<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.84.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.84.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨٤ بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٤ راعية الخيل لا راعية الجبل ١ تمهيد لغتنا قليلة الاصطلاحات بالنسبة إلى العصر فشوها وزهوها وغضارتها إلا إن الذي وصلنا منها جاءنا مبهماً أو ناقص التعريف والتحديد أو مصحفاً ومحرفاً. وهنا الطامة الكبرى والبلوى العظمى. ومن هذا القبيل الكلمة التي نريد إن نبحث عن حقيقتها وهي راعية الخيل فقد جاءت في كتبهم مصحفة بصورة راعية الجبل فهل هذا التصحيف مقبول؟ - قلنا: ٢ قول اللغويين في هذه الكلمة وأسماؤها المختلفة قال في القاموس: راعية الجبل: طائر. ولم يزد على هذا القدر. وقال في المخصص ٨ : ١٥٥ : الراعية يقال لها: راعية الخيل: طائرة صفراء صغيرة تراها أبداً تحت بطون الخيل والدواب كأنما خضب جناحاها وعنقها بالزعفران فيها كدرة وسواد وظهرها أصفر وزمكاها لا طويلة ولا قصيرة. وقال صاحب تاج العروس: راعية الجبل كذا في النسخ. والصواب: الخيل بالخاء المعجمة والتحتية كما هو نص التكملة: طائر أصفر يكون تحت بطون الدواب. هكذا هو في التكملة. وقال النضر بن شميل: طائرة صغيرة مثل العصفور تقع تحت بطون الخيل والدواب صفراء كأنما خضب عنقها وجناحها بالزعفران وظهرها فيه كدرة وسواد ورأسها أصفر وزمكاها ليست بطويلة ولا قصيرة. انتهى. فأنت ترى من هذه النصوص أن صحيح الرواية هو راعية الخيل لا راعية الجبل لأنها ترعى هناك أرواثها كما هو مشهور عنها وإما في الجبل فلا يمكنها إن ترعى فيه شيئا إذ لا ترى فيه إلا الخضرة إن كانت هناك خضرة والخضرة لا تفيد هذه الطويئرات فائدة ولهذا يظهر لك فساد هذا التصحيف إذ تتضافر روايات اللغويين الكبار مع الدواعي العقلية على تأييد هذا اللفظ أي راعية الخيل ودفع الرواية المصحفة وهي راعية الجبل. وقال التاج في مستدرك ر ع ي: والراعية: طائر. ورعاءة الخيل: لغة في راعية الخيل. عن الصاغاني. قلت أنا: أما الراعية فهي نفس راعية الخيل كما تقدم نصه من عبارة صاحب المخصص إذ جعل الراعية وراعية الخيل شيئا واحدا. وإما رعاة الخيل فقد قال اللغوي الانكليزي لين صاحب مد القاموس: هكذا وردت هذه اللفظة بدون ضبط في تاج العروس. والظاهر إن هذه الكتابة مخطوءة لأننا إذا نظرنا إليها نراها داخلة في عداد اسم الجنس وحينئذ يجب أن تضبط هكذا رعاة الجبل. فانظر إلى هذا الكلام مع ما فيه من الغرابة. والأصح إن تضبط اللفظة رعاة الخيل وزان شدادة. فعالة بمعنى فاعلة للمبالغة فكما أنه قيل لها راعية الخيل سميت أيضاً رعاة الخيل لكثرة رعيها وإلا فلو كانت جمعاً لراعية لقيل رواعي الخيل لا رعاة الخيل كما قال لين اللغوي المذكور. وسميت هذه الطويئرة أيضاً الرعوة فعلة بمعنى فاعلة. قال في مستدرك التاج: الرعوة: هنية تدخل في الشجرة لا تراها الدهر إلا مذعورة تهز ذنبها. نقله السيوطي. قلت أنا: وهذه صفة راعية الخيل. ولهذا سماها الإفرنج هزازة الذنب كما سموها أيضاً طويئرة الرعاة ومن أسمائها أيضاً الذعرة أو الزعرة. وسميت كذلك لأنهم توهموا فيها الخوف والذعر ظانين إن اهتزاز ذنبها على الدوام هو من شدة ارتعاشها الحاصل من خوفها. قال ابن سيد: الذعرة: هنية تكون في الشجرة تدخل فيها لا تراها إلا مذعورة تهز ذنبها. وقال صاحب التاج: الزعرة كتؤدة طائر في الشجرة لا يرى إلا مذعوراً خائفاً يهز بذنبه ويدخل في الشجرة وهو الذعرة التي تقدمت. ومن أسمائها أم عجلان والقوبع والفتاح. قال الدميري: أم عجلان طائر قاله الجوهري. وقال ابن الأثير: طائر أسود يقال له قوبع. وقيل طائر أسود أبيض الذنب يكثر تحريك ذنبه يقال له الفتاح. والقوبع طائر أسود أبيض الذنب يكثر تحريك ذنبه. ويقال في الفتاح: الفتاحية بتخفيف الياء إلا أن بعض اللغويين ينكرون كون الفتاحية والفتاح شيئاً واحداً. والصحيح أنهما واحد المدلول. ومن أسمائها: الصفرد قال في اللسان: الصفرد طائر أعظم من العصفور. . . وهو طائر جبان يفزع من الصعوة وغيرها. وقال الليث: هو طائر يألف البيوت وهو أجبن طائر. وهذه الأسماء وإن كانت تقع على جنس واحد من هذا الطير إلا إن الاسم الواحد لا يقع على المدلول الآخر. فالصفرة كثير الصفرة اسمه بالفرنسية وبلغة العلماء وهو كثير الوجود في العراق يكون طول السنة. وأما راعية الخيل أو رعاة الخيل أو الراعية أو الرعوة فأسمها بالفرنسية وأما بلغة العلم فهو وأما القوبع فهو والذعرة وأم عجلان والفتاح والفتاحية والزعرة شيء واحد وأسمها بالفرنسية وبلسان العلماء أو ويشملها كلها أسم الذعرة أو الزعرة وهو أسم الجنس. ومن أسمائها عند العوام أم صفيدة ذكرها صاحب محيط المحيط في مادة ذعر. وأعاد الكلام في دائرة المعارف في مادة ذعر. قال: الذعرة طائر يهز ذنبه دائماً. والعامة تقول له أم صفيدة - ومن أسمائها العامية ما ذكره الدكتور أمين المعلوف في معجم الحيوان ٣٦ : ٤٥٨ : من المقتطف) قال: الذعرة طائر صغير يكثر تحريك ذنبه ويسمى أبا فصادة في مصر وأم سكعكع في الشام قلت: وأسمه زيطة عند العراق وصفرد أبو المليح عند الأعراب. فمع كثرة هذه الأسماء لا ترى المعاجم الفرنسوية أو الإنكليزية العربية تذكر إلا القليل منها. أو لا تذكر شيئاً. فهذا المعجم الفرنسوي العربي الكبير للأب بلو اليسوعي على ضخامته وتبجح صاحبه في المقدمة إذ يقول: وهناك معاجم مطولة لكنها كثيرة النقص في ما يتعلق بالتدقيق والضبط إذ تجتزي في أغلب الأحيان بما يقرب من المعنى الحقيقي دون اللفظ الواجب له ومع ذلك ترى فيه من النص في المصطلحات العملية ما يسقط هذا الديوان في عيون الأدباء أطلب مثلاً كلمة تراه يقول: عصيفير، طيير ونسي أن طائر الرعاة أي هو نفس هزاز الذنب أي الذي يقول في نقلها إلى العربية: ذعرة (أم صفيدة) مع أنه يقول بالفرنسوية هي شيء واحد. ويفسرها بها. - وأما بادجر صاحب الكتاب الإنكليزي العربي المعجم الكبير فيقول في هزاز الذنب، ذعرة. ولا يزيد على هذا القدر. وقد سبقه إلى هذا التعبير بقطر في معجمه الفرنسوي العربي. فأنت ترى من هذه الشواهد أن معاجمنا العربية ومعاجم اللغات الأجنبية إلى اللغة الغربية تحتاج إلى نظر لتضبط وتصحح ويدقق فيها حتى تجاري دواوين لغات أهل الغرب الذين يبالغون في تهذيبها وتحسينها على الدوام. وأما أصحابنا فأنهم ينقلون أقوال من تقدمهم بدون ترو أو تدقيق النظر ولهذا معاجمنا العربية الحديثة لا تمتاز عن معاجم الأقدمين بشيء يذكر. وصف هذه الطويئرة على ما جاء به العلماء راعية الخيل من الطويئرات القواطع من رتبة العصافير المسننة المنقار الراجعة إلى جنس الدقيقات المنقار وإلى صنف هزازات الأذناب. وتمتاز بمنقار دقيق مستقيم وبمنخرين ملوزين يكونان عند قاعدة المنقار ومغشيان إلى نحو منتصفهما بغشاوة جرداء ولها إبهام به ظفر طويل قليل التقوس وعرف بذنب ليس بالطويل ولا بالقصير دائم الحركة تهزه الطائرة من فوق إلى الأسفل. والطويئرات المسماة بهذا الاسم تشمل صنفين وهما: رواعي الخيل وبالفرنسوي وبلسان العلم والصفارد وبالفرنسوية وبلسان العلماء وكلها من أكلة الحشرات. وتعشش تحت أكوام الحجارة وفي ثقوب الأشجار الكبار وفي تخاريب الأجراف أو في المزارع والمروج. واذاجاء الربيع حسرت (أي سقط ريشها ونبت غيره) وإذا جاء وقت الهيج تتحلى ذكورها بأفخر الريش فتتميز به عن إناثها. وفي غير هذا الأوان يصعب على الرائي أن يميز الذكور من الإناث والفرق الفارق بين الرواعي والصفارد إن الرواعي تختلف إلى المروج والزروع ومجتمعات الخيل والمواشي والغنم وتتبع الرعيان أينما ذهبوا وتتأثر الحراثين لتلقط ما تقع عليه بعد الكراب من ديدان ودويبات. - وأما الصفارد فتحاور المياه والبطائح والغدران والمغتسلات. ولهذا سماها الفرنسيون: الغسالة أو المغتسلة وهذه اللفظة العربية زنة ومعنى أو تكاد. وهذا الاسم يعرفه بعض النساء اللواتي يغسلن الثياب على حافة دجلة. فتأتي هذه الطويئرات ويحمن حول هؤلاء النساء سحابة النهار وتدنو منهن بكل انس وتلتقط ما يتساقط من الفتات. وهذه الطويئرات تحاكي الغسالات بأنها تخطر بذنبها الأرض والنساء يقصرون الثيات بضربها بالميحنة. والرواعي تلتقط طعامها بسرعة البرق الخاطف إن كان من الأرض وإن كان في الهواء. وإما طيرانها فمتموج وبخفقات ونقزات. وإذا طارت الصفارد أسمعت صوتا حادا قصيرا تردده كأنها تقول: كي كي فتجاوبها التي على الأرض بمثل هذا الصوت. ولكل من الرواعي والصفارد ضروب وأشكال تختلف بعضها عن بعض بالنعوت فيقولون الصفرد الأرمد والصفرد الأصفر والراعية الرمداء والراعية الصفراء إلى آخر ما هناك. وبهذا القدر كغاية للغوي والأديب. ومن أراد الزيادة فليرجع إلى كتب الفن وقد سيرت عليه المراجعة بعد معرفة الألفاظ العلمية. والله ولي التيسير. بغداد: ساتسنا الإفادات والإنشادات وقفت في إحدى دور الكتب في النجف على مجلد يوجد درجة عدة كتب نحيفة منها مختصر تاريخ للشام في القرن السابع فقط أوله فلم أعرف مؤلفه ومنها كتاب (الفوائد الوفية بترتيب طبقات الصوفية) تأليف يوسف بن شاهين سبط ابن حجر العسقلاني الشافعي والظاهر إن نسخته هذه نسخة المؤلف ومنها الكتاب (الإفادات والإنشادات) من إملاء الشيخ الإمام النحوي اللغوي العروضي أبي اسحق إبراهيم بن موسى الشاطبي الأصل الغرناطي من رجال أواسط القرن الثامن في الأندلس وهذا الكتاب مخطوط خطا مغربيا يصعب هجاؤه وقد شذ آخره وهو ما أردنا إن ننشر شطرا منه نختاره للقراء قال المؤلف: إما بعد أيها الأخ الصفي الصديق الوفي أعزك الله وسددك فأني جمعت لك في هذه الأوراق جملة من الإفادات المشفوعة بالانشادات مما تلقيته عن شيوخنا الأعلام وأصحابي ذوي النبل والإفهام قصدت بذلك تشويق المتعبد في العقول ولنقول ومحاضر المسترشد من نتائج القرائح والعقول والله المستعان وعليه التكلان. إفادة حدثني الشيخ الفقيه القاضي الجليل الشهير الخطير أبو عبد الله محمد بن محمد بن أحمد ابن بكر بن علي المغربي رحمة الله تعالى أملاه علينا عن الإمام الكبير أبي حيان محمد بن يوسف بن حيان قال ورد كتاب من الأستاذ أبي عبد الله بن شبث الغرناطي إلى صاحب له يسمى حمزة وفيه سئل الشيخ (قال أبو حيان يعنيني) وجدت على ظهر نسخة من المفصل بخط عتيق إن رجلا سأل ابن الأخضر بمحضر ابن الابرش عما انتصب قوله. مقالة أن قد سوف أناله فقال (ولا تصحب الأزدي فتردى مع الردي) فقال سألتك عن أعراب كلمة فأجبتني نصف بيت فقال ابن الابرش قد أجابك لو كنت تفهم قال أبو حيان فوقعت عليه للحين إن هذا الشطر من قول النابغة: أتاني أبيت اللعن أنك لمتني وتلك التي تشك منها السامع مقالة إن قد قلت سوف أناله وذلك من تلقاء مثلك رائع يروي (مقالة) بالرفع على أنه بدل من (أنك لمتني) الفاعل بأني وبالفتح على ذلك إلا انه بناء لما أضافه إلى مبني. إنشاده أنشدني الشيخ الفقيه القاضي الاعدل الفاضل أبو بكر محمد بن عمر بن علي القرشي الهاشمي إبقاء الله في السابع والعشرين لذي حجة من عام تسعة وخمسون وسبعمائة قال أنشدني تاج الدين الاموري قال أنشدني الإمام فخر الدين محمد بن عمر الرازي لنفسه: نهاية إقدام العقول عقال وأكثر سعي العالمين ضلال وأرواحنا في وحشة من جسومنا وحاصل دنيانا أذي ووبال ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا سوى أن جمعنا فيه قيل وقالوا وكم من رجال قد رأينا ودولة فبادوا جميعا مسرعين وزالوا وكم من جبال قد علت شرفاتها رجال فماتوا والجبال جبال إفادة حدثنا الأستاذ الفقيه الجليل الأصولي أبو علي منصور بن علي الزواوي رحمه الله تعالى إن الفخر ابن الخطيب سأل سيف الذين الآمدي رحمه الله تعالى فقال له لم أجاز الشرع ذبح الحيوان في حق الإنسان وهو تعذيب له وتعذيب الحيوان على خلاف المعقول فقال له سيف الدين أن إتلاف الخسيس في حق النفيس من مناهج العقول فقال له الفخر لو كان كذلك لجاز أن تذبح أنت في حق الرئيس ابن سينا. إنشاده أنشدنا الشيخ الأستاذ القاضي أبو عبد الله المغربي لنفسه: أنبت عوداً بنعمان بدأت به فضلاً وألبسته بعد اللحا الورقا فظل مستعراً مستدثراً أرجاً وبات ذا بهجةٍ يستوقف الحدقا فلا تشنه بمكروه الجنى فكم عودته من جميل من لدن خلقا إنشاده أنشدني الأستاذ الكبير أبو سعيد بن لب أبقى الله بركته عشية يوم الأربعاء الثالث لشعبان عام تسعة وخمسين وسبعمائة لنفسه: وهبك وجدت العفو عن كل زلة فأين مقام العفو من مقعد الرضا وكيف بثوب حالك اللون رمت أن يصير كثوب لم يزل قط أبيضا إفادة حدثني الشيخ الفقيه الأستاذ الكبير النحوي الشهير أبو عبد الله محمد بن علي الفخار البيري رحمة الله عليه أن بعض الشيوخ كان إذا أتى بأجازة ليشهد فيها سأل الطالب المجاز عن لفظ أجازه ما وزنه وما تصريفه &amp; قلت ولما حدثنا بذلك سألناه عنها فأملى علينا ما نصه: وزن أجازة في الأصل أفعاله وأصلها أجوزه فأعلت بقل حركة الواو إلى الجيم حملا على الفعل الماضي لا أستسقالا فتحركت الواو في الأصل وأنفتح ما قبلها في اللفظ فانقلبت ألفا فصارت أجازه فحذفت الألف الثانية عند سيبويه لأنها زائدة والزائد أولى بالحذف ووزنها في اللفظ عند سيبويه أفعله وعند الأخفش أفاله لأن العين عنده محذوفة. إنشاده أنشدني الفقيه الصوفي المتخلق أبو محمد بن الناظر قال أنشدت في النوم هذين البيتين: نحن قسمنا الرزق بين الورى فأدب النفس ولا تتعرض وسلم الأمر لأحكامنا فكل عبد رزقه قد فرض إفادة لما توفي الأستاذ الكبير العلم الخطير أبو عبد الله بن الفخار سألت الله تعالى أن يرينه في النوم فيوصيني بوصية أنتفع بها في الحالة التي أنا عليها من طلب العلم فلما نمت في تلك الليلة رأيت كأني أدخل عليه في داره التي كان يسكن فيها فقلت يا سيدي أوصني فقال لي: لا تتعرض على أحد. ثم سألني بعد ذلك في مسألة من مسائل العربية فأجبته عنها ولا أذكرها الآن. إنشاده حاذر طباع الصاحب السوء لا تعدو إلى طبعك أو تطرق والماء ضد النار لكنه يعود إن جاورها يحرق إفادة حدثنا الأستاذ أبو عبد الله البلنسي قال حدثنا الأستاذ الخطيب أبو عبد الله محمد ابن مرزوق قال سألت أبي ونحن نطوف باليت الحرام زاده الله تشريفاً فقلت له لم كان البيت يجعل في الطواف إلى جهة اليسار ولم يجعل إلى جهة اليمين وهي أشرف فقال لي سريعاً يا بني إن القلب على جهة اليسار فجعل الشق الذي هو محل القلب إلى جهة البيت ليكون أقرب موافقة لقوله تعالى (واجعل أفئدة من الناس تهوي إليهم) فقلت له أن الطبيعيين وأهل التشريح أطبقوا على أن محل القلب الحقيقي هو الوسط لا للجهة اليسرى ولا اليمنى نعم وضع رأسه مائلاً ذات اليمين قليلاً وابرته مائلة ذات اليسار قليلاً ثم وقفت المسألة فأنهيتها إلى الطبيب العارف أبي عبد الله الشفوري فقال لي ما قلت للأستاذ حتى قلت ثم ذكر وجهين لحل الإشكال. إنشاده أنشدني الفقيه الأديب أبو جعفر بن عبد العظيم في الرابع لرمضان المعظم سنة تسع وخمسين وسبعمائة قطعة له: تتوق إلى الراحات نفسي وأنني لأعصي هواها تارةً وألومها وتأبى سوى ما تشتهي فأطيعها وأعلم أني في رضاها ظلومها إفادة كثيراً ما كنت أسمع الأستاذ أبا علي الزواوي يقول قال بعض العقلاء لا يسمى العالم بعلم ما عالما بذلك العلم على الإطلاق (يريد الإخصاء) حتى تتوفر فيه أربع شروط أحداها أن يكون قد أحاط معرفة بأصول ذلك العلم على الكمال والثاني أن تكون له قدرة على العبارة عن ذلك العلم والثالث أن يكون عارفا بما يلزم عنه والرابع أن تكون له قدرة على دفع الإشكالات الواردة على ذلك العلم قلت (المؤلف) وهذه الشروط رأيتها منصوصة لأبي نصر بن محمد الفارابي الفيلسوف في بعض كتبه. إنشاده أنشدني الفقيه الأديب أبو جعفر بن عبد العظيم لنفسه في العشر الأواسط لربيع الأول عام ستين وسبعمائة: لا يخدعنك في امرئٍ لبس الحلي والحلل في الناس من تلقاهم حمر الوجوه من الخلل إنشاده أنشدني الفقيه القاضي أبو بكر بن القرشي لنفسه في السابع والعشرين لذي حجة من عام تسعة وخمسين وسبعمائة. إذا ما تبدي منهج الحق واضحا تعامى أناس في الضلالة زاغوا جلت لهم الدنيا محاسنها التي بزخرف منها ذروها ويصاغ فهم نحوها مثل الفراش تساقطت على النار ما غير الممات بلاغ وليس صبا الإنسان غدراً فكيف إذ مضى منه شرخ واستحال صباغ إلى الله أشكو أمر نفسي فإنها عن الرشد فيها حيرة ومراغ ويا أسفي للنعمتين أضيعتا فهل عائد لي صحة وفراغ إفادة جرى لنا يوماً بين يدي الأستاذ الكبير أبي سعيد بن لب أنه حكى أن طعام فرعون كان محاح البيض ليقل برازه فإنها قليلة الفضلة فأنهيت المسألة إلى الفقيه الطبيب أبي عبد الله الشفوري فقال الدليل على قلة فضلتها ثلاثة أشياء أحدها أن في غيرها سرعة الانفعال للمضغ وهو دليل عام عند الأطباء في الأغذية فأنهم يقولون كل ما عسر مضغه عسر هضمه وإذا عسر هضمه فضل أكثره وبالضد الثاني أن ابن سينا جعل محاح البيض من أدوية القلب فأنها تكثر دم القلب ودم ألطف من كل دم يكون في البدن وما كان هكذا حقيق بأن لا تكون له فضلة يعتد بها والثالث أنه غذاء الطير عند تكوينه من البياض في جوف البيضة مع أنك لا ترى له فضلة عند خروجه منها فهذا دليل قلة فضلته. إنشاده أنشدني الفقيه الفاضل أبو محمد عبد الله بن حزلم قال أنشدني الفقيه الأجل الكاتب أبو عبد الله بن إبراهيم بن الشيخ الأجل الأستاذ العالم المتفنن الشهير أبي عبد الله بن الرقام قال أنشدي أخي محمد لنفسه: لم يشتر الشهد شخص ضوءه الكسل فلست أول صب خانه الأمل لا عتب أن خلفوني في الحضيض لما أشدو به عم صباحاً أيها الطلل ورافقوا الغير دوني في مسيرهم فربما قصرت بي دونهم علل كم أنجدوا كلما أنهمت وانتهضوا نحو اليفاع وبالعلياء قد نزلوا يجدوا قرائح منهم عزهم وأنا لا ناقة لي أحدوها ولا جمل من لي بإدراك آثارٍ لأبلغهم وكيف ذاك وطرفي طالع عزل إنشاده جل في البلاد تنل عزاً ومكرمة في أي أرض تكن تلقى مناك بها جل الفوائد في الأسفار مكتسب والله قد قال فامشوا في مناكبها قال لي الفقيه أبو محمد بن حزلم فقلت له أني أحفظ للإمام الشهير أبي حيان يوسف بن حيان المغربي بهذا المعنى والقافية من التزم التجنيس وهي: يا نفس مالك تهوين الإقامة في أرض تعذر كل من مناك بها أما تلوتِ وعجز المرءٍ منقصةٌ في محكم الذكر فامشوا في مناكبها قال فقضينا العجب من هذا الاتفاق الغريب قلت ووجدت أنا بخط الفقيه الأديب البارع المحدث أبي عبد الله محمد بن الشيخ الأستاذ الشهير أبي القاسم بن جزي قطعة له وهي: ومعسول اللمى عادت عذاباً على قلبي ثناياه العذاب وقد كتب العذار بعارضيه كتاباً خط قارئه اكتئاب وقالوا لو سلوت فقلت خيراً وأني لي وقد سبق الكتاب ثم كتب بعدها ما معناه إني عرضتها على شيخنا القاضي أبي القاسم الشريف بعد نظمها بمدة يسيرة فقال لي قد نظمت هذا المعنى بالعروض والقافية. وأحور زار خديه عذار سبى الألباب منظره العجاب أقول لهم وقد غابوا غرامي به إذ لج للدمع انسكاب أبعد كتاب عارضة يرجى خلاص لي وقد سبق الكتاب وهذا غريب. إفادة حدثنا الأستاذ القاضي أبو عبد الله المغربي قال كان أبو زيد بن الإمام يصحف قول الخونجي في الجمل والمقارنات التي يمكن اجتماعه معها فيقول والمفارقات قال ولعله في هذا كما قال أبو عمرو بن العلاء للأصمعي لما قرأ عليه: وغررتني وزعمت أنك لابنٌ في الصيف تامر. فقال وغرزتني وزعمت أنك لاتني بالضيف تأمر فقال: أنت في تصحيفك أشعر من الحطيئة. إنشاده أنشدني الفقيه الفاضل أبو عبد الله بقي لنفسه قال ونظمتها ارتجالا وقد دعيت إلى نزهة أثر تشييع جنازة: كم أرى مدمن لهو ودعه لست أخلو ساعة من تبعه كان لي عذر لدى عهد الصبا وأنا آمل في العمر السعة فدعوني ساعة أبكي على عمر أمسيت فيمن ضيعه إنشاده أنشدني الفقيه الفاضل أبو عبد الله بن بقي قال أنشدت في النوم مقطوعة منها هذان البيتان: قم إذا القوم ذكروا وابتكر حين بكروا إن في كل لمحة نفحاتٍ تكرر إنشاده أنشدني القاضي أبو عبد الله قال أنشدني محمد بن إبراهيم بن الحاج البلفيقي قال: أنشدني محمد بن رشيد الفهري قال أنشدني أبو حفص بن الخيمي لنفسه. لو أرى وجه حبيبي عاذلي لتفاصلنا على وجه جميل إفادة سألنا الشيخ القاضي أبو عبد الله المغربي رحمه الله عن أسم كتاب الجوهري في اللغة فقلت له من الناس من يقول الصحاح بالكسر ومن الناس من يفتح فقال إنما هو الفتح بمعنى الصحيح قالوا يحتمل أن يكون مصدر صح كحنات. إنشاده أنشدني الفقيه الفاضل أبو عبد الله الشريشي قال أنشدني الشيخ القاضي أبو عبد الله المغربي قال أنشدني الحاج أبو عبد الله محمد بن عبد الواحد الرباطي قال أنشدني تقي الدين لنفسه: تمنيت أن الشيب عاجل لمتي وقرب مني في صباي مزاره لآخذ من عصر الشباب نشاطه وآخذ من عصر المشيب وقاره إنشاده أنشدني الفقيه أبو عبد الله بن تقي قال استيقظت من نومة نمتها في القائلة في شهر رجب من عام ستة وخمسين وسبعمائة وأنا أنشد هذا البيت: ولا يبلغ القصاد كل مرادهم إذا عدموا زادا من العلم نافعا إفادة أفادني صاحبنا الفقيه الكاتب أبو عبد الله بن زمرك أثر إيابه إلى وطنه من رحلة العدوة في علم البيان فوائد أذكر الآن منها ثلاثا أحدها الفقه في اللغة وهو النظر في مواقع الألفاظ وأين استعملتها العرب ومن مثل هذا الوجه قولهم قرم وعام إذا اشتهى لكن لا يستعمل إلا مع اللحم ولا يستعمل عام إلا مع اللبن فتقول عمت إلى اللبن وكذلك قولهم أصفر فاقع وأحمر قان ولا يقال بالعكس وهذا كثير والثانية تحري الألفاظ البعيدة عن طرفي الغرابة والابتذال فلا يستعمل الحوشي من اللغات ولا المبتذل في السن العامة والثالثة اجتناب كل صيغة تخرج الذهن عن أصل المعنى أو تشوش عليه إذ المقصود الوصول في بيان المعنى إلى أقصاه والإتيان بما يحصله سريعاً ويمكنه في الذهن وتحري كل صيغة تمكن المعنى وتحرض السامع على الاستماع واخبرني أن كتاب المغرب يحافظون في شعرهم وكتابتهم على طريقة والعرب ويذمون ما عداها من طرق المولودين وإنها خارجة عن الفصاحة وهذه المعاني الثلاثة لا توجد إلا فيها. إنشاده أنشدني الفقيه أبو عبد الله الشريشي قال أنشدني المغربي قال أنشدني الرباطي قال أنشدني تقي الدين بن دقيق العيد لنفسه من صدر رسالة كتب بها لبعض إخوانه بالحجاز الشريف: يهيم قلبي طرباً عندما استلمح البرق الحجازيا ويستميل الوجد قلبي وقد أصبح لي ثوب الحجى زيا يا هل اقضي من منى حاجتي وأنحر البز المهاريا وارتوي من زمزم فهي لي ألذّ من ريق المهى ريا إنشاده أنشدني الفقيه الرحالة أبو اسحق بن الحاج قال أنشدني الأستاذ الإمام أبو حيان يوسف بن حيان لنفسه: عداي لهم فضل علي ومنة فلا أذهب الرحمن عني الأعاديا هم بحثوا عن زلتي فأجتنبها وهم نافسوني فاكتسبت المعاليا إفادة وقع بيني يوما وبين من يتعاطى النظر في العلم من اليهود كلام في بعض المسائل إلى أن جرى الكلام إلى عيسى عليه السلام فأخذ ينكر خلقه من غير أب ويقول وهل يكون شيء من غير مادة، فقلت له فيلزمك إذا أن يكون العالم مخلوقاً من مادة وأنتم معشر يهود لا تقولون بذلك (الظاهر أن القول بخلق العالم ابتداء من غير مادة مسلم عند أهل الأديان الإلهية) واحد الأمرين لازم أما صحة خلق عيسى من دون أب وأما بطلان خلق العالم من غير مادة فبهت. إنشاده أنشدنا صاحبنا الفقيه الأديب أبو محمد بن حذلم لنفسه: يقولون خل عنك الأسى ولذا بالسرور فذا يوم عيد فقلت لهم والأسى غالب ووجدي يحي وشوقي يزيد توعد في مالكي بالفراق فكيف أسر وعيدي وعيد إنشاده أنشدني الفقيه الأديب البارع أبو محمد بن حذلم لنفسه: شان المحبين في أشجانهم عجب وحالتي بينهم في الحب أعجبها قد كنت أبعث من ريح الصبا رسلا تأتي فتطفي أشواقي وتذهبها والآن أرسل دمعي أثرها ديماً فتلتظي نار وجدي حين أسكبها فأعجب لنار اشتياق في الحشا وقعت والريح تذهبها والماء يلهبها إفادة كتب لي بخطه شيخنا الجليل القاضي أبو عبد الله المغربي رحمه الله على ظهر التسهيل لابن مالك الذي كتبته بخطي بعدما كتب لي بخطه روايته فيه عن أبي الحسين بن مزاحم عن بدر الدين بن جماعة عن المؤلف فكتب بعد ذلك ما نصه: قال محمد بن محمد المغربي بدر الدين بن جماعة المذكور يدعى بقاضي القضاة على ما جرت به عوائد أهل المشرق في تسمية مثله وأنا أكره هذا الاسم محتجا بقول النبي صلى الله عليه وسلم أن أخنع اسم عند الله يوم القيامة رجل تسمى ملك الملوك لا ملك إلا الله إنشاده أنشدنا شيخنا الفقيه القاضي المتفنن أبو عبد الله المغربي لنفسه: وجد تسعره الضلوع وما تبرده المدامع أمل إذا وصل الرجا أسبابه فالخوف قاطع بالله يا هذا الهوى ما أنت بالعشاق صانع النجف // محمد رضا الشبيبي سيرة صلاح الدين لو كان تاريخ العرب يدرس في مدارسنا على أصوله لوجب أن تدرس سيرة السلطان صلاح الدين يوسف ابن أيوب صاحب مصر والشام واليمن والجزيرة كما تدرس سيرة الخلفاء الراشدين فقد مضت القرون بعد الخليفة المأمون العباسي ولم ينشأ للعرب ملك كصلاح الدين بعقله وعدله وحلمه وحسن بلائه وقد دونت سيرته في عهده فكان عند المشارقة والمغاربة أنموذج الملك الحازم العاقل وأحق ما يرجع إليه في سيرته رحمه الله من الكتب كتاب النوادر السلطانية والمحاسن اليوسفية لبهاء الدين بن شداد من قضاة الملك الناصر وكتاب الفتح القسي في الفتح القدسي لعماد الدين الكاتب أحد كتاب ديوانه ثم يؤخذ عمن كان في عصره أو قريبا منه أمثال ابن الأثير صاحب الكامل وتاج الدين شاهنشاه بن أيوب صاحب حماة أو عن صاحب تاريخ الروضتين في أخبار الدولتين. أما كتاب النوادر فهو على أسلوب المؤرخ كتب بعبارة مرسلة لا تكلف فيها صيغ فيه اللفظ على قدر المعنى بخلاف الفتح القسي فإنه راعي فيه السجع من أوله إلى آخره حتى يكاد يمل قارئه وتشغله الألفاظ والجناسات والترصيع وعويص اللغة عن تدبر المعنى ودخوله الآذان بلا استئذان على أن له من سجعه في الأحيان ما يجئ عفو القريحة فيكون المعجب المطرب مثل فصل ذكر حال نساء الفرنج فإنه أبدع فيه كل الإبداع وإن كان ما يظهر ركب مركب الغلو في تمثيل حالهن. ولقد تدبرنا سيرة الملك الناصر صلاح الدين منذ ولد في قلعة تكربت ( ٥٣٢ هـ) وكان والده أيوب بن شاذي والياً بها إلى أن جاء الموصل مع والده وقد ترعرع إلى أن انتقل معه إلى الشام وأعطي بعلبك إلى أن اتصل بالملك نور الدين محمود بن زنكي إلى أن ذهب مع عمه أسد الدين شيركوه إلى مصر إلى أن ملك مصر وأزال دولة العاضد الفاطمية وخطب للدولة العباسية إلى أن فتح الشام واستخلص أكثر بلاد الساحل الشامي والقدس من الإفرنج إلى أن توفاه الله في دمشق بعد جهاد أربع سنين في الصليبيين - تدبرنا كل هذا فلم نحص له ولا شهدنا له إلا ما ينطبق على مكارم الأخلاق والعدل المتناهي والحلم الذي دونه حلم أحنف ومعاوية ولولا ما دسه الفقهاء عليه من تزيين قتل الشهاب السهروردي الفيلسوف لخرجت صحيفة حياته كلها بيضاء نقية قال ابن شداد أن هذا السلطان كان مبغضا للفلاسفة والمعطلة ومن يعاند الشريعة ولقد أمر ولده صاحب حلب الملك الظاهر أعز اله أنصاره بقتل شاب نشأ يقال له السهروردي قيل عنه أنه كان معاندا للشرائع معطلا وكان قد قبض عليه ولده المذكور لما بلغه من خبره وعرف السلطان به فأمر بقتله فطلبه أياما فقتله هذه رواية ابن شداد وهو من الفقهاء أورد هذه القصة في معرض أن السلطان يعظم شعائر الدين وإثبات أنه يقول بالعبث والنشور ومجازاة المحسن بالجنة والمسيء بالنار. إلا أن ابن أبي أصيبعة قال في حقيقة قتل الشهاب السهروردي أنه لما أتى إلى حلب وناظر بها الفقهاء ولم يجاره أحد كثر تشنيعهم فاستحضره الملك السلطان الظاهر غازي ابن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب واستحضر الأكابر من المدرسين والفقهاء والمتكلمين ليسمع ما يجري بينهم وبينه من المباحث والكلام فتكلم معهم بكلام كثير وبأن له فضل عظيم وعلم باهر وحسن موقعه عند الملك الظاهر وقربه وصار مكينا عنده مختصا به فازداد تشنيع أولئك عليه وعملوا محاضر بكفره وسيروها إلى دمشق على الملك الناصر صلاح الدين وقالوا إن بقي هذا فإنه يفسد اعتقاد الملك الظاهر وكذلك إن أطلق فإنه يفسد أي ناحية كان بها من البلاد وزادوا عليه أشياء كثيرة من ذلك فبعث صلاح الدين إلى ولده الملك الظاهر بحلب كتابا في حقه بخط القاضي الفاضل وهو يقول فيه أن هذا الشهاب السهروردي لابد من قتله ولا سبيل إلى إطلاقه ولا يبقى بوجه من الوجوه ولما