<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.8.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.8.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٨ بتاريخ: ١٩ - ٩ - ١٩٠٦ صدور المشارقة والمغاربة كيتي ١٧٤٩ _ ١٨٣٢ ليس الغنى أبداً مفسدة لصاحبه معواناً على الشر والأشر كما أن الفقر لا يهذب النفوس ويربي الملكات. فابن الغني إذا حسنت تربيته وجاد تعليمه يجيء منه رجل قلما يجيء مثله من أبناء الزعانف والسوقة. وليست هذه القاعدة على إطلاقها في البلاد الراقية والبلاد المنحطة ففي الشرق اليوم لا يتعلم ويتهذب سوى ابن الفقير ويندر أن يشيع العلم والتهذيب بين أبناء الأغنياء كما تشيع الفاحشة وسوء السلوك. والحال في الغرب على العكس من ذلك إذ ترى هناك لأولاد الأغنياء حظاً من العلم وسهماً من التهذيب. شاع ذلك بين أهله منذ نهضوا نهضة الشمير الخبير لتلمس أسباب الحضارة وكثر ذلك بين أظهرهم في هذا القرن والذي قبله فبات الغني موقناً بأنه لا يستوفي الظرف ويذهب بفضل الشهرة وتنهال عليه ضروب المحمدة إلا إذا تهذب التهذيب الحقيقي وتعلم التعليم العالي وهما داعية مجده وفخاره لا واسع عقاره ووافر نضاره. وكيفما تقلبت الدنيا بأهلها فإن الموسر خير من المعسر على نحو ما سيرد عليك في ترجمة كيتي أحد أعاظم شعراء ألمانيا ورجال نهضتها العلمية والأدبية. فقد قيل في ترجمته أنه كان من أسعد السعداء خدمه الحظ وهيأ له عامة الأسباب وتمكن من الانتفاع بالمواهب العالية التي وهبته الطبيعة إياها. ولم يكن كصاحبه شيلر مضطراً معوزاً بل كان السعد يبسم له والرفاهية طوع أمره وهو من أسرة شريفة كان والده مستشاراً للمملكة وفقيهاً مشهوراً ورجلاً فاضلاً مهذباً أما والدته فكانت سليمة الصدر جيدة الفطرة توفرت على تربيته وتثقيف عقله ولطالما كانت تلقنه في طفوليته قصصاً ثم تقطع عليه سلسلتها ليتصور ماذا يكون تاليها. ولقد استحكم الجمال من شعور هذا الشاعر حتى لم يكن يطيق أن يرى ولداً بشع الصورة أمامه فكيتي والحالة هذه جمع إلى الغنى مالاً مثل اللورد ليتلتون الإنكليزي وفيكتور دروي الفرنسي وهو من بيت غني ومجد يضاف إليهما حسن تربية والدته فقد كانت والدته تدربه على الأخلاق الفاضلة وتسوقه إلى المنازع الشريفة أما والده فكان يعلمه ويلقي عليه ويكلمه منذ صغره بالطليانية والفرنسية وكان يحسنهما ولاسيما الطليانية لأن طول مقامه في إيطاليا حبب إليه لغتها وفنونها فشغف بها. ولما ترعرع كيتي أحكم هاتين اللغتين مع لغته وظهرت عليه إمارات الميل إلى الشعر كما عرف بحب النقد والولوع بالعلوم فمال بادئ بدء وهو في الحادية عشرة إلى شعر راسين من شعراء الفرنسيين ثم أنشأ يرتاح إلى شعراء الرومان واليونان. وفي سنة ١٧٦٣ دخل مدرسة الحقوق في ليبزيك وكان يأوي إلى دار عجوز لها فتاة فشغفته حباً فنظم فيها رواية هزلية واعتاد مذ ذاك العهد على نحو ما قال عن نفسه أن يصيغ في قوالب الشعر كل ما كان في الواقع يوليه فرحاً أو ألماً ويروض العقل ويربي النفس وعاد إلى بيت أبيه من المدرسة سنة ١٧٦٨ بعد أن فارقه ثلاث سنين وقد أيقن أن الآداب الألمانية ضعيفة متأخرة ثم رجع بعد مرض اعتراه إلى ستراسبورغ سنة ١٧٧٠ وأقام فيها حولاً كاملاً كان نافعاً له في تهذيب عقله وتخطيط خطة يجري عليها في حياته. قالت الدائرة تعلم كيتي في ليبزيك ما ينبغي اجتنابه وعرف في ستراسبورغ ما ينبغي عمله. وفي سنة ١٧٧١ أتم دروس الحقوق. وكان في خلال الدراسة يضرب في فنون الشعر ويهيم في أوديته وشجونه. وبينما كان شاعرنا ينشر طرف أقواله أو يعدها للنشر كان يتقرب من كبار رجال عصره ويستميل قلوبهم إليه ويحرص على عقد الصلات الأدبية معهم فطاف كثيراً من بلاد ألمانيا وسويسرا وإيطاليا وتعرف إلى رجالها وفلاسفتها وعظمائها ثم تولى منصباً سياسياً في الحكومة. ولم تكن مشاغله لتحول دون أعماله العلمية. فكنت إذا رأيته حسبته منقطعاً عن كل عمل ليس لقلمه في ميدان التأليف جولة وأن المتاعب العالمية صرفته عن وجهته العلمية على حين كان عقله يفكر ولسانه يحبر ويعبر. ولقد ثبت أن وظيفته ما كانت إلا باعثة له على الاستزادة من المعارف. ولو كان يريد أن ينحو منحى قدماء الشعراء لانقطع في غرفته واعتزل الناس ومخالطتهم ولكن كان يطمح إلى أن يجمع في شعره مثال القدماء إلى ما يتأثر به ويتعرف به بذاته من أحوال المجتمع. وفي سنة ١٧٨٨ تزوج الشاعر بفتاة اسمها كرستيان فولبيوس شقيقة أحد الكتاب فنظم في التقائه معها قصيدة من الشعر قال فيها ما ترجمته: كنت أتنزه في الغابة سائراً في طريقي ولا شيء يعنيني ولا فكر ينازعني فرأيت في الظل وهرة مطلة تلمع كالنجم الثاقب وهي كالنظرة جمالاً أردت أن أقطفها فتقدمت إليَّ بلطف تقول هل يكون ذلك منك ليقضي عليَّ أن أذبل وأنت تجنيني وتقطفني فعندها أخذتها من أصولها وحملتها إلى الحديقة التي هي زينة داري وما هو إلا أن أعدت غرسها في مكان ساكن وها هي الآن مخضرة مخضلة تزهر على الدوام. ولقد عيب على زوجته أنها لم تكن في الدرجة المطلوبة من العلم تساوي بها درجة بعلها بيد أنها كانت كما وصفها الشاعر تعني بمصالح زوجها وبنتها وأولادها وهذا مما كان يزيد اغتباط كيتي بها لأنها كانت امرأة حقيقية تنظر في شؤونها البيتية. وفي سنة ١٧٩٤ بدأت صلات الحب بين كيتي وشيلر وما كان اجتماع الشاعرين بادئ بدء دالاً على الصدقة التي تتأكد بينهما بعد بل كان اجتماعهما لأول وهلة اجتماع تكلف وكره. فتعارفا سنة ١٧٨٨ ولم يتأت تآلفهما حقيقة إلا سنة ١٧٠٤ عندما أسس شيلر مجلة سماها الساعات وكان يطمع أن تشترك الطبقة العالية من كتاب ألمانيا بها فأبى أكثرهم أن يؤازروه فوعده كيتي بالمساعدة وكتبا سوية كتاباً فيه قصائد هجائية كان كيتي هو الذي اقترح موضوعه فألفاه معاً. وكان ذلك واسطة لاتحادهما فتناولا فيه التنديد بالتقاليد القديمة والنقد على أرباب الأذواق السمجة التي كانت تحول دون تقدم الأدب فكان ذلك منهما بمثابة إعلان للطريقة الجديدة التي أسساها في القريض وأخذ خيال الشعر والأدب من ذاك العهد يوحي إليهما كل طريف وتليد فيتطارحان الأفكار ويتناشدان الأشعار وكل منهما محب لصاحبه يبوح له بذات نفسه ويراقب أعمال صديقه مراقبة الود. دامت هذه الصداقة محكمة العرى إلى أن توفي شيلر سنة ١٨٠٥ . ولقد حاول كيتي في تآليفه - وكانت أولاً منضمة غير منتشرة كتآليفه بعد - أن يعرف القارئ حال المتفنن وما يشغله في العالم من الأعمال. وبعد أن فقد كيتي صديقه شيلر كما تقدم لم يبق في حياته ما يستحق الذكر وامتاز بنقد من كانوا يستحسنون الثورة الفرنسية الأولى وأبان عن أفكاره قائلاً: إني أكرر بأنني أكره كل ما فيه شدة وتهور لأنه مخالف للطبيعة. وفي سنة ١٨١٣ تنحى الشاعر في خلال الحركة الوطنية وترك المجال لشعراء أصغر منه سناً يؤلفون الأغاني الحربية ويحثون الجمهور. وحاول وهو في السبعين أن ينسج على منوال ديوان حافظ الشيرازي شعراً ألمانياً في أفكار شرقية وأناس شرقيين فنظم ديواناً سماه ديوان الشرق والغرب. وهو سفر أغان وإن تكن ألمانية الصبغة فإن تنوع أوزانها واختلاف أسمائها واستبدال الأسماء الشرقية بالغربية جعلها غريبة في بابها تصدر من شيخ شاب. وبعد أن فقد والدته وولده وصديقه الحميم بعد شيلر ضعف سنة ١٨٣٢ فوافاه أجله وقضى عند الظهر جالساً على كرسيه وكان آخر كلامه ليدخل النور بكمية أكثر. وقد كتب كيتي كثيراً من الأسفار في كل موضوع وكان كثيراً ما يعاشر أهل الأخصاء في كل فن فيوحون إليه بأفكارهم ويبوحون له بأسرارهم وأن المرء ليعجب بما خلفه كيتي من التآليف الممتعة المنوعة التي يستغرق وصفها صفحات من مثل هذه. جاز كيتي كسائر الكتاب ثلاثة أدوار وهي دور التكون ودور النضوج ودور الانحطاط إلا أن دور نضوجه كان طويلاً ودور انحطاطه لم يخل من قوة. وقسم بعض مترجميه أدوار حياته الشعرية إلى ثلاثة أدوار الدور الأول الحبي والطبيعي الثاني المدرسي الثالث التعليمي. ولم يستنكف كيتي من الأخذ عن كبار شعراء الأرض كشكسبير وروسو وهوميروس وكتاب الفاجعات من اليونان والأماديح من اللاتين. وقال في بعض تآليفه: وهل أحسن فينا من القوة وحسن الذوق في امتلاك عناصر العالم الخارجي واستعمالها في مقصد سام. ولذلك امتاز بقوته التقليدية في الشعر والأدب وقوته في التحويل وقوته في التجديد مع مزج ذلك بالنقد وقوته على الإبداع ولم يشغله الأدب والشعر عن معاطاة العلوم الأخرى كعلم النبات والحيوان والجيولوجيا والمنيرولوجيا والطبيعيات ووفق إلى اكتشافات مهمة في التشريح والفسيولوجيا النباتية. هذا هو الرجل العظيم الذي ربي في قصور النعيم وما أفسده الترف والرفاهية جمع في شخصه مزايا كثيرة وعلوماً كبيرة قلما يكتب نيلها إلا لكبار العقول في الأمم والقرون العديدة ولا غرو فإن قيام أمثاله في القرن الماضي والذي قبله هو الذي فتح على ألمانيا أن تكون اليوم في مقدمة الخليقة بعلومها وأعمالها. فسبحان من أسعدها برجالها وأسعدهم بها وأشقى رجالاً في الشرق وأشقى الشرق بهم. المكاءُ ( ١ تمهيد) كل من زاول الكتابة في بحث عربي موضوعه علم المواليد يلاقي من العناء ما لا يعرف مقداره إلا من يجاريه في هذا الموضوع من أبناء نفس هذه اللغة الشريفة. وعندي أن ليس من خدمة مجردة الغاية تضاهي خدمة من يأخذ على نفسه تخليص اللغة من مثل هذه الألفاظ المبهمة المعاني التي لم يحكم تعريفها أصحاب المتون اللغوية أو أصحاب الفنون الخصوصية فبقيت في دواوينهم وأسفارهم مثل الطلسمات يعاني فكها من لا غاية له إلا الغيرة على لسانه إذ ربما يطوي عدة ليال في جانب حلها وهو مع ذلك لا يرجع إلا بما رجع به حنين وإذ قد كنت ممن عني بمثل هذا الفرع من العلم وتفرغت له أحببت أن أطرف قراء المقتبس بما وفقت إلى معرفته من حقيقة أمر الطائر المعروف باسم المكاء. ( ٢ تعريفه على ما جاء به كتاب العرب) إذا استشرنا كتبة العرب لمعرفة هذا الطائر فلا نسمع منهم إلا تحديدات وتعريفات مجملة لا يتحصل منها ما يصور لنا الطائر بصورته التي يتميز بها بل يوردون لنا ما ربما يصدق أو ينطبق على عدة طيور. فقد قالوا في تعريف المكاء ما هذا حرفه: المكاء بالضم والتشديد: طائر في طرف القنبرة إلا أن في جناحيه بلقاً سمي بذلك لأنه يجمع يديه (كذا) ثم يصفر فيهما صفيراً حسناً قال: إذا غرَّد المكاء في غير روضة فويل لأهل الشاء والحمرات التهذيب: والمكاء طائر يألف الريف وجمعه المكاكي. وهو فعال من مكا إذا صفر. اه (عن اللسان) وقال السيد المرتضى: المكاء: كزنار طائر صغير يزقو في الرياض. قال الأزهري: يألف الريف وقيل: سمي بذلك لأنه يجمع يديه (كذا) ثم يصفر. . . الخ كما في اللسان وقال في حياة الحيوان الكبرى: طائر يصوت في الرياض يسمى مكاء لأنه يمكو أي يصفر كثيراً ووزنه فعال كخطاف. اه. وقال القزويني: المكاء من طير البادية يتخذ أفحوصاً عجيباً وبينه وبين الحية عداوة. فإن الحية تأكل بيضه وفراخه. وحدث هشام ابن سالم أن حية أكلت بيض مكاء فجعل المكاء يشرشر أي يرفرف على رأسها ويدنو منها حتى إذا فتحت فاها ألقى في فيها حسكة فأخذت بحلق الحية فماتت اه. هذا مجمل ما جاء في كتب العرب. ويتحصل منها: أن هذا الطائر يصفر وأن أغلب وجوده في الرياض بين الشاء والحمير وأن في جناحيه بلقاً. قلت ولذا سماه العرب بالأخرج أيضاً. فإذا تأملنا حق التأمل هذه الإفادات لا يمكننا أن نسلم لحضرة الدكتور جورج بوست (في كتابه نظام الحلقات في سلسلة ذوات الفقرات. الجزء الثاني. الطيور ص ٢٧ ) إن المكاء هو نوع من الببغاء ولاسيما أنه يقول: أما المكاكي فأكثرها تستوطن أميركا الجنوبية وهي أكبر من سائر هذه العائلة (عائلة الببغاءات) وأذنابها طويلة جداً وألوانها بهجة جداً وتمتاز بكبر منسرها والحيز الخالي من الريش حول العينين وهي تطير إلى علو شاهق فهذا كله لا ينطبق على ما نطق به العرب حتى ولا على بعض منه فضلاً عن قوله أن وطن المكاكي هو أميركا الجنوبية فكيف ساغ للعرب أن يسموا طيوراً لم يروها ولم يعرفوها ولم تكن بلادها معروفة في أيامهم. فلا جرم أن الدكتور واهم في زعمه هذا. ( ٣ حقيقة المكاء) أما المكاء فعندنا هو ما سماه صاحب الأوقيانوس باللغة التركية جوبان الدانقجي أي المحتال على الرعاة وسماه صاحب كتاب فرانسز جه دن تركجه يه جيب لغتي وهو وزنظال أفندي: مكاء وخاطف الرياح وجوبان الدادن وهو أحسن المؤلفين الذين ضموا إلى حقائق الألفاظ صحيح المصطلحات. ( ٤ اسمه عند الإفرنج والعرب ومعناه في لسانهم ولساننا) يسمى الإفرنج المكاء ومعناه بالع الريح أو خاطف الريح وبعضهم يطلق عليه اسم أي الضفدع السام الطيار وآخرون يسمونه أي مصاص المعز وبمعنى هذا اللفظ يسميه العلماء أي وكذلك الإنكليز وكذلك أيضاً في لغات سائر الأعاجم ولا غرو فإن هناك سبباً حمل الناس على تسميته بهذا الاسم وهو وجود هذا الطائر في المواطن التي يكثر فيها الماعز والغنم والبقر توهماً بأن هذا الطائر يأتي الدواب