<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.80.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.80.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨٠ بتاريخ: ١ - ١٠ - ١٩١٢ كتاب الأدب والمروءة عني بنشره الشيخ طاهر الجزائري بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين قال صالح بن جنان: اعلم أن العرب قد تجعل للشيء الواحد أسماء وتسمي بالشيء الواحد أشياء فإذا سنح لك ذكر شيء فاذكره بأحسن أسمائه فإن ذلك من المروءة وإنما الرجل بمروءته فالمروءة اجتناب الرجل ما يشينه واجتناؤه ما يزينه وإنه لا مروءة لمن لا أدب له ولا أدي لمن لا عقل له ولا عقل لمن ظن أن في عقله ما يغنيه ويكفيه عن غيره وشتان بين عقل وافر معه خمسون عقل كلها وافر مثله ومن عقل وافر لا فائدة معه ومن ذلك قول الشاعر: وما أدب الإنسان شيء كعقله ولا زينة إلا بحسن التأدب وقال أن الأفئدة مزارع الألسن فيمنها ما ينبت ما زرع فيه من حسن ولا ينبت ما سمج ومنها ينبت ما سمج ولا ينبت ما حسن ومنها ما ينبت جميع ذلك ومنها لا ينبت شيئاً وإن من المنطق لما هو أشد من الحجر وأنفذ من الإبر وأمر من الصبر وأحر من الأسنة وأنكد من زحل ولربما احتقرت كثيراً منه عَلَى حرارته ومرارته وتنكد مخافة ما هو أحر منه وأمر وأفظع وأنكر وفي ذلك قول الشاعر: لقد أسمع القول الذي كاد كلما يذكر تيه الدهر قلبي يصدع فأبدي لمن أبداه مني بشاشة كأني مسرور بما منه أسمعه وما ذاك من عجبٍ به غير أنني أرى أن ترك الشر للقمر أقطع وقال في ذي الوجهين: من أظهر ما تحب أو تكره فإنما يقاس ما أضمر بما لا أظهر لأنك لا تقدر أن تعرف ما أسر وقال: ليس المسيء إذا تغيب سوء عندي بمنزلة المسني المعلن كم كان يظهر ما أحب فإنه عندي بمنزلة الأمير المحسن والله أعلم بالقلوب وإنما لك ما بدا منهم بالألسن ولقد يقال خلاف ذلك وإنما لك ما بدا منهم بالأعين وقال في الصدود: أما بعد فقد أحضرتني من صدرك ما آيسني من ودك ولم يزل يجري في لحظك ما يدخلني في رفضك ويدلني عَلَى غل صدرك وفي ذلك أقول شعراً: نظل في قلبه البغضاء كامنة فالقلب يكتمها والعين تبديها والعين تعرف في عيني محدثها من كان من حزبها أو من يعاديها عيناك قد دلتا عيني منك عَلَى أشياء لولاهما لم كنت أدريها أن الأمور التي تخشى عواقبها إن السلامة ترك ما فيها وقال في كثرة المال وقلته: لا تستكثر مال أحد ولا تستقله حتى تعلم ما عياله فإن من كثر ماله وعياله فهو مقل ومن قل ماله وعياله فهو مكثر. وقال في ذكر الأحمق ودخوله فيما لا يعنيه: وأكثرهم دخولاً فيما لا يدخل فيه وأرضاهم بما لا يكفيه - عدوه أعلم بسره من صديقه وصديقه قد غض منه بريقه ولا يثق بمن نصحه ولا يتهم من خدعه ولا يأمن إلا من يخونه زلا يتحفظ إلا ممن يحفظه ولا يكرم إلا من يهينه أشبه شيء خلقاً باللئيم إن أحسنت إليه لم يشكر وإن أسأت إليه لم يشعر لا ينفعك من وجهه إلا ضرك من وجوه: إن أقبل عليك لم يسرك وإن أدبر عنك لم يضرك إن أفسد شيئاً لم يحسن أن يصلحه وإن أصلح شيئاً أفسده إن أحببته فرأى منك حسناً لم يحسن أن ينشره وهو مع ذلك بخطئه أشد إعجاباً من العاقل بصوابه إن جلس إلى العلماء لم يزدد إلا جهلاً وإن جلس مع الحكماء لم يزدد إلا طيشاً وإنما جعل نفسه المحدث لهم يكلفهم أن يكونوا المنصتين له أعيا الناس إذا تكلم وأبلدهم إذا تعلم واصحبهم لمن يشينه وأرفضهم لمن يزينه وأشدهم في موضع اللين وألينهم في موضع الشدة وأجبنهم في موضع الشجاعة أن افتقر عجب من الناس كيف يستغنون وإن استغنى عجب من الناس كيف يفتقرون لا يفهم إلا حدثته ولا يفقه إن أفهمته ولا يقبل إن وعظته ولا يذكر إن ذكرته وفي ذلك أقول شعراً: المرء يصرع ثم يشفى داؤه والحمق داء ليس منه شفاء والحمق طبع لا يجول مركب وما أن لأحمق فاعلمن دواء وقال في ذكر الهوى: إن من الناس من إذا هوي عمي ومنهم من إذا هوي أبصر مرة وأعمي أخرى ومنهم من إذا هوي لم يكد يخفى عليه شيء وهو اللبيب العاقل الحليم الكامل الذي إن أعجبه أمر نظر إلى هواه وعقله فإن اتفقا اتبعهما وإن اختلفا اتبع عقله وترك هواه وكان أمراً معتدلاً يشبه بعضه بعضاً وقليل ما هم في ذلك أقول شعراً: أملك هواك إذا دعاك فربما قاد الحليم إلى الهلاك هواه الله يسعد من يشاء بفضله وإذا أراد شقاءه أشقاه وقال أيضاً في أناس تحسن وجوههم عند حاجاتهم وتغير وجوههم عند غناءهم شعراً: أرى قوما وجههم حسان إذا كانت حوائجهم إلينا وإن كانت حوائجنا إليهم تغير حسن أوجههم علينا ومنهم من سيمنع ما لديه ويغضب حين يمنع ما لدينا فإن بك فعلهم شحا وفعلي قبيحاً مثله فقد استوينا وقال فيمن فعل أمراً لا يحسن أن يحتال له: اعلم أن من قاتل بغير عدة أو خاصم بغير حجة أو صارع بغير قوة فهو الذي صرع نفسه وخصم نفسه وقتل نفسه فإن ابتليت بقتال أحد أو خاصمته أو مصارعته فأحسن الإعداد له واعرف مع ذلك عدته وأبصر حجته وأخبر قوته كما يخبر قوتك وحجتك وعدتك فإن رأيت تقدماً وإلا كان التأخر قبل التقدم خيراً من التندم بعد التقدم وفي ذلك أقول شعراً: إذا ما أردت الأمر فاعرفه كله وقيه قياس الثوب قبل التقدم لعلك تنجو سالماً من ندامةٍ فلا خير من أمر أتى بالتندم وإن من الناس من يرزق حجة أو عدة أو قوة فتكون عدته هي التي تقتله وقوته التي تصرعه وحجته التي تخصمه وذلك أنه ربما أدل فقاتل قبل أن يعلم أهو أعد أم الذي يقاتله وكذلك في الذي يخاصمه ويصارعه فإذا هو قد قتل أو صرع أو خصم أمام الذي يقاتله وكذلك في الذي يخاصمه ويصارعه فإذا هو قد قتل أو صرع أو خصم فلم ينفعه جودة عدته ولا قوة حجته حين أتى الأمر من غير جهته وفي ذلك أقول: إذا ما أتيت من غير وجهه تصعب حتى لا ترى منه مرتقاً فإن الذي يصطاد بالنفخ إن عنا عَلَى الفخ كان الفخ أعتى وأضيقا وقال في الذي يعاقب الناس بغير مودتهم ويوجب حق نفسه عليهم: لا تدع الناس إلى برك وإجلال أمرك وتعظيم قدرك بالمعاتبة ولكن ادعهم إلى ذلك بما تستوجبه منهم وانظر الأمر الذي أكرم به من هو أبعد منك وقرب به من أنت أقرب منه فألزمه فإنك إن تلزمه لم تحتج معه إلى معاتبة ولا استبطاء حق لأنك إن دعوتهم إلى تكرمتك بغير ما تستوجب التكرمة به فإنما دعوتهم إلى أهانتك إما بكلام يحرجك وإما بفعال تقدحك وإن دعاهم إلى ذلك فضلك أجابوا إما بثناء يرفعك وبجزاء ينفعك. وقال في معرفة الأخوان إنك لن تعرف أخاك حق المعرفة ولن تخبره حق المخبرة ولن تجربه حق التجربة وإن كنتما بدار واحدة حتى تسافر معه أو تعامله بالدينار والدرهم أو تقع في شدة أو تحتاج إليه في مهمة فإذا بلوته في هذه الأشياء فرضيته فانظر فإن كان أكبر منك فاتخذه أباً وإن كان أصغر منك فاتخذ ابناً وإن كان مثلك فاتخذ أخاً وكن به أوثق منك بنفسك في بعض المواطن وقال: كن من الكريم عَلَى حذر إن أهنته ومن اللئيم إن أكرمته ومن العاقل إن أحرجته ومن الحمق إن مازحته ومن الفاجر إن عاشرته ولا تدل عَلَى من لا يحتمل أدلالك ولا تقبل عَلَى من لا يحب إقبالك وكن حذراً كأنك غرو وكن ذاكراً كأنك ناسٍ والتزم الصمت إلى أن يلزمك التكلم فمن أكثر من يندم إذا نطق وأقل من يندم إذا لم ينطق وإذا ابتليت فعند ذلك تعرف جودة منطقك وقلة زللك وسعة عفوك وقلة حيلتك ومنفعة قوتك وحسن تخلصك واعلم أن بعض القول أغمض من بعض وبعضه أبين من بضع وبعضه أخشن من بعض وبعضه الين من بعض ولو كان واحداً فإن الكلمة اللينة لتلين من القلوب ما هو أخشن من الحديد وإن الكلمة الخشنة لتخشن من القلوب ما هو ألين من الحرير وإن عظم الناس بلاء وأدومهم عناء وأطولهم شقاء من ابتلى بلسان مطلق وفؤاد مطبق فهو لا يحسن أن ينطق ولا يقدر أن يسكت واعلم أن ليس يحسن أن يجيب من لا يسألك ولا تسأل من لا يجيبك وفي ذلك أقول شعراً: ولا خير في حلم إذا لم يكن له بوادر تحمي صفوه إن يكدرا ولا خير في جهل إذا لم يكن له حليم إذا ما أورد الأمر أصدرا وقال في الرفق في الدواب: إن رفق الرجال بدوابه وحس تعاهده لها وقيامه عليها عمل من أعمال البر وسبب من أسباب الغنى ووجه من وجوه المروءة وقال التدبير مع المال القليل وخير من المال الكثير مع سوء التدبير وإنما المنفقون ثلاثة جواد مبذر وكريم مقدر ولئيم مقتر وفي ذلك أقول شعراً: رب مال سينعم الناس فيه وهو عن ربه قليل الغناء كان يسقي به وينصب حيناً ثم أمسى لمعشر غرباء ماله عندهم جزاء إذا ما أنعموا فيه غير سوء الثناء رب مال يكون غماً وذماً وغني بعد في الفقراء وقال في تصنيف الطعام إذا كنت ممن يؤكل طعامه وتحضر مائدته ويؤكل معه فليكن الذي يتولى صنعة طعامك من ألب الناس في عمله وأنظفهم في يديه ولا تدع أعلامه إن أحسن ولا إنذاره إن أساء فإن تعتبك عليه خير من تعتب الناس عليك واعلم أن لكل شيء غاية وإن غاية الاستنقاء التنظيف في الاستنجاء والإكثار من الماء حتى يستوي اليدان والريح والمنظر فإنه لا طيب أطيب من الماء ولو أنه المسك وما أشبهه من الأشياء وإنما يستدل عَلَى نظافة الرجل بنقاء أثوابه وإنما يكون القذر في الحمقى من الرجال والنساء ويستدل عَلَى بلادتهم وفي ذلك أقول شعراً: ولا خير قبل الماء في الطيب كله وما الطيب إلا الماء قبل التطيب وما أنظف الأحرار في كل مطعم وما أنظف الأحرار في كل مشرب وقال في صفة العدو والصديق: احرص أن لا يراك صديقك إلا أنظف ما تكون ولا يراك عدوك إلا أحصن ما تكون فأما الصديق فإن كان الذي أعجبه منك خلقك أو خلقتك ولهما كان بحبك فكلما ازددت حسناً كان حبه لك أكثر ورغبته فيك أوفر (وأكثره عندك وأكبر لك في صدره) وأدوم له عَلَى عهدك وأما العدو فليس شيءٌ أعجب إليه من دمامتك وخساستك فاحترس منه وأظهر الجميل فليس شيء أعجب إليه من التمكن منك فانظر أن لا يكون شيء أعجب إليك من التحصن منه. وقال في العقل والأدب: اعلم أن العقل أمير والأدب وزير فإن لم يكن وزير ضعف الأمير وإن لم يكن أمير بطل الوزير وإنما مثل العقل والأدب كمثل الصيقل والسيف فإن الصيقل إذا أعطي السيف أخذه فصقله فعاد جمالاً ومالاً وعضداً يعتمد عليه ويلتجأ إليه فالصيقل الأدب والسيف العقل فإذا وجد الأدب عقلاً نفقه ووفقه وقواه وسدده كما يصنع الصيقل بالسيف وإذا لم يجد عقلاً لم يعمل شيئاً لأنه لا يصلح إلا ما وجد وإن من السيوف لما يصقل يسقي ويخدم ثم يباع بأدنى الثمن ومنها ما يباع بزنته دراً وزبرجد وذلك عَلَى نحو الحديد وجودته أو رداءته وكذلك الرجلان متأدبان بأدب واحد ثم يكون أحدهما أنفذ من الآخر أضعافاً مضاعفة وإنما ذلك عَلَى قدر العقل وقوته في الأصل وفي ذلك قلت شعراً: وقد يصلح التأديب من كان عاقلاً وإن لم يكن عقل فلن ينفع الأدب وقال في المراء: إذا اجتمع أهل نوع فتذاكروا عَلَى نوعهم ذلك لم يكن أصل كل واحد منهم أن ينفع بما أسمع وينتفع بما سمع فاعلم أن تذاكرهم ذلك من أول المراء يصدع العلم ويوهن الود ويورث الجمود وينشئ الشحناء وينغل القلب وفي ذلك أقول شعراً: تجنب صديق السوء وأصرم حباله فإن لم تجد عنه محيصاً فداره وأحبب صديق الخير واحذر مراءه تنل منه صفو الود ما لم تماره وقال في الحكمة: أما ما يسمع من كثير من الحكمة فإنه أوله شيء يخطر عَلَى الأفئدة إذا خطر وهو أصغر من الخردلة وأدق من الشعرة وأوهن من البعوضة ثم تحركه اللسنة وتنبذه الأفئدة كما يحاك البرد وكما يمد النهر فيعود أكثر من الكثير وأوثق من الحديد وأثمن من الجوهر وأحسن من الذهب وأنفع من كليهما لأنه يزيد في المنطق ويذكي الذهن ويعين عَلَى الإبلاغ ويتجمل به القائل ويتقلب فيه كيف يشاء ويختار منه ما يشاءُ فينتفع به اللطيف ويقبل به السخيف ويتزيد به الكثيف ويتأيد به الضعيف ويزداد به الأيدي قوة من منطقه وبلاغة في كتبهم وللكرماء في بشاشتهم وللشعراء في قصائدهم فإذا كنت ممن يؤلف حكمة أو يضع رسالة أو يذكر في مهمة فلا تكمه قلبك ولا تكره ذهنك فإنه إذا أكره كل ووقف ولكن إن كنت في شيء من ذلك فاستعن بالتفرغ منه عَلَى التفرغ له والتأخر عنه عَلَى التقدم فيه فإن الذهن يجم كما يجم البئر ويصفو كما يصفو الماء. وقال في الكلام وإخراجه: اعلم أن مثل الكلام كمثل الحجارة فمنها هو أعز من الذهب والفضة ومنها ما لا يعطى في الصخرة العظيمة منه درهم وفي ذلك أقول شعراً: وما الحجر الكبير أعز فيما ظفرت به من الحجر الصغير وكم أبصرت من حجر خفيف صغير بيع بالثمن الكبير وقال في طلاقة الوجه وحسن الخلق: كن أسهل ما تكون وجهاً وأظهر ما تكون بشراً وأقصر ما تكون أمداً وأحسن ما تكون خلقاً وألين ما تكون كنفاً وأوسع ما تكون أخلاقاً فإن الأيام والأشياء عقب ودول فإن أنكرت منها شيئاً يوماً ما كان (ما) أنكرت منها شيئاً خفيفاً عَلَى أهل الشمانة وأهل الصفاء واحذر أن تحزن من يحبك وتفرح من يحسدك فلم أر في مصاب الدهر مصيبة أوحش من تغيير النعمة وإن أنت لم تنكر منها شيئاً ودامت لك بما تريد فما من الدنيا شيء تناله بدعة ولا رفق إلا وهو أهنأ مما نيل بتعب ونصب فأما من كفي وعوفي فما يصنع بالغضب والتضايق وأنهما هما العمر ونكد الدهر وفي ذلك أقول شعراً: ما تم شيء من الدنيا علمت به إلا استحق عليه النقص والغير ولا تغير من قوم نعيمهم إلا تكدر منه الورد والصدر فعاد غماً ولن تلقى أمراً أبداً (أغمّ) من ملك أيام يفتقر وقال في الكذب: كذبت ومن يكذب فإن جزاءه إذا ما أتى بالصدق أن لا يصدقا وقال فيه أيضاً: إذا ما رأيت المرء حلواً لسانه كذوباً فأيقن أن لا حيا له ولا خير في الإنسان إن لم يكن له حياء ولا في كل من لا وفا له وقال في الأخوان: ليس من كان في الرخاء صديقاً وعدو الصديق بعد الرخاء عدة في إخائه لصديق إنما ذاك عدة الأعداء لو صدفنا بذي إخاء أمين لاشترينا إخاءه بالغلاء لو وجدنا أخاً متيناً أميناً لاتخذنا أخاه للشفاء أما الرفقاء في السفر والجلساء في الحضر والخلطاء في النعم والشركاء في العدم فاحفظ مصاحبتهم وواظب عَلَى إخائهم وفي ذلك أقول شعراً: وكنت إذا صحبت رجال قوم صحبتهم وشيمتي الوفاء فأحسن حين يحسن محسنوهم واجتنب الإساءة إن أساؤوا وأبصر ما يعيبهم بعين عليها من عيوبهم غطاء أريد رضاهم أبداً وآتي مشيئتهم واترك ما أشاء لا تبتدئن أحداً بصغير مما يكره ولا بكبيره ولا بقليل مما يسخط ولا بكثيره فإن ابتداك أحد بشيء من ذلك فقدرت عَلَى الانتصار منه فعفوت أو انتصرت فما أحسن جميع ذلك إلا أن العفو أكبر والانتصار أعز وكلاهما حظ وفي ذلك أقول شعراً: (فماذات باب بحمده فيما علمت عليه من طريق الصواب. . كم) وأي الناس الأم من سفيه بقول لا يخاف من الجواب وقال في الجهل: إياك والجهل فإنما تجهل عَلَى ثلاثة رجل أنت أعز منه ورجل هو أعز منك ورجل أنت وهو في العز سواء فأما جهلك عَلَى ما أنت أعز منه فلؤم وأما جهلك عَلَى ما هو أعز منك فحيف وأما جهلك عَلَى من هو مثلك فهراش مثل هراش الكلبين ولن يفترقا إلا مفضوحين أو مجروحين وليس هذا من فعال الحكماء والعلماء الحليم أرزن والجهول أنقص وفي ذلك أقول شعراً: ما تم علم ولا حلم بلا أدب ولا تجاهل في قوم حليمان ولا التجاهل إلا ثوب ذي دبس وليس يلبسه إلا سفيهان وقال في رؤية الرجل وخبره إن من الناس من يعجبك حين تراه وتزداد عند الخبرة إعجاباً (به) ومنهم من تبغضه حين تراه وعند الخبر تكون له أكثر بغضاً ومنهم من يعجبك مخبره ولا يعجبك منظره ومنهم من يعجبك منظره ولا يعجبك مخبره وفي ذلك أقول شعراً: ترى بين الرجال العين فضلاً وفيما أضمروا بالغبن الغبين ولو الماء متنبه وليست تخبر عن مذاقته العيون فلا تعجل بنطق قبل خبر فعند الخبر تنصرم الظنون وقال أيضاً في ذلك: وما صور الرجال بها امتحان وما فيها لمعتبر بيان ولكن فعلهم ينبيك عنهم به تحب الكرامة والهوان وما الإنسان لولا أصغراه سوى صور يصورها البنان وقال أيضاً: لم أزل ابغض كل امرئ وجهه أحسن من خبره فهو كالغصن يرى ناضراً ناعماً يعجب من زهره ثم يبدو بعده ثمن فيكون السم في ثمره وقال في النهي عن القبيح: وإذا رأيت من أحد أمراً فنهيته عنه قلم يحمدك ولم يذمم في نفسه عَلَى مكانة أو يحدث حدثاً تعلم أنه قد انتفع بمقالتك فإن ذلك عيب آخر قد بدا لك منه لعله أقبح من الذي نهيته عنه وفي ذلك أقول شعراً: ولا نهيت غوياً من غوايته إلا استزاد كأني كنت أغريه ولا نصحت له إلا تبين لي منه الجفاء كأني كنت أغويه وقال في المؤاخاة: لا تؤاخ أحداً إلا عَلَى اختيار منك له وارتضاء منك به واتفاق منه لك فإذا اتفق أمركما كذلك فاعلم أن كلاكما يحسن ويسيء ويصيب ويخطئ ويحفظ ويضيع فوطن نفسك عَلَى الشكر إذا حفظ وعلى الصبر إذا ضاع وعلى المكافأة إذا أحسن وعلى الاحتمال والمعاتبة إذا أساء فإن معاتبة الصديق إذا أساء أحب إلى الحليم من القطيعة في معاشرة من تؤاخيه وفي ذلك أقول شعراً: وإذا عتبت عَلَى امرئ أحببته فتوق ضفر عتبه وسبابه والن جناحك ما استلان لوده واجب أخاك إذا دعا لجوابه واحرص من أن تعرف موقعك من كل أحد حتى من أبيك وأمك فمن السخافة أن تكون لأخيك فيما يحب ويكون فيك فيما تكره وما أقبح أن تكون له فيما يكره ويكون لك فيما تحب واعلم أن من تنفعك صداقته ولا تضرك عداوته الكريم الذي إن أحسنت إليه كافأك وإن أسأت إليه عاقبك وأما من تضرك عداوته ولا تنفعك صحبته فهو الجاهل السفيه اللئيم وفي ذلك أقول شعراً: من الناس أن يرض لا تنتفع به ولكن متى يسخط فما شئت من ضرر ضعيف عَلَى الأعداء لكن قلبه اشد إذا لاقى الصديق من الحجر وقال في تقلب الدنيا شعراً: إنما الدنيا سراج ضوءه ضوء معار بينما غصنك غصن ناعم فيه اخضرار إذ رماه الدهر يوماً فإذا فيه اصفرار وكذاك الليل يأتي ثم يمحوه النهار وقال في المداراة: إذا هبطت بلداً أهلها عَلَى غير ما تعرف وأنت عَلَى غير ما يعرفون فألزم كثيراً من المداراة فما أكثر من دارى ولم يسلم فكيف لم يكن منه مداراة وفي ذلك أقول شعراً: يا ذا الذي أصبح لا والداً له عَلَى الأرض ولا والده قد مات من قبلهما آدم فأي نفس بعده خالده إن جئت أرضاً أهلها كلهم عور فغمض عينيك الواحدة وقال لا تقاتلن أحداً تجد من قتاله بداً فإنما الحق لمن غلب ولا غالب إلا الله وإن آخر الدواء الكي فلا تجعله أولاً وفي ذلك أقول شعراً: وكم رأينا من أخي غبطة أصبح مسروراً وأمسى حزيناً وكم رأينا فتى يركب طاحونة للحرب قد أصبح فيها طحيناً وقال في الإعسار والإيسار: كم من صديق لنا أيام دولتنا وكان يمدحنا قد صار يهجونا إني لأعجب ممن