<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.83.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.83.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨٣ بتاريخ: ١ - ١ - ١٩١٣ التربية الاجتماعية أخواني الأعزاء لا بد أنكم قرأتم أموراً كثيرة عن ذلك الفيلسوف الإنكليزي الشهير داروين. اصطدمت مخيلة هذا العالم الطبيعي صاحب الفكر الثاقب والنظر النافذ بحادثة فجائية تجلت أمامه أينما حل وحيثما ذهب، حادثة عامة وجدها تتناول جميع ما يدخل تحت عنوان الحياة نباتاً كان أم حيواناً: تلك الحادثة، كما تعلمونها عي التنازع عَلَى البقاء أو بتعبير أخص من عزم عَلَى محافظة حياته. وجب عليه أن يتجهز لرد طوارق الحدثان التي لا بد من أن يصطدم بها في كل آن. جلبت نظره تلك الحادثة العامة فابتدأ من ساعته يبحث عن دواعي ذاك النزاع والأسباب التي تؤدي لتقوية بعضهم وتفوقهم وإضعاف الآخرين وتقهقرهم. فمكن جملة الأسباب التي وجدها، الصبر عَلَى شدائد الطبيعة، والتفوق من جهة الاقتدار المادي والمعنوي، وتزايد النسل عند فريق أكثر من الآخر غير أنه لم يقف عند هذا الحد بل واصل البحث والتنقيب حتى ظهر له بأن نتيجة هذا النزاع الدائم بين العناصر الحية هو بقاءُ الأنسب في العالم وأن السيادة مع تقلب الزمان تبقى في أيدي أولي العزم والتدبير فوجد عَلَى توالي الأيام أن الضعيف محكوم عليه والقوي حاكم، أو بعبارة أقرب إلى الحقيقة، الضعيف يموت والقوي يسود. فهذه حقيقة قد أيدها علماء كثيرون قبل داروين، وفي جملتهم الفيلسوف العربي الشهير ابن رشد فإنه قال: (ليس عَلَى الضعيف عَلَى مر الأزمان إلا حالتان، إما أن يموت مذلولاً وإما أن يتمثل بأقوى منه فيكتسب صفاته وبذلك يقوى فيسهل عليه النزاع مع معامع الحياة) ولكن داروين، أيها الأخوان، لم يكتف بإثبات ما ذكر بل تدرج من القانون العمومي، قانون بقاء الأنسب، وظهر بنظريته المسهورة التي طالما تجاذبتها العقول وتشاحذت بها القرائح والأذهان وهي: الارتقاء في العالم. سردت لكم أيها الأخوان هذه العبارات لا لأنني أريد شرح نظرية ذاك العالم المدقق، ولو أردت ذلك حقيقة لأضحككم حالي لعلمكم أن الوقت ضيق جداً وأن شرح تلك النظرية يتوقف عَلَى معرفة مسائل جمة لا تدخل في موضوعنا كما أني لست بقادر عَلَى إتيانها، وإنما أردت أن أذكركم والذكر لا تنفع، أن الحياة ليست كما يتوهمها كثير منا. فالطفل لدى خروجه من حجر أمه يقع في ارتباك ظاهر لما يتهاجم عليه من العوارض الكثير: فلمسة يد تؤذيه ولفحة قر تؤثر فيه. فيربو وينمو بين حرص الطبيعة وصعوبة المعيشة وكلما تقدم في السن كثرت احتياجاته وتراكمت عليه المشاكل وتضاعفت عَلَى جانبيه الرقباءُ حتى إذا ما أراد شيئاً وجد ألوفاً مع الموانع تزاحمه. فهذه المناقشة أو بالأحرى هذا النزاع والتزاحم يتجلى بكل سعته وشدته عندما يخرج الإنسان من المدرسة إذ يكون حينئذ قد قبض عَلَى زمام إرادته وافلت من الحماية العائلية فيدخل إذ ذاك في حياة جديدة يطلب الرغيف والزاد متكلاً عَلَى قوة ساعديه وقيمة كسلبه فالوسط الذي يلجه يجد فيه أناساً كثيرين يزاحمونه عَلَى مرغوبه ويحولون بينه وبين مطلوبه. وهناك الطامة الكبر إذا لم يكن قادراً عَلَى دفع المشكلات وإزالة العثرات. فحالة الأمم في وقتنا هذا لا تختلف عن حالة الأفراد إن لم تكن أشد وطأة وأعظم خطراً. فالأمة لا تنظر إلى حقائق الأمور بعين الاعتبار وتهمل نفسها بمجاراة مجاوريها في سبيل الرقي الأدبي والمادي تمسي ولا شك متدهورة في هاوية الدمار من حيث لا تشعر تختار السر وهو أشأم أصناف الانتحار وأفظعه. قلنا أنه يجبعلى الأمة أن تنظر إلى عواقب الأمور وتسعى بكل جهدها وطاقتها وتستعمل جميع الوسائط لترقية أبنائها لا لترقيتهم بصورة مطلقة إذ أن ذلك لا يكفي، بل لإيصالهم إلى درجة يقدرون بها، بواسطة التعاون والتضامن بينهم، عَلَى الاحتفاظ بحريتهم وشخصيتهم لا جرم أنكم تعلمون أيضاً أن بعض الأمم في حالة من الرقي تختلف درجاته غير أن الرقي النسبي لا يجهل أحد منكم أن فرنسا تجتهد كل الاجتهاد لتزييد نفوسها ويحق لها أن تضطرب كل الاضطراب في الوقت الحاضر. أو بينا ترى نفوسها تزداد مائة وثلاثة آلاف في خمس سنين أي من تاريخ ١٩٠٥ إلى ١٩٠٩ فألمانيا قد زادت في الوقت نفسه، بما يربو عن الأربعة ملايين ومائتينيوسبعة وأربعين ألفاً في حين أن إنكلترا وعدد سكانها ٣٦ مليوناً ما عدا نفوس إيرلاندا واسكوتلاندا قد زادت سنة ١٩٠٩ فقط بما يقدر بأربعمائة وثلاثة عشر ألفاً فالزيادة المطلقة التي وقعت في فرنسا في هذه المدة هو سبب ضعفها لعدم كفايتها بالنسبة لمجاوريها فهذه الزيادة العظيمة في ألمانيا تدعوها إلى أن تزيد عسكرها إلى ٧٠٠ ألف مقاتل في وقت السلم وأن تتداخل في مسائل أغادير وغيرها مضطرة لا مختارة وتحتل أصقاعاً جديدة لتعينها وقت الشدة. ذكرت لكم هذه الأمثل لألفت نظركم إلى أننا في ضيق وأن الوقت حرج جداً ومن ضيع الفرصة لا ينفع أن يعض أصابعه ويندم حيث لا ينفعه الندم. فيكتفي بمدح ماضيه ويعقد يديه أمام المستقبل. فمن أحب وطنه وعشقه حقيقة وجب عليه قبل كل شيء أن يصلح نفسه ويزينها بالعلوم العصرية ثم يفكر بأن هناك أمة له عليها حقوق عديدة منها حق بقائه فيجتهد إذ ذاك للقيام بواجبه نحوها وإيصالها إلى درجة الرقي والإسعاد، درجة تمنحها حق البقاء بين الأمم الحية. أخواني، لا تظنوا بأني أعرض بالذين يفاخرون بماضيهم لأني أعتقد أن الإنسان لا يمكنه تسلق سلم المعالي إلا إذا عرف نفسه ومعرفة النفس لا تتم إلا بمعرفة الآباء والأجداد وما تركوا من الآثار. لأن الإنسان ليس ابن يومه بل ربيب أمه وأن هناك سلسلة تربطه، شاء أم أبى بالماضي. وما أصدق ما قاله الفيلسوف الشهير رنان الأمة مؤلفة من أمواتها أكثر من أحيائها فمن أراد خدمة أمته كان جديراً بأن يبحث عن ماضيها ويدرس تاريخها ويكشف التراب عن تلك الجذور التي تسنده في حياته دون أن يراها ثم يستعين بها لخدمة مبدأه وتعزيز غايته، غير أنني قصدت بقولي إذ ذاك من يتحمس مفاخراً بقوميته مع أنه يجهل أصلها وفرعها يجهل رجالها وآثارها، قصدت بقولي من يصرخ دائماً، أمتي، أمتي، كانت صاحبة علم ومجد، صاحبة مدنية عظيمة، أوليست هي مهد المدنية الغربية؟. . . . وكلها جمل مفخمة سمعها من رفيقه واكتفى بتردادها في كل محفل ومحضر دون أن يفكر بأن الألفاظ لا قيمة لها إذا لم تستند عَلَى دلائل علمية وأدلة حية. من حب أمته فليبحث عن أحوالها وآثارها وليجتهد في تلقيح ما هو موفق من المدنية الغربية فيها. نحن العرب، يقال عنا أننا أذكياء، فلو سمعنا بهذه القضية أليس يجدر بنا أن نفهم الآن أننا في القرن العشرين، قرن الجهاد المتمادي والسعي المتوالي وإن الذكاء وحده لا يكفل للإنسان حياته إذا لم يأخذ بالأسباب بإرادة أشد من الحديد. نعم عن هذه الصفات صعبة المنال غير أنه يجب عَلَى الإنسان أمام المصاعب أن لا يقنط إن الأمة لا تعمد عَلَى حالها وليس لها ثقة بأفرادها تكون قد أساءت الظن بنفسها ومن أساء الظن بنفسه تدرج إلى اليأس وهناك الطامة الكبرى إذ ليس بنتيجة اليأس إلا الفتور والخمول. فحينئذ يجب عَلَى كل أمة أن تنتبه كالأفراد إلى شخصيتها وتتأهب إلى يوم معلوم. يوم لا بد أن تختبط مع غيرها فيه فإذا كانت خبيرة متيقظة في أمورها حازت قصب السباق وإلا وقعت كما هي حالتنا الآن في هوة الذل والهوان. تذكرون ولا ريب قول ذاك الحكيم الاجتماعي مونتسكيو بحق القوة: القوة تجري إلى أن تجد مانعاً فيصدها فهذا القول ينطبق عَلَى جميع القوات طبيعية كانت أم اجتماعية. أليست تشكلات أوربا السياسية وتجمعها حول الاتفاق والائتلاف مستندة عَلَى هذه النظرية أوليس ضعفنا وتشتت شملنا هو الذي أطمع الحكومات البلقانية أن تزحف علينا بقواتها وترغب في ابتلاعنا. التساهل بالأمور وحسن النية والاتكال عَلَى الغير أمور لذيذة. لأنها هينة التناول ولكن يا للأسف إننا نرى السياسة متلونة ولا تلون الحرباء لا ثقة بها مطلقة. وما التساهل وحسن النية بالأمور إلا بلاهة ومسكنة. كنت أظن أننا قد اعتبرنا بما قد أتى عَلَى رؤوسنا من الدروس التي أوشكت أن تضي علينا بتاتاً، كنت اظن أنه لم يبق أحد في المملكة العثمانية إلا وقد اعتبر بما انتهت إليه سياستنا العنصرية التي بعثرت قوانا وكادت تفرق قلوبنا بعضها عن بعض ولكني وجدت ويا للأسف - بالرغم عما كنت آمل - منشئاً يكتب السطر الآتية في جريدة تنشر في العاصمة: العناصر المختلفة التي تعيش في السلطنة العثمانية لا يمكنها أن يكون لها قوة نافذة بجانب العنصر التركي. منذ خمسة عصور ونحن عائشون تحت عنوان العثمانية، ففي القرن العشرين ينبغي أن نعيش تحت عنوان الترك؟. لم اذكر لكم معشر الشبان الكرام هذه الأمثولة إلا عَلَى سبيل الاستطراد وليس جديراً بالإنسان أن يغالي بسوءِ الظن، لأن التسامح واجب والتعاضد ضروري خصوصاً في الهيئات الاجتماعية - غير أنه ينبغي علينا أن لا يحسن الظن بما يستحقه وأن ينظر إلى المستقبل بعين الدقة خصوصاً إذا كانت حياة أمة في موضع البحث وأن يعتمد عَلَى نفسه واجتهاده وعند الحاجة يكون مقتدراً عَلَى العمل بوصية الشاعر: وإذا بليت بظالم كن ظالماً وإذا لقيت ذوي العدالة فاعدل أخواني الكرام، أريد الآن أن أتكلم عن التربية الاجتماعية أو بالأحرى عما تحتاج إليه التربية الديمقراطية. والذي دفعني لتخصيص هذا البحث في هذا الموضوع ظاهر عَلَى ما أظن. لأن هذا الفرع من التربية هو الذي شغل أكثر المفكرين لتناوله جميع الأفراد وله في وقتنا الحالي مكانة عظمى عند الأمم الراقية. إن الوقت الذي كانت تستعد به الأمم بمجيءِ رجل ذي دهاء يتولى أمورها قد قل حظه وسيدفن عن قريب بين صفحات التاريخ وإن الدور الذي كان الأمر فيه بيد شخص واحد يتصرف كيف يشاءُ قد مضى وانقضى وها نحن الآن في زمن، لصغير القوم وكبيرهم حقوق يطالب بها ووظائف يدعى إلى القيام عليها، يشترك برأيه بمهام الأمور ويضع إصبعه في كل مسألة تتعلق بحياة أمته وارتقائها فمن ثم وجب عليه أن يكون قادراً عَلَى تمييز الغث من السمين ليفيد الهيئة الاجتماعية التي ينتمي إليها بسعيه وعلمه. هذه المسألة من أهم المسائل الاجتماعية قدرتها المم الغربية حق قدرها وهي تشتغل ليلاً ونهاراً بتطبيقها، بنشر العلم وتعميم الفائدة بين جميع أبنائها حتى يكون كل فرد مفيداً لأمته برأيه وسعيه وعلمه وماله. إن من الأفراد من يعلقون آمالهم وترقية أمتهم عَلَى حياة شخص واحد. إن الأمة التي لا يمكنها أن تكون معجن الرجال والتي تعلق شقاءَها وسعادتها عَلَى شخص واحد ليس لها الحق في أن تدخل مصاف الأمم الحية. الأمة الحية هي من إذا فقدت بالمرستون أتاها بيكونسفيلد ومن إذا أضاعت بيكونسفيلد داءها غلادستون ثم شامبرلين، فساليسبوري، فالبسفور فاسكويس من الرجال الدهاة والأمة الحية هي التي تملك أمثال هؤلاء الرجال ولا يهمنا إذا سقط واحد فإن هناك جماً غفيراً قادراً عَلَى أن يخلفه. فالروح الأساسية هي التي تأتي بالأعمال العالية هي روح الأمة من حيث المجموع ولا تظنن أن بسمارك كان يمكنه أن يفعل ما فعل ويوحد العنصر الجرماني تحت يد واحدة لو لم يكن مستنداً عَلَى أمة غذاؤها العلم والانتظام وأعني بهما التربية المدرسية والروح العسكرية ولا تظنن بأن تيير الفرنسوي كان يستطيع دفع الخمسة مليارات ويخلص وطنه بمدة وجيزة لو لم يكن وراؤه أمة تعودت الاقتصاد وتأصلت فيها مزايا الاستثمار. فحري بنا نحن أبناء العرب أن نقتفي إذا أردنا لنفسنا حياةً حرةً أثر تلك المم وأن نبث روح التربية الديمقراطية بكل صقع من أنحاء جزيرة العرب وسورية. إن الأخصائيين في هذا الفن قد عرفوا التربية بصور عديدة فقال الفيسلوف الألماني (كانت) التربيثة تنمية الصفات الكمالية في الإنسان بقدر ما تستطيع طبيعته أو بقدر ما يتحمل استعداده. وتقول مادام نكور دوسو سور وهي آنسة اشتهرت بهذا الفن: تربية الطفل، هو إيصاله الحالة يقدر بها أن يفي بوظائفه الحيوية بأحسن صورة، ويرى هربرت سبنسر أن التربية هي إحضار الطفل للحياة الكاملة، وعرفها جيمس ميل الفيلسوف الأميركاني هكذا المقصد من التربية هي جعل الطفل آلة سعادة لنفسه ولغيره. وبعد فإن جميع ما ذكرناه من التعاريف في التربية يتعلق بغايتها لا بذاتها ويخلو أحدها من الإبهام. لأنه إذا سئلنا ما هي الحياة الكاملة وما هي السعادة يصعب علينا أن نجاوب جواباً شافياً لأن هذه الكلمات تدل عل أشياء نسبي لا يمكن حصرها ثم فهمها. عرف جان جاك روسو التربية بذاتها فقال: التربية هي صنعة لتنمية الأطفال وإعداد الرجال فحسن هذا التعريف أنه قصير ومختصر غير أن قصره المفرط ولد فيه نوعاً من الإبهام. ولذلك أرجح التعريف الآتي وإن كان مطولاً غير أنه يدل عَلَى المقصود ويؤلف بين التعارف التي ذكرناها التربية هي مجموع الأعمال المفكرة لمعاونة طبيعة الإنسان في ترقية خصائصه الجسمية والعقلية والأخلاقية، بقصد تكامله وإسعاده وإيفاء وظيفته الاجتماعية فهذا التعريف يجلو للأنظار بأن التربية ينبغي لها أن تنطبق عَلَى الصفات الثلاث المتمم بعضها بعضاً في الإنسان وهي الصفات الجسمية والفكرية والأخلاقية. أستأذنكم أن أتبع كلمتي في التربية الديمقراطية بما يتعلق بالمعلومات الأساسية والصفات الفكرية والإرادية التي يجب أن تؤسس في عقل الطفل من حيث أنه عضو فعال وأن يكون بحثي بصورة خاصة في الولد الذي دخل مدرسة لتكميل ما تعلمه لأجل ذلك خصصت بحثي بالتربية وتركت تربية الأسرة والتربية اللا مدرسية (إن صح التعبير) أي التربية الذاتية بعد الخروج من المدرسة. ولي بذلك مأرب يهم الحياة العربية. لا بد أنكم اطلعتم عَلَى بعض المقالات التي نشرت في المدة الأخيرة عَلَى صفحات الجرائد في دمشق تحت هذا العنوان المبادئِ العالية فتوالت المقالات عَلَى إثر انتشار المقالة الأولى حتى ظن أنه يوجد اختلاف بين آراء الكتاب في هذا الشأن ولكن الخلاف لم يكن إلا اختلافاً وهمياً لمن ادعى أنه لا صلاح إلا بإصلاح الأسرة فقد نطق بالصواب لأن العائلة عَلَى التحقيق هي أساس كل جمعية وقوامها. غير أنه إذا سئل كيف تصلح الأسرة، فماذا يكون إذاً الجواب؟ أيتمكن الأبوان أن يتوفرا عَلَى تربية ابنهما أو بنتهما مع أنهما لا يفقهان ما هي التربية وما معناها، وهل يكفي أن يلقن الآباء والأمهات معنى التربية بواسطة المحاضرات والمؤلفات والجرائد وهل هم يحسنون القراءة وإذا قرؤ أو توصلوا لفهم معنى التربية هل يتمكنون من تطبيقها وهل يمكننا أن نغير طبائعهم وعاداتهم بعد أن وصلوا إلى تلك السن ونعلمهم الثبات والدوام في العمل لأجل أن يتيسر لهم اقتطاف الثمرات أن يمكننا أن ندخل البيوت ونأخذ النفس بتربية الأطفال. كل هذا وهم باطل إذاً فلنوجه أنظارنا إلى المدارس لأن هناك آمالنا وهناك مستقبلنا هناك يمكننا أن نؤثر في الطفل وأن نغرس فيه بقدر الإمكان بعض الطبائع الحسنة ونعلمه الثبات والمضاء إنني لا أنكر ما للمؤلفات والمحاضرات من الخدم العظيمة بهذا الشأن كما أنني أعتقد أن تلك الخدم بالرغم من مكانتها ثانوية بالنسبة لتربية أمة كأمتنا. قلت أن المكتب هو الذي يجب أن يكون المبدأ لتربيتنا: لأن الولد الذي يتيسر له نيل تربية حقيقية في المدرسة يمكنه أن يؤثر في إصلاح أسره وأن يكون سبباً لإسعاد أولاده وترقية أمته في المستقبل. ولكن من لنا بأن يربى تلك التربية التي أشرنا إليها في مدارسنا. أولئك الرجال الذين يعلمون فيها الآن؟ فكفى بنا ذهولاً واسمحوا لي بأن أهتف إلى الغرب الغرب. لنرجع إلى موضوعنا أي إلى كيفية المعلومات الأساسية والصفات التي تتعلق بالفكر والإرادة والتي يجب عَلَى المعلم أن يلقنها تلميذه بصفته عضو من أعضاء هيئة اجتماعية وديمقراطية ولذا فلنبدأ بالتربية العقلية لأن التربية الجسمية المدرسية وضررها معلوم عند الجميع. قلت فلنبدأ بالتربية الفكرية لأن الطبيعة الأخلاقية في الرجل وإن كانت هي التي تعطيه القوة اللازمة لاقتحام المصاعب غير أن الذكاء هو الذي ينير طريقها ويعين لها وظيفتها. وعليه فلتربية يجب أن يكون أساسها العلم وأن تستند في جميع أوقاتها عَلَى مكتشفاته وأصوله الثابتة. لأننا في قرن الحقائق العلمية والخرافات الناشئة عن الجهل، التي تدرس في مدارسنا بدون أن يشعر بها المعلم هي لائقة بعصر كان للخرافات والتخريفات فيه حظ وجال. فالعقل البشري في عصرنا هذا خاصة لا يطأطئ لسهولة أمام البداهة العلمية. ولكن ماذا يفهم من قولنا أن العلم يجب أن يكون روح التربية الفكرية في مجمع ديمقراطي؟ هل يمكننا أن نطلب من الخلق بان يملكوا كلهم فنون العلم بحذافيرها ويتمثلوا بها. كلا! فإن ذلك لا يدخل تحت دائرة الإمكان. وحيث أن الجمعية مرتبة من أعضاء مختلفين في استعداداتهم وطبائعهم فقسم منهم بطبيعة الحال يبرع مثلاً بالعلوم الاجتماعية وآخر بالعلوم الرياضية وآخر بالتجارة والصنائع والزراعة. . . الخ. وعلى كل منهم أن يكون عالماً في صنعة آمراً كان أو مأموراً وما العالم إلا من أخصى في شعبة من شعب الفنون الحاضرة فعليه ليس المقصد، كما قال رنان، أن يكون كل الأفراد علماء بل المقصد أن يشترك الكل بثمرات العلم أو بعبارة أجمل كما قال نوسيديد ليس المقصود أن يكون فرد قادراً عَلَى حل كل المعادلة بل يكتفي أن يقتدر عَلَى إدراك النتيجة من حلها. فعليه ماذا يترتب لاستحصال هذه النتيجة العامة التي يجب أن تشمل الجميع بدون استثناء؟ أو بعبارة أخص وأوضح ما هي الأمور الضرورية التي يلزم نشرها بين جميع أبناء العرب تلك الأمور ثلاثة. أولاً نشر الحد الأصغر من المعارف الأساسية بين جميع أبناء الناطقين بالضاد ثانياً تأسيس عادات فكرية حسنة ثالثاً نشر بعض المعلومات التي تتعلق بالاكتشافات الفنية. الحد الأصغر الذي يجب نشره من المعارف لا يمكن تحديده بصورة قطعية، لأنه يتغير بتغير الأحوال والاستعدادات فمنهم من يبرعون ومنهم من يتأخرون غير أن القاعدة العامة هو أن يبتدأَ بنشر المعلومات الابتدائية التي هي بمثابة الآلات الضرورية لترقية الفكر في المستقبل كالقراءة والكتابة وبعض قواعد اللسان العربي والحساب بإضافة بعض المعلومات التي تتعلق بالتاريخ وبما يحيط بالإنسان إذ لا بد لها لمعرفة الماضي والحال وإنارة طريق المستقبل فإذا دعمت هذه المعلومات الابتدائية بصورة مختصرة معقولة وبواسطة المدارس عَلَى الخص تمكن الرجل من أن يوسع معارفه فيما بعد بدرس المؤلفات وسماع المحاضرات هذا إذا لم يدخل في إحدى المدارس العليا ولم يساعده الحظ عَلَى إتمام عقبات التعليم. غير أن المقصد الأساسي من تلقين هذه المعلومات الابتدائية يلزم أن ينصرف لتأسيس عادات وطبائع فكرية حسنة بحيث يكون الرجل صاحب فكر سليم في جميع أفعاله ومحاكاته وأن يتعود فهم الحقائق بدون أن ينخدع بالظواهر وأن يرى، كما قال المسيو ألفرد كروازي، مدير كلية العلوم الأبية بباريس، من وراء الكلمات المعاني، ومن وراء المعاني، الأشياء بذاتها. المقصد من المعرفة أن يستطيع الإنسان فهم الحقائق والحكم عَلَى الأشياء لا يتيسر إلا بالاطلاع عَلَى كنهها ومعرفة القوانين التي تدار بها. سلامة الفكر تقتضي نفوذ النظر وشدة الثبات لنيل المقصد والذي يجب أن يولد عند الطفل الميل لمعرفة الحقائق لأجل أن يستخدمها، يجب كما يقول ديكارت الفيلسوف، أن نتمثل بالأشياء بدل من أن نقودها بميولنا الهوائية. الطبيعة لا تنقاد لمن يغضب عليها بحمق وجهالة، لأن الغضب وسواه عندها سواءٌ. وماذا يا ترى، نفع كيكاوس عندما أخذ السوط بيده وجلد به البحر ليؤدبه عَلَى هيجانه أمامه. فعليه يجب علينا أن نعود الطفل النظر في الأشياء بعين البصيرة والتروي وأن نولد عنده طبيعة البحث عن حقائق الأمور والمثابرة عَلَى العمل ليتلذذ بثمراته. قلت أن المثابرة عَلَى العمل والبحث ضروريان لكل شخص إذا أراد أن يتمتع بثمرات حياته ويا للأسف معاشر أبناء الشرق واخص أبناء العرب تنقصنا هذه الفضيلة الاجتماعية؟ لأن لذة التحصيل ومعنى الحياة لم تمازج أرواحنا فالذي يخرج منا من إحدى المدارس العالية يعد نفسه أنه وصل إلى منتهى الكمال في العلم؟ فيعقد يديه ويتمدد عَلَى سريره كأنه بلغ الغاية القصوى. هذه حالتنا الآن وهذه حالتنا في زمن ليس بقريب. درس كلوت بك أحد المستشرقين أخلاق العرب عَلَى عهد محمد علي باشا الكبير بمصر وسورية فامتدح منهم وأعجب بذكائهم وسرعة انتقالهم وقال إنهم لا يقصرون عن أبناء الغرب شيئاً غير أنهم يملون بسرعة ولا يداومون العمل بصورة جدية. فهذه الخصلة، أيها الأخوان، من أتعس النقائص الاجتماعية في زمننا هذا ولقد ثبت أن الألمان لم ينجحوا ويبرزوا أكثر الأمم إلا لأن هذه الصفة امتزجت بطبائعهم وقبضوا عليها أكثر من غيرهم. فيمكننا نحن العرب، والأمثال عديدة احتذاء مثال الناهضين بأن نعطي للحياة حقها ونتخلق بهذه الصفة الضرورية لنا إذا أردنا أن نخدم أنفسنا ونقوم بأمتنا. بقي عليّ أن أقول كلمة في القسم الثالث ألا وهي الأفكار العامة التي يجب أن تلقن للطفل في صغره. أول شيءٍ يمكننا أن نعلمه للطفل أن يعرف شخصه ومن هو وإلى أي أسرة ينتمي، وبأي لسان أمة ينطق ومن هي تلك ألأمة التي يرتبط بها بعاداته وطباعه ثم ننتقل به إلى الأمم الأخرى بحيث تدخل في ذنه النقطة الأساسية وهي الفرق بين الماضي والحاضر فنشا له بذلك فكرة عامة وهي فكرة الترقي الدائم في العالم. يلزم أن يعرف أن العالم لا يتبع الأهواء والأهوية في تقلباته ودورانه بل هناك نظام وقوانين يدار بها يخضع لها لا بد أنكم توهمتم بعظم هذه التعابير التي ذكرتها كالرقي الدائم والنظام في العالم، وسألتم أنفسكم كيف يمكن تلقين ولد حديث السن فهم هذه الحقائق العالية ولربما ضحك بعضكم في سره من هذا الفكر. نعم ليس المقصد أن يدخل المعلم في تفاصيل هذه المسائل لأنه يستحيل عليه إفهامها كلها للطفل ولكن يمكنه أبداً أن يوضح ما أشرنا إليه بيان الخطوط الأولى فقط المدونة في التواريخ والكتب الاجتماعية. وعلى وجه الاستدلال أريد أن أنقل لكم عبارة للمؤرخ العالم الكبير المسيو لافيس أحد أعضاء المجمع العلمي بباريز قال: إن التقلبات التي أتت عَلَى الإنسانية مرئية محسوسة ولا حاجة للإنسان لأن يكون عالماً نحريراً أو فيلسوفاً كبيراً ليتمكن من التوقف عَلَى سرير الروح البشرية التي تقلبت بين الأعصر الغابرة لا يكتف المعلم بتفهيم شروط الحياة بين الأدوار المهمة فقط وليقل مثلاً أن الإنجيل يفرق بين كليتمنستر ولاسيل وأتالي لرسين والحروب الصليبية بين أشيل والسيد والصليب بين أفلاطون وباسكال ويبن الفروق الأساسية بين القسمين فعندها يحس الولد من نفسه بأنه منقاد بتاريخ الإنسانية عَلَى الدوام. وفي الوقت نفسه يقوده معلم التاريخ من الجمعيات الابتدائية إلى أن يوصله إلى الجمعيات الحاضرة بشرط أن يوقفه عَلَى الأصول ويهمل ما دون ذلك من الفروع. وبديهي أنه لا يمكن استحصال هذه الشروط ولا يتيسر توسيع الفكرة وإنارة الذهن إذا لم يكن هناك حرية فكرية مطلقة. فالحري هي غذاء الفكر وقوامه وبدونها يصبح الفكر كالعضو المعطل عن الحركة فبعد أن يمضي عليه مدة من الزمن يتحضر ثم يعجز عن الإتيان بعمل واحد أحب أن أذكر لكم هذه الأمثولة التاريخية بهذا الشأن. دخلت الدجة دورليان ذات يوم سنة ١٨٤٢ ومعها ولدها عَلَى فيكتور هوجو وسألته ماذا يجب أن تعلم ولدها فقال: يجب أن تعلميه أن فرنسا تقيد العالم بأسره وأن الذكاء يقيدها. ماذا كان القصد من هذا الجواب يا ترى؟ القصد، هو أنه إذا ساعد الحظ ابنها الدوج دي باري وجلس عَلَى سرير السلطنة بعد والده لوي فيليب، يعرف أن الفكر حاكم عَلَى كل شيءٍ وأن مراعاته واجبة حتى عَلَى الملوك فبالحقيقة لا يقف شيءٌ أمام الإنسان إذا كان متبصراً مستنداً عَلَى حرية الفكر وقوة الإرادة. وهاءَنذا أختم حديثي بكلمات عن التربية الأخلاقية فأقول: تعرفون ولا بد أن قسماً من الأخلاق تكون عَلَى مدى الأزمان وسير الأيام بصورة قطعية فالمذاهب والأديان العالية كلها تأمر بالمعروف وتنهي عن المنكر مثل: يلزم عليك أن تطيع والديك وتع ين جارك وتحافظ عَلَى ح رمتك وتصبر عَلَى الأجن والآلام وتفتش عن السعادة باكتساب الفضائل فهذه الأحكام هي أحكام ثابتة، تتعلق بغايات عالية وبمقاصد شريفة. غير أن هناك صفات أخرى من الأخلاق بالنسبة إلى التشكلات الاجتماعية الحاضرة يجب أن تضاف إلى القسم الأول وأن ترسخ في عقول الأطفال وهذه الصفات تدعى بالأخلاق المدنية فأريد أن أجعلها كلمتي الأخيرة. المقصد من الخلاق المدنية مزدوج فمن جهة، هو توليد فكر الاستقلال الشخصي في الطفل وجعله قادراً عَلَى أن يأتي بأعمال شخصية مثمرة، من الجهة الأخرى السقاءُ حسن التأليف بين الأعمال واستقلال الإرادة وسوقها إلى هدف معين. فالمراد من الأول هو الشخص ومن الثاني الجمعية. فالأول يقوي الفرد عَلَى السعي والعمل والثاني يحمله عَلَى إشراك مساعيه مع غيره فنقول بذلك لتأمين منفعة الشخص ومنفعة الهيئة الاجتماعية معاً. ولا شك بأنه يتيسر للأمة رقيها ونجاحها إذا كان الأفراد أقوياء متقدمين عَلَى فكر التعاون والتضامن. الرجل القوي صاحب الاستقلال الشخصي والجرأة المدنية هو، عَلَى مذهب سقراط، من تغلب العقل فيه عَلَى الأميال والذي إذا تحقق لديه عمل نافع وغاية شريفة مشى نحوهما بقدم ثابتة دون أن يبالي بكثرة الموانع وازدحام المهالك. المستر روزفلت، رئيس جمهورية أميركا الشمالية سابقاً، هو مثال مجسم في هذا الشأن ومن درس حياته ومناقشاته الاجتماعية إلى الآن يدرك أنه هو ذاك الرجل الذي يقول في كتابه (الحياة المتينة): الأمة لا يمكنها النجاح إذا لم تعود أولادها بذل الجهد. لا لاجتناب المصاعب، بل لقمعها، ولا للبحث عن الراحة فقط، بل عن معرفة إحراز الظفر من أيدي المشاكل والمخاطر. يجب عَلَى الرجل أن يفرح إذا أتى بعمل الرجال ويسر إذا تجرأ عَلَى تحمل الصعوبات وكد وجد وحافظ عَلَى نفسه وعل من يلوذ به، يجب عَلَى المرأة أن تكون مديرة لبيتها، رفيقة لزوجها، عاقلة لا تجزع من كثرة الأولاد الأقوياء الأشداء حولها. فرجاؤنا إلى أبناء العلم والتعليم عَلَى الأقل أن يبذلوا الجهد في إنشاء هذه الصفات العالية بين الناشئ الجديدة ومن يليها. ويكفي أن يكون الأفراد أقويا إذا لم تنور أفئدتهم بحب المنفعة العامة وتعلق آمالهم وغاياتهم برقي الشعب الذي يرجعون إليه؟ الرجل المتفرد لا قيمة له وما قيمة المرء إلا بقيمة الهيئة الاجتماعية التي ينتسب إليها. وهل ينكر أحد أن مبدأ الترقي والمدنية هو التعاون والإخلاص المتقابل بين الأفراد! ليست هي الجمعية التي تحمل الفرد أن يتجول بكل حرية ويظهر استعداده ولياقته أينما كان. إذاً عَلَى كل فرد أن يحب أمته ويسعى لإرضائها وإسعادها، تلك الأمة التي ضمته إلى حجرها ضمنت له الحياة ثم دربته إلى أن تيسر له استنارة مداركه وأعماله. الرجل الذي تبرأ من أمته ويهمل أمرها بعد أن أخذ غذائه منها هي ولا شك، غنية عنه وعن أمثاله ومن يقدر المنفعة العامة ويخدمها ولو كان ذلك يؤدي في بعض الأحيان إلى ضرره الذاتي، فهو مبجل في جميع الأزمنة في نظر أمته ونظر الإنسانية. حكمت أثينة ظلماً عَلَى سقراط بشرب السم. فبدلاً من أن يركب العار ويفر من قانون أمته رضي بحكم الجمهور وتجرع كأس المنون صابراً غير جازع فحب الأمة وحسن المفاداة بمنافعنا الحسيسة بحبها يجب أن تنير أفئدتنا ويعلي مقاصدنا وما أحسن ما كتب عَلَى نصب قبر أحد أولئك الأبطال الذين فادوا بأرواحهم في حرب ترموبيل حباً بأمتهم: أيها العابر اذهب وخبر إسبارطة إننا لم نمت في هذا المكان إلا حباً بإعلاء شرفها وتأييد حريتها! وهل فعلت الأعراب أقل من ذلك وما السائق الذي دفع طارق بن زياد أن يحرق المراكب وينادي بعسكره: الموت أو الظفر، وما الذي ساق محمداً المنصور الوزير الأندلسي الشهير أن يتمدد عَلَى الطريق ويصد الفارين بنفسه إذا لم يكن حب الوظيفة وحب الأمة والوطن. الفضيلة التي تأمر الإنسان أن يضع نفسه دون مبادئه العالية هي من أول الفضائل التي سطرها التاريخ عَلَى صفحاته. فلنجد أيها الأخوان، لاكتسابها فإن لنا باكتسابها الفوز العظيم. ترعة السويس وتجارة الشرق عرف أن التجارة أول نشأتها لم تتجاوز البحر المتوسط بل حصرت في سواحل فينيقية وبلاد الكلدان والعربية وغيرها من بلاد المشرق أيام توفرت لديها المعارف والعلوم وأينعت فيها ثمار الصنائع والفنون حتى صارت محط رحال التجارة بين المشارق والمغارب وزينة الأموال وموارد الخيرات والمكاسب ويهرع إليها الفاتحون من كل فج وصوب ليشاطروها الأرباح العظيمة ويسلبوها الصنائع العجيبة ويتهافت عليها الغزاة تهافت الفراش عَلَى السراج ولكنهم ما كانوا ينتفعون بذلك بل كان تهافتهم وبالاً عليهم في كل آن. وبقيت شآبيب المرابح والخيرات تنهل عَلَى الشرقيين فتتدفق عليهم سيول الثراءِ من سحاب الكد والجد إلى أن نظر إليهم الزمان بعين ملؤها الحسد فألهم الإفرنج أن يكتشفوا طريقاً جديداً إلى الهند فآل الأمر إلى فاسكودي غاما ذلك الرجل العظيم الذي وجد طريقاً حول رأس الرجاء الصالح وحوّل بذلك المشروع جانباً كبيراً من تجارة الهند والصين ليسقي به ربوع الغرب فارتشفت من معينه إنكلترا وإسبانيا والبرتقال وهولاندة حتى عمت الفائدة أغلب أقسام أوربا وبقي للشرقيين من ذاك الوقت جزء يسير من التجارة يطرد بطريق حلب ودمشق ومصر نظراً لما كانوا يملون أنفسهم من المخاوف والأخطار ويركبون الغرر والأهوال في طريقهم حول رأس الرجاء الصالح أو أفريقية واخذ يتزايد يوماً فيوماً إلى أن فتحت ترعة السويس سنة ١٨٦٩ عَلَى يد دي لسبس المهندس الفرنسوي الشهير فدار بذلك دولاب التجارة وعم نفعها العالم غير أنها مع كثرة منافعها إليه ما كانت لتخلو من مضار للسلطنة التي فتحت فيها وذابت مهج رجالها في حفر رمالها وعطلت من أجلها تجارتها بل كانت منفعتها لمن قاوم أشد المقاومة ألا وهي السلطنة الإنكليزية التي استأثرت بأكثر فوائدها. أجل إن فتح تلك الترعة كان سبباً من أهم الأسباب لتوسيع تجارة العالم وامتدادها لكن الذين باشروا ذلك المشروع ومابدوا فيه عرق القربة قد قلب لهم الدهر ظهر المجن وتبدل نعيمهم بالبؤس كما يشهد لهم بذلك شرقي سورية وأسفل العراق ومدينة حلب التي كانت مركز المواصلات التجارية بين أوربا والهند فقد فقدت واردات تجارتها وعكس ذلك البصرة إذ صار لها بطريق السويس أوسع الأبواب لتصدير حاصلاتها كما تدل الآثار عَلَى ذلك. كان طريق فاسكودي غاما إلى الهند حول رأس الرجاء الصالح طريقاً خطراً يتجرع فيه المسافرون كأس الضيم وتقتحم فيه السفن قحم الهلكات حتى كانت تتراخى مدة السفن الذاهبة إلى الهند فكانت تقضي في سفرها أكثر السنة ولم يكن وصولها معروفاً حق المعرفة ولذلك أجبرت التجار أن تخزن جانباً كبيراً من البضائع في مخازنها حذراً من أن لا يكون في مخازنها ما يفي بالمطلوب إذا ما أُعيقت السفينة عن الوصول إليهم في الوقت المعين. أما الآن وقد صارت مدة السفر ثلاثين يوماً لا غير فاستغنى التجار عن المخازن الكبيرة وابتدأت تطلب بضائعها من الشرق وهي عَلَى يقين من وصولها في الوقت المعين وزد عَلَى ذلك فإن نقل الحنطة من الهند واللحم من أوستراليا وزيلندا الجديدة لم يكن ممكناً قبل فتح الترعة أما الآن فقد صار من أوسع أبواب التجارة. وقد أدرك كثيرون من رجال عظماء العالم كرعمسيس ونخو ودارا هتاسب وبطليموس ونابليون وغيرهم مكانة تلك الترعة التجارية فحفر رعمسيس الثاني سنة ١٣٠٠ ق. م ترعة وصل بها فرع النيل البلوسي بالبحر الأحمر وما كانت تصلح إلا لتسريب المياه وربما كان ذلك مقصده الأكبر. وعزم نحو سنة ٦٠٠ ق. م عَلَى تتميمها لولا ما أنبأه العرافون أن بحفرها ينتفع بها أعداء بلاده وما قرره أيضاً مهندسوه من أن مياه البحر الأحمر أعلى من سطح مصر فخاف عندئذ عَلَى بلاده وتوقف عن حفرها بعد ما أهلك فيها نحو ٢٠٠٠٠ نفس من المصريين. ثم اشتغل بها دارا هشتاسب وبطليموس الثاني كما أنبأنا التاريخ فحفرا تلك الترعة وبقيت إلى أن ردمتها الرمال قبل أيام طريانوس فأصلحها في القرن الثاني وعادت الرمال فردمتها مرة أخرى إلى فتوح العرب من سنة ٦٣٨ إلى ٦٤٠ فأصلحها عندئذ عمرو بن العاص قائد جيوش عمر بن الخطاب وسماها ترعة أمير المؤمنين. ثم طمها بعده الخليفة المنصور أبو جعفر ثاني الخلفاء العباسيين ليقطع الطعام عن محمد بن عبد الله حينما خرج عليه في المدينة فبقيت مطمورة من ذلك الحين إلى أن احتفرها الحاكم بأمر الله من الخلفاء الفاطميين في مصر وجعلها صالحة للملاحة حتى ردمتها الرمال مرة أخرى وبقيت الآثار تدلنا عَلَى ذلك. ثم جاء نابليون إلى مصر ورأى آثار تلك الترعة فجال في خاطره أن يحتفرها فيقدر عندئذ أن ينقل جنوده إلى الهند فيجبر الإنكليز عَلَى الخروج من تلك الديار وهكذا عرض مشروعه هذا عَلَى المهندس المسيو لوبير ووقع فغيما وقعت به المصريون من قبل وقال أن سطح البحر الأحمر أعلى من سطح البحر المتوسط بعشرة أمتار فإذا فتحت الترعة خشي من طغيان الماء. فبقيت المسألة عَلَى بساط البحث إلى أن قضت الأحوال بخروج نابليون من مصر فسقط طبعاً مشروعه وخرج وهو يردد هذه الكلمات: إن هذا العمل العظيم لم يقدر لي عمله ولعل الدولة العثمانية تسترجع عظمتها يوماً ما بإتمامه. وظل مهندسو ذلك العصر يعتقدون بارتفاع سطح البحر الأحمر عن البحر المتوسط إلى أن قام المهندس الفرنساوي الشهير بوردالو سنة ١٨٦٤ وقرر ألا فرق بين ارتفاع البحرين فأنفذت فرنسا وإنكلترا والنمسا لجنة مؤلفة من المسيو تلايوت والمستر ستيفنس والسينيور بخرلي فتحقق الأمر عندئذ غير أن المهندس الإنكليزي لم يستصوب لسياسة فتح تلك الترعة ولخوفه انهيال الرمال عليها وخسارة الهند بذلك المشروع فعاد إلى وطنه وأضعف عزيمة مواطنيه فأثر فيهم كلامه وعدلوا عن إنشائها. وبقيت تلك المسألة موضوع البحث إلى أن قضت الأمور بأن يتم هذا المشروع الخطير عَلَى يد دي لسبس المهندس الفرنساوي بد أن استقرى طويلاً ووقف عَلَى فحوى ما ارتآه المهندسون في ذلك المشروع وعرف أن تجارة البلاد تتضاعف بها كل عشر سنوات. وهكذا آلى عَلَى نفسه بأن يفتح تلك الترعة فألف شركة غنية تحت عنوان (شركة ترعة السويس العامة) لتقوم لهذا العمل فذهب إلى الآستانة للسعي في هذا المشروع فلم يلق هناك إلا ما يميت الآمال ويثبط العزائم وهذا آب إلى بلاده خجلاً وبقي مدة في وطنه إلى أن بلغه تولية سعيد باشا عَلَى مصر سنة ١٨٥٤ فأسرع إليه إذ كانت بينهما صداقة متينة العرى وأقنعه بوجوب فتح تلك الترعة التي بها يتوسع نطاق التجارة وتجر مصر ذيول الثراء فأثر فيه كلامه واقتنع بما قاله دي لسبس وعقد امتيازاً مع تلك الشركة يليه اثنا عشر بنداً أهمها أن مدة الامتياز ٩٩ سنة تبتدئ من يوم فتح الترعة وعند انتهاء المدة تستلم الحكومة جميع أعمال الشركة فتقوم مقامها في كل عمل وأضيف لهذا البند بأن يجوز للشركة إطالة المدة أو تجديد الامتياز بشرط أن تزيد ما تدفعه للحكومة من صافي الأرباح وأنها (أي الحكومة) تأخذ ١٥ في المئة من صافي الأرباح عدا ربحها من الأسهم التي تكون لها والخمسة والثمانين الباقية من المائة يعطى منها ٧٥ للمساهمين و ١٠ في المئة للمؤسسين ثم أن الشركة تعين بالاتفاق مع الحكومة المصرية ما يؤخذ عَلَى السفن من رسم المرور من الترعة ويجري هذا الرسم عَلَى سفن جميع الدول بلا تمييز. وفي ١٧ تشرين الثاني سنة ١٨٦٩ فتحت الترعة لمرور المراكب فاجتازها خمسون سفينة باحتفال عظيم أعد فيه إسماعيل باشا معدات عظيمة ودعا إليه ملوك أوربا وأمراءها فصرف لذلك الاحتفال أموالاً طائلة كانت سبباً من أهم الأسباب لتأخر صندوق الحكومة المصرية في ذلك الحين. وهكذا ابتدأت الشركة ورأس مالها ٢٠٠ . ٠٠٠ . ٠٠٠ فرنك مؤلفة من ٤٠٠ . ٠٠٠ سهم سعر السهم ٥٠٠ فرنك بعد ما تعددت عليها المعاكسات وتوقفت عن العمل مدة سنتين وحكموا بتلك المسألة إمبراطور فرنسا في ذلك العهد فرجع الأمر إلى من يقوم به وعادت الشركة للعمل بهمة ونشاط ونجحت نجاحاً عظيماً لم تنجحه قط شركة مساهمة مثلها. وبعد فإن ما أنفقه إسماعيل باشا عَلَى الاحتفال عند فتح الترعة ١٠٠ . ٠٠٠ . ٠٠٠ فرنك وهو السبب الأكبر الذي بعثه عَلَى بيه حصة مصر من أسهم السويس وهكذا سنة ١٨٧٥ قد باع إسماعيل باشا تلك الأسهم وعددها ٧٦٦٠٢ من الأسهم ثمن السهم ٥٠٠ فرنك فأسرع الكولونل ستانتن قنصل إنكلترا في مصر واشترها باسم الحكومة الإنكليزية بقيمة أربعة ملايين جنيه التي قدر ثمنها سنة ١٩٠٦ بإحدى وثلاثين مليوناً من الجنيهات. وهنا يجاب أن يضاف اقتراح الشركة للحكومة ألا وهو أن تعطي الشركة للحكومة المصرية أربعة ملايين من الجنيهات مقابلة إطالة امتيازها وأن تقسطه أقساطاً أقساطاً يكون آخرها سنة ١٩١٢ وأن تعطيها أيضاً أربعة في المئة من صافي ربحها السنوي في العشر سنوات الأولى من سنة ١٩١٢ إلى سنة ١٩٣٠ وستة في المئة في العشر سنوات الثانية وثمانية في المئة في العشر سنوات الثالثة وعشرة في المئة في العشر سنوات الرابعة و ١٢ في المئة في المدة الباقية للامتياز أي سنة ١٩٦١ إلى سنة ١٩٦٨ ثم تعطيها نصف صافي ربحها السنوي مدة الأربعين سنة التي يطال فيها الامتياز ولكن إذا قلَّ الربح سنة من السنين عن مئة مليون فرنك فالشركة تأخذ أيضاً أن ربحها ٥٠ مليوناً والباقي للحكومة وإذا صادف في سنة من السنين أيضاً أن ربحها ٥٠ مليوناً فالشركة تأخذ الربح كله ولا تتداخل الحكومة فيه. ونظراً لما صار للحكومة من قسم الأرباح قد سمح لها أن يكون في الشركة عضوان نائبان عن الحكومة فيها وهكذا انتخبت الحكومة نائبين عناه يمثلانها في الشركة. وهذا بيان عدد البواخر التي مخرت الترعة في كل سنة منذ فتحها إلى سنة ١٩٠٨ وبيان الرسوم التي حصلتها الشركة في كل سنة. سنة عدد البواخرالرسوم المحصلة بالفرنكات ١٨٦٩١٠ ٥٤٤٦٠ ١٨٧٠٤٨٦ ٥ . ١٥٩ . ٣٢٧ ١٨٧١٧٦٢ ٨ . ٩٩٣ . ٧٣٢ ١٨٧٢١٠٧٥ ١٦ . ٤٠٧ . ٥٩١ ١٨٧٣١١٧٣ ٢٢ . ٨٩٧ . ٣١٩ ١٨٧٤١٢٦٤ ٢٤ . ٨٥٩ . ٣٨٣ ١٨٧٥١٤٩٤ ٢٨ . ٨٨٦ . ٣٠٢ ١٨٧٦١٤٥٧ ٢٩ . ٩٧٤ . ٩٩٨ ١٨٧٧١٦٦٣ ٣٢ . ٧٧٤ . ٣٤٤ ١٨٧٨١٥٩٣ ٣١ . ٠٩٨ . ٢٢٩ ١٨٧٩١٤٧٧ ٢٩ . ٦٨٦ . ٠٦٠ ١٨٨٠٢٠٢٦ ٣٩ . ٨٤٠ . ٤٨٧ ١٨٨١٢٧٢٧ ٥ . ١٧٤ . ٣٥٢ ١٨٨٢٣١٩٨ ٦٠ . ٥٤٥ . ٨٨٢ ١٨٨٣٣٣٠٧ ٦٥ . ٨٤٧ . ٨١٢ ١٨٨٤٣٢٨٤ ٦٢ . ٣٧٨ . ١١٥ ١٨٨٥٣٦٢٤ ٦٢ . ٢٠٧ . ٤٣٩ ١٨٨٦٣١٠٠ ٥٦ . ٥٢٧ . ٣٩٠ ١٨٨٧٣١٣٧ ٥٧ . ٨٦٢ . ٣٧٠ ١٨٨٨٣٤٤٠ ٦٤ . ٨٣٢ . ٢٧٣ ١٨٨٩٣٤٢٥ ٦٦ . ١٦٧ . ٥٧٩ ١٨٩٠٣٣٨٩ ٦٦ . ٩٨٤ . ٠٠٠ ١٨٩١٣٢٠٧ ٨٣ . ٤٢٢ . ١٠١ ١٨٩٢٣٥٥٩ ٧٤ . ٤٥٢ . ٤٣٦ ١٨٩٣٣٣٤١ ٧٠ . ٦٦٧ . ٣٦١ ١٨٩٤٣٣٥٢ ٧٣ . ٧٧٦ . ٨٢٧ ١٨٩٥٣٤٣٤ ٧٨ . ١٠٣ . ٧١٧ ١٨٩٦٣٢٠٩ ٧٩ . ٥٦٩ . ٩٩٤ ١٨٩٧٢٩٨٦ ٧٢ . ٨٣٠ . ٥٤٥ ١٨٩٨٣٥٠٣ ٨٥ . ٢٩٤ . ٧٦٩ ١٨٩٩٣٦٠٧ ٩١ . ٣١٨ . ٧٧٢ ١٩٠٠٣٤٤١ ٩٠ . ٦٢٣ . ٦٠٨ ١٩٠١٣٦٩٩ ١٠٠ . ٣٨٦ . ٣٩٧ ١٩٠٢٣٧٠٨ ١٠٣ . ٧٢٠ . ٠٢٠ ١٩٠٣٣٧٦١ ١٠٣ . ٦٢٠ . ٢٦٨ ١٩٠٤٤٢٣٧ ١١٥ . ٨١٨ . ٤٧٩ ١٩٠٥٤١١٦ ١١٣ . ٨٦٦ . ٧٩٦ ١٩٠٦٣٩٧٥ ١٠٨ . ١٦١ . ٨٩٦ ١٩٠٧٤٢٦٧ ١١٦ . ٠٠٠ . ٠٩٦ ١٩٠٨٣٧٩٥ ١٠٨ . ٤١٣ . ٤١٠ بيروت حبيب جرجي كحالة أوضاع الدولة الفاطمية مقتبسة من الدروس التي يلقيها الشيخ محمد الخضري مدرس تاريخ الأمم الإسلامية في الجامعة المصري الصناعة والأسطول الصناعة هي المكان الذي أعد لإنشاء المركب البحرية وهي بمصر عَلَى قسمين نيلية وحربية فالحربية هي التي تنشأ لغزو العدو وتشحن بالسلاح وآلات الحرب والمقاتلة فتمر من ثغر الإسكندرية وثغر دمياط وتنيس والفرما إلى جهاد الروم والفرنج وهي التي كان يقال لها الأسطول وأما النيلية فإنها تنشأ لتمر في النيل صاعدة إلى أعلى الصعيد ومنحدرة إلى أسفل الأرض لحمل الغلال وغيرها. ولم يكن غزو في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم ولا في عهد الشيخين أبي بكر وعمر وكان عمر يكره الغزو فيه ويراه مخاطرة وكتب إلى عمرو بن العاص وهو عَلَى مصر أن صف لي البحر وراكبه فإن نفسي تنازعني إليه وأنا أشتهي خلافها فكتب إليه يا أمير المؤمنين إني رأيت البحر خلقاً كبيراً يركبه خلق صغير ليس إلا السماء والماء وإن ركد حزن القلوب وإن أزل أزاع العقول يزداد فيه اليقين قلة والشك كثرة هم فيه كدود عَلَى عود إن مال غرق ون نجا برق. فقال عمر: لا والذي بعث محمداً بالحق لا أحمل فيه مسلماً أبداً. وأول غزو فيه كان في عهد عثمان وأول غاز معاوية بن أبي سفيان أذن له به عثمان عَلَى شرط أن وينتخب الناس ولا يقرع بينهم فمن اختاروا الغزو طائعاً حمله وأعانه وغزا عبد الله بن سعد أمير مصر سنة ٣٤ في وقعة ذات الصواري وكانت له. وكان ذلك سبباً لاهتمام المسلمين بإنشاء المراكب الحربية فبعث عبد الملك بن مروان لما ولي الخلافة إلى عامله عَلَى أفريقية حسان بن النعمان بأمره باتخاذ صناعته بتونس ومنها كانت غزوة صقلية في أيام زيادة الله الأول بن إبراهيم بن الأغلب عَلَى يد شيخ القنيا أسد بن الفرات. قال ابن خلدون وذكر تعليل امتناع المسلمين ركوب البحر للغزو في أول الأمر والسبب في ذلك أن العرب