ليمتص لبنها وهذا وهم قديم نظنه هو الذي حمل العرب أيضاً على تسميته بالمكاء فإن اللغويين قالوا في سبب تسميته بذلك أنه مأخوذ من المكواو المكاء بمعنى الصفير. وهو محتمل. على أنه قد يكون مأخوذاً من المك وهو المص وأصله المكاك أي المصاص إشارة إلى مصه اللبن. ثم قيل في مك: مكا كما كان ذلك معروفاً عند قوم من العرب أي جعل المضاعف ناقصاً كالمسبي في المسبب (التاج في مستدرك س ب ب) وتقضي في تقضض والتمطي في التمطط. قال أبو عبيدة: العرب تقلب حروف المضاعف إلى الياء ومنه قوله تعالى: وقد خاب من دساها وزهو من دسست. وقوله. ولم يتسنه من مسنون وقولهم: سرية من تسررت. وتلعيت من اللعاعة (عن المزهر ٢٢٥ : ١ ). وقد يحتمل أن يكون أصل المكاء: المكان بتشديد الكاف ونون في الآخر ثم قلبوا النون ياء كما قلبوها في ألفاظ كثيرة مثل قولهم التزييد في التزنيد (الصحاح) والميشار في المنشار (عن التهذيب للتبريزي) والصيدلاني في الصندلاني (الصحاح) وفي ليلة طلمسانة قالوا: ليل طلمساية (التاج في طلمس) ومثل ذلك كثير عندهم. ومعنى المكام المصان أو الملجان: وهو الذي يرضع الغنم من لؤمه ولا يحلب (التاج) فيكون هذا موافقاً للمكاء لما اشتهر عنه من أمر مصه أو رضعه للغنم. وهذا الطائر هو الذي سماه الدكتور جورج بوست (في كتابه المذكور آنفاً ص ٥١ ) ماص المعز وسنذكر عن قريب وصفه وهو مما يوافق كل الموافقة لوصف المكاء من كل وجه. ( ٥ تعريف الطائر بموجب العلم الحديث) المكاكي جنس من الطير من رتبة العصافير المشقوفة المنقار وهي قريبة من الخطاطيف وتتميز بمنقار كثير التفلطح معقوف الطرف بشعر عند قاعدته كثير الانفتاح عند الحاجة وريشها أغبر أصدأ بخطط سوداء وسيقانها مسرولة. ( ٦ وصفه) أصل هذا الجنس مكاء الحجاز ويسميه العلماء بمكاء أوربية قال الدكتور جورج بوست في وصفه: ظن القدماء أن هذا الطير (أي الطائر) يمص بزاز المعز (أي أخلافها) إلا أن ذلك وهم لا طائل تحته. وإنما يقتات الفسافس والفراش والعث والناموس والبعوض والزيز وغير ذلك من ذات التفاصيل التي تظهر في الليل. ومما يعين على لقط هذه الحشرات وجود سائل لزج داخل الفم وهلب خارجه. أما ألوان ماص المعز (المكاء) فعير ناصعة إلا أنها جميلة فإن الريش ذو نمش وخطوط ونقط سمر وسود وسنجابية وصدائية والمنقار صغير مسطح معقوف الطرف وعيناه كبيرتان سوداوان وساقاه خشتنان حرشفيتان قصيرتان وعليهما ريش أسفل الركبة والأصابع متحدة بغشاء إلى نهاية المفصل الأول والإصبع الوسطى أطول من غيرها والمخلب مسنن على جانب واحد ولم يتفق الطبيعيون على فائدة هذا العضو فظن بعضهم أن الطائر يستعمله لنزع قطع الفسافس من هلب فيه والبعض الآخر أنه يمسك فريسته بواسطته. ويستوطن هذا الطير المواضع البعيدة من مساكن الناس ولا يعشش بل تبيض على الأرض (أي تتخذ لها أفحوصاً) قيل إذا رأت عدواً مقبلاً دحرجت بيضها إلى موضع أمان أه كلام الدكتور قلنا: ولهذا الجنس أنواع مختلفة أغلبها غريب عن هذه البلاد لا حاجة إلى ذكرها. الإسرائيليون (معربة عن كتاب تاريخ الحضارة) العبرانيون التوراة - جمع اليهود أسفارهم المقدسة بأسرها في سفر واحد دعوه التوراة وهو اسم يوناني معناه الكتاب. هذا هو سفر اليهود الجليل وقد صار لأعل النصرانية أيضاً كتاباً مقدساً. وفي التوراة أيضاً تاريخ الأمة اليهودية ولقد استفدنا من كل ما اتصل بنا عن الشعب المقدس من الكتب المقدسة. العبرانيون - لما نزل الساميون من جبال أرمينية إلى سهول الفرات أخذ أحد أسباطهم على عهد مملكة الكلدان الأولى يضرب نحو الغرب فجاز الفرات فالقفر فسورية وبلغ بلاد الأردن وراء فينيقية وتعرف هذه الأسباط بالعبرانيين يعني أهل ما وراء النهر وهم كمعظم الساميين شعب من الرعاة الرحالة لم يحرثوا الأرض ولا سكنوا الدور والمنازل بل كانوا يتنقلون من مكان إلى آخر في قطعان بقرهم وغنمهم وجمالهم منتجعين المراعي آوين إلى الخيام على نحو ما يعيش العرب في البادية اليوم. وفي سفر التكوين وصف هذه العيشة البدوية. البطاركة - كان السبط منهم أسرة كبيرة مؤلفة من الرئيس ونسائه وأولاده ومواليه وكان للرئيس على الجميع سلطة مطلقة فكان بهذا السبط أباً وكاهناً وقاضياً وملكاً. من أجل هذا دعونا هؤلاء الرؤساء البطاركة وأعظمهم إبراهيم ويعقوب فالأول أب العبرانيين والآخر والد الإسرائيليين أظهرتهما التوراة في مظهر رجلين أرسلهما الله ليرأسا شعباً مقدساً وقد أعطى إبراهيم ربه ميثاقاً ووعده الطاعة هو ومن يأتي بعده من قومه فبشر الله إبراهيم بذرية تفوق نجوم السماء عدداً واطمأنت نفس يعقوب بأن تكون منه أمة عظيمة وشعب جم. الإسرائيليون - سمي يعقوب باسم إسرائيل أي مدافع عن الله لرؤيا رآها ودعي سبطه بني إسرائيل أو الإسرائيليون. وذكرت التوراة أن القحط حدا يعقوب أن يغادر بلاد الأردن ليسكن وأهل بيته صغارهم وكبارهم على التخوم الشرقية من مصر وهي البلاد التي دعاه يوسف أحد أبنائه إلى هبوطها وقد صار وزيراً لعزيزها أحد الفراعنة. وظل بنو إسرائيل في تلك الأرجاء قروناً كثيرة فجاءوا وعددهم سبعون نسمة ونموا على قول التوراة حتى صار عددهم ستمائة ألف رجل. خل عنك النساء والأولاد. نزول الوحي على موسى - افتتح عزيز مصر يسوم الإسرائيليين ضروب المظالم ويضطرهم إلى صنع الملاط والقرمد لابتناء مدن حصينة فقام من بينهم إذ ذاك موسى أحد أبنائهم وقد أوحى إليه ربه وعهد إليه أن ينقذهم من الجور والعسف. وكان يرعى غنمه ذات يوم على الجبل فظهر له ملك وسط عليقة تتلظى ثم سمع هذه الكلمات: أنا رب إبراهيم واسحق ويعقوب رأيت ما دهم شعبي في مصر من الحزن وسمعت شكواه ممن يظلمونه وعرفت ما يناله من العذاب ولذا نزلت لخلاصه مما ينتابه من المصريين لأنزله بلاداً من أرض كنعان تفيض لبناً وعسلاً فتعال إذاً أرسلك إلى فرعون تخلص شعبي أبناء إسرائيل وتخرج بهم من مصر فقاد موسى الإسرائيليين وهاجروا من مصر وهذا ما يدعى بالخروج أو سفر الخروج واجتازوا بسفح جبل طور سيناء وهناك تلقوا شريعة الرب وأخذوا يتيهون جيلاً كاملاً في القفار جنوبي سورية. إسرائيل في القفر - وكثيراً ما كان الإسرائيليون يودون الرجوع إلى البلاد التي تركوها فيقولون: أنا لنذكر ما كنا نطعمه في مصر من السمك والقثاء والبطيخ والكراث والبصل فخليق بنا أن نؤمر علينا زعيماً يقودنا إلى بلادنا وكان موسى يدعوهم إلى الطاعة ثم بلغوا الأرض التي وعد الله ذراريهم. الأرض الموعودة - دعيت أرض كنعان أو فلسطين فدعاها اليهود بلاد إسرائيل ثم دعيت بعد بلاد اليهودية ودعاها أهل النصرانية الأرض المقدسة وهي بلاد جافة قاحلة في الصيف ولكن فيها جبال وآكام وصفتها التوراة بما يلي: لقد ساقك ربك القيوم إلى بلد طيب ذات أنهار وينابيع في الأرض تنبجس من الوادي وعلى الجبل بلد البر والشعير والكرم والتين والرمان والزيتون والزيت والعسل بلاد تأكل فيها خبزك آمناً من القحط لا ترزأ في مال ولا ينقصك شيء من رفاهية الحال. وبلغ عدد الإسرائيليين بعد الإحصاء عندئذ ٦٠١٧٠٠ رجل يحمل السلاح منقسمين إلى اثني عشر سبطاً عشر منها من نسل يعقوب واثنان من نسل يوسف هذا عدا عن اللاويين أو الكهنة وعددهم ٢٣ ألف رجل. وكانت تسكن البلاد التي نزلوها عدة شعوب صغيرة تدعى الكنعانيين فأبادهم الإسرائيليون واستولوا على بلادهم. ديانة الإسرائيليين الله الفرد - عبد سائر الشعوب القديمة أرباباً كثيرة أما الإسرائيليون فاعتقدوا بوجود إلهٍ منزه عن الهيولى برأ العالم ودبره. ففي سفر التكوين أن الله خلق في البدء السموات والأرض وقد خلق النبات والحيوان وخلق الإنسان على صورته ومثاله فالبشر كلهم صنعة الله. شعب الله - بيد أن الله أختار من بين الناس جميعاً أبناء بني إسرائيل ليجعلهم شعبه وأمته فدعا إبراهيم وقال له سأجعل بيني وبينك وبين ذريتك عهداً لأكون ربك ورب ذريتك من بعدك. وقد تمثل الله ليعقوب قائلاً له: أنا الله القادر إله آبائك فلا تتحام نزول مصر فسأجعلك فيها أمة عظيمة. ولما سأل موسى ربه عن اسمه أجابه: تقول لأبناء إسرائيل أنني أنا الله السرمد إله إبراهيم واسحق ويعقوب أرسلني ربي إليكم هذا هو اسمي على الدهر. العهد - فبين الإسرائيليين والمولى تعالى إذاً اتحاد أو عهد فالقيوم جلَّ جلاله يحب الإسرائيليين ويدفع عنهم البوائق فهم والحالة هذه أمة مقدسة وأعلى الشعوب كافة في نظره وقد وعد أن يجعلهم سعداء أقوياء وتعهد الإسرائيليون أن يقابلوه على ذلك بان يعبدوه ويخدموه ويطيعوه فيما يريدهم عليه كما يطاع المشرع والقاضي والمعلم. الوصايا العشر - أوحى القيوم الصمد عز شأنه مشرع بني إسرائيل بوصاياه إلى موسى على جبل طور سيناء بين البرق والرعد وهي مسطورة في لوحين وهما اللوحان اللذان كتب الله عليهما وصاياه العشر بما نصه: لا يكن لك آلهة أخرى أمامي لا تصنع لك تمثالاً منحوتاً ولا صورة ما مما في السماء من فوق وما في الأرض من تحت وما في الماء من تحت الأرض لا تسجد لهن ولا تعبدهن لأني أنا الرب إلهك إله غيور أفتقد ذنوب الآباء في الأبناء في الجيل الثالث والرابع من مبغضي وأصنع إحساناً إلى ألوف من محبي وحافظي وصاياي لا تنطق باسم الرب إلهك باطلاً لأن الرب لا يبرئ من نطق باسمه باطلاً اذكر يوم السبت لتقدسه ستة أيام تعمل وتصنع جميع عملك وأما اليوم السابع ففيه سبت للرب إلهك لا تصنع عملاً ما أنت وابنك وابنتك وعبدك وأمتك وبهيمتك ونزيلك الذي داخل أبوابك لأن في ستة أيام صنع الرب السماء والأرض والبحر وكل ما فيها واستراح في اليوم السابع لذلك بارك الرب يوم السبت وقدسه أكرم أباك وأمك لكي تطول أيامك على الأرض التي يعطيك الرب إلهك لا تقتل لا تزن لا تسرق لا تشهد على قريبك شهادة زور لا تشته بيت قريبك لا تشته امرأة قريبك ولا عبده ولا أمته ولا ثوره ولا حماره ولا شيئاً مما قريبك. الشريعة - على الإسرائيليين ما خلا هذه الوصايا العشر أن يعملوا بكثير من الأوامر الإلهية مما ذكر في أسفاره التوراة الخمسة الأولى وهي التي تتألف منها شريعة إسرائيل. فالشريعة تنظم عندهم احتفالات العبادة وتعين الأعياد (السبت كل سبعة أيام والفصح ذكرى خروجهم من مصر وجمعة الحصاد وعيد المظال في موسم قطف العنب) والشريعة هي التي ترتب الزواج والأسرة والتملك والحكومة وتعين العقوبات على الجرائم وتحدد الأطعمة والأدوية فالشريعة عندهم والأمر على ما ذكر مجلة الأحكام الدينية والسياسية والمدنية والجزائية ولمولى الإسرائيليين تعالى أن ينظم أعمال حياتهم جميعها. (الديانة ألفت الشعب اليهودي) لم يقبل الإسرائيليون بحكم الله قبول من خضع وخنع فقد قال موسى للاويين وهو على فراش الموت دافعاً إليهم كتاب الشريعة خذوا هذا الكتاب ليكون شهادة عليكم يا إسرائيل لأني عارف بما أنتم عليه من شكاسة الخلق وقساوة القلب ولم تبرحوا طول حياتي تبدون نواجذ العصيان على المولى القيوم فليت شعري ماذا يكون من شأنكم بعد مماتي. وقد حدث أن مرت قرون ومن العبرانيين من يعبد الأصنام وربما كانت هذه الفئة هي السواد الأعظم من الأمة على أنهم أصبحوا أشبه بسائر الساميين في سورية وظل الإسرائيليون وحدهم على قدم الإخلاص للمولى جل شأنه فتألف منهم الشعب اليهودي وخرج الشعب المبارك بدين الله المتعال من قبيلة مجهولة على التدريج. نعم إنها لأمة قليلة الحصا والعدد ولكنها من الأمم التي لها الشأن الأعظم في تاريخ العالم. مملكة القدس القضاة - نزل العبرانيون أرض فلسطين ولكنهم ظلوا منشقين قروناً كثيرة فلم يكن لذاك العهد كما تقول التوراة ملك لإسرائيل بتة بل كان يعمل على شاكلته ويحكم بما يوحي إليه رأيه. وكثيراً ما كان الإسرائيليون ينسون ربهم ويعبدون أرباب القبائل المجاورة فاستشاط ربهم عندئذ غضباً من سيئات أعمالهم وأسلمهم إلى أيدي أعدائهم يفعلون بهم الأفاعيل حتى إذا ندموا على ما فرطوا في جنب الله وأصبحوا خاضعين خانعين يرسل ربهم إليهم قضاة يسعون في خلاصهم من أعدائهم المباغتين وربما مات القاضي وعاد دبيب الفساد يدب في نفوس الإسرائيليين فيسجدون لمعبودات أخرى. وكان هؤلاء القضاة مثل جدعون ويفتاح وشمشون من الغزاة يحررون القبائل باسم القيوم الأبدي ثم لا يلبث الشعب أن يعود إلى عبادة الأوثان والتلطخ بحمأة العبودية. الملوك - سئم الإسرائيليون آخر الأمر وطلبوا إلى شمويل (سمو أل) الكاهن العظيم أن يجعل لهم ملكاً فملك عليهم شاول على رغم إرادته وكان على هذا الملك أن يكون منفذاً خاضعاً لإرادة الرب لكنه حاول الخروج عن الطاعة وشق عصا الجماعة فراح الكاهن العظيم يقول له: لقد نبذت كلام الله ظهرياً فسيبعدك ربك عن الحكومة وينزع السلطة من يدك. ثم أن داود وكان زعيماً جندياً خلفه وحمل على أعداء إسرائيل كافة واسترجع لهم جبل صهيون ونقل إليه عاصمته وهي القدس. بيت المقدس - كانت القدس بالنسبة إلى بابل وثيبة عاصمة بلاد فقيرة. وما كان العبرانيون يتعاطون البناء ويميلون إلى العمران بل كانت ديانتهم تحظر عليهم إقامة المعابد وكان