بلغ شهاب الدين السهروردي ذلك وأيقن أنه يقتل وليس جهة إلى الإفراج عنه اختار أن يترك مكان مفرد ويمنع من الطعام والشراب إلى أن يلقى الله تعالى ففعل به ذلك وكان في أواخر سنة ست وثمانين وخمسمائة بقلعة حلب وكان عمره نحو ست وثلاثين سنة. قال صاحب طبقات الأطباء أن السهروردي صار له شأن عظيم عند الملك الظاهر وبحث مع الفقهاء في المذاهب وعجزهم واستطال على أهل حلب وصار يكلمهم كلام من هو أعلى قدرا منهم فتعصبوا عليه وأفتوا في دمه حتى قتل وقيل أن الملك الظاهر سير إليه من خنقه ثم أن الملك الظاهر بعد مدة نقم على الذين أفتوا في دمه وقبض على جماعة منهم واعتقلهم وأهانهم وأخذ منهم أموالا عظيمة. هذه الغلطة الوحيدة هي التي أحصيت لصلاح الدين وهي في الحقيقة انتقام المتفقهة من المتفلسفة أو النقل من العقل - وهذا الانتقام ما برح على أشده في كل زمان ولا سيما منذ القرن السادس إلى آخر العاشر فإنه قتل في بلاد الإسلام كثير من الأعاظم أو اضطهدوا وأوذوا من قبل أعداء الفلسفة وما عدا ذلك فإن صلاح الدين لا يلام على قتل أحد من الصليبيين لأنهم أفحشوا هم في أسره وعاهدوا فخانوا ومثل من قتلهم من المصريين للقضاء على الدولة العبيدية أو من قاموا يدعون إليهم بعد أن زالت دولتهم وفي جملتهم عمارة اليمني الشاعر (المقتبس م ٣ ص ١٦٩ ) كل ذلك يغتفر له لأنه في سبيل تأييد سلطانه والملك عقيم كما قيل. ومما ذكره ابن شداد في عدله أنه كان رؤفاً رحيماً ناصراً للضعيف على القوي ولكن يجلس للعدل في كل يوم اثنين وخميس في مجلس عام يحضره الفقهاء والقضاة والعلماء ويفتح الباب للمتحاكمين حتى يصل إليه كل أحد من كبير وصغير وعجوز هرمة وشيخ كبير وكان يفعل ذلك سفرا وحضراً على أنه كان في جميع زمانه قابلا لجميع ما يعرض عليه من القصص في كل يوم ويفتح باب العدل ولم يرد قاصداً للحوادث والحكومات. وكان يجلس مع الكاتب ساعة إما في الليل أو في النهار ويوقع على كل قصة بما يجريه الله على قلبه ولم يرد قاصداً أبداً ولا منتصلاً ولا طالب حاجة وما استغاث إليه أحد إلا وقف وسمع قضيته وكشف ظلامته واعتنى بقصته ولقد رأيته وما استغاث إليه إنسان من أهل دمشق يقال له ابن زهير على تقي الدين ابن أخيه فأنفذ إليه ليحضر إلى مجلس الحكم وكان تقي الدين من أعز الناس عليه وأعظمهم عنده ولكنه لم يحابه في الحق. وأعظم من هذه الحكاية مما يدل على عدله قضية جرت له مع إنسان تاجر يدعى عمر الخلاطي وذلك أني كنت يوما في مجلس الحكم بالقدس الشريف إذ دخل عليّ شيخ مسن تاجر معروف يدعى عمر الخلاطي معه كتاب حكمي يسأل فتحه فسألته من خصمك فقال: خصمي السلطان وهذا بساط العدل وقد سمعت أنك لا تحابي قلت: وفي أقضية هو خصمك فقال: إن سنقر الخلاطي كان مملوكي ولم يزل على ملكي إلى أن مات وكان في يديه أموال عظيمة كلها لي ومات عنها واستولى عليها السلطان وأنا مطالبه بها فقلت له: يا شيخ وما أقعدك إلى هذه الغاية فقال: لا تبطل بالتأخير وهذا الكتاب الحكمي ينطق بأنه لم يزل في ملكي إلى أن مات فأخذت الكتاب منه وتصفحت مضمونه فوجدته يتضمن حيلة سنقر الخلاطي وأنه قد اشتراه من فلان التاجر بارجيش اليوم الفلاني من شهر كذا وأنه لم يزل في ملكه إلى أن شذ عن يده في سنة كذا وما عرف شهود هذا الكتاب خروجه عن ملكه بوجه ما وتم الشرط إلى آخره فتعجبت من هذه القضية وقلت للرجل: لا ينبغي سماع هذا بلا وجود الخصم وأنا أعرفه وأعرفك ما عنده فرضي الرجل بذلك واندفع فلما اتفق المثول بين يديه في بقية ذلك اليوم عرفته القضية فاستبعد ذلك استبعاداً عظيماً وقال: كنت نظرت في الكتاب فقلت نظرت فيه ورأيته متصل الورود والقبول إلى دمشق شهود معروفون فقال: مبارك نحن نحضر الرجل ونحاكمه ونعمل في القضية ما يقتضيه الشرع. ثم اتفق بعد ذلك جلوسه معي خلوة فقلت له: هذا الخصم يتردد ولابد أن نسمع دعواه فقال: أقم عني وكيلاً يسمع الدعوى ثم يقيم الشهود شهاداتهم وأخر فتح الكتاب إلى حين حضور الرجل هاهنا ففعلت ذلك ثم أحضر الرجل واستدناه حتى جلس بين يديه وكنت إلى جانبه ثم نزل من طراحته حتى ساواه وقال: إن كان لك دعوى فاذكرها فحرر الرجل الدعوى على معنى ما شرح أولا فأجابه السلطان أن سنقر هذا كان مملوكي ولم يزل على ملكي حتى أعتقته وتوفي وخلف ما خلفه لورثته فقال الرجل: لي بينة تشهد بما أدعيه ثم سأل فتح كتابه ففتحه فوجدته كما شرحه فلما سمع السلطان التاريخ قال عندي من يشهد أن سنقر هذا في هذا التاريخ كان في ملكي وفي يدي بمصر وأني اشتريته مع ثمانية أنفس في تاريخ متقدم على هذا التاريخ بسنة وأنه لم يزل في يدي وملكي إلى أن أعتقته ثم استحضر جماعة من أعيان الأمراء والمجاهدين فشهدوا بذلك وذكروا القصة كما ذكرها والتاريخ كما ادعاء فأبلس الرجل فقلت له: يا مولاي هذا الرجل ما فعل ذلك إلا طلباً لمراحم السلطان وقد حضر بين يدي المولى ولا يحسن أن يرجع خائب للقصد فقال: هذا باب آخر وتقدم له بخلعه ونفقة بالغة قد شذ عني مقدارها قال ابن شداد فانظر إلى ما في طي هذه القضية من المعاني الغريبة العجيبة والتواضع والانقياد إلى الحق وإرغام النفس والكرم في موضع المؤاخذة مع القدرة التامة. مثل هذا الفاتح العظيم مات ولم يحفظ ما تجب عليه به الزكاة فان صدقة النفل استرقت جميع ما ملكه من الأموال فملك ما ملك ولم يخلف في خزانته من الذهب والفضة إلا سبعة وأربعين درهما ناصريا وجرما واحدا ذهبا ولم يخلف لملكا ولا دارا ولا عقارا ولا بستانا ولا قرية ولا مزرعة ولا شيئا من أنواع الأملاك وكان رحمه الله يهيب الأقاليم وفتح آمد (ديار بكر) وطلبها منه ابن قره أرسلان فأعطاه إياها وهو يعطي في وقت الضيق كما يعطي في حال السعة وكان نواب خزائنه يخفون عنه شيئا من المال حرا من أن يفاجئهم مهم لعلمهم بأنه متى علم به أخرجه قال ابن شداد: وكان يعطي فوق ما يؤمل الطالب فما سمعته قط يقول: أعطينا لفلان وكان يعطي الكثير ويبسط وجهه للعطاء بسطه لمن لم يعطه شيئا وما سمعته قط يقول: قد زدت مراراً فكم أزيد وأكثر الرسائل كانت تكون على لساني ويدي وكنت أخجل من كثرة ما يطلبون ولا أخجل منه من كثرة ما أطلبه لهم لعلمي بعدم مؤاخذته في ذلك وما خدمه أحد إلا وأغناه عن سؤال غيره وقد سمعت من صاحب ديوانه يقول لي: قد تجارينا عطاياه فحصرنا عدد ما وهب من الخيل بمرج عكا فكان عشرة ألاف رس ولم يكد يركب فرساً إلا وقد وعد بأن يعطيها لأحد طلاب عطاياه. وبالجملة فإن ما ذكره العماد وابن شداد عن خلال صلاح الدين ومواظبته على القواعد الدينية وملاحظته للأمور الشرعية وعدله وكرمه وشجاعته واهتمامه بأمر الجهاد وصبره واحتسابه وحلمه وعفوه ومحافظته على أسباب المروءة هو العجب العجاب وقرة عين المسلمين والعرب على مر السنين والأحقاب. يرى الناظر في كتاب العماد الكاتب الأصفهاني أنه لم يكد يغفل تفاصيل الوقائع الصلاحية أو يشذ عنه نادرة من النوادر اليوسفية الأيوبية على ضيق عطن النثر والسجع عن قبول هذه المعاني بجملتها ويعاب على الأصفهاني كثرة تبجحه بكتابته فقد ذكر غير ما مرة من كتابه أنه كان هو الفرد العظيم المقدم في الديوان الصلاحي مع أن ابن شداد ذكر عن نفسه شيئا من ذلك بالعرض أورده كما رأيته في معرض الكلام على منائح صلاح الدين ولكن صاحبنا العماد جرى على عادة الفرس في المبالغة سامحه الله فقال في فتح بيروت: وكنت يومئذ في مرض قد أزعجني ومضض أجفاني ولعيون العواد أبرزني وانقطعت عن الحضور عند السلطان وضعفت عن تحرير كتاب الأمان فطلب السلطان كل كاتب في ديوانه وكل من يمسك قلما من أفاضل الملك وأعيانه فلم يرضه ما كتبوه ولم يكفه ما رتبوه فجاءني في تلك الحالة من استملاه مني ومرضت أذهان الأصحاء ولم يمرض ذهني فتسلم بيروت بخطي وأصبحوا وأنا الآخذ والمعطي وكان الناس قد أنسوا بما أسطره وأبرزه وأنسوا سوى ما أذكره وأحبره والغوا الصحة فيه فألفوا ولقوا السقم في غيره فانفوه فلم يكن في ذلك التوقيع تعويق بل كله بتوفيق من الله توثيق فما فتح فتح إلا بمفتاحه ولا رتق فتق إلا بصلاحه ولا جلي ظلام إلا بإصباحه ولا وري زند إلا باقتداحه. وقال من فصل: وكان قد عرض له مرض فانقلب إلى دمشق يداوي مزاجه فلما عاد إلى الحضرة سأله السلطان: أين كنت ولم أبطأت وحيث أصبت في المجيء فما أخطأت وقد كنا في انتظارك والسؤال عن أخبارك وهذا أوان إحسانك فأين إحسان أوانك فأجر بنانك بجرأة بيانك واجز في ميدانك وما للبشائر (بفتح القدس) إلا واصفها وللفرائد إلا راصفها وللفصاحة إلا قسها وللصحافة إلا قيسها وكان قد جمع أمس كتاب دواوينه على إنشاء كتب ما ارتضاها واقتضاب معان ما اقتضاها وكانوا سألوه في كتاب الديوان العزيز فقال: لهذا من هو أقوم به وعناني فلما ساءني ناداني واستدناني فصرفت إلى امتثال أمره عناني وسلم إلي الكتب التي كتبوها بالألفاظ التي رتبوها وقال غيرها ولا تسيرها وغرضه أني أعدل معوجها وأبدل مثبجها وافترع المعنى البكر للفتح البكر وأوشح ذكر آياته بآيات الذكر فاستجديها فما استجدتها واستلمحتها فما استملحتها وشممتها وبها سهك وكشفتها وسترهاهتك وكانوا قد تعاونوا عليها وفيها لهم شرك فشرعت في افتضاض الأبكار واقتضاء الأفكار واقتراح القريحة وافتراء رحاب الكلم الفصيحة الفسيحة وافتتحت في بشرى الفتح بكتاب الديوان العزيز وأوردت المعنى البليغ في اللفظ الوجيز ووشحت ووشعت وشعبت وأشبعت وأطلت وأطبت وصبت وأصبت وأعجزت وأعجبت ووافقت وأنست. . . . . وقال في الوقعة العادية: ولما عرفت بالواقعة والنصرة الجامعة صدرت ثلثين أربعين كتابا بالبشارات فأبلغ المعاني وأبرع العبارات وقلت إذا نزل السلطان وجد الكتب حاضرة ورأى البشائر شائرة وركبت أنا والقاضي بهاء الدين بن شداد لمشاهدة ما هناك من أشلاء صرعى وأجساد فما أعجل ما سلبوا وعروا وفروا وقروا وقد بقرت بطونهم وفقئت عيونهم ورأينا امرأة مقتولة لكونها قاتلة وسمعناها وهي خامدة بالعبرة قائلة وما زلنا نطوف عليهم ونعبر ونفكر فيهم حتى ارتدى العشاء بالظلام فعدنا إلى الخيام وأخذت الكتب التي نمقتها بالبشائر التي حققتها وإذا السلطان قد استبطاني وعدم إجابتي لما دعاني فما صبر ولا انتظر ولا ترقبني أن أحضر ولا أمهل أن أعطى بالبشارة حقها وأجلو بأنوار المعاني فقها وأبلغ بالبلاغة مداها بتقليص الضلالة ثوب هداها وأصف بحدود الأقلام ما صنعته حدود السيوف وأروج نقودي عند السلطان وأغنيه عن الزيوف فأبصرت عنده مشرفي المطانج والأبيات ومدوني الجرائد بالإثبات وقد كتبوا تلك البشارة الثقيلة الجليلة في رقاع خفيفة بعبارات سخيفة وقد عطلت الحسناء من حيلتها وعروها من بزتها وشوهوا جمالها وأحالوا حالها فذهب المبشرون وسار القاصدون فما كان لتلك الوقعة عند من وقع عليها وقع ولا تم لغليل من رام الاطلاع على حقيقتها نقع وأرادوا بدمشق قراءتها على المنبر فما استحسنوها ولو وردتهم بزينة عبارتي وبراعتي زينوها وفي تلك الحال التفت السلطان إليّ وقال اكتب بهذه البشارة إلى بغداد وعجل بها الانفاذ فقلت على سبيل العتب انتم تريدون ما أكتبه ولا ترغبون فيما أرتبه وأهذبه فقال كأنك كتبت البشائر فهاتها حتى تهدى إلى طرقاتها فقلت ما فات فات وهيهات هيهات وأخرجت له ما بقي من بشارات البلاد التي أنشأتها بالألفاظ والمعاني التي ابتدعتها وابتدأتها فسارت فسرت البعيد والقريب وخصت من جداها بالخصب الجديب وصدحت بأسجاعها المنابر وصمت بسماعها المفاخر وظهرت بعباراتها العبر وبهرت بزبرها الزبر وعمرت بمعانيها وعمت مباهجها مناهج الأقاصي والأداني. وقال من هذا البحر والقافية في ذكر لطف من الله في حقي خفي كان السلطان قبل استيلاء الفرنج على عكا بسنة قد عمل ترجمة تفرد بها القاضي ابن قريش لمكاتبة الأصحاب ليكتب بها إليهم ويعود بها الجواب فلم يبقى المكاتبة ابتداء وجوباً بخطي وخرج حكم عكا في الكتابة عن شرطي فقلت لأصحابي ما صرف الله قلمي عن عكاء إلا وفي علمه أن الكفر إليها يعود وأن النحوس تحلها وترحل عنها السعود واستعاذني الله من استعادتها وردها إلى شقاوتها بعد سعادتها ولقد عصم الله قلمي وكلمني وعرف شيم مخايل الطاقة من شيمي وهذا قلم جمعت به أشتات العلوم مدة عمري وما أجراه الله إلا بأجري فالحمد لله الذي صانه وعظم شأنه وما ضيع إحسانه وهو للفقه والفتيا ومصالح الدين في الدنيا وما عرف إلا بعرف فما صرف إلا عن صرف وما سفارته إلا في نجح وما أسفاره إلا عن صبح وما تجارته إلا لربح فهو يمين الدولة وأمينها ومعين الملة بل معينها بمداده يستمد إمدادها وبسداده للثغور سدادها ودواته دواء المعضلات وبعقده حل المشكلات وبخطه حط عوادي الخطوب وبقطه قط هوادي القطوب وببريه برء الأمراض وبدرءه درء الأعراض وبدره انتظام عقود العقول وبدراريه ابتسام الإقبال والقبول وبجريه جرى الجياد للجهاد وبسعيه سعي الأمجاد للإنجاد وبحركته سكون الدهماء وببركته ركون الرجاء فما كان الله ليضيعه في صون مالا يصونه من لا يعنيه فخفقت على عكاء من وقوف قلمي عنها وكان قد ألهمني الله فإنه صانه ولم يصنها وشكرت الله على هذه اللطيفة والعارفة الطريفة. وقال من فصل في وفاة السلطان وكيف كانت حاله بعد: وبقيت تلك الأيام لا أفرق بين الدجى والضحى ولا أجد قلبي من سقم الهم وسكره صح ولا صحا وحالت حالي وزال أدلالي وزاد بلبالي وبطل حقي واتسع خرقي وتنازل جاهي وتنازق أشباهي وأعضلت أدواء الدواهي وبقيت المعارف متنكرة والمطالع مكفهرة والعيون شاخصة والظلال قالصة والأيدي يابسة والوجوه عابسة وعادت أبكار خواطري عانسة ونجوم قرائحي وشواردها الآنسة خانسة كانسة وبقي باب كل مرتجى مرتجا ومنهج كل معروف منهجاً وظعن الغنى واختلف في حسن الاخلاف بي ظني حتى تولى الملك الأفضل بدمشق مقام أبيه وقام بالأمر بعزم تأنيه وحزم تأتيه وعز تأبيه فعرف افتقاره إلى معرفتي وفقري وإلى عطل الملك ومحله من غزارة حلب دري ونضارة حلي دري فكتبت له وحليت من الملك عطله ووشيت الكتب ووشعتها وجليت الرتب ووسعتها وهززت اليراعة وأغزرت البراعة وهجرت الجماعة ولزمت القناعة. هذا هو الإعجاب بالنفس بل إعجاب الفرس تراه ماثلا من أول كتابه إلى آخره فقد قال في مقدمته: وأودعته من فوائد الكلام والفرائد الفذ والتؤام دار السحاب ودر السحاب