لبداوتهم لم يكونوا أول الأمر مهرة في ثقافته وركوبه والروم والفرنجة لممارستهم أحواله ومرباعم في التقلب عَلَى أعواده مرنوا عليه وأحكموا الدربة بثقافتهم. فلما استقر الملك للعرب وشمخ سلطانهم وصارت أمم العجم خولاً لهم وتحت أيديهم وتقرب كل ذي صنعة إليهم بمبلغ صناعته واستخدموا من النواتية في حاجاتهم البحرية أمماً وتكررت ممارستهم للبحر وثقافته واستحدثوا بصراً بها فتاقت أنفسهم إلى الجهاد فيه وأنشئوا السفن والشواني وشحنوا الأساطيل بالرجال والسلاح وأمطوها العساكر والمقاتلة لمن وراء البحر من أمم الكفر واختصوا بذلك من ممالكهم وثغورهم ما كان أقرب إلى هذا البحر وعلى ضفته مثل الشام وأفريقية والمغرب والأندلس. وأول ما أنشئ الأسطول في مصر في خلافة المتوكل عَلَى الله العباسي عندما نزل الروم عَلَى دمياط سنة ٢٣٨ فملكوها وقتلوا بها جمعاً كثيراً من المسلمين وسبوا النساء والأطفال ومضوا إلى تنيس فأقاموا بأشتومها فوقع الاهتمام من ذلك الوقت بأمر الأسطول وصار من أهم ما يعمل بمصر وأنشئت الشواني برسم الأسطول وجعلت الأرزاق لغزاة البحر كما هي لغزاة البر وانتدب الأمراء له الرماة فاجتهد الناس بمصر في تعليم أولادهم الرماية وجميع أنواع المحاربة وانتخب له القواد العارفون بمحاربة العدو وكان لا ينزل في رجال الأسطول غشيم ولا جاهل بأمور الحرب هذا وللناس إذ ذاك رغبة في جهاد أعداء الله وإقامة دينه. لا جرم أن كان لخدم الأسطول حرمة ومكانة وكان ولكل أحد من الناس رغبة في أنه من جملتهم فيسعى بالوسائل حتى يستقر فيه. وكانت الغزوات بين المسلمين والروم سجالاً ينال المسلمون من العدو وينال العدو منهم وياسر بعضهم بعضاً لكثرة هجوم أساطيل المسلمين عَلَى بلاد العدو فإنها كانت تسير من مصر ومن الشام ومن أفريقية فلذلك احتاج الخلفاء العباسيون إلى الفداء ولم يقع فداء في عهد الدولة الأموية وإنما كان ينادى بالنفر بعد النفر في سواحل الشام ومصر والإسكندرية وبلاد ملطية وبقية الثغور الخزرية إلى أن كانت خلافة الرشيد. فوجد أول فداءٍ بين المسلمين والروم سنة ١٨٩ وآخر فداء كبير كان سنة ٣٣٥ في خلافة المطيع فهي عهد الدولة الإخشيدية بمصر والذي شرع فيه هو الإخشيد محمد بن طغج. وقويت العناية بأمر الأسطول في مصر منذ قدم المعز لدين الله وأنشأ المراكب الحربية واقتدى به بنوه وكان لهم اهتمام بأمور الجهاد واعتناء بالأسطول وواصلوا إنشاء المراكب بمدينة مصر والإسكندرية ودمياط من الشواني الحربية والشلنديات والمسطحات وتسييرها إلى بلاد الساحل مثل صور وعكا وعسقلان وكانت جريدة قواد الأسطول في آخر أمرهم تزيد عَلَى خمسة آلاف مدونة منهم عشرة أعيان يقال لهم القواد وتصل جامكية كل واحد إلى ٢٠ ديناراً ثم إلى ١٥ ثم إلى عشرة ثم إلى ثمانية ثم إلى دينارين وهي أقلها. ولهم إقطاعات تعرف بأبواب الغزاة بما فيها من النطرون وكان يعين من القواد العشرة واحد فيصير رئيس الأسطول ويكون معه المقدم والقادس فإذا سار إلى الغزو كان هو الذي يقلع بهم وبه يقتدي الجميع فيرسون بإرسائه ويقلعون بإقلاعه ولا بد أن يقدم عَلَى الأسطول أمير كبير من أعيان أمراء الدولة وأقواهم نفساً ويتولى النفقة في غزاة الأسطول الخليفة بنفسه بحضور الوزير فإذا أراد النفقة فيما تعين من المراكب السائرة (كانت في أيام المعز تزيد عن ٦٠٠ قطعة وآخر ما صارت إليه في آخر الدولة نحو ٨٠ شونة وعشر مسطحات وعشر حمالة فما تقصر عن مائة قطعة) فيتقدم إلى النقباء بإحضار الرجال فيجتمعون وكانت لهم المشاهرات والجرايات في مدة أيام سفرهم وهم معروفون عند عشرين عريفاً يقال لهم النقباء فإذا اجتمعوا أعلم النقباء المقدم فأعلم بذلك الوزير فطالع الخليفة فيقرر يوماً للنفقة فيحصر الوزير بالاستدعاء من ديوان الإنشاء عَلَى العادة ويجلس الخليفة عَلَى هيئته في مجلسه ويجلس الوزير في مكانه ويحضر صاحباً ديوان الجيش وهما المستوفي والكاتب فيجلس المستوفي من داخل عتبة المجلس وبجانبه من وراء عتبة الباب كاتب الجيش في قاعة الدار وشرط هذا المستوفي أن يكون عدلاً من أعيان الكتاب وأما الكاتب فكان في غالب الأمور يهودياً. فإذا تهيأ المال أدخل الغزاة مائةً مائة فيقفون في أخريات من هو واقف للخدمة من جانب واحد نقابة نقابة وتكون أسماؤهم قد رتبت في أوراق لاستدعائهم بين يدي الخليفة فيستدعي المستوفي من تلك الوراق المنفق عليهم واحداً واحدا فإذا خرج اسمه عبر من الجانب الذي هو فيه إلى الجانب الآخر فإذا تكملت عشرة وزن الوازنون لهم النفقة لكل واحد خمسة دنانير فيسلمها له النقيب وتكتب باسمه ويده وهكذا إلى الآخر وإذا تم ذلك ركب الوزير بين يدي الخليفة وانفض الجمع. وإذا تكاملت النفقة وجهزت المراكب وتهيأت للسفر ركب الخليفة والوزير إلى ساحل النيل بالمقس عند منطرة المقس فيجلس فيها الخليفة يرسم وداع الأسطول ولقائه فإذا جلس للوداع جاءت القواد بالمراكب من مصر للحركات بين يديه وهي مزينة بأسلحتها ولبودها وما فيها من المنجنيقات فيرمي بها وتنحدر المراكب وتقلع وتفعل سائر ما تفعله عند لقاء العدو ثم يحضر المقدم والرئيس بين يدي الخليفة فيودعهما ويدعو للجماعة بالنصر والسلامة ويعطي للمقدم مائة دينار وللرئيس عشرين وينحدر الأسطول إلى دمياط ومن هناك يخرج إلى البحر فيكون له ببلاد العدو صيت عظيم ومهابة قوية. والعادة أنه إذا غنم الأسطول ما عسى أن يغنم لا يتعرض السلطان إلى شيء منه إلا ما كان من الأسرى والسلاح فإنه للسلطان وما عداهما من المال والثياب ونحوهما فإنه لغزاة الأسطول ولا يشاركهم فيه أحد. وإذا قدم الأسطول خرج الخليفة أيضاً لمنظرة المقس وجلس فيها للقائه. ولم يزل الأسطول عَلَى ذلك إلى أن كانت وزارة شاور ونزل ملك الإفرنج عَلَى بركة الحبش فأمر شاور بتحريق مصر وتحريق مراكب الأسطول فحرقت ونهبها العبيد فيما نهبوا. ولها ذكر يعود في ذكر الدولة الأيوبية وقد كان بمصر صناعات (ترسانات) ( ١ ) وهي أقدم الصناعات صناعة الجزيرة بنيت سنة ٥٤ هـ ثم اعتنى أحمد بن طولون بإنشاء المراكب الحربية في هذه الصناعة وأطافها بالجزيرة ولم تزل هذه الصناعة إلى أيام الإخشيد فحول موضعها إلى بستان المختار. ( ٢ ) صناعة مصر بناها الإخشيد وكان موضعها يعرف بدار بنت الفتح بن خاقان زوج أحمد بن طولون والسبب في نقل الصناعة أنه رأى أن صناعة يحول بينها وبين صاحبها الماء ليست بشيءٍ فحول الصناعة إلى ساحل مصر سنة ٣٢٥ وكان إذ ذاك عندها عندها سلم ينزل منه إلى الماء وكانت مراكب الأسطول مع ذلك تنشأ في الجزيرة وفي صناعتها إلى أيام الآمر فلما ولي المأمون بن البطانحي أنكر ذلك وأمر أن يكون إنشاء الشواني والمراكب النيلية الديوانية بصناعة مصر وأنشأ بها منظرة لجلوس الخليفة يوم تقدمه الأسطول ورميه فأقر إنشاء الحربيات والشلنديات بصناعة الجزيرة وكان بهذه الصناعة دهليز ماء بمصاطب مفروشة بالحصر العبدانية بسطاً وتأزيراً وفيها محل ديوان الجهاد وكان يعرف في الدولة الفاطمية أن لا يدخل من باب هذه الصناعة أحد راكباً إلا الخليفة أو الوزير إذ ركبا يوم فتح الخليج عند وفاء النيل ولم تزل هذه الصناعة عامرة إلى ما قبل سنة ٧٠٠ ثم صارت بستاناً. ( ٣ ) صناعة المقس بناها عَلَى قول ابنة أبي طي في تاريخه المعز لدين الله وأنشأ بها ستمائة مركب لم ير مثلها في البحر عَلَى مينا. وقال المسبحي أن العزيز بالله بن المعز هو الذي بنى دار الصناعة التي بالمقس وعمل المراكب التي لم ير مثلها فيما تقدم كبراً وحسناً وفي سنة ٣٨٦ وقعت نار في الأسطول وقت صلاة الجمعة فاحترقت خمس عشاريات وأتت عَلَى جميع ما في الأسطول من العدة والسلاح حتى لم يبق منه غير ستة مراكب فارغة لا شيء فيها. وكان العزيز قد أمر قبل موته بتحديد عمارة الأسطول فأنشئت مراكب بدل المحترقة بغاية السرعة وقد طرحت في البحر بين أيدي الحاكم. وكان في البهنساوية وسفط يشن والأشمونين والأسيوطية والأخمينية والقوصية أشجار لا تحصى من سنط لها حراس يحمونها حتى يعمل منها مراكب الأسطول فلا يقع منها إلا ما تدعو الحاجة إليك وكان فيها ما تبلغ قيمة العود الواحد منه مائة دينار. الخراج لم يكن مقدار ما يجيء من الأراضي المصرية لعهد هذه الدولة متساوي المبلغ في جميع أدوارها بل كان يزيد وينقص حسب الاهتمام بالإصلاح الذي هو أساس كثرة الجباية. فقد كان الخراج في السنة التي دخل فيها جوهر القائد ٣ . ٤٠٠ . ٠٠٠ دينار في عهد الوزير الناصر للدين الحسن بن علي اليازوري وزير المستنصر أراد أن يعرف قدر ارتفاع الدولة وما عليها من النفقات ليقايس بينهما فتقدم إلى أصحاب الدواوين بأن يعمل كل منهم ارتفاع ما يجري في ديوانه وما عليه من النفقات فعمل ذلك وسلمه إلى متولي ديوان المجلس وهو زمام الدواوين فتنظم عليه عملاً جامعاً وأحضره إياه فرأى ارتفاع مصر ١ . ٠٠٠ . ٠٠٠ دينار يقف منها عن معلول ومنكسر عَلَى موتى وهراب ومفقودين ٢٠٠ . ٠٠٠ دينار ويبقى منها ٨٠٠ . ٠٠٠ دينار يصرف منها: ٣٠٠ . ٠٠٠ دينار للرجال عدا واجباتهم وكساويهم. ١٠٠ . ٠٠٠ دينار ثمن غلة للقصور. ٢٠٠ . ٠٠٠ دينار نفقات القصور. ١٠٠ . ٠٠٠ دينار عمائر وما يقام للضيوف الواصلين من الملوك وغيرهم. ٧٠٠ . ٠٠٠ الجملة. ١٠٠ . ٠٠٠ بأن يحمل كل سنة إلى بيت المال المصون. فحظي بذلك عند سلطانه وخف عَلَى قلبه وهذا هو ديوان الخاص وبعد موت اليازوري انتهى ارتفاع الأرض السفلى إلى ما لا نسبة له من ارتفاعها الأول وكانت قبل الفتن ٦٠٠ . ٠٠٠ دينار فاتضع الارتفاع وعظمت الواجبات. ولما صلحت البلاد في عهد أمير الجيش وولده الأفضل أمر الأفضل بعمل تقدير ارتفاع مصر فجاء خمسة ملايين دينار وكان متحصل الأمراء مليون أردب. وفي وزارة المأمون بن فاتك البطانحي سنة ٥٠١ وهو وزير الآمر رأى من اختلال أحوال الرجال العسكرية والموظفين تضررهم من كون إقطاعاتهم قد خس ارتفاعها وإن في كل ناحية الفواضل للديوان جملة تجبى بالعسف وتتردد الرسل من الديوان الشريف بسببها فخاطب الأفضل بن أمير الجيوش في أن يحل الإقطاعات ويروكها وعرفه في أن المصلحة في ذلك تعود عَلَى المقطعين والديوان لأن الديوان يتحصل له من هذه الفواضل جملة يحصل بها بلاد متورة فأجاب إلى ذلك وحل جميع الإقطاعات وراكها وأخذ كل من الأقوياء والمميزين يتضررون ويذكرون أن لهم بساتيناً وأملاكاً ومعاصر ونواحيهم فقال له من كان له ملك فهو باق عليه لا يدخل في الإقطاع وهو محكم إن شاء الله باعه وإن شاء الله آجره فلما حللت الإقطاعات أمر الضعفاء من الأجناد أن يتزايدوا فيها. فوقعت الزيادة في إقطاعات الأقوياء إلى أن انتهت إلى مبلغ معلوم وكتبت السجلات بأنها باقية بأيديهم إلى مدة ٣٠ سنة لا يقبل عليهم فيها زيادة وأحضر الأقوياء وقال لهم: ما تكرهون من الإقطاعات التي كانت بيد الأجناد قالوا: كثرة عبرتها وقلة متحصلها وخرابها وقلة الساكن بها فقال لهم: ابذلوا في كل ناحية ما تحمله وتقوي رغبتكم فيه ولا تنظروا في العبرة الأولى فعند ذلك طابت نفوسهم وتزايدوا فيها إلى أن بلغت الحد الذي رغب كل منهم فيه فاقطعوا وكتب لهم السجلات عَلَى الحكم المتقدم فشملت المصلحة الفريقين وطابت نفوسهم وحصل للديوان بلاد متورة بما كان مفرقاً في الإقطاعات بما مبلغه ٥٠٠٠ دينار. وفي سنة ٥١٥ في عهد المأمون صدر سجل يتضمن المسامحة بالبواقي إلى سنة ٥١٠ ويبلغ ما نتهت إليه هذه المسامحة إلى حين ختم السجل. ٢٠٧٢٠ . ٧٦٧ دينار. ٦٧ . ٠٠٥ ورق. ٣ . ٨١٠ . ٢٣٩ أردب غلة. وغير ذلك كثير من الأصناف التي كانت تقبل بها الأرض وقد ذكرت متصلة في هذا السجل. ولما انتهى إلى المأمون ما يعتمد في الدواوين من قبول الزيادات وفسخ عقود الضمانات وانتزاعها ممن كابد فيها المشقة والتعب وتسليمها إلى باذل الزيادة من غير كلفة ولا نصب أنكر ذلك ومنع من ارتكابه وخرج أمره بإعفاء الكافة أجمعين والضمناء والعاملين من قبول الزيادة فيما يتصرفون فيه ويستولون عليه ما داموا مغلقين وبأقساطهم قائمين وتضمن ذلك منشور قرئ في الجامعين الأزهر بالقاهرة والعتيق بمصر وديواني المجلس والخاص الأميرين السعيدين الخ. الخراج أصدر المأمون بن فاتك البطائحي وزير الخليفة الآمر بالله منشوراً بمساحة الأرض بعد أن تجاوز للزراع عن الديون التي عليها للحكومة. وبعد أنة مسح الأرض وصل إليه مكاتبة من الوالي والمشارف ومن كان في صحبته لكشف الأراضي والسواقي ومساحتها متضمنة ما أظهر الكشف وأوضحته عَلَى من بيده السواقي وهم عدة كثيرة ومن جملتها ساقية مساحتها ٣٦٠ فداناً تشتمل عَلَى النخل والكروم وقصب السكر وخراجها في السنة عشرة دنانير وما يجري الأعمال هذا المجرى وأنهم وضعوا يد الديوان عَلَى جميعها وطلبوا من أرباب السواقي ما يدل عَلَى ما بين أيديهم تذكروا أنها انتقلت إليهم ولم يظهروا ما يدل عليها وقد صيروا ملاكها إلى الباب تحت الحوطة ليخرج الأمر بما يعتمد عليه في أرهم وعند وصولهم وقع الترسيم عليهم إلى أن يقوموا بما يجب من الخراج عن هذه السواقي فإن هذه الأملاك برمتها لا تقوم بما يجب عليها فوقف المذكورون للمأمون يوم جلوسهم للمظالم فأمر بحضورهم بين يديه وتقدم إلى القاضي جلال الملك أبي الحجاج يوسف بن أيوب المغربي هو يومئذ قاضي القضاة لمحاكمتهم فجرى معهم مع مفاوضة أوجبت الحق عليهم وألزمتهم بالقيام ما يستغرق أموالهم وأملاكهم فحصل من تضررهم ما أوجبت العاطفة عليهم وأخذهم بالخراج من بعد وأن يضرب صفحاً عما تقدم. وكتب بذلك المنشور يصح أن يسمى مبدأ إصلاح عظيم. وقد أباح فيه لكل من يرغب في عمارة أرض حلفاء دائرة ودائرة بئر مهجورة معطلة أن يسلك ذلك إليه، ويقاس عليه ولا يؤخذ منه خراج إلا في السنة الرابعة من تسلميه إياه. وكان ذلك المنشور سبباً لحصول الاجتهاد في تحصيل مال الديوان وعمارة البلاد وترقية الفلاحين. وفي المنهاج في أحكام الخراج أن ارتفاع البلاد المصرية والفلسطينية والطرابلسية سنة ٤٨٣ الهلالية الموافقة لسنة ٤٨٠ الخراجية كان ٣ . ١٠٠ . ٠٠٠ دينار عيناً وأن الذي كان يؤدي في سنة ٤٦٦ الهلالية الموافقة ٤٦٦ الخراجية قبل عهد بدر أمير الجيوش كان مبلغه ٢٠٨٠٠ . ٠٠٠ دينار وكان الزائد للسنة الجيوشية عما قبلها ٣٠٠ . ٠٠٠ دينار أعرب عن حسن العمارة وشمول العدل. وجبى القاضي الموفق أبو الكرم بن معصوم التنيسي عيناً خالصاً إلى بيت المال بعد المؤن والكلف ١ . ٢٠٠ . ٠٠٠ دينار ثم بعده لم يجبها أحد هذه الجباية حتى انقرضت الدولة الفاطمية. وفي أواخر الدولة أعيدت الأموال الهلالية التي كان ابن طولون أسقطها وطارت تعرف بالمكوس وكانت نحو مئة ألف دينار وهي التي أبطلها صلاح الدين. ومما يبين اهتمام الأفضل بن الجمالي بعمارة البلاد أن أبا البركات بن أبي الليث رئيس ديوان المجلس رغب أن يتبحبح عَلَى الأفضل بكثرة ما توفر عنده من الأموال وسأله أن يشاهده قبل حمله وذكرانه ٧٠٠ . ٠٠٠ ديناراً خارجاً عن نفقات الرجال فجعلت الدنانير في صناديق بجانب وجعلت الدراهم في صناديق بجانب آخر وقام ابن أبي الليث بين الصفين فلما شاهد الأفضل ذلك قال لابن أبي الليث يا شيخ تفرحني بالمال وتربة أمير الجيوش إن بلغني أن بئراً معطلة أو أرضاً بائرة أو بلداً خراب لأضربن عنقك فقال: وحق نمتك لقد حاشى لله أيامك أن يون بها بلد حراب أو بئر معطلة أو أرض بور فأبى أن يكشف عما ذكر. دواوين المال كان في الدولة الفاطمية جملة دواوين لبيان ما يرد عَلَى الدولة من المال وما ينصرف وكان بها نظام يسيرها عَلَى السداد فأولها ديوان المجلس (الخاص). وصاحبه هو المتحدث في الإقطاعات ويخلع عليه ينشأُ له السجل والمرتبة والسند والدواة والحاجب ومعه جملة كتّاب وفيه يحصر ما يخرج من الأنعام في العطايا والرسوم المعتادة في غرة السنة والضحايا والمرتب من الكسوات للأولاد والأقارب والجهات وأرباب المراتب عَلَى اختلاف الطبقات وما يرد من ملوك الدنيا من التحف والهدايا وما يرسل إليهم من الملاطفات ومقادير الصلات للمترسلين بالمكاتبات ثم يضبط ما ينفق في الدلة من المهمات ليعلم ما بين كل سنة من التفاوت وهذا بيان: دينار ٣٠٠٠ الصرة المنعم بها في أول العام ٢٠٠٠ ثمن الضحايا ٧٠٠٠ ما ينفق في دار الفطرة فيما يفرق عَلَى الناس ١٠٠٠٠ ما ينفق في دار الطراز للاستعمالات الخاص وغيرها ٢٠٠٠ ما ينفق في مهم فتح الخليج غير المطاعم ٣٠٠٠ ما ينفق في سماط شهر رمضان ٤٠٠٠ ما ينفق في سماط الفطر والنحر ٣١٠٠٠ المجموع وهذا خارج عما يطلق للناس أصنافاً من خزائنه من المآكل والمشارب والمواصلة من الهبات وما تخرج به الخطوط من التشريفات والمسامحات وما يطلق من الأهراء من الغلات. وفي هذه الخدمة كاتب مستقل بين يدي صاحب ديوانه صلي ومعه كاتبان آخران لتنز يل ذلك في الدفتر. ديوان الرواتب يشتمل هذا الديوان عَلَى أسماء كل مرتزق وجار وجارية وفيه كاتب أصيل لطراحة وفيه من المبيضين والمعينين نحو عشرة أنفس والتعريفات واردة عليه من كل عمل باستمرار من هو مستمر ومباشرة من استجد وموت من مات ليوجب استحقاقه عَلَى النظام المستقيم وفي هذا الديوان عدة عروض. الأول: يشتمل عَلَى راتب الوزير وهو في الشهر ٥٠٠٠ دينار ومن يليه من ولد وأخ من ٣٠٠ دينار إلى ٢٠٠ دينار ولم يقرر لولد الوزير ٥٠٠ دينار سوى شجاع بن شاور ثم حواشيهم عَلَى مقتضي عدتهم من ٥٠٠ إلى ٤٠٠ إلى ٢٠٠ خارجاً عن الإقطاعات. الثاني: حواشي الخليفة وأولهم الأساتذة المحنكون عَلَى رتبهم وجواري خدمهم التي لا يباشرها سواهم فزمام القصر وصاحب بيت المال وحامل الرسالة وصاحب الدفتر ومشاد التاج وزمام الأشراف والأقارب وصاحب المجلس لكل واحد منهم ١٠٠ دينار ومن دونهم ينقص عشرة دنانير حتى يكون آخرهم من له في الشهر عشرة دنانير وتزيد عدهم عَلَى ألف نفس ولطبيبي الخاص لكل واحد خمسون ديناراً ولمن دونهما من الأطباء برسم المقيمين في القصر لكل واحد عشرة دنانير. الثالث: يتضمن أرباب الرتب بحضرة الخليفة فأوله كان الدست الشريف وجاريه ١٥٠ ديناراً ثم حامل السيف وحامل الرمح لكل منهما ٧٠ ديناراً وبقية الأزمة عَلَى العساكر السودان من ٥٠ إلى ٩٠ إلى ٣٠ ديناراً. الرابع: يشتمل عَلَى المستقر لقاضي القضاة ومن يليه لقاضي القضاة ١٠٠ دينار ومثله داعي الدعاة ولكل من قرأ الحضرة عشرون ديناراً إلى ١٥ إلى عشرة ولخطباء الجوامع من عشرين ديناراً إلى عشرة وللشعراء من عشرين ديناراً إلى عشرة. الخامس: يشتمل عَلَى أرباب الدواوين ومن يجري مجراهم وأولهم من يتولى ديوان النظر وجاريه ٧٠ ديناراً وديوان التحقيق وجاريه ٥٠ ديناراً وديوان المجلس أربعون وصاحب دفتر الحبس ٧٠ ديناراً وكاتبه خمسة دنانير وديوان الجيش وجاريه ٤٠ ديناراً والموقع بالقلم الجليل ٣٠ ولجميع أصحاب الدواوين الجاري فيها المعاملات لكل واحد عشرون ديناراً ولكل معين من عشرة دنانير إلى سبعة إلى خمسة. السادس: يشتمل عَلَى المستخدمين بمصر والقاهرة لكل واحد منهم في الشهر خمسون ديناراً والحماة بالأهراءِ والمناخات والجوالي والبساتين والأملاك وغيرها لكل منهم عشرين ديناراً إلى ١٥ إلى ١٠ إلى خمسة دنانير. السابع: الفراشون بالقصور برسم خدمتها وتنظيفها خارجاً وداخلاً ونصب الستائر المحتاج إليها وخدمة المناظر الخارجة عن القصر فمنهم خاص برسم خدمة الخليفة وعدتهم ١٥ رجلاً منهم صاحب المائدة وحامي المطابخ من ٣٠ ديناراً إلى ما حولها وله رسوم متميزون ويقربون من الخليفة في الأبسطة التي يجلس عليها ويليهم الرشاشون داخل القصر وخارجه ولهم عرفاء ويتولى أمره أستاذ من خواص الخليفة وعدتهم نحو ٣٠٠ رجل وجاريهم من ١٠ إلى خمسة دنانير ومقدموهم أصحاب ركاب الخليفة وعدتهم اثنا عشرة مقدماً منهم مقدم المقدمين وهو صاحب الركاب اليمين ولكل هؤلاء المتقدمين في كل شهر ٥٠ ديناراً ولهم نقباء من جهة المذكورين يعرفونهم وهم مقررون جوقاً عَلَى قدر جواريهم. جوقة لكل منهم خمسة عشر ديناراً وجوقة لكل منهم عشرة دنانير وجوقاً لكل منهم خمسة دنانير ومنهم من ينتدب في الخدم السلطانية ويكون لهم نصيب في الأعمال التي يدخلونها وهم الذين يحملون الملحقات لركوب الخليفة في المواسم وغيرها. وأول من قرر العطاء لغلمانه وخدمه وأولادهم الذكور والإناث ولنسائهم وقرر لهم أيضاً الكسوة العزيز بالله. هذه كانت العروض أو بعبارة أخرى فصول الميزانية. الميزانية إذا انقضى عيد النحر من كل سنة تقدم بعمل الإستيمار لتلك السنة تمام ذي الحجة منها فيجتمع كتاب ديوان الرواتب عند متوليه وتحمل العروض إليه فإذا تحررت نسخة التحرير