يقضى على مساكن الخاصة أن تشبه تلك المكعبات من الحجر التي لا تزال تشاهد إلى اليوم في شواطئ لبنان وقد غشيتها الكروم والتين ولكن كانت القدس بلد اليهود المقدسة وكان فيها للملك قصر يسكنه ألا وهو قصر سليمان الذي دهش العبرانيون بعرشه المصنوع من العاج وهناك أقيم بيت الرب وهو أول معبد عبراني. المعبد - كان المعبد الذي أقيم على عهد سليمان كبيت القربان المقدس عند النصارى مقسوماً إلى ثلاثة أقسام ففي داخله يقوم قديس القديسين حيث كان تابوت العهد ولم يكن يسمح لغير الكاهن العظيم أن يدخله مرة في السنة وفي وسطه المكان المقدس وكان فيه مذبح البخور ومسرجة ذات أغصان سبعة ومائدة الخبز يدخل إليه الكهنة لحرق الغالية ووضع القرابين وفي المقدمة ساحة البيعة مفتحة أبوابها للناس تنذر فيها الضحايا على المذبح الكبير. وعليه فقد صار معبد القدس بعد واسطة عقد الأمة يقصدونه من أقاصي فلسطين لحضور الاحتفالات وكان الكاهن الكبير الذي يرجع إليه أمر العبادة من أعاظم الرجال ورما كان في الأحايين أكبر سلطة من الملك. الأنبياء نكبات إسرائيل - إن سليمان آخر ملك عرف بالحول والطول وانفصل بعده عشرة أسباط ألفوا مملكة إسرائيل تلك المملكة التي عبد سكانها عجول الذهب وأرباب الفينيقيين ولم يخلص منها الدين لله وحده أو لملك بيت المقدس سوى سبطين ومنهما قامت مملكة يهوذا ( ٩٧٧ ) ولقد انتهكت قوى تينك المملكتين بما اضطرا إلى دخوله من المعارك حتى إذا جاءتهما جيوش الفاتحين من الشرق خربت مملكة إسرائيل بأيدي بختنصر ملك الكلدان ( ٥٨٦ ). إحساس الإسرائيليين - رأى المؤمنون من الإسرائيليين هذه المصائب عقوبة لهم وأن الله عذب شعبه لخروجه عن طاعته على نحو ما جرى قديماً على عهد القضاة وأسلمه للفاتحين يمزقونه كل ممزق. وركب أبناء إسرائيل هواهم واجترحوا الآثام في جانب مولاهم فبنوا علالي وقصوراً في المدن كافة وحذوا حذو الأمم المحيطة بهم فخالفوا بذلك أمر ربهم وما حرمه عليهم فصنعوا صوراً مسبوكة وسجدوا للكواكب وعبدوا الصنم بعل ولذا نبذ الله تعالى أصل إسرائيل وعاقبهم فجعلهم طعمة لمن يكتسح بلادهم ويسلب طارفهم وتلادهم. الأنبياء - على ذاك العهد ظهر الأنبياء وهم إلياس وأرميا وأشيعيا وحزقيل وفي العادة أن يخرجوا من القفر بعد أن نقضوا زماناً في الصيام والصلاة والاعتبار والتدبر يأتون باسم الله لا غزاة مثل القضاة بل منذرين ومبشرين يدعون الإسرائيليين إلى الإنابة وقلب الأصنام والتوبة إلى بارئ النسم وينذرونهم بالخطوب التي يبعثها الله عليهم بعد إذا لم ينيبوا إليه فكانوا من ثم يدعون ويتنبأون. التعليم الجديد - رأى هؤلاء الرجال المستمسكون بالأمر الإلهي أن العبادة الرسمية في القدس غثة باردة. وليت شعري لم يذبحون البقر ويحرقون البخور إجلالاً لله على نحو ما يفعل الوثنيون. يقول عيسى: أصيخوا إليَّ بأسماعكم وعوا ما يقوله تعالى: ماذا أعمل بجموع قرابينكم فقد شبعت من ضحايا الغنم ومن دهن الحيوانات السمينة وما عاد يلذ لي دم الثيران ولا الخرفان ولا التيوس فكفوا إذاً عن أن تقدموا لي ضحايا هي من العبث فإن نفسي عزفت عن استنشاق بخوركم ومتى ترفعون أيديكم أحول نظري عنكم لأن أيديكم ملأى بالدم المهراق فقوموا وطهروا أنفسكم عن سيئات أعمالكم عودوا أنفسكم عمل الصالحات وخذوها بتوخي طريق الرشاد وحماية المظلومين وأقسطوا اليتيم ودافعوا عن الأيم وعندما تصير خطاياكم كالقرمزي حمراء تبيض كالثلج وبهذا رأيت أن الأنبياء أرادوا الاستعاضة عن القيام بالنذور والضحايا بالعدل وصالح الأعمال. المسيح - استحق بنو إسرائيل ما دهمهم من المصائب ولكن لكل قصاص حد ينتهي إليه وغاية يقف عندها فقد قال عيسى باسم الحي القيوم أيها الشعب لا تخشى الآشوري أبداً فإنه سينالك من عصاه مثل ما كان ينالك من المصري في الزمن الغابر ولكن ستفثأ سورة غضبي قريباً ويرفع عن كاهلك ذاك العبء الثقيل. وعليه فقد علم الأنبياء الشعب اليهودي أن ينتظروا بعثة من يخلصهم وهيأوا السبل للمسيح. الشعب اليهودي الرجوع إلى بيت المقدس - جاء أبناء يهوذا من سهل الفرات ولم ينسوا وطنهم ولطالما احتفلوا به وتذكروه في أناشيدهم يقولون جلسنا على شاطئ أنهار بابل وبكينا وقد ذكرنا صهيون. فعيداننا كانت معلقة في أشجار الصفصاف على ضفة النهر وكان يقول لنا من أتوا بنا: تغنوا ببضع أناشيد من جبل صهيون ولكن أنى لنا أن نتغنى بنشيد للرب في أرض غريبةٍ وبعد سبعين سنة في العبودية أذن سيروس فاتح بلاد بابل أن يعودوا إلى فلسطين فجددوا بناء البيت المقدس والمعبد وعادوا إلى أحياء الأعياد والاحتفاظ بالكتب المقدسة وجددوا العهد مع ربهم علامة على أنهم عادوا إلى طاعته وعدوا من شعبه وهذا العهد عبارة عن ميثاق على الأصول كتبه أعيان الشعب ووقعوا عليه. اليهود - دامت مملكة القدس الصغرى مدة سبعة قرون يحكمها ملك تارةً وكاهن كبيرٌ أخرى وفي كلتا الحالتين كانت تؤدي الجزية إلى زعماء سورية فجبى جزاها الفرس أولاً ثم المقدونيون ثم السوريون ثم الرومانيون. وإذ صدق اليهود (دعوا كذلك لدن رجوعهم) مع ربهم ظلوا على عهدهم الأول من العمل بشريعة موسى والاحتفال بالأعياد وتقديم النذور في القدس وكان الكاهن الأكبر يحفظ الشريعة بمظاهرة مجمع الأعيان والكتبة ينقلونها والعلماء يفسرونها للشعب وجمهور المؤمنين يرون من واجباتهم الجري عليها والعمل بدقيقها وجليلها واشتهر الفريسيون خاصة بغيرتهم وتفانيهم في القيام بضروب الأعمال الصالحة. المدارس (الكنائس) - ومع هذا فقد كان اليهود يرحلون في التجارة وينتشرون خارج بلادهم في مصر وسوريا وآسيا الصغرى وإيطاليا وكانت طائفة من أهل مذهبهم في المدن الكبرى جميعاً كالإسكندرية ودمشق وإنطاكية وأفيس وكورنت ورومية وكانوا أبداً يجتمعون في صعيد واحدٍ ليحفظوا كيانهم ويجمعوا شملهم المشتت بين الوثنيين ولم يقيموا المعابد لأن الشريعة كانت تحظر عليهم ذلك وليس لهم أن يبنوا سوى معبد يهودي واحدٍ ألا وهو معبد القدس حيث كان يحتفل بالأعياد وتقام المواسم والشعائر بيد أنهم كانوا يجتمعون ليشرحوا كلام الله ويتلوه ودعيت هذه الأماكن باسم يوناني (الكنيس) ومعناه المجالس. خراب المعبد - ظهر المسيح في خلال تلك المدة فصلبه اليهود واضطهدوا حوارييه سواءٌ كان في بلادهم أو في المدن الكبرى التي حلَّ فيها الجم الغفير منهم. ولقد شقت القدس عصا الطاعة عام ٧٠ على الرومانيين فأخذت عنوة وذبح سكانها كافة أو بيعوا بيع الإماء والعبيد فألقى الرومانيون النار في المعبد وقد حفل وطابهم بالأعلاق المقدسة. ومن يومئذ لم يعهد لليهود مجمع لدينهم. ما كتب على اليهود بعد تفرقهم - عاشت الأمة اليهودية بعد خراب عاصمتها ولما تشتت شملها تحت كل كوكب في العالم أنشأت تستغني عن المعبد وأبقت كتبها المقدسة مكتوبة بالعبرية. والعبرية لغة بني إسرائيل الأصلية لم يتكلم بها اليهود منذ رجوعهم من بابل بل اقتبسوا لغات الشعوب المجاورة كالسريانية والكلدانية وخصوصاً اليونانية. على أن المنوَّرين في الدين من الربانيين ظلوا يعرفون العبرية وهم يشرحون التوراة ويفسرونها وهكذا حفظت الديانة اليهودية وبفضل اللغة العبرية أيضاً بقي الشعب اليهودي وكثر أشياع هذا الدين في الأغيار فكان في المملكة الرومانية أناس كثيرون ممن يدينون باليهودية وليسوا من العنصر اليهودي في شيءٍ. قويت شوكة الكنيسة المسيحية في القرن الرابع فطفقت تضطهد اليهود اضطهاداً دام إلى يوم الناس هذا في البلاد المسيحية جمعاء. ومن العادة أن يتسامح مع اليهود في إجراء مراسيم ديانتهم لغناهم واستئثارهم بفروع الأعمال المالية ولكنهم ينحونهم عن ممارسة الوظائف الإدارية ولقد أكرهوا في معظم المدن أن يلبسوا ثياباً خاصة وينزلوا في حي خاص مظلم وخيم وبيل وأن يبعثوا أحياناً بأحدهم يصفع في عيد الفصح والناس يرمونهم بأنهم يسممون الينابيع ويقتلون الأطفال ويدنسون القربان المقدس وربما يثورون بهم في الأحايين فيقتلونهم ويغنمون ما في دورهم ويسقيهم قضاة البلاد السمَّ أو يعذبونهم أو يحرقون لأقل حجة تافهة ولطالما تفتهم الحكومات زرافات من بلادها وصادرت أموالهم ولقد أجتث دابر اليهود من فرنسا وإسبانيا وإنكلترا وإيطاليا ولم تبق منهم بقية إلا في بلاد البرتغال وألمانيا وبولونيا وفي البلاد الإسلامية ومن هذه الممالك رجعوا إلى سائر قارة أوربا منذ انتهت أيام اضطهاداتهم وكفَّ الناس عن إرهاقهم وإعناتهم. حكم الإعدام أكثر معاني هذه القصيدة منقول عن فيلسوف فرنسا وشاعرها فيكتور هوكو من مقدمة كتاب له عنوانه أواخر أيام المحكوم عليه بالقتل بين القضاة وآلة الإعدامِ حكم يشين عدالة الحكامِ حسب القضاةُ القتل اردعَ رادع يثني محللَ أفظعِ الآثامِ وهمَ القضاة فليس يعدلُ حاكمٌ إلا بقتل مفاسد الأيامِ هي أوجبت سفكَ الدماءِ ومهدت الأشقياءِ سبيلَ كلِّ حرامِ هي خالفت ما بين أخلاق الورى فتفرقوا فرقاً بغير نظامِ هي علمتهم كيفَ يفتك بعضهم بالبعض فتكَ الذئب بالأغنامِ كم مذنبٍ يأتي الذنوب وجهلهُ أو فقرهُ يقتادُهُ بزمامِ يا للقضاءِ أما تهابُ حكومةٌ أن تزهق الأرواحَ في الأجسام هلْ قلَّ في الأرضِ الهواءُ فلا غنىً عن حكم موتٍ للشقي زؤَام أيضيقُ جوفُ السجنِ عن أمثالهِ والقبرُ أضيق منهُ عند زحام لا تستقيمُ حكومةٌ إلا إذا قامت معالجةً لكلّ سقام تغني أخا البؤْسِ اليتيمَ بفضلها حتى تكون كفيلةَ الأيتام وتزيلُ أسبابَ الخصام فيغتدي أبناؤُهُ أعداَء كلّ خصام ما للعقوبة أن تعلم جاهلاً لا يذهب الإعدام بالإعدامِ مكتبة الإسكندرية (نشر المقتبس في الجزء الثالث مقالة ملخصة من كتاب تركي في نفي تهمة حريق مكتبة الإسكندرية عن عمرو بن العاص وعمر بن الخطاب بالأدلة التاريخية ولما اطلع عليها العلامة المتفنن الشيخ شبلي النعماني أحد كبار دعاة الإصلاح في البلاد الهندية بعث لنا برسالة له كان كتبها بالإنكليزية في معنى حريق المكتبة الإسكندرية فدفعناها إلى صديقنا محمد لطفي جمعة فعربها ملخصة على ما ننشرها. وفي مأمولنا أن لا يحمل القراء هذا الموضوع إلا على إرادة تصحيح خطاءٍ تاريخي إذ ليس في نسبتها لأحد رجال الإسلام ما يدعو إلى الطعن في الدين نفسه كما أنه ليس في نسبتها لبعض رجال النصرانية طعن عليها بالذات والمجلة علمية أدبية اجتماعية وهذه الأبحاث هي موضوع اهتمامها أبداً). قال العالم الهندي: إن ما يوجهه الغربيون عامة من اللوم إلى المسلمين ويتهمونهم به من إحراق مكتبة الإسكندرية ليس سوى أحد أمور كثيرة ظلم فيها الغرب الشرق ووجه الأغيار إلى المسلمين سهام اللوم بغير حق وقد سرى هذا الاعتقاد إلى جميع المشتغلين بالعلم والأدب من الإفرنج بحيث لا تجد كتاب علم أو قصة أو تاريخاً أو خرافة أو مثلاً سائراً إلا وفيه ذكر لإحراق مكتبة الإسكندرية وتقريع للمسلمين الذين أحرقوها وقد دخلت مكتبة الإسكندرية حتى في القضايا المنطقية وهي من العلم الصراح الذي لا ينبغي أن يشاب بالأغراض والأهواء وهاك سؤالاً منطقياً وضعه الممتحنون في سنة ١٨٨٢ في مدرسة كلكتا الجامعة ورد فيه ذكر المكتبة: بين خطأ القضية الآتية: إن الكتب التي تتفق مع القرآن في شيءٍ لا فائدة منها لوجوده والكتب التي تخالفه يجب إتلافها. لم يكتب تاريخ كبير في حوادث العالم إلا وورد فيه ذكر مكتبة الإسكندرية. وكثيراً ما كان كبار المؤلفين يشفعون الحادثة التاريخية برأيهم الخاص في هذا الموضوع مظهرين خطأ التهمة أو صوابها ويحسن بنا في مثل هذا المقام أن نأتي على الكتب التي استند عليها المؤلف في المراجعة قبل كتابة هذه الرسالة فأول هذه الأسفار تاريخ رومية تأليف العلامة جيبون ونحن نوجه الأنظار إلى ما كتب في هذا الكتاب عن فتوح الإسكندرية وثانيها كتاب اجيبتكا أو ملاحظات فلسفية على بعض الحوادث التاريخية تأليف الأستاذ هويت مدرس اللغة العربية في مدرسة اكسفورد الجامعة وفي هذا الكتاب ناصر المؤلف القائلين بإنهاء المسلمين بإحراق المكتبة. ثم كتاب الخلفاء الراشدين تأليف وشنجتون ارفنج صحيفة ١١٣ ثم كتاب تاريخ العرب صحيفة ٢٥٤ ثم تاريخ بلاد العرب قديماً وحديثاً تأليف العلامة اندريو كريستون صحيفة ٣٩٣ ثم تاريخ نزاع العلم والدين تأليف العلامة درابر الشهير صحيفتا ١٠٣ و ١٠٤ ثم مقالة دائرة المعارف الإنكليزية الكبرى عن الإسكندرية ثم تاريخ العرب العام تأليف العلامة سدليو. ثم شرح العلامة دي ساسي على تاريخ عبد اللطيف البغدادي وفيه كلام مطول وبحث ممل عن إحراق المكتبة ثم رسالة الهير كريل العالم الألماني التي تليت في مؤتمر المشرقيات في جلسته الرابعة في فلورنسا سنة ١٨٧٨ . وأغلب كتاب هذه الكتب سيما من يثبتون هذه الإشاعة يبرئون أنفسهم بقولهم أنهم لم يأتوا بها من عند أنفسهم بل هم يستندون في تقرير هذه الحقيقة إلى ما كتبه العرب أنفسهم في كتبهم وما دونوه في تواريخهم. وأول من أشاع هذه الإشاعة في أوربا رجل اسمه أبو الفرج وهو ابن رجل من بني إسرائيل اسمه هرون الطبيب. وقد ولد أبو الفرج هذا في ملاطية سنة ١٢٢٦ م. وانتحل أبوه المسيحية فنشأ الولد عليها وتفرغ في صباه لدرس فقهها وتمحيص حقاق تلك العقيدة وكان يحسن العربية والسريانية ولما ظهر علمه وبان فضله عين أسقفاً لجوبا وهو حينئذ في الحادية والعشرين من عمره ومازال يرتقي درجات الكهنوت حتى صار رئيس طائفة اليعاقبة ولم يكن فوقه سوى البطريرك وكتب أبو الفرج تاريخاً جمعه من مصادر شتى عربية وفارسية وسريانية ويونانية واختصره في سفر صغير كتبه بالعربية وسماه مختصر الدول وكان هو أول من ذكر خبر إحراق مكتبة الإسكندرية فلما نقل الكتاب إلى اللاتينية سنة ١٦٦٤ بدأت الإشاعة تتفشى في أوربا بأسرها. وإليك ما ذكره جيبون في تاريخه بالحرف: وقد ذكر ارفنح وكريستون وفلين وغيرهم أن ما أشيع عن الإسلام والمسلمين من المساوئ لم يكن له ذكر قبل نقل هذا الكتاب مختصر الدول إلى اللاتينية ومن ذلك الحين ابتدأ الغربيون يبغضون المسلمين ويحتقرونهم وهاك ما جاء في مختصر الدول بهذا الشأن: ولما أحب عمرو يوحنا فيلوبونوس لعلمه وأدبه وقرَّبه من مجلسه وأدناه من نفسه وصارت ليوحنا دالة على عمرو لقيه يوماً وقال له: لقد ملكتم كل شيء في هذا البلد (الإسكندرية) بعد فتحه. فنحن لا نعارض في امتلاككم ما ينفعكم كما أنني لا أرى مانعاً من أن ننتفع بما لا تريدون فسأله عمرو عن غرضه فقال أريد ما في المكاتب الملكية من الكتب والمؤلفات الفلسفية. فقال عمرو لابد لي أن أسأل الخليفة في ذلك وكتب إليه يشاوره في الأمر فاتاه من عمر هذا الجواب. إذا كانت الكتب التي تشير إليها تتفق مع كتاب الله فلا حاجة لنا بها وإذا كانت تخالفه فإتلافها خير وأولى. فوزع عمرو الكتب على حمامات الإسكندرية وأمر بإحراقها لإحمائها فاستمرت النار ستة أشهر تأكل الكتب. فاقرأ وتعجب ما جاء في مختصر الدول. وقد انتشرت الإشاعة في أوربا على هذه الصورة وكان العلامة جيبون أول من نبه الناس إلى خطئها فإنه قال في كتابه إنني لا أعتقد بصحة هذه الرواية لأسباب قوية منها أن أبا الفرج بن هرون ولد بعد فتوح الإسكندرية بخمسة قرون وجاء قبله كثيرون من المؤلفين والمؤرخين ونحن لم نجد لهذه الإشاعة فيما كتبوه عن مصر ذكراً فكيف نعتمد على قوله ونحله من الصدق غير محله. وقد نبه جيبون بذلك أذهان علماء الغرب فانقسموا قسمين قسم نهض لمناصرة جيبون وقسم قام لمعارضته ومناهضته ومن هؤلاء المستر كريستون الذي كتب تاريخاً للإسلام فإنه قال: لو فرضنا أن أبا الفرج كاذب فيما قال واستنسينا عن روايته فإننا لا نستطيع أن نغض الطرف عن غيره من كتاب المسلمين أنفسهم أمثال عبد اللطيف البغدادي والمقريزي وكلاهما ذكر القصة في تاريخه بالتطويل. وكذلك قال الهير كيريل وهو يقول أن عبد اللطيف أول من ذكر هذه الحادثة وهو أيضاً ولد بعدها بخمسة قرون. وإذ أن منبع هذه الإشاعة هو ما كتبه مؤرخو العرب فنحن أعلم بما كتبه هؤلاء من غيرنا والمثل العربي يقول وصاحب البيت أدرى بالذي فيه. ونحن نعلم أن الإفرنج الذي أيدوا الإشاعة اعتمدوا في كتبهم على ما كتبه عبد اللطيف والمقريزي وحاجي خليفة وقد سرت عدوى التقليد إلى بعض جهال المؤلفين فنقل أحدهم الخبر وعزاه إلى ابن خلدون مما دل على أنه لا يعرف من العربية وكتبها شيئاً. ومن العجيب أنه ينقل ما نقل عما كتبه ابن خلدون عن عمر هذا على شهرة الكتاب بين قراء العربية وعلمهم بأنه لم يحدث لهذه القصة الكاذبة ذكراً. أما كتاب المقريزي فها هو بين أيدينا ففي الجزء الأول من ص ١٥١ وصف المؤلف عمود السواري وهو أحد الأعمدة الشهيرة بالإسكندرية نقلاً عن عبد اللطيف البغدادي حرفاً بحرف. أما مكتبة الإسكندرية فقد ورد ذكرها عرضاً في تاريخ المقريزي ولذا يرى الموسيو لانجل أن ما كتبه المقريزي عن المكتبة لم يجيء في كتاب المقريزي إلا عرضاً أيضاً. ومن الغريب أن المؤلفين من الإفرنج ممن لم يروا تاريخ المقريزي مرة في حياتهم ويشيرون إليه في كتبهم وإلى سابقه تاريخ عبد اللطيف. أما الموسيو لانجل فقد قرأ تاريخ المقريزي في لغته بالحرف ونقل منه تاريخ فتوح الإسكندرية نقلاً وافق فيه الأصل فلم يرد لمكتبة الإسكندرية في خلال ما كتب ذكر أو شبه ذكر. وعليه فلا يبقى لدينا إلا مؤرخان هما عبد اللطيف وحاجي خليفة وكثيراً ما يشير مؤرخو الإفرنج إلى الأخير ولكنهم لا يقتبسون منه حرفاً. وقد أراحنا دي ساسي من عناء بحث طويل في هذا الموضوع بأن نقل ما كتبه حاجي خليفة بهذا الشأن وهو: اهتمَّ الناس في صدر الإسلام بدرس فروع الشريعة وفنون الطب لاحتياجهم إلى الأمرين وضربوا صفحاً عما سواهما. ولما كانت العقيدة لم تثبت بعد ولا تزال مقلقة في قلوب الكثيرين ممن انتحلوا هذا الدين رأى أولو الأمر أن يحرقوا ما وجدوه من كتب العلم والحكمة في مكاتب البلدان المغلوبة لئلا يجد الشك سبيلاً إلى قلوب المسلمين. ويرى القارئ أن حاجي خليفة نفسه لم يذكر الإسكندرية أو مكتبتها بحرف إنما ذكر أمر احتراق الكتب عامة ولم يعين مكاناً وهذا نوع من التعمية والنقص في التاريخ لا ينبغي الركون إليه أو الاعتماد عليه فلم يبق بعد إلا عبد اللطيف البغدادي وهو الذي كتب كتاباً فيما شهده في مصر وقد فرغ من تصنيفه في العاشر من شهر شعبان سنة ٦٠٣ للهجرة. وقد جاء فيه من الأغلاط والأكاذيب في وصف منارة سافاري ونسبتها إلى أرسطو والاسكندر وغيرهما ما يزعزع الثقة فيما كتبه هذا الثقة. وقد ذكر هذا الهير كيريل في رسالته التي قرأها على أعضاء مؤتمر علماء المشرقيات. على أن لدينا دليلاً آخر لهدم ما بناه عبد اللطيف لو فرضنا صدقه. وهو أن عبد اللطيف البغدادي على سعة عمله وفضله لم يكن مؤرخاً بل كان طبيباً حاذقاً ومن يقرأ كتاب عيون الأنباء في طبقات الأطباء يعرف فضل عبد اللطيف في الطب وفروعه ولا يخفى أن من يطلب من الطبيب أن يكون مؤرخاً كمن يطلب من المؤرخ أن يكون طبيباً ولو أن ابن سينا والفارابي أو أحدهما كتب لنا حادثة تاريخية هل يجب علينا أن نثق بها ونعول على صدقها مع علمنا بأنهما اختصا بفرع من العلم غير فن التاريخ؟ أضف إلى ذلك أن عبد اللطيف لم يكن مؤرخاً بل كان كتابه عبارة عن مجموعة حوادث رآها في عصره وأحب أن يدونها بدون إمعان نظر أو أعمال فكرة. وبعد فإن الواقف على حقيقة التاريخ يعلم حق العلم أن مكتبة الإسكندرية أحرقت قبل دخول الإسلام إلى مصر إذ لا يخفى أن ملوك الوثنيين هم الذين أسسوها فلما جاءت المسيحية إلى مصر وكانت في نشأتها متعصبة لدينها وعلومها بتحريض القسيسين والكهنة سعى أهلها في إحراق الإسكندرية وقد سلم بذلك كثيرون من كبار العلماء في الغرب ومنهم العلامة ارنست رينان الذي ألقى خطاباً اسمه الإسلام والعلم في المجمع العلمي الفرنسي وذكر فيه أن العلم والدين الإسلامي يجتمعان ولكنه عندما وصل إلى ذكر مسألة مكتبة الإسكندرية قال أنه لا يعتقد بأن عمراً هو الذي أحرقها لأنها أحرقت قبله بزمن طويل. وكذلك ذكر العلامة درابر في كتابه أن يوليوس قيصر عند قدومه إلى مصر لنجدة كلوبطرة أحرق نصف المكتبة وقلده بطارقة الإسكندرية فأحرقوا البقية وذكر اورسيوس أنه رأى بعينه أماكن الكتب خالية منها بعد أن صدر أمر الإمبراطور ثوديوس بإحراقها. أما وقد انتهى ما لدينا من الأدلة بطريق النقل فنحن نعمد الآن إلى العقل فقد جاء من الرواية التي أثبتنا كذبها أن الكتب وزعت على حمامات الإسكندرية وبقيت تشتعل ستة أشهر وكتاب الإفرنج يقولون أن حمامات الإسكندرية كانت في ذلك الحين تزيد على أربعة آلاف فما مقدار تلك الكتب التي تحرق في ستة أشهر في أربعة آلاف حمام؟ ثم لننظر في مسألة أخرى تحتاج إلى تحكيم العقل: وهي هل يعقل أن عمراً وهو الذي اشتهر بحب العلم وأهله وتقريبهم من مجلسه واكبر دليل على ذلك تقريبه ليوحنا منليوبوس أن يعمد إلى إحراق كتب ثمينة امتدحها له صديقه ولو قيل لنا أن عمراً لم يكن حر التصرف نقول لابد أن يكتب على الأقل كلمة في نفاسة المكتبة في كتاب إلى عمر ولا نظن أن الخليفة كان يخذله في أمر كهذا لما للفاتح عنده من المقام والمكانة. مثال ذلك أن الخليفة لم يكن يريد فتح مصر ولكن عمراً أخذ ذلك على نفسه فأطاعه الخليفة في فتح مملكة فكيف لا يرضى له إبقاء مكتبة. ومما يدل على أن المكتبة لم يكن لها وجود في عهد عمرو أنه لما كتب تقريره المطول إلى الخليفة بعد فتح الإسكندرية جاء فيه: وفي هذه المدينة أربعة آلاف حمام وأربعة آلاف دار لها شرفات وأربعون ألف إسرائيلي يدفعون الضرائب وأربعمائة مكان للرياضة والتنزه واثنا عشر ألف حديقة تخرج الأثمار فهل يعقل أن الرجل الذي لا يغفل في تقريره الحدائق والديار أن يهمل ذكر مكتبة الإسكندرية لو كانت موجودة في عهده على ما لها من الأهمية ونحن نختم هذه الرسالة ببيت من الشعر الإنكليزي: إننا نوجه إليهم سهام اللوم وليس جديراً باللوم سوانا. الأمة الشرقيةوذكرى المستنصرية والنظامية أيُّ خطب دها وأي بلية قد أحاطت بالأمة الشرقية قد وكلنا أحوالنا للأماني والأماني مضلة للبرية بعد أن كان علمنا شائعاً تأْ خذ عنا الطوائف الغربية قد غدونا نتيه في مهمة الجه ل ونرضى بحالنا المخزية نرفض العلم قائلين حرام حرَّمته الأوامر الدينية مثل هذي الدعوى تشوه وجه الد (م) ين والدين كاللآلي المضية أين منا الحزم المذلل للصع ب وأين الحمية العربية أين منا الشعور يا قوم والنج دة بل أين تلكم الأريحية عيشنا كله سبات عميق إن بعض السبات صنوا لمنية أنسيتم دارَ السلام وعارٌ إن قولوا لقد غدت منسية ولكم ضمَّ قطرها من ربوع ال علم بلدَ المراصد الفلكية فطلول المستنصرية لم تم ح ولكن هناك منها بقية تلك كانت مأوى لكل مريد راغب في العلوم والمدنية كم أفاضت على أناس علوماً فأبادوا مناشئ الهمجية ونظامية النظام ألم تت ل عليكم أخبارها المروية أخرجت من أئمة قوماً ناطحوا (اورانوس) في العلوية كان عيش التلميذ فيها رخاءً فيض رزق وحكمة فلسفية فخليق بنا أباة الضـ (م) ـيم أن ننبذ الشؤون الدينية وبأن نقتدي بأسلافنا من رفعوا أصرح الفخار العلية فمن العار أن نكون بعصر ال علم ما عندنا ولا كلية أترى حالنا تبدَّل أم نب قى مدى الدهر أمَّة جاهلية ليت قومي يذَّكرون عساهم يتلافون خطبنا بروية ومن العجز أن ننام عن السع ي ونرجو سعادة مرضية سدوم القديمة وسدوم الجديدة اختلف علماء الآثار ورجال البحث والاستقصاء في موقع سدوم اختلافهم في سواها من المسائل العلمية العويصة والمشاكل التاريخية الغامضة والمباحث الأثرية الدارسة فذهب فريق منهم إلى أن موقع سدوم كان في الجنوب الغربي من بحيرة لوط في جانب الجبل المعروف بسدوم. وذهب آخرون إلى أن هذه المدينة القديمة كانت ممتدة من جنوبي بحيرة لوط إلى غربي شاطئ نهر الأردن. وزعم غيرهم أن موقع سدوم وعمورة وأدمة وصبوئيم كان على شاطئ بحيرة لوط ثم عمرت بعد أن خربت. وصرح فريق آخر بأن موقع هذه المدن هو بحر الميت نفسه أو بحيرة لوط عينها وقد استدل أصحاب هذا المذهب على ذلك بأقوال التوراة. فسكان موقع سدوم إذا صحَّ مذهبهم تحت مياه الجانب الغربي من البحيرة. ومهما تكن تلك الآراء متباينة فقد أجمع أولئك الباحثون على أن موقع تلك المدن كان في أنحاء بحر الميت في القسم الغربي من قارة آسيا. يظهر للمطلع على الإصحاحين الـ ١٨ و ١٩ من سفر التكوين - السفر الأول من الأسفار الخمسة لموسى الكليم - أن سدوم وعمورة وأدمة وصبوئيم المتقدم ذكرها قد انحطت آداب سكانها بحيث لا تطيقها شريعة إلهية كانت أو أدبية أو اجتماعية فقضى الله جلَّ جلاله بأن يعاقب سكانها واطلع إبراهيم الخليل يومئذ على ما سيحل بأهل سدوم فسأل واحداً من أهل الله ممن زاروه من قبل لخلاصها والرفق بأهلها. فذهب اثنان منهما إلى سدوم ولما لم يجدا فيها إلا فشو الفاحشة والشر الفاضح أخرجا لوط ابن أخي إبراهيم مع امرأته وابنتيه إلى بلدة مجاورة اسمها صوغر. ثم هطلت نار من السماء فأحرقت سدوم وعمورة وأدمة وصبوئيم ومزقت شمل أهلها كل ممزق. ولقد صادق كثير من العلماء القدماء على رواية موسى بشأن إحراق سدوم وخراب سائر المدائن المذكورة وتناولها شعراء اليونان ودونوها في قصائدهم بيد أنهم مزجوها بخرافاتهم الفاسدة. ومن أولئك المقرين على تلك الرواية استرابون الجغرافي الشهير المولود في نحو ٢٠٠ سنة ق. م ويوسيفوس المؤرخ العبراني الذي ولد سنة ٣٧ ق. م وإذ أن آراء أهل التنقيب والعلم تباينت في موقع سدوم فقد اختلفت أيضاً آراء المفسرين من علماء الدين في كيفية إحراق سدوم وسائر المدائن السابقة الذكر. ذهب فريق من العلماء إلى أن الله أنزل الكبريت والنار على تلك المدن حقيقة فأحرقتها ودمرتها ودكتها إلى الحضيض. ودليلهم على مذهبهم أن التوراة المنزلة صرحت بالأمر بحيث لم تبق شكاً فيه. وارتأى غيرهم من رجال الدين إلى أن بركاناً نارياً انفجر في بطن الأرض فأحرق تلك المدن ودليل أرباب هذا المذهب هو أن إبراهيم الخليل تطلع على تلك البقعة فرأى إذ ذاك دخاناً كثيفاً متصاعداً من قلب الأرض. وبعد فقد عنيت بعض الجمعيات الأوربية بالبحث عن سدوم وسواها إفادة للعلم بأثر