وسميته الفتح القدسي تنبيها على جلالة قدرة وتنويها بدلالة فخره وعرضته على القاضي الأجل الفاضل وهو الذي في سوق فضله تعرض بضائع الفضائل فقال لي سمه (الفتح القسي في الفتح القدسي) فقد فتح الله عليك بفصاحة قس وبلاغته وصاغت صيغه بيانك فيه ما يعجز ذوو القدرة في البيان عن صياغته. أظن أن القاضي الفاضل على جلالة شأنه ما كان يستحق هذا الإعظام من العماد لو لم يكن نوه له بكتابه على أن للعماد من المزايا التي يفاخر بها ما قد يغفر له هذا التبجح ولكن كثيرين يفاخرون وليس عندهم شيء من المزايا. نشأ العماد بأصبهان وقدم بغداد في حداثته وتفقه بالمدرسة النظامية وأقام بها مدة (ابن خلكان) ولما تخرج ومهر تلق بالوزير عون الدين يحيى بن هبيرة ببغداد فولاه النظر بالبصرة ثم بواسط فلما توفي أقام العماد مدة في عيش منكد وجفن مسهد ثم انتقل إلى دمشق ( ٥٦٢ هـ) وسلطانها يومئذ الملك العادل نور الدين وعرفه والد صلاح الدين فأحسن إليه وأكرمه وميزه عن الأعيان والأماثل وعرفه صلاح الدين ومدحه بقصيدة ثم إن القاضي كمال الدين الشهروزي نوه بذكره عند السلطان نور الدين وعدد عليه فضائله وأهله لكتابة الإنشاء قال العماد فبقيت متحيرا في الدخول فيما ليس من شأني ولا وظيفتي ولا تقدمت لي به دراية ولقد كانت مواد هذه الصناعة عتيدة عنده لكنه لم يكن قد مارسها فجبن عنها في الابتداء فلما باشرها هانت عليه وأجاد فيها واتى فيها بالغرائب وكان ينشأ الرسائل باللغة المعجمية أيضا وحصل بينه وبين صلاح الدين في تلك المدة مودة أكيدة وامتزاج تام ولما اخذ صلاح الدين دمشق حضر بين يديه وأنشده قصيدة أطال نفسه فيها ثم لزم الباب ينزل لنزول السلطان ويرحل لرحيله فاستمر على عطلته مديدة وهو يغشى مجالس السلطان وينشده في كل وقت مدائح ويعرض بصحبته القديمة ولم يزل على ذلك حتى نظمه في سلك جماعته واستكتبه واعتمد عليه وقرب منه فصار من جملة الصدور المعدودين والأماثل المشهورين يضاهي الوزراء ويجري في مضارهم وكان القاضي الفاضل في أكثر أوقاته ينقطع عن خدمة السلطان ويتوفر على مصالح الديار المصرية والعماد ملازم للباب بالشام وغيره وهو صاحب السر المكتوم وصنف التصانيف القائمة من ذلك كتاب جريدة القصر وجريدة العصر جعله ذليلا على زينة دمية الدهر تأليف أبي المعالي سعد بن علي الوراق الخطيري والخطيري جعل كتابه ذليلا على دمية القصر وعصره أهل العصر للباخرزي والباخرزي جعل كتابه ذليلا على يتيمة الدهر للثعالبي والثعالبي جعل كتابه ذليلا على كتاب البارع لهرون بن علي المنجم. وقد ذكر العماد في جريدة الشعراء الذين كانوا بعد المائة إلى سنة اثنين وسبعين وخمسمائة وجمع شعراء العراق والعجم والشام والجزيرة ومصر والمغرب ولم يترك أحدا إلا النادر الخامل وأحسن في هذا الكتاب وهو في عشر مجلدات وصنف كتاب البرق الشامي في سبع مجلدات وهو مجموع تاريخ وبدأ فيه بذكر نفسه وصورة انتقاله من العراق إلى الشام وما جرى له في خدمة السلطان نور الدين محمود وكيفية تنقله بخدمة السلطان صلاح الدين وذكر شيئا من الفتوحات بالشام وهو من الكتب الممتعة وانما سماه البرق الشامي لأنه شبه أوقاته في تلك الأيام بالبرق لطيبها وسرعة انقضائها وصنف كتب الفتح القسي في الفتح القسي في مجلدين يتضمن كيفية فتح البيت المقدس وصنف كتاب السيل على الذيل جعله ذليلا على الذيل لابن السمعاني وهو ذيل على كتاب جريدة القصر وصنف كتاب نصرة الفترة وعصرة القطرة في أخبار الدولة السلجوقية (مطبوع) وله ديوان رسائل وديوان شعر في أربع مجلدات ونفسه في قصائده طويل وله ديوان صغير جميعه دوبيت وكان بينه وبين القاضي الفاضل مكاتبات ومحاورات لطاف. ولم يزل العماد الكاتب على مكانته ورفعة منزلته إلى أن توفي السلطان صلاح الدين رحمه الله تعالى فاختلت أحواله وتعطلت أوصاله ولم يجد في وجهه باباً مفتوحا فلزم بيته وأقبل على الاشتغال بالتصانيف وكانت ولادته يوم الاثنين ثاني جمادى الأخرى سنة تسع عشرة وخمسمائة بأصبهان وتوفي يوم الاثنين مستهل سهر رمضان سنة سبع وتسعين وخمسمائة بدمشق ودفن في مقابر الصوفية خارج باب النصر. أما ابن شداد مؤلف السيرة الصلاحية فقد ولد بالموصل سنة ٥٣٩ وحفظ بها القرآن الكرين في صغره وتخرج بضياء الدين القربطي وبابن الشيرجي والطومي الخطيب وغيرهم قرأ عليهم القرآن القراءات والتفسير والحديث والفقه والخلاف والأدب واللغة وأعاد بالمدرسة النظامية وحج في سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة وزار بيت المقدس والخليل ثم دخل دمشق والسلطان صلاح الدين محاصر قلعة كوكب فذكر أنه سمع بوصوله فاستدعاه إليه فظن أنه يسأله عن كيفية قتل الأمير شمس الدين فإنه كان أمير الحاج في تلك السنة من جهة صلاح الدين وقتل على جبل عرفات فلما دخل عليه ذكر انه قابله بالإكرام التام وما زاد على السؤال عن الطريق ومن كان فيه من مشايخ العلم والعمل وسأله عن جزء من الحديث ليسمعه عليه فأخرج له جزءاً جمع فيه أذكار البخاري وأنه قرأه عليه بنفسه فلما خرج من عنده تبعه عماد الدين الكاتب الأصبهاني وقال له: السلطان يقول لك إذا عدت من الزيارة وعزمت على العود فعرفنا بذلك فلنا إليك مهم فأجلبه بالسمع والطاعة فلما عاد عرف بوصوله فاستدعاه وجمع له في تلك المدة كتابا يشتمل على فضائل الجهاد وما أعد الله سبحانه وتعالى للمجاهدين يحتوي على مقدار ثلاثين كراسة خرج إليه واجتمع به ببقعة حصن الأكراد وقدم له الكتاب الذي جمعه وقال إنه كان عزم على الانقطاع في مشهد لظاهر الموصل إذا وصل إليها ثم أنه اتصل بخدمة صلاح الدين في مستهل جمادى الأولى سنة أربع وثمانين وخمسمائة ثم ولاه قضاء المعسكر والحكم بالقدس الشريف ولما توفي صلاح الدين كان حاضرا وتوجه إلى حلب لجمع كلمة الأخوة أولاد صلاح الدين وتحليف بعضهم لبعض وكتب الملك الظاهر غياث الدين ابن صلاح الدين إلى أخيه الملك الأفضل نور الدين علي بن صلاح الدين صاحب دمشق يطليه منه فأجابه إلى ذلك فأرسله الملك الظاهر إلى مصر لاستخلاف أخيه الملك العزيز عماد الدين عثمان بن صلاح الدين وعرض عليه الظاهر الحكم بحلب فلم يوافق على ذلك ثم ولي قضائها ووقوفها وكانت حلب في ذلك الزمان قليلة المدارس وليس بها من العلماء الأنفر يسير فاعتنى ابن شداد بترتيب أمورها وجمع الفقهاء بها وعمرت في أيامه المدارس الكثيرة وكان الملك الظاهر قد قرر له إقطاعاً جيداً يحصل منه جملة مستكثرة ولم يكن له خرج كثير فإنه لم يولد له ولا كان له أقارب فتوفر له شيء كثير فعمر مدرسة للشافعية وداراً للحديث في حلب ولما صارت حلب على هذه الصورة قصدها الفقهاء من البلاد وحصل بها الاشتغال والاستفادة وكثر الجمع بها. وكان ببدء القاضي أبو المحاسن بن شداد حل الأمور وعقدها لم يكن لأحد معه في الدولة كلام وكان سلطانها الملك العزيز أبو المظفر بن الملك الظاهر بن السلطان صلاح الدين وهو صغير السن تحت حجر الطواشي شهاب الدين أبي سعيد طغرل وهو أتابكه وتولى أمور الدولة بإشارة القاضي أبي المحاسن لا يخرج عنهما شيء من الأمور وكان للفقهاء في أيامهم حرمة تامة ورعاية كبيرة خصوصا جماعة مدرسته فإنهم كانوا يحضرون مجالس السلطان ويفطرون في شهر رمضان على سماطة. قال صاحب وفيات الأعياد بعد إيراد ما تقدم تحصيله وكان القاضي أبو المحاسن المذكور سلك طريق البغاددة في ترتيبهم وأوضاعهم حتى أنه كان يلبس ملبوسهم الرؤوساء والرؤوساء يترددون إليه وكانوا ينزلون عن دوابهم على قدر أقدارهم لكل واحد منهم مكان معين لابتعاده ثم أنه تجهز إلى الديار المصرية لإحضار ابنه الملك الكامل بن الملك العادل للملك العزيز صاحب حلب وكان قد عقد لهم عليها فار في أول سنة تسع وعشرين وستمائة وعاد وقد جاء بها ولما وصل كان قد استقل الملك العزيز بنفسه ورفعوا عنه الحجر ونزل الأتابك طغرل من القلعة إلى داره تحت القلعة واستولى على الملك العزيز جماعة من الشباب الذين كانوا يعاشرونه ويجالسونه فاشتغل بهم ولم يرى القاضي ابن المحاسن وجها يرضيه فلازم داره إلى حين وفاته وهو باق على الحكم وإقطاعه جار عليه غابة ما في الباب إنه لم يبقى له حديث في الدولة وكانوا يراجعونه في الأمر فكان يفتح بابه لإسماع الحديث كل يوم بين السلاطين واستمر على ذلك حتى توفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة في حلب وصنف كتابه ملجأ الحكام عند التباس الأحكام بتعليق بالأقضية في مجلدين وكتاب دلائل الأحكام تكلم فيه على الأحاديث المستنبط منها الأحكام في مجلدين وكتاب الموجز الباهر في الفقه وكتاب سيرة صلاح الدين وغير ذلك وجعل داره خانقه للصوفيه. هذان هما الرجلان اللذان تعلقا بخدمة صلاح الدين وحرص عليهما على أدلالهما عليه فنفقت بضاعتهما في سوقه والدولة سوق يحمل إليها ما يروج فيها ومع ما كانا فيه من السعة لم تلهما الدنيا عن التأليف والتدريس وإحياء معالم العلم والأدب فأثرا بفضلهما في حياتهما وبعد موتهما كتب العماد السيرة الصلاحية ممزوجة بالأدب ومع ذلك لم يفته الغرض من التاريخ حتى أنه قال فيما تم عليّ الأسطول من فصل فانشقت مرائر الفرنج وأزاحت سفنها عن النهج وقرنصت بزاة البيزانية وتقلصت جناة الجنوية وكرثت أدواء الداوية وكثرة أسواء الاسبتارية وزادت آلام الألمانية وعادت أسقام الافرنسسيية. مما دل على أنه كان يعلم أجناس المحاربين ومما ذكره أيضا في ذكر ما تجدد لملك الانكتير (انكلترا) من المراسلة والرغبة في المواصلة قال: وصلت رسل ملك الانكتير إلى العادل بالمصافحة على المصفاة والمواتاة في الموافاة وموالاة الاستمرار على الموالاة والأخذ بالمهداة والترك للمعاداة والمظاهرة بالمصاهرة وترددت الرسل أيام وقصد التئاما وكادت تحدث انتظاما واستقر تزوج الملك العادل بأخت ملك الانكتير وأن يعول عليهما من الجانبين في التدابير على أن يحكم العادل في البلاد ويجري فيها الأمر على السداد وتكون المرأة في القدس مقيمة مع زوجها وشمسها من قبوله في أوجها ويرضي العادل مقدمي الفرنج والداوية والاسبتار ببعض القرى ولا يمكنهم من الحصون التي في الذرا ولا يقيم معها في القدس الأقسسيون ورهبان ولهم منا أمان وإحسان واستدعاني العادل والقاضي بهاء الدين بن شداد وجماعة من الأمراء من أهل الراية والسداد وهم علم الدين سليمان بن جندر وسابق الدين عثمان وعز الدين بن القدم وحسام الدين بشارة وقال لنا تمضون إلى السلطان وتخبرونه عن هذا الشأن وتسألونه أن يحكمني في هذه البلاد فلما جئنا إلى السلطان عرف الصواب وما أخر الجواب وشهدنا عليه بالرضا وعاد الرسول إلى ملك الانكتير بفضل أمر الوصلة وإراحة الجملة وإزاحة العلة واعتقدنا أن هذا الأمر قد تم إلى أن قال وبلغ الخبر إلى مقدميهم ورؤسائهم فقصوه على قوسهم وعثروا على عروسهم فجبوها بالعذل واللذع ثم رضيت على شرط الموافقة في الدين فأنف العادل إلى آخر ما ذكر. بيد أن الصراحة في كلام ابن شداد أكثر لأنه لم يتقيد بالسجع والترصيع وأنواع البديع المريع فقال في ذكر ملك الانكتار: وهذا ملك الانكتار شديد البأس بينهم عظيم الشجاعة قوي الهمة لهم وقعات عظيمة وله جسارى علي الحر وهو دون الفرنسيس عندهم في الملك والمنزلة لكنه أكثر مالاً منه وأشهر في الحرب والشجاعة وكان من خبره أنه وصل إلى جزيرة قبرص ولم يرى أن يتجاوزها إلا وأن تكون له وفي حكمه فنازلها وقاتلها فخرج إليه صاحبها وجمع له خلقاً كثيراً وقاتلهم قتالاً شديداً. . . . ولما كان يوم النبت ثالث عشر الشهر قدم ملك الانكتار بعد مصالحته لصاحب جزيرة قبرص والاستيلاء عليها وكان لقدومه روعه عظيمة ووصل في خمس وعشرين ثانية مملوءة بالرجال والسلاح والعدد وأظهر الإفرنج مسروراً عظيماً حتى أنهم أوقدوا تلك الليلة نيراناً عظيمة في خيامهم ولقد كانت النيران مهولة عظيمة تدل على عدة عظيمة كبيرة وكان ملوكهم يتواعدوا أننا به فكان المستأمنون منهم يخبروننا عنهم أنهم متوقنون فيها يريدون أن يفعلوا من مضايقة البله (عكا) حتى قدومه فإنه ذو رأي في الحرب مجرب وأثر قدومه في قلوب المسلمين خشية ورهبة. . . . وقال من فصل: كنت ذكرت وصول رسول منهم يلتمسون من جانب الانكتار أن يجتمع بالسلطان وذكرت عذر السلطان عن ذلك وانقطع الرسول وعاد معاوداً في المعنى وكان حديثه مع الملك العادل ثم هو يلقيه إلى السلطان واستقر أنه رأى أن يأذن له في الخروج ويكون الاجتماع في المرج والعساكر محيطة بهما ومعهما ترجمان فلما أذن في ذلك تأخر الرسول أياماً عنده بسبب مرضه واستفاض أن ملوكهم اجتمعوا عليه وأنكروا عليه ذلك وقالوا هذه مخاطرة بدين النصرانية ثم بعد ذلك وصل رسول يقول لا تظن تأخري بسبب ما قيل فإن زمان قيادي مفوض إليّ وأنا أحكم ولا يحكم عليّ غير أني في هذه الأيام اعترى مزاجي التياث منعني عن الحركة فهذا كان العذر في التأخير لا غير وعادة الملوك إذا تقاربت منازلهم أن يتهادوا وعندي ما يصلح للسلطان وأنا استخرج الأذن في إيصاله إليه فقال له الملك العادل قد أذن في ذلك بشرط قبول المجازاة على الهدية فرضي الرسول بذلك وقال الهدية شيء من الجوارح قد جلب من وراء البحر وقد ضعف فيحسن أن يحمل إلينا طير ودجاجة حتى نطعمها لتقوى ونحملها فداعبه الملك العادل وكان فقيهاً فيما يحدثهم به فقال الملك قد احتاج إلى فراريج ودجاج ويريد أن يأخذها منا بهذه الحجة ثم انفصل حديث الرسالة في الآخر على أن قال الرسول ما الذي أردتم منا أن كان لكم حديث فتحدثوا به حتى نسمع فقيل له عن ذلك نحن ما طلبناكم أنتم طلبتمونا فإن كان لكم حديث فتحدثوا به حتى نسمع وانقطع حديث الرسالة إلى سادس جمادى الأخرى فخرج رسول الانكتار إلى السلطان ومعه إنسان مصري قد أسروه من مدة طويلة وهو مسلم قد أهداه إلى السلطان فقبله وأحسن إليه وأعاده مشرفاً مكرماً إلى صاحبه وكان غرضه بتكرار الرسائل تعرف قوة النفس وضعفها وكان غرضنا بقبول الرسائل تعرف ما عندنا من ذلك أيضاً. وقال في مشورة ضربها في التخيير بين الصلحين بين الانتكار والمركيس: واصل التعاقد أن الملك (الانتكار) قد بذل أخته للملك العادل بطريق التزويج وأن تكون البلاد الساحلية الإسلامية والإفرنجية لهما فإما الإفرنجية فلها من جانب أخيها والإسلامية له من جانب السلطان وكان آخر