<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.81.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.81.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨١ بتاريخ: ١ - ١١ - ١٩١٢ رسالة في الكلمات المعربة لابن كمال باشا المتوفى سنة ٩٤٢ . عني بنشرها سليم أفندي البخاري عن مخطوط قديم في مكتبة جميل أفندي الشطي. بسم الله الرحمن الرحيم زدت نعماً جدت بها يا كريم حامداً لم علم آدم الأسمى وعند اختلاف الألسنة من الآيات العظمى ومصلياً عَلَى بعض من شرف بعض لغة الفرس بالتلفظ فسن التكلم بها وأفاد للتعريب نوع تيقظ وعلى فارسي ميدان صحبته من آله وصحابته. وبعد فهذه رسالة في التعريب عَلَى ترتيب أنيق غريب جمعتها حين التصفح لكتب اللغات المعزوة إلى الإثبات الثقات تمييزاً للعربي القح من الأعجمي الكح رفعاً للالتباس وإشارة لفوائد الاقتباس. (مقدمية) في القاموس التعريب تهذيب المنطق من اللحن وفي الصحاح تعريب الاسم الأعجمي أن تتفوه به العرب عَلَى مناهجها عن ابن عباس ومجاهد وابن جبير وعكرمة وعطاء وغيرهم أن طه والميم والطور والربانيون بالسريانية والقسطاس والفردوس والصراط بالرومية ومشكاة وكفلين بالحبشية وهيت لك بالحورانية وبه قال فقهاء العلماء. وزعم أهل العربية أن القرآن ليس فيه من كلام العجم شيء لقوله تعالى عربي مبين قال أبو عبيد الصواب عندي مذهب فيه تصديق للفريقين وذلك أن هذه الحروف أصولها أعجمية كما قال الفقهاء إلا أن العرب حولتها عن العجمة إلى ألفاظهم ثم نزل القرآن وقد اختلطت هذه الحروف بكلامهم فمن قال إنها عربية فهو صادق ومن قال أنها أعجمية فهو صادق قال في الارتشاف: الأسماء الأعجمية عَلَى ثلاثة أقسام قسم غيته العرب وألحقته بكلامها فحكم أبنية العرب نحو دروهم وبهرج وقسم غيرته ولم تلحقه بأبنية كلامها فلا يعتبر في القسم الأول نحو آجر وسيسنبر وقد تركوه غير مغير فلما لم يلحقوها بأبنية كلامهم لم يعد منها مثال الأول خراسان لم يثبت فيه فعالان ومثال الثني خرم الحق بسلم وكركم ألحق بقمقم قال أئمة اللغة تعرف عجمة الاسم بوجود ( ١ ) النقل من أئمة اللغة ( ٢ ) خروجه من أوزان العربية نحو إبريسم ( ٣ ) وجود نون ثم راء نحو نرجس فإن ذلك مفقود في لسان العرب ( ٤ ) وجود دال بهدها زاي نحو مهندز ( ٥ ) اجتمع الصاد والجيم نحو جص والصولجان ( ٦ ) اجتماع الجيم والقاف نحو جردق ( ٧ ) أن يكون خماسياً أو رباعياً خالياً من حروف الذلاقة وهي الباء والفاء والراء واللام والنون فإن مثى كان عربياً فلا بد أن يكون فيه شيءٌ منها نحو سفرجل وقذعمل وقرطعب وحجمرش. فائدة: حروف لا يتكلم بها العرب إلا إذا اضطرت فحينئذ يحولونها عند التكلم إلى أقرب الحروف من مخرجا وذلك الباء العجمية والباء والفاء والجيم العجمية بين الجيم والشين والكاف العجمية فإذا تلفظوا بلفظ بر قالوا فر وفي جون شون في قولهم جون بو أي كيف كان في كل جل كما في جلنار. الألف: (الله) أصله لاها حذفت ألفه الأخيرة للدلالة عَلَى التعريب وأدخل عليه الألف واللام ليدل عَلَى أنه غير مشتق (آمين) هو صوت سمي به الفعل الذي هو استجب كرويد وقيل تعريب همين أي همين في خواهم أو همين في بايد (الآنك) الأُسرب أعجمية (إبراهيم) أعجمي اختلف في تعريبه (أبرويز) معرب برويز (الإبريسم) مو القز النيئ معرب أبريشم وأما الحرير فهو الإبريسم المطبوخ (الإبريق) كوز له عروة وأنبوبة آبريخ (الأجاص) أعجمي إذ الجيم والصاد لا يجتمعان في كلمة عربية (آزر) عد في العرب عَلَى قول من قال أنه ليس بعلم لأبي إبراهيم ولا للصنم وعن معتمر بن سليمان أنه قال سمعت أبي يقرأ وإذ قال إبراهيم لبيه آزر بالرفع قال بلغني أنها بمعنى أعوج إنها اشد كلمة قال إبراهيم لأبيه وقال بعضهم هي بلغتهم يا مخطئُ (الأستاذ) معرب أستاد (الإستبرق) أخرج ابن أبي حاتم عن الضحاك أنه الديباج الغليظ معرب استبره (الإسطرلاب) هي مرآة للمشمس وضعت لمعرفة الأوضاع الفلكية لغة رومية في القاموس اللاب بجل سطر أسطراً وبنى عليها حساباً فقيل إسطرلابٍ ثم مزجا ونزعت الإضافة فقيل الإسطرلاب معرفة انتهى ومدار هذا التفسير عَلَى المناسبة اللفظية مع ثبوت أن اللاب اسم الواضع (الأسطوانة) هي السارية والعمد والنون أصلية وهي أُفعولة مثل أقحوانة لأنه يقال أسطاين مسطنة معرب أستون (الإسفست) هي الرطبة معرب سبست (إسماعيل) قال الجواليقي في المعرب أن العرب كثيراً ما يجترئون عَلَى الأسماء الأعجمية فيغيرونها بالإبدال قال إسماعيل وأصلها إشمائيل فأبدلوا لقرب المخرج قالوا ويبدلون مع بعد المخرج وقد ينقلونها إلى أبنيتهم ويزيدون (أشتة) لقب جماعة من المحدثين من أهل أصفهان (أصفهان) اصلها أسباها أي الأجناد لأنه كانوا سكانها أو لأنه دعاهم نمرود عَلَى محاربة من في السماء كتبوا في جوابه: أسباه آن ندكد باخداجنك كند. أي الجند ليس ممن يحارب الله (الإفرنجة) جيل من أهل الإنجيل معرب الإفرنك (إفريز) الحائط بالكسر طنفه معرب (الإقليد) قال ابن دريد الإقليد والمقليد المتاح معرب كليد (الأملج) دواءٌ معرب أمله (الأميص والآمص) مرق السكياج المبرد المصفى من الدهن معرب خاميز (الإنبج) ثمرة شجرة هندية معرب إنب (الأنج) هي المرساة من آلات السفينة تلقى في البحر إذا رست رست (الإنجيذخ) هو الذي يثبت فيه ما عَلَى الناس معرب ناجيره (أنقره) بلد بالروم معرب أنكرويه (الأرواج) وما ينقل إليه الإنجيذخ ثم ينقل إلى جريدة الإخراجات وهي عدة أوراجات معرب أوراه (الإيارجة) بالكسر وفتح الراء مسهل معروف وجمعه إيارج معرب إياره وتفسيره الدواء الإلهي. الباء: (الباج) اجعل الباجات باجاً واحداً أي لوناً واحداً وأصله بالفارسية باها أي لون الأطعمة (الباذق) هو النيئ من العنب إذا طبخ أدنى طبخة حتى يذهب أقل من ثلثه وغلى واشتد وقذف بالزبد وإنه حرام قليله وكثيره قال خواهر زاده هو فارسي معرب لأنه في العجم يسمى باده (الباري) والبارية والبارياء والبوري والبورية والبورياء هي الحصير المنسوج معرب بوريا والجمع بواري (الباشق) نوع من ذوات المخلب معرب باشه (الباطية) إناء متسع معرب بادية (البابغاء) بالمد إلا كارع نعرب بايها (؟) (البخت) الجد الفارسي (البد) بالضم الصنم معرب بت (البرباد) هو العلاوة فارسي (البردج) السبي معرب برده (بزرج) بضم اوله وثانيه وفتح أوله علم معرب بزرك أي الكبير (البرق) الحمل معرب بره (البريد) هو في الصل البغل وهي كلمة فارسية أصلها بريره دم أي محذوف الذنب لأن بغال البريد كانت محذوفة الأذناب فعربت الكلمة ثم خففت ثم سمي الرسول الذي يركبه بريداً وفي الحقائق هو البغلة المبترة ثم الرسول المحمول عليها ثم سميت به المسافة (بز) بالضم لقب إبراهيم بن عبد الله النيسابوري المحدث معرب بز الماعز (البستان) هو الحديقة معرب بوستان (البسد) كسكر المرجان معرب بشد (بسطام) بلد معرب أوستام (البطاقة) رقع فيها رقم المتاع رومية (البطريق) القائد سمي به عظيم رهابنة النصارى (البط) طائر معروف معرب (بغداد) اسم أعجمي معناه عطية الصنم معرب بيك داد سماها الأصمعي دار السلام (بغشور) بالفته بلد بيد هراة وسرخس والنسبة بغوي عَلَى غير قياس معرب كوشور أي الحفرة المالحة (البوس) التقبيل فارسي معرب (البهرمان) العصفر أو الحناء فارسية (البوصي) ضرب من السفن معرب بوزي (بوشنج) معرب بوشنك بلد من هراة منه أو الحسن الدوادي المحدث (البيزار) حامل البازي معرب بازيار (البيعة) ذكر الجواليقي أنه معرب. التاء: (تاريخ) الكتاب كلمة معربة (التخت) السرير معرب (التخريص) بالكسر بنيقة الثوب معرب تهريز (الترياق) دواءُ السموم رومي معرب ترياك والفصحى الدرياق بالدال المهملة (التنور) الكانون يخبز فيه وصانعه التتار ذكر الثعالبي أنه معرب تنير (التوت) أعجمي معرب أصله توث أو توذ فأبدلت العرب من الثاء المثلثة أو الذال المعجمة تاء ثنوية (التوتياءُ) حجر يكتحل به معرب. الجيم: (الجاموس) معرب كاوميش (الجبت) صنم لقريش ليس من محض العربية إذ لا يجتمع الجيم والتاء في كلمة من غير حرف ذولقي كذا في المزهر (الجرامقة) قوم بالموصل من العجم (الجربان) بالضم والتشديد لبنة القميص معرب كريبان (الجربز) هو الخب المحتال ومنه الجزيرة معرب كربز (الجردق) الرغيف كرده إذ الجيم والقاف لا تجتمعان في كلمة إلا أن يكون معرباً أو حكاية صوت (الجرزة) خرجوا بأيديهم الجرزة هي المقامع جمع جرز أظنه معرب كرز (الجرصن) دخيل قيل هو البرج وقيل هو مجرى ماء مركب في الحائط عن البزودي جزع يخرجه الإنسان من الحائط ليبني عليه (الجرم) الحار معرب كرم (الجرموق) شيء يلبس فوق الخف معرب غرموك إذ الجيم والقاف لا تجتمعان في كلمة عربية (الجريب) المزرع أو الفدان منها عرب كري (الجزر) بالتحريك أَرومة تؤكل معرب (الجزاف) معرب كزاف ومنه المجازفة في البيع وبيع جزيف ومجتزف (الجص) ويكسر معرب كج إذ الجيم والصاد لا تألفان في كلام العرب فأبدلت الجيم من كاف لا تشبه كاف العرب والصاد من جيم أعجمية لا تشبه جيم العرب (الجلاهق) البندق (الجلسان) قال الأعشى: لنا جلسان عنده وبنفسج، يريد نثار الورد معرب كلنار (الجلنجبين) الورد مع العسل معرب كل إنكبين (الجناح) الإثم معرب كناه (الجنبذة) ما ارتفع واستدار كالقبة معرب كنبد (الجوارش) مركب حاضم معرب كوارش (الجواليق) وعاء ماء معرب جوال (الجوز) فارس معرب (الجوزل) فرخ الحمام معرب جوزه (الجوهر) كل ثمين من الأحجار معرب كوهر وأما الجوهر المقابل للعرض ففوعل من الجهر سمي به لظهوره (الجهابذة) جمع جهبذ هو البندار أي الصراف والتاء للدلالة عَلَى التعريب في القاموس بالكسر هو النقاد الخبير (جهنم) طبقات النار معرب كهنام ويمكن اعتبار أخذها من الجهم وهو الباسر (الجيسوان) جنس من أفخر النخل معرب كيسوان ومعناه الذوائب. الحاء: (الحب) هو الدن معرب حنب وخم مخفف منه ذكر أبو حاتم أن الحاءَ في الحب بدل من الخاءِ وهذا لم يذكره النحويون وليس بالممتع. الخاء: (خجسته) بضم الخاء وفتح الجيم وسكون السين اسم نساء أصفهانيات من رواة الحديث أعجمية معناها المباركة (الخرص) بالكسر البد معرب خرس (الخز) فارسي معرب (خش) في قول الأعشى معرب خوش إلى الطيب (الخشكنانج) نوع من الخبز محشو بلب اللوز والسكر معرب خشك نان (خشنام) أي الطيب الاسم معرب خوش نام (الخلنج) كسمند شجر فارسي معرب قال: يضرب الجيش بالجيوش ويسقي لبن البخت في قصاع الخلنج (الخبجة) الدن الصغير معرب خنبجة (الخندريس) الخمر القديمة معرب (الخندق) معرب أطله كنده أي المحفور (الخوان) هو السماء معرب بـ خوان (الخوذة) هي البيضة معرب خود (الخورنق) كغضنفر قصر للنعمان الأكبر معرب خورنكاه أي موضع الأكل والشرب (خيوق) بالكسر بلد بخوارزم معرب خيوه. الدال: دار بجرد بلد بفارس معرب دار بـ كرد (الداناج) العالم معرب دانا (الدرابنة) البوابون جميع دربان بالفارسية (الدرب) الباب الواسع معرب دروازه (دروز) الثوب معروفة معرب (درواسنج) بالفتح ما قدام القربوس من فضلة دفة السرج معرب دروازه كاه (الدست) هو الوسادة والصدر واللباس ودست القمار في الأساس فلان حسن الدست شطرنجي حاذق (الدستبند) ما يجبر به الكسر فارسي الدستجة الحزمة من البقل وغيره معرب الدستيج إناء يحول باليد معرب دستي الدشت الصحراء معرب أو اتفاق اللغتين الدكان فارسي معرب الدلق دويبة معرب الدمق ثلج وريح معرب دمه الدمهكر الأخذ بالنفس معرب دمه كير الدولاب شيءٌ عَلَى شكل الناعورة يستقى به الماءُ فارسي معرب الدهبرج مشددة الراء معرب ده بره أي عشر ريشات الدهقان رئيس القوم ومقدم أصحاب الزراعة معرب ده خوان الدهليز ما بين الباب والدار فارسي الدينار معرب أصله دنار فأبدل من إحدى النونين ياء الديبوز ثوب ذو نيرين معرب دو بود. الراء: الراهنامج كتاب الطريق يسلك به الربابنة البحر ويهتدون به في معرفة المراسي وغيرها معرب بـ راه نامه الرزداق والرستاق هو السواد والقرى معرب بـ روستاه الرصاص معرب أرزيز فأبدلت الزاء صاداً وحذفت الهمزة من أوله واسمع بالعربية الصرفان الرمق قطيع الغنم معرب رمه روزة البيت فارسي معرب الروشن معرب معناه جيزي بيرن آورده براي روشناي الروح معرب روحا حذفت ألفه للتعريب الروط بالضم النهر معرب رود الرهوج في الصحاح يشبه أن يكون فارسياً معرباً وفي أدب الكاتب الرهوج الهملاج وأصله راهورا. الزاء: الزئبق كدرهم وزبرج معرب بـ زيوه ومنه ما يستقى من معدنه ومنه ما يستخرج من حجارة معدنية بالنار الزاج ملح معروف معرب بـ زاك الزرافة في كتاب سيبويه خلق الله الزرافة يديها اطول من رجليها هي مسماة باسم الجماعة لأنها في صورة جماعة من الحيوان وجاء بها ابن دريد مضمومة الزاي وشك في كونها عربية الزرجون بالتحريك الخمر وقيل الكرم قال الأصمعي هي فارسية معربة أي لون الذهب والأنسب ذهبي اللون الزردج ماء العصفر المنقوع معرب الزرمانقة بالضم حبة صوف معرب بـ اشتربانه أي متاع الجمل الزرياب بالكسر أي ماء الذهب معرب الزط جيل من الهند معرب جت والقياس يقتضي فتح معربه الزماورد معرب والعامة تقول بزماورد الزنج جيل من السودان معرب زنك الزنديق معرب بـ زند اسم كتاب المجوس الذي جاء به زرادشت المزعوم أنه نبيهم فنسبوا إليه ثم عرب وعن ابن دريد عن أبي حاتم الزنديق فارسي معرب كأن أصله عنده زنده أي يقول بدوام بقاء الدهر وفي القاموس هو بالكسر من الثنوية أو القائل بالظلمة والنور أو من لا يؤمن بالآخرة وبالربوبية أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان أو هو معرب زن دي أي دين المرأة. لها بقية. نحن وأوربا أيها السادة الأخوان: التاريخ كما لا يخفى عليكم يلقح فكراً جديداً وتاريخ كل أمة مرآة أعمالها تنعكس عليها صورتها. فلا يشقن عَلَى بعضكم إذا سمعوا في هذه الجلسة كلاماً في تاريخنا السياسي الأخير لم يعهدوه من قبل أو لم ينطبق مع رغائبهم فالأفضل لكل أمة تريد النهوض أن تعرف ماضيها حق معرفته وتقف عَلَى ما دبره ويدبره أعداؤها لها من أن تتحدث بالخيالات وتتمجد بالأباطيل فصديقك من صدقك لا من صدّقك. وفي الماضي لمن بقي اعتبار. موضوعنا الليلة علاقة أوربا بالمملكة العثمانية وعلاقتنا بأوربا نفيض فيه بقدر ما تساعد الحال لتتلجلي لنا الحوادث والكوارث التي جرت في هذا الشرق العثماني وخصوصاً في بلاد البلقان التي قامت حكوماتها الصغرى منذ أسبوعين تجاذبنا حبل السلطة في مقدونية بل في بلاد الروم أيلي أي أملاك الدولة العلية في قارة أوربا. قد يعد من يلقي أقل نظر في تاريخ العرب الفاتحين من أغلاط الفتح التي ارتكبها بنو أمية أن قذفوا بأحد قوادهم إلى شبه جزيرة إسبانيا يفتحون جزؤاً مهماً منها سموه الأندلس فهزم العرب سكان البلاد الأصليين إلى الجبال ولم يفكروا من جاء بعد الفاتحين في طريقة للخلاص من عاقبة أمرهم كأن يدخلوهم في الإسلام أو يخضعوهم بحد الحسام أو يجلونهم عن أرضهم بسلام. وقد أدرك سيد بني أمية أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه مغبة نزول المسلمين في أرض يحيط بها أصحابها الأول من أطرافها فأمر أحد عماله أن يرسم له مصور بلاد الأندلس ويريد إجلاء العرب عنها لأن مقامهم فيها غير طبيعي. وبعد وفاة هذا الخليفة ترك ذاك الأمر وشأنه وتأصل الإسلام في ربوع الأندلس وأزهرت فيه مدنية العرب هناك فقامت الأندلس بنحو النصف من هذه المدنية الباهرة والباقي تم في بغداد وفي باقي عواصم الإسلام الكبرى ولم ينجل المسلمون عن غرناطة آخر عاصمة للعرب في بلاد الأندلس إلا سنة ٨٩٧ للهجرة أي أن نظرية عمر بن عبد العزيز صحت بعد ثمانية قرون وكأنه أدرك بسديد نظره رحمه الله أن الأخلاف لا يسيرون عَلَى سنة الأسلاف في الحساب للعواقب وأنهم ربما شغلوا بما في الأندلس من الخيرات عن قطع شأفة العدو وكذلك كان. ففتح الأندلس وإن أورث العرب ذلاً في الآخر فقد أورثهم عزاً وأي عز في الأول واستفادة أوربا كلها من حضارة الإسلام باحتكاكها بالأندلسيين العرب ووقوفها عن أمم عَلَى علومهم وآدابهم وصناعاتهم وزراعتهم ومصانعهم فالأندلس كانت أو فتح للمسلمين في قارة أوربا انتهت بإجلائهم عنها كما كان فتح العباسيين في جزيرة صقلية سنة ٢١٢ كان من الأغلاط في الفتح فلم تدم في يد المسلمين سوى نحو قرنين ونصف فاستولى عليها الملك روجار سنة ٤٨٥ هـ بعد أن انقطع إمداد المسلمين عنها لاشتغال كل جهة بما يخصها من الفتن. هاتان الغلطتان لبني أمية وبني العباس فيفتح بلاد قصية عنهم انتهتا بإخراجنا عما ملكنا بعد قرون وبنو عثمان ارتكبوا مثل هذا الغلط في الفتح بأن توسعوا في مد سلطانهم شرقي أوربا بعد فتح القسطنطينية وتركوا لأهل البلاد المغلوبة حريتهم المذهبية ولغاتهم القومية فظلوا في حرب دائمة معهم لا تكاد تلقي أوزارها حتى فيوقد العدو أُوارها. واوربا لم تبرح تسر إخراجنا من قارتها منذ أزمان لاعتقادها بأننا شعب آسيوي لا يليق بنا أن نأوي إلى غير كننا إذ القاعدة عندهم أن أوربا للأوربيين كما أن أميركا للأميركيين ولكنا نشهد الآن ويا للأسف أن آسيا ليست للآسيويين وافريقية ليست للأفريقيين. إن ما يسميه الإفرنج بالمسألة الشرقية يرجع في الحقيقة إلى امتلاك العرب أرض الأندلس وانتباه أفكار الأوربيين إلينا يرد عهده إلى اليوم الذي تقدم فيه جيش المسلمين إلى بوتيه من أرض فرنسا فهزم شارل مارتل جيش المسلمين في أزاخر الثلث الأول من القرن الثامن للميلاد. واكثر من ناصبونا العداء من الأوربيين في حروب الصليبيين هم فرنسا وألمانيا وبولونيا وبريطانيا وإيطاليا في الأغلب وكانت هذه الأمم إذ ذاك عَلَى مستو واحد تقريباً بقوتها ومدنيتها. وبحرية البرتقال والإسبانيول أعظم بحرية حربية للدول الأوربية في القرون الوسطى كما كانت أقوى بحرية تجارية في تلك الأزمان للبيزيين والطوسكانيين والجنويين أهل إيطاليا اليوم. ولقد عرف إدوارد دريول المسألة الشرقية بما ترجمته: ملك الإسكندر الكبير البلاد الواقعة بين البحر المتوسط والبحر الأسود والصحراء من الغرب ونهر السند الأندوس من الشرق أي الطريق من أوربا إلى الهند وجاء بعده الرومان فلم يصلوا إلى نهر دجلة إلا نادراً وكان للفرس أيضاً بعض العظمة والمجد. وفي القرن السابع والثامن امتدت المملكة العربية أيضاً من البحر المتوسط إلى نهر السند واتصلت تخومها من آسيا إلى المملكة المقدونية ما عدا قسماً طفيفاً في الجنوب. ومن القرن الثاني عشر إلى القرن الخامس عشر كانت غارات البرابرة الذين توطنوا أوربا واضطربت آسيا الغربية تلك المنطقة التي هي أوربية وآسيوية معاً بمن هاجر إليها من الشعوب واستولت مملكتا جنكيزخان وتيمورلنك عَلَى جميع البلاد من آسيا الصغرى إلى نهر القنج. وظلت القسطنطينية زمناً آخر سياجاً لأوربا في وجوه الفاتحين المداهمين من الشرق الأقصى أو من نجاد آسيا الوسطى. ودك آخر تيار من هؤلاء المهاجمين ألاسيويين سنة ٤٥٣ أسوار مدينة القسطنطينية معقل النصرانية من الإسلام وامتدت المملكة العثمانية زهاء أربعة قرون عَلَى أوربا الشرقية وآسيا الغربية من الخليج الفارسي إلى نهر الطونة (الدانوب) إلى البحر الأدرياتيكي وتدخل سلطان القسطنطينية في القرن السادس عشر في مسائل أوربا وكان قد حالف ملك فرنسا واخضع علىنهر الطونة الأوسط التخوم الألمانية وقد بلغت هذه السطوة في عهد سليمان الكبير ( ١٥٢٠ - ١٥٦٦ ) ذروة المجد والعظمة. . ولكن تغلب العثمانيين لم يغرس في البلاد المنفتحة وسيما في أوربا جذوعاً عميقة فزلوا عَلَى الأمم المغلوبة بدون أن يحاولوا الامتزاج بها وربما كان من المتعذر مزج العثمانيين وهم من عنصر تتري مع اليونان أو الصقالبةالسلافيين وهم من عنصر آري واختلاط المسلمين بالمسيحيين. واكتفى العثمانيون بإلقاء الرعب في سطوتهم في نفوس المغلوبين عَلَى أمرهم وبإطفاء كل ثورة بالشدة المتناهية. دام ذلك إلى زمن ضعفت فيه تلك القوة أيام أصبح السلاطين يؤثرون العيش بين جواريهم عَلَى اقتحام الحروب وغدا البنجربة الإنكشارية وهم متزوجون رحالون وأمر الحرب في أيديهم يشتدون فيه اشتداد وقسوة وجبروت ومنذ ذاك العهد أي منذ القرن السادس عشر ضعفت المملكة العثمانية وراجعت حدودها مضغوطة عَلَى نفسها وذهبت نضرتها وجمدت مائيتها كالثمرة تتغضن إذا عتقت. . فنزول المسلمين في أوربا وفي آسيا عَلَى ضفاف خليج القسطنطينية البوسفور وجناق قلعة الدردنيل قد نشأت عنه المسألة الشرقية وما تاريخها في الحقيقة سوى تاريخ ارتقاء الأمم المجاورة باقتطاع بلاد من الشعوب الإسلامية. ثم أن لهذه المسألة صفات دينية وذلك لأن تغلب محمد الثاني وسليمان القانوني عَلَى أراضٍ هي من صميم الأراضي المسيحية كان بمثابة تغلب راية الهلال عَلَى الصليب فإن محمداً الثاني قد نزع من