يجدونه في أرجائها. ورجال العلم الحقيقي في هذا العصر - عصر التحقيق والبحث - باذلون ما في وسعهم لكشف النقاب عن كل مسألة غامضة تفيد العلم والمجتمع. وقرأت أن أحد السياح الباحثين وجد تمثالاً من ملح في جانب جبل سدوم في جنوبي بحيرة لوط ولعلَّ هذا التمثال هو نصب امرأة لوط التي تقول التوراة عنها بأنها عوقبت بذلك من أجل مخالفتها لأمر رجلي الله فالتفتت إلى ورائها لترى ما حلَّ بسدوم. أما تاريخ إحراق سدوم ودمارها فيرجع إلى أيام إبراهيم الخليل جد اليهود. وتاريخ إبراهيم يرد إلى زهاء أربعة آلاف سنة. ولما كانت التوراة أهم مستند لدرس العلماء الملاحدة على رغم إلحادهم لأنها أقدم تاريخ من حيث المادة التاريخية يرجعون إليها في كثير من المسائل القديمة. ولما كانت موضوع بحث الباحثين من أئمة الدين وعلمائه من شرقيين وغربيين لم أر بدّاً من الرجوع إلى التوراة في بعض وصف مدينة سدوم وعمورة وتوغلهما في القدم والعمران. فقد سمى موسى الكليم تلك البقعة مدن دائرة الأردن ووصفها بقوله أنها جنة وأن أراضيها تسقى بمياه نهر الأردن ولا غرو فقد هام الشعراء في هذا العصر بجمال بقاع بحر الميت فنظموا فيها القصائد. وأمها السياح من كل حدب وكانت كتاباتهم مجمعة على جمال موقع تلك البقعة وخصب أراضيها وطيب هوائها وعذوبة مائها. ولم يرد في التوراة شيءٌ عن عدد سكان تلك المدن الأربع غير أن كثيرة فساد الآداب في سدوم وعمورة خصوصاً على ذلك العهد تدل على أن تينك المدينتين كانتا مأهولتين بالسكان. والفاحشة في الغالب لا تتفشى بكثرة إلا في المدن الكبيرة وحيث يكثر الزحام وينمو السكان. وصرح موسى الكليم بأنه كان لكل مدينة من مدن الدائرة ملك. فكان بارع ملك سدوم وبرشاع ملك عمورة وشنئآب ملك أدمة وشئمبير ملك صبوئيم وانه قد حدثت لهؤلاء الملوك مع ملوك شنعار والإسار وعيلام وجوبيم وأن إبراهيم الخليل استرجع من هؤلاء الملوك مدن الدائرة والأسلاب بعد أن تغلبوا على ملوك مدن الدائرة وأن إبراهيم تتبعهم إلى حوبه قرب دمشق شمالاً هو ورجاله الثلاثمائة والثمانية عشر حيث استظهر عليهم. هذا بعض ما لخصته واستنتجته من أبحاث رجال العلم والدين التي طالعتها. وقد اذكرني بالكتابة في الموضوع حادث سان فرنسيسكو التي سماها رجال الدين في أميركا سدوم العالم الجديد لما أصابها في ١٨ نيسان سنة ١٩٠٦ من البلايا التي تشبه بلايا سدوم العالم القديم. أكبر ولاية في الولايات المتحدة بمساحتها هي تكساس وثاني ولاية كاليفورنيا وأكبر مدينة وأشهرها في كاليفورنيا سان فرنسيسكو أو هي أكبر مدينة في غربي الجبال الصخرية في الولايات المتحدة تقع على شاطئ الأوقيانوس الباسيفيكي من الجهة الشرقية منه وهي مفتاح ولاية كاليفورنيا وميناها أمين جداً. والحاجة العمرانية تستلزم وجودها في تلك البقعة دع عنك أهمية موقعها التجاري والبحري. ولقد دعاها الأميركيون باريس المدن الغربية في الولايات المتحدة وعروس الباسيفيك. ولا غرو فإن مركزها من أجمل مراكز الدنيا وهي كعبة السياح وأصحاب البذخ والترف ومتنزه أرباب المال والجاه ففيها الملاهي على تباين أنواعها والمقاصف على اختلاف أسمائها والحانات وما يتبعها ويتصرف عليها. وكما أن أهل العالم الجديد سموا مدينتهم الغربية باريس كاليفورنيا هكذا دعوها رتاج الذهب لكثرة النضارة في ولاية كاليفورنيا فإن هذه الولاية أغنى الولايات في البلاد المتحدة بمعادنها الثمينة لا بلجينها فقط بل بنضارها وسائر معادنها. ولم تكن شهرة قصورها الفخيمة ودورها الجميلة وأبنيتها الشاهقة ومحالها البديعة بأقل شهرة من قصور سائر مدائن الولايات المتحدة الكبرى كنيويورك وشيكاغو وفيلادلفيا وسواها ففيها أبنية عظيمة وجميلة مؤلفة من ست طبقات إلى سبع عشرة طبقة وهي الثالثة من نوعها في العالم الجديد. أما نزلها الشهير المعروف بالبالاس الذي كلف بناؤه سبعة ملايين دولار (ريال) فهو أجمل نزل في العالم الجديد بل في سائر أطراف المعمور. وما قيل في نزل عروس الباسيفيك من حيث الجمال والإتقان والشهرة يقال في دار الحكومة التي أنفق في سبل بنائها تسعة ملايين دولار أميركي واشتغل مئات العملة في بنائها ربع قرن. ويرجع تاريخ هذه المدينة إلى أكثر من مائة سنة أيام كانت فرضة تجارية ليس فيها من العمران إلا اليسير على أنها أخذت بالتقدم والنماء منذ ثلاثة أرباع قرن شأن المدن الراقية حتى بلغت ما بلغته وناهز سكانها أربعمائة ألف نسمة. هذا بعض وصف مدينة سدوم العالم الجديد قبل الحادثة الأليمة التي ألمت بها. أما اليوم فقد صارت قصورها البديعة رماداً ودورها الجميلة خراباً وسائر أبنيتها الثمينة قفراً يباباً حتى ابتلعت الأرض كثيراً من رياضها الغناء وحدائقها الزهراء وأصبح معظمها أطلالاً دوارس وآثاراً طوامس. تناول شعراء الأمريكان فاجعة غادة الباسيفيك ونظموا فيها القصائد المؤثرة فرثوها بما يذيب سماعه قلب الجماد. واشتغلت الأسلاك البرقية في كارثتها العظيمة في كل أنحاء البلاد وبلغ نبأها أرجاء العالم المتمدن وانقضت أسابيع على المصيبة والجرائد الأميركية بالإجمال تصف هذا الخطب الجلل. حدث زلزال شديد الساعة الخامسة والدقيقة الثانية عشرة من صباح ١٨ نيسان (إبريل) الماضي في مدينة سان فرنسيسكو دام دقيقتين فانشقت الأرض وابتلعت شطراً من المدينة بما فيها ومادت الأبنية وسقطت الدور ودمرت القصور وفاضت مياه الأوقيانوس على المدينة وأخذ البركان في جوف الأرض ينذرها بالويل والشقاء والدمار. حدث هذا الزلزال بينما كان الناس نياماً فزعزع أركان المدينة وأشد ما كانت وطأته على أهم بيوت التجارة والأعمال فيها ثم توالت الزلازل فأتت على البنايات المتزعزعة ودمرتها وثبتت الأبنية المتينة المشيدة هياكلها بالحديد بادئ بدءٍ. ثم تصدعت أنابيب الغاز من الزلازل التي توالت بشدة فشبت النار في المدينة والتهمت ما بقي من الدور الفخيمة والأبنية العظيمة وحاول رجال المطافئ إخماد النيران ولكن مساعيهم ذهبت أدراج الرياح ثم عادوا بالديناميت لنسف الأبنية المجاورة لألسنة اللهيب الهائلة فلم يستطيعوا إيقافها وما انقضى بضع ساعات على شبوب النيران في الحي التجاري حتى اتصلت بأحياء السكن فالتهمتها فأصبحت المدينة كطود من نار. وإذا رأى الفرنسيسكيون أن عروسهم الجميلة قد دكت إلى الحضيض ودفنت طيَّ اللحود فرَّ منهم نحو مائة ألف نفس إلى أوكلاند كليفرنيا وفرَّ الثلاثمائة ألف الباقون إلى الجهات المجاورة للمدينة والمطلة عليها يتوسدون الغبراء ويلتحفون السماء ويقاسون آلام الطوى أشكالاً ويذوقون البلوى ألواناً حتى بيع رغيف الخبز بدولار. ولم تنحصر الفاجعة الأليمة في عروس الباسيفيك بل قد امتد خطبها الفادح إلى غيرها من البلاد المجاورة فألحقت بها أضراراً فاحشة ولما حلت هذه الكارثة واتصلت أنباؤها المشؤومة بالشعب الأميركي الغيور قامت البلاد بأسرها تجمع الأموال وتبعث بها وبالمآكل والملابس إلى المنكوبين فخففوا عنهم وطأة الخطب وبرهنوا لهم بمروءتهم وغيرتهم أنهم شركاؤهم بالضراء وأن الأموال التي جمعت ترجع مجد مدينة المغرب وأن الشعب النشيط الذي أصبح في مدة قرن في مقدمة شعوب الأرض بالنفوذ والثروة والتمدن والذي عمر القفار وأقام المدن والأمصار يستطيع أن يبني على أنقاض سدوم العالم الجديد مدينة من أجمل مدن العالم. ولقد بلغت الإعانات التي قدمت إلى منكوبي سان فرنسيسكو حتى الآن ثلاثمائة مليون دولار وتبرع كثير من كبار المتمولين الأميركيين كل منهم بمائة ألف دولار وتبرع مجلس الأمة في العاصمة (واشنطن) بمليون دولار وكثير من أفراد الأمريكان الموسرين تبرع كل منهم بالمبالغ الكثيرة. ومما يذكر أن محسناً دفع إلى حاكم مدينة نيويورك خمسة وعشرين ألف دولار لمنكوبي سان فرنسيسكو ولم يذكر اسمه. وقد قررت خسائر سان فرنسيسكو بـ ٣٥٠ مليون دولار. وكانت أشدها وطأة على ١٧ غنياً وغنية من الفرنسيسكيين فخسروا وحدهم ٩٧ مليون دولار. وكانت خسارة السوريين في الكارثة ٣٢ ألف دولار ولم يفقد منهم أحد وقدر الهالكون من الأميركيين بألفي نفس. وأما قيمة الأرزاق المضمونة في سان فرنسيسكو فهي ٢٦٨ مليون دولار إذا رفعت شركات الحريق المبلغ برمته تضطر خمس عشرة شركة منها إلى إشهار إفلاسها. هذا وأن حريق سان فرنسيسكو أعظم ما حدث من نوعه حتى الآن في الولايات المتحدة باعتبار خسارة المال والأنفس. فحريق شيكاغو الذي حدث في يومي الأحد والاثنين الواقعين في ٨ و ٩ تشرين الأول (أكتوبر) عام ١٨٧١ أتلف من الأرزاق ما قيمته مائتا مليون دولار. على حين كان عدد البنايات التي أكلتها النار ٧ . ٤٥٠ بناية. ومساحة البقعة التي جرى فيها الحريق ٧٣ ميلاً. أما مساحة البقعة التي حدث فيها الحريق في سان فرنسيسكو فهي ٢٦ ميلاً وكذلك حريق بالتمور وبوسطن وكالفستن لا يحسب شيئاً بالنسبة إلى حريق سان فرنسيسكو. أما الزلازل التي حدثت في سان فرنسيسكو في ١٨ نيسان سنة ١٩٠٦ فقد حدث مثلها في نفس المدينة في تشرين الأول سنة ١٨٦٥ وسنة ١٨٦٨ . على أن الخسائر التي سببتها إذ ذاك على فداحتها لا تذكر في جنب الخسائر الفاحشة التي نجمت عنها في العهد الأخير. وفي سنة ١٨١١ حدثت زلازل في الولايات المتحدة هي أعظم ما جرى من نوعها حتى يومنا هذا فانفتحت كوات الأرض من شدتها على مسافة ثلاثمائة ميل من حدود ولاية أوهايو إلى حدود سانت فرانس وانخفضت الأرض مئات أقدام في بعض الأنحاء وارتفعت في سواها ودمرت البلاد الكثيرة وسببت الخسائر الفادحة. وقد ابتدأ حدوث هذه الزلازل في ١٦ كانون الأول (يناير) سنة ١٨١١ وظلت تتراجع بكل طولها وحولها حتى أوائل شهر شباط (فبراير) ١٨١٢ . وروى الهنود - سكان أميركا الأصليون - أنهم شاهدوا في القرن السابع عشر بركاناً نارياً في بقعة سان فرنسيسكو يقذف المواد الهائلة من جوف الأرض إلى مئات الأقدام علواً في الجو. ولقد عرف العلماء الباحثون أن موقع سان فرنسيسكو هو على نفس خط بركان فزوف في إيطاليا الذي لا تزال ويلاته متوالية على العباد هناك. ومن المحتمل إعادة مجد سدوم العالم الجديد لأن الهمم العلية المبذولة في عمران المدينة تخترق جبال المصاعب الصعبة المرتقى ولا تقيم مدينة بل مدائن تكون من أقوى وأجمل وأبدع مدائن العالم. وقد باشر المهتمون للأمر باستجلاب الكميات الطائلة من الحديد لأنهم عزموا على ابتناء القصور والدور والبنايات الكبيرة من الحديد ورأوا أن الأبنية القائمة بالحديد قلما تؤثر فيها الزلازل ولعله يتأتى للمعمرين في المستقبل اختراع طريقة للعمران لا تقوى عليها قوات الطبيعة. ولا عجب فالعصر عصر عجائب وغرائب. وما متاعب هذه الحياة إلا عقاب لما يجنيه الإنسان فسبحان الفعال لما يريد. في قلبي خواطرُ في قلبي يضيءُ بها الفكرُ أشعتها في كلّ منبثقٍ فجرُ لها رونقٌ من حكمةِ العبرِ التي تسامت بها الدنيا أو انحدرَ الدهرُ كما من شعاعِ الشمس والريحِ والندى تناولَ سرَّ الحسنِ في أرضهِ الزهرُ جلوتُ على الأيام أسرارَ وحيها بوصفٍ يقولُ الناسُ أنَّ اسمهُ الشعرُ تجسمَ فيهم لفظهُ وتحكمت معانيه حتى ذاك درٌّ وذي سحرُ إذا قلبوا في شطرِ بيتٍ عيونهم تنزَّلَ منْ وحيِ القلوبِ لهم شطرُ وما عرفوا من خدعة السحر عندها أقطرٌ على زهر هنالكَ أمْ سطرُ كأنَّ يراعي من أشعة رنتج يري من وراءِ الحبرِ ما سترَ الحبرُ بلفظٍ ترى معناهُ من قبلِ لمحه كما فاحَ منْ زهرٍ على غصنهِ العطرُ تهاداهُ أهواءُ النفوسِ كأنه من الدهرِ للنفسِ التي ساءها عذرُ وما كلماتي غبرُ نبضِ العلى وما لسانيَ إلا قلبها وهيَ الصدرُ أعدتُ نشاطَ الدهرِ بعدَ مشيبهِ فقد باتَ مختالاً وطرَّتهُ البدرُ فقولوا لحسادي على بعدِ بيننا تظنونَ أنَّ السحب فوقَ السما جسرُ فإن كانَ في هذي العصافيرِ طائرٌ هجفٌّ فما شاؤوا سوى اسمك يا نسرُ ولي كلماتٌ لو يطيرونَ مرَّةً لأمست ومنها كلُّ قافيةٍ وكرُ ولكنهم إن يصمدوا يتسفلوا دواليكَ ذا شبرٌ وذلكمُ شبرُ صغارٌ على كبرٍ وشرُّ فضيحةٍ وسخريةٍ طفلٌ صغيرٌ بهِ كبرُ على أنها من سنةِ الكونِ لم يزلْ يضايقُ من خلطِ الترابِ بهِ التبرُ وفي القلب مني لوعةٌ لو تخلصت من الصبرِ يوماً واحداً قتلَ الصبرُ وفيهِ كمْ فيهِ من الحبِ والجوى فذاكَ لهُ أمرٌ وهذا لهُ أمرُ وفيهِ من الآمالِ ما العمرُ دونهُ فلا سعدَ إلا أن يزاد لنا عمرُ وفيهِ منَ الأيامِ مكفنٌ بدمعي عليهِ من طفولتهِ قبرُ وفيهِ وما فيهِ وذا الدهرُ لم يزل يعدُّ علينا موجةً وهي البحرُ على أنني لم أفرغ الهممَّ كلهُ ولكنهُ نزرٌ وقلَّ لهُ النزرُ تعلمتُ لطفَ الوصفِ من لغة الهوى ففيها جنونُ القلبِ قيلَ لهُ الهجرُ السكك الحديدية في آسيا الصغرى عن مجلة الطبيعة الفرنسية استفاض في الناس أمر السكة الحديدية البغدادية التي تجتاز آسيا الصغرى من أقصاها إلى أدناها وتقرب بلاد فارس والخليج الفارسي من أوربا. وسيبلغ بالقطار الحديدي عما قريب إلى بغداد وكانت معدودة من قبل من مدن ألف ليلة وليلة. فترن صفارة البخار وتجاوبها أصداء بلاد الكلدان والفرات ويحرك