الرسائل من الملك في المعنى أن قال أن معاشر دين النصرانية قد أنكروا عليّ وضع أختي تحت مسلم بدون مشاورة البابا وهو كبير دين النصرانية ومقدمة وها أنا أسير إليه رسولاً يعود من ستة أشهر فإن أذن فيها ونعمت وإلا زوجتك ابنة أخي وما أحتاج إلا أذنه في ذلك هذا كله وسوق الحرب قائم والقتال عليهم ضربة لازم. وقال في عود الرسول من قبل ملك الانتكار: وادي الرسالة وهي أن الملك يسأل ويخضع لك أن تترك له هذه الأماكن الثلاثة عامرة وأي قدر لها في ملكك وعظمتك وما من سبب لإصراره عليها إلا أن الإفرنج لم يسمحوا بها وقد ترك القدس بالكلية فلا يطلب أن يكون فيه رهبان ولا قسوس إلا في القمامة وحدها فأنت تترك له هذه البلاد ويكون الصلح عاماً فيكون لهم كل ما في أيديهم من الدارون إلى أنطاكية ولكم ما في أيديكم وينتظم الحال ويروج وأن لم ينتظم الصلح فالإفرنج لا يمكنوه من الرواح ولا يمكن مخالفتهم فأنظر إلى هذه الصناعة في استخلاص الغرض باللين تارة والخشونة أخرى وكان مضطراً إلى الرواح وهذا عمله مع اضطراره والله الولي في أن يقي المسلمين شره فما بلونا أعظم حيلة وأشد إقداماً منه. تاريخ السياسة الأوروبية الحاضرة يفرد الغربيون كل العلوم بتأليف خاصة بل يفردون العلم الواحد بفروع كما هو الحل في التاريخ فقد وضع المسيو شارل سينوبوس أستاذ التاريخ في كلية باريز وصاحب كتاب تاريخ الحضارة الذي عربنا أكثره ونشرناه بين أهل العربية هذا الكتاب في تاريخ السياسة الأوروبية الحاضرة: أفاض في نشوء الأحزاب السياسية وأشكال الحكومات وتقلبات السياسة في أوروبة منذ سنة ١٨١٤ إلى سنة ١٨٩٦ أي منذ سقوط نابليون أيام كان الحاكم المتحكم على كثير من بلاد أوروبا يتدخل في شؤونها الداخلية والخارجية ويحكمها حكماً عسكرياً قاسياً بل كان ببسط نفوذه مباشرة أو بالواسطة على جميع شعوب أوروبا فيحكم الإمبراطورية الفرنسوية مباشرة وهي ليست فقط فرنسا القديمة والبلاد المضافة إلى الجمهورية (كالبلجيك وولايات الريم) بل أجزاء من سويسرا وثلث ايطايا وبلاد القاع والولايات الألمانية الواقعة على شواطئ بحر الشمال والولايات الايليرية (الأسبانية) فيحكم هذه البلاد حكما مطلقاً كما كان يحكم الممالك المجاورة التي ارتبط معها بمعاهدات هجومية ودفاعية مثل ممالك اسبانية ونابولي وإيطالية وفستوفالية التي ولي عليها أقاربه وممالك ألمانية المنضمة تحت لواء اتحاد الريم وسويسرا والدانمارك واضطر سنة ١٨١٢ المملكتين الألمانيتين المستقلتين النمسا وبروسيا إلى الانضمام إليه ضد روسيا ولم يبقى خارجاً عن سلطانه إلا أطراف أوروبة مثل انكلترا وروسيا والسويد وصقلية والبرتغال وكان عصاة أسبانية يناوشونه القتال وهكذا كانت أوروبا بأجمعها منقسمة إلى معسكرين: نابليون وأعداؤه. بدأ المؤلف بالكلام على انكلترا وذلك لأنها كما قال كانت في القرن التاسع عشر المثال السياسي لأوروبا فالشعب الانكليزي هو الذي أنشأ الطريقة السياسية التي اتبعتها أوروبا المعاصرة والحكم الدستوري والحكم النيابي وضمانات الحرية واقتدت به بقية الأمم والأحزاب التي اتصفت بها الحياة السياسية في القرن التاسع عشر (مثل الدستوري والنيابي والمتطرف والاشتراكي) قد تألفت في انكلترا قبل أن تظهر في الممالك الأخرى ولذا بدأ بانكلترا في الكلام على التاريخ السياسي في أوروبا. تكلم على الحومة المركزية في انكلترا والسلطات المحلية وطريقة انتخاب النواب والكنائس وتأليف الجمعيات وحالة إيرلاندا وحالة الإصلاح وتحرير الكاثوليك والإصلاح في الانتخابات وذكر البواعث التي حملت أهل إيرلاندا على المطالبة بحقوقهم وكان منها انتشار مرض البطاطا سنة ١٨٤٥ والمجاعة التي حدثت هناك سنة ١٨٤٦ فكان الجياع يقصدون المدن يجمعون نفايات البقول ويأكلون الأعشاب أو مسواك القرود والطرق وقد بعثرت فيها الجثث فهلك الشعب بكثرته من الشقاء أو هاجر إلى أميركا فلم تلبث إيرلاندا أن سقطت نفوسها من ٨١٧٠٠٠٠ نسمة إلى ٦٥٠٠٠٠٠ نسمة سنة ١٨٥١ وأخذ الشعب منذ ذلك الحين يقلّ فبلغ ٥١٠٠٠٠٠ نسمة سنة ١٨٨١ و ٤٧٠٠٠٠٠ نسمة سنة ١٨٩١ . وتكلم على الطرق السياسية التي عمد إليها الايرلنديون لمداواة هذا الأمراض. وجود الكلام على انكلترا بين الاصطلاحين سنة ١٨٣٢ - ١٨٦٧ وفيه فصول في الإصلاح الإداري وهياج العملة وثورة ايرلندا وهياج حرية المقايضة والأزمة الايرلندية والنشوء الديمقراطي وغير ذلك. وكلام طويل على الأحزاب الانكليزية بعد سنة ١٨٦٨ وما قامت به من جلائل الأعمال وكيف تألف حزب استقلال إيرلاندا الإداري وما أتاه للوصول إلى غرضه وكيف تألفت الأحزاب الاشتراكية وما قام به وزراء انكلترا في السياسة الداخلية والخارجية مثل الوزير ديزرائيلي الذي كان يهيج العواطف الوطنية الانكليزية باتخاذ سياسة الحرب والضرب باسم الشرف الانكليزي الذي أهين بسياسة الحياد الذي جرى عليها غلادستون وأهاج الشعور الوطني بأمرين: المستعمرات الانكليزية والمسألة الشرقية فكان الأحرار يرمون في سياستهم إلى الزهد في المستعمرات وإرادة انفصالها عن بريطانيا العظمى لأنها تكلف نفقات باهظة وصرح الحزب المحافظ بأنه يريد سلامة المملكة البريطانية وحاول ان يقوي الصلات بين المستعمرات وانكلترا بوحدة عسكرية وتجارية فنادت الحكومة ببيعة الملكة إمبراطورة على الهند وحاولت إنشاء وحدة أو اتحاد في إفريقيه الجنوبية انتهى بحرب الترنسغال. وصرح ديزرائيلي في المسألة الشرقية بأنه يود سلامة المملكة العثمانية فأوقفه غلادستون زمناً بإهاجة الرأي العام ضد العثمانيين لارتكابهم الفظائع في بلغاريا وعقدت سنة ١٨٧٦ في المدن الكبرى بانكلترا عدة احتجاجات يظهر فيها الشعب الانكليزي سخطه على مرتكبي تلك المظالم فاستحسن مجلس النواب سياسة التداخل فعمدت انكلترا إلى نفس السياسة التي اتخذتها في حرب القريم وهي سياسة العداء وقامت بعمل فعلي في أوروبا. وختم المؤلف كلامه بالفصل الآتي تعريبه وهو في النشوء السياسي في انكلترا: ان انكلترا هي الدولة الأوروبية الوحيدة التي اجتازت القرن التاسع عشر بدون ان تقوم بثورة فاحتفظت بدستورها القويم ولم تمسه وكذلك بأصول حكومتها وقد نسي الأجانب الثورات التي نشبت في القرن السابع عشر واستنتجوا من ذلك ان الثبات السياسي ملازم للأخلاق الانكليزية ومع هذا فان نحت هذه الصور الباقية غير المتحولة قد تبدلت الحياة السياسية من حيث العمل تبدلاً مهماً وذلك من ابتداء القرن إلى أواخره بحيث خرجت انكلترا من طريقة حكمها القديمة فقد كانت الأمة الانكليزية سنة ١٨١٤ خاضعة بعد لطبقة من الإشراف هي القابضة على زمام المجتمع والإدارة المحلية والحكومة المركزية فجدد القرن التاسع عشر النظام الاجتماعي بسنه سنة المساواة أمام القانون فألغيت القوانين والعادات التي كانت تقضي على الطبقات النازلة ولقول بعدم الكفاءة السياسية في المخالفين في الدين مثل الكاثوليك والإسرائيليين ومثل شقاء الملاحين وسقوط المحاويج المعانين ومنع عقد جمعيات العملة وسلبت الإدارة المحلية من طبقة الأشراف من أهل البلاد وجعلت في يد مجالس ينتخبها السكان. فأبقت الحكومة المركزية على مظاهرها ولكن تبديل الجماعات المنتخبة قد اختط لها خطة جديدة فأصبح مجلس العموم بعد ان كان طائفة من المقننين الأشراف مجلسا يضم نواب الأمة وأخذ بالتدريج يقضي على حكومة الملك والنبلاء (اللوردات) حتى كاد يمسي مجلساً ذا سلطة مطلقة وصيرت الوزارة التي يجب ان تكون مجلس الملك جمعية تنفيذية لمجلس النواب وهكذا انتقلت انكلترا من الحكم الدستوري إلى الحكم النيابي وطرية حكمها النيابي تتحول إلى طريقة الحكم الشعبي أو جمهورية يحكمها مجلس منتخب انتخاباً ديمقراطياً. وكان هذا النشوء في المجتمع والحكومة على قاعدة ديمقراطية مناقضا مناقضة صريحة للدستور الارستوكراطي في المجتمع الانكليزي الذي لم تحفل به زمنا طويلا فقد بدئ بتنفيذ هذا الدستور منذ أربعين سنة بحيث ان العالم تين (سنة ١٨٧٠ ) لم يتكلم عليه على انه لم يحدث من تحول داخلي في المجتمع الانكليزي بل جاء به من الخارج ولم ينشأ إلا من كيفية تأليف المملكة الانكليزية المؤلفة من أجزاء متخالفة متباينة. ليست المملكة المتحدة بريطانية العظمى وإيرلاندا التي يدعوها بانكلترا على غير حقيقتها أمة كفرنسا بل هي مجتمع أمم قديمة (غاليون وايكوسيون وإيرلانديون) خضعت لسلطان أمة متغلبة وظلت مباينة لها في نظامها الاجتماعي والديني وربما ساغ ان تدعى أمة جديدة ذاك المجتمع الصناعي الذي نشأ منذ أوائل القرن الثامن عشر في الأصقاع المقفرة في الغرب والشمال من انكلترا. فانكلترا القديمة أي انكلترا الجنوب والشرق التي نظمت الحكومة والكنيسة كانت ارستوكراطية وانكليكانية ولا تزال كذلك اليوم خاضعة لإشرافها وكهنوتها وقد ظلت سياج الحزب المحافظ وحصنه الحصين أما سائر أمم المملكة فلم تكن لها صلة بالأشراف ولا بالكنيسة الانكليكانية بل كانت ايكوسيا من الشيعة البرسبتارية ديمقراطية في مناحيها وإيرلاندا كاثوليكية معادية لنبلاء الانكليز وبلاد الغال وانكلترا الجديدة الصناعية في الشمال والغرب يسكنها ناس من المخالفين. فكانت هذه المجتمعات الديمقراطية والمخالفة معادية بالطبع للحكم الذي يبعدها من السلطة ويجعل أديانها غير معتبرة رسمياً وهي التي تألفت منها الأحزاب المعارضة للنبلاء الانكليز والكهنوت الانكليكاني. والايكوسيون والايرلانديون والغاليون وانكليز الشمال والغرب هم الذين ألفوا ويؤلفون بعد سواد الحزب الحر والحزب الراديكالي وهم الذين أدخلوا على انكلترا القديمة تغييراً ديمقراطياً. بيد ان انكلترا القديمة التي كان فيها بلاط الملك والحكومة قد انتفعت من ذلك للمحافظ على طريقة الحكم القديمة ومد سلطانها على رعايا بريطانيا العظمى وبمقاومتها للجديد من الحالات حتى ينفذ صبر رعاياها قد توصلت إلى ان تخفف كثيراً التحول نحو الديمقراطية وهكذا كان التبديل البطيء في الأوضاع الانكليزية على نسبة القوى الهائلة التي استخدمها المعارضون. لم يبدأ الحزب الديمقراطي ببث دعوته في مملكة من ممالك أوروبا قبل ان يبثها في انكلترا فان هذه سبقت العالم لأول مرة في القرن التاسع عشر وذلك انه بواسطة الراديكاليين سنة ١٨١٩ قد وضعت الخطة السياسية لجميع الأحزاب الديمقراطية في أوروبا. وما من حزب ديمقراطي قد استجاش له أنصاراً وأعواناً أكثر من الراديكاليين والشارتيين والايرلنديين والمتظاهرين من العملة سنة ١٨٦٦ فقد كانت انكلترا بلاد الاضطرابات والتظاهرات الهائلة بيد ان هذه الجماهير الديمقراطية المحترمة بمشروعية مطالبها قد وقفت أمام مقاومة الحكومة الارستقراطية التي كانت قابضة على زمام الأمر فكبحت جماح مخالفيها من دون عناء بتوقيف المشاكسين وسن قوانين استثنائية والاستكثار من الجند. ونال هؤلاء الجماعات في نصف قرن بما قاموا به من التظاهرات أكثر مما نالته حفنة من الجمهوريين الفرنسويين في يوم واحد وقد عمدت إلى القوة بل انها رأت لإكراه الارستقراطيين المحافظين على التنازل عن شيءٍ من حقوقهم انه من اللازم ان يحالفوا الارستقراطيين الأحرار ويندمجوا فيهم واضطروا إلى الاكتفاء بالإصلاحات الجزئية التي رضي حلفاؤهم بإعطائها وهكذا وضع في صورة تحكيم قانون الانتخاب النصف العام والتعليم الابتدائي النصف إجباري ونصف المساواة بين الأديان في إيرلاندا والإدارة المحلية النصف انتخابية وقانون العملة النصف ديمقراطي. وقد دبر الأمر رؤساء الأحرار في هذه الإصلاحات وكان لسواد الديمقراطيين من العملة الإيرلانديين بادئ الرأي في الإصلاح بد طولى ثم جرت التظاهرات النهائية بإخافة جماعة المحافظين فطلب قدماء الراديكاليين إصلاح الانتخاب من حيث الجملة ونزعوا الإصلاحات الانتخابية الجزئية التي جرت سنة ١٨٣٢ و ١٨٦٧ التي أعقبتها جملة من الإصلاحات الديمقراطية والعامية. وطالب الايرلانديون وحصلوا على المساواة السياسية في المعتقدات الدينية. وبعد ان نال الراديكاليون والايرلانديون جزءاً من السلطة السياسية بواسطة حق الرأي العام في الانتخاب دخلوا تدريجياً في الحزب الحر الانكليزي وانتهى بهم الأمر ان عرضوا عليه برنامجهم في الاستقلال الإداري والإصلاح الديمقراطي بحيث أصبح من الصعب التمييز بين الحر والراديكالي أو الايرلندي وقد سرت دعوة الراديكاليين الاتحاديين حتى إلى الحزب المحافظ نفسه بحيث أخذ يطالب بمطالب ديمقراطية. وهكذا تداعى بناء الحكم القديم الذي كان يدافع دوله أكثرية الانكليز الممتازة وذلك بضربات سواد المعارضين من غير الانكليز فانهار البناء قطعة قطعة وحل النظام الجديد أيضاً ب \ ون ان تكون له خطة مجموعة بالاحتفاظ بالملكية واللوردات المتوارثين خلفاً عن سلف وكنيسة الحكومة الممتازة ومجانية الوظائف الانتخابية وقيود حق الانتخاب العام فامتزجت أوضاع الأنقاض القديمة بطعم الجديدة في مجموع حوى المتناقضات حيث لا يمكن التبوء على التحقيق فيما سيزول أو يبقى قائماً وهكذا من الصفات المشوشة في الحياة السياسية في انكلترا الحالية. تكلم المؤرخ على سياسة الأحزاب بعد إخفاق أعلام نابليون الأول وتاريخ الانقلابات الفرنسوية أشبه بتاريخ الانقلابات العثمانية ولعلنا نحن المقلدون لها المتشعبون بآراء أهلها. مثال ذلك معاملة حكومة فرنسا للجرائد هناك بعد سنة ١٨١٩ وما أصدرته من القوانين لإرهاقها فقد جعلت على الصحف ضمانة باهظة وضربت عليها كما في الصحافة الانكليزية ضريبة وضع طابع بعشرة سنتيمات عن كل نسخة وخمسة سنتيمات أجرة البريد ولم تكن تباع الجرائد أعداداً مفردة بل لم يكن لها سوى مشتركين بأسعار غالية إذ انه يقضي على كل نسخة ان تدفع ١٥ سنتيما ضريبة. وكان الاشتراك من علائم الظرف خاصاً بالكبراء أو أهل اليسار وربما اشتراك بضعة منهم ليتقاسموا قيمة الاشتراك بينهم وكانت الصحف قليلة جداً ثلاثة أو أربعة لكل حزب ومجموع ما يطبع منها نحو سنة ١٨٣٠ لم يتجاوز الخمسة عشر ألفاً. وقد جاء في تقرير سري سنة ١٨٢٤ ان مجموع عدد نسخ الصحف السياسية المعارضة بلغ ٤١ ألفاً ومجموع ما تطبعه الصحف الموالية للحكومة ١٥ ألفاً. وقد عدوا من علائم النجاح الكبير سنة ١٨٣٠ ان كان عدد مشتركي جريدة الكونستيتوسيونل ٢٣ ألفاً وما كانت هذه الصحف تحتوي إلا على مقالات