كان يصحبنا ما كان أكثرهم إلا يراؤنا لم ندر حتى انقضت عنا إمارتنا من كان ينصحنا أو كان يغوينا من كان يصنفنا ما كان يصحبنا إلا ليخدعنا عما بأيدينا وقال في الصلة والتفضل: لا يكن من وصلك أحق بصلتك منك وبصلته ولا من غير تفضل عليك أولى بالتفضل منك عليه فإنما أتت وهو كرجلين ابتدرا كرومة فقصر أحدهما وبلغ الآخر فإنما القاصر قصر عن حظ نفسه وأما البالغ فبلغ بجميل أمره وعظيم قدره. وقال في القدر: إذا كان الرجل لبيباً فاعلم أنه كامل ولكن لن يقدمه ذلك إلى ما كان يطالب ولن يؤخره عما كان يحاذر إلا بقدر يلحق به ما طلب ويسبق به ما يحذر وإن من الناس من يؤتى منطقاً وعقلاً ولا يؤتى مالاً ومنهم من يؤتى مالاً ولا يؤتى غيره فيحتاج مع ماله إلى عقل ذي العقل ومنطقه ويحتاج ذو العقل إلى مال ذي المال ورفده وينهض هذا بهذا وهذا بهذا (فليس لأحدهما إذاً غنى عن الآخر) فأحوج الملك إلى السوقة وأحوجت السوقة إلى الملك. وقال في التفاضل: لا تقل فلان أغنى مني وأنا أحزم منه فإنه لو جمع العقل والشدة والشجاعة والمال وأشباه ذلك القوم وبقي قوم لا شيء لهم لهلكوا ولكن الله عز وجل قال أهم يقسمون رحمة بك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعضهم درجات فأوتي بعضهم عقلاً وبغضهم قوة وبعضهم مالاً مع أشياء مما يكون فيه صلاحهم وبه معايشهم ثم أحوج بعضهم إلى بعض فعاشوا وإنما مثل الرجل ورزقه ومثل أدبه وعقله ومروءته وحكمه كمثل الرامي ورميته فلا بد للرامي من سهم ولا بد لسهمه من قوس ولا بد لقوسه من وتر ولا بد لجميع ذلك من قدر يبلغ به ما رشق ويصيب به ما يبلغ ويحوز ما أصاب وإلا فلا شيء فالرامي الرجل والرمية الرزق ولا يجمع بينهما عقل ولا عز ولا شيء من ذلك إلا بقدر وفي ذلك أقول شعراً: ما القوس إلا عصا في كف صاحبها يرعى بها الضان أو يرعى بها البقر أو عود بان وإن كانت معقفة حتى يضم إليها الشهم والوتر وإن جمعت لها هذين فهي عصا حتى يساعد من يرمي بها القدر وقال: إن حسن السمت وطول الصمت ومشي القصد من أخلاق الأتقياء وإن سوء السنت وترك الصمت ومشي الخيلاء من أخلاق الأشقياء فإذا مشيت فوق الأرض فاذكر من تحتها وكيف كانوا فوقها وكيف حلوا بطنها وكيف كانوا أمما واعلم أن ابن آدم أعز من الأسد وأشد من العمد ما لم تصبه أدنى شوكة وأدنى مرض وأدنى مصيبة فإذا اصابه شيء من ذلك وجدته أهون من الذرة وأمبن من البعوضة فلا يغررك تجبره وتكبره وتفر عنه واستطالته وفي ذلك أقول شعراً: ولا تمش فوق الأرض إلا تواضعاً فكم من تحتها قوم هم منك أرفع فإن كنت في عز وحرز ومنعة فكم طاح من قوم هم منك أمنع وقال في الغنى والقنوع: إن الغنى في القلب فمن غنيت نفسه وقلبه غبيت يداه ومن افتقر قلبه لم ينفعه غناه وفي ذلك أقول شعراً: إذا المرء لم يقنع بشيءٍ فإنه وإن كان ذا مال من الفقر موقر إذا كان فضل الله يغنيك عنهم فأنت بفضل الله أغنى وأيسر وقال في الرأي والمشاورة: إذا استشير نفر أنت أحدهم فكن آخر من يشير فإنه أسلم لك من الصلف وابعد لك من الخطأ وأمكن لك من الفكر وأقرب لك من الحزم وفي ذلك أقول شعراً: ومن الرجل إذا زكت احلامهم من يستشار إذا استشير فيطرق حق يجول بكل وادٍ قلبه فيرى ويعرف ما يقول فينطق فبذاك يطلق كل أمر موثق وبذاك يوثق كل أمر يطلق إن الحليم إذا تفكر لم يكد يخفى عليه من الأمور إلا وفق وقال في النهي عن مجالسة أهل الأهواء والبدع ومحادثتهم: أما هذه الأهواء فإني لم أر أحداً ازداد فيها بصيرة إلا ازداد فيها عمى لأن أمر الله اعز من أن تلحقه العقول ولم أر اثنين تكلما فيها إلا رأيت لكل واحد منهما حجة لا يقدر صاحبه عَلَى دفعها إلا بالشبهة والمغالطة وأما بالنصيحة فلا ومن غالط في هذا أو مثله فإنما يغالط نفسه وعليها يخلط وإياها يخدع أو أراد أن يخادع ربه والله أعز من أن يخدع لقد نبئت أن الله تبارك وتعالى أوحى إلى نبيه موسى صلى الله عليه وسلم لا تجادل أهل الأهواء فيوقعوا في قلبك شيئاً يوردك به إلى النار فهذا أمر نهى عنه موسى عليه السلام وقد أعطى التوراة فيها هدى الله وكلم الله موسى تكليماً فكيف بغيره من الأهل الأهواء ولم يزل الصالحون يتناهون عن الهوى والمراء فيه والجدل به وبم أر قيا ساقط ثم ولا كلاماً صح إلا وفيه كلام بعد كثير فالسنة إن لا يتكلم في شيءٍ من الأهواء بالهوى وبغير الإتباع للكتب المنزلة والسنن للرسل الصادقة وفي ذلك أقول شعراً: إذا أعطي الإنسان شيئاً من الجدل فلم يعطه إلا لكي يمنع العمل وما هذه الأهواء إلا مصائب يخص بها أهل التعمق والعلل وقال في النميمة: إياك والنميمة فإنها لا تترك مودة إلا أفسدتها ولا عداوة إلا جددتها ولا جماعة إلا بددتها ولا ضغينة إلا أوقدتها ثم لا بد من عرف بها أو نسب إليها أن يتحفظ من مجالسته ولا يؤتى بناحيته وأن يزهد في مناقشته وأن يرغب عن مواصلته وفي ذلك أقول شعراً: تمشيت فينا بالنميم وإنما يفرق بين الأصفياء النمائم فلا زلت منسوباً إلى كل آفة ولا زال منسوباً إليك اللوائم وفي مثله قوله: كالسيل في الليل لا يدري به أحد من أين جاء ولا من أين يأتيه فالويل للعبد منه كيف ينقصه والويل للود منه كيف يبليه وقال: إذا قيل لك شيء أطول فقل الكلام وإذا قيل لك أي شيء أقصر فقل الكلام لأن الكلمة الواحدة قد تكون جواباً لألف كلمة وقد يكون جوابها ألف كلمة وأكثر ولن تدرك الكلام حتى تذره ولن تذره حتى تحذره وفي القول خطأ كثير وبعضه صواب وإن الصمت منه لأصوب فاترك منه ما لا تنتفع بأخذه وخذ منه ما لا تقدر عَلَى تركه واسجن لسانك كما تسجن عدوك واحذره كما تحذر غائلته. وقال في تأديب النفس: إذا أبصرت بعض ما تكره من غيرك فأسرع الرجعة منه قبل أن يبصر منك ما يستربيه واحمد الله الذي أحسن إليك وبصرك عيوب نفسك ونبهك الرجوع عن غيك وإذا أخبرك بعيبك صديق قبل أن يخبرك به عدو فأحسن شكره واعرف حقه فإن خبر العدو تعييب وخبر الصديق تأديب وفي ذلك أقول شعراً: ولن يهلك الإنسان إلا إذا اتى من الأمر ما لم يرضه نصحاؤه وقال في الحاسدين: اعلم أنك لن تلقى من الخير درجة ولن تبلغ منه رتبة ولن تنزل منه منزلاً إلا وجدت فيه من يحسدك وإنما الحاسد خصم فلا تجعله حكماً فإنه إن حكم لن يحكم إلا عليك وإن قصد لم يقصد إلا إليك وإن دفع لم يدفع إلا حقك وفي ذلك أقول شعراً: ولو كنت مثل القدح ألفيت قائلاً إلا ما لهذا القدح ليس بقائم ولو كنت مثل النصل ألفيت قائلاً إلا ما لهذا النصل ليس بصارم تم أدب صالح بن جنان بفضل منشئ الروح ومجري الرياح والملك الوهاب الفتاح وذلك في سلخ شهر ذي القعدة سنة ١٠٨٦ والحمد لله أولاً وآخراً وباطناً وظاهراً وصلى الله عَلَى سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم. تنبيه لم نقف عَلَى ترجمة صاحب هذا الكتاب فيما بين أيدينا من الكتب وإنما رأينا له ذكراً في كتاب العلم للحافظ بن عبد البر. حيث قال أحسن ما قيل في الصمت ما ينسب لعبد الله بن طاهر وهو: أقلل كلامك واستعذ من شره إن البلاء ببعضه مقرون واحفظ لسانك واحتفظ من عيه حتى يكون كأنه مسجون وكل فؤادك باللسان وقل له إن الكلام عليكما موزون فزناه وليك محكماً في قلة إن البلاغة في القليل تكون وقد قيل أن هذا الشعر لصالح بن جنان والله أعلو وهو أشبه بمذهب صالح وطبعه اهـ. الحكومات وشرائعها عرف الإنسان منذ نشأته أن الاتحاد ذريعة لنيل سعادته ووسيلة للحصول عَلَى مراده فمال بالقسر إلى الاجتماع تكاتفاً عَلَى ما يتعلق بأمر معيشته من هجوع وترحال ومأكل ومشرب ودعاه إلى ذلك داعي العجز والتقصير للقيام بمقتضيات حياة المدنية كالزراعة والصناعة عَلَى اختلاف أصنافها والعلم عَلَى تعداد أنواعه فكان اجتماعه قسرياً ضرورياً لراحته ورفاهته عبرت عنه الحكماء بقولها الإنسان مدني بالطبع أي لا بد له من الاجتماع الذي هو المدنية في اصطلاحهم. ولما كان الإنسان ميلاً بالطبع إلى الظلم والعدوان كان من الضروري لاجتماعه وجوب وجود وازع يدفع بعض الناس عن بعض ويهتم بإصلاح شؤونهم وأحوالهم ومعيشتهم وإلا تضعضعت دعائم العمران ووهت أسبابه وقواعده لأنه ليس من الممكن عقلياً اجتماع أفراد بدون اتفاق فيما بينهم عَلَى كيفية نيل المعاش واقتسام الرزق ولا يمكن ذلك الاتفاق إلا بوجود وازع عادل يحدد حقوق كل فرد وواجباته طبقاً لقواعد أدبية واجتماعية تعرف الآن بالشريعة وهي لئن الآن اختلفت مبدأ باختلاف العادة والمكان لا تختلف غاية وهي المحافظة عَلَى حقوق الإنسان لقيام المجتمع البشري كما يقول العلامة ابن خلدون في مقدمته: ولكي يتم للإنسان الاجتماع لابد له من سنن يكفله ولابد من العدل في هذه السنن أي مراعاة مصالح الجمهور المتبادلة ولا بد من احترامها كذلك وإلا انفصمت عروة الاجتماع وتداعت دعائمه: ولكن لما كان الإنسان كثيراً ما لا يسلك م نفسه الطرق المثلى المؤدية إلى ذلك إما عن عتوا أو غرور أو عن جهل وذهول كان لابد له من إقامة قوة يناط بها المحافظة عَلَى المقرر من السنن والاقتصاص ممن يحيد عن جادتها وإلا آل به الحال إلى الفوضى أي لابد له من وازع يكون من إذا لم يمكن أن يكون سواه يدفع عدوان بعضه عن بعض ويتهم بإصلاح شؤونهم اهـ. فهكذا نشأت الشرائع والحكومات ولم تكن الأولى بداءة بدء سوى مجموعة عوائد وآداب بعضها ما فرضته الأديان وأخرى ما قضت الأحوال بإتباعه عفواً فأخذت ترتقي بعدئذ بالاتقاء الإنسان إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن كما أنه لا ينكر تغيير الأحكام بتغيير الأزمان. فما الشريعة سوى خطة تسري الحكومة بموجبها فتحدد حقوق الجميع وهي مسئولة بالطبع لدى هذا النظام عما تفعله بالنظر إلى رعاياها كما أن أرباب العائلات مسئولون أمام نظامهم عما يفعلون بالنظر إلى عائلاتهم لا بل تبعت الحكومة أعم من مواجب أرباب العائلات لأن رب العائلة تطالبه أُسرته وهو مسؤولية لها ولذمته في حين تكالب الرعية الحكومة والرعية مجموع أُسر عديدة فتكون مسئولة لها وللوطن كما قال أرسطو: العالم بستان سياجه الدولة والدولة سلطان تحيا به السنة والسنة سياسة يسوسها الملك والملك نظام يعضده الجنود والجند أعوان يكفلهم المال والمال رزق تجمعه الرعية والرعية عبيدٌ يكنفهم العدل والعدل مألوف وبه قوام العالم. فينتج إذن مما تقدم أن نشوء الشرائع والحكومات كان قديماً بقدوم أول اجتماع نظراً لما في طبيعة الإنسان الحيوانية من الأثرة والعدوان التي تحول دون اجتماعه وتآلفه لولا حاكم عادل يحد لكل حقوقه حسب الشرائع المفروضة فتاريخ الشرائع مرتبط بتاريخ الحكومات وتاريخ الاجتماع البشري كل ارتباط أي لم يكن الاجتماع دون الحكومات لتحفظ كيانه وتذب عن حماه وتدفع عن حوزته ولم تكن الحكومات دون الشرائع لتسير بموجبها فتحدد بالقسط والسوية حدود الجميع لم تكن الشريعة بدون حكمة تسنها ولم تكن الحكومة بدون جمعية تحكمها كما قال الموبذان بن بهرم في حكاية البوم التي نقلها المسعودي الملك لا يتم عزه إلا بالشريعة ولا قوام بالشريعة إلا بالملك ولا عز للملك إلا بالرجال ولا قوام للرجال إلا بالمال ولا سبيل للمال إلا بالعمارة ولا سبيل للعمارة إلا بالعدل والعدل الميزان المنصوب بين الخلقة نصبه الله وبه قوام العالم. اهـ. قلنا الشريعة لم تكن بادئ بدءٍ سوى مجموعة آداب وعوائد قضت الأحوال بإتباعها عفواً ثم أخذت ترتقي بارتقاء الإنسان إلى أن وصلت إلى ما هي عليه الآن من الرقي والفلاح فهي إذاً مرآة صافية ينعكس عليها مركز الأمة في الجسم الاجتماعي كما ينعكس عليها أيضاً من عوائدها وأخلاقها ما يظهر لنا تأخرها أو تقدمها. فمن اطلع عَلَى شرائع الفرس واليونان قديماً وأهل سومطرة مثلاً في القرن الماضي ووقف عَلَى ما جوزته شرائعهم من سلخ جلد المجرم بالقتل وسحقه بين صخرتين أو طمره حياً في الرماد حتى يموت تحته خنقاً إلى غير ذلك من الفظائع الحيوانية كأن يلقوا المجرم إلى السباع أو يمزقوا جسده بالكلاليب أو يحرقوه حياً أو يشدوا أطرافه إلى أربع أفراس فيمزق المجرم بالقتل إرباً إربا عرف حق المعرفة فظاظة طبائعهم وقسوة قلوبهم وغلظة أكبادهم وحكم حكماً باتاً عَلَى تلك الأمم بسكرة الجهل وتسكعها في مهامه الخمول لأن قساوتها وانحطاط أخلاقها وعوائدها كانت تتجلى في شرائعها بأجلى بيان عَلَى بقائها تحت وقر الجهل ووراء ظل الارتقاء. وإذا رجعنا فوقفنا عَلَى كثير من شرائع أمم أوربا المتمدنة الآن كإنكلترا وفرنسا وألمانيا وغيرها من أمم العالم المتمدن كأميركا وخصوصاً شرائع مملكتنا العثمانية نحكم بالطبع عَلَى وجوب رقي تلك الأمم لما ينجلي منعكساً عَلَى مرآة شرائعهم الصافية من حسن العوائد وطيب الأخلاق ما يضطرنا أن نقول بارتقاء تلك الأمم طبقاً لارتقاء شرائعها. ولكن لماذا لا يصدق هذا الحكم عَلَى أمتنا العثمانية وشريعتها من أحسن الشرائع ونظامها من أقوم النظامات؟ لماذا لا يصدق علينا هذا الحكم بل لماذا نحن في تأخر؟ إلا أننا من جنسية غير جنسيتهم ونحن ذرية الذين اشتهروا بالصناعة والتجارة والحماسة والشجاعة والفتوحات والفصاحة والمعارف والحكمة؟ أم لأنهم أقرب منا استعداداً للارتقاء ونحن من القوم الذين أفاض الله عليهم من بركات الحجى ما أقام لهم الاندماج في سلك الرتبة الأولى بين مراتب بني آدم؟ كلا ليست هذه من الأسباب التي أودت بأمتنا بعد أن كان لها من بسطة الملك واستفحال الكلمة ونفوذ الشوكة ما لم تصل إليه أمة من أمم أوربا الراقية. ولكن هو ضعف الإدارة في الأعمال وعدم تنفيذنا الأوامر الشرعية والقوانين المفروضة وقلة رجالنا الأمناء المخلصين كانت من جملة أمراضنا الاجتماعية فقلدنا كما قيل كبائر الأعمال لصغائر العمال أي وضعنا الشيء في غير موضعه فأصبح الوالي ظالماً والقاضي محابياً والجندي خائناً وأمر الشريعة لغوٌ لا يعمل به ولا ينفذ فلا بدع إذا فسدت الأمة بفساد الحكومة التي هي بمنزلة الرأس منها وقد أجاد القائل: وإذا رأيت الرأس وهو مهشم أيقنت منه تهشم الأعضاء وهكذا يستنتج بأن سلامة الوجود موقوف عَلَى سلامة النظام وسلام الناظم يكفله حسن العمل وذلك مترتب بالطبع عَلَى إدارة مستقيمة حسنة تصدر عن رجال مخلصين أمناء لأن إدارة ميزان كل حكومة وقوام كل مملكة كما أن الرجال سياج الأمة يذوبون عن حوضها ويدرؤون طوارئها فيذهبون بها من غمرات الخلل إلى سواحل النظام والسعة كما قال أنو شروان الملك بالجند والجند بالمال والمال بالخراج والخراج بالعمارة والعمارة بالعدل والعدل بإصلاح العمال واستقامتهم وتنفيذهم أوامر الشريعة المفروضة من الله. فإذا كانت شريعتنا من أقوم الشرائع ونظامنا من أحسن النظامات وحكومتنا لا تعمل به فهو لغو ومعتبر حين تسير بموجبه الحكام فتحدد بالسوية حقوق الكل وواجباتهم. التعليم إجباري بمملكتنا المحروسة ولكن من يرد عليه هذا الأمر ولا يسقط في يد ومن يعمل به من الحكومة؟ توسيع الطرق وتطهير الشوارع وتسهيل أسباب النقل ومراقبة أسعار ضروريات الإنسان من واجبات المجلس البلدي في كل ولاية مثلاً ولكن هل تسير أعضاؤه عَلَى خطة واجباتهم فتحافظ عَلَى راحة الشعب ورفاهته وتوسع الطرق وتطهر الشوارع حتى قال بها أحدهم مرة إن أهالي دمشق تود لو تزرع الشجار في شوارعها لتكثر الأمطار فنتخلص من الغبار الذي لا يسكنه غير مياه السماء. شريعتنا تحرم الرشوة بالطبع فتقول ما حرم أخذه حرم إعطاؤه ولكن العاملين بها قلبوا الآية فحللوا الأخذ والعطاء. التصرف عَلَى الرعية - كما ورد في القانون - منوط بالمصلحة فيلزم أن يولى المناصب أهلها ولا يكلف الناس ما لا يحتمل ويدفع الظالم عن المظلوم ويؤمن السبل ويدفع الأذى ولكننا نحن نقلد الوظائف لمن لا يصلح لها فنضع الشيء بغير موضعه ونساعد الظالم عَلَى المظلوم وإن كنا ندري بأن ذلك مبدأُ الخلل. . وخلاصة القول أن شريعتنا من أحسن الشرائع وأقومها ولو نعمل بموجبها ولكن فساداً طرأ عَلَى أفكار العاملين بها فغيروا المعاني وصحفوا الألفاظ وحرفوها طبقاً لمآربهم ومقاصدهم. الكلية بيروت: حبيب جرجي كحالة النحام ومرادفاته ١ ً تمهيد أصعب ما في اللغة العربية تحقيق الألفاظ العلمية ولاسيما ما يتعلق منها بعلم المواليد فترى أغلب المعاجم تخبط هذا البحث ولا خبط عشواء. ولهذا يحسن بالعلماء أن يحققوا تلك الألفاظ ويتتبعوها تتبعاً علمياً محضاً حتى يصرح اللبن عن الرغوة ويعول عليها الكتاب من مؤلفين ومعربين ولا يبقوا سائرين في الوعث فيكابدون من العناء والجهد الأمرين. ومن جملة الألفاظ التي تحتاج الي تحقيق كلمة نحام من الطير وها نحن نثبت ما يزيل الشك في هذا الباب فنقول. ٢ ً النحام في كتب العربية قال في حياة الحيوان: النحام طائر عَلَى خلقة الإوز الواحدة نحامة. يكون آحاداً وأزواجاً في الطيران وإذا أرادت المبيت اجتمعت رفوفاً، فذكوره تنام وإناثه لا تنام وتعد لها مبايت فإذا نفرت من واحد ذهبت إلى الآخر. اهـ المقصود من إيراده - وقال داود الإنطاكي: النحام: طير دون الإوز، قيل أنه شديد الحرارة ينفع المبرودين وهو مجهول - وقال ابن البيطار: النحام هو من طيور الماء. ابن ماسويه: لحمة من أكرام لحوم الطير وأفضلها. . . وفي التاج: النحام، كغراب: طائر أحمر كالإوز أي عَلَى خلقته. قال الجوهري يقال له بالفارسية سرخ آوي وهكذا ضبطه الزهري وابن خالوية. وغلط الجوهري في فتحه وشده وضبطه السهيلي كضبطه الجوهري. اهـ - قلنا: الاسم الفارسي الحقيقي هو سرخ آب أو سرخاب ويلفظها بعضهم سرخ آوي عَلَى لغة قلب الباء واواً وهي لغة كثيرين من الفرس الأقدمين والمحدثين ومن أسمائه بالفارسية أيضاً خرجال كما جاء في برهان قاطع - وعلى ذلك يكون النحام هو المسمى بالفرنسوية أو وبالإنكليزية وبلسان العلماء أو اللاتينية ٣ ً سبب تسميته عند العرب لم يتعرض اللغويون لسبب تسمية هذا الطائر بهذا الاسم. وعندنا أنه مشتق من النحم أو النحيم وهو صوت كالزحير أو فوقه، يخرج من هذا الطائر عند الطيران. وفعال بالضم من الصيغ الدالة عَلَى الفاعلية وإن لم ينبه عليها النجاة كشجاع وخشاش (وهو الماضي من الرجال) وقد يزاد عَلَى هذه الصيغة الياء للمبالغة ويبقى المعنى عَلَى ما هو كقولهم: القطامي وهو الصقر. قال الأصمعي: القطامي مأخوذ من القطم وهو الشهوان للحم غيره. وهذا الكلام يدل عَلَى أن اللغويين انتبهوا إلى صيغة فعال أو فعالي للفاعلية. ٤ ً تصحيف النحام ومرادفاته صحف كثير من الكتاب هذه الكلمة لجهلهم إياها. ومن أشهر