بيضت بعد أن يستدعي من المجلس أوراق بالإدرار الذي يقبض بغير خرج وفي الإدرار ما هو مستقر بالوجهين فيضاف هذا المبلغ بجهاته إلى المبالغ المعلومة بديوان الرواتب وجبهاتها حتى لا يفوت من الإستيمار شيء من كل ما تقرر شرحه ويعلم مقداره عيناً وورقاً وغلة وغير ذلك فيكتب ذلك مكله بأسماء المرتزقين وأولهم الوزير ومن يلوذه به وعلى ذلك إلى أن ينتهي الجميع إلى أرباب الصر فإذا أكمل استدعي له من خزائن الفرش وطاء حرير يشده وشرابة لإمساكه إما خضراء أو حمراء. ويعمل له صدر من الكلام اللائق بما عده فإذا فرغ من ذلك حمل إلى صاحب ديوان النظر إن كان. وإلا فلصاحب ديوان المجلس ليعرضه عَلَى الخليفة إن كان مستبداً أو الوزير لاستقبال المحرم من السنة الآتية في أوقات معلومة فيتأخر في العرض وربما يستوعب المحرم ليحيط العلم بما فيه فإذا كمل العرض أخرج إلى الديوان. وقد شطب عَلَى بعضه وكان ينتقص قوم للاستكثار يزاد قوم للاستحقاق ويصرف قوم ويستخدم آخرون عَلَى ما كانت تقتضيه الآراء في ذلك الوقت ثم يسلم لرب هذا الديوان وعلامة الإطلاق خروجه من العرض. وقيل أنه عمل مرة في أيام المستنصر فلما استؤذن عَلَى عرضه قال هل وقع أحد بما فيه فقيل له معاذ الله يا مولانا ما تم إنعام إلا لك. ولا رزق من الله إلا عَلَى يديك فقال ما ينتقض به أمرنا. ولاحظنا ما صرفناه في دولتنا بإذننا. وتقدم إلى كاتب الإنشاء بإمضائه للناس من غير عرض. ووقع عن الخليفة بظاهره. الفقر مر المذاق، والحاجة تدل الأعناق، وحراسة النعم بإدرار الأرزاق، فليجروا عَلَى رسومهم في الإطلاق، ما عندكم ينفذ وما عند الله باق. ووقع عَلَى خلافة الحافظ عَلَى استيمارة الرواتب ما نصه: أمير المؤمنين لا يستكثر في ذات الله كثير لإعطاء ولا يكرره بالتأخير له والتسويف والإبطاء ولما انتهى إليه ما أرباب الرواتب عليه من القلق للامتناع عن إيجاباتهم وحمل خروجاتهم قد ضعفت قلوبهم وقلقت نفوسهم وساءت ظنونهم شملهم برحمته ورأفته وأمنهم مما كانوا وجلين من مخافته وجعل التوقيع بذلك بخط يده تأكيداً للأنعام والمن. وتهنئة بصدقة لا تتبع بالأذى والمن. فليعتمد في ديوان الجيوش المنصورة إجراء ما تضمن هذه الأوراق ذكرهم عَلَى ما ألفوه وعهدوه من رواتبهم وإيجاباتها عَلَى سياقها لكافتهم. من غير تأويل ولا تعنت ولا استدراك ولا تعقب ويجروا في مسبباتهم عَلَى عاداتهم لا ينحل من أمورهم ما كان مبرماً. ولا ينسخ من أمرهم ما كان محكماً. كرماً من أمير المؤمنين وفعلاً مبروراً وعملاً بما أخبر به عز وجل في قوله تعالى إنما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكورا ولينسخ في جميع الدواوين في الحضرة إن شاء الله تعالى اهـ. قال المقريزي نقلاً عن كنز الدرر في سنة ٤٦ هـ عرض عَلَى الحاكم بأمر الله الإستيمار باسم المتفقهين والقراء والمؤذنين بالقاهرة. ومصر (الفسطاط) وكانت الجملة كل سنة ٧١ . ٣٣٣ ديناراً وثلث أو ربع دينار فأمضي جميع ذلك. ديوان التحقيق هو ديوان مقتضاه المقابلة عَلَى الدواوين وكان لا يتولاه إلا كاتب خبير وله الخلع والمرتبة والحاجب ويلحق برأس الديوان وهو متولي النظر ويفتقر إليه في أكثر الأوقات. ديوان النظر هو أجل دواوين الأموال وصاحبه يتولى النظر عَلَى العمال والعزل والولاية ومن يده عرض الأوراق في أوقات معلومة عَلَى الخليفة أو الوزير ولم يرى فيه نصراني إلا الأحزم ولم يتوصل إليه إلا بالضمان. ولصاحب هذا الديوان الجلوس بالمرتبة والمسند وبين يديه حاجب من أمراء الدولة وتخرج له الدواة بغير كرسي وهو يندب المترسلين لطلب الحساب والحث عَلَى طلب الأموال ومطالبة أرباب الدولة ولا يعترض فيما يقصد من أحد من أرباب الدولة. وكانت دواوين المال بدارة الإمارة بجوار مسجد ابن طولون إلى أن بنى الوزير يعقوب بن يوسف دار الوزارة الكبرى فنقلت إليه الدواوين وبعد موته نقلت إلى القصر ولم تزل به حتى استبد الأفضل أمير الجيوش وعمر دار الملك بمصر فنقل إليها الدواوين فلما قتل عادت إلى القصر ولم تزل به حتى انتهت الدولة الفاطمية. ديوان الإنشاء لما كانت مصر دار إمارة كان بها ديوان البريد ويقال لمتوليه صاحب البريد وإليه مرجع ما ورد من دار الخلافة عَلَى أيدي أصحاب البريد من الكتب وهو الذي يطالع بأخبار مصر وكان للأمراء كتاب ينشئون عنهم الكتب والرسائل إلى الخليفة وغيره فلما صارت مصر دار خلافة كان القائد جوهر يوقع عَلَى قصص المرافعين إلى أن قدم المعز لدين الله فوقع بنفسه وجعل أمر الأموال وما يتعلق بها إلى يعقوب بن كلس وعسلوج بن الحسن فوليا أموال الدولة ثم فوض العزيز بالله أمر الوزارة ليعقوب فاستبد بجميع أحوال المملكة وجرى مجرى جعفر بن يحيى البرمكي مع الرشيد وكان يوقع ومع ذلك ففي أمراءِ الدولة من يلي البريد وجعل الأمر فيما بعد عَلَى أن الوزراء يوقعون وقد يوقع الخليفة بيده فلما كانت أيام المستنصر بالله وصرف ابا جعفر محمد بن جعفر المغربي عن وزارته أفرد له ديوان الإنشاء فوليه مدة طويلة وأدرك أيام أمير الجيوش بدر الجمالي. وصار يلي ديوان الإنشاء بعده الأكابر إلى أن انقرضت الدولة الفاطمية وهو بيد القاضي الفاضل عبد الرحيم بن علي البيساني الذي صار صاحب ديوان الإنشاء في الدولة الصلاحية. قال المقريزي وكان لا يتولى ديوان الإنشاء إلا أجل كتاب البلاغة ويخاطب بالشيخ الأجل ويقال له كاتب الدست الشريف ويسلم المكاتبات الواردة مختومة فيعرضها عَلَى الخليفة من بعده وهو الذي يأمر بتنزيلها والإجابة عنها الكاتب وللخليفة يستشيره في أكثر أموره ولا يحجب عنه من قصد المثول بين يديه وهذا أمر لا يصل إليه غيره وربما بات عند الخليفة ليالي. وكان جاريه ١٢٠ دينار في الشهر وهو أول أرباب الإقطاعات وأرباب الكسوة والرسوم والملاطفات ولا سبيل أن يدخل إلى ديوانه بالقصر ولا يجتمع بكتابه أحد إلا الخواص وله حاجب من الأمراء والشيوخ وفراشون وله م رتبة هائلة والمخاد والمسند والدواة ولكنها بغير كرسي وهي من أخص الدوي ويحملها أستاذ من أستاذي الخليفة. وكان للخليفة كاتب التوقيع بالقلم الدقيق وهو كاتب يذاكر الخليفة فيما يحتاج إليه من كتاب الله وتجويد الخط وأخبار الأنبياء والخلفاء فهو يجتمع به في أكثر الأيام. ومعه أستاذ من المحنكين مؤهل لذلك ولهذا الكاتب رتبة عظيمة تلحق برتبة كاتب الدست. ويكون صحبته للجلوس دواة محلاة فإذا فرغ من المجالسة ألقى في الدواة كاغداً فيه عشرة دنانير وقرطاسً فيه ثلاثة مثاقيل من مثلث خاص ليتبخر به عند دخوله عَلَى الخليفة ثاني مرة. وله منصب التوقيع بالقلم الدقيق وله طراحة ومسند وفراش بقد ألبه ما يوقع عليه. وله موضع من حقوق ديوان المكاتبات لا يدخل إليه أحد إلا بإذن وهو يلي صاحب ديوان المكاتبات في الرسوم والكساوي وغيرها. أما التوقيع باسم الجليل فهي أيضاً رتبة جليلة ويقال لها الخدمة الصغرى ولها طراحة والمسندان بغير فراش لترتيب ما يوقع عليه. النظر في المظالم كانت الدولة إذا خلت من وزير صاحب سيف جلس صاحب الباب في باب الذهب بالقصر وبين يديه النقباء والحجاب فينادي المنادي بين يديه يا أرباب الظلامات فيحضرون فمن كانت ظلامته مشافهة أرسلت إلى الولاة والقضاة رسالة يكشفها من تظلم ممن ليس من أهل البلدين (مصر والقاهرة) أحضر قصة بأمره فيتسلمها الحاجب منه فإذا جمعها أحضرها إلى الموقع بالقلم الدقيق فيوقع عليها ثم تحمل إلى الموقع بالقلم الجليل فيقف عَلَى باب القصر ويسلم كل توقيع لصاحبه. فإن كان الوزير صاحب سيف جلس للمظالم بنفسه وقبالته قاضي القضاة ومكن جانبيه شاهدان معتبران ومن جانب الوزير الموقع بالقلم الدقيق ويليه صواحب ديوان المال وبين يديه صاحب المال واسفسلار العساكر وبين أيديهما النواب والحجاب عَلَى طبقاتهم ويكون الجلوس بالقصر في مجلس المظالم في يومين من الأسبوع وكان الخليفة إذا رفعت إليه القصة وقع عليها (يعتمد ذلك إن شاء الله) ويوقع في الجانب الأيمن منها (وقع بذلك) فتخرج إلى صاحب ديوان المجلس فيوقع مكان جليلاً فيعلم عليها الخليفة وثبت وكانت علامتهم أبداً والحمد لله رب العالمين وكان الخليفة يوقع في المسامحة والتسويغ والتحبيس (قد أنعمنا بذلك) و (قد أمضينا بذلك) وكان إذا أراد أن يعلم ذلك الشيء الذي أنهي وقع (ليخرج الحال في ذلك) فإذا أحضر إليه إخراج الحال علم عليه فإذا كان حينئذ وزير وقع الخليفة بخطه (وزيرنا السيد الأجل وذكر نعمته المعروف به أمتعنا الله ببقائه يتقدم بنجاز ذلك إن شاء الله تعالى) وثبت في الدواوين خط الخليفة (يتمثل أمير مولانا صلوات الله عليه) ويثبت في الدواوين. وكان بالقصر الكبير موضع يقال له السقيفة يقف عنده المتظلمون وكانت عادة الخليفة أن يجلس هناك كل ليلة لمن يأتيه من المتظلمين فإذا ظلم أحد وقف تحت السقيفة ونادى بصوت عال (لا إليه إلا الله محمد رسول الله) عليه علي ولي الله فيسمعه الخليفة فيأمر بإحضاره إليه أو يفوض أمره إلى الوزير أو القاضي أو الوالي. ومن غريب ما وقع من المظالم في أيام الحافظ لدين الله أنه خرج من انتدب بعد انحطاط النيل من العدول والكتاب إلى الأعمال لتحرير ما شمله من الري وزرع من الأراضي وكتابة المكلفات فخرج إلى بعض النواحي من يمسحها من شاد وناظر وعدول وتأخر الكاتب ثم لحقهم وأراد التعدية فنفر فيه الكاتب وسبه وقال أنا ماسح هذه البلدة ومني حق التعدية فقال له الضامن إن كان زرع فخذه وقلع لجام بغلة الكاتب وألقاه في معدتيه فلم يجد بداً في دفع الجرة إليه حتى أخذ لجام بغلته فلما تمم مساحة البلد وبيض مكلفة تلك المساحة ليحملها إلى دواوين الباب وكانت عادتهم كتب الجملة بزيادة عشرين فداناً وترك بياضاً في بعض الأوراق وقابل العدول عَلَى المكلفة وأخذ الخطوط عليها بالصحة ثم كتب بالبياض الذي تركه - أرض اللجام باسم ضامن المعدية عشرين فداناً قطعية - كل فدان أربعة دنانير عن ذلك ثمانون ديناراً وحمل المكلفة إلى ديوان الأصل وكانت العادة إذا مضى من السنة الخراجية أربعة أشهر ندب من الجند فيه حماسة وشدة ومن الكتابة العدول كاتب (نصراني) فيخرجون إلى سائر الأعمال لاستخراج ثلث الخراج عَلَى ما تشهد به المكلفات المذكورة فينفق في الأجناد وكل من العادة أن يخرج إلى كل ناحية ممن ذكر من لم يكن خرج وقت المساحة بل ينتدب قوم سواهم. فلما خرج الشاد والكاتب والعدول لاستخراج ثلث مالية الناحية استدعوا أرباب الزرع ومنهم ضامن المعدية فلما أحضر ألزم بأداء ٢ / ٣ ٢٦ دينار عن نظير ثلث المال الثمانين ديناراً عن خراج أرض اللجام فأنكر الضامن أن تكون له زراعية بالناحية وصدقه هل البلد فلم يقبل الشاد ذلك وكان عسوفاً وأمر به فضرب بالمقارع واحتج بخط العدول عَلَى النمطكلفة ومازال به حتى باع معديته وغيرها وأورد ثلث المال الثابت في المكلفة وسار إلى القاهرة فوقف تحت السقيفة وأعلن بما تقدم ذكره فأمر الخليفة الحافظ بإحضاره فلما مثل بحضرته قص عليه ظلامته مشافهة وقص له ما اتفق منه في حق الكاتب النصراني وما كاده به فاحضر المتحدث في الدواوين وهو الموفق ابن الخلال وجميعه أرباب الدواوين وأحضر المكلفات التي عملت للناحية في عدة سنين ماضية وتصفحت بين يديه سنة فلم يوجد لأرض اللحام ذكر البتة فحينئذ أنمر الحافظ بإحضار ذلك الكاتب وأمر بأن يطاف به وأن يشهر في سائر الأعمال. الحسبة والعيار نقل المقريزي عن ابن طوير - وأما الحسبة فإن من تستند إليه لا يكون إلا من وجوه المسلمين وأعيان المعدلين لأنها خدمة دينية وله استخدام النواب عنه بالقاهرة ومصر وجميع أعمال الدولة كنواب الحاكم وله الجلوس بجامعي القاهرة ومصر يوماً بعد يوم ويطوف نوابه عَلَى أرباب الحرف والمعايش ويأمر نوابه بالختم عل قدور الهراسين ونظر لحمهم ومعرفة من جزارهم وكذلك الطباخون ويتتبعون الطرقات ويمنعون من المضايقة فيها ويلزمون رؤساء المراكب أن لا يحملوا أكثر من وسق السلامة وكذلك مع الحمالين عَلَى البهائم ويلزمون السائقين بتغطية الروايا بالأكسية ولهم عيار وهو ٢٤ دلواً وكل دلو أربعون رطلاً وأن يلبسوا السراويلات القصيرة الضابطة لعورتهم وهي رزق وينذرون معلمي الكتاتيب بأن لا يضربوا الصبيان ضرباً مبرحاً ولا في مقتل وكذلك معلمو العلوم بتحذيرهم من التغرير بأولاد الناس ويقفون من يكون سيء المعاملة فينهونه بالردع والأدب وينظرون المكاييل والموازين وللمحتسب النظر في صاحب العيار ويخلع عليه ويقرأ سجله بمصر والقاهرة عَلَى المنبر ولا يحال بينه وبين مصلحة إذا رآها والولاة تشد معه إذا احتاج إلى ذلك وجاريه ٣٠ ديناراً في كل شهر. وكان للعيار مكان يعرف بدار العيار تعير فيه الموازين بأسرها وجميع الصنج وكان ينفق عَلَى هذه الدار من الديوان السلطاني فيما تحتاج إليه من الأصناف كالنحاس والحديد والخشب وغير ذلك من الآلات وأجر الصناع والمشارفين ونحوهم ويحتضر المحتسب أو نائبه إلى هذه الدار ليعير المعمول فيها بحضوره فإن صح ذلك أمضاه وإلا أمر بإعادة همله حتى صح وكان بهذه الدار أمثلة يصحح بها العيار فلا تباع الصنج والموازين والأكيال إلا بهذه الدار ويحضر جميع الباعة إلى هذه الدار باستدعاء المحتسب لهم ومعهم موازينهم وصنجهم ومكاييلهم فتعير في كل قليل فإن وجد فيها الناقص استملك واخذ من صاحبه بهذه الدار وألزم بشراء نظيره مما هو محرر بهذه الدار ثم سومح الناس وصار يلزم من يظهر في ميزانه أو صنجه خلل بإصلاح ما فيها من فساد والقيام بأجرته. قاضي القضاة لم يتسم قاضي مصر بقاضي القضاة إلا في عهد الدولة الفاطمية تشبهوا في ذلك ببغداد. وكان الخليفة هو الذي يعين القاضي إلا إذا كان هناك وزير رب السيف فإنه هو الذي يقلد القضاة نيابة عنه. وتكون رتبة القاضي أجل رتب أرباب العمائم وأرباب الأقلام ويكون في بعض الأوقات داعياً فيقال له حينئذ قاضي القضاة وداعي الدعاة ولا يخرج شيء من الأمور لدينية عنه ويجلس السبت والثلاثاء بزيادة جامع عمرو بن العاص عَلَى طراحة ومسند حرير ويجلس الشهود حواليه يمنةً ويسرة بحسب تاريخ عدالتهم وبين يديه خمسة من الحجاب اثنان بين يديه واثنان عَلَى باب المقصورة وواحد ينفذ الخصوم إليه. وله أربعة من الموقعين بين يديه اثنان يقابلان اثنين وله كرسي الدواة وهي دواة محلاة بالفضة تحمل إليه من خزائن القصور. ويقدم إليه من القصور بغلة شهباء وهو مخصوص بهذا اللون من البغال دون أرباب الدولة وعليها من خزانة السروج سرج محلى ثقيل وراءه فترفضه ومكان الجلد حرير وتأتيه في المواسم الأطواق ويخلع عليه الخلع المذهبة. ولا يتقدم عَلَى القاضي أحد في محضر هو حاضره من أرب سيف أو قم أو لا يحضر أملاكاً ولا جنازة إلا بإذن ولا سبيل إلى قيامه لأحد وهو في مجلس الحكم ولا يعدل شاهد إلا بأمره ويجلس في القصر يومي الاثنين والخميس أول النهار للسلام عَلَى الخليفة. وكان له النظر في ديوان الضرب لضبط ما يضرب من الدنانير وكان القاضي لا يصرف إلا بجنحة ولا يعدل أحد إلا بتزكية عشرين شاهداً عشرة من مصر وعشرة من القاهرة ولا يحتمي أحد عَلَى الشرع ومن فعل ذلك أُدب. وكان القضاة عَلَى مذاهب الشيعة الإسماعيلية في الفروع إلا في عهد الوزير أبي علي بن الأفضل فأنه عين أربعة قضاة يقضي كل منهم بمذهبه إمامي وإسماعيلي وشافهي ومالكي. داعي الدعاة داعي الدعاة يلي قاضي القضاة في الرتبة ويتزيا بزيه في اللباس وغيره ووصفة بأن يكون عالماً بمذاهب آل البيت ويقرأ عليه ويأخذ العهد عَلَى من ينتقل من مذهبه إلى مذهبهم وبين يديه نقباء من المعلمين ١٢ نقيباً وله نواب كنواب الحكم في سائر البلاد ويحضر إليها فقهاء الدولة ولهم مكان يقال له دار العلم ولجماعة منهم عَلَى التصدير بها أرزاق واسعة وكان الفقهاء منهم ينفقون عَلَى دفتر يقال له مجلس الحكمة في كل يوم اثنين وخميس ويحضر مبيضاً إلى داعي الدعاة فيأخذه ويدخل به إلى الخليفة في هذين اليومين فيتلوه عليه إن أمكن ويأخذ علامته بظاهره ويجلس بالقصر لتلاوته عَلَى المؤمنين في مكانين للرجال عَلَى كرسي الدعوة بالديوان الكبير وللنساء بمجلس الداعي فإذا فرغ من تلاوته حضروا إليه لتقبيل يده فيمسح عَلَى رؤوسهم بمكان العلامة (خط الخليفة) وله أخذ النجوى من المؤمنين بالقاهرة ومصر وأعمالها لاسيما الصعيد ومبلغها ثلاثة دراهم وثلث فيجتمع من ذلك شيء كثير يحمله إلى الخليفة بيده فيفرض له الخليفة منه ما يعينه لنفسه وللنقباء وفي الإسماعيلية من يحمل ٣٣ ٢ / ٣ دينار عَلَى حكم النجوى وكانت الدعوة تلقى إلى المدعوين مرتبة كما سبق فإذا تمت الدعوات حسب الترتيب أخذ عَلَى المريد العهد والميثاق وأن يستر جميع ما عرف إلا ما أطلق له أن يتكلم به وأن ينصح ويخلص للإمام. ومن اشهر من قلد وظيفة داعي الدعاة أبو نصر هبة الله بن موسى بن أبي عمران الذي له مع ابي العلاء المعري مراسلات تدل علو كعبه في العلم والعرفان والجدل وسببها أنه سمع بيت المعري المشهور وهو قوله: غدوت مريض العقل والرأي فألقني لتخبر أنباء العقول الصائح فكتب إليه من رسالة. فشددت إليه رحلة العليل في دينه وعقله إلى الصحيح الذي ينبئني أنباء الأمور الصحائح وأنا أو ملب لدعوته معترف بميزته وهو حقيق أن لا يواطئني العشواءَ فيسلك في المجاهل ولا يعتمد فيما يورده تلبيس الحق بالباطل وأول سؤالي عن أمر خفيف فإن استنشقت نسيم الصبا سقت السؤال إلى المهم أسأله عن العلة في تحريمه عَلَى نفسه اللحم واللبن وكل ما يصدر إلى الجود من منافع لحيوان الخ. حول كربلاء ١ ً وصف جامع الحسين إن الذي يجلب المسلمين إلى كربلاء هو وجود قبر الحسين بنت رسول الله وأخيه العباس بن علي رضي الله عنهم وقبور أصحابه واعوانه الذين استشهدوا معه في واقعة الطف أو يوم عاشوراء سنة ٦١ هـ ٦٨٠ م وبذلك أصبحت كربلاء مقدس الشيعة ومزارهم فيأتي إليها كل سنة لزيارة التربتين - تربة الحسين وتربة العباس - من كل حدب وصوب زرافاتٍ زرافات وجماعاتٍ جماعات قادمين إليها من ديار قاصية وربوع نائية كديار العجم وربوع الهند وآسيا الوسطى حيث يكثر الشيعيون ولهذا ترى كربلاء لا تخلو من غرباء يعدون بالألوف للغرض نفسه. وها نحن نصف للقراء ما في جامع الحسين من الأبنية الضخمة والتزيينات الفاخرة التي هي من أفخر ما يجود به الشيعة في تدينهم وحبهم لآل البيت مستغنين عن وصف جامع العباس لقرب المشابهة بين الجامعين إن وضعاً وإن زخرفاً فنقول: جامع الحسين من المساجد الرائقة البديعة الصنع، الفائقة الحسن وهو من أعظم المساجد في العراق شأناً، وأتقنها هندسة وصناعة، وأبدعها حسناً وبهجة، وهو عَلَى شكل مستطيل طوله قرابة ٧٠ متراً في عرض يقارب ٥٥ متراً وللمسجد ٦ أبواب فخمة جميلة الوضع وعلى كل باب طاق مرتفع معقود بالحجر القاشاني وكل باب ينتهي بك إلى حي من أحياء المدينة، وفناء المسجد كله فضاء واسع فسيح الأرجاء مفروشة أرضه بالرخام البيض الناصع وكذلك جداره فإن وجه أسفله مغشى بالرخام إلى طول مترين، وما أقول ذلك مبني بالقاشاني الجميل القطع والنحت، ويحيط بفناء الصحن جدار يحصنه قد أقيم عليه طبقتان وفي الطبقة السفلى قرابة ٦٥ غرفة جميلة أمام كل غرفة إيوان قوسي الشكل معقود بالحجر القاشاني. في وسط فناء الصحن الروضة المقدسة وهي من أعجب المباني وأتقنها وأبدعها شكلاً، وفي حظها بالمحاسن، وأخذت بكل بديعة بطرف يدخل إليها من عدة أبواب ليس هنا محل ذكرها وأشهر أبوابها الباب القبلي وهو من الفضة النفيسة الصياغة وفي جوانبيه سهوات محكمة البناء بديعة الشكل عَلَى هيئة النجاريب مرصعة بقطع من المرائي تأخذ بمجامع القلوب، أمامها صفة مفروشة أرضها بالرخام وكذلك جدارها الأدنى فإنه مؤزر به إلى مترين مرصع كله بزجاج ترصيعاً هندسياً يقل نظيره وسقف هذه الصفة قائم عَلَى دعائم محكمة من الساج وهذا الباب ينتهي من الداخل إلى رواق يحيط بالحرم - الروضة - من شرقيها أو جنوبيها أو غربيها وعن يمينك تجد قبر حبيب بن طاهر وعليه مشبك من الشبه فتدخل باستقامة إلى باب آخر من الفضة الناصعة العجيبة الصياغة إلى مقام محكم الصنع ملون بألوان زاهية بديعة، وهو الروضة أو الحرم الذي فيه قبر الحسين وطوله ١٠ أمتار و ٤٠ سنتيمتراً وعرضه ٩ أمتار و ١٥ سنتيمتراً وفي داخله من أنواع التزاويق ورائق الصنع ما يحير العقول وأكثر ذلك مغشى بالذهب الوهاج فهي تتلألأ نوراً وتلمع لمعان البرق، يحار بصر متأملها في محاسنها، ويقصر لسان رائيها عن تمثيلها، ومما زادها بهجة وزخرفة وجود الجواهر النفيسة، وقناديل ذهب وفضة، وغير ذلك من المعلقات الغالية الثمن عَلَى القبر الشريف التي أهداها إليه ملوك الفرس وسلاطين الهند في عصور مختلفة مما يعجز قلم البليغ عن وصفها والإحاطة بكل ما هنالك من نفائس المجوهرات ونوادر الآثار. وفي أقصى الحرم مصطبة نفيسة تحتها رمم الإمام، والمصطبة بديعة الصنع والنقش والحفر عجيبة الصبغ والتلوين ترى من وراء مشبك من الفضة الناصعة وهو ذو أربعة أركان وفي جانب الطول منه ٥ شبابيك وعرش كل شباك منها ٨٠ سنتيمتراً ويتفرع من وسط الجانب الشرقي منه مشبك صغير من الفضة أيضاً عَلَى ضريح ابنه علي الأكبر الذي قتل معه - وهو غير علي زين العابدين الذي فقيد مع الأسرى إلى الشام - وطول مشبك الحسين ٥ أمتار ونصف المتر في عرض ٤ أمتار ونصف متر وارتفاعه ٣ أمتار ونصف متر وطول مشبك الابن متران و ٦٠ سنتيمتراً في عرض متر و ٤٠ سنتيمتراً، وفي أعلى مشبك الحسين ١٦ آنية مستطيلة الشكل كلها من الذهب الإبريز وفي كل ركن من المشبكين رمانة من الذهب يبلغ طولها قرابة نصف متر وسماء ذلك الحرم مغشاة بقطع من المرئي عَلَى شكل لا يقدر أن يصفه واصف. وفي الزاوية الجنوبية من الحرم قبر الشهداء وهم ملحودون عَلَى ضريح واحد وعلى وجه تلك الزاوية مشبك من الفضة الناصعة طوله أربعة أمتار و ٨٠ سنتيمتراً وهو عبارة عن ٤ شبابيك عرض كل واحد منهم ٧٥ سنتيمتراً وارتفاعه متر و ٧٠ سنتيمتراً، ويغطي الحرم كله قبة شاهقة مغشاة من أسفلها إلى أعلاها بالذهب الإبريز، وفي محيطها من الأسفل ١٢ شباكاً عرض كل شباك متر واحد من الداخل ومتر و ٣٠ سنتيمتراً من الخارج ويبلغ ارتفاع القبة من أسفلها أي من سطح الحرم إلى أعلاه قرابة ١٥ متراً. وفي هذا الجامع ثلاث مآذن كبيرة يناطحن السحب بذهلهن صعداً في الهواء اثنان منها مطليتان بالذهب الوهاج وهما حول الحرم والثالثة مبنية بالقاشاني وهي ملتصقة بالسور الخارجي من الجانب الشرقي وهناك أيضاً ساعة كبيرة مبنية عَلَى برج شاهق يراهما المرء من مكان قصي، وصفوة القول أن الكاتب مهما أوتي من البلاغة والفصاحة والإجادة في الوصف لا يمكنه أن يصف كل ما في هذا المسجد الضخم من الأبنية والأروقة والتزيينات وما كتبناه ليس إلا ذرة من جبل أو نقطة من بحر زاخر. ٢ ً لمحة تاريخية في بناء المسجد والقبر يرتقي تأسيس القبر إلى أيام مقتل الحسين ومما يؤخذ من كلام جعفر بن قولويه في كتابه كامل الزيارة أن الذين دفنوا الحسين رضي الله عنه أقاموا رسماً لقبره ونصبوا له علامة وبناء لا يدرس أثره وفي سنة ٦٥ هـ ٦٨٤ م قدم لزيارة رمسه سليمان بن صرد الجزاعي مع الثائرين لأخذ ثارات الحسين وأصحابه، وقد ازدحموا عَلَى قبره كازدحام الناس عَلَى الحجر الأسود ولم يكن إذ ذاك ما يظلل قبره الشريف وجاء في كتاب كنز المصائب أن المختار بن أبي عبيدة الثقفي قام بتشييد قبره واتخذ قرية حولهن وذكر صاحب كنز المصائب عن أبي حمزة الشمالي - المتوفى في عهد المنصور العباسي - عن أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق ما نصه. . فإذا أتيت الباب الذي يلي الشرق فقف عَلَى الباب وقل. . ثم تخرج من السقيفة وقف بحذاءِ قبور الشهداء. . . وأيد لهذا المعنى لخبر المجلس الطوسي في المجلد ٢٢ من البحار ٨٠ - ١٠٢ طبع إيران والسيد ابن طاووس في إقبال الأعمال صفحة ٢٨ طبع عجم وهذا ما يدلك عَلَى أن له باباً شرقياً وغربياً وخلاصة القول أنه كان في أواخر الدولة الأموية وأوائل الدولة العباسية بناء ذو شأن عَلَى قبره ومع هذا فقد كان الأمويون يقيمون عَلَى قبره المسالح لمنع الوافدين إليه من زيارته. ولم يزل القبر بعد سقوط بني أمية وهو بعيد عن كل انتهاك لاشتغال الدولة العباسية بغدارة شؤون الملك ولظهورها بادئ الأمر مظهر القائم بإرجاع سلطة الهاشميين وغير خفي أن القائمين بالدعوة كانوا من أهل خراسان، وأكثر هؤلاء إن لم نقل كلهم كانوا من أنصار آل هاشم، ولما رسخت قدم العباسيين في البلاد وقمعوا الثورات وجهروا بمعاداة شيعة علي رضي الله عنه ولكنها كانت خفيفة الوطأة أيام المنصور والمهدي والهادي، وثقلت وطأتهم عليهم أيام الرشيد فإنه تظاهر بمناهضة العلويين فسجن كبارهم وفتك بسادتهم وأهان عظمائهم حتى أنه سجن عدد كبير من سادات آل البيت وخرب قبر الحسين وقطع السدرة وكرب موضع القبر ولعل ذلك كان لارتيابه من شيعة علي، ولما جاء دور المأمون تنفس الشيعة الصعداء واستنشقوا ريح الحرية الرطيب وكان المأمون يتظاهر بحبه لآل البيت حباً جماً حتى أنه استعاض بلبس السواد وهو شعار العباسيين بلبس الخضرة وهو شعار العلويين وأوصى بالخلافة من بعده لعلي بن الرضا بن موسى الكاظم ولعل ذلك كيد منه لأخيه الأمين واسترضاء لمناصريه الخراسانيين، وفي زمن المأمون أعيد موضع القبر وأقيم عليه بناء شامخ. وبقي الحال عَلَى هذا المنوال والشيعة في حالة حسنة إلى أن جاء دور المتوكل فضيق الخناق عليهم وطاردهم في الآفاق وأمر بهدم قبر الحسين وحرث أرضه وإسالة الماء إليه وأقام في المسالح أناساً يترصدون لمن يأتي لزيارته أو يهتدي إلى موضع قبره فحصل للشيعة من ذلك كرب عظيم، وقد نالت فرقة الشيعة شيئاً من الحرية عَلَى عهد المنتصر وكان هذا محباً لآل البيت ومقرباً لهم رافعاً مكانتهم معظماً قدرهم ومن حسانه إليهم أنه شيد قبر الحسين ووضع ميلاً عالياً يرشد الناس إليه، وفي خلافة المسترشد بالله ضاقت الأرض عَلَى رحبها بالشيعة لما أخذ المسترشد جميع ما اجتمع في خزانة القبر من الأموال والمجوهرات فأنفق عَلَى جيوشه قائلاً أن القبر لا يحتاج إلى خزينة إلا أنه لم يتعرض للبناء ولم يمسسه بسوء من ذلك الحين أخذت كربلاء بالاتساع فاتخذت الدور وشيدت القصور وأقيمت الأسواق. وكان البناء الذي سيد في عهد المنتصر قد سقط في ذي الحجة سنة ٢٧٣ هـ ٨٨٦ م فقام إلى تجديده محمد بن زيد القائم بطبرستان في خلافة المعتضد العباسي سنة ٢٨٣ هـ ٨٩٦ م وقد زار القبر عضد الدولة بن بويه ٣٧٠ هـ ٩٨٠ م بعد أن بالغ في تشييد الأبنية حول الضريح وكان عدد من جاور القبر في ذلك العهد من العلويين ٢٢٠٠ نسمة فأجزل لهم عضد الدولة من العطايا وكان ما بذل لهم مائة ألف رطل من التمر وكان آل بويه من أنصار مذهب الشيعة واستفحل التشيع عَلَى عهدهم حتى أن معز الدولة أمر سنة ٣٥٢ هـ ٩٦٣ م بإقامة المأتم في عاشوراء فكان ذلك أول مأتم أقيم في بغداد وفي سنة ٤٠٨ هـ ١٠١٧ م شبت النار حول الضريح من شمعتين كبيرتين سقطتا عَلَى المفروشات فالتهمت النار القبة وتعدتها إلى الأروقة ولم يبق من المسجد إلا السور وشيء من الحرم فرمم وهو الذي وصفه ابن بطوطة في رحلته وفي سنة ٧٦٧ هـ ١٣٦٥ م شيد السلطان إدريس الأيلكاني المسجد والحرم وأتمه وأكمله ولده السلطان حسين وقد وجد تاريخ هذا البناء عَلَى المحل المعروف عند أهالي كربلاء بنخل مريم فيما يلي الرأس وقد شاهده محمد بن سليمان بن زوير السليماني وقد كان أنزل هذا التاريخ سنة ١٢١٦ هـ ١٨٠١ م وفي سنة ٩٣٢ هـ ١٥٢٥ م أهدى الشاه إسماعيل الصفوي صندوقاً بديع الصنع إلى القبر الطاهر وفي سنة ١٠٤٨ هـ ١٦٣٨ م شهد السلطان مراد الرابع القبة المنورة وجصص خارجها وفي سنة ١١٣٥ هـ ١٧٢٢ م نهضت زوجة نادر شاه وكريمة حسين الصفوي إلى تعمير المسجد المطهر وأنفقت عَلَى ذلك أموالاً لا تحصى، وفي أوائل القرن التاسع عشر أهدى فتح علي شاه أحد ملوك إيران شبكة من الفضة وهي اليوم موجودة عَلَى القبر وفي ١٢١٦ هـ ١٨٠١ م أمر محمد علي خان بتزيين الحرم الشريف وتعميره وبذل لذلك مبالغ وفيرة، ويوجد اليوم في أعلى أبواب الفضة فوق الآيات القرآنية فيما يقابل الوجه الشريف، وحوالى هذا التاريخ أمرت زوجة فتح علي شاه بتذهيب المأذنتين، وفي سنة ١٢٧٣ هـ ١٨٦٥ م غشيت قبة الحرم بالذهب عَلَى نفقة ناصر الدين شاه كما هو مكتوب عَلَى حائطها فوق الشبابيك بسطر من ذهب فيه بعض الآيات ولم يحدث بعد ذلك ما يهم تدوينه سوى ما جددت إنشاءه في العهد الأخير إدارة الأوقاف، هذا مجمل ما يمكن الوقوف عليه من تاريخ المسجد والقبر وربك علام الغيوب. ٣ ً وصف خزائن الأئمة في النجف وكربلاء يوجد في كربلاء والنجف خزائن قديمة العهد فيها آثار ذات قيمة لا تثمن نذكر منها خزانتين للحسين والعباس رضي الله عنهما في كربلاء وخزانتين للإمام علي كرم الله وجهه وقد حوت هاتان الأخيرتان من الآثار التاريخية النفيسة ما لا يمكن وصفه لأنهما بقيتا بعيدتين عن أذى الوهابيين إبان حملتهم عَلَى العراق في أوائل القرن التاسع عشر، وأما خزائن الحسين والعباس فقد أتلفها يد الضياع وذهب أكثر ما فيها أثناء الغارة الوهابية عَلَى كربلاء. أما خزينتا الإمام علي في النجف فقديمتان منها واحدة لم تفتح ولم ترى عينها إنسان إلا مرة واحدة حينا أتى ناصر الدين شاه أواخر سنة ١٨٧٠ لزيارة قبور الأئمة في العراق، وكان ذلك بإرادة سنية استحصلها من السلطان عبد العزيز خان وقد حضر احتفال فتحها كمال باشا ناظر الأوقاف، وبناءً عَلَى التماس ناصر الدين شاه من السلطان عبد العزيز أُخرج منها قنديل مرصع بالحجارة الكريمة قيمته ٦٥٠٠ ليرة فعلق عَلَى المصطبة التي تحتها رمم الإمام وهذا القنديل لا يزال موجوداً إلى اليوم، وقد أهدى ناصر الدين شاه الخزانة سيفاً ثميناً مرصعاً باليواقيت والجواهر وبعد أن تفقد ناصر الدين شاه ما فيها من الآثار النفيسة أقفلت وختم عَلَى قفلها مدحت باشا والي بغداد وكمال باشا ناظر الأوقاف، وقد اختلف الناس في تخمين ما في هذه الخزانة من الجواهر فالبعض يدعي أن ما حوته من المجوهرات تناهز قيمته ٣٠ مليوناً من الجنيهات حتى قيل أن هناك درة كبيرة لا تُثمَّن محفوظة في ظرف من الزجاج ومن الأقوال المأثورة فيها أنها تقوم بإعمار العراق ولو خرب وهذه تعد اليوم من جملة المعلقات الفاخرة عَلَى ضريح الإمام علي ومما يؤخذ من أقوال القيم عَلَى أموال وخزائن الإمام وهو ما يسمى عندهم كليد دارأن ما في هذه الخزانة وحدها تساوي قيمته من ٦٠٠ ألف ليرة إلى ٧٠٠ ألف ليرة. أما الخزانة الثانية فليست مفتوحة في كل وقت ولا يدخلها كل احد ومن نفائس ما حوته تاج ثمين عريق في القدم كان أهداه أحد سلاطين الهند قيل أن ثمنه يساوي ١٠٠٠ جنيه عثماني وهناك سيف مرصع بالزمرد يقدر ثمنه بألفي ليرة، وفيها سجادات ثمينة دقيقة الصنع كان يجلس عليها ملوك الفرس وكل قطعة منها تساوي ألف جنيه، وأما ما فيها من شالات الكشمير والأنسجة التي تحار لها العقول وتستوقف الأبصار فما لا يحصيه أحد ولا يحيط به واصف مهما أوتي من البلاغة. ويوجد اليوم عَلَى ضريح الإمام علي تحف نفيسة ومعلقات لا نظير لها منها ظرف من الزجاج فيه تاج مرصع بالحجارة القديمة يقال أنه تاج ملك من ملوك إيران المتأخرين، هذا عدا ما هناك من القناديل الذهبية والمعلقات بديعة الشكل، ومما يدخل في عداد ذلك مكتبة مخطوطة حوت نفائس المخطوطات العديمة النظير منها نسخة من القرآن الكريم بخط الحسين بن علي بن أبي طالب إلى غير ذلك من نوادر الكتب والمخطوطات. وأما خزانة العباس فهي أغنى الخزائن بعد خزانتي الإمام علي وهي عبارة عن مستودع أسلحة هو عبارة عن غرفتين مملوءتين أسيافاً ذات غرارين قامته ذات حدٍ واحدٍ، والذي يؤسف له إهمال ولاة الأمر هذه الأسلحة القديمة التي أصبحت أثراً بعد عين، وفيها صناديق عديدة مشحونة بأنواع الشالات الثمينة وأستار من الحرير المقصب، ومسارج شمعدانات ذهبية فاخرة، وسيف ذهبي فاخر مرصع محلى بالنقوش الدقيقة، وإبرة كبيرة من الألماس ذات قيمة غالية، ومسرجة شمعدان فاخرة مرصعة بالحجارة القديمة قيل أنها تساوي ألف جنيه، هذا عدا السجاد الجميل المزدان بأبدع التصاوير وأغرب النقوش، منها سجادة مصنوعة من الحرير دقيقة الصنع أهداها إلى الخزان الشاه عباس وقد كتب عَلَى حاشيتها كلب أستانة حضرة عباس أي كلب عتبة حضرة العباس. أما خزانة الإمام الحسين فلم يبق منها عَلَى ما علم شيء جدير بالذكر، وكل ما هناك ١٦ إناءً مستطيلاً كلها من الذهب الإبريز وهي الآن موجودة في أعلى مشبك الحسين وقد مر ذكرها، وسبب فقر خزانة الحسين ناشئ من وقوعها بين أيدي الوهابيين وسنصف في غير هذا الموطن ما نهبه الوهابيون من خزانهة الحسين من مجوهرات وغيرها. اظنك تتعجب من غنى هذه الخزائن ولكن لو علمت أن كربلاء عَلَى اتساعها وكثيرة سكانها لا يوجد فيها اليوم مدرسة ثانوية لازداد عجبك، ولو طفت قرى كربلاء واحدة بعد أخرى لرأيت كلها - عدا النجف الأشرف التي هي اليوم مقر العربية وموطن أدبائها وفضائلها - وفي أسوء حال بل: لرأيت الجهل متفشياً بن أبنائها، عَلَى أني أقول ما أقول لو أن أهل الحل والعقد في العراق يؤلفون جمعية يثق بها الناس لبيع هذه الآثار في أسواق أوربا ويشترون بأثمانها عقارات أو يشقون جدولاً أو يفتحون بها مصرفاً زراعياً أهلياً يساعد الفلاحين عَلَى قضاء حاجاتهم، وترويج مصالحهم، وينشئون مدرسة عالية في النجف أو كربلاء تدرس فيها العلوم الحديثة بالعربية بشرط أن يستقدموا أساتذة من علماء مصر والشام وينفقوا عليها من ريع تلك العقارات أو من مكاسب المصرف لخدموا المجتمع العراقي خدمة تذكر فتشكر وكانت الفائدة عامة، بل إن هناك ما هو أكثر فائدة وأعظم شأناً وهو أنهم ينشئون بأثمانها بواخر يسيرونها في نهر الفرات أو يمدون سكة حديدية بين بغداد وكربلاء فتقرب البلاد بعضها من بعض وتنمو الثروة وتزداد التجارة، ومن ريعها ينفقون عَلَى المدرسة، إذ هذا الزمن زمن التفكر بالمستقبل والعمل إلى ما فيه خير المجتمع لا وقت الكسل والخمول والانعكاف عَلَى القديم، وأي خير من خزائن لا تفيد الأمة في وقت الحاجة والضيق، في وقت يتسابق الأقوام إلى الاستضاءة بنبراس الحضارة ونحن في ظلمات الجهل تائهون، وتتراكض الشعوب إلى اقتطاف ثمار الفنون اليانعة ونحن عن ذلك لاهون، ولا أظن أحداً يعارض هذه الفكرة أو يحول دون إبرازها إلى الوجود سواء كان من رجال الحكومة أو من رجال الجعفرية هذا وإني أحث أدباء النجف عَلَى أن يكونوا أول القائمين بهذا الأمر لأنهم قادة العراق وذوو الأمر والنهي فيه، فينشئون مقالات في هذا الشأن مظهرين ارتياحهم لذلك، وربك الهادي إلى طريق الصواب. ٤ ً نبذة من تاريخ كربلاء القديم والحديث لم تكن كربلاء في العهد العيهد قبل الفتح الإسلامي بلدة تستحق الذكر، ولم يرد ذكرها في التاريخ إلا نادراً وأكثر ذلك في عرض الكلام عما كان يقع في الحيرة وقرى الطف من الوقائع. وكانت قبل أن يفتحها المسلمون قرية حقيرة عليها مزارع وضياع لدهاقين العجم. وكان سكانها أهل حراثة وزراعة وظلت كذلك إلى أن افتتحها المسلمون في عهد عمر ابن الخطاب سنة ١٤ هـ ة ٦٣٥ م وكان الفاتح لها ابن عرفطه بأمر سعد بن أبي وقاص قائد جيوش المسلمين في حرب القادسية، وقد كانت العرب صممت عَلَى أن تجعلها مباءَة لجيوشها ومركزاً لإدارة ما فتحوه من ديار الحيرة فاتخذوها بادئ بدءٍ معسكراً ثم رحلوا عنها عندما أنكروا وخامة هوائها وكثرة ذبالها فنزلوا الكوفة. وإلى ذباب كربلاء أشار رجل من أشجع في قصيدته: لقد حبست كربلاء عن مطيتي وفي العين حتى عاد غثاً سمينها إذا رحلت من منزل رجعت له لعمري وايهاً إنني لأهينها ويمنعها من ماء كل شريعة رفاف من الذبان رزق عيونها ولما رحل المسلمون عنها قلَّ شأنها وكادت تعفو رسومها ويخفى ذكرها ومازالت إلى أن عاد ذكرها ما حدث حولها ٦١ هـ ٦٨٠ م من الحوادث الخطير التي أدهشت العالم الإسلامي إلا وهي وقعة كربلاء والطف المحزنة التي قتل فيها الحسين بن علي ونفر قليل من أصحابه رضي الله عنهم لمطالبته بالخلافة وأنفة من مبايعة يزيد بن أبي سفيان لأنه يرى نفسه أحق بها منه، ومن ذلك الحين ذاع صيت هذه المدينة في الآفاق وانتشر في الأقطار، وقد جاء ذكرها في أشعار العرب ودواوينهم ومع هذا لم تكن في القرن الأول الهجري عامرة، ومع ما كان في أنفس الهاشميين وشيعتهم من مجاورة قبر الحسين لم يتمكنوا من اتخاذ الدور وتشييد البنايات خوفاً من سلطان بني أمية، وقد أخذت في التقدم في أوائل الدولة العباسية ورجعت القهقرى أيام الرشيد وقد ازداد خرابها في أيام المتوكل لأنه هدم قبر الحسين فرحل عنها سكانها، ثم أخذ الشيعة أيام المنتصر يتوافدون إلى كربلاء أفواجاً أفواجاً ويعمرونها ثم ضخمت في القرن الرابع للهجرة وقد زارها عضد الدولة بن بويه سنة ٣٧ هـ ٩٨٠ م وكانت مدينة عامرة آهلة بالسكان يقطنها آلاف النفوس وقد وصفها ابن بطوطة قال: هي مدينة صغيرة تحفها حدائق النخل ويسقيها ماء الفرات، والروضة المقدسة داخلها، وعليها مدرسة وزاوية كريمة فيها الطعام للوارد والخارج وعلى باب الروضة الحجاب والقومة لا يدخلها أحد إلا بإذنهم فيقبل العتبة الشريفة وهي الفضة وعلى الضريح المقدس قناديل الذهب والفضة وعلى الأبواب أستار الحديد، وأهل هذه المدينة طائفتان أولاد دخيل وأولاد فائز ينهم القتال أبداً وهم جميعاً أمامية ولأجل فتنهم تخربت هذه المدينة اهـ. ولم تزل كربلاء بين صعود وهبوط ورقي وانحطاط تارة تنحط فتخضع لدول الطوائف وطوراً تعمر متقدمة بعض التقدم إلى أن دخلت في حوزة الدولة العثمانية سنة ٩٤١ هـ ١٥٣٤ م وأخذت تتنفس الصعداء مما أصابها نكبات الزمان وحوادث الدهر التي كادت تقضي عليها، وبقيت وهي مطمئنة البال مدة طويلة تزيد عَلَى ثلاثة قرون لم ترى في خلالها ما يكدر صفو سكانها حتى جاءت سنة ٢١٦ هـ ١٨٠١ م جهز الأمير سعود الوهابي جيشاً عرمرماً مؤلفاً من ٢٠ ألف مقاتل وهجم بهم عَلَى مدينة كربلاء وكانت عَلَى غاية من الشهرة والفخامة ينتابها زوار الفرس والترك والعرب فدخل سعود المدينة بعد أن ضيق عليها وقاتل حاميتها وسكانها قتالاً شديداً، وكان سور المدينة مركباً من أفلاق نخيل مرصوصة خلف حائط من طين، وقد ارتكب الجيش فيها من الفظائع ما لا يوصف حتى قيل أنه قتل في ليلة واحدة ٢٠ ألف نسمة وبعد أن تم الأمير مسعود مهمته الحربية التفت نحو خزائن والقبر وكانت مشحونة بالأموال الوفيرة وكل شيء نفيس فأخذ كل ما وجد فيها. وقيل أنه فتح كنزاً كان فيه أموال جمة جمعت من الزوار، وكان من جملة ما أخذ لؤلؤة كبيرة وعشرون سيفاً محلاة جميعها بالذهب ومرصعة بالحجارة الكريمة، وأوان ذهبية وفضية وفيروز وألماس وغيرها من الذخائر النفيسة الجليلة القدر، وقيل أن من جملة ما نهبه سعود أثاثات الروضة وفرشها منها ٤٠٠٠ شال كشميري و ٢٠٠٠ سيف من الفضة وكثير من البنادق والأسلحة وقد صارت كربلاء بعد هذه الواقعة في حال يرثى لها. وقد عاد إليها بعد هذه الحادثة من نجا بنفسه فأصلح بعد خرابها وأعاد إليها العمران رويداً رويداً وقد زارها في أوائل القرن التاسع عشر أحد ملوك الهند فأشفق عَلَى حالتها وبنى فيها أسواقاً حسناء وبيوتاً قوراء أسكنها بعض من نكبوا، وبنى للبلدة سوراً حصيناً لصد هجمات الأعداء وأقام حوله الأبراج والمعاقل ونصب له آلات الدفاع عَلَى الطرز القديم وصارت عَلَى ما يهاجمها أمنع من عقاب الجوفامنت عَلَى نفسها وعاد إليها بعض الرقي والتقدم. وفي سنة ١٢٤١ هـ ١٨٢٥ م وقعت واقعة عظيمة تعرف بوقعة المناخور - أمير الأخور أي أمير الاصطبل، وذلك أن الدولة العثمانية كانت في ذلك الزمن ضعيفة لاختلال الجيش الإنكشاري واستقلال البلاد القاصية واشتغالها بمحاربة العصاة في البلقان وطموح محمد علي والي مصر إلى الاستقلال واستقلال علي باشا لنلي تبه في ألبانيا، وكان والياً عَلَى العراق إذ ذاك داود باشا وكان تقياً عادلاً ورعاً مشهوراً بالدهاء وفرط الذكاء إلا أنه كان شديد الحرص عَلَى الانسلاخ من جسم الدولة والاستقلال بالعراق أسوة بمن تقدمه. فسعى بادئ بدءٍ إلى جلب قلوب الأهالي بما أنشأه من العمارات والبنايات والجوامع والتكايا. وقرب علماء العراق وبالغ في إكرامهم ونظم جيشاً كبيراً وأسلحة عَلَى الطراز الجديد حينئذ، فقاوم بعد ذلك يدعو الناس إلى بيعته، ولكثرة ما كان لديه من الأعوان بايعه أكثر مدن عراق العرب إلا كربلاء والحلة فرفعا راية العصيان وعند ذلك سير جيشاً ضخماً بقيادة أمير إصطبله وكانت عشيرة عقيل تعضده فأخضع القائد الحلة واستباح جاها ثم جاء كربلاء فحاصرها ثمانية عشر شهراً ولم يقو عَلَى افتتحاها لحصانة سورها ومناعة معاقلها، ولما رأى ذلك أقلع عنها ثم كر عليها ثانياً وثالثاً فلم يفز بأمنيته إلا بعد حصار طالت مدته أربع سنوات من سنة ١٢٤١ هـ ١٨٢٥ م إلى سنة ١٢٤٥ هـ ١٨٢٩ م وكانت نتيجتها أن أسر الجيش نقيب كربلاء فسجنه داود باشا في بغداد. وفي سنة ١٢٥٨ هـ ١٨٤٢ م شق أهالي كربلاء عصا الطاعة عَلَى الدولة وأبوا أداء الضرائب والمكوس وكان