سياسية وأدبية غير موقع عليها على الطريقة الانكليزية وقد عدوا انقلابا شروع جريدة البريس بنشرها سنة ١٨٣٦ مقالات في موضوعات مختلفة وعد من العار العظيم ما أتته جريدة البريس من نشر إعلانات مأجورة لتغطية نفقاتها وكانت الجرائد على عهد الحكومة الملكية غالية الثمن فارغة من المادة متشابهة المآل قلما تشبه صحف هذه الأيام ومع هذا كان لها بعددها القليل تأثير كبير في مشتركيها وإذ كان الفرد لا يطالع سوى جريدته كان رأيه رأي جريدته فقط. سن مجلس النواب الفرنسوي سنة ١٨٢٢ قانونا للصحافة يقضي باستحصال رخصة قبل إنشاء الجريدة وان يكون للحكومة الحق بإيقافها وان تنظر في دعاويها محاكم عادية مؤلفة من حكام مستقلين عن الحكومة وألغيت المراقبة ولكن الوزارة يحق لها ان تعيدها بأمر منها وقد جرى البحث أيضاً لمنع إنشاء جريدة جديدة وان تبتاع الجرائد القديمة واحدة بعد أخرى. وبالحقيقة ان الصحافة كانت خاضعة لطريقة غريبة من الدعاوي والأحكام بحيث أصبحت المعارضة مستحيلة تقريباً حتى ان الحكومة إذا لم تجد مادة لمحاكمة الصحيفة تقيم على مديرها دعوى ترميه فيها بهوى في النفس وتحكم عليه بسلسلة مقالات لا سبيل إلى الحكم بها مفردة ولكنها إذا وضعت بعضها مع بعض تدل على أهواء مهيجة. قال سينويوس من فصل في النشوء السياسي في فرنسا خلال القرن التاسع عشر: يظهر التاريخ السياسي في فرنسا منذ قرن لأول وهلة سلسلة غير مرتبطة الأجزاء من الثورات ومن ذلك وقر في صدور العالم خارج فرنسا ان الفرنسيس وحدهم شعب ذو أهواء في السياسة لا يعرفون ما يريدون وهذا عين ما كان يقال في الانكليز أواخر القرن التاسع عشر واليك مع هذا نظرة في تلك الثورات المغمضة التي بدت فيها في مظهر نشوء مدرك للغاية فقد كانت الأمة الفرنساوية في أواخر القرن الثامن عشر ملكية وان كانت أخذت تسير نحو الديمقراطية والعامية ولا سيما في المدن وأصقاع الشرق والجنوب حيث المجتمع أقرب إلى ان يكون ديمقراطياً والفلاحون أكثر عدداً وكبار المالكين أقل نفوذا ومن هذه السواد القائل بالملكية والديمقراطية انشق سنة ١٧٩٢ بما قام من شق عصا الطاعة للملك والبلاط الملكي حزب ثوري صغير لم يلبث ان أصبح جمهورياً على خلاف إرادته إلا قليلا وهو حزب قليل العدد عقد العزم ان يتولى زمام الأمر وبالقوة ان اقتضى الحال فاستولى على الحكم من سنة ١٧٩٢ إلى ١٨٧٠ أربع مرات وكان توليه له بطريقة واحدة وهو ضرب مركز الحكومة في باريز وإذ كان أشياعه قلائل لم يتيسر له ان يستولي كل الاستيلاء بصورة قطعية وذلك لان الأكثرية من الملكيين تعزم في الحال على تأسيس حكومة ملكية فتبدد الجمهوريين وهكذا كان يتبع كل انقلاب جمهوري إعادة الحكم الملكي فيدوم ريثما يقوم جيل جديد يتقوى به رجال الجمهورية ويكثرون سوادهم للقيام بانقلاب جديد ولكن كانت كل ثورة تحمل معها شطرا من أهل الحكم القديم (الملكية) ممن لا يستطيع البقاء بإعادة سلطانه وهذا التقلب حدث مرات أربعاً. وهكذا أفاض المؤلف في الكلام على كل دولة في أوروبا فتكلم على بلاد القاع (بلجيكا وهولاندة) وسويسرا وثوراتها السلمية البديعة واسبانية والبرتغال وايطاليا وألمانيا قبل الوحدة الألمانية والنمسا على عهد حكومتها المطلقة ومملكة بروسيا قبل غليوم الأول على الوحدة الألمانية والإمبراطورية الألمانية وكل ذلك بلسان المؤرخ المنصف الذي لا تأخذه العصبية لقومه ما أمكن وأفاض في النظام الدستوري في النمسا والمجر وذكر بلاد السكنديناف ومملكة بروسيا وبولونيا والمملكة العثمانية والأمم النصرانية في البلقان أي رومانيا واليونان والصرب والجبل الأسود والبلغار وعقد فصولاً في آخر سفره البديع في تحول الشروط المادية في الحياة السياسية وفي الكنيسة والأحزاب الكاثوليكية وفي أوروبا على عهد حكم مترنيخ من سنة ١٨١٥ - ١٨٣٠ وفي منافسة روسيا لانكلترا ١٨٣٠ - ١٨٥٤ وفي تفوق فرنسا والحروب الأهلية سنة ١٨٥٤ - ١٨٧٠ وفي تفوق ألمانيا والسلام المسلح. ومما قاله في مملكة النمسا والمجر وما قام فيهما بشان مسائل اللغات ان بلاد المجر والنمسا قد أصبحت منذ ١٨٦٧ مملكتين مختلفتين لكل منهما حياته السياسية الداخلية الخاصة ولكن اشتراكهما في الملك والسياسة الخارجية كان موطداً للتضامن بينهما ومؤثراً في سياستهما الداخلية وكان من احتلال النمسا لبلاد البوسنة سنة ١٨٧٨ معدلا للنشوء الداخلي في البلادين وعلى ذاك العهد كانت بلاد النمسا مزيجاً مختلف الجنس والطبائع من الشعوب وكانت الحياة السياسية بعد سنة ١٨٧٨ مستغرقة في الجهاد بين تلك الشعوب وكانت الأحزاب وطنية فانقسمت إلى مركزين أشياع الحكومة العامة التي يدير دفتها الألمان واتحاديين أشياع الحكومات المحلية التي يتولى إدارتها الصقالبة (السلافيون) أي التشك والبولونيون والسلافيون والخرواتيون وينقسم الألمان إلى أحزاب سياسية حزب الحكم القديم الارستقراطي الكاثوليكي أي المحافظ وحزب الديمقراطيين المحررين أي الأحرار ومما كان يزيد في تعقيد الحياة السياسية ان الأمم ليست شعوباً صريحاً تخالفها فما كان العناصر في بلاد النمسا والمجر يمتازون في العمل إلا بلغاتهم فتقوم جنسية المرء بلغته التي يستعملها وأصبح جزء من الألمان صقالبة جرمانيين ولذلك كانت الأمم في كل ولاية (أي الناس الذين يتكلمون بلسان واحد) غير متصلة الأجزاء بعضها بالأخر ممزوجة مزجاً ومنضدة تنضيداً فكانت اللغة الألمانية شائعة في معظم البلاد التي يرفرف فيها العنصر السقلبي اللسان الذي تتخاطب فيه المدن وكبار أرباب الأملاك والطبقة المتعلمة إذ كانت الألمانية لغة التجارة والبلاط الملكي والعلم والأدب وكان للغة الايطالية نفس تلك المكانة على شواطئ البحر الادرياتيكي وكان ثمة بلاد ألمانية برمتها أي مجرمنة لا أثر فيها للمنازعات الوطنية ولكن كان الاختلاف في اللسان في البلاد الأخرى منشأ عداوات بين السكان من أهل إقليم واحد بل بين أهل المدينة الواحدة وما كان النزاع يقوم فقط في المركز بين النواب في المجلس بشان السياسة العامة التي تتبعا الحكومة الملكية بل بين مجالس كل ولاية بمناسبة حقوق كل عنصر أي بسبب استعمال اللغات فان القانون الأساسي الذي أعلن مبدأ المساواة في الحقوق بين الأمم واللغات في المدرسة والوظائف والحياة السياسية قد وضع مسألة اللغة موضع النظر ولم يحلها فكان يحق لأهل كل لسان ان يكون لهم مدارس ابتدائية تعلم فيها لغاتهم (وذلك بصعوبة في القرى المختلطة اللغات والمدن التي يتكلم فيها أبناء الأسرة الواحدة لغات مختلفة ويعيشون مشتتين) أما التعليم الثانوي فيكون باللسان المحلي بحسب مبدأ المساواة وتعلم الألمانية تعليماً راقياً حباً بمصلحة التلامذة لأنها تفسح لهم السبيل إلى تلقف العلوم الحديثة وقد نشأت ارتباكات أخرى في تطبيق مبدأ المساواة بين اللغات في الوظائف والحياة السياسية وذلك لان وحدة الحكم تتطلب لغة واحدة للملكة للقيام بالأعمال العامة فكانت اللغة الألمانية في كل زمن في النمسا لغة الملك والحكومة والجيش بل اللغة الوحيدة التي يتفاهم بها أهل العناصر المختلفة فاقتضى ان يترك له هذا الامتياز ويقلل من المساواة في الإدارة المحلية والمحاكم ولكن ذلك مما يصعب تطبيقه بالعمل فلا يكفي إنشاء اللوائح ويجيبوه بلسانه وان يقدم المحاضر بلغته ويحاكم بها وليس في الأماكن ان يتكلم كل موظف بجميع لغات الولاية بسهولة ولذا كانت مسائل المدارس الابتدائية المختلطة والتعليم الثانوي والعالي واعتماد اللغات في المحاكم والإدارة أهم مواضع الخلاف في إمبراطورية النمسا والمجر. في بلاد الغرب (كتبنا في جريدتي القبس والمقتبس زهاء أربعين رسالة من ديار الغرب وضفنا فيها رحلتنا الأخيرة إليها وما لحظناه من أسباب ارتقائها واقتبسناه من فوائدها وعلومها وقد رأينا ان ننظر في أكثرها ونحذف ما ليس له علاقة بموضوع هذه المجلة وان ننشرها تباعا عسى ان تكون عليها هنا مسحة غير التي كانت لها في الصحف الطيارة وان يراجعها ويمعن النظر فيها من تهمهم هذه الموضوعات الاجتماعية). دواعي الرحيل وجهلنا ببلادنا كان من طاف بلادنا وقابل بين حالها وحال الأقطار الراقية يدرك لأول وهلة اننا عيال على الغرب والغربيين في كل شيء وأنهم إذا قطعوا عنا أقل صادراتهم نعود أدراجنا على النحو الذي كنا عليه منذ بضعة قرون. وهذا مما يصدق علينا في عامة شؤوننا والعلم هو أول بضاعة يجب علينا ان نستبضعها من الغرب وهو رأس الحاجيات وبدونه الممات. وما كنا نظن بعد ان أحفينا مكاتب مصر والشام لدرس موضوع اننا كلما أوغلنا في تضاعيفه يتجلى كل التجلي جهلنا ببلادنا وأننا سنحتاج بعد بحث نحو خمسة عشرة سنة إلى ان نقصد إلى مكاتب أوروبا نأخذ منها ما فاتنا في أرضنا من المواد التي لم يحولها المطبوع ولا المخطوط مما كتب لنا الاطلاع عليه في مكاتبنا الخاصة والعامة أي غضاضة على الشرقي ان يرحل باحث في شؤونه حباً بإتقان عمله إلى غير أهله وبلده وان يتسقط الفوائد من الغريب والقريب في معزل. بيد ان يوما طويلا امتدت لياليه السود على هذا الشرق سلبت منا بحكم تنازع البقاء وبقاء الأنسب تراث أجدادنا في هذا الوجود وجردنا من منافعنا ومرافقنا وكتب أسلافنا العرب كانت أول ما رحل عنا غير آسف إذ لم يعرف لها الخلاف قيمتها الحقيقية والأسفار في كل الإعصار هي مفتاح فتح الأمصار والعلة الأولى في سعادة الشر ونقل المدنيات من النظريات على العمليات. هاجت الخواطر في النفس خصوصا عندما ذكرت ان أميرا واحدا من أمراء ايطاليا وهو البرنس ليوني كايتاني مؤلف تاريخ الإسلام الكبير هو الذي جمع بسعيه وتنشيط حكومته مكتبة له منقطعة النظير في الغرب نفسه فيها كل ما يحتاجه باحث في تاريخ الإسلام والعرب وبلادهم فاستنسخ من المكاتب الخاصة والعامة في أوروبا وأميركا واسيا وإفريقيه كل مخطوط عربي فيه شيء من هذا القبيل وما لم يقدر على نقله اخذ له بالتصوير الشمسي فمن زار هذه المكتبة فكأنه زار مكاتب العالم أجمع واطلع على ما فيها من المواد التاريخية والجغرافية في هذا الباب. شبهتني وأنا أشد الرحال إلى رومية للبحث في مكتبة الأمير الايطالي بطلاب العلم في أوروبا في القرون الوسطى وكان بعضهم من الإسرائيليين يقصدون بلاد الأندلس ليقرؤوا على علماء العرب علومهم ويرجعوا من كتب المسلمين ببله تروي غلة جهلهم فسبحلت وحوقلت قائلا ما أغرب تبدل الأمم والبلاد وما أهنأ الغرب بما صار إليه من دواعي المنعة وأسباب اعلم وما أشقانا بما فعل السفهاء منا. يشقى رجال ويشقى آخرون بهم ويسعد الله أقواما بأقوام وليت شعري يعود ذاك العهد السعيد بالعلم على العرب ويصبح أبناء اليوم يفاخرون بالقاهرة والقيروان وفارس ودمشق وبيروت وحلب وبغداد والموصل وصنعاء ومكة كما يفاخرون بغرناطة واشبيلية ولشبونة وغيرها من مدن الاندلس وصقلية التي استعمرها العرب بالعقل والعلم وأضاعها بعد ذلك جهل أبنائهم وغرورهم؟ أيظل الشرقي يا ترى يعتقد في نفسه الكفاءة والغناء ويقلع عن القول بان الغربي يغمطه حقه باستباحته حماه واكتساحه دياره الحين بعد الأخر؟ أم يهب باحثا عن جميع علل هذا الارتقاء عندهم والتدلي عندنا ويتعلم ما جهل مع الشكر لكل من يعلمه وينعشه من سقطته. حكوماتنا هي السبب الرئيسي في إظلام العقول واشتغالها بالفضول وأهل الغرب هم الذين قوموا معوج حكوماتهم فهل ندرك جيلا من الناس يقوم اعوجاج حكومات الشرق ونتمتع على الأقل بمعرفتنا بأنفسنا ومن عرف نفسه عرف ربه. دار الدعوة والإرشاد في القاهرة اغتنمت فرصة مقامي بضعة أيام في القاهرة لقضاء بعض المشاكل أثناء شخوصي إلى ايطاليا لازور دار الدعوة والإرشاد التي أنشأها صديقي السيد محمد رشيد رضا منشئ المنار في السنة الماضية وكان ينوي إنشاءها في الأستانة أولا لو صادف من القابضين على زمام الأمر تنشيطاً على مشروعه وغرضه الأول من إنشائها إيجاد هيئة صالحة بالعمل من رجال الدين يجمعون إلى معرفة الدين النقي وأسراره وحكمه المطابق لأحوال الزمن معرفة أحوال العصر حتى تحل هذه الطبقة محل الهيئة القديمة التي كادت الأمة تنزع ثقتها منها. انشأ هذه المدرسة الصديق الرصيف أو جماعة الدعوة والإرشاد وهي جمعية مؤلفة من ظاهر الفضل والعقل والتدين لتخريج علماء مرشدين قادرين على الدعوة إلى الإسلام والدفاع عنه والإرشاد الصحيح وإرسالهم إلى البلاد الشديدة الحاجة إليهم ويرسل الدعاة إلى البلاد الوثنية والكتابية التي فيها حرية دينية ولا يرسلون إلى بلاد الإسلام إلا حيث يدعى المسلمون جهرا إلى ترك دينهم والدخول في غيره مع عدم وجود علماء مرشدين يدفعون الشبهات عن الإسلام ويبينون حقيقته لأهله. وقد جاء في النظام الأساسي لجماعة الدعوة والإرشاد انه تتكون أموال الجمعية من الاشتراكات الموقوتة والإعانات والتبرعات والهدايا والوصاية والأوقاف التي توقف أو ما تناله من ريع أوقاف أخرى ومن ريع رأس مالها ويضاف ربع دخل الجمعية السنوي إلى رأس المال للاستغلال وهذا ماعدا المبلغ الاحتياطي وكان تبرع لهذه الجمعية بعض الأجواد من العرب وفي مقدمتهم الشيخ قاسم آل إبراهيم من كرماء جزيرة العرب بالغي جنيه مباشرة ولعله يتبرع بغيرها كل سنة. في جزيرة الروضة المشهورة الآن بالنيل حيث قام في جنوبها مقياس النيل المبارك بين جسر (كوبري) عباس وجسر الملك الصالح أو بين القاهرة المعزية ومديرية الجيزة قامت اليوم دار الدعوة والإرشاد في أحد مصايف أبناء شريف باشا الوزير المثري المشهور وقد ضمت في حجرها إلى الآن صنفين عدد طلبتهما الداخليين ٣٥ والخارجين بين ٢٠ إلى ٣٠ يعلمهم عشرة معلمين منهم أناس من رجال الدين وآخرون أساتذة علوم صرف وطعام الطلبة ونظافتهم ونظامهم في قيامهم ونومهم مما لم يعهد طلبة العلوم الدينية اللهم إلا ان يكون طلبة مدرسة القضاء الشرعي الحكومة والحكومة أقدر على البذل من الأفراد. ويستفاد من نظام مدرستنا هذه أنها تدرس العلوم والفنون التي تدرس عادة في الكليات مع التربية الدينية وزيادة العناية بالعلوم الإسلامية تنشأ أقسامها بالتدريج يبدأ منها بقسم عال لتخريج الدعاة إلى الإسلام والمرشدين للمسلمين بالوعظ والتدريس ولسان التدريس فيها اللسان العربي ويتحتم فيها تعلم لغة من لغات العلم الأوروبية ويجوز ان تدرس فيها عدة من اللغات الشرقية والغربية