة مثل الفحم الحجري والمعادن والبترول (زيت الكاز) وبتغير صناعة المعادن باستعمال الفحم الحجري وإنشاء المعامل والمطارق كثر الحديد والفولاذ والحديد المصبوب فأصبحوا المادة الأولى في أدوات الصناعة الحديثة كالآلات والأسلحة والخطوط والأدوات والجسور. وباستخراج مناجم الذهب والفضة بالآلات والطرق الكيماوية الحديثة تضاعفت كمية النقود. وقد أوجد علماء الطبيعيات القوتين الموصفتين لو كان تاريخ العرب يدرس في مدارسنا على أصوله لوجب أن تدرس سيرة السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب صاحب مصر والشام واليمن والجزيرة كما تدرس سيرة الخلفاء الراشدين فقد مضت القرون بعد الخليفة المأمون العباسي ولم ينشأ للعرب ملك كصلاح الدين بعقله وعدله وحلمه وحسن بلائه وقد دونت سيرته في عهده فكان عند المشارفة والمغاربة أنموذج الملك الحازم العاقل وأحق ما يرجع إليه في سيرته رحمه الله من الكتب كتاب النوادر السلطانية والمحاسن لبهاء الدين بن شداد من قضاة الملك الناصر وكتاب الفتح القسي في الفتح القدسي لعماد الدين الكاتب أحد كتاب ديوانه ثم يؤخذ عمن كان في عصره أو قريبا منه أمثال ابن الأثير صاحب الكامل وتاج الدين شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة أو عن صاحب تاريخ الروضتين في أخبار الضوء الكهربائي والفونوغراف والتصفيح. ومن الكيمياء تشعبت معظم الاختراعات الثانوية فإن الثقاب (عيدان الكبريت المعمول بالفوسفور قام مقام القداحة البطيئة الصعبة الاستعمال ونشأت الأسمدة الكيمياوية التي أخذت تبدل الزراعة من حال إلى حال واستخرج السكر من الشمندر وأصبح الغاز أعظم واسطة لإنارة الأماكن العامة والألوان المستخرجة من الفحم الحجري والبنزين والكريزيوت مادة مستخرجة من القطران والتصوير الشمسي والتصوير النوري والمواد المنفجرة الجديدة والأدوية الكيماوية والغسل في الكلور والدباغة والمربيات من المأكولات واستخراج الألمنيوم والورق المعمول من الخشب الخ. وتقدمت العلوم الحيوية بعض الشيء فحدثت منها المخدرات (مثل الكوروفورم والاتير) التي سهلت الجراحة والمضادات للتعفن التي غيرت الطب. ويضاف إلى ذلك تحسن البذور وأجناس الحيوانات الأهلية وهذا من نتائج التجارب المنبعثة من العلوم الطبيعية. وبعد فإن هذه النظرة الموجزة في أهم الاختراعات تكفي في التذكار بعظمة التبدل الذي وقع في الحياة وسنبحث هنا في كيفية هذا التبدل المادي كيف فعل في الحياة السياسية في أوروبا وذلك مباشرة يتغير الأساليب العملية في الحكومات وبالواسطة بتحويل تركيب المجتمع أساليب التدمير الحديثة - ظل الاعتماد على المواد المنفجرة القديمة إلى منتصف القرن على نحو ما كان عليه في أواخر القرون الوسطى فما كان عند الجيش سنة ١٨١٤ سوى البارود والبنادق التي تحشى حجارة والمدافع القليلة النظام التي تدك من فوهتها فكانت أسلحة ضعيفة الشأن تدك ببطء وتطلق طلقات رديئة وما كانت تحول دون المتحاربين إلا بتأثيرات معنوية ولم تكن تمنع جيشاً منظماً أن يتجمع ويداهم العدو بالحراب وكان يكفي لمن يريد العصيان إذ ذاك أن تكون عنده بندقية صيد وبارود وكرات فكان الفرق في السلاح بين الجندي والعاصي الثائر لا يعتد به بل أنه إذا وقع القتال في شارع يكون الثائر في مأمن فيتحصن وتكون له الميزة على الجندي فنشأت للحكومات من المواد الملتهبة الجديدة قوة في التدمير جددت علم قمع الثائرين فكان من الزئبق الملتهب أن اخترع الكابسول ثم اكتشف اكتشاف أهم من المواد الملتهبة من مركبات ماء الفضة فاكتشف أولاً النيروغليسيرين ( ١٨٤٧ ) الذي يمزج بمواد صلبة فيتكون منه الديناميت ( ١٨٦٤ ) وللمواد الملتهبة المحطة المؤلفة من مركبات ملح البارود التي يحدث منها الانفجار بواسطة ترتيب كيماوي آني قوة في التدمير أرقى من قوة البارود لأن التهاب هذا لا يكون إلا بالحرارة فهو أكثر بطئاً وقد استعيض عن بارود المناجم بالديناميت (لا في حفر الخنادق والنشافات البحرية فقط بل في معظم أعمال البناء في الطرق) فإن بارود الحرب الذي احتفظ به استعيض عنه بالبنادق تحشى ببارود جديد لا دخان له اخترع سنة ١٨٧٠ في عدة ممالك على حدة واتخذت في المدافع مركبات من حامض ملح البارود أو حامض البيكريك (هو حامض يؤلف بعمل حامض ملح البارود على النيلة وعود الند) كماد الميلتيت الملتهبة ومادة الروبيريت الخ. ولقد حدث على ذلك العهد تبديل في استعمال الأسلحة فاخترعت البنادق ذات الطلق الأوسط تجعل فيها خرطوشة مهيأة تدخل في مؤخر البندقية مما زاد كثيراً في السرعة وقليلاً في تنظيم الرماية وكان أول تطبيق لهذه الطريقة بندقية الإبرة (دربس) التي اعتمد عليها المشاة في الجيش الروسي منذ سنة ١٨٤٧ ولم تهب سائر البلاد إلى الاقتداء بها وظلت فرنسا مكتفية ببندقية الصيد (لوفوشو) وبعد أن أحرز الألمان الظفر سنة ١٨٦٦ تنوعت البندقية التي كانت تحشى من مؤخرها مثل (شاسبوت وماوزر ومارتيني) أنواعاً كثيرة وأصبحت سلاح أورباكلها ومثل هذا الارتقاء حدث في المدفعية فبعد المدفع ذي الخطوط الداخلية ظهرت المدافع التي تملأ من مؤخرها (ارمسترونغ منذ سنة ١٨٥٤ ) ثم جرى تحسينها في ألمانيا (معمل كروب) ثم أنشئت المدافع من الفولاذ وأخذت تلك المرامي تقذف قنابل من الميلنيت وانتظم هذا الانقلاب في الأسلحة بالاكتشافات الكيماوية وكان من أثر البارود بلا دخان أن زاد قوة الالتهاب وخفف من ثقل البندقية وأن جعل القذيفة أصغر حجماً وأعظم جرماً وهذه البندقية هي التي دعيت بندقيه لبل. ولقد حولت هذه الأدوات الحديثة في التدمير بما تم لها من الأثر الذي فاق القديم منها أسباب الحروب ففقدت المدن القديمة القوية بضعفها عن المقاومة ما كان لها من الحصانة الحربية في الدفاع عن التخوم ولم يعد المدافعون يعتمدون على ما سوى إقامة المعسكرات المحصنة بالخنادق ومراكز للذخائر تحميها سلاسل من الحصون المنفصلة وأصبحت تعبئة الجيش الكثيف متعذرة بالبنادق ذات الطابع السريع والقذائف وحلت محل عمل المدفعين المنفردين اللذين يعمدون إلى شجون الأرض فيتحصنون وراءها. ولقد صعب أن يتمثل الناس نتائج هذا الانقلاب في الفن العسكري حتى أن أهل الصناعة أنفسهم لم يتصورا معنى الحرب بين أمتين أوربيتين ولكن الصورة التي صنعوها هي من الدهشة بحيث تكفي لمنع جميع الحكومات أن يأخذوا على أنفسهم تبعتها وكان من ارتقاء فن الحرب أن أصبحت الحرب مستكرهة للغاية حتى أنه لا يجسر امرؤٌ على إيقاد نيرانها وكان من ارتقاء الكيمياء في القذائف أن توطد السلام. فضمت الأسلحة الجديدة للحكومات قوة لا تقاوم في السياسة الداخلية وأصبح من المتعذر ثورة بما يتهيأ لها من الأسلحة أو بنهب الثائرين أسلحة من باعتها بل أنه لا يتيسر القتال بين بنادق الصيد وبنادق الحرب وما من متراس يقاوم المدافع الجديدة. فليس من الاتفاقات البسيطة أن تضع الثورات والانتفاضات أوزارها منذ سنة ١٨٤٨ وكانت من قبل في أوربا مألوفة وما ذلك إلا بتبديل الأسلحة وقع علل بيل أحد الاشتراكيين الألمان هذا التبدل بقوله سنة ١٨٩٠ : لقد سبقت فقلت أن ما سينشأ من ثورة يقوم بها على الأكثر مائتا ألف رجل لا شأن له فإننا في هذا الزمن الذي شاعت فيه البنادق الشريعة الطلقات ومدافع مكسيم نضرب بالرصاص ضرب الأذلة ونتق كما تقتل العصافير. ولم يعد في الإمكان قلب حكومة مشروعة ولا الدفاع عن الدستور من القوة الإجرائية وأوضاع الناس الطريقة الوحيدة الفعالة في مقاومة سوء استعمال الحكومة القوة التي تملك زمامها. واستحال الاعتداء الثوري إلى لقاء قذائف وأبدلت الآلة الجهنمية القديمة التي استعملت ضد لويز فيليب بالقذائف أورسيني سنة ١٨٥٨ والديناميت وآلات الدمار. وهذه الطرق المفزعة قد هيأت لبعض الأشخاص المنفردين أسباب إكراه الرأي العام وأن تبدو في مظهر حزب فلم تفد في قوة الأحزاب الثورية حقيقة بل ربما أنقصتها بإثارة الغضب عليهم بإلقاء القذائف التي ارتعدت منها الفرائص وأصبح الناس متضامنين. أساليب الانتقال الجديدة - أبدل انقلاب طرق المواصلات الحياة السياسية بثلاث طرق مباشرة: التلغراف والسكك الحديدية والصحافة. فإن من أصعب الصعوبات التي كانت الحكومة تتعثر بأذيالها في كل زمن بطء المواصلات فلا بلاغ أمر من السلعة المركزية ولأخذ معلومات من العمال المحليين كان يصرف وقت طويل أحياناً في طرق النقل القديمة برداً كانت أو سفناً وذلك حباً بإيصال الأمر في وقته مما كان يدخل البطء على عمل الحكومة المركزية أو يجعله مستحيلاً فاقتضى من ثم أن تترك للعمال المحليين سلطة سيئة التحديد وكذلك للوكلاء السياسيين في البلاد الشاسعة سلطة الحل والعقد إلا قليلاً واستدعى ذلك التخلي عن قبول الاستعلامات عن سلوك الوكلاء لإجراء المراقبة عليهم مباشرة. وقد عد التلغراف الهوائي من اختراع من اختراع شوب من الارتقاء العظيم ولكنه لم يكن يستطيع سوى نقل برقيات نادرة في أوقات الصحو ثم وضع التلغراف الكهربائي بعد سنة ١٨٥٠ فتمكنت به الحكومات من الاستعلام والعمل في الحال في كل الأبعاد فشعر العالم في الحال بنتائج ذلك في المخابرات السياسية فاستلمت الحكومات بوقوفها على أقل حادث زمام المسائل الخارجية بأجمعها وأصبح وكلاؤها في الخارج أدوات نقل. أما في السياسة الداخلية فإن التلغراف قد أكثر الصلات بين الحكومة وعمالها وإن لم يحذف في الأمور الإدارية ما بقي من الأدوار الماضية للتلغراف في صورة كتابة أصبحت لغواً ونسي المخترعون حذفها. فإن التلغراف بتقويته عمل السلطة المركزية زاد المركز قوة. أما السكة الحديدية فقد قلبت البريد وهو من الأوضاع القديمة محدود بضعف أسباب السحب وذلك بأعدادها قوة للنقل تزيد عدد المراسلات وتنزل قيمتها على نسبة لم تكن تصدق فقد كان في أوربا بحسب إحصاء مكتب البريد الدولي سنة ١٨٩٠ - تسعون ألف مكتب بريد أرسل منها عشرة مليارات إرسالية. وعليه فإن السكك والطرق والبرد بتسهيلها حركة الناس والرسائل قد نشطت جميع الأعمال العامة والحياة السياسية نشاطاً كثيراً فتيسر بفضلها وضع إدارة بعملها المنظم المتواصل أصابت سكان القرى القاصية وأتت على مواطن متوحشة كانت باقية في أوربا وسط البلاد التي هي أكثر عراقة في المدنية. ونظمت الشرطة البوليس في كل مكان على مثال الدرك (الجندرمة) الفرنسوي فقضت في أوبا على أرباب الدعارة والشقاوة حتى في الغابات وفي الجبال. ودخل جميع السكان في الحياة السياسية بوسائطهم المنظمة مع عمل القضاء والجباية والجندية والإدارة. وطرق المواصلات الحديثة قربت بين رجال السلطة العامة وبين المتقاضين والمكلفين (بالخراج) والمرؤوسين وبذلك أصبحت الصلاة أشد تأثيراً وأقل كلفة وبهذه الوسائط أيضاً أتيح للأحزاب السياسية أن يبثوا دعوتهم ويعقدوا اجتماعاتهم على أيسر سبيل. وانقلب الصحافة ظهراً لبطن بما اخترع من الآلات فإن الآلة الطابعة بالبخار اخترعت سنة ١٨١٤ على يد إدارة الجريدة الإنكليزية التيمس ثم اخترعت آلة تنضيد الحروف ثم آلة الروتاتيف التي اقتصدت من الوقت اللازم للطبع وقللت من اليد العاملة ومكنت من طبع عدد كبير من النسخ في وقت قصير ونفقة قليلة جداً. فانتشرت الصحف اليومية السياسية بين طبقات الشعب فأخذوا يبتاعونها بالمفرد. وكانت من قبل مقصورة على مشتركين من أهل الطبقة الوسطى وتعد من علائم الظرف والزينة. ولقد حاولت الحكومات أن تحظر على الصحف الانتشار بين جمهور الناس فوضعت ضريبة الطوابع عليها أولاً (وهي الطريقة التي تصورتها إنكلترا منذ القرن الثامن عشر) ثم بإكراه أصحاب الصحف على وضع ضمان (وهي طريقة حدثت في فرنسا سنة ١٨١٩ ) أو بوضع ضريبة على الورق. دع القضايا التي كانت تقام على الصحف وما ينالها من الإلغاء بالطرق الإدارية (التي أحدثت ضعفاً محسوساً في بياعات الصحف عقيب الارتجاع الذي قام ضد ثورة سنة ١٨١٤ ) بيد أن الصحف الرخيصة على الرغم من عداوة الحكومات انتهى أمرها بأن تدخل دخولاً قطعياً في أخلاق أوربا بأسرها. وبعد فإن الجريدة اليومية بقوة انتشارها الذي لا يفوقه انتشار قد أصبحت في المجتمعات الحديثة إدارة للاشتهار لا في التجارة فقط بل في السياسة واستعيض عن الطرق في نشر أعمال الحكومة (كالقوانين والأوامر والأحكام) بإذاعتها والإعلان عنها والمناداة بها بنشرها في الصحف وقد جعلت الجرائد من الباطل منع نشر أعمال رجال الدين وكذلك حق كتابة المعاريض التي جعلت قديماً من جملة الحريات الأساسية وللجرائد تأثير في الرأي العام بواسطتين فإنها لا تبين فقط أعمال الحكومة بل عمالها وتناقش فيها فهي الذريعة الوحيدة المؤثرة في مراقبة سوء استعمال السلطة وتعرض الآراء وتنشرها وذلك من الشروط الضرورية في إنشاء الأحزاب السياسية. أتى زمن على الصحف عدت فيه من أدوات الظرف بين الطبقات الموسرة واحتكرت فيه الطبقة الوسطى الحياة السياسية والمراقبة والمعارضة وما كان سائر الشعب يتدخل في الحياة العامة إلا بما يقوم به من الثورات والفتن. فأدخلت الرخيصة الثمن في هذه الطبقة الجامدة تياراً من الدعوة المعارضة بدأ بالتهذيب السياسي في الشعب وبنشوة الحياة السياسية نحو الديمقراطية. يضاف إلى ذلك ما حدث من التبدل مباشرة في الحياة السياسية من المنافع الفعلية التي نفعت الأمن الما. وذلك بإنارة الشوارع وأخذ صور الأشخاص بالتصوير الشمسي ممن هو فيما أرى قائمة تامة من التغيرات في شروط الحياة العامة أما التبدلات التي كانت بالواسطة فهي أكثر عدداً وأقل جلاءً فليس في الإمكان بيان غير الأهم منها وأقلها اختلافاً فيه. تحول الشعب - أحدث ارتقاء علوم الحياة المادية نمواً في وسائط البقاء ساعدت على نمو الشعوب في أوربا كلها نمواً سريعاً وإن الإحصائيات التي قامت بها الحكومات في الجملة لتدل على مبلغ ما حدث من هذا القبيل فإن سكان أوربا قد قدروا سنة ١٨٠٠ بنحو مائة وثمانين مليوناً فبلغوا اليوم زهاء ٣٥٠ مليوناً وقد كانت الزيادة على الأكثر في بلاد الشمال لا جرم أن تزايد عدد السكان لم يعمل بالضرورة بذاته في الحياة السياسية ففي الشرق وربما كان في القرون الوسطى جماهير من الشعوب كثيرة التناسل وكثيرة الجمود وللولايات المتحدة سبعة سكان في الكيلو متر الواحد ولهم حياة سياسية أهم مما للهند الإنكليزية بكثرة نفوسها البالغ ٨٠ في المئة وأن المكانة السياسية في نمو السكان في القرن التاسع عشر لغريبة في بابها فما كانت المدن سنة ١٨١٤ سوى مركز للتمدن والإدارة يتخذها أرباب الأملاك وفلاحو الناحية نقراً لهذا الشأن ومعظمها عبارة عن جماعات من الموظفين وأرباب الصناعات والتجارة يسكنون متباعدين بين شعب يتوفر على زراعة الحقول وقليل من المدن ما كان يتجاوز نفوسها الخمسين ألفاً وإن الصناعات الحديثة بجمعها العملة بالألوف والتنقل بواسطة البخار قد زاد الحركة التجارية الدولية زيادة ضخمة مع جميع أنحاء العالم وقد أنشأت شعباً جديداً من العملة والمستخدمين في التجارة فاتسعت المدن القديمة اتساعاً سريعاً لم يعهد له نظير وغدت القرى الصناعية مدناً عظمى وبلغ من ازدحام الأقدام في بعض الأصقاع الصناعية (ولا سيما في إنكلترا وألمانيا والبلجيك) أن عمت البلاد بحيث تكاد تغطي سطحها. وزاد معدل سكان المدن بالنسبة لمجموع السكان في فرنسا من ٢٤ في المئة سنة ١٩٤٦ إلى ٣٦ في المئة سنة ١٨٨٦ وكانت في إنكلترا وهي أول بلاد دخلت في هذا الارتقاء ٥١ في المائة من مجموع سكانها أهل مدن سنة ١٨٥١ فبلغوا سنة ١٨٩٠ ، ٨٩ في المئة. ويؤخذ من تاريخ القرن التاسع عشر أن المدن الكبرى والأصقاع الصناعية كانت في أوربا بأجمعها مراكز للانقلابات ومعارضة للحكومات ورجال الدين وفي هذه المراكز خاصة تجندت الأحزاب السياسية وكانت زيادة سكان المدن إحدى الشروط المادية في سير أوربا نحو الديمقراطية. نمو الثروة - كان من الآلات التي جعلت عوناً للصناعة باستخدامه قوى طبيعية لا حد لها أن أنتجت كميات أكبر من المصنوعات في وقت أقصر من ذي قبل وأن تباع هذه بأثمان أرخص. وكان من فوائد المواصلات البخارية أن صارت تجلب المواد الأولية إلى أوربا بأسعار رخيصة جداً وكذلك الحاصلات الزراعية في العلم أجمع زاد على ذلك ارتقاء الزراعة في أوربا فإنها أصبحت أكثر نماءً بما تهيأ لها من إحياء الأرض الموات وتقسيمها أقساماً تزرع بالتعاقب والأسمدة الكيماوية والزراعة الراقية وقد أوقف نمو محصول الذهب والفضة نزول الأسعار زمناً ولكن نمو المحصول ونمو النقد قد ساعدا في مساعدة زائدة في المصنوعات النافعة وفي سهولة اقتنائها مما ظهرت طلائعه في حالتين نمو المستهلك وزيادة رأس المال. وكان نمو المستهلك على غاية من السرعة فغير العادات بسرعة مما يقتضي لنا أن نجهد قوانا لنتمثل كيف كانت الحياة ساذجة في أوائل القرن فكثرت نعمة الأغنياء وأي كثرة وتعدت إلى الشعب وأنعشته من فاقته وعم الناس ما كان مقصوراً من الأشياء على أهل الرفاهية قديماً وذلك كاستعمال السكر والشوكولاتا والثياب وأقمشة القطن والحرير والورق المصور والألبسة الجاهزة والأثاث والزجاج وآنية المطبخ والشموع والمصابيح والكتب والصحف والموسيقى والتمثيل والصور. وقد ارتقى مع ذلك نظام الصحة فكانت القذارة عامة في القرن الثامن عشر في جماع البلاد وعند جميع الطبقات فأصبحت مما يعد عاراً عند الأمم الممدنة ولا أثر لها في أوربا إلا في بلاد الجنوب والشرق أو بين الطبقات الفقيرة من الشعب وأخذت نظافة الجسم والثواب والدار والغذاء من الضروريات الأخلاقية وعم الناس استعمالها بواسطة المدارس وتنتشر منها إلى القرى ونشأت النظافة العامة من النظافة الخاصة مثل كنس الطرق وكسح المجاري والقمامات وكانت لا تعرف قبل سنة ١٨١٤ غدا كل ذلك اليوم في جميع المدن من الأوضاع الضرورية وانتشر الإحساس العام من الخجل والقرف فاضطر إلى قطع المساكن الضيقة الرجسة والأزقة القذرة حيث كان يزدحم الشعب الفقير في المدن العظمى. وللعامل بيده اليوم كثير من الأساليب المادية كما أن له كثيراً من أسباب التنعم والتربية العقلية وهو يبالغ بالعناية بهيئته كأهل الطبقة الوسطى عام ١٨١٤ ولذلك تيسر إدخاله إلى الحياة السياسية بدون أن ينشأ عن ذلك أثر من آثار التوحش الذي كان يظن وقوعه أرباب التجارب وكان يتراءى أنه حجة لا تغلب ضد التصويت العام. وإن جزءاً مما حدث من السعة بواسطة الصناعة الحديثة قد استهلك وقسماً آخر نفع في الاقتصاد ومن الصعب أن يستدل بالأرقام على الوفر الذي تراكم منذ سنة ١٨١٤ حتى في مملكة واحدة وتقدير مستند إلى أي اعتبارات شخصية يختلف اختلافاً كثيراً. ومن المحقق أنها تمثل رأس مال يبلغ على الأقل ضعف مبلغ رؤوس الأموال التي تركتها القرون الماضية. ومن هذا الرأس المال الجديد استخدم جزء لإحداث الآلات والأدوات الجديدة في الصناعة والتجارة فأنشئت المعامل والسكك الحديدية وإقراض الباقي للحكومات فاستخدمت في الحروب وفي التسليح خاصة ويمثلها واردات الدول. وهذا المجموع الضخم من رؤوس الأموال المجهزة قد غير الأسباب المالية في الحكومات فتهيأ بها زيادة الضرائب والميزانيات والديون على معدل كامل لا يسمح بمثله في سالف الأيام وسهل المباشرة بحرب بالنسبة على أن تتحمل نفقاتها الأجيال القادمة وهكذا زادت القوة الاقتصادية في الحكومة وعمل المجالس النيابية الموكل إليها إدارة هذه الميزانية الباهظة. تحول الحياة الاقتصادية - أحدث إنشاء الثروة المنقولة انقلاباً في إدارة الحياة الاقتصادية في الشعوب الممدنة فكان العاملون في القديم قلما ينتجون غير ما يستهلكون أو يستهلك في السوق المحلي فالفلاحون يبيعون قليلاً ولا يبتاعون كبير أمر وأرباب الصناعات يعملون لزبن وطنيين فالصناعة بالجملة والتجارة في القاصية انحصرت في مصنوعات الزينة المصنوعة في بعض المعامل وفي نواتج المستعمرات المجلوبة من وراء البحر فانتهت الحال بالعاملين بل بالزراعيين في القرن التاسع عشر بما نشأ من الانقلاب الذي حدث أولاً في إنكلترا بين سنتي ١٧٨٩ - ١٨١٤ أن لا يعملوا مصنوعات لأنفسهم ولا لزبنهم المعروفين بل للسوق فقط لا للسوق المحلية بل للسوق العامة. وانتشرت طريقة الشركات المغفلة من الاسم ذات الأسهم بسرعة غريبة واستخدمت في المشاريع الصناعية الكبرى على حين كان يزيد دخل الدول بنمو القروض السريع وهكذا أحدثت كميات ضخمة من الأوراق المالية جعلت قيد المضاربات وانتقلت إدارة المحاصيل إذ ذاك إلى سلطة جماعات المضاربين الذين يديرون سوق العالم ويحددون الأسعار ويستصنعون ما يشاؤون في المعامل ويعينون أسعار الأسهام وأوراق الحكومات فأصبحت بورصة التجارة ولا سيما بورصة الأوراق مركز لإدارة الحياة الاقتصادية في الأمم. فمن ثم غيرت هذه القوة الجديدة في أسباب الحياة السياسية تغييراً محسوساً وتم لطبقة الأشراف الجديدة من أصحاب الغنى المنقول كالصيارف وكبار الصناع وكبار التجار ما أرادوه من جعل طبقة الأشراف القديمة أصحاب العقارات والأملاك في معزل فجعلت لها مركزاً في السياسة بأن وضعت نظام الأحزاب الحرة التي دخل فيها سواد الديمقراطيين من الأمة وغدت المشاريع الرابحة في الصناعة والمضاربات الكبرى منوطة مباشرة بالحكومات بما تسنه من قوانين الكمارك وتعقده من القروض وتمنحه من امتيازات في الأعمال وللصحافة يد طولى في ذلك بالعرض بفضل ما تنشره من الفصول. فالطبقة العالية من الماليين قد عملت والحالة هذه على أن تجعل تحت جناحها الحكومة والمجالس والجرائد. أما كيفية الطرق التي بها نجحت في الممالك الأوربية المختلفة فهو من التواريخ التي لم تبرح غامضة فلم أحاول سردها بيد أن قوة المضاربة على إدارة سياسة الممالك كانت ولا جرم إحدى صفات الحياة السياسية في القرن التاسع عشر. البلقان وحربها المشؤومة إذا ألقى المتأمل نظرة على مصوَّر قارة أوربا يجد في الجنوب الشرقي منها قطعة كبرى تحدها من الشمال النمسا وروسيا ومن الشرق البحر الأسود وبحر مرمرة وجزء من البحر الأبيض الرومي ومن الجنوب البحر الأبيض ومن الغرب البحر الأدرياتيكي وإذا كانت مجموعة هذه البلاد لا تتصل مع البر الآن إلا من جهة واحدة ساغ في عرف الجغرافيين أن يُقال لها شبه جزيرة كما يقال ذلك لجزيرة العرب. وهذه بلاد البلقان. وتشتمل بلاد البلقان ومساحتها خمسمائة وسبعون ألف كيلو متر مربع على بلاد اليونان وبلغاريا والروم إيلي الشرقي والبوسنة والهرسك ورومانية والصرب والجبل الأسود والروم إيلي اوالأملاك العثمانية في أوربا وكانت سبع ولايات وهي الأستانة وأدرنة وسلانيك ومناستر وقوصوه وأشقودرة ويانية ولواء جتالجة المستقل وطول البلاد العثمانية الشرقي ١٥٢٠ كيلو متراً أي من الأستانة إلى منتهى البوسنة وعرضها من بلغاريا إلى حدود ساحل بلاد اليونان ٩٣٠ كيلو متراً ومساحتها السطحية ٣٢٥ . ٧٦٦ كيلو متراً مربعاً وسكانها لا يقلون عن سبعة ملايين. وكانت مساحة يونان منها قبل الحرب ٦٥ ألف كيلو متراً مربع أي نحو ثلثي مساحة ولاية سوريا وسكانها نحو ثلاثة ملايين على الأكثر ومساحة رومانية ١٣١ ألف كيلو متر مربع وسكانها ستة ملايين ومساحة بلغاريا ٩٦ . ٦٦٠ وسكانها نحو خمسة ملايين ومساحة الصرب ٤٨٣٠٠ كيلو متر مربع وسكانها مليونان ونصف ومساحة الجبل الأسود ٩٠٨٠ كيلو متراً وسكانها ٢٤٠ ألفاً والبوسنة والهرسك ونفوسهما أقل من مليونين ولا تكاد توجد بقعة واحدة من هذه البلاد يتكلم أهلها بلسان واحد ويدينون بمذهب واحد وغالبية السكان في البلاد المستقلة عن العثمانية هم من أصل صقلبي (سلافي). تعد البلقان من البلاد الفقيرة القليلة الساكن وقد كانت منذ أواخر الإمبراطورية الرومانية ميداناً للقتل والقتال وأخلص العناصر منذ القديم للعثمانية الفلاخيون سكان رومانيا والأرناؤود سكان مقدونية ولطالما حاربوا في هذا السبيل وقد احتلت النمسا البوسنة والهرسك احتلالا عسكريا سنة ١٨٧٨ ثم أعلنت ضمها إليها عقيب إعلان الحكم العثماني في السلطنة العثمانية واستقلت الصرب عنا سنة ١٨٧٨ - ١٨٨٢ والجبل الأسود سنة ١٨٧٨ واستقلت بلغاريا سنة ١٨٧٨ - ٨١ - ٨٥ - ١٩٨٩ واستولت على الروم إيلي الشرقي سنة ١٨٨٦ واستقلت اليونان سنة ١٨٣٠ بعد أن حكمها العثمانيون نحو أربعة قرون وذلك بتدخل فرنسا وانكلترا وروسيا إذ ذاك وبعد تحطيم أسطولنا في وقعة نافارين سنة ١٨٢٧ وفي معاهدة برلين أصلحت التخوم اليونانية من جهة الشمال. هذه هي البلاد التي نشبت فيها الحرب البلقانية الأخيرة وبينا كانت أنظار العثمانيين متجهة إلى إفريقية في الخريف الماضي ( ١٣٣٠ هـ - و ١٩١٢ م) ليروا ماذا يكون مصير طرابلس وبرقة أو ليبيا التي داهمت إيطاليا سواحلها بأساطيلها ورجالها واستولت عليها وأرادت أن تتوغل في داخلية البلاد فأخذ العرب من أهلها والنزر القليل من الحامية العثمانية فيها يناوشون العسكر الإيطالي القتال والعالم الإسلامي متأثر لهذا الاعتداء والعارفون موقنون بأن سهم القضاء نافذ في ذاك الإقليم العظيم لا محالة (المقتبس م ٦ ص ٦٧٢ ) أعلنت الحكومات البلقانية على العثمانية الحرب في الروم إيلي فقطع الجبل الأسود علائقه مع دولتنا في ٨ تشرين الأول وعملت بلغاريا كذلك في ١٤ منه وفي ١٧ أعلن الحرب علينا كل من حكومتي الصرب واليونان فأصبحت بلاد الروم إيلي محصورة من الشمال والجنوب ومن البر والبحر ولم يبق للحكومة العثمانية صلة بها إلا من الشرق فقطع البلغار هذا الطريق أيضا باستيلائهم على جسر مصطفى باشا وقرق كليسا ولولو برغاس ودده اغاج على ساحل البحر الأبيض واضطرت جيوشنا إلى التقهقر إلى حصون جتالجة من ضواحي الأستانة واستولى اليونان على يانيا وسلانيك والصرب على مناستر وقصوصوة والجبل الأسود على ايبك. فلما رأى رجال الارناؤد أو الألبان هذه الانتصارات أبوا أن يقاتل قومهم ورأوا أن استقلالهم ببلادهم والتزامهم الحياد ريثما تنفرج الأزمة أسلم لهم فامتنعوا عن الاشتراك مع العثمانيين في قتال البلقانيين بل أن الجند من أبنائهم الذي كان مع جال حاميتنا ركن إلى الفرار في وقت واحد يحمل أسلحته وذخائره. وكان من أثر ذلك فشل العثمانيين في الروم ايلي فشلا لم يصابوا بمثله في تاريخهم ولو عاون الألبان جيوش الدولة من الشمال بقتالهم الصرب والجبل الأسود ومن الجنوب بكف عادية اليونان لما وفق الحلفاء البلقانيون الأربعة إلى نزع خمس ولايات من أهم ولايات السلطنة في الروم ايلي. انتهز الألبان هذه الفرصة وكان بعض المنورين من سكان جنوب ألبانيا يتناغون بالاستقلال سرا حتى أن حكم العثمانيين كان اسميا على معظم ألبانيا وأرباب الزعامة يتولون أمرها في الحقيقة فإنه منذ حارب اسكندر بك أحد قدماء زعمائهم جيوش الدولة أربعين سنة ما برحت الفتن تنشب بين الألبان والأتراك وآخرها عصيان لهم سببه استئثار علي باشا التبه دلتلي والي يانيا المتوفي سنة ١٨٢٢ ثم حرب سنة ١٨٣٠ فسنة ١٨٤٣ فسنة ١٨٧٩ فسنة ١٨٨٧ . يقول أحد من شهدوا الوقائع من الضباط أنه لما بدأت الحرب كان الأرناؤد يحاربون الأعداء باستبسال عظيم في برشتنة ومترويجة وايبك وغوسينة وبلاوة وأول معركة نشبت في بلاج وكانت قوة الأعداء هناك مؤلفة من فرقتين صربيتين وخمس بطاريات وقوتنا المقابلة لها طابوران من النظامي وطابوران من رديف الأرناؤد وهما من كيلان وبرشوة وبطارية واحدة سريعة الطلق وقد برهن هؤلاء الجنود على شجاعة واستبسال يعليان شرف العثمانية لأنهم ثبتوا أياما أمام قوة بلغ عددها أربعة أمثال عددهم حتى فني جنود طابوري كيلان وبرشوة عن آخرهم وعسكر الأرناؤد الذين يؤلف منهم طابور كيلان كان عددهم ألف وخمسمائة جندي لم يبق منهم غير خمسة عشر جنديا انقطع عنهم المدد ومع ذلك لم يحولوا