والي العراق نجيب باشا فجهز جيشاً بقيادة سعد الله باشا وسيره إلى كربلاء فحاصرها حصاراً شديداً وأمطر المدينة بوابل قنابله ولم يساعده الحظ عَلَى افتتاحها لأن سو رها كان منيعاً جداً وقلاعها محكمة لا يمكن للقائد الدنو منها، ولما أعيت به الحيل الحربية التجأ إلى الخداع فأعطى الأمان للعصاة وضمن لهم عفو الحكومة فأخلوا القلاع وجاؤه طائعين فقبض عليهم وسلط المدافع عَلَى جهة السور الشرقية فهدمها وأصلى المدينة ناراً حامية، ففتحها وارتكب فيها فظاعة وشناعة، ودخل بجيشه إلى صحن العباس وقتل كل من لاذ بالقبر وبهذه الموبقات أعاد سلطة الحكومة إلى تلك الربوع. وفي سنة ١٢٩٣ هـ ١٨٤٢ م ظهرت فتنة بكربلاء تعرف بفتنة (علي هدلة) وذلك أن جماعة من المفسدين حرضت من الأهالي عَلَى مناوأة الحكومة وكانت أفكار الأهالي مستعدة لقبولها فألفت عصابة بقيادة علي هدلة وقابلت الجيش العثماني ودحرته في مواقع متعددة. ولما رن صدى هذه الحادثة في الآستانة قلقل السلطان المخلوع وأصدر إرادة سنية بإرسال الجيوش إلى كربلاء وهددها وقتل من فيها عن بكرة أبيهم. وناط تنفيذ الإرادة بعاكف باشا والي بغداد والمشير حسين فوزي باشا وكان هذا القائد عاماً للجيش فجاء الاثنان كربلاء يصحبهما نقباء بغداد السابقين وضربوا المضارب قرب المدينة، فلم ير الوالي في المدينة آثار العصيان والتمرد. وقد علم بعد البحث الطويل أن العصاة عصابة ارتكبت إثماً واقترفت ذنباً يطاردها الجيش وليس من العدل هدم المدينة وتنفيذ الإرادة السنية عَلَى سكانها وأخذ البريء بجريرة المذنب فأحجم عن تنفيذ ذلك وفاتح القائد العام فأبى هذا إلا الإصرار عَلَى تنفيذ الأوامر فنجم من ذلك خلاف بينهما فرجعا إلى الآستانة وخاطباها بالأمر وبعد أخذ ورد صدر الأمر بالعفو، فرحل الجيش عنها بعد أن قبض عَلَى مثيري الفتنة وموقدي نيرانها قادهم إلى بغداد ومن هناك ألقاهم في أعماق السجون. بغداد // إبراهيم حلمي فجر العلم الجديد أفق إذ شارف الدجى أجله وودعته النجوم مرتحله وفحمة الليل علقت سحراً شرارة النور فهي مشتعلة ومقلة الفجر في انتباهتها ما برحت بالظلام متكحلة لا سائر في السبيل منصرف في طاعة أو مباكر عمله إلا خفير يمشي عَلَى مهل حمى عليه نعاسه العجله يحيل في كفه هراوتهِ أو ينتفخ البوق طارداً ممله والغيث غمر الحياء سادلة خيوطه من سحائب هطله يغزل الأرض سندساً بهجاً فتكتسي في الربيع ما غزله والريح رعناء تهجمها عَلَى زجاج الكوى ومقتتله تشتد في عصفها لتسكله مقبلة تارة ومنفتله ترومه عنوة فيعجزها والنور باللين نافذ خلله ذكرت أيامنا التي سلفت فداخلتني صبابة ووله كم غدوة نرشف الصبوح منها أطرافها بالظلام متصلة يدير كأس الطلى مشعشعة فتصبح الشمس في الضحى خجله فتحسيها من كف فاتنة عصيت فيها اللوام والعذله وحتى نخال النجوم هاوية والأرض في مشيها بنا ثمله ونحسب الدهر في كهولته والشيب غض الشباب مقتله وأطيب العمر ما انطوى وطوى وقائع المرء ما عليه وله وليس مستقبلاً نشك به أمانه قد تصيب أو وجله كيف يهز الغد الفتى جذلاً وربما كان فجره أجله لولا التمني لهاله غده وحقه أن يخاف ما جهله أطل طفل الزمان فابتسمت له ثغور الخلائق الجذله فهل يطيل ابتسامهن وهل يرعى الرجاء الذي لنا قبله مروحاً حانياً عَلَى أمل غض أبوه الزمان قد نجله وهل يؤاسي الجراح منعطفاً عَلَى أخي الوجد شافياً علله إذا جن الظلام أنسه بالبدر أو حمل الصبا قبله وأن يخنه في نفسه عرضاً حقق فيمن يحبه أمله وهل يفي أو نرى لياليه غاشية بالخطوب مشتمله تمر بالناس غير مشفقة وبالأماني غير محتفله سر عن العالمين محتجب عليه ستر للغيب قد سدله مطبوعات ومخطوطات الإشارات الإلهية للتوحيدي في المكتبة الظاهرية بدمشق الجزء الأول من هذه الكتاب لأبي حيان التوحيدي صاحب المقابسات (المقتبس م ١ ص ٣٠٢ ) من كبار المنشئين في عصره وأئمة العلم والأدب وكتابه في مخاطبة النفس جاء في أوله: اللهم إنا نسألك ما يُسأل لا عن ثقة بياض وجوهنا عندك وأفعالنا معك وسوالف إحساننا قبلك ولكن عن ثقة بكرمك الفائض وطمعاً في رحمتك الواسعة نعم وعن توحيد لا يشوبه إشراك وعرفة لا يخاطبها إنكار وإن كانت أعمارنا قاصرة عن غايات حقائق التوحيد والمعرفة نسألك أن لا ترد علينا هذه الثقة بك فتشمت بنا من لم يكن له هذه الوسيلة إليك يا حافظ الأسرار ويا مسبل الأستار ويا واهب الأعمار ويا منشئ الأخيار ويا مولج الليل والنهار ويا مصافي الأخيار ويا مداري الأشرار ويا منقذ الأبرار من النار والعار وعد علينا بصفحك عن زلاتنا وأنعشنا عند تتابع صرعاتنا وحطة حالنا معم في اختلاف سكراتنا وصحواتنا وكن لنا وإن لم نكن لأنفسنا لأنك أولى بنا وإذا خفنا منك فابرح خوفنا منك برجائنا فيك وإذا غلبت علينا بأسنا منك فتلقه بالأمل فيك الخ. وقال من فصل: أيها المحاور والصديق المجاور كيف أتكلم والفؤاد هائم بكل واد والخاطر خال من كل حاد وهاد كيف أشكو والسر ظاهر باد أم بأي شيء أتعلل وكل ما أجده مردد ومعاد أم عَلَى من اعتمد وكل أحد أراه فهو لي ضد ومعاد. أنفاسي محترقة بالحسرات ودموعي مترقرقة بين النغمات والزفرات وكبدي مشتعلة عَلَى المناظر والهيئات ويقظتي جارية عَلَى الرسوم والعادات وأحلامي عارية من كل ما له حاصل وثبات ونفسي رهينة بالسيئات مفتونة بالحسنات بالسوانح والخطرات مغبونة عن الحسنات والصالحات. الجهات من دوني منسدة والوجوه أمامي مسودة إن قلت قيل هذا زور وبهتان وإن شربت قيل هذا غرور وعدوان وإن سكت قيل هذا سهو ونسيان قليت من ابتلائي بما لا طاقة لي به ارحمني مما لا غنى لي عنه أو ليت منة طردني عن بابه أهلني لعتابه أو ليت من جرعني مرًّ من فراقه أخطر عَلَى بالي حلاوة لقائه أو ليت من غمسني في بحر البلوى طرحني إلى ساحل المنى أو ليت من حطني عن درجات المخدومين رقاني إلى قامات الخدم الخ. وقال من رسالة: حرام عَلَى قلب استنار بنو الله أن يكفر في غير عظمة الله حرام عَلَى لسان تعود ذكر الله أن يذكر غير الله حرام عَلَى نفس طهرت من أدناس الدنيا لله أن تدنس بشيء مخالفة لله حرام إلى عين نظر ت إلى مملكة الله أن تحدق إلى غير الله حرام عَلَى كبد ابتلت بالثقة بالله أن تطمئن إلى غير الله حرام لع== عَلَى من لم يجد الخير إلا من الله أن يجد طمعاً في غير الله حرام عَلَى من شرف بخدمة الله أن يتضع بخدمة غير الله حرام عَلَى من ألف فَنَاء الله أن يعرج إلى غير الله حرام عَلَى من تلذذ بمناجاة الله أن يناجي غير الله حرام عَلَى من رتع في نعمة الله أن يعبد غير الله الخ. وأكثر الكتاب عَلَى هذا النمط وهو في مجلد ضخم يغلب عليه التحريف والتصحيف. التحفة الظريفة في خزانة كتب عبد القادر بك المؤَيد من فضلاء دمشق. نسخة من كتاب التحفة الظريفة الحاوية من كل نكتة لطيفة المسماة بمجموعة الحكيم جمع السيد حسن بن السيد عثمان الحكيم جمعه سنة ١٨٨٨ في عصر بارت فيه صناعة الأدب وجدت القرائح وتراجعت العلوم ومن أحسن ما رأينا في آخر الكتاب تقارظ بعض أدباء عصره وفقهائه في دمشق وأكثرها شعر ضعيف ركيك فمنها تقريظ لحمزة أفندي زاده وآخر للسيد علي العمادي ولأحمد أفندي العمادي والسيد كمال الدين البكري ومحمد شاكر أفندي العمري والسيد أحمد الشمسي العمري والشيخ عمر العمري والشيخ محمد العمري والسيد عبد الفتاح مغيزل والسيد علي الشمعة والسيد خليل بن قرا مصطفى والشيخ محمد البصيري والسيد مصطفى اللوجي والسيد عبد الخالق اللوجي والسيد يحيى العطار والسيد محمد أمين العطار والشيخ محمد البصير وخليل أفندي المحاسني والشيخ محمد الطباع الحلبي والشيخ علي المجلد والشيخ صالح بن الشيخ محمد الدسوقي والحاج أحمد الرباط ومن أرق الشعر الوارد بيتان للشيخ علي الشمعة وهما قوله: ابدى لنا حسن الشريف لطائفاً قد صاغها لذوي النهى مجموعا كل المفرق من محاسن عصره أضحى لدى مجموعه مجموعا وقد رتب الجامع كتابه عَلَى خمسة عشر باباً الأول في نوادر العرب والثاني في المغفلين الثالث في القضاة الرابع في المعلمين الخامس في المتنبين السادس في النحاة السابع في الأطباء الثامن في الشعراء التاسع في الأهاجي والرسائل العاشر في الأجوبة المسكنة الحادي عشر في نوادر النساء والجواري والمغنيات الثاني عشر في نوادر الغلمان والخدم الثالث عشر في نوادر البخلاء الرابع عشر في نوادر الطفيلية وأخبار الطعام والأكل الخامس عشر في نوادر شتى مختلفة المعنى. ومن نوادره: خرج الحجاج بن يوسف الثقفي يتصيد فرأى أعرابياً فقال له أيها الأعرابي كيف تقول في الحجاج وأفعاله فقال الأعرابي: إيش أقول في رجل غشوم ظلوم مشؤوم ما ولي هذا القطر اشر منه لعنه الله ولعن من ولاه علينا فبينما هو كذلك إذ أحاطت به الجند فقال الحجاج: خذوا لهذا قال الأعرابي لمن يليه: من هذا فقالوا له: الحجاج فحرك دابته حتى صار بالقرب منه ثم ناداه يا حجاج قال: قل ما تشاء قال له: السر الذي كان بيننا أحب أن يكون مكتوماً فضحك الحجاج وأطلقه. وخرج الحجاج ذات يوم متنزهاً فرأى أعرابياً فقال له: ايها العرب من خير القرب قال قريش قال ولم ذلك قال: لأن النبي صلى الله عليه وسلم منهم قال: فمن أشر العرب قال: ثقيف قال: ولم ذلك قال لأن الحجاج منهم قال أتدري من أنا قال لا قال أنا الحجاج قال الأعرابي جعلت فداك أتعرف من أنا قال لا قال أنا مولى بن عامر أجن في كل سنة ثلاثة أيام وهذا اليوم أشدها فضحك ووصله وأطلقه. وقيل خطب المنصور يوماً بالشام فقال في خطبته ينبغي لكم أن تحمدوا الله عَلَى ما وهب لكم في أيامكم فإني منذ وليتكم صرف الله عنكم الطاعون الذي كان يجيئكم في أيام بني مروان فقام إليه أعرابي كان في المسجد فقال إن الله أكرم من يجمع علينا أنت والطاعون معاً. وقف المأمون عَلَى باب طحان فنظر إلى حمار له بدور الرحى وفي عنقه جرس فقال للطحان: لم جعلت هذا الجرس في عنق الحمار فقال ربما أدركني النوم فإذا لم أسمع حس الجرس علمت أن الحمار قد وقف فأصيح عليه ليدور قال أرأيت لو وقف وحرك رأسه بالجرس فقال ومن أين للحمار عقل مثل عقلك أيها الأمير حتى يفعل مثل هذا. وحكي أنه أمَّ رجلٌ من الظرفاء قوماً أياماً وكانوا من التغفل بمكان عظيم وكانوا يطعمونه الخبز والكامخ لا يزيدونه شيئاً فصلى بهم يوماً الصبح فقرأ في الركعة الأولى بعد الفاتحة يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله ولا تطعموا أئمتكم الكامخ بل لحماً وإن لم تجدوا لحماً فبيضاً وسمناً ومن يفعل ذلك منكم فقد خسر خسراناً مبيناً. وقرأ في الركعة الثانية بعد الفاتحة فإن لم تجدوا بيضاً وسمناً فسمكاً فإن لم تجدوا سمكاً فلبناً أو حليبا ولا تمخضوه تمخيضاً ومن لم يفعل ذلك فقد افترى إثماً عظيماً فلما فرغ من صلاته جاؤوا واعتذروا له عن التقصير في حقه وإنه لم يكن عندهم خبر بهذه الآيات العظيمات المومى بها في الأئمة ثم سألوه في أي سورة هذه الآيات الشريفات فقال لهم في سورة المائدة في حزب الأكل لأي شيء سميت سورة وهي تنبئ عن مثل هذا كثير. والكتاب عَلَى هذا النمط وفيه من الحكايات ما لا يصح أنم يقرأ لكل إنسان لعدم الإلف بأمثاله في هذا العصر ومن الأشعار التي رواها قصائد هجوية لمصطفى بك الترزي وأهاجي عبيدي باشا وفيه رسالة لرجب الحريري مداعباً صديقاً له يقال له ابن الخليفة في بعلبك ورسالة الوهراني التي كتبها عَلَى لسان بغلته وعلقها في عنقها وسيبها في دار الأمير عز الدين ابن منوسك (المقتبس المجلد الأول) ورسالة أبي نواس الهزلية إلى بعض أصحابه ورسالة ابن الطليوني إلى القاضي عمر المغربي ورسالة أبي بكر الخوارزمي إلى البديهي إلى غير ذلك من النوادر والأشعار. لغة العرب يسرنا أن نرى الأعمال العلمية تنمو النمو المطلوب في بلاد العرب ولاسيما في مصر وتونس والعراق والشام أكثر الأقطار العربية مدنية وأقدمها في الأخذ بمذاهب العلم والتعليم. ومجلة لغة العرب لصديقنا الأب أنستاس الكرملي هي في مقدمة ما يفاخر به من الأعمال التي ظهرت في عهد الحرية الصحافية في الشام والعراق فإن المقالات التي تنشرها رصيفتنا في اللغة والنقد الأدبي وتاريخ العراق وعمرانها عَلَى جانب عظيم من التحقيق حري بأن يخلد في خزائن الكتب دليلاً عَلَى حالة العراق العلمية في هذا العهد وقد بلغ فيها صاحبا في مدة لم تبلغ الحولين مبالغ المجلات التي مضى عليها سنين كثيرة تعاني البحث والنقل وزادت أنها علمية محضة لا تتعرض للأبحاث الدينية فجدير بالمتأدبين والمستنيرين أن يستفيدوا مما تنشره الشهر بعد الشهر لخدمة الآداب العربية وأن تعد في الندية العلمية في جملة حسنات المحسنين في التأليف الذين يقدمون عَلَى خدمة العلم والأدب بعد أن يدرسوا موضوعاتهم ويمرنوا فيها أعواماً طويلة ليدخلوا البيوت من أبوابها ولو كتب العامة مجلاتنا التي صدرت منذ أربعين سنةً إلى الآن يكون منشئوها أكفاء لعملهم لما بارت بضاعة العلم هذا البوار المخجل ولنفعت في تثقيف العقول أضعاف أضعاف ما نفعت. كتاب طبقات الأمم للقاضي أبي القاسم صاعد الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٢ هـ نشر الأب لويس شيخو طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩١٢ (ص ١٢٤ ). هذا الكتاب النفيس الذي وفق رصيفنا منشئ مجلة المشرق إلى نشره تباعاً في مجلته هو أشبه بفهرست ابن النديم وقد أحسن الناشر نشره وطبعه وتعليق حواشي عليه عَلَى عادته في معظم ما نشره في كتب العرب. ومن هذا الكتاب يعرف الإنسان اشتغال العرب بالعلوم المختلفة وينصفهم ولا يغمطهم حقهم. وقد كنا في أحد إعداد هذه السنة أشرنا ما وقع للأب شيخو من التحريف وصححناه بما هدانا إليه النظر والفكر فتفضل الناشر المنوه به بإضافة بعضه إلى آخر كتاب الطبقات عَلَى عادة الباحثين المصنفين في إثبات كل عمل لعامله لا كالذين يحد بهم ضيق عطنهم إلى الاستئثار بما سبق له غيرهم ليقال أنهم هم كل شيء وغيرهم لا شيء وفق الله الناشر إلى نشر أمثاله لخدمة الآداب والمعارف. أخبار وأفكار هو عنوان كتاب وقع في ٢٢٧ صفحة لمؤلفه أمين أفندي الغريب صاحب جريدة الحارس وهو مجموعة أدب وتاريخ نشره في جريدته في أوقات مختلفة وتم العمل. وحبذا لو حذا حذوه غيره من كتاب الصحف فإن في مقالاتهم ما ينبغي حفظه لتتداوله الأيدي في صورة الكتب عَلَى الدهر. تاريخ بعلبك أهدانا ميخائيل أفندي موسى ألوف نسخة من الطبعة العربية الثالثة من كتابه تاريخ بعلبك وفيه وصف مدقق لتاريخ هذه المدينة ولاسيما قلعتها الشهيرة نقلاً عن أصح المصادر الإفرنجية والعربية والتجارب الطويلة التي وقعت للكاتب وفي الكتاب صور بعض التماثيل والأحجار وما وجد عليها من النقوش والكتابات الأثرية مما دل عَلَى فضل وتدقيق وكان حرياً بأن يزدن به المكاتب. وأحق الناس بمعرفة تاريخ بلد أهله. فنشكر المؤلف عَلَى هذه التحفة التي طبعة عشر مرات باللغات الأجنبية مما دل عَلَى الإقبال عليها للانتفاع مما حوت. دروس الأشياء هو مختصر في هذا الفن فيه أبحاث عن الإنسان والحيوان والنبات وطبقات الأرض والحكمية الطبيعية والكيمياء تأليف فوزي بك العظم وسليم أفندي هاشم من أدباء دمشق وقد حلياه باثنين وثمانين شكلاً وبسطا عبارته بسطاً لا يعلو عن مفهوم المبتدئ فلنشكرهما عَلَى عنايتهما ونرجو لهما التوفيق إلى إكمال هذه السلسلة النافعة لطلاب المدارس ولاسيما الأهلية. رسائل مختلفة (أمثال الشرق والغرب) ليوسف أفندي توما البستاني اختيارات شيخ الإسلام ابت تيمية جمعها تلميذه ابن قيم الجوزية طبعت بمطابع روضة الشام رسالة في مسائل الإسلام داود الظاهري جمعها الشيخ محمد الشطي المتوفى سنة ١٣١٧ طبعت بمطبعة روضة الشام. ديوان تذكر الغافل عن استحضار المآكل لمحمد أفندي الخالد جلبي الحمصي جعل ريعه إعانة لبناء مدرسة الاتحاد الوطني بحمص. طبع بمطبعة حماة سنة ١٣٣٠ . كتاب الجرح والتعديل للشيخ جمال الدين القاسمي نشر في مجلة المنار بمصر. كتاب العمل بالإصطرلاب لعلي بن عيسى المنجم من أصحاب الهيئة في القرن الرابع للهجرة عني بنشره في المشرق الأب لويس شيخو اليسوعي طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩١٣ . رسالة الخط الجديد ومنافعه وهو دعوة إلى كتابة الحروف منفصلة طبع عَلَى نفقة جمعية إصلاح الحروف ونشر المعارف في الآستانة سنة ١٣٣٠ . أخبار وأفكار البشر والهجرة يكاد يكون ف درجة الثبوت أن البشر نما عددهم منذ عرف التاريخ عَلَى الرغم مما ننالهم من الطوارئ التي ذكرها التاريخ من الحروب والأوبئة أو الأسباب الأخرى التي تفقر النمو وتقال التناسل ومع هذا كان التناسل كثيراً في أوربا منذ بضعة قرون وإن كان يكثر موت الأولاد في الطفولية أكثر من اليوم وتلتهم الأديار جانباً من الرجال والنساء يتعطلون عَلَى التناسل وليس ترك الأرياف والقرى ونزول المدن مقصوراً عَلَى بلد خاص أو صقع معيّن بل هو ظاهر في مكل مكان من البلاد الأوربية القديمة مثل سويسرا وألمانيا وفرنسا وإنكلترا ونروج والبلجيك وهولاندة ظهوره في البلاد التي أخذ سكانها بالنمو مقل الولايات المتحدة وكندا وأوستراليا فترك الأرياف عام يشترك فيه جميع السلتيون: كاللاتين والسلافيون والروس والبلقانيين والسكسونيين كالإنكليز ولا يظهر أن للأوضاع السياسية والاجتماعية دخلاً فيه وما من حكومة من الحكومات خالية منه حتى أن طريقة تقسيم الأملاك لا تمسك الإنسان في الحقول وليس في قوانين المواريث ما يظهر أنه أسمى من غيره فقد أخضعت لسلطان الهجرة حتى البلدان المتماسكة الأجزاء مثل فرنسا وإنكلترا والمجر وروسيا والولايات المتحدة وأوستراليا والأرجنتين فإن أصقاعاً كبيرة استعمرت منذ زمن طويل في الولايات المتحدة ولاسيما ولايات إنكلترا الجديدة قد خضعت لهذا النظام فترك أهلها قراهم لينزلوا الحواضر يسكنونها فنمت بذلك المدن نمواً هائلاً بالنسبة لمجموع البلاد فقد سكن مدينة بونس أيرس عاصمة الجمهورية الفضية مليوناً وثلثمائة ألف في حين بلغ سكان جميع هذه البلاد ستة ملايين نسمة تدخل فيها العاصمة ومساحة أراضي الأرجنتين خمسة أضعاف مساحة فرنسا وهكذا تجد النمو بادياً في مدن الولايات المتحدة كنيويرك وشيكاغو وفيلادلفيا وسان لوي وسنسيناتي وبوسطن وسان فرنسيسكو وستل وأورليان الجديدة كما هو بادٍ في ملبورن وسدني من عواصم أوستراليا. هذا ما قاله أحد الاقتصاديين في جريدة الاقتصاد وعقب عليه بقوله تحمل رؤوس أموال كثيرة من العالم القديم أي من أوربا تستثمر في العالم الجديد فالمليون من الفرنكات يستثمر في أرض فرنسا فيعود بربح سنوي يختلف بين ثلثمائة أو مائتي ألف فرنك إذا حسبنا جميع الأيدي التي تتناوله فتربح منه عَلَى حين لو جرت تنمية هذا المليون في البلاد الأجنبية لا تعود من ال فائدة بأكثر من ٤٠ إلى ٤٥ ألف فرنك. إن من يهاجر إلى القاصية كمن يتركون قراهم ليستوطنوا المدن المجاورة ليبحثوا عن رفاهية أسمى مما تمتعوا به ويظنون بأنهم يحققون أمانيهم في النجاح بانتقالهم إلى محيط يصرفون فيه قولهم بما يعود عليهم بالنفع أكثر. ومعنى ذلك يدور عَلَى البحث عن أجرة أكثر وهذا هو الباعث الأول عَلَى هذه النقلة بل الباعث الوحيد فالأجور هي العامل الوحيد الذي يدعو الناس إلى التنقل في عصرنا ما أحب الهواء الجيد والحياة الاجتماعية ولطف الأخلاق وسلاسة العمل فليس لها محل من الإعراب في جملة هذه الحال. ترى العامل في الولايات المتحدة وأوستراليا ينتقل من المدن ال القرى وبالعكس لأن الأجور واحدة في الزراعة والصناعة وكلها رابحة والقاعدة العامة في ذلك أن المدن والقرى تمسك السكان متى كانت أجورهم مضمونة وحالتهم مأمونة فقد قل المهاجرون من ألمانيا منذ كثرت صناعتها ونمت بحريتها وتجارتها ويقل المهاجرون من المجر وروسيا وإيطاليا متى حسنت الزراعة فيها وانتظمت أسباب التملك وجوّدت الأسباب الاقتصادية أي الأجور فإذا كانت البلاد الجديدة تستميل إليها المهاجرين بمئات الألوف بل الملايين فذلك لأنها توزع أجوراً عالية وأور با وإنكلترا وفرنسا وإسبانيا وإيطاليا وروسيا والمجر تبقي اليد العاملة في الحقول إذا ارتفع سعر الأجور الزراعية وذلك لا يكون إلا بتنويع الزراعة وتكثير المحاصيل والمواشي وتكثير الإيراد ولو قلت أسعار الحاصلات. إن هولاندة التي تعتبر مجموعها أرضاً فقيرة لأن في استثمارها صعوبة كثر سكانها اليوم كثرة زائد بفضل عملهم بحيث يحق عَلَى الهولانديين ما قاله فرنكلين بالقرب من رغيف الخبز يولد رجل والمرء كلما دفعته الحاجة يحسن الاحتيال