من صحفها أحمد فارس الشدياق الشهير فقد قال في كتابه شرح طبائع الحيوان ص ٢٨٢ : النحاف (بفاء في الآخر) هذا طائر طويل ضخم وفي غاية الحسن إلى آخر ما نقله عن الإفرنج. وقد جاءت بهذه الصورة القبيحة في عدة مؤلفات نقل عنها دوزي في كتابه الملحق بالمعاجم العربية في مادة نحف. وممن أخطأ في أسماءه الأب بلو اليسوعي في معجمه الفرنسوي العربي المطبوع سنة ١٩٠٠ قال في تعريب غواص، طائر طويل الأرجل لونه أحمر زاه، نحام اهـ. فالغواص غير النحام عَلَى ما أثبته العرب والعلماء الأقدمون والمحدثون. ونحن العراقيين نسميه في ديارنا الغرنوق وهو كثير الوجوه في البطائح والآجام والمستنقعات وفي القاموس: الغرنوق كزنبور وفردوس: طائر مائي أسود وقيل أبيض أو الغرنوق أو الغرنيق: الكركي أو طائر يشبهه. اهـ. ويجب أن تصلح عبارة القاموس هكذا: الغرنوق كزنبور وفردوس: طائر مائي ويريد به العراقيون النحام والكلمة المعربة عن اليونانية بمعنى الكركي وقد وردت بهذا المعنى أيضاً عندهم والغرنوق في بلاد السودان هو نوع من الكركي اسمه العلمي وعند أهل المغرب هو نوع آخر من الكركي اسمه العلمي - ومن أسمائه في العربية الشرخاب قال السيد المرتضى في التاج في مادة سرخب أو في مستدركها: السرخاب بالضم، أهمله الجماعة وذكره أحمد بن عبد الله التيفاشي في كتاب الأحجار وقال: إنه طائر في حجم الإوز (أي أن كبر جسمه بكبر جسم الإوز وهو أمر لا اختلاف فيه لكن لا يراد بذلك أنه بطول الإوز كما يؤخذ من كلام الدكتور أمين أفندي المعلوف في المقتطف ٣٦ : ٧٦٦ ) أحمر الريش ويوجد ببلاد الصين والفرس وأهل مصر يسمونه البشمور (واليوم يسمونه البشروش وهي تصحيف أختها) ويعلقون ريشه في المراكب للزينة. يوجد في عشه حجر بقدر البيضة أغبر اللون فيه نكت بيض رخو المحك في خواص لإنزال المطر في غير أوانه. اهـ. نقله ولم يذكر المؤلف أن اللفظة الفارسية الأصل. وهي كذلك قد وردت في دواوين لغتهم. وهي كلمة مركبة من سرخ أي أحمر. وآب أي ماء وأظن أن الصل في هذا الاسم ما معناه: الطائر الحمر السابح في الماء ثم اختصروا العبارة فقالوا ما معناه: الأحمر الماء - والظاهر أن الإفرنج المستشرقين الذين نقلوا المعاجم الفارسية إلى لغتهم لم يهتدوا إلى حقيقة هذا الطائر. فقد قال فلرس في معجم الكبير الفارسي اللاتيني ما هذا نصه: ومعناه ضرب من الطير المائي أحمر اللون. ولم يذكر اسمه باللاتينية ثم قال: ويسميه البعض خرجال أيضاً. ثم زاد عَلَى ما تقدم: أي بط بري. فأنت ترى من هذا أنه لم يُعرف ما يقابله عند العلماء. وكذلك لم يعرف حقيقته جنصن في ديوانه الكبير الفارسي العربي الإنكليزي. وذكر هناك أنه نوع من البط المائي. والبط والإوز عند العرب بمعنى واحد في كتبهم اللغوية. فهذا القول يوافق وصف العرب للنحام أي أنه عَلَى خلقة الوز. ولم يذكر صاحب التاج البشمور في مظنتها وإن كان ذكرها استطراداً في مادة سرخب ولم أعثر عليها في معاجم اللغة العربية التي وصلت إليها يدي. ومن أسمائه الفارسية أيضاً ميش مرغ أيضاً. لكن البعض يقولون أن المسمى بهذا الاسم هو الحباري. لا النحام. عَلَى حد ما اختلف العرب في تعريف الغرنوق. وأما لفظ البشاروش أو البشروش فقد وجدتها في كتب منون اللغة الفرنسية التركية منها. معجم و. ويزنطال المطبوع في مطبعة قره بت في الآستانة في مادة إلا أنه ذكرها مصحفة بياءٍ مثلثة فارسية في الأول بدلاً من الباء الموحدة أي يشاروش وهكذا ذكرها أيضاً ش. سامي في معجمه الفرنسي التركي. والأصح في كل ذلك البشاروش بباءٍ مثلثة فارسية في الأول وشين أو سين في الآخر وهي من أصل فارسي بشرو أو بيش رو أي المقدم أو الإمام أو الماشي أمام الكل. وسبب هذه التسمية هو أن هذا الطير إذا سارت في طلب رزقها تولى أحدها قيادتها ليحذرها من الخطر إذا داهمها وحالما يشعر هذا الوالي الأمين بمشقة تحصل وإن كانت بعيدة يبادر إلى الإهابة بصوت عالٍ كصوت البوق فتتهيأ كلها للطيران حالاً. (راجع شرائح طبائع الحيوان لأحمد فارس الشدياق ص ٢٨٣ ). وقد صحف التونسيون كلمة بشاروش أو بشروش بصورة شبروش وقد نقلها دوزي في معجمه المذكور وقال أن بوسيه وتريسترام ذكراها بمعنى النحام. قلنا: وكذا نقلها أيضاً غاسلين في معجمه الكبير الفرنسوي العربي. فانظر حرسك الله كيف يجيء الاسم الواحد مصحفاً بموجب لغات البلاد والعباد. وكيف أن للحيوان الواحد أسماء عديدة بدون أن تذكرها المعاجم. وحاصل ما جاء من أسماء النحام الفصيحة والمصحفة هي: النحام والنحاف والغرنوق والسرخاب والبشمور والبرشوش والبشروش والشاروش والبشاروس ولعل له أسماء أخرى لم نقف عليها وأحسن الأسماء كلها هو النحام لأنها من أصل سامي إذ هو كذلك باللغة الآرامية مع الألف الزائدة في الآخر وهو من مزايا لغتهم أي (نحاما) وأما سائر الألفاظ فهي من أصل يوناني أو فارسي أو تركي ونحن في غنىً عنها. ٥ ً النحام عَلَى ما وصفه علماء الإفرنج العصريون قال علماء الإفرنج في تعريفه ووصفه: جنس من الطيور يدنو من السوابح بمنقاره ويشبه الشاهمرجات بساقه لطولها ولهذا عزل كلتا الطائفتين وجعل في طائفة خاصة به هي فرع من طائفة الشاهمرجات أو الخوائض أي الطويلات الساق. وهو صغير الجسم طويل الساق حتى يبلغ طولها زهاء متر ورأسه صغير ومنقاره صلب في حافيته صفيحات عَلَى عرضيهما عَلَى حد ما يرى ذلك في البط وهو مموج عند منتصفه وإذا أراد أن يصطاد فريسته كالهلامات والدود والهوام والحشرات وبيض السمك التي يراها عَلَى أرياف الغدران والمستنقعات يلقب رأسه بأن يضع الفك الأعلى أسفل حتى يتمكن أن يتصرف في عقافته - وهو يطير جماعات تعرف بالرفوف (جمع رفٍ) لكثرة أفرادها ويتقوم من هيئتها مثلث عَلَى حد ما تفعله الكركي. وإذا حطت عَلَى الأرض اصطفت صفين كالعسكر وعشها عبارة عن مدورةٍ تركبها ركوباً عند الحضانة كما يركب الإنسان الحصان ولها صوت كصوت النفير وهو النحيم ولحمها لذيذ ولاسيما لسانها. واليوم يرغب في هذا الطير لريشها وهي أصناف منها البشروش أو نحام الأقدمين وبالفرنسوية وبلسان العلم وريشه كله وردي بديع اللون ما خلا الجناحين فغنهما أحمران ملتهبان ومثل لونها لون المنقار وهو كثير الوجود في العراق وفي ديار فرنسا الواقعة عَلَى سواحل بحر الروم. - والنحام الأحمر أو البهمن وبلسان العلم وهو كثير الوجود في أصقاع أميركا الجنوبية وهي اصغر قداً من النحام السابق ذكره وألوانه أزهى وأبهى. والنحام ذو الرداء الناري وبلسان العلم ولونه أحمر واضح وهو يوجد في أحاء باتاغونية وبرونيس آيريس. - والنحام القزم وباللاتينية ويكون في ربوع الرجاء الصالح وفي سنغال وهو دون ما جانسه من هذا الطائر بنصف. وهذه الطيور تعيش غالباً في القصباء والحلفاء والآجام والغياض وهي تبحث عن رزقها فيها كما يفعل البط والوز تغط مناقيرها فيها لتقع عَلَى قوتها. وأكثر ما ترى أنها تجتمع جماعات من ٢٠ إلى ٣٠ طائراً. وسيرها ثقيل ومرتبك وإذا نامت قامت عَلَى رجل واحدة وضمت الأخرى إلى الأولى أو تحت بطنها وتخفي رأسها تحت جناحها وإذ كانت كثيرة الحذر يقوم أحدها ديدباناً إذ نام سائر الأخوة والأخوات وإذا ذهبت تسترزق. وهي تخاف الإنسان أكثر ما تهاب الحيوان. ولهذا إذا أراد الصيادون قنصها اختفوا في جلد حصان أو بقرة وذهبوا إليها. وإذا أطلقوا عليها البندقية نالوا منها عدداً وافراً والسبب لأنها تروع من طلقاتها ولا من رؤية ما يموت منها ولهذا لا تبتعد كثيراً عن مسقطها فيصاب منها كثير. هذا جل ما يقال عن النحام، وفي الختام أُقرأك السلام. بغداد ساتسنا. كتب مخطوط عثرنا في هذه الأيام عَلَى كتاب مخطوط ذهب منه الجزآن الأول والثالث ويدل عَلَى ذلك ما جاء في خاتمة هذا الجزء. تم الجزء الثاني يتلوه إن شاء الله تعالى أول الجزء الثالث المقصد الثاني في ممالك جزيرة الغرب الخارجة عن مضافات الديار المصرية. وتاريخ كتابته ١١٩٣ هـ كتبه عطوة بن علي الهونيني موطناً العباسي الأول. صحائف الكتاب ٤٥٦ طوله ٣٣ سانتيماً وعرضه عشرون سنتيماً ورقه نياتي وخطه واضح جلي أسطر كل صحيفة ثمانية وعشرون سطراً. أما المؤلف الكاتب فلم نجد له ذكراً فيه ويظهر أنه شافعي المذهب ومن رجال أوائل القرن التاسع الهجري ودليلنا عَلَى ذلك أنه في ذكره لملوك الطبقة الرابعة من ملوك مصر وهم الترك ذكر آخرهم الملك المنصور عبد العزيز وحصره في قلعة دمشق والقبض عليه واستبداد المستعين بالله بالأمر من غير سلطان وذلك في ثاني عشر ربيع الأول سنة خمس عشرة وثمان مائة. موضوع الكتاب أول الكتاب الفصل الثاني من الباب الثاني من المقالة الأولى في الكلام عَلَى نفس الخط وفيه سبعة أطراف وفيه هنا مباحث في فضيلة الخط وحقيقته وفي وضعه وفي عدد الحروف وفي تحسين الخط وقواعد تتعلق بالكتابة وفي مقدمات تتعلق في أوضاع الخط وقوانين الكتابة وذكر قوانين يعتمدها الكاتب في الخط وهنا بحث عن الأقلام المستعملة في ديوان الإنشآت بزمانه وقال وسيأتي في النقالة الثالثة في الكلام عَلَى ما يناسب كل مقدار من مقادير قطع الورق من الأقلام وذكر المذاهب في أصل الأقلام وهي ستة ( ١ ) مختصر الطومار ( ٢ ) وقلم الثلث الثقيل ( ٣ ) والخفيف ( ٤ ) قلم التوقيعات ( ٥ ) قلم الرقاع ( ٦ ) قلم الغبار هذا مجمل ما في هذا الجزء من المباحث وكلها جليلة ويظهر أن هذا الجزء يشتمل عَلَى مقالتين المقالة الأولى في عَلَى الكلام عَلَى ما يحتاج إليه الكاتب وقد فقدت من هذه المقالة الباب الأول. والمقالة الثانية موجودة برمتها وهي في المسالك والممالك تشتمل عَلَى أربعة أبواب وتحت كل باب تقسيمات وتفريعات تفوت الإحصاء وكلها في موضوعات مفيدة. الباب الأول في ذكر الأرض عَلَى سبيل الإجمال وفيه بحث عن معرفة شكل الأرض وما اشتملت عليه من الأقاليم وفي أطوالها وفي ذكر البحار التي يتكرر ذكرها بذكر البلدان وفي كيفية استخراج جهات البلدان والأبعاد الواقعة بينها هذا إجمال ما يشتمل عليه الفصل الأول من الباب الأول والفصل الثاني في ذكر الخلافة ومن وليها من الخلفاء ومقراتهم في القديم والحديث وما انطوت عليه الخلافة من الممالك في القديم ومات كانت عليه من الترتيب وما هي عليه في عهد مؤلف الكتاب قال وإما من وليها (الخلافة) فعلى أربع طبقات الطبقة الأولى الخلفاء من الصحابة (رض) الطبقة الثانية خلفاء بني أمية الطبقة الثالثة خلفاء بني العباس الطبقة الرابعة خلفاء بني العباس في الديار المصرية وذكر خلفاء الطبقات الأربع وسني توليتهم الخلافة ووفياتهم ومقراتهم. وفي الفصل الثاني من الباب الثاني بحث جليل عن ترتيب الخلفاء في الصدر الأول وشعارها وبحث في توليه الملوك من الخلفاء والوظائف المعتبرة عندهم. والباب الثالث في ذكر مملكة مصر ومضافاتها وفيه طرفان الطرف الأول في الديار المصرية وفيه سبعة مقاصد المقصد الأول في فضلها ومحاسنها المقصد الثاني في ذكر خواصها وعجائبها وما بها من الآثار القديمة المقصد الثالث في ذكر نيلها ومبتدئه ومنتهاه وهنا قال وقد ذكر الحكماء أنه ينحدر من جيبل القمر إما بفتح القاف والميم كما هو المشهور وإما بضم القاف وسكون الميم وهنا بحث في طول النيل وعرضه والبلاد التي يمر فيها وفي زيادته ونقصه ومقاييسه. المقصد الرابع في ذكر خلجانها وبحيراتها والخامس في جبالها والسادس في زروعها ورياحينها وفواكهها والسابع في ذكر مواشيها ووحوشها وطيورها والثامن في ذكر حدودها والتاسع في ابتداء عمارتها والعاشر في ذكر قواعدها القديمة والمستقرة والحادي عشر يشتمل عَلَى ذكر خططها. والفصل الثالث في المقالة الثانية في ذكر كور الديار المصرية وأعمالها والفصل الرابع في ذكر ملك الديار المصرية جاهلياً وإسلاماً وطبقاتهم والفصل الخامس من الباب الثالث من المقالة الثانية ذكر في ترتيب أحوال الديار المصرية وفيه بحث في ذكر معاملاتها وما يتعامل به وزناً وما يتعامل به معاده وفي الفلوس المطبوعة بالسكة وغير المطبوعة وفي المثمنات والمكيلات والمقيسات وأرض الزراعة والأبنية والأقمشة والأسعار. وفي الجسور والمعابر والجسور البلدية وري السواقي وهنا بحث في طرق زراعة الأرض وصنوف الزروع. وبحث في وجوه أموالها الديوانية والمقصد الثالث في ترتيب المملكة وفيه بحث عما كانت عليه في زمن أعمال الخلفاء من حين الفتح إلى آخر الدولة الإخشيدية كذكر الآلات الملوكية من التاج والقضيب والسيف والدواة والرمح والدرقة والحافر والمظلة والأعلام والنقارات والخيام وفي حواصل الخليفة وهذا فيما كانت عليه أحوال الديار المصرية في عهد الفاطميين وفي هذا المقصد أبحاث تتعلق في الوظائف والدواوين وفي مواكب الخلافة المختلفة ويذكر في هذا المقصد قصيدة عمارة اليمني التي يرثي فيها الفاطميين بعد انقراض دولتهم واستيلاء السلطان صلاح الدين الأيوبي عليها وصف بها مملكتهم وعد مواكبهم وحكى مكارمهم وجلى محاسنهم وأوردها برمتها. ثم يذكر أحوال الدولة الأيوبية ورسومها وأحوال الدول التي انتقلت إليهم الديار المصرية إلى زمان المؤلف. وهنا أبحاث مفيدة يتجلى منها ما كانت عليه أحوال الدولة القديمة من الترتيب والانتظام. والفصل السادس من المقالة الثانية في المملكة الشامية وما يتصل بها من بلاد الأرمن وبلاد الجزيرة بين الفرات ودجلة مما هو مضاف إلى هذه المملكة وفيه أربعة أطراف. الطرف الأول في فضل الشام وخواصه وعجائبه وفيه مقصدان الأول في فضل الشام الثاني في خواصه وعجائبه وهنا يذكر ما يراه فيه من العجائب كحمة طبرية وقبة العقارب بمدينة حمص وعين الفوارة داخل البحر المالح عَلَى القرب من ساحل مدينة طرابلس ووادي الغور إلى غير ذلك. الطرف الثاني في حدود وابتداء عمارته وتسميته شاماً وفيه مقصدان الأول في حدوده والثاني في ابتداء عمارته. الطرف الثالث في أنهاره وبحيراته وفيه خمسة مقاصد الأول في ذكر الأنهار العظام في بلاد الشام الثاني في ذكر بحيراته الثالث في ذكر جباله وهنا جاء فيه عن جبل عاملة ما هذا نصه: وهو جبل ممتد في شرقي بحر الروم وجنوبيه حتى يقرب من مدينة صور وعليه شقيف أرنون نزله بنو عاملة بن سبأ من عرب اليمن عند تفرقهم بسيل العرم فعرف بهم المقصد الرابع في ذكر زروعه وفواكهه ومواشيه والخامس في ذكر مواشيه والسادس في ذكر النفيس من مطعوماتها. الطرف الرابع في ذكر جهاته وكوره وقواعده المستقرة وأعمالها وفيه مقصدان الأول في ذكر جهاته وكوره القديمة وهنا يذكر اصطلاح القدماء بتقسيمه إلى خمسة أجناد جند فلسطين وجند الأردن وجند دمشق وجند حمص وجند قنسرين. المقصد الثاني في ذكر قواعده المستقرة وأعمالها القاعدة الأولى دمشق وأعمالها غزة والرملة وقافون وهي الجهات الساحلية والجبلية وهي القدس والخليل ونابلس والقبلية عمل بيسان وبانياس ومنها قلعة الصبيبة وعمل الشعراء وعمل نوى وعمل أذرعات وعجلون والبلقاء والصلت وصرخد وبصرى وزرع والشمالية وهي بعلبك وعمل البقاع البعلبكي وعمل البقاع العزيزي وعمل بيروت وعمل جبيل وعمل صيدا والشرقية وهي عَلَى ضربين الضرب الأول ما هو داخل في حدود الشام وهو غربي الفرات ويشتمل عَلَى خمسة أعمال حمص ومصياف وقارا وسلمية وتدمر الضرب الثاني وذكر منها الرحبة وجعبر. القاعدة الثانية حلب وذكر أعمالها الساحلية والجبلية ومن أعمالها الرها. القاعدة الثالثة حماة وذكر أعمالها القاعدة الرابعة طرابلس وذكر أعمالها والخامسة صفد وذكر أعمالها وهي إحدى عشر عملاً وهي عمل تبنين وهونين وجاء فيه عند ذكرهما وهما حصنان بنيا بعد الخمس مائة بين صور وبانياس بجبل عاملة المتقدم ذكره في جبال الشام المشهورة وجعل العثماني قلعة هونين من عمل الشقيف وأهل هذا العمل رافضة. القاعدة السادسة الكرك وذكر أعمالها وهي الشوبك وزعر ومعان. الطرف الثاني من الفصل الثاني من الباب الثالث من المقالة الثالثة فيمن ملك البلاد الشامية وملوكها وهو عَلَى قسمين الأول ملوكها قبل الإسلام وهم أربع طبقات الطبقة الأولى الكنعانيون الثانية الإسرائيليون الثالثة الفرس الرابعة اليونان والرومان. القسم الثاني من ملوك الشام ملوكه في الإسلام وهم عَلَى ضربين الضرب الأول عمال أصحابه (ص) فمن بعدهم من نواب الخلفاء إلى حين استيلاء الملوك عليه. الضرب الثاني من وليها ملكاً الطرف الرابع من الفصل الثاني من الباب الثالث من المقالة الثانية في ذكر أحوال المملكة الشامية وفيه مقصدان. المقصد الأول في ترتيب نياباتها عَلَى ما هي مستقرة عليه قال قد تقدم أن الممالك المعتبرة بالبلاد الشامية ست ممالك في ست قواعد وكل مملكة منها قد صارت نيابة سلطنة مضاهية للملكة المستقلة. ثم ذكر كل نيابة وأحوالها في المعاملات ونحوها عَلَى مثال ما ذكره من أحوال الديار المصرية في الفصل الخامس من الباب الثالث من المقالة الثانية. المقصد الثاني ترتيب ما هو خارج عن حاضرة دمشق وهو عَلَى ضربين الضرب الأول ما هو خارج عن حاضرتها من النيابات والولايات قال وقد تقدم أن لدمشق أربع صفقات غربية وهي الساحلية والقبلية والشمالية والشرقية ففي الصفقة الأولى وهي الغربية عشر نيابات وخمس ولايات فأما النيابات فمنها غزة والقدس والولايات فمنها ولاية الرملة واللد وقاقون وبلد الخليل ونابلس. وأما الصفقة القبلية وهي الثانية ففيها نيابات وثمان ولايات فأما النيابات فالأولى منها نيابة قلعة صرخد ونيابة عجلون وأما الولايات فالأولى ولاية بيسان وواليها جندي الثانية ولاية بانياس وواليها جندي تارة وتارة أمرة عشرة والثالثة ولاية قلعة الصبيبة الرابعة ولاية الشعراء الخامسة ولاية أذرعات السادسة ولاية حسبان والصلت من البلقاء السابعة ولاية بصرى واليها جندي الصفقة الثالثة الشمالية وفيا نيابة واحدة وثلاث ولايات فأما النيابة فنيابة بعلبك وأما الولايات فالأولى ولاية البقاع البعلبكي الثانية ولاية بيروت الثالثة ولاية صيدا الصفقة الرابعة الشرقية وبها ثلاث نيابات وأربع ولايات. ثم ذكر نيابة حلب عَلَى نحو نيابة دمشق ونيابة طرابلس ونيابة صفد ومنها ولاية تبنين وهونين وولاية الشقيف. الفصل الثالث من الباب الثالث من المقالة الثانية المملكة الحجازية وفيه طرفان الطرف الأول في فضل الحجاز وخواصه وعجائبه الطرف الثاني في ذكر حدوده وابتداء عمارته الخ. وذكر قواعده وهي مكة المشرفة وهنا ذكر ملوكها قبل الإسلام وفي الإسلام وهم طبقات وبين ترتيبها والمدينة الشريفة وذكر نواحيها وأعمالها وملوكها من بني إسرائيل