وجوههم عن مقابلة الأعداء وحاربوا الصرب إلى أن فنوا عن آخرهم وظلوا في أيانيا واشقودرة يدافعون عن الراية العثمانية حتى الرمق الأخير. كانت حجة البلقانيين في هذه الحرب إصلاح حال إخوانهم في مكدونية وتراكيا من البلغار والصرب واليونان ورفع المظالم والمغارم عنهم. وشعر الكنت برختولد وزير النمسا والمجر بما تم من اتحاد هذه الحكومات الأربع على العثمانية فنصح للدولة قبل الحرب بستة أشهر أن تبادر بمنح اللامركزية الإدارية للروم ايلي لئلا تكون حجة لحكومات البلقان وبنا كانت الحكومة العثمانية تفكر في إعطاء ما يشبه هذه الصورة في الحكم للولايات العثمانية جمعاء انقض البلقانيون على بلادنا الروملية واستباحوا حماها واستصفوها وعبثا قاتل جنودنا في الذب عن ذمارهم حتى إن أدرنة التي قاومت البلغار والصرب أشهرا لمناعة حصونها عادت فسقطت في أيدي البلغاريين وكل محصور مأخوذ. نسي الصربيون واليونان والبلغار ما كان بينهم من الأحقاد القديمة التي يرد عهدها إلى الدولة البيزنطية ولطالما كان يلقى الشقاق بينهم وكذلك تفعل النمسا مخافة أن تتحد كلمتهم علينا ومن لا يذكر أن البلغاريين والصربيين تقاتلوا قتالا شديدا سنة ١٨٨٥ وأن الأحقاد والثارات كانت دائمة متبادلة بين البلغار واليونان في مكدونيا والاختلاف بين الصرب والجبل الأسود كل يوم في شأن ولطالما كان البلغاريون والصربيون على الحياد عندما يحارب العثمانيون اليونانيون. من يذكر هذا يستعظم تحالفهم الذي تم على يد فرديناند ملك بلغاريا وباشيش وزير الصرب وفنزيلوس وزير اليونانية وكانت بلغاريا منذ سنة ١٩٠٧ والصرب منذ سنة ١٩٠٨ عام ضمت النمسا ولايتي البوسنة والهرسك نهائيا إلى ملكها واليونان منذ سنة ١٩٠٩ تبالغ في ابتياع الأسلحة والبارود والذخائر مبالغة لم تعهد. بينا كان البلقانيون يعدون كل ذلك كانت الحكومة العثمانية مستغرقة بالفتن الداخلية كاليمن وألبانيا وحوران والكرك أولا ومسألة طرابلس الغرب مؤخرا وضباط الجيش إلا قليلا يتركون تمرين الأجناد ويصرفون أوقاتهم في الأندية السياسية فصادف أن الطابور المؤلف من ثمانمائة جندي ليس فيه أكثر من خمسة ضباط يقضون أكثر أوقاتهم في غير وظائفهم على حين كان فيه قبل أن تجري الحكومة تقاعد كثير من قدماء ضباط الجيش نحو ثمانية عشر ضابطا مدربا في الجملة ومن أسباب الفشل قلة الطعام والبرد القارس وبعد البلاد عنا وانقطاع مواصلاتها باستيلاء العدو على الخطوط الحديدية وأهم المراكز الحصينة كما صرح بذلك أحد كبار رجال الجندية في الدولة والسبب الرئيسي في الحقيقة وأن جنديا في الغالب لا يعرف السبب الذي يقاتل من أجله والجند الصربي والبلغاري واليوناني والجبلي متعلم مستنير بفهم معنى الوطنية في الجملة ومن لم يفهمها منهم يأتيه رجال الدين فيلقون في روعه ذروا من الحماسة الدينية فيستميت في القتال. نعم كان لدعاة الدين في تراكيا ومكدونية يد طولى في بث الدعوة السياسية كما أن كهنة الطليان بثوا دعوتهم في بعض الولايات المتاخمة لبلادهم من بلاد الأرناؤد وسعى مثل هذا السعي البلغار والصرب فجاءوا من طريق التعليم كما هي عادة الفاتحين من الغربيين اليوم يرسلون المعلمين مبشرين ومنذرين أولا ثم يبعثون بالبعوث ويكتبون الكتائب. وكان لاستقلال بطريرك اليونان عن بطريرك القسطنطينية وبطريرك البلغار عنه أيضا دخل كبير في نشر كلمة الاختلاف وتقوية البغض للدولة العلية ولذا كانت حالة المسلمين في بلاد رومانيا والبوسنة والهرسك أقرب إلى الراحة منها في بلاد البلغار واليونان والصرب الذين ينام أهلها ويستيقظون في كراهة العثمانيين منذ القديم. صرفت الدولة نحو خمسين سنة في فتح الروم ايلي وحكمته نحو خمسمائة سنة ومع هذا لم توفق في نشراتها ولا دينها على ما يجب وظل الألباني على ألبانيته والبوشناقي على بوشناقيته والبلغاري على بلغاريته والصربي على صربيته واليوناني على يونانيته والروماني على رومانيته وكل شعب يعتصم في جباله وقيعانه وينازع الحكومة السلطة وهذا هو عين الغلط في الاستيلاء على بلاد والاكتفاء منها بالخضوع الظاهري وعدم السعي في تمدينها وتعليمها التعليم النافع ولطالما كانت بلاد البلقان ميدانا للقتل والقتال تباع فيها الأرواح كما تباع السماح وأن سهل قوصوة على حدود بلغاريا والصرب والبوسنة ليجأر إلى السماء شاكيا من الدماء التي طالت فيه مرتين بين العثمانيين والبلقانيين ولطالما كانت أسوار بلغراد وفينا واقية لأواسط قارة أوربا من هجمات المهاجمين من العثمانيين. نشبت الحرب بين الجيوش العثمانية وجيوش الحكومات المتحالفة في ١٧ تشرين الأول ١٩١٢ وعقد الصلح في ٢٩ أيلول ١٩١٣ وهلك في الوقائع من الطرفين عشرات الألوف وأنفقوا من الأموال مئات الألوف من الدنانير وقدر بعض الإحصائيين أن ما خسرته العثمانية من جيشها يبلغ نحو مئة ألف بين قتيل وجريح وأنفقت ثمن ذخائر ومعدات وغيرها نحو ثمانين مليون جنيه وأن بلغاريا فقدت م جيشها ١٤٠ ألف بين قتيل وجريح و ٩٠ مليون من الجنيهات والصرب ٧٠ ألفا من النفوس و ٥٠ مليونا من الجنيهات واليونان ٣٠ ألفا و ٢٥ مليونا والجبل الأسود ثمانية آلاف نفس ومليون جنيه ولا يدخل في هذا الإحصاء ما فقده السكان في البلاد التي كانت ميدان الوغى حولا من الزمن وقد قام البلغار بفظائع مع أهل تركيا ومكدونية من المسلمين واليونان اشمأزت منها الإنسانية والمدنية وذلك عندما تراجعت صفوفها يوم أرادت عقيب النجاح الباهر الذي صادفته في الحرب الأولى عندما كانت تحارب العثمانيين من جهة ويحاربهم من أخرى اليونان والصرب والجبل الأسود ولما طمعت في الاستئثار بالغنيمة أو بأطايبها عادت حليفاتها فأنفقت عليها مع رومانيا واصلتها حربا عوانا سلبتها به قسما من البلاد التي كانت كانت لها واستعاد العثمانيون منها مدينة أدرنة وكان باسترجاع العثمانيين لهذه الحاضرة وقرق كليسا أن ربحوا أرضا واسعة لا يقل عرضها عن ٤٥ كيلو مترا ولا يقل طولها عن ١٢٠ كيلو مترا وأهم من ذلك امتلاك الخط الحديدي من أدرنة إلى ديموتقة وإبعاد الحدود عن العاصمة واستبقاء بعض المواقع الحصينة في يد الدولة ولا يكلفها تحصينها كثيراً. ولكن خرج معظم المسلمين في الروم ايلي من الحكم العثماني وانتقلوا إلى الحكومات الأخرى البلقانية وكان ند الصرب كمية من المسلمين حوالي نيش وعند اليونان حفنة من إقليم تساليا وعند رومانيا في إقليم دوبريجه فأخذت رومانيا من بلغاريا في حربها الأخيرة على ما ورد في معاهدة بكرش بين البلقانيين كمية وافرة من المسلمين البلغاريين فاجتمعت لرومانيا كتلة عظيمة من المسلمين في بقعة واحدة. وقسمت بعض الصحف الإنكليزية الخطيرة عناصر سكان الولايات الخمس التي خرجت عن الحكم العثماني وأديان أهلها كما يلي: ( ١ ) ولاية قوصوة: عدد سكانها ٩٠٨٩١٥ منهم ٨٩٣٥٠ مسلماً تركياً و ١٣٦٨٠ مسلماً بلغارياً و ٢٥١٨٠٠ أرثوذكسي بلغاري و ١١٢٨٧٠ أرثوذكسياً صربياً و ١٥٠ أرثوذكسياً يونانياً و ٩١٠ أرثوذكس رومان و ٤١٨٢٥٠ مسلماً ألبانياً و ٢١٩٠٥ لاتينياً يهودياً. ( ٢ ) ولاية أشقودرة: عدد سكانها ٣٢٢٠٠٠ منهم ١٢٠٠٠ مسلماً تركياً و ٨٠٠٠٠ مسلم ألباني و ٤٠٠٠٠ مسلم صربي و ١٤٠٠٠٠ كاثوليكي ألباني و ٣٠٠٠٠ أرثوذكسي صربي و ١٠٠٠٠ أرثوذكسي روماني و ١٠٠٠٠ إسرائيلي. ( ٣ ) ولاية يانيا: عدد سكانها ٦٤١٠٠٠ منهم ١٨٠٠٠٠ مسلم ألباني و ١١٠٠٠٠ أرثوذكسي ألباني و ١٢٠٠٠٠ أرثوذكسي بلغاري و ١١٠٠٠٠ أرثوذكسي يوناني و ١٨٠٠٠٠ أرثوذكسي روماني و ١١٠٠٠٠ كاثوليكي ألباني و ١٣٠٠٠ يهودي. ( ٤ ) ولاية مناستر: عدد سكانها ٨٤٦٠٠٠ منهم ١١١٥٠٠ مسلماً تركياً و ٢٥٩٠٠ مسلم بلغاري و ٢١٨٦٥٠ مسلم ألباني و ٣٣٠٨٠٠ أرثوذكسي بلغاري و ٦١٩٣٠ أرثوذكسياً يونانياً و ٢٤٧٠٠ من أديان مختلفة. ( ٥ ) ولاية سلانيك: عدد سكانها ١١٦٥٣٩ منهم ٣٣٣٤٤٠ مسلما تركيا و ٩٨٥٩٠ مسلما بلغاريا و ٤٤٦٠٥٠ أرثوذكسيا بلغاريا و ١٦٨٥٠٠ أرثوذكسيا يونانيا و ٢٤٩٧٠ أرثوذكسيا رومانيا و ٥٥٣٢٠ يهوديا و ٣٨٥٨٠ من أديان منوعة. وهذا الإحصاء قبل الحرب أو في خلالها ولكن الحرب حصدت كثيرا من السكان وشتت شمل الآخر ولاسيما من المسلمين الأتراك ويؤخذ من أحداث الإحصائيات التي نشرت عن تصفية حساب حروب البلقان في السنتين الماضيتين أن اليونان نالت النصيب الأكبر من الغنيمة وتلتها في ذلك الصرب فبلغاريا فرومانيا فالجبل الأسود فقد كانت مساحة اليونان قبل الحرب ٦٤٦٥٧ كيلو متر مربعا وعدد سكانها ٢٧٣٢٩٥٢ نفسا فربحت في التصفية النهائية أملاكا مساحتها ٥٦٦١١ كيلو مترا مربعا وسكانها ١٦٢٠٠٠٠ نفس فصارت مساحتها كلها الآن ١٢١٢٦٨ كيلو مترا مربعا وعدد سكانها ٤٣٥٢٩٥٢ نفساٍ. وكانت مساحة الصرب قبل الحرب ٤٨٣٠٣ كيلو مترا مربعا وعدد سكانها ٢٩٥٧٢٠٧ أنفس فربحت في التصفية النهائية أملاكا مساحتها ٣٩٠٤٧ كيلو مترا مربعا وسكانها ١٢١٠٠٠٠ نفس فصارت مساحتها كلها الآن ٨٧٣٥٠ كيلو مترا مربعا وسكانها ٤١٦٧٢٠٧ . أما بلغاريا فكانت مساحتها قبل الحرب ٩٦٣٤٥ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٤٣٢٩١٠٨ أنفس فخسرت في التصفية النهائية أملاكا مساحتها ٧٥٢٥ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٢٨٥٧٥٧ نفسا وربحت أملاكا مساحتها ٢٦٢٥٧ كيلو متر مربعاً وسكانها ٧٠٩٦٤٦ نفساً فصارت مساحتها كلها الآن ١١٢٠٧٧ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٤٧٥٢٩٩٧ نفساً. وكانت مساحة رومانيا قبل الحرب ١٣١٣٥٣ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٧٢٤٨٠٦١ نفسا فربحت في التصفية النهائية أملاكا من بلغاريا مساحتها ٧٥٢٥ كيلو متراً مربعاً وعدد سكانها ٢٨٥٧٥٧ نفسا فصارت مساحتها الآن ١٣٨٨٧٨ كيلو مترا مربعا وعدد سكانها ٧٥٣٣٨١٨ نفساً. وكانت مساحة الجبل الأسود قبل الحرب ٩٠٨٠ كيلو مترا مربعا وسكانه ٢٨٥ ألف نفس فربح في التصفية النهائية أملاكا مساحتها ٥٨٧٦ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٢٣٠ ألف نفس فصارت مساحته الآن ١٤٩٥٦ كيلو متراً مربعاً وسكانه ٥١٥ ألف نفس. وتبلغ مساحة ألبانيا المستقلة الآن ٣٢ ألف كيلو مترا مربعا وعدد سكانها ٨٨٠ ألف نفس. الدولية العلية - كانت مساحة أملاك الدولة العلية في أوربا قبل الحرب ١٨٥١٦٠ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٦٩٩٧٦٤٦ نفساً فبقي لها منها بعد الحرب الأولى بموجب معاهدة لندن ٩١٦٨ كيلو متراً مربعاً سكانها ١٦٢٣٠٠٠ نفس ولكنها عادت فاستردت في الحب الثانية أملاكا مساحتها ١٦٢٠١ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٧٢٥٠٠٠ نفس فصارت مساحتها الآن ٢٥٣٦٩ كيلو متراً مربعاً وسكانها ٢٣٤٨٠٠٠ ألف نفس. وتبلغ مساحة الأراضي الزراعية في الأملاك التي ربحتها كل مملكة من ممالك البلقان كالتالي: ٦٣١٣٦٦ فدانا في بلغاريا و ٦٩١٩٠٨٠ فدانا في اليونان و ٤٩٤٢٢٠ فداناً في الجبل الأسود و ١٥٩٣٨٥٩ فداناً في رومانيا و ٣٧٠٦٦٥٠ فداناً في صربيا و ٣٨٣٥٧٦٠ فدانا في العثمانية. ولكن جملة الأراضي الزراعية التي كانت في بلغاريا الأصلية وما أضيف إليها من الأراضي الزراعية في الأملاك التي ربحتها في الحرب نقصت نحو ٧٦٠ ألف فدان عما كانت عليه أولا وذلك لأن الأملاك التي اقتطعتها منها رومانيا كلها أراض زراعية والأملاك التي ربحتها هي في الحرب معظمها أراض بور. على أن عدد السكان في تلك الأملاك لا يثبت على ما ذكرناه آنفاً لأن كثيرين من البلغاريين في مكدونيا الصربية واليونانية هجروا أوطانهم إلى الأملاك البلغارية في تركيا وبلغاريا نفسها ولا يزالون يهاجرونها إلى الآن وسيستمرون على ذلك في المستقبل أيضاً على ما يظهر. وكذلك اليونانيين الذين في الأملاك الثمانية في تراكيا فإنهم يهاجرونها إلى الأملاك اليونانية الجديدة. والمسلمون في الأملاك الصربية واليونانية في مكدونيا فغنهم يهاجرونها إلى الأناضول. فلا يلبث والحالة هذه أن يحصل تغيير كبير في عدد سكان تلك الأملاك فينقص في بعضها ويزيد في بعضها الآخر، والمظنون أن معظم الزيادة سيقع في الأملاك البلغارية لكثرة البلغاريين الذين يهاجرون إليها من الأملاك المصرية واليونانية في مكدونيا. أما الأموال التي أنفقتها بلغاريا على حربها مع الدولة العلية أولاً ومع حليفاتها ثانياً فقد قدرها أحد أساتذة جامعة صوفيا كالتالي ١٢٤٠٠٠٠٠ جنيه اعتمادات أصلية وستة ملايين جنيه تجهيزات ومليون جنيهاً عجز في الإيرادات بسبب الحرب وستة ملايين جنيه لأجل مون وأجرة نقل و ٧٢٠٠٠٠٠ جنيه لأجل سكك حديد حربية وشؤون أخرى تختص بالتحصين و ١٦ مليون جنيه رأس مال لرواتب الجنود الذين أصيبوا في الحرب بعاهات أقعدتهم عن العمل وتحصيل رواتبهم و ٦٠ مليون جنيه ثمن الأراضي التي اضطرت بلغاريا أن تتنازل عنها لرومانيا وجملة ذلك ١٠٩٦٠٠٠٠٠ جنيه. رأى القارئ مما سلف أن مساحة البلاد التي استقلت وسميت ألبانيا قد بلغت ٣٢ ألف كيلو متر مربع ولا يبلغ سكانها أكثر من ٨٨٠ ألفا ولا تزال الفتن قائمة على ساق وقدم بين الأرناؤود واليونان يريد الأولون أن يستخلصوا من مقاطعة أبيروس من بقي من أبناء عنصرهم وإلى كتابة هذه السطور لم يتم شيء بين الفريقين وغاية ما جرى أن أوربا عينت لألبانيا حاكما مسيحيا هو الأمير فيد من أصل ألماني وأهم البلدان التي وقعت في حصة ألبانيا الحديثة هي دراج وايلبصان وأشقوردة وتيران وأولونية وبرات واركري وكوريجة وياقوة وبرزرين. إن الجزر العثمانية التي استولت عليها إيطاليا واليونان خلال الحرب الطرابلسية والبلقانية فلا يزال أمرها مجهولا والمفاوضة دائرة بشأنها والغالب أننا نستعيد بعضها خصوصا ما كان بيد إيطاليا فإن المعاهدة التي جرت بينها وبين الدولة العثمانية على طرابلس وبرقة تقضي بجلاء الطليان عن هذه الجزر وربما تستريح البلاد التي أخذتها من الفتن وتستدعي العثمانية آخر من لها من الجند والمقاتلة هناك وكذلك الجزر التي وقعت في قبضة اليونان فإنه يرد علينا منها ما كان ضروريا للدفاع عن شواطئنا ولاسيما عن خليج الأستانة. هذه بلاد البلقان وسكانها وأديانها وحربها والباعث إليها ونتيجتها استندنا في كتابتها على مصادر كثيرة ليرجع إليها عند الحاجة وتفيد في التاريخ الحديث فإن حربها الشؤمة الأخيرة من أفظع ما عهد من الحروب الحديثة التي تخرب العامر والغامر وتضر بالمغلوب والغالب بما تجلب من الولايات على الأسرات فيتراجع العمران ويقل نسل الإنسان. السيد جمال الدين القاسمي تلد الولادات كل يوم أولادا وتطوي الأرض أناسا لا يحصي عددهم غير خالقهم ولكن من يؤثرون الأثر النافع فيذكرون في حياتهم وبعد مماتهم أقل من القليل وأقل منهم في أهل هذا الشرق التعس وفي أهل الإسلام خاصة وذلك لأن العلم الإسلامي بعد أن هبت أعاصير الاختلافات في القرون الوسطى وحاربت حكومات تلك الأيام رجالات المعقولات وأحرار الأفكار ضعف مستوى العقول لأنها لم تطلق لها العنان وتقاصرت الهمم لأنها لم تجد منشطا فقل جدا النابغون النابهون. وما ننس لا ننس ما وقع لشيخ الإسلام بل لعالم السنة وإمام الأئمة ومجدد شباب الحنيفية السمحاء تقي الدين بن تيمية فقد عذب في القرن الثامن سنين كثيرة في سجون القاهرة والإسكندرية ودمشق وناله من أذى أدعياء العلم في عصره حسدا منهم لمكانته ما يبكي تذكره المقل ويهون بعده كل اعتداء على العلماء ينالهم من أهل الحشو والجمود. ومن قرأ تاريخ رجالنا في القرون الثلاثة التالية أي في القرن الثامن والتاسع والعاشر أو القرون الثلاثة التي سبقتها أي الخامس والسادس والسابع يعرف أن كثيرين قضوا شهداء أفكارهم وعذبوا وأوذوا في سبيلها لأنهم رأوا غير ما رآه العلماء الرسميون ومن الأهم من أرباب الزعامات في أيامهم. ومنذ اضطر مثل حجة الإسلام أبي حامد الغزالي في القرن الخامس أيهجر العراق تخلصا من حاسديه الذين لا يعدمون عندما تصح إرادتهم حجة للاستعانة بالسلطة الزمنية للنيل ممن أربى عليهم وإيقاف نيار أفكاره إلى عصر ابن تيمية الذي ناله ما ناله في مصر والشام حتى قضى في سجن دمشق شهيد الإصلاح إلى أن جاء القرن العاشر والذي يليه من القرون وقد أصبحت العلوم رسمية والمدارس صورية والأوقاف المحبوسة على العلماء مأكولة مهضومة - منذ جرى كل هذا والأمة لا تكاد تفرح لها بعالم حقيقي يكسر قيود التقليد ويقول بالأخذ من كل علم فندر النبوغ لأنه ندر أن يلقى العالم ما ينشط عزيمته وكان قصارى من تسمو به الهمة إلى أخذ نفسه بمذاهب التعلم والتعليم أن يقتبس من كتب الفروع ما لا يخرج به عن مألوف معاصر به ومن حكم عقله في بعض المسائل كان اتهامه بأمانته من أيسر الأشياء وطرده من حظيرة الحظرة لدى العامة ومن سموا أنفسهم بالخاصة من الأمور المتعارفة أما التضليل والتفكير والتبديع والتنسيق فهذا لا يخلو منه عالم يريد أن يخرج بالناس من الظلمات إلى النور. ولكن إرادة المولى سبحانه قضت بأن لا تحرم هذه الأمة من أعلام يصدعون بالحق فيجددون لها أمر دينها ويستطيبون الأذي في إنارة العقول والرجوع بالشرع إلى الحد الذي رسمه الشارع وأصحابه والتابعون والأئمة الهاديون المهديون ومن هؤلاء المجددين نابغة دمشق فقيدنا العزيز السيد جمال الدين القاسمي الذي يعرفه قراء هذه المجلة بما نشره في سنيها الماضية من آثار علمه وأدبه فقد قضى حياة طيبة ولم يعقه عن الاشتغال ما لقيه من تثبيط المثبطين في أول أمره وتنغيص الحاسدين في أواسط عمره ممن لا يخلو نمهم مصر ولا عصر خصوصا في بلاد يستمد منها كل شيء من ولاة أمرها. نشأ السيد القاسمي من بيت فضل وفضيلة وكان والده وجده من المعروفين بالأدب ومكارم الأخلاق وهذا من النوادر في عصر لا يكبر رجاله في العيون إلا على مقدار عدهم في صفوف أهل الرسم وفي دور قل أن ينجب فيه ولد لنجيب فصم أو تصامم منذ أوائل سن التحصيل عن كل ما يقف عثرة في سبيل الطالب فكان منذ وعى على نفسه يعمل على تهذيبها ولا يكاد يمضي عليه يوم لم يستفد منه فائدة ولم يقيد شاردة فظهرت عليه مخايل النبوغ ولما يبلغ العشرين فما بالك به وقد نيف على الأربعين وقارب أن يتم العقد الخمسين. جماع الأسباب التي نجح بها فقيدنا طهارة نفسه من المطامع الأشعبية وشغفه بالعلم للذته ونفعه في إنارة القلوب واعتقاد أنه منج في الدنيا والآخرة فهو لم يجعل الدين سلما إلى الدنيا وجسرا مؤقتا يجتاز عليه لحيازة مظهر خلاب والتصدر في المجالس بفاخر الهندام وبراق الثياب بل فرغ قلبه ووقته للعمل النافع فبورك له بساعات عمره القصير ويا للأسف. ولو عددنا ما كتبه من مصنفاته وقسناه بالنسبة لهذا العصر الذي أضحت فيه بضاعة العلم مزجاة بائرة لما قل عن اللحاق بالمكثرين من التأليف في المتأخرين أمثال العيوطي وابن السبكي وإضرابهما مع ملاحظة ما بين العصور والبيئات من الفوارق. تذرع الفقيد بعامة ذرائع النفع لهذه الأمة فكان إماما في تآلفه الوفيرة إماما في دروسه الكثيرة إماما في محرابه ومنبره ومصلاه رأسا في مضاء العزيمة رأسا في العفة وهذه الصفة هي السر الأعظم الذي دار عليه محور نبوغه لأنه لو صانع طمعا في حطام الدنيا لما خرج عن صفوف أهل محيطه ولكان عالم وسطا يشتغل بالتافهات ويعيش في تقية ويموت كذلك. كان أجذل الله ثوابه إذا لقيه المماحك في أحد المجامع عرضا أو غشيه في درسه وبيته ناقدا أو ناقما علمه م حيث لا يشعر وهداه إلى المحبة بلين القول فإذا أيقن أنه من المكابرين المموهين أعرض عنه وقال سلاما ولذلك لم يلق ما لقيه أشداء العلماء والفلاسفة في العصور الماضية مت الإرهاق والإعنات أمثال ابن حزم الأندلسي والشهاب السهروردي لأنه كان يتلطف في المناظرة وإقناع المخالف فإذا رأى المناقش بمعزل عن الفهم سكت عنه. نعم كان مثال التلطف في بث الفكر فلم يصك به - كما قيل - معارضة صك الجندل وينشقه متلقنه انتشاق الخردل. قام الأستاذ في دور زهد الناس فيه في العلوم الدينية إلا قليلا فأعاد إليها في هذه الديار بنور عقله شيئا م بهائها السابق ولقد كان يجتمع به الموافق والمخالف فما كانا يصدران عنه إلا معجبين بعقله مقرين بفضله معترفين بقصور كثير حتى من المشاهير عن إدراك شأوه: يخلب الألباب ويستميل العقول فكأنه خلق من معدن اللطف ورقة الثمائل. لم تجد الغلظة سبيلا إلى قلبه ولا الفظاظة أثرا في كلامه وقلمه ولا عجب إذا كثر في آخر أمره أنصاره وعشقته النفوس فأكبرت الخلب فيه. جاء في الأثر لا يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر إلا من كان فقيها فيما يأمر به فقيها فيما ينهى عنه رفيقا فيما يأمر به رفيقا فيما ينهى عنه حليما فيما يأمر به حليما فيما ينهى عنه. دخل عبد اللطيف البغدادي فيلسوف الإسلام على القاضي الفاضل فقال: رأيت شيخا ضئيلا كله رأس وقلب وهو يكتب ويملي على اثنين ووجهه وشفتاه تلعب ألوان الحركات لقوة حرصه في إخراج الكلام وكأنه يكتب بجملة أعضائه. وهذا التعريف يصدق من أكثر وجوهه على الشيخ القاسمي فإنه كان نحيل الجسم كبير الروح ولو تهيأ لجمال الدين مثل صلاح الدين لسرت أفكاره أكثر مما سرت وراقت أسفاره أكثر مما وفق إليه ولكن إذا عظم المطلوب قل المساعد. وقديما زكا غرس العلم في الشرق في ظل الملوك والأمراء واليوم يزكو في الغرب في حمى الجامعات والمجامع والجمعيات. والعلم مذ كان محتاج إلى العلم. برز الفقيد الراحل وأي تبريز في علوم الشرع وما إليها ولم يفته النظر في علوم المدينة فألم بأكثرها إلماما كافيا لتكون له عونا على فهم أسرار الشريعة أما وقد جمع الفضيلتين فلا تجد لكلامه مسحة من الجمود المعهود لكثيرين ممن يقتصرون على العلم والعلمين ويعدون ما عداهما لغوا. فهو عالم ديني كامل ولكنه كان يقرأ العلوم المدنية ويطالع صحفها ومجلاتها وكتبها الحديثة كما يطالعها المنقطعون إلى هذه العلوم وزيادة ولا ينكر شيئا يقال له علم أو فن ولذلك لم يمجه العصريون ولا غيرهم. ربما قال من لم يعرف أن هذا كلام صديق فجع بصديق تسلسلت الصداقة بين بيتيهما منذ نحو ثمانين عاما وعين الحب ومداء أما أنا فلا أحيل المعترض إلا على الرجوع إلى كتب الشيخ وقراءة بعض ما طبع منها وتحكيم العقل والإنصاف وأنا الضامن بأنه لا يلبث أن يساهمني قولي ويوقن بأن المرحوم جود تآليفه التي تنم عن عقله وعلمه أكثر مما جودها كثير من متأخري المؤلفين من بعد عصر السيوطي ممن شهد لهم بالإجادة ولو سمحت له الحال أكثر مما سمحت ومتع بحرية القول والعمل أكثر مما متع لجاء منه أضعاف ما جاء ولكن ضيق العيش وضيق المضطرب لا يرجى منهما أكثر مما تم على يد فقيدنا العظيم من الأعمال والآثار وقد أغلقت دونه أبواب الدواعي والبواعث رحمة الله وبارك لنا قيمن خلف من مريديه ومعاصريه ومن ساروا بسيرته حتى لا تقع على مضمون الحديث: إن الله لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من العباد ولكن يقبض العلم بقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالما اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. وقد كتبنا في تأبين الشيخ غداة وفاته في جريدة الإصلاح ما نصه: لا تحضرني عبارة تشعر بمبلغ الحزن الذي نال دمشق بفقد عالمها الكبير وأستاذها العالم التحرير فقد كان أحد أفراد هذا العصر المعدودين في التحقق بأسرار الشريعة. وهو ولا مراء عالم الكتاب والسنة بلا مدافع خلق ليعمل على بث الدين المبين خاليا من حشو المتأخرين الجامدين وتضليل المخرفين والمعطلين. لم يكد فقيدنا العزيز يطرق هذه الموضوعات ويهيب بالناس إلى الأخذ بمذاهب السلف ويتلطف في إبلاغها العقول المظلمة في دروسه وتآليفه حتى أخذ بعض أهل الجمود يغتابونه ويحذرون عوامهم بدون برهان من الأخذ عنه ولكن ظلمه تقليدهم ما لبثت أن انقشعت بنور اجتهاده وتراجع أمر خصومه بعد قليل وقد بهر الناس فضله وعلمه وأنشأ بعد أن كان يزيفون أقواله في مجامعهم الخاصة والعامة يتبعون أقواله المدعومة بالسنة الصحيحة ومذاهب الأئمة. وأكبر دليل على ذلك ما شهدناه يوم مشهده الأخير من إجماع من كانوا خصومه أمس على أعظام الخطب فيه والإقرار له بفضائل كانوا يغمطونه إياها ولكن المعاصرة حرمان. رأيت رجالا كثيرين من أهل الإسلام وغيرهم وفي مصر والشام خاصة أر همة تفوق همة صديقي الراحل ولا نفسا طويلا على العمل ودؤوباً عليه أكثر منه ولا غراما بالإفادة والاستفادة ولا حبا بالعلم للعلم فقد قضى عن ٤٩ عاما وخلف ما خلف من عشرات من مصنفاته الدينية العصرية النافعة منها تفسيره الذي لم يطبع ومنها مقالاته الممتعة وأبحاثه المستوفاة وأثر في عقول كثير من الطلبة تخرجوا به وأخذوا أحكام الحلال والحرام عنه دع دروس وعظة للعامة وحلقات خاصته ومع كل هذا كان حتى الرمق الأخير أشبه بطالب يريد أن يجوز الامتحان لنيل شهادة العالمية. وكلما كان يوغل في طلب المزيد من العلم والتحقيق تراه آسفا على عدم إشباع أبحاثه حقها أحيانا من النظر البليغ. رزق الصديق العلامة صفات إذا جمع بعضها لغيره عد قريع دهره ووحيد عصره فقد كان طلق اللسان طلق المحيا وافر المادة وافر العقل سريع الخاطر سريع الكتابة جميل اعهد جميل الود. وكان بلا جدال جمال الدين والدنيا ما اجتمع به أحد إلا وتمنى لو طال بحديثه استمتاعه ليزيد من الأخذ عنه والتشبع بفضائله والاغتراف من بحر علمه. وبينا كنت ترى الأستاذ على قدم السلف الصالح عالما كبيرا بين الفقهاء والأصوليين والمحدثين والمفسرين إذا هو من الأفراد المختصين بالأدب وما يتعلق به وبينا تراه يؤلف ويطبع إذا بك تراه يواظب على تدريس طلبته ووعظ المستمعين في دروسه وخطبه ومع كل هذه الأعمال التي يكون منها انقباض في صدر العامل تراه يهش ويبش كل ساعة ويفسح من وقته شطرا ليغشى مجلسه أولياؤه وأخلاؤه وطلاب الفوائد منه. فهو علامة بين العلماء منور ممدن بين المنورين بنور المدنية الصحيحة ذهب مثال الرجل الصالح عفيف الطعمة لم يسف إلى ما يسف إليه بعض من يتذوقون قليلا من المعارف وما أنكر إلا المنكر ولا أمر إلا بالمعروف ومن ضيق ذات يده كان يتصدق في السر ولا يخلو ساعة من عبادة وذكر وما فقده جلل على دمشق بل على الشام بل على أهل الإسلام وشهرته التي نالها في العالم الإسلامي في هذه السن من الكهولة هي مما استحقه أو أقل مما يستحقه لأنه حقيقة العالم العامل الذي يحبب الدين حتى لمن لم يتدين حياته فاللهم عوض المسلمين عن هذه الدرة اليتيمة التي أصيبوا بها وارحمه عداد حسناته وارزقنا الصبر عليه وجميع أسرته وأحبابه الذين فجعوا به. قال صديقنا جرجي أفندي الحداد في رثاء الإمام فقيد الشام والإسلام: أجمل عزاءك فالمصاب جليل والدمع في خطب الإمام قليل جل الأسى يا قوم فاصطبروا له صبر العظام على العظيم جميل قد كنت أول من يزيل دموعه لو كان يشفى بالبكاء غليل جزعت دمشق وقد رأت علم الهدى يلوي به عادي الردى فيميل وإلى ظلام القبر يحمل نعشه والفضل في أعواده محمول واستشعرت أرض العراق كآبة والهند خامرها الأسى والنيل وبكى أفاضلها على رجل قضى في أمة فيها الرجال قليل ومجاهر بالحق ليس يصده قال تردده الوشاة وقيل أين التقية من صراحة صادق لا الجور يرهبه ولا التنكيل هو للحقيقة نثرة محبوكة وعلى الضلالة صارم مسلول لولا مجاهرة الهداة بهديهم في الناس ما نفع الأنام رسول أودى القضاء بعالم ومحدث يستأثر الألباب حين يقول بين المحابر والمنابر يومه يفنى ويحيي ليله التحصيل ملكت قلوب الناس منه شمائل رقت فتحسب أنهن شمول وإذا جلست إليه أسفر وجهه وبدت عليه بشاشة وقبول وجه يصون عن التبذل ماءه فيكاد من فرط الحياء يسيل عن الفضيلة بالإمام وآسها فشجونها من بعده ستطول وافى يشيد صرحها وربوعها لعب الفساد بهن