عَلَى المعاش وأميركا وأستراليا إلى اليوم لم تستثمر من أرضها خيراتها كلها بل إن خصبها هو المساعد فقط عَلَى العكس في غربي أوربا فإن العمل هو الذي يستثمرها وبعد فإن المجتمعات لا تتحرك بالنظريات بل بالعمليات وكل نظرية تخالف المصالح الخاصة المبنية عَلَى العدل لا يتأتى أن تجري في العمل إلا إذا جعلت هذه المصالح قيد النظر. غلاء المعيشة ذكرت إحدى الصحف الإفرنجية أن غلاء المعيشة ابتدأ سنة ١٨٩٥ فلم يلبث في السنين الأخيرة أن صار فاحشاً جلب نظر رجال الحكومات والاقتصاديين وأحدث في جميع الأمم الصناعية قلقاً بين العملة عَلَى حين أن غلاء النقود أحدث اضطرابات شديدة في مصالح التجار المالية فزادت السعار في إنكلترا وألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة وكندا وربما كان الغلاء في هذه المالك أكثر مما هو في بريطانيا العظمى وهذا ناشئ من زيادة الرسوم الجمركية عَلَى المصنوعات والغلات فالواجب إذاً أن نعرف أسباب هذا الارتفاع في الأسعار. فقد نظر رجال السياسة والتجار والاقتصاديون بما بدا لهم من ظواهر هذه المسألة فاقنعوا بأن السبب الوحيد هو زيادة محصول الذهب وهذا السبب قد يمكن قبوله لأن الذهب زاد محصوله زيادة هائلة من ذ سنة ١٨٩٠ في مناجم الترنسفال خاصة فصعد المستخرج منه في عشرين سنة من ٨٢ . ٥٨٩ . ٠٠٠ جنيه إلى ١١٣ . ٠٠٠ . ٠٠٠ جنيه سنة ١٩٠٠ ومع هذا فالواجب أن ننظر بأن معظم الذهب لا يتداول نقوداً بل يدخل في الصناعات وقد استغرقت منه في السنين الأخيرة كل من الهند ومصر واليابان وأميركا الجنوبية والمكسيك كمية وافرة. وقد ادخرت فرنسا وألمانيا والولايات المتحدة كميات وافرة من الذهب احتياطاً ومع هذا فإن النقود بدل من أن تعتدل أسعارها ارتفعت عَلَى الرغم من كثرة الذهب فغلاء السعار ينسب إلى نمو طريقة الكريدتيو فإن الموارد الاقتصادية في بلد وأراضيها الخصبة وبواخرها ومعاملها وأدواتها ومادتها وأموالها أي مجموعة ثروتها هي أساس الكريدتيو التي ينظر إليها أرباب المصارف والماليون لا وفرة الذهب وكثرة محصوله. وإنا إذا أليقنا النزر عَلَى ماضي أعمال العالم خلال الخمسة عشرة سنة الأخيرة نرى أنه حدث مع التوفر عَلَى الاستزادة من محصول الذهب عناية فائقة في المشاريع الاقتصادية النافعة وكثرت أنواعها في البلاد كلها. وأخذت البرازيل والأرجنتين وسائر ممالك أميركا كثيراً من رؤوس الأموال الأوربية وكان من الثروات الطبيعية في غربي كندا والهبة التي هبت في صناعة الولايات المتحدة ونهضة الصناعة اليابانية وكل ما كان من النهضات عَلَى هذا النحو. وقد جاء ذلك في آن واحد مع نمو محصول الذهب. ولا تنس تأثير الموارد الجديدة في حركة التجارة عامة وكان أول نتيجة لما تم قلة رأس المال في المسائل الداخلية وغلاء أسعار الفائض وهذا هو العامل الأكبر الذي اثر في التجارة ثم أن بعض الحوادث قد قدرت كثيراً من الحاصلات الصناعية في العالم وقلت عدد العاملين وذلك مثل حرب الترنسفال ومنشوريا وما اقتضى لهما من النفقات العسكرية في العالم بأسره. فبواسطة التجنيد حيل ملايين من العاملين وبين أعمالهم واشتغل من جهة ثانية ملايين من أرباب الصنائع في إعداد العدد الحربية فنتج من ذلك غلاء الأسعار. وإذا اعتبرنا سرعة ارتقاء الصناعات الزراعية نشهد أن جزءاً عظيماً من ريع البلاد الغية يصرف في الرفاهية والتبرج ثمن أدوات الزينة مما يؤَثر في أسعار المحاصيل بوجع عام ثم أن إقراض الأموال للبلاد الأجنبية قد زاد العملة التي تعمل بأيديها في أميركا الشمالية والجنوبية فانتهى بهجرة الناس من أوربا بكثرة زائدة. ولكن التعديل سيجري بين العرض والطلب ولا مناص من تعديل الأسعار عندما ترتقي الزراعة وموارد المناجم في الأصقاع الجديدة فتكر بذلك المآكل والمواد الأولية التي تزيد عن معدل الذهب المضروب نقوداً تتداوله الأيدي. السود والأميون في أميركا أثبت الإحصاء الأخير في الولايات المتحدة مسألة من أهم ما عرف في أمر الزنوج وارتقائهم في التربية فإن زنوج الجنوب لم يصلوا في دور من أدوار تاريخهم إلى مثل درجتهم اليوم في القراء والكتابة فزاد عدد المتعلمين منهم في العشر سنين الأخيرة زيادة كلية. لما قام إبراهيم لنكلن وحرر العبيد منذ ٤٩ سنة كان عدد غير الأميين في الزنوج ٣ أو ٤ في المئة فأصبح عدد القارئين والكاتبين اليوم ٧٠ في المئة وكان عدد الأميين من الزنوج سنة ١٩٠٠ ٤٤ في المئة فأصبح اليوم ٣٠ وهذا الارتقاء يزيد كثيراً عن تقدم البيض في أميركا لأن معدل قلة الأميين في البيض ٦ و ١ في المئة في حين كان في الزنوج ١٤ في المئة. وقد كان معدل المتعلمين من الزنوج في الولايات المتحدة التي لا يلقون فيها مقاومة أقل من معدلهم في الولايات التي يصادفون فيها أنواع التسهيلات فاستدل الباحثون بأن الضغط عَلَى الزنجي يعلمه وحرمانه من التمدن هو من أعظم الدواعي لإقباله عليه وقد رأوا فروقاً عظيمة في نفقات مدارس الزنوج ومدارس البيض وأجور الأساتذة وعددهم والتعليم الذي يرغب فيه الزنوج هو الابتدائي أما الثانوي فقليل من يقبل علي منهم، وعلى قلة العناية في مدارس الزنوج في القرى من حيث النظافة والصحة فإن قسماً كبيراً منهم يرغب في إتقان الزراعة والصنائع اليدوية وفن الطبخ والخياطة وقد جعلوا التعليم عندهم من الدين عَلَى نحو ما ينظر إليه عند الإسرائيليين فترى الكنيسة والمدرسة في كل مكان جنباً إلى جنب وفيها يتعلم الزنجي ويرتقي وهم أنفسهم يبذلون لتعليم أولادهم الأموال الطائلة وقد أنفقوا في هذا السبيل منذ وقع تحريرهم ٣٠ مليار دولار، ولذا أصبح في الغرب عدد الاجتماعيين والاقتصاديين لا يقولون بأن للجنس تأثيراً في المرء بل أن للتربية المقام الأول وإذا أريد الانتفاع بالزنجي حقيقة فمن اللازم تربيته والقيام بما يتمم له حاجياته في الحياة. حالة العثمانية الاقتصادية كتب أحد مراسلي الصحف في العاصمة العثمانية مقالة شرح فيها مركز العثمانية الاقتصادي مستنداً عَلَى أحدث التقاويم قال: السكان والمساحة: إن مجموع مساحة العثمانية مليون و ١٥٠ ألف ميل مربع منها ٦٥ ألفاً مساحة العثمانية في أوربا و ٦٨٠ ألفاً مساحة العثمانية في آسيا و ٤٠٥ آلاف مساحة العثمانية في أفريقية أما عدد سكانها فيبلغ في بعض التقاويم ٣٠ مليوناً وفي غيرها ولعله الأصح ٢٥ مليوناً يتوزعون هكذا نحو ٦ ملايين في أوربا و ١٧ مليوناً في آسيا ومليون ونصف في أفريقية. الأراضي الزراعية. أما الأراضي المزروعة من هذه البلاد الواسعة فبلغت (حسب التقويم الرسمي المطبوع سنة ١٩٠٨ ) ٥٣٤٤ ميلاً مربعاً في أوربا أي أكثر قليلاً من ٨ في المئة من مجموع مساحة العثمانية في أوربا وإليك بيان ما في كل ولاية منها بالأميال المربعة. أدرنة ١٦٩٠ قوصوة ١٣٤٧ الآستانة ٠٠١٤ سلانيك ٩٥٩ يانيا ٠٣٩٩ مناستر ٠٨٠٣ شتلجة ١٣٢ جتاجه ٠١٣٢ والمجموع ٥٣٤٤ والقسم الكبر من هذه الأراضي مختص بزراعة الحبوب وهو يبلغ ٤٧٠٥ أميال مربعة أي ٨٨ من المئة من المجموع. أما مساحة الأراضي الزراعية في الأملاك العثمانية في آسيا فتبلغ ٢٧٠٢٧ ميلاً مربعاً أي ٤ في المئة من مجوع مساحتها و ٨٥ في المئة من هذه الأراضي الزراعية مختص بزراعة الحبوب ومساحة الأراضي الزراعية في عثمانية أفريقية ٦٩٠ ميلاً مربعاً فقط أي نحو سدس في المئة من مجوع مساحتها و ٩٨ في المئة منها لزراعة الحبوب. الصادرات والواردات. اعتمد كاتب هذه المقالة في تبان صادرات الدولة ووارداتها عَلَى تقرير حديث أصدرته الحكومة في بيان مركز الدولة العثمانية التجاري حتى ٣١ آذار سنة ١٩١١ فبلغ فيه مجوع الواردات التي يؤخذ منها رسوم كمركية ٣٥ . ٥٠٩ . ٥٠٩ ليرات والواردات التي لا يؤخذ عنها رسوم (كالتي تختص بالسفراء والقناصل والمعاهد الدينية والعلمية والأدوات الزراعية الحديثة وغيرها) ٢١٥٠٦٤٨ ليرة وبلغت واردات التنباك والدخان ١١٤٧٥٧ ليرة. أما الصادرات من العثمانية من البضائع ذات الرسوم فبلغت ٩ . ٤١٤ . ٠٦٨ ليرة ومن البضائع التي لا رسوم عليها ١٢٥٤٩٦ ليرة ومن الخمر والملح المسلمة لإدارة الديون العمومية ١٦٧٧٤٨ ليرة ومن الدخان السلم لشركة حصر الدخان ٢٧٦٦٨٧٦ ليرة ومجوع الصادرات كلها ٢٢٤٧٤١٨٨ ليرة. وفي الجدول الآتي تفصيل هذه الصادرات والواردات ذات الرسوم حسب المراكز الكمركية الرئيسة. صادرات واردات المراكز الكمركية ٤١٩٣٩٦٠٢٢٨٦٨٩ الآستانة وملحقاته ١٤٥٣٨٥٣٠٤٦٢٧٣٤٥ سلانيك ٠٦٠٩٦٦٢٩١٩٣٢٣٠٩ دده أغاج ٠٠٠٥٨٥٦٠٠٨٢٣٢٦٧ بروزة ٦١١٨٤٤٨٠٤٧٢١٨٤١ إزمير ١٣٩٥٨٧٣١١٤٥٥١٤ الإسكندرونة ١٨٧٦٥٦٦٠٤٩٦١٦٠٣ بيروت ٠٩٣٠٩٣٦٠١٩٤٦٥٢٧ بغداد ١٦١٠٤٣٤٠٢٢٢٧١٨٥ طرابزون ٠٣٧٣٩٩٩٠٠٥٨٧٤٨٠ طرابلس الغرب ١٣٠١٥٨٠٠٠٤٨٢٥٦٦ الحديدة ٠٠٤٢٩٠١٠٠٦٦٦٢٨٢ جدة ١٩٤٦٤٠٦٨٣٠٥ . ٦٥٠٨ المجموع السكك الحديدة: وهذا بيان السكك الحديدية الممتدة في أنحاء الدولة في أوربا وآسيا. ( ١ ) في أوربا كيلومتر الآستانة - مصطفى باشا ٣٥٩ أدرنة - دده اغاج ١٤٩ بابا إسكي - قرق كليسا ٠٤٥ سلانيك - أسكوب ٢٤٣ . ٠٩٠ أسكوب - مترويجة ١١٩ . ٠٨٠٠ = زيبفتشه ٠٨٥ . ١٠٩ = الآستانة ٥١٠ . ٥٨٩ المجموع في أوربا ١٧٣٠ . ٤٥٤ (في آسيا) حيدر باشا - أزميد ٠٩ . ١٥٠ أزميد - أنقرة ٤٨٥ . ٥٦١ إسكي شهر - قونية ٤٤٥ . ٤٤٣ قونية - أركلي بورغدو ٢٠٠ بورغدو وحلب (تحت البناء) ٨٠٠ فرعان صغيران ٠١٤ أزميرـ قصبة وتمديداتها ١٦٩ مغنيسيا - صوما ٠٩٢ الأشهر أفيون قره حصار ٣٥٢ . ٦١٦ صوما - باندرما (تحت البناء) ١٩٠ أزمير - آيدين وتمديداتها ٥٣٣ . ٩٠٣ بيروت - دمشق ١٤٩ . ٢٠٤ دمشق - حوران ١٠٠ رياق - حلب ٣٣١ حمص - طرابلس ١٠٤ مرسين طرسوس أطنه ٠٦٧ يافا القدس وتمديداتها ٠٨٧ مودانية بروسة ٠٤٢ دمشق - المدينة ١٠٣٢ = حيفا ١٦٣ المجموع في آسيا ٥٦٥٨ . ٨٨٧ الأموال الأجنبية في الممالك العثمانية نشرت مجلة الشرق الأدنى بياناً للأموال الأجنبية المستعملة في بلاد الدولة العثمانية يظهر منه أن هذه الأموال تبلغ نحو مائة مليون جنيه أكثرها للفرنسويين والألمانيين والإنكليز كما ترى في الجداول التالية. القسم الأول سكك الحديد للإنكليز منها السكة بين إزمير وآيدين ورأس مالها ٤٥٨٧٧٤٧ جنيهاً للألمانسكة الأناضول== ١١٨٠٠٠٠٠ جنيه ==بغداد== ٧٠٨٠٠٠٠ = ==سلانيك مانستر== ٣٢٠٠٠٠٠ = ==مرسين طرسوس آيدين== ٤١٥٥٠٠ = والمجموع ٢٢٤٩٥٥٠٠ للفرنسويين سكة يافا والقدس ٩٦٠٠٠ ==مودانيا بورسة ١٥٣٠٠٠ ==سلانيك والقسطنطينية ٦٨٠٠٠٠٠ ==إزمير وقصبة ٥٧٠٢٤٠٠ ٩٢٨٩٣٤٠ للنمسويين سكة الحديد الشرقية ٢٠٠٠٠٠٠ بنك سكة الحديد الشرقية ٣٥٠٠٠٠٠ سندات سكة الحديد الشرقية وذات النصيب ١٥٦٣٢٥٤٠ والمجوع الكلي ٦٧٥٥٥١٢٧ القسم الثاني سكة الترامواي وما أشبهها. شركة سكة الترامواي في الآستانة ٦١٨١٨٠ = الترامواي الكهربائي في سلانيك ٢٤٠٠٠٠ = ترامواي دمشق والنور الكهربائي ٢٤٠٠٠٠ ==بيروت== ٣٣٦٠٠٠ ==إزمير== ٢٢٧٢٠ شركة سكة النفق التونيل من غلطة إلى بك أوغلي ٢٥٠٠٠٠ ١٧٣٤١٧٢ القسم الثالث شركات البواخر. شركة البواخر الخيرية ١٨١٨١٨ = الرفاصاتورؤساء المينا ٠٤٠٠٠٠ = بواخر قرن الذهب ٠٩٠٩٠٩ = بواخر إزمير ٠٤٥٤٥٤ ١٧١٨٥٣ القسم الرابع المرافئ والأرصفة. شركة رصيف الآستانة ١٦٥٣٠٠٠ = مرفأ بيروت ٠٥٤٠٠٠٠ = رصيف إزمير ٠٤٤٠٠٠٠ = مرفأ سلانيك ٠٥٢٠٠٠٠ = رصيف سافز ٠٢٥٠٠٠٠ = مرفأ حيدر باشا ٠٦٤٠٠٠٠ ٤٠٢٥٠٠٠ القسم الخامس شركات الماء والغاز والكهربائية. شركة مياه الآستانة (تركوس) ٢٨٠٠٠٠ ==بيروت ٣٦٠٠٠٠ ==إزمير ٢٧٠٠٠٠ ==إسكدار وقاضي كوي ٠٦٧١٨٠ ==سلانيك ٣٨٠٠٠٠ ==غاز الآستانة ٢٣٠٠٠٠ ==إسكدار ١٦٨٨٦٠ ==بيروت ٢٥٨٠٠٠ ==إزمير ١٢٥٠٠٠ = الكهربائية بسلانيك وإزمير ١٠٠٠٠٠ ٢٢٤٠٠٤٠ القسم السادس المصارف. المصرف السلطاني العثماني ١٠٠٠٠٠٠٠ المصرف العثماني الأهلي ١٠٠٠٠٠٠ مصرف سلانيك ٨٠٠٠٠٠ المصرف الألماني الشرقي ١٦٠٠٠٠٠ مصرف فلسطين الألماني ٢٥٠٠٠٠ مصرف العثمانية التجاري الصناعي ٥٠٠٠٠٠ الشركة التجارية الشرقية ١٢٠٠٠٠ مصرف مدللى ٣١٨١٨٠ شركة بنك الأنجلو لفتين ١٠٠٠٠٠ شركة الأنجلو فلسطين ١٠٠٠٠٠ ١٤٧٨٨١٨٠ القسم السابع شركات المعادن شركة بالياقرادين المعدنية ١٦٤٠٠٠ = كسندر المعدنية ١٨٠٠٠٠ = هرقلية للفحم الحجري ١٢٥٩٧٢ = قراسون للتعدين ٢٠٠٠٠٠ = سلنتزيا ٣٢٠٠٠٠ = البورق ٢٧٠٠٠٠ ٢١٨٥٧٢٠ القسم الثامن شركات التبغ والتقطير. شركة الرجي ١٦٠٠٠٠٠ = التنباك ٧٠٠٠٠٠ = التبع الشرقي الجارية ٢٥٠٠٠٠ = سلانيك التجارية ٢٠٠٠٠٠ = بومنثي للتقطير ١٦٠٠٠٠ ٢٩١٠٠٠٠ القسم التاسع شركة التأمين العثمانية ٤٦٠٠٠٠ شركات أخرى صناعية وتجارية الخ ٢٨٧٠٠٠ وبناء عَلَى ذلك يكون مجموع هذه الأموال كلها ٩٩٠٨٦٤٢٠ جنيهاً وهاك خلاصتها. القسم الأول سكك الحديد رأس مالها ٣٧٥٠٥١٢٧ جنيهاً إنكليزياً = الثاني الترامواي والأمتيبوس ١٧٣٤١٧٢ = = الثالث شركات الملاحة ٣٥٨١٨١ = = الرابع شركات المرافئ والأرصفة ٤٠٢٥٠٠٠ = = الخامس شركات الغاز والماء والكهربائية ٢٢٤٠٠٤٠ = = السادس المصارف ١٤٧٨٨١٨٠ = = السابع شركات التعدين ٢١٨٥٧٢٠ = = الثامن شركات الدخان والاستقطار ٢٩١٠٠٠٠ = = التاسع شركات التأمين ٤٦٠٠٠٠ = = شركات مختلفة ٢٨٧٠٠٠٠ = وليس للإنكليز في هذه الشركات كلها إلا ١٠٥١٥٤٩٧ ليرة أي أقل من عشرين مليون ليرة والباقي للفرنسويين والألمانيين والنمساويين. أندية العراق ١ ً نظرة في نهضة العراقيين الحديثة. عصور خلت، وأدوار مضت عَلَى هذا القطر النكد الحظ، وهو يتقلب عَلَى الجمر من شدة ما أصابه في الأزمنة الأخيرة من الصدمات ونزل به من الكوارث والبلايا، وناله من المصائب والرزايا، بعد أن تقلص ظل الخلافة العباسية، فانهارت دعائم تلك البنايات الشامخة، واندركت تلك الصروح الشاهقة، وتزلزلت أركان ذلك العرض الفخم، وانقلب بصاحبه إلى الحضيض الأسفل، فغدت البلاد تندب رجالها، والعروش أصحابها، والمدارس طلابها، حتى خلت الديار من كل معهد علمي، وأقفرت الربوع من كل أثر صناعي، ولولا أن تواريخ تخبرنا بمدنيتهم البائدة، وآثارها نرها كل يوم بأعيننا تنطق بعظمتهم، وضخامة ملكهم، وخطورة حضارتهم، فتذكرنا بعزنا الدابر، ومجدنا الغابر، لانقطع حبل الأمل من كل نهوض، وبات الباحثون يجزمون بأن استرجاع ذلك المجد الأثيل، ضرب من الأماني والغرور. وبعد فإن العراق لم يقصر في مجاراة الأمم الحية التي أخذت تحارب الجهل بما في وسعها، وتندفع اندفاعاً عظيماً إلى الوصول إلى الدرجة المطلوبة من المدنية والعمران، لو لم يحل بينه وبين ما يتمناه استبداد المستبدين، وظلم الظالمين الذين اخذوا عَلَى عاتقهم محاربة الأمة وبخسها حقها، واحتجان مرافقها، ووضع العقبات الكؤود في طريقها وسيرها نحو العمران والرقي ولاسيما في العراق من الرجال العظام من شهدت بفضلهم، وغزارة علمهم كبار الأمم. ٢ ً آثار النهضة وبوارقها. في العراق اليوم نهضة أدبية اجتماعية تبشرنا بمستقبل زاهر، فقد ثبت لدى العراقيين أنه قد جاء اليوم الذي تظهر فيه مقدرة الأمم، وحياة الشعوب والوقت الذي يجب أن ينبذ فيه أولو الغايات من كل ملة غاياتهم، وينزع فيه الأولياء إلى إيثار المصلحة العامة، ويتحرك فيه الجامدون ليعلم إنهم أحياء، والحياة اليوم مضمونة بالاجتماع والاجتماع إنما يتم بالتعاضد عَلَى جلب الخير، ودفع الضير، ومما يستدل عَلَى وجود تلك النهضة اندفاع الجماعات من الطبقة المنورة من كل ملة ونحلة إلى تأسيس أندية أدبية، وتأليف جمعيات علمية، تضم شتاتهم، وتجمع متفرقهم، وتقرب بعضهم من بعض، وتبث المبادئ القويمة، والتربية الصحيحة بين الناشئة الحديثة بأن تجرد الأمة منها سيوفاً صقيلة تقارع بها أعداءها وتفتخر بها إذا فاخرت كل أمة بناشئتها، ويرجع تاريخ هذه النهضة الأدبية، والعلمية معاً إلى أوائل الدستور وها نحن ذاكرون ما في بغداد وما يجاورها من المواطن والربوع من أندية العلم والسياسة شارحين للقراء ما يهمهم من تاريخ تأسيسها وعدد أعضائها، ومكانتها بين القوم وما ظهر لها من الاثار. ٣ ً نادي الاتحاد والترقي. ليس من يجهل تاريخ هذه الجمعية التي حارب رجالها الحقيقيون سلطة عبد الحميد فصبروا عَلَى الضيم، وعرضوا بنفوسهم للهلاك وأملاكهم وثروتهم للنهب والسلب ففارقوا أوطانهم عَلَى أكتنفتهم سماؤها، وجمعتهم أرضها هرباً من سلطان المستبدين ووطأة سلطته عليهم، ومع ما كانوا عليه في ديار الغربة من قلة الأنصار وضيق أيديهم لم ييأسوا من تخليص هذه الأمة من تلك السلطة الجائرة، ولم يلبثوا ردحاً من الزمن إلا واستمالوا عظام رجال الدولة إلى تأييد مبادئهم ونشر أفكارهم، وقد عظم أمرهم جلالة وازداد شأنهم خطورة بدخول كثير من الضباط وقادة الجيش في حزبهم، فتوصلوا بهؤلاء الرجال إلى استمالة الجيش كله وتنفيذ مقرراتهم، ولما تم الأمر لهم أعلنوا الدستور في ١٠ تموز سنة ١٩٠٨ في مناستر غير ملتفتين إلى معارضة عبد الحميد ورجاله، عند ذلك استبشرت الأمة وتلقت أفعالهم بارتياح وفرح لا مزيد عليهما فتأسست لهذه الجمعية أندية في كل ولاية ولواء بل في كل قضاء وناحية منذ ذلك التاريخ، وكان عدد أعضاء الاتحاد بادئ الأمر يناهز ألفي سنة كلهم من سادت البلاد وكبارها وعلمائها وأشرافها، ولكن هذا العدد يتناقص رويداً رويداً حتى لم يبق فيها إلا بعض أناس تمسكوا بمبادئهم، ولم يزل النادي مفتحة أبوابه إلا أن الترددين إليه قليلون ولما عاد أمرهم إلى النجاح عاد أغلب الذين كانوا قد تبرأوا منه. ٤ ً نادي الحرية والائتلاف. كانت قوة المعارضين في السنة الأولى والثانية من إعلان الدستور ضعيفة لا يعبأ بها، وذلك لشدة شغف الناس بالدستور، ومكانة ثقتهم برجال الاتحاد، ولما دخلت السنة الثالثة قويت شوكة المعارضين بما انضم إليهم من شبان العرب الأذكياء وقادة أفكارهم، وكان لهم في المجلس ما يناهز ٥٠ نائباً أكثرهم مبرزون في فنون الخطابة، ويتضلعون من علوم الاجتماع وانضم إليهم كثيرون من نواب العناصر غير المسلمة لاشتراك مصالحهم وارتباط مقاصدهم وألا وهو إعطاء العناصر حقوقها فأخذت فكرة المعارضة منذ ذلك الحين تنتشر انتشاراً رائعاً في معظم الأقطار العثمانية وكانت مقصورة عَلَى بعض شبان الأمة ممن رضعوا أفاويق العلم وتشربت قلوبهم بالمبادئ الحرة، ولكن ما لبث ذلك زمناً قصيراً إلا وعم سائر الطبقات، وشعرت الأمة بأسرها بضرورة تقوية المعارضين الذين انشأوا حزباً دعوه أولاً باسم الحزب الحر المعتدل ثم أطلقوا عليه ثانياً اسم حزب الحرية والائتلاف فتأسس لهذا الحزب المعارض نواد عظيمة فرعية في ربوع مختلفة منها نادٍ وأنشئ في البصرة برئاسة مبعوث البصرة ومقدام العرب السيد طالب بك النقيب وفي ألبانيا بعض ولايات الأناضول أقيمت الحفلات وأعلنت المسرات بتأسيس شعب له. وفي سنة ١٣٢٩ أسس فرع لحزب الحرية والائتلاف في بغداد فتهافت الأدباء عَلَى الانخراط فيه حتى دخله في أيام قلائل ما ينوف عَلَى ٣٠٠ نسمة كلهم من أرقى طبقات بغداد علماً وفضلاً. ومن مبادئ هذا الحزب، منح العناصر حقوقها المغصوبة وإعطاء كل ذي حقٍ حقه، وتوسيع مأذونية الولايات أي إعطاؤه اللامركزية فكل ولاية تتصرف بشؤونها وتعمل ما ينهض بها ويجعلها في مصارف البلاد الراقية بدون مراجعة الآستانة وبعبارة أخرى إدارة البلاد عَلَى النوع الذي كان عليه بلاد النمسا لتعدد عناصرها واختلاف شعوبها كالبلاد العثمانية، ومنها: تعين ولاة عارفين لغات أهل البلاد وإن لم يكونوا من أبنائها وجعل التدريس باللغة المحلية وغير ذلك من المبادئ الحقيقية وغير ذلك من المبادئِ المنيفة، مالو عمل بها منذ إعلان الدستور لكانت أوطاننا في مقدمة الأوطان. هذا ما لنا من الأندية السياسة أي اثنان فقط والآن ننتقل إلى تعديد الأندية العلمية فنقول: ١ ً النادي الوطني العلمي. وهو ناد علمي دأبه وراء ما ينهض بالعرب ويحكم عرى رابطتهم، ويقوي جامعتهم، ويضم شتاتهم ويجمع متفرقهم أسسه سنة ١٣٢٩ هـ ١٩١١ م جماعة من أرقى طبقات الأمة الإسلامية في العراق، وأكثرهم ممن درسوا في المعاهد العلمية الكبرى وجابوا البلاد العربية في الطول والعرض، ووقفوا عَلَى أسرار تقهقرها، وقد سنوا لهم نظاماً طبع سنة ١٣٣٠ في مطبعة الآداب ودنوا فيه مقاصدهم وغاياتهم وإليك ما جاء في المادة الثانية من ذلك النظام بنصه: مقاصد هذا النادي نشر العلم في أنحاء العراق بأحداث مكاتب وطنية مختلفة، وبث التربية القويمة بين الناشئة، ومعاونة المحتاجين عَلَى التحصيل وتسفير الطلاب المعوزين إلى دار السعادة وأوربا وتعيين أساتذة لتدريس اللغات الست: العربية والتركية والفارسية والإفرنسية والإنكليزية والألمانية وتعيين