وفي الإسلام وهم أربع طبقات الطبقة الأولى من كان بها في صدر الإسلام الطبقة الثانية عمال الخلفاء من بني أمية الطبقة الثالثة عمالها في زمن خلفاء بني العباس الطبقة الرابعة أمراء الأشراف من بني حسين إلى عهد المؤلف. ثم ذكر ترتيب المدينة النبوية فقال أما معاملاتها فعلة ما تقدم في الديار المصرية من المعاملة بالدنانير والدراهم الخ. الباب الرابع من المقالة الثانية في الممالك والبلدان المحيطة بمملكة الديار المصرية وفيه أربعة فصول الفصل الأول في الممالك والبلدان الشرقية عنها وما ينخرط في سلكها من شمال أو جنوب وفيه أربعة مقاصد الأول في الممالك الصائرة إلى بيت جنكيزخان وفيه جملتان الجملة الأولى في التعريف باسك جنكيزخان ومصير الملك إليه والثانية في عقيدة جنكيزخان. ثم ذكر ممالك جنكيزخان عَلَى التفاصيل وهي مملكتان الأولى مملكة إيران ويذكر حدودها وأقاليمها وهي بابل والمدائن وبغداد وسر من رأى والإقليم الأول الجزيرة الفراتية الإقليم الثاني العراق وقواعدها ومدنها ومن المدن التي بالعراق هيت والحيرة والكوفة والبصرة وواسط وحلوان والحلة والنهروان والإبلة والقادسية وعبادان. ثم يذكر بعد ذلك طبقات ملوكها جاهليةً وإسلاماً وترتيب هذه المملكة كعادته في غيرها. المملكة الثانية مما بأيدي جنكيزخان توران. هذا جل ما في الكتاب من الموضوعات وندع الكلام عنه بتفصيل أكثر حتى نقف عَلَى آراء الباحثين فيه ولعل فيهم من لا يجهل اسم الكتاب واسم مؤلفه المجهول لنا. عَلَى أننا سنوالي البحث عن الجزئين لمفقودين منه علنا نعثر عليهما والكتاب عثرت عليه أنا وصديقي الأستاذ الشيخ أحمد رضا. النبطية - جبل عامل: سليمان ضاهر. مرآة الشباب أيصدقه العلاء فيستريب ويدعوه الفسوق فيستجيب وتخطيه الكؤوس فيجتبيها شمولاً دون لذعتها اللهيب كأن شروبها إذ يحتسيها ربيبٌ حين أعوزه العجيب يحرق إرماً إثر ارتعاص بدا منه بجبهته قطوب تحجب لبه استارعي فكنفه المثالب والعيوب سرى يبغي العلاء فحين دانى ورود حياضه شع القريب وحالت دونه أكواب دن ترشفها فأدركه الشحوب فتى عبثت به أيدي التصابي كما في الطير قد عبث الربيب رماه بدائه وانسل كوب وهل يأتي بغير ألفي كوب وراقته مداعبة الغواني ففلز يرشده الصوت الرطيب ارتهن لحاظهن ضروب سحر وللغادات من سحر ضروب فبات كان في أذنيه وقراً إذا ناداه مرشده اللبيب وظل ولا طبيب لما عراه وهل ينجي من الموت الطبيب إذا خطبته مكرمة تولى وإن نادته غانية يجيب تعاطيه الكؤوس فتاة دل فيطرب وهو لو علم الكئيب وتطوي عرسه الأيام صبراً وساقيه بدرهمه لعوب ترى الدينار يرقص في يديه وقد اضني بنيه طوى مذيب إذا ما مومي خطرت تدلى وتابع خطوها وله وثوب يحن إلى دنو فتاة سوء وقد ظمأت حليلته العروب ويؤنسه حديث ذوات تيه وقد مجته منهن القلوب ينام نهاره حتى إذا ما تصرم هب يحوه الغروب تؤم به غواتيه فيسعى فلا نصب يقيه ولا لغوب يجوب بغاء غانية قفاراً وما لسوى الهوى قفزاً يجوب ويركب متن حدثان الليالي فيلوي حيثما ابتدأ الركوب يهب إلى الشبيبة بعد عجز ويهرجها إذا يبدو النضوب كأن شبابه كرة ازدهاء فجاد من الحياة بما يطيب كأن حياته هانت عليه فجاد من الحياة بما يطيب كأن سنينه أحلام صب صحا فإذا نضارتها نكوب كأن حجاره غادر أصغرية وآلى في الشبيبة لا يؤوب متى يدن المشيب يثب هداه إليه كأنما الموت المشيب وزجر الشيب أعمل في نفوس من السمر اللدان إذا تصيب دمشق: خير الدين الزركلي. مطبوعات ومخطوطات ثلاثة كتب كتاب الألفاظ الكتابة وكتاب الألفاظ الأشباه والنظائر وكتاب الألفاظ هذه ثلاثة كتب مختلفة العناوين ومختلفة أسماء المؤلفين والموضوع واحد والنص واحد والمؤلف الحقيقي واحد لكن قضى التسرع عَلَى ناشريها أن يصدروها بأسماء مؤلفين هم غير كاتبها أو مصنفيها كما سترى. فالعنوان الأول هو اسم الكتاب الذي تولى طيه الأب لويس شيخو. فقد جاء في مفتتح السفر المذكور وهو الذي بأيدينا ما هذا نقل حرفه: كتاب الألفاظ الكتابية لعبد الرحمن بن عيس الهمذاني. اعتني بضبطه وتصحيحه الأب لويس شيخو اليسوعي. طبع سابعة بمطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت سنة ١٨٩٨ برخصة نظارة المعارف الجليلة في الآستانة العليا. حق الطبع محفوظ للمطبعة. . والعنوان الثاني هو اسم الكتاب الذي عني بنشره أحد عليما بغداد وإليك ما جاء في صدره: كتاب ألفاظ الأشباه والنظائر للإمام اللغوي عبد الرحمن بن سعيد الأنباري عليه رحمة الباري. وهو كتاب لم ينسخ عَلَى منواله ناسخ، ولم يسلك طريق مناهجه ناهج، مشهور عند أرباب اللغة والأدب، منتزع من أوعية السنة العرب. قديم التصنيف، عجيب الترتيب والتأليف، سليم من الغلط، حسن الأسلوب والنمط، وقد طبع بعد تصحيح أبي البركات خير الدين السيد نعمان ابن المفسر المشهور محمود أفندي الألوسي زاده، مفتي بغداد، سهل الله تعالى له كل مطلب ومقصد يراد، آمين. - التمثيل الأول. - طبع برخصة نظارة المعارف في القسطنطينية سنة ١٣٠٢ . (هـ - ١٨٨٤ - ١٨٨٥ م) طبع في مطبعة أبو الضيا. . والعنوان الثالث هو اسم الكتاب المذكور عَلَى رواية صاحب كتاب الفهرست (أي ابن النديم الوراق) فقد قال في ص ١٣٧ عبد الرحمن بنن عيسى الهمذاني (بالدال المهملة) كاتب بكر بن عبد العزيز أبي دلف. وكان شاعراً كاتباً وله من الكتب: كتاب الألفاظ. وقال في ص ١٧١ من الكتاب المذكور: كتاب الألفاظ (وفي الأصل مطبوع ألفاظ وهو غلط الطبع) لعبد الرحمن بن عيسى الهمداني (بالدال المهملة). فأي العناوين هو الأصح وما اسم المؤلف من التحقيق؟ قلنا: أصح هذه العناوين هو ما ذكره ابن النديم لأن المؤلف قديم وله أتم الوقوف عَلَى أسماء الكتاب والمصنفين وكل من يطالع كتابه الفهرست يشهد له بسعة الإطلاع وغزارة العلم فعنوان الكتاب هو إذن كتاب الألفاظ وزيادة الكتابية في من النساخ، وزيادة الأشباه والنظائر هي من زيادة الناسخ أيضاً أو من الواقف عَلَى طبعه وعليه فالأوفق أن يعاد العنوان إلى صحته بدون زيادة. وأما اسم المؤلف الحقيقي فلا جرم أنه الاسم الذي أورده ابن النديم أي: عبد الرحمن بن عيسى الهمداني (بدال مهملة) وميم ساكنة نسبة إلى همدان وهي قبيلة باليمن من حمير ينسب غليها جماعات عديدة من العلماء. لا نسبة إلى همذان بميم مفتوحة وذال معجمة فإن هذه اسم بلدة من بلاد فارس. ووهم الطابع في هذا الاسم هين. لكن وهم العلامة الآلوسي عظام لأنه وإن كان قد كتب عَلَى أول صفحة من الكتاب أنه لابن الأنباري فكيف جاز له أن يكتب عَلَى رأس كل صفحة من صفحاته (وهي ١٣٢ ) هذه الكلمات: كتاب الألفاظ لعبد الرحمن بن عيسى. فكان يجب عليه أن يطابق أحد الأمرين عَلَى الآخر إما أن يقول إنه لابن الأنباري في صدر الكتاب ومثانيه وإما أن ينسبه لابن الأنباري أولاً وآخراً. عَلَى أن عمله هذا أبان كل الإبانة أنه غالط لا محالة. ومن غريب الأمر أن الشيخ الآلوسي ذكر ترجمة ابن الأنباري قبل أن يذكر مقدمة المؤلف ولها أورد هذه المقدمة قال فيها: قال عبد الرحمن بن عيسى حماد: الصناعات مختلفات. . . فكيف لم ير البون البين بين النسبين وهما واضحان متميزان. عَلَى أن الإنسان إذا تذكر هذا الكلام المأثور: لكل عالم هفوة ولكل جواد كبوة. تحقق أن أعظم العلماء قد يزل مع عليه من حسن النية وإخلاص الطوية. وفي نسخة صاحب كتاب الألفاظ بعض الاختلاف فطبعة بيروت تقول في ترجمة عبد الرحمن وفي المقدمة: عبد الرحمن بن عيسى بن حماد الهمذاني الكاتب. وطبعة الآستانة تقول: عبد الرحمن بن عيسى بن حماد وابن النديم يقول: عبد الرحمن بن عيسى الهمداني. فلا غرو أن نسب حماد داخل في نسب عبد الرحمن لكن هل ترى كان من أجداده أم لقب أبيه. فهذا ما لا يتضح إلا بعد التنقيب عن هذا الاسم في عدة نسخ وفي ذكر نسب المؤلف كمعجم الأدباء لياقوت. ولهذا لا نجزم فيه. ومن غريب الأمر أن طابع النسخة البيروتية مع وفرة اطلاعه عَلَى المطبوعات العربية في الشرق والغرب لم يذكر طبعة هذا الكتاب في القسطنطينية، فهل كان منه جهلاً أم تجاهلاً؟ نقول: الأليق أن نقول أنه فعل ذلك منه لأن نسخة الآستانة وإن طبعت قبل نسخته فإنها لم تطبع إلا قبل أربعة أشهر فقط ولما كانت مطبوعات الآستانة قليلة الشهرة لخلو الحاضرة من الجرائد العربية يومئذ هان لنا أن نفهم جهله لما يطبع هناك. وعلى كل فكان الأجدر به أن يذكر هذه الطبعة في النسخ التي جدد نشرها بعدئذ. ولعل الأمر فاته بالمرة وهذا ليس ببعيد. وأما بعد الآن فهو ليس بمعذور. وإن سألتني أي النسختين هي الفضلى: ألطبعة الآلوسية أم الطبعة البيروتية؟ قلنا: عليك أن تعلم قبل هذا أن الطبعتين وإن كانتا تتفقان بعض الأحيان تختلفان في أغلب المرار. وهذا الاختلاف موجود في الأبواب وفي كثرة المواد. فإنك مثلاً تجد أبواباً غير مذكورة في الطبعة الآلوسية وهي مذكورة في الطبعة البيروتية طوراً وبالعكس. ثم إنك تجد في الباب الواحد مادة وافرة في نسخة دون النسخة الأخرى. هذا فضلاً عن الاختلاف في تتالي الأبواب وفي عناوينها ثم إنك تجد في الطبعة الآلوسية أغلاط طبع لا تحصى كما أن أغلاط الطبعة البيروتية في اللغة كثيرة. وقبل أن نصدر حكم المفاضلة بين النسختين نذكر باب المعايب في كلتا الطبعتين ليمكنك أن تقبل حكمنا أو ترذله بعد الاطلاع عَلَى مثال يكون لك بمنزلة قياس تقيس عليه ما ورد في كلتا الطبعتين. ١ ً جاء في الصفحة ١٢ من كتاب الألفاظ المطبوع في الآستانة ما هذا نصه: باب المعايب يقال ثلب فلان (حاشية: قال الواقف عَلَى تصحيحه: لعل فلاناً بالنصب، ولكنه كتب بالدفع (كذا. وهذا من غلط الطبع والأصح: الرفع) في الأصل مصححه). قال صاحب هذه المقالة: الصح أن يقال: ثلب فلاناً. وأما فلان فمن غلط الناسخ لا غير. وقصبهن وشتره، وضرسه، وسمه به، وندد به، وشرديه، وسعيه، وتنقصه، وعابه، وجد به، ووقع به، وشعث منه، وألحم عرضه، وقرع صفاته، ورتغ في عرضه، وسبه، وقذعه، وزوده الخنا، وأخذ من جنبه، وقرع مسامعه، ومزق أديمه، وقرع مروته، ونحت إثلته بالفتح، واخذ من عرضه، واتبعه القبيح، وذكر معايبه، ومثالبه، ومعايره، ومشانيه، ومناقصه، ومخازيه، ومساويه، ومقابحه، ومقاذره ومفاضحه، وسوآته، ومسآته. قالت ليلى الأخيلية: لعمرك ما بالموت عار عَلَى الفتى إذا لم تصبه في الحيوة المعابر والقذع، والخنا، والرفث، والفحش هو قبيح الكلام، ويقال فلان بذي اللسان، ملحب، سباب، وقد بذو يبذوه بذاءة، والإزراء، والطعن والقدح، والغميزة (كذا) والتعبير، في طريق واحد، ويقال: كان من فلان نوافر، وبوادر، وقوارص، وشتايم، وقد سفه علينا غلان سفاهة، ولم يكن سفيهاً تقول: نعوذ بالله من قوارعه، وقواذعه، ونواقره، وقوارص لسانه. ٢ ً: وجاء في هذا الباب في الصفحة ٢٠ من الطبعة البيروتية بهذه الصورة: باب الثلب والطعن تقول: مازال فلان يذكر معايب فلان، ومثالبه. ومساوئه. ومقابحه. ومشايينه. ومقاذره. ومناقصه. ومخازيه. ومعايره. ومساءته. وسوآته. قالت ليلى الأخيلية في المعايير: لعمرك ما بالموت عار عَلَى الفتى إذا لم تصبه في الحيوة المعابر ويقال: ثلب فلاناً، وتنقصه. وعابه. (ويقال:) عيرته كذا، ولا يقال بكذا. قال النابغة: وعيرتني بنو ذبيان خشيته وهل عليَّ بأن أخشاك من عارِ ويقال: نكرت عَلَى فلان ما صنع وأنكرته ونكرته. (ومنه قول القرآن الجليل:) نكروا لها عرشها أي غيروه. ويقال: شبعة، وجدبه جدباً، وقصبه، وجرحه، وشز به، وشزبه، وشز عليه، وضرسه، وشعث منه، وسمع به، وندد به، وزرى عليه. (يقال:) زرى فلان عَلَى فلان فعله إذاً عابه. ونقصه زرياً، وأزرى به إذا صغره إزراءَ. وقدح فيه، وطعن عليه، ونقم عليه ومنه وفي عرضه سبه، وقذعه، وقفاه يقفوه، وطاخه بقبيح إذا لطخه به، ووقع فيه، وقرع صفاته إذا قال قبيحاً في عرضه، ونحت أثلته، واستطال في عرضه (والفحش، والقذع، والخنا، والرفث، القبيح من الكلام). (يقال: فلان بذئ اللسان، ملحب، وسباب، ألحمته عرض فلان إذا أمكنته من شتمه. (والإزرار، والطعن، والقدح، والغميزة، والتعبير (في طريق واحدة). (وتقول:) قد كانت في فلان قوارص، ونواقر، وشتائم. (فنقول:) نعوذ بالله من قوارعه. ولواذعه، ولواذعه، وقوارص لسانه، وبذئ فلان يبذأ، وبذؤ يبذؤ بذاءة، وقد رسفه غلينا سفاهة، ولم يكن سفيهاً وقد سفه. قال ترى بين هاتين النسختين فرقاً ظاهراً. والصواب والغلط يتجاذبان الطرفين فمرة يكونان في هذه النسخة ومرة في تلك فتمسك أنت بما يوافق الصحة. وبعد هذا التبيين نقول: إن نسخة بيروت أصح طبعاً من نسخة الآلوسي. فإن الأغلاط التي وردت في طبع هذه الأخيرة تنفر كل إنسان من مطالعتها. ومع ذلك ففيها من الفوائد ما لا تراه في النسخة البيروتية. ولهذا يجدر بأحد الأدباء أن يجمع بين النسختين ويصحح الواحدة. عَلَى الأخرى ليكسب رضا الجميع في إحياء مآثر السلف. الخلاصة كتاب الألفاظ (ولا يجوز لك أن تغير هذا العنوان بقولك: كتاب الألفاظ الكتابية. أو كتاب ألفاظ الأشباه والنظائر) هو لعبد الرحمن بن عيسى (بن) حماد الهمداني نسبة إلى همدان القبيلة اليمانية المشهورة. وليس لعبد الرحمن بن محمد بن سعيد الأنباري، لاسيما إن علمت أن ابن الأنباري ولد سنة ٥١٣ وتوفي سنة ٥٧٧ وأن الهمداني توفي سنة ٣٢٠ وإن من النسخ القديمة الكتابة التي ظفر بها الطابع البيروتي ما كتب سنة ٥٢٢ أي تسع سنوات بعد ولادة ابن الأنباري فلا يعقل أنه ألف كتابه في هذا العمر. وعليه يجب تصحيح ما ورد من الخطأ والوهم في هذا الباب. فإن تفعل تحظ بالصواب. ساتسنا. وصف كتاب جامع التعريب، بالطريق القريب من تأليف أحد علماء القرن الثاني عشر الهجري أو السابع عشر الميلادي. في جامع مرجان من جوامع بغداد خزانة كتب جليلة من وقف نعمان الآلوسي المؤلف الشهير ابن المؤلف الكبير محمد الآلوسي. وبين كتبها الخطية كتاب اسمه جامع التعريب، بالطريق القريب. إلا أن صاحبه لم يذكر اسمه لا في صدر الكتاب ولا في عجزه. والظاهر أنه عالم من علماء القرن الحادي عشر للهجر نقول ذلك تقريباً وتكهناً ولا تأكيداً وتثبتاً اعتماداً عَلَى كلام صاحب كشف الظنون المتوفى سنة ١٠٦٨ هـ ١٦٥٨ م إذ يقول عن معرب الجواليقي: وهو كتاب لم يعمل فيه أكثر منهفالظاهر من هذا القول أن الحاج خليفة لم يعرف هذا الكتاب الذي نشير إليه لعدم وجوده يومئذ. وإلا لما قال تلك العبارة. ثم أن مؤلف جامع التعريب لم ير كتاب الخفاجي لأنه لو رآه أو كان ممن عاش قبله لذكره أيضاً في مقدمته وعليه نظن أن الكاتب كان في عصر الحاج خليفة والخفاجي نفسيهما. وهذا الكتاب من أوسع وأحسن ما كتب في هذا الموضوع والنسخة الموجودة أمامنا حسنة الخط طولها ٢٢ سنتيمتراً في عرض ١٧ وفيها ٣٦٠ صفحة وفي كل صفحة ٢٥ سطراً وهي مجلدة بالسختيان والكاغد أخضر اللون. قال الناسخ في آخرها: تمت كتابته في سلخ جمادى الأولى سنة ١٢٠٣ بخط أفقر الوردي وأضعفهم إلى الغنى القوي عبد الكريم بن أحمد بن محمد الطرابلسي الخلوتي الحنفي غفر الله له ذنوبه آمين. . وإذا وقفت عَلَى مقدمته عرفت بعد منزلته. قال: الحمد لله الذي صان بلغة العرب الكتاب والسنة. واظهر بها عَلَى غيرها من اللغات الفضل والمنة. ومنع بمن أقامه بضبطها الأجنبي والغريب. وميز لهم ما وقع بها من الأعجمي وما فيه من التعريب أحمده عَلَى التوفيق لسلوك الأدب. ولزوم تحصيل فضائل العجم والعرب أما بعد فإني بعد أن وقفت عَلَى كتاب المعرب ابتداع الأستاذ أبي منصور موهوب بن أحمد بن محمد بن الجواليقي شكر الله مسعاه. وجعل الجنة مقره ومثواه. كان محتاجاً إلى تتمة في الترتيب. وزيادات فائقة في آثار التعريب. ظفرت بكتاب التنزيل والتكميل. مما استعمل في اللفظ الدخيل. الذي جمعه الفاضل المنيع جمال الدين عبد الله بن أحمد بن محمد بن عبد العزيز بن أبي بكر بن موسى العذري الرثوثي الشهير والده بشيشي (ويروى سيسي) بخطه. فوجدته والله قد أفرغ الوسع في التتبع والاستشهاد بهمة تقارب رتبة الاجتهاد. بل أحسن فيه الجمع وحسن الترتيب. ومعونة للطالب والأديب. غير أن فيه تكراراً وإطالة ربما تفضي إلى الكسل والملالة. فأحببت أن أختصر من الأصل ما زاد جرياً عَلَى المألوف والمتعارف والمعتاد، مع رعاية الاختصار والإيجاز. وتبيين ما يتحقق الإحاطة به والامتياز. مع زيادات وحسن تلخيص. تباعداً عن الإسهاب والتمحيص. وسميته: جامع التعريب. بالطريق القريب. والله أسأل المعونة والتوفيق. - ثم قال: باب الهمزة مع الألف: آب وهو يكتبها هكذا آاب أب بألف ممدودة وراءها ألف هاوية كما كان يفعل الأقدمون في مثل هذه الألفاظ. ثم يذكر بعدها آاجاص. آاجر. آاجنقان. آاذار. آادم. . . الخ. وهو يشرح كل لفظة شرحاً مشبعاً لا يبقي لمستزيد زيادة. إلا أن الناسخ وإن كان حسن الخط وخطه تعليق إلا أنه لا يحسن النسخ ولهذا فقد مسخ ألفاظاً كثيرة ولجهله معناها فصورها بصورة مألوفة السمع سهلة الفهم لكن لا تنطبق عَلَى بقية العبارة: فلهذا يحتاج القارئ إلى التيقظ التام في تصفح الكتاب. وفي شرحه بعض الألفاظ شروح إضافية الذيل، ناقلاً إياها عن عدة كتاب سبقوه مما يحرص عليها كل الحرص. وربما خرج في كلامه إلى ما محل له كما كان يفعل المصنفون في سالف العهد. - والمؤلف قد أدخل في سفره ألفاظاً جمة لم ترد في معربات الجواليقي ولا في شفاء الغليل ولا فيغيرهما من مؤلفات هذا القبيل. ولهذا نرى طبعه من الضروريات. وربما ذكر في كتابه أعلام المدن والرجال لكنها دون الألفاظ الجنسية عدداً واعتناء. وقد حان لبنا أن نعطي مثالاً من كلامه ونذكر ما جاء في أبو جاد من الشرح وقد ورد في الصفحة ١١ من النسخة المذكورة. وهذا نصه بحرفه: أبو جاد لفظ سرياني قيل أنه اسم ملك من الأول وكذا هوز. حطي قيل اسم لأول أيام الأسبوع عن سيبويه. أبو جاد وهوز وحطي بياء مشددة أسماء عربية وأما كلمن وسعفص وقريشات فإنهن أعجميات لا يتصرفن وأنشد: أتيت مهاجرين فعلموني ثلاثة أحرف متتابعات وخطوا لي أبا جاد وقالوا تعلم سعفصاً وقريشات قال أبو سعيد السيرافي: فصل سيبويه بين أبي جاد وهوز وحطي فجعلهن أعجميات. وكان أبو العباس يجيز أن يكن كلهن أعجميات. وقال بعض المحتجين بسيبويه: إنه جعلهن عربيات لأنهن مفهومات المعاني في كلام العرب. ودقد جرى أبو جاد عَلَى لفظ لا يجوز إلا أن يكون عربياً تقول إن هذا أبو جاد. ورأيت أبا جاد. وعجبت من أبي جاد قال أبو سعيد: والذي يقول أنهن أعجميات غير مبتعد عندي إن كان يريد بذلك الأصل