التمدن الحاضر بما خص به من الصفات قبور أخلاف بختنصر. وليس الخط البغدادي أول سكة امتدت في ذاك الرجا فقد وجدت منذ عهد بعيد في غربية خطوط حديدية أخرى نال امتيازها ماليون مختلفة أجناسهم والدولة تمدَّ معظمها بالمال وتعطيها ضمانات عن كل كيلومتر تختلف من عشرة إلى تسعة عشر ألف فرنك. أنشئ أول خط حديدي سنة ١٨٥٦ وهو من أزمير إلى آيدين واحتفل بافتتاحه سنة ١٨٦٦ ثم اتصل بدينار وامتدت منه ناشطة أو فرع إلى تيره وسوكه وجوريل وبوجه وسيدي كوي ودكزلي. وطول هذه الخطوط خمسمائة كيلومتر. وسنة ١٨٦٦ أيضاً افتتحت سكة حديد أزمير - قصبة التي امتدت بعد أفيون قره حصار وأخذت منها ناشطة إلى صوما وطول هذا الخط بأجمعه خمسمائة كيلومتر أيضاً. وفي نحو سنة ١٨٧١ شرع بإنشاء خط مدانيا - بورصة. وفي نحو ذلك العهد أنشأت الحكومة خطاً يكون متمماً لخط عظيم يصل إلى الخليج الفارسي بادئاً من اسكدار أو حيدر باشا ومنتهياً بأزميد. وسنة ١٨٨٩ نالت شركة ألمانية امتيازاً بمد خط حديدي من أزميد إلى أنقرة ماراً باسكي شهر وطوله ٥٧٦ كيلومتراً ولم يتسن إيصال الخط إلى بغداد ماراً بسيواس. وفي غضون ذلك أنشئ الخط الحديدي من مرسين إلى آذنة ماراً بطرسوس وهو الخط الذي سيصبح من فروع السكة البغدادية. وكل هذه الخطوط تربط المدن الساحلية ببعض الداخلية إلا قليلاً. أما خط أنقرة وقيصرية فأخذ امتيازه لكنه لم يجر تخطيطه. وفي سنة ١٨٨٨ مدَّ خط من يافا إلى القدس وسنة ١٨٩٠ شرع بمد خط حديدي من بيروت إلى دمشق ماراً برياق ثم دمشق - مزيريب ثم فرع رياق - حماه. دع الخط الحديدي الذي أنشئ من دمشق وسيتصل بالمدينة ومكة ماراً بعمان فإنه ليس من الخطوط المعدودة من آسيا الصغرى. ولا بأس من التصريح هنا بأن من تتمة الخط الحديدي البغدادي إنشاء الخط الذي كان بدأ به سنة ١٨٩٥ من حيدر باشا إلى قونية ماراً بأفيون قره حصار فهو يصح أن يسمى من متممات خط أزمير فمن مدينة قونية إذاً تسير سكة حديد الخليج الفارسي مقتربة من خليج مرسينا. ويتحدث الإنكليز منذ نحو نصف قرن بهذا الخط لأنه يسهل المواصلات مع الهند حتى أنهم وضعوا سنة ١٨٥١ مشروع خط حديدي يمتد من السويدية في جنوبي إسكندرونة من أعمال سورية ماراً بإنطاكية وحلب والموصل فبغداد فالبصرة فالكويت. وفكر بعضهم في إنشاء خط حديدي من البوسفور إلى الموصل ماراً بسيواس وديار بكر كما اقترح الروس أن يجعلوا طرابلس مبدأ الخط. وكان ينوي أصحاب امتياز خط أنقرة - قيصرية أن يصلوه بدجلة والخليج الفارسي لكن شركة ألمانية فيها بعض الفرنسيين نالت الامتياز إلى ٩٩ سنة بإنشاء خط حديدي من قونية إلى الخليج الفارسي يكون خط حيدر باشا قبالة الأستانة رأساً له فإذا اجتاز الخط اركلي يصل إلى سهل ثم يصعب تمديد الخطوط الحديدية لأنه يضطر إلى قطع سلسلة من جبال طوروس وفي شمالي الإسكندرونة يجتاز سلسلة أخرى من سلاسل جبال سورية ومن هناك ينشأ فرع صغير لتسهيل نقل الأدوات وتتصل حلب مع الخط الأصلي بفرع آخر يصل بينها وبين خط سورية ويستقيم سير الخط من أذنة إلى الموصل ومن هنا يتبع الخط مجرى دجلة إلى بغداد. وفي مأمول القائمين بتمديد خط الخليج الفارسي أن ينجزوه سنة ١٩١٠ وهو مما يستبعد. وكيف دارت الحال فسيأتي هذا الخط بفوائد جزيلة أقلها تقريب المسافة بين أوربا والهند فإن معدل البريد الآن من لندن إلى بومباي في ١٤ يوماً و ١٦ ساعة ومتى نجز خط بغداد يرسل البريد عن طريق آسيا الصغرى إلى ما بين النهرين في ثلاثة أيام و ١٥ ساعة. لا جرم أن عدد الذاهبين إلى الهند والشرق الأقصى ممن يسافرون في البحر الأحمر وهو قرابة ربع مليون نسمة في السنة سيزيد كثيراً. وإذا صح ما يتحدثون به الآن من إنشاء جسر على البوسفور فسيجيء يوم تختصر فيه المسافة كثيراً فتسافر القطارات من كالى في فرنسا أو من لندن بدون أن تفرغ شحنها حتى تبلغ مصب شط العرب. تأثير العلم في ألمانيا من مقالة لأحد علماء الفرنسيين ارتقى التعليم العام وانتشر كثيراً في ألمانيا منذ نحو قرن وأصبح التعليم الابتدائي إجبارياً وإن كان ناقصاً وفيه نظر. وبالتعليم فنحن العقول واستعدت لقبول الأفكار الحديثة فرقَّ شعور الأفراد ومرنت قواهم واحتد ذكاؤهم وقويت عقولهم وقلَّ الاختلاف بين الطبقة العالية والطبقات النازلة في المجتمع وذلك في الأمور الذهنية على الأقل. قامت منذ خمس عشرة سنة معاهد التعليم وتهذيب الأمة على أمتن الدعائم وانتشرت في الآفاق الألمانية أيما انتشار. وأنك لترى في كل ناحية أو عمالة لها بعض الأهمية صفوفاً ومدارس يتلقى فيها الكبار العلم ومارس ليلية ومؤتمرات تعليمية إجبارية في كثير من النواحي للشبان ممن سنهم بين الثالثة عشرة والثامنة عشرة ولكل مدينة بل لكل إقليم مكتبة موقوفة على سكانها عامة تحبب إليهم المطالعة متى أرادوا بل تضطرهم إلى الاختلاف إليها. دع ما هناك من تمثيل الروايات العامية التي تطلعهم على أسرار الفنون وتحسن أذواقهم وخل عنك أندية المطالعة وأندية التمثيل وجمعيات الغناء والموسيقى التي تتكاثر الحين بعد الآخر. وهكذا تجد العامي من الألمان قد خرج من غفلته وتغفله وصقل ذكاؤه ورق إحساسه وبدأ يفكر في غير الضروريات المادية في حياته اليومية واتسع أمامه ميدان النظر وامتد أفق الغايات السامية وراح يود الاطلاع على ما يحدث في العالم وعلم أن ليس لكل الشعوب ملوك وليسوا دونه في السعادة وأن بعض الشعوب تتألم لأنها محرومة من الحقوق السياسية وأخذ الألماني يفكر في قوانين حكومته وأوامرها ويبحث فيها ناظراً ما يتعلق منها بمصالحه واحترامه الشخصي ورأى من الظلم أن تكون الشؤون السياسية بيد طبقة خاصة من الأمة فينال النعم غيره على حين لم يكن دونه في المدارك وهو لا يرضيه الشقاء الذي قاساه حتى اليوم بل يتطلب الظهور ونيل حظه من اللذائذ. ولما استحكم أساس الوحدة الألمانية تقدمت الديمقراطية بين أهلها كثيراً وسهل ذلك في سبيلهم ارتقاء الصناعات والتجارات ارتقاءً لا مثيل له. فصارت ألمانيا مملكة صناعية بعد أن كانت إلى سنة ١٨٧٠ زراعية فكان يستخرج منها إذ ذاك ٨٩٧ . ٠٠٠ طن من الفولاذ فبلغ ما استخرج من هذا المعدن سنة ١٨٩٩ ، ٦ . ٣١٧ . ٠٠٠ وكان المستخرج من الحديد المسبوك سنة ١٨٨٩ ، ٣ . ٣٨١ . ٠٠٠ فصار سنة ١٩٠٠ ، ٨ . ٥٢٠ . ٠٠٠ وكان قدر أنوال المنسوجات سنة ١٨٨٧ ، ٥ . ٣٨١ . ٠٠٠ فأصبح بعد إحدى عشرة سنة ٧ . ٨٨٤ . ٠٠٠ ونجحت الصناعات الكيماوية والكهربائية نجاحاً باهراً. ولألمانيا المقام الأول بين الأمم في استخراج السكر. كانت نفوس ألمانيا سنة ١٨٧١ ، ٣٩ . ٣٦٠ . ٠٠٠ نسمة تقريباً فبلغت سنة ١٨٩٠ ، ٤٧ مليوناً وسنة ١٩٠٥ ، ٦٠ مليوناً أي أن الشعب الألماني يزيد في السنة ٨٠٥ . ٠٠٠ نسمة وكل مولود جديد يحتاج إلى مرتزق جديد له وقلما يجده في الزراعة إذا لم يجده في الصناعة والتجارة لأن مواد الزراعة ضيقة النطاق في تلك البلاد بحكم الطبيعة ولا يتأتى أن يعيش بها إلا عدد محدود من السكان فلم يبق من ثم إلا الصناعة يقيمون لها كل يوم أنواع المعامل الجديدة والمشاريع الصناعية والتجارية الحديثة وسينتهي الحال بأن تغدو ألمانيا بحكم الطبيعة في مقدمة الأمم بصناعتها. ولقد كان لهذا التقدم الاقتصادي نتائج اجتماعية وسياسية كثيرة ذلك لأن هذا الارتقاء زاد في رفاهية الأمة وحسن الأخلاق وسعدت الحياة في ألمانيا وأصبحت داخلية المدن إلى اللطف والذوق يتوفر فيها الزخرف والبهرج والنظافة المفرطة. وإنك لترى في كل مكان خطوط الترامواي والإنارة بالكهربائية مألوفة في البلاد كلها وواجهات الدكاكين مزدانة وإمارات الغنى تتجلى في جميع الأعمال وترى أحياء العملة في المدن الكبرى كهمبورغ وبرلين وكولون لا تشبه غيرها من المدن الفرنسية مثلاً إذ ترى في تلك البلاد دلائل الحضارة ماثلة والناس يظهرون في أجمل بزة وزي وشارة. وللوالدين مطامع يرجونها لأبنائهم ويبحثون عن إيجاد أعمال أحسن من أعمالهم. وبالجملة فإن الشعب الألماني يرفع أسبابه المادية والأدبية عن معدلها السابق في المدن على الأقل. ومعلوم أن كل نجاح مادي لا يقوم إلا ببذل النفس والنفيس في سبيله فالعامل والسوقة من الألمان يدفعون أجور منازلهم أغلى من ذي قبل وهي جديدة البنيان وإذ أصبحوا ينفقون على معيشتهم أكثر اضطروا أن يسعوا في زيادة أجورهم ومداخيلهم وهذا هو السر في قيام الاعتصابات واتحاد الطبقة النازلة مع أهل حزب الشمال الذي يعنى أهله بتحسين حالة الشعب وإعطائه من النفوذ السياسي أكثر مما كان له. زاد نماء الشعب وانتشار الصناعة عنصر سكان المدن في ألمانيا. فكان سكان برلين سنة ١٨٧١ ، ٨٠٠ ألف فأنافوا اليوم على مليونين وصار سكان همبورغ زهاء ٨٠٠ ألف وارتقى عدد سكان كولون من ٢٠٠ إلى ٤٤٠ ألف فزاد عدد سكان المدن الكبرى ثلاثة أضعاف بعد الحرب السبعينية وهو يزيد على معدل ١٥ في المائة كل خمس سنين وليس في الأرياف غير ٤٣ في المائة من مجموع سكان البلاد. وانتشرت الديمقراطية في المدن أسرع منها في الضواحي والقرى حيث يعتزل الأصاغر فيضعف أمرهم ولا يلتفت الناس إلا إلى القيام على الزراعة وتربية الماشية أما ساكن المدن فهو أكثر علماً وحركة وحضارة. ويسهل بث الدعوة الديمقراطية في عقول عملة المدن فإن اجتماعهم في صعيد واحد من الأرض يزيدهم قوة ومضاءً. وقد كان الصناع في كل زمن أسرع إلى النشوء في الديمقراطية من سكان الريف المزارعين إذ الفلاح في العادة من المحافظين وعامل المدن من الديمقراطيين. هكذا هو الحال الآن وهكذا كان الشأن في قديم الزمان. فقد ظلت إسبارطة منصرفة إلى الزراعة وحكمها أرستقراطياً عدة قرون وأصبحت أثينا ديمقراطية منذ انتشرت فيها الصنائع وراجت أسواق التجارة. نوع من نقد الشعر (قل في رجال الأدب قديماً وحديثاً من تكتب لهم الإجادة في النظم والنثر وقد عرف مصطفى صادق أفندي الرافعي بين قراء العربية بأنه من أفراد الشعراء البلغاء ولو أنصفوه لوصفوه بالكتابة كما وصفوه بالشعر. والنبذة التالية مقتبسة من مقدمة الجزء الثالث من ديوانه وهو تحت الطبع وفيها نموذج من نثره). الشعر تصوير عالمٍ من المعاني والألفاظ فالمجيد من جعله مختصراً من صورة العالم كله. ولابدَّ فيه من شعاع من الروح إذا تجردت له النفس امتزجت لطافتها بلطافته. وربما أخذ المرء بلذة التصوير فظنها في مكان نفسه وحسب نفسه في مكانه. ونحن ناظرون إلى نقد الشعر من هذه الجهة التي يتمثل فيها حياً من الأحياء. تتنازع أنواعه البقاء. فقد أفاض المتقدمون في الأسباب التي يحسن بها ما يحسن من ظاهره وبقبح منه ما يقبح. وجردوا الكتب في طبقات الألفاظ ومخارج الأشعار وسقطات الكلام وألطفوا النظر في وجوه المعاني ومواضعها. وأصابوا منها صفة التمكن في مبادئها ومقاطعها. وإنك لتجد فيما وضعوه من علوم البلاغة البحر الزاخر بهذه الأمواج. والفلك الدائر بتلك الأبراج. يرتقي المبتدئ في الشعر من مطلق النظم الذي هو النمط المصطلح عليه في إقامة الوزن إلى الفكر فيما يجيء به. فإذا صارت له هذه المنزلة أدته إلى الخيال. فإذا ارتفع شيئاً بعد ذلك فهو في جو الروح الذي يسمونه التصور وهناك حدُّ الطبيعة القائم. وحجاب الغيب القاتم. فيكون في منزلة بين الوحي والإلهام ويمر هناك خاطره على النفوس كما ينتقل على الأرض ظل الغمام. وتلك هي أطوار الشعر من طفولته التي يعبث فيها بكل شيءٍ ولا يفقه شيئاً. إلى شبيبته التي يتماسك فيها وقاراً ويندفع إلى شدته التي تعتصم بها الحكمة وتمتنع. إلى مشيبه الذي هو نور الجمال. والحظ المقسوم له من الكمال. والشاعر في الطور الأول كالصبي في يده القوس يغرق في نزعها ما يغرق ثم لا يكون إلا أن يسمع لها أرناناً ضعيفاً فلا هو غلب وهمه. ولا رمى سهمه. فإذا اشتد ساعده وانتقل إلى الطور الثاني كان في منزلة بين الخطأ والصواب. فإذا بلغ إلى الثالث أحكم التسديد. واستوى عنده في الإصابة ما كان من قريب وما كان من بعيد. ومتى صار إلى الطور الرابع وهو منتهى كماله حسب توزع الطير في الجو لمخافته. وتفرق الوحش في البر لمهابته. وصارت هي السهم لأنه في أثرها. ولفظته عن القنيصة هي القضاء لأنه في خبرها. وما يكن من عيب في الشاعر فلن تجد فيه كتسلط فكره عليه وعبثه بقوافيه فتراه ينظم الكلمة أبياتاً لا معرفة بين أولها وآخرها ثم يجيء بعد جفاف الريق وتخلخل اللسان وانقطاع النفس فيمضي فيها اختياره ويأخذ في التوفيق بينها وهي متنافرة. ويعمل على التعريف وهي لا تزال متناكرة. فمثل الكثير من هذا الشعر مثل الكلمة المفردة إذا نطقت بجملتها أدت إليك معناها على أتم ما يكون فإذا فككت أحرفها ولفظتها حرفاً حرفاً انقلبت إلى قول هراء. ولم تزد على أن تكون أصواتاً ذاهبة في الهواء. وأولئك هم الذين قال في شعرهم ابن ميادة أنه كلفة وتملح. فإذا لم يكن فكر الشاعر عند إرادته ولم تكن إرادته عند اتجاه عواطفه أخذت عليه منافذ القول فاختل. واضطربت جهات رأيه فانحل. وصار من نضوب المادة في أخره أمره كمن يكتب بقلم ليس عليه إلا مسحة من ردع المداد