ولاسيما لغات الشوب الكبيرة من المسلمين كالتركية والفارسية والاوردية والملاوية. ومدة صنف المرشدين ثلاث سنين وكذلك صنف الدعاة ويختار طلابه من متخرجي صنف المرشدين يمكثون ثلاث سنين أيضا وذلك ماعدا السنة التمهيدية الأولى. التعليم في قسم الدعاة والمرشدين من المدرسة مجاني والمدرسة تنفق على الطلاب الداخلين فيه وتكفيهم كل ما يحتاجون إليه فيها وتعطيهم إعانة شهرية بحسب الحاجة والاجتهاد والتهذيب لا تقل عن ريال مصري في الشهر وأما الطلاب الخارجيون فلا تنفق عليهم شيئا. ومما يشترط في قبول الطلبة الداخلين ان تثق المدرسة بان طالب الدخول حسن السيرة وتكون سنة بين ٢٠ و ٢٥ وان يكون حافظا لطائفة من القران الكريم بحيث يسهل عليه إتمام حفظه قبل إتمام دراسة الصنف الأول وان يكون قد حصل قدرا صالحا من النحو والصرف والفقه وعرف القواعد الأربع من الحساب على الأقل وان يكون صحيح الإملاء وحسن الخط في الجملة جيد المطالعة في الكتب العربية ومن أصل قديم في الإسلام وتتحرى المدرسة ان يكون طلابها من الأقطار المختلفة وتمرنهم على القيام بالفرائض والسنن وعلى الرياضة البدنية والتخاطب باللغة الفصحى داخل المدرسة وخارجها وإذا وفقت هذه المدرسة إلى تطبيق فصل العلوم والفنون التي تدرس فيها حق التطبيق يجيء ولاشك من متخرجيها طلاب يشبهون دعاة الكثلكة والأرثوذكسية والبروتستانتية في علمهم واستعدادهم خصوصا ومن غرض المدرسة في باب تربية الأخلاق ان يعلم الطالب الفرق بين زماننا وزمان القرون الأولى من المسلمين في الحاجة إلى سعة الثروة وتوقف حياة الأمة عليها الآن وعدم توقفها في ذلك الزمن وكون الزهد الصحيح والقناعة الفضلى لا يتنافيان تحصيل الثروة وعمارة الدنيا لأنهما من صفات القلب وفائدتها ان يجعل الإنسان فضل ماله لنفع أمته ومجد ملته انه لا ينبغي تعمد ترك تحصيل الثروة إلا لعمل نفع للأمة والملة. ويعلمون في باب انتقال الأمم والدول من حال إلى حال مثل قوله سبحانه: إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. وقوله: وتلك الأيام نداولها بين الناس. هذا ما أمكنني التقاطه مما عساه يفيد واني لأرجو لرئيس جماعة الدعوة والإرشاد محمود سالم بك أحد علماء مصر العاملين وسائر مؤازريه الفضلاء الخير في الدارين لعلمهم المبرور وآمل ان يكتب البقاء لهذا العمل العظيم بهمة جامع شمله الأستاذ محمد رشيد رضا ناظر المدرسة ووكيل الجمعية وان يكون أساسه على صخر متينيسداه الماديات ولحمته المعنويات فيكون من مادياته مخرجا إلى معنوياته والسلام. في طريق رومية أول ما يلاحظ المسافر من الأرض العثمانية إلى الديار الأوروبية ان كل ما يقع نظره عليه هو غريب عنه ليس له منه إلا النظر فسبحان من جعلنا في بلادنا وبلاد غيرنا غرباء مساكين. ركبت هذه المرة القطار من دمشق إلى بيروت وهو لشركة فرنساوية ثم أبحرت من ثغر الشام على باخرة ايطالية (تيفرا) حتى إذا بلغت الإسكندرية وأردت الركوب منها إلى نابل ميناء رومية ركبت الباخرة البرنس هتري من بواخر شركة نوردتش لويد الألمانية وهكذا كنت عالة في تنقلي على الفرنساوي والايطالي والألماني ولو قصدت وجهة أخرى لكنت في ضيافة الروسي والنمساوي والانكليزي والروماني! حالة يأسف لها وأيم الحق كل من ينبض فيه عرق الوطنية لانها تصغر نفسه في عينه ومن ساء ظنه بنفسه انحطت عن كل عمل. نعم يتألم الفؤاد من هذه الحركة الاقتصادية المباركة لان العثمانيين عامة والسوريين خاصة بعيدون عنها كل البعد ليس لهم علم الغربي يذكرون به ما ينهضهم من كبوتهم ليتمثلوا به في جهاد الحياة الراقية ولا أسبابه المادية التي تبعثهم على تقليد الناهضين من شعوب العالم المتحضر في هذا العصر. نحن ويا للآسف نريد ان نعيش في القرن العشرين عيش ابن القرن العاشر ونرى لسوء حظنا ان مجدنا القديم يكفي تذكره وحده ليحيينا إلى الأبد حياة طيبة رشيدة ونتطاول إلى ان نقنع العالم بأنفسنا بأننا شعب راق بمجرد إيراد الشواهد على أيامنا الغر المحجلة في تاريخ المدينة السعيدة ولكن حضارة الغرب اليوم لا تبقي على ضعيف في قوته ومعرفته ومادته وحكومته. هي تبتلع العالم والشاهد على ذلك استصفاؤها قارة إفريقيه وتوشك قارة آسيا لولا بقايا شعوب مستقلة عظيمة كاليابان والصين. مدنية أوروبا هي التي حملتنا في البحر المتوسط من بيروت إلى الإسكندرية في ٣٢ ساعة ومن الإسكندرية إلى نابل في ٧٠ ساعة ومن نابل إلى رومية في أربع ساعات على السكة الحديدية والبخار والكهرباء هما صفوة العلم الأروبي بل المثال الحي من هذه المدينة الحية التي سيعم فضلها كل بقعة من بقاع الأرض شاء أهلها أم أبوا. فتحيا الأمم التي تقوم بما قامت به أمم الحضارة الحديثة وتموت لا محالة الأمم التي لها من حكومتها أو من تقاليدها أو من ضعفها ما يعوقها عن الانبعاث والحركة. تهتز نفس الشرقي وأي اهتزاز عندما يدوس ارض الغرب وتتوارد الخواطر عليه والتذكارات والمؤلمات وتتنازع عوامل المنشطات والمثبطات. هكذا كان حالي يوم أزعجني القدر منذ أربع سنين فنزلت مرسيليا ثغر الفرنسيين وهكذا أنا اليوم وقد وافيت نابل ثغر الطليان. وليس في هذه الفرضة من جديد فان حركة المدن الساحلية والعواصم الغربية واحدة إجمالا تكاد تتشابه لأنها قائمة بالعمل قوامها انتظام أحوال تلك الحكومات وتناغي سكانها بوطنيتهم وذهابهم بفضل العلم والنشاط وتميزهم بالذوق واللطف. من أجل هذا كانت نابل مماثلاً مصغراً من حضارة الطليان ورومية وهذه هي العاصمة المثال المكبر والفرع يدل على أصله والكتاب يقرأ من عنوانه. لم يتسع لي الوقت وقد قضيت يوما في نابل ان أزور معالمها وكليتها وآثار بومي الرومانية خصوصاً وهي على مقربة منها لأنني في صدد البحث عن تاريخ أجدادي وبلادي لاتهمني أولا إلا الغاية التي أنا قاصد لها من البحث عن المخطوطات حتى إذا كان في الزمن متسع ازور من معاهد هذه الديار ومصانعها ما نستفيد منه عبرة لنا ولامتنا وينفعنا في الأخذ بمذاهب الرقي ان صحت نياتنا عليه. إلى ساعة كتابة هذه السطور لم أتمكن من معرفة شيء من أحوال ايطاليا اللهم إلا ما هو معروض في الأزقة والشوارع والساحات ومحال القهوة والمنتزهات وهذا لا يبني عليه حكم ومع ان البقة الراقية تكلمك باللغة الفرنسية وكذلك تتخاطب مع أهل الفنادق والمخازن الكبرى وبعض الأماكن العمومية فانك تجد صعوبة في التفاهم مع جميع طبقات القوم لجهلك لغتهم الوطنية. هذا تقارب مع اللغتين الفرنسية والايطالية إحداهما من الأخرى واللغات اللاتينية أي الفرنسية والايطالية والاسبانية والبرتغالية متشابهه لأنها من أصل واحد كما ان اللغتين الألمانية والانكليزية متشابهتان لأنهما من أصل سكسوني واللغة الروسية والرومانية والبلغارية والصربية متشابهة لأنها من أصل سلافي. ومع أن جليسك تنقبض نفسه منك في العادة إذا لم تكن لك معه لغة مشتركة لا تجد فيها تسمعه في المحال العامة ودور التمثيل والموسيقى هنا ثقلا على سمعك من لغة الطليان وان كنت لا تفهمها بل تبلغ نبراتها صماخ أذنك كأنها أوتار موسيقار تتكلم ألحانها أكثر من ألفاظها. ولا عجب فإيطاليا مهد الصناعات النفسية بل هي بلاد الموسيقى والشعر والتصوير والبناء عرفت بذلك منذ أوائل عهد الإسلام وباعت على الغرب بل وعلى الشرق من موسيقاها وشعرها وتصويرها وهندستها وهي بلاد النهضة منها نشأت وانتقلت إلى فرنسا وأوروبا كلها وطليان الجنوب يشبهون السوريين في كثير من عاداتهم وملامح سحناتهم وكلما تقدمت نحو الشمال تزيد المدنية ويفخم العمران. وعلى ذكر الجنوب والشمال لا بأس بان يعرف القارئ ان البلاد الأوروبية كلما قربت من سمت الشمال كانت اقرب في الجملة إلى الأخذ بأسباب الرقي والحضارة. وهذا مشاهد محسوس. فنك تجد شمال ايطاليا أرقى وأعمر من جنوبها وكذلك فرنسا بل ان ألمانيا في جنوبها أحط منها في شمالها وهو سر غريب من أسرار هذا الكون ولعل الباحثين في طبائع الأقاليم بحسب القرب والبعد من خط الاستواء لا يعدمون تعليلا لذلك. أما رومية فهي مجموعة بدائع الطليان ولا جدال لأنها معدودة من أواسط ايطاليا على ما سنذكره. الأمير كايتاني كان الأغنياء والأمراء في الغرب قبل ان تتقرر قواعد المدنية الحديثة وترسخ أصولها يدلون على شعوبهم بحكم التغلب وقوة المال وأرجحية القدم. أما الآن فان أمثال هذه الطبقة أدركت ان كل تلك الامتيازات والاعتبارات قد ألغتها القوانين الدستورية في الأمم الحرة النيابية فلم يبقى من أسباب الفخر إلا شخصية المرء وعلمه معمله ولذلك لا تسمح بأمثال هؤلاء الناس إلا إذا أتوا عملا ينفع المجتمع ويخدم الحضارة أو يرقيها درجة أخرى. وممن جمع فضيلتي المجد القديم والمجد الحديث فعد عصامياً عظامياً الأمير ليوني كايتاني من كبار الأسر القديمة في رومية التي يرد تاريخها إلى زهاء ألف سنة ومنها خرج رجال خدموا أمتهم على اختلاف العصور والمنازع فكان الباباوات ورؤساء الدين والقواد والحكام ولقد سار سليل هذا البيت على سنة كثير من أمراء الغرب فلم تبطره الزخارف ولم يستهوه المال والمجد القديم وتنكب عن الرفاهية منذ صغره فدرس في كلية رومية الآداب وأتقن من اللغات الايطالية والفرنسية والانكليزية والألمانية واللاتينية والفارسية والعربية. ولما أحرز حظاً وافراً من العلم والآداب سمت به همته وهو قبيل الخامسة والعشرين أي منذ زهاء عشرين سنة أن يضع لأمته كتابا في التاريخ الإسلامي بلغتها يغنيها عن أكثر الكتب ويرفع كثيراً من المشاكل في تاريخ العرب الذي أدهش العالم. فجمع لذلك مكتبة ضخمة باللغة العربية وغيرها من اللغات واستنسخ واخذ بالتصوير الشمسي كل ما عرف من تاريخ العرب من المخطوطات وكان مبعثرا في مكاتب أوروبا وغيرها فجاءت مكتبته خير مكتبة في الشرق والغرب في موضوع التاريخ الإسلامي خاصة ومن رآها فكأنما زار مكاتب الغرب للبحث عن آثار العرب ومدنيتهم. ولقد نشر حتى الآن من تاريخه ستة مجلدات ضخمة ولم ينجز بها أكثر من عشرين سنة من تاريخ الإسلام وهو يرجو أن يفسح الله في أجله عشرين سنة أخرى ليكمل القرن الأول من الإسلام فيقع في خمسة وعشرين مجلداً ولا يطبع من تاريخه أكثر من مائتيني وخمسين نسخة يوزعها على المجامع العلمية في بلاده والغرب وعلى بعض أصحابه من العلماء فقط وقد جعل سعاره فيها فيقول الشاعر العربي: كفاف عيش كفاني ذل مسألة وخدمة العلم حتى ينقضي عمري يقول كفاف عيش وثروته وثروة أبيه فيما بلغني تقدر بمائة مليون فرنك فرنسي دع ثروة حليلته الأميرة وهي غنية أيضا ولهم المزارع الواسعة في ضواحي رومية إذا استثمرت حق الاستثمار على احدث الطرق تزيد ثروتهم أضعافاً في ضواحي رومية والأمير مع هذا تفرغ إلى العمل في مزارعه ويتعهدها كما يتعهد رياض العلم كل يوم ويصرف على إتقان عمله الذي صرف شبابه وهو يصرف الآن فيه سن الكهولة وسيصرف فيه أيضا سن الشيخوخة بحول الله شطرا ليس بقليل من المال فعنده ثلاثة مترجمين من اللغات المختلفة ينظر فيما يترجمون لكتابه من المواد ما عدا ما ينفقه في الكتب وطبع كتابه ولكن كل ما ينفقه في سنة لا يعادل ما ينفقه غني واحد من فساق أغنياء الأمريكان أو الروس مثلا في ليلة واحدة في باريس أو مونت كارلو فسبحان من أودع في كل قلب ما شغله. طاف الأمير كثيراً من بلاد الشرق ولا سيما الهند وفارس والشام ومصر ودرس أحوالها وطابق بين ماضيها وحاضرها فإذا تكلم في تاريخنا صدر عن علم نظري وعملي. ولقد ذهب منذ ست سنين إلى بلاد الشام ليرى بعينه المكان الذي كانت فيه الوقعة الفاصلة بين العرب والروم في اليرموك. وهذا قلما يتيسر إلا لمن أوتي همة شماء واستسهل ركوب كل صعب في سبيل تحقيق رغائبه. ومازال منذ بدء في التأليف وهو يدأب وراء منضدته في مكتبته كأنه عامل بسيط فإنه يبدأ في عمله كل يوم الساعة الخامسة صباحا ولا يزال أكثر النهار يعمل ويطالع لا تعرو همته ملل ولا ينظر في سفساف الأمور. ولقد كان نائبا في الانتخاب الماضي في مجلس النواب فأضاع في النيابة شيئا من وقته ولكن لم ينتخب هذه المرة فكان ذلك من حظ العلم والآداب لأنه توفر بجملته على خدمتهما. وعدم انتخابه ناشئ من أن خصومه السياسيين اتخذوا من خطة الأمير في مسألة فتح ايطاليا لطرابلس وبرقة حجة أثاروا الرأي العام حتى لا يعودوا لانتخابه وذلك أن الأمير أحب أن يتكلم بلسان العالم المنصف ولم يعقه حبه لامته عن أن يقول لها وقت قامت حكومته لفتح تلك البلاد أن هذا العمل منها ضرب من ضروب اللصوصية لا يليق بأمة متمدنة وليس له مسوغ معقول قال هذا بالتلميح في المجلس وكتبه في الصحف الايطالية وغيرها بالتصريح فحنق عليه من حنق وأثاروا الخواطر من جهته وقد بذل مالا كثيرا للنيابة عن أمته قيل أنه عشرون ألف ليرة ولكن خصمه بذل خمسة وثلاثين ألف ليرة ففاز عليه. والأمير على ما رزق من الشهرة العلمية لجمعه بين المجد التالد والطارف رقيق الحاشية يغلب عليه عدم التكلف ولما قابلته لأول مرة حاملا إليه من صديقه أحمد زكي باشا العالم المصري كتاب توصيه ليقبلني للبحث في مكتبته اعتذر عن كونه قابلني بثياب عمله وقال أن عنده شيئا من المخطوطات العربية أخذت بالتصوير الشمسي ولا يدري إن كان فيها حاجتي على انه تفضل ودلني على مظانها وما برح اليوم بعد الأخر يشير علي بالرجوع إلى كتاب كذا فقيه وهو يبش ويقول في الأحايين انه مسرور لعثوري على شذرات تهمني كل هذا وهو لا يضيع دقيقة من وقته الثمين ناهيك بارتفاع الصحف والمجلات ومنشؤها مثلا. لئن امتازت التيمورية في مصر بأنها تحوي أمهات كثيرة من مخطوطات علماء الاسلام في علوم مختلفة وامتازت الخزانة الزكية بالقاهرة بجمعها أنفس المطبوعات العربية في الغرب فان الخزانة الكايتانية في رومية تحتوي على الغالب أهم كتب التاريخ الإسلامي أو ماله علاقة فيه وذلك باللغات المختلفة ولا سيما العربية مما هو جدير أن يرحل إليه من الصين لا من دمشق. وقديما كان أمراء المسلمين وعلماؤهم يفتحون خزائنهم للباحثين والمؤلفين ينزلونهم على الرحب والسعة كما فتح منصور بن نوح الساماني خزانة لأبي منصور الثعالبي فألف فقه اللغة وكما فتح علي بن يحيى المنجم من أهل القرن الثالث في قرية له نفسية بكركر من ضواحي القفص خزانة كتب عظيمة في قصره الجليل وسماها خزانة الحكمة