فيها العجمة لأن هذه الحروف عليها يقع تعلم الخط السرياني وهي معارف. وقال بعضهم: جاد في قولك: أبو جاد مشتق من جاد يجود أو من الجواد وهو العطش أو من قولهم جوداً له أي جوعاً له! ووقع الناس في أبي جاد أي في باطل قال الإمام قطرب: قولهم أبجد وهو أبو جاد وإنما حذفت واوه لأنه وضع لدلالة المتعلم. فكره التطويل والتكرار وإعادة المثل نمرتين فكتبوا أبجد بغير واو وألف لأن الألف في أبجد والواو في هوز قد عرفت صورتاهما وكل ما مثل من هذه الحروف استغني عن إعادته. قال أبو عبد الله حمزة بن الحسن الأصفهاني يقال: إن أول من وضع الكتابة العربية قوم من الأوائل نزلوا في عدنان بن أَدد فاستعربوا ووضعوا هذه الكتابة عَلَى عدد حروف أسمائهم فكانوا ستة نفر أسماؤهم: أبجد. هوز. حطي. كلمن. سعفص. قرشت. وأنهم ملوك مدين رئيسهم كلمون فهلكوا يوم الظلة مع قوم شعيب عليه السلام فقالت أخت كلمون ترثيه: كلمون هد ركني هلكه وسط المحلة سيد القوم أتاه الحتف ثاو وسطه ظله جعلت نار عليهم دارهم كالمضمحلة هذا وقد توهم الصغاني أن حمزة قائل هذه الأبيات في كتاب التنبيه عَلَى حدوث التصحيف. وليس كذلك ثم وجد ما جاء بعدهم حروفاً ليست من أسمائهم وهي ستة الثاء والخاء والذال والضاد والظاء والغين فسموها الروادف. ويدل عَلَى كون أبجد وما بعدها أسماء رجال وضعوا الكتابة العربية عليها كون هذه الكلمة الواقعة عَلَى حروف الهجاء لم تزل مستعملة عَلَى ممر الدهور عند كل أمة وجيل من سكان الشرق والغرب متداولة في الأعداد النجومية وكذا هنا عند السريانيين فهي الأصل الذي يتعلم منه الهجاء تبعهم في ذلك الإسرائيليون من اليهود والنصارى يدرسونه صبيانه في كنائسهم قائلين هجاء العبرانية ألف. باء كمل. دالث. يتبعونه بما بعده عَلَى حكاية لغتهم وهذا هو الذي عربه عرب الإسلام فقالوا أبجد مكان ألف. بأكمل دالث. قال ابن دريد: في حروف الهجاء العربي حرفان لا يجريان إلا عَلَى لسان العرب ولا يوجدان في لغات سائر الأمم وهي الظاء والحاء وخوالف في الحاء بأنها موجودة في السريانية والعبرانية والحبشية وقيل الضاد لا تقع في لغة الروم كما أن الصاد لا تقع في لغة الفرس والذال لا تقع في لغة السريانيين كما أنه لا يقع في لغة العرب لام بعدها شين وكما لا يقع فيها حرفان من حروف الهجاء لفظهما واحد متجاورين في أوائل الأسماء نحو ششن كك وقد يقعان في أواخرها نحو تكك ومشش إلا في أسماء أصلها فارسية كحوببات وددان كما أنه لا يقع الدال في لغة الفرس في أوائل الأسماء والأفعال وغنما تقع في أواخرها وأواسطها وكون أصل الهجاء العربي مؤسس عَلَى: أبتث جحد ذرزس شصضط ظعغف قكلم نوهي هو قياس اب ت ث وألف من حروفها وبا وجمل تجري في العربية مجرى أبجد في السريانية لكن هذا الخبر صادر عن رجل كان يولد الأخبار عَلَى الأمم الذين بادوا كعاد وثمود وطسم وجديس وأضرابهم وإذا احتاج البى توليد أشعار يؤكد بها تلك الأخبار خرج ملتمساً ممن يحسن الشعر من الأعراب تقديره أن يقول شعراً من جنس مراده فكانوا يعلمون مثل كلمون هدركني وهذا الرجل هو الذي ادعى عَلَى آدم عليه السلام أنه أنشد: تغيرت البلاد ومن عليها فوجه الأرض مغبر قبيح تغير كل ذي طعم وريح وزال بشاشة الوجه المليح وبدل أهلهم إثماً وخمطاً بجنات من الفردوس فيح وجاورنا عدو ليس يتأتى لعين لا يموت فتستريح فلولا رحمة الرحمن أضحى للع من جنان الخلد ريح (؟) كذا. والأصح: بكفك. فيا أسفاً عَلَى هابيل ابني قتيلاً قد توسد في الضريح فنسب معاواته إلى نبي الله شعراً ركيكاً واهن الركن ضعيف الأسر ذا أقواء مع ثبوت أن الأقوآء من أقبح عيوب الشعر وعدم مطابقة قوله تغيرت البلاد ومن عليها وأين كانت بقاع تلك البلاد ومن كان عليها إذ ذاك. علي بن هشام قال في كتابه التيجان بعد إنشاده هذا الشعر. قال جبير بن مطعم ليس هو إلى آدم عليه السلام بل هو متحول إليه وهود عليه (كذا) واستخف منه زعم من قال أن إبليس أجاب عنها بقوله: تنج عن البلاد وساكنيها فقد في الخلد ضاق بك الفسيح وكنت تعيش وزوجك في رخاء وقلبك من ذوي الدنيا فريح فما انقلبت مكايدتي ومكري إلى أن فاتك الثمن الربيح فلولا رحمة الجبار أضحى بكفك من جنان الخلد ريح. ولعمري كم من مفسر ومؤرخ يذكر هذا الشعر ولم ينبه عَلَى ضعفه ووضعه فكم ترك الأول للآخر. وكم دام من السخف عَلَى الخواطر. وقد جاءت روايات عارية من الحال محققة للمحال من الأنبار إلى الحيرة ثم من الحيرة إلى مكة والطائف وتسويده ما روي عن يحيى بن جعدبة أنه قال سالت المهاجرين من أين صارت إليكم الكتابة بعد أن لم تكونوا كتبة فقالوا من الحيرة فسألنا بعده من أهل الحيرة ممن أخذتموها فقالوا من أهل الأنبار وروى ابن الكلبي والهيثم بن عدي: أن الناقل لهذه الكتابة من العراق إلى الحجاز حرب بني أمية وكان قدم الحيرة قدمة فعاد إلى مكة بها. قال: وقيل لأبي سفيان بن حرب ممن أخذ أبوك هذه الكتابة. فقال من أسلم بن سدرة وقال سالت أسلم ممن أخذت هذه الكتابة فقال من واضعها مرار بن مرة فحدوث هذه الكتابة للعرب قبيل الإسلام صحيح يؤيده حدوث آلات لم تكن لهم من قبل كالخطاب والشعر والبلاغة فإنها قريبة الميلاد من إقبال دولتهم وقد كانوا عبروا الدهر الطويل وهم أميون لا يقرءون ولا يكتبون وكان لحمير كتابة يسمونها المسند منفصلة غير متصلة وكانت مباينة لكتابة العرب عَلَى حدة في اللغة السير بعيدة الدار من بلادهم في منقطع الترب عَلَى شاطئ البحر جيراناً للحبشة والزنج وكانوا يحظرون تعليمها عَلَى العامة مع أنه كان لا يتعاطاها إلا من أذن له في تعلمها فلذلك دخلت دولة الإسلام وليس بجميع اليمن من يقرأ ويكتب. . . وجل كتابات الأمم من سكان الشرق والغرب اثنتا عشرة كتابة وهي العربية والحميرية والفارسية والعبرانية واليونانية والرومية والقبطية والبربرية والأندلسية والهندية والصينية والسريانية. فخمس منها اضمحلت وبطل استعمالها في بلادها وعدم من يعرفها في بلاد الإسلام وهي الحميرية والقبطية والهندية واليونانية والصينية وأربع مستعملات في بلاد الإسلام وهي العربية والفارسية والسريانية والعبرانية وأما العبرانية فنوع واحد لا تتفنن وإنما تتغير بخصيص أقلامهم حال التجويد أو التعليق. وأما الفارسية فتسعة فنون عَلَى ما ذكر أبو جعفر محمد بن المؤيد المتوكلي فإنه زعم أن الفرس كان إمام ملكها مقر عن أصناف إيراداتها (كذا) سبع كتابات وهي برم دفيره وكشته ودفيره ونيم كشته دفيره. وفروده دفيره. وسف دفيره. فمعنى الأولى الكتابة العامية والثانية الكتابة المغيرة والثالثة الكتابة المغيرة نصفها والرابعة كتابة الرسائل والخامسة كتابة السر وكانت كالترجمة والسادسة كتابة الدين وكان يكتب بها قرآنهم وكتب شرائع دينهم والسابع جامع الكتابات يشتمل عَلَى لغات الأمم من الروم والقبط والبربر والهند والصين والترك والنبط والعرب وكانت كتابة العامة من بينها ترسم قلماً وعشرين قلماً لكل فلم منها اسم عَلَى حدة نحو ما يقال في الخط العربي خط التجاويد. وخط النحاس. وخط القراطيس. وخط التحرير وخط التعليق وكانت صناعة الكتابة ذات أسماء مختلفة تلزم فنون طبقات الأعمال وقد نسي أكثر أسمائها لكثرتها فقد كانت غير ذلك فدرست وصاروا يستعملون منها هذه الأنواع السبعة كما كانوا يستعملون في المخاطبات اللغات الخمس الفهلوية والدرية والفارسية والخوزية والسريانية. فالأولى كان بها كلام الملوك في مجالسهم وهي منسوبة إلى فهله الواقعة اسماً عَلَى خمسة بلدان وهي: أصبهان والري وهمذان وماه نهادوند وآذربيجان والثانية لغة مدن المدائن وبها كان يتكلم من بباب الملك وهودر بالفارسية والغالب عليها من لغات أهل المشرق لغة أهل بلخ والثالثة كان يجري بها كلام الموابدة ومن ناسبهم من كور بلاد فارس والرباعة منسوبة إلى خوزستان وكورها الثلاث وبها كان يتكلم الأشراف في الخلوات كالتعري في الحمام والإبزن والمغتسل والخامسة منسوبة إلى كور بلد سورستان أعني العراق والسريانيون هم النبط وبها كان كلام حاشية الملك عند التماس الحوائج وتشكي الظلامات وكان للفرس كتابة العصا حكاها السلماني وكانت ملوك الفرس تودعها الأسرار في مخاطبة خواصها وعمالها ولم يكن بخط ولا بأعداد ولا بما يجري مجراها وإنما كانت تعمد إلى جلد أبيض فتقد منه سيراً طويلاً ثم تعمد إلى عصي الفيج أو المكاري فتلف السير عليها وتضم حروف السير بعضها إلى بعض ثم تدعو بمسامير تركبها عليها ثم تكتب فإذا انتهت الكتابة سلت تلك المسامير وكشف ذلك السير عن العصي فكان ما كان منها إلا نقط متفرقة ثم تلف السير وتجعل كالطبق ويقال للمكاري إذا نزلت منزلاً فضع طعامك عليه لتوهم أنه طبق طعامك فيكون هذا دأب الرسول إلى مبلغ المكتوب فح يرد لف السير عَلَى العصي كما كان رسم بأن يجعل الثقب التي في السير تجاه الثقب التي في العصي ويشك المسامير في الثقب ثم يضعها عند المكتوب إليه فهذه المتابة التي كانت إذا ضم بعضها إلى بعض أمكن قراءتها وإذا نشر زالت صورتها وتعذرت قراءتها. وسئل أحمد بن علي المتوكل عنها فأخذ درجاً من كاغد فكسر منه شبيهاً بورقتين وضم أثناءه بعضه إلى بعض ثم كتب عليه شيئاً يقرأ ثم نشره وبسطه فصار في كل موضع من الورقتين كالعلامة والنقطة فهذا الذي أريد بقول الشاعر: أي كتاب بالطي تعرفه وعندهم تبين أحرفه وأشر مما يزيل صورته وكتبنا كلها تخالفه. اه بجرفه فأنت ترى من هذا المثال، طويل المقال، الواسع المجال، إن هذا الكتاب الجليل من أحسن ما صنف في هذا القبيل. ولاسيما أن الكاتب قد أحاط بكثير من الألفاظ التي لم يذكرها من سبقه إلى هذا الموضوع. بل ولم ينوه عنها من جاء من بعده. ولهذا نتمنى أن يخرج هذا التصنيف اليتيمة إلى عالم المطبوعات. لينتفع بها محبو اللغات. ويقف عَلَى بعض محتوياته ما لا يوجد في كثير من المصنفات. قيض الله أديباً فاضلاً يعنى به. إنه عظيم كريم. بغداد: ساتسنا. تقارير المجمع العلمي السميثوني عن سنة ١٩٠٩ - ١٩١٠ - ١٩١١  ١٩٠٩ - ١٩١٠ - ١٩١١ عودنا هذا المجمع أن يمتعنا كل عام بتقرير عن أعماله السنوية وذلك بكتاب ضخم يخصص القسم الأكبر منه لنشر ما يظهر في عالم المطبوعات من الأبحاث والمحاضرات العلمية سواء ظهرت في أوربا أو أميركا. وأمامنا الآن ثلاثة من هذه التقارير الأولى لسنة ١٩٠٩ وأهم ما فيه من الأبحاث بحث في مستقبل العلوم الرياضية وبحث فيما إذا يميز المناطيد وآخر في تقدم الطبيعيات وآخر في مسألة النتروجين من الوجهة الحربية وآخر في مذنب هالي وعودته وآخر في طبقة الهواء العليا وآخر في المبلورات وغيره في الصخور النارية وفي البراكين وفي حفظ الموارد الطبيعية وفي البعثة البريطانية إلى القطب الجنوبي وآخر في رسم بحر غرينلاند ورحلة في أفريقية من النيجر إلى النيل ومحاضرة في ماضي العراق وحاضره ومستقبله ألقاها السير ويليام ويلكوكس في الجمعية الجغرافية الإنكليزية. ومبحثان في النشوء الحيواني ومذهب دارون. وآخر في قدم الإنسان في أوربا وآخر في نسبة العلم إلى حياة البشر وآخر في نسبة الحشرات إلى الأمراض وآخر في المقاومة الطبيعية للأمراض السارية وإسعافها وهذه الأبحاث كلها من أقلام نخبة رجال العلم في أوربا وأميركا. أما تقرير سنة ١٩١٠ فهو كالذي سبقه في الحجم والإتقان وإن كان أدق وألطف من الأول ورقاً وأهم موضوعاته: بحث في تزاويق البسط والسجاد وفي تقدم فن الطيران حديثاً وآخر بالانتفاع في الأراضي المقفرة في غربي الولايات المتحدة وآخر في القوة الكهربائية من نهر المسيسبي وآخر وسائط التأمين في معامل الفولاذ في الولايات المتحدة وغيره في نقل الرسوم بواسطة التلغراف السلكي واللاسلكي والآراء الحديثة في تركيب المادة. التقدم الحديث في وسائط تجربة المفرقعات. السكنروسكوب. مسائل فلكية في المناطق الجنوبية. صلاح الأرض للحياة في المستقبل. حفظ الغابات. بحث في معرفة نوع الجنين وآخر في ريش النعام. نظرة من الوجه الاقتصادية والجغرافية في الشعوب السلافية المعاصرة. وآخر في سكان الكهوف في العالم الجديد والقديم. حالة المزارع الصحية والسل وانتشاره. ويحوي تقرير سنة ١٩١١ كغيره أبحاثاً مفيدة في الطبيعيات والفلك والحيوان والكيمياء وطبقات الأرض وحفظ الصحة إلى آخر ما نشر من الموضوعات الحديثة خلال تلك السنة. وهذه التقارير في الجملة غاية في الإتقان والدقة مزدانة بالرسوم حسب ما تتطلبه الأبحاث والناظر إليها يشعر برقي هذا المعهد العلمي سنة عن سنة نفع الله العلم به وأكثر من أمثاله في العالم. وقيض لهذا الشرق العربي أناساً يخدمونه في الماديات ليخرجوا به من عالم الأدبيات والخطابيات. أخبار وأفكار إيطاليا والإسلام قال لنا ذات يوم أحد علماء الشرقيات من الألمان أتدري السر الأعظم في غلبتنا الفرنسيس في حرب السبعين فذكرنا له ما حضرنا من الأسباب فقال: لا هذا ولا ذاك وإنما كنا معاشر الألمان عارفين بما عند جيراننا حق المعرفة أما هم فكانوا يجهلون حقيقتنا ولذلك كتب النصر لنا. ولقد حملت مجلة العالم الإسلامي الباريزية مبحثاً للمسيو أنطوان كاباتون من مستشرقي فرنسا تحت عنوان إيطاليا دولة إسلامية فآثرنا ننقل لبابه إلى العربية ليعلم من لا يعلم أن كل أمة لا تعرف ما عند جارتها تغلبها كما غلب الألمان الفرنسيس وأن التمجد بالقديم وحده دون أن يكون لصاحبه شيء من دواعي الشرف الحقيقي الطريف مما يلقي بالأمم من قمم العز إلى دركات الذل وأن الشرق ينون أن يعد له قوة تعادل قوة الغرب يزدرده هذا ويقضي عليه سنة الله في خلقه. قال العالم الفرنسوي: إن معاهدة لوزان الخيرة التي اعترفت بامتلاك إيطاليا الفتاة لليبيا قد أدخلت إيطاليا في مصاف الدول الإسلامية فإن أثرت الحرب بين إيطاليا والعثمانية في المسألة العثمانية البلقانية كل التأثير فقد أثرت في مكانة إيطاليا ونفوذها ووجهتها السياسية والاقتصادية أيضاً. واعتبرت حملة طرابلس حادثاً جديداً لقسمة قارة أفريقية بين الدول الأوربية وعنواناً حديثاً لسلطان المدنية الغربية الطامعة القوية عَلَى الغفلة الشرقية. وراحت إيطاليا مدفوعة بعوامل التذكارات الماضية وما أصابها من الفشل بين جاراتها ومنافساتها تريد الظهور في القبض عَلَى قيادة بلاد البحر المتوسط. وما من حرب منذ سنة ١٨٥٩ وقعت موقع القبول عند الشعب الإيطالي مثل الحرب الأخيرة إذ تلقتها الأمة الإيطالية بالبهجة عَلَى اختلاف طبقاتها ومن النساء من أرسلن ثلاثة أولاد لا رابع لهن إلى ديار الحرب وخرجن يوعونهم ويقلن نتجبي الحرب فلقيت الحملة في ذهابها وإيابها من ضروب الإكرام في بلادها شيئاً كثيراً ولا تسل عن فرح القوم يوم شاهدوا أبناءهم عائدين يحملون شارة الاستعمار لبلاد ربما كان أولادها في المستقبل جيش إيطاليا السود. وحدث ما شئت أن تحدث عما صدر في إيطاليا من الكتب والرسائل والصحف في وصف طرابلس وبرقة وما إلى ذلك يوم نادت إيطاليا: هيا إلى الحرب وعضدتها الصحف والحكومة عَلَى اختلاف صبغاتها في هذه الدعوة لا ليكون لإيطاليا مجد ومصرف اقتصادي فقط بل لتكون عَلَى قيد غلوة من بلادها أراض مخضبة ينزلها أبناؤها الذين يكثرون كثرة زائدة ولذلك كانت إيطاليا تمجد بحماسة تمازجها سذاجة أقل حرس يعود من ليبيا وكيسه عَلَى ظهره كما كانت تتألم لأقل نقد يأتيها من الخارج. فالأسلوب العلمي العظيم الذي وفقت إليه إيطاليا لوضع الحرب أوزارها انتهى بتمجيد الأمة الإيطالية. بعثت إيطاليا مئة ألف مقاتل عَلَى أسطولها الفاره لتقضي كل القضاء عَلَى الأتراك والأعراب ممن لم يتيسر لحماستهم الدينية وحبهم للاستقلال أن ينوبا مناب الأسلحة المنظمة والذخائر والجند والنظام. اغتبطت إيطاليا بفتح طرابلس وبرقة وأثبتت أنها الوارثة الوحيدة لمملكة رومية التي كانت الحاكمة عَلَى العالم في القديم وحققت أمانيها منذ خابت يوم ضمت فرنسا تونس إليها سنة ١٨٨١ وانهزمت في الحبشة سنة ١٨٨٩ لأنها عادت فأصبحت مملكة مستعمرة بما فتحته من ليبيا التي فتحتها رومية منذ الزمن الطول أيام كانت ضفاف البحر المتوسط للروح الإيطالية مهمازاً يحفزها كما كانت الآستانة مهمازاً للروح الصقلبية السلافية. ولقد طمحت إيطاليا في كل زمن إلى هذا الشاطئ من البحر المتوسط فحملت أولاً القوة والسلام الروماني ولما انحلت عرى هاتين المادتين تحت ضربات البرابرة عادت توجهه وجهها إلى تلك الوجهة أيضاً لا إلى الشمال فكان البحر المتوسط ميدان عمل جنوة وبيزا والبندقية وأمالفي وباري وسالرن ولم يقنع تجارها بأن يغتنوا بالاتجار بأقمشة الهند وفارس وجزيرة العرب وأفاؤيتها وأباريزها بل أخذوا برزانة يؤيدون النفوذ اللاتيني في آسيا الصغرى ومصر والحبشة وكان من انتشار الإسلام وقوته في القرن الثامن أن ضربت هذه الفتوح التي تذكر بفتوح رومية أيام عظمتها ضربة شديدة فاحتقر المسلمون إيطاليا عَلَى سمو مدارك أبناءها ومرونة أخلاقهم وأغاروا عليها فأدخلوا عَلَى قلوب أهلها الهول والفزع فكان الجلاد عظيماً ولئن وفقت إيطاليا إلى طرد العرب من صقلية فإن نجاح مدنها الساحلية في الجنوب قد تراجع وظلت جنوة وبيزا متأثرتين وعادت البندقية فوجهت وجهتها إلى آسيا الصغرى. وكان من الحروب الصليبية أن تهيأت لإيطاليا أسباب الانتقام فهذه الغارات وإن كان باباوات رومية هم الذين أملتها عقولهم قد بذل فيها العنصر الإيطالي بما عرف به من الحمية الممزوجة بقليل من التبجح من حسن السياسة أكثر مما بذل من الشجاعة. فاقتصر الإيطاليون في الحرب الصليبية عَلَى مرافقة جيوش أوربة إلى آسيا وبينا كان ملوك الأمم الأخرى تقيم ممالك صغرى في الأرض المقدسة كان الإيطاليون يقطفون ثمرات تلك الحملات. وقد ثبت هذا الدهاء السياسي الإيطالي في الحملة الصليبية الرابعة فإنه أنتج لجنوة وبيزا أن ربحتاً كثيراً واستأثرت البندقية بتجارة آسيا الصغرى وامتلاك أراضٍ مخصبة عَلَى الشواطئ الشرقية من البحر المتوسط وجزء من الآستانة. ولما سقطت القسطنطينية عَلَى يد محمد الثاني سنة ١٤٥٣ حالت دون هذا السير النافع وهذا فإن البندقية مع ما أتته من عجائب المهارة وحسن المأتى بل بجهادها العلني قد احتكرت جميع تجارة أوربا مع الشرق. وبهذا الاحتكاك غير المنفصل تمت للبندقية عَلَى قوتها البحرية والتجارة معرفة الشعوب الإسلامية حق المعرفة أكثر من كل أوربا وكان من العادة الجارية مع طبقة التجار من أبناءها أن يتكلموا التركية والعربية ويألفوا بعض العادات