جدران كنيسة آيا صوفيا الصور النصرانية وركز السلطان سليمان علم النبي الأخضر عَلَى أسوار بلغراد وحمله حتلا وصل به إلى أسوار فينا وطرد من رودس فرسان القديس يوحنا الأورشليمي وهم بقايا الصليبيين وما نراه في عهدنا من تغلب الروس عَلَى العثمانيين وثورات المملك المسيحية في البلقان إن هو إلا أخذ لثأر الصليب من الهلال. وإن الشعر المسيحية في كل مكان سواء في تركستان أو جنوبي القافقاس وعلى نهر الطونة وفي الأرخبيل وسورية ومصر حتى الهند لتهزم علم الإسلام. وهذه حرب صليبية هائلة تعد حروب الصليبيين في القرون الوسطى بالنسبة إليها ألاعيب أطفال. ولما كان امتلاك هذه الأصقاع ذات التاريخ القديم ذا شأن خطير وكان للأمم الأوربية في آسيا فيما وراء نهر السند وبحر ىرال مصالح حيوية وكان يتأتى لصاحب القسطنطينية وآسيا الشرقية أن يكون سيد القارة القديمة أصبحت أوربا تنظر والقلق آخذ منها إلى تطور المسألة الشرقية وتكونها فروسياً بما لها من رقعة الملك وما فيها من جدة الشباب وقوة اليقين تشرف عَلَى الشرق من شماله من نهر الطونة إلى جبل البامير ولفرنسا عَلَى عامة صفاف البحر المتوسط الشرقية مصالح مادية ومعنوية قديمة للغاية لا يتيسر لها أن تتخلى عنها بدون أن تغدر بمن اعتادوا منذ الحرب الصليبية أن يعتمدوا عليها ومملكة النمسا والمجر التي هي من بلاد الطونة لا تريد أن يقطع عليها طريق الأرخبيل وألمانيا البروسية تحاذر أن تعود النمسا فتتطلع إلى أصقاع الرين والألب تدفعها إلى الجنوب وإنكلترا التي لا تود أن تقطع طريق الموصل من البحر المتوسط إلى الهند ومن قبرص ومصر وأفغانستان تحاول أن تحصر الروس فيما وراء عبر البحر الأسود وبحر الخزر خصوصاً وهي ترى تلك الكتلة من الجليد وأعني روسيا لا تزال أبداً في تزلق وانهيال. . وهكذا يتواثب جميع أبناء يافث لاتينيهم ويونانيهم جرمانيهم وإنكليزيهم السكسوني وصقلبيهم وروسيهم عَلَى بلاد البامير طائفين حول شعر بمصر والساميين بين النهرين والعثمانيين في آسيا الصغرى يتواثبون عَلَى ضرب هذه الشعوب الغريبة التي أتت عَلَى غير مياد فاحتلت البلاد الواقعة بين نهر السند والبحر المتوسط فاصلة بين الفرعين العظيمين من الأسرة الهندية الأوربية ممن قضت الأقدار عَلَى ما يظهر أن ينضم أحدهما إلى الآخر. بيد أن تاريخ المسألة الشرقية لعهدنا قد برز في مظهر اقتصادي فهي إحدى صور الجهاد في الحياة الذي قد يقتتل في سبيله شعبان عَلَى ما بينهما من لحمة القرابة ولقد فتحت بفتح ترعة السويس الطريق التجارية العظمى إلى العالم القديم فربط بين ٣٥٠ مليوناً من الأوربيين و ٢٥٠ مليوناً من الهنود و ٤٠٠ مليون من الصينيين وفيها تحمل من المحيط الهادئ إلى المحيط الأتلانتيكي بحر الظلمات ماراً بالعالم القديم جميع الحاصلات التي نعيش بها كل يوم. ولإنكلترا المقام السامي عَلَى البحر المتوسط والبحر الأحمر والمحيط الهندي وتملك فرنسا الشاطئ الشمالي والشاطئ الجنوبي من البحر المتوسط الغربي ولها وفي الشرق مصالح وتقاليد أعظم منها ولها في الشرق الأقصى مصالح حديثة تزعم الانتفاع منها. ولا ترضى روسيا أن تظل منعزلة في سهول بلاد الشمال بل يقتضي لها مصارف عَلَى بحر حر كالبحر المتوسط والمحيط الهندي والمحيط الباسيفيكي وجميع الأمم الأوربية محتاجة لمكان عَلَى هذه الطريق التجارية العظمى إذ الظاهر أن من يتنحى عنها من الأمم يقضى عليه أن يعدل بأن يكون له شأن في الحركة الاقتصادية الشديدة في الأزمان المقبلة. . فالشرق الذي بدأ فيه التاريخ عاد فغدا أخص ميدان للتاريخ وتاريخ الجديد إذا جرى التنظير بينه وبين التاريخ الماضي ذو ألوان وأشكال غريبة يحمل في مطاويه عَلَى الجملة فجائع وفظائع لما فيه من تداخل الحوادث التي تتألف منها السياسة الحديثة وربما كانت حياة الشعوب القديمة لم تبد لأنظارنا ساذجة أكثر من حوادث اليوم لأننا لا نعرفها حق المعرفة ولم نعش عيش أهلها اهـ. . هذا ما قاله دريول في كتابه المسألة الشرقية ترجمته بحرفه وفيه عَلَى إيجازه حقيقة تاريخية راهنة وإن كانت روح التحامل تبدو في معظم ما يكتبه الغربيون عَلَى الشرقيين والعاقل من يأخذ من كل كلام عبرة. مسألة البلقان من أهم فروع المسألة الشرقية إن لم تكن أهمها. ومادتها التي تحيا بها نزوع الشعوب البلقانية إلى الثورة والانتفاض وإثارة إحدى الدول الأوربية ذات مصلحة لمن يريد أن يتحرر من الحكم العثماني قال رينه بينون في كتابه أوربا والمملكة العثمانية وعليه أكثر اعتمادي فيما سيمر يكم: إن الأمم في أوربا الغربية بما لها من القوة تعارض المشارع العظيمة فلم يبق إلا الشرق حيث الخميرة لينة والحدود تكاد تكون غير معينة حيث شبه جزيرة البلقان ولاسيما آسيا العثمانية فهي ميدان جديد للتوسع الاقتصادي والنفوذ السياسي وإلى تلك الأصقاع توجه الدول العظمى أطماعها ومنافساتها. ثم أن المملكة العثمانية هي الحاكمة الشرعية عَلَى تلك المواقع الحربية المشرفة عَلَى الطرق العظمى في الأرض تلك الطرق التي هي شرط في كل تغلب بحري وفي كل تفوق عالمي وهي البوسفور والدردنيل والسويس فجميع طرق الهند تجتاز البحار العثمانية أو الأرض العثمانية ولذلك دارت جميع المحالفات الكبرى والوفاقات الأوربية منذ زهاء قرن حول المسألة الشرقية وبأسبابها تنحل تلك العقود والمواثيق. فسياسة أوربا ترجع بالنظر إلى الدولة العلية ومستقبلها إلى مبدأين متعارضين أحدهما يؤدي إلى التدخل في شؤونها والآخر يرمي إلى سلامتها. فالمبدأ الأول منبعث من تأثيرات دينية أو فلسفية أو إنسانية كما يدعون وعلى ضروب من الأشكال ومنه حدثت في القديم الحروب الصليبية. وقد اخرجت أوربا الدين من السياسة فلم تفلح في القضاء عَلَى العواطف المستكنة في حنايا التضامن المطلوب بين الشعوب المسيحية أمام غير المسيحية وكثيراً ما بدت في التاريخ الحديث آثار هذا التضامن وزاد عليها بعد الثورة الفرنسوية مبدأ حقوق الشعوب وحقوق الإنسان فأصبحت حجة يتوكأ عليها أرباب الأحزاب الحرة أو الثورية في الغرب وبها يستعينون عَلَى دك عروش الظالمين الذين عدونا نحن في جملتهم معاشر العثمانيين عَلَى غير إنصاف. ومن نتيجة مبدأ التدخل طرد العثمانيون من جميع البلاد التي لا يؤلف المسلمون فيها أمثرية السكان وتحرير جميع الشعوب المضطهدة. يريدون بالشعوب المضطهدة الشعوب البلقانية وغيرها وتدخل الدولات في شؤوننا نحن المعدودين في مصاف الدول الأوربية العظمى ولكن عَلَى طريقة فيها الغبن الفاحش علينا. وكلما قمعنا ثورة أو اشتددنا في إرهاق من يريد الخروج عن الجماعة وهو حق لنا لو أنصفونا لأنهم يأتون مثله مع من ينبذ طاعتهم يرموننا بكل كبيرة وقد عدوا علينا من الكبائر التي لا تغتفر ما أتيناه من الشدة سنة ١٨٧٧ و ١٨٩٤ - ١٨٩٥ التي قالوا عنها أنها لا تناسب ماحي الممدنين كأنهم يريدوننا أن نعاقب القاتل بالعفو حالاً ومن يريد أن يؤسس مملكة في مملكتنا بالابتسام له وطلب رضاه. ضمنت المعاهدات لدولة العثمانية مركزها من الحق العام الأوربي ولكن سرعان ما تنقض تلك العهود المسطورة إذا كان من ورائها نفض عنصر من شعوب البلقان يده من طاعة سلطنتنا. ولقد تعهدت ثلاث دولات أوربية في حرب القرم سنة ١٨٥٦ بموجب معاهدة باريز أن تدافع بالسلاح عن سلامة المملكة العثمانية ولما استبيح حماها سمة ١٨٧٧ أي في الحرب الروسية لم ينتطح عنزان ولا تحك منهم لحق الدماء إنسان قال بينون: إنا إذا أحببنا إنصاف العثمانيين في كثير من المواطن نقول أنهم ليس لهم ذنب إلا كونهم عثمانيين. وهو كلام المؤرخ العاقل. ولطالما حجة حماية غير المسلمين في المملكة العثمانية من الأسباب التي تتذرع بها حكومات الغرب ولاسيما فرنسا التي سبقت غيرها إلى هذه الدعوة منذ عهد فرنسيس الأول بما أفضل عليه أحد سلاطيننا العظام من الرعاية واللطف ولذا ترى حقوق العناصر في هذا الشرق تذكر في المعاهدات فقد ذكرت في المادة التاسعة من معاهدة باريز وفي المادة الثالثة والعشرين والحادية والستين من معاهدة برلين ولكن عَلَى صورة مرنة كالمطاط يعمد إلى تأويلها حينما يكون مأرب لإحدى الدول تريده منا ويغض عنها إذا لم يكن لهن ثمت باعث عَلَى التدخل في أحوالنا. ولقد كان من سياسة إنكلترا منذ استولت عَلَى بلاد الهند أن تكون الطريق إليها سالمة من العوائق والمضايق لأن في الهند ثروة إنكلترا والهند شرط وعلامة عَلَى استيلائها عَلَى البحار وقبضها عَلَى الشؤون الاقتصادية فالهند هي المملكة كما عرفها ديزرئيلي الوزير الإنكليزي المشهور وجرى عَلَى ذلك أخلافه. وقبل فتح ترعة السويس كان من حكم الآستانة وجناق قلعة وله منفذ إلى بحر الأرخبيل أو كان له سلطة عَلَى بحر قافقاسيا يستطيع منها النزول عَلَى أرمينية أو فارس إلى ما بين النهرين والخليج الفارسي - من كانت هذه قوته وبلاده يكون منه خطر دائم عَلَى الطرق الأرضية أو البحرية إلى الهند أو التجارة الشرقية فإن القفار المحيطة بمصر ليست مما يحمي ترعة السويس حماية كافية وكثير من الشعوب منذ عهد كيكاوس (كمبيز) والإسكندر داهموا مصر وفتحوها براً آتين إليها من آسيا فإن جيش نابليون سافر من مصر وداهم سورية وجيش إبراهيم باشا هدد الآستانة مرتين فليس القفر والحالة هذه سداً يحول دون إغارة المغيرين وهجمات الفاتحين. ولذا كان هم إنكلترا منذ رفعت علمها عَلَى الهند أن لا يكون في الآستانة حكومة تخاف عادياتها وأن تكون أرمينية وسورية وفارس عَلَى سلام وإياها ومن أجل هذا مدت إنكلترا يدها إلينا غير مرة تريد مؤاخاتنا في السياسة ومحالفتنا عَلَى السراء والضراء وكانت تريدنا عَلَى أن نتحضر ونقوى كما حضرت اليابان وقوتهم فضربت عدوتها أمس في الشرق الأقصى ضربة تشيب لها النواصي ولكن قدر الله بأن يبعث عبد الحميد وأعوانه مدة طويلة بالسياسة العثمانية سائرين فيها عَلَى الهوى ثم قامت في عهد الدستور تلك الفئة المتغلبة وقبضت عَلَى أمر الأمة وسارت بنا تيه لا يؤدي إلى خدمة أفكار الجامعة الجرمانية. تريد روسيا أن يكون لها عَلَى البحر المتوسط لا تدوس للوصول إليه إلا أرضها ولذلك كان لها من وصية بطرس الأكبر كل حين حادث يستحثها والنمسا تطمح أن تخلص إلى سلانيك كذلك عَلَى الخطة التي تتصورها فالآستانة وسلانيك هما بيت القصيد في السياسة الشرقية ونقطة الدائرة في الحقيقة طريق الهند لا تزعج فيه إنكلترا. ولذلك كانت تهتم بالمسألة الشرقية أكثر من جماع الدول والاهتمام عَلَى قدر المعرفة بالواجب ومن يهدد في حياته لا يلام إذا عمد إلى اتخاذ كل سبب يقيها من المصارع وسلامة المملكة العثمانية مما قالت به إنكلترا سنة ١٨٣٣ واستعملته سلاحاً ضد محمد علي ولوزير فيليب. قال بينون: إن إنكلترا تقوي الجولة العلية كمن يقوي معقلاً للدفاع فهي التي تدفعها في سبيل الإصلاح واللامركزية للقضاء عَلَى المطالب المزعجة التي تتذرع بها شعوب البلقان وهي تنصح للسلطان أن يمزجها عَلَى التدريج في السلطة الناهضة إلى التجدد المتسامحة في تقاليدها البحرة النيابية وبهذا المؤثر كتب خط كلخانة سنة ١٨٣٩ وتمت التنظيمات الخيرية سنة ١٨٥٦ وتطبيق أصول الحكومة الحرة الإنكليزية قد أتى بأحسن النتائج لبلاد الدولة العلية. إن كل ما يتم في بلاد للذين الشأن الأول في تأليف الوطنية فيها بغية التدرج بها إلى مدارج اللامركزية الإدارية كان معرضاً للإخفاق وكذلك الإصلاح السياسي والاجتماعي يؤدي إلى فشل تام أما إلغاء الإنكشارية والإصلاح العسكري في السلطنة فقد تكللا بالنجاح بحيث أن الدولة العثمانية بعد انقلابها في قبول التجدد أصبحت أشد إسلاماً مما كانت بل أقرب إلى الآسياوية بل أقوى من حيث الجندية مما كانت. ولشد ما بذلت إنكلترا من الجهد بعد ولاسيما في الحرب الروسية العثمانية للدفاع عن مصلحة العثمانيين لأن في الدفاع عنها مصلحة لها تريد سلامتنا ليسلم لها طريق الهند بقوتنا وروسيا تريد أن يكون الخليجان (جناق قلعة وخليج الآستانة) حرين للتجارة البحرية ولبسط سلطانها لتحرير الشعوب السلافية ولكن إنكلترا علبت عَلَى أمرها ونجحت سياسة بطرسبرج وبرلين وفينا وكانت متفقة يداً واحدة عَلَى تحرير شعوب البلقان الشمالية واحتلال النمسا للبوسنة والهرسك واقتطاع روسيا لبعض ممتلكاتنا مثل باطوم والقرص وأردهان من أرمينية واحتلت إنكلترا جزيرة قبرص لتكون مشرفة عَلَى طريق أرمينية وآسيا الصغرى وسورية لئلا تداهم جيوش روسيا ذات يوم طريق الهند من طريق الخليج الفارسي أو من الإسكندرونة أو من سورية فخرجت إنكلترا ظافرة بحسن سياستها فنالت روسيا منا ونالت هي من روسيا ومنا ولله ما يفعل العقل والتوفيق السياسي. ولقد تجلى في مؤتمر باريز وكان البرنس بسمارك رأسه ورئيس سلطان الدهاء في السياسة فتلطف الوزير الألماني في مراعاة حقوق النمسا وروسيا وحكومات البلقان كل التلطف فهو بدفعه النمسا إلى التقدم نحو سلانيك يخدم الأمة الجرمانية لأن تزايد السكان في ألمانيا سيضطرها ذات يوم لأنه يكون لها منفذ خاص مثل سلانيك نحو البحر المتوسط إن لم يكن في يدها مباشرة فلا أقل من أن يكون في يد النمسا وأغلق في روسيا طريق الآستانة عن سكة رومانيا وأصبحت رومانيا صديقة الألمان وعدوة الروس لأن هؤلاء اضطروها إلى إخلاء إقليم بسرابيا لقاء دبروجيه وكان من نتائج مؤتمر برلين أن أخفقت آمال الروس من البلقان بعد حربها معنا ونالت حقوقاً ضعيفة فمن مؤتمر برلين نشأ التحالف الثلاثي بين النمسا وألمانيا وإيطاليا والوفاق بين روسيا وفرنسا وكان من دهاء إنكلترا أن أشركت ألمانيا في الدفاع عن مصالح الشرق من اعتداء روسيا فتمكنت في مؤتمر برلين بإبعاد القوة المسكوبية عن ترعة السويس وطرق الهند وأن قربت منها ألمانيا. والحقيقة أن ألمانيا قد ربحت في مؤتمر برلين سنة ١٨٧٨ بفضل بسمرك كما ربحت إيطاليا بفضل كافور في مؤتمر باريز سنة ١٨٥٥ . سلكت من الحكومات الصغرى الأربع التي تكونت في معاهدة برلين في سياستها مسلكاً يوافق مصالحها فاقتربت رومانيا من ألمانيا لتنجو من روسيا والطريق التي توصلها إلى الآستانة واقترب الجبل الأسود من روسيا لئلا تكون النمسا وصية عليه وأرادت الصرب أن تحذوا هذا الحذو ولكن علائقها الاقتصادية بالنمسا دعتها إلى أن تمسك بيدها الأولى النمسا وبالأخرى روسيا. أما بلغاريا فإن الحرب التي شهرت لأجلها قد أحيت في النفوس فكرة عودة بلغاريا العظمى إلى العالم فتكون لها حتى بحر الأرخبيل وإلى حدود ألبانيا وأبواب سلانيك ولكن معاهدة برلين قضت بأن تكون بلغاريا الأصلية ولاية مستقلة وتكون الروم إيلي الشرقي للعثمانيين هي وسائر البلاد المقدونية إلا أن الروم إيلي الشرقي عاد وانضم إلى تلك الولاية المستقلة سنة ١٨٨٥ وعين أميراً عليهما البرنس باتنبورغ ابن القيصر وهذا الضم مغاير لبنود معاهدة برلين ولولا المحالفة الثلاثية لنقضت تلك المعاهدة عروةً عروة مع معاهدتي فرنكفورت وسان ستفانو. ولما أخفقت الدول في المحافظة عَلَى حالة البلقان قامت اليونان والصرب تريدان أن تنالا تعويضاً يوازي ما نالته بلغاريا من الروم إيلي الشرقي وبلغ الحنق من إمبراطور روسيا إسكندر الثالث أن حمل البرنس باتنبورغ عَلَى التنازل عن الملك فانتخب مجلس الأمة البلغارية سنة ١٨٨٧ بنفوذ النمسا وألمانيا البرنس فردينان دي ساكس كوبورغ غوتا من ضباط الجيش النمساوي والمجري وهو الأمير الحالي الذي بايعوه ملكاً عَلَى البلغاريين منذ أربع سنين. وفي سنة ١٨٩٥ - ١٨٩٦ أحدثت الوقائع الأرمنية المشؤمة في الآستانة وأرمينية مبنية عَلَى أحلام أخفقت وقد نجحت فغيها السياسة الروسية كثر من الإنكليزية لأن قسماً مهماً من الأرمن هم في أرض روسيا وهم لا يؤلفون أكثرية في ولايات أرمينية وكردستان. ولما رات روسيا نفسها محصورة عَلَى تخوم البلقان أرادت أن يكون لها منفذ ولو إلى الشرق الأقصى وكانت سكتها الحديدية في سيبيريا قد أشرفت عَلَى النجاز فقلقت من ذلك إنكلترا واغتنمت فرنسا هذه الفرصة ففتحت جزيرة مدغسكر وضمت مستعمراتها الأفريقية بعضها إلى الآخر وحلت المسائل المختلفة عليها بينها وبين إنكلترا في أفريقية وفي آسيا ثم نشأت مسألة الكونغو وسيام وشاطئ غربي أفريقية. وكان لإنكلترا يد طولى في تأخير مسألة كريت ونزعها منا وكريت أخت أرمينية في الصورة والشكل وإن كانت غاية كل منهما متباينة ولألمانيا يد كبرى في جعل كريت تحت حماية السلطان وغمارة البرنس وجورج اليوناني آثرت عَلَى ذلك أن تراها لقمة سائغة لإنكلترا كما كانت مصر وقبرص من أجل طريق الهند وبذلك ازداد نفوذ ألمانيا في الآستانة وصار لسياستها الموقع الأول الذي بدأ في مؤتمر برلين فكان منه عموم النفع لشؤونها التجارية والاقتصادية. وفي سنة ١٨٩٧ عقدت روسيا مع النمسا والمجر معاهدة عَلَى حفظ السلام في البلقان وكبح جماع المتناغمين بجنسيتهم من عناصرها في سنة ١٩٠٣ اتفقت ذانك الدولتان عَلَى بروغرام مورزتج لإصلاح مقدونية وذلك تعدل نفوذ الألمان في الآستانة. مسألة المضايق أو المضيقين البوسفور والدردنيل مرتبطة بالمسألة الشرقية أي ارتباط ولطالما تألمت روسيا من اعتزالها وراء البحر الأسود تملك بعض شواطئه ولكناه لا تستطيع أن تنفذ منه فشبهوا مقامها هناك بالمسجون فيلا قصر لا يستطيع الخروج منه ولولا إنكلترا لقبض الروس عَلَى قياد المضيقين ومن قبض عليهما قبض عَلَى منافذ البحرين الأسود والأبيض ولما سار إبراهيم بن محمد علي باشا المصري بجيوشه سنة ١٨٣٣ من سورية إلى آسيا الصغرى وكان يهدد الآستانة لم تر الجولة إلا أن تستعين لدفع غائلته بالأسطول الروسي فبعثت دولة القياصرة أسطولاً إلى قرن الذهب في خمسين ألف جندي حتى إذا أمنت السلطنة شرد ذاك المهاجم وأراد الأسطول أن يعود من حيث أتى بعد أن كان مروره في المضيقين لأول مرة وبوارجه الحربية ترفع أعلامها أراد تعويضاً عن ذلك فعقد الباب العالي مع حكومة القيصر معاهدة خنكار أسكله سي وبموجبها تحمي روسيا المضيقين حماية حقيقية بحد السلاح فغضبت إنكلترا من هذا العقد الذي يضر بمصلحتها ومازالت تتفنن في أساليب السياسة حتى اضطرت الدول أن تعقد مؤتمراً في لندرا سنة ١٨٤١ وكتبت فيه معاهدة جاء في بندها الرابع أن المضيقين لا تفتح لدولة من الدول تسير فيهما بوارجهما فسقطت بذلك معاهدة خنكار أسكله سي وأصبح من حق سلطان العثمانيين أن يغلق المضيقين في وجوه الدول وليس من حقه أن يفتحهما فتقيد بذلك تقيداً لا ينطبق مع ما تدعيه حكومات أوربا من مراعاتها لحقوق السلطنة وسلامة استقلالها. ثم أن إنكلترا اضطرت روسيا بموجب هذه المعاهدة أن لا يكون لها سوى عدد معين من السفن في البحر الأسود ولا تنشئ دوراً للصناعة (ترسانات) عَلَى شواطئه وبذلك سد البحر الأسود في وجه روسيا فلم يبق بحيرة عثمانية كما كان عَلَى عهد كاترينا الثانية وبطرس الأكبر ولا بحيرة روسية كما قضت معاهدة خنكار أسكله سيوهذا المنع لا يتناول بالشدة المعينة سائر دول أوربا الخمس الكبرى ولاسيما كبيرتها إنكلترا فقد دخل الأسطول الإنكليزي والفرنساوي ليضربا مع الجيش العثماني قلعة سواستبول الروسية وهكذا اصبح ما يحرم عَلَى روسيا لا يستحيل عَلَى غيرها فكأن معاهدة لندرا يقصد بها اتقاء عادية الروس عَلَى البحر المتوسط فقط وقد أيد البند القاضي بالحجر عَلَى روسيا وراء المضيقين سنة ١٨٤١ في معاهدات ١٨٥٦ و ١٨٧١ و ١٨٧٨ . في الأمثال العربية لا تطعم العبد الكراع فيطمع في الذراع وهذا مما ينطبق عَلَى حكومات البلقان الأربع المجاورة للأملاك العثمانية فإنها بعد أن استقلت الاستقلال التام وصار لها عَلَى صغر حجمها ملوك ومجالس نيابية حداها الغرور أن تتوسع في بلادها ولا سبيل إلى ذلك باقتطاع شيء من الأراضي العثمانية وكي السبيل إذا كان علم الأمن مرفرفاً في ربوعنا؟ ولذا عمدت اليونان والصرب والبلغار إلى تأليف عصابات من أبنائها وفيهم كثير من خاصتهم المتعلمين في المدارس العليا تلقي الفوضى وترتكب أعمال التعذيب والقتل في ربوع مقدونية التي تريد كل منها الاستئثار بها أو ببعضها ومقدونية هي عبارة في عرفهم عن ولايات سلانيك ومناستر وقوصوه والحقيقة أن مفدونية هي مهد الإسكندر حيث ترى عاديات بللا وييدا وأمفيبوليس فكان معدل من تهلكهم عصابات الهول والإرهاب من الأهلين ألفي نسمة كلب سنة يذبح اكثرهم كما تذبح النعاج فخربت هذه البلاد وكانت من قبل من أكثر بلاد الله عمراناً وعادت كما يقول بينون زراعتها بائرة وخصبها جدباً ولطالما قاصت تربتها السوداء في تلك السهول المنبسطة لبناً وعسلاً فأمست لا تعطي سوى غلات ضئيلة لا تكاد تسد عوز السكان وكثرت في حقولها النباتات الطفيلية من العوسج والأعشاب الضارة وتجردت الآكام من غابتها الغبياء بما سطى عليها من أسنان المواشي واتخذت المطار تنهال عَلَى المنحدرات لا يقف شيء في سبيلها تحمل التربة الصالحة للزرع فتؤلف منها بطائح ويتجمع كثير من هذه التربة الزكية تحملها السيول إلى خليج سلانيك بحيث لا يأتي عليه مئة سنة إلا ويطم كالحوض المطبق وانحصرت القرى في أعماق الأودية أو رؤوس الآكام المنحدرة ولم يبق في تلك الأرض مزرعة ولا بيت منفرد وأخذت الأكواخ ينضم بعضها إلى الآخر خوفاً وهلعاً. نعم إن هاته العناصر التي ادعت المدنية هي التي تهرق دماء الأبرياء وتدعي أنها من رسل المدنية والسلام والذنب في ذلك عَلَى أوربا التي كانت بعض حكوماتها تسر حسواً في ارتقاء وتدفع البلقانيين إلى ارتكاب المنكرات من الإيقاع بالنفس والعبث بالأموال وبالعروض وقد اشترطت وربا في مؤتمر الآستانة ومؤتمر سان ستفانو أن تجرى الإصلاحات في الولايات العثمانية من قارة أوربا ولكن أي إصلاح تقوم به دولة والعدو المجاور يرسل عليها كل يوم عصابات تستبيح السفك والفتك وإن المرء ليحزن إذا أراد إحصاء ما بذلت هذه الأمة من دمائها منذ قرن فقط في سبيل بقاء الروم إيلي في أيدينا. لما استقلت حكومات البلقان الشمالية في مؤتمر برلين لم تعط ولاية الروم إيلي الشرقية لبلغاريا لأن البلغاريين ليسوا فيها أكثرية ولكن بلغاريا خرقت هذا البند من المعاهدة وضمت إليها تلك الولاية وهكذا الآن تحدثها نفسها أن تستولي عَلَى مقدونيا أو جزء منها مع أن العنصر البلغاري هو بعض سكان هذا الإقليم إذ فيه صربيون ويونان وفلاخيون دع الأتراك والأرناؤد فمقدونية هي مزيج من عدة عناصر وليس في حقوق البشر قانون يقضي بانفصالها عنا وذلك لأن الفاتحين لتلك البلاد منذ عهد البلاسجيين قد تركوا فيها آثاراً وهذه البلاد التي نشأ فيها الإسكندر فاتح العالم قد اقتبست أموراً من اليونان ومن الرومان ومن الصقالبة ومن البلغار ومن العثمانيين لأن كل أمة حكمتها استولت عَلَى سهولها أما الجبال فكانت معاقل طبيعية لمن ارادوا الاحتفاظ من السكان بقومياتهم ولغاتهم ومن هؤلاء تألفت كتلة قامت تتناغي بعد بالاستقلال وكل أمة من أمم الطونة الأربع أي بلغاريا والصرب ورومانيا واليونان تدعي أن سكان مقدونية جزء من عناصرها مع أن لغاتهم متباينة وكذلك أديانهم وكل منها بذلت في سبيل الناطقين بلغتها أموالاً طائلة وعلمت تاريخا وأمجادها وأنسابها حتى انك لتجد في مناستر تاجراً ولد ألبانياً ثم تبلغراي صار بلغارياً ثم يونانياً أما الآن فهو روماني وهذا من أضحك ما سمع في التبدل. ومن خان لغة أبيه وأمه كان بالطبع خائناً للغة التي يتعلمها أيضاً ويدعي الانتساب لأهلها زوراً. بقول كاتب الإفرنج أن الدولة العلية لم تقم بالإصلاحات التي تقررت في الولايات المقدونية ولو وفت بالوعود لما فتح سبيل لتلك الدويلات أن تطالب بشيء للبلاد المجاورة لها ولما قامت يونان تقول أن لغتها ومدنيتها هي الحاكمة المتحكمة في مقدونيا منذ عرف التاريخ ولا ادعت الصرب ولا بلغاريا ولا رومانيا مثل هذه الدعوى ولكن الموظفين العثمانيين إذا تركوا وشأنهم يهملون إصلاح حالة البلاد ونحن ما قاله صديقنا لطفي فكري بك لو قمنا من أنفسنا بالإصلاحات في الروم إيلي وطبقنا القانون الذي كنا سنناه لننفذه في أرجائها لما احتجنا إلى من يحثنا عَلَى ما يجب علينا القيام به من تلقاء أنفسنا ولكن أمراض الشرق كثيرة ومرض الإهمال أحد تلك الأدواء القتالة. ولقد انتهت الحال سنة ١٩٠٢ في مقدونية عقيب حدوث حوادث مزعجة أن بعث الباب العالي مفتشاً عَلَى الولايات الثلاث وتألفت لجنة مختلطة من خمس دول لإصلاح مالية هذه الولايات وحي بضباط إيطاليين وفرنسويين وألمان وروس وإنكليز لإصلاح سلك الجندرمة الذي طالما جلب الولايات بخلله عَلَى البلاد العثمانية فدرست اللجنة المالي الولايات الثلاث فإذا ميزانيتها سنة ١٩٠٦ تبلغ ٢ . ٦٨٠ . ٠٥٠ ليرة عثمانية يصرف منها ١ . ٤٨٠ . ٠٨٠ عَلَى الجندية ويصيبها ٣٥٤ ألف ليرة من ديوان الدولة فلم تقدر اللجنة أن تعدل شيئاً من النفقات الحربية ونظرت في ميزانية الملكية وهي ٨٢٢ ألفاً فتعذر عَلَى الدول أن يطالبن حكومتنا بتطبيق الإصلاحات العمرانية وكان من ذلك تساهل معتمديها في قبولهن زيادتنا ثلاثة في المئة عَلَى الرسوم الجمركية ولإنكلترا ستون في المئة من مجموع ما يرد للسلطنة العثمانية من الواردات فنالت بريطانيا وغيرها من الدول ذات الشأن امتيازات وتمديد مهلات ومنحت حقوقاً أخرى علاوة عَلَى مالها في الأرض العثمانية. تمكنت الحكومة العثمانية بعد سنة ١٩٠٤ من كبح جماع العصابات لأن كثيراً من رؤسائها ولاسيما البلغارية منها هلكوا في أيدي جنودنا. وهنا جيب أن يعرف أن سواد البلغاريين في مقدونية أكثر من غيرهم من العناصر غير المسلمة وهم أهل النشاط والحرب وثلاثة أرباع من هاجر من بلاد مقدونية إلى أميركا هم من البلغاريين والمهاجرون فيها لا يقلون عن مئة ألف. وقد اغتنوا كما اغتنى بعض السوريين ومنهم من عاد إلى بلاده فابتاع الأراضي بالثمن الباهظ ومنهم من تخلص من سلطة الأغنياء أرباب المزارع الواسعة وعمروا الدار والعقار. ولسيت الهجرة من ممالك البلقان إلى أميركا وغيرها اقل من هجرة سكان الروم إيلي حتى لقد هاجر خمسة عشر ألف يوناني من جهات وارنه في بلغارا سنة ١٩٠٦ إلى أثينة وغيرها عقيب مناوشات قتل فيها أفراد من اليونانيين والبلغاريين وذلك بداعي تعيين أسقف يوناني في وارنه. أقول عقيب مناوشات وما أحرانا أن نقول عداوات فإن اليوناني يكره البلغاري والبلغاري يكره الصربي والبلغاري يمقت الروماني والجبلي يتألم من الصربي عَلَى صورة يستغرب من قرأ تاريخهم أمس كيف يتفقون اليوم اتفاقاً مربعاً لم تخرج عنه سوى رومانيا المرتبطة مصالحها بمصالحنا وأعجب منه أن نرى روسيا عقب مؤتمر برلين بعد أن كانت في البلقان هي الكل والكل رضيت بأن تشاركها في نفوذها دولة النمسا والمجر واغرب من كل هذا أن إيطاليا والنمسا وألمانيا وروسيا وإنكلترا كلها تنادي بسلامة المملكة العثمانية وحفظ الحالة الحاضرة في البلقان مراعاة لمصالحها لأن كل واحدة تستفاد من الروم إيلي وهو في أيدي العثمانيين من حيث التجاور والأمور العمرانية والمالية أضعاف أضعاف ما تستفيد منه لو كان لا قدر الله في أيدي غيرنا من حكومات البلقان وذلك لأن القوم في أوربا يستفيدون من إهمالنا وعدم عنايتنا بالمصالح المالية بخلاف غيرنا لو كان سلطان عَلَى شبه جزيرة البلقان كلها فإنه يقطع عَلَى الماليين والمتجرين الأوربيين أرزاقهم ويحاربهم حرباً اقتصادية شعواء. نعم تعلم الدول الست أن أهل كل عنصر من العناصر البلقانية أقوى عَلَى قلة عديدهم في التشيع لأبناهم الناطقين بلغتهم من العثمانيين بمجموعهم عَلَى كثرتهم فإن الصربي مسلماً كان أو كاثوليكياً أو أرثوذكسياً يهتم لمصلحة بلاده أكثر مما يهتم التركي أو العربي! وكأن هذا الحق خاص بشبه جزيرة البلقان إلا قليلاً فقد رأينا الأرانؤط مسلميهم مسيحييهم يدافعون يداً واحدة عن كل ما فيه سلامة وطنيتهم ولغتهم لم تفرق بينهم المذاهب والنحل وكذلك البلغار يتعلقون بجنسيتهم أكثر من تعلقهم بدينهم وهذا الخلق ضعيف جداً في ديارنا وما برح أهل كل نحلة يتناغون بحب بعضهم بعضاً ولو كانوا لا تجمع بينهم لغة ولا وطن ولا قرابة جنسية. اقترحت إنكلترا لما رأت عجزاً في ميزانية الولايات المقدونية الثلاث لكثرة ما ينفق من أموالها عَلَى الحامية هناك أن ينزل عدد الحامية ليتوازى الدخل والخرج ويستطيعوا أهل الشأن إذ ذاك أن يقوموا بالإصلاح المطلوب لمقدونية ولكن الدولة العلية تعلم أكثر من كل دولة أن سلامتها في الروم أيلي معقود بناصية جيشها وأنة عهود الدول ومحالفتهن تستعمل عليها لا لها فقد ضمنت لها معاهدة باريز سلامة أملاكها من التمزق ومع هذا فقدت بعدها ولايات كثيرة ولم يقم من دول أوربا من يقول أن اقتطاع أرض عثمانية مخالف لتلك المعاهدة التي أقرتها الدول أو معتمدوها. وإنا إذا وصمتنا أوربا بالظلم في بعض شؤونها فلا يسعها إلا أن تعدنا مظلومين عَلَى الأكثر ولاسيما فيما يتعلق بالمسائل الاقتصادية الحيوية من استثمار الخيرات والتجارات والصناعات في السلطنة قال بينون: لا تزال ميزانية النافعة (الأشغال العمومية) في السلطنة في حالة التكون أو كالجنين لم يتكون فالأجانب هم الذين ينشئون الخطوط الحديدية والمرافئ والأرصفة والترموايات والفنادق وهم الذين يبيعون المدرعات والنسافات والمدافع والبنادق وكل المعدات التي تلزم للجيش وهم يعنون المناجم ويؤسسون شركات الملاحة وقد اعتادوا أن يحملوا إلى البلاد العثمانية أدوات المدنية الحديثة عَلَى شرط أن يكون فيها ربح لهم وتجتهد كل حكومة في أن تنال مشاريع أكثر ثمرة من فغيرها وبذلك تنحصر منافسة الدول العظمى في الآستانة يراد بها الأعمال الاقتصادية. ولطالما كان للمعتمدين السياسيين سماسرة من المتجرين والصانعين ولم ير غليوم الثاني حطة عليه أن يكتب إلى السلطان عبد الحميد شخصياً ليضمن طلبية كبرى للصناعة الألمانية والعثماني يدخن نارجيلته في ظل شجرة دلب قديمة. يرى هذا وهو يدهش من تكالب الغربيين عَلَى الأعمال وتنافسهم في سبيل الكسب واغتنائهم من بلاده ووضع أيديهم عَلَى مصادر ثروتها وحياتها والسلطان هو الذي يمنع هذه الامتيازات (هذا الكلام قبل الدستور) في الظاهر وهو صاحب الوقت ولا حرية له في لارفض ما يعرض عليه لأن للدول التي تطلب مدرعات وجنوداً تستعملاه حين الحاجة لضمانة ديونها ولاستصناع بضائع في معالمها وهي تراقب المالية وتنظر في مسائل الديون العمومية ولا يعمل شيء إلا بفضل رؤوس أموالهم وعلى أيدي مهندسيهم ولا يخضع رعاياهم بموجب قانون الامتيازات الأجنبية للقوانين العثمانية ولا يحكم في مسائلهم غير قناصلهم. وللأجانب مدارس لأولادهم ومدارس داخلية وكليات ورهبان وأطباء وإدارات بريد وبرق وليس للبوليس العثماني ولا لجابي الأموال أقل سلطة عليهم فكل واحد منهم كائن لا يمس فالسلطان يحكم ولكن الأجانب يتمتعون و ١ ذلك لأنهم ملوك المال اهـ. يتمتع الأجانب في البلاد العثمانية بسعيهم الحثيث ونفوسهم التي لا تمل وأعلام دولهم التي تحميهم فبعد أن كان لفرنسا منذ القديم المقام الأول في التجارة نازعتها إنكلترا حتى استأثرت بأكثر من مجموع نصف الصادرات والواردات ثم جاء الدور لألمانيا بعد مؤتمر برلين فإن كانت هذه الدولة قد فتحت ولايتين هما الإلزاس واللورين فتحاً سياسياً فقد فتحت الولايات العثمانية فتحاً اقتصادياً فأنشأت البيوت التجارية والمصارف والمدارس ومن أهم الامتيازات التي نالتها سكة حديد بغداد تصل بين الآستانة والخليج الفارسي ولكن إنكلترا لم تغفل عن ذلك لأنها تحاذر من أن يصل أحد إلى الهند من غير طريقها وإرادتها فسلحت البادية فيما يقال بسلاح إنكليزي هندي وبعثت عيونها طول الخط الحديدي ولما لم يمد ثم انتبهت للتجارة مع العثمانية حكومة إيطاليا والنمسا وكل الدول تنازعنا بل تتنازع حياتنا الاقتصادية والمملكة العثمانية كما قال بعضهم فيها مجال لك طالب عَلَى فقرها بل إن فيها مجالاً للعثمانيين أنفسهم لو يعملون. ولما أيقنت إنكلترا بالخطر عَلَى مصالحها في الشرق ولاسيما الهند بتهديد الألمان لخليج فارس بسكتهم الحديدية الجديدة من الآستانة إلى بغداد أرادت تأمين طريقها إلى هندها بتطويق بلاد العرب بطوق من حمايتها فأثارت أولاً مسألة تحديد التخوم بين مصر وسورية وذلك في المسألة التي عرفت بمسألة العقبة وطابة سنة ١٩٠٦ فاستأثرت مصر التي هي محتلة لها بشبه جزيرة سيناء وأمنت إنكلترا من هذه الجهة وكانت قد عقدت مع فرنسا عقداً في سنة ١٩٠٤ يكون إنكلترا بموجبه حرة في وادي النيل كما تكون فرنسا حرة بعملها في شمالي أفريقية وينتج من ذلك قبض فرنسا عَلَى قياد حكومة مراكش حتى أصبحت جرائد الفرنسيس تذكر اليوم أخبار المغرب الأقصى في باب المستعمرات كما ت ١ ذكر تونس والجزائر والسنغال ومدغسكر وسيام والهند الصينية. وهكذا جعلت السياسة للعقبة وطابة اسماص في التاريخ وكانت من قبل نكرة كما جعلت الحملة التي سيرتها فرنسا منذ بضع سنين من أعالي وادي النيل مثل ذلك لقرية فاشودة وانتهت بالوفاق الفرنساوي الإنكليزي وكما اشتهر بورارثو في الشرق الأقصى الذي زحزح اليابان عنه الروسيين عقيب معركة لم يسمع في التاريخ بأعظم منها زكان من ذلك أن عاد الروس أدراجهم من الشرق الأقصى واشتهرت بورارثو. نقول طوقت إنكلترا شبه جزيرة العرب بطوق من حمايتها ومن عرف كيف أخذت مضيق باب المندب وعدن وبريم منذ القديم لا ينكر وضع حمياتها عَلَى صاحب الكويت لتدعي بعد أن حوض الخليج الفارسي إنكليزي محض كما وضعت حمايتها عَلَى أمير مسقط أهم سلاطين عمان وحمت صاحب البحرين وصاحب لحج فطوقت بذلك الجزيرة لتأمن غائلة الألمان والله أعلم ماذا يخبئ المستقبل للعراق وللشام واليمن والحجاز ونجد والجزيرة وكل هذا تسأل عنه حكومة الاستبداد الماضية التي أرادت إرضاء ألمانيا فأغضبت إنكلترا فكانت النتيجة خسارتنا عَلَى كل حال. وكذلك الشرق يقتسمه الغرب وحكوماته تشتغل بالباطل كما حدث لجارتنا إيران فوقعت بين أيدي إنكلترا وروسيا ادعت أن هذه منطقتها من الشمال وتلك استأثرت بالجنوب وكان من اختلال الأمن في بلادها حجة توكأت عليها السياسة الحديثة كما كان كذلك في العهد الأخير من مراكش مع فرنسا. ومن أخلاقنا معاشر الشرقيين أننا نذكر الداء عند وقوعه ولو قيل لنا أن نتخذ شيئاً من الاحتياط القليل بادئ بدء هزأنا بالمشير علينا واستسلمنا للأقدار فالأخطار فقد رأينا مثلاً فرنسا نشرت مدارسها في الشرق العثماني والمصري أي انتشار حتى كادت تدعي أن لها حق الحماية عَلَى رعاياها بعض أصقاعنا بحجة حماية أناس في الشرق وقد حذت حذوها إيطاليا فنشرت عَلَى فقرها مدارسها بأموال خصصتها لها في ميزانيتها في طرابلس وبرقة. وإن ذكر هذين القطرين ليرمض قلب كل عثماني اليوم. وفعلت مثل ذلك بعض بلاد الأرناؤد وكذلك تفعل ألمانيا في بلاد الأناضول ووادي الفرات فتنشئ اليوم مدارس ألمانية تحت رعاية إمبراطورها كما أنشئت في فلسطين ومثل ذلك فعلت روسيا في ديارنا وكل يوم امتيازات جديدة وحقوق علينا أكيدة. ومنذ حرب السبعين بين ألمانيا وفرنسا لم تر أوربا دولتين أو ثلاث التقتا في حرب ما عدا حرب الصرب وبلغاريا سنة ١٨٨٥ ونرى مصالحها تقض بينها بالسلام سلام عليهم وحرب عَلَى غيرهم. وكل مدة نسمع بعض زعمائهم وملوكهم يجتمعون ويتفاوضون سراً فلا نلبث أن نرى أزمة في إحدى بقاع الشرق لا تنحل إلا بربح جماعة المتفاوضين. نعم يشرب بعضهم نخب الآخر كما قال بينون ويتآخون ويتصافحون وهم في الحقيقة هم يجسون عَلَى الأرض ليكونوا ثقة منها فبما إذا نشبت عليها حرب حقيقية وهذه سياسة غريبة كل الغرابة في مظاهرها المتناقضة في هذا العهد وما قط كانت الحقائق العميقة مختلفة عن الظواهر التي تغشاها كل هذا الاختلاف قال: وعلينا أن لا يفوتنا أنه ربما تحدث مشاكل غير منتظرة في الشرق لأنه فيه تجد أوربا بلاداً بكراً واصقاعاً جديدة لم ترزق حتى الآن أدوات الاقتصاد الحديث فليس يرجي في أوربا الغربية والوسطى الآن حروب فتح وغلبة وليس فليس فيهما أمة تستطيع أمة تستطيع أن تربح من الأخرى ولذلك ظهرت منافستهن فيلا الأصقاع النائية وإذ كانت أوربا مغلقة في وجوههن وآسيا الشرقية لا تقبل وصاية دولة عليها بتة وأفريقية لم تأت حتى الآن بثمرة تذكر لم يبق أمام أمم أوربا غير التنازع في المملكة العثمانية عَلَى مصارف جديدة لصناعاتهم وأعمالهم وتجاراتهم. هذه جملة حالنا مع أوربا وهي اقرب أن تكون لهجتها لهجة المتشائم لا لهجة المتفائل ومع هذا فإننا بما عرف من تاريخنا وتاريخ غيرنا من الأمم لا يزال الرجاء معقوداً في مضائنا وعقول القائمين بالأمر فينا ولا ينقصنما إلا أن نجمع عَلَى الخير كلمتنا ونجعل العلم والعمل رائدنا فليس الخطأ فيما وقع علينا من الحيف هو خطأ الحكومة فقط بل أن المحكوم عليهم مسؤولون كثيراً عن كل ضعف بدا وكل شر نجم يسألون عن تفاشلهم وتخاذلهم وعن فساد أخلاقهم وقلة نظرهم في عواقب أمرهم وثبرهم عَلَى جهلهم وادعاء المعرفة وبذلهم في التافه وكذاذة أيديهم في المآزق. كلنا يعلم أن حياتنا السياسية مقرونة ببقاء هذه الدولة العلية العثمانية آخر مملكة قوية مستقلة من الممالك الإسلامية وإن دولتنا اليوم في بحران شديد فأين أغنياؤنا يبذلون عن سعة لإعانة الأمة عَلَى الأقل في كسوة أبنائنا المجاهدين في الروم أيلي بعض ما يصرفونهم عَلَى شهواتهم. إنني والله أخجل من تسطير تلك الصدرات والجوارب والأعبئة القليلة التي لم يجد ملوك المال فينا بغيرنا وقد رأينا واحدهم وثروته كلها من رقاب الفلاحين وسرقة الخزينة لا ينفق في هذا السبيل ربع ما أنفقه لاستحصال رتبة أو أخذ منصب أو مكافأة عَلَى وسام فاين هذا وأمثاله من ذاك اليوناني الذي تبرع لحكومته بأربعة ملايين فرنك تبتاع بها بارجة حربية! إن هذا التضامن المنشود عَلَى أشده في الحكومات الأوربية والأميركية هو الذي أعوزنا اليوم فتركنا هدي كتابنا الكريم وأردنا تقليد المحدثين فصرنا كالعقعق أراد مشية الحجل فنسي مشيته ولم يحسن تقليد من يريد تقليده. إننا إذا تضامنا نضع الأشياء مواضعها وإذا تفاهمنا ننجح في تأليف أحزابنا وحزب عدونا ونأمن عَلَى مستقبلنا السياسي والاقتصادي وإلا فكل كلام ضائع وكل سعي في إنهاضنا هباء فتدبروا رحمكم الله وإياكم فليس للدهر بصاحب من لم ينظر في العواقب والسلام بعدد ما سجل التاريخ لأجدادكم من المآثر وعد لهم من الأيام الغر المحجلة فقد قيل: الناس كالناس والأيام واحدة والدهر كالدهر والدنيا لمن غلبا مدينة كربلاء ١ ً معناها اللغوي كربلاء بالمد تطلق اسم علم لبلدة من ديار عراق العرب واقعة في البر بعيدة عن الفرات، وكانت فيما سلف اسم قطعة من أرض فيها قرية بجانبها المزارع وفي اشتقاق كلمة كربلاء آراء عديدة منها: أولاً أنها مأخوذة من كربل وهو نبات له نور أحمر مشرق يقال أنه الحماض. ثانياً إنها مشتقة من الكربلة بهاءٍ وهي الرخاوة في القدمين. وقيل ثالثاً أنها من الكربلة بمعنى المشي في الطين يقال جاء مكربلاً كأنه يمشي في الطين. وقيل رابعاً أنها من الكربلة بمعنى الخوض في الماء والخلط، وقيل خامساً أنها مأخوذة من الكربلة بمعنى تهذيب الحنطة وتنقيتها من القسطل كالغربلة ومنه نما جاء في هذا البيت: يحملني حمرآء رسوباً للثقل قد غربلت وكربلت من الصقل سادساً قال قوم: إنها حديثة الوضع مشتقة من الكرب والبلاء فحففت ونحتت وصارت كربلاء. سابعاً قيل أنها كلمة كلدانية معناها حرم الله وهذا القول أقرب إلى الصحة من غيره لأنه كان في تلك الديار معبود وله حرم فسمي باسم الهيكل. ثامناً ذكر صاحب دبستان المذاهب أن المجوس يزعمون أن لفظة كربلاء مشتقة من كلمتين فارسيتين معناهما العمل العلوي. واللفظتان هما كاربالافعربتها العرب بكربلاء وهذا رأي ضعيف وضعفه ظاهر. وهم يزعمون أنها كانت بيوت نيران ومعابد لهم في الزمن السالف، والعصر الغابر. ٢ ً كربلاء القديمة ذكر لي ثقات أن كربلاء الحالية التي فيها قبر الحسين بن علي رضي الله عنهما هي غير كربلاء القديمة التي كانت المزارع في ربضها حين ورود الحسين إليها بل إن كربلاء القديمة واقعة في الجنوب الشرقي من البلدة الحالية ويطلق عليها اليوم اسم كربلة بهاءٍ. وذكر آخرون أنها واقعة في الشمال الغربي من كربلاء الحالية مما يلي أرض القرطة وهي اليوم مكان مرتفع يسمى باصطلاح الناس العرقوب ويبعد موقعها عن قبر الحر بن يزيد سبعة آلاف متر، وأرضها من أملاك آل بحر العلوم وهي أسرة شريفة من كربلاء. ويستدلون بما ذكره المؤرخون في دواوين أخبارهم أن الحسين رضي الله عنه حين إقامته بأرض الطف ابتاع الأرض التي تلبي قبره من أهل نينوى والغاضرية بستين ألف درهم وتصدق بها عليهم وشرط أم يرشدوا إلى قبره من يزوره ثلاثة أيام ولم يذكروا أنه اشترى أرضاً تسمى كربلاء، وهو دليل واضح يشير إلى أن كربلاء كانت من أرض الطف بعيدة عن قبر الحسين. ولهم دليل آخر وأوضح بياناً من المتقدم وهو: إنه لم يسمِّ في وقت من الأوقات سابقاً محل القبر الشريف وما اتخذ حوله من الدور والأبنية باسم كربلاء وتأييد ذلك يؤخذ من كلام علي رضي الله عنه: كأن بأوصالي يتقطعها عسلان الفوات بين نواويس وكربلا فنفى بكلامه هذا أن يكون محل قبره الشريف كربلاء بل إنها عَلَى ما يظهر خارجة عنها. ونما أطلقت لفظة كربلاء عَلَى هذه القطعة الحالية لمجاورتها للقطعة التي كانت تسميت بهذا الاسم وهي كربلة. ٣ ً ما يجاور كربلاء من المواطن المختلفة وحول كربلاء مواطن مختلفة منها: الطف بالفتح والفاء مشددة. وهو في اللغة ما أشرف من أرض العرب عَلَى ريف العراق قال الحموي فيما رواه عن الأصمعي وإنما سمي طفاً لأنه دنا من الريف من قولهم خذ ما طفالك واستطف أي ما دنا وأمكن. . وقال أبو سعيد سمي الطف لأنه مشرف عَلَى العراق من أطف عَلَى الشيء بمعنى أطل وقيل إنما سمي بالطف لأنه طرف البرية مما يلي الفرات وكان يجري بجنبها، وطف الفرات ما ارتفع منه، وقيل هو الشاطئ منه، وكان في الطف عدة عيون جارية وقرى ومزارع كثيرة. وفي حدوده مواطن منها (باخمرا) بالراء عَلَى سبعة عشر فرسخاً من الكوفة وهي التي قتل فيها إبراهيم بن عبد الله أخو صاحب النفس الزكية بأمر المنصور العباسي، ومنها السماوة قريبة من ذي قار ونضرب صفحاً عن سائر ما في حدودها ونقتصر عَلَى ما تلي حدودها وهي الفرات في شرقيها وشماليها وعين التمر التي من قراها شفاثا والقطقطانة وعين الصيد والرهيمة في جنوبيها. وكانت أرض الطف من ديار الفرس ومسالحهم بالقطقطانة، وينصب من قلبهم الحكام عليها ثم تملكها الإسكندر المقدوني بعد محاربته ملك فارس دارا بن بهمن وتقسيمه ديارهم بين ملوك الطوائف فانتهز العرب الفرصة لما في أنفسهم من ريف العراق وكثرة خصبه واستبشروا بما وقع بين الملوك من الاختلاف وطمعوا بغلبة الأعاجم عَلَى ما يلي بلادهم منه أو مشاركتهم فيه، فاجتمعوا رؤساء العرب وقرروا المسير إليها وانتزاعها من أيدي أكاسرة الفرس وكان أول من سار إليها عَلَى ما ذكر الطبري الحيقار بن الحيق في جماعة من قومه وأخلاط من الناس ثم سار مالك وعمرو ابنا فهم بن تيم اللات، ومالك بن زهير بن فهم بن تيم اللات وغطفان بن عمرو وزهير ابن الحارث، وصبيح بن صبيح فيمن تنحى عنهم من عشائرهم وحلفائهم، ونزلوا الأنبار إلى محل الحيرة في طف الفرات وغربيه وما والاها من المظال والألخيبة، لا يسكنون بيوت المدر، ولا يجامعون أهلها فيها، واتصلت جماعتهم فيما بينها، وكانوا يسمون عرب الضاحية. فكان أول من ملك منهم عليهم مالك بن فهم إلى أن ظهر أردشير بن بابك وتغلب عَلَى سائر ملوك الطوائف وقهرهم ودان له الناس وضبط الملك واسترجع الطف من العرب وأقر جذيمة الأبرش عَلَى ما هو عليه من تملكه الحيرة وكان ملك جذيمة الأبرش عَلَى الحيرة وبشاطئ الفرات والاها بعد أبيه مالك بن فهم وفي آخر عهد الدولة الساسانية كان ينصب عَلَى أرض الطف عامل من قبل كسرى مستقل بأمره لا يتأمر عليه ملك الحيرة، وكان العامل عليها في عهد كسرى يزدجردقيس بن مسعود بن خالد وهو الذي أمره كسرى أن يعين إياس بن قبيصة الطائي عَلَى هانئ بن مسعود الشيباني وكان إياس ملكاً في الحيرة مكان النعمان بن المنذر ملكه كرى بعد قتله النعمان. وكان سبب وقوع هذه الحرب وقعة ذي قار وذلك أن كسرى طلب تركة النعمان بن المنذر من هانئ فأبي تسليمها فوقعت تلك الحرب الطاحنة كما تقدم. وكانت قرى الطف قبل الفتح الإسلامي ضياعاً لكبار العجم، ولما ورد سعد بن أبي وقاص العراق كتب من لهم الضياع إلى كسرى وحرضوه عَلَى إرسال الجيوش لصد غارات المسلمين خوفاً من أن يستولوا عليها فسببوا حضور رستم القائد الفارسي الكبير لحرب الإسلام فوقعت بأيدي المسلمين بعد حرب القادسية والمدائن وتشتت شمل الفرس فيهما، ولما تم الأمر للمسلمين أقطعوها وإليها يشير الأقيشر الأسدي في قصيدته المشهورة: إني يذكرني هنداً وجارتها بالطف صوت حمامات عَلَى نيق نبات ماءٍ معاً بيض جآجئها حمر مناقرها صفر المحاليق أبدي السقاة منهن الدهر معملة كأنما لونها رجع المخاريق أفني تلادي وما جمعت من نشب قرع القوافيز أفواه الأباريق ٤ ً ما يرادف اسم كربلاء تعرف كربلاء أو المحل الذي فيه قبر الحسين بأسماء مختلفة منها الحائر واختلف علماء اللغة في وجه تسميته، قال ياقوت مع اللغويين: الحائر حوض يصب إليه مسيل الماء من المطار سمي بذلك لأن الماء يتحير فيها ويرجع من أقصاه إلى أدناه، وقيل أنها سمت بالحائر بعد أن أطلق المتوكل العباسي الماء عَلَى القبر الشريف فحار حول القبر، وارتفع القبر في الهواء بإذن الله، أو لأمر آخر حاصله عدم وصول الماء إلى القبر، وقيل هو المكان المطمئن فيجتمع فيه الماء فيتحير فيه ولا يخرج منه ونشاهد اليوم مصداق هذا القول من انخفاض محل القبر الشريف وما حوله من الحرم والأورقة والصحن والغرف المحيطة بالصحن والمتشرف بالزيارة إذا أراد الدخول من أي جهة شاء إلى أرض الصحن الشريف وهو الآن قد ارتفع كثيراً بالنسبة إلى ما كان عليه من الانخفاض عند بناء السراديب وفرش أرض الصحن بالرخام. ٥ ً موقع كربلاء الحالي قد رأيت فيما تقدم من كلامنا ما هو موقع كربلاء في الزمن الحالي ونأتي بذكر حدودها في الزمن الحالي فنقول: كربلاء واقعة عَلَى ضفة نهر الحسينية قريبة من الدرجة ٣٢ عرضاً ونحو الدرجة ٤٢ طولاً من باريس، وهي في الحنوب الغربي من بغداد وعلى بعد ٣٠ كيلومتراً منها، ويحدها من الشمال الشرقي مدينة بغداد، ومن الشرق الجنوبي مدينة الحلة أو خرائب بابل القديمة، ومن الجنوب والغرب بر الشام. وهي تعد من أمها مدن العراق لكثرة نفوسها واتساع تجارتها، وخطورة مركزها، والذي أذاع شهرتها الحالية فطبق الخافقين وجود قبر ريحانة الرسول وأخيه وإذ يأتي لزيارة هذه الأماكن المشرفة كثير من المسلمين من كل حدب وصوب، فيزرونها كل عام، كما يزورون البيت الحرام، وهي الآن تعد مركز لواء يقسم إلى عدة أقضية ونواحٍ وقرى. ٦ ً مساحتها ونفوسها وتقسيماتها تقدر مساحة لواء كربلاء بـ ٢٣٠٠٠ كيلومتر مربع، وأرضها خالية من الجبال والآكام، قليلة الغابات، كثيرة العيون الينابيع، وهي بلدة متموجة بالسكان يبلغ عدد سكانها ٧٥٠٠٠ ألف نسمة منها ٢٠ ألفاً من العثمانيين و ٤٠ ألفاً من الإيرانيين وبعض الأجانب مختلفي العناصر، و ١٥ ألفاً من الزوار والغرباء الوافدين من ديار قاصية، وربوع نائية، كديار العجم والهند والأفغان وكورقاف (قفقاسية) وفيها عدد قليل من اليهود وليس فيها نصارى، وهذا كبير بالنسبة لمدينة من مدن العراق ككربلاء، ولكن هذا ربما زاد إلى ضعفيه أيام الزيارات في شهر ذي الحجة المحرم فإنك ترى أزقتها ضيقة عَلَى اتساعها، وفنادقها الكثيرة مملوءة بأخلاط الناس. ويقسم لواء كربلاء إدارياً إلى ثلاثة أقضية وهي مركز قضاء كربلاء والهندية والنجف، وإلى سبع نواحٍ، وهي ثلاثة منها في مركز القضاء وأسماؤها: المسيب والرحالية وشفاثا، وواحدة في الهندية وهي الكفل. وأربع في النجف وهي: الكوفة. والرحبة. والتاجية. وهور الدخن. ٧ ً زراعتها وتجارتها ووارداتها أرض كربلاء خصبة للغاية. وتمتاز عن كثير من أراضي العراق بكثرة ينابيعها. وزراعتها متقدمة بعض التقدم إلا أنها ويا للأسف لم تزل عَلَى النمط القديم. وبدون أصول علمية. وتقدر الأرض المزروعة في كربلاء بـ ٣٣٦٥٦٩ فدانً. وحاصلاتها عبارة عن القمح والشعير والعدس والذرة والأرز وفي كربلاء بساتين كثيرة فيها النخيل. وأهلها يعنون عناية عظيمة بزراعته وهم خبيرون بما يعودون عليه بالجودة ونمو الثمر. والتمر عندهم من المعايش الثانوية بعد القمح. وليس فيه شيء إلا وله منفعة واستعمال عندهم. وقد بلغ من عنايتهم بالنخل أن طول جذع النخلة في بعض بساتينهم ربما تجاوز ٦٨ قدماً وطول سعفها اثنتي عشرة قدماً. وجاء في الإحصائيات الأخيرة الرسمية أن غلة التمر في لواء كربلاء تقدر سنوياً بثلاثين ألف طن. وهي كمية وافرة تدل عَلَى ما وصلت وهي كمية وافرة تدل عَلَى ما وصلت إليه كربلاء من الرقي والتقدم المادي في عالم الزراعة. وحيواناتها الأهلية كثيرة. ويولد في كربلاء كل سنة من البقر ٤٢٠٠٠ ومن الجاموس ٢٠٠٠٠ ومن الخيل ١٥٠٠٠ ومن الحمير ١٨٠٠٠ ومن البغال ١٦٠٠٠ ومن الجمال ٢٠٠٠٠ ومن الأغنام وسائر الماشية ٥٠٠٠٠٠ والمحصولات عَلَى كثرتها لا تكاد تسد عوز السكان لكثرة المختلفين إليها. وأما تجارتها فخطيرة جداً وواسعة ممتدة إلى سائر الجهات العرقية. ولها علاقة تجارية بإيران. ومما يزيد امتداد تجارتها واتساعها وجود كثير من الإيرانيين والهنديين. ومن أهالي ما وراء النهر الذين اتخذوا كربلاء موطناً لهم يجلبون إليها بضائع وأموالاً من بلادهم ويأخذون بدلها من حاصلات كربلاء ويرسلونها إلى ديارهم ومن أجل ذلك ترى أسواق كربلاء مشحونة ببدائع الصنائع ونفائس المنسوجات وأغلبها فارسية. ويباع في أسواقها من السجاد الثمين البديع الصنع ما لا يباع نصفه في بغداد. وترى في حوانيتها الزعفران الفاخر الخالص من كل شائبة وغش مما لا تجد مثله في أغلب المدن العراقية. وتختلف واردات كربلاء مع توابعها بين ٤٥ ألف و ٧٠ ألف ليرة عثمانية. ونفقاتها لا تتجاوز ٧ آلاف ليرة. ولو عنيت الحكومة بإرسال موظفين عارفين لغة أهلب البلاد غيورين عَلَى مصالح الدولة. وأسرعت فأنجزت أعمال سدة الهندية وشقت الجداول وحفرت الأنهار القديمة المندرسة. وعاملت الفلاح بالرفق واللين وصانت حاصلاته من كل أذى لازداد دخل الخزينة وتضاعفت وارداتها ولما احتاجت في السنوات الأخيرة إلى أن تمد يد العوز إلى الغرب. ٨ ً هواؤها وأنهارها يختلف هواء كربلاء باختلاف فصول السنة. ولا يختلف كثيراً عن سائر مدن العراق والحر والبرد شديدان في كربلاء ولكنهما في بعض الأحايين يابسان. وأحياناً تشتد وطأة الشتاء. وربما نزلت الحرارة إلى ٨ درجات في المدينة و ١٦ في البرية. ويشتد الحر كل سنة حتى تبلغ ٤٨ درجة في الظل. وكان قبل نصف قرن يبلغ ٥٠ درجة إلا أنه كان يحتمل بعض الاحتمال إذا كان يابساً والهواء غربياً أو شمالياً. أما إذا كان شرقياً فتضيق الأنفس وتحرج الصدور. ويشتهي السكان سكن القبور. ويقتل الحر كل سنة عدة أناس بأمراض مختلفة تتولد من حمارة القيظ. ومما تقدم تعلم أن هواء كربلاء ردئ جداً في فصلي الشتاء والصيف. أما في فصلي الربيع والخريف فمعتدل للغاية. ليس في كربلاء نهر يعتمد عليه غير الحسينية (بالتصغير). وهذا قد حفره السلطان العثماني سليمان خان القانوني سنة ٩٤١ هـ ١٥٣٤ م لما افتتح بغداد وكان أهل كربلاء يشربون مياه الآبار قبل حفر الحسينية لبعدها عن الفرات. وامتداد الحسينية سبع ساعات أو ٣٥ كيلومتراً وصدره من نهر الفرات عَلَى بعد ٣ كيلومترات من جنوبي ناحية المسيب. ويصب ماؤه في بطيحة (أبو دبس) عَلَى بعد أربع ساعات من جنوبي غربي كربلاء وتنضب مياه الحسينية في القيظ. فتحرج الصدور وتضيق الأنفس. ويغلو ثمن الماء ويضطر الأغنياء إلى جلب الماء من أماكن بعيدة وأما الفقراء فيحفرون الآبار. ويشربون مياهها فتتولد الأمراض. وتفشوا بينهم فشواً ذريعاً. وتفتك بالنفوس. والأشهر التي ينضب في أثنائها ماء الحسينية هي: حزيران. تموز. آب. أيلول. وسبب ذلك أن الحكومة أهملت أمر هذا النهر وتهاونت في كري مجراه بادئ بدءٍ حتى استفحل الخطر ويخشى من انقطاع المياه طول فصول السنة. ٩ ً وصف كربلاء وعمرانها كربلاء مدينة واسعة الرجاء حافلة الأسواق. كثيرة المساجد. منظرها بهيج يسر الناظرين. وموقعها يوقف الأبصار. لها سور خرب كان أقيم لحفظها من غارات الأعراب بعد وقعة الوهابية ثم هدمه والي بغداد نجيب باشا سنة ١٢٥٨ هـ و ١٨٤٢ م بأن سلط المدافع عليه من الجهة الشرقية عَلَى أثر ما وقع في كربلاء من الفتن في ذلك العهد. وإذا أتيتها وأنت قادم من النجف أو المسيب يذهب ببصرك نور مآذنها وقباب جوامعها المغشاة بصفائح من الذهب الإبريز. وتدهشك ساعاتها المبنية عَلَى بروج شاهقة ترى من مكان بعيد. وكربلاء تقسمك إلى قسمين عتيق وجديدة. فالعتيق ضيقة الأزقة تكثر فيها التعاريج لا يتجاوز عرضها المترين. وبناؤها عَلَى الطراز القديم. وشوارعها مملوءة أوساخاً وأقذاراً ودورها عَلَى غير نظام. إلا أن ما يباع في أسواقها بديع الصنع. ونفيس الطرز. وأكثر سكانها إيرانيون وبينهم عدد قليل من مختلفي العناصر. وأما القسم الجديد. فاسواقه عريضة وشوارعه فسيحة عَلَى خط مستقيم تجري فيها الرياح جرياً طلقاً لا حائل يحول دونها. وليس فيها تعاريج. ويخترق هذا القسم عرضاً خمس جادات وطولاً أربع متصلة بعضها ببعض ويختلف عرض أزقتها بين ١٦ و ١٨ متراً وطولها بين ٢٠٠ و ٢٥٠ متراً عَلَى شكل هندسي جميل. وهناك ساحة تعرف بساحة الميدان تنار بروح الزيت الحجري ويوجد في وسطها بناء أقيم تذكاراً للحرية. وفي هذا القسم دوائر البلدية والبرق والبريد. وبيوت الكبار والأشراف وعمال الحكومة. وسائر الطرق تنار بالقناديل والمصابيح ذات الزيت الحجري. وفي كربلاء مستشفى فخم ذو بناء شامخ يناطح السحاب محفوف بالأوراد والأزهار من جميع جهاته ومنظره بهيج يأخذ بمجامع القلوب صرف عَلَى بنائه ٥٠٠٠ ليرة ولم يكمل بعد. وفيها دار حكومة حسنة مشيدة الأركان. وثكنة قوية للجند ودائرة بلدية. وقنصلية إنكليزية وروسية وإيرانية ووكلاء مسلمون. ومدارس دينية كثيرة ومدرستان ابتدائيتان إحداهما للهنود والأخرى للإيرانيين فيهما ما يناهز ١٥٠ طالباً ويصرف عليهما من جيوب أهل الفضل. ومدرسة ابتدائية وأخرى من نوع الرشدي. يصرف عليهما من واردات الحكومة. وفيها كتاتيب عددها زهاء ٥٠ يتردد إليها ما يناهز ألف صغير يتعلمون مبادئ القراءة والخط. وفيها جامعان كبيران فخمان أحدهما يسمى جامع الحسين. والآخر جامع العباس. وهما أهم ما في كربلاء من الآثار وسيأتي ذكرهما مع تاريخ بنائهما ووصفهما في فصول خاصة ننشرها في أجزاء مقبلة: بغداد إبراهيم حلمي. رحلة إلى المدينة المنورة تتمة ما في الجزء السابع في مدينة الرسول ماذا يرجى لراكب القطار الحديدي أن يراه ليصفه والقطار يسرع في سيره مواصلاً الليل بالنهار وكل بقعة من البقاع بين دمشق عاصمة الإسلام الثانية ويثرب عاصمة الإسلام الأولى تحتاج إلى عدة علماء يتوافرون عَلَى دراسة ما فيها من الآثار العادية والتاريخية والطبقات الأرضية والأحداث الجوية والمواليد الثلاثة الطبيعية أو المملكة النباتية والحيوانية والجمادية ولكن عابر سبيل يمر كالسهم لا يطالب بمثل ما يطالب به الباحث محققاً مدققاً فمعذرة إلى من يتوقعون منا أن يروا في رحلتنا هذه فائدة تخرج عن حد ما وقع عليه النظر في أيام معدودة. ركبنا من محطة القطرانة في الكيلومتر ٣٢٦ إلى المدينة فوقف بنا القطار ساعات في المحطات الكبرى وهي معان في الكيلومتر ٤٨٩ وتبوك في الكيلومتر ٦٩٢ ومدائن صالح في الكيلومتر ٩٥٥ ثم المدينة في الكيلومتر ١٣٠٣ وكانت المناظر تختلف علينا اختلاف الأهوية وكلما تقدمنا نحو الحجاز نشعر بالحرارة. وكان الوقت شهر آذار والطريق التي سلكها الخط الحجازي غريبة تدل عَلَى حذق في الهندسة وتفنن وهي لا تبعد كثيراً عن الطريق التي يسلكها الراكب الشامي مدة ثلاثة عشر قرناً فيما نعلم اللهم إلا ما اقتضته الهندسة من التعاريج كما شاهدنا ذلك في المحل المسمى ببطن الغول وغيره. والجبال غريبة التكوين في الطريق من بعد تبوك فبعضها هرمي الشكل والآخر أسطواني وبعض متساوي الأضلاع وآخر زاوية منفرجة أو حادة أو قائمة جعلت في بسائط منظمة منفرجة تسير ساعات بل أياماً بسير الجمال ولا ترى إلا رمالاً وصخوراً وليس من الغابات إلا الهشيم (الهيش) في بعض الأصقاع أو السلم والسمر وهما أكثر شجر الحجاز. والجبال مصهورة حمراء أو كما قال البكري ( معجم ما استعجم ) في وصف الجبال بين مكة والمدينة أنها كلها تضرب إلى الحمرة تنبت الغرب والغضور والثمام. وإن المرء لتحدثه نفسه وهو يطوي البيد طي السجل للكتاب من دمشق إلى المدينة كيف كان الحجاج قبل السكة الحديدية يقطعون هذه الأودية والتلول والجبال والحرات والبرقات في ثلاثين يوماً عَلَى الجمال والبغال والخيول من يتعب وهو راكب في القطار الحديدي ثلاثة أيام كان حرياً بان يهلك عَلَى ظهور المطايا أو في المحفات والهوادج والمحارات ثلاثين يوماً يضاف إليها عشرة أخرى من المدينة إلى مكة ولكن هي العادة تسهل الأشياء والتعب ينال الراكب في الأيام الأولى ثم يدمن ويمرن. أعلى نقطة في هذا الطريق اليوم العقبة تعلو ١١٥٣ متراً عن سطح البحر والمطالع تعلو ١١٤٢ متراً وفي بعض هذه الرمال يمكن إنباط المياه وفي بعضها مياه يستقي منها العرب الرحالة هنا وأبناء السبيل فإن عشيرة الفقراء ومنازلها من تبوك إلى مدائن صالح لا تقل عن ثمانمائة بيت وقبيلة بني عطية تنزل من المدور إلى المعضم وهي تزيد عن ألفي بيتفلو صرفت عناية الحكومة إلى إسكان هاتينم العشيرتين وإعطائهما الأراضي مجاناً والصالح منها للزراعة كثير لما أتت بضع سنين إلا ودخلت هذه الموامي والمغارات في دور عمران تغني ساكنيها عن شن الغارات أو مد الأكف لأبناء السبيل في أستوكاف الصدقات. ومن آسف ما رأيناه في الخط الحديدي ولاسيما بعد بلاد الشام أن الأولاد والبنات والرجال والنساء يأتون يلتقطون ما تجود به أكف الراكبين من الخبز والأدم يلتهمونه التهاماً وقد كان يقتلهم الجوع كما صهرت شمس الحجاز أبدانهم وإنك إذا أعطيتهم نقوداً لا ترضيهم بمثل ما يرضون بكسرات من الخبز القفار. فكأن القفار لا ينفع فيها إلا الخبز القفار. وعندنا أن أعظم صدقة يتصدق بها قاصدو البقاع الطاهرة في السكة الحجازية أن يحملوا معهم ما تسمح به نفوسهم من الخبز والأدم يوزعونه في المحطات عَلَى هؤلاء المجاويع المدقعين وذلك ريثما تصح عزيمة ولاة الأمر عَلَى تهيئة أسباب المعاش لهم. ليس من الرأي السديد أن يعلم شعب أو أكثره عَلَى الشحاذة بل أن يعود العمل والاعتماد عَلَى النفس ولكن أرضاً لم تشفق عليها سماؤها حرية بأن يكون لأبنائها عناية من حكومتها فإن معظم ما نسمع به من الغزوات والغارات منبعث عن جوع مذيب والجوع كافر. فيساق الغازون إلى الموت أو ينالون ما يتبلغون به لسد رمقهم. وكل من قطع الطريق من مكة فالمدينة فدمشق يحدثك من فقر عرب تلك الأنحاء ما هو العجيب العجاب أو من الغريب أن الحكومة العثمانية لم تفكر حتى اليوم في إحداث موارد للرزق يعيش عليها عرب الحرمين وغيرهم ممن أرمضت نفوسهم القلة. وإذا كان بعض قبائل الحرمين يعيشون بأجور الجمال بإكرائها في موسم الحج للحجاج بين جدة ومكة وبين هذه والمدينة تعذر تمديد الخط الحجازي من المدينة إلى مكة الآن أو تفتح الحكومة موارد جديدة يعيش منها عشرات الألوف من أهل البادية تعيضهم عن العيش من كري جمالهم في الجملة وما يتصوره بعض عمال الدولة ممن قضوا سنين في نجد والحجاز من أن العرب لا يتحضرون إلا إذا أهلكت جمالهم برمتها فيضطرون إلى السكنى ويكفون عن الغزو فهو كلام لم يراع به قائله حالة العمران والمكان وكيف يتخلى الأعراب عن تربية الأنعام وهي تدر عليهم رزقاً يسدون به حاجاتهم يستثمرون ألبانها وصوفها وشحمها وجلدها وعظامها ويبيعون حوارها وما يكبر من نياقها وجمالها. ومصر وحدها تبتاع من جمال الجزيرة العربية كل سنة ما لا يقل عن مئة ألف ليرة. في الحجاز منافع كثيرة غفلت عنها الحكومة فلم تعرف حتى الآن غير إرهاف الحد وعندي إنها لو استعاضت مثلاً عن بناء اثنتي عشرة ثكنة من العلا إلى المدينة التي صرفت عليها ١٨٤ ألف ليرة ببعض حقول تنشئها لأعراب تلك الأنحاء وطرق للكسب توجدها لهم ومدارس ساذجة تعلم فيها بنيهم وبناتهم موجزات تنفعهم في دينهم ودنياهم لأحسن صنعاً. ولا يستهان بعدد السكان هنا فإن جهينة وبلي والحويطات لا تقل عن سبعين ألف رجل وأكبر قبائل المدينة حرب وهي خمسون ألفاً ففي الوجهة وينبع والعلا والعقبة من أعمال المدينة مائتا ألف محارب كما قدر بعض العارفين وفي قضاء السوارقية عرب مطير وهتيم. وهتيم بقد مطير في العدد والمدد. وحدود المدينة تمتد إلى الفرع من جهة مكة وسكانها بادية كلهم وفيها قرى واسعة وقرى جوار المدينة اثنتا عشرة قرية. والفرع لا تحكمها مكة ولا المدينة وقوتهم كلهم الأرز الهندي والدقيق والتمر واللبن والأقط وأقل العرب واشرهم في أطراف هتيم ومطير. ومع كل ما في هذا القطر من الفقر تصدر منه بعض الحاصلات كالجلد والصمغ والتمر والأغنام والجمال والخيل والصوف والسمن ولو مد الخط الحجازي إلى مكة فالبحر الأحمر ومن مكة إلى صنعاء اليمن لتضاعفت صادرات الحجاز واليمن والشام ووارداتها وأمكن الناس ولاسيما الحجاج الخلاص من عاديات البدو بين الحرمين وزاد عدد الحاجين كل سنة ثلاثة أو أربعة أضعاف عددهم الآن. نقول عرب الحرمين هم كالسائمة أشرار منذ القديم عَلَى ما أنبأنا التاريخ ظلوا عَلَى جاهليتهم الأولى لم يلطف الإسلام من شرتهم إلا قليلاً فهم يحاولون بكل ممكن أن يحولوا دون تمديد الخط أو تجعل لهم مرتبات سنوية يتقاضونها ويأمنون تقاضيها عَلَى الدهر وهي لا تقل مسانهة عن ربع مليون جنيه والعقل يعذرهم فيما لا يأتون لأن من يدافع عن رزقه يعذر والحكومة وهي الوصية الطبيعية عَلَى الضعفاء حتى يقووا مضطرة بحكم الشرائع أن تنظر في حياة أبنائها لا وأن تهلكهم جوعاً وعرياً وتعفي فقيرهم وغنيهم كما هي الآن من الجندية ودفع شيءٍ من الضرائب ولو كانت تأخذ من الموسرين لتفضل عَلَى المعسرين لحمدت خطتها أكثر. يعيش كثير من سكان المدينة ومكة من الصدقات والأوقاف ورواتب الحكومة وربما غالى بعضهم في هذا الاتكال ولكن كيف السبيل وتجارة بلادهم ضعيفة لا تروج إلا أياماً مخصوصة من السنة في موسم الحج وتكاد زراعتهم تنحصر في بعض البساتين الضئيل ريعها التي تروى من مياه الآبار بالدلاء ثم أن العلوم التي تبعث الهمم عَلَى الأعمال الاقتصادية مفقودة في بلادهم لندرة من يعرفها منهم وبلادهم لا يدخلها إلا المسلمون وربما كان فيمن يزورونها طبقات راقية ولاسيما الهنود والمصريون ولكنهم لا يطيلون مقامهم إلا بقدر ما يزورون أو يجيء الراقون منهم ولا عمل لهم إلا التجرد عن الدنيا لا يخالطون ولا يعاشرون. لا جرم أن سكة الحجاز قد نفعت سكان يثرب كمما نفعت سكان دمشق لأن الزوار كثر عددهم عَلَى طوال السنة والتجارة دب فيها روح جديدة في الجملة والاختلاط بالأمم نبه أفكار سكان طيبة الأصليين إلى قصورهم في ميدان العلم والتعلم. نقول السكان الأصليون وعددهم لا يكاد يبلغ ثمن السكان والباقون شاميون ومصريون ونجديون وعراقيون وتركيون وجاويون ويمانيون وزنجباريون وسودانيون وجزائريون وتونسيون ومراكشيون وسنغاليون وصينيون وهنديون وقفقاسيون وطاغستانيون وجراكسة وأكراد وكرجيون وغيرانيون وأفغانيون وبخايون وبلوجستانيون وغيرهم من شعوب الإسلام يأتون هذه البلدة الطيبة ينقطعون فيها للعبادة في مسجد خاتم النبيين صلى الله عليه وعلى آله وسلم. للمسلمين معرضان دينيان مهمان أحدهما وهو الأكبر في جبل عرفات كل سنة مرة والآخر مسجدي مكة ويثرب طول السنة ولذلمك تسمع فيها كل اللغات في آسيا وأفريقية وترى فيها كل السحنات من أبيض وأحمر وأصفر وأسود ممن تفرع من الجنسين الآري والسامي ولذلك نجد المدينة المنورة أقرب إلى أن تكون برج بابل لاختلاط اللغات والسحنات والعادات منها إلى أن تكون عربية وهي بلد النبي العربي وفي صميم بلاد العرب. والمدينة بطبيعتها تشبه إحدى مدن الأرياف في مصر لأن نحو ربع سكانها مصريون صعايدة ونصف الربع مغاربة والباقون مجنسون عَلَى ما يخمن المخمنون لا عَلَى ما يحصي العادون لأن البلاد العثمانية كلها ليس فيها إحصاء يعتمد عليه بل كثير من أصقاعها ليس له إحصاءٌ بالمرة كالحجاز مثلاً. كنت أؤمل أن أرى عناية الحكومة بالمدينة وهي مهبط أرواح المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أكثر من عنايتها الآن إذا صحة إثبات شيءٍ من العناية لها هنا ومن الأسف أنها لا تقدر هذا الامتياز المعنوي العظيم الذي تتمتع به دولة الخلافة العظمى صاحبة الحرمين الشريفين ولو قدرته حقيقة لذلت كل ما عز وهان في سبيل عمران البلدين الطيبين ولما استطاعت نظارة الأوقاف فيما بلغنا أن تلتهم أوقاف الحرمين عَلَى كثرتها وهي لا تقل عن ١٧ ألف ليرة في الشهر لا يصرف منها عَلَى الحرم النبوي كل سنة أكثر من خمسة آلاف ليرة لأن الأئمة والخطباء والمؤذنين ليس لهم من الرواتب ما يكفيهم فقد تجد الواحد يتناول راتباً قدره ريالان ونصف في الشهر! وليس معنى هذا أن تصرف كل هذه الأوقاف رواتب للأئمة والخطباء والمطوفين والمزورين والناظرين والمؤذنين بل يصرف قسم منها عَلَى عشرات منهم تكفيهم ذل الطلب ويصرف الباقي في مرافق الحرمين الشريفين ثم عَلَى تزيين البلدين وفتح الشوارع والجادات فيها وجلب المياه وتوزيعها في مناهل وغرس الحدائق وإنشاء المتنزهات والساحات فمن أعظم ما شهدناه أن لا يكون في طيبة سوى شجيرات مع أنه كان عَلَى الحكومة لو غرست كل سنة عشرين شجرة أن يصبح لديها منها ألوف تحسن الهواء ويكون منها مورد يصرف في مرافق المدينة وكل حكومة تريد العمران لا يصعب عليها تحقيقه مهما حاربها الجو وما طبيعة هواء المدينة بأصعب من طبيعة عدن ومع هذا أصبحت عدن بحكومتها جنة عدن بعد أن كانت جحيماً تعوذ من نزولها كل سائح منذ عرف التاريخ. تقول العمران: وما أحرانا أن نقول الأمن والأمان أولاً لأنه هو أول ما تطالب به الحكومة فقد شهدنا الحامية وافرة جداً في المدينة بالنسبة لسائر المدن العثمانية ومع هذا ترى اللصوص وقطاع الطريق يسلبون وربما يقتلون كل من يصادفونه خارج السور ليلاً وأحياناً نهاراً. ولقد كنت نازلاً في الفندق الوحيد الكبير الذي بناه أحد الوطنيين خارج سور بالحجر السود طبقات كلف نحو عشرين ألف ليرة وهو عَلَى قيد غلوة من سور البلدة أقضي عند بعض الأحباب إلى أول الهزيع الثاني من الليل ومع أن الحكومة الاتحادية كانت أصحبتني بدون طلب مني شرطيين يراقبان أعمالي إرساباً لي فإن أصحابي كانوا يتكفلون إيصال ي إلى النزل كل ليلة خوفاً من اللصوص أما أنا فكنت أعد الخطب سهلاً مع قطاع السابلة أكثر من الخطب بأولئك اللصوص الطغام في صور حكام ومن يكتفي بالمال والمتاع ويعفو عن قطع الأعناق لا يسوءك بقدر من يسرق ويقتل. القتل أنواع ومنه القتل المعنوي الذي ارتكبته عصابات الهول والإرهاب وبلغت بها أنقحة في استعماله حتى في البلد الطاهر في حين من دخله كان آمناً. نعم إنني لا أعجب لتراخي الحكومة هناك في تقرير الأمن في نصابه فإن احتلال أسباب الراحة قضت عَلَى صاحب كل عربة نقل للحجارة يدفع خوة أو باجاً للصوص الأعراب الذين يستوفون خوة أيضاً من بساتين المدينة ما خلا بساتين كبار الأشراف. وهذه المساءل المحسوسة لا يجرأ أحد من أهل المدينة أن يكتبها في الصحف أو يرفعا إلى المقامات العليا لأن طواغيت الحكومة هناك هم لا يعدمون أنصاراً من الأهلين المنافقين يرهقون الكاتب ويختلقون عليه الزور للإيقاع به إذا شُهروا. ومن أغرب ما تحققت أن الحكومة قلما ترسل محافظاً للمدينة ممن ترضي سجاياهم في الجملة بل أن معظمهم عَلَى شاكلة بصري وعثمان: شدة في غير موضعها وعدم معرفة بالأمور الإدارية وأشياء ليس هذا محل سرودها. تأملت كثيراً في مسجد الرسول أثناء الصلوات وغيرها فما رأيت خشوعاً من جميع من يختلفون إلى الحضرة النبوية الشريفة ولاسيما من غير الناطقين بالعربية فقلت في نفسي - وقد سمعت خطبة الجمعة وهي لا تخرج عن حد التزهيد في العمل والإعراض عن الدنيا كسائر خطب الجوامع في بلاد الإسلام خلافاً لما كانت عليه سنة السلف الصالح ولكن لبس الإسلام لبس الفرو مقلوباً كما قال علي كرم الله وجهه فوارحمتاه لغربة الإسلام ـ هو أدار هذه القوة المعنوية رجال دين سليم وعقل راجح لكانت فوائد هذا الاجتماع من حيث الدين والمدنية أضعاف أضعاف فوائده اليوم فكما أرسل عليه الصلاة والسلام شعاعاً من نور حكمته قلب به العالم وغير بشريعته الطاهرة نظام الأمم هكذا يحمل دعاة دينه والمؤتمنون عَلَى تراثه سياسة المهتدين بهديه ما تستنير به العقول في هذا المجمع الجامع ويعم ضياؤه سكان الخافقين وهذا من القوى المهمة التي أضعفناها وكم ضاعت في بلادنا مواهب وقوى. لم أشهد في المدينة عناية بأمور النظافة والإسلام جعلها من أولى الفروض فإن في المدينة عشرات من التكايا والزوايا منها نحو ٢٥ تكية للبنود فقط كلها تحتاج لإشراف رجال الصحة وكذلك الحال في المستشفيات. أما المدارس والكتاتيب فهي تشبه بضعفها سائر فروع الأعمال واللغة العربية لا تكاد تجد لها من العناية في المدارس الأميرية نصف ما لها في مدارس لبنان الأهلية! فكأننا أبت الأقدار إلا أن نكون حتى في بلادنا غرباء. ويكفي أن يقال من جملة التمثيل في هذا الباب أن الورق الروسي والروبيات الإنكليزية معمول بها في المدينة أكثر من النقود العثمانية. وأهم خزائن الكتب في المدينة خزانتان مكتبة السلطان محمود العثماني ومخطوطاتها ومطبوعاتها تافهة لا شأن لها وأكثرها من المشهور ونظامها وسط. وأحسنها وربما كانت خير مكتبة في البلاد العثمانية كلها بنظامها وانتقاء أمهاتها في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت أفندي ففيها نحو عشرة آلاف مجلد كتبت بخطوط المشهورين من الخطاطين كأن تجد الكتاب ذا العشرين جلداً مكتوب بخط مشرق بديع في مجلد أو مجلدين وفي هذه المكتبة من التسهيل من المطالعين والعناية براحتهم ما لا تكاد تجد مثله في دار الكتب الخديوية بمصر لعهدنا وما ذلك إلا لكثرة ريعها وإنفاقه في سبله واختياره القيمين عليها وإدرار المشاهرات الكافية عليهم. وبعد فإن مسجد الرسول عَلَى كثرة عناية ملوك الإسلام بأمره في كل دولة وحكومة ليس من السعة وجودة البنيان بأكثر من جامع السلطان أحمد أو آيا صوفية من جوامع الآستانة وإن كان يشبههما في طراز بنائهما فهو أقل سعة من جامع الأزهر بالقاهرة والجامع الأموي بدمشق كان هذا المسجد الشريف والمسلمون قليل عددهم لا يتجاوزون عشرات الألوف ثم كبره بعض الملوك بحسب ما اقتضت الحال ولو نظرنا اليوم إلى عدد المسلمين وهم لا يقلون عن ٢٥٠ مليوناً وعددنا من يحج ويزور منهم كل سنة لأقضى لا أن نجعل سعة الحرم المدني أربعة أضعاف ما هو الآن عَلَى الأقل ونزينه بجميع أسباب المدنية الحديثة التي لا يحرمها الشرع ولا تنم عن إسراف. قال ابن قتيبة في المعارف: روى إبراهيم بن صالح عن سعد بن كسيان عن نافع أن عبد الله بن علي أخبره أن المسجد يعني مسجد المدينة كان عَلَى عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم مبنياً بلبن وسقفه الجريد وعمدوه خشب النخل فلم يزد فيه أبو بكر شيئاً وزاد فيه عمر ثم غيره عثمان فزاد فيه زيادة كثيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة وبالفضة وجعل عمده من حجارة منقوشة وسقفه بالساج ووسعه المهدي سنة ستين ومائة وزاد فيه المأمون زيادة كثيرة ووسعه والمؤذنون فيه من ولد سعد القرظ مولي عمار بن ياسر وقرأت عَلَى موضع زيارة المأمون أمر عبد الله عبد الله بعمارة مسجد رسول الله سنة اثنتين ومائتينيطلب ثواب الله وطلب جزاء الله وطلب كرامة الله فإن عنده ثواب الدنيا والآخرة وكان الله سميعاً بصيراً أمر عبد الله عبد الله بتقوى الله ومراقبته وبصلة الرحم والعمل بكتاب الله وسنة رسوله صلى الله عيه وسلم وتعظين ما صغر الجبابرة من حقوق الله وإحياء من أماتوا من العدل وتصغير ما عظموا من العدوان والجور وأن يطاع الله ويطاع من أطاع الله ويعصى من عصى الله فإن لا طاعة لمخلق في معصية الله والتسوية بينهم في فيئهم ووضع الأخماس مواضعها. معجم ما استعجم المؤلفات كالأشخاص منها ما يخادنه السعد فيشتهر وتتداوله الأيدي الجيل وبع الجيل والقرن بعد الآخر ومنها ما ينسى ولا يظهر ومنها ما بينَ بين. وكتاب معجم ما استعجم لأبي عبيد عبد الله بن عبد العزيز بن أبي مصعب البكري الوزير هو من الطكتب التي عزت قبل الطباعة وبعدها لقلة ما استنسخ منها فيلا عصر مؤلفها وبعده في الغالب حتى أن ياقوتاً الرومي في معجم البلدان قال أن لأبي عبيد كتاب المسالك والممالك (ولعله مطبوع) وكتاب معجم ما استعجم من أسماء البقاع ولم أره بعد البحث عنه والتطلب له. ولكن ما عز عَلَى المتقدم تهيأ للمتأخر فإن إبراهيم الجنيني من أهل دمشق أكمل نسخ هذا الكتاب الممتع سنة ١١٠٠ في دمشق وكان أكمل الجزء الثاني سنة ١٠٩٥ إذ لم يجد الأول ثم بلغه أن في مكة منه عند الشيخ حسن بن العجيمي وبعد ثلاث سنين أرسل له هذا أنه جءا مع رجل نسخة من مصر فنسخها وبعثها لصاحبه الدمشقي فأكمل نسخته وهذه النسخة بعينها هي التي نقلت من جملة ألوف كتب العلم في دمشق عاصمة الشام وعمرت بها مكاتب ألمانيا منذ منتصف القرن الماضي إذ كان القوم هنا لا يحرصون عَلَى غير الدينيات واللسانيات من الأسفار. ولقد قيض الله لنشر هذا المصنف البديع عالماً من علماء المشرقيات من الألمان الأستاذ وستنفليد شيخ اللغة العربية في عصره المتوفى سنة ١٨٩٩ فنشره كما نشر معجم البلدان لياقوت ونشر نحو مائتي كتاب من كتب المسلمين في التاريخ والجغرافيا والنسب وغيرها مثل طبقات الحفاظ للذهبي والاشتقاق لابن دريد وسيرة ابن هشام والأنساب للسمعاني والمشترك وضعاً والمختلف صقعاً لياقوت وعجائب المخلوقات وآثار البلاد للقزويني ووفيات الأعيان لابن خلكان فاستحق شكر الأمة العربية بل الآداب العربية كما استحق ذلك الأستاذ دي كوي الهولاندي الذي طبع ثمانية تآليف في الجغرافيا لأئمة هذا الشأن من الأقدمين وسماها المكتبة الجغرافية العربية. وأبو عبيد البكري هم كما قال ابن مكتوم عبد الله بن عبد العزيز محمد البكري من أهل شلطيش سكن قرطبة يكنى أبا عبيد روى عن أبي مروان بن حيان أبي بكر المصحفي وأبي العباس العذري سمع منه بالمرية وأجاز له عمر بن عبد البر الحافظ وكان غيرهم من أهل اللغة والآداب الواسعة والمعرفة بمعاني الشعر والغريب والأنساب والأخبار متقناً لما قيده ضابطاً لما كتبه جميل الكتب مهتم بما يمسكها في ثياب الشرب إكراماً لها وصيانة وجمع كتاباً في أعلام نبوة نبينا عليه الصلاة والسلام أخذه الناس إلى غير ذلك من تواليفه وتوفي رحمه الله في شوال سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وترجمة الفتح ابن خاقان في قلائد العقبان بما صورته: عالم الأوان وقدره ومصنف البيان ومشنفه بتواليف كأنها الخرائد وتصانيف أبهى من القلائد حلى بها من الزمان عاطلاً وأرسل بها غمام الإحسان هاطلاً ووضعها في فنون مختلفة وأنواع وأقطعها ما شاء من إتقان وإبداع أما الأدب فهو كان منتهاه ومطحل سهاه وقطب مداره وفلك تمامه وإبداره وكان كل ملك من ملوك الأندلس يتهاداه تهادي المقل للكرى والآذان للبشرى عَلَى هناة كانت فيه فإنه رحمه الله مباكر للراح ولا يصحو من خمارها ولا يمحو رسم إدمانه من مضمارها ولا يريح إلا عَلَى تعاطيها ولا يستريح إلا إلى معاطيها قد اتخذ إدمانها هجيره ونبذ من الأقلاع نبذ عاصم بن الأيمن مجيره فلما حال انقراض شعبان وانصرامه كانت فيه مستبشعة الذكر مستنشعة النكر تمجها الأوهام والخواطر ويثبتها السماع المتواتر. وقد أثبت ما يشهد لك بتقدمه ويريك منتهى قدمه رايته وأنا غلام ما أقمر هلالي ولا نبع في الذكاء كوثري ولا زلالي في مجلس ابن منظور وهو في هيئة كأنما كسيت بالبهاء والنور وله سبلة يروق العيون إيماضها ويغرق السواد بياضها وقد بلغ سن ابن ملحم وهو يتكلم فيفوق كل متكلم فجرى ذكر ابن مقلة وخطه وأفيض في رفعه وحطه فقال: خط ابن مقلة من أرعاه مقلته ودت جوارحه وأصبحت مقلاً فالدر يصفر لاستحسانه حسداً والورد يحمر من إبداعه خجلاً وله فصل من كتاب راجع به الفقيد الأستاذ أبا الحسن بن دريد رحمهما الله: وتالله إني لا أطعم جنى محاورتك فيقف في اللهاة وأجد لتخيل مجالستك ما يجده الغريق للنجاة وأعتقد في مجاورتك ما يعتقده الجبان في الحياة. متى تخطئ الأيام في بأن أرى بغيضاً يناءي أو حياً يقرب ورأيت رغبتك في الكتاب الذي لم تحرر ولم يتهذب وكيف التفرغ لقضاء إرب والنشاط قد ولى وذهب فما أجده إلا كما قيل: نزراً كما استكرهت عائر نفحة من فارة المسلك التي لم تفتق وإن يعن الله عَلَى المراد فيك والله يستفاد وبرغبتك أخرجه من الوجود إلى العدم وإليك يصل أدنى ظلم بحول الله. وله فضل من رقعة يهنئ بها الوزير الأجل أبا بكر بن زيدون بالوزارة: أسعد الله بوزارة سيدي الدنيا والدين وأجرى لها الطير الميامين ووصل بها التأييد والتمكين والحمد لله عَلَى أمل بلغه وجدل قد سوغه وضمان حققه ورجاء صدقه وله المنة في ظلام كان أعزه صحبه ومستبهم غداً شرحه وعطل نجر كان حليه وضلال دهر صار هديه. فقد عمر الله الوزارة باسمه ورد إليها أهلها بعد إقصاد هذا هو المؤلف أما تأليفه فقد جعل عَلَى حروف المعجم ولكن عَلَى طريقة الغاربة أو الطريقة الإفريقية لا طريقة المشارقة فبدأ: اب ت ث ج ح خ د ز ط ظ ك ل م ن ص ض ع غ ف ق س ش هـ وي. وحقق فيه أسماء البقاع والبلاد والمياه والجبال والبحيرات في بلاد العرب من الحجاز وتهامة واليمن والشام والعراق ونجد والموصل. وغريب والحال حال مؤلفي الغرب: أندلسي يعني ببلاد المشرق يجيد ولا إجادة المشارق أنفسهم. وهذا الكتاب ضروري كما يقول دوزي المستشرق الهولاندي لمن يدرسون التاريخ القديم والجغرافيا وشعراء الأقدمين والحديث فيذكر المؤلف رسم البلد أو البقعة ويعين مكانها ويستشهد بكثير من الأشعار التي وردت فيها ذكر هذه البلدة. قال المؤلف هذا كتاب معجم ما استعجم ذكر فيه جملة ما ورد من الحديث والأخبار والتورايخ والأسفار من المنازل والديار والقرى والأمصار والجبال والآثار والمياه والآبار والدارات والحرار منسوبة محددة. وقد أفاض في المقدمة في الكلام عَلَى جزيرة العرب وحدودها وقبائلها وما إلى ذلك من الفوائد الجغرافية فاستغرق نحو ٥٥ صفحة من هذه الطبعة التي طبعت في غوتنغن في (ألمانيا) سنة ١٨٧٦ عَلَى الحجر والغالب أنها بخط ناشره الأستاذ وستنفيلد أجزل الله ثوابه. وإليك مثالاً من وصفه خراسان: خراسان بلاد معروف قال الجرجاني معنى خركل أو أسان معناه سها أي كل بلا تعب وقال غيره معنى خراسان بالفارسية مطلع الشمس والعرب إذا ذكرت مطلع المشرق كله قالوا فارس فخراسان من فارس وعلى هذا تأويل حديث النبي صلى الله عليه وسلم لو كان الإيمان بالثريا لناله رجال من أهل فارس إنه عنى أهل خراسان لأنك إن طلبت مصداق هذا الحديث في فارس لم تجده أولاً ولا آخراً وتجد هذه الصفة نفسها في أهل خراسان دخل الإسلام رغبة ومنهم العلماء والنبلاء والمحدثون والمتعبدون وأنت إذا أجملت المحدثين في كل بلد في كل بلد وجدت نصفهم من خراسان وجل رجالات الدولة من خراسان البرامكة والقخاطبة وطاهر وبنوه وعلي بن هاشم وغيرهم وأما أهل فارس فكانوا كنار خمدت لم يبق لهم بقية ولا شريف يعرف إلا ابن المقفع وابنا سهل الفضل والحسن. ومما قاله في رسم ضرية وحليت (ص ٦٣٧ ) جبل أسود في أرض الضباب بعيد ما بيبن الطرفين كثير معادن التبر وكان به معدن يدعى النجادي كان لرجل من ولد سعد بن أبي وقاص يقال له نجاد بن موسى به سمي ولم يعلم بالأرض معدن أكثر منه نيلاً لقد أثاروه والذهب غال بالآفاق كلها فأرخصوا الذهب بالعراق والحجاز ثم أنه تغير وقل نيله وقد عمله بنو نجاد دهراًَ قوم بعد قوم. . ومن فوائده أيضاً قوله فيما يؤنث من البلاد ويذكر قال: الغالب عَلَى أسماء البلاد التأنيث والمؤنث منها عَلَى أحد أمرين إما أن تكون في علامة فاصلة بينه وبين المذكر كقولك مكة والجزيرة وإما أن يكون اسم المدينة مسغنياً بقيام معنى التأنيث فيه عن العلامة كقولك حمص وفيد وحلب ودمشق وكل اسم فيه ألف ونون زائدان فهما مذكر بمنزلة الشام والعراق نحو جرجرا وحلوان وحوران وأصفهان وهمذان أشد الفراء: فلما بدا حوران والآدل دونه نظرت فلم تنظر بعينيك منظراً وانشد أيضاً عن الكسائي: سقيا لحلوان ذو الكروم وما صنف من تينه ومن عنبه هكذا رواه صنف بضم الصاد ورواه يعقوب صنف بفتحها يقال صنف التمر إذا أدرك بعضه ولم يدرك بعض فإن رأيت شيئاً من ذلك مؤنثاً فإنما يذهب فيه إلى معنى المدينة والأغلب عَلَى فيد التأنيث وكذلك بعلبك وقد تقدم ذكر ذلك في رسومها وقال أبو هفان هي مبني وهو مبني وأنشد اللوجي: سقى منى ثم رواه وساكنه وما ثوى فيه واهي الودق مُنبعق وقال الفراء الغالب عَلَى منى التذكير والإجراء والغالب عَلَى فارس التأنيث وترك الإجراء قال الشاعر: لقد علمت أبناء فارس أنني عَلَى عربيات النساء غيور وهجر الغالب عليه التذكير وربما أنثوها وقد أنشدنا شعر الفرزدق في تأنيثها وسجع العرب قال الفراء إنما أجرت العرب هنداً ودعداً وجعلاً وهي مؤنثات ولم يجروا حمص وفيد وتوز وهي مؤنثات عَلَى ثلاثة أحرف لأنهم يرددون اسم المرأة عَلَى غيرها ولا يرددون اسم المدينة عَلَى غيرها فلم تردد لم تكثر في الكلام لزمها الثقل ونرك الإجراء وقال أبو حاتم حجر اليمامة يذكر ويؤنث قال وفلج مذكر عَلَى كل حال وعمان الغالب عليها التأنيث وقباء وأضاخ فيذكران ويؤنثان وبدر مذكر قال الله عز وجل ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة وحنين مذر لأنهما اسمان للماء قال الله تعالى ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم وربما أنثته العرب لأنه اسم للبقع قال حسان: نصروا بنيهم وشدوا أزره بحنين يوم تواكل الأبطال والحجاز واليمن والشام والعراق ذكران ومصر مؤنثة قال الله تعالى ملك مصر وقال تعالى ادخلوا مصر وقال عامر بن وائلة الكناني لمعاوية أما عمرو بن العاص فانطفته مصر وأما قول الله عز وجل اهبطوا مصراً فإنه أراد مصراً من الأمصار وقرأ سليمان الأعمش اهبطوا مصر وقال هي مصر التي عليها سليمان بن علي فلم يجرها. ودابق يذكر ويؤنث من ذكر قال هواسم للنهر ومن أنت قال هواسم للمدينة قال الشاعر في الإجراء: بدابق وابن مني دابق وأنشد الفراء في تلك الأجزاء: لقد ضاع قوم قلدوك أمورهم بدابق إذ قيل العدو قريب ونجد مذكر قال الشاعر: قال تدعى نجداً دعه من به وأن تسكني نجداً فيا حبذ نجدا وبغداد تذكر وتؤنث وقد مضى القول في ذلك وذكرنا كم من لغة فيها وصفون وقنسرون وماردون والسليحون. وكذلك نصيبون وفلسطون