فاخذ الناس يقصدونها من كل بلد فيقيمون فيها ويتعلمون منها صنوف العلم والكتب مبذولة في ذلك لهم والصيانة مشتملة عليهم والنفقة في ذلك من مال علي بن يحيى وكما وقع من غيرهما كثير أما اليوم فان هذا المعنى كاد يتفرد به علماء الغرب وأمراؤه وأصبح الشرق بلقعا حتى من كتبه وآثاره وانتقل تراثه بحكم الطبيعة إلى من أحسن تعهده واستثماره سنة الله في خلقه. الهجرة أربعة أحوال تعمل في تكثير سواد الأمم: الهجرة والاستيطان والولادات والوفيات وبنقيضها تفتقر البلاد وتقل الأمم. ومحور الهجرة يدور في الأكثر على تحصيل القوات والفرار من ظلم خصوصا أيام كانت المجاعات في القرون الأولى والوسطى من اكبر العوامل المهددة للشعوب وكانت تغذية الجماعات الكبرى مناطة بفصول السنة حتى كان تأخر وصول الحبوب المشحونة في البر والبحر يحدث مخاوف هائلة ويثير مناوشات وثورات. وكانت الفوضى والحروب تجعل المواصلات صعبة أو متعذرة ويهلك سكان المدن جوعاً. وتحتكر المدن الحبوب في أماكن خاصة وتدخرها لحين الحاجة أما سكان القرى والأرياف فكانوا يقاسون الأمرين ولا يجدون غير الهجرة باباً لنجاتهم بأرواحهم وأرواح ذرياتهم وهذا ما دعا إلى إفقار كثير من الأصقاع في الشرق والغرب لأن من ولد من الأسر المهاجرة لم يواز عدد من فقدتهم البلاد بهجرتهم لها. جاءت أزمان على البشر كان الشرق وآسيا أعمر من الغرب وكانت آسيا تقدم كثيراً من أبنائها ليكونوا جنداً في الجيش الروماني ورومية كانت حاكمة على معظم أصقاع أوروبا وجزء كبير جداً من آسيا وافريقية وسلطانها فوق كل سلطان وما ملوك تلك الأيام إلا أقيال يخضعون لصولجان رومية وقد كنت ترى سوريين من بلاد الشام في كل مكان كما تراهم الآن وكان منهم في جيش جرمانيكوس القائد الروماني عدة كتائب عندما حمل حملته على الرين. قال سكريتان: إن القرون الوسطى بإقطاعها وما كان فيها من اللصوصية والأخلاق الوحشية وقلة المواصلات والحياة الزراعية والصناعية الأهلية وتنوع اللهجات وحكومة الجماعات والاشمئزاز من الحياة والتشتت السياسي الذي هو من خصائص تلك القرون كل ذلك مما يتمثل لعيني بقلة الرجال وطول إقفار البلاد فأفقر العالم الروماني وظلّ الشعب زمناً على نسق واحد ثم زاد بإنشاء المدن وتوطيد دعائم المركزية السياسية التي تسهلت أسبابها بنمو الموارد الاقتصادية والأيدي العاملة التي أنشأتها. ومن المدن تنبعث أبداً حركة تنظيم القوة العاملة فصاحب الأملاك يعيش بما تدر عليه أملاكه على حين تضطر المدن ان تطلب ذلك من التجارة وأن تضمن حقوقها في البلاد القاسية بتأمين السبل والتجارة. قال وما المصانع العظمى التي قامت في القرن الثالث عشر للميلاد وما تلك البيع والمعابد إلا أثر من آثار زيادة السكان في أوروبا وإن الناس أصبحوا يهتمون لأمور أخرى غير حفظ حياتهم مباشرة والسكان من العوامل الضرورية في التبدلات السياسية وعندنا أن الشعب هو أرض التاريخ الذي تنبت فيه الأوضاع والأفكار ولما نمت النفوس منذ القرن الحادي عشر في حمى أسوار المدن والمقاطعات المنظمة ظهرت قوة جديدة أمام الإقطاعات وانتهى التماسك السياسي بقيام المدينة الحديثة وأدى نمو السكان نمواً عاماً بقاعدة الانتخاب الطبيعي أي الأفضل والأحسن إلى شكل جديد في الحياة وتحسين الأخلاق وتدميثها وكثرة السكان شرط في قيام المدنيات العليا وفي تأسيس الأملاك العظمى وهي التي تزيد حياة البشر حركة وغنى وبهجة. نعم كثرة السكان شرط في الحضارة ولكنها إذا بلغت درجة تؤدي إلى قلة سريعة في المواليد ربما كان فيها الخطر على المدنية والمدنيات لا تقوم إلا في بعض أدوار التاريخ على أن الرفاهية العامة والأمن اللذين هما من أهم العوامل في المدنيات الكبرى قد يكون منها قلة عدد المواليد وهذه القاعدة تجري في كل مكان اليوم في ألمانية وايطالية وانكلترا وقد كانت فرنسا أول من وصلت إلى هذا المعدل فتعدلت وفياتها مع ولادتها مع أن فرنسا كان عدد سكانها في أواسط القرن الثامن عشر عشرين مليوناً وانكلترا ثمانية ملايين واسبانية ثمانية وايطاليا عشرة وألمانية كلها مع النمسا وتوابعها اثنين وعشرين مليوناً وروسيا في أوروبا اثني عشر مليوناً وقد زادت كلها على كثرة من هاجر منها إلى أمريكا في القرون الثلاثة الأخيرة ومع هذا زادت كل مملكة ولكن زيادة بلاد الانكليز والجرمانيين كانت أهم وأعظم فبلغت بريطانية العظمى اليوم نحو خمس وأربعين مليوناً وفرنسا نحو أربعين مليوناً وألمانيا خمس وستين مليوناً والنمسا والمجر خمسة وخمسين مليوناً وايطاليا خمسة وثلاثين مليوناً واسبانية ثمانية عشر مليوناً فمنها ما تضاعف ثلاث مرات ومنها مرة ومنها مرتين. وقد نفى سكريتان أن يكون قلة السكان ناشئة من فساد الآداب وقال أن الرؤوس بإقرارهم أنفسهم من أعظم الموغلين في المفاسد والموبقات ومع هذا يزيد سكان الأرياف عندهم والسبب في قلة المواليد هو في الحقيقة إرادة الرفاهية الولادة لا تشكو من الفقر ولا من حرية الفكر ولا من حرية الأخلاق وما خرابها آت الأمن كثرة الحذر الذي هو ابن الطمع. عرف السوري منذ القديم بحب الهجرة للكسب وإحراز المجد والفينيقيون أو سكان الساحل الأوسط من هذا القطر كانوا رواد الحضارة وربابنة البحار في سواحل البحر المتوسط حتى بلغوا شطوط الجزر البريطانية في أقصى شمال أوروبا وأنشئوا لهم المكاتب التجارية في جنوبي القارة الأوروبية وشمالي افريقية وكان من أخلافهم ما يشبه هذه الأعمال والهجرات ولا سيما على عهد الحكومة الرومانية حتى إذا جاء الإسلام كانت منهم جيوش وقواد وقضاة تسافر إلى القاسية ورجال الشام كانوا في مقدمة الفاتحين للأندلس في الغرب وهم الذين فتحوا الفتوح في الشرق وأوغلوا فيها حتى وصلوا إلى بكين عاصمة الصين وضربوا الجزية على صاحبها. وبعد فان فتن التتار والصليبيين أضعف حال البلاد وقللت سكانها خصوصا على عهد حكومات الإقطاعات الظالمة فقلت الولادات وكثرة الوفيات والأمة المظلومة في الغالب يضعف تناسلها ويكثر الموتانافي أولادها بل تندر النضرة في وجوه أهلها ولم تقصر الحوادث السماوية في انتياب هذه البلاد فكانت الزلازل والأوبئة تحصد أهلها بالألوف وما بقي منهم يهلكه الظلم وقلة العلم. حتى إذا جاء القرن الماضي ونشر خط كلخانة ووضعت التنظيمات الخيرية ودخلت البلاد العثمانية في طور أحبت فيه احتذاء مثال الغربيين في إدارتها وضعفت سلطة العمال بعض الشيء وقوي ارتباطهم بالمراكز خصوصا بعد إنشاء الأسلاك البرقية التي سهلت وصول الشكاوي إلى العاصمة بعد التسهيل وأخذ الفلاح يأمن على زرعه وضرعه بالنسبة للماضي والتاجر في المدن قد تنجو من البوائق متاجرة وكثر بعد حوادث سنة ١٨٦٠ اختلاط أهل هذا القطر بالغربيين وأنشأت الجمعيات الدينية مدارسها الراقية في المدن والقرى بعد كل هذا عادت النفوس تنمو خصوصا في لبنان بعد نظامه الجديد وارتفاع أعلام الأمن في ربوعه وأصبح من الندرة الاغتيال والاقتتال فيه فكثرت نفوسه. وإذ كانت زراعة لبنان ضعيفة تعد بين الزراعات في الدرجة الثالثة أو الرابعة لم يقم بمعاش سكانه فأخذوا يهاجرون أولاً إلى البلاد القريبة منهم ولما تنوقلت الأنباء عن نجاح جماعة من تجار بيت لحم في أمريكا سمت الهمة في بعضهم إلى السير على أثار من سبقوهم وساعد على ذلك اتصال آسيا بافريقية وأوروبا وأمريكا بالبواخر ففوق بعض من هاجروا من لبنان إلى جمع جانب من المال فاشتهر بين قومهم نجاحهم وأخذ يتبعهم في خطتهم الأقرب فالأقرب من سكان البلاد وكان أهل الجبال وهم معتادون القلة وشظف العيش من الجملة هم الناهضون لهجرة بلادهم ولم تمضي سنين حتى سرى داء الهجرة على الأصقاع المخصبة من أرض سوريا مثل وادي الأردن ووادي العاصي وسهل البقاع وسهل حوران فجارت هذه البقاع جبل لبنان وجبل عامل وجبل حرمون وجبال عكار وجبال اللكام وجبال الخليل واشترك السهل والوعر في الهجرة ونال من أثارها دمشق وبيروت وحلب والقدس كما نال أحقر قرية. واشتهر في الأكثر من ارتاشو واغتنوا وآبوا إلى بلادهم فعمروا لهم دورا على الطرق الغربية واقتنوا الأملاك وأقاموا العقارات وأخذوا بحظ من الرفاهية ونسي الناس أو لم يذكروا من هلكوا وتشتتوا فما عتمنا وقد حسبنا الراحل عنا والراجع إلينا إلا وقد أصبح المهاجرون زهاء أربعمائة ألف رجل على أقل تقدير من السكان مهما بالغنا في تقديرهم وعددنا في جملتهم بعض البوادي لا يبلغون أكثر من أربعة ملايين وقدر بعض الصحفيين عدد المهاجرين من السوريين بخمسمائة وسبعين ألفاً وغالى بعضهم فقدرهم بزهاء مليون ويمكن أن يجاب عن هذا التقدير الكبير بالأثر الحادث عنه أي بالإضافة عدد من الأولاد الذين كانوا يولدون لهذا القدر من المهاجرة لو بقوا في بلادهم مع أزواجهم أو تزوج العذب منهم في السن المعينة للزواج في هذه البلاد. خسرت البلاد من وجهين في الجملة وربحت من وجهين خسرت البلاد من عمل هؤلاء الشبان المتغيبين سنين عن أوطانهم وعن تعطلهم عن التناسل وربحت مما حملوه إلى سوريا من النقود والتهذيب الغربي ولكن الخسارة أعظم بديل أن الثروة هي العمل لاً رفعت من شمعهم فلم يعد يستطيع المهاجر أن يقيم في قريته إذا آب إليها بعد تغيبه عنها بضع سنين إذ يرى الفرق محسوساً بينما شاهد في بلاد غيره وعهد في بلاده ويتأفف من عمله الصغير في الزراعة أو الصناعات الضعيفة فلا يلبث أن يعود أدراجه إلى أمريكا ويختار الموت هناك على البقاء في أرض ذلة وقلة. ولذا لا تعجب إذا رأيت مئات من الدور الفخمة التي عمرت بدراهم أمريكا في هذه الديار خالية من سكانها يلعب فيها الجرذ والفأر ولا من يقطنها لأن بناتها عادوا فرحلوا أما طلباً لثروة غير التي نالوها وصرفوها كلها في إنشاء دورهم وأما لضيق صدر نالهم من سوء إدارة وفساد نظام وهذا قليل. قال قنصل فرنسا في تقريره الأخير على بلاد الجليل إن هؤلاء المهاجرين ينفعون بالأجور التي يؤدونها لشركات الملاحة ولكنهم يضرون البلاد في ارتقائها الاقتصادي إذ يحرمونها من الأيد العاملة وقد نجحوا بأن أسسوا في البلاد التي هاجروا إليها (أمريكا الشمالية والجنوبية واستراليا وافريقية الجنوبية أو مصر) مستعمرات مهمة للغاية وكثيراً ممن غادروا بلادهم حفاة لا يملكون أجرة المركب الذي يقلهم وهم في الدرجة الرابعة قد عادوا إليها يحملون الدنانير في جيوبهم أو الأوراق المالية. وقد اقتبسوا الأذواق والعادات الغربية وأنشؤوا يستخدمونها في بيوتهم وهم يبتاعون الأراضي وينشؤون الزراعات الكبرى وأكثر العائدين منهم على ما أظن هم اللبنانيون والبقاعيون. قال وأما سبب الهجرة فلارتفاع وصاية الحكومة عليهم ولعدم قوانين لحماية الزراعة ولندرة المعاهد المعاونة والإحسان ولإرهاق العشارين والمرابين ولكسل لا ينفض غبارة إلا بالإقلاع عن البلاد وحباً بالأرباح السهلة واقتداء بمواطنيهم المغتنين ولجذب البلاد الجديدة لهم وبين نرى الوطنيين ولا سيما من سوريا يهاجرون نرى الأجانب يهاجرون إليها ولا سيما إلى فلسطين (أي الصهيونيين). وبعد فقد كانت الهجرة مقصورة بادي بدء على المسيحيين فأخذ أخوانهم المسلمون يقتفون أثارهم وكثر المهاجرون من جميع الطوائف في الأربع سنين الأخيرة عندما طبقت الحكومة قانون الجندية على عامة شعب هذا الوطن فكان الوالد يسفر ولده في العشرين والخامس والعشرين فأنشأ يرحله اليوم في الخامسة عشرة بل وفي الثانية عشرة لينجو من الخدمة العسكرية أو ليجمع بدله النقدي قبل أن تصيبه القرعة وبعد أن تفاقم شر الهجرة في العهد الأخير أرادت الحكومة أن تمنع الشبان من السفر فكان ذلك مورد عيش جديد لارتشاء بعض الولاة والمتصرفين والقائم مقامين ورجال الشرطة وكثرة سماسرة المهاجرة حتى لم يتركوا مزرعة إلا ولجوها وأخرجوا منها أعزة أهلها وسهلوا لهم سبل الهجرة ووجد حتى الفقير المعدم من يقرضه على أن يفيه من عمله في ديار المهجر وزادت المنافسة بين شركات الملاحة فأصبح السفر ميسوراً من بيروت إلى نيويورك بعشر ليرات وزاد الصادر وقل الوارد وكلما أمل المؤملون أن تهدأ أحوال البلاد تعقدت مشاكلها الداخلية والخارجية وانتشرت عن البلاد أخبار السوء فتأخر عن العودة إليها أبنائها الذين هجروها. هذا والحكومة لم تتذرع بأدنى سبب لنزع هذا الخلل في حياة البلاد من أصوله بل أن النوائب الأخيرة التي صادف وقوعها في عهد الدستور لم تزد البلاد إلا فقراً إذا اضطرت الحكومة أن تزيد الضرائب والعثور والرسوم فضعفت الزراعة وأكثر من ثلاثة أرباع هذه الأمة تعيش من أرشها وارتقت أجرة العامل إلى أعلى من منسوبها فأصبح في بعض الأصقاع الزراعية من المتعذر القيام بأعمال الزراعة على ما ينبغي لصاحب ملك ومزرعة لأنه إذا أعطى العامل في اليوم ثلاثة أرباع الريال أو الريال لا يبقى له في أخر السنة ما يوازي نصف إيجار ارضه ولولا أن بعض البلاد التي أعوزتها اليد العاملة مثل القاع استعاضت عنها بما جلبته من الآلات الزراعية الحديثة كالحصادة والدراسة والحراسة والذراية والطحانة لامست زراعتها بائرة وأكثروا من الأدوات الحديثة لتم لهم الغنى وعوضوا ما فاتهم من عمل العاملين والعادة جديبها خصيباً ونالوا من أسباب الثروة حظاً عجيباً. إذا قدرنا ثروة السوريين في مصر والسودان وأمريكا وكندا واستراليا والترنسفال ومدغشقر والسنغال بمئة مليون جنيه وهو أقل تعديل لأن نصف هذا المبلغ يملكه السوريون في مصر فقط وفرضنا أن نصف المهاجرين أحبوا العودة إلى أصقاعهم يحملون خمسين مليون من النقود وما زكنوه وتعلموه من أساليب الصناعة والزراعة والتجارة تفتح بالطبع موارد اقتصادية جديدة في البلاد إذا صحت قبل كل شيء نية الحكومة على توطيد دعائم الأمن وإحقاق الحق وذلك باختيار طبقة راقية من العمال والضرب على أيدي الجاهلين والمرتشين منهم. نعم إذا قامت الحكومة بواجبها الإداري تستميل المهاجرين إلى العودة وتحبب إليهم بلادهم التي يؤثرون أن يكون لهم في ربوعها من المغانم نصف ما يتمنون به في ديار الهجر فتقوم سوريا وحدها بعد بضع سنين بسد العجز من ميزانية الدولة العامة مهما كان مقدارها.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_84.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.84.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