والمصطلحات الشرقية ولكن جاءت قوة في القرون الثلاثة التالية أكثر من قوة البندقية عَلَى ما لها من الصلات التجارية مع العناصر ألإسلامية فزادت عليها لأنها تطمع في امتلاك العالم ونعني بها الباباوية. فإن كنيسة أحلام رومية استطاعت أن تمتد إلى الخارج ويكون لها مطلب أعلى من الزنج حتى أنها في عهد غارات الجرمانيين كانت تحلم أن تقبض ذات يوم عَلَى قياد الوحدة وحب الاستيلاء الذي سقط بسقوط دولة القياصرة فأحسن صلاتها مع المسيحيين بل ومع الوثنيين في الشرق ممن تطع في تنصيرهم وأدركت كل الإدراك الخطر الناشئ من امتداد كلمة الإسلام عَلَى أوربا المسيحية. ومع أن الحملات الصليبية قد أخفقت وقوة الإيمان قد انثلمت في القائمين بها ما برحت كنيسة رومية إلى أوائل القرن السابع عشر تطالب بأعمال أخرى وفي هذا العهد كان العف أخذ ينال العثمانيين. بيد أن رومية شعرت في الحرب الصليبية الثانية أن السيف وحده غير كافٍ في مثل هذا الجهاد ورأت أن تعارض التعصب الإسلامي بطوائف متماسكين في اتحادهم من غيوري الأوربيين أو الشرقيين لتقطع أوصال المسلمين قطعاً أدبياً بعد أن أوقفتهم عن سيرهم المادي. وما فتئت رومية منذ القرن الثاني عشر والثالث عشر تحاول تنصير جميع الشعوب الآسياوية التي ظلت عَلَى وثنيتها فبعثت إلى بلاد المسكوب وفارس وأرمينية والتاتار والتبت ومغوليا والصين والأرخبيل الهندي وفوداً من أهل الذكاء والحصافة ممن خلفوا لنا رحلاتهم ومذكراتهم اليومية عهدت إليهم أن يسبروا غور أمراء لينصروهم أو ليتحالفوا وإياهم صد المسلمين عَلَى الأقل. وكان نصيب مصر والحبشة أيضاً البحث عن مثل هذا الشأن. فلم تلبث الرهبنات العظمى قد أنشئت مثل الدومنيكينيين والفرنسيسكانيين واليسوعيين والكبوشيين والكرمليين واللعازريين ليكونوا جنداً مخلطاً في خدمة إمام الأحبار وتفتح تلك البلاد لدخول النصرانية إليها فأثبت جيش من الرهبان عَلَى اختلاف مظاهرهم في قارتي آسيا وأفريقية الشمالية لافتتاحها ونشر الإنجيل فيها ثم نشر المدنية الغربية فحبط القائمون بالأمر أولاً ولم يهتدوا لأحسن الطرق في العمل فانهال الفرنسيسكانيون والدومنيكينيون يفادون بأرواحهم ويصبرون عَلَى ضروب العذاب في سبيل دعوة الشعوب الإسلامية في أفريقية الشمالية إلى الدين المسيحي وكانت الطرق التي عمدوا إليها عَلَى تحمس فيها ممزوجة بكثير من الجهل فشعروا في الحال أن الضرورة تقضي عَلَى من يريد دعوة أحد إلى دينه أن يتكلم بلغته عَلَى الأقل ليتفاهم الداعي والمدعو فنادا القوم في كل مكان بضرورة إنشاء مدارس لتعليم اللغات كان رايموند لول داعيتها الذي لم ينله تعب ولا نصب. فقضى مجمع فينا سنة ١٣١١ الذي كان يرأسه أكلمنتس الخامس لأن يؤسس في باريز وأكسفورد وبولون وسلمنكة دروساً عربية وعبرانية وكلدانية من شأنها تخريج وعاظ وأهل جدل أشد لتنصير المسلمين واليهود وأنشأ الفرنسيسكانيون والدومنيكينيون في ايدارهم دروساً من هذا القبيل ليعدوا رهبانهم لنشر الإنجيل ومنذ ذاك العهد أصبحت إيطاليا مهد حركة بالمشرقيات وأخذوا بنوع خاص يدرسون العبرية لفهم أسرار التوراة لتنصير اليهود واللغة العربية لتنصير المسلمين وكان أساتذة العبرية يتخرجون بأعلم العلماء الربانيين وأساتذة العربية كانوا ممن رحلوا إلى البلاد اللغة التي أخذوا يدرسونها ويصحبهم بصفة معيدين أناس من المسلمين أو من السوريين الموارنة ممن كانوا يعلمونهم العربية بالعمل ورأى هؤلاء القسس بحكم الضرورة أن يتقنوا من اللغة العامية إلى الفصحى ليشتد ساعدهم في فهم المسائل الفلسفية ورد حجج المخالفين بأسلوب فسلفي أدبي. ومن أجل هذه الغابة اهتموا أيضاً بمصر والحبشة ومن مدارسهم نشأ العلماء الأول من الأقباط والحبش والأمحريين ولكن دراسة اللغة العربية بقيت الحاكمة المتحكمة في شبه جزيرة إيطاليا فكان ينظر إلى تعلمها أنه من الحاجات الماسة لكل تجار المدن البحرية. فقد وضع أحدهم سنة ١٢٦٥ باللغة العربية كتاب المعاهدة التجارية بين تونس وجمهورية بيزا وظلت العربية مألوفة في عدة أماكن من إيطاليا الجنوبية عقيب احتلال العرب صقلية فكانت في بلاط ملوك نورمانديا وهوهانستوفين وفريدريك الثاني ودي منفروا لغة العلم العالي والشعر والأدب. وما كانت العربية عَلَى ما فيها من القصائد المقيمة المقعدة والعواطف المؤثرة لتحمل أمثال شارل دانحو عَلَى تحمسه لدينه أن يخاف عاديتها بل كان الطباء والطبيعيون في قصره إما من الإسرائيليين أو من المسلمين المنحلين في عقائدهم وكان الطب هو الجواز التي سارت به الفلسفة العربية عندما قام جيرارددي كرمون الشهير في أوائل القرن الثالث عشر في ظل دولة فريدريك الثاني يترجم بعض كتابات ابن سينا الفيلسوف. وفي القرن الثالث عشر ترجم المعلم موسى من أهل بلرمة من اللاتينية إلى العربية كتاب أبقراط في أمراض الخيل فتسربت فلسفة ابن رشد من أمثال هذه الطرق ولم تلبث أن صادفت قبولاً بين ناشئة إيطاليا حتى شكا من ذلك جهاراً بترارك في القرن الخامس عشر إذ رأى في تلقف فلسفة ابن رشد الإلحاد والازدراء باليونانية واللاتينية. وكثير من العلماء والأدباء من غير طبقة الرهبنان كانوا يرون في موجبات الفخر في القرن التالي أن يعرفوا العربية سائرين عَلَى سنة بيك دي لاميراندول. وعلى توفر بعضهم عَلَى نشر كتب في الجدل مع المسلمين حتى قبل أن يترجم القرآن بإحدى اللغات الغربية فإن عشاق العربية كانوا يرون من الحيطة ودواعي الغيرة أن يمرنوا أنفسهم عَلَى ترجمة رسائل في الطب ينقلونها عن العربية إذ لم يكن أحد يجهل مكانة العرب في هذا الفن وبذلك يرون أنهم ينجون من الاتهام بالزندقة وقد أصبح أندري أريفاين في البندقية حجة في هذا الباب وأنشأ هؤلاء المترجمون يدققون علاوة عَلَى ذلك كل التدقيق فيما ينشرون فكان لهم أسلوب علمي حقيقي. ولما رأي أندري مومكاجون بللون في القرن الخامس عشر لأن تراجم ابن سينا القديمة وأطباء بلاط فريدرك الثاني ليس فيها عناية ذهب يحكم دراسة اللغة العربية في دمشق وأتم تعليمه الشرقي بالرحالة في مصر وسوريا وفارس وآسيا الصغرى رحلة طويلة وذلك قبل أن يعود إلى كلية بادو ليشرح لتلامذته فلسفة ابن سينا. وقصد جيرولا مورانوزيو أحد أطباء البندقية بلاد الشام أيضاً في سنة ١٤٨٣ ليتبحر في فهم فلسفة ابن سينا ويعلق شروحاً عَلَى ترجمته عليها. وكان من سقوط القسطنطينية وهجرة علماء من اليونان إلى إيطاليا وكثير من نصارى الشرق واختراع الطباعة وقيام الإصلاح أن هبت في أرجاء إيطاليا حركة النهضة العلمية التي تجلت في أجمل مظاهرها في الدروس الشرقية ولاسيما في دروس العربية والإسلام. كانت الحركة في تعلم المشرقيات عامة وإفرادية معاً انتشرت كل الانتشار بفضل الكاردينال فريدريك دي مديسيس في فلورنسا والباباوات في رومية والكاردينال بورومة في ميلان والكاردينال بارباريكو في بادو ومن تقدمهم مثل باباغانيني الذي نشر في البندقية أول طبعة من القرآن باللغة العربية ولكن هذه الطبعة لم تلبث أن أبيدت بغيرة دينية خرقاء وكان من الأسقف أغوستينو جويستنياني المشغوف بالدروس الشرقية ولاسيما العربية والعبرية أن يقبل من فرنسيس الأول بتدريس اللغة العبرية بعد أنصرف ثروته واقتناء مجموعة من المخطوطات المهمة في العبرية والعربية والكلدانية والرومية وكان تيزايوامبرو كيو قومس (كونت) ألبونز مستشرقاً مدققاً. وهكذا كانت إيطاليا كلما أُولع علمائها باللغة العربية وتشربوا روحها تميل كل الميل إلى الأقطار التي كان يتكلم فيها. وقد نشر أندريا أريفابن من مانتو أول طبعة إيطالية من القرآن إن كل كل هذه الأعمال عَلَى جلالتها لا تعد شيئاً في جانب إنشاء مطبعة أشر ميديسيس المالكة والمطبعة الشرقية لبث الدعوة ومطبعة بادو وكليتها وإحداث مملكة أمبروز في ميلان وكل ذلك بغية تنصير المسلمين والوثنيين. فقد طبعة مطبعة ميديسيس ١٨ ألف نسخة من الإنجيل باللغة العربية سمته (أربعة أناجيل يسوع المسيح سيدنا المقدسة) وأرسلتها مع تجار لتباع ثمن بخس في البلاد العربية أو التي تفهم بها العربية عَلَى صورة حازمة لا يظهر منها القصد الذي يرمي إليه دعاة الدين. وكانت النية معقودة قبل كل شيء عَلَى إعلان حرب صليبية جديدة روحية عَلَى الإسلام يدخل إليها بالوسائل العلمية وعني الباباوات الأدباء أمثال ليون العاشر أو إكلمنتيس السابع عناية خاصة بتأسيس خزائن كتب من المخطوطات تسلب من المسلمين الأعداء القدماء لتكون بذلك مجموعات نفيسة في دار كتب الفاتيكان أما غريغوريوس الثالث عشر فكان لا يرى أحسن في النجاح من تنصير الناس وإبادتهم وأنشأ يوليوس الثاني في مدينة فانو عَلَى بحر الإدرياتيك أول مطبعة عربية احتفل ليون العشر بافتتاحها سنة ١٥١٤ بنشرها أول كتاب طبع بحروف عربية وهو كتاب صلاة السواعي. وكان في رومية مطبعة حجرية شرقية أنشاها سافري دي بريف الذي ظل سنين طويلة سفيراً لملك فرنسا في القسطنطينية وهو نفسه الذي حفر أمهات الحروف العربية التي نقلت عنها مطبعة الأمة في باريز أشكالها. ونشر منذ سنة ١٦١٣ كتاب التعليم المسيحي. وظل الكاردينال فرديناند دي ميديسيس متمماً لذوق أسرته في حب المعارف الشرقية فابتاع مخطوطات شرقية باسم البابا وكان يدير بطرياركية أنطاكية والإسكندجرية ومملكة الحبشة إدارة روحية وأنشأ عَلَى نفقته مطبعة ميديسيس وولى عليها ريموندي الذي ولد سنة ١٥٣٦ في نابولي وهي أكثر البلاد التي كانت العربية منتشرة فيها. فكان باللغات الشرقية التي كان يتقنها ولاسيما العربية قدوة الداعين إلى تعلم المشرقيات ونشر بالعربية كتاب نحو وكتاب ابن سينا وغيرها فكانت مطبوعاته بحسن طبعها ووضعها موضوع الإعجاب العام وبعض أن قضى ريموندي نحبه لم تعد أسرة ميديسيس تفكر في إعلان الحرب الروحية عَلَى المسلمين بواسطة الكتب بل عمدت إلى إحداث الاضطرابات العملية. ولم تشأ رومية أن تكون في خدمة المعارف الشرقية بالمطابع والمكاتب والمدارس دون أسرة ميديسيس في بث هذه الدعوة لتنشر بها الدعوة للإسلام فقد صارت بفضل الباباوات ميدان درس ونشر كل ما يرقي عقول القسيسين الذين تنتدبهم رومية لفتح العالم فتحاً روحياً يتخرجون في المدارس ما أمكن بلسان البلاد وعاداتها ومعتقداتها التي يريدون بث دعوتهم فيها ودار الكتب تتمم لهم هذه المعلومات فيعثرون فيها عَلَى ما سطره أسلافهم في رحلاتهم إلى البلاد التي عنوا بتنصير أهلها وما تلقفوه من معتقداتهم وعاداتهم ولهجاتهم وصناعهم ويقضى عَلَى كل قسيس أن يكتب مقامه في القاصية كتابة أو رسالة تخدم هذا الغرض. ومطبعة بث الدعوة تنشر كل ما يؤلف من هذا القبيل وتترجم إلى لغات شرقية كثيرة الكتب المسيحية والردود عَلَى الإسلام وكان للغة العربية الشأن الأول من بين هذه اللغات التي تطبع فيها المطبعة وهي عشرون لغة شرقية. وما كان القصد من هذه العناية إلا دينياً محضاً بادئ بدءٍ ولم يكن العلم الشرقي إلا واسطة تساعد عَلَى علم الجدل وكذلك اللغة العربية لم تكون إلا سلاحاً تقاتل به الإسلام ولذلك كانت المدرسة الإكليركية الشرقية في بادو لا ترى غضاضة عليها أن تشتغل بالعلم المجرد أحياناً للأثر الذي يحدث عنه وكانت المطبعة والمكاتب الشرقية من المتمات لتك المدرسة لذهابها بفضل الشهرة وتأثيرها في الأفكار. وقد تخرج بالأستاذين ماراسي وأغابيتو عد تلاميذ باللغة العربية فصنفوا فيها وأفادوا وتعاقب اثنان من الكرادلة عَلَى أبرشية بادو كان ل منهما يتنافس في عصره في خدمة الدروس الشرقية. وهكذا كان شأن ميلان فإن فريدريك برورومة بث فيها روح العلوم الشرقية وبعث منذ سنة ١٦٠٩ إلى الشرق يبتاع بالأثمان الباهظة كتباً ومخطوطات شرقية فأسس المكتبة الأمبروزية الشهيرة ولم يكثر تلامذة المدرسة التي أسسها لهذا الغرض بل كانوا قلائل امتازوا بإخصائهم وكان ثمة أساتذة خاصة من مسيحيي الشرق أو المسلمين الملحدين ولطالما عطف عليهم ونشطهم وتخرج في مدرسة امبرواز أنطونيو جيجي باللغة العربية فكان لها مجداً أثيلاً. عد القرنان السادس عشر والسابع عشر عصر ازدهار الدروس الشرقية ولاسيما الدروس العربية في إيطاليا أما القرن الثامن عشر فكوان عصر الانحطاط التام إذ قلت فيه حتى الغيرة الدينية والحماسة العقلية ولم ينشأ فيه سوى الكاردينال ميزوفانتي الخارقة في إتقان اللغات المنوعة فكان مفخراً للعلم الإيطالي وقد تقاسم جمهور الشعب أقيال وملوك متوسطون صار معهم إلى الشقاء والعبودية أما الطبقة العالية فقد حرمت من الاشتراك في إدارة شؤون بلادها ينهكها الاستبداد المدقق أو اضطهاد النمسا الشديد فنسيت في لذائذها المادية حريتها وعلو منزلتها العقلية. وفي سنة ١٧٩٠ احترقت مطبعة ميديسيس ثم أعيد إنشاؤها وبعد أن تقلب عليها الأحوال ونقلت إلى باريز بأمر الإمبراطور نابليون أعيدت إلى إيطاليا وفيها طبع أعاظم مستشرقي الطليان أمثال أماري وسيكابارللي وكويدي كتبهم وما نشروه عن آثار العرب. ولما فتح نابليون مصر وأعلن أنه يراعي للمسلمين معتقداتهم وحقوقهم وأنه لا أرب له إلا قتال المماليك أحلاف إنكلترا رأى أن يستولي عَلَى قلوب المصريين فظهر لهم بمظهر الحياد وحسن الخدمة وبعث يجلب مطبعة لبث الدعوة الشرقية من إيطاليا فأتته إلى مصر واخذ بها يطبع الكتب خدمة للسياسة والتجارة. فأصيبت من ثم المطابع الشرقية في إيطاليا بضربات السياسة والحوادث وبقيت المدرسة الإكلركية وخزائن كتبها في معزل وعلى ما عرف به المستشرق العالم بالعربية أسيماني من سعة الفضل فإنه من لم يتيسر لبلاده أن تعيد الحياة للمشرقيات بعد انطفأت جذوتها بالفتن والكوائن وانقراض بيت ميديسيس. ونشأ للعربية أستاذ في القرن الثامن وهو القس فللا درس في كلية بلرمة ونشر بعض الكتب ولكن القرن التاسع عش امتاز بآدابه كما امتاز بالحياة في إيطاليا التي هبت قوة حرة وراحت ترفرف نحو كل ما كان فيه مجد ما أيام تاريخها المجيد فأزهرت فيه الدروس الشرقية ولاسيما الدروس العربية والعلوم الإسلامية. فكانت الولايات الجنوبية في إيطاليا تخرج أبطالاً في المشرقيات أمثال المؤرخ والسياسي ميشيل أماري الذي نشر أحسن تاريخ للمسلمين في صقلية وكثير من الكتب التي تدل عَلَى فضل علم وتدقيق. ودروس العربية في كليتي فلورنسا وبيزا ونشأ معه الأستاذ سيكا بارللي مدرس العربية في فلورنسا ثم بونازيا مدرسة كلية نابولي وأغناس كويدي الذي هو اليوم أحد زعماء المجلين من علماء المشرقيات من الطليان وهكذا نشأ لإيطاليا أجلة من المتجرين في علوم الشرق ولغاته وأمراء يفضلون عَلَى العلماء في طبع ما يلزم ونشره. وكان امتياز إيطاليا قديماً في نشر المعارف في كل البلاد فأصبحت كذلك في عهد وحدتها تريد أن اجعل لكل إقليم حظاً من هذه الخدمة ولمتلبث صعوبة الحياة الحديثة والأطماع القديمة التي يظهر أنها اليوم العامل في حياة الممالك الأوربية أن تحدو إيطاليا السياسية إلى الانتفاع من هذه المعارف النظرية انتفاعاً عملياً. ولما تمت لإيطاليا وحدتها لم ترى لها نصيباً في المغانم في أرض أوربا فوجهت وجهتها منذ ثلاثين سنة إلى أن تضع يدها عَلَى ما لم يكتب له الاستعمار الأوربي من حوض المتوسط فرأت أولاً أن تبعث بالفقراء من أبنائها في صقلية وسردينيا إلى تونس إذ قد رأت فرنسا قبضت عَلَى قياد الجزائر وإسبانيا عَلَى الريف وإنكلترا عَلَى مصر ولكن سرعان ما أخفقت أحلامها بإعلان فرنسا حمايتها عَلَى تونس سنة ١٨٨١ فبقيت أمامها طرابلس الغرب ولكن لم تجرأ أن تحلم بها ولذلك أبعدت في أطماعها بادئ بدءٍ فأرادت الاستئثار ببلاد الشاطئ الشرقي من أفريقية فكان فيها مراسلوها وعلمائها دعاة لما تريد إيطاليا القيام به. وإذا كانت مصر عَلَى قربها من إيطاليا وغناها وعراقتها في الإسلام مما يكون الخطر كانت هي أول غاية انصرفت إليها كهنة الطليان وتجارهم وكانت إيطاليا منذ القرن السادس عسر مركزاً لتعليم الآداب القبطية وقد أنشأت تعلم علم الآثار المصرية القبطية في بيزا لتثبت بذلك أنها لا تريد أن تكون غريبة عن علم كانت لها القدم الراسخة قديماً في الإبداع فيه وكانت للغة الحبشية المقام الأول في إيطاليا لأنها رأتها أقرب إلى بث الدعوة في نساطرة الحبش وإن التجارة تمكن ودن أن يصطدم الإيطالي مع الإسلام الذي لا يتساهل. وفي أوائل القرن التاسع عشر أنشأت إيطاليا مجمعاً ومدرسة لتنصير الأفريقيين وتعلم دعاة لهذا الغرض تأخذهم من أبناء تلك البلاد وتربيهم ليعودوا إلى مساقط رؤوسهم يحيون فيها روح دينهم الجديدة لكن هذا العمل في التنصير أخفق لما حال أمامه في كل مكان من بث دعوة الإسلام ونشر الدعوة البرتستانتية فاقتصرت إيطاليا من ثم عَلَى غرس نفوذها في تلك البلاد وإعداد الأسباب للمطامع الاستعمارية. فكانت سياسة إيطاليا حازمة محتشمة أولاً ففي سنة ١٨٦٩ عندما فتحت ترعة السويس ابتاعت شركة الملاحة الإيطالية روباتينو من زعيمين مستقلين مرفأ أساب بالقرب من جزيرة بريم عَلَى الشاطئ الأفريقي من البحر الأحمر فجعلته محطة لسفنها الذاهبة إلى الشرق الأقصى ولما خاب ظن إيطاليا في الاستيلاء عَلَى تونس ابتاعت من هذه الشركة سنة ١٨٨٢ جميع ما تملكه في تلك الرجاء بمبلغ ٤١٠ آلاف فرنك فكلفتها كثيراً وأرسلت حملة لتأديب قبائلها المجاورة مثل الدناكل والصومال من المسلمين فذبحوا لها رجالها سنة ١٨٩٤ وعادت فبعثت بحملة إلى مصوع وبعثت إنكلترا جيشاً إلى البحر الأحمر للدفاع عن سواكن ومصوع من عصاة السودان واقترحت عَلَى إيطاليا أن تكون الحملة مشتركة عَلَى أن تكون مصوع لإيطاليا ويحق لها بسط سلطاناه عَلَى الجبشة فبادرت إلى احتلال مصوع وتيسر لإيطاليا بأعمال حربية قليلة أن تضم أرضهما إلى أرض أساب. ولكن بسط حمايتها عَلَى الحبشة نشأت عنه كارثة غير متوقعة وذلك أن جيوشها ما كادت تصل إلى البحر الأحمر حتى تحالف أمراء الحبشة وجعلوا نجاشيهم جوهانس إمبراطوراً عليهم فقتل هذا حملة للطليان مؤلفة من ستمائة شخص عن بكرة أبيها سنة ١٨٨٧ فأرسلت إيطاليا عشرين ألف رجل فلم يكادوا ينزلون إلى البر حتى فيهم الجوع والحصار ودهمهم ثمانون ألفاً من الحبشان فانهزمت إيطاليا شر هزيمة في ساكنتي ( ١٨٨٨ ) ثم استمالت إليها النجاشي منليك واعدة إياه بأن يكون هو إمبراطور الحبشة دون جوهانس ولكنه لم يتغرر بأمانيها بل رد الإيطاليين رد الأبطال عن حياض داره فذبح سنة ١٨٩٥ أناس من المستعمرين الإيطاليين في أمباألاكاخي وبعد بضعة