وقد مضى القول في أعرابها وجرت الغالب عليه التذكير والإجراء وربما أنثوه وقد مضى الشاهد عَلَى ذلك وأجاز الفراء أن تقول هذا حراء بالإجراء تقول هذه ثم تذهب إلى الجبل كما تقول ألف درهم والكلام هذا ألف درهم وثبير مذكر وكانوا يقولون أشرق ثبير كيما تغير وكبكب معرفة مؤنث لا تجري وهو اسم للجبل ما حوله وقد تقدم إنشاد بيت الأعشى فيه اهـ. هذه نموذجات من الكتاب وهو جعبة فوائد للمتأدبين والعالمين وقد وقي في زهاء ٨٥٠ صفحة وأضاف إليه ناشره فهراساً عاماً بأعلامه عَلَى عادة علماء المشرقيات في أسفارنا التي يحيونها بالطبع في بلادهم. مصير ومسير كل فرد لغاية هو غاد لا يرى غيرها طريق السداد باذلاً جهده وراء الأماني حثيثاً يسعى لها في الجهاد غير أن الغايات مختلفات فهي بين الإصلاح والفساد والذي ينظر في الدن يا بعيني بصيرة واتنتقاد لا يرى غير طامع بجمع الما ل ويغنى وطامع بازدياد فكأن الإنسان ما جاء إلا لمعاش ما بين ماءٍ وزادِ قل لمن يجهل الحياة تفكر في مصير الاباء والأجداد كيف كانوا واين صاروا واين الرسل وأين القرون من قبل عاد أينَ أين المكلوك وأين الرعايا أين أين القواد والأجناد أين أين البناة أين الباني أين من شيدوا كذات العماد أين إسكندجر واين هرقل اين نمرود اين ذو الأوتاد اين قارون اين فرعون موسى اين كسرى وقيصر ذو الآد اين من كتبوا الكتاب للحر ب وصالوا بالمرهفات الحداد اين من كانوا يحرضصون عَلَى الما ل ومن كان كعبة القصاد هذه ذورتهم تجيبك عنهم لو يجيب الجماد صوت المنادي! صرتهم كأس المنون لما يستفيقوا حتى أوان التنادي وغدوا يحملون من بعد عرش الملك في موكب عَلَى الأعواد وجفاهم إخوانهم وبنوهم وجميع الحجاب والقواد واستقروا في ضيق اللحد يا سعد مقر السيوف في الأغماد ووضعوا بالتراب بعد فراش من حديد مؤثر ووساد جمعتهم دار المنون جميعاً وهم من قبائل وبلاد فغدا الضد يألف الضد طوعاً وغريب تآلف الأضداد ومليك الزمان منهم له الدو د نديم بعد الحسان الخراد كل هذا وأنت تطغى وتغتر بدنيا مصيرها للنفاد! أنت في كل حالة حيث صاروا صائر خلفهم بلا استعداد سعد أن الإنسان أصلحه الله ظلوم من ساعة الميلاد ذو نفاق وذو جداع وذو مكر وذو شرة وذو استبداد أيها المرء أنت اشرف مخلو ق عَلَى الأرض ذو حجى وقاد أيها المرء أنت أحسن خلق الله خلقاً وأحسن الإحاد لم يكن خلقك الذي جئت فيه عبثاً كالوحوش أو الجماد بل لأمر بل أمور كثار أنت عنهن غافل في رقاد طاعة الله رأسها فوق رب النا س رب الفناء رب العباد مرسل الريح منشئ السب داحي ال أرض بل رافع الطباق الشداد واحد ما له بكل شريك جل عن والد وعن أولاد قربته الظنون من كل شيء نزهته العقول عن الأنداد إنما الفضل لو علمت هو العلم وبذل الندى وبيض الأيادي والنهي والإباء مع شمم الأنف وغوث اللهيف بالأنجاد طلب المجد عزة النفس حسن الذكر نيل الفخار طول النجاد سعة الخلق عفة الجيب نفع ال ناس طرداً من حاضر أو باد سيرة العدل لهجة الصدق حفظ ال عهد حفظ الذمام صدق الوداد أيها الغافل انتبه من رقاد إن ذاك العصر ليس عصر الرقاد إن ذا العصر عصر رب المساعي إن ذا العصر عصر واري الزناد إن ذا العصر عصر جذب ودفع عصر نيل العلا بطول السهاد إن ذا العصر عصر نور وهدى عصر علم الحجى والسداد عصر سبق ومفخر ورقي عصر سير البخار والمنطاد ليت شعري متى تلين القلوب من اناس قست كصم الصلات فيؤاسي الغني منهم أخا الفقير ويضحي الشحيح سمج الأيادي ويعيش الفتى بأرغد عيش لا يرى عيشه خسة ونكاد وتمر الأيام طراً عَلَى النا س يعدونها من الأعياد ويصير الغني منهم نبيهاً عارفاً بالإصدار والإيراد ويعودون من قد دعي لأذاة حين يدعو كنافخ في الرماد ثم تغدو ترعي مع الذئاب شاء وظباء النقا مع الأسياد لست ادري وليتني كنت أدري أي يوم تزول فيه العواري أي يوم يموت فيه غواة! قد تمادوا في ألغي أي تماد كم أضلوا عن الهدى واستبدوا بالديانات أي استبداد! كلما قلم مصلح ثم يدعو هم إليه رموه بالإلحاد فمتى يا ترى يبدد شمل ذو اجتمع من عصبة الأوغاد ومتى تسترد بغداد مجداً سالفاً لهفتي عَلَى بغداد! يوم كانت في عصر ههرون تزهو مثل زهور الربيع بالأوراد وتمر المياه منها فتستقي جنة بعد جنة في الوهاد وتشد الرحال من كل فج لحمى ربعها ومن كل واد كل ركب قد سار يقفوه ركب أمها من شواسع الأبعاد فهي ملتقى الآمال نجح الأماني منجع الناس منهل الوراد يا سواد العراق (بيضك) الجد ب فصرت البياض وسط السواد! يا سواد العراق فيك كنوز يعلم الله ما لها من تفاد يا سواد العراق أمجلك القو م وقد كنت روضة المرتاد يا سواد العراق ابنك ذا اليو م من الضغط في ثياب حداد! يا سواد العراق تبكيك عين ال شعر ذا اليوم عن سواد المداد! يا سواد العراق شلت يمين ذات إثم دلت عليك الأعادي ليتني كنت في الزمان إماماً شيمتي شيمة الكريم الجواد وهماماً تهخشى لقاه كماة ال حرب في يوم معرك وجلاد فأذيق الطغاة طعم المنايا وأكبد البغاة أهل العناد وأبيد الخمول والجهل والظلم وجيش النفاق من بغداد وأرى القتل والشهادة في دع وا غاي المنى وكل مراد حبذا الموت في سبيل المعالي والمنايا في خدمتى لبلادي إن خير القريض ما كان منه يطرب السامعين بالإنشاد والذي نظمه يقص عَلَى القا رئ وعظاً يذيب صم الجمال فهو طوراً ما بين أمر ونهي وطوراً بين حاد وهاد وهو حيناً بين المآتم ناعٍ وأوانا بين العرائس شاد خالي الذكر من أحاديث لبنى وسليمى وزينب وسعاد سلس اللفظ والعبارة جزل معجز باهر كشعر زياد إن هذا يا سعد غاية سؤلي إن هذا يا سعد جل اعتقادي هو مقصودي الذي طول عمري أتمناه من صميم فؤاد إن أكن مخطئاً فأنا ابن أنثى أو مصيباً فمن صحيح اجتهاد بغداد كاظم الدجيلي مطبوعات ومخطوطات إلى القارئ الكريم بعض ما عثرنا عليه من المخطوطات النادرة في دار كتب شيخ الإسلام عارف حكمت بيك في المدينة المنورة التي ورد ذكرها في مكان آخر من هذا الجزء مما هو جدير بالإحياء ولم يطبع فيما نعلم. الزبد والضرب في تاريخ حلب لشيخ الإسلام رضي الدين محمد بن إبراهيم الحنبلي الحلبي في المجموع نمرة ٥٩ وهو المجموع الثالث وقع في ١٤ ورقة وهو مختصر لكتاب زبدة الحلب من تاريخ حلب لابن جرادة المقلي الحلبي انتزعه من تاريخه الكبير للشهباء المرتب عَلَى الحروف والأسماء وضمنه ما وصل إليه ووقع عليه من ذكر أمراء حلب وولاتها وملوكها ورعاتها وبعض من عثر عليه من الوزراء والقضاة والملوك والرعاة. طبقات القراء تأليف محمد بن سلام الجحمي أوله قال: أبو محمد أنبأنا أبو طاهر محمد بن أحمد بن عبد الله بن نصير بن يحيى القاضي أنبأنا أبو خليفة الفضل بن الحباب الجحمي قال أنبأنا أبو عبد الله محمد بن سلام الجحمي قال وللشعر صناعة وثقافة يعرفهما أهل العلم كسائر أصناف العلم والصناعات منها ما تتقنه العين ومنها ما تتقنه الأذن ومنها ما تتقنه اليد ومنها ما يتقنه اللسان ومن ذاك اللؤلؤ والياقوت لا يعرف بصفة ولا وزن دون المعاينة ممن يبصره وهو تحت نمرة ٦٦٨ . كتاب التشبيهات لأبي إسحاق البغدادي قال فيه زادك الله في الآداب رغبة وللعلوم محبة ودلك عَلَى الحجة ووفقك للمحجة وأعانك عَلَى طلبك بالرشد وأظفرك بالغرض عند الفحص سألتني أعزك الله أن أثبت لك أبياتاً من تشبيهات شعراء الواقعة وبدائعهم فيها الظريفة وقد تقدم الناس أعزك الله في اختيارك الشعر وتمييزه غير أنهم لم يصنفونه أبواباً وذلك أن الشعر مقسم عَلَى ثلاثة أنحاء منه المثل السائر كقول الأخطل: فأقسم المجد حقاً لا يحالفه حتى يحالف بطن الراحة الشعر وكقول الفرزدق: ذل العدو فإنا لا نلين له حتى يلين لضرس الماضغ الحجر فقلت لها يا أم بيضاء إنني هريق شبابي واستشن أديمي وكقول الحطيئة: وقد ناصلوك فأبدوا من كنانتهم مجداً تليداً ونبلاً غير إنكاس ومنه التشبيه الواقع النادر كقول امرئ القيس في العقاب: كأن قلوب الطير رطباً ويابساً لدي وكرها العناب والحشف البالي والكتاب في جزء لطيف كتب سنة ٤٦٦ وخطه مقروء. التعريف بما أنست الهجرة بمعالم دار الهجرة لجمال الدين أبي عبيد الله بن أحمد المطري فيه فضل المدينة وما جاء في فضل مسجد الرسول والروضة ووصف الجامع وأبوابه ومساجد المدينة والآبار التي تنسب إلى النبي صلى الله عليه وسلم وأودية المدينة ووادي العقيق وحدود الحرم. الجواهر الثمينة في محاسن المدينة للسيد محمد كبريت المدني كتب عام ١٢٧٠ . تقديم الأبدان في تدبير الإنسان للعلامة أبي الحسن علي يحيى بن عيسى بن جزلة المطبب البغدادي أوله بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي خلق فسوى وقدر فهدى وأمراض وشفاء وصلواته عَلَى أنبيائه ورسله إلا منا من عرف أن الله رشحه بكماله الذي هو صلاح ماله ضن بعمره أن يغبن في أيامه وتدبيره أن يغلب عَلَى أعوامه فلا يتفق عمره إلا في أهم أموره إليه ولا يقطع دهره إلا بما عودوها عليه من مصالح دنياه وأخراه وعمارة عاجلته وآجلته: قد للمقتدي بالله وهو مجلد ضخم بالحجم الكامل جمع فيه ما عرف من أنواع الأمراض وطرق علاجها وخواص النباتات والعقاقير وغير ذلك مما يفيد جداً وقد كتبت هذه النسخة سنة ٢٩٧ (؟) وعبارة الكتاب من السهل الممتع تذكر بعبارة القانون لابن سينا المطبوع في أوربا. نصر من الله وفتح قريب للسيد محمد كبريت المدني فيه تراجم فضلاء المدينة المنورة. غربال الزمان المفتتح بسيد ولد عدنان اختصار يحيى بن أبي بكر العامري من تاريخ الإمام أسعد اليافعي وهو مرتب عَلَى السنين فيه الوقائع وتراجم المشاهير إلى سنة ٧٥٠ . البرق المتألق في محاسن جلق للراعي الشهير بابن خداو بردي المتوفى سنة ١١٩٥ فيه وصف محاسن دمشق شعراً من شعره ومن شعر غيره وآثار عمرانها وذكر أنهار دمشق نهر المنيحي والزبديني والوسطاني والغربي ودرمينا والناصية والحاجي والبالاني والزبوان والملك والشيداني بهر تل الذهب بيت نائم حزرما الغريفة والبلالية العبادة الجامعي البيروكليبا وعين ترما وكفر بطنا جسرين حوريا وسقبا الإفتريس وغير ذلك من الأنهار التي لا تعرف اليوم والعيون والأودية ومنها ما لا يعرف أيضاً نسخة سنة ١١٩٩ (ومنه نسخة في دار الكتب الخديوية بمصر). النجوم الزواهر في معرفة الأواخر للبودي الدمشقي من أهل القرن التاسع ذكر فيه الأواخر كما ذكر السيوطي الأوائل أي آخو من صنع كذا وآخر من كان كذا. مخدرات القصور في تاريخ أهل العصور تأليف ابن قطري البجيري المؤرخ المصري المتوفى سنة ٨٩٨ وهو مختصر في التاريخ. كتاب ايمان العرب لأبي إسحاق النجيرمي الكاتب في المجموع نمرة ٥٤ وهي في خمس ورقات بالخط الدقيق فيها ما كان يقسم به العرب وبه يستدل عَلَى أديانهم ومعتقداتهم قبل الإسلام. الدين والإسلام أو الدعوة الإسلامية لمؤلفه الشيخ محمد الحسين آل كاشف الغطا النجفي. طبع بمطبعة العرفان في صيدا الجزء الأول صفحة ٢٢٤ . لم يظهر هذا الكتاب إلى عالم الوجود حتى تسابقت أنامل الكتاب لتقريظه واستفزاز الهمم لمطالعته فتاقت نفسي للوقوف عليه إذ أن موضوع الدعوة للإسلام من المباحث التي يهتم لها كل الاهتمام لاسيما ومعالم الهمم قد رست للدعوة والعزائم قد خارت لإظهار مميزاته من مطابقة أصوله للعقل والعلم ونواميس الاجتماع فلقد تلاعبت به أيدي الجهلاء وسه محاسنه من انصاع للأمراء من العلماء الذين حجبتهم شهواتهم ونفوسهم الدنيئة عن الدعوة إليه وعن معرفة ما عليهم من الواجبات نحوه وقل من زمن بعيد من انبرى لتبرئته من الوصمات التي ألصقها به بعض من يجهلون حقيقته أو الذي يحكمون عَلَى الإسلام بالمسلمين والإسلام محجوب بالمسلمين حتى قبض الله لنا يعسوب المصلحين الشيخ محمد عبده المصري فجاهر بمؤاخاة الدين للعلم والعقل وفسر قسماً من الكتاب الكريم عَلَى أسلوب صحيح لم يسبقه إليه أحد من العالمين ولطكن قضت المشيئة الإلهية أن يقضى عليه قبل أن يتم عمله العظيم وما ينويه من الأعمال المصلحة للمسلمين. لم يقع نظري عَلَى هذا الكتاب حتى أخذته وطالعته وإنعام فألفيته كتاباً نفيساً بل درة يتيمة جمع فأوعى من المسائل الدينية والعلمية والاجتماعية وقطع بقوة حججه ألسنة الملحدين المقلدين الذين بخسوا من قدر العقل وكادوا يقضون عَلَى الإنسانية بمزاعمهم الفاسدة فأوجدا الشرور في البشر وزينوا للناس حب الشهوات وهتك الأعراض حتى استباحوا الرذائل وأفسدوا الأخلاق. عَلَى أني لاحظت بعض الأمور أثناء مطالعتي هذا السفر النفيس لم أر بداً من إظهاره حرمة لحرية النقد التي يحترمها ولا ريب أمثال الأستاذ المؤلف. (أولاًَ) نهج المؤلف في كتابه منهج التطويل الذي يأباه عصرنا الحاضر في حين تخوله ملكته البيانية وقوته العربية في فن الكتابة أن يسلك طريق الاختصار الممدوح عَلَى قاعدة (ألفاظ قليلة وأفكار متعددة) فإن مؤلفات المرحوم محمد عبدة التي هي خير مشكاة يجب عَلَى علمائنا أن يحذوا حذوها قد سلك فيها مسلكاً غريباً لما حوته من الفصاحة والاختصار حتى سهل عَلَى جميع طبقات الناس مطالعتها فجمع في رسالة التوحيد تلك الأفكار العظيمة في هذه الوريقات القليلة ولقد وفاه حقه السيد لطفي المنفلوطي بقوله: كاد يكتب الشريعة الإسلامية بلسان صاحبها. فلو سلك المؤلف هذا المسلك في كتابه لكان حجمه نصف ما عليه اليوم فتسهل مطالعته عَلَى جميع الناس ويعم نفعه وهي أقصى الغاية التي ننشدها لأن الكتاب المطول مهما كان له من الشأن لا يقرأه غير الخواص من الناس. (ثانياً) لقد حمل المؤلف عَلَى الملحدين حملة شعواء وكان الأجدر به أن يتجنب تلك الألفاظ ويجتزئ بالأدلة الناهضة التي أقامها لأن الحكمة تقتضي باستعمال الرفق واللين مع المعاندين وأن تدعوهم بالحكمة والموعظة الحسنة فيسلكون طريق الحق. ولقد اثبت علماء الاجتماع أن المكابر المعاند يزداد طغياناً إذا دعي بالشدة نعم إن الملحدين لعمر الحق اكبر ضربة قاضية ولكننا بغير الرفق واللين لا نستطيع أن نستحوذ عَلَى قلوبهم حتى يميلوا إلى الحق ولقد علمنا القرآن كيف يجب علينا أن ننهج مع مثل هؤلاء الجامحين فقال: ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة وجادلهم بالتي هي أحسن وقال أيضاً: فقولا قولاً ليناً لعله يذكر أو يخشى فهذا فرعون مع ارتكابه أكبر جريمة عَلَى البسيطة أمر الله نبيه أن يسلك معه سبيل الرفق واللين فاستعمل المؤلف الشدة مع هؤلاء مدعاة المنفور فلو أضاف مع البراهين الثابتة التي أقامها قلاً ليناً لكان أولى. (ثالثاً) لو تجرد الكتاب عن بعض الفلسفة القديمة لكان أقوى لإقناع الخصم لأنها أصبحت أمام العلم الحديث ضعيفة الدعائم عَلَى أن المؤلف قد أيد أكثر القضايا بالأدلة المنطقية والفلسفية الحديثة إلا أنه استعمل في باب الإلهيات بعض التعليلات القديمة. (رابعاً) تعرض المؤلف أثناء بحثه لعلي كرم الله وجهه وعصمته وكان الأجدر بأمثال المؤلف ممن نضج علمه وكمل إدراكه أن يترك هذا البحث لغيره المشتغلين بالقشور لأنهم أحق بالخوض في غماره لأن الجزئيات قد حجبتهم بالكليات وليس معنى هذا الآن مناظرة المؤلف في هذا البحث أو نقض القضايا التي أقامها لأن الاشتغال بمثل هذه الأمور مدعاة لضياع الوقت دون جدوى لاسيما والأجانب تتوثب لتقسيم أملاكنا وذهاب استقلالنا وقد قال مرة أحد فلاسفة الألمان بينما نكون في الجبال والآكام نستخرج المعادن يكون المسلمين مشتغلين ببعض مسائل دينية فرعية يتناظرون ويتناقشون. وكان الأولى بالمؤلف أن يضرب كشحاً عن هذا البحث وهب أن الحق في جانبه فإن العقل يقضي عليه بارتكاب أخف الضررين لأن المسلمين لم تتفرق كلمتهم ويذهب مجدهم إلا بمثل هذه الاختلافات الضئيلة التي لا يقام لها وزن فصرنا نقول شيعي وسني ووهابي وو الخ وما نحن إلا أخوة نجتمع متحدين تحت لواء التوحيد. عَلَى أن هذه الهفوة تستكبر من المؤلف لأنه عالم غزير المادة كبير العقل درس حالة المسلمين الروحية والاجتماعية وصف لها أنجع ترياق لدائها. عَلَى أن هذا التشيع لم يكن إلا بقية من بقايا التقليد الذي جرى عَلَى المسلمين هذا الويل والثبور. وصفوة القول أن هذا الكتاب من أنفع الكتب الدينية والاجتماعية والفلسفية الحديثة فيجدر بالكبار والصغار أن يقتنوه فهو خير دعوة أخرجت للناس. دمشق // عبد الفتاح السكري التاريخ الكبير للحافظ أبي قاسم ابن عساكر طبع بمطبعة روضة الشام سنة ١٣٢٩ - ١٣٣٠ (ص ٣٦٣ ج ١ ) (ص ٤٦٤ ج ٢ ). مضت الأعوام والباحثون من العلماء وجمهور المتأدبين من المطالعين يتشوقون لأن يروا تاريخ دمشق للحافظ ابن عساكر متداولاً في أيديهم لكن ضخامة حجمه بكثرة المكررات والأسانيد عَلَى أسلوب المحدثين دعت إلى إحجام الطابعين عن طبعه حتى قيض الله له في السنة الماضية خالد أفندي قارصلي صاحب مطبعة روضة الشام فطبع تاريخ دمشق في دمشق عاهداً إلى الشيخ عبد القادر بدران بحذف ما يراه زائداً بالكتاب ولا يضر إغفاله بالجوهر فحذف ما ارتآه الصواب وأبقى ما يوسع حجم الكتاب فجاء وإن لم تقر به أعين العلماء لأنهم يحبون أن يشاهدوا التآليف عَلَى الصورة التي صدرت بها عن مؤلفيها خصوصاً وفيه ما أغفل المصحح تصحيحه من الأغلاط التي تدل عَلَى ضعفه في التاريخ فهو بالنظر لشهرة مؤلفه رحمه الله سينفع طبقة كبيرة من الجمهور ويغنيهم عن المطول ولو إلى وقت معلوم ولذلك لا يكاد يستغنى عن اقتنائه كل محب لمطالعة راغب في الوقوف عَلَى ماضي هذه العاصمة ورجالها الذين طبقوا الآفاق بشهرتهم. فنشكر الطابع جزيل خدمته. بعد همته في زمن قل جداً الآخذون بأيدي العلم والآداب الراجعون إلى الماضي بل تراهم كلهم وقد شغلهم الحاضر والمستقبل عن النظر في الماضي وهيهات أن ينجح في حاضره من لم يعرف حالة غابره. دروس الجغرافيا تأليف فوزي بك العظم طبع في المطبعة الأهلية في بيروت سنة  ١٩١٢ - ١٣٣٠ (ص ٤٨ مع ٢٤ شكلاً) يسرنا جداً أن بعض المنورين من أبناء هذا الوطن العزيز اخذوا ينقلون إلى اللغة العربية الشريفة مبادئ العلوم التي لم يستغن البشر عن معرفتها في دور من أدوراهم ومن ذلك ما أصدره مصنف هذه الرسالة في الجغرافيا العامة فقد أودع موجزاً ما يقضي عَلَى الصغار بل والكبار الانتفاع منه لأني علمي الجغرافيا والتاريخ لا يزهد فيهما إلا ناقص العقل راغب في الجهل. فما أحرى مدارسنا الأهلية أن تعتمد مثل هذا الكتاب تنشيطاً لمؤلفه ورغبة في تعليم الناشئة علم تقويم البلدان عَلَى هذا الأسلوب النافع للشيب والشبان. العباسة هي إحدى روايات رصيفنا جرجي بك زيدان صاحب مجلة الهلال بمصر نقلها إلى الإفرنسية وطنينا ميشيل أفندي بيطار احد أساتذة مدرسة اللغات الشرقية في باريز ونسق لغتها المسيو شارل موليه وقدم لها المسيو كلود فارير مقدمة قال في أولها ما ترجمته: في ٧٣٢ للميلاد حدثت فاجعة ربما كانت من أشأم الفجائع التي انقضت عَلَى الإنسانية في القرون الوسطى وما كان منها أن غمرت العالم الغربي مدة سبعة أو ثمانية قرون إن لم نقل أكثر في طبقة عميقة عَلَى التوحش لم يبدأ بالتبدد إلا عَلَى عهد النهضة وكان عهد الإصلاح يعيدها إلى كثافتها. هذه الفاجعة هي التي أريد أن أمقت حتى ذكراها وأغني الغلبة المكروهة التي ظفر فيها عَلَى مقربة من بواتيه برابرة المحاربين من الإفرنج بقيادة الكارولنجي شارل مارتل عَلَى كتائب العرب والبربر التي لم يحسن الخليفة عبد الرحمن جمعهم عَلَى ما يقتضي من الكثرة فانهزموا راجعين أدراجهم. في ذلك اليوم المشؤوم تراجعت المدنية ثمانية قرون إلى الوراء ويكفي المرء أن يطوف في حدائق الأندلس أو بين العاديات التي لا تزال تأخذ بالأبصار مما يبدو من عواصم السحر والخيال إشبيلية وغرناطة وقرطبة وطليطلة ليشاهد والألم الغريب ذاهب منه ما عساها لو تكون البلاد الفرنسوية لو أنقذها الإسلام الصناعي الفلسفي السلمي المتسامح - لأن الإسلام مجموعة كل هذا - من الأهاويل التي لا أسماء لها وكان منها أن أنتج خراب غاليا القديمة التي استعبدها أولاً لصوص أوسترازيا ثم اقتطعوا جزءاً منها قرصان النورمانديين ثم تجزأت وتمزقت وغرقت في دماءٍ ودموع وفرغت من الرجال بما انبعثت في أرجائها من الدعوة للحروب الصليبية ثم انتفخت بالجثث بما دهمها من الحروب الخارجية والأهلية كثيرة العدد حدث ذلك عَلَى حين كان العالم الإسلامي من نهر الوادي الكبير إلى نهر السند يزهر كل الأزهار في ظل السلام تحت أعلام أربع دولات سعيدة الأموية والعباسية والسلجوقية والعثمانية. ليس هذا فصلاً رسمياً في التاريخ الرسمي من التاريخ الكاذب الذي تعمله المختصرات لصغار الطلبة من الفرنسيس بل هو التاريخ الحقيقي الذي يتعلمه المرء بنفسه مما يجتازه من البحار أو يقطعه من الأراضي ويقلبه من خزائن الكتب الأجنبية وليس هذا بعزيز عل حياة سائح يريد أن يثبت عقيب رحلة له ما يمس منه بأطراف إصبعه تلك الكذبة الكبرى السفيهة التي أراد معلمونا ولا يزالون يريدون وضعها أمام أعيننا كأنها حقيقة بل هي الحقيقة. إني لمعجب أن أقدم لجميع الفرنسويين من أصحاب الإرادة الذين يتوخون نبذ الأوقات القديمة وليس لهم وقت ولا فراغ لمباشرة رحلتين أو ثلاث في الأرض للبحث عن الحقيقة - الحقيقة الناصعة - هذا الكتاب البسيط الذي يوفر عنهم الرحلة إلى بغداد ودمشق وإسبانيا الجنوبية فيوحي إليهم كل ما هو مسرة للعيون والعقول ويصور لهم الصورة الحقيقية بل الصورة الطبيعية للإسلام في القرن السابع والتاسع ذاك الإسلام الذي قضى عليه الكارولنجي المتوحش ونبذه خارج فرنسا بضربات عظيمة من مطرقته. . . . الروضة البهية في فضائل دمشق المحمية طبع بمطبعة المقتبس سنة ١٣٣٠ (ص ١٠٥ ) غالى معظم من كتبوا في دمشق من أبنائها في الوصف أو أفرطوا في الشكاية ولكن المقرر الثابت أنها من خيرة البلاد بطبيعتها وها قد ألف أحد الدمشقيين محمد فندي عز الدين عربي كاتبي هذه الرسالة فلم يخرج فيها عن خطة المادحين المعجبين والمديح مما تألفه نفوس الجمهور في الأغلب فذكر ما نقله القصاصون في فضائل دمشق ومن نزلها من الصحابة وبعض معاهدها ولاسيما الدينية واحسن في وصف أعمالها الجديدة مثل الخطوط الحديدية والأحياء الجديدة وماء الفيجة ومستشفى الغرباء فحبذا من أراد تحبيذهم تزلفاً ولم يذكر السلطان نور الدين محمود بن زنكي النعروف بالشهيد وإن هذا المستشفى بني ببقايا أموال مستشفاه النوري وما جمع من الإعانات بعد بالضرب والتجبية والترويع. وقد اودع كتابه شيئاً من الأقاصيص التي نقل بعضها عن ضعاف العقول ممن حشروا أنفسهم ظلماً في العصر الأخيرة بين المؤلفين مثل ما نقله (ص ٢٥ ) عن الشيخ أبي العباس أحمد بن قدامة صاحب الكرامات والأحوال الظاهرة إنه مشى عَلَى نهر يزيد بقبقاب في رجليه فلم تبتلا فطالع ليلة فكدرت عليه الضفادع بأصواتها فقال أيتها الضفدع قد أذيتمونا بأصواتكم فإما أن ترحلن عنا وإما أن نرحلن عنكن فأصبح وليس في النهر شيء من الضفادع ومن ثم لم يسكن نهر يزيد ضفادع إلى الآن! ومن هذا البحر والقافية أتى المؤلف بأمور منتقدة عند جمهور المحققين من رجال الدين والمدنية مما نبه عليه الأعلام في كل عصر أمثال ابن تيمية وابن الحاج وعشرات غيرهم. وكنا نود أن تعرى التآليف الحديثة من نقل هذه الأخبار الواهية وأن لا ينقل المؤلف مثلاً من جملة الفوائد أن دمشق النائم بها كالعابد بغيرها حتى يزيدنا خبالاً فوق خبالنا فإننا أحوج إلى من يقوي همتنا منا إلى من يضعفها برواية هذه المثبطات. فعسى أن يحذف الباحث كل ما لم يصححه المتحدثون والمتفقهون والمؤرخون من الأخبار المضعوفة المرذولة ويقتصر عَلَى الصحاح وإلا فتكون مضار هذه الكتب أكثر من منافعها بكثير. الدعوة إلى الإصلاح للشيخ محمد خضر بن الحسين طبع بالمطبعة الرسمية العربية بتونس عام ١٣٠٨ - ١٩١٠ (ص ٤١ ). تتم معظم تآليف التونسيين الأخيرة عَلَى فضل علم وأدب وإن خاصتهم لا يؤلفون في الغالب إلا إذا اعتقدوا واعتقد الناس فيهم الكفاءة العلمية وقد تلطف مؤلف هذه الرسالة في موضوعه الجليل فأفاض في الحاجة إلى الدعوة وفي الدعوة في نظر الإسلام وفي شرائطها والإخلاص فيها وآدابها وآثار السكوت عنها والإذن في السكوت عنها وأسباب إهمالها وقال في خاتمة ما يدعو إلى إصلاحه وهوو ما نورده نموذجاً عَلَى نبذته النافعة: ولما افترقت الأمة في حفظ بقائها وصلاح عيشها إلى جملة من الوسائل كالصنع وبعض الفنون الحكمية كانت داخلة في واجبات وفيها كما صرح بذلك أبو إسحاق الشاطبي وغيره من الراسخين في علوم الشريعة فإن عظم مصلحتها والخطر الذي ينشأ عن إضاعتها واضح في الدلالة عَلَى وجوب التعلق بأسبابها ولكن الإسلام لم يفتح عين المكلف في كل موضع من مواضع إصلاحها أو أعطى لتفاصيلها قواعد كما تفعل في قسم العبادات والمعاملات والجنايات وغنما أرشد إلى أصول مطالبها ثم فوض في وجوه عملها معرفة ما هو الأصلح في وسائلها إلى الفطرة السليمة والعقول الراجحة كما قال صلى الله عليه وسلم في واقعة تأبير النحل (أنتم اعلموا بأمور دنياكم) فإن التمييز فيها بين الحسن والقبيح من المطالب التي لا تفوت مداركهم ويسعها طوق عقلهم. وقد يسبق غير العارف الشرائع إلى الخبرة ببعض نظامات مدنية ولهذا لم يضع الإسلام حرجاً عَلَى أخوانه إذا كانوا غير المسلمين وعملوا عَلَى مثالهم فيما يحسن في نظرهم من مقتضيات المدنية وترتيبها كالصنائع والفلاحة والتجارة وحفظ الصحة وما شاكلها فإن إعراضنا عن أخذ ما بأيدي المخالفين من المعارف والاستنباطات المفيدة في هذه الحياة يقضي بنا كما قال أبو حامد الغزالي إلى أن نضرب عن كل صالح سبقونا إليه. ويتعين عَلَى المرشد لإصلاح هذا القسم أن يجيد البحث عن أحوال الأمم الأخرى ويعرف أسباب ارتقائهم وعلل سقوطهم وتركيب الأقيسة ويؤيد بها الأفكار المستقيمة ويثبت بها صواب ما تهديه إليه البصيرة الكاملة. هذا ما يقوله احد أستاذة الجامع الأعظم الزيتونة في تونس ثاني مدرسة دينية عالة في العالم الإسلامي فمتى يكون كذلك لسان حال سائر مدرسينا ومقالهم فتجمع هذه الأمة الدين إلى الدنيا ونور العقل الصحيح إلى التعليم السماوي الرجيح. الحرية والإسلام كتاب للأستاذ التونسي المشار إليه ألقاه في صورة مسامسرة وأجاد في تحديد حقيقة الحرية والشورى والمساواة والحرية في الأموال والحرية في الأعراض والحرية في الدماء والحرية في الدين والحرية في خطاب الأمراء وآثار الاستبداد كل ذلك بعبارات تستعذبها النفوس لسلاستها وتدل عَلَى بعد غور منشئها وبعد نظره في المسائل الاجتماعية والدينية. حياة اللغة العربية هي مسامرة طبعت أيضاً في تونس لصاحب كتاب الدعوة إلى الإصلاح والحرية في نشر الإسلام المنوه بقدره تكلم فيها عَلَى تأثير اللغة في الهيئة الاجتماعية وأطوار اللغة خصائصها وتراكيبها وأساليبها وإبداع العرب في التشبيه واقتباسهم من غير لغتهم وارتقاء اللغة مع المدنية واتحاد لغة العامة والعربية إلى غير ذلك من الفوائد التي أجاد المؤلف في سردها وبيانها فله الشكر عَلَى خدمته الإسلام ولغته خدمة عقل وروية. التبيان في تخطيط البلدان لإسماعيل بك رأفت طبع بمصر سنة ١٣٢٩ (ص ٥٠٩ ). لصديقنا مؤلف هذا الكتاب يد طولى في التاريخ والجغرافيا وهو اليوم أستاذ الجغرافيا وعلم الشعب أتنوغرفيا في الجامعة المصرية وأستاذ التاريخ العام والجغرافيا في دار العلوم في القاهرة وهذا الكتاب هو الجزء الأول من سلسلة كتب سينشرها بعد أن يلقيها دروساً عَلَى طلاب الجامعة وهو يحتوي عَلَى وصف قارة أفريقية وأحوالها الطبيعية والجغرافية مثل أنهارها وبحيراتها وجبالها وجزائرها ومعادنها وحيواناتها وأجناسها البشرية وصناعاتها ووصف ضاف لبلاد مراكش والجزائر وتونس وطرابلس وبرقة والصحراء الكبرى وما فيها من الأمور الطبيعية والصناعية عَلَى أسلوب استبيان به أن المؤلف ذاق فنه كل الذوق وأحسن في شرحه وجميع المواد اللازمة من كتب الجغرافية القديمة والحديثة والتاريخ والرحلات ولاسيما الرحلات التي كتبت بالألمانية والإنكليزية والإفرنسية بحيث جاء الكتاب مجموعة فوائد يود كل عربي أن يرى مؤلفه موفقاً إلى نشر الأجزاء الباقية من كتابه بهذا التوسع النافع والوصف المشبع وقد رأينا بعض تساهل طفيف وشيء من الألفاظ نقل عن الإفرنجية بغير الألفاظ المألوفة مثل قوله الكوارتز (ص ٣٥ ) وهو الصوان والبازلت (ص ٥٥ و ٦٣ ) والمشهور الحجر البركاني والجرانيت وهو المعروف بالشام بالشحم واللحم وهو نوع من الصوان والكوتشو ويترجمه المترجمون بالمطاط والأردواز ويترجمونه بلوح الحجر وقال أيتوبيا ورأس عشم الخير والدين الفتشي وجزيرة زنزبار ولو قال بلاد الحبشة والزنوج ورأس الرجاء الصالح والدين الوثني وجزيرة زنجبار لتابع العرب والمألوف في ترجمته. وهناك بعض أغلاط مطبعية مثل قسنطينة وعسى أن يحرر كل ذلك صديقنا المؤلف في الطبعة الثانية ويضيف إلى كتابه الخرائط العربية التي وعد بها فأغفل الطابعون إلحاقها بها ونشكره عَلَى غيرته عَلَى الآداب والمعارف. التجارة العصرية تأليف السيد عبد الحق بن وكاف طبع بالمطبعة المولوية بفاس عَلَى نفقة مولاي الحفيد سنة ١٣٢٩ (ص ٣٧٦ ). ربما كانت هذا الكتاب من أوائل الكتب العصرية التي أبرزتها عقول أبناء الإسلام في الغرب الأوسط وقد ضمنه المؤلف مباحث تجارية وقتية عَلَى أصول الفقه المعمول به في الجزائر أفاض في القسم الأول في الفقه التجاري الفرنسوي وفي الثاني بمسك الدفاتر وفي الثالث بالمراسلات التجارية الوقتية بعبارات سهلة كثيراً ما يمزجها المؤلف - وهو محدث ومدير مدرسة فاس - بألفاظ إفرنجية لها مقابل بالعربية ولكنها شاعت كذلك في تلك البلاد لاختلاط السكان بالفرنسيس والطليان والإسبانيين والبرتقاليين. وقد أهدى كتابه وهو من أبناء الجزائر إلى علماء بلده ومشايخه مسلمين وإفرنسيين ممن أخذ عنهم هذا العلم وغيره وأجادت المطبعة في طبعه بحروف مشرقة مشرقية غير الخروف المعهودة المغربية أكثر الله من أمثال المؤلف الساعين لترقية أبناء بلادهم من طريق العلم والعمل عَلَى المناحي العصرية النافعة. آداب العرب لإبراهيم بك العرب طبع بالمطبعة الأميرية بمصر سنة ١٩١١ ص ١١٢ كانت جريدة المقتبس تنشر الحين بعد الآخر قصائد بتوقيع العرب عَلَى لسان الحيوانات مثل قصائد الشاعر لافونتين الفرنسوي فوقعت من قراءها موقع الاستحسان الكثير لسلاستها وتضمينها الحكم الرائعة وقد انتبهت نظارة المعارف المصرية إلى فوائد هذه القصائد فطبعتها عَلَى نفقتها أجمل طبع بالشكل الكامل لتكون مثالاً يحتذيه طلاب الآداب ولغة العرب وقلم الشاعر إبراهيم العرب وهي مئة قصيدة يقرأها كل طبقات القراء فيعجبون بما فيها من أدب غض وحكمة ناصعة وهي تقرر تدريسها في المدارس الابتدائية بمصر بنين وبنات فعسى أن يعتمد عليها أيضاً مديرو المدارس الأهلية في الشام ليقتبس من فوائدها أبناء الفرات والساجور والعاصي والأردن وبردى والكلب بعض ثمرات أبناء النيل المبارك الذي أصبح عيالاً عليه استقاء المعارف والآداب العربية. تاريخ مدينة زحلة تأليف عيسى أفندي إسكندر معلوف طبع بمطبعة زحلة الفتاة في زحلة (لبنان) سنة ١٩١١ (ص ٢٩٨ ). اشتهر مؤلف هذا الكتاب بين الباحثين من أهل هذه الديار بما نشره حتى اليوم من رسائله وكتبه ومجلته الآثار وكتابه هذا نافع في تاريخ أكبر مدينة لبنانية وما جاورها مثل بلاد المتن وبعلبك والبقاع ووادي التيم ووادي القرن ووادي الزبداني وغيرها ومعظم الكلام عَلَى هذه البلاد ورد بالعرض فأطال المؤلف الكلام عَلَى تاريخ سهل البقاع خاصة كما أطال عن زحلة وذكر أخبار البيع والمآوي (أنطيوش) وتاريخ إنشائها. وبيع لبنان ليست من الكاتدرائيات المهمة ولا من العاديات القديمة بل إن أكثر بيوتها صغيرة حديثة لا يهم التاريخ ولا فن البناء متى أنشئت. ونحن نسامحه فيما اقتبسه من مجلة المقتبس (ص ٤٠ ) من نقل خلاصة ما كتبناه في رحلتينا إلى قلمون الأسفل وقلمون الأعلى فيالسنة الرابعة والخامسة ولم يعزه إلينا مع أنه من مشاهداتنا وتحقيقاتنا الخاصة لم يسبق لأحد قبلنا أن خاض عبابه فيما نعلم. ولا نوافق المؤلف دعواه في أن اسم زحلة مأخوذ من زحل الرجل عن مكانه إذا تنحى متباعد منه المزحل اسم مكان للموضع يزحل إليه أو مصدر ميمي وتمحله الأسباب لهذه التسمية وكذلك لا نستحسن استشهاده بقصيدته في وصف مناظر زحلة (ص ١١ ) فإنها ليست من الشعر المستملح وأين قصيدته من قصيدة خليل أفندي مطران في وصف خرائب بعلبك وكان عَلَى المؤلف أن لا يفوته ذكرها خصوصاً وقد استشهد بشعر هو دون تلك الطبقة بمراحل مثل شعر المعلم نقولا الترك فإنه ليس من الشعر الواجب تدوينه إذ هو عار عن صفات الشعر. وقد توهم (ص ٣٧ ) أن القبة الكائنة عَلَى جبل قاسيون بدمشق هي قبة المرصد الفلكي الذي كان بناه الأمويون (والحقيقة أن الباني هو المأمون العباسي ثم أولغ بك التتري) مع أن هذه القبة محدثة من جملة المناور التي كانت توقد فيها النار لنقل الأخبار في الليل كما كان الحمام الزاجل يطير بالنهار وطرز بناء القبة لا يتجاوز المئة السابعة للهجرة ولا نذكر أننا قرأنا لها اسماً إلا في كتاب عجائب المقدور في أخبار تيمور وهو مما كتب في القرن التاسع. وأخطأ في قوله (ص ٣٨ ) أن بيت لهيا هي الآن من قضاء راشيا وكانت قديماً من غوطة دمشق والصحيح أن قريتين كانتا معروفتين بهذا الاسم إحداهم في وادي التيم لا تزال معروفة والأخرى في الغوطة خلافاً لما قلناه في رحلتنا بين بلاد الآراميين والفينيقيين في السنة السادسة من المقتبس كما أنه أخطأ في استنتاجه (ص ٤٠ ) أن جبل قلمون سمي بهذا الاسم اليوناني ومناه الإقليم ومناخ لأن جودة هواء هذا الجبل مشهورة وليس في اليونانية ما يشعر بهذه التسمية. وجوّد صاحبنا عَلَى جغرافية زحلة هوائها ومائها وعمرانها ونباتاتها وحيواناتها وتربتها وصخورها وحوادثها القديمة والحديثة ومشاهيرها وأسرها ونهضتها بعبارات سهلة خالية من الشوائب وتنسيق لطيف وعلق عَلَى كلامه حواشي مفيدة عَلَى البلدان والقرى التي يذكرها فنرجو له التوفيق إلى إبراز غيره من الرسائل والكتب النافعة في التاريخ والسير. ديوان الهلالي طبع بمطبعة حماة سنة ١٣٢٩ ص ٢٦٨ . ناظم هذا الديوان الشيخ محمد الهلالي الحموي المتوفى سنة ١٣١١ من مشهوري الشعراء المتأخرين ديوانه أماديح لأناس من معاصريه وإن كان بعضهم يستحق المديح غير أن أكثرهم لا يستحقون أن يذكروا بكلمة خير لأنهم ما جلبوا لا عَلَى الشر ولكن أناساً من متأخري الشعراء جعلوا الاكتساب بالشعر حرفة الشعراء جعلوا الاكتساب بالشعر حرفة لهم فيطنبون في كل من يفضل عليهم ويتمحلون له المناقب التي لو تيسر جمع بعضها في فرد لعد مصلح عصره وعالم دهره وسيد مصره. وهاك نموذجاً المحمود في عالم الأمراء في زمانه الأمير عبد القادر الحسيني الجزائري: شام برق الشام وقت السحر فاستفزته دواعي السهر وصبا لما استمالته الصبا من شذا الربوة ذات الشجر ربوة ذات قرار وصفا ومعين ونسيم عطر جنة الله في الأرض قد فاخرت زهر السما بالزهر بقصور لم تزل تجلى بها قاصرات الطرف فوق السرر وخدور لبدور طلع قد سبلن الحور حسن الحور خرد من كل خود وجهها عبرة بالحسن للمعتبر وفتاة كمهاة في الخبا تأسر الأسد بطرف الجؤزر بانة قامتها غصن نقا في كثيب بارز مستتر بأبي ناهدة بن ثما ن وست ضرة للقمر أخت شمس في سماء مطلع فرقد الفرق بليل الشعر بجبين إن تندى عرقاً رصع الشمس بشهب الدرر ما سواها الكوكب الدري في أفق الحسن البديع الأنور لست أنسى إذا غدت تسفر عن غرة تشرق تحت الطرر حبذا سين ثنايا صانها ميم ثغر فيه عين الخضر وبروحي أعين نرجسها يحرس الورد يروض الحفر أعين سكرى وكسر في الهوا أبداً من جفنها المنكسر لا يغرنك منها ضعفها إنها عندي لإحدى الكبر وأعنائي بقس من حوا جب ترمي بسها القدر إلى أن يقول في مدحه: سيدي الغازي الذي منه الجزا ئر كانت للندى في أبحر أسد الله عَلَى أعدائه حين يسطو بالحسام الذكر لو تراه والعدى في رهج قسورة الفتك ببهم الحمر قسور منه يفرون كما فر إبليس الغوي من عمر بطل منتقم لله لا لهوى النفس ولا للبطر وقال يهجو أهل بلده من قصيدة: تفر عن النور المبين من العمى تفروا إلى ظلم الضلالة نفارا حمر لقد خلق الشعير لهم فلا عجب إذا لم يفهموا الأشعارا فقهاء أني يفقهون وإن من عاداتهم أن يحملوا الأسفارا عدد بلا عدد لذاك نعدهم لصغار بين الكبار صغارا أف لما غرسوه من عيب ومن غرس المعايب يجن منه العارا شركاء مكر لم تزل أشركهم تصطاد من أوكارها الأطيارا خسروا فلا ربحت تجارة خاسر أضحى بأسواق الأذى سمسارا شروا الضلالة بالهدى عمداً ومن غالي الشريعة أرخصوا الأسعارا علماء تصريف بتحريف الكلا م عن المواضع يمنة ويسارا لبسوا الرياء فشف عن أوزارهم وكفى بذلك فضيحة وشنارا ركبوزا الكبائر معجبين لكبرهم بنفوسهم فاستصغروا استصغارا وتبادروا فتفاخروا في أخذهم مال اليتيم مغانماً ومغارا من كل محتال تراه ثعلباً طوراً وطوراً بالمكابد فارا متفلسف كالسامري كهانة وكعجلة تركيبة وخوارا كالماء ديناً والتراب كثافة والنار خلقاً والهواءِ قرارا حبري إذا لم ترشه قدري إذا استعطفته وأريته الدينارا فاسأل صلاة الصبح عنه هل لها علم به واستخبر الإعصارا شيخ إذا استدعيته لخصومة بوديعة لا يدعي الإنكارا بل يدعي ضاع المتاع ولم يخف يوم اللقا التقرير والإقرارا أو جئته مستشفعاً في ششفعة علماً بأن الجار يرعي الجار يسعى ليسقط حقهاً متحيلاً في صرة مجهولة مقدارا حيل إذا حولت ظاهر أمرها تلقى بواطنها رباً ومقدارا وأضيعة الإسلام في وادي حما لو لم يكن لبني النبي جوارا واد به العاص تجرأ واعتدى وعلى الشريعة قد طغى وتجارا إلى أن قال: وطن توطنه البلا وسطا عَلَى جيرانه داعي البلاء وجارا وعلى نواحيه نواعير النوا ح من البيوت تساجل الأنهار حزناً عَلَى الأرض التي قد انبثت بعد القرنفل والورد بهارا كانت حماة الشام تدعى شامة بين البلاد وللحماة ديارا واليوم حمى شؤمها عمت فلا تروي لها السبع البحار أوارا سل سيدي علوان عن عنوانها لما عليها بالدعاء أشارا واستقص ذلك بالتواتر أنه عند الثقات يصحح الأخبارا فدع الملام فإني لست أو ل قاطع بفروعها الأشجارا هي منبتي وإلى حماها نسبتي ولرب شوك أنبت الأزهارا وهي العروس محاسناً لكنما شؤم الحماة ينفر الأصهارا نبذة مختصرة في الصحف العربية المصورة للفيكونت فيليب دي طرازي طبع بالمطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩١٢ ذكر كاتب هذه الرسالة وهو عربي من أهل بيروت الجرائد العربية المصورة الذي صدرت منذ عرفت الطباعة إلى الآن في القطار المختلفة فكان مجموع صحف المسلمين المصورة في سورية ١٧ وعدد صحف المسيحيين ١٤ وفي القطر المصري ٤٢ مسيحية و ٢١ إسلامية و ٧ لجمعيات وفي تونس ٤ للمسلمين واثنتان لليهود وواحدة لجمعية وفي أوربا أربع لمسيحيين و ١١ لإسرائيليين وفي أميركا ٦ للمسيحيين فبلغ مجموعها ١٢٩ صحيفة ظهرت أكثر من نصفها في مصر كما أصدر أكثر من نصفها عَلَى أيدي نصارى سورية. سورية نشر صديقنا خير الله أفندي خير الله مبحثاً طويلاً في سورية باللغة الإفرنسية صدرت به مجلة العالم الإسلامي الباريزية عددها الثاني من السنة السادسة فجاء في ١٤٣ صفحة محلى بصور بعض مشاهير الأدباء والأديبات من أهل بلادنا فبدأه بوصف بلاد الشام وأصول شعوبها وإحصاء نفوسها وأديانها وشيعها المستقلة والحركة العلمية فيها ووصف بلاد الأجانب والوطنيين من المسيحيين وأفاض في صحافتها ولاسيما الصحافة البيروتية واللبنانية ومطابعها قديماً والحياة الاجتماعية والأدبية والسياسية فيها إلى غير ذلك من الفوائد التي تشف عن بحث وتجارب والإيضاحات التي يحتاج إلى معرفتها ابن البلاد دع غيره من الغرباء. وقد أفاض في موضعين من مبحثه بذكر أيادي فرنسا عَلَى سورية في نهضتها العلمية فقال إننا قوم نحب فرنسا وقد تأدبنا بلسانها وآدابها ولكن حبنا لها لا يدعونا لأن ننسى أنفسنا وقد استشهد بجملة من مبحثه المفتد المسألة الاجتماعية والمدرسية في سورية الذي لخصناه للقراء في مجلد السنة الثالثة من المقتبس فأبان عن علم فيما خاض عبابه فقال لم نتشرف بأن نكون فرنسيساً نحن معها كالسويسريين من سكان لوزان والبلجيكيين من سكان لبج يتكلمون الإفرنسية لكنهم ليسوا فرنسيساً يجب أن تكون لنا اللغة الإفرنسية لا أداة من أدوات الزينة الفارغة بل دعائم متينة من دعائم الأخلاق ومن مصلحة سورية كما أنه من مصلحة السياسة الإفرنسية أن يحتفظ الرجال في بلادنا بأخلاقهم الوطنية ومشخصاتهم الخاصة متعلمين في مدرسة فرنسا متبعين بأفكارها ودارسين آدابها وهذا أمر سهل لأنا إذا آثرنا التربية الإفرنسية فذلك لأنها توافق عقولنا وميولنا أكثر من سواها. وقال أن عَلَى فرنسا ألا تنسى ما قدمت لسورية وتختار من رجالها من يحسنون تنمية تلك البذرة من المدنية التي بذروها في تربة الشام. والخلاصة أن الكاتب تساهل جداً في تسرب التربية الإفرنسية إلينا مما هو ولا جرم مدرجة إلى ضياع مشخصاتنا وقوميتنا وقوله أن التربية الفرنسوية موافقة إلى ميولنا ودرجة عقولنا فيه نظر لأن من نشأ عَلَى التربية التركية أو التربية الأميركانية أو الإنكليزية أو التربية الروسية أو الرومية من أبنائنا يدعون هذه الدعوى أما نحن فالأجدر بنا أن نأخذ عن كل أمة من أمم أوربا ما عندها من الفضائل والصناعات والعلوم ونكون لنا مع الزمن مدنية عربية وطنية تلتئم مع الكل لكنها ليست لأحد. وقد لاحظنا عَلَى المؤلف أن قد غالى في تقدير عدد الموارنة في سورية بأربعمائة وخمسين ألفاً والظاهر أنهم لا يزيدون عن ثلثمائة وخمسين ألفاً عَلَى أن الإحصائيات ناقصة في هذا الباب كما قال. كما أنه