فهي طلول وتصدرت للعلم غير رجاله فاعتز غر واستطال جهول قد حكموا أوهامهم وتحكموا فالعقل في ربقاتها مكبول في كفهم نعم الحياة وبؤسها وإليهم التحريم والتحليل ولو أنهم عمدوا إلى التحقيق لم يتعارض المعقول والمنقول جمدوا احتفاظا بالقديم وليتهم نجحوا فلم يعبث به التبديل نرضى القديم لو ارتضوه كما أتى في الوحي لما أنزل التنزيل والناس من نزعاتهم في ظلمة لم يبد فيها للصباح دليل ضاقت مذاهبهم وضل صوابهم وعدت عليهم فترة وذهول ما ضيق الدين الحنيف مذاهباً بل ضيق التحريف والتأويل نهض الإمام بردعهم عن قومه والقوم منهم عاذر وعذول بقريحة وقادة وعزيمة تمضي وفي حد الحسام فلول واختار شأن المصلحين وأنه عبء تنوء به الرجال ثقيل نم يا جمال الدين غير مروع إن الزمان بما ابتغيت كفيل فستعرف الأجيال فضلك في غد إن كان لم يعرفه هذا الجيل أخبار وأفكار الصناعة المصرية أصدرت إدارة التعليم الفني والصناعي والتجاري في مصر نشرة تخص فيها على إحياء فنون الصناعة المصرية قالت فيها: من أجمل مظاهر هذا العصر في مصر هو ما يزدان به من المصنوعات اليدوية على اختلافها. فما صناعة النسيج والصياغة والحفر على الخشب وعمل الأثاث (موبيليات المنازل) وصناعة المعادن والزخرف والتطريز إلا قليل من كثير من الصنائع المهمة المنتشرة في أمهات المدن بالقطر المصري فيسهل على من يحترف بهذه الفنون الصناعية وكثير ما هم في أنحاء البلاد أن يجد مجالا للعمل في معظم القرى ولئن كانت المصنوعات التي يعملونها جميلة جدا في كثير من الأحوال إلا أن القيام بإتمامها على درجة من الإتقان والكمال ربما كان في غالب الأحيان بحالة لا يستحسنها الذوق فضلا عن أن تدرجها في مراقي النجاح سائر سيرا بطيئا يصعب معه وجود المنافسة والمزاحمة بينها وبين المصنوعات الأوربية. ويظهر أن أنواع الصور والأشكال التي تستعمل في كثير من الفنون الصناعية قاصر على أشكال خاصة بتكرر وضعها طبقا للنماذج دون ابتكار أي تغيير فيها أتحسين. على أن نتائج الأشغال التي يقوم بها الصانع الجاهل بفن الرسم لا أثر لها سوى الانحطاط التدريجي الذي يذهب برونق الأشكال وجمالها وهذا هو السبب الحقيقي في قصور التنسيق المشاهد في أنحاء القطر المصري ورداءته. ولقد أنشئ بمدرسة الفنون والصنائع الخديوية ببولاق قسم الصناعية والزخرف منذ أربع سنوات وذلك رجاء الحصول على الغرض المقصود وهو تحسين الصناعات الوطنية وترقيتها والغرض من هذا القسم تعليم الطالب تعليما عاما في الرسم والتلوين والتصميم ليحصل على المعلومات العملية الكافية لتعلمه صناعة يدوية خاصة ليتسنى له الوقوف على دقائقها وما شاكل ذلك فيستطيع ابتكار الأشكال الأصلية اللازمة إليها، لذلك يتلقى الطلبة فيه طرائق حسن الاستنباط بحالة أفضل وصورة أسرع ولا يستعان بالآلات الأوربية إلا حينما تدعو الضرورة فضلا عن توجيه العناية إلى تعليمهم طرق الأشغال المحلية مع الالتفات إلى جعل أساس التعليم في الرسم التطبيقي قائما عل نقل ومحاكاة صور الزخارف العربية والفارسية التي بالمساجد ودور الآثار. ويسوغ لكل طالب حائز للشهادة الدراسية الابتدائية الالتحاق بهذا القسم. أما المصروفات المدرسية فهي ثمانية جنيهات مصرية في السنة عن التلميذ الخارجي و ١٦ عن التلميذ الداخلي. وتشتمل الدراسة التحضيرية على تعليم الأشغال اليدوية في فنون التجارة وعمل الأثاث والحفر على الخشب وأشغال التطعيم وأشغال صياغة المعادن وترصيعها بالجواهر وزخرفة المنازل والنسيج والصياغة. ومدة التعليم سنتان يتخصص الطالب بعدهما لإتقان فن من تلك الفنون الصناعية مدة سنتين أخريين قبل دخول الامتحان لنل الدبلوم. ولكي يحصل الطالب على المعارف العملية التي تستلزمها الحرفة التي يتخذها لا بد له من أن يمضي سنة أخرى في احد المصانع خارجاً عن المدرسة لاكتساب تلك المعلومات وفاقاً لما تدعو إليه أحوال التجارة عادةً. ولا تمنح دبلوم المدرسة إلا للطالب الذي نجح في الامتحان النهائي وأمضى كذلك مدة سنة في التمرين بحالة تدل على الرضا عن عمله من قبل أصحاب المحل الذي اشتغل فيه. وان الطلبة الذين يرغبون الدخول في معترك الحياة التجارية في أي نوع من أنواع الصناعات بالقطر المصري ليجدون في هذا القسم من مدرسة الفنون ووالصنائع الحيوية ميزة خاصة لتؤهلهم لإدخال التحسينات الصناعية واستنباط المبتكرات الجديدة في صنائعهم. هذا فضلاً عما يجدون في القسم المذكور من الفرصة التي تجعلهم على بصيرة من طرق الصناعة بحيث يتمكنون في النهار من فتح وإدارة مصانع خاصة بهم. فالقطر المصري في حاجة شديدة إلى قادة في الصناعة والأمل وطيد في حرص الشبيبة المصرية على اغتنام الفرصة السانحة لهم بقسم الفنون الصناعية بمدرسة الصنائع ببولاق حيث يرتشفون مناهل التعليم فيه ليأخذوا على عاتقهم القيام بقسط وافر من جلائل الأعمال الشريفة التي ترتقي بها موارد الثروة في الديار المصرية ويعاونون على جعل مركزها الصناعي والمالي قائما على أساس متيني نعم أن سعادة البلاد تتوقف في الوقت الحاضر على حالتها الزراعية ومن ثم كانت قيمة الواردات السنوية من المصنوعات الأوربية عظيمة جداً. على أنه ليس ثمة ما يمنع المصريين من القيام بصنع تلك المصنوعات تحت إشراف الماهرين من الصناع. فان النتاج الذي بدأ في الأعمال الصناعية القليلة التي كانت تصنع تحت رقابة المصريين فيما سبق من الزمان لدليل على أنهم جديرون بإخراج أحسن أنواع المصنوعات من الأثاث وشغال المعادن وعلى أنهم قادرون تماماً على مباراة المصنوعات الأوربية الواردة من الخارج ومنافستها ولذلك فليس هناك سبب يعوقهم عن بلوغ النجاح في الصناعات الأخرى كما نجحوا في غيرها. دين مصر نشر صندوق الدين العمومي في مصر تقريره عن عام ١٩١٣ ومنه يرى أن الباقي على مصر من القرض المضمون إلى أخر السنة الماضية يبلغ ٧ . ١٠٢ . ٨٠٠ جنيه انكليزي وما استهلك منه في العام الماضي بواسطة شراء أوراقه ١١٢ . ٥٠٠ جنيه انكليزي. والدين الموحد ٥٥ ، ٩٧١ . ٩٦٠ جنيه انكليزي والجملة ٩٤ ، ٢٠٢ ، ٥٤٠ جنيهاً انكليزياً. وقد هبط سعر الدين الموحد في السنة الماضية إلى أوطأ ما بلغه في الأربع عشرة سنة الماضية فكان اقل ما بيع به ٩٦ جنيهاً وأعلى ما بلغ ١١٠ وربع جنيه في عام ١٩٠٢ . الأندية ( ١ ) سادتي الأخوان هذه أول مرة نحتفل فيها بافتتاح ناد من مثل هذا النوع في قاعدة الشام فشكراً للقائمين به ولا سيما رئيسه المستر ديفي قنصل انكلترا واني لأتوسم الخير والبقاء لنادينا الجديد لان رأسه من امة هي اعرق الأمم معرفة بالمنتديات وما ينبغي لها فقد حدثنا تاريخ هذه المعاهد أنهم كانوا اسبق العلمين إلى تأسيس الأندية منذ زمن طويل ولا تزال كلمة كلوب انكليزية نقلتها أكثر أمم الحضارة إلى لغاتها ويقابلها بالافرنسية على سبيل التجوز سيركل وعربها العرب بالنادي فالكلوب أو النادي هو مجمع من الطراز الأول يختلف إليه أناس متماثلون في طبقاتهم ويكونون في الغالب في سيرتهم كما يكون سراة الناس أدبا ولطف ومعاملة والكلمة المقابلة في اللغة الانكليزية هي جنتلمين ومن الصعب ترجمتها بالفرنسية ويعنى بها من بلغوا غاية الكمال في التربية والتهذيب يجتمعون للعب والتسلية وتلاوة الصحف والتحدث وغير ذلك من الأغراض. كانت الندية عند منشئها بادئ بدء مجتمعات أصحاب متعارفين تضم شملهم ليأكلوا فيها ويشربوا في أوقات مخصوصة ولم تكن أماكنها خاصة بمن يجتمع فيها فانتظمت مع الزمن وانقلبت قصوراً فخمة محترمة ولم يكن النساء يدخلنها لأول أمرها وكان لأعضاء النادي فندق خاص بهم يحتوي على غرفة مائدة ومكتبة ومحل للتدخين وحجر للنوم بحيث يكون المرء في ناديه كأنه في بيته الذي يؤويه ثم استخدمت الأندية للأحزاب السياسية ثم انقسمت أقساماً بحسب مقاصدها لان الغرب كما تعلمون بلاد الأخصاء والتخصص ولا سيما التي هي في مقدمة الأمم في التناغي بطبقاتها لا يستطيع فيها أهل طبقة معينة أن يختلطوا بغير طبقتهم. تعددت الأندية بتعدد المقاصد فمنها السياسي والعلمي ومنها أندية الرياضات البدنية والحمامات والصيد وأندية اللعب والشرب وأندية العزاب والممتنعين عن التدخين والشراب وهناك نواد خاصة بأبناء حرفة معينة وطبقة معينة وفكر معين حتى صارت الأندية بالمئات في بريطانيا العظمى بل في كل الممالك التي دخلت في طور المدينة وكل يوم نسمع بأندية تؤسس عندهم فمما أسسوه في الولايات المتحدة نادي الأمهات يجتمع فيه ربات البيوت ليتداولن في تربية أولادهن وانشئوا في نيويورك مؤخراًنادياًللسجناء يأوي إليه من خرج من الحبس حديثاًفيتوسل له النادي بإيجاد عمل ينصرف إليه بعد سجنه. واغرب الأندية نادي المعمرين الذي أنشئ حديثاًفي طوكيو عاصمة اليابان فان أعضاءه اثنا عشر عضواً فقط بلغ كل منهم مئة وعشر سنين من عمره ومع هذا لم يزهد احدهم في الاجتماع مع أقرانه. ولقد كان من اخترعوا هذا النوع من المجالس في الجزائر البريطانية أكثر الأمم استمتاعا بثمرات الاجتماع مع أن المشهور من أخلاق الانكليز كما قال إميل بوتمي أنهم أكثر الناس عزوفاً عن الاختلاط بغيرهم أو كما قال اميرسون فيلسوف الأميركان: انك تحسب الانكليزي إذا اجتمع مع الأجانب اخرس فهو لا يصافحك ولا يتركك تنظر ما في عينيه في الفندق ويلفظ اسمه بحيث لا يسمع فكل واحد من هؤلاء الجزائريين جزيرة برأسها فمن ثمرات الأندية عند البريطانيين أن أهل كل حرفة وطبقة يعرفون في أنديتهم اقدر الرجال فيهم فإذا جاء وقت انتخاب مجلس النواب يكونون لمبرزيهم اعرف الدعاة لهم فيختارونهم للنيابة عن الأمة أي أن أعضاء نادي الإشراف وأعضاء نادي الحوذيين والسواقين والسكافيين والطباعين والوراقين والبزالين والفحامين بل وكل ما يخطر ببالك من أرباب الصناعات المختلفة يستعينون بالأندية على اختبار مدارك إخوانهم فينيبون عنهم أخطبهم وأعقلهم وأمنهم وأعملهم وهكذا كانت الأندية نافعة في الغرب كما نفعت في الإسلام الجوامع والمدارس فكانت أندية يتفاوض فيها أهله في شؤونهم السياسية والاجتماعية أيضا. ومن غرائب الأندية في لندن اليوم نادي السكوت وهو للصم والبكم ليس فيه كلام يسمع ولا جرس يقرع ومن يدخل النادي من المشتركين فيه يكبس زراً كهربائياً ينير قطعة من المكان فيفتح له وغير الكهربائية أيضا اصطلحوا على إشارات للتفاهم بينهم ويدخله الرجال والنساء يلعبون بالبلياردو أو يتحادثون أحاديث صم ويغنون غناء الصم. وفي لندن ناد للمعتزلين عن الناس يدخله من ضاقت صدورهم من الوحدة والعزلة ولا يقبل فيه النساء إلا بعد سن الخامسة والعشرين وهو دولي عام ولا يؤدي المشترك فيه شيئاً وهو غريب في بابه لأنه يضم أناسا من أهل الأرض بأسرها ومن جميع الطبقات الراقية وفيه كثير من أرباب المكانة والشهرة. وهناك ناد اسمه نادي العجل الذهبي ونادي القط الأسود ونادينا وهو نادي أعاظم الأدباء ونادي ١٠١ ونادي الست ساعات وهو ناد أعضاؤه ستة يدخلون إليه كل يوم الساعة السادسة ويخرجون الساعة الثانية عشرة ومع كل واحد منهم كتاب. والنادي الدائم وعدد أعضائه مئة يقسمون أن لا يبرحوا منازلهم مهما كلفهم الأمر من المخاطر حتى انه حدث يوماً حريق قرب ناديهم فلم يخرجوا منه إلا بقوة رجال الشرطة. وقد أسس بعض أبناء الأسر في ايرلندا سنة ١٧٦٦ ناديا لهم ليختطفوا البنات ويتزوجوا بهن قسرا فانحل هذا النادي سنة ١٨٠٢ عقيب حوادث أفاض فيها مجلس النواب الانكليزي. وفي ايرلندا أندية قلما تقبل النساء وفيها أندية للنساء العازفات عن الزواج. وسيفتح الآن ناد غريب اسمه نادي اللوبياء السوداء على مثال نادي نيويورك وهو مؤلف من أربعين عزباً يجتمعون مرة في السنة ويضع رئيسه في صندوق أربعين حبة لوبياء بيضاء ومنها سوداء ويسحب كل عضو حبة فمن سقطت السوداء في يده حكم عليه قانون النادي بان يتزوج والنادي يقوم بنفقة تزويجه كما يبتاع له أثاث بيته ونفقة سفره ثلاثة أسابيع مدة شهر العسل. وعندهم أندية لطالبات الزواج على مثال نادي اليابان الذي يتم بواسطته كل أسبوع مئتا قران وأكثر المقترنين يتزوجون بالنظر إلى صور خطيباتهم الشمسية. وكان في لندرا نادي التقبيل ولكن حدثت منه غوائل لم تفض إلا بمعرفة المحاكم. وفي لندرا ناد للمنتحرين شعاره بالموت شفاء الأسقام كلها ولا يقبل فيه للنساء ولا للعزاب. ولها ناد للأرواح يدخله علماء ومحامون وجراحون وباحثون ممن يهتمون بكشف الأسرار عن مخاطبة الأرواح. ولها ناد لمن لا أنوف لهم ورئيسه مصري انفه أقنى للغاية يكاد لا يظهر. ونادي مشوهي الخلقة. ونادي السوداويين يجتمعون كل أسبوع وهم عبارة عن حوذيين وسواقيين وملاحيين ليتسابوا ويشاتموا ويظهروا أفضل قرائحهم في علم الطعن والقذف ومن قصر من الأعضاء أو أبدى لطفاً في وحركاته يغرم في المرة الأولى وفي الثانية يطرد من حظيرة أقرانه. وفيها نادي العبوسين يدخله من ساءت أخلاقهم يلتزمون السكوت فيجلس الواحد منهم إلى ناحية يدخن غليونه بدون أن يتكلم. وعندهم نادي الفلس أربعة أقسام أي نادي البخلاء المقترين وفيه أناس من كبار أرباب الأملاك وأعاظم الماليين ونادي قتلة البشر وهم يؤثرون القتل على ثلم الشرف ورئيسهم قتل ٢٥ شخصاً في البراز. ولا اعرف فيما اطلعت عليه من كتب العرب في التاريخ والشعر والخطب والمحاضرات أنه عهد لبغداد وقرطبة والقاهرة ودمشق والقيروان أيام عزها معهد يماثل هذه الأندية الحديثة وغاية ما تبين أن المتماثلين كانوا يجتمعون في بيوتهم وحلقاتهم الخاصة فمنهم من يجتمع للمباحثة في العلم كاجتماع إخوان الصفا ومن يروي عنهم التوحيدي في مقابساته كانوا من نحل مختلفة لم تمنعهم مذاهبهم في تلك العصور من الاجتماع على مقصد واحد وكان الشراب الذي يتعاطونه في الأكثر نبيذ التمر وهو أشبه بالصليبية عندنا أو الشيرا يجتمعون لتعاطيه كما