فكلما كدَّه جمد. وكلما هزَّه ركد. فإذا كتب مع ذلك جاء الحرف مفرق الجهات لئيماً في الحروف فلا هو كتابة ولا هو محو. ولقد يحار المرء إذا نظر في شعر العرب ورأى الكثير منه لا يتعدى الوزن والتقفية ولكن أكبر حظ القوم من شعرهم أن ينقلوا الكلام إلى نمط يتفق مع النغم كما ترى في غناء هذه الأيام فهو لا يزيد عن سائر الكلام إلا النمط والإيقاع بحيث أنك لو سمعته وقد جرد من ألحانه لخرجت منه على حساب ما دخلت فيه لا طرب ولا عجب. والغناء على أي وجوهه ينقل النفس من تنقيبها بين الألفاظ عما هو حسن وغير حسن إلى تحركها على الألفاظ نفسها. وإنما النظم العربي أوزان موسيقية. فكل من جاء بعد العرب من الشعراء لا ينظر إلا في أعطاف اللفظ وتلاحم الكلمات وانتظام تلك المعاني القديمة فهو من الجاهلية الثانية وإن كان الأولون قد سموا جاهلية لعبادة الأوثان. فهؤلاء لعبادة الأوزان. ويكاد شعر العرب ينحصر في غرضين الشاهد والمثل فقد كانوا لا يطلبون من الشعر غيرهما كما لا يطلبون من الخبر إلا الأيام والمقامات. وكان أبدع ما يروج عنهم من أجل ذلك مساق الخبر ومضرب المثل ومقطع الحكمة. والحكيم فيهم يومئذ نبي. ومن هنا تجد مثار الخلاف بينهم في قولهم هذا أشعر الناس في كذا وذلك أشعر الشعراء وغيرهما أشعر الإنس والجن. وهلم جرا وما عدا ذلك ففي شعرهم من الطرف المستنكرة ما بغلط على الطبع ويثقل على الذوق فمنهم من يشبه وجه الحسناء ببيضة النعام. ومنهم من يشبه جسمه الناحل بأشلاء اللجام. . . إلى غير هذا مما تهجنه الحضارة ولهم مع ذلك وجه عذر فيه ومنفسخ للوم عنه. وإنما ذكرناه مأخذاً أكثرها صدأ الركاكة وغبار القدم. . . فتراجع الشعر بينهم وتعطلت قرائحهم حتى أصبحوا في اتصالهم بمتن أولئك الشعراء كما شبه أبو هفان شعر آل أبي حفصة الذين كان آخر شعرائهم متوج وكان رجلاً ساقطاً وذلك في قوله: (شعر آل أبي حفصة بمنزلة الماء الحار ابتداؤه في نهاية الحرارة ثم تلين حرارته ثم يفتر ثم يبرد. وكذا كانت أشعارهم إلا أن ذلك الماء لما انتهى إلى متوج جمد. . .). وأعجب شيءٍ رأيته في تاريخ الشعر أنه كان عصرٌ يسمون فيه المولد (بالرقيق) ثم صار هذا الاسم علماً بالغلبة وأطلق على الغزل السبط والرثاء السائل ثم عدوا منه أنواعاً عرفوها (بالألفاظ الملوكية) وأجروها في بعض التشبيهات والأوصاف وما إليها. كأن الشعر كان مقضياً عليه أن يبقى في الموتى حتى يموت الأحياء. وأن يكون أهله نصباً على جانبي تلك البطحاء التي كان فيها شعراء الجاهلية. . . وحسبك أن أعداء ابن المعتز لم يزروا على غير نحته وسبكه ولم يحاولوا إسقاطه إلا من بينهما وهو بالإجماع في السطح من طبقات الشعراء. ومنتهى الحمق أن يتخذ مولد ذلك النمط الجاهلي فإن السر في بقاء شعر الجاهلية والمخضرمين بعد أهله حاجة الرواة والعلماء إلى الشاهد منه فلما أسقطوا الاستشهاد بكلام المولدين لما يدخل عليهم من الغلط ولضعف الثقة بلغتهم سقطت هذه الطبقة بعلة طبيعية وهي سنة (بقاء الأنسب). والعرب إنما ابتدأت الشعر بما كان عندها من جزالة اللفظ وإتقان بنية القريض وأحكام عرض القافية ونحوها مما هو طبيعة فيهم فكان على من يخلفهم أن يأخذ في زخرف البناء وزينته بعد أن يكون قد تم منه ما لم يتم وهو الذي فعله أبو تمام والمتنبي ومن في طبقتهما من أهل القوة والكفاية ثم كان على من يجيء بعد هؤلاء أن يزيدوا من تحف عصورهم ومدنيتها طبقة بعد طبقة حتى يكون ذلك المرضع ديواناً للتاريخ ترتب فيه العصور. وتقف على أبوابه الدهور. ولكنا نجد إلى عهدنا طوائف تنقض ذلك البناء وتقيم على أساه فلا يلبث أن يقع الاثنان معاً. والشعر أقسام كانت محدودة على ما نوعها أبو تمام في حماسته ثم جاء من تفنن فيها وذهب كل مذهب كابن أبي الإصبع وغيره. وقرأت أن البديع الأسطر لأبي رتب ديوان ابن حجاج على مائة وأربعين باباً وواحد. ثم قفي كل باب وجعله في فن من فنون شعر الرجل. ولكن الذي قطع بالشعر العربي دونه إنما هو النوع الذي يسميه الإفرنج بالشعر القصصي ومنه الملاحم الكبرى عندهم كالإلياذة وغيرها. والبسيط منه نادر في العربية بل هو في بسطتها كالظل شيء كلا شيء. ذلك لأن الشعر العربي روح هذه اللغة وهو من اللطافة بحيث لا يضيء فيه المعنى إلا بشعاع من الخيال. فإذا أردت أن تقيم منه حديثاً سويَّ التركيب. كامل الترتيب. زوت عليك القافية وتقطع الشعر فلا تدري من أين تأخذ ولا من أين تدع. كالنور اللطيف تحاول أن تلقي عليه كثافة الغطاء فإذا هو منبسط فوق ما تلقي فمهما تأت من ذلك لا تكون قد صنعت شيئاً. ورأس هذا الأمر عندنا على ما يقول شبيب بن شبة حظ جودة القافية وإن كانت كلمة واحدة أرفع من حظ سائر البيت فلا بد لهذا النوع في لغتنا من وضع جديد يكون وسطاً بين النثر والنظم حتى يحمل الألفاظ والمعاني معاً فيتعلق فيه الشعر بالنفس ويمتد السباق على النفس كما فعل الأندلسيون في وضع الموشحات لحاجتهم التي بعثتهم عليها والعصر يومئذ لهو وترف. والأدب مجد وشرف. وأساس هذا الشعر سلامة الذوق فهي الحاسة التي تتجه بها النفس إلى المعاني وتنقلب عنها. بل هي العين المركبة في الروح تجمع جمال الطبيعة في نظرة واحدة فتنقله إلى الإحساس كما تمد العين الباصرة بمرئياتها وهي المخيلة. ومن الشعراء من يكون سقيم الذوق فهو في نظره إلى الشعر مع فساد ذوقه كاللص في نظرته إلى الحسناء إذا وسوس حليها في وسمعه. يغفل منها عما ينتبه إليه الناس وينتبه لما يغفلون عنه. ومن هؤلاء طائفة الشعراء المصنعين وهم الذين لاحظ لهم إلا في (الصنعة الشعرية) وفنونها لا تعد فيجيئون بالقصيدة كلها رقع ثم يتنافسون في هذا التصدير ولا يدرون أن الثوب الساذج من قطعة واحدة خير من هذه الرقع كلها وإن كانت من أنفس الخز والديباج وانظر ما يكون موقع هذا الثقل من الأدباء فقد أراد ديك الجن الشاعر مرة أن يهول على دعبل ويقرع سمعه فأنشده بيتاً مضطرباً. . . فقال له دعبل اسكت فو الله ما ظننتك تتم البيت إلا وقد غشي عليك أو تشكيت دماغك. ولكأني بك في جهنم تخاطب الزبانية أو تخبطك الشيطان من المس. والعلة الطبيعية في بؤس الشعراء هي ذلك الإحساس المتصل بالنفس فكلما غمزته المؤثرات تحول منه بمقدار الضغط بخار روحاني ينتشر حولها وذلك هو الشعر. وقد ترى النفس فيه ضوءً كأنه تبسم القلب الحزين الذي تشابه جلال الطبيعة بجلاله. لأنها مخلوقة في رأي النفس على مثاله. وقد يكون للشاعر متسع في غلوه وكبريائه على هذه الطبيعة إلا في العواطف التي هي روابط القلوب بالقلوب. وموضع الصلة بين ما في الوجود وما وراء الغيوب. فقد يضرب في كلامه بسيف لم يطبع. ويرمي بقذيفة لم تصنع. ويقطع من خيوط الحياة ما لم يقطع ولكنه فيما دون ذلك لا يقدر أن يذكر الحب من قلب لم يحب. ويثبت للشيء الذي لم يجر عليه حكم الوجوب شيئاً مما يجب. فإذا هو فعل أطفأت الطبيعة من روائه. وقامت عواطف الناس شاهدة على كذبه في ادعائه. وقد ذكروا أن كسرى سمع الأعشى يتغنى ذات يوم بقوله: أرقتُ وما هذا السهادُ المؤرقُ وما بيَ منْ سقمٍ وما بيَ معشقُ فقال ما يقول هذا العربي؟ قالوا يتغنى بالعربية فأمر أن يفسروا قوله فقالوا زعم أنه سهر من غير مرضٍ ولا عشق. فقال هذا إذا لص. . .؟ وللشعر أساليب تنتجها القرائح ولكن جماع القول فيها أنها تمثيل للطبيعة فكأن الشاعر ينقل مناظر الأرض إلى الروح العالية التي ترسل إلى الجسم شعاع الحياة فتزيد تلك المناظر في قوة الشعاع الإلهي فلا يتصل بالجسم حتى تفيض هذه القوة على القلب فتهزه الهزة التي نعزف منها الطرب. فأي امرئ اجتمعت له قوة التمثيل وسلامة الذوق وهما يكونان عند سعة العقل وسمو الطبع فذلك الذي هو في معناه بين الملك والإنسان وهو الشاعر. مطبوعات ومخطوطات  الموسيقى الشرقية فن الموسيقى من الصنائع الجميلة التي تضعف في كل أمة بضعفها وتقوى بقوتها. ولقد كان العرب أيام حضارتهم يعنون بها كما يعنون بالشعر والأدب والتاريخ والفلسفة وعلوم الطبيعة وكان بعض العلماء في أمهات المدن لا يتحرجون من الغناء ولا يرون الضرب على العيدان والأوتار وسائر آلات الطرب حطة في قدرهم وثلماً لشرف وقارهم. ولما رغبت الأمة عن العلم أياً كان نوعه وزهدت في الضروري من المعارف دع عنك الكمالي أخذ معظم الناس يحتقرون الغناء والموسيقى ومن يتعاطاهما ولا ذنب بعد الجهل. ولقد ألف الموسيقار الفاضل كامل أفندي الخلعي من مشاهير أرباب هذا الفن في مصر كتاب الموسيقى الشرقي فعرف القوم فائدة هذا الفن ومركزه من المجتمع وما إلى ذلك من وصف الألحان وآلات الطرب ورسومها ومشاهير المطربين والموسيقيين في مصر هذا العصر مشفوعة بصورهم فجاء كتابه غاية ما يكتب لمؤلف في فنه من الإجادة بحيث أصبح المرجع في كل شاردة ونادرة في هذه الصناعة الجميلة الشريفة. أجاد المؤلف أثابه الله في وضع تأليفه كما أجاد في طبعه وإتقان صنعه فجاء في زهاء مائتي صحيفة كبيرة القطع على أجود ورق وألطف حرف وهو يباع بعشرين قرشاً مصرياً ويطلب من جميع المكاتب الشهيرة بالقطر فنثني على المؤلف لما عاناه من التعب في وضع مصنفه ونحث كل أديب على مقتناه فهو زينة المكاتب والقماطر ومن كتب العلم الحقيقي النافع.  نظام العالم والأمم للعالم الأديب الشيخ طنطاوي جوهري طريقة تكاد تكون خاصة به من مزج العلوم الحديثة بالعلوم القديمة وتطبيق المعقولات على المنقولات وقد وضع فيها عدة كتب ومنها هذا الكتاب الذي جعله على خمسة أبواب الأول في الرياضيات وما يتبعها والثاني في الفلك وما يتصرف عليه والثالث في نظام الأرض وما إليه والرابع في عجائب النبات والخامس في نظام الحيوان. وفي جميع ذلك تقريب لهذه العلوم من أذهان القارئ ومزجها بما ورد في الكتاب الكريم وروي عن سلف الأمة العاملين. والكتاب في ٤٢٦ صحيفة منصفة القطع مطبوع طبعاً نظيفاً فنحث القراء على اقتنائه ونثني على همة مؤلفه.  أبدع ما نظم جمع الفاضل الأديب يوسف أفندي سنو ديواناً في الأخلاق والحكم مما أثر من لطيف الشعر عن القدماء وضم إليه ما يناسبه من منظوماته ولاسيما ما اشتمل على اقتباس من القرآن وتحرى مع ذكر القصيدة اسم ناظمها وعصره وأجداده وبلاده نابذاً منها ما خالف الشرائع فجاء الكتاب في ٢٣٥ صحيفة تشهد للناظم الجامع بالبراعة في الأدب والشعر والكتاب يطلب من مكتبته في شارع محمد علي بالقاهرة وثمنه أربعة قروش فنحث على مقتناه.  أسلوب الحكيم في منهج الإنشاء القويم - للفاضل الشيخ أحمد الهاشمي وفيه موضوعات إنشائية شرعية أدبية وعظية علمية تاريخية اقتصادية طبية طبيعية سياسية زراعية صناعية تجارية جغرافية عمرانية قال في مقدمته: شرحت فيه مواضع الإنشاء العصرية مستنداً في شرحي إلى الآيات القرآنية والأحاديث الصحيحة النبوية وضمنته الجم الغفير من أمثال الحكماء وآداب البلغاء فوقع في ١٨٨ صحيفة صغيرة جيد الطبع. كتب ورسائل وروايات أهدانا العالم الأستاذ مرجليوث المستشرق الإنكليزي المشهور كراسة في المناظرة التي جرت بين متى بن يونس القنائي الفيلسوف وبين أبي سعيد السيرافي مشفوعة بترجمتيهما إلى الإنكليزية معلقاً عليها حواش تدل على بعد غور ناشرها في علوم العرب وآدابهم. وأهدى إلينا العالم الفقيه الشيخ محمد بخيت المطيعي رسالة إزاحة الوهم وإزالة الاشتباه عن رسالتي الفونوغراف والسوكورتاه. والكاتب المجيد سليم أفندي سركيس رواية تحت رايتين. والأديب البارع نقولا أفندي حداد رواية أسرار مصر. والأديب إبراهيم أفندي شحادة فرح مكسيم غوركي وثلاث من رواياته. والأديب الشيخ محمد خالد حسن العمادي الصباغ رسالة تنبيه الغافلات من النساء المتبرجات. والأديب أحمد أفندي شاكر رسالة مسامرة الوحيد. والتقرير الثالث السنوي لجمعية تهذيب الشبيبة السورية في بيروت وكان الباقي في صندوقها لغاية يونيو الماضي ١٤ . ٢٥٨ قرشاً صحيحاً. وأهدانا الأديب السيد إبراهيم الحسيني كتاب (لسان البيان ومنهل العرفان) وهو في أحوال المتصوفة. وأهدانا الأديب محمد أفندي محمود الرافعي نسخة من مقامات بديع الزمان الهمذاني التي شرحها وصححها وطبعها على نفقته بالشكل الكامل وقد رخص ثمنها فجعله أربعة قروش. وطبعت المطبعة اليمنية لأصحابها الأدباء مصطفى أفندي البابي الحلبي وأخويه بكري أفندي وعيسى أفندي كتاب (شواهد الحق في الاستغاثة بسيد الخلق) وبهامشه (الأساليب البديعة في فضل الصحابة وإقناع الشيعة) ورسالة (سبيل النجاة) ورسالة (جامع كرامات الأولياء) من تأليف صاحب الفضيلة الشيخ يوسف النبهاني. وأهدينا (حواء الجديدة أو أيفون مونار) وهي موضوع اجتماعي في قصة غرامية للأديب البارع نقولا أفندي الحداد تطلب من المكاتب الكبرى بمصر وثمنها خمسة قروش.  الأقلام مجلة عمومية تبحث في كل فن ومطلب لمنشئيها الكاتبين البارعين جورج أفندي طنوس ومحمود أفندي أبي حسين وهي تصدر مرة في الشهر ويشترك في تحريرها خيرة الشعراء والمنشئين وقد تصفحنا الأعداد الثلاثة التي صدرت منها فقرأنا فيها من الآداب المنثورة والمنظومة ما يستفاد منه ويستملح وقيمة اشتراكها ٤٠ قرشاً صحيحاً في القطر و ١٥ فرنكاً في الخارج فنرجو لها الثبات والنجاح.  