غالى في ترجمة بعض الأشخاص فقد رأيناه قال في أحدهم أنه فوق الأحزاب وأنه لم يخدم إلا المصلحة العامة وما قط فكر في نفسه ولو تعمق في البحث لعرف أن الواقع يخالفه وليس مثل كلام المرء وأعماله دليلاً عَلَى نياته ومبادئه. وقد تفضل الصديق المنشئ فاستشهد بقولنا في ارتقاء المسيحيين عن جيرانهم المسلمين وهو الفكر الذي طالما جاهرنا به ولكنه فاته أن في المسلمين والمسيحيين أيضاً من رجالاً من أبناء سورية عملوا للمصلحة العامة وخدموا الآداب والمدنية بكتابتهم ورسائلهم وكتبهم أمثال الشيخ طاهر الجزائري والسيد عبد الرحمن الكواكبي والشيخ محمد بدر الدين النعساني والشيخ أحمد رضا والشيخ سليمان الظاهر والشيخ أحمد عارف الزين وزكي بك مغامز وعبد الله أفندي مخلص وجرجري أفندي يني والشيخ عبد القادر المغربي والدكتور عبد الرحمن شهبندر وفارس أفندي الخوري وعبد الوهاب بك الإنكليزي وشفيق بك المؤيد وشكري بك العسلي وقسطاكي بك الحمصي ومحمد علي أفندي حشيشو وغيرهم من حملة الأقلام ودعاة الإصلاح ولعله لم يلم بتراجمهم إلماماً كافياً فاقتصر عَلَى من عرف منهم. بساط العقيق في حضارة لقيروان وشاعرها ابن رشيق تأليف السيد حسن حسني عبد الوهاب طبع بالمطبعة التونسية سنة ١٣٣٠ في تونس صفحة ٩٢ . عرف هذا المؤلف بما نشره في مجلة المقتبس من رسائل الانتقاد لابن شرف القيرواني ملتقى السبل لبي العلاء المعري وما علق عليها من الحواشي المفيدة الدالة عَلَى أنه من الأساتذة الذين يعملون عَلَى طريقة غربية شرقية أي عَلَى الصول الأوربية الحديثة يمازجها التشبع بروح الحضارة العربية وقد ألم في كتابه هذا بشيء من حضارة الإسلام في أفريقية وما وصلت إليه القيروان من درجات الرقي الباهر ونظام الحكومة العربية والهيئة الاجتماعية عَلَى أسلوب جديد لا حشو فيه يدعم أقواله بالأدلة التاريخية نقلاً عن ثقات المؤرخين والجغرافيين فيصور لك ما بلغته بلد الكاتب من الاتقاء عَلَى عهد ابن رشيق أديب القطر التونسي وشاعره الذي وضع له ترجمة حافلة آخر الكتاب الذي دل بمجموعه عَلَى علو كعبه في التاريخ والأدب ولو كان جميع من يبرزون تآليفهم للناس يتعبون بالبحث فيها كما بحث هذا المؤلف لظلت معظمها من التآليف التي تصير عَلَى غابر الأحقاب ولذلك نشكره باسم الأدب العربي ويا حبذا لو حذا حذوه غيره من نبهاء الأقطار وكتبوا عن أقطارهم وشعرائهم وأدبائهم عَلَى الطريقة المشار إليها. تاريخ الحرب العثمانية الإيطالية تأليف سليم أفندي قبعين طبع بمطبعة التقدم بمصر سنة ١٣٣٠ - ١٩١٢ . عرف صديقنا مؤلف هذا الكتاب باختيار أجمل الموضوعات في ما يكتب وينشر مما يجمع بين العلم واللذاذة وآخر ما أبرز من قلمه هذا السفر الممتع جعله عشرة أجزاء تقع ضمن ستمائة صفحة ضمنها حالة طرابلس وبرقة وجغرافيتهما وتاريخهما ثم الحرب الطرابلسية وما كان من أثرها وما تخللها من الوقائع نقلاً عن مصادر إنكليزية وروسية وإفرنسية وتركية وغيرها وحلى كل جزء برسوم عديدة تصور الوقائع والمواقع لنظر المطالع فجاء كتابه فرداً في بابه سد نقصاً كبيراً في باب التواريخ العربية وخلد له ولمن عاونوا في الحرب معاونة بدنية أو مالية أو عقلية أجمل ذكرى لا تمحى من الأذهان أو يمحى مصر طرابلس وبرقة من كتب تقويم البلدان فنهنئ المؤلف النشيط عَلَى عمله النافع ونسأل له التوفيق إلى إبراز أمثاله ترجمة كان أو تأليفاً. الرحلة اليمانية تأليف السيد شرف عبد المحسن البركاتي طبع بمطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٣٠ - ١٩١٢ ص ١٢٧ . دون المؤلف في هذه الصفحات رحلته مع الأمير الأكبر الشريف حسين باشا أمير مكة المكرمة إلى بلاد عسير لمقاتلة السيد محمد بن علي الإدريسي القائم في ذاك القطر فذكر المراحل وما وصل إليه من المعلومات عن أحوال تلك الجهات في العلم والاقتصاد وغيرهما فدل عَلَى بعد نظر وفضل وذكاء. وافاض في الكلام عن اليمن ثم تكلم عَلَى جزيرة العرب إلا أننا رأيناه غالى في وصف شعبذات الإدريسي مما لا نظن أن رجلاً تعلم في مصر عَلَى ما هو المعروف تحدثه نفسه في مثل هذا النصر يأتيه وكنا نريد أن تتنزه هذه الرحلة النافعة عن التعرض لمثل هذا غذ أن من عادات السياسيين أن يتهموا خصومهم أنواع التهم وما ننس ما قاله مؤرخو الحكومة في الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي وجماعته وما افتروه عليهم ثم ثبت للتاريخ خلافه. وإنا نتلقى العبارات التي أوردها صاحب هذه الرحلة وربما كان نقلاً عن غيره بغاية الاحتراس وعساه ينظر في ذلك ويبحث عن الثقات ويضيفه في طبعة ثانية من كتابه فتكون رحلته تاريخاً حقيقياً خالداً لا أثر فيه لأهواء السياسة وعلى كل فنشكر الكاتب عَلَى رحلته ونرجو أن ينظر نظراً بليغاً في عبارة الكتاب وطبعه المرة التالية. مطبوعات الآباء اليسوعيين ثلاثة كتب أهدتنا إياها إدارة المطبعة الكاثوليكية في بيروت الأول أطيب الشعر وأطيب النثر من قدماء الأدباء وأهل العصر وهذا القسم الأول وهو أطرب الشعر كان ظهر في مجلة الشرق ومعظمه في موضوعات دينية لأناس إذا تجوزنا وعددناهم نظامين فلا نعدهم في الشعراء بحال لأن الشعر شعوراً وأكثر هذه القصائد التي رآها مدير الشرق من الكلم النوابغ كالخرنوب رطل نشارة في دريهمات من العسل بل معظم القصائد لا وزن فيها ولا قافية ولا لفظ ولا معنى وغريب بعد كل ذلك أن تنشر هذه القصائد عَلَى أنها عنوان البلاغة والفصاحة ليتحداها طلابهما ولو أنصف ناشرها لرمى بها في سلة سقط المتاع ولما أتعب الطابع بصف حروفها والقراء بمطالعتها لئلا تخدش عليهم ملكتهم العربية وكان الواجب أن ينشر لهم الشعر العالي لمن اشتهروا في هذا العصر بجودة قريضهم وسلاسته أمثال إسماعيل صبري وأحمد شوقي وحافظ إبراهيم وخليل مطران وشكيب أرسلان ومعروف الرصافي وعبد المحسن الكاظمي وطانيوس عبده ونقولا رزق الله وعشرات غيرهم في مصر والشام والعراق وهم حملة راية القريض وأمراء البيان بلا جدال ومثل هذه القصائد أو معظمها تخجل الجرائد الساقطة من نشرها دع تخليدها في كتاب وبيعها من الناس لتفسد لهم ملكتهم وما الداعي لنشرها إلا لأنها تضرب عَلَى نغمة تهتز لها أوتار قلوب ناشريها وحبك الشيء يعمي ويصم. الكتاب الثاني المذكرات الجغرافية في الأقطار السورية هي كراسة في ٦٤ صفحة من قلم الأب هنري لامس الهولاندي اليسوعي كان نشرها في مجلة الشرق وقد ألم بها حالة سورية الطبيعية والاقتصادية وببعض ما كتب العرب في وصفها في القرون الوسطى وأجاد المؤلف كل الإجادة في التعريف بذلك وكنا نود لو أتم هذه السلسلة المفيدة لأنه يكتب عن بحث طويل وينقب في كل ما نشره في هذه الديار من المصنفات تنقيب عالم ضليع في موضوعه واسع الأفق في المادة العربية والإفرنجية التي يستقي منها ولو كان لكل من يؤلفون من الكفاءة في موضوعاتهم ما للأب لامس لاستراح النقاد من نقد التآليف الغثة التي تصدر من مطابع الشام ومصر خصوصاً ولتوفرت عَلَى الأمة أغلاط وخرافات تزيدها أغلاطاً عَلَى أغلاطها وخرافات إلى خرافاتها. الكتاب الثالث قانون بني عثمان المعروف بآصف نامه تأليف لطفي باشا وزير السلطان الكبير نشره الأب لويس شيخو علق عليه بعض حواش وفيه فائدة تاريخية نافعة لمن يتتبع تاريخ العثمانيين يعرف أسلوبهم في إدارتهم وسياسة بلادهم أيام عزهم. البرامكة اعتاد صديقنا الموسيو لوسين بوفا من علماء المشرقيات أن يأتي الحين بعد الآخر إلى عالم العلم بأبحاث شرقية دقيقة تعد ابتكاراً وإبداعاً في بابها وآخر ما كتب بالإفرنسية بحث في البرامكة وتاريخهم نقلاً عن مؤرخي العرب والفرس وقد وقع بحثه في ١٤٤ صفحة أفاد فيها وأجاد عَلَى عادته وألم بجميع ما ينبغي أن يعرف عن هذه الأسرة التي كان لها شأن وأي شأن في أوائل الدولة العباسية. تقويم البشير عن سنة ١٩١٣ هذه هي السنة السادسة والثلاثون لظهور هذا التقويم المفيد وهو في هذه السنة من تأليف الأب لويس معلوف اليسوعي مدير جريدة البشير وفيه فوائد غزيرة مثل حساب السنة بل السنين والأوقات والأعياد والأصوام وأسماء الرؤساء الروحيين ورؤساء الممالك وقناصل الدول ومعلومات نافعة عن ولاية بيروت ومتصرفية لبنان والولايات العثمانية وأحوالها الإدارية وأسماء قرى جبل لبنان وشذرات مدنية وتاريخية وجدول السلاطين العثمانيين وولاة العهد والجرائد والمجلات العربية في السلطنة وتعريفات البرد والتلغرافات والسكك الحديد وجداول النقود وإلى غير ذلك من الفوائد التي تهم مما دل عَلَى أن العناية بهذا التقويم تزيد سنة عن سنة بفضل مؤلفه وبعد نظره. دروس الفقه تأليف الشيخ محي الدين الخياط طبع في المطبعة الأهلية في بيروت تعنى المكتبة الأهلية في بيروت بطبع مختصرات مدرسية عَلَى نفقتها ومنها هذا الموجز اللطيف وهو يشتمل عَلَى ثلاثة فصول في أربعة وثلاثين درساً تفصل بها عقائد الإسلام وأحكام العبادات عَلَى الطريقتين النقلية والعقلية في ٧٢ صفحة. المطالب العلية في الدروس الدينية تأليف الشيخ محمد راغب الطباخ طبع في مطبعة البهاء بحلب سنة ١٣٣٠ هذا القسم الأول من هذه الدروس النافعة العملية في العبادات وما يقتضي للصغير معرفته وقد قررت اللجنة العلمية ومجلس معارف ولاية حلب تدريسه لتلامذة السنة الأولى والثانية في المكاتب الابتدائية. والمؤلف من رجال النهضة السورية بفضله وفضائله. بغية الراغبين وقرة عين أهل البلد الأمين فيما يتعلق بعين الجوهرة السيدة زبيدة أم المؤمنين تأليف السيد عبد الله الزواوي طبعت بالمطبعة الخيرية سنة ١٣٣٠ . هذه الرسالة تشتمل عَلَى ذكر أحوال عين زبيدة التي يستقي منها أهل مكة المكرمة وما لها من المنافع العمومية للقاطنين بتلك البقاع المقدسة والوافدين عليها من جميع الأقطار مع بيان الإصلاحات التي أحدثته اللجنة المؤلفة لذلك تحت رعاية سيادة شريف مكة وذكر مباحث تتعلق بخطط هذا البلد الأمين وغير ذلك. الأربعون حديثاً في المسلسلة جمعها عبد الله أفندي الكزبري طبعت بمطبعة الفيحاء بدمشق سنة ١٣٣٠ . هي أربعون حديثاً مسلسلة بالسادة الأشراف متصلة سلسلتها بأمير المؤمنين علي بن أبي طالب كرم الله وجهه مرفوعة إلى النبي صلي الله عليه وسلم رآها جامعها في ثبت محدث الديار الشامية في عصره الشيخ عبد الرحمن الكزبري. وقد جعل لها مقدمة بنسب بيت الكزبري أجداده فله الشكر. قاموس القضاء العثماني لسليمان أفندي مصوبع طبع بمطبعة العرفان بصيدا سنة ١٣٣٠ . كتاب من أحل الكتب التي صدرت تحت سماء سورية في العهد الخير يحتوي عَلَى جميع الأحكام الشرعية والقانونية المتعلقة بالمعاملات العادية والتجارية والمناكحات والعقوبات والفرائض والأوقاف ومقررات المعاهدات والامتيازات المعطاة للجانب وللرؤساء الروحيين من الملل غير المسلمة مضافاً إلى بعض الغامضة الشروح المعلقة عليها والمقررات الرسمية المفسرة لها مع مقررات الدوائر التشريعية التي وضعت لتحل محل بعض الأحكام القانونية. كل ذلك عَلَى حروف المعجم يسهل الاهتداء إلى مواده. وقد اعتمد فيه المؤلف وهو من رجال المحاماة في صيدا عَلَى مصادر منوعة عثمانية ومصرية تدل عَلَى تضلعه من هذا الفن الجليل وتلطفه في التنسيق والوضع وقد صدر من الكتاب حتى الآن ثلاثة أجزاء وقعت في ٣٦٠ صفحة فنرجو من المؤلف التوفيق إلى إكمال عمله العلمي النافع. في بلاد الناس أو رحلة الشتاء والصيف لصاحبها عبد المجيد أفندي كامل الجزء الأول طبع بمطبعة الترقي بدمشق سنة ١٣٣٠ - ١٩١٢ هي رحلة موجزة رحلها المؤلف في بعض بلاد إيطاليا وسويسرا وفرنسا ووصف فيها ما أثر في نفسه وفيه النافع كما فيه شؤون لا تخلو منها بعض الرحلات الحديثة من الأحاديث الخاصة التي لا علاقة لها بالعموميات ولا تفيد الجمهور مثل الكتاب المنشور في صفحة ٤٢ وما تبع ذلك من اتهام المؤلف المصري بتهمة التجسس بعض أبناء وطنه في أوربا. وقد قدم المؤلف رحلته إلى عبد المجيد أفندي نجل ساكن الجنان السلطان عبد العزيز خان. كتاب الملهوف عَلَى قتلى الطوف للإمام رضي الدين علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن طاووس البغدادي. طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٢٩ . مؤلف هذه الرسالة من علماء الشيعة في القرن السادس جسم فيها مقتل آل البيت عليهم السلام وما تقدم هذا العمل الفظيع في تاريخ الإسلام وما تأخر عنه من الوقائع المؤلمة عَلَى أسلوب مؤثر وقد وقع في ١٦٠ صفحة صغيرة. هداية المتعلمين إلى ما يجب في الدين للشيخ أحمد رضا طبعت بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٣٣٠ . هي رسالة مختصرة فيما يجب عَلَى المسلم معرفته وما يتحتم عليه الاعتقاد به عَلَى طريقة السؤال والجواب ألفه المؤلف لإفادة أبناء المدارس من ناشئة الوطن العاملي أي لأبناء الشيعة في بلاد بشارة وقد مزج فيه الاعتقاد الديني بالاعتقاد الزمني وأورد ما يجب عَلَى من يتمذهب بمذهبه اعتقاده في الإمامة. آثار ذوات السوار لجامعه محمد عَلَى أفندي حشيشو طبع بمطبعة العرفان في صيدا صفحة ١٦٠ . أجاد مؤلف هذا الكتاب وهو من نوابغ مدينة صيدا في اختيار هذا الموضوع لإفادة الجنس اللطيف والجنس النشيط معاً وذلك بجمعه عن أوثق كتب الأدب والحكايات والقصص. الأشعار والأجوبة التي صدرت عن النساء في صدر الإسلام وعهد نضارة لغة العرب وقد علق عَلَى بعض الألفاظ اللغوية شرحاً موجزاً يحل غامض المعاني فجاء كتابه جديراً بأن تعتمده في التدريس مدارس البنات العربيات ليعرفن كيف كانت جداتهن في الفضل والكمال ويأخذن البلاغة من معينها الصافي من الكدورات. ديوان الأدب في نوادر شعر العرب لنسيم أفندي الحلو طبع بمطبعة العرفان في صيدا سنة ١٩١٢ . خص جامع هذا الكتاب الجزء الأول في نوادر الشعراء الأقدمين والثاني في نوادر الشعراء المعاصرين وعزا كل قصة أو قصيدة أو بيت لقائله فجاء كتابه مسلياً لطيفاً وحبذا لو كثرت أمثال هذه الكتب والرسائل التي يراعى فيها الأدب وذوق البلاد لتقوم مقام بعض الأقاصيص المعربة عن اللغات الإفرنجية التي كتبت لأمة غير أمتنا وهي لا تفيدنا في آدابنا ولا قلامة ظفر دع ما في أكثرها من الركاكة المستهجنة وقلة الأدب. رسائل منوعة الأولى ثلاث رسائل للشيخ حسن الشطي طبعت بمطبعة روضة الشام سنة ٣٢٨ وهي رسالة في الكلام عَلَى البسملة الشريفة ورسالة في مبحث التقليد والتلفيق ورسالة في فسخ النكاح عَلَى المذهب الحنبلي. الثانية كتاب مصر وسورية وهي مجموعة مقالات أدرجت في جريدة النصير البيروتية لنسيم أفندي ملول. الثالثة أبناء الفقر أكثر تأثيراً في ترقية الهيئة الاجتماعية من أبناء الغني للمقيلة سلمى صائغ كساب وهو خطاب طبع في مجلة الحسناء. الرابعة تقرير جمعية الملجأ الصحي التدرني في ظهر الباشق قرب قرية رومية لبنان ١٩١١ - ١٩١٢ وفيه خلاصة أعمال هذا الملجأ ومن تبرعوا له وقانونه. أخبار وأفكار المستعمرات الاجتماعية أحدثت حماية الأولاد المهملين المتشردين والمجرمين عناية فائقة في جميع بلاد الغرب منذ ثلاثين سنة وكان السابق إلى الدعوة للنظر في هذا الأمر الخطير جول سيمون الفيلسوف الفرنسوي ثم تابعه كثير من أهل البحث والنظر والفلسفة وفي جملتهم الفيلسوف ريبو وقد ذهب الباحثون في ذلك مذهبين فمنهم من رأى أخذ الولد المجرم من أهله لئلا يؤثر فيه محيطهم وأن يسلم إلى أسرة شريفة تنظر في تربيته وتقدم عَلَى تهذيبه وقد نجحت هذه الطريقة كثيراً إلا أن بعض الباحثين في الجرائم يزعمون أنها لا ينتج نتيجة حسنة حقيقية في أحوال كثيرة من شأنها أن تحمل الولد عَلَى ارتكاب الجرائم منذ صغره لفساد طرأ عليه ومن رأيهم أن مدارس الإصلاح أو مستعمرات التوبة تنجح في تحسين حالة الأولاد الفاسدين ليس إلا وبهذا النظر أنشئت معاهد للأولاد فيلا البلاد الغربية مثل الولايات المتحدة وألمانيا وفرنسا وإنكلترا وإيطاليا والمجر والبلجيك وهولاندة وسويسرا. وأهم ما أنشئ من نوعها ما كان في سويسرا فإن أساسها النظام يعيش فيها الولد مطلقة حريتهم بدون أن يخضعوا لمراقبة الحراس عليهم ويعنى بهم عناية لا يشعرون بالثقل عليهم بها وهم محفوفون بكل ما يساعد عَلَى تربيتهم في محيط أدبي وإذا نظر إليهم المرء لأول وهلة يظنهم تلامذة داخليين متمتعين بحريتهم ولهم حرية تامة في أعمالهم يذهبون ويجيئون كما يشاؤن ويتكلمون كما يفكرون ويعملون بدون أن يستولي عليهم أدنى خوف من سلطة فوق رؤوسهم ولا يلاحظون أنهم مراقبون يعيشون كأنهم في عائلة متمتعين بحماية خالية من القسوة الظاهرة ومن مرض منهم يعنى بأمره عناية فائقة كأنهم بين أهلهم وذويهم وهكذا لا يزالون بهم حتى ينسوا أن ماضيهم كان سيئاً ويكفرون عما أقدمت أيديهم بتحسين الخلاق وتوسيع العقل وهذه الطريقة تعدهم للدخول ذات يوم في المجتمع الذي يتلقاهم كأنه نسي ما أتوا سابقاً. وبعد ظهر كل أحد يعطون دروساً في التربية في صورة محاصرات تؤخذ موضوعاتها من تاريخ مدنيات الأمم. وتكون هذه المحاضرات بحسب سني الأولاد يلقيها معلمون أو معلمات وإذا شوهد أن أحد الأولاد لم ينجع فيه نصح القائمين عَلَى إصلاحه يعزل عن رفاقه بدون أن تساء معاملته. وبالجملة فكان خير طريقة في هذا الباب طريقة التربية عَلَى الأسلوب البيتي وتكون هذه المستعمرات في الفلاة وسط الغابات حيث يجتمع الأولاد فرقاً فرقاً كل فرقة مؤلفة من خمسة عشر ولداً تحت نظارة معلم يسمونه أبا الأسرة ويسكن معهم في مستعمرتهم ويعيش وإياهم يلعب ألعابهم ويعنى بإصلاح ذكائهم أو إعداده ويهيئ لهم مستقبلهم بان يعلم كل واحد منهم صناعة وقد كان سنة ١٩٠٠ في سويسرا ٣٦ معهداً مثل ذلك فيه ١٥٧٨ ولداً. حماية الطيور تفكر إنكلترا بسن قانون تحظر فيه صيد الطيور إلا قليلاً إذ ثبت أن النافع منها في إهلاك الحشرات قد يصاد فيعود من ذلك ضرر كبير عَلَى الزراعة. والناس بعد التفنن في أسلحة الصيد عادوا فأنشأوا أسلاكاً كهربائية يضعونها فيصعقون بها دفعة واحدة عشرة آلاف طير فإذا شاعت هذه الطريقة في كل مكان لا تلبث ضروب الطيور أن تنقرض وقد حسب العلماء أنه أذا انقرض الطير لا تمض ثمان سنين حتى لا تعود الأرض صالحة لسكنى الإنسان. ورأى بعضهم أن خير طريقة لمنع صيد الطيور أن تشدد الحكومات فيه كثيراً وأن يعاونها الناس في تنفيذ القوانين كأن يعلم المدرس في المدرسة منافع الطيور ومضار فقدها لأنهم تحققوا فيلا أوربا أن المدارس التي عني معلموها بنصح التلاميذ أن لا يأخذوا أعشاش الطيور ليلعبوا بها قد أتت بنتائج حسنة وقد أقاموا في المجر سنة ١٩٠٧ عيداً سنوياً للطيور اشترك فيه زهاء مائتي ألف ولد وقد زرعت النمسا في السنة الماضي أربعة عشر عش صناعي مجاناً وفي ألمانيا يعاقب من يزيل وكنة أحد الطيور بغرامة مائتي مارك وربما حبس أحياناً ولكي ينال المرء الحق في وضع بلبل في قفص يجب عليه أن يطالب رخصة خاصة ويدفع رسماً لمنفعة بيوت الإحسان أما سويسرا فقانونها لحماية الطيور أشد منكل بلد حتى لقد يصبح أن تسمى الجمهورية محبة الطيور - عن مجلة الديبا الفرنسوية. لاتقاء الحر اشتدت الحرارة هذه السنة في أكثر الأقطار وقد كتبت بعض المجلات الأوربية نصائح الصحية للناس خلال فصل الصيف جاء فيها أن ما يعمد إليه الناس من استعمال المثلجات والمبردات قد ينشأ من احتقان مختلف الأشكال ويحدث تعباً في الجسم وإعياء فالمبردات لا تبرد الجسم بل تثقل عَلَى المعدة وتفسد الطعام الذي فيه وتتعب الكلى والمثانة بيد أن العرق مفيد لأنه عبارة عن غسل الداخل نحو الخارج لأنه يحذف المواد الوسخة من الجسم ولاسيما جوهر البول والحامض البولي ولكن ذلك لا يطلب بتناول المثلجات بل الرياضة المعتدلة عَلَى شرط أن يغير المرء ثيابه كلما عرق لئلا يبرد جسمه بهذا التبخر وينبغي الامتناع في الحر عن المشروبات الروحية وأن لا يتعرض المرء للشمس فلا يخرج إن أمكن من محله وقت اشتدادها وإذا خرج فلا باس أن يحمل شمسية ويجعل عَلَى عنقه منديلاً ويلبس ألبسة رفيعة تكون إلى البياض أقرب واسعة بحيث يتخللها الهواء وأن يقلل الطعام ولاسيما ما كان منه مهيجاً ويكون عَلَى الأكثر ألباناً وبقولاً وينبغي أن تكون الثمار ناضجة جداً مطبوخة عند الاقتضاء وأن يمتنع عن الزبدة والمربيات وأن يقتصر عَلَى الماء المقطر النقي يؤخذ عند العطش بكمية قليلة أو تؤخذ مياه معدنية مكفولة من ينابيعها وأن يستحم المرء وينام مغطى قليلاً لئلا يختلف الهواء في الليل فما يضر بصحة النائم التقلب من حر إلى برودة ولا بأس بأن يفتح باب غرفة النوم إذا كانت متصلة بغرفة أخرى يلعب فيها الهواء أو تكون متصلة بدهليز.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_81.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.81.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