يجتمع المحدثون على القهوة والشاي وغيرهما من المشروبات فيغذون باجتماعهم أرواحهم كما يفكهون بما يتعاطونه أجسادهم وما كانت الطبقة العالية من أهل الشرف والعلم والفقه ترى من الغضاضة أن ترفع أصواتها بالغناء أو تأخذ بالعزف والإيقاع في مجالسها وأنديتها لأنهم علموا قبل أهل المدينة الحديثة أن المرء قد يستغني عن القراءة والكتابة ولا يستغني عن رفع صوته ليتغنى فيطرب نفسه وجلاسه وكتاب الأغاني لأبي الفرج الأصفهاني مملوء بأخبار أهل هذه الطبقة. حكا صاحب اليتيمة انه كان في جملة القضاة الذين ينادمون الوزير المهلبي ويجتمعون عنده في الأسبوع ليلتين على التبسط في القصف واللهو ابن قريعة وابن معروف والقاضي التنوخي وغيرهم وما منهم إلا أبيض الحية طويلها وكذلك كان الوزير المهلبي. فإذا تكامل الأنس وطاب المجلس ولذ السماع واخذ الطرب منهم مأخذه وضع في يد كل واحد منهم كاس ذهب من ألف مثقال إلى ما دونها مملوءاً شرابا قطربلياً أو عكبرياً فيغمس لحيته فيه بل ينقعها حتى تتشرب أكثره ويرش بها بعضهم غلى بعض ويرقصون اجمعهم (كذا) وعليهم المصبغات ومخانق البرم والمنثور ويقولون كلما يكثر شربهم هرهر (والهر هر صوت جري الماء). قال: فإذا أصلحوا عادوا لعادتهم في الرمث والوقر والتحفظ بأبهة القضاة وحشمة المشايخ الكبراء. والرمث في اللغة الإصلاح والمسح باليد أي ما يعرف اليوم بالتولت وهذه القصة وان كان فيها نظر لما فيها من التبذل المذموم فإنها تدل على شيء من الدعابة والظرف. وبعد فان أسفار امتنا طافحة بأحاديث المترفين وأرباب القصف واللهو والإنشاد مما ينم عن ذوقهم ومدينتهم وتفننهم في مذاهب اللذائذ المشروعة في الغالب وتقلبهم في أعطاف الدعة والأنس وحسن العشرة وجمال العهد واختلاف كل قوم إلى أندية القوم الأخر. روى الصابئ في تاريخ الوزراء قال حدث أبو القاسم الزنجي قال: رسم أبو الحسن علي بن محمد بن الفرات في وزارته الثانية أن يدعى أبو الحسن موسى بن خلف وأبو علي محمد بن علي بن مقلة وأبو الطيب محمد بن احمد الكلوذاني وأبو عبد الله محمد بن صالح وأبو عبد الله والدي وأبو بشر عبد الله بن الفرخان النصراني وأبو الحسن سعيد بن إبراهيم التستري النصراني وأبو منصور عبد الله بن جبير النصراني وأبو عمرو سعيد بن الفرخان النصراني في كل يوم إلى إطعامه فكانوا يحضرون مجلسه في وقته ويقعدون من جانبيه وبين يديه ويقدم كل واحد منهم طبق فيه أصناف الفاكهة الموجودة في الوقت من خير شيء ثم يجعل في الوسط طبق كبير يشتمل على جميع الأصناف طبق فيه سكين يقطع بها صاحبه ما يحتاج إلى قطعه من سفرجل وخوخ وكمثرى ومعه طست زجاج يرمي فيه الثفل فإذا بلغوا من ذلك حاجتهم واستوفوا كفايتهم شيلت الأطباق وقدمت الطست والأباريق فغسلوا أيديهم وأحضرت المائدة مغشاة بدبيقي فوق مكبة خيارز ومن تحتها سفرة ادم فاضلة غليها وحواليها مناديل الغمر من الثياب المقصور فإذا وضعت رفعت المكبة والأغشية واخذ القوم في الأكل وأبو الحسن بن الفرات يحدثهم ويباسطهم ويؤنسهم فلا يزال على ذلك والألوان توضع وترفع أكثر من ساعتين ثم ينهضون إلى مجلس في جانب المجلس الذي كانوا فيه ويغسلون أيديهم والفراشون قيام يصبون الماء عليهم والخدم وقوف على أيديهم المناديل الدبيقة ورطليات ماء الورد لمسح أيديهم وصبه على وجوههم فمن كانت له من الكتاب حاجة قام إليه وخاطبه فيها وسأله إياها ومن أراد اطلاعه على سر يجب الانفراد معه فيه فعل مثل ذلك. ونتم ترون بهذا الوصف أن القوم لم يكونوا دون أهل هذا العصر في مجالسهم ورفاهيتهم ومسلياتهم وتسامحهم فان أرقى قصر من قصور الملوك والأمراء في الشرق والغرب لعهدنا ليس فيه من الاستعداد والتأنق في العيش والنظام في الطعام أكثر مما كان لابن الفرات وجماعته. فعسانا نقتدي بالنافع من مظاهر أجدادنا في أوقات العمل والفراغ كما نأخذ عن الغرب كل ما ينفعنا في خلوتنا وجلوتنا وترقية اجتماعنا وشعورنا وشممنا وعقولنا وهذا لا يقوم إلا إذا راعينا النظير في الداخلين فقربنا كل سري عرف بحسن السيرة والسريرة ونبذنا كل معربد طائش لم يبلغ بتهذيبه مستوى أقرانه وان كان يحمل ذهباً كثيراً. نعم نبعد السكيرين والمقامرين ليكون النادي لائقا بان يغشاه النبلاء لا حانة يضم جدرانها السفهاء وبذلك يصبح أحسن واسطة لتعارف الشرقي بالغربي فكما أن أهل المذاهب المختلفة لا تقوم لهم وطنية بدون تعارفهم وتعاطفهم هكذا المدينة لا تقوم على أصولها إلا بمناصرة الشرقي للغربي والغربي للشرقي. مدينة القرن العشرين تقوم بتبادل المنافع والأفكار أكثر من قيامها بالتقاطع والشجار فالله اسأل إن يعلمنا من مدينة الغرب ومدينة العرب ما تنبسط له النفس ويطيب له القلب فان سرعة ائتلاف قلوب الأبرار_كما قال احد الحكماء_كسرعة اختلاط قطر المطر بماء الأنهار وبعد قلوب الفجار من الائتلاف كبعد البهائم من التعاطف نكون على حد قول الشاعر: أحب الفتى ينفي الفواحش سمعه كان به عن كل فاحشة وقراً سليم دواعي الصدر لا باسطاً أذى ولا مانعاً خيراًولا ناطقاً هجراً إذا ما أتت من صاحب لك زلة ففك أنت محتالاً لزلته عذراً المرأة في القديم والحديث خطبت الآنسة مي في حفلة النادي في القاهرة مساء ٢٣ ابريل ١٩١٤ ومما قالته: طافت المدينة أنحاء العالم ولكن ما حالنا بها؟ لقد ظهرت معجزاتها في اكتشافات البشر وعلومهم وفنونهم وأساليبهم وكيفية معيشتهم إلا أن الشقاء مازال شقاء! مازلنا نشاهد حولنا الحرب والفقر والمرض والقتل والانحطاط النفسي والعاهات الأخلاقية على تعدد أنواعها وما برحت الشعوب تشكو حكوماتها والأوطان تشقى بأبنائها والعائلات تتعذب بأفرادها والأفراد تتوجع بميولها وتشقى بغرائزها المتناسخة عن وراثات بعيدة وقريبة! كلا! إن المدينة لم تأت بتمام واجبها بعدو لم تصلح من الأحوال إلا البعض اليسير أو المتوسط. وانتم أيها السادة والسيدات تعلمون سبب ذلك النقص وتعرفون موضع الضعف من مدينة القرون المنصرمة. ذلك الضعف التائن والنقص الهائل ليس إلا تقهقر نصف الإنسانية هو جهل المرأة! قال هوجو: ليس الرجل وحده الإنسان ولا هو المرأة وحدها بل هما الإنسان والإنسان هما كل جنس دون أخيه نصف فقط ولا يصير عدداًكاملاً إلا إذا أضيف إليه النصف الأخر لا صحة للمرء إلا بسلامة دماغه وقلبه ولا سعادة للرجل إلا بسعادة المرأة. سل عنها الدهور المتدحرجة في هاوية الزمان لو كان للدهور لسان لأنبأتك بما يدمي الفؤاد المرأة! لقد جعلتها الهمجية حيواناً بيتياً وحسبها الجهل متاعاً ممتلكاً للرجل يستعمله كيفما شاء ويهجره إذا أراد ويحطمه إذا خطر له في تحطيمه خاطر. كانت بعد ذلك عبدة شقية وأسيرة ذليلة ثم ارتقت مع مرور الأجيال إلى درجة طفلة قاصرة إلى لعبة يلهو بها السيد في ساعات الفراغ إلى تمثال بهرجة تتراكم عليه الأثواب والجواهر الثمينة ومن منا يدري بما كانت تستر الأثواب الحريرية والجواهر الثمينة من قرح القلب الدامية التي لم يضمدها بشر؟ تاريخ المرأة استشهاد طويل أليم ومن أغرب الغرائب أنها لم تجد لها في القدم صديقاً ولا نصيراً. كانت عامة الشعب تكرهها وتحتقرها وليس ذلك بكثير على قوم جاهلين تحجرت منهم القلوب وصمت الإفهام فهم لا يدركون شيئا مما يتجاوز دائرة شخصهم الصغير لكني أرى الأمر عجباً بل فظيعا من رجال نحسبهم نوابغ زمانهم وقادة أفكار العالم. لم يذكر شعراء اللاتين من المرأة إلا جمال جسدها وليس في قصائدهم ما يدل على تلمس آثار النفس وراء ظواهر الجسد وجميعهم متفق على تسميتها الشيطان الجميل أو ينبوع المسرات السامة وشعراء اليونان اسخيلوس واوربيدس وغيرهما يسمونها - ببساطة كلية! - بلية العالم. أما الفلاسفة فاكتفي بان اذكر هنا أفلاطون، أفلاطون الإلهي الذي يعتبره تاريخ الفكر امة بأسرها أفلاطون ذا الأحلام الغامضة والمبادئ السامية الذي لم يترك موضوع إصلاحي سياسي أو أدبي إلا عالجه رغبة في إسعاد العالم - أفلاطون لم يفكر قط في تحسين حالة المرأة ولم يهتم في درس أخلاقها واستكشاف درجتها العقلية والاستعدادية. ماذا قال! إن أفلاطون هذا قضى حياته آسفا لأنه ابن امرأة وكان يصرح بذلك تصريحاً بازدرائه بأمه ويعتقد أن من كان جبان من الرجال في هذا العالم فمنذ ولادته في عالم أخر تتقمص روحه في جسد حيوان أو في جسد امرأة. وما علم أفلاطون أن امرأة ستتعلم فلسفته في (مدرسة الإسكندرية) وان تلك المرأة لا يمنعها شبابها الغض وجمالها الرائع أن تكون اعلم علماء عصرها. تلك هي الفتاة هيباثيا ابنة ثيونوس الرياضي الشهير التي قتلت رجماً في شوارع الإسكندرية في أوائل القرن الرابع فذهبت شهيدة علمها وإخلاصها ورغبتها في إشهار التعاليم الأفلاطونية. أول من عطف على المرأة واسمعها كلمات الإشفاق والغفران هو يسوع الناصري. وهو أول من سوى بينها وبين الرجل إذ جعل لهما خطة واحدة تفضي إلى ثواب واحد وإلا فللضالين عقاب واحد. على أن النصرانية حرمتها من وظائف الكهنوت وما برح طائفة اللاهوتيين يعتبرونها قارورة الخطايا والآثام! ثم جاء نبي الإسلام فرفع شانها أي رفعة في بلاد العرب إذ حرم واد الفتيات وسواها بالرجل في جميع الحقوق والواجبات إلا في الشهادة والميراث فان امرأتين اثنتين تساويان رجلاً - وفي ما عدا ذلك فهي والرجل سواء في جميع الحقوق المدنية ويقول العارفون أن لها الحقوق السياسية أيضاً. والمسلمات لهن إن يكن فقيهات وكانت أول فقيهة منهن عائشة زوجة صاحب الشريعة الإسلامية الذي قال لقومه: خذوا دينكم عنها!. وعلي أن اذكر هنا اسمي بلوتارك ودانتي وهما أول من تلمس نفس المرأة من طغمة الشعراء والمفكرين. لقد جعلا لقصائدهما عرائس شعر تتجلى فيهن ملكات الجمال الأدبي: وهما اللذان ترنما للمرة الأولى بذكر المرأة ذات النفس السامية والذكاء الوقاد ومقدمة عثرات الجنس القوي. من منا لا يعرف لورا وبياتريس؟ إن هذين الاسمين لا يفترقان عن اسمي بلوتارك ودانتي وسيكونان أبداً المثل الجميل الذي مر في مخيلة دانتي فصوره في شعره الساحر قد اخترق ظلمات القرون الوسطى كبرق ساطع ثم جاء كبير شعراء العالم شكسبير فجعل أبطال أكثر رواياته من النساء الجميلات ذوات النفوس الكبيرة تتلامس في قلوبهن بلطف يشبه تموجات النور في الهواء أقوى وأعذب شعائر المحبة بأسمى وأوجع عواطف التضحية وكذلك كانت النساء في روايات كورنايل وكلكم ذاكر بلا ريب بولين وكاميل وشيمان. . . ألا تذكرون؟ لم يكن مفكري القرون الوسطى من رأي شكسبير وكورنايل بل كان معظمهم مبغضاً للمرأة ساخراً بها لم يكن طاعناً فيها. ولقد اختصر بوسيه أسقف مو وأفكار معاصريه وأوردها في جملة واحدة. قال بجديته الحبرية المشهورة: المرأة خلقت من ضلع زائد في جنب الرجل فلهذا السبب هي عقيمة لا ذكاء في عقلها ولا إدراك في نفسها. رحمة الله عليك يا بوسيه! انك لم تكن نبيهاً! أما كون المرأة مخلوقة من ضلع الرجل فهذا أمر لا رأي لي فيه - غير أني أفضل أن تكون مخلوقة من عصير قلبه وعواطفه بدلاً من أن تكون - كوتلياً - مصورة! وأما كون الضلع زائدة فهذه مسالة فيها نظر وعلى كل حال فاني لا اخذ على نفسي إثبات هذه الحقيقة التشريحية. . . أو اللاتشريحية. أيها السادة! لننس هذه الأقوال العتيقة ولننظر إلى أحوال الحاضر. إن النهضة النسائية تمتد يوميا في أقاصي المسكون. إنها لنهضة عجيبة تبشر بخير عظيم وتنبئ بان مدينة الأمس العرجاء التي لم تتكئ إلا على ذراع جنس من الجنسين هي غير مدينة الغد الممتعة بتحقيق أجمل الأماني الجائلة في قلب الإنسان. ليست مدينة الغد مدينة الرجل وحده بل هي مدينة الإنسانية لان المرأة آخذة بالصعود إلى مركزها الحقيقي بقرب الرجل. إن موجة النور نور الارتقاء النسائي تزداد ارتفاعاً واتساعاً مع الأيام. في فرنسا وانكلترا وأميركا وألمانيا وايطاليا تجاهد المرأة جهاد الأبطال في سبيل ترقية جنسها وترقية النوع البشري معها. ولقد نالت جميع حقوقها في اسوج ونروج وفنلندا وزيلاندا الجديدة وفي بعض الولايات المتحدة فهي الآن والرجل سواء أدبياً ومدنياً وسياسياً أيضاً. وفي كل من هذه البلاد كان تأثيرها نافعاً جميلاً وحيث تقلدت المرأة الوظائف العمومية قد قلت الجرائم وخفت وطأة السكر وظهر تحسن محسوس يكاد يكون ملموساً في مستوى أخلاق الأمة وفي حالتها الصحية جميعاً. هذه هي المرأة الجديدة ومستودع آمال المستقبل. كم قالوا فيها أنها لا تصلح إلا للخدمة البيتية والزينة الجسدية وها هي مصلحة كبيرة ومفكرة عاملة! وكم قالوا أنها حيوان جميل وشيطان لطيف وها هي ملك كريم يحاول إفهام الرجل أن في الحياة عنصراً سامياً هو كل الحياة! وكم قالوا أنها كاذبة خبيثة وان الصدق والإخلاص بعيدان عنها بعد الشمال عن الجنوب وها هي آخذة في تهذيب نفسها وملا شاة العاهات التي شوهتها في أزمنة العبودية! وكم قالوا أنها مترددة حائرة ذليلة لا تقوى على توليد فكر ولا تتحمل المسؤولية وها هي عزيزة النفس شديدة الحرص على الاستقلال منحنية بحرقة على الحياة العميقة! وكم قال فولتر أن فكرها سريع العطب وانه يتحطم تحطيماً إذا حاول استفهام ناموس علمي غريب أن يقول فولتر هذا القول لأنه لم يفهم كتابات نيوتن إلا بواسطة امرأة هي صديقته مدام شاتليه ومعربة كتاب نيوتن في ناموس الجاذبية ثم اذكروا مدموازل لابلاس وماري كوالسكي ومدام كوري وملايين من النساء المشتغلات في العلوم الطبيعية والعلو المجردة والفنون والصنائع والحرف المختلفة. في فرنسا خمسة ملايين من النساء تشتغلن حاملات في قلوبهن التبعة العائلية والهموم الكثيرة. يخترقن سبل الحياة المحفوفة بالكوارث والأوجاع داميات القلب ولكن شريفات النفس شريفات المقاصد. ومثل ذلك في انكلترا والولايات المتحدة حيث عدد المعلمات فقط يكاد يبلغ الأربع مائة ألف. . . ويقول الأحصائيون أن في مصر نحو مليون ونصف من السيدات المتعاطيات الأشغال العمومية. وكم قالوا إن المعارف لم تخلق للمرأة وان العلم يذهب بجمالها وتواضعها ولطفها وانه يجعلها متكبرة جافة ومحتقرة العائلة هازئة بالرجل وها نحن نراها إذا تعلمت زادت جمالاً وحناناً أكيداً واحتراماً للعائلة ووإجلالاً للرجل. أنها الآن تفهم معاني الحياة وتريد بكل قواها ترقية نفسها وإعلاء مداركها وتربية شخصيتها الجميلة واستخدام ملكاتها في بث الخير والسعادة حولها وعلى كل ما يحيط بها. المرأة الراقية وحدها تعرف إن لها فخراً رئيساً واحداً وهو أن تكون (أماً) وهي وحدها تعرف أنها كانت إلى اليوم أم الجسد فقط وتحاول أن تصبح أم الروح أيضاً أم العواطف وأم الأفكار وأم الميول والمهذبة الكبرى والصديقة العظمى! وكم قالوا أنها لا عقل لها وان حياتها سلسلة أهواء متتابعة وتقلبات صبيانية تافهة وها أننا نراها بعيدة النظر ثابتة المقاصد مفرقة منفعتها الشخصية في بحر المنفعة العامة! انظروا إلى روسيا حيث النساء تتألم تألم الرجال وأكثر. روسيا حيث الثورة الفكرية تهيئ حتماً الثورة السياسية كم من فتاة حسناء قد ضمت خطيبها ومستقبلها وهناءها حباً بمصلحة وطنها واشتركت في جمعيات تظن أن في تأييدها خيراً للبلاد. المتهكمون على المرأة كثيرون في العصر الفوضوي ولكن أنصارها أكثر وهم من ذوي النفوس الكبيرة والرؤوس المفكرة بل هم أسمى واشرف رجال زماننا. أنهم يحترمون جهادها ويعترفون بحقوقها ويقرون بما تأتيه من الإصلاحات الباهرة ويعجبون بإقدامها وثباتها ويرون في نهضتها أيدي جديدة عاملة لخير الإنسانية وتخفيف الويلات عنها. أليس فيكتور هوجو هو القائل أن تحرير المرأة يحل أكثر المشاكل المدنية وانه ينتظر منها وحدها إلغاء الحرب في العالم؟ وهو القائل أيضاً إن القرن العشرين هو عصر المرأة. ولقد صدق في نبؤته! في كل مكان تفتح المرأة عينها لنور الحياة حتى في أطراف الشرق الأقصى في الصين بأمرهن. وفي تركيا. وها أني أرى شرارة الحياة تشتعل في مصر، أيضاً حيث الرجال يساعدوننا بأقلامهم وبألسنتهم وبمثلهم وجل ما يتمنون هو أن تستحق النساء عنايتهم واهتمامهم بأمرهن. أجل في مصر تتكسر القيود الدهرية التي طالما عذبت فكر المرأة ونحن اليوم عند عتبة مستقبل باهر. في مصر تشتعل شرارة الحياة. . . الآثار العربية في أسبانيا عهدت حكومة أسبانيا إلى مدير مدرسة الهندسة العليا في مدريد بتجديد كنيسة قرطبة الكاتدرائية وكانت من قبل جامعاً على عهد العرب هناك فقام بأعمال الحفر في المكان الذي اعتقد انه كان في القديم قصر الزهراء وذلك للبحث عن هندسة جامع قرطبة على ما يجب إذ تبين أن هذا المعهد قد امتزجت فيه الهندسة الإسلامية الصرفة مع الهندسة الأسبانية المسيحية فقال على ما نقلت عنه مجلة العالم الإسلامي الفرنسية أن الهندسة الإسلامية لا تختلف فقط بين بلد وبلد وبين عصر وأخر بل يجب أن يلاحظ أن المهندسين المسلمين قد اقتبسوا أموراً جديدة من البلاد التي افتتحها قومهم وأضافوا إلى هندستهم. قال المهندس الأسباني أن من بحثوا في الهندسة الإسلامية لم ينظروا نظراً بليغاً إلى المؤثرات الأجنبية في هندستهم. فانك ترى مثلاً جامع ابن طولون في القاهرة وهو مما بني في سنة ٢٦٥ هـ - ( ٨٧٩ م) زيادات ترد أصل هندسة هذا المعهد المشهور إلى بين النهرين ومن جهة أخرى كأنه من هندسة المغرب والأندلس وذلك لان فتح الفاطميين لمصر وهم من القيروان قد اثر في الهندسة المصرية لعهدهم. واستند الباحث الأسباني على ما قاله صاحب تاريخ البيان من الأندلسيين فتبين بعبارته مساحة الجامع واستخرج منه عدة قطع من أحجار وكتابات واوان خزفية ساعدته على تأييد فكرة من أن الهندسة الإسلامية الأندلسية قد اقتبست أشياء كثيرة من غيرها واستنتج من بحثه في طرق نحت الأحجار وهي طريقة قديمة جداً استعملها الأشوريون واحتفظ بها المسلمون أن لا اختلاف بين ما يرى منها في الأندلس وما يرى في غيرها واستعمال الكلس والملاط للجمع بين الأحجار المرصوصة في البناء والبلاط والرخام الأبيض والأحمر النوع كل ذلك من أسلوب الهندسة القرطبية الأندلسية. وكانوا يستخدمون من النقوش أشكالا منها ما هو من أصل بيزنطي رومي ومنها ويزيغوتي ومنها طليطلي ويعدلونها على هواهم. ومن الغريب أن المسلمين في قرطبة وغرناطة وسائر المدن الأندلسية لم يكونوا يحجمون عن تمثيل المخلوقات الحية وهمية كانت أو حقيقية فترى في نقوشهم طيوراً ورؤوس اسود وتنانين. وصف المؤلفون من العرب قصر الزهراء أحسن وصف وقصور الخلفاء هناك قال العالم الأسباني أن مسجد قرطبة وتلك القصور الزاهرة وما حوت من النقوش المرمر والذهب تفوق ببنائها كل ما يتصوره العقل ولم يبق من آثار تلك القصور سوى عمودين من الرخام وذلك لان قرطبة كانت ميداناً للفتن منذ عصور فذهبت في جملة ما ذهب من عادياتها كنوز خلفاء المغرب ونهبت خرائب قصورهم عدة مرات واستعملت أحجارها في إقامة بنايات جديدة. وقد أشار إلى ما وجده من الكؤوس والأواني من القيشاني المصور عليها بالحروف الكوفية نباتات أو صور إنسانية واستدل منه إن هذه الصناعة أي صناعة الخزف المزين بالمينا هو من عمل الأندلسيين. تجارة المواني العثمانية نشرت الصحف الايطالية للملق التجاري في سفارة الأستانة تقريراً مسهباً عن تجارة السلطنة العثمانية في سنة ١٩١١ - ١٩١٢ استنتج منه أن التجارة العثمانية لم تخسر بما فقدته السلطنة في الحروب الأخيرة من الأملاك في أوروبا وإفريقيا إلا ٢٢ في المائة فقط. وهذه خلاصة التقرير: الواردات: بلغت قيمة ما استوردته السلطنة من البلاد الخارجية في السنة المذكورة مبلغ ٣٧ ، ٦٠٠ ، ٠٠٠ ليرة دخل منها بطريق الأستانة (مع جمارك اسطنبول وغلطة حيدر باشا وأزمير وكملك ومودانيا وبندرمه والدردنيل وغليبوني ورودستو وزنجلداك) ٣٤ ، ٧٨ في المائة وبطريق بيروت (مع سائر المواني السورية) ١٣ ، ٧٩ في المائة. وبطريق أزمير (مع جمارك أيولي ومدللي وصاقس ورودس وسائر جزر الأرخبيل) ١٢ ، ٨٨ بالمائة. وبطريق سيلانيك (مع جمارك قوله واسكوب وبربوي والسونا والحدود اليونانية الصربية) ١٢ ، ٨٥ في المائة. وبطريق طرابزون (مع جمارك قرة صند وسمسون واينة بولي وارضوم والحدود الروسية الإيرانية) ٦ ، ١٤ في المائة. وبطريق بغداد ٥ ، ٢٠ في المائة. وبطريق الإسكندرية (مع جمارك مرسين واضالية والمواني المجاورة لهما) ٣ ، ٨٢ في المائة. وبطريق دده اغاج (مع جمارك جسر مصطفى باشا وادرنة وبورتولاغوس والحدود البلغارية والسواحل الأوربية على البحر الأسود) ٣ . ٦٧ في المائة. وبطريق بروزة (مع جمارك الونية وسانتي كوارنتا وسلاهو فوودراج واشقودة وحدود الجبل الأسود) ٢ ، ١٩ في المائة. وبطريق جدة ١ . ٨٢ في المائة. وبطريق مدينة طرابلس الغرب ١ ، ٤٦ في المائة. وبطريق الحديدة ١ . ٣٠ في المائة. أما الصادرات فقد بلغت قيمتها كلها ١٩ ، ٤١٤ ، ٠٦٨ ليرة. وفقد اصدر منها بطريق أزمير ٢٨ ، ٧٣ في المائة. وبطريق الاستانة ١٩ ، ٣٨ في المائة. وبطريق سلانيك ١٢ ، ٣٨ في المائة. وبطريق طرابزون ١٠ ، ٤٢ في المائة. وبطريق بيروت ٩ ، ٢٩ في المائة. وبطريق الإسكندرية ٦ ، ٣٩ في المائة. وبطريق بغداد ٤ ، ١٤ في المائة. وبطريق دده اغاج ٣ ، ٥٣ في المائة. وبطريق بروزة ٢ ، ٢٧ في المائة. وبطريق طرابلس الغرب ١ ، ٦٧ في المائة. وبطريق الحديدة ١ ، ٦١ في المائة. وبطريق جدة ٠ ، ١٩ في المائة. وإذا وزعنا مجموع الصادرات والواردات على الأملاك العثمانية في أسيا وأوربا وإفريقيا كان نصيب كل منها كما يلي: الأستانة وداخلتيها: ٣٤ ، ٧٨ في المائة من الواردات و ١٩ ، ٣٨ في المائة من الصادرات. الولايات الأوربية: ١٨ ، ٧١ في المائة من الواردات و ١٨ ، ١٨ في المائة من الصادرات. الولايات الأسيوية: ٤٤ ، ٩٥ في المائة من الواردات و ٦٠ ، ٧٧ في المائة من الصادرات. الولايات الإفريقية: ١ ، ٥٦ في المائة من الواردات و ١ ، ٦٧ في المائة من الصادرات. شعر الشهر تحت هذا العنوان ننشر في كل جزء ما نعثر عليه من شعر الشعراء في مصر والشام والعراق والجزيرة والحجاز واليمن ونجد وتونس وبرقة والجزائر ومراكش ليقف القارئ على أطيب ما قيل وعلى درجة رقي الأدب العربي وإنا نخص هذا الجزء بنموذج من شعر الحكمة والاجتماع قال إبراهيم منيب أفندي الباجه جي. (مجلة لغة العرب البغدادية م ٣ ص ٥٣٦ ) يحصد الإنسان ما قد زرعا فازرع الخير وكن منتفعا والى الشر فلا تركن وكن حذراً في فخه أن تقعا كم وكم صانع للشر قد خطفته كف ما قد صنعا وعظ الناس بما تدري وان كنت لا تدري فكن متبعا تبق ما عشت وان مت على ألسن الأيام ذكراً أرفعا وعلى الدنيا فلا تعتب إذا لم تجد من رزقها متسعا إن في الدنيا اتساعاً للفتى في طلاب الرزق لو كان وعى فاسع في دنياك إن رمت المنى سعي مقدام تجده طيعا حصة العاجز حرمان وان ليس للإنسان إلا ما سعى وقال محمد أفندي الهاشمي في ص ٥٠٨ أيضاً: كم من شقي في الحياة يعد في أهل القبور الجهل ريح عاصف ترمي الشعوب بكل بور وتظل تعبث بالبلا د وبالعواصم والثغور مهلا بني أمي فلس ت على التأخر بالصبور فلقد نفرت على العرا ق وأهله كل النفور فعثرت والأدبار قد يهدي إلى الجد العثور لا تنذروني يا بني أمي بقاصمة الظهور ما حدت عن قصد الطري ق ولا جنحت إلى نفور وجاء في جريدة اللاذقية (عدد ٢٨٨ ) قصيدة تحت عنوان خطرات يعرب بإمضاء (ع. ز) في المعرة منها: أولاد يعرب أين همة جدكم وخلوصه والصدق في العزمات أين الحمية والمرؤة أين من كشفوا ظلام الظلم بالصدمات سكن الخراب دياركم وبلادكم والخزي طاف بكم بست جهات ونساؤكم هدم التبرج خدرها وشبابكم عكفوا على اللذات وشيوخكم ارسوا سفينة وهمهم في أبحر التضليل والترهات ومدارس كانت مصادر حكمة ومساجد بنيت لفعل صلات بدلت بحانات ودور فواحش ومقامر ومراسح القينات ومنها: والحج يقصده الغبي وجاهل وتردد النغمات للجمعات وارى المدرس كالمدلس ينثني متسرعا للخوض في الشبهات جهل على جهل تركب فانزوى دين النبي وبات في غمرات أيضيع شرع الله بين ظهوركم يا أمة خضعت لفتك طغاة وقال احمد أفندي نسيم في المؤبد ( ٧٢٦٧ ) من قصيدة: لو تعدل الأيام في أبنائها ما كان منهم مسعد وفقير ساء الزمان فليس فيه منعم أو مطمئن الجانبين قرير وإذا تفكر في الحياة اخو نهى كره الحياة رساءه التفكير ما زينة الدنيا وزخرف عيشها إلا متاع زائل وغرور وكأن أحداث الزمان إذا طغت بحر وأمال النفوس جور يمسي الجهول مقدراً أرزاقه ولدى الإله الرزق والتقدير ويدبر الدنيا ليسبر غورها ولربه في أمره تدبير وأحب من مثر يجمله الغني عاف لآلاء الإله شكور وتجارة أدنى معارضها التقى لتجارة في الله ليس تبور من يتخذ غير الإله وليجة بعدت طرائقه وساء مصير وقال عبد الحليم أفندي حلمي في العدد نفسه من قصيدة: من يطلب الخلد فليعمل لسيرته يفنى الوجود ولكن تخلد السير عقائد الشعب أساس فان ضعفت هدت ذراه فأمسى وهو منعفر والناس في العيش أنصاب محركة تظل معبودة من حسنها الصور كأن أرواحهم طير محلقة على الرؤوس متى تسنح لهم زجروا نظل نذكر موتانا بما صنعوا إن يذكر الحي موتاه فقد نشروا وقال الشيخ مصطفى الغلاييني من قصيدة في الإصلاح: ما يفعل الخلق الكريم تحوطه من لؤم أخلاق الملا آجام بل ما يفيد العلم عند معاشر ما في رؤوس عظامهم أحلام أو ما ينال اخو العلى في بيئة للجهل فيها النقض والإبرام؟ وأبو الفضائل روضة حفت بها جدر السفاء كأنها آكام يا للرزيئة من بلاد ضيعت أشبالها فاستأسد الأغنام لم ترع فيها ذمة لرجالها والمكرمون بهائم وسوام ما يبتغي راعي العلى من امة للافن فيها حرمة وذمام؟ أسف على وطن اسود عرينه هلكت فحلت ربعه الأنعام تكسى الحقائق فيه ثوب مهانة وتسود في أرجائه الأوهام أبناؤه نبذوا الفضيلة جانباً فحياتهم ابد الزمان آثام إن ينشدوا للمجد أو يتهيئوا لملمة فجاهدهم إلمام أو يعزموا أمراً نسوه في غد فكأن ما قصدوا له أحلام أو يدعهم داعي مجانبة العلى هبوا إليه وطيشهم زحام يتسابقون إلى السفاهة شرعاً ولهم من الرأي السقيم إمام مخطوطات ومطبوعات محمد والآخرة تأليف بول كازنوفا طبع على نفقة بول غوتنر في بالريس سنة ١٩١١ هو كراسة بالفرنسية وقعت في ٨٣ صفحة زعم فيها مؤلفها إن القرآن الكريم تطالت إلى تحريف أشياء منه جماعة من الصحابة بعد وفاة الرسول عليه الصلاة والسلام مؤيداً أقواله بمزاعم غيره من الأوربيين الذين نظروا إلى الإسلام شزراً وتكلموا فيه كلام أهل القرون الوسطى. انتقاد كتب زيدان بك أحسنت إدارة المنار في مصر بطبع هذه الانتقادات على بعض كتب رصيفنا جرجي بك زيدان صاحب الهلال فان النقد مفيد في كل موضوع بكر به تنجلي الحقيقة ويدمث المسلك الوعر والأول من هذه الانتقادات بقلم شمس العلماء الشيخ شبلي النعماني من أساتذة الهند في كتاب تاريخ التمدن الإسلامي ويليه ثان في انتقادات تاريخ آداب اللغة العربية بقلم الشيخ احمد عمر الإسكندري من أساتذة مصر والثالث في انتقاد تاريخ آداب اللغة العربية أيضاً وكتاب طبقات الأمم بقلم الأب لويس شيخو صاحب مجلة المشرق في بيروت والرابع في انتقاد تاريخ العرب قبل الإسلام بقلم الشيخ احمد عمر الإسكندري أيضاً. الحالة الاقتصادية في أصقاع حيفا وعكا هو تقرير للمسيو ارتوركي احد رجال المشرقيات عند الفرنسيين وقنصل فرنسا في بغداد الآن وضعه باللغة الفرنسية عن حالة تلك الأصقاع في اقتصادياتها وقد وقع في ١٢٣ صفحة وفيه أمور نافعة وإحصائيات مدققة في الجملة تدل على مبلغ عناية المؤلف يدرس موضوعه. تلخيص التاريخ العثماني المصور تعريب شاكر بك الحنبلي طبع على نفقة المكتبة الهاشمية بدمشق في مطبعة الترقي أجاد المعرب في تعريب هذا المختصر عن التركية في تاريخ ملوك العثمانيين والأحداث التي وقعت في أيامهم وقد