أشهر سحق الحبشة لإيطاليا جيشاً مؤلفاً من خمسة وسبعين ألف إيطالي في أدوا فاضمحلت آمال الإيطاليين بعد ذلك وقنعت بما ترك لها من المواني هناك وراح أبناؤها ينتشرون في تونس ومصر وعلماء المشرقيات من المتضلعين من العربية من أبنائها يرفعون شأنها الماضي كفي الحضارة وتقاليدها القديمة في النصرانية. واتفق أحد رجال البيت الخديوي الأمير أحمد فؤاد باشا تعلم في المجمع العلمي في تورينو فكان منه بعد ذلك أن عقد أنفع الصلات مع إيطاليا كما بدأ ذلك منه سنة ١٩٠٨ وقد عين رئيساً للجامعة المصرية لتعلم العلوم الحديثة للمصريين ونظم الجامعة بمشورة عالم فرنساوي مشهور المسيو مسبور وكانت أكثر الدروس تلقى بالعربية فكان من الأساتذة كويدي ونالينو ومالو الإيطاليين الذين درسوا الدروس التي عهدت إليهم بالعربية. ومنذ ذام العهد مالت الأفكار في إيطاليا إلى طرابلس الغرب لتكون لها أهراء حنطة كما كانت للرومان قديماً وذلك لأن صرف المال وبذل الوقت والعناية بزراعتها سيكون منها مورد ربح عظيم وتجد فيها اليد العاملة من الطليان مجالاً واسعاً للاستعمار فرأت إيطاليا أن يكون الفتح الاستعماري مشفوعاً بالرفق والرحمة والتساهل في معاملة الشعوب الإسلامية وأن يكون أساس الاستعمار في تلك الأقطار المصالح الاقتصادية وأن تدار البلاد بأيدي أعظم رجل الإدارة ممن تتعلم منهم وزارات الأوربية دروساً في الاستعمار. واخذت إيطاليا بتنظيم كلية بادو التي كانت اتخذتها جمهورية البندقية منذ قرنين مدرسة لتخريج رجال سياستها وتراجمتها وسماسرتها تدرس فيها اللغة العربية والفارسية والتركية ولاسيما العربية وستعنى هذه المرة بالعربية أكثر ليكون من متخرجيها أعظم الإداريين المستعمرين لليبيا وتضاف إلى دروسها اللهجات البلقانية المنوعة ممن تتجر معهم البندقية وإيطاليا. ولجنوة درس عربي طالما تناوب تدريسه أعظم مستشرقيها وهي اليوم تطالب بأن يكون لها امتياز بتخريج رجال الإدارة والاستعمار بإنشاء كلية بحرية استعمارية فيها وكذلك سيكون لكلية بولون أثر عظيم في تخريج رجال بالعربية كما منهم حظ ليس بقليل الآن. وفي رومية في مدرسة الدعوة إلى الإيمان درسان للعربية والسريانية وكذلك مدرسة القديس أبولينير فإن درس العربية يدرسه فيها الأسقف بوغاريني وتفتخر الحكومة اللادينية في رومية بأن فيها درساً للغة العربية وآدابها بزعامة الأستاذ سكياباريللي والحبشية تحت نظارة كويدي. وفي جنوب شبه جزيرة إيطاليا المملوء بتذكارات إسلامية والقريب من حيث الوضع الجغرافي من بلاد المسلمين كلية بلرمة التي تدرس العربية فيها كل من الأستاذين ناينو وبوبونازا واقتصرت نابولي عَلَى تعليم العربية بالعمل كما تعلمها بالنظر أيضاً. وفي نابولي مجمع شرقي يعلم بالعمل اللغات الحية في آسية وأفريقية وفيه تلامذة صينيون وهنود وبلغاريون وصربيون وفلاخيون وألبانيون ويونان. وفي سنة ١٩٠١ عيد تنظيم هذا المجمع عَلَى مثال مدرسة اللغات الشرقية في باريز ويمتاز بأن دروسه مجانية ولا يمتحن الطلاب فيه. لا جرم أن فتح طرابلس سيزيد في نجاح هذه المدرسة فيكون لإيطاليا الحظ بأن تكون دولة تحيا فيها المدنية الشرقية في البحر المتوسط عَلَى ما يبدو الآن لأعين الشعوب الإسلامية النازلة في البحر المتوسط من أن هذه الدولة حديثة العهد بنفوذها بما ترسله من فقراء المستعمرين والعاملين القادرين عَلَى منافسة اليد العاملة الوطنية. اهـ. كليات ألمانيا الكليات أو الجامعات أو دور الفنون في ألمانيا هي المدارس العالية المحتوية عَلَى الفرع الآتية: الأولى شعبة الإلهيات، الثانية شعبة الحقوق، الثالثة شعبة الطب، الرابعة شعبة الفلسفة (وهذه أربع فروع، ( ١ ) الفلسفة المجردة وعلم التربية والمنطق ( ٢ ) علم الألسن والأدبيات ( ٣ ) التاريخ والجغرافيا وتاريخ الصنائع والموسيقى ( ٤ ) السياسات وعلم الاقتصاد) الخامسة شعبة الرياضيات والطبيعيات (وهي الرياضيات وعلم الفلك والحكمة الطبيعية والكيمياء والحيوانات والنباتات وطبقات الأرض). فعدد كليات ألمانيا اثنتان وعشرون. نصفها في بروسيا ونصفها في سائر الحكومات المتحدة وهاك أسماء الموجودة بها مع تاريخ تأسيسها وعدد طلابها السنة التدريسية الشتائية من سنة ١٩١١ . تاريخ التأسيس عدد الطلاب الكليات ١٩٠٨ ١٤٥٤٣ برلين (بروسيا) ١٤٧٢ ٠٧٥٩٦ ميونخ (بافيرا) ١٤٠٩ ٠٥٨٠٤ ليبسيك (سكسونيا) ١٨١٨ ٠١٤٠٧ بون (بروسيا) ١٥٠٢ ٠٢٨١١ هالله (بروسيا) ١٥٦٧ ٠٢٥٠٦ استراسبورغ (إلزاس ولورين) ١٧٠٢ ٠٢٤٢٩ برسلاو (بروسيا) ١٤٥٧ ٠٢٣٨٧ فرايبورغ (بادن) ١٧٣٧ ٠٢٣٥٥ غوتنغن (بروسيا) ١٧٧١ ٠٢٢٩٦ مونستر (بروسيا) ١٣٨٦ ٠٢١٨١ هايدلبرغ (بادن) ١٥٢٧ ٠١٩٣٦ ماربورغ (بروسيا) ١٤٧٧ ٠١٩١٣ توبينكن ورتمبرغ ١٥٥٨ ٠١٧٥٣ يينا ساكس وإيمار ١٥٤٤ ٠١٦١٤ كنغسبرغ بروسيا ١٦٦٥ ٠١٥٧٠ كيل بروسيا ١٤٠٢ ٠١٥٠٩ ورتسبورغ بافيرا ١٦٠٧ ٠١٤٠٩ كيش هس ١٧٤٣ ٠١٠٩٩ أرلانكن بافيرا ١٤٥٦ ٠١٠٣٤ كرابغسوالد بروسيا ١٤١٩ ٠٠٩٠٣ روشتوك مكلمبرغ ١٩١٣ جديدةفرانكفورت عَلَى ماين بروسيا ٦٣٧٥٥ المجموع ومن هذا المجموع ٥٠٠٠ طالبة تقريباً. وعدا ذلك فإن في غالب المدن مدارس عالية علمية، هندسية، زراعية، صناعية، تجارية، حربية ومراصد فلك ودور معلمين ومعلمات. الحنطة في فرنسا قالت الماتيني إن أكثر الأمم مقطوعية للحنطة هي الأمة الفرنسوية ثم أيدت قولها بالإحصاء التالي وهو إحصاء سنة ١٩٠٩ الذي يمكن اعتباره كمتوسط كمية الحنطة التي تناولتها مقطوعية ١٩٠٩ . مقطوعيتها (ألف قنطار) المقطوعية الفردية فرنسا ٩٨٤٣٢٢ . ٥ ألمانية ٥٧٦١٣٠ . ٩ النمسا والمجر ٥٧١٢٠١ . ١ إسبانيا ٤٠١٦٧٢ . ١ الجزر البريطانية ٧٣٩٤٤١ . ٧ إيطاليا ٦٤٤٤٨١ . ٩ روسيا (أروربا وآسيا) ١٧٨٤٠٠١ . ١ الولايات المتحدة ١٤٩٠٠٥١ . ٦ فيتبين مما تقدم أن المقطوعية الشخصية هي في فرنسا أكثر منها في سواها. وإن في الإشاعات المتداولة عَلَى ألسنة الناس في الخارج أو الفرنسويين يكثرون في أكل الحنطة والضفادع شيئاً صحيحاً أي أن قسمي الخبز صحيح أما الثاني فخرافة. ثم إذا اعتبرت المقطوعية من الوجهة العامة كان الفرنسيون بعد روسيا الشاسعة الأطراف والولايات المتحدة في طليعة سائر الأمم في المقطوعية. وإن في الجدول الآنف دلالة عَلَى مقطوعية كل شعب من الحنطة. بقي أن نعرف كيف تتحوط كل أمة لإملاء أهرائها التي تفرغ في كل عام. عَلَى أنه لا بد من التمييز بين البلاد التي تزيد مقطوعيتها من الحنطة عن حاصلاتها والتي تزيد حاصلاتها الخاصة عن مقطوعيتها فمن الفئة الأولى. حاصلاتها (ألف قنطار) الفرق ألمانيا ٣٧٥٥٧٢٠٠٥٦ النمسا والمجر ٤٩٩٣٦٧١٨٤ حاصلاتها (ألف قنطار) الفرق إنكلترا ١٧٤٨٦٥٦٤٥٨ إيطاليا ٥١٨١٣١٢٦٣٥ فأعظم البلاد استيراداً للحنطة هي إنكلترا ثم ألمانيا حليفتها. أما فرنسا وإسبانيا فإن محصولهما من الحنطة يعادل عَلَى نوع ما مقطوعيتهما وبيان ذلك. حاصلاتألف قنطارالفرق فرنسا ٩٧٧٥٢٦٨٠ إسبانيا ٣٩٢١٩٩٤٨ أما البلاد التي تزيد حاصلاتها عن مقطوعيتها فروسيا وحدها في أوربا ثم رومانيا. أما البلاد الأخرى فكلها واقعة وراء البحار وبيان ذلك. المقطوعيةالحاصلات روسيا ١٧٨٤٠٠ ٢٣٠٢٨٨ رومانيا ٧٠٤٠١٦٠٢٢ الولايات المتحدة ١٤٩٠٠٥ ١٨٥٩٨٠ كندا ٣٠٠٥١ ٤٥٣١٨ الهند الإنكليزية ٦٦٤٨٧ ٧٧٦١٦ أوستراليا ١٤١٣٧ ٢٤٦٠٧ الأرجنتين ٨٨٤٨٣٥٦٥٥ ولهذه الأرقام من الوجهة السياسية مكانة عظمى فالجزر البريطانية تستطيع أن تستمد من مستعمراتها ثلاثة أرباع ما ينقصها لمقطوعيتها. وإن ما نقوله هنا عن الحنطة ليصح أيضاً في اللحوم وسائر الحبوب الغذائية. فالقوة البحرية الإنكليزية الضخمة تضمن ورود الأقوات عليها بانتظام وهي مسألة حيوية بالنسبة إليها لأنه إذا استطاع العدو أن يمنع عنها القوات اللازمة هلكت بالمجاعة. ومثل ذلك يقال في دول التحالف الثلاثي فهي لا قوام لها بدون وصول المؤونة اللازمة لها من الخارج. وأهم البلاد التي تستورد منها روسيا وهي عدوتها. فإذا أمسكت عنها الحنطة في إبان الحرب وكانت لها (أي روسية) بحرية قوية هلكت أمم التحالف الثلاثي جوعاً. وإن هذه الجاة حاجة استيراد المؤن من الخارج لتزيد عاماً فعام بسبب ازدياد الناس في أوربا في الآونة الأخيرة وتجد البرهان عَلَى ذلك المقارنة التالية: الكمية المستوردة (ألف قنطار) ١٨٨١ ١٩٠٩ ألمانيا ٣٠٨٥ ٢٠٥٦ النمسا والمجر ٤١٣٧١٨٤ إنكلترا ٣٥٥٢٠ ٥٦٤٥٨ إيطاليا ٤٨٥١٢٦٠٥ أما فرنسا التي كانت ما قط تستورد كميات كبيرة فقد استوردت في سنة ١٨٨١ اثني عشر مليوناً و ٨٦٤ ألف قنطار أي أكثر مما استوردته دول التحالف الثلاثي بثلاث مرات. وسبب ذلك أن سكان ألمانيا كانوا في ذلك العهد ٤٤ مليوناً مقابل ٦٤ مليوناً في ١٩٠٩ و ٦٧ مليوناً اليوم. وكانت النمسا ٣٨ مليوناً وهي اليوم ٥٣ مليوناً. وإن ازدياد عدد السكان في أوربا كلها ليضطرها أن تستورد حاجتها من الحنطة من الخارج. وهذا الاضطرار يقضي بوجوب الاعتماد عَلَى عمارة تجارية كبيرة وأسطول حربي ضخم. اهـ. أموال الفرنسيس لفرنسا وحدها في القروض التي عقدتها الدولة منذ سنة ١٨٨٥ إلى الآن مبلغ ٨٤٦ مليون فرنك يضاف إليها ما لها من الأموال في المشاريع الآتية: مليون فرنك في البنك العثماني ٦٣ سكة حديد أزمير ٧١ القدس ويافا ١٨ دمشق حماة ١٢١ سلانيك ١٢٧ معدن هركلي ٢٩ مرفأ أزمير ١١ بيروت ١٤ الآستانة ٣٧ مياه الآستانة ١٧ شركة حصر الدخان ١٦ يكون المجموع ملياراً و ٣٧٠ مليون فرنك يضاف إليها الديون غير المنتظمة وهي: فرنك الديون الموحدة العثمانية ٨٣ . ٦٠٠ . ٠٠٠ تحويلات الرومللي ١١ . ٤٠٠ . ٠٠٠ ديون أخرى ٧٥ . ٠٠٠ . ٠٠٠ سلفات متفرقة ٧ . ٠٠٠ . ٠٠٠ ٣٠٠٠٠٠٠٠٠٠ ٢٠ / ١٥ ١٠٠ هذا عدا عن الأموال المستثمرة في بعض المشاريع الثانوية وهي كثيرة أيضاً فإذا أضفنا إليها سائر الديون العثمانية بلغ المجموع نحو ثلاثة مليارات من الفرنكات تزيد فائدتها ٢٥ في المئة من مجموع دخل الدولة ويضاف إلى ذلك القرض الأخير وهو ٧٠٠ مليون فرنك. طلابنا في فرنسا الغالب أن معظم من يدرسون العلوم من أبناء العثمانيين في كليات أوربا ينزلون ويختارون من كلياتها كلية باريز وكلية ليون فكرونو بل فمونبليه فنانسي ثم يكون من طلبتنا أناس في كليات ألمانيا فإنكلترا فالنمسا. وقد ذكرت الطان إحصاء في عدد طلاب الكليات في فرنسا جاء فيه أن عدد طلاب الكليات في فرنسا ٤١١٠٩ طالب وطالبة منها ٤٠٥٦ من الفتيان والباقون ذكور أي نحو عشر الداخلين في المدارس الجامعة هن من الجنس اللطبف وبلغ عدد الأجانب من الطلبة ٣٨١٩ أي نحو عشرة في المئة من مجموع الطلبة و ٤٠٥٦ طالبة فيوكن مجموع الطالبين والطالبات من غير الفرنسويين في كليات فرنسا ٧٨٧٥ من أصل ٤١ . ١٠٩ . واكثر الطلبة الأجانب يدرسون الحقوق ويأتون من الشرق فقد بلغ عدد طلاب رومانيا ٢٥٧ والروس ٢٤٣ والمصريين ١٦٣ والعثمانيين ١٢٤ أي نحو ثلثي عدد الأجانب ثم ٨٣ بلغاريا و ٣٦ ألمانياً و ٢٨ يونانياً و ٢٧ صربياً و ٢٥ نمسوياً ومجرياً و ٣٣ لوكسمبرغياً و ٢١ أميركانياً جنوبياً و ١٧ سويسرياً وثلثة الطلبة الأجانب في الطب هم من الروس الذين يبلغ عدد أبنائهم ٨٦١ ثم يجيء العثمانيون وعددهم ٨٧ والبلغار ٦٧ والرومان ٥٩ واليونان ٣٩ والذين يدرسون العلوم من الروس ٩٥٠ ومن العثمانيين ٧٠ أما عدد الدارسين في الآداب فهم ٧٠٩ من الروس و ٢٣٣ من الألمان و ١٤١ من الإنكليز و ٧٠ من الطليان فيكون مجموع الطلبة الأجانب في كليات فرنسا كما يلي: ٢٧٦٩ روسياً ٤٠٨ رومانياً و ٣٢٣ عثمانياً و ٢٨٩ ألمانياً و ٢٣٣ بلغارياً و ٢١٤ مصرياً و ١٩٠ إونكليزياً و ١٥٤ نمسوياً ومجرياً و ١٣٠ إيطالياً و ١٠٦ من الولايات المتحدة و ١٠٦ من اليونان و ٦٨ سويسرياً و ٨١ من أميركا الجنوبية و ٥٢ صربياً و ٥٢ أفريقياً و ٤٧ لوكسمبرغياً و ٤٠ إسبانيولياً و ٣٦ من الإلزاس واللورين و ٣١ سويدياً ونروجياً و ٢٧ بلجيكياً و ٣٦ من أميركا الوسطى و ٢٥ إيرانياً و ٢٣ برازيلياً و ١٩ برتقالياً. تربية النساء بينا نحن مع قومنا في ول درجة من سلم الارتقاء ولما لم نصعدها إذاً بنساء الغرب قد بلغن شوطاً في التعلم لا يكاد يصدقه شرقي فقد ثافن الرجال في التعليم والتهذيب حتى كدن يفقنهم وبالغن في إنهاض بنات جنسهن حتى تطاولن في بعض الممالك إلى المطالبة بإشراكهن في الحياة السياسية فنلن في فنلندة ونروج وأوستراليا والولايات المتحدة الأميركية ما أملن في هذا الشأن ولا يمض زمن طويل حتى ينال نساء بريطانيا العظمى حقوقهن في الانتخاب كما نال سكان تلك الممالك الأربعة المذكورة وهن يحاولن في فرنسا أن يكاثرن الرجال في المجاميع العلمية فيكون منهن أعضاء في اكبر مجالس العلم في باريز وعمالاتها. وإن الباحث ليمل إذا أراد نقل بعض ما يكتب النساء الغربيات من المقالات والأبحاث ويلقين من المحاضرات والخطب في هذا الشأن وفيهن مديرة المدرسة العالية والمحامية والصحفية والطبيبة والعالمة بالطبيعة والفلك والكيمياء والهندسة والمعلمة وآخر ما قر عليه قرارات العالمات من النساء في إنكلترا أن بين الرجل والمرأة اختلافاً أساسياً هو في المرأة بالنسبة للرجل صعوبة الحياة وطولها وطول سلسلة مصائبها وقوتها عَلَى مقاومة الأم راض وندرة نبوغها وبعض ما اختصت به من العاهات كالجنون والجرائم. وهن يحاولن هناك أن تربى المرأة تربية تتأهل بها للكسب وتصير صالحة للقيام بوظيفة الأمومة عَلَى ما يجب. قال إميل فاكي: كانت المرأة لأول عهدها دابة ثم حيواناً داجناً ثم رقيقة ثم خادمة ثم قاصرة ثم هاهي اليوم تحاول أن تثبت رشدها وتسجله في سجلات القانون. ولقد صح أن النساء النبيلات وبنات الطبقة الثانية في الناس ككن في القرون الوسطى يشاركن في الحياة البلدية ويدخلن المجالس فقد قادت جان دارك الجيوش وأرسلت كاترين دي سين في القرن الرابع عشر سفيرة إلى أفنيون إلى حضرة البابا وحكمة مرغريتا دوجة سافوا بلاد القاع عَلَى عهد ابن أخيها شارت الخامس وكثيرات من الأميرات في ذاك العهد تولين الأحكام وتعاطين التجارة والإدارة ومنهن من عملن في كليات إسبانيا وإيطاليا. ولما جاء القرن الخامس عشر والسادس عشر انقلب الأمر فكانت من نتائج الإصلاح الديني أن اتجهت الأفكار نحو إحياء العبرانية ومصطلحاتها كما كان من نتائج النهضة الاتجاه صوب الأوضاع اليونانية بيد أن التعليم الذي كان لا بأس به ويلقنه الفتيات في الأديار قد حرمن منه بعد إقفالها. فالتربية التي حيل دون النساء خلال ثلاث قرون الأخذ بها في الغرب قد بدأن بتربيتها فأنتج ذلك تلك الحركة الأدبية الباهرة في القرن الثامن عشر في فرنسا وبريطانيا العظمى وما كان عزوف نساءِ إسبانيا عن الاختلاط واعتزالهن اعتزال الشرقيات في خدورهن وجهلهن إلا سبب انحطاط أمتهن. يجب أن يصبح النساء أمهات قبل كل شيء ولهذا وجب عليهن أن يقوين مداركهن وينرن عقولهن. إن مميزات الرجل وميزات المرأة متمم بعضها للآخر وهي ضرورية لارتقاء المجتمع. الارتقاء الذي نتخيله للمستقبل وكل تغيير يحدث في تربية المرأة وفي قبولها في الأعمال الخاصة اليوم بالرجال يجب أن يجري عَلَى فكر عملي وعلى طريقة التجربة وباحتراز واحتياط وأن يلاحظ فيها الأخلاق الفطرية في المرأة ويميز بينها وبين الصفات الثانوية الخ. هذا ما حكم به العلامة المشار إليه عَلَى المرأة وهو الحكم المعتدل لمعقول أما نحن فعلى رأيه تحب أن تكون المرأة أماً قبل كل شيء ولكن أماً مهذبة التهذيب الراقي في الجملة تخفف عن الرجل عناءه وتنشل هذا المجتمع من سقوطه فتأثير المتعلمة الواحدة أكثر من ألف جاهلة وأنا موقون بأن ارتقاء المرأة البلغارية واليونانية والصربية كان أعظم باعث لارتقاء تلك الأمم والظفر بنا في مواقع الدفاع عن ذمارنا وديارنا لجودة سلاحهم وكثرة نصائرهم أما نحن فقد حرمنا التربية البيتية كما حرمنا التربية المدرسية وهذا جماع انحطاطنا. نريد لنساء الإسلام التعليم الابتدائي الراقي الآن ثم ترتقي درجته. معادن القطر المصري أنشأ المستر جون والس المفتش الأول في مصلحة المعادن المصرية سابقاً نقالة شائقة عن المعادن في هذا القطر قال فيها: اختلف الناس في مسألة التعدين في القطر المصري في السنوات العشر الماضية وتضاربت آراؤهم فيها فوضعها بعضهم موضع الهزء والسخرية وأحلها آخرون محلاً رفيعاً من الاهتمام ولاسيما الذين جالوا في هذا القطر وجابوا صحاريه وتمكنوا من مشاهدة الأعمال التي عملها القدماء لاستخراج الذهب والنحاس والحجارة الكريمة والتنقيب فيها. فالحصون القديمة والآبار والمحطات التي لا تزال آثارها ماثلة إلى اليوم تشهد عَلَى ما بلغته مصر من حسن النظام في عهد حكامها الأقدمين وكذلك اتساع بعض المناجم القديمة والطرق التي كانت تستخرج بها المعادن لا تترك مجالاً لتخرص المتخرصين. ولكن الناس في أيامنا هذه لا ينظرون إلى الشيء من الجهة الخيالية بل ينظرون إليه من الوجهة المادية أو الربح الذي يعود عليهم منه. فهل المعادن التي في مصر كافية لأن تكفل الربح للذين يستخرجونها والفائدة للقطر المصري؟ ومن رأيي أن المعادن موجودة في مصر بكميات وافرة تعود عَلَى القطر بفائدة اقتصادية كبيرة ولكن بشرط أن تعير الحكومة المصرية هذه المسألة الاهتمام اللازم وأن تشجع رواد التعدين في بلادها وأن تحسن شروط الامتيازات الحاضرة وتحمي مصالح أصحابها أكثر مما تحميها الآن. ولا يسعني المقام في هذه العجالة أن أبحث في مسألة التعدين بحثاً مستفيضاً فأحصر كلامي لذلك في المعادن التالية وهي أهم المعادن التي في مصر. الذهب - في الصحراء الشرقية كثير من المناجم القديمة وبعضها كبير جداً ولكن ظهر من الأبحاث التي أجريت فيها أن استئناف العمل فيها بنمط عظيم لا يعود بربح يذكر عَلَى الشركة أو الشركات التي تقوم به إلا أنه يستدل من العروق الغنية التي في تلطك المناجم أن استئناف العمل فيها قد يعود بالربح عَلَى الشركات الصغيرة أو المعدنين الذي يملكون رأس مال كان للقيام بذلك. ولا مشاحة في أن الأبحاث التي أجريت في مصر إلى الآن كانت قاصر جداً ولا يبعد أن تؤدي الأبحاث المقبلة إلى اكتشاف رواسب مهمة جداً من التبر الدنيءِ في الصخور المتبلورة والمتكتلة. وقد اظهر التعدين في بعض المناجم ولاسيما في منجمي أم يارت برامية ما خصت به عروق الذهب فغي بعض الطبقات الصخرية في مصر من الغنى فإن هذين المنجمين استخرج منهما ما قيمته مئتا ألف جنيه من الذهب الإبريز من كمية قليلة من التبر والدلائل كلها تدل عَلَى أنه لا يبعد أن يعثر عَلَى عروق تكون غنية بتبر الذهب مثل العروق التي عثر عليها في الأيام الغابرة. النحاس - موجود في أماكن عديدة ولكن لا يؤمل أن يكون من استخرجه ربح يذكر في أي مكان من الأماكن الموجودة فيها تبره. الرصاص - موجود في الطبقة الطباشيرية المتوسطة من طبقات الأعصر الثلاثية وفي الصخور الكلسية التي في سواحل البحر الأحمر بين الدرجة ٢٦ والدقيقة ٣٠ والدرجة ٢٤ من العرض الشمالي بكثرة تدعو إلى البحث عنه عَلَى نمط عظيم. وقد اهتم لأمره في جبل الرصاص منذ أربع سنوات أو خمسة. الزمرد - في سقايظ وأم حربة وسواهما مناجم قديمة لاستخراج الزمرد وبعض هذه المناجم كبير جداً وقد بلغ العمل فيها أعظمه في العصر اليوناني الروماني واستأنفت شركة من شركات المستر ستيتر العمل فيها عَلَى نمط صغير فعثرت عَلَى حجارة جميلة من الزمرد ولكن الشركة لم توال العمل ولم تكن مهتمة به الاهتمام اللازم علاوة عَلَى أن أحوال المعيشة في الصحراء الشرقية كانت غاية في الصعوبة ولم تكن أسباب الوصول إليها سهلة في تلك الأيام مما جعل مواصلة العمل فيها ضرباً من المحال. الزبرجد - يوجد منه حجارة جميلة في جزيرة القديس يوحنا (جزيرة الزبرجد) الواقعة إزاء رأس بناس في درجة ٢٤ من العرض الشمالي. وفي هذه الجزيرة شركة إنكليزية فرنسوية تستخرج حجارة الزبرجد منها الآن. المغنيس - يوجد أكسيد المغنيس في شبه جزيرة سيناء وهو طبقات متسعة في دوائر كبيرة يبلغ مسطح الدائرة منها عدة أميال مربعة وهذه الدوائر تعد الآن ليستخرج منها المغنيس حتى تسهل سبل النقل والشحن. الحديد - يوجد طبقات متسعة من معدن الحديد إلى الشمال من رأس بناس ولكنه يحتوي عَلَى كمية كبيرة من التيتانيوم ولا ينتظر أن يأتى في حالته الحاضرة بفائدة اقتصادية تذكر. الفوسفات - القطر المصري أغنى بلاد العالم بصخور الفوسفات وهي توجد بمقادير عظيمة في سواحل البحر الأحمر بين الدرجة ٢٦ والدرجة ٢٧ من العرض الشمالي وفي الضفة الشرقية من النيل جنوبي قنا وفي الواحتين الداخلة والخارجة. أما في الطبقات التي في سواحل البحر الأحمر فإن شركات عديدة تعمل فيها الآن لاستخراج الفوسفات منها وكل الدلائل تدجل عَلَى أنها ستنجح نجاحاً باهراً. والأفكار متجهة الآن إلى استخراج ما فوق الفوسفات (سوبر فوسفات) والأبحاث جارية الآن في ذلك. الزيت - تقدمت الأبحاث التي بدئ بها في خليج السويس منذ بضع سنوات تقدماً عظيماً فثبت منها أن مقادير كبيرة جداً من زيت البترول موجودة عَلَى عمق غير بعيد في رأس جمسه. والزيت التي ظهر هناك من أعلى الأصناف وأجودها ويحتوي من ١٥ إلى ٣٠ في المئة بنزيناً ومن ٣٠ إلى ٤٠ في المئة من زيت الإضاءة وقليل من زيت الثخين الذي يستعمل في تزيت الآلات ومن ٣ إلى ٦ في المئة من الشمع ولا يحتوي شيئاً من زيت الوقود أو الفضلات. ولكن مستقبل الزيت في القطر المصري يتوقف بالأكثر عَلَى وجوده في الطبقة الرملية التي يختلف عمقها بين ٢٦٠٠ و ٣٥٠٠ قدم فإذا ظهر من المباحث التي يجرونها الآن أنه موجود في هذه الطبقة صارت مصر في مقدمة البلدان التي تستخرج الزيت. الملح - موجود في القطر المصري بمقادير كبيرة جداً وتختلف سماكة الطبقات الموجودة فيها من بضعة أقدام إلى ألف قدم. الصودا - توجد كربونات الصودا بمقادير وافرة جداً في وادي النطرون والصحراء الغربية. حجارة البناء الثمينة - في الصحراء الشرقية بالقطر المصري أجمل أنواع الحجارة التي تستعمل في زخرفة الأبنية وتزويقها وأشهر هذه الحجارة وأجملها كلها الحجر السماقي الأحمر (البرفير) الذي في مقاطع جبل الدخان والحجر الناري اللماع (ديوريت) في مقالع كلوديانوس. صلصال الخزف - في القطر المصري نحو ستة آلاف نفس يشتغلون بضع مواعين الخزف البسيطة. والأتربة الصالحة لصنع جميع الأنواع من الخزف القاسي المشوي والمواسير موجودة بكثرة في مصر ولكن لا ينتظر أن تتقدم هذه الصناعة إلى حد تصير كافية لسد حاجة القطر وإصدار شيءٍ منها إلى الخارج إلا بعد أن تحل مسألة الوقود وترخص أثمانها ويسهل الوصول إليها. الوقود - لم يبحث إلى الآن عن الوقود عدا زيت البترول بحثاً وافياً. والحطب المتحجر في صعيد مصر لا يقابل بسائر أنواع الفحم التي ترد من الخارج فهو والحالة هذه من أدنى أنواع الوقود وأقلها قيمة ولكنه يحتوي عَلَى كمية كبيرة من الكربون وقد يمكن تحويلها إلى غاز محترق بواسطة أحد الأجهزة الملائمة فإذا تحقق ذلك سهل الانتفاع بالطبقات الدلغانية التي تكثر في الصعيد واستخدامها في إدارة الآلات الرافعة وغيرها من الأعمال الصناعية. وقد لا يبعد أن يوجد الغاز في حالته الطبيعية بجوار السويس وحلوان والأحوال الجيولوجية هناك تحمل عَلَى إجراء المباحث بهذا الصدد. الفحم - لا دليل إلى الآن يثبت وجود الفحم في مصر ولكن يحتمل العثور عَلَى فحم تجاري في شبه جزيرة سيناء إذا بحث عنه بحثاً منتظماً إلا أن معلوماتنا الجيولوجية القديمة عن تكوين الصخور الكربونية في سيناء لا تخولنا إبداء رأي قاطع في هذه المسألة المهمة. دول الحضارة بحث إحدى المجلات الأوربية عن مساحة الدول الثلاث ألمانيا وإنكلترا وفرنسا وعن عدد نفوسها وثروتها العامة وأوردت سكانها وحكومتها وتجاراتها الخارجية ومحمول بواخرها التجارية والحربية وجاء فيها ما يلي: مساحة أراضيها عدد سكانهازيادة النفوس ألمانيا ٥٤٠ . ٨٥٨ ٦٤ . ٩٢٦ . ٠٠٠ ١٣ . ٦ في الألف إنكلترا ٣١٣ . ٦٠٧ ٤٤ . ٩٠٢ . ٠٠٠ ١١ . فرنسا ٥٣٦ . ٤٦٣ ٣٩ . ٦٠٠ . ٠٠٠ ١ . ٨ الثورة العمومية الواردات السنوية العامة ألمانيا ٣٤٠ مليار فرنك ٥٠ مليار فرنك إنكلترا ٣٢٠ ٤٥ فرنسا ٢٨٧ ٢٥ واردات الحكومة سنوياً (عن سنة ١٩١١ ) ألمانيا ١٠ مليارات فرنك إنكلترا ٥ فرنسا ٥ التجارة الخارجية محمول السفن التجارية (عن سنة ١٩١٢ ) ألمانيا ٢٤ مليار فرنك ٣٠٢٣ ألف طن إنكلترا ٢٧ ١١٦٨٣ فرنسا ١٤ ١٤٦٢ محمول السفن الحربية ألمانيا ٩٩٥٤٠٠ طن إنكلترا ٦٠١٦٥٠٠ فرنسا ٦٤٣٠٠٠ فضل القراءة خطب إرنست لا فيس عالم الفرنسيس ومؤرخهم في إحدى القرى في فرنسا خطبة عَلَى من أتموا دروسهم من أبناء الفلاحين قال: يا أولادي الأعزة. أخاف أن يكون بينكم من يغادرون منكم المدرسة الآن أناس يقولون في نفوسهم: لا دروس ولا فروض ولا دفاتر ولا كتب خلص من كل هذا. فإلى أمثال هؤلاء أوجه كلامي أريد أن أزيل عنهم ما انخدعوا به. كلا أيها الأصحاب الصغار ليس الأمر كذلك ولم يقف عند هذا الحد. فإن زمان الدراسة قصير لا يتأتى تخريج رجل في خلاله فالواجب أن تظلوا عَلَى طلب الاستفادة والتعلم ولكنكم ستقولون أنكم مضطرون أن نعمل لنتعلم كيف نعيش. أعرف هذا وثقوا بأني لا أرغب في أن يقضي جماع الفرنسيس حياتهم عَلَى نحو ما يقضيها أهل صناعتي في القراءة والكتابة جالسين عَلَى الكراسي. فسترون الآن بأني لا أطالبكم بما يشق عليكم القيام به مهما كان نوع الحرفة التي تحترفون. يجب عليكم أن لا تتوقعوا من أساتذتكم كل تهذيبكم وأن تتعلموا أن تكونوا أساتذة أنفسكم فأنتم لا تدركون كم يعمل المرء في إنهاض نفسه إذا أراد. وما من امرئ ينهض بكم أكثر من نهوضكم بأنفسكم. إني آمل بادئ بدءٍ منكم أن تبقوا كتبكم المدرسية عندكم وربما لم تروقكم مطالعتها واستظهارها واللعب يشغلكم ولكنكم الآن لستم مضطرين إلى تلاوتها لاستظهارها بل تتلونها متى راقكم وعلى النحو الذي يروقكم. بعد أيام قليلة إذا أمطرت السماء ذات يوم أو كان اليوم يوم أحد تذكروا بأن الصفحات الفلانية من الكتاب الفلاني قد أعجبكم فأعيدوا قراءتها وأني لا أعجب إذا لم ترقكم أكثر من ذي قبل لأنكم تفهمونها أحسن لسببين الأول لأنكم في سن النمو العقلي والثاني لأنكم تقرأون لا لتسمعون بل للتلذذ. في كل مديرية من مديراتنا دروس ومحاضرات تلقى عَلَى الكبار في الأعمار فاحضروها وفي كل مدرسة مكتبة فاستعيروا من كتبها وابتاعوا كل مدة كتاباً ولا تكثروا بل اكتفوا بثلاثة أو أربعة كتب في السنة فالكتب اليوم رخيصة وبضعة فرنكات تكفي لأن تؤلفوا منها مكتبة حافلة بالجملة وتصبحون مثالاً لأبناء الطبقة الوسطى ممن لا تحدثهم أنفسهم أن يبتاعوا كتاباً واعتنوا مهما كان نوع المسكن الذي تسكنون فيه أن تنصبوا لكم لوح خشب تضعون عليه كتبكم وغطوها لتأمن من الغبار واللوثات. ومن اللائق أن تكون الكتب مغطاة أحسن تغطية وإن تقدمتم قليلاً في السن عودوا أنفسكم تلاوة الجرائد فتجدون في جرائد الشعب مادة تنيرون بها عقولكم في الحوادث العظمى التي تجري في بلادكم وبلاد العالم أجمع. أننتم هنا من أبناء المزارعين وستكونون كذلك في المستقبل والشتاء والليالي طويلة في المزرعة فالأولاد يرقدون في فراشهم والحيوانات في حظائرهم ولا شيء يشغلكم في الليل فكيف بقضاء الوقت النافع وقد كان الزارع في القديم يحيك كزوجته جوارب وغيرها وقد أهملت هذه العادة. وقيل لي أن عادة قضاء السهرات والزيارات بين الجيران قد بطلت أيضاً. دقاق الساعة يروح ويجيء في السكون فكأنه يعيد الحياة قطرةً قطرة ويقول عند كل دقة ها قد سقطت نقطة أخرى والمرء من وراء ذلك يكتئب ويمل. ولكل حرفة ساعات من الملل تشبه هذه. افزعوا إذا انقطعتم عن العمل لتلاوة كتاب واقرأوا بصوت جهوري وكرروا ما تقرأونه فقد كان خالي في هذه القرية عشاباً فلاحاً وهو يتلوا قصص لافونتين آونة فراغه لم يبق عَلَى غيرها من كتبه المدرسية فكان يتلوها بتدبر في خلواته وجلواته بصوت عال وبأدبها تأدب وبحكمتها قضى حياة طيبة أوقات الفراغ فدفعت عنه الملل. أما أنتم فعصركم عصر لا يجوز فيه اللغو فقد طويت المساوف في الأرض وكانت من قبل واسعة الأطراف بحيث تكفي المرء الآن بضعة أسابيع ليطوفها وبعض الثواني لنبعث بفكرنا بل بصوتنا إلى أبعد ألوف من الكيلومترات وقد قربنا من السماء والنجوم قريبة من مجهر الراصد والتبحر بما فيها من الأودية والجبال المرسومة عَلَى خارطة كأنها تشير وتنادي ببحاثة يبحث فيها. وقرب ما بين القطبين الشمالي والجنوبي وأرباب الرحلات اقتربوا منها والجبال قد خرقت وجعلت في بطونها الأنفاق والطيارات تحوم من فوق قممها والثلوج ترى عليها م فرقها إلى قدمها والترع تحيط بالأرض وقد فتحت والصحاري بعدت إلا بالحديد الذي يخرقها وهاهم يخططون الآن سكة حديدية بين المحيط الأتلانتيكي والبحر الهندي والبحر الرومي والبحر الجنوبي. وممالك أوربا القديمة تنشئ ممالك في القارة السوداء وسيكون من هذا الاختلاط أجناس جديدة وأمم لا يعلم مستقبلها كما لم يكن يعلم مستقبل أوربا منذ خمسة آلاف سنة حكماء مصر ولا بلاد كنعان. لم تكن أوربا في عصر من العصور أعمل منها الآن أخذت شعوبها تتحاب وما قط أحب أحد وطنه حبه له الآن والحروب وإن يوم انتشبت فسيأتي يوم تقدس كل الأمم معبد الهاي أو قصر السلام الذي يؤمل دعاته أن تثبت كلمتهم في الشعوب فتبطل الحروب. الأمم تطمع في الحرية أكثر من قبل وبهاء التيجان قد اصفر وفي كل مكان انتشر الفكر الديمقراطي واضطر الحكومات إلى العناية بكل ما يجعل الحياة موطدة الأركان. والعلم لا يزال يرتقي في المكاتب والمعامل الكيماوية والصناعية وفي كل يوم خبر عظيم. أول أمس بلغنا أن يابانياً من تلامذة باستور اكتشف في معمل كيماوي في أميركا ميكروب الكلب وأمس وصل علم الطيارات في الهواء إلى ما وصل فماذا تعلم غداً. ولذا أوصيكم ألا تبقوا منعزلين عن هذه الحركة وجاهلين بزمانكم وبلادكم أي أناس بدون تاريخ ولا وطن. إنكم بذلك تنحطون ولا يكون لكم ما تفاخرون به فعليكم أن تتعلموا بكل الطرق: بإطالة المكث في المدرسة، بالقراءة، بإطالة الروية في تجارب الحياة. تقومون اليوم بشيءٍ وغداً بآخر عَلَى التدريج تزداد معلوماتكم وتنسق في رءوسكم وتنشأ مادتكم من الأفكار والعواطف فتعرفون زمانكم وتحسنون كيف تعيشون. وأختم كلامي بتوصيتكم باقتناء لوح خشب تضعون عليه كتبكم وأعدكم بأني أعطي لوحاً لمن يطلبه مني وهو مدهون وملمع أيضاً. اهـ. المرأة القديمة حاضر المسيو بنلفه من أعضاء مجمع العلوم في باريز نادي الطلاب في تلك العاصمة فيما كان للمرأة في القديم من التأثير العقلي والأدبي ومما قاله: إننا نتخيل بأننا نتهور ونبتدع شيئاً جديداً لأننا نفتح السبل أمام المرأة والفتاة اليوم للتوافر عَلَى دراسة العلوم والآداب والصناعات العقلية وهذا وهم لا حقيقة وذلك لأننا نحن أخلاف الرومان مباشرة أولئك الذين رزقوا عقولاً لا تحب الحقيقة المجردة وفيها من المتانة شيءٌ كثيرٌ ولكنها قصيرة قصر سيوفهم نخدع بجسارة مجتمعنا الحاضر ونظن أننا أتينا أمراً فرياً. ولكل إذا رجعنا إلى الأمم التي كانت أعظم الشعوب في إشراك غيرها بثمرات الارتقاء البشري وكانت الموحدة الحقيقية للمدنية وأعمي بهم اليونان ومصر ولاسيما آشور يثبت معنا أن المرأة شاركت الرجل منذ العصور القديمة لا في الجمال فقط بل في البحث عن الحقيقة. والظاهر أن المرأة في تلك القرون التي كان فيها الرجال أقرب إلى الطبيعة بما خصت به من الإدراك هي الدليل البصير الفطري تقود الرجل في أبحاثه الطويلة المعقولة المدققة. ولقد تجلى تأثير النساء العرافات عند جميع الشعوب اليونانية الذين كانوا تلامذة كهنة بلاد آشور وكلدية. فقد كان الفيلسوف فيثاغورس ناشر تعاليم العلم الآشوري في يونان يحنو عَلَى امرأته تيانو الجميلة حنو حب وعبادة ومن فلسفته أن الرجل اختص بالعقل والقوة المنطقية والمرأة بالنظر العقلي فإذا كان الرجل في هذا العالم الغريب في أسراره مفكراً فإن المرأة ناشرة للأفكار. وكان هذا الفكر الذي هو نتيجة الأزمان القديمة والمأثور عن كهنة الوثنيين والبابليين عَلَى الجملة جماع العلوم المأثورة عن البشر وهذا الفكر هو الذي تترجم عنه للجمهور أساطير اليونان ومصر وما كان للمرأة من الشأن في مواعظ الوحي الغريبة فكان النساء العذارى في غابة دودون المظلمة المختصات بعبادة المشتري هن اللائي يحسن التعبير عن اللغة السبيلية المنبعثة من البلوط المقدس وكان العذارى أيضاً في غابة سيكلوب عن عمد الكرنك يستقبلون حجاج المصريين الذين يسألون المولى تعالى. ولقد قام في دودون والكرنك عَلَى ما جاء في أساطير هيلاد ومصر فتاتان أُخذتا أسيرتين من مركب فينيقي وهما اللتان أنشأتا المعبدين وأصبحت كاهنتين وسماهما اليونان الرسولتين أي الناقلتين من بلاد القاصية الحقائق الجديدة. الفلاح الغربي يختلف التعليم في أوربا وأميركا باختلاف البلدان فتعليم البلاد التي تغلب فيها الصناعات غير تعليم الأقاليم الزراعية والكور التي يكثر بها التجار غير الكور الساحلية البحرية وتعليم بلاد الغابات غير تعليم بلاد البقول والزرع وأقاليم المعادن والمناجم غير تعليم الصيد البحري وهكذا يلقن أطفالهم التعليم الذي يناسبهم ويتعدى العلم قصور الأغنياء إلى أكواخ الفقراء ويشترك بالنور المدني والقروي وترتقي الأمة بمجموعها والبلاد بجملة أطرافها. وبقد عرف الغربيون أن العمل الزراعي يشبه معملاً ومهماً تقلبت عليه العناية والتحسين لا يزال عبارة عن منزل ولا يصلح الفلاح إن لم يصلح تدبير البيت وبذلك يتأتى له أن ينتفع الانتفاع المطلوب من تربية الحيوان والألبان كما ينتفع فلاح الدانيمرك مثلاً فتقل موفيات الأطفال بانتشار المعارف الصحية وتقل السرقات والموبقات بتعليم الفلاحين جوهر الدين الصحيح وتتعلم الأم الفلاحة فتخرج الفلاحين الصالحين. قالوا أن الغربيين أكثروا لفائدة الرجال من تأسيس المعاهد لتكميل الرجل الفلاح في صناعته ولم يكتفوا بالمدارس فقط بل عنيت به الجمعيات والنقابات وكثرت عليه المحاضرات والمسابقات والمعارض يرى فيها الأدوات وتحسينها وأنواع الزراعات ونموها وأن بعض بلدان الغرب اقتصرت من تعليم الفلاحين القدر الكافي من الدروس الابتدائية وحبستهن في قن الدجاج والمطبخ ومعمل اللبن يعملن ما خلقن له والفنة فلم تحصل لهن أنسة بالأساليب الزراعية الحديثة لينتفعوا عَلَى ما يجب من الألبان والبيوض والطيور. رأت بعض الأمم أن المدارس الزراعية وغيرها لا تفيد الفائدة المطلوبة من إنارة عقول جميع أبناء القرى القاصية كما تنار عقول القرى الدانية فأنشأت مدارس مؤقتة سيارة تقيم في القرية بضعة أسابيع تعلم أهلها ما يلزمهم لتحسين حالهم وتقوم بعملات سريعة وإن كانت غير منتظمة قليلاً ولا تامة ولكنها نافعة في الجملة. لسويسرا مدارس للخادمات ومدارس لإتقان تدبير المنزل ومدارس عالية لتعليم المعلمين والمعلمات في الفنون وأنشأوا في إيرلاندا وبولونيا وهنغاريا جمعيات نسائية وأنشأ النساء في القسم الفلامندي من بلجيكا أندية الفلاحات وهي عبارة عن مجتمعات ومدرسة للنساء والبنات معاً بل هي ضرب من الكليات الشعبية وفرع للإناث من مدرسة جامعة للعامة يعمى فيها بالتعليم الصناعي والأخلاق المحلية وهي لهن خير ملاجئ تؤويهن. تكلم أحدهم في جريدة الطان عَلَى هذه الأندية فقال أن برنامج التعليم فيها يدهش بسعته وقد تبين مع هذا أنه أسفر عن نتيجة حسنة لما دل من الكلام عليها في المؤتمر الدولي الثالث الذي عقده القائمات بهذا الأمر من البلجيكيات من مدينة غاند فظهرت بالأرقام فائدة هذه الأندية التي بلغ عددها في تلك البلاد الصغيرة فقط ١٨٣ منتدى فيه من الداخلات ٢١ . ٤٠٦ نسوة وانتشرت الأندية في بولونيا والولايات المتحدة وغيرها انتشار الحانات من جديد في بلادنا. أما برنامج الدروس التي تعلمها الأندية للبنات والنساء فهي علم ولادة الأطفال وتربية أجسامهم وعلم التربية والتعليم وصحة البيت والاصطبل وقواعد التغذية المقوية الاقتصادية ومضار الألكحول والإسعافات الطبية المؤقتة للمرضى والجرحى ونظام القن وأصول عمل الجبن والسمن وتربية الطيور وتربية الأشجار وتربية النحل وتعهد المباقل وعلم عمل المربيات والحلاوى وعلم الحساب ومضار الاشتراء بالدين والخياطة وتفصيل الثياب والغسيل والكي واحترام التقاليد وطاعة مبادئ الخلاق الدينية. وبالجملة يتعلمن دائرة معارف مختصرة سهلة يتعلمها بناتهم ونساؤهم في القرى لينجبون فلاحين صالحين ويتوفرن عَلَى حسن استثمار الثروة من الأراضي والحيوان ويعشن عيش المرفهات الطاهرات المقتصدات والنساء في بلجيكا هن اللائي أخذن عَلَى عاتقهن هذا الواجب مع القسيسين في أميركا يتولى ذلكلمبشرون والكهنة وكذلك في بولونيا.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_80.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.80.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