المنهل الصافي مجلة أدبية علمية تهذيبية لصاحبها ومحررها الكاتب البارع محمد أفندي نجيب الحارتي قسمها إلى أربعة أبواب باب الأدبيات وباب المقالات وباب تاريخ الشهر وباب المنتقيات تصفحنا الأعداد الثلاثة الصادرة منها فرأيناها تبحث في الأغراض المشار إليها وقيمة اشتراكها ٣٠ قرشاً في مصر و ١٠ فرنكات خارجها وهي شهرية تصدر في ٣٢ صحيفة فنتمنى لها الفلاح والنجاح.  المنبر  كلما زادت المنافسة بين أهل بلد أو قطر أو مملكة نجم عن ذلك فوائد كثيرة وكلما نافس أهل مملكة مملكة أخرى أو جنس جنساً آخر عاد من ذلك الخير على المنافِس والمنافَس. مثال ذلك الجرائد في هذا القطر فقد كان يصدر فيه منذ عشرين سنة جريدتان أو ثلاث وإداراتها لا تكاد تقوم بالضروري من نفقاتها فلما أنشئت جرائد أخرى قال الناس أن الجديد منها يسقط القديم ولكن لم يلبث الجديد أن خدم القديم بعد أن مهد السابق للاحق السبيل. ومنذ ربع قرن لم يكن في مصر سوى جريدة يومية واحدة وهي الأهرام وكان قراؤها لا يتجاوزون الألفينيفأصبح اليوم فيها اثنتا عشرة جريدة يومية وقراؤها يعدون بالألوف وهي الأهرام والمؤيد والمقطم واللواء والظاهر ومصر والوطن والجوائب المصرية والأمة والبصير والشرق والمنبر. صدر هذا المنبر في الشهر الماضي بالقاهرة لصاحبيه الكاتبين الفاضلين محمد أفندي مسعود وأحمد حافظ أفندي عوض وهما مشهوران بتحرير المؤيد أعواماً طويلة فجاء منبرهما في موضوعه وتنسيقه دليلاً على سلامة ذوقهما وبعد نظرهما في الأبحاث الاجتماعية والسياسية فنرحب به ونتمنى له انتشار الكلمة والتأثير الحسن في نفوس قرائه. تدبير الصحة طعام العامل انتشر السل هذه الأيام انتشاراً غريباً وصرفت المبالغ لصد غاراته فلم تأت بنتيجة وإن خففت وطأته بعض التخفيف وأكثر الأسباب التي تدعو إليه الإدمان على تعاطي الكحول والعدوى والسكن في بيوت فسد هواؤها لعد وصول الشمس إليها. ومن جملتها الغذاء فإن الغذاء الناقص هو واسطة لانتشار السل وأكثر ما يقع ذلك لأرباب الفاقة والعملة. فإنك ترى الواحد منهم يصرف قسماً وافراً من أجرته في غذاءٍ ناقص وقد يتأتى له بالقيمة نفسها أو بأقل منها أن ينال غذاءً كاملاً فترى الرجل الذي يصف كمية وافرة من قوته العضلية يأكل كثيراً من اللحم ويشرب الأشربة الروحية فيخصص الشاب الذي دخله في النهار أربعة أو خمسة فرنكات نصفها للشراب وإذا دققنا نرى كثيراً من المآكل الباهظة الثمن ليس فيها كمية وافرة من الكالوري. ففي لتر من اللبن ٦١٦ من الكالوري وفي ١٠٠ غرام خبز ٢٣٥ وفي ١٠٠ غرام لحم ١١٧ وفي ١٠٠ غرام بقول ٣١٥ . فيتبين من هذا أن البقول مع كونها أرخص من اللحم تعطي حرارة أكثر منه بثلاث مرات. وأن كيلو غراماً واحداً من المعجنات (طحين وسكر) ليعطي ٤٢٠ من الكالوري أربع مرات أكثر من اللحم. وفي عشر قطع من السكر قيمتها خمسة سنتيمات من الكالوري أكثر من نصف لتر من الخمر الذي تساوي قيمته من ٢٥ إلى ٣٠ سنتيماً. ويحتاج الرجل الذي يشتغل بقوة جسمه إذا كان وزنه ٧٥ كيلو غراماً لصرف ٣٦٠٠ من الكالوري بمعدل ٤٨ كالوري بالكيلو غرام فإذا أنفق العامل نفقة معتدلة وجرى على الجدول الآتي في كل منها - حفظ صحته وطال عمره: هذا ما قرأته في إحدى المجلات الأوربية وهو يختلف في كل قطر بحسبه آثار الغبار توصي المجلات العلمية بالتوقي من الغبار ما أمكن وتقول أن غبار الشوارع والسكك الحديدية والبيع والمساكن كلها ضارة تدخل الرئة فتلقيها في خطر مبين على دون انتباه منا وانه قلما ينجو من شرها أحد كل النجاة. وقد علم من تشريح الجثث أن تسعين في المائة من الرئات تكون مرتعاً للسل وإن لم يحدث عن ذلك الموت فإن نصف السكان في مدينة نيويورك مثلاً مصابون بمرض الأنسجة الرئوية يختلف شدة وخفة. وبذلك ثبت للباحثين أن جراثيم داء السل الوبيلة لا تنفذ إلى الرئة إلا بواسطة الغبار على الأغلب. وأن هذه الجراثيم يبتلعها أبناء السبيل عندما يجتازون بدار تهدم وبناية تهد وبمسكن ينفضون من نافذته أو أمام بابه البسط والطنافس بل يلتقطها الناس في كل مكان تنتشر فيه الجراثيم المعدية في الهواء المستنشق فينتج منها السعال والتهاب الشعب وذات الرئة ومرض الصدر. ولقد شوهد أن كثيرين ماتوا فجأة بينما كانوا مسافرين في الحوافل (الأومنيبوس) أو في القطارات إذ قضوا أمداً طويلاً في وسط طافح بحامض الكربون وبالجراثيم القتالة. وقد ألفت في إنكلترا عصابة تدعو إلى تطهير الهواء من الجراثيم وأخذت على نفسها مطالبة الحكومة بسن قوانين لحل مسالة الغبار وذلك بإكراه الناس والتشديد عليهم في الحرص على نظافة الشوارع وداخل البيوت ورمز هذه العصابة (حفظ الصحة سلامة الإنسان). سم الطوابع رأى بعض كبار الأطباء أن في تندية صمغ طوابع البريد باللسان ضرراً لا يقل عن التسمم بحال وأنه ثبت بتتبع حوادث كثيرة أن أناساً أصيبوا بأمراض وانحراف في صحتهم لأنهم يبلون الطوابع بريقهم ويقال أن أسباباً كيماوية حملت ذاك الطبيب على القطع بسم الطوابع ولاسيما الإنكليز منها لأنها معمولة بصفار (الكروم) (معدن يتكون منه اللون اللامع) أو كرومات الرصاص ومن رأي الطبيب أن لا تلقى الطوابع في أيدي الأطفال لأن وجهها أيضاً يحتوي على مادة سامة فإذا وضعوها على ألسنتهم تسمموا بها. سير العلم نشوء الرسائل انتدبت بعثة علمية من كلية مدينة شيكاغو للبحث في خرائب بابل فوفقت إلى اكتشاف ألفي لوح كتبت بالخط المسند البابلي يرد تاريخ معظمها إلى خمسة آلاف سنة قبل المسيح. وقد جعلت هذه الألواح على أشكال شتى من الطول والعرض فكانت صورة أقدمها عهداً كصورة البرتقالة رسم عليها الكاتب بخط غليظ حروف الكتابة ثم حفظها في الشمس ولم يلبث هذا الشكل السمج أن استبدل به غيره وجعلت الرسائل تكتب على أطرٍ مسطحة مستديرة. وفي نحو سنة أربعة آلاف ق. م توصل البابليون إلى استخدام الرسائل المسطحة القائمة الزوايا أو المربعة ولم يتحولوا عنها بعد. ومن الغريب أن شكل القرميد في الهندسة أيضاً جرى في نشوئه على مثال الرسائل فكان جانب القرميد بادئ بدءٍ مسطحاً محدباً ثم بدا للقدماء أن جعلوها مسطحة من جميع جوانبها. وهنا مجال ليقال أن ما نراه من آثار الارتقاء فنتخيله قد تم في نصف ساعة قد أتت عليه القرون حتى شهدناه على ما هو عليه وقد وجد أولئك العلماء في جانب تلك الألواح القائمة الزوايا التي كانت تستعمل في الكتابة بضعة الألواح جعلت لأغراض أخرى مثل الألواح التي يكتب عليها الأطفال لعهدنا وكانت مدورة. ومن أغرب أشكال هذه الألواح ما استعمل منها للمراسلة بين المتباعدين منذ سنة ٢٤٠٠ ق. م فقد كانت من الخزف يكتب عليها ما يراد تسطيره على العادة حتى إذا نقشت كلها تغطي بغطاءٍ رقيق من الخزف أيضاً بحيث يكون المكتوب في مأمن من اطلاع أحد عليه ثم يختم المرسل رسالته بخاتمه أو يكتب عليها بعض الكلمات تكون عليها عنواناً ثم يجففها في الشمس أو في تنور. وأنت خبير بما يقتضي هذا العمل من النصب والزمن بحيث لم يكن لأحد أن يبعث رسالته إلا في أحوال اضطرارية وبواعث قوية - قالته مجلة الطبيعة. الاشتراكية في العالمين بحث عالم في مجلة المجلات الأميركية في امتداد الاشتراكية في أميركا كما انتشرت في أوربا فقال أنها اليوم في العالم الجديد قليلة الأنصار والدعاة ولكنها انتشرت انتشاراً هائلاً في النمسا وإيطاليا وسويسرا وألمانيا وإسبانيا ففي ألمانيا ٣ . ٠٠٨ . ٠٠٠ اشتراكي وفي فرنسا ١ . ١٢٠ . ٠٠٠ اشتراكي وفي النمسا ٧٨٠ . ٠٠٠ اشتراكي وفي البلجيك ٥٠٠ . ٠٠٠ اشتراكي وفي الولايات المتحدة ٤٤٢ . ٤٤٠ اشتراكي وفي استراليا ٤٤١ . ٢٧٠ ويبلغ عدد الاشتراكيين في العالمين القديم والجديد (أوربا وأميركا) ٧ . ٦٠١ . ٣٨٤ اشتراكياً يصدرون ٦٣٨ جريدة منها ٧٧ يومية. القوة الكهربائية قالت المجلة الفرنسية: أخذ انتقال القوة الكهربائية يدعو إلى قلب كيان الصناعة من حين إلى آخر وخصوصاً في البلاد التي يتأتى لها الحصول على قوة محركة عظيمة بفضل انحدار المياه فيها. وهذا من شأن بلاد السويد ونروج فإن لهما من ذلك الحظ الوافر ولذا لم يغفل أهل تينك البلدين عن استخدام ما خصتهم به الطبيعة من الشلالات فرأت مدينة لوند أن تستخدم بعض شلالاتها من نهر لاكا لتجهيز الكهربائية لعدة بلاد في جنوب السويد كما تجهزها لمدينة لوند نفسها وتألفت نقابة دنمركية لابتياع هذه الشلالات واستثمارها. أما نهر لاكا فينبع من جبال سامالاند ويجتاز هالاند فينتهي إلى لاهولم ويتألف منه في مجراه شلالان عظيمان أحدهما واسمه ماجفوس علوه زهاء ثمانية أمتار وثانيهما اسمه كاتفوس ينحدر من علو عشرة أمتار. وستقيم تلك النقابة محطات كهربائية بالقرب من ذينك الشلالين فتنقل الكهربائية بالسلك البحري إلى مدينة هلسنكبورغ على الشاطئ الجنوبي من السويد ومن هناك تنتقل بالسلك من تحت البحر وتمر بأورسند إلى بلاد الدنمرك وهذه الطريقة في نقل القوة الكهربائية بالسلك البحري من مملكة إلى أخرى سيكون منها وسيلة جديدة لانتشار الصناعة الكهربائية لجمعها بين أطراف بلاد السكاندينافيا من حيث الشؤون الاقتصادية. الخطوط الحديدية كان طول السكك الحديدية في العالم في نهاية سنة ١٩٠٣ ، ٨٥٩ . ٣٥٥ كيلومتراً منها ٤٣٢ . ٦١٨ في أميركا أو ٣٣٤ . ٦٣٤ في الولايات المتحدة وحدها وفي أوربا ٣٣٠ . ٤٢٩ وفي آسيا ٧٤ . ٥٤٦ وفي استراليا ٢٦ . ٧٢٣ وفي إفريقية ٢٥ . ٠٣٩ . وطول خطوط ألمانيا ٥٤ . ٤٢٦ وروسيا في أوربا ٥٣ . ٢٥٨ وفرنسا ٤٥ . ٢٢٦ والإمبراطورية الهندية ٤٣ . ٣٨٢ وأوستربا والمجر ٣٨ . ٨١٨ وبريطانيا العظمى وايرلندا ٣٦ . ١٤٨ وكندا ٣٠ . ٦٩٦ ولبلجيكا المقام الأول في كثرة الخطوط الحديدية بالنسبة لمساحة أرضها ففيها ٢٣١ كيلومتر في كل مائة كيلو متر ثم تجيء حكومة ساكس ودوقية باد والألزاس لورين وبريطانيا وايرلندا وروسيا ونروج. سرعة المناطيد نشرت إحدى الجرائد البلجيكية المنصرفة إلى البحث في المناطيد (البالونات) جدولاً قالت فيه أن العارفين بتسيير المناطيد في الأجواء لا يشكون في المسافة المعينة التي تقطعها على نسبة قوة الهواء وسرعة المنطاد وإليك الجدول في سيرها: في الثانية في الساعة متركيلومتر ريح خفيف ٠ . ٥١ . ٨٠٠ نسيم ساكن ١ . ٠٣ . ٦٠٠ ريح معتدلة ٢ . ٠٧ . ٢٠٠ ريح متوسطة ٥ . ٥١٩ . ٨٠٠ ريح شديدة ١٠ . ٠٣٦ . ٠٠٠ ريح شديدة جداً ٢٠ . ٠٧٢ . ٠٠٠ عاصفة ٢٢ . ٥٨١ . ٠٠٠ عاصفة كبيرة ٢٧ . ٥٩٧ . ٠٠٠ إعصار ٣٦ . ٠١١٩ . ٠٠٠ إعصار شديد ٤٥ . ٠١٦٢ . ٠٠٠ الطول والثقل عرض على جمعية علم الحياة الفرنسية بحث في طول الأولاد وثقلهم تبين منه أن الذكور والإناث ليسوا على معدل واحد في أجسامهم بالنسبة لأعمارهم فالبنات إلى التاسعة من عمرهن أصغر جرماً من الأولاد ووزنهن أقل ومن التاسعة إلى الثانية عشرة يتقدمن على الأولاد في الطول والوزن ومن الثانية عشرة يفقنهم في الطول وفي الخامسة عشرة ينحططن عنهم في الثقل وعند ذلك يبدو بين الجنسين فرق محسوس. الصحة في ألمانيا بلاد ألمانيا من أحرص الأمم الغربية على مداراة الصحة والنظر في المواليد والوفيات ويؤخذ من الإحصاءات التي قدمت إلى مؤتمر السل الدولي ف يتلك البلاد أن الوفيات بهذا المرض قلت ٣٨ في المائة منذ سنة ١٨٧٥ فإن المصاح التي أنشئت لهذا الغرض ولجأ إليها المسلولون قد شفي فيها ٣٤ في المائة فقد مرض في خلال سنة ١٩٠٥ زهاء ٢٦ . ٦٠٠ مريض أغلبهم من العملة وبذلت شركات ضمان الحياة الألمانية من سنة ٩٠١ إلى سنة ٩٠٥ نحو ٤٨ مليون فرنك لمقاومة هذا المرض الخبيث وأسست هذه الشركات ٣٦ مستشفى فيها ٢ . ١١١ سريراً للنساء و ٥٤١ سريراً للأطفال وأسست هذه الدور الصحية تحت رعاية إمبراطورة ألمانيا. المجهر الجديد المجهر لفظة وضعها بعض المعاصرين للمكرسكوب تلك النظارة التي ترى بها الأشياء التي لا ترى بالعين المجردة وقد اخترع اثنان من أهل العلم مجهراً يرى فيه ما لم يكن يرى من قبل بأعظم المجاهر وأقواها وسماه اولترا مكرسكوب ومعنى اولترا المتجاوز الحد إذ يرى بهذا المجهر الذرات التي هي ديامتر من أربعة ملايين من الميليمتر على أن المجاهر القديمة لا يتمكن بها من رؤية ما هو ثلاثة من عشر الألف من الميليمتر. تقليد اليابانيين ذكرت إحدى مجلاتهم أن الأمة اليابانية غدت في نشوئها الاجتماعي تقلد الأوربيين حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل ولم تقتصر في تقليدها أهل الغرب في أفكارهم ومناحيهم فقط بل قلدتهم في كل فرع من فروع العادات والأخلاق حتى أصبح القوم يستعملون في المدن الكبرى كطوكيو واوزاكا بطاقات البريد وأفرطوا في استعمالها في مراسلاتهم حتى نفذت من المخازن وأيدي الباعة وتناول التقليد نزوع اليابانيين في العهد الأخير إلى لبس أزياء الأوربيين وألبستهم حتى أن من كانوا منذ سنين يحرصون على ألبستهم اليابانية القديمة غدوا اليوم يلبسون اللباس الإنكليزي والفرنسي بل والروسي وