<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.82.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.82.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨٢ بتاريخ: ١ - ١٢ - ١٩١٢ رسالة في الكلمات المعربة لابن كمال باشا المتوفى سنة ٩٤٢ تابع ما قبله السين: الساباط موضع بالمداين معرب بلاس آباد وبلاس اسم رجل وصوب تعريبه من شاه آباد معناه معمور الملك والساباط سقيفة بين دارين تحتها طريق (الساذج) هو المجرد أو الأطلس معرب ساده (السبج) هو الخرز الأسود معرب شبه (السبيج) البقير وهو القميص معرب شبي (السبذة) بالتحريك شبه المتكتل معرب (الستوقة) هي التي وسطها نحاس أو رصاص ووجهها فضة معرب سه تويه (السجنجيل) هي المرآة رومية معربة (السجيل) عن مجاهد أنه فارسي أوله حجارة وآخره طين معرب سنك أي حجارة الطين (السجين) ذكر أبو حاتم في كتاب الزينة أنه غير عربي (السخت) قال أبو عبيدة ربما وافق الأعجمي العربي كما قالوا غزل سخت أي صلب وقيل السخت الشديد وربما استعملت العرب بعض ألفاظ العجم كما قالوا للمسح بلاس (السختيان) ويفتح جلد الماعز إذا دبغ معرب (السدير) فارسي معرب أصله سدلي أي قبة في ثلاث قباب متداخلة (السرداق) ستر الدار معرب سرابرده هذا ما عليه الأكثر وأما ما قيل أنه معرب سرطاق فمبني عَلَى المناسبة اللفظية (السرداب) بناء تحت الأرض للصيف معرب (السرقين) الروث معرب سركين (السفتجة) كقرطقة أن يعطى مالاً لأحد وللآخذ مال في بلد المعطى فيوفيه إياه ثمة فيستفيد أمن الطريق وفعله السفتجة بالفتح معرب سفنه (السكباج) حساء حامض معرب سركبا (السكر) ما ينعقد من ماء القصب معرب شكر (السكنجبين) شراب قامع للصفراء معرب سركنكبين (السمرج) استخراج المال قي ثلث مرات معرب سامره (سمرقند) معرب شمر كند قال ابن خلكان أن شمر اسم جارية الإسكندر مرضت مرضاً شديداً فوصف لها الأطباء أرضاً ذات هواء طيب وأشاروا له بظاهر صفة فأسكنها إياها فلما طابت بنى به مدينة وكند بالتركي المدينة فكان يقول بلد شمر (السمند) دابة نارية معرب سمندر (السميد) نوع من الخبز معرب (السنباذج) حجر المسن معرب (سنجة) الميزان مفتوحة وبالسين أفصح من الصاد فإنه معرب سنك (السندس) بالضم ضرب من رقيق الديباج معرب بلا خلاف (السوذنيق والسوذق) بفتح السين فيهما الصفر وقيل الشاهين عن الغوري وكذلك السوذانق بضم السين وكسر النون وكلها فارسي معرب (السور) الضيافة فارسية شرفها النبي صلى الله عليه وسلم (السياسة) في النجوم الزاهرة أن جنكيزخان قسم ممالكه بين أولاده الثلاثة وأوصاهم بوصايا لم يخرجوا عنها وبقوا مع كثرتهم واختلاف أديانهم عَلَى ذلك يعبرون عن ذلك سه سيا فثقل عَلَى لسان العرب فغيروا الترتيب فقالوا سياسة (السيب) التفاح فارسي معرب ومنه سيبويه أي رائحته لقب عمرو بن عثمان النحوي الشيرازي (السيرج) معرب شيره روجن. الشين: (الشاروف) هي المكنسة معرب جاروب (الشاكري) الأجير والمستخدم معرب جاكر (الشبكرة) العشا معرب فعلله من شبكور وهو الأعشى (الشص) ما يصاد به السمك معرب شت (الشطرنج) معرب شترنك والسين لغة فيه أو من الشطارة من القاموس في الأخير نظر (الشفارج) كعلابط وهو الطبق فيه الكرجات معرب بيشارج (الشمختر) كسفرجل اللئيم المنحوس معرب شو اختر أي منحوس الطالع (الشنقار) نوع من ذوات المخلب معرب سنقر (الشوذر) هي الملحفة معرب جادر (الشيطرج) بالكسر دواء معروف معرب جرنك. الصاد: (الصرد) البرد فارسي معرب (الصرم) الجلد معرب جرم (صرمنجان) ناحية من نواحي ترمذ معرب جرمنكان (الصقر) نوع من ذوات المخلب معرب جرخ (الصك) كتاب الإقرار معرب جك (الصنار) في الأساس الدلب الصنار منه يتخذ النواقيس معرب جنار (الصنج) آلة بأوتار يضرب بها معرب جنك (الصولجان) هو المحجون لعله معرب جوكان. الطاء: (الطاجن والطجين) مولدة إذا الجيم والطاء لا تجتمعان في كلمة عربية (الطارج) الطري معرب تازه ومن الحديث الصحيح الجيد النقي (الطباشير) معرب تباشير (الطبرزذ) نوع من السكر كأنه نحت بالفأس معرب تبرزذ وعربيته المبرت ومعناه المضروب بالبرد وهو الفأس (الطراز) بالكسر علم الثوب معرب (الطرخون) نبات معروف أصل عروقه العاقر قرحا (الطست) معروف معرب تشت (الطشختان) معرب تشت خوان (الطنبور) معرب أصله دنبهء بره شبه بالية الحمل (الطنجير) بالكسر معرب تنجره (الطيلسان) مثلثة اللام عن عياض معرب تالسان. العين: (العراق) قال الأصمعي أصلها بالفارسية ويران شهر أي بلد الخراب فعربوها فقالوا العراق (العسكر) أصله لشكر في الأساس له عسكر من مال أي كثير وشهدت الكسرين أي عرفة ومنى فلا يطلق إلا عَلَى جم غفير وجمع كثير (عيسى) عَلَى مسماه الصلاة والسلام معرب أيشوع. الغين: (الغيذا) الحمار معرب من الرومية (المغناطيس) حجر يجذب الحديد معرب (الغساق) البارد المنتن بلسان الترك. الفاء: (الفالج) مكيالضخم معرب بياله (الفالوذ والفالوذق) معربان ونقل فالوذج (الفاليز) أرض يزرع فيها مثل البطيخ والخيار معرب باليز (الفانيذ) ضرب من الحلواء معرب بانيد (الفرانق) دليل البريد معرب بروانك (الفرجار) معرب بركارا (فرزان) الشطرنج بالكسر معرب فرزين بالفتح (الفرسطون) هو القباون رومية (الفستق) كقنفذ معرب بسته (الفلفل) معروف معرب بلبل (الفلج) بالتحريك معرب فتك (الفنزج) رقص للعجم يأخذ بعضهم بيد بعض معرب بنجه (الفوتنج) دواء معرب بوتنك (فور) بلد بساحل بحر الهند معرب بور (فهرس) الكتاب معروف فهرستت (الفيج) هو المندب الساعي معرب بيك (الفيلسوف) محب الحكمة معرب أصله فيلا سوفا وفيلا هو المحب وسوفا هي الحكمة ومنه اشتقت الفلسفة كما اشتقت السفسطة من سوفسطا معناه الحكمة المزخرفة منه أسطا بالتركي (الفيهج) ما يكال به الخمر معرب. القاف قابوس قابوس ممنوع للعجمة والمعرفة معرب كابوس القالب بفتح اللام معروف كالبدر اتفق أنه وازن الخاتم والعالم فظن أنه من القلب القانون الطريق والقياس دخيل القبج معرب كبك لأن الجيم والقاف لا تجتمعان في كلمة عربية القراميد هي الآجر لعلها معربة بقال بناء مقرمد مبني بالآجر وبنى بيته بالقراميد القرد العنق معرب كردن القرمز دود يصبغ به قرميسين بالكسر بلد قرب الدينور معرب كرمانشاهان قسبند معرب كسبند لما يشد في الوسط أو كوسبند للشاة القسطاس صلاية الطيب رومية القسي هو الدرهم الذي خالطه غش وتدليس قال وخمسميء منها قسي وزائف قال الفارسي أن هذه اللفظة معربة ليست بأصل في كلامهم ويقال فعيل من القسوة القطوفا الذي يضاف إليه البزر فيقال بزر قطونا أعجمي معرب القنشليل المغرفة معرب كغجه ليز القمنجر القواس معرب كمانكر القنطار اثنا عشر ألف أوقية رومية القهندز هو الحصن القديم كهن دز ولا يوجد في كلامهم دال ثم زاي بلا واسطة القوش الصغير معرب كوجك (القيراون) معرب كاروان. الكاف: (الكاغد) هو القرطاس معرب (الكراسة) بالتشديد واحدة الكراس الجزء من الصحيفة والكراريس جمع معرب كراسة بالتخفيف (الكرباس) بالكسر ثوب من القطن معرب أصله بالفتح غيروه لمزة فعلال (الكرج) كقبر هو المهر معرب كره (الكرد) العنق معرب كردن (الكسيج) كبرقع الكسب معرب (الكستيج) بالضم خيط غليظ يشده الذي فوق ثيابه دون الزنار معرب (كسرى) لقب ملوك الفرس معرب خسروا أي واسع الملك (الكس) الهن فارسي معرب (الكعك) نوع من الخبز يتزود به معرب كاك الكلاب خشبة يشد في رأسها عقافة أو من الحديد معرب قلاب الكنز المال المدفون لعله معرب كنج الكنيسة في القاموس هي معبد اليهود أو النصارى أو الكفار وذكر الجواليقي أنه معرب كنشت وتبين من تحرير صاحب القاموس عدم اختصاص الكنيسة باليهود ولا يقدح بذلك اختصاص كنشت بهم لأن اختصاصهم لا يوجب اختصاص معربه الكوز إناءٌ له عروة معرب كوزة الكيمياء دخيلة. الميم: (الماجشون) لقب عالم مشهور معرب ماه كون (المارستان) دار المرضى معرب بيمارستان ويسمى دار الشفاء تفاؤلاً كالسليم والمفازة (المالج) ما يطين به معرب ماله المترس خشبة توضع قبل الباب فارسية أي لا تخف المج بالفتح حب معرب ماش المجوس ذكر الجواليقي أنه معرب المرنج المرد والوجه ضم ميمه لأنه معرب مرده المرجان ذكر الجواليقي أنه معرب المرداسنج وقد تسقط الراء الثانية معرب مرداسنك المرزجوش بالفتح المردقوش معرب مرزنكوش المستقة فرو طويل الكمين تفتح التاء وتضم معرب مشته المسك بالفتح معرب مشك المسك بالكسر معرب مشك المسيح لقي عيسى ع م وهو من الألقاب المشرفة معرب مشى معناه المبارك عبرية كما يقال في موشى موسى مشكدانة بالكسر وبالشين المعجمة لقب عبد اللع بن عمر بن أبان المحدث لطيب ريحه وأخلاقه فارسية معناه موضع المسك مصر علم بلدة عظيمة مشهورة بأم الدنيا معرب مصراييم المنجنيق جمع موبذان أو موبذ بضم الميم وفتح الباء فقيه المجوس المواتيد هي البقايا واحدها معرب ماتده المهرجان هو فصل الخريف معرب مهركان المهرة هي الخرزة كان النساء يتحببن بها معرب المينجتج هو المطبوخ من الأنبذة معرب مي نجته الميزاب فارسي معناه الأصلي بل الماء هربوه بالهمز ولهذا جمعوه عَلَى مآزيب. النون: الناخذاة مالك سفينة البحر أو وكيله والجمع النواخذة النارجيل جوز الهند أعجمي عَلَى غير أبنية العرب الناريج ثمر معروف معرب نارتك النبريج بالكسر الكبش يخصى فلا يجز له صوف أبداً معرب نبريده النبهرجة هي الزيف الردئ معرب نبهره النردشير لعب معروف وضعه أردشير بن بابك ولهذا يقال له النردشير. النسف كجبل معرب نخشب النشا لب القمح المنقوع معرب نشاسته حذف شطره. نهاوند مثلثة النون والكسر عن الصغاني والضم عن اللباب بلد من بلاد الجبل جنوبي همذان أصله نوح آوند لأنه بناها النموذج بفتح النون مثال الشيء ن معرب نموده والأنموذج لحن النيرنج معرب نيرنك وجمعه النيرنجات النيروز أول يوم من السنة الشمسية معرب نوروز نيسابور قال نصر بن محمد بن أبي الفنون النحوي سين العربية شين في العبرية فالسلام شلام واللسان لشان والاسم اشم. الواو: الونج بالتحريك مدينة نسف معرب ونه ومنه الإمام المحقق أبو حفص عمر بن أحمد النسفي. الهاء: الهاون المنجار معرب هاوون الهربذ كزبرج خادم نار المجوس معرب هربذ جمعه هرابذة الهملاج بالكسر من البرازين المهملج فارسي معرب الهنداز بالكسر الحد معرب أندازه ومنه المهندز لمقدر مجاري القني والأبنية وإنما صيروا الزاي سيناً لأنه ليس في كلامهم زاي قبلها دال وإنما كسروا أوله وهو في الفارسي مفتوح لغزة بناءِ فعلال في غير المضاعف. مهندم يقال شيء مهندم أي مصلح عَلَى مقدار وهو معرب إندام مثل مهندس أصله إندازه الهيولى أصل الشيء من اصطلاحات الحكماء وليس بعربي محض في القاموس الهيولى القطن وشبه الأوائل طينة العالم به. الياء: اليارق الجبارة وهو الدستبند العريض الياسمين نوع من الرياحين معرب الياقوت نوع من الجواهر أجوده الأحمر معرب اليشب حجر معروف معرب يشم اليوم معرب يوماً حذف الفه للتعريب اليهود فارسي معرب يهوذا كأنهم سموا بأكبر أولاد يعقوب أو عربي من هاد إذا تاب سموا بذلك لما تابوا من عبادة العجل. إنما الله آله واحد فرية الشرك وبال الجاحد بسم الله الرحمن الرحيم حامداً لمن جعل العقل في جامع هيكل الإنسان كالشمع ومصلياً عَلَى أشراف أفراد وصفوا بالجمع وعلى آله وأصحابه كل واحد منهم كالألف وخلف من بعدهم خلف وبعد فهذه جامعة الألفاظ وضعت بالعربية بالجمع اعتباراً للأجزاء كالأفراد نطفة أمشاج جمع مشج أو مشيج لماء الرجل يختلط بماء المرأة ودمها (برمة أعشار) مكسرة عَلَى عشر قطع أو عظيمة لا يحملها إلا عشرة ثوب أسمال أي أخلاق وما عليه الأسمل وأسمال رمح أقصاد جمع قصد وجمع قصدة في القطعة من الشيء إذا انكسر من قصدت العود إذا كسرته ورمح أقصاد قال الأخفش هذا أحد ما جاء عَلَى بناء الجمع قلب أعشار أي متوزع (بلد أخصاب) و (بلد سباسب) يكون الواحد يراد به الجمه كأنهم جعلوه أجزاءً (أرض أحامس) أي جدبة (جفنة أكسار) أي عظيمة موصلة وفي الأساس هي المقاري الكبار المشعبة (حبل أرمام) أي خلق رم قوسه أصلها ورم العظم والحبل حبل أرمام (بئر أنشاط) تخرج دلوها بجذبة واحدة (حلة أنواف) من النوف نقاط بياض في أظفار الأحداث (حبا أرماث) أي خلق (ماء أسدام) عَلَى وصف الواحد بالجمع مبالغة أي متغير (ثوب شراذم) لما بلي وتقطع (معا جياع) أي ساغبه (نعم إغفال) لا سمات عليها (ثوب أكياش) هو الذي أعيد غزله (غزل أنكاث) استفدته من قوله نقضت غزلها إنكاثاً (حبل إنكاث) منكدث (ثوب أخلاق) إنما قالوا أثواب أخلاق أرادوا أن نواحيه أخلاق (نعل أسماط) أي غير مخصوفة (سراويل أسماط) أي غير محشوة. المدنية السياسية في القرن العشرين أما حان خوض المأزق المتلاحم وهز يراع فيه سم الأراقم فقد ضج من وقع البلاء وبرحه (بنو الشرق) حتى ضاق ذرع المكارم وأكبر أقطاب الشعوب تعصباً رمونا به من قبل شد التمائم فلو مر منهم طارق الطيف بيننا وريع لدكوا مشمخر الدعائم وثارت أساطيل. وطارت مطاود ودبت جيوش بالقنا والصوارم ولو عقدت الموت الزؤام عجاجه وخيم مثل العارض المتكارم وسدت فجاج الشرق أشلاء أهله وجاش بآذي الدم المتلاطم لما انحدرت من مقلة الغرب عبرة ولا ارتفعت في الغرب صيحة لائم ولا قيل أين السلم؟ والعدل؟ والحجي ولا أين - إنجيل المسيح المسالم ـ فقد بات في (مراكش) السيف مصلتاً يراوح ما بين الطوى والحلاقم ودارت رحى الأهوال في أرض (برقة) وذاق (بنو طهران) من العلاقم وهبت إلى (دار الخلافة) عصبة من القوم والأضغان ملء الحيازم وهدد (فردينند) قوم (محمد) بأندلس آخر غداة التصادم فأين ملوك الغرب؟ أين رجاله فتأخذهم للسلم غضبة ناقم فإن كان ضعف المرءِ ذنباً يشينه فلا خير في ملك ولا شرع حاكم وكيف يكون النهي والأمر في يد ملوثة من مهدها بالجرائم فيا لك من عصر يلوذ بظله ثعالب في زي الليوث الضراغم يخالب فيهم (ذو السياسة) تره ويرهف للعدوان غرب العزائم وما الشر طل الشر إلا لأنه يحاول باسم الخير جر المغانم ولله در الغرب فالقوم كلهم ملائك لم يعلق بهم وهم واهم فما انتفخت أوداجهم من تعصب ولا امتلأت أحشاؤهم من شخائم ولله أرض شرفوها بوطئهم فما عرفت من بعد عيب واصم وإن غض منهم خوضهم في ضلالهم وشعث منهم سعيهم بالنمائم تعرض سيف. وانبرت بندقية ودافع عنهم مدفع غير واجم وذلك ما يدلي به القوم إن كبت بهم حجة أو عز قمع مخاصم جهلنا ولم ندرك حقيقة أمرهم وران عَلَى الألباب ريب المزاعم كنار يجول الليل دون دخانها فيخفى ويبدو ضوئها غير قاتم فيا ليت أسرار الطبيعة لم تزل محجبة في الغيب عن كل عالم فلا يرفع البارود في الناس صوته ويبرم فيه حكمه غير راحم ولا تذر الأرجاء مخترعاتهم تموج بأنواع الحتوف الغواشم فنقنع في الجهل الذي فيه راحة وننعم في غي الظنون الرواجم فلا يزرع (العلم الحديث) عن الهوى نفوساً أبت إلا ركوب المظالم فما هذبوا بالعلم إلا سلاحهم ويا ويح علم بات معول هادم يصب عَلَى البلدان صوت عذابه وينسف فيها كل عال وقاتم ويعصف بالأرواح في كل غارة تقام بها الأعراس بين المآتم يقولون - هذا القرن - تم شبابه فهذا ربيع الدهر جم المواسم وحسبك (بالعشرين) طيشاً وخفة تجر عَلَى الإنسان شل المغارم فيا رب قد كنت (لآدم) وحده جنانك ما من كاشح أو مزاحم يروح ويغدو في النعيم مسبحاً بحمدك مغموراً بفيض المراحم فما هي إلا هفوة منه مرة فأصبح ذاك المجد أضغاث حالم فهل جنة من بعد هذا لنسله وقد هتكوا بالبغي ستر المحارم وبات طلاع الخافقين فجورهم ولم يقرعوا من أجله سن نادم ففجر من الطوفان ثجاج مائه ليغشل عنها رجس تلك المآثم أجل!! أنت عدل!! تلك آثار (تدمر) (وبابل) في طي المدى المتقادم وقد باد ملك الروم إلا رسومه وكم قيل ملك الروم غير مقاوم وكم شحذ اليونان رأياً مسدداً فطاش بهم عند الخطوب الدواهم وذلك ما زاد التفجع والأسى وعلمان كيف احتقار العظائم فيا دولاً ذل القضاء لأمرها فساد صروح الملك فوق الجماجم وكاثر كثبان الرمال عديدها وقامت بأعباء الأمور الجواسم رويداً - فإن الدهر مازال صرفه يدور - وإن الملك ليس بدائم ويا رمم القتلى بكل تنوفة ويا لهب النيران بين العواصم ويا دارس الأطلال في كل دمنة ويا ماثل الآثار بين المعالم ويا موج (بحر الروم) في كل ساحة ويا خفقات الريح بين العوالم ففي حدثي التاريخ عن مدنية يشارك فيها الوحش أبناء آدم الديار المصرية // فؤاد الخطيب تذكرة ابن العديم ابن العديم هو عمر بن كمال الدين العقيلي الحلبي رئيس الشام المتوفى سنة ٦٦٦ كان محدثاً فاضلاً حافظاً مؤرخاً صادقاً فقيهاً مفتياً منشئاً بليغاً كاتباً محموداً درس وأفتى وصنف وترسل عن الملوك وكان رأساً في الخط المنسوب لاسيما النسخ والواشي وله التصانيف الرائقة منها تاريخ حلب أدركته المنية قبل إكمال تبييضه وله كتاب الدراري في ذكر الذراري صنفه للملك الظاهر غازي وقدمه له يوم ولد ولده الملك العزيز وكتاب الأخبار المستفادة في ذكر بني جرادة وكتاب في الخط وعلومه وآدابه ووصف ضروبه وأقلامه وكتاب رفع الظلم والتجري عن أبي العلاء المعري وكتاب تبريد حرارة الأكباد في الصبر عَلَى فقد الأولاد. قال ياقوت: وكان إذا سافر يركب في محفة تشيله بين بغلين ويجلس فيها ويكتب. وقد رحل إلى العراق ومصر والحجاز وتولى من أجداده خمسة قضاء القضاة في حلب عَلَى التوالي ومن شهره. فوا عجبا من ريقه وهو طاهر حلال وقد أضحى عَلَى محرما هو الخمر لكن أين للخمر طعمه ولذته مع أنني لم أذقهما ولابن العديم شعر مستملح ونثر عذب ومن كتبه التي أبقتها الأيام كتاب التذكرة دخل دار الخديوية بالقاهرة جزء منه في بضعة أجزاء أولها الجزء الخامس وآخرها الجزء السادس عشر في ٢٠٥ ورقات صغرى أولها: جفني بجفنك قد جفاه هجوعه والقلب واصله عليك ولوعه وسقام جسمي فيك عز ذهابه والنوم عز عَلَى الجفون رجوعه ومما جاء فيها: أنشدني منجب الدين ابن الأمان المذكور قال أنشدني القاضي وجيه الدين ميلف ابن الصنديد الشيزري قال أنشدني للأمير شرف الدولة ابن المنقذ نفسه وكانت الزلزلة قد خربت شيزر اثنتين وخمسين وخمسمائة وسقطت القلعة عَلَى أخيه وأولاده وزوجته الخاتون أخت شمس الملوك فسلمت دونهم ونبشت من الردم فجاء نور الدين محمود بن زنكي إلى شيزر وتسلمها وطلب من زوجة أخيه أن تعلمه بالحال وتهددها فقالت له أن الردم سقط عليها وعليهم ونبشت سالمة دونهم ولا تعلم بشيء وإن كان لهم شيء فهو تحت الردم وكان شرف الدولة غائباً فلما حضر وراى شيزر وما حل بها وعاين زوجة أخيه بعد العز في ذلك الذل عمل: ليس الصباح من المساء بمثل فأقول لليل الطويل ألا انجلي شلت يد الأيام أن قسيها ما أرسلت سهماً فأخطأ مقتلي لي كل يوم كربة من نكبة يهمى لها جفني وقلبي يصطلي يا تاج دولة هاشم بل يا أبا التيجان بل يا قصد كل مؤمل لو عاينت عيناك قلعة شيزر والستر دون نسائها لم يسدل لرأيت حصناً هائل المرأى غداً متهيلاً مثل النقا المتهيل لا تهنئني فيه السعادة لمسلك فكأنما تسري بقاع مهول ومنها يشير إلى زوجة أخيه المذكورة: نزلت عَلَى رغم الزمان ولوحت يمناك قائم سيفها لم ينزل فتبدلت عن كبرها بتواضع وتعوضت من عزها بتذلل نها وأنا أخوك مقال جا (؟) محصلاً سبلاً وأزمع وهو غير محصل ودفنت بين ثلاثة ضاجعتهم كالليث ضاجعه ثلاثة أشبل وقال قاضي القضاة كمال الدين ابن العديم في المجلد الثني: نقلت من خط أبي عمرو الطرطوسي لأبي القاسم الحسن بن الحسين التميمي الواساني يمدح الأمير أبا الفضل سعيد بن شريف بن سيف الدولة بن حمدان ويسأله في رد حمامه وداره وكانتا مقبوضتين مقتطعتين لبعض الجند: لو كنت أمدح للجدا لشرعت في بحر الندا وأقمت بالتأميل مولا نا الأمير السيدا أولى الملوك بأن ينا ط به الرجاء ويقصدا وأحق أن يهب الطري ف لسائل والمتلدا داري وحمامي أق ل لديك من أن يوجدا فهما الغداة كقطرة مدت خليجاً مزبدا فوعده أبو الفضائل بإطلاقهما فكتب إليه يتنجز توقيعاً بذلك: يا أيها الملك الجليل ظني بك الحسن الجميل ولعبدك المسكين في حمامه خطب جليل مالي إليه بغير تو قيع أرواح به سبيل فأمنن بتوقيع به يأمن له المجد الأثيل فأطلق له ذلك وسلمه إليه فقال يشك ره لما تسلم ذلك: أيها السيد استمع قول عبدك لم يشبه بالزور والبهتان بل هو الحق اشهد الله والنا س وآتي عليه بالبرهان أتت والله فهي بالغة الإ يمان أهل لليمن والإيمان وحقيق بأن يبلغك الل هـ برغم العداء أقصى الأماني يا أمير القلوب قاد هواها واشتراها بأوفر الأثمان فهي تعنو له وتمحضه النص ح بلا ريبة ولا أدهان ذاك أن القلوب تملك بالإحسان والخوف مالك الأبدان لا يرى أن يقول لا أبداً لفظاً بها أو إشارة ببيان وكريم المزاح إن حضر الزا د لبسط الإكليل والندمان أقرب القوم منه من جاء للحا جة غرثان عند وضع الخوان وحفي بفتية ليس منهم غير ماض العزيم ثبت الجنان ووفي بعهده طاهر القل ب جدود في نصحه غيروان دهره بين نثره وحسام وجواد ذي ميعة رسنان غير صاغ إلى سماع أغان مطربات ولا كعاب أغان فهو والمجد مثل طرفي رهان أو شقيقين ارضعا بلبان ما تكنى أبا الفضل حتى فضل الناس بين قاص ودان وتسمى باسم السعادة والأس ماء موصولة العرى بالمعاني هو والله مشتري فلك أصبح باليمن دائم الدوران سار في برجه فأطفأ بالسعد نخوس المريخ والدبران طرف الله عين عداه وإن ساء عدوا ما قلت عين الزمان وكفانا فيه الملمات ما صوب نجم أو لاح برق يمان فوحق الأنعام والكهف والطو ر وطه وسورة الرحمن لو تركنا نختار بين الأماني وضقنا وهن بالأرسان ما بلغنا في الحدس والظن مع شار سرور نراه رأي الأعيان يا كريماً آباؤه أمراء الع رب والعجم من بني ساسان أل حمدان سادة الناس مذ كا نوا قديماً في سالف الأزمان وأحق الملوك بالفخر من أضح ى أميراً عَلَى بني حمدان سيد يشتري الثناء ويخشى الل هـ في سره وفي الإعلان فلأنت الأحق قد علم الل هـ بأن تصطفى لهذا المكان باتفاق من سائر الناس من ح بي معد معاً ومن قحطان نحن ما دمت آخذاً بزمام الملك من ريب دهرنا في أمان لا يخاف البريء منا ولا ييأس جان من رأفة وامتنان أحمد الله يا سعيد عَلَى أنك كهفي من كل إنس وجان وعلى أنني بجودك في ظ ل من العيش ناضر فينان وقد تحيرت والمهيمن في شكرك مالي بما بديت يدان أي شيء يجز بك عني ومالي غير ودي وغير شكر لساني وهما يقصران عنه ولو كنت كقس في النطق أو سبحان غير أني قد بعت نفسي مولانا وإن لم أساو ما أولاني فخذ الآن عهدتي وارض من عبدك ما يستطيعه إمكاني لأكون امرءاً تقصيت جهدي في جزاء الإحسان بالإحسان للسابق أبي اليمن محمد بن خضر المعري حلب معهد الصبا والتصابي فسقاها الوسمي ثم الوالي موطني بعد موطني فكأَني لغرامي بحبها البحتري فلديها كل الفنون وفيها ما اشتهاه الشرعي والفلسفي غير إني أرى الأطايب شرزاً وحليف الإفلاس عنها قصي وقال في عبد الودود النحوي كشف رأس النحوي غير عجيب هل رأى الناس أَيلا بعمامه هو صدر إن كان زهداً وعلماً قصر الثوب وانكشاف إلهامه ودعوه فالعذر فيما أتاه ليس يخفى وظالم من لامه لو تخلى من المحال لأمسى بيته في خلو أطلاله رام طالما جاع في الزمان محق مثل ما ضاع زاهد علامه وكتب إلى بعض الرؤساء يشكو رجلاً يقال له ابن العقيدة من أهل حلب. العبد يشكو علة في جسمه وإليك يشكو علة في حاله وابن العقيدة في الإساءة زائد لا ينتهي عن لومه وسفاله بك أبيها الكافي الأمير أعوذ من وغد أصر عَلَى قبيح فعاله الخادم عَلَى صورة لا يمكنه منها المثول بالحضرة السامية وشكوى ما استمر عليه من سوء معاملة هذا الوغد المذكور والله لولا الحياء وإنه ممن لا يخفضه الهجاء لكويته بميسم يشقى لناره ويبقى عَلَى الأعقاب إثر شناره ولكن طليق عرضه اللئيم وفي ذمة مقداره الذميم والرأي للحضرة في زجره عما هو عليه وأمره بما يعود لمصلحة الخادم علوه إن شاء الله تعالى. وكتب إلى إنسان صانع عمل له شيئاً فيسر إليه أجرته واعتذر. خذ ما تيسر يا أبا منصور واعذر فقد أسرفت في التقصير ومع الثناء فما تضيع صنيعة عندي لرب صناعة وأمين الدراهم المراهم أطال الله بقاء مولاي. فأما صناعته فتجل عن الورق والعين ولا تقابل بالكثير من هذين النوعين ورأيه في قبول ما تبعث به والرجوع في ذلك إلى كرم أخلاقه ومنصبه الموفق إنشاء الله هـ. وقال: كتب لي كمال الدين القاسم بن القاسم الواسطي يطلب تبناً. مازلت تحفر تبراً ونحن نطلب تبناً وللكرام تشاد ال عَلَى وبالحمد تبنا وقد رميناها سهماً من المديح وصبنا فاستقي الثرى الجعد يا غيث كل جدب وصبنا ففي كمالك داع دعا بنا فأجبنا وأنشدني عز الدين عبد العزيز بن سالم بن محمد الحراني لو كنت تعلم كل ما علم الورى طراً لكنت صديق كل العالم لكن جهلت فصرت تحسب أن من يهوى خلاف هواك ليس بعالم فاستحي أن الحق أصبح ظاهراً عما تقول وأنت شبه النائم هذه نموذجات من هذه التذكرة فيها الممتع النافع ويا حبذا لو صحت عزيمة أحد علماء مصر بنشر الموجود منها لأنها أثر نفيس خصوصاً وهي مكتوبة بخط صاحبها وفيها من الأشعار والأخبار ما يلذ ويفيد. حب الوطن خطب ارنست لافيس من مشاهير علماء الاجتماع والتاريخ واحد أعضاء المجمع العلمي الفرنساوي في إحدى المدارس الفرنساوية خطبة في حقيق الوطن قال فيها: الوطن أرض ينزلها أناس يخضعون لنظام واحد. ولقد صرفت العناية الكبرى لتأليف مثل هؤلاء الجماعة وتحديد مثل هذه الأرض. حتى أنك لترى الأقاليم المتنائية التي هي اليوم خاضعة لسلطان واحد تكاد تكون متحدة في ميولها ورغائبها بعد أن كانت من قبل مشتتة. جاء زمن كان فيه إقليم بيكارديا (من أعمال فرنسا) أبعد عن إقليم برتانيا وإقليم برفانس (فرنسا) مما ترى عليه اليوم فرنسا بعيدة عن أميركا والهند. ولطالما عملت الطبيعة ثم السياسة ثم الحديد ثم النار ثم العقل والقلب قروناً عديدة حتى هيأت لنا هذه الأرض التي نسكنها والسماء التي تظلنا. علمكم التاريخ كيف عمل ملوكنا لتأليف أجزاء المملكة الفرنسوية فضموا أشتات ولاياتها واحدة بعد أخرى فكانت أول صلة ربطت إقليم بيكارديا بإقليم برتيانيا وإقليم غاسكونيا بإقليم بروفنسيا وغيرها. إنها خضعت لملك واحد فأصبح آباؤنا بأسرهم فرنسويين لأنهم صاروا كلهم رعايا ملك فرنسا فكان بذلك أول اجتماع وطني وهو اتحاد الجميع في الطاعة لملك واحد. فاهتم الشعب لما يصدر عن الملك من الأعمال وراح أجدادنا يتحدون يداً واحدة في الأعمال الحربية فقدموا لذلك مالهم ومهم فكان إذا كتب النصر لملك الفرنسيس تغتبط الأمة بأسرها وتسر وإذا نكست أعلامه تبتئس وتكتئب. وتأصلت العادة في النفوس بأن تضطرب لأنر واحد في ساعة واحدة فنشأ في ذلك في بلادنا شعور وطني. ثم تجلت مظاهر الاجتماع بما أنتجته العقول من الأعمال فأحدثت الأمة الفرنسوية لغتها. فإن كنا اليوم نتكلم بلغة هي من أجمل لغات العالم فذلك لأن أجدادنا قد بذلوا كل نفس ونفيس قروناً عديدة حتى يجعلوها في هذا الجمال والقبول. فعلم الأدب هو بمنزلة الاعتراف العام في أمة تودعه تصوراتها في الوجود وتصوراتها في الإنسان. وكانت الآداب الفرنساوية ترجماناً عبر فكر فرنسا وأخلاقها الخاصة بها وجعل من الجماعة التي ضمت السياسة شملهم جماعة زبطت بينهم الأخلاق. مضى زمن طويل كانت فيه فرنسا متفقة مع مليكها في الأفكار وذلك لاعتقاد الفرنسيس أن الملك كان نائب الله تعالى عَلَى الأرض يجب حيه وخدمته كما يحب المولى ويطاع. أيها الجمهوريون الصغار إنه يصعب عليكم قليلاً أن تدركوا هذا الشعور. ولكل زمن أخلاقه والمتأخر قد لا يعي حال المتقدم. ومن الضلال أن لا يعترف أن هذه الأخلاق كانت فيما سلف مستحكمة شائعة كما أن من الضلال أن يحاول بعضهم إحياءها بعد أن ماتت واضمحلت. جاء يوم عَلَى فرنسا استشاطت فيه غضباً من مليكها لأنه كان يحب الخصام فتصلب في رأيه واشتد في عناده وفي معاملتها ولكن صبر أجدادنا كان غريباً في شكله طويل النفس من وراء الغاية. فكانت الأمة تقاسي ضروباً من سوء الاستعمال من عدم التساوي وقلة العدل والظلم المطبق. ولم تلبث أن أقامت الحجة ولكن كلمتها ذهبت كصرخة في واد ثم رفعت صوتها بالشكوى أعلى من ذي قبل وأخذت تتناغى بالحرية والعدل والإنسانية فكان من ذلك الثورة فسقط مع الملك طبقات الأشراف وزالت امتيازاتهم وكان لهم من قبل حقوق خاصة بين ظهراني الأمة فاشترك جميع الفرنسويين عَلَى السواء في الوطن الذي اتحدت كلمته وتماسكت أجزاؤه وطفقت فرنسا تتحاب مباشرة وأحبت فوق حبها لنفسها ما تناغت به من العدل والحرية والإنسانية ولذلك حق لها أن يحب أبناءها أنفسهم كما أحبوا بلادهم حباً مازج اللحم والدم. فوطنيتنا الثورية كانت من أجمل العواطف التي عرفها التاريخ. أيها الأولاد: ليس وطننا أرضاً فقط بل هو عمل إنساني بدئ به منذ قرون ونحن نكمله وأنتم تتناوبون العمل بعدنا. إن ما قام به أجدادنا منذ الأصل وذكرى أعمالهم وأفكارهم وحركات عقولهم ولغتنا وفكرنا وكيفية فهمنا معنى الحياة مع ما خصت به أرضنا من الخصب والأمراع وما تجود به علينا سماؤنا من الحسن والإحسان وما عرفت به أصقاعنا من المناظر المبهجة وبلادنا الشمالية من الضباب المتكاثف والجنوبية من الصحو الممتع وبحارنا الخضراء وبحرنا الأزرق - كلها إرثنا العزيز هي وطننا ابنة الطبيعة وابنة الفكر. ولكن وطنكم ليس وحيداً بين الأوطان في هذا العالم. هناك أوطان كثيرة تحيط بكم تألفت عَلَى غير الصورة التي تألف بها وطنكم كألمانيا وإيطاليا التي كان نشؤهما بطيئاً وكإنكلترا التي كان نشؤها سريعاً. هذه الأوطان قننت قوانينها وأنشأت لغاتها وآدابها وكل منها قد أبانت عن أفكارها وعواطفها في الطبيعة والإنسانية كما ابنا نحن. ولكل منها أفكارها التي تخالف أفكارنا ونبوغها الذي لا ينطبق مع نبوغنا وكل من تلك الأوطان يحبه أبناؤه كما تحب فرنسا أبناءها. ماذا يجب أن تكون عليه عواطف تلك الأوطان وسلوكها بعضها مع بعض؟ هذه مسألة هي الآن مما يشغل الأذهان ويهيجها وتنقسم في تصورها الأفكار. فقد كان الشعور الذي تشعر به كل منها مدة قرون هو البغض والسلوك الذي تسلكه هو الالتجاء إلى الحرب. والظاهر أنه لم يكن يتأتى للمرء أن يحب وطنه بدون أن يكره وطن غيره. وظاهر أن الحرب لم يكن يتيسر اتقاؤها في زمان كانت فيه التخوم غير مستقيمة عَلَى حال واحدة بين الممالك لأن هذه لم تكن بعد تألفت وعرفت لها كياناً. ولطالما كانت الحرب حادثاً يدعو إلى نماء الوطن وعملاً يؤدي إلى تحديد تخومها. وهكذا ربيت فينا غريزة الشدة المغروسة فكانت من موجبات بقاء تلك الممالك وذلك لأن الإنسانية ليست طبيعية في الناس وأصبحت الحرب من وظائف الحكومة فيولد الملوك زعماء حرب والناس ضباطهم ومن كان أدنى طبقة منهم يختارون الدخول في الحرب ليرزقوا منها ويحترفوا بها. ولطالما كانت الجيوش تقف عَلَى قدم الدفاع أبداً وتنشب الحرب لاستخدام تلك الجيوش وتمرينها. وتتجلى أعوام السلام كأنها أعوام فارغة عَلَى أن تلك الأعوام الخالية كانت قليلة. ومن جملة الدواعي التي تدعو المحاربين إلى إهراق الدماء قديماً كنت ترى المصلحة السياسية والكبر والتشهي والعادة هي الفاعل الأكبر فيها. وكان ذلك من الأدوار الهائلة في تاريخ الإنسانية ونحن نعده اليوم من آثار البربرية وعلائم التوحش. وخطب المشار إليه في إحدى المدارس وقال: إذا سئلتم لماذا يدرس لكم أساتذتكم النحو والحساب تجيبون للحال: ليعلمونا التكلم والحساب وهما أمران ظاهرة ضرورتهما. وإذا سئلتم لماذا يعلموكم تقويم البلدان تبادرون بالجوب في الحال فتقولون حتى نعرف فرنسا بلادنا ونتصور الأرض التي هي بلاد البشر. ولكن ربما ارتبكتم إذا سئلتم فائدة دراسة التاريخ. ابن الربعين في السنة التي أنتم فيها يبدو كأنه شيخ هرم منذ مائة سنة أو مائتينيأو ثلثمائة أو أكثر. ولا شك أنكم تنكرونه ولا علاقة لكم بهم وإذا كانوا هم آمنين مطمئنين في موتهم فعليهم أن يتركوا صغار الأحياء آمنين بدلاً من أن يملؤوا دروس أسمائهم وقائمة أسمائهم بحركاتهم وسكناتهم وبأرقام تواريخهم وأزمانهم. ولكنكم أيها الأبناء مخدوعون باعتقادكم بأن المضي بعيد. هو قريب منا ومجاور لنا وهاءنذ أبينه لكم في بضع كلمات: ولد لويس الرابع عشر سنة ٦٣٨ أي منذ ٢٦٠ سنة وأنا الذي لم أبلغ سن الهرم بعد عرفت في نوفيون رجلاً أدرك المعاصرين للويس الرابع عشر. ويدعى هذا الرجل كؤول وكثيرون ممن جلسوا الآن عَلَى هذه المقاعد يذكرون ألوما إليه فقد مات سنة ١٨٥٦ في التسعين من عمره كما تشاهدون ذلك مزبوراً عَلَى شاهد قبره المصنوعة من الرخام الأبيض. وكانت سني إذ ذاك أربع عشرة سنة وكنت أراه كل يوم إلا قليلاً وكان خال خالي الكبير شهد أموراً هائلة مدهشة فرأى لويس السادس عشر يرفع عَلَى المشنقة دستور فرنسا القديم يمزق كل ممزق وفرنسا مولعة بحياة خيالية جديدة. فأخذ يوحي بروح القرن الثامن عشر الذي تعلمت مذ ذاك أن أحبه في أوهامه وخيالاته لأنه كان قرناً في الشقاء والبربرية وتلاه قرن من الهناء والإنسانية. فالمسيو كؤول ولد إذاً سنة في سنة ١٧٦٦ وبلغ سنة ١٧٧٦ سن الرشد. وفي ذلك الزمن لقي ولا شك بعض أناس من أبناء الثمانين في نوفيون. وعليه فالرجل الذي كان في سن الثمانين سنة ١٧٧٦ قد ولد سنة ١٦٩٦ وكان في سنة البلوغ عندما قضى لويس الرابع عشر نحبه سنة ١٧١٥ . وبهذا فأنتم ترون أن هذا الملك الذي يتراءى لكم أنه بعيد العهد جداً قد مسستموه بأيديكم إلا قليلاً. إن المائة والتسعة والثمانين عاماً التي مرت بين موته وبينكم هذه مدة قصيرة من الزمن ينبغي لها ثلاثة رجال وأنا الذي أخاطبكم وخالي وذاك الرجل الثمانين إذا مسك أحد بيد صاحبه نصل إلى هذا العهد وعلى هذا فليس من حاجة إلى سلسلة طويلة من الرجال لبلوغ الزمن الذي جاء فيه المسيح إلى العالم بل يكفي ثلاثون رجلاً. لعد بضع سنين ترون يا أولادي متى انقضت ألوف من القرون أن الإنسانية تتكلم عن الأزمان القديمة. أما الآن فإننا لا نستطيع أن نقول عن رجل مات منذ أمد بعيد جداً فلا حق لكم إذاً أن تحيدوا عن الماضي كما تحيدون عن أمر بعيد جداً وإذ كان قريباً منا كثيراً لا يجب أن يتطلع أحدكم لئلا يحمل عَلَى النظر فيه قليلاً. إن هذا التطلع إذاً ينفعكم وبه تطيلون حياتكم أن تضيفوا أزمنة إلى زمانكم كأنكم عشتم فيها. نحن قلما تنعم في حياتنا القصيرة ولذلك نحلم بخلود روحنا. أما التاريخ فيه ضروب من الخلود وراء حجب الماضي ويظهر لي أني بصرف حياتي في دراسته قد بلغت الآن من العمر عَلَى الأقل خمسة أو ستة آلاف سنة. وأنا أتنزه في فضاء واسع طافح بالأنوار والظلمات والحركات وأتنفس برئتين واسعتين. بيد أن معرفة التاريخ شيئاً غير هذا وأحسن منه في الأثر فالتاريخ هو الفراق العظيم بين الإنسان والحيوان. فالكلب يجهل ما بذل من العناية الطويلة. وما اثر فيه نوع التربية حتى صار كلب صيد أو كلب راع. فهو لا يتمثل أمامه تاريخ جنسه من الكلب الأول جده الأعلى إلى أيامنا هذه. والرجل الذي لا يصعد إلى طبقة أجداده وهم في مغاورهم الأولية ليراهم حيث كانوا يأتون بالصيد ويمتصون نخاع العظام المكسرة بقدوم من الحجر هو كلب وزيادة. هو لا يتبع آثاره الإنسانية إلى الدرجة التي بلغناها من المقام الإنساني. والإحساس الظاهر من تكريم الإنسانية لا يقتبس من غير التاريخ. معرفة التاريخ توضح سبيل محبة الوطن. والوطن مكان الإنسانية الذي ولدنا فيه ويمتاز عن سائر الأوطان بالطبيعة بل بالتاريخ أي بمجموع أعمال وأفكار متتابعة تألف منها ما قدر لنا من سعادة وشقاء. فعليكم ألا تجهلوا كيف أصبحت فرنسا من أعظم الأمم - ولا يكفي لأن يكون المرء فرنسوياً أن يولد في فرتنسا كما هو شأن أشجار الحور والصفصاف عندنا بل إن التاريخ هو الذي يطلعنا عَلَى ما قام به أسلافنا ويعلمنا ما يقتضي علينا القيام به. فمن السهل أن يميز العمل الذي تم في خلال القرون الأخيرة. إن هذا المعاصر للويس الرابع عشر الذي ذكرته لكم منذ حين كان رعية لملك كان يعتقد نفسه - بل وكان بالفعل - سيد رعاياه ومالك أرواحهم وأشباحهم فأبادهم بحربه وبما أنفق عَلَى قصوره وأعياده وأفراحه وتركهم يعذبون في ظل إدارة ممقوتة كره العقول عَلَى الإغضاءِ هن أفكارها واضطهد الوجدانات وحبس وشرد ملأ سجون بالرجال والمطابق المؤبدة عَلَى أنه لم يكن رديئاً كما لم يكن غبياً لأنه كان عَلَى جانب من الذكاء. ولم يكن ساقطاً لأنه كان محتشماً في سره وعلى شيء من العدل. ولكن الزمن إذ ذاك كان يبيح تلك الأخلاق. وكان كل ما يأتيه الملك يعتقد - ومعظم الشعب يوافقه عَلَى اعتقاده - بأن له الحق أن يعمل ما يريد بحيث أنه لا يحزن إلا إذا قلبت الأيام له ظهر المجن ولا يتأثر وجدانه بل إنه يأسف قليلاً يبد عليه في حفلته وهو عَلَى سرير الملك يكلم وارثه المحزون الذي دعي لويس الخامس عشر. نعم كانت تلك الأعصر عصور عدم المساواة الاجتماعية المعتدلة بدون نقض ولا إبرام. فكان يوصف الفلاحون من حرج في مملكة فرنسا - التي هي ضرب من جدول الأيام الوطني - بأنهم (وإن كانوا أكثر عدد من غيرهم فليسوا مما يجب الاحتفال به بل لنا أن نقول فقط بأن منهم تجبى الضرائب وأنهم يزرعون الأرض ليغذوا المدن) وغليك أيضاً كيف كانوا يعرفون الأعمال الصناعية الميكانيكية بأنها سافلة ساقطة. وكان الفقراء وحدهم يزرحون تحت أعباء الحكومة بأسرها وهي تطلب من الناس ما لا يستطيعون أن يقوموا ببعضه وأرباب الطبقات المختلفة من الأعيان سامت الملوك برفاهيتها وهي تستند إليها ويستندون عليها وعاقبة ذلك سحق الفقير. لكم أن تقيسوا ما قمنا به من الأعمال وما حدث من الفروق بين هذا العصر والعصر السالف وما أظن أحداً في صحة من عقله يزعم بأن عصرنا عصر سيئات. نعم إن الإصلاح لم يتم إذ لا نزال نرى الشقاء الطبيعي والأدبي والظلم مستحكماً. إنكم عَلَى صغر سنكم تعرفون تلك الولايات وكثير منكم يراها قريبة منه. فمن بيوت ضيقة رديئة تحوي عوامل الفناء والأسر الوحيدة العديدة التي بقيت في فرنسا تصفر ألوانها في الأكواخ الساكنة فيها وينهكها السكر الذي ربما نشأ من الشقاء وربما أزاده وأدامه وبذاء الكلام والحركات السفيهة. وأنكى من ذلك مشاهد أولئك المحتشمين الذين لا يفتأون يقلقون ويخافون الفاقة وهم عَلَى طيب قلوبهم يحيون منقطعة آمالهم. وبين السواد الأعظم وخيار الناس من الفرق العظيم الناتج من اختلاف التربية ما هو معروف موصوف. فالجهل في السواد الأعظم يكاد يكون عاماً يتناول صفات الناس وصفات الوطن. إن ما يجب أن يعمل أيها الأولاد هو تتابع العمل فيما بدأنا به لنحرر المجتمع الفرنسوي ما أمكن من ضروب الشقاء والمظالم الإنسانية التي لم تستأصل شأفتها. هذا العمل شاق ولا يخلو من مخاطر وذلك لأننا نحاول للمرة الأولى أن نرفع ما سقط ونقوم ما انحنى. وظاهر بأن الناس كلهم كيفما دارت الحال لا يقدرون عَلَى الاضطلاع بأعباء الزعامة وأنه يجب شيء من النظام أبداً وشيء من الترتيب وبديهي بان بعضهم يتساءلون عمن يقوم عَلَى هذا النظام وهذا الترتيب. لا تعجب أن ترى كثيراً من الناس وفيهم أهل الحشمة والصلاح يضطربون ويقلقون وينكرون علينا ما نعد الأمة له ونحلم به من تحسين مستقبلنا. هذه الفئة من الناس هي التي تريد منا أن نرجع أفكار أجدادنا وأخلاقهم ولكني لا أرى بأي حق يقفون في النقطة الفلانية بدل النقطة الفلانية من الطريق المؤدية إلى الكهوف؟ التاريخ بأجمعه طافح بأخبار الرجوع عن التقاليد وبعبارة ثانية ليست التقاليد إلا انتقالاً من الماضي للحاضر يأخذ منها الناس ما يريدون وما يستطيعون ويبذلون ما شاؤوا أو يخدمون أو فيقون ما أرادوا. وما تقليد يقف في زمن معين إلا أنه اشبه بحدود لا تتعدى. نعم أنا مدرك ما هناك من مخاوف وأسمع أصوات الأهواء وأشعر بآهات الأحقاد. تذكر الصحف وقائع يومية محزنة وهناك الأحلام اللطيفة تعدنا بأمور جميلة. ولكن الإنسانية لم يهدأ لها بال قط. وما قط عاشت بدون شهوات وأحقاد وبدون أحلام ومطامع. أما أنا فإني معجب بما مر علي من أيام البؤس والسخط عجبي من الكون الذي يتم فيه هذا العمل العظيم في العالم. ولو ذكرت لكم ما حدث هناك في تلك المقاطعة وحدها لطال بي المطال ولطالما أصابها ما أصاب باريز نفسها. اذكروا فيها أيام ١٨٤٨ والفتن اليومية التي حدثت عَلَى عهد لويز فيلي وأيام الثورة والتمرد عَلَى أيام الحكم القديم عهد لويس الرابع عشر وحركات القرون الوسطى الهائلة أما اليوم فليس فيها شيء من هذا يباكر الناس مضاجعهم فينامون ملء جفونهم آمنين مطمئنين. أنا لا أتنبأ فلا أقول بأن الدهر لنا بالمرصاد عَلَى أنني لا أعتقد بالتقلبات الدائمة المحزنة فقد حدث نجاح عظيم في العقل العام. إن حق الكتابة والخطابة وحق الانتخاب قد أتت عَلَى حق الثورة. أيها الأصدقاء إنكم لن تنسوا أبداً كل قسوة يعد جناية في البلاد المتمتعة بروج الجهورية. يعلمونكم في المدرسة روح التكافل والتضامن وقاعدته أعن نفسك بنفسك وشعاره أعينوا بعضكم بعضاً وهذه القاعدة هي أساس الإخاء العلمي ثم تجيء بعد أعمال المحسنين الشريفة أي إرادة الأمة الفرنسوية لتحفظ الحياة من الأمراض التي تهددها والطفولية من العمال وسوء التربية والعمل من الحوادث والشيخوخة من الشقاء وتعطي الضعيف واسطة للمناقشة مع القوي وتقسم العمال العامة والتكاليف الأميرية العسكرية عَلَى نصاب العدل. وما النظام الجمهوري إلا باحث عن العدل. ألا فلنكبر دائرة الرجاء والآمال بحسن المآل وما الخير إلا ثمرة جهادنا العظيم وسرعته أكثر مما نتصور. واذكروا أن الطريق قصيرة بين معاصر لويس الرابع عشر وبيننا فالتاريخ ما خلا الفضائل التي قلتها لكم يحوي أجمل الفضائل ألا وهو تقوية الأمل اهـ. ها ما قاله علامة الفرنسيس لطلبة بلاده ترجمناه لتتدبره هذه الأمة العربية لأن الأمم متشابه في تواريخها وأحوالها وليت كبار رجالنا يتنزلون تنازل كبار رجال الغرب إلى مخاطبة الناشئة بمثل هذا اللسان العذب والأفكار السديدة فلا خير إلا في التعليم ولا تعليم إلا للشبان رجال المستقبل. الجغرافي الإدريسي وصاحب صقلية من مبحث لأحمد باشا زكي لما آلت إلى الملك رجار النورمندي مقاليد الأحكام في جزيرة صقلية رأى ما عليه المسلمون من الحضارة والعرفان ومكارم الأخلاق فجعل بطانته منهم وتقرب إليهم رغبة في رفع منا ملكه عَلَى ما جرت سنة الإسلام وقد تولع بعلم الجغرافيا وبحث في ممالكه عن أساطينه في تلك الأيام. فأرشده المسلمون إلى شريف من سلالة الأدارسة الذين تملكوا مراكش وانتهى إليهم الحكم في مالقة راحوزاها بجنوب الأندلس ثم دالت دولتهم وبقي نفر منهم كانوا ملوك العلماء وإن كانوا أضاعوا التاج والصولجان وفقدوا الحكومة والسلطان. ذلك هو الشريف أبو عبد الله محمد بن محمد عبد الله بن إدريس المعروف باسم الشريف الإدريسي. فاستقدمه رجار وبالغ في إكرامه والعناية به ليفوز بشيء م علومه وليتعرف بواسطته ماهية بلاده صقلية وأحوالها وبلغ من إكرامه له أنه كان كلما دخل عليه هرع لاستقباله عند الباب ثم أجلسه إلى جانبه عَلَى سرير الملك، حتى إذا ما أتم المحاضرات معه وأفاده بما أراد ثم هم بالخروج، شيعه الملك بنفسه إلى عتبة القصر. وقد انتهى الأمر بذلك الملك العاقل أنه طلب من صاحبه تأليف كتاب ليعرف به جغرافية بلاده وجغرافية المعمورة بأسرها وصنع له كرة من الفضة تمثل الأرض وما عَلَى سطحها من البلدان ثم صنف له كتابه الذي كنا نسمع به ولا نرى إلا ترجمته الفرنسية الكاملة وبعض شذرات عربية طبعها الإفرنج وهي خاصة ببعض البلاد التي تهمهم مثل كلام الشريف عَلَى الأندلس فقد طبع الإسبان مع ترجمته إلى الإسبانية ومثل كلامه عَلَى إيطاليا وصقلية فقد طبعه اثنان من افاضل علماء الطليان ونقلاه إلى لغتهما أيضاً. ومثل كلامه عَلَى فلسطين فقد طبعه أحد علماء الألمان باللغة العربية لاحتوائه عَلَى البيت المقدس وما يليه من البقاع التي ظهرت فيها النصرانية. ثم طبع اثنان من أفاضل العلماء الهولانديين قطعة من هذا الكتاب تتضمن ذكر الأندلس وبلاد الغرب ومصر والسودان وعنيا بترجمتها إلى اللفة الفرنسية مع الشروح اللغوية والجغرافية الضافية الشافية. هذه خلاصة وجيزة عما أعمله (وهو كثير) من هذا الكتاب الفريد الجليل وقد كنا أبناء العرب ولا نزال إلى هذا اليوم لا نعرف سوى ما سبق من القطع التي تفضل الإفرنج بل تصدقوا علينا بطبعها من هذا الكتاب النفيس المكتوب بلغتنا ولفائدتنا. فانعكست الآية وجاءنا النور ضئيلاً من الغرب ومازلنا إذا احتجنا إلى شيء من ثمراته اضطررنا لاقتطافه من الترجمة الفرنسية وفيها ما فيها. وفي حاجتنا وفاقتنا إلى تلك الترجمة من العيب علينا والحط من كرامتنا فضلاً عن عدم إمكان الوقوف عَلَى الحقائق كما هي. ولم يكن في دار الكتب الخديوية إلا الجزء الأول مكتوباً بخط جميل ومتضمناً للمصورات (الخرط) الجغرافية ولكت فيها تشويها كثيراً وتحريفاً يجعل الفائدة منه قليلة. فلذلك كانت عنايتي كانت منصرفة للحصول عَلَى نسخة كاملة منه حيثما وجهت عزيمتي لجمع نفائس الكتب التي تكون أساساً لإحياء الآداب العربية بديار مصر. وقد وفقني الله لطلبتي وحصلت عَلَى أربع نسخ كاملة منه وهي الآن بدار الكتب الخديوية. ومتى حان الوقت المناسب لطبعها أخرجناها للناس وإظهاراً لمجد العرب وتعريفاً للكاشحين بمآثرهم الخالدة التي لا ينكرها إلا من كان في قلبه مروض ولا يجحدها إلا الجاهل الذي يعميه الغرض. أما الكتاب فعنوانه (نزهة المشتاق في اختراق الآفاق) ولما كان علماء الإسلام يعرفون الفضل لذويه فقد كادوا يتناسون العنوان ولا يذكرون هذا الكتاب إلا مقرناً في مصنفاتهم باسم (كتاب رجار) إذا كانوا من أهل المشرق وباسم (كتاب اجار) إذا كانوا من المغاربة وذلك تخليداً لذكرى ذلك الملك الفاضل. ومما يحسن ذكره في هذا المقام أن رجلاً طلب من الإدريسي قبل اشتغاله بتأليف هذا الكتاب أن يصنع كرة تمثل الأرض بما عليها وقدم للشريف كمية وافية من الفضة الخالصة فصنع له الكرة عَلَى ما يشتهي. وقد بقي من هذا المعدن النفيس شيء كثير جداً فتركه الملك له. ورجاه رجار أن يقبله دليلاً عَلَى أنه يعرف فضله. ولم يكن عَلَى الشريف قاصراً عَلَى الجغرافية والفلك بل كان بارعاً في معرفة الطب وعقاقيره. وقد ألف في هذا الفن كتاباً أصبح الآن معدوماً بالكلية. ولكن من يمعن النظر في مفردات ابن البيطار يعرف قيمة هذا الكتاب. فقد نقل عنه كثيراً في كتابه الباقي بين أيدينا بأصله العربي وبترجمته الفرنسية. ولا بأس أن نذكر شيئاً من مقدمة نزهة المشتاق في اختراق الآفاق لتعريف القارئ بالثناء المستطاب الذي خلد به الإدريسي ذكرى رجار عَلَى ممر الأدهار والأعصار. قال الشريف الإدريسي: أفضل ما عني به الناظر، واستعمل فيه الأفكار والخواطر، وما سبق إليه الملك المعظم رجار المعتز بالله، المقتدر بقدرته، ملك صقلية وإيطاليا وانكبردة وقلورية معز أمام رومية الناصر للملة النصرانية. إذ هو خير من ملك الروم بسطاً وقبضاً. وصرف الأمور عَلَى إرادته إبراماً ونقضاً، ودان قي ملته بدين العدل، واشتمل عليهم بكنف التطول والفضل، وقام بأسباب مملكته أحسن قيام، وأجرى سنن دولته عَلَى أفضل نظام وأجمل التئام وافتتح البلاد شرقاً وغرباً. وأذل رقاب الجبابرة من أهل ملته بعداً وقرباً. بما يحويه من جيوش متوفرة العدد والعدد. وأساطيل متكاثفة متناصرة المدد. صدق فيها الخبر الخبر. واستوى في معرفتها السمع والبصر. فأي غرض بعيد لم يصل إليه. ولم يخطر عليه؟ وأي مرام عسير لم يحظ به ولم يتيسر لديه؟ إذ الأقدار جارية بوفق مبتغياته وأرادته. والسعادات خادمة له ومتصرفة عَلَى اختياره في حركاته وسكناته. (واستمر الشريف عَلَى هذا المنوال إلى أن قال): لما اتسعت أعمال مملكته. . . . . أحب أن يعرف كيفيات بلاده حقيقة ويقتلها يقيناً وخيرة. ويعلم حدودها ومسالكها براً وبحراً. وفي أي إقليم هي. . . . مع معرفة غيرها من البلاد والأقطار. . . . يطلب ما في الكتب المؤلفة في هذا الفن. . . . مثل كتاب العجائب للمسعودي، وكتاب أبي نصر سعيد الجيهاني، وكتاب أبي القاسم عبيد ابن خرداذبة، وكتاب أحمد بن عمر العذري، وكتاب أبي القاسم محمد الحوقلي البغدادي، وكتاب جاناخ ابن خاقان الكيماكي، وكتاب موسى بن قاسمك القردي، وكتاب. . . . اليعقوبي، وكتاب إسحق بن حسن المنجم، وكتاب قدامة البصري، وكتاب بطليموس القالوذي، وكتاب أرسيوس الإنطاكي، فلم يجد ذلك فيها مشروحاً مستوعباً مفصلاً. . . . فأحضر لديه العارفين بهذا الشأن. . . . فلم يجد عندهم أكثر ما في الكتب المذكورة فلما رآهم عَلَى مثل هذه الحال، بعث إلى سائر بلاده فأحضر العارفين بها والمتجولين فيها. . . . . ثم اشار الإدريسي إلى صنع الكرة الفضية وأنها عظيمة الجرم ضخمة الحجم، في وزن أربعمائة رطل بالرومي، في كل رطل مكنها مائة درهم واثنا عشر درهماً، وقال أنها تضمنت صور الأقاليم ببلادها وأقطارها وسيفها وريفها وخلجانها وبحارها ومجاري مياهها ومواقع أنهارها وعامرها وغامرها. . . والطرقات. . . والأميال. . . والمسافات. . . والمشاهد. . . إلى أن قال أنه طلب تأليف كتاب مطابق لما في أشكالها وصورها غير أنه يزيد عليها بوصف أحوال البلاد والأرضين في خلقها وبقاعها وأماكنها وصورها وبحارها وجبالها وأنهارها ومواتها ومزدرعاتها وغلاتها، وأجناس بنائها وضواحيها والاستعلامات التي تستعمل بها والصناعات التي تتفق فيها والتجارات التي تجلب إليها وتحمل عنها والعجائب الذي تذكر عنها وتنسب إليها، وحيث هي من الأقاليم السبعة مع ذكر أحوال أهلها وهيئاتهم وخلقهم ومذاهبهم وزيهم وملابسهم ولغاتهم وأن يسمي هذا الكتاب بنزهة المشتاق في اختراق الآفاق، وكان ذلك في العشر الأول من ينير الموافق لشهر شوال الكائن في سنة ثمان وأربعون وخمسمائة فامتثل فيه الأمر وارتسم الرسم. وعندما جاء ذكر جزيرة صقلية قال الإدريسي ما نصه: إن جزيرة صقلية فريدة الزمان فضلاً ومحاسن ووحيدة البلدان طيباً ومساكن وقديماً دخلها المتجولون من سائر الأقطار والمترددون بين المدن والأمصار وكلهم أجمعوا عَلَى تفضيلها وشرف مقدارها، وأعجبوا بزاهر حسنها ونطقوا بفضائل ما بها وما جمعته من مفترق المحاسن وضمته من خيرات المواطن. ثم تخلص إلى مدح رجار الأول بن تنقريد ثم عاد إلى مدح رجار الثاني. ثم عاد إلى الكلام عَلَى الجزيرة وقال: (فأما صقلية لقدم ذكرها فأقدارها خطيرة، وأعمالها كبيرة، وبلدانها كثيرة، ومحاسنها جمة، ومناقبها ضخمة، فإن نحن حاولنا إحصاء فضائلها عدداً وذكرنا أحوالها بلداً بلدا، عز في ذلك المطلب، ضاق فيه المسلك، لكنا نورد منها جملاً يستدل بها ويحصل عَلَى الغرض المقصود منها إن شاء الله تعالى!). الأمة والتعليم نشر جبرائيل سيايل من علماء فرنسا كتاباً أسماه (التربية والثورة) تكلم فيه عن واجبات الحكومة نحو الرعية وواجبات الرعية نحو الحكومة ولاسيما عامة الشعب وسوادهم الأعظم وقع في ٢٥٠ صفحة وهاك تعريب ثلاثة فصول منه قال في حقوق الأمة في التعليم وهو مقدمة الكتاب: من راقب الأمور بنظر الناقد البصير لا يلبث أن يسجل بأن الانطباع عَلَى الديمقراطية لا يتأتى إلا إذا كان له عون من الأفراد أنفسهم فالديمقراطية هي في الحقيقة تربية وتعليم لا خلقة وملكة أرثية ولا تنشأ العبودية إلا من ضاعة النفس، ولا يتمثل الظلم إلا من لؤم الطباع من يخنعون له ويتقبلونه بقبول حسن. فينبغي الحالة هذه إبدال الأوضاع والقوانين. طرائق الاستملاك كما يقتضي قلب حالة الأفراد حتى إذا تم لهم ذلك لا يعتمون أن يقبلوا كيان المجتمع عَلَى صورتهم وأمثالهم. ولهذا اقتضى ألا تخضع الأمة خضوعاً أعمى فتكتفي بأن يكون لها رأي في انتخاب نوابها. بل كان عَلَى عامة أفرادها أن يكون لكل منهم وجدان وقوف عَلَى ما هم آخذون أنفسهم به من مؤازرة مجتمعهم وحكومتهم. وهكذا يتبدل الأشخاص إذا أبدلت الأشياء فيتعلمون بالتربية كيفية الوصول إلى معاملة حكوماتهم لهم بالعدل والقسط وينشأ لهم مجتمع مستل لا يكون الظلم حليفه ولا الإعنات رديفه. إذا قلنا أن العليم حق للجميع وأنم عَلَى العارفين المتعلمين فروضاً عينية يقومون بها لنفع الجاهلين الأميين فلا ترانا أتينا بفكر خارق للعادة لم يعهد له نظير فقد اعتقد جميع العارفين والعلمين بأنه ينبغي تصفية ينابيع المعارف والعلوم ليتيسر أن يستقي من مرودها أفراد الأمة وتعد فوائدها هذا الحيوان الناطق. ومن العبث أن نقول أن العلماء يعملون عَلَى بث فضل علومهم سعياً وراء أغراض لهم خاصة وإرضاءً لما في صدروهم من الأنانية وحب الذات وحرصاً عَلَى فائدة ينالها بعضهم أو لبلوغ مرقاة من مراقي الكمال تقتصر عنها يد المتناول وما عَلَى المدارس والكليات الجامعة إلا أن تأخذ بيد الأمة في هذا السبيل وتعرفها مصالحها وتعلمها ما يحفظ به كيانه. وحري بنا أن ندعو إلى الأفكار التي تقل العناية بها لأنها تبدو في مظهر يفهم منه أنها طبيعية عامة لا تحتمل الجدال والقيل والقال وأن تتدبرها ليتجلى لنا معناها وأصلها لآنا كثيراًُ ما نراها تحمل في مطاويها معتقدات نشكو من وجودها ومبادئ هي في الحقيقة قوة هذا العصر وشرفه الأثيل. وهذه الأفكار الجديدة الغريبة هي أن يكون لجميع الناس حق الاشتراك في درك الحقيقة وأن يكون عليهم واجبات يقضي بها عليهم واجب العلم وأن تكون بين العلماء وعامة الأمة روابط أدبية ليوحوا إليهم بما في صدورهم من علم صحيح ويشاطروهم ما حازوه من نعمة العقل الواسع والفهم الجم. وإذا استفتيت التاريخ عن هذه الطريقة التي نراها أنجع الطرق في تعليم الأمة لا تجد لها أثراً في العصور السالفة إذ لم يكن إذ ذاك رابطة روحية بين خاصة الأمة وعامتها بل كان الخاصة يحكمون والعامة يخضعون. وكنت ترى السياسة بأيدي الملك ومستشاريه وتضعف بضعفهم وتقوى بقوتهم والمملكة تفنى في شخص واحد يعمل ما يزن له هواه وحسابه عَلَى الله. وكنت تشهد تحت أيدي المفكرين والعاملين أصنافاً وأجيالاً من الخلق هم الدهماء وعامة الشعب يعملون ويشقون وقلما تتنبه أذهانهم للمطالبة بحقوقهم إلا إذا بلغت منهم الشدة والإعنات والجور مبلغاً. أما في هذا المجتمع الحديث فإن العلماء والفلاسفة - وعلماء الدين يراقبونهم - يتعرضون للبحث عن الحقيقة التي لا تخلو من خطر لما ينجم عنها من القلب والإبدل وهم يؤلفون مجتمعاً صغيراً هو إلى الخيال أقرب منها إلى الحقيقة. مجتمعاً لا نظام له وليس له قانون مكتوب. نشأ بنفسه لنفسه تحدوه مطالب ارتقاء العلم وتسوقه ضرورة المراقبة عَلَى العقول. وهذا المجتمع الذي تتجلى فيه وحدة المجتمع البشري هو مشترك بين الأمم ينتقل من بلد إلى أخرى. وأعضاءه المتشبعون بأفكار واحدة والمتضامنون في عمل مشترك لا دخل فيه لهوى الأفراد يتراسلون ويعرضون المشاكل بعضهم عَلَى الآخر ويقترحون جلها بينهم وإذا ساحوا فإن سياحتهم ليمتعوا أبصارهم برؤية بعضهم وليتعارفوا ويتعاطفوا ويتبادلوا أفكارهم عَلَى صورة مخاطبات تكون عاقبتها بينهم كثرة المراسلة. وفي رسائل الفيلسوفين ديكارت الفرنسوي وليبنتز الألماني شهادة حية ناطقة بائتمار العلماء في مبادلة الأفكار وتوفرهم عَلَى تحرير العقول من رقها للبحث عن الحقيقة وكان من دواعي الاتصال بين العلماء اعتمادهم عَلَى اللغة اللاتينية وهي اللغة التي كان يتكلم ويكتب بها جميع المنورين. وكلما كان هذا النهج يتضح ويصير إلى المحسوسات أقرب وإلى البحث لا إلى التصور وإلى تقسيم الأعمال بين أهل الاشتغال من الرجال - كان العلماء يدركون بأن حاجتهم بعضهم إلى بعض ماسة كل المساس. إن أعمالهم ينبغي لها أن تكون متجهة إلى مركز واحد وأنهم كلما اتحدت وجهتهم نحو فكر واحد واشتركوا يداً واحدة في عمل واحد أصبحوا كأبناء الوطن الواحد الذين يسعون إلى إبلاغ بلادهم مبالغ الكمال. قام بيل الكاتب الفرنسوي ( ١٦٢٥ - ١٧٩٨ ) المبشر بدعوة الفيلسوف فولتير بالإصلاح والتجأ إلى هولاندة لأن ظلم لويس الرابع عشر جعل تلك المملكة الصغيرة أرض الأفكار الحرة وهناك اخذ بنشر كراسة عَلَى شكل مجلة تحت عنوان ينبئ بما ينطوي عليه من المعاني الحسان وهو أخبار جمهورية الآداب وهذه الجمهورية التي حد لها ولا تخوم ولا جرم تجل عن المصالح المادية والمطامع ومزاحمة الأمراء ومنها أخذت الإنسانية تدخل في طورها المعهود وعظمتها الفائقة ولكن ما الفائدة من تعارف العلماء واجتماعهم وأي خير يرجى إذا ألفوا من أفرادهم نخبة لا اتصال بينهم وبين عامة الأمة وجهلوا أحوال الأمة لأن كيانها عدن واجتماعها منحل العرى. جاء القرن الثامن عشر فامتزجت الفلسفة بالحياة وأصبحت تنطق بلسان الناس وتبدو بأشكال منوعة. فدخلت روحها في الراويات والقصص والوقائع التمثيلية والهزلية والمحاورات واستخدمت لغاياتها ما بدر عَلَى قلم الفيلسوف فولتير من قوارص الاستهزاء والتهكم ما انبعثت له قريحة الحكيم ديدرو وما تدفق من معين البلاغة عَلَى لسان جان جاك روسو. أخذت الفلسفة تحمل حملات عَلَى السلطة المطلقة وتدك معالم الأوهام وتفتح العيون لتريها سخف السخفاء وكانت تنظر إلى ذلك من قبل نظر الاستئناس لتكرره عَلَى النظر. وتنبه الأفكار التي أصيبت بها الناس في عاداتهم وأخلاقهم وتهزأ بمن لم ينطبع بطابع التسامح وبمن لا تشمئز نفسه من الظلم الفاضح وتبن مسافة الخلف الذي حدث بالتدريج بين هذه الأعمال البربرية والوجدان البشري ذلك عَلَى الرغم من أنصار التقليد والمحافظين عَلَى الأوهام الخيالات وهناك نشأت قوة جديدة وأعني قوة الرأي العام عَلَى أن هذا الرأي العام لا يزال مقصوراً عَلَى أرباب القصور وصادراً عن خاصة الناس وعلية القوم من أرباب الأموال والأملاك وقادة الأفكار من الفلاسفة وربات الأفكار من النساء وكلهم بما امتازوا به من ضروب التميز عَلَى غيرهم من عامة الشعب قد أحرزوا نعمة التميز والفكر. وقال من فصل آخر: وسعت الثورة الفرنسوية دائرة الإنسانية فأدخلت فيها الناس عَلَى اختلاف أجناسهم. عمت ولم تخصص وتوسعت في مراميها ومعانيها وراحت تعامل جماع الخلق مطبقة ما ورد في فلسفة أرسطو من تعريف الإنسان أنه حيوان عاقل قائلة بأنه إذا كان ذلك فلا يتأتى إبعاده من حيز العقل كما لا يتيسر طرده من الإنسانية. فالتعليم حق لا يفادي به المرء إلا إذا فادى بنفسه. لقد قرأت في قاعدة تمثال السياسي دانتون هذه الكلمة: التعليم أول ما تحتاجه الأمة بعد الخبز الذي تأكله وكلنا يعلم أن الديمقراطية نشأت من المعاكسات والمناهضات والمقاومات ولا تزال تسلك سبل النجاح والارتقاء. لا غنية للديمقراطية عن خيرة رجال كما لا يسعها أن تقدر الذكاء والعلم والفضيلة حق قدرها ولا مشاحة في أن الديمقراطية تأتي عَلَى الحواجز التي كانت تحول بين الطبقة العالية وجمهور الأمة فتدكها من أساسها ذلك لأن المجتمع يختار كبار الرجال من جمهور أهل البلاد ممن ينشؤن أبداً بين ظهراني عامة الناس. لا يزالون ينمون ويتحدون بما يصدر إليهم من حوض القوة والنشاط وأعني بهذا الحوض البلاد فإذا اعتزل هؤلاء الرجال واقتصروا عَلَى الاجتماع بأبناء طبقتهم محتقرين ما عداها فإنهم يقضون عَلَى أنفسهم بالضعف وعلى أمرهم بالفشل. ليس الشعب هو الجمهور بل هو الأمة وهو الحاكم المتحكم. والفكر لا يكون إلا مجردات ونظريات إذا لم يكن له كيان وحقيقة تؤثر في عقول أبناء الأمة وإرادتهم. وعلى الطبقة الخاصة من الناس وهي في الأصل ممتزجة بجهلاء الأمة وأهل الوضاعة منهم أن يكون لها اتصال بالشعب وعليها أن تعمل عَلَى إقناعه لتنال ثقته. تتصل به وتشركه في معرفة لحقيقة السامية التي تخضع لناموسها الإرادات المختارة. ولى مجموع يتألف منهم المجتمع الديمقراطي أن يشتركوا في الحياة الوطنية. مطالب الوطن بأن مطالب التمدن هي هي أعز مصالحنا التي نرمي إلى نيلها وتستلزم هذه المطالب أن لا يكون حث الأمة في التعليم من الشرائع المنسوخة فقد فرضنا آنفاً من باب التجوز أن كل امرئ هو شخص في ذاته وأن كل حي خلق عَلَى صورة البشر هو إنسان وقسمنا بينهم السلطة التي كانت في القديم محصورة في يد فرد واحد فعلينا أن لا نحجم فيما ندعو إليه وقد أوشكنا أن نفلح فيه إلا وأنه يجب إذا أرنا أن تتفق الأخلاق مع الأوضاع ولا تناقض الحقيقة مبادئ الوطنية الرئيسة أن يقدر كل فرد عَلَى القيام بالواجبات الناشئة من الحقوق التي له ومن الضروري أن يكون الإنسان خلقاً يعقل لأنا فرضنا له ذلك وبنينا قواعد كلامنا عليه. تعليم عامة الأمة هو من النتائج المعقولة في إشراكها بانتخابات ينبغي أن يكون للأمة من العقل ما تتقي به غوائل التفرق واختلاف الآراء. أن يكون لها من معدات التعليم ما تحسن معه أن تسير في الخطة المثلى وتجري مع مهيع السداد وهذا لا يصح لها إلا إذا أحرز أفرادها نصيباً من الذكاء والنظر في العواقب وثبات الجنان. الديمقراطية لا تغفل عن تعليم الأمة إلا إذا أوكلت أمرها لجماعة من المتوحشين من أجل هذا ضاعفت الجمهورية الفرنسية عدد المدارس والكتاتيب ودور المعلمين والصنائع. من أجل هذا عرف العلماء والفلاسفة ما يجب عليهم القيام به من خدمة البشر فاهتموا من وراء الغاية بكشف القناع عن محيا الحقيقة ورأوا من أقدس فروضهم أن يسعوا السعي الحثيث إلى بثها في عقول الأمة صغيرها وكبيرها. ومن أجل هذا نريد أن نجعل للعقول حظاً من إدراك القوانين الضرورية وأن يتناغى الأفراد في بلوغ أسمى الماطالب والأمة تصير إلى انحطاط إذا نزعت منها هذه الفكرة. فيتألف من ذلك المجموع أمة تعضدها إرادتها في اختيار أحسن الأمور وتوقن أن العلم يهيئ وحده حقيقة ما ينبغي وما يجب أن يكون. ومن أرباب الأفكار من يذهبون إلى أن فرنسا أخطأت القصد في ثورتها فكان عليها أن تنير عقول العامة قبل أن تسعى إلى تحريرهم من رق السياسة وأنها بعملها هذا قد حلت عرى الصلة التي كانت بين الخاصة والعامة وأصبح قبول الفصل للأكثرية الجاهلة لا الأقلية العاقلة وأن فرنسا بدأت من النهاية وهي طريقة غريبة في العمل ويقولون أننا أسأنا بتأسيس أوضاعنا عَلَى الأماني الواهين باستنادنا عَلَى العامة والغوغاء من مجموع الأمة وأخطأنا أن بنينا عَلَى خيوط العناكب هذا الشبح من هذيان الفلسفة. فلسفة المساواة بين أبناء الوطن الواحد وأسلمنا المجتمع والتمدن إلى من. إلى الرجل الفطري الذي بين أيدينا. إلى العالمي الذي يطوف الشوارع. إلى حيوان شرير مفترس فاسق. عَلَى أنني أرى عَلَى الرغم مما يقولون أولئك المتفلسفون أن من الأمور ما ينبغي أن يبدأ من غاياته وهكذا يشرع في الأعمال العظيمة كلها. فالشاعر لا ينظم قصيدة من أبيات ملتحم آخرها بأولها. والمصور يرسم التقاطيع أولاً. والصانع يرى بادئ بدءٍ ما يريد صنعه دفعة واحدة فيتصوره في مجموعه ويحصر فيه ذهنه. وهذا الباعث الداخلي هو الذي يحمله عَلَى أن يفادي بصرف عمره كله ليحكم صناعته ويشرك الناس فيما وقع في نفسه أنه جميل نافع فالفكر يخترع صوراً جديدة من الخير ليحققها ليجدر بالأمم كلها كما يجدر بالأفراد أن يجعلوا نصب أعينهم في حياتهم واجباً كبيراً لا يغفلونه. وليت شعري هل كان أرباب الإصلاح منا يحظون بالجل الرشيد لو قعدوا ويتوقعون طلعته وهل كانوا يفوزون من عملهم بطائل ويقوم بيننا داعي الحضارة ينادي حي عَلَى الفلاح. إلا أن تعليم الأمة من أعز مصالحنا لأن فيه السلامة العامة. عَلَى أني لا آسف إذا كانت المصلحة طوعاً أو كرهاً من جانب العدل والحقيقة. ولكن دعونا من التلميح فالأمور لا تسير يدون مسير وتعليمنا لا تقوم له قائمة بما تصدره نظائرنا من المنشورات وما يلقيه لعضهم من الخطب وما يصرح به آخرون - كل هذه لا تعفينا من الاعتماد والسعي في إصلاح الحال والاعتماد عَلَى أنفسنا لإصلاح المآل. لا نقعدن ونحن نتوقعه أن تجري الأمور من نفسها عَلَى محو السداد فلن يقع إلا ما نحسن إرادته ومصيرنا بيدنا وسعادتنا مناط همتنا. فعلى كل فرد منا أن تكون له إرادة ثابتة كما أن يكون كما يحق له وكما يجب أن يكون عليه. عَلَى الرجل الحر أن يتعلم ويتيقظ كل التيقظ لما فيه عظمته التي هو ضمن حارس لها وأن يثق كل الثقة أن ليس في الأعمال ما هو وضيع في ذاته وأن العظائم في هذه الدنيا هي مجموع ثمرة أعمال كثيرة فإذا عمل المرءُ لنفسه فنتيجة عمله عائدة عليه وعلى الناس أجمعين. وقال في معنى المدارس الحرة أي اللادينية ما نصه: الحنق والغضب أيها الأساتذة هو من العواطف التي لا يليق أن تسري إلى قلوبكم لأنها منافية للمهمة التي عهدت إليكم من إنارة العقول وتربية الملكات. فالمدرسة ولا أزيدكم علماً ليست لشيعة مخصوصة ولا لأهل حزب معين بل هي للأمة بمجموعها ولذلك لا ينطبق مع مصلحتها أن تكون خطتها إلقاء بذور الكراهة والتناكر لأن لأبناء البلاد عَلَى اختلاف أصولهم وأديانهم الحق أن يتبسطوا في بقاعها ورباعها وعليهم حقوق يقضونها عَلَى حد سواء. وإني لأغتبط كلمت رأيت بأن عَلَى الأستاذ ألا يدرك قواعد الأوهام والخرافات إلا بإقامة ما يخلفها من الحقائق السامية وكلما رأيته مضطراً بحكم الضرورة إلى تجنب كل مشاغبة واعتراض وأن يلقي في الأذهان ما ثبت ووقع موقع الحسن ولم يقبل النقض من حقائق العلم ولا ينكر إلا ما لا يسعنا الاعتقاد به عن إيمان وإخلاص. المدرسة الحرة التي لا تمس فيها الشعائر والعواطف ليست مما تجعل التعليم مشوشاً لا قيمة له ولا تأثير وتسلب المعلم الجرأة التي تعينه عَلَى القيام بعمله الشاق. وما معنى المدرسة الحرة الذي أقصده إلا أنها لا تنكر عَلَى معتقد اعتقاده ولا تحمل عَلَى الوجدانات وتنزع إلى ما دخل أعماق القلوب. المدرسة الحرة هي التي تهتم من وراء الغاية بمناهضة الأوهام كما تعنى بإقامة دعائم الحق بمعنى أنها تبذل جهدها فيما يجمع العقول في ظل مشرب واحد لا يوزعها ولا يهزعها. المدرسة الحرة هي التي إذا ناهضت الكاذب في كذبه والكافر في كفره والمتعصب في تعصبه فمناهضتها بأن توحي إلى القلوب حقائق أدبية لا يجسر امرؤ أن يجادل في صحتها جهاراً. ليست المدرسة سلاحاً تستخدم للحرب ولا أداة تستعمل للغلبة بين الأحزاب. وليست المدرسة الحرة من الأوضاع الصناعية العارضة بل أرى لها في الماضي أصولاً تشعبت منها وقواعد قامت عليها. إن لها من التاريخ أثراً وحكمة وهي موافقة لما تم للعلم من الارتقاء وما نشأ عليه الوجدان البشري. قام العلم المجرد منذ القرن السادس عشر مقام علم اللاهوت بفضل المذاهب الفلسفية العملية ووضعها موضع التطبيق. قام العلم المجرد يحقق نفسه ويزكيها بما عظم من أمره واتسعت به سلطته التي أمديها الإنسان وسلطة فيها عَلَى الوجود. لم تقم قط الوحدة الوطنية منذ ثار ثائر الثورة الفرنسية عَلَى وحدة الدين والمذهب. وهذا ما دعا إلى أن يكون في المجتمع المدني مبادئ تخوله البقاء والنهوض. وهكذا يرجع الحق الديني القديم القهقرى عَلَى التدريج أمام الحق البشري. وينبعث من ذلك بالتدريج فكر جديد بأن يكتفي المجتمع بما لديه من المقومات والمشخصات. وأنه بما ينشأ في وسطه من الأوضاع البشرية ثمين فقي ذاته غني باسمه وصفاته ويورث الناس قوة تبعثهم عَلَى ورود موارد الكمال. وأم لهم مهما كانت أديانهم وفلسفتهم ومزاعمهم عن العالم الثاني من المجتمع الذي يوليهم الذكاء والإرادة ما يرتفعون به إلى الإنسانية الحقيقية. والمجتمع في مكنته بل هو مضطر إلى أن يهب أعضاؤه المؤلف منهم تربية فيها جميع المواد اللازمة والحاجات المبرمة والغايات السامية. يتعذر عَلَى المدرسة الآن أن تتصبغ بصبغة الدين لأن العلم والمجتمع قد نزعا عنهما تلك الصبغة ولأن المرء أصبح له مجموعة أفكار بشأن العالم والحياة هو كان أصلاً لها وعنه انبعثت وصدرت لأن الأديان التي يزعم كل منها أن الله أوحى لها بالحقيقة المطلقة وعهد إليها بالدعوة إلى انتحالها. هذه الأفكار التي أتت من الإنسان نفسه هي التي بها تتحد الإرادات في الناس عَلَى قدر القرائح والعقول. إنا ندعو في مدرستنا الحرة إلى تحرير العقول من التشيع للمذاهب وندفع فيها التأثيرات التي لا يقول فيها العلم. نريد في هذه المدرسة أنه لا بقاء للمجتمع إلا إذا عمل بسنة العقل وتأثر بالمؤثرات الدنيوية فالعقل يعرب في كل وجدان عن نتيجة العمل الإنساني الجليل الذي يبني الفكر عَلَى أسلوبه ومباديه. وقال في المدرسة الحرة ما تعريب: أعيذك من اتخاذ الوطن موطناً للبغضاء والشخناء ومن جعل اسمه مردفاً للحرب والفتن الشعواء. علم يا هذا الأمم الكبرى الحديثة بأنها متضامنة لا غنية لإحداها عن الأخرى وأن مصالح كبار أهل الوطن الواحد متحدة فيهم يبطلون الحروب ويتوصلون إلى كبح جماح الأمم وحظر الانتقام عليها ويصنعون لها ما يجب عليها من أسباب التحكيم في مسائل الخلاف ويجيبون إلى نفوسها الإحسان والسلام إذا كنت تريد يا هذا أن تجنب بلادك إلى الناس فإياك أن تعمد إلى قلوب الناشئة الموكل إليك تهذيبهم فتغرس فيها ما يعبث بوجداناتهم بل حاول أن تطهر قلوبهم وتعرضها كما ينبغي لنا أن نراها. علم الناشئة واغرس في نفوسهم ملكة الشعور بعظمة أمنيتهم الحقيقية. اكشف لهم حجاب الماضي واعرض عَلَى أنظارهم تاريخهم ولا تنس أن تطلعهم عَلَى حاضرهم وترشدهم إلى مستقبلهم. علمهم ما يقوي إرادتهم في طلب العدل وثقتهم في الحق ولقنهم ما يستطيعون معه أن يفادوا بنفوسهم ليهيؤا مدنية أفضل من المدنية الحاضرة. ثق بأن الناس لا يتوقفون عن ورود مواد الردى مدفوعين بتوهم الكمال إذا عرفت كيف تلقي في نفوسهم أن هذا الكما لهو مادة حياتهم وبدونه لا تقوم لهم قائمة فإن صح أن هاذ التناهي في الكمال مناف للشدة وإزهاق الأرواح وجميع ضروب القتل ولا يكون إلا بتوطيد دعائم السلم بين الأمم فلا تطلب إلى ما تريد صلاحهم أن يتطاولوا فقط إلى الدفع عن حياتهم وحبها والإدلال بقدرها بل سهل في نظرهم بذل مبهجهم في سبيل حرب الوحدة وأعني بها حرب المطالبة بحقوقنا والحرب فقي الدفاع عن استقلال أمتنا. أنشئت المدارس لتخريج جميع من يخرجون فيها أحراراً وطنيين. فوظيفتكم أيها المعلمون أن تعلمون أولاد الأمة. ومن المتعذر عليكم أن لا تخلفوا بمطالبها المشروعة أو أن تعاكسوها في مقاصدها عَلَى حين أنكم تعرفون حاجاتها وآلامها نعم أنتم معلمون وظيفتكم قد هدتكم إلى ما لا يعرفه غيركم أو يعرفه وينساه. استفدتم من تجاربكم اليومية ما مكنكم من الوقوف عَلَى حالة الطبيعة البشرية وأن هذه الطبيعة وكثيراً ما نخطئ محجة الصواب وأنها في ذاتها ليست صالحة وأنه ينبغي لها أن تخضع فينا كلنا لنظام العقل والإرادة. تحظر عليكم مهمتكم أيها السادة أمراً واحداً وهو أنه لا تيسير لكم أن تعتقدوا بأنه يكفي انتظار الجنة أو الحلم بها. أنتم عارفون بأنه لا يكفي تغيير الأوضاع السياسية لتبديل الناس تبديلها وأن ضمن طرق في تربية المجتمعات أن تربي الأفراد الذين تتألف منهم العناصر التي هم في الحقيقة سداها ولحمتها. فسياستكم في تعليم الأولاد أن تعرفوهم قدر الكد والعمل وأن صلاح المجتمع بصلاحهم أنفسهم. إذا فعلتم ذلك تبدؤون بتحرير الأمة عَلَى ما ينبغي من قيودها وإذا حررتموها بقدر ما في وسعكم من عبودياتها الباطنية فإنكم تعدون المجتمع المقبل بعملكم هذا لأن يكون فيه رجال أكفاء أحرياء بتولي الأعمال والعيش في المجتمع. يتهكم خصوم المدرسة الحرة بأن مدرستكم أداة حرب يقصد بها حرب الكنيسة وأنها مخالفة لروح السلطة الروحية. ولكن فاتهم أن التعليم العلمي العلماوي هو نقيض التعليم الديني وأن من شأن المدرسة الحرة أن تبتعد عن إشهار الحرب بين العقول وأن تعمل عَلَى ربط أواخي الإخاء والسلام المتبادل بين العالمين. قال إدغار كيني سنة ١٨٤٩ في كتابه تعليم الأمة: طالما ذهبت إلى أن المجتمع الحديث قائم عَلَى مبدأ لا يستطيع القيام به غيره. وعلى هذا المبدأ قام حقه المطلق في تعليم العلوم المدنية. أساس هذا المجتمع الذي يربط بين أجزاءه ويمنعه من السقوط هو أن فيه نقطة لا يمكن تعليمها بمثل السلطة التي اتخذتها لنفسها إحدى الأديان الرسمية. هذا المجتمع يقوم عَلَى مبدأ حب أهل الوطن الواحد بعضهم بعضاً بقطع النظر عن معتقداتهم. فمن الذي يا ترى يتولى نشر هذا المذهب الذي هو في الحقيقة مادة العلم الحديث وهيولاه؟ يتولاه بالفعل لا بالقول. من يعلم الكاثوليكي أن يكون أخا اليهودي؟ هل يعلم ذلك وهو الذي من أصول دينه أن يلعن اليهودي؟ من يعلم البرتستانتي حب البابوي؟ ألوثيروس صاحب الذهب البرتستانتي؟ أم البابا إمام الأحبار. ومع هذا ينبغي أن يجتمع أهل الأديان الأربعة الذين اعتادوا أن يتبادلوا كره بعضهم بعضاً تحت لواء واحد يضم شملهم الحب المشترك؟ من يأتي بهذه الآية؟ ومن يجمع هؤلاء الأعداء الألداء؟ لا شك أنه لا يجمعهم إلا مبدأ واحد سام عام. يجمعهم مبدأ ليس لأهل بيعة خاصة. هذا هو أساس التعليم الحر اهـ. هذا الكلام عَلَى شده فيه مسلم به كله إذ أن وظيفة المدرسة تنقل تجارب الإنسانية في الأدب تنقل هذا الإرث المشترك في الحقائق المنشودة التي يهم أن يشترك فيها الناس أجمعون. يتيسر جمع الناس تحت لواء الحقائق الكبرى فمن العقل أن يتعلم أولاد الأمة الواحدة أن يتكلموا لغة أخلاقية مشتركة ويفزغوا إلى مبادئها ليتخذوها قاعدة تجري عليها أفكارهم وأعمالهم. يقولون أن من غرض المدرسة الحرة أن تدك قواعد البيعة الكاثوليكية التي تزعم أن لها عَلَى المجتمعات البشرية حق السيطرة الروحية ممنوحة لها من الخالق تعالى. ولبكن مما توصف به القرون الحديثة منذ عهد الإصلاح إلى عهد الثورة الفرنسية التي لم تنته من عملها إلى اليوم أن تكون البلاد بجميعه ما فيها من الأعمال آخذة تنصبغ بصبغة دنيوية. ليست المدرسة الحرة العامية من العوارض التي نشأت في المجتمع من ذاتها بل هي نتيجة حوادث ماضية وهي من لوازم المجتمع في فصل الشؤون الدينية عن الدنيوية. فالمدرسة الحرة ليست بهذا النظر عدوة الأديان الصحيحة بل تجهلها وترى أن في مكنتها أن تربي أبناءها عَلَى يدها وحدها. جاء زنة كانت فيه العادات والأخلاق بل الحق برمته مرتبطة بالدين فكان من الكنيسة أن توسعت في سلطتها الروحية بدون رقيب. من يقصر حقه عَلَى الظلم يضطهده والظلم يقضي بأن تكون القوة تحت أمره ويدير دفة الشؤون الدنيوية ويقمع العصاة ولكن المجتمع المدني بعد أن قاسى كثيراً من الظلم قد تخلص منه ورأى أن يحسن القيام بإدارة نفسه بنفسه. وتاريخ الفرنسويين لو نظرنا فيه مناف للكهنوتية ولطالما حاول أجدادنا أن ينزعوا ربقة الخضوع للكنيسة. فصل الكنائس عن الحكومات بعقبه جعل المدارس حرة هو تنفيذ لمبدأ واحد هو لا يترجم بالفعل إلا عما هو مغروس في طبائعنا وقوانيننا وأفكارنا وأعني بذلك فصل الحياة السياسية عن الحياة الدينية وأن تقول في ذلك الخصوم ما تقولوا. إلا أننا لقوم لا نريد الانحناء عَلَى الأديان ونزعها من النفوس ليدين الناس بالعدم بل نريد أن لا تكون عَلَى أعمالنا وعمالنا وحكومتنا ومجتمعنا مسحة دينية. نريد أن يكون الدين كما هو حقيقة. نريد أن تفي عنه ما ليس له. نروم أن يكون الدين لله وللمرء بينه وبينه نفسه لا علاقة بينه وبين الحكومة ونحن بعملنا هذا لا نشهر حرباً بل نلقي سلاماً. وقال أيضاً في المدرسة الحرة: أيها السادة: إننا لم نتخلص من سلطة الكنيسة لنبدلها بظلم طائفة الموظفين المنافقين. نحن لا نقول بالإلحاد الرسمي ولا ندعو إلى الاعتقاد بالدين بحجة شرعية وضمان الحكومة. فالإلحاد الرسمي هو أبشع مظاهر التعصب وعدم التسامح. إن الحكومات الجديدة تقصد إلى إلباس العامية التدريجية فلا علاقة للقانون أصلاً بالمذاهب والنحل بل إن له من الأوضاع البشرية ضماناً ومن المصلحة العامة ما يقوم عَلَى أساسه. فليس الزواج سراً من الأسرار الدينية بل هو عقد مدني وليس الملك كما قيل تعضده قوة سماوية ويسمح المسحة المقدسة ويستمد حقه الإلهي من السموات العلي بل هو من الشعب وهو ممثل إرادة مجموع الأمة. وسوف يكون بعد الآن كل ما هو ديني لا علاقة له بالاجتماع: الدين من خصوصيات النفس لا اتصال له بالوجدان الشخصي. ألقت اختلافاتنا الدينية بيننا العداوة والبغضاء فانقسمنا بها عَلَى أنفسنا ولا يتأتي أن يحف السلام أرضنا والائتلاف ديارنا ولا أن يكون لنا منها أدب مشترك. لا يسوغ ن تكون المدرسة العامة إلا كما تكون الحكومة مصبوغة بغير الصبغة الدينية فإذا استوفت هذا الشرط وجحده تصبح ما يجب أن تكون وتقوم بما هو دعامتها ومادة حياتها. إن جمهوريتنا لا تبحث عن مبدأ وحدتها في التعليم الديني بل هي تعن باستقلالها عن كلب سلطة روحية وترى أن لها من نفسها ما يرفع بنيانها وأن لها من مراميها الخاصة جميع ما هو قوام حياتها وبقائها. وفي وسع جمهوريتنا أيها السادة أن تنفح أبنائها كلهم تربية أساسها ما يجمع شملهم لا ما يشتت جامعتهم. وبدون الاتحاد في الأفكار والمقاصد لا سيكون المجتمع الإنساني إلا موطن مكره وتشتيت حقيقي. وبدون التربية المشتركة والتعليم الأخلاقي العامي لا وطن ولا جامعة. فالتربية الوطنية ي الحكومات التي تدعي أنها تملك رقاب الناس بحق سماوي هي من توابع التربية الدينية. ووجود القس فيها ضروري ليدعو إلى الطاعة العمياء ويؤله الشخص الحاكم الذي يحكم المملكة بأسرها. أما الديمقراطية فلا تخرج عن حدودها ولا تخضع المرء إلى إرادة عرفية بل تطلب إلى أفرادها أن يخضعوا للقانون ليس هو إلا ما يرضي الجميع عَلَى شروط تضمن فيه السلام والبقاء. ترى الجمهورية أن تقبض عَلَى عنان التربية. ولكن أي تربية وماذا يكون نوعها وكيف يلتئم هذا النوع من التربية مع احترام الحرية والوجدان الشخصي. إننا نحصر أنفسنا في أمور تافهة ونقتصر عَلَى تعداد الواجبات بدون أن نعد لها أسبابها فيتعلم أولادنا هذه القواعد المزوقة المتسلسلة بدون أن يفهمها فالطفل يتعلمها ولكنه لا يفهمها. إن كنتم أيها الأساتذة تريدون أن تعدوا أفكار حرية قوية فعليكم أن تخففوا من الإكثار عَلَى الذاكرة وتستعيضوا عن ذلك بتمرين العقل. ينبغي لكم إذا رغبتم في أن تجعلوا التعليم الأخلاقي تربية للضمائر أن تقوموا مع من عهد إليكم أمرها من الأطفال بما يتجلي لأعينهم معه الق وتذكروا لهم قواعد التربية عَلَى اختلاف ضروبها هي نتائج مبدأ يفهمه الفكر وترضية الإرادة ويحييه الشعور. وبهذه الشروط فقد تصبح الحقائق التي تعلمونا حقيقة حية مرتبطة بأعمال الفكر الذي يوليها عَلَى الدوام ما يكشف القناع عنها ويظهرها في مظهر الحق كلما جد تطبيقها. وما دمت يا هذا تعدد الواجبات العامة وتأمر بالنظافة والاعتدال والشجاعة فالعالم يوافقونك عَلَى ما تقول ومتى حاولت أن ترجع هذه الأمور إلى مبدأ عام وصرحت بفكر عام في الحياة وقيمتها ومعناها فهناك تختلف الأفكار وتتعارض. لا تعملوا عَلَى ما فيه هضم حقوق الوجدانات واستعبادها بل تلقونها اعتقادات لا تحلم النفوس أن تدافع عنها بحجة أنكم تريدون أن تعدوا عقولاً حرة ذات كفؤ للعمل. الحكومة الجمهورية لها الحق في البقاؤ بل يجب عليها أن تحرص عليه وتحتاط لنفسها وتدافع عن حوزتها. فهي قائمة عَلَى محض احترام الحريات المتبادلة ومن حقها بل من واجبها أن تعد جيلاً من الناس يكون منه ضمان بقائها وارتقاء قوانينها. يعتقد بعضهم في جمهوريتنا بأنها جعلت للفرد مكياناً فراح يتخيل إليه بأنه عنصر من المجتمع لا يقوم بغيره. نعم إن أفراد جمهورية حرة لا يتأتى إلا أن يكونوا رجالاً فيحب أن يكون لهم من أنفسهم ما يعلي مقامهم في عيونهم وما يرفع من دركات البهيمية لتكون لهم إرادة وحرية فيفهمون معاني الاعتدال والحكمة والمفاسد والخرافات. فالمرء إذا انقسم عَلَى نفسه واستعبد لشهواته لا يكون إلا متعدداً مشتتاً له علاقة بكل شيء إلا نفسه. وأول ما يفرض عَلَى الإنسان أن يجعل لنفسه كياناً في أفكاره وأعماله ومضاء نفسه. لا يعد الإنسان إنساناً إلا بين الناس وكل ما يحرره من عبوديته القديمة ويعلي مقامه عن دركات البهيمية ويصفه بالأوصاف الجميلة ويحدد له عمله (سواء كان بالعلم أو بالصنائع أو بالأخلاق) ينشأ من مساعدة الأفكار بعضها لبعض ومن مشاركة الإرادات والمقاصد. أنا لست إنساناً حقيقياً إلا إذا ارتضيت بقانونه الاشتراك والتضامن بحيث أكون مديناً للمجتمع ومساعداً لجميع أخواني فغي البشرية ولهم علي من الحقوق مثل مالي عليهم اهـ. هذه شذرات من هذا الكتاب النافع ولو اتسع لنا المجال أكثر من الآن لاقتبسنا منه فوائد كثيرة وهو كلمة عَلَى سق واحد ولا حشو فيه ولا لغو فمن فصوله الممتعة الفصل الذي عنوانه تعاون الأفكار وكليات الشعب وفصل التعليم العالي عند الشعب وفصل التربية والثورة أو الانقلاب وفصل قصر الشعب وفصل كلية الشعب وأعمال العملة وكليات الشعب وفلسفة الشعب والتعليم الثانوي والفلسفة وغير ذلك من الممتع الرائق فيا حبذا لو صحت عزائم من يحسنون التعريب عن اللغات الإفرنجية إلى ترجمة مثل هذه الأسفار النافعة باللغة العربية فيبثوا فيها روحاً عالية جديدة وذلك أفيد للناس من مشاغب السياسة والأحزاب لأنه هو الأساس ولا بناء بدون أُس قوي. أخبار وأفكار حفظ المكاتب يحسن أصحاب المكاتب صنعاً إذا أرادوا بقاء كتبهم سالمة أن يقوموا باحتياطات الآتية: يقون أولاً استعمال الخزائن ذات الزجاج ما عاد بعض الكتب الثمينة جداً التي تنفض عَلَى الدوام وذلك لأن الهواء لا يتخللها ويبقى جوها محصوراً مما يساعد الحشرات الضارة كالأرضة عَلَى الإضرار بها وتكون مستوبلاً للعفن والجراثيم. ثم أنه يجدر وضع وراء الكتب بعض قطع من الجوخ أو الصوف مغموسة بروح صمغ البطم التربنتين والبنزين وحامض الفنيك أو عصير التبغ بحسب ما يتيسر للإنسان. وهذا الاحتياط إذا جدد من حين إلى آخر يعطي نتائج حسنة. أوائل المعادن نشرت المجلة الأسبوعية مقالة في أول استعمال للمعادن قالت فيه ما ترجمته: يجب الرجوع إلى ما قبل التاريخ أيام استخرج الإنسان من الحجر والقرن والعظام مواد صناعته واكتشف اكتشافاً رنَّ في العالم صداه ونعني به المعادن فكان باكتشافه إياها كأنه ظفر بالطبيعة واتجهت أعمال البشر بعد إلى وجهة لا تزال إلى اليوم تتكاثر فوائدها فقد بدأ عصر المعادن حوالي نحو العشرين قرناً من الميلاد ولا تبرح سلسلته آخذة بالتسلسل حتى يأتي العلم عَلَى تسجيل موارد الأرض. فيطلق الكيماويون اسم معدن عَلَى جسم بسيط قابل للتأكسد إذا أصابه الأوكسجين ويرى الاقتصاديون في المعدن أداة نقدية غلاؤها ناشئ من ندرتها ويرى أرباب الصنائع الاختراعات المتنوعة التي ظهرت من مادة مختلفة كان حسن استعمالاتها عَلَى الدوام أن تكثر الغنى وتدمث العناصر وتستخدمها. كان الذهب أول معدن استعمل في حين أن الفضة عَلَى كثرتها في أيامنا لم تستخدم إلا مؤخراً وآخر معدن اكتشف هو الراديوم وبين المعدن الأول والمعدن الأخير زهاء خمسة وخمسين معدناً منوعاً دخلت في الاستعمال وأصبحت مساعدة عَلَى المدنية عَلَى اختلاف الأعصار. إننا إذا أردنا الوقوف عَلَى تاريخ المعادن مدققاً يجب علينا الرجوع إلى العهد الذي كان الناس يعملون من الحجر سلاحهم وهذا لا يقل عن خمسة آلاف سنة وبفضل بحث العلماء تبين أن الذهب كان يستعمله القدماء إذ وجد في مقابرهم مطرقاً عَلَى صورة حلي وبالنزر لندرة الذهب في الجملة لم يدخل في استعمال الأدوات العادية بل اقتصروا عَلَى جعله صلة بين العصرين العظيمين العصر الحجري الذي انقضى والعصر النحاسي (البرونزي) الذي أدى الإنسان إلى اكتشاف الحديد أي إلى أبواب الأزمان التاريخية. ثم ظهر النحاس وعم استعماله في أشياء كثيرة ولكنه قليل البقاء فقد اعترف مطرقوه بادئ بدء بينه فمزجوه بغيره ليقوى فخلطوه بالزرنيخ والأنتيمون أولاً ثم بالقصدير. عَلَى أن ظهور المعادن في العمل يوافق بحسب ما يظهر أول عهد عدنت فيه المعادن وليس الأمر كذلك لأن المناجم سابقة ذاك الحادث المهم فإن البشر مذ عرفوا يصقلون الحجر قبل أن يعرفوا المعادن بأزمان بحثوا في الأرض وكان من المعدنين الأولين أن استثمروا أولاً حجر الصوان فكانوا يحفرون الآبار والدهاليز برؤوس الأيائل ليستخرجوا منها المعادن وكان من الحركات الجيولوجية التي ساعدت عَلَى تأليف الكرة الأرضية غنية برؤوس عروق المعادن فظهرت عَلَى سطحا وأخذت المياه الغزيرة الجارية إلى قرارة الأنهار تلقي عَلَى الضفاف أجزاء معدنية فلم يكن المعدنون بل الباحثون الذين حملوا إلى بوتقة الإنسان الأول المعادن الأصلية المخلوطة بالأتربة وغيرها. ومنذ ألوف من السنين جرى تعجين كثير من المعادن في طور سيناء بالشرق وفي كونرال في إنكلترا وفي مورييهان وإليه والبكرزو في فرنسا بلا كما جاء في كتاب علم الآثار قبل التاريخ أنه انتشرت من البحر المتوسط الشرقي معرفة مزج المعادن في بلاد الغرب بواسطة الطرق التجارية التي فتحت في العصر النحاسي وأحدث العصور قبل العصر الحجري الصنائع في أوربا الجنوبية وانتقلت تجارة المعادن من قبيلة إلى أخرى عَلَى شواطئ الأتلانتيك حتى بلغت الجزائر البريطانية وفي هذا أيضاً اكتشفت مناجم غزيرة نفق ما استخرج منها في أسواق الشمال والغرب بل والجنوب. وقد انتقل تطريق المعادن من الشرق إلى الغرب ودلت بعض الآثار التي وجدت مصورة في صورة تصفية بارزة من عهد الدولة الخامسة المصرية وبعض ما وجد من الأثقال الحديدية في سويسرا بأنه كان في ذاك العهد مقاييس قابلة للوزن وأن التجارة كانت تربط إذ ذاك جمعاً من البشر أو من الأجناس. المالوش قرأت أخيراً في مجلة المقتبس ما كتبه البحاثة اللغوي ساتسنا في العنجوس فازددت بفضله معرفة وبأبحاثه العديدة شغفاً منها بحثه في تلك الحشرة الفاتكة مما شف عن تفانيه في خدمة لغتنا العربية ونهضتنا الحديثة. وفي بحث العنجوس اللغوي حقه فوفر عَلَى طلاب الزراعة عناء تنقيب كثير ثم وصف خلق العنجوس جيداً وذكر بعض طرق إتلافه وما يتعلق من البحث بالزراعة العملية وجيزاً. لذلك أحببت تفصيل ما أجمل في ذلك ملماً بأطراف الموضوع، ذاكراً أصدق الوسائل المتخذة في ديار الغرب لمحاربة ذلك العدو ليعجب الزراع ويفيد البقاع إن شاء الله فأقول: المالوش أو العنجوس أو الشبث أو الكاروب أو ما يسمى في الشام بالحالوش حشرة من رتبة المستقيمات الأجنحة من جنس الجداجد (الصراصير) تسميه عامة الفرنسويين تارة بالحراثة وطوراً بسرطان الأرض وأخرى بالخلد الجدجد. واسمه العلمي الخلد الجدجد العام لأن يدي هذه الدويبة القبيحة عريضتان مفلطحتان قويتان جداً تشبهان دي الخلد ويقيم الخلد بالأراضي المزروعة ضيفاً كريماً ويفضل حدائق البقول والمغارس الشجرية والحقول الخفيفة التربة والأماكن الرملية الرطبة كالأباطح والمنخفضات فيحقر ليلاً سراديب سطحية عديدة يطول بعضها كثيراً ويسير عَلَى الدوام في تلك الدهاليز المحددة للأمام ولا يلوي عَلَى شيء فيمزق بفكيه الجذور الدرنية كالبطاطة والجزر والشمندر فتكون له تلك السراديب ميادين يطارد فيها مختلف الحشرات. أما المواضع التي خددها المالوش فتعرف باصفرارها وذبول نباتاتها. اختلف علماء الحشرات كثيراً في مأكول هاته الحشرة فقال بعضهم: أنها من آكلات النبات والحيوان معاً ومنهم المهندس العالم الزراعي غينو أحد مؤلفي دائرة المعارف الزراعية الكبرى. وقال آخرون: أنها من آكلات الحشرات فقط ولكنه قد يأكل بقايا النبات والحشرات المخلوطة وفرقة ذهبت إلى أنها لا تأكل سوى الحشرات والديدان منها الأستاذ بيكار فقد برهن عَلَى قوله بعدة تجارب ناطقة بفساد مذاهب الآخرين وقد امتحنت هذه الحشرة في عطلتي الصيفية الحاضرة بأن وضعت مالوشين في إناء وتركتهما في الجوع الشديد ثلاثة أيام مع النبات الأخضر ثم بعد ذلك فحصت النبات فإذا هو كما وضعته لم يتغير ثم أتيت للمالوش الكبير ببعض ديدان التفاح فكان يلتهمها بنهم وسرعة. كذلك اختلف علماء الحشرات والزراعة في ضرر المالوش ونفعه والمذهب المعتدل أن العناجيس نافعة في الأرض المزروعة حبوباً لا يأكلها الديدان والحشرات الضارة وعد إضرارها بالحبوب ضرراً يذكر ولكنها ضارة جداً فيما إذا كانت كثيرة في بساتين الخضر فقد تتلف الزرع برمته إذا كانت قليلة في الأرض فتستوي كفة نفعها مع كفة ضررها ثم لنفرض أنها مفقودة فإن الدويبات الضارة التي كانت تلتهمها في وجودها تتسلط عَلَى النباتات في غيابها ولربما كان مما تفترس ما هو أضر في بعض البلاد منها فتنتفع الأراضي كثيراً ولما كانت بلادنا العربية لم تعتد بعد محاربة هذه الحشرات الفتاكة اعتيادها الحروب الدينية التي أخرتنا قروناً كثيرة. باضت الحشرات لا تبالي، وفرخت خالية الهم والبال حتى صارت من ألد أعداء الفلاحة الشرقية وأكبر مصائب الزارعين ولذلك وجب علي أن أشرح أصدق الحيل المتخذة في ديار الغرب لإتلافها وهي: ١ ً - أن تسقي الأرض قليلاً لإخراج الحشرات منها عند الهجيرة لأن هذه المواليش تعشق الماء والرطوبة ومتى صارت عَلَى سطح الأرض سهل التقاطها وإهلاكها وقد ذكر لي رفيقي في درس الزراعة هاشم أفندي البهلوان المعري من أبناء طرابلس الشام أن فلاحي القرى الطرابلسية كالمنية وغيرها يتخذون هذه الطريقة في قتل المواليش. ٢ ً - أن تصب في ثقوب سراديب المواليش الخارجية بعض السوائل الخاصة كالزيت وكبريت الفحم أو مستحلب البترول والصابون وتستحضر المستحلب بأخذ ٤٠ جزءاً من البترول وجزءٍ من الصابون و ٢٠ جزءاً من الماء والصابون يقطع قطعاً صغيرة ويغلى في الماء حتى يذوب فيرفع عن النار ويزاد عليه البترول ويحرك جيداً وهو سحن حتى يختلط البترول بمذوب الصابون وعند الاستعمال يمزج الرطل بعشرة أرطال ماء ويصب في ثقوب المواليش ويعد هذا المستحلب من قاتلات الحشرات بأنواعها فليستعمل لضربة الليمون برش الأشجار بالمضخة. ٣ ً - يهلكون كل سنة في الأراضي الرملية حوالي برلين أكثر من مئة ألف من هذه المخربات وذلك أنهم يملئون قصريات (شقفات الفخار للزهور) ماء يصبون عليه أربعين نقطة من زيت النفط (خلاصة التمر تينا) ويدفنون هذه القصريات في عمق خمسة سنتيمترات في الأرض فتتباهت المواليش لتموت في مائها غرقاً وقد ذكر هذه الطريقة الألمانية الأستاذ لاربالترية مدير دار الاستحضار الزراعية في مقاطعة الألب المنخفضة وأحد أساتذة مدرستنا. ٤ ً - أما في الأراضي المزروعة تبغاً (توتون) فقد ظفر المفتش الزراعي العثماني في ولاية آيدين بطريقة نجح بها كل النجاح في إبادة المواليش وهي: أن تسلق عرانيس الدرة وترفعها من المرجل والقدر قبيل النضج وبعد تجفيف الذرة تطحن حبوبها مع حامض الزرنيخوس وتذر الدقيق عَلَى الأرض ثم يدفن فيها بواسطة المشط قبل الزراعة الدخان بعشرة أيام وعندئذ يجب إبعاد الطيور الداجنة عن تلك الأرض المسمومة. وإني أوصي أهالي جبل عامل ولواء اللاذقية بهذه الطريقة الناجحة الفعالة. ٥ ً - أن لا تهمل التفتيش عن أوكار المواليش في أشهر أيار وحزيران وتموز تظهر مثل كتل من التراب مرتفعة محاطة ببعض النباتات الجافة وحينئذ تحفر في هذه الكتل مقدار ٦٥ سنتيمتراً فتجد فليجة (شرنقة) من التراب يابسة فتأخذها بعناية واحتياط لئلا تكسر الفليجة فيقع بيض المالوش عَلَى الأرض ثم تسحق الفليجة كل السحق والأحسن أن تطرحها في النار. ٦ ً - ذكر بعض كبار المزارعين في فرنسا حيلة تتمكن بها من إتلاف هذه المواليش من الأرض بتاتاً في مدة سنتين أو ثلاث وأرى طريقته هذه أنفع الحيل المتخذة في حين أنها قليلة النفقات ولا تضايق المزروعات وهي أن تحفر في الأرض قنوات معوجة يكون بين القناة والأخرى ثلاثة أو أربعة أمتار وعمقها يختلف من ٢٥ إلى ٣٠ سنتمتراً. ثم يمل تلك الأقنية سرقيناً زبلاً خالطه قش ويعمره سواء كان سرقين خيل أو بقر ثم تغطي الجميع بالتراب فإن سرف المواليش تهرع للقنوات كي تدفأ في السرقين وتتخذه لها مشتى حيث تدخل في دور النطور والاستحالة وينبغي فتح القنوات في شهر أيار المقبل برفع السرقين بالتدريج فتجد أن تلك المواليش بالغة والسرفات التي لم يتم بعد تطويرها فتبيدها عن آخرها. وفي الأرض كثير من الحشرات تأكل بيوض المواليش. والبيض ينقف بعد ثلاثة أسابيع أو أشهر عن فراخ بيضاء صغيرة. وقد زعم بعض علماء الحيوان أن المالوشة تأكل جزءاً من فراخها وأثبت قوم أنها تدافع بالعكس عنها وتفتش لها عَلَى ما يغذيها والغالب أن المالوشة تموت بعد ما تبيض كأكثر الحشرات المنظورة. أما البيضة فصفراء بحجم بزرة القنب (القنبزة) وقشرتها متينة جداً توجد متلاصقة مع أخواتها. أما الفراخ فإنها تعيش العيشة الاشتراكية مدة شهر ثم تتفرق فتتطور إلى ثلاثة أطوار إلى آخر تشرين الأول وحينئذ يكون طول الذويبة سنتمتراً ونصفاً فإما أن تحفر لها حفرة أو أن تلتجئ للمزابل لقضاء فصل الشتاء في حالة التخدر والسبات الطويل فتبقى كذلك للربيع القادم وفيه تتطور أيضاً طورين ثم تبلغ في أيار أو حزيران وفيها ترتكب هذه المواليش أكبر فظائع التخريبات في المزروعات. أوريزون (فرنسا) // عز الدين شيخ السروجية. اليابان والأفيون ذكرت الصحف الأوربية عام ١٨٥٣ مع الأسف أن عادة تدخين الأفيون لم تقتصر عَلَى بلاد الصين بل تعدتها إلى إنكلترا تقل إليها استعمالها أناس من البحارة الصينيين كانوا مستخدمين في إخراج شحن البواخر أما اليوم فقد اختلفت الأحوال كل الاختلاف فما من بلد في الغرب إلا سرى إليها استعمال هذا المخدر المضر فسرت إلى أوربا عدوى فاحشة إذ ثبت في أحوال مدهشة أن المواني الغربية تؤدي أموالاً طائلة في سبيل الحصول عَلَى الأفيون الذي انتشر في مواني ألمانيا بواسطة بحريتها كما سرى إلى مواني فرنسا. وأميركا الشمالية مصابة به كثيراً حتى ثبت الدكتور ورخت بالإحصاء أن ٥٨٠٠ رجل من البيض في نيويورك يستعملون الأفيون وزهاء ٨٠٠٠ في شيكاغو يستعملونه عَلَى الرغم مما يبذلونه في محاربة هذا المخدر المضر. ولم تنتج سوى مملكة واحدة من هذا الخطر. ومن الغريب أنها اقرب جارة للصين ونعني بها اليابان المتصلة معها عَلَى الدوام مباشرة. وقد ألف المسيو مرابن كتباً ممتعاً يفهمه العامة ولا ينفر منه الخاصة يقصد به إثارة حرب صالحة صحية عَلَى الأفيون أبان فيه أن الياباني الذكي العفيف لاحظ بادئ بدء السقوط الشخصي وضعف الجنس الناشئين من هاتين الرذيلتين: الأفيون والألكحول. ولذا عفت نفس الياباني عن أن يكون حشاشاً وسكيراً. ولم يخطئ حكام تلك البلاد الاهتداء للجادة المثلى في اتقاء هذا السم الهائل ومنعه من التسرب إلى بلادهم بل صدرت الأوامر لأول العهد بأن يعاقب بالقتل كل متعاط للأفيون وإلى اليوم يجازى شاربه بالأشغال الشاقة وضربت عقوبات وغرامات شديدة عَلَى من يهرب الأفيون حتى لم يعد يجرأ صاحب سفينة أن يحمله. والأحسن من ذلك أن يابان لما ملكت بلاد فورموز وكوريه شرعن في العمل لما من شأنه إبطال استعمال الأفيون فيهما عَلَى أسلوب بطئ ينقذ السكان من تلك المفسدة فجعلت التدخين بالأفيون عَلَى المصابين به من قبل متوقفاً عَلَى رخصة ينالونها ليستطيعوا الجري مع شهواتهم وهذه الرخصة تحدد الكمية التي يسمح لهم بأخذها. واحتكرت الحكومة عمل الأفيون وبيعه وهي لا تبيعه لغير من ألف شربه وثبت في لجنة خاصة أنهم مبتلون به وذلك بأثمان فاحشة تضطرهم إلى إبطال استعماله. قالت الطان الباريزية بعد إيراد ما تقدم: وهذا خير مثال في الوقاية الاجتماعية قامت به مملكة الشمس المشرقة عَلَى ما رأيت. أنا نحن فنقول أن الحكومة المصرية عَلَى محاربتها في الظاهر لاستعمال الحشيش ما برح شائعاً في أهلها ويا للأسف عَلَى اختلاف طبقاتهم أما فتح العثمانية والمصرية صدر بلادهما لما يرد من بلاد الغرب من المشروبات الروحية المختلفة الصنع والاسم فإنه مما نسأل الله منه السلامة عَلَى صحة السكان وعقولهم وآدابهم وبينا نرى عجائب في الشرق الأقصى من سهر حكومته عَلَى كمال سكانه نشهد العكس من حكومات الشرق الأدنى بتساهل فقيما يورث أهله النقص والانحلال. عصابة ضد الجنون الجنون من أعظم النوائب التي اشتدت وطأتها عَلَى الجنس البشري فقد أثبت الإحصاء في جميع البلدان أن معدل المختل شعورهم أخذ بالتضاعف إلى حد يدهش المفكرين وجميع طبقات المجتمع يصاب منها أفراد وكثير من الناس يعلمون أسبابه ولا يتقونها. يعلم الشبان والشيوخ والكهول أن كثرة التأثر ومجارات الشهوات من أعظم العوامل في الجنون ومع هذا تراهم لا يتوقفون عن إتيان الرذائل التي تقودهم إلى المستشفيات فالموت الزؤام. وما من أحد لا يعلم أن الإفراط في استعمال الألكحول والمشروبات مدرجة إلى اختلال الشعور ومع هذا ترى السكارى مدمنين عَلَى أقداحهم وأهل الشهوات في مسراتهم وأفراحهم وهذا ما حدا القائمين عَلَى الصحة والآداب في الغرب أن يحابوا تعاطي المسكرات بكل ما في وسعهم وأنشأوا لذلك النقابات والجمعيات فانتفع من ذلك كل من إنكلترا وإيرلاندا وفرنسا ورأت جمعية التعاون الأميركية أن نشر التعليم العلمي النفسي بين العامة أنجع الذرائع في القضاء عَلَى الجنون أو عَلَى الأقل في تخفيف ويلاته وذلك لأن الإنسان إذا لم يكن أبله يؤثر الصحة عَلَى المرض والحرية عَلَى السجن في ملجأ فعمدت إلى استعمال الطريقة التي كانت استعملت في نشر التوراة بين الخاصة والعامة. وقد ترأس تلك الجمعية مديرو المستشفيات والمصالح وأشهر أطباء العته وأخذت تنشر بمئات الملايين نشرات فيها بيان ما يصيب المرء بتسامحه في تعاطي المسكر الذي يؤدي إلى الجنون فتتداولها الأيدي ويقراها بإمعان الشبان والأطفال والبالغون والبنات والنساء والأمهات فتتم ثل لأعينهم هذه البلية وتنهال أمثال هذه النشرات عَلَى الأطباء ونظار المدارس ورجال الكنائس ومديري المعامل والمصانع والنجار الذين يستخدمون الرجال والنساء وأرباب المطاعم والفندق وباعة المسكرات والمرتزقة مشفوعة بالرجاء إليهم أن يساعدوا تلك العصابة الشريفة عَلَى بث دعوتها في العامة وقد ثبت مؤخراً أن معدل الداخلين الشهري إلى المستشفيات من المعتوهين والمعتوهات قد نزل عن ذي قبل. قلنا ألا يليق بمن عدوا أنفسهم منا في زمرة الخاصة القائلين بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أن يفكروا في مثل هذه الإصلاحات الاجتماعية ومداواة العلل التي حدثت فينا من انتشار الو بقات والمسكرات بدلاً من أن يكثر بعضهم عَلَى بعض عَلَى غير طائل ويسعوا للشهرة من غير أبوابها ناسين بأعمالهم هدي كتابهم وسنة رسولهم وهيهات أن يرزق العقل السليم من حاد عن سنن الشرع السمح والمدنية الصحيحة. جيش السلام مات في إنكلترا رجل غريب الشأن من رجالها وهو القائد نوت مؤسس جيش السلام توفي عن ٨١ سنة قضاها في خدمة الإنسانية وكان أجير خياط في السنة الخامسة عشرة من عمره ثم بلغ به تقواه وحنانه الغريب عَلَى نحو ما يكون عليه بعض أهالي مذهبه فقام في ذهنه أن يدعو قومه وأبناء نحلته خاصة إلى العطف عَلَى البائسين ومواساة المنكوبين ووعظ السكيرين والفاسدين واللاعبين وغذ كان هو من أسرة فقيرة وعرف معنى الفقر بالعمل جاء لندن سنة ١٨٤٨ وتوطن في أفقر أحيائها بين المحاويج من أبنائها وبدأ يعظهم بعملهم ويبث دعوة الإنجيل فيهم فاستمال ببلاغته قلوب الشعب وتعدى من الوعظ الخاص لأبناء مذهبه إلى الوعظ العام فاخذ يطوف إنكلترا وينشر الكلم الطيب ويؤاسي من أخنى عليهم الدهر ويدخل أناساً في جمعيته ولم يلبث أن خرج عن أهل مذهبه وأسس له مذهباً جديداً وذلك عقيب زواجه فنشر في الناس تعلماً مسيحياً كان أيضاً نظاماً عسكرياً فكسا رجاله كسوة الجند وأوجد رتباً ووزع مناصب وأدخل في جيشه الرجال والنساء ثم أنشأ عدة جوقات موسيقية وجريدة وأخذ ينشر الإعلانات الكثيرة عن مذهبه. ولقد سخر القوم بصاحب هذا المشروع لأول مرة ولكنه ثبت عليه فأخذ ينمو السنة بعد الأخرى وكثر أشياعه وجيشه في أقطار الأرض ودخل فيه حتى الزنوج وقد اضطرت فيكتوريا ملكة إنكلترا أيام ملكها أن تستدعي إلى قصرها القائد بوت وتلتمس معونته في الهند وأوستراليا فقام في هذا السبيل بأعظم الخدم للأمة الإنكليزية. هذا ما قرأناه في الصحف الإفرنجية وقد ذكرت مجلة التواريخ السياسية والأدبية نبذة في وصف جيش السلام بقلم أحد أعضاء المجمع العلمي الكونت دوسونفيل قال فيها: إن هذا الجيش كان سبب السخرية منه لأول مرة وإنك لا تتمالك من الضحك عندما ترى ضباطه يلبسون في رؤوسهم قبعات من القش صغيرة سوداء تحيط بها شريطة حمراء ومنذ تأسيس هذا الجيش سنة ١٨٧٨ عَلَى يد القائد بوت ما يزال عرضة للمعارضة الشديدة الوحشية بل بالاضطهاد ولاسيما في البلاد البرتستانتية من إنكلترا فتغلب هذا القائد عَلَى جميع هذه المصاعب بنشاط غريب وحقق جزءاً عظيماً من نياته التي ألم بها في كتابه الشقاء ببلاد إنكلترا وهو كتاب يبين ما في مطاوي المدنية الإنكليزية من الجروح النغارة وما في نظامها السياسي المدهش من النواقص فتمكن بذلك أن يجعل من جيش السلام جمعية زاهرة غنية يلجأ إليها الناس من حكومات وبلديات وجمعيات. والذي يزيد قوة جيش السلام في لندرا وغيرها هو أنها تجمع في إدارة واحدة الأعمال المختلفة التي يتمم أحدها الآخر ولها الآن في عاصمة إنكلترا نحو خمسين معهداً مختلفة المقاصد منها ما يؤوي الأمهات ومنها ملاجئ للبائسين يبيتون فيها ومنها مخابز ومعامل للمعاونة بالعمل وملاجئ للنساء وللأولاد والغاية الأساسية التي يرمي إليها هذا الجيش أن يقوي ملكة الأخلاق في أفراده ويرى والحق معه فيما يراه أن المرء الذي صار إلى البؤس بصنعه أو بتأثير الأحوال فيه فعاش فقيراً يتكفف الأيدي لا يعود إلى حالة حسنة إلا بالعمل فإيجاد عمل للداخلين في جيش السلام هو أعظم هم الجمعية لأنها ترى أن العمل يرفع الإنسان ويساعده عَلَى التخلق بالأخلاق الفاضلة. ولهذه الجمعية في لندرا سبعة معامل للمعاونة بالعمل في الصناعات المختلفة وفي تنوع الأعمال مجال للانتفاع لكفاآت البائسين عَلَى اختلاف ضروبهم ممن لا عمل لهم فلهم معمل نجارة عظيم لا يعمل إلا بتوصية ما يطلب منه من الأعمال وجميع مصنوعاته حسنة وله معمل كبير يجمع فيه الخرق البالية من شوارع لندرا فتسير كل صباح ٢١ عربة إلى جهات مختلفة تحمل قمامات المدينة ولاسيما الورق القديم والمقوى العتيق والجرائد البالية والخرق والكساحة عَلَى أنواعها فتحملها إلى فناء المحل فتوزع عَلَى غرف تنقيها ثم تجعل أكداساً ترسل إلى فرنسا والولايات المتحدة تباع من معامل الورق. ويعمل في هذا المعمل ثلثمائة نسمة يعيشون من حاصلات عملهم. ولهذا الجيش معامل للنساء كما له معامل للرجال وهي معامل المعونة بالعمل وملاجئ الليل ومعامل النساء للخياطة وغسيل الثياب. ويستخدم في إدارة هذه المعامل ستمائة امرأة ولكل منها رتبة من رتب الجندية ففيه كما في الرجال قائدة عشرة وأخرى قائدة مائة وأخرى قائدة ألف وغير ذلك مما قالوا ن السبب في إطلاقه عَلَى أفرادهم وأفرادهن حفظ النظام والطاعة وهذا القانون يشبه قانون الجمعيات الدينية عند الكاثوليك ولكنه جاء في صورة أخرى والجميع يعلمون الإحسان والشفقة عَلَى بني الإنسان ومن النساء الداخلات في الجمعية من هن من بنات الطبقة الأولى طبقة الأشراف وفيهن من أهل الطبقة الوسطى يتأدبن كلهن بآداب الإنجيل عَلَى مذهب مؤسس طريقتهن القائد بوت. الشعب الإنكليزي في المدينة الغربية رذائل وفضائل ومن الأسف إننا أخذنا في الشرق رذائلها قبل فضائلها فتسربت إلى أبنائنا وكادت تقوض أركان مجتمعنا وكل يوم نحن منها في شأن ولكن الحضارة في العادة تدخل ويدخل معها كل شيء فإذا ارتقى فرع من فروعها يتبعه الفرع الآخر وإن كان لا علاقة له به أو هو يخالفه من كل الوجوه والفرق بيننا وبين الأمم الغربية أن خاصيتهم هناك يحاربون تلك الجراحات بمواعظهم وأقلامهم وجمعياتهم وحكوماتهم ونحن معها سكوت لا نتكلم كالبله المتناومين ومن نسميهم منا الخاصة لا يحلمون بغير منافعهم ومظاهرهم. الشعب الإنكليزي باتفاق الآراء أرقى شعوب الأرض أخلاقاً وأكثرهم حرية واستقلال أفكار ومع هذا ترى الجنون يزيد معدله فيهم بهذه الحضارة وتكثر أمراضهم من آثارها وذلك لانتشار المسكرات بينهم وشدة الجهال في الحياة ثم أن العهر يزيد عَلَى معدل ذلك الشقاء المستحوذ وقلة الاحتفال بالدين مع أن الشعب الإنكليزي من أكثر الشعوب تمسكاً بالأديان. ظهر في باريز تاريخ الشعب الإنكليزي في القرن التاسع عشر للمسيو هالفي من علماء الفرنسيس وفيه العجب العجاب من أحوال البريطانيين قال فيه أن أخلاق هذه الأمة غريبة الشكل في المحاكم فإن منظر الجلسات في المسائل الجنائية يدهش به الغريب وذلك ترى أن مكتب القاضي غاصاً بالزهور وكذلك مكتب كاتب المحكمة ويحمل الضباط المحضرون باقات الزهور أيضاً ويجعل القاضي عَلَى رأسه شعراً مستعاراً فإذا أراد إصدار حكمه يخلي سبيله للناس فيسمح بدخولهم وفيهم كثير من الجميلات المعشوقات من بنات الولاية أو المقاطعة فيقفن فيستمعن للأحكام ومنها ما يكون الإعدام شنقاً فيتظاهرون بالتأثر ثم يخرجن من هناك ولا يلبثن أن يرقصن رقصهن اللطيف والمحكوم عليه يفكر في صدور الحكم عليه وهو بين ذاك الجمع من ربات الدلال والظرف. وكذلك ترى الغرابة في الانتخاب لمجلس العموم فإنها تدوم خمسة عشر يوماً ويدفع المترشحون جميع نفقات الناخبين ومن انبسطت يده بالعطاء أكثر ورد أطعمته وأشربته فاستطابها منتخبوه كانت غلبته للنيابة مضمونة ويكفي أن يقال أن ثلاثة مرشحين عن يوركشير سنة ١٨٠٧ أنفقوا لنيل كرسيين في مجلس النواب خمسمائة ألف ليرة إنكليزية حتى إذا ظفر اثنان منهم لم يسلما من إهانة الأمة التي كانت تلقى عليها الأوساخ والأوحال فكان الإنكليز بذلك يقتدون بإجراء طرق الرومان في رومية ممن لم يكونوا يصعدون القلعة يوم مبايعتهم قبل أن ينالهم خصومهم بأنواع السخرية والشتائم. وليس تاريخ الإنكليز غريب فقط بل هو معلم أيضاً وفيه مثال واضح من تغالي القوم في الأمور الاقتصادية حتى أدى ذلك إلى مفاسد لم تحمد مغبتها وهو أنهم يريدون أن تخرج من معملهم أعمال مهمة بقليل من الوقت والنفقة ولذلك اضطر أربابها إلى استخدام النساء بدل الرجال لخضوعهن أكثر من الرجال ولقلة أجورهن قال المؤلف وهناك فوائد أخرى وهو أن النساء قد يستخدمن في جلب رضا أرباب المعمل والزائرين له والأخذ في عنان الشهوات ثم أن المعامل ما يستخدم صغار الأولاد في الأعمال الخفيفة فيدخلون تلك الأماكن الرطبة يعملون خمسة عشرة ساعة فتتأثر صحتهم وأناملهم ويصابون بعاهات تشوه وجوههم وتضر عقولهم. ولقد كاد حب الذات في أرباب الأعمال الاقتصادية يزيد في المعامل عدد المشوهة أجسامهم الفاسدة أخلاقهم لو لم يفكر القوم باتخاذ الدواء الناجع فلما رأوا ما حل بتلك الطبقات مما وصف أعراضه الشعراء والأدباء والصحافيون ورجال السياسة ووعاظ الدين عَلَى اختلاف مذاهبهم قاموا كلهم يداً واحدة ليزيفوا هذا الضرب من العبودية وخف بعض أباب المعامل العاقلين فقللوا من ساعات العمل وأكثروا من أجور العمال مع مراعاة النسبة بين دخلهم وخرجهم وبذلك وجد الإنكليز بعض المسكنات لتلك الأدواء ولعل عقول خاصتهم تهديهم إلى معالجة غيرها وإلا فتوشك أن تصاب المدنية الإنكليزية بما أصيبت به المدنية الرومانية وغيرها. الخوف خطب إرنست لفيس علامة الفرنسيس خطاباً في الخوف في مدرسة نوفيون ىن تيراش (فرنسا) قال فيه أن من النقائص التي يجب أن تتغلب عليها التربية نقصاً تتساهل فيه المدرسة والأسرة معاً وذلك لأن المدرسة لا يبدو فيها هذا النقص خصوصاً وأن غير المطيع والطائش من التلامذة يلقي الاضطراب في نظام المدرسة أكثر من الجبان فهذا وديع والمعلمون يقدرون وداعة التلامذة قدرها أما الأسرة فغالباً قد ترتكب غلطاً كبيراً باعتمادها عَلَى الخوف أداة من أدوات التربية ولقد نشأت من الخوف شرور كثيرة لأن صاحبه يخشى الألم والموت بل إن حياته كلها معذبة بنتائجه وليس الذنب عَلَى الأولاد بل عَلَى من ربوهم وأورثوهم خلة الخوف فإن لقانون الوراثة تأثيراً كبيراً في الخوف سواءٌ كان فيلا الإنسان أو في الحيوان والخوف قديم كقدم الإنسان وليس فيه عار عليكم معشر الطلبة. ولقد قال ديكارت الفيلسوف العظيم: لا تكفي الإرادة لبث الشجاعة من مرقدها ونزع الخوف من أصوله بل تجب العناية في النظر إلى المعقولات والمحسوسات والأمثولات التي تقنع المرء بأن الخطر غير عظيم وأن الأمن يكون في الدفاع أكثر منه في الفرار وأن المجد والسرور في الظفر في حين لا يتوقع الأسف والعار من الفرار. إنكم يا هؤلاء تخافون في العادة من البر والصاعقة والقعقعة المسموعة والأشباح المرئية في الظلمة والكلب الذي تصادفونه في الشارع والبقرة التي تحدق النظر فيكم بينا أنتم تجتازون إحدى المراعي ولكن قولوا لي كم بقرة نطحتكم وكم عدد الكلاب التي عضتكم فإن الأشباح التي ترونها في ظلام الليل الدامس قد لا تكون إذا وقدتم النور + + فسطانكم أو سراويلكم وكم من قعقعة سمعتموها ونشأ عنها ظهور لص أمامكم والرعد كم من مرة أهلككم. لا جدال بأنه قد تحدث صواعق وسرقات واعتداآت ولكنها لا تخرج عن كونها حوادث تحصى وتنشر في الصحف إذا عراكم الخوف فاذكروا بأنكم شعرتم به أكثر من مرة ولم يصيبكم منه شيء فهو إذاً قد هزأ بكم فقولوا له: يا هذا أنا عارف بك فدعني مستريحاً. إذا فعلتم ذلك فأنتم ولا شك سائرون في طريق الشجاعة. أريد أن أقنعكم الآن بالقاعدة التي سنها ديكارت بأن الأمن قد يكون مع الدفاع أكثر مما يكون في الهرب. وهذا الكلام مؤيد بالمثل القائل بالخوف لا يتوقى الخطر (العرب يقولون من التوقي عدم الإفراط في التوقي) بل إن الخوف كثيراً ما يحدث الخطر. الكلب دائماً ينتصب عَلَى رجليه لأنه اعتاد ذلك فإذا وضع أنفه في الأرض وشم حيواناً يسرع في العدو والبقرة إذا خلصت من رعيتها تنظر بعينيها أمامها فيظن الولد أن الكلب يتأثره والبقرة تريد أن تبطش به من عدا أمام الكلب والبقرة كان أقرب إلى الخطر عَلَى نفسه. ولعل الوقت قد حان لأن يدرس الأولاد في المدارس الابتدائية دروساً في الشجاعة يكون أول عمل لها التغلب عَلَى الخوف والدهشة. ولكن كل تربية لا تأثير لها إذا لم تؤازروها أنتم أنفسكم يجب عليكم أن تقنعوا أنفسكم بالجرأة أنكم إذا قستم أنفسكم بأناس من أترابكم لا يرون إلا ما يقع نظرهم عليه مباشرة ولا يحاولون الهروب تؤكدون أنكم دونهم في القدرة عَلَى السير وضعاف في النظر وإياكم أن تفوتكم وسيلة لغرس الشجاعة في نفوسكم. إنكم لا تتمكنون من التغلب كل التغلب عَلَى الخوف بل تتخلصون منه بعض الشيء وإني طالما كنت في طفولتي وإلى الآن أخاف الرعد لأنني رأيت صاعقة انقضت عَلَى بضعة أمتار مني وأخشى الفئران إلى اليوم وقرضها الخفيف وإن قيل لي عندما كبرت أن الحيوانات الصغيرة لا تأكل الكبيرة. فما يطلب منكم اليوم هو أن لا تخافوا بتة بل أن لا تخافوا من خوفكم وأن تحاربوه وتغلبوه وبعد ذلك تحرزون مكافأة حسنة. تحرزون المجد والسرور كما قال ديكارت والمجد من شأن الكبار أما أنتم معاشر الصغار فالسرور خاص بكم لاسيما إذا وقعت أبصاركم عَلَى الشجعان فإن نفوسكم تحدثكم بأنكم لا تغارون منهم لأنكم صرتم شجعاناً بصنيعكم وأصبحتم معجبين بعملكم إعجاباً لا يمازجه هزؤ أبناء هذا الزمان بل إعجاباً يستحثكم في الأوقات الضنكة بمجرد الاعتماد عَلَى نفوسكم. إذا اهتزت عظام أرجلكم وسوقكم خوفاً وهلعاً فخاطبوا ما علا فوقها من جثمانكم خاطبوا العقل وقولوا له أن له هيكلاً عظمياً إذا اضطرب فإن جزءنا الأعلى مأوى العجب بأنفسنا ومقر الشعور بالواجب ومنهما بلغ من حالتنا في حياتنا فقد تعرض لنا أحوال تدعونا إلى أن نختار طريق الشرف أو غيره فلنبتعد عن الجبن يسير في طريقه ولنسر في طريق السلامة. أيها الأطفال الأعزة إن هذا هو شعور عظمتنا الشخصية وشرفنا وواجبنا الذي يحدث الشجاعة في كل فرد منا ويقويها هذا هو الشعور نفسه الذي يمازجه حب الوطن فيدعو إلى الشجاعة الوطنية. للأمم ساعات من الخطر. فإنكم تسمعون الحين بعد الآخر أنه ستنشب الحرب غداً نعم إن الحرب حادث عظيم مدهش إن فرنسا التي غلبت وهي تشكو من جرح لا يزال فيها نغاراً تعرفه حق المعرفة ولكنها مع ذلك لا تبدي حراكاً هي ليست دون سائر المم في إعجابها بنفسها واحتقارها لها ولكنها في الباطن تعرف قيمة نفسها تشعر بأن فيها فضائل وقوى أخرجتها عن ما مر في القرون لماضية من الهوى التي ظن بأنها تدهورت فيها تاريخها عظيم مجيد بسلاحها محيد بعقلها. إنها كسائر الأمم قد أتت شيئاً من الشر فاستحقت عليه بعض الأحايين اللعنات ولكنها كفرت عن سيئاتها بحسنات كثيرة فقد حررت شعوباً من رقهم لا يزالون يذكرون لها يدها عليهم وأوحى عليها عقلها السمح المستنير فلقنت أناساًَ من بلاد مختلفة قيمة الإنسان ولم يبرحوا يذكرونها بعملها فهي تعرف نفسها شريفة بين الأمم معم إن العالم حولها قد تغير كثيراً من نصف قرن فقام شعب بالقرب منا يذكرنا كل حين بلسان البغضاء والقحة بأنه عظيم قوي. ومع أن هذا الشعب عظيم وقوي فإن فرنسا التي تهدد أحداً لا تخاف أحداً بتاتاً بل تعلم إنها فرنسا عَلَى كل حال. الإفرنج والنزهات لا تكاد تطلع عَلَى صحيفة سياسية وعلمية من صحف الإفرنج في الصيف غلا وتجدها ملأى بوصف المنتزهات والحمامات والجبال والبحيرات والغابات وأخبار الرحلات الخاصة منهم إلى الأصقاع ذات البهجة والرياض الممرعة الخصيبة فمن قائل مثلاً أن جان جاك روسو الفيلسوف هو الذي سن للفرنسيس سنة التنقل في البلاد وحبب إليهم عيش الخلاء وعشق الطبيعة ومن مدع أن برناردين دي سان بيير هو داعية ذلك ومن زاعم أن شاتو بريان كان أمتن وأحكم في دعوته ومن قائل أن من حبب الحمامات البحرية إلى الناس هما الأب بوهورس ومامونتل ومن حبب التصعيد في الجبال هو لاروشفو كولد الحكيم والخلاصة فإن للغربيين غراماً في الطبيعة يريدون أن يرجعوا إليها في مآكلهم وملابسهم وأجسامهم ومنامهم ورياضتهم. وكل واحد من خاصتهم يبحث في فرع من هذه الفروع ويتفانى في حث قومه عَلَى جلب المصالح ورد المفاسد والأخذ بحظ وافر من هذا الوجود اغتناماً للصحة قبل المرض واستدامة للنعمة والرخاء والرفاهية وحباً بصد الناس عن غشيان المدن الكبرى مخافة أن تفرغ الحقول والقرى لأن سكنى العواصم مضر بالصحة مضعف للأبدان مقصر للأعمار وعمران هذا العصر في عواصمه عَلَى كثرة ما فيها من أنواع الراحة والرفاهية أقرب إلى إفساد الصحة وإنهاك القوى مما كان في العصور السالفة ومكيف يطيب الهواء في مدينة كباريز سكانها ثلاثة ملايين ولندرا سكانها سلعة ملايين هذا ما يخوض أدباء الغرب وعلماؤه عبابه فما قول سادتنا الخاصة في مصر والشام والعراق وتونس فمن منهم خاض في مثل هذه الموضوعات وحبب إلى الناس النزهات والرحلات عَلَى طريقة الغربيين ليحبب إليهم أوطانهم ويعرفهم رجالهم ويبحث عن أمور لا يتيسر لكل إنسان أن يحصل عليها ويتعب المفكرون في جمعها ونشرها فيأخذها جمهور القراء هينة لينة. الحج المشوق الإفرنج عَلَى تغاليهم بالبحث عن شؤونهم الداخلية وعاداتهم ورجالهم وأعمالهم وبلادهم لا يغفلون عن شؤون غيرهم وقد أصاب بلادنا حظ وافر من عنايتهم فكانت بلاد العرب أو مصر والسام والجزيرة والعراق واليمن والحجاز ومراكش والجزائر وتونس وطرابلس وبرقة موضوع أبحاثهم العلمية والأثرية والتاريخية والاقتصادية مما نخجل من كثرته إذا سمعنا بأسمائه ولا نكاد نجد الفرد والفردين منا يتوفرون عَلَى البحث في النافع من حالات بلادنا وآخر ما كتب عن الأرض المقدسة رحلة للمسيو كومز كاريللو ذكر البلاد التي نشأ منها عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام وزارها وكان زار من قبل بلاد اليونان والصين واليابان وكتب فيها رحلات كثيرة وقد وصف مسيره من دمشق وما رآه من جلالة موكب الحجاج القاصدين إلى بيت الله الحرام فوصف الأماكن التي حط فيها رحاله حتى بلغ القدس وقال أنه لم يبق من طبرية عاصمة الأردن غير خرائب وقصور هيرودوت والبحيرة المقدسة ووصف قنا والناصرة وما يتخلل تلك الربوع من الجلال والجمال الروحاني وذكر في رحلته ما تهم معرفته من أحوال البلاد ولم يكثر من التفاصيل المملة وقال أنه بات في قصر أحد باشاوات سورية واستغرب من عظمة ذاك القصر كيف لم تكن فيه امرأة تؤنس ربعه وتدخل السرور عَلَى ساكنيه. وقد وصف مواكب الحجاج من دمشق وقال أنهم مجموعة منوعة من العادات واللغات والقوميات وأن التركي يريد العثماني - والعثمانيون كما قال أكثر المسلمين تأثراً بالمدنية الغربية - يضع عَلَى رأسه منديلاً أبيض مزيناً بالزهور يجعله عَلَى طربوشه ثم وصف الفارسي والعربي وعبابه وأبناء جبل طوروس والتتر من أهل تفليس وأزوف وسباستابول وغيرهم وقال لابد أن يكون بينهم من يملك القصور الفخمة والحدائق الغناء ويعيش عيش الكبراء في الرخاء ومع هذا إذا قصدوا إلى الأماكن الطاهرة يتناسون كل هذا العيش الخضال ويساوون الفقراء من الحجاج في مآكلهم التي لا يوجد منها إلا الجشب الغليظ في البادية وينامون في العراء لا يبالون بحماوة القيظ ولا صبارة القر وعجب الرحالة من قوم لا تربطهم جامعة غير رابطة الإيمان وقال ما أعجب صفوفهم وكتائبهم وهي تسير عَلَى هذا النحو وعجب من وساخة الآسياويين من الحجاج وكيف يتواكلون من صفحة واحدة وفيهم ذو العاهة ولا يأنف الباقون ولا ينكر المنكرون وقال أنه لو كان بعض لك في الغرب لقامت القيامة فالشرقي في نظره لا يحسن النظافة وقال أنه علم من بعض علماء دمشق أن المسلمين لا يحجون كلهم فلو كان من كتب عليهم الحج ستين مليوناً مدة خمس عشرة سنة لاقتضى أن يحج كل سنة أربعة ملايين في حين لا يجتمع في عرفات أكثر من مائة ألف وقال إن إخلاص المسلمين في العبادة يوم يقصدون الحج لم ير مثله في كنيسة القديس بطرس في رومية يوم يحضر المسيحيون من أقطار الأرض في الحفلات العامة ولا في البيع الكبرى القديمة في ساجان دي كومو بوستل أمام ضريح الرسول (الحواري) ولا في لورد من أعالي جبال البيرنيه وهي محج كثيرين ولا في أشبيلية في الجمعة المقدسة ولا في روسيا يوم يأتي فلاحوها المتعصبون يضربون رؤوسهم وجباههم عَلَى بلاط المعابد ولا في أية مدينة مسيحية. وهكذا استرسل في وصف تقوى المسلمين وتفانيهم في إقامة شعائر دينهم نقل بعضه عن أحد علماء دمشق وبعضه مما عليقه عنده وقال أن المسلمين مولعون بلقب حاج أكثر مما أولع أهل المملكة العثمانية بلقب بك أو باشا وفي الكتب أمور حرية بالتدبر فكأن كاتبه مغرم بإظهار فكره في شأن البلاد التي دخلها والمعاهد التي زارها وقد حمد مقامه في فلسطين في أديار الفرنسيسكان ووصفهم بالطبع أجمل وصف. حياة بابل ذكرت بعض الصحف العلمية أن التوراة ترجع تاريخ بابل إلى أكثر من سبعة وثلاثين قرناً قبل المسيح وكانت عَلَى عهد ملكها العظيم بختنصر أي قبل الميلاد بستة قرون عاصمة العالم بأجمعه وسكانها خمسة وعشرين مليوناً وهي من الارتقاء عَلَى جانب عظيم جداً وموقع بابل عَلَى الفرات وقد اشتق اسمها حديقة الحدائق من خصبها وأمراعها. دمرها الفرس عَلَى عهد قورش وخلفائه وتركوها أنقاضاً ينعق فيها غراب الدمار وها هي اليوم منذ أكثر من ألفي سنة عبارة عن قفر يجيء بعض العلماء فيستنطقون آثاره ويتعرفون أخباره. وسكان هذا المكان الذي طالما بكى في أرجائه أبناء صهيون الإسرائيليون هم أناس من العرب الرحالة ولكن ذلك لم يطمس من ذكرى حضارتها معلماً فقد ذكر هيرودوتس المؤرخ أن بابل أخصب البلاد بحنطتها تأتي حبتها مئة وزيادة بيد أن العلم الحديث حل هذا المعمى في خصب بلاد تلك الأصقاع وهو أنه كانت تروى كلها فلو تهيأت لها خزانات وسدود كما كان لها عَلَى عهد سعادتها كما تهيأ لمصر خزان أسوان فروى النيل عشرات الألوف من الأفدنة التي كانت محرومة من السقيا لعاد إلى بابل خصبها المدهش وأتت السنبلة مئة سنبلة وزيادة. ولقد وقع في ذهن الإسكندر الكبير في آخر عهده أن يعيد إلى ذلك الصقيع بهاءه القديم فأنشأ ترعتي بالأكوبوس والنهروان وطول الواحدة ٤٨٠ كيلومتراً وطول الثانية ٢٥٦ كيلومتراً ليجلب مياه دجلة إلى داخل المدينة إلا أن أخلافه غفلوا عما بدأ بعمله فعادت البلاد باهتة خربة وهاان السير ويليام ويلكوكس الإنكليزي قام في ذهنه منذ سنين أن يعيد ما كان بدأ به الإسكندر المقدوني فوضع مشروعاً في الري عَلَى صورة أوفق من المشروع القديم وهو يكلف ٧٥٠ مليون فرنك ويقسم تلك البقعة إلى ست مناطق تحيا الأولى بعد الثانية وكل ما تم لإحداها أمر سقياها تقوم بنفقات ما صرفته عَلَى أعمال الري فيها وبذلك تحيا الراضي الواقعة عَلَى شاطئ دجلة والفرات فالبذار يزرع في الخريف فترويه الأمطار حتى إذا جاء آذار ونيسان وفاض الرافدان دجلة والفرات تسقى تلك الأراضي بمياههما الصيف كله فهل تتحقق يا ترى هذه الأحلام ويعود لبابل عزها في سالف الأيام أم يبقى أنر ري العراق في عالم الخيال أو كلاماً في كلام. خمر الشام اكتشف بالقرب من مدينة بوردو الفرنسية ناووس من القرن الأول للميلاد وشوهدت عَلَى مقربة من هيكل العظام رجاجة مستطيلة وشكلها يخالف شكل الزجاج المعمول في بلاد غاليا وقد حلل العلماء ما فيها فرأوه خمراً واستدل الباحثون أن هذا الخمر من صنع سورية إذ كانت خمرها تحمل إلى جنوبي فرنسا كثيراً ويستطيبها الناس كل الاستطابة وذلك بفضل ما كان من الصلات التجارية المستحكمة القديمة بين بلاد الشام وفرنسا. المدنية كتب أحد علماء فرنسة في المجلة الباريزية مقال تحت عنوان هل المنية في ارتقاء أو انحطاط قال فيها: إن الناظرين إلى المدنية فريقان فريق يرى ما فيها من العظمة والمنافع المادية التي سخرها الإنسان لأمره وآخر يذهب إلى أن الارتقاء عَلَى عمومه لا يتأتى له إلا أن يسير عَلَى الدوام سيراً سريعاً. ويرى هذا الفريق الأخير أن كل شيء ينمو من حسن إلى أحسن وأن البشر يبذلون الجهد للوصول إلى هذه الغاية النافعة ويقولون أن العالم ارتقى في مدارج النشوء والنمو حتى صار الإنسان إلى ما صار إليه فورث قوى عاملة وما نشوء نظام الكون إلا نشوء العقل البشري والانقلابات الشديدة تحث اضطراباً مؤقتاً ولكن ينشأ عنها ما يبعث الكفاءات من مرقدها ويضم القوى المبعثرة ويحملها عَلَى أن تتجه وجهة جديدة يستقيم جريها وبالإجمال فالمدنية لا تعود القهقرى ولا تقف في مركز واحد بل هي سائرة عَلَى الدوام بيد أن التاريخ علمنا أن الأعالي تسفل والاستعباد يزول وفكر العظمة والانحطاط متلازمان تلازم الجبال والأودية والليل والنهر والشباب والهرم والحياة والموت. إنه من المتعذر الوقوف فإما الارتقاء متواصل أو سقوط تام وبقدر الصعود يكون النزول فالولد الذي يكذب مرة يقوى في المرة الثانية أكثر عَلَى التفوه بالأكاذيب فتضعفه أخلاقه عَلَى تلك النسبة ويعود ويرتكب أفظع من ذلك وكذلك الحال في الاجتماعات فإن من يغوي فتاة يغوي فتى وهذان يغويان آخرين ومن تسومح في عقابه من المجرمين يعود فيبث دعوته في العقول ويكثر سواد أصحابه فيكثر في المجتمع الفاسدون. الرجل المتحضر لا يقابل الرجل المتوحش أي الذي يعيش وحده بعيداً عن المجتمع نعم إن المدنية لا أثر لها إذا فقدت الصلات الاجتماعية ولكن الحياة الاجتماعية تستلزم عادات كثيرة وأشكالاً منوعة من الحياة وأساليب منوعة الصفات والحالات فقد قال اللغويون أن اللغويون أن المدنية هي مجموعة آراء وأخلاق تنشأ من الهمل المتبادل في الصناعات والديانات والفنون النفيسة والعلوم. وزاد بعضهم عَلَى هذا التعريف ما يلحق ذلك من المناحي العديدة في الصلات الاجتماعية كتبادل المحاصيل وتبادل العواطف والأفكار. بل أن هذا التحديد لا يشعر بأن المدنية كذا كاملة فرب شعب ذي مدنية ولكنها جميلة أو قبيحة رائقة أو غير رائقة إنسانية أو ظالمة عَلَى نحو ما يكون للمرء خلق حسن أو رديء فالصناعات قد تكون جميلة أو رديئة والأديان سليمة أو خرافية والعلوم نافعة أو ضارة. كل شيء يرتقي مع هذه المدنية في مآكلها ومشاربها وملابسها وسائر حالاتها وما ننس لا ننس أن ألفاً وستمائة شخص غرقوا في باخرة واحدة (تيتانيك) وكان منهم من دفع ٢٢٠٠٠ فرنك أجرة سفره خمسة أيام ونصف يوم ليركب في حال من الكبر والتفخل ليس بعدها غاية. إن الحرص عَلَى هذه المدنية هو الذي أورث أمراضاً وهموماً وأفقد العالم الحياة الطبيعية فكثرت الأمراض العصبية وداء المفاصل والبول السكري وضعف المجموع العصبي بل لقد كثر الجنون حتى أكد أحد العارفين من أطباء الإنكليز وقد هاله تكاثر عدد المختل شعورهم من أمته في العهد الأخير أن إنكلترا سيعادل عقلاؤها مجانينها بعد ثلثمائة سنة. إن المدنية أتت عَلَى الكثير من محسنات الطبيعة وعادات الأجداد الفاضلة فانتزعت من النفوس وفي هذه الحركة الاجتماعية يقول بعضهم كلما كثر عدد الناهضين يزيد عدد الساقطين. لا جرم أن التجارة ول لم توجد لما عرف الإفلاس ولو لم تنشأ السكة الحديدية لما وقعت هذه الوقائع المزعجة في المصادمات وغيرها ولكن الشعب الأعرق في المدنية هو الذي يقلل من الإفلاس بين التجار وبين المصادمات في الخطوط الحديدية بدون أن يوقف حركة التجارة ولا حركة القطارات بل يفعل ما بينهما ويجعل أعمالهما في مأمن. ومثل ذلك يقال في كل شيء. يقال في التعليم والصحافة وحقوق الانتخاب والمضاربات والأدب والصناعة بل ينطبق عَلَى كل ما في حركة المدنية من قمح وزوان ونظام خلل وجرأة وجبن. إن تغلب الأجسام عَلَى العقول هو انحطاط في المدنية. إن ضعف نظام الأسرة وروابطها واحتقار الخيار والتنصل من التبعات والزهد في التقاليد والخلاص من كل شكيمة ووازع هو دليل انحطاط المدنية. إننا إلى نظرنا إلى المتمدنين وهم الأقلية في العالم نراهم فيلا معاملة المتوحشين هم دونهم عَلَى ثلاثة ضروب فمنهم من يعاملون من هو الأحط منهم باستثمارهم ومنهم باستعمارهم ومنهم بتمدينهم وهم قلائل جداً فالمستثمرون يبحثون عن مورد ثروة عند الأمم التي يبيعونها مصنوعاتهم والمستعمرون ينقبون عن زيادة ثروة ونفوذ بأن يحملوا بالتدريج الأمم لمنفردة عَلَى الاشتراك بالحياة الاقتصادية والتشبه بالنازلين عليهم وهؤلاء يدوم لهم استعمار الأرض طويلاً بالنسبة لغيرهم. أما الساعون في تمدين أمة فهم الذين يلقنوها معنى الحياة السامية والعمل لما فيه نشر الفضائل والسلام في الأسر وبث الوطنية والدين عَلَى نحو ما كانت تعمل الأمم القديمة في أيام عزها. ولقد قيل أن فرنسا لم تحسن استثمار من وضعت أيديهم عليهم من الأمم وهذا مما يدعوا إلى مدحها لا إلى القدح فيها وذلك لأن فرنسا ليست من الطمع عَلَى جانب عظيم غيرها وهي رحيمة بمن تغلبهم عَلَى أمرهم. ويقولون أيضاً أنها لا تحسن الاستعمار وفي هذا الكلام شيء من الحق وذلك لأن أولادها ليسوا كثاراً فلا تستطيع أن تبعث إلى القاصية منهم بمن يستحقون اسم المستعمرين الحقيقيين وإنها في البلاد التي أرسلت غليها أبناءها كما هو الحال في الجزائر وتونس قد عملت والثقة ملء صدرها ما تستطيع أن تري أعدائها وأحبابها النقاط الضعيفة منه ومم لا ينكر عَلَى لغتنا أنها كانت ولا تزال في مقدمة من يحمل علم المدنية والتمدين وذلك لأن أبائها يستهينون بالأتعاب ويبذلون قلوبهم وحياتهم لنشر ما يعتقدونه. إن مستعمرينا يعلمون من يستعمرونهم الذوق عَلَى العمل واحترام المرأة والبعد عن المسكرات (؟) ومرسلينا يعلمون السود والصفر تعاليم التوراة يضاف إليها تلقينهم الاعتدال والفضائل البيتية ومثال الإحسان لأنهم يجمعون أيتامهم ويعنون بمرضاهم ويلقنون معنى التوفر عَلَى الزراعة وتربية الحيوانات والبناء ويمهدون السبيل للعاملين. فالمدنية إذا لم تمدن أبداً فإن لها بانتشارها عَلَى هذه الصورة المقام الأول بين وسائطنا في الحضارة فإن من لا يمدن يستعمر استعماراً رديئاً ومن لا يستعمر لا يأمن أن تكون له قدرة عَلَى الاستثمار طويلاً وبالجملة فإن كل أمة لا تحتفظ بسلسلة المراتب في طريق العمل والنفوذ عَلَى أساليبها الثلاثة بل إن لكل أمة تلقي الاضطراب في ذلك تدخل عليها جراثيم من الانحطاط تنمو اليوم بعد اليوم. ها قد انقضى الزمن الذي كان يعتقد فيه المعتقدون أن لا سبيل إلى الكسب من شعب إلا بإفقاره للمنافسة بين المعطي والآخذ وهذه القاعدة منافية للحقيقة لأن من يفقر رعاياه والتابعين له ومستعمريه بل وجيرانه يفتقر هو أيضاً وما يغني التاجرين في المقايضات يغني المتقاضيين في المدنيات والاستعمار الذي يذل البعض يفسد الآخرين وكلاهما يتأثران منه. شعرت بذلك الممالك الكبرى في القديم وكذلك كان الحال في إسبانيا والبرتقال: نعم إننا نعرف اليوم كيف تضاعف المقايضات والتجارات ولا نطلب أكثر من أن نرى الزنوج يغلون من نبات المطاط لنربح منه ما نبتاع به قطناً كثيراً وأدوات نشغلها. لا نطلب أكثر من أن نرى شواطئ دجلة والفرات وقد أصبحت من الخصب بما تستطيع معه أن توصل في بلادنا عَلَى خطوط حديدية وقاطرات. ويا ليت شعري هل يجد أولئك الشعوب أسباباً تمكنهم من بناء عاصمة كبابل التي كان محيطها المسور يستغرق محيط مدينة باريز وسان ديني وسان جرمان وإذا وفقوا لذلك حفظها زمناً من الانحطاط كما احتفظ بها أسلافهم. إن أول قدم يخطوها السائر نحو المدنية هو إصلاح الأسرة وإعداد طبقة مختارة من الأمة وتكثير عددها وتجديد أعمالها وما السلام إلا في البيوت والمدن والمعابد وعند الأمم ومتى أثبتت الأفعال أننا بلغنا الغاية فيها يتيسر لنا أن نقول أن من ينشأُ في ارتقاءٍ. جراثيم البيض يقول العارفون أن البيض النظيف عقيم لا ينقف وأن البكتريا لا تدخل إلا في البيض المشقوق أو المكسور الذي تكون قشرته ملوثة بالأوساخ ممسوسة بالأيدي وبفتح البيضة يدخلها الهواءُ وقد تدخله الجراثيم الضارة فالأجدر بربات المنازل أن تتحامى استعمال البيض المكسر ولو كانت طرية لأن من استعمالها قد تنشأُ مضار ولا يخشى البيض إذا كان خارجه سليماً من الوسخ والماء الغالي. فالبيضة التي تؤكل نصف مسلوقة عَلَى الصورة المذكورة لا يخشى من تناولها. نبات السود خاضت المجلات العلمية بالنبات البديع الذي يكثر في النيل الأزرق والنيل البيض ويسمى السود ولم يعرف أحد يحسن الانتفاع من هذا النبات حتى الآن حتى قام عالمان ألمانيان وأثبتا أنه ينفع للوقود بدل الفحم وذلك بأن يقصل ويجمع كالقش حزماً ويحمل في النيل ولا يلبث أن ينشف ويقطع ثمن كل طن ثمانية وعشرين فرنكاً في حين تباع مثل هذه الكمية من الفحم بمائة وأربع فرنكات ويرجي باستنبات هذا النبات والاستكثار منه أن يكون ثمنه أرخص من ذلك وقد أُنشئ في الخرطوم عاصمة السودان أول معمل لإحضار هذا النبات الذي يخدم الصناعة خدماً كثيرة. أضخم الكتب قالت المجلة تملك المكتبة الملوكية في استوكهلم كتاباً مخطوطاً عرف باسم توراة الشيطان ويدعى أيضاً مارد الكتب بسبب حجمه العظيم فإن طوله ٩٠ سنتمتراً وعرضه ٥٠ ويقتضي ثلاثة رجال لحمله ويحتوي عَلَى ٣٩٠ صفحات ينقصها ٧ صفحات وفي كل صفحة عمودان وقد حسبوا ما اقتضى لهذا المخطوط من الرق فكان جلد ٤٦٠ حماراً. وجلده من البلوط الفارغ سمكه أربعة سنتمترات ونصف وله لسان من المعدن. وفي سان فرنسيسكو بأميركا كتاب يعد من مردة الكتب أيضاً وهو الذي عرضته تلك المدينة أيام معروضات كليفورنيا ليكون سجلاً توضع عليه أسماء الزائرين الذين بلغوا ١٣٥ ألفاً وضعوا تواقيعهم عَلَى سبعة آلاف صفحة. وطول كل صفحة ٧٧٥ سنتمتراً ووزنه ٢٥٠ كيلوغراماً. نفقات حرب عامة حسب الأستاذ شارل ريشه ما تكلفه حرب عامة إذا نشبت في أوربة فكانت كل يوم ٢٧٤ مليوناً ونصف مليون من الفرنكات تنفقها الدول العظمى فقط. نجاح أميركا كانت رؤوس الأموال التي وضعتها الولايات المتحدة منذ سنة ١٩٠٠ إلى ١٩١٠ في الأعمال الزراعية فقط ٢٠٤٣٩٠٠٠ دولار فبلغت ٤٠٩٩١٠٠٠ دولار أي أنها تضاعفت وتجاوزت رؤوس الأموال التي وضعت في المشاريع الزراعية في العشر سنين المذكورة من ٨٩٧٥٠٠٠ دولار إلى ١٨٤٢٩٠٠٠ دولار أي زادت عن الضعف أما الأموال التي استخدمت في السكك الحديدية فكانت سنة ١٩٠٠ ١٢٦٣٠٠٠ دولار فأصبحت سنة ١٩١٠ ١٤٣٧٠٠٠ فتأمل. جرحى الحروب قالوا أن الخرطوش في العهد الجديد يقل القتل به أكثر من الخرطوش قديماً ولكن الإحصاء دل عَلَى خلاف ذلك فقد قتل في حرب ألمانيا سنة ١٨٧٠ واحد من كل خمسة أشخاص واليابان في منشوريا قتل لهم واحد من كل ثلاثة فقد كان المحاربون الألمان عَلَى ذلك العهد ٦٥٠ ألفاً فبلغ مجموع جرحاهم ١١٦ ألفاً ومجوع محاربي الروس ٥٩٠ ألفاهم فبلغ جرحاهم ١٧٠٦٠٠ واليابان في منشوريا ٥٤٠ ألفاً جرح منهم ٢٢٠ ألفاً. مالية الدولة العثمانية ها قد مضى زهاء نصف قرن عَلَى عقد الدولة العثمانية قرضاً لها وذلك عَلَى عهد حرب القريم فكثرت سنداتها في العشرين سنة التالية في أسواق الشرق ولما بهظتها ديونها توقفت سنة ١٨٧٦ عن الدفع خمس سنين تألفت إدارة الديون العمومية فكان أول حجر أساس المالية العثمانية. وبمناسبة الحرب بين الدولة وحكومات البلقان الأربع كثر تحدث الاقتصاديين في مالية دولتنا وهاك خلاصة ما قالوه مؤخراً قال بعضهم: لا تزال مواد القراطيس العثمانية في أسواق غريزة ويؤخذ من الخزينة العثمانية الأخيرة أن الدين العثماني الموحد كان في أول آذار الماضي ١٢٦ مليوناً و ٩٣٩١ ليرة يضاف إليها مليون ليرة اقترضته بلدية الآستانة والشطر الرابع من قرض ولاية بغداد وهذا بيانه: ٥٠ . ١٤٦ . ٧٥٧ الدين الموحد والسندات ١٨ . ٢٧٥ . ٦٢٠ دين مضمون بجزية مصر وقبرص ٢ . ٣١٩ . ٩٤٤ قرض تتناول ضمانته مباشرة ٣٠ . ٧٦٣ . ٤١٤ قرض مضمون بدخل صندوق الدين ٢٤ . ٦٠٣ . ٦٥٦ قروض تديرها الحكومة. وينبغي أن يحذف من هذه القروض قرض سنة ١٨٥٥ وفائدته ٤ في المئة وقرض ٩١ وفائدته ٤ بالمئة أيضاً وقرض ٩٤ وفائدته ٣ ونصف بالمئة لأن هذه مضمونة بجزية مصر وزيادة دخل جزيرة قبرص وهي من أضمن القروض في نظر حملة القراطيس. ثم أن قروض ٩٣ و ٩٤ تدفع شركة حصر التنباك وشركة السكك الحديدية الشرقية ضمانتها للمصارف مباشرة وعليه يكون الباقي قرض الموحد العثماني وقروض سندات اليانصيب العثماني وهذا قد خص بهما بموجب أمر سلطاني بعض الموارد كالثمغة ورسوم الكحول والحرير والملح والدخان يتولى إدارتها صندوق الديون العمومية وقد أربى الدخل كثيراً عَلَى النفقة اللازمة للصندوق والأسهم. ففي سنة ١٩١٠ إلى ١٩١١ بلغ دخل صندوق الدين ٥ ملايين و ٦١ . ٣٣٥ ليرة أخذ منها لنفقات الإدارة ٩٦٤ . ٢٣٧ ليرة وبقي ٤ ملايين و ٩٧ . ٠٩١ ليرة يؤخذ منها لاستهلاك الأسهم المخصصة بهذه الموارد ولدفع سندات اليانصيب مليونان و ١٥٧ . ٣٧٥ ليرة فتكون زيادة الدخل مليوناً و ٩٣٩ . ٧٢٣ تعطي الحكومة الثلاثة الأرباع والربع الآخر يعطى لخزانة صندوق الدين. هذا ويظل الدخل أكثر من النفقة ولو حذفنا نقص دخل الصندوق من الولايات التي احتلتاه الحكومات البلقانية فقد جاء في الكتاب الذي قدم للسفراء في شهر ك ١ الماضي أن معدل دخل تلك الولايات في العام ٧١٣٠٥١ ليرة يضاف إليه مبلغ ٤٨٩٩٠ ليرة من أثمان الملح فيكون المجموع ٧٦٢٠٠٥ ليرات أي عبارة عن ٢٢ بالمئة من مجموع الدخل وإذا افترضنا نقص الدخان من هذه النسبة كان مجموع النقص مليوناً و ٤٨٣٠٥ ليرات وقد ذكرنا قبلاً أن زيادة دخل الدين الصافية هي مليون و ٩٣٩٧٢٣ ليرة وعليه تكون الزيادة الباقية حتى بعذ حذف دخل الولايات التي يحتلها البلقان ٨٦٥٤١٨ ليرة. وقال بعضهم: لا ينكر أن الدولة العلية بفقدها الولايات الأوربية قد خسرت ٢٠ في المئة من دخلها لكن من عرف أن هذه الولايات كانت تستهلك في السنوات الثلاث الأخيرة ٢٣ في المئة من مجموع نفقات السلطنة يرى أن خسارة مدخولها لا تؤثر في حال الخزينة. ثم أن الحرب الأخيرة لم تضطر العثمانية إلى أن تنفق أكثر مما كانت تنفقه عندما كان لها ٦٠ ألفاً من الجنود في ألبانيا لإخماد ثورتها و ٥٠ ألفاً في أزمير ومن ٦٠ إلى ٧٠ ألفاً في طرابلس الغرب ومثلهم في اليمن ولم يتأخر رعايا الدولة عن دفع الأموال المفروضة عليهم حتى أن زيادة الدخل في بيان نظارة المالية الأخيرة بلغ ٢ . ٥٠٩ . ٧٣١ ليرة عثمانية وبلغ مجموع ضريبة الحرب في شهر واحد ٤٢٢ . ٤٩٥ ليرة عثمانية. وعليه إن الحكومة العثمانية تحتاج إلى المال فما ذلك إلا لسد العجز السابق. مدارس الفلاحة في الدانيمرك نشرت المجلة الفرنسوية مبحثاً مهماً تحت هذا العنوان بقلم العقيلة لونر كروبي فآثرنا ليضم إلى ما سبق لنا نشره من نوعه في سني المقتبس السابقة قالت الكاتبة: عَلَى شاطئ بحر البلطيق بلاد صغيرة سعيدة وأعني بها الدانيمرك التي تضاعفت تجارتها الخارجية في الخمس عشرة سنة الأخيرة لتوفرها عَلَى استثمار أرضها وقيامها عَلَى تربية الماشية حتى أصبح لديها الألبان دافقة كالسيل المنهمر وجمعت بواسطة معامل اللبن منها ما تجعله جبالاً من الزبدة والسمون ترسله إلى إنكلترا فتتناول أثمانه ذهباً وهاجاً. تقسمت في هذه البلاد الثروة تقسيماً كثيراً ومع هذا لا ترى الفلاح يعجز عن القيام بالأعمال الكبرى التي يقتضي لها رؤوس أموال عظيمة قد تألفت شركة تعاون ضمت إليها نحو تسعة أعشار أرباب الأراضي وغدت البلاد تستثمر بأدق قواعد العلم الحديث فيحلل اللبن مرتين في الشهر في معامل التحليل التي تشعر صاحب الملك بأقل تغيير يحدث في حالته وتبين له ما يجب إدخاله من التعديل في تغذية الماشية. وبهذه العناية والحذق في اختيار أجناس البهائم أصبح معدل السنوي للبقرة الدانيمركية يزيد عن واحد من خمسة في خلال العشر سنين الأخيرة. وهكذا تفحص التربة أيضاً فحصاً في المعامل ويجري إصلاحها عَلَى هذا النحو والفلاحون هم الذين يتولون أعمال هذه الشركات بأنفسهم يحاسبون أربب الأملاك ولا يقع حيف عَلَى أحد ولذلك لا تقام دعوى ولا يحد خصام بينهم. وهؤلاء الفلاحون العاملون عَلَى غاية الأخلاق يرأسون بيوتاً وأسرات وكل ولد يولد لهم يكون مادة رزق جديدة ودرجة تعلمهم أرقى من عملة المدن بل أرقى من أهل الطبقة الوسطى. فتجد لكل قرية حتى الصغرى منها قاعة لإلقاء المحاضرات يتباحث فيها الفلاحون عَلَى الدوام في المسائل الاجتماعية والزراعية السياسة والدينية وأحياناً تجد لكل قرية قاعة للاستحمام وداخل بيوتهم عَلَى غاية من الذوق والنظافة. والفلاح الدانيمركي المتعلم يفهم المصالح الاقتصادية فيدل عَلَى ذكاء وبعد نظر في مستقبل بلاده الذي هو في الألبان والسمون والبيض. وقد استطاع الفلاحون الدانيمركيون الذين يؤلفون السواد الأعظم من الأغنياء وأرباب الأملاك أن يقبضوا بذكائهم عَلَى قياد بلادهم وأن يكون لهم في مجلس النواب الأكثرية المطلقة التي تتصرف بالبلاد كما تريد وتتولى مناصب الحكومة وكم من فلاح يبحث في أعوص المسائل فيحلها في حقل عقل وتجارب. فالفلاح الدانيمركي وحيد في هذا الباب في أوربا بفضل التربية التي ربيها أولئك الفلاحون في المدارس العليا فدخل فيها ٤٧ في المئة من مجموع السكان وتلقنوا التربية العقلية والأخلاقية اللازمة للحقول. وما القائمون بالشركات الزراعية إلا تلامذة تلك المدارس التي بنيت بأموال الفلاحين فهي مدارس خاصة يبذل لها الفلاحون عن سعة مع ما عرف به الفلاح من الاقتصاد في كل هذه البلاد. ولذا ترى كل كورة من كور الدانيمرك أن من موجبات شرفها أن يكون لها مدرسة عليا ومن لم يدخلها في عرف الفلاحين يكون من الطبقة الدنيا ليس له من أسباب الشرف لا قليل ولا كثير. أنشئت المدرسة العليا في الدانيمرك ممثلة لأفكار ممثلها غروندفيج الذي عاش من سنة ١٧٨٣ إلى ١٨٧٢ ولقب بنبي الشمال وبروحه قامت وارتقت وإنك لترى إلى اليوم في المدارس التي أحدثها خطبه وأشعاره وكتاباته تقرأ وتشرح باحترام يوازي ما تقرأ به التوراة وتفسر به. حتى أن الأساتذة يرون أن من الواجب الاحتفاظ بتعاليمه وإنك لترى صورته معلقة في كل قاعة من تلك المدارس وهو شيخ يجري أبيض اللحية كبيرة السحنة تظهر عليه الشهامة والنشاط. وكان هذا الرجل من بيت أدب وعلم وكتب في التاريخ والأساطير والشعر القديم والتراجم ما بلغ ثلاثين ألف صفحة وهو عمل عظيم حتى عَلَى من عاش ٩١ سنة مثله ممتعاً بصحته وتقواه. وكانت أمه من بيت علم وأبوه واعظاً دينياً فتعلم من والدته في صباه حب القديم والميل إلى القصص ولطالما غنت له الأغاني الوطنية والأناشيد الدينية التي كان بها في حياته الفرد المقدم فأصبح شاعراً بما لقنته إياه أمه من الشعور وبواسطة الأناشيد الدينية التي ينشدها الفلاحون كل يوم أثر في أفكار فلاحي بلاده وتعلم اللاتينية وكان يحمله معلمه عَلَى الاختلاف إلى بيوت الفلاحين فاستفاد من هذه الزيارات أكثر مما استفاد من دروس النحو والصرف فتعلم كيف يحب الفلاح وكان إذ ذاك عَلَى غاية الفقر وشعر بتنمية حبه للطبيعة والخلاء مما كان أحد مصادر شعره. لبس ثياب الوعظ وانخرط في سلك المبشرين وبعد سنين خلع ثيابه وذهب إلى لندرا فأثرت هذه الرحلة تأثيراً شديداً فيه إذ لم يكن قبلها يعيش إلا عيش الكتب والدفاتر فأخذت نفسه بما رآه في الإنكليز من الحياة العملية والنشيطة وما خصوا به من الذوق في الرياضات الطبيعية وتأصل فيهم حب الاستقلال الشخصي ولاسيما ما عرف عن مدارسهم من حيث إعداد الخلاق شبانهم ورجع من هذه السياحة والشمس في عينه وعالم جديد في قلبه وأخذ ينسج في أشعاره باللغة الدانيمركية الدارجة عَلَى مثال قدماء شعراء الإنكليز وهي ترمي إلى أنه ليس من شعور وطني بدون شعور ديني وأن الأدوار التاريخية التي خلت من الإيمان هي أدوار لا مجد لها وكل يقظة مسيحية هي يقظة وطنية وعلى هذا المحور يدور المترجم به في أشعاره وكتاباته كلها وأعماله الاجتماعية ولقد صرح في إحدى المجتمعات أنه من العبث أخذ السلاح للدفاع عن الوطن إذا لم يكن المرء متشبعاً بالشعور الديني. فمن ثم كان يرى إثارة الشعور الوطني والإيمان في مدارسه الجديدة. وفي سنة ١٨٣٢ نشر لأول مرة في مقدم كتابه الميثولوجيا الكبرى فكرة مدرسته وفي سنة ١٨٤٤ في اجتمع حضره بضعة ألوف من الفلاحين الوطنيين خطب القوم فأثرت خطبته في النفوس فراح وهو عَلَى أبواب الشيخوخة يعزي نفسه بأنه سيرى أعماله تكلل بالنجاح ولو كان في هذه السن إذ له أسوة حسنة يستوف كولمب الذي ذهب ففتح العالم الجديد وقد ابيض فوده وعارضه. دعا بخطابه امته إلى إحياء الشعور الديني والوطني وإن أنقى مصادر الحياة العقلية والأدبية يجب أن تكون منه عَلَى طرف الثمام تتناولها عَلَى أسرع وجه وأن ينشأ في المدارس الجديدة تعليم حي عصري وطني لنسى الدانيمرك ما أصابها من المصائب والهزائم وانسلاخ أراضيها وانفصال النروج عنها وضياع مقاطعة شلشويق وكانت الدانيمرك تشعر بحاجتها إلى النهوض وأن تدافع عن الفكر الوطني في النفوس لأن تيار الشعور الألماني يدفق عليها فاقتضى لها أن تحمي حمى لغتها الدانيمركية وعلى هذا الفكر أنشئت مدرسة روديج التي أصبحت بعد كلية أزوف ومنها انبعث نغمة الوطنية الدانيمركية واللغة الدانيمركية ورأى غروندويج في مدرسته أن تجري عَلَى غير الأسلوب الفني المتعارف وأن يقصد منها تربية العقول وتفتح أمام التلاميذ كل السبل الجديدة ويقوي الشعور الوطني والديني والأخلاقي والجمالي ويعلم وطنيين مستنيرين مستعدين إذا خرجوا من بيوتهم أن يتعلموا الزراعة أو صناعة أخرى ولذلك سمى مدارسه كلية الشعب تعلم تعليماً جديداً ولا تخول المتخرج منها امتيازاً ولا تعطيه شهادة. فلم يطلب هذا الرجل من مدرسته أن تخرج تلامذة عَلَى النحو الذي تخرجه مدارس الحكومة فيمتاز متخرجها بما ناله من الدرجة بين أقرانه ومجتمع أخوانه بل يكون من تخرج منها عَلَى استعداد للرجوع إلى المكان الذي غادره ولكن بروح غير روحه الأولى. أفق غروندويج ونجح وإخفاقه لم يزده إلا مضاءً حتى بلغ عدد مدارسه العليا من سنة ١٨٦٤ إلى ١٩٠٤ ( ٧١ ) مدرسة ولطالما شكا من أن الأشعار التي نشرها محتذاة من الإنكليزية أو من اللغة الدانيمركية القديمة لم تؤثر إلا في طبقة مستنيرة من الشعب في حين يؤثر أن تراها تفعل في عقول الفلاحين ولكن نفعت في إحياء لغة القوم عَلَى نحو ما نفعت كليات الحكومة ومدارسها عَلَى أن تلك الأشعار لم يكن يمض يوم ولا ليلة إلا وتنشد في البلاد اشتركت في الإقبال عليها مدارسه ومدارس الحكومة وكنائس الدانيمرك وأديارها. يبقى التلميذ إلى الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة من سنه في المدرسة يتقن فيها اللغة الدانيمركية ثم يعود إلى المدرسة العليا فيزيدها إحكاماً كما يبالغون في تعليم التاريخ الدانيمركي وبذلك انبعثت الوطنية الدانيمركية من مرقدها ولا يسأل كل تلميذ في مدارسه سوى سؤالاً بمفرده بل يوجه إلى التلاميذ كلهم سؤال واحد يجيبون عليه ومدارسه تدفع أجورها وأجرة كل تلميذ من ٢٠٠ إلى ٢٥٠ كوروناً (الكورون فرنك واحد وأربعون سنتيماً) ويجتهد المعلمون أن لا يضغط التلامذة عَلَى أولادهم ويضطروهم إلى الذهاب للمدرسة حتى المعلمين إذا رأوا التلميذ يريد الهرب يفتحون له الباب ولا يسألون عنه عَلَى أن ذلك من النوادر. وصف غروندويج فكر مدرسته بما يلي: يجب أن تحسن تعليم التلامذة معنى الحياة البشرية وطبيعتهم الخاصة وأن يلقنوا الفروض المتجثمة عَلَى الوطني ويعرفوا واجبات الوطن وأن يؤثر فيهم ببسيط الكلام فيعلمهم التاريخ والإنشاد الحي والإعجاب بما هو عظيم وجميل وبالاجتماع يلقنهم العمل المتبادل المشترك والابتهاج السليم واللذة واللعب. وقد قاوم طريقته كثير من أهل العلم والطبقة العليا والفلسفة في بلاده وقالوا أن طريقته تخرج تلامذة محدودة عقولهم في حين يجب تعليمهم تعليماً أوربياً يحتوي أموراً كثيرة ولطالما هز بهذه الطريقة الفيلسوف العظيم كيركجارد وقال عبثاً يحاول غروندويج نشر التعليم عَلَى هذا الأسلوب ولذا أخفقت طريقته في المدن ولم تجد لها مكاناً إلا في قلوب الفلاحين وهذا ما كان يتناغى به صاحبها. ز رت إحدى مدارس الفتيات عَلَى طريقة غروندويج في فريدريكسبورغ وفيها مائتا فتاة وكان الوقت شتاءً وفي الشتاء تعمر المدارس لأن الحقول لا عمل فيها فرأيت الدار ساذجة لا زينة فيها ولكنها البهجة بين النضرة والخضرة والنباتات المعرشة ويدخل الهواء العطر من النوافذ المفتحة والتلميذات يستمعن إلى ما يقلى عليهن من المنبر وهن في الغالب لا جمال لهن بل هن شقر الوجوه والشعور فيهن ظرف ولطف وحسن صحة وكلهن عَلَى غاية من النظافة وحسن الهندام ويلبسن فساطين من القماش الزاهي. وهن من طبقة لا تجد فيهن شريفة ولا من بنات الأعيان بل هن أجيرات في الحقول والمزارع وخادمات وترى أيديهن مسمرة عَلَى نحو مما تشاهد أيدي كل الفتيات في بلاد السكندنافيا حتى تلميذات الكليات العليا لأنهن عرفن بحبهن للرياضيات البدنية فيتلو عَلَى مسامعهن الأستاذ قطعة في تاريخ الدانيمرك كوصف معركة فريدريسيا التي قضى فيها القائد ري وكان فيها الظفر مؤقتاً وعقبه ضياع مقاطعة شلشويق هولستاين ويذكر الخطيب تذكارات مؤلمة وقد حضر الاجتماع مستمعات من مقاطعة شلشويق عَلَى الرغم من حظر الحكومة الألمانية عليهن الحضور. حضرن ليأخذن ما لا يتيسر لهن في مقاطعتهن من الآداب الدانيمركية فكن موضوع التأثر كما كان كلام الخطيب وانكفأن كلهن يبكين وينتحبن ويرفعن أصواتهن متأثرات ولاسيما عندما يختمن الجلسة بإنشاد النشيد الدانيمركي القديم وبعد ساعة عادت البهجة إلى المدرسة إذ انتقل الفتيات إلى قاعة الألعاب الرياضية لهذه الألعاب في هذه المدارس العليا كما هو في جميع سكندينافيا مكانة عظمى في حياة كل فرد عَلَى نحو ما يرى في الألعاب الأولمبية في استوكهلم. ومنذ عشر سنين زاد الإقبال عَلَى الرياضات الجسمية حتى أنك لتجد العملة والمستخدمين والفلاحين ذكورهم وإناثهم يعمدون إلى التريض بعد عملهم واقتنع القوم بفائدة هذه التربية الطبيعية حتى أخذ كثير من أساتذة الألعاب الرياضية في الدانيمرك يلقون دروساً مجانية في الليل عَلَى من يريد إنسانية منهم ووطنية. ومن عرف أن هؤلاء الفتيات يصبحن بعد أمهات وتلد الواحدة من ستة إلى ثمانية أولاد وهي في صحة تامة يوافق بأن للألعاب الرياضية مكانة وطنية حقيقية. وكما أن للعب مقاماً سامياً في المدارس العليا للبنات فكذلك الإنشاد والغناء يروحن ب نفوسهن ويتعلمن الأفكار السديدة بما يتسرب إليهن من الحكم خلال النغم. ويتعلمن بالإنشاد الصوتي كيف يكون النظام والاجتماع وما أناشيدهن إلا مظهراً من مظاهر حسن أخلاقهن وصحتهن واتفاق إرادتهن ومتى انتهت الرياضة يتفرقن في الحديقة فيأخذ بعضهن يخيط وأخريات يقرأن وغيرهن يركبن الدراجات وهي الرفيقات التي لا تفارقها المرأة الدانيمركية. ولا يشتغلن بالحديقة لأن مؤسس هذه الطريقة كان يرى أنهن إذا تعاطين هملاً يدوياً لا يبلغن العمل العقلي إلا وهن متعبات. ويدققن في هندامهن ولا شيء يحول دونهن أو يحظر عليهن فحريتهن تامة مطلقة يعشن مع أساتذتهن ومعلماتهن وأسرات معلميهن ومعلماتهن عيشاً بيتياً مشتركاً لا شيء يشق عليهن ويحسن استعمال ما يخولن من الحقوق. قال أحد أساتذة هذه المدارس أنني قضيت حياتي برمتها في هذه البيوت فلم أسمع فيها قط كلمة هجر تنافي الأدب ولم أشهد خصاماً رديئاً وهذا ناشيء من شيئين وهما امتياز هذا الشعب الوديع اللطيف المعتدل واللسان المهذب الذي يستعمله الأساتذة منذ أول يوم مع التلاميذ والتلميذات فيبلغون به شغاف القلوب ولامرأة مدير المدرسة تأثير في جعل حياة الفتيات مفرحة لطيفة والمدير يكون مستشار الأسرات عَلَى كثرتها لأن أولادهم درسوا في مدرسته. أما مواد التعليم فتدور عَلَى التاريخ والجغرافيا وعلم الأدب واللغة الدانيمركية والرياضة البدنية وحفظ الصحة والاقتصاد الاجتماعي ومبادئ التاريخ الطبيعي والنفسي والكيمياء وتعطى دروس خاصة لم يتأخرن وهم نوادر في نفوس النحو والحساب وإذ كان من الصعب في بضعة أشهر من السنة تعليم مختصرات من هذه العلوم دع المطولات كانت الدروس تلقى بصفة محادثات تنبه شعور التلميذ وتبعثه أن يدرس بواسطة المكاتب العامة المملوءَة بأنواع الكتب كل ما يغلب عليه من الفنون وتكون المحاضرات مما يعين عقله عَلَى التفكير والعمل ولذلك كانت المسامرات والأحاديث التي يلقيها القائمون عَلَى تلك المدارس منوعة الأساليب. وشخصية المدير تؤثر في إدارة المدرسة بنوع خاص فمن المديرين من يغلب عليه التاريخ فيخاطبون العواطف في طلبتهم ومنهم من تغلب عليهم الاجتماعيات فيخاطب العقل ومنهم الدين ومنهم العلم فالتعليم منوع الأساليب ويرجع إلى دائرة واحدة. وتقبل بعض المدارس تلاميذ من كلا الجنسين اللطيف والنشيط وقد أكدت مدرسة أسكوف وفيها أربعمائة تلميذ وهي في مدينة وعليها شيء من مسحة الارستوقراطية أن تعليم الجنسين قد أسفر عن نتائج حسنة عَلَى نحو ما أكد غيرها من المدارس التي اتبعت هذه الطريقة وبين معلمي مدارس الحكومة ومعلمي هذه المدارس صلات كبرى ومن أو لئك من يحضر دروس معلمي المدارس العليا عملاً بقاعدة مؤسسها من أن التعليم العلمي عند من أخذوا أنفسهم بتعلم الأدب وتمحضوا له يضل جادة الصواب أن لم يشفعه تعليم حالة الشعب فيتعلم المتعلم الحياة ويقف عَلَى الحركة الحاضرة قال وهكذا الحال في التعليم الأهلي فإنه يفقد مكانته عَلَى أسرع ما يمكن ويكون قشوراً ل لباب فيه إن لم يمزج عَلَى الدوام بالدرس العلمي. يعيش المعلمون في هذه المدارس مع أسراتهم ويذهبون خلال العطلة المدرسية وهي ثلاثة أشهر في السنة إلى جميع أماكن الاجتماع. يختلفون إلى الأعياد الدينية والمحاضرات والأسواق الكبرى وإلى كل مكان يعلمون أن أناساً فيه يجتمعون فيتكلمون عن مدرستهم ويدعون الفلاحين إليها في الخريف. وبذلك يستكثرون من الطلبة والحكومة لا تراقب هذه المدارس وتدفع لكل واحدة أتى عليها ثلا سنين إعانة نقدية من ٣ إلى ٤ آلاف كورون والمعلمون من الطبقة الراقية في علمهم ويكونون في الغالب ممن شعروا بميل إلى صناعة التعليم وهم في سن العشرين ولهم اجتماعات ونقابات فلا يدخل في سلكهم ضعيف ولا ساقط في فضائله وعلمه والشعب يعرض عن كل من لا يسوغ أن يتولى تربية بنيه ممن عرف بالإلحاد ولم يترب بآداب الدين. وفي كل سنة تدعو المدرسة من تخرجوا في مدارسها من الفتيان والفتيات وأسراتهم فيأتون من كورتهم مسرعين يصرفون اليومين والثلاثة في الغناء والرقص وسماع المحاضرات ومن كان منزله بعيداً ينام في المدرسة. وبهذه الطرق التي تعمد إليها المدارس العليا وفقت للتأثير في الأفكار فصار الفلاحون في الدانيمرك ألف كورون وأعطيت لمدير المدرسة لقاء وصل بسيط يتصرف فيها كما يشاء نعم إن المعلمين والمديرين يعيشون عَلَى ما يجب في هذه المدارس التي نجحت بأفضالهم وفضائلهم فأخذوا يحتكون بالفلاح عَلَى حين تجد أمثالهم في الممالك الأخرى قد يترفعون عنه واستماتوا في تربية الشعب فبذلوا كل قوتهم وبإرادتهم المتجمعة ودعواتهم التي لم يملوا من بثها نبهوا الفلاح الدانيمركي من غفلته التي كان فيها منذ قرون. وكل بلد يقوم فيها مثل هذا النشاط تخصب في ربوعها العلوم والآداب لا محالة. مدينة لا ذباب فيها أجمعت الآراء عَلَى ضرورة قتل الذباب ولكن لم يظفروا حتى الآن بالطرق للخلاص من هذا الضيف الثقيل المخطر الذي ينشر جراثيم العدوى بدخوله في كل مكان وتلقيحه في كل مادة مضار عدواه. وقد وضع مؤتمر الصحة في ولاية إنديانا إحدى الولايات المتحدة قاعدة أوصى فيها بإبادة هذه الآفة وهي اقتلوا الذباب بأي صورة كانت ولكن اقتلوه جملة يرددونها في كل صفحة من صفحات كتاب الصحة. وكانت مدينة ويلمنتون في أركانساس أكثر البلاد ابتلاء بهذه الهوام تنشر من الأوبئة أشياء منها فعمد رجال الصحة فيها إلى استعمال الأدوية كلها للوقاية فيها فخابت مساعيهم. وقد قررت لجنة خاصة أن الواسطة الوحيدة أن تطهر أماكن العدوى وأن يحارب الذباب بكل حيلة فعهدت البلدية إلى أحد الأخصائيين أن يعد دواءً ناجعاً للقضاء عَلَى العفن فأكثر في المدينة من حب حمض البيرولنجين ويحدد رشه أربع مرات في النهار ودامت هذه الحرب شهراً فلم يبق بعده أثراً لهذا العدو الهائل وتخلصت المدينة من الذباب فخفت حمى التيفوس بذلك عَلَى التدريج وجادت الصحة أي جودة وبذلك يفهم أن الحكومات إذا أرادت أن تعمل الحسن للأمم توفق له مهما كان صعب الطريقة. نادي المعمرين أنشئ حديثاً في طوكيو عاصمة اليابان ناد للشيوخ الذي لا يقل عمرهم عن التسعين سنة برئاسة الكونت إوليما الياباني ويقال أن بين من يضمهم النادي الآن اثني عشر عضواً عمر الواحد منهم ١١٠ سنوات وقد قيل شبيه الشيء منجذب إليه. إن الطيور عَلَى أشكالها تقع. إزالة الحبر عن البسط إن أسهل طريقة يمكنك بها إزالة الحبر عن الطنافس أو البسط أن تأخذ شيئاً من الملح الناعم وتذره عَلَى الحبر وتى اسود الملح ترفعه وتضع غيره مكانه. أحياء الأزهار ميتة إن الطريقة لإحياء الأزهار بعد ذبولها هي أن تقطع قليلاً من أصولها ثم تغمس هذه الأصول في ماء يغلي فالحرارة الشديدة تنبه الزهرة تعد إليها الحياة التي أوشكت أن تفقدها وتجعلها كأنها مقطوفة منذ هنيهة. أكلة الخبز في الإحصاءات الأخيرة أن كل دانيمركي يأكل في السنة ٢٨٧ كيلوغراماً من الخبز والبلجيكي ٢٧٤ كيلوغراماً والفرنسوي ٢٣٤ والسويسري ٢١٢ كيلوغراماً والألماني ٢٠٩ كيلوغرامات والإسباني والنمساوي ١٩٥ كيلوغراماً والإيطالي والبرتقالي ١٠٢ كيلوغرامين. أما العربي فليس له محل من الإعراب في هذا الإحصاء ولعله من أكثر الأمم تنازلاً للخبز إذ ليس عنده الآن إلا الخبز القفار وربما جاء زمن لا يحصله فيكتفي بأكل البقول والثمار. ثروة سويسرا أحصى الأستاذ ستيجر ثروة سويسرا عَلَى وجه التقريب فكانت نحو ١٤٥٢٨ مليون فرنك وأغنى مقاطعاتها مقاطعة برن التي بلغت ثروتها العامة ٢٤٤٤ مليوناً ثم مقاطعة فود ١٧٤٢ . نساء فنلندة تبين بالاستقراء أن المرأة في فنلندا لما صار له شأن في توظيف الشرطة في بلادها قل الفجور بل كاد يقضى عليه كل القضاء وذلك أن من وظيفة الشرطيات الفنلنديات أن يسهرن عَلَى أخلاق الفتيات وأن يسعين في إيجاد أعمال ومحال يأوي إليها المهملون أو اللقطاء والعجائز. العناية بالمرأة لما كان للمرأة بولاية كولورادو في الولايات المتحدة حق الانتخاب كالرجل منذ زمن طويل فقد وفقت إلى وضع قانون لحماية الأمومة في البلاد ذلك أن كل الأمهات اللائي لا مورد لهن يعشن سواء كن عازبات أو متزوجات أو أيامى يقبضن من خزانة الحكومة معاونات مالية مهمة تسمح لهن بتربية أولادهن عَلَى ما يجب. الأنسجة الجديدة آخر الأزياء الجديدة من ألبسة النساء الفساطين المصنوعة من الخرز المنسوج الذي يشبه الحرير بلمعانه ومرونته وقد اخترع هذا النسيج في النمسا وألوانه عَلَى غاية من اللطف تختلف بين الأبيض والأخضر والوردي والبجلي (الليلكي) والأصفر وله لمعان كلمعان الماس. وتصنع أيضاً أقمشة من ألياف معدنية معمول من أحجار ليفية لطيفة عَلَى اللمس جداً ومتينة للغاية. ولهذه الألبسة امتيازاتها يمكن تنظيفها عندما تتجعد أو تتسخ ويكفي لذلك أن تكوى. ويصنعون أيضاً جوخاً يدعونه جوخ الحديد يستعمله الخياطون لعمل قبات الثياب. ويعمل هذا الجوخ من الصوف المعمول من الحجر الكلسي وهذا الحجر يمزج ببعض المواد الكيماوية وينشف في تنور أو يطلق عليه مجرى هواء شديد الحرارة فيستحيل إلى مادة بيضاء صوفية تكون عند إخراجها من التنور ملونة الأشكال معمولة طويلة وقصيرة عَلَى نحو ما يعمل الجوخ والثوب أو السروال المعمول من هذا الجوخ الحديدي لا يتلوث بلوثات من الدهن ومرونته تشبه مرونة أدق صوف الماعز. ومن جملة الأصناف الجديدة من هذا النوع نسيج الورق أو الحطب أو القنب فإن نسيج الورق قد خدم اليابانيين خدمة نافعة خلال حربهم مع الروس وهو أحسن ما يكون لصنع الأزياء العسكرية الرسمية وتعمل منه اليوم فساطين للسهرات وألبسة للحمامات وأن مدينة طوكيو عاصمة اليابان لتصدر إلى إنكلترا وألمانيا وفرنسا كميات وافرة منه. ويعمل اليابانيون من هذا القماش قفافيز للأيدي أيضاً. أما قماش القنب والحطب فيكون متيناً للغاية يمزج مع بعض المواد الكيماوية التي كتم مخترعوها أسرارها فيباع بكميات رابحة في المستعمرات البريطانية. ذكاء الحيوان كان للناس منذ القديم آراء متناقضة في مسألة ذكاء الحيوان فقد قال بيكورس الفيلسوف اليوناني أن للحيوانات روحاً كالإنسان وقال أرسطو والرواقيون من فلاسفة اليونان أن ليس للحيوانات ذكاء يعتد به ورأت النصرانية مثل هذا الرأي الأخير فأثبت لهم الغريزة ونفت عنهم العقل الذي لا حاجة لهم به واعتبر الفيلسوف ديكارت الحيوانات بأنها أدوات بسيطة تعمل من نفسها ولا تعرف ما تعمل وكانت فلسفة القرن الثامن عشر مناقضة لهذا الرأي ونسب الفيلسوف لايبنز للحيوانات عملاً نفسياً منحطاً عن القوى الإنسانية وذهب الماديون من الفلاسفة مذهب أبيكورس مثبتين أن النفس متعلقة بالدفاع وأن النفس البشرية غير خالدة كالحيوان وذهب مثل هذا المذهب أيضاً ملاحدة القرن التاسع عشر فأثبت كارل فونت ولويزنجتر فكراً سامياً للحيوان في الذكاء وقال داروين وهو الذي يرى أن الإنسان مرتق عن الحيوان بترقي الأنواع بأن غريزة الحيوان هي الممثلة لصفاته القوية التي هي قوية في الحيوان وقد بلغت في الإنسان أرقى طبقاتها. واقترب العلم الحديث من هذه النظريات بان أثبت للحيوان قوى ودرجه بحسب أجناسه وأصوله بأن وضع في الدرجة ذوات الثديين التي هي سلم الكائنات قريبة من الجنس البشري فاعترفوا بأن للكلب شعوراً من العقل والذكاء اللذين طالما أقام البراهين عليها وثبت أن حصان هانس يحسب ويجمع ويطرح بلا غلط ويجيب عَلَى المسائل العويصة بإشارات لا خطئُ وذبك ثبت بأن للحيوان نفوساً كما للإنسان وإنها من الذكاء عَلَى جانب. الإتحاد الأوربي تكتب المجلات الكبرى في الغرب الحين بعد الآخر مقالات في الدعوة إلى اتحاد أوربي عام تكون به دول أوربا يداً واحدة في الخصام والسلام ومن ذلك ما نشرته إحدى المجلات الإنكليزية الخطيرة قالت مؤخراً أن من الأمور الثابتة أن الحالة الحاضرة في أوربا ليست مما يبعث عَلَى الرضى فهي تفقد عَلَى التدريج المكانة وإن كانت لها فيما سلف من الأيام عَلَى حين تنشأُ أمم أخرى أمامها ونبلغ بالتدريج الدرجة الأولى. والسبب في هذا الانحطاط هو أن ممالك أوربا لا تبرح عَلَى الدوام مسلحة بعضها عَلَى الآخر سواء كان للدفاع أو للإغارة. والإفراط في التسليح عَلَى هذا النحو يدل بصراحة عَلَى ما بينهن من الحذر والحسد فإن أوربا تنفق كل سنة عشرة مليارات من الفرنكات لإطعام جيوشها فإذا نشبت الحرب تحتاج إلى ثلاثة أضعاف هذا المال لنضرب العدو المفاجئ. والطريقة التي جرت عليها أوربا ستقودنا لا محالة إلى حرب وإنا إذا نظرنا إلى حالة الأمم المختلفة نجد ألمانيا بعد حروب كثيرة قد وفقت إلى تأييد سلطانها ولكن من يحميها من المشاكل مع البلاد الخارجية إن لم تكن قوائم سيوف أبنائها. وهكذا الحال في فرنسا وغيرها من الممالك. فإن نزع السلاح من أوربا لا يمكن الحصول عليه إلا بعقد اتفاق عام وائتلاف ثم إذا فرضنا أن ذلك ميسور فكم ينبغي له من الوقت وكم تدوم مدته عَلَى أن المتحتم عَلَى أوربا أن تشبه من حيث الاقتصاد الولايات المتحدة الأميركية فيكون إذ ذاك نفوذها عظيما ويتيسر لها أن تقاوم المهاجمات وتخرج ظافرة من جميع حروبها. يبحث الآن في عقد اتفاق بريدي عام في تأليف مكتب للعمل دولي وأشياء من هذا القبيل مما يكون من وراءه إعداد المواد لعقد التحالف الأوربي العام ونحن نقترح الجمع بين أُسرة كبيرة أوربية تكون ممالكها الجنوبية أبناء ذاك فسكون هذا مؤلفاً من ست دول وهي تدعو سائر الدول إلى الاشتراك معها ويدور محور التحالف عَلَى الاحتفاظ بالحالة الحاضرة ولا شك أن كثيراً من الأمم تفادي بمصلحتها العامة وإذ كانت الحكومة لا تحكم بدون مظاهرة الشعب فعلى الشعب أن يعد الأفكار لقبول هذه الدعوة للإتحاد العام. تبدل المناخ تنبأ كثير من العلماء بإمكان تبدل يطرأ عَلَى الأرض وقدروا بأن كثرة ما ينفق من حامض الكربون في الهواء لكثرة إنفاق الفحم سيكون السبب في ذلك وقد أكد أحد أساطين العلم مؤخراً بأن المناخ يتغير والحرارة تشتد مستشهداً لذلك بترقي البشرية في صرف الفحوم وزيادته سنة عن سنة وأن كمية الحامض الكربوني تنمو عن ذلك المعدل وقد أُحصي ما أنفق من الفحم سنة ١٨٩٩ فكان ٨٢٣ . ٢٨٧ . ٤٥٤ طناً ولم يكن المنفق منه قبل عشر سنين أكثر من ٥١١ . ٥١٨ . ٢٥٨ في القرن العشرين بمليار طن عَلَى سرعة الزياد ويدعو إلى تقدير ما سينفق من الطنات في القرن العشرين بمليار طن فتتضاعف كمية الكربون في الهواء وتحفظ الكرة حرارتها فتكون الحرارة في الأرض كلها أكثر من الأول. والعلماء يتوقعون فيما إذا كانت هذه الزيادة في الحرارة تضر بوجود الهواء. الأشجار التاريخية في سنة ١٨٦٠ غرس البرنس دي غال في حديقة نيويورك الوسطى بيده شجرة دردار أميركية وشجرة بلوط إنكليزية احتفالاً بمرور خمسين سنة عَلَى معاهدة غاند ومنذ ذلك العهد نجحت هاتان الشجرتان وأصبحتا من الجمال بحيث لا تضاهيهما شجرة من نوعهما وعمرهما. ومن الأدواح الضخمة التاريخية في العالم شجرة البارون همبولد القائمة في وادي أرغوا في جمهورية فنزويلا فإنها اكتشفت في القرن السادس عشر ولا تزال إلى اليوم عَلَى مثل ضخاتها يوم اكتشافها وكانت استدارة أغصانها ٥٦١ قدماً وهي الآن كذلك. ومن الشجار الضخمة في العالم الشجرة المعروفة بشجرة التين في أوروتثا التي ما برح طائفة الكواتش في تنريف تعظمها وقد ثار إعصار هائل سنة ١٨٧١ فألقى بها إلى الأرض وكان قطر جذعها ٤٦ قدماً. ويقال أن يونان لم تبرح فيها الشجرة التي كانت تظلل بأغصانها أفلاطون وهو يحادث سقراط. ومن الشجار التاريخية ثلاثة شجرات في جزيرة القديسة هيلانة التي نفي إليها نابليون وبين جذوعها قضى هذا الفاتح. ومنها نخلة جورج واشنطن محرر أميركا ولا يقل عمرها عن قرنين وهي أجمل مثال في الأشجار التاريخية. سكر النبا النبا نوع من النخيل ذو ورق كبير مركب عل شكل ريش أو مشط مجتمع في رأس ساقها. وهو يكثر في عدة أصقاع من الأرض ولاسيما في جزائر الفلبين ويستخرج منه الكحول بلغ دخله في العام الماضي زهاء ٨٠ ألف هكتولتر ويستعمل ورقه في نسج الحلفاء كما تصنع منه أغطية للدور وورق للفائف ويؤكل ثمره نيئاً أو مطبوخاً وقد أنبأ المكتب العلمي في مانيلا جمهور الزراع والصناع أنه اكتشف طريقة يمكن معها استخراج مادة سكرية تنافس سكر القصب وتفوقه بالرخص. وتعيش شجرة النبا خمسين سنة وكل فدان زرع من النبا يعطي غلات وافرة جداً. ولعل بهذا السكر يرخص سكرنا. أعاجيب الحاسبين ظهر في المكسيك حيسوب من أعاجيب الدهر هو فتى الآن في الثامنة من عمره اسمه ميشيل ألبرتو مانتيلا وهو ابن صراف في تلك البلاد ومنذ سنتين كان كأقرانه ليس فيه شيء من خوارق العادات بينا كان أبوه ذات ليلة يجتهد في حساب أحد التواريخ ليكون مطابقاً ليوم أحد دهش لما رأى ولده يجيبه في الحال عَلَى هذه الأشكال وإذ رآه يحسن الإجابة عاد فسأله عن يوم ٢٤ كانون الثاني ١٨٣٩ أي الأيام كان فأجابه الطفل بعد تفكر ثانيتين أنه كان يوم خميس. وعند ذلك دعا والد الطفل جيرانهما لإلقاء الأسئلة عليه فكان من جملة ما سألوه عنه أي يوم يكون يوم ٢٤ كانون الثاني سنة ٢٠٠٠ فأجاب يوم الاثنين وقد فحصت المجامع العلمية هذا الولد فأعجب به إذ لم تجد في قواه النفسية شيئاً فوق العادة لأنه كاد يقرأ ويكتب قراءَة وكتابة بسيطة. ولهذا الولد أمثال فإن في جامعة هارفرد الأميركية تلميذاً اسمه ويليام جايمس سيديس كان منذ الخامسة من سنه يحسب الأيام والسنين بحساب سريع عقلي وفي إيطاليا ولد أُمي جاء باريز فأدهش العلماء بسرعته في الحساب وقد سأله ومن جملة الأسئلة أن يخرج لبهم الجذع المكعب للرقم ٢٧ فحل هذا الإشكال في عشر ثوان. وجاء في القرن الماضي حيسوب زيراه كولبورون اشتهر أي شهرة فسئل وكان في السادسة من عمره إذا كانت الساعة الدقاقة تدق ١٥٦ مرة في اليوم فكم دقة تدق في مائتي سنة. وسألوه عن مكعب الرقم ١٤٤٩ وأي مبلغ إذا ضرب بنفسه يكون حاصله ٩٩٨٠٠٠ فكان جوابه لا يطول عَلَى كل سؤال من هذه الأسئلة أكثر من أربع ثوان. وجاءَ في الفرنسويين هنري موندر فأدهش لمجامع العلمية وكان مرة ذاهباً إلى تور من طريق الحقول فصادف فتاتين غريبتين وكان هو في الخامسة عشرة من سنه فسألهما هل لكما أن تقولا لي سنكما بتقدير السنين وأنا أقول لكم كم يبلغ من الثواني فقالت له إحداهن أن سني تسعة عشرة سنة فقال لها في الحال إنك عشت ٥٩٩ مليون ثانية و ١٨٤ ألف ثانية. وممن يحشر في هذه الزمرة فيتو مانجيا ميل الذي حرز في نصف دقيقة ما هو الجذر المكعب من عدد ٣ . ٥٩٦ . ٤١٦ والحيسوب المشهور الألماني زخريا داز الذي كان في الخامسة عشرة من عمره يعمل جلسات عامة يسأل فيها هذه الأسئلة المشكلة مع القلم والدواة. ومثلهما جديدياه بركسثون الذي كان يجد بواسطة الحساب العقلي الجذع المكعب من عدد ٦٠ رقماً. ومن الغريب أن هؤلاء الأولاد الخوارق الذين يحصرون أبداً أذهانهم في هذه الموضوعات ليسوا في الأغلب إلا أبناء فلاحين لا يقرأُون في لا يكتبون وهم بينما يعرفون ما لا يتصور العقل أصعب منه من المسائل لا يحسنون معرفة طريق البلدة التي عاشوا فيها وهم يعمرون حافظين لقواهم العقلية فسبحان من خص ما شاء بما شاء. فن الإعلانات لا يعرف منشأ الإعلانات حق المعرفة فقد اكتشف في ثيبة إعلانات عَلَى ورق البردي كتبت منذ زهاء ثلاثة آلاف سنة. واستعمل اليونان واسطة لطيفة للإعلان فكانوا يخرجون منادياً ينادي في الشوارع يكون من أهل الفصاحة والبلاغة ليأخذ بمجامع القلوب في الأزقة والجواد ويختارونه ممن خفت مشيته وكان جميل الشكل ويصحبونه مع هذا بموسيقار ليلفت الأنظار عَلَى طول الشوارع بأدواره ونغماته وهذه العادة بقيت في أوربا بقية إلى اليوم عند المعلنين. واستعمل الرومانيون الإعلانات ليعلنوا عن دور التمثيل وقتال المتصارعين وكانوا يلصقونها في بومبي تحت الأروقة. ولقد تألفت في فرنسا منذ القرن الثاني عشر نقابة للمنادين ينوبون عن الإعلانات وعن السماسرة وتستخدمها الحوانيت والحانات للمبالغة بمديح بضائعها فيسير المنادون في الشوارع العظمى ومصباح في أيديهم وقد ملؤا سروراً وظرفاً وزاد اختراع الطباعة في انتشار الإعلانات كثيراً فمنذ انتشرت الصحف الأولى زادت الإعلانات. وافتتح بارتولوزي واشياعه في القرن السابع عشر عهد الصور والنقوش بماء الفضة وظلت طريقتها وحيدة بصنعها. ثم جاء فاتو الذي تفنن في الإعلانات عَلَى ما رزق من قريحة وقادة وأحسن ما صنع من هذا القبيل لرجل إسكافي بيع مؤخراً من إمبراطورية ألمانيا. ونحو سنة ١٨٧٠ ظهر جول شيريه وكان آية في فن الإعلانات ورسمها وجاء بعده غراسه الذي برع وأي براعة في نقش الزجاج وجلود الكتب والبطاقات فانتشر فن الإعلان عند الفرنسيس سنة ١٨٩٠ وعنهم شاع في إسبانيا وألمانيا وبلجيكا وإنكلترا كم شاع في أميركا وهكذا كان تفنن الإفرنج في الإعلانات حتى صار البارع في وضعها وصنعها يعد من المفضلين عَلَى الإنسانية مثل مخترع الطباعة ومخترع البخار ويعيش عيشة حسنة بما ينهال عليه من الأجور والرواتب.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_82.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.82.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