حلاه بصور الملوك وخرائط منوعة وهو في ١٥٢ صفحة. إرشاد الناشئين لنعمان أفندي الأعظمي طبع على نفقة الأمير مبدر الفرعون آل فتلة في مطبعة الآداب ببغداد. هي دروس دينية علمية أدبية ألقاها الأستاذ الأعظمي على تلاميذه دلت على فضل وأدب وقعت في ٦٥ صفحة. خطبة نادي الشرق في مطبعة سرسم في الموصل ١٣٣١ هـ - هي خطب ألقاها في الموصل السيد محمد حبيب العبيدي من أساتذة الحدباء إبان الحرب العثمانية البلقانية وفيها ما يحرك الأشجان ويثير العواطف بعبارات عذبة تدل على فرط غيرة وطنية وحمية عربية عثمانية. الجغرافية العمومية تأليف احمد جودت أفندي المارديني وعلى نفقة المكتبة الهاشمية بمطبعة الترقي. هي الحلقة الأولى من علم تقويم البلدان جعلت لها أسئلة في أخر كل درس وقد حوت هذه السلسلة ٢٨ شكلاً و ٨ خرائط وقعت في ٧٦ صفحة فعسى أن يوفق المؤلف إلى إتمامها لفائدة النشء الجديد. الوقاية الصحية من الأمراض المعدية هي رسالة صحية للدكتور سليمان الحاج في صور طبعها في مطبعة العرفان لينفق ثمنها في بناء الجامع الجديد في بلده فنال مؤلفها اجرين اجر تعليم واجر عبادة. مجلة العلوم الاجتماعية يسرنا صدور مثل هذه المجلة النافعة في هذا القطر وهي تبحث في الحقوق والاقتصاد والاجتماع ومعظم أبحاثها جديد وهي لمنشئها توفيق أفندي الناطور المحامي ومدير تحريرها الشيخ محمد منيب الناطور وقد عهد بتحريرها للجنة من الحقوقيين والاقتصاديين والاجتماعيين وهي تصدر مرة في الشهر في مدينة بيروت وعدد صفحاتها ٣٢ . وقد طالعنا في أعدادها الأولى مقالات نافعة وأبحاثاً معربة عن الإفرنجية تنير الشبهات فنحث على اقتنائها فهي من أجمل الكتب العصرية وما المجلات إلا كتب حديثة ممتعة. إرشاد الأديب إلى معرفة الأديب المعروف بمعجم الأدباء أو طبقات الأدباء لياقوت الرومي طبع بمطبعة هندية بمصر. لصديقنا الأستاذ مرجليوت احد علماء المشرقيات من الانكليز همة لا تكل في نشر آثار سلفنا وقد نشر بواسطة لجنة تذكار حبيب حتى الآن عدة كتب مفيدة ومنها هذا السفر النفيس لصاحب معجم البلدان وقد صدر في العهد الأخير الجزء الخامس والجزء السادس والأول في ٥٢٠ صفحة والثاني في ٥٣١ صفحة الأول في تراجم من يبتدئ أسماؤهم بحرف العين وفيه من المشاهير ترجمة ابن حزم وابن سيده والكسائي والأخفش والأصبهاني والتوحيدي وابن العميد والماوردي وابن القفطي وابن عساكر وفي الثاني وهو بقية من أول اسمه عين وغين وفاء وقاف وكاف ولام وميم وفيه من المشاهير ترجمة الجاحظ والقاسم بن سلام والحريري وقدامة بن جعفر والبيروني والشافعي والطبري وأمثالهم من الأعلام والكتاب في طبعه وتصحيحه وتعليق حواشيه كسائر الأجزاء السابقة فشكراً للناشر ورحمة لمن وقف المال لإحياء آثار الشرقيين عربهم وفرسهم وتركهم. الإدارة في فارس هي دروس بالفرنسية ألقاها المسيو دمورني في أصول الإدارة الفارسية على تلميذه الشاه احمد شاه فارس الحالي وعلى طلاب مدرسة العلوم السياسية في طهران دلت على أحكامه لهذا الموضوع وانه في الحقوق مبرز تحرير والكتاب في ٢١٦ صفحة طبعه ارنست لرو الطابع في باريس سنة ١٩١٣ . كتاب الطواسين أبو الغيث الحسين بن منصور الحلاج البيضاوي البغدادي هو من المتكلمين والنظار قتل في بغداد سنة ٣٠٩ بفتوى من بعض علمائها لأنه تكلم فيما يقال بما يخالف الشريعة واستهوى الناس وترجمته حافلة في تاريخ ابن الأثير وغيره وقد عثر له المسيو لويس ماسنيون من مستشرقي فرنسا بكتاب الطواسين فنشره بالعربية وترجمته بالفارسية وعلق عليه شروحاً وحواشي ترفع الغامض عن مذهب الحلاج وسهل على عارفي اللغة الفرنسية الوقوف على حقيقة كلام هذا المتكلم إن صح أن كتاب الطاسين من تأليفه لان العبارات أكثرها إلى العجمية لا يفهم لها معنى كبير ولا تنطبق مع شهرة الحلاج ولعل بعض الملاحدة دس عليه هذا الكتاب ولطالما دست الرسائل ونسبت الآراء لأناس من الأعاظم وهم لم يقولوها. معنى الطواسين جمع طاسين وقد جعلها أقساماً منها طاسين السراج وطاسين الفهم وطاسين الصفاء وطاسين الدائرة الخ وكلها معميات وألفاظها غير منتقاة ومعانيها غير محررة. ويشكر ناشرها ومعلق حواشيها على كل حال وقد طبعت على نفقة الكتبي بول غوتنر في باريس سنة ١٩١٣ في ٢٢٢ صفحة فنشكر للمهدي هديته. ١٩١٢ تقرير المجمع السميثوني اعتاد هذا المجمع الأميركي أن يصدر كل سنة تقريراً مستوفي في مئات من الصفحات حاوية أبحاث الباحثين من العلماء وتقريره عن السنة الماضية قد وقع في ٧٨٠ صفحة وفيه رسوم تنير النصوص. عزة الأمس ذلة اليوم خطاب للميرزا محمد رحيم بالفارسية تعريب الشيخ محمد الكاظمي طبع بمطبعة ولاية بغداد ١٣٣١ ص ٥٣ . عدد صاحب هذا الخطاب البلاد والممالك التي دخلها المسلمون وحكموها من سور الصين شرقاً إلى البحر الاتلانتيقي غرباً إلى نهر السين شمالاً إلى بحر عمان وعدن وجزائر مدغشقر جنوباً فاستولوا في البر على ما يساوي أكثر من ضعفي أوربا من المعمورة وعدد الدول المعظمة في الإسلام وعدد منها الدولة الأموية الشرقية، العباسية الأموية الغربية، الادريسية، الأغلبية، الطاهرية، العلوية، الصفارية، الطولونية، السامانية، المسافرية، الفاطمية، المكناسية، الزبادية، البويهية، الإخشيدية، الادريسية الثانية، الكلبية، الشاهينية، الحسينية (إحداها في كردستان انقرضت والثانية في تونس لا تزال) الغزنوية، الصنهاجية، المروانية، المعزاوية، الايليكية، المرابطية، المزيدية، الزيرية، الحمودية، الهودية، العامرية، المرداسية، العبادية، الافطسية، الجهورية، ذي النونية، السلجوقية، البورية، الارتقية، الشاهية، الموحدية، الزنكية، الخوارزمية، الغورية، الأيوبية، التاتارية، الحفصية، المرينية، النصرية، الزيانية، الممالكية، العثمانية، الوطاسية، الصفوية، السعدية، الغيلالية، الفلجائية، الحسينية، النادرية، الابدالية، الزندية، القاجارية، المحمدية العلوية، الباركزائية. وتكلم عن الثروة والمالية فقال انه كان يدخل بيت مال المسلمين زمن المأمون من المال ما يساوي ثلاثمائة وخمسين مليون فرنك بعد طرح جميع نفقات الدولة في حين نرى انكلترا وهي أغنى دول الأرض وعليها من الديون ما يقرب مليار ليرة وروسيا وعليها مثل ما على انكلترا. وتوسع في الكلام عن العلماء والعلوم والمكتبات والمساجد وقصور الملوك في الشرق والغرب ومنها ما كلف الملايين من الجنيهات. وألم باهتمام السلف في تعمير الأراضي وتوسيع البلاد فقال كانت مساحة مدينة قرطبة في الأصل ٣٣ ألف ذراع فاهتموا في توسيعها فبلغت طولاً ٢٤ وعرضا ستة أميال فصار المجموع ١٤٤ ميلاً مربعاً وهذه مدينة لندن أوسع بلاد العالم تشتمل على ما يقرب من سبعة ملايين من النفوس مساحتها ١١٧ ميلاً مربعاً وكان سكان مدينة بغداد مليوناً ونصفا وعدد شوارعها ٦٤ ألفا وأنهارها ١٥٠ ألفاً ودورها ٢٤٠ ألفاً ونفوس بغداد اليوم لا تبلغ ١٥٠ ألفاً وكانت انهار البصرة في عهد بلال بن أبي درة ١٠٠ ألف نهراً تجري فيها السفن الصغار ومن هنا يمكنك أن تقيس عدد نفوسها وبلغت مساحة البصرة ٣٩ ميلاً مربعاً وكان عرض الشارع العام فيها ٦٠ ذراعاً وسائر الشوارع ٢٠ ذراعاً ونفوس البصرة اليوم ٣٠ ألفاً وكان عدد رجال مصر بعد الفتح ثمانية ملايين فإذا أضفنا إلى ذلك الأطفال والشيوخ والنساء يبلغ عدد نفوسها ثلاثين مليوناً وكانت مساحة أرضها الزراعية في زمان هشام بن عبد الملك ثلاثين مليوناً من الأفدنة وقيل انه كانت الفسطاس في الاتساع بحيث اشتملت على ٣٦ ألف مسجد وثمانية ألاف شارع عام و ١١٧٠ حماماً وبلغت طبقات دورها سبع طبقات لشدة الازدحام وكان كثير من دورها يشتمل على مائتي نفس وصرفوا على بعض أبنيتها مثل دار الحرم بحمارويه ٣٥٠ ألف جنيه. وأفاض في المستشفيات ودور العجزة والطب والأطباء والمراصد الفلكية والسفن والمواني والصناعات وسخاء الأمراء والأغنياء بما لا يكاد يصدق لولا أن ذكره ثقات الرواة وقال أنهم حيروا العالم بثروتهم الشخصية فبلغت غلة الخيزران أم الرشيد في السنة ١٦٠ مليون فرنك وبلغت غلة يحيى وابنه جعفر في كل سنة ١٠٠ مليون جنيه وكانت تركة المنصور بعد موته ٦٠٠ مليون فرنك من الفضة وسبعة ملايين جنيه من الذهب وكانت تركة يعقوب بن ليث الصفار خمسين مليون فرنك من الفضة ومليوني جنيه من الذهب وقدرت تركة المستكفي بخمسين مليوناً من الجنيهات وكانت تركة إبراهيم الموصلي مغني الرشيد ٢٤ مليون فرنك وأوصى الرشيد إلى المأمون بألف مليون فرنك وكانت ٦٠٠ بعير تحمل مطبخ عمرو بن ليث الصفار و ٨٠٠ بعير تحمل الماء كل يوم إلى طعام عائلة المقتفي العباسي من دجلة وكان لام المستعين فراش صرف عليه ٦٠ مليوناً من الجنيهات عليه نقوش على شكل الحيوانات والطيور أبدانها من الذهب وعيونها من الجوهر وقد فاقت الدولة الإسلامية دول الأرض في الثروة وكانوا يظهرون أثار ذلك لسفراء الأجانب وهؤلاء كثيراً ما يستنصرون بدول الإسلام واخذوا الخراج من دول الروم والصين والنمسا والروس ولطالما كانت دول الإفرنج تتقرب بإرسال الهدايا والتحف إلى مقام الخلافة وأورد بعض الأمثلة التاريخية على كل ذلك. ثم أفاض في الذلة التي لحقت الإخلاف فرده إلى البطالة والتسامح وقلة عنايتنا بالعلم والدين مما عرفه الخاص والعام. كتاب الشيعة وفنون الإسلام تأليف السيد حسن الصدر طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ ص ١٥٠ مؤلف هذا الكتاب من كبار فقهاء الشيعة في العراق واحد مؤلفيهم ذكر فيه العلوم التي تقدمت الشيعة في وضعها وأول من وضع ذلك العلم ومن صنف فيه أو اخترع علماً من فروع ذلك العلم وصنف فيه أول من ابتكر معنى اتبع فيه وأول من افرد نوعاً من العلم في التصنيف إلى غير ذلك مما دل على بعد غور المؤلف وسعة مادته ولطف أسلوبه وإنا مع إجلالنا لعمله وتقدير التاريخ للخدم الجليلة التي قام بها علماء مذهبه في خدمة العلم والأدب لا نرى بداًً من إبداء ملاحظة عساها تقع من المؤلف وغيره في المحل الذي يجب أن توضع فيه وهو أن هذا الكتاب يحوي أماكن لا يقرها التاريخ الصحيح مثل نسبة التشيع إلى كثير من علماء الصدر الأول فان كان كل من يحب علياً كرم الله وجهه يعد في نظر المؤلف شيعياً فان جمهور المسلمين شيعة إلا قليلاً. كنا نحب أن لا يشار إلى ذلك في هذا المكان ولكن المؤلف تحامل أيضا على عظماء في العلم والحكم كقوله في تقدم الشيعة في فن الجغرافيا في صدر الإسلام أن هشام بن محمد الكلبي صنف فيه عدة كتب ولم يذكر الحموي في معجم البلدان إلا كتاب سماه اشتقاق البلدان فقال أن ياقوتاً اغفل جملة من مصنفات علماء الشيعة في ذلك لو تعصب عليهم مع انه يستحيل التعصب على مثل صاحب معجم البلدان وان اتهم بأنه من النواصب ومصنفه في الجغرافيا لا في المذهب ولو ظفر ببقية كتب الكلبي ما تأخر ساعة عن الاقتباس منها والتنويه بفضل واضعها. وقد تابع المؤلف مؤرخي الشيعة في اتهام المأمون رضي الله بقتل الفضل بن سهل وعلي بن موسى الرضا رضي الله عنه فقال: ولما نقل المأمون الخلافة إلى بني علي كان الفضل بن سهل هو القائم بهذا الأمر والمحسن له ولما رأى المأمون إنكار العباسيين لبغداد لذلك حتى خلعوه وبايعوا إبراهيم عمه قام وقعد ودس جماعة على الفضل بن سهل فقتلوه في الحمام ثم قتل الإمام الرضا (ع) بالسم وكتب إلى بغداد أن الذي أنكرتموه من أمر علي بن موسى قد زال وكان ذلك سنة ٢٠٤ هـ -. والعجب أن هذه القصة التي ما تزال يرددها بعضهم ليس لها اثر في كتب ثقات المؤرخين بل مؤرخي الأمة فكأنها من موضوعات القرون المتأخرة تتناقل لا يغار الصدور على المأمون ودولته مع انه لم يحسن احد للطالبين إحسان الخليفة المأمون ولم تتجرد نفس خليفة من الجمود المذهبي تجرده منه كما ذكر ذلك الثقات الذين يعتد بأقوالهم ويكاد يقع الإجماع على تصحيح رواياتهم. وكنا نود لو خلت الكتب العلمية العصرية على الأقل من هذه النزعات لتقريب ما بين القلوب. الوساطة بين المتنبي وخصومه لأبي الحسن علي بن عبد العزيز الشهير بالقاضي الجرجاني المتوفى سنة ٣٩٦ هـ - عني بنشره وشرحه الشيخ احمد عارف الزين طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣١ ص ٤١٦ . لم يرزق شاعر عربي من الخطوة ما ناله أبو الطيب المتنبي بشعره ولم تتناول الأقلام شعر شاعر بالمدح والقدح مثله. وهذا الكتاب هو من الأمهات التي كتبت في ذاك العصر وعدل مؤلفها في حكمه على المتنبي وناهيك بمن يحكم له وعليه أمثال القاضي الجرجاني إنسان حدقة العلم ودرة تاج الأدب وفارس عسكر الشعب كما قال الثعالبي. ولقد أجاد صديقنا صاحب العرفان بنشر هذا السفر النفيس كل الإجادة فإحياءه بالطبع منقولاً عن نسختين إحداهما عراقية والثانية مصرية وعلق عليه شروحا خفيفة تبين بعض الغوامض اللغوية منه وأتبعه بفهارس لأسماء الأعلام وللأبيات الشعرية وجود طبعه حتى جاء كأنه طبع على يد احد علماء المشرقيات من الغربيين ولم ينقص هذا العمل سوى الشكل فلو كان شكل محل الأشكال لجاء كتاباً تاماً من كل وجه وانتفع به الطلاب كما انتفع الأساتذة. الكتاب مجموعة فوائد لغوية وأدبية وهو غاية الغايات في تعليم النقد ويكفي في الدلالة على مكانته من الدب ما قاله صاحب اليتيمة: ولما عمل صاحب رسالته المعروفة في إظهار مساوئ المتنبي عمل القاضي أبو الحسن كتاب الوساطة بين المتنبي وخصومه في شعره فأحسن وأبدع وأطال وأطاب وأصاب شاكلة الصواب واستولى على الأمد في فصل الخطاب وأعرب عن تبحره في الأدب وعلم العرب وتمكنه من جودة الحفظ وقوة النقد فسار الكتاب مسير الرياح وطار في البلاد بغيرناح.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_85.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.85.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