طبيب خاص لمعاينة المحاويج وإعطاؤهم الأدوية اللازمة مجاناً وتعيين واعظ من أجل العلماء لوعظ العامة وتعليمهم أحكام الدستور التي لا حياة لنا من بدونها ولفت أنظار الناشئة إلى المذكرات العلمية والمسامرات والمحاضرات الأدبية وتعليمهم فن الخطابة بالطرق الحديثة وحفظ أوقات الشبان من الألعاب الملهية وتوفير معلوماتهم وتوسيع مداركهم وتأليف لجنة حقوقية تدافع عن دعاوي البائسين المنقطعين وتأسيس جمعية لتعريب الكتب من جميع اللغات الحية، وإصدار مجلة علمية، تاريخية، أدبية، إلى آخر ما هنالك من المطالب السامية. وكان هذا النادي في أوائل نشأته مقصوراً عَلَى بعض أشياء تافهة كغرف القراءة وغيرها، ولما طرق أسماع السيد طالب بك النقيب خبر حاجة النادي إلى معاونته، قام وأمدهم بأموال وفيرة ساعدتهم عَلَى إبراز بعض مقرراتهم إلى حين الوجود، فافتتحوا مكتبة شائقة حوت نفائس الكتب العصرية، ومدرسة ليلية يدرس فيها مبادئ اللغة العربية والتركية والفرنساوية والإنكليزية، وهم الآن في سعي متواصل لإنشاء مدرسة باسم مدرسة المستنصرية إحياء لاسم ذلك المعهد العلمي الخطير الذي كان له القدح المعلى في تمدن العرب الفخم في القرون الخالية، وتلقى فيه الخطب العلمية والمحاضرات الأدبية. ٢ ً نادي اتحاد الشبيبة. هو ناد علمي أسسه شبان من منسوري الأفكار سنة ١٩١٠ م، وقد أمدنا أحدهم بما يجري فيه ويراد من تأسيسه لجهلنا ما هناك بالمطالب والمساعي قال: قصدنا من تأسيسه فك القيود والأغلال من أعناق أبناء طوائفنا التي طوقنا بها الإكليروس الذين احتسبوا مرافقنا وعبثوا بأوقافها. وقد لاقى أعضاء نادينا في سبيل ذلك صعوبات جمة وعقبات كادت تحول دون إتمام مقاصدنا وتحقيق أمانينا لولا همة أعضائنا الكبيرة ذلك كل صعب واجتازت كل ما وضع في طريقهم من العقبات ونحن الآن في تحمس شديد وسعي متواصل لإبراز أمانينا إلى عالم الوجود وقد ظهر من آثار غرفة قراءة ومكتبة مشحونة بنفائس الكتب قديمها وحديثها، ويا حبذا لو عضدنا في مشاريعنا الخطيرة كبر القوم والمثرون منهم بمساعداتهم إيانا في الماديات والمعنويات، ويأخذون بأيدي القائمين بشؤونه فيحصلون في المستقبل القريب عَلَى فوائد جمة لم نخطر عَلَى فكر ولم تمر ببال اهـ. ٣ ً الاتحاد العثماني. جمعية إسرائيلية صهيونية مقصد أعضائها الوحيد شراء المزارع لسكنى الصهيونيين فيها وتتخذها مستعمرات كما هي الحال في سورية تأسست هذه الجمعية سنة ١٣٢٩ هـ ١٩١١ م وكان لهذه الجمعية جريدة تدعى التفكر صدر منها ثلاثة إعداد باللغتين العربية والتركية وكان محرر العربية فيها أحد شبان المسلمين وكان يظن في هذه الجمعية خيراً، حتى إذا أزيل الستار عن أعمالها ورأى منها ما يحقق أقوال الناقمين عليها اعتزل تحريرها فاحتجت الجريدة لذلك عن الصدور، حتى عن معظم شبان الإسرائيليين الصادقين بوطنيتهم أبوا الدخول فيها وعرقلوا مساعيها، ومن آثار هذه الجمعية أنها افتتحت مدرسة ليلية تدرس فيها اللغات الأجنبية، أما اليوم فهي مقصورة عَلَى ٢٠ عضواً من الإسرائيليين الذين يودون استعمار البلاد بإخوانهم واستلاب أملاك وطنيتهم. ٤ ً نادي الترقي الجعفري العثماني. وهو ناد علمي أدبي أسسه كبار الجعفرية وأعاظمهم في بغداد سنة ١٣٢٥ هـ و ١٩٠٨ م. وذلك لما رأوا ناشئتهم الحديثة معرضة لسباع مفترسة من الجهل أنشاوا هذا النادي الفخم لإصلاح شؤون فرقتهم ومسابقة غيرها من الفرق في الحضارة والعلوم والآداب ومما يسر له أنه نجح نجاحاً باهراً وذلك بما بذله أرباب الغيرة من الأموال الوفيرة. ومن آثاره أنه افتتح مدرسة كانت قبل أربع سنوات ابتدائية يدرس فيها أكثر العلوم الحديثة باللغة العربية، وأما اليوم فقد أصبحت بفضل النابغين من الجعفريين إعدادية وفيها من التلامذة ما يناهز ٤٠٠ طالب كلهم من أبناء العرب، والأمل وطيد بأن سيكون لها شان عظيم فتسترد العربية عَلَى يدها مجدها القديم، والنادي هو اليوم عبارة عن لجنة إدارية تدير شؤون المدرسة وتراقب أعمالها أساتذتها. ٥ ً المحفل الكاثوليكي. هو أول محفل وطني أسس في بغداد وكان إنشاؤه سنة ١٣٠٦ هـ و ١٨٨٩ م وكان مقصوراً عَلَى إلقاء الخطب العلمية والأدبية والاجتماعية وكان أعضاؤه من سراة الكاثوليك في بغداد. وكان يصدر تقويماً يدون فيه خلاصة أعماله وعدد أعضائه وأسماء المتبرعين له وذكر عناوين الخطب وموضوعات المحاضرات التي ألقيت فيه وقد صدر منه ثلاثة أعداد لثلاث سنوات وهي سنة ١٨٨٩ و ١٨٩٠ و ١٨٩١ هذا عدا ما أحواه من الفوائد الجمة والنبذ الجغرافية والتاريخية المفيدة، ولا يزال هذا المحفل حياً له اليد الطولى في نهضة شبان النصارى الحديثة وعدد أعضائه يناهزون ٦٠ شاباً كلهم من أفاضل الطائفة الكاثوليكية وأذكاهم وأطلعهم عَلَى اللغات الإفرنجية والوطنية. ٦ ً النادي البغدادي. تأسس هذا النادي سنة ١٩١٢ ومقاصده عَلَى ما جاء في الفصل الأول من أسماء برامجه في سنة تأسيسه: السعي وراء تنظيم المجتمع العراقي وتعويد استماع سماع المسامرات وحضور المباحثات الأدبية والتجارية والمتنزهات الصحية، وأعضاؤه كلهم من شبان الإسرائيليين ممن أخذوا العلم عن أساتذة أجانب في بغداد هذا إذا لم يكونوا قد ربوا في أحضان علماء الغرب ويشترط عَلَى من يدخل هذا النادي وبكون عضواً فيه أن يدفع رسماً قدره ست ليرات عثمانية سلفاً في السنة الأولى، وفيما بعدها يدفعها أربعة أقساط، ولهم اجتماعات خاصة بالأعضاء فلا يشرف عَلَى أعمالهم ومقرراتهم أحد. ٧ ً خلاصة البحث. ترى مما تقدم ذكره أن عدد أندية العلم والسياسة في بغداد ستة، منها اثنان سياسيان وهما النادي لاتحادي والنادي الائتلافي، وستة اندية علمية اثنان منها للمسلمين وهما النادي العلمي الوطني ونادي الترقي الجعفري العثماني، واثنان مسيحيان وهما اتحد الشبيبة والمحفل الكاثوليكي، واثنان إسرائيليان وهما الاتحاد العثماني والنادي البغدادي، كل كل ذلك كان في مدة أربع سنوات مع ما لاقته في خلالها من العقبات عَلَى أن هذا العدد وإن بكن قليلاً بالنسبة إلى عظمة بغداد وضخامتها فإنه سيتزايد إلى أضعافه بهمة الناشئة الحديثة التي نبذت التقاليد القديمة ظهرياً واستعدت للأيام وأهوالها، ولا ريب فإن شبيبة كالشبيبة البغدادية يجب عليها أن يظهر عَلَى بعدهها فوق ما يتصور مادام ذلك الدم العربي يجري في عروقها. بغداد // إبراهيم حلمي. أقدم اثر جاء في الإجيشان غازيتما تعريبه: أرسل الأستاذ ريزنر من علماء الآثار المصرية إلى مديري متحف الآثار السامية في هارفرد ومتحف الفنون الجميلة في بوسط بالولايات المتحدة الأميركية نتيجة أبحاثه في تنقيباته في الآثار المصرية العتيقة عند أبي الهول إذ قد اكتشف عدة اكتشافات مهمة ينتظر أن تساعد كثيراً عَلَى كشف أسرار المسائل التي طمستها مرور العصور والأجيال. فقد عثر الأستاذ (ريزنر) عَلَى معبد بجوار تمثال أبي الهول كان شيده قدماء المصريين لأجل عبادة الشمس وهو أقدم من كل الأهرامات إذ يرجع تاريخه إلى ما قبل ميلاد المسيح بـ ٦٠٠٠ عام فهو إذاً أعظم الآثار المصرية قدماً في التاريخ المصري بلا جدال. ومينا أو مينيس كما يلفظون اسمه في بعض الأحيان هو أول ملك مصري اكتشف علماء العصر الحالي بواسطة تمثاله المعلومات التاريخية الخاصة بالتاريخ المصري القديم وهو الذي اشتهر بادعائه الألوهية في عصره واشتهر أيضاً بأنه الواضع لشكل أبي الهول الحالي وقد وجد قبره في هذا المعبد. ويوجد في هذا نفق تحت الأرض يؤدي إلى كهوف لم يدخل إليها أحد الآن لأن أعمال التنقيب والحفر لم يبدأ بها إلا منذ ستة شهور فقط. إن أبا الهول في مكانه مصنوع حقيقة من صخر طبيعي لكن يوجد بجانبه كهوف ومباني مدينة من ذهب قد وصلت أعمال الحفريات للقاعة الأمامية للمعبد ويبغ مقدار اتساعها ٦٠ قدماً وطولاً في ١٤ قدماً عرضاً ومتصلة بدهاليز تؤدي إلى معبد الشمس الواقع عند مخالب أبي الهول وهذه الدهاليز بشكل متعرجات متقاطعة وقد وجدوا كميات عظيمة من الرموز وتماثيل الشمس بينها مقدار كبير مصنوع من الذهب وفي تلك التماثيل أسلاك متصلة بأجراس صغيرة كان يحركها ويدقها الكهنة ليستحضروا بها أرواح الموتى. وفي داخل أبي الهول وجد أيضاً أهرام صغيرة مع أن أبا الهول مصنوع من زمان طويل قبل بناء الأهرام الكبرى ومن رأي الأستاذ (ريزير) أن شكل الهرام في تلك الأيام كان عبارة عن ساعة شمسية ومن رأيه أيضاً أن أبا الهول كان رب الشمس وأهرام خيوبس المعروف الذي هو أكبر الأهرام الحالية وهو عبارة عن آلة توقيت وساعة دقيقة مضبوطة ليس إلا. ومن رأي هذا الأستاذ أيضاً أن القطر المصري اليوم كان عبارة عن مدينة كبرى عظيمة متسعة الأرجاء وقد اكتشف أطرافها أما ما في داخلها فربما لا يمكن اكتشافه بتة. ويرجو الأستاذ (ريزير) أن يكتشف ضمن تلك الآثار الثمينة أسرار الكهنة المصريين الذين كانت أعمالهم السحرية موضع الدهشة والعجب. وقد أشار الأستاذ إلى ما يجده في عمليات الحفر والتنقيب من الصعوبات والمتاعب غير العادية لأن العربان الذين يساعدوه في هذا العمل يرفضون قطعياً أن يرقدوا في قاعة المعبد ويقولون أنها تحوي الشياطين والجن فمن يرقد فيها يلقى حتفه. الزراعة وعبادة الطبيعة في الصين. مما لا مرية فيه أن الصين واليابان والشرق الأقصى هي البلاد الوحيدة التي تعبد فيها الطبيعة عَلَى اختلاف مظاهرها بل هم الشعب الوحيد في تكريم الزراعة وتعظيمها وعلى من أحب الإحاطة بهذا الموضوع أن يقرأ تاريخ الصين ليعلم ما يتجشم أبنائها من المشاق في خدمة تلك الأراضي القاحلة وبعدئذ يعرف مقدار الثروة التي يمكن المزارع أن يجنيها عند الاقتضاء من أرضه ولو كانت مجدبة قاحل ولا مشاحة بأن المعارف الزراعية متأخرة جداً في الصين وآلات الحرث لا تزال عَلَى حالها الأول من الانحطاط بيد أنهم يستعيضون عن جهلهم أحوال الزراعة وتأخر الموارد التي تسهل لهم النجاح بثبات قد لا يوجد له مثيل عند باقي الأمم. وليس في الصين بقعة من الأرض تصلح للزراعة ما لم تعمل فيها أيدي العمال والزراع وهي عَلَى اتساعها تعطي كلها موسمين في السنة وليس في الدنيا مملكة أراضيها كالصين ومفصولة بعضها بسياج عن الآخر وحفر صغيرة أو بجدران قليلة الارتفاع والسبب في ذلك أن كل صيني يمتلك أرضاً لذاته وكل منهم يريد أن يخدم الأرض التي ورثها عن آبائه وزرعها أجداده ولهذا فإن كل صيني لا يستأجر عاملاً لزراعة أراضيه. إن ملوك الصين أبناء ماء السماء قد أعاروا منذ القديم اهتمامهم للزراعة والفلاحة حتى أن الكثيرين منهم قد اشتهروا بهذا الأمر اشتهاراً عظيماً ولم يزل الأهالي حتى اليوم يعظمون ذكرهم ويقدسونهم. وفي كل سنة يرأس الإمبراطور حفلة عظيمة يقيمونها في عيد الطبيعة الذي يقع في اليوم الثالث والعشرين من الشهر القمري الثالث حساباً صينياً وهو يوافق أواخر شهر آذار وقد وضع هذا العيد أحد الملوك من سلالة هان الذين حكموا الصين قبل المسيح بألف ومئتي سنة وتقام هذه الحفلة في بكين عاصمة الصين بمظاهر فخمة. ويستعد الإمبراطور لهذه الحفلة بصوم ثلاثة أيام متوالية وفي اليوم المعين يذهب إلى هيكل الزراعة العظيم المشيد في وسط العاصمة ومن خلفه ما لا يعد من جماهير الأهالي ومن حوله أمراء الأسرة المالكة مرتدين أبهى ملابسهم الحريرية يتقدمه أربعون شيخاً من كبار المزارعين وأربعون شاباً لابسين ملابس غريبة مصنوعة من القش. والهيكل مبني وسط سهل فسيح وقد أقيم فيه أربعة مذابح لعبادة السماء والأرض والمشتري وشنبون وهو من أقدم ملوك الصينيين وأول من علم شعبه منافع الزراعة وأمرهم بتكريمها فيتقدم الإمبراطور نحو المذبح المخصص لعبادة السماء فيركع أمامه ثلاثاً ويضع عليه هدية من الأثمار ثم يدنو من محراث أصفر ذهبي اللون يربط به ثوران يذبحان بعد انتهاء الحفلة ويقدمان ضحية للسماء فيقبض عَلَى المحراث بيمينه وعلى السوط بيساره ويرسم في الأرض ثمانية خطوط وفي أثناء هذه الحفلة ينشد الكهنة صلاة مختصة بإكرام الطبيعة. ويحرق الثمانون فلاحاً الذين يحضرون هذه الحفلة أثمن البخور في مجامر ثمينة ويضعون من الحبوب التي تنتج في الأثلام التي حرثها الإمبراطور ورجال حاشيته وأقراصاً يتركونها مدة ثلاثة أشهر عَلَى المذبح المخصص لعبادة السماء. وهيكل الزراعة من أغرب بنايات بكين يعلقون عَلَى جدرانه أو يضعون عَلَى قواعد رخام فيها كل الآلات والأدوات والملابس التي يستعملها كل من اتخذ الفلاحة حرفة له ويضعون في الجهة اليمنى كثيراً من القبعات التي يلبسها الأهالي وأسواطاً منوعة ومكانس ومجارف وصناديق لحفظ الغلال ومذاري خشبية ذات ثلاث شعب يستعملها المزارعون لتذرية الأرز كل هذه الآلات يصبغونها باللون الأصفر وهو اللون المخصص للإمبراطور فلا يجوز لسواه من الأهالي استعماله. ويقيمون عَلَى قاعدة من الفلز بقرة عظيمة بطنها مبقور يظهر فيها عدة عجول خزفية وهي رمز للحيوان المقدس الذي يطوفون به باحتفال عظيم في بعض المدن الصينية إبان الحصاد. ويطره الصينيون السمن كرهاً عظيماً لأنهم يعتقدون أن البقر خلق لأجل أن ينتج ويشتغل لا للانتفاع بلبنه ويضعون إزاء آلات العمل العامة التي تعرض في قاعة خاصة كل أشكال الاختراعات القديمة والحديثة المختصة بالزراعة وناعورة لم تزل مستعملة في أراضي كان شي كيان الواسعة ودولاباً ليس فيه مسمار ولم تدخله قطعة من الحديد بل مصنوع من الخشب وجرناً حجرياً موضوعاً في طرفه مدقة يحركها رجلان وفي الجهة الأخرى آلتان للحرث والزرع وفي مؤخر هذه العلبة تنتهي بثلاثة أنابين خيزران تتساقط منها الحبوب ويفرزون محلاً خاصاً لمجرفة فضية يقدمون لها أعظم الإكرام لأن المجرفة لم تزل الآلة الزراعية التي يفاخر فيها الفلاح الصيني. الأموال المنقولة رفع العالم الاقتصادي ألفريد نايمرك إلى المجمع الإحصائي الدولي المجتمع في عاصمة النمسا بحثاً جديداً تناول فيه بحث الأموال المنقولة في العالم. وقد قدر المتداول منها بين الأيدي في آخر سنة ١٩١٢ بقيمة ثمانمائة وخمسين مليار فرنك. وألم بما طرأ في السنتين الخيرتين من الاختلالات السياسية والمالية والاقتصادية وبعد أن قدر ما لحق بعض المنقولات المحدودة الثمن من انحطاط الأسعار في الآونة الأخيرة فبلغ الثمانمائة مليار فرنك قال أن الرصيد الصافي لقيمة الأموال المنقولة في آخر سنة ١٩١٢ منها ما يقارب ثلثمئة مليار فرنك مبذولة لاستثمار الخطوط الحديدة في العالم أما الأموال المنقولة الخاصة فيقدرها كما يلي: إنكلترا من ١٤٥ إلى ١٥٠ ملياراً الولايات المتحدة= ١٣٥ = ١٤٠ = فرنسا= ١٠٨ = ١١٥ = ألمانيا= ١٠٠ = ١١٠ = روسيا= ٣٢ = ٣٥ = النمسا والمجر= ٢٥ = ٢٦ = إيطاليا= ١٦ = ١٨ = اليابان= ١٤ = ١٦ = وزادت الأموال المنقولة في ألمانيا بين سنتي ١٩٠٨ و ١٩١٢ عشرين إلى خمسة وعشرين ملياراً. وزادت في إنكلترا خمسة عشر ملياراً في حين لم تزد في فرنسا عَلَى خمسة إلى عشرة مليارات وفي روسيا عَلَى مليارين إلى ثمانية. وفي إيطاليا عَلَى سنة مليارات. وفي النمسا والمجر عَلَى أربعة. نعم إن بعض هذه الأرقام يمكن المناقشة فيه ولكن مهما يكن فإن تبريز ألمانيا في هذا الباب لا ريب فيه عَلَى أن معظم الأرباح أُرصدت لتوسيع المشاريع القديمة أو لتأسيس أعمال جديدة. أما التوفيرات فبقيت عَلَى حالها والأموال المتداولة كانت قليلة وهذا ما يجعل ألمانيا تحت رحمة أول أزمة تحصل اهـ. المدارس الفرنسوية في الشام نشرت جريدة الإيكودي باري فصلاً طويلاً عن المدارس الفرنسوية في سورية جاء فيه: أن اليسوعيين يديرون مع مدرستهم الكلية ١٤٠ مدرسة يتلقى العلم فيها ١٢٠٠٠ تلميذ والآباء الكبوشيون يديرون ١٥٥ مدرسة فيها ٦٣٥٥ تلميذاً واللعازريون يديرون ١٤٩ مدرسة فيها ٧٣٣٨ طالباً. وراهبات المحبة يتعلم في مدارسهن أكثر من ٣٠٠ يتيم و ٥٨٧ يتيمة و ٥٠٩ أولاد صغار خارجيين و ٣٨٦٧ بنتاً داخلي ما عدا مدارسهن في القرى. ومدارس الفرير في بيروت وطرابلس والإسكندرونة فيها ٢٠٠٠ تلميذاً تقريباً. وفي مدارس الفرير ماريست ٩٥٣ تلميذاً ولراهبات الناصرة عشر مدارس منها واحدة داخلية ومجموع تلامذتها ١٣٨٦ ولراهبات العائلة المقدسة سبع مدارس فيها ١٤٠٠ تلميذة ولراهبات الظهور المرسيلية ٣٠ مدرسة فيها ٣٧٦٦ تلميذة وهذا كله ما عدا تلاميذ المدرسة العلمانية في بيروت التي تحتوي عَلَى ٢٠٠ تلميذ تقريباً ومدارس الأليانس الإسرائيلية التي يبلغ عدد تلاميذها الأربعة آلاف. أما عدد المدارس الأخرى الإنكليزية والألمانية والروسية والأميركية في سورية فلا يتجاوز الثلاثمائة مدرسة ومجموع عدد التلامذة فيها لا يزيد عن ٢٣ . ٠٠٠ . العمل والأسعار سعر كيلة الحنطة سعر الليرة العثمانية أجرة العمل الصناعة السنة الهجرية قروش قروش قروش ٧٠ ١١٦ ١٢ معلم ١٢٨٧ ٦ العامل ٥ العامل ٨٠ ١٢٤ ١٤ المعلم ١٢٩٥ و ١٢٩٧ ٧ العامل ٦ العامل ٥٧ ١٣٠ ٤٨ المعلم ١٣٣٠ ١٢ العامل ١٣٣١ هكذا كانت أجرة العامل وأسعار النقود والغلات منذ أربعة وأربعين عاماً في دمشق ومازالت ترتقي حتى أصبحت كما رأيت بكثرة الذهب واستثمار بعض الأراضي البائرة وازدياد عدد النفوس ومثل ذلك يقال في العراق ومصر. وهذه الأسعار في قاعدة الشام غير مطردة تنزل وتعلو بحسب المواسم وكثرة النقود ولكن أجرة العامل والماهن تكاد تكون واحدة لقلة العملة والبنائين والنجارين وغيرهم من أهل الحرف الذين قد تدعوهم هذه الحالة إلى الهجرة إلى أقطار أخرى ولاسيما أميركا. صدور المقتبس أصيت هذه المجلة في السنة الماضية بعوارض كثيرة حالت دون إصدارها في مواعيدها عَلَى النحو الذي اعتادته في معظم أدوارها فاضطرتنا الأحوال السياسية إلى أن نلحق بمصر من طريق البرية وعطلت الحكومة المقتبس اليومي عل الصورة التي سبق لها مثلها في سنة ١٣٢٧ والممثل لكلتا الفاجعتين ناظم باشا والي سورية الأسبق بعينه ومينه فمكثنا أشهر الربيع والصيف في القاهرة أصدرنا خلالها جزئين وبعض الثالث ثم عدنا في الخريف إلى دمشق مضطرين ومطبعة المقتبس قد أكرهنا الوالي عَلَى بيعها ليصعب علينا بذلك إصدار المقتبس ثانية فاضطررنا أولاً إلى الطبع في مطبعة لن تكن في استعداد كاف لطبع المجلة ثم طال بحثنا عن ورق جيد حاضر في السوق فلما تمت المعبدات في الجملة تتابعت الأزمات السياسية بانتشار الحرب البلقانية المشؤمة فارتبكت الأحوال الاقتصادية في البلاد حتى انقطعنا مدة عن الطبع مكروهين وها نحن الآن نختم السنة السابعة سنة ١٣٣٠ هـ أواخر سنة ١٣٣١ أي أننا أصدرنا من حيث المجموع أجزاء سنة في سنتين ولذلك لا نعد سنة الحرب التي اهتزت بويلاتها أعصاب السلطنة ونال الشام بل مصر حظ وافر من هذا الاضطراب. وإنا لنشكر كل من اهتم لصدور المقتبس وأخذوا بيدنا في نشره ونشطوه بماديتهم وأدبياتهم أكثر الله من أمثالهم الذين يهتمون للعلم والمعارف كما إنا لنثني الثناء الأطيب عَلَى مؤازري المجلة في مصر والشام والعراق وتونس وغيرها ممن لم يعقهم عدم الاطراد في صدورها عن إرسال أبحاثهم ومقالاتهم لتطبع فيها ونعدهم بأننا نبدأ منذ أول جزء يصدر في المحرم من السنة الثامنة ( ١٣٣٢ ) بنشرها تباعاً بحسب أوقات ورودها ليعم نفعها قراء العربية ونستميح طبقة الخاصة عذراً عَلَى ما بدر من أغلاطنا وأغلاط المطابع فهو لا يخفى عَلَى فطنة القراء في الجملة وعذرنا إليهم في عدم العناية ما تقدم خصوصاً وبعض الملازم طبعت بدون أن نصححها بأنفسنا دع التقلقل الذي نالنا في مملكة لم تستقر حتى الآن حالتها السياسية عَلَى محور معلوم. وصفاء جو السياسة هو الميزان الكبر في سير الأعمال ولاسيما العلمية فإن الفشل الذي نالنا في الروم إيلي وطرابلس وبرقة وجزر الأرخبيل قد أصاب شرر شره كل من له علاقة بهذا الوطن العثماني عَلَى اختلاف الدرجات. ونسأله تعالى وهو خير مسئول أن يجل سنتنا القادمة سنة راحة وصفاء لنتمكن من خدمة الأمة العربية في الفروع التي كتب لنا الخوض في غمارها فيما سلف من الأعوام وفي النية أن نجود في الأبحاث ونعني بالتقاط درر الفوائد جهد المستطيع حتى تكون هذه الصحيفة جمعية علم وأجب تجمع إلى متانة القديم وطلاوة الحديث فلا يسأم من مطالعتها عشاق الأوابد والشوارد وإليه تعالى نبرأ من سيئات أعمالنا وشرور أنفسنا ونسأله وقايات الزمان وعثرات القلم واللسان والتنكب بنا عن تيه الباطل اللجلج إلى جادة الحق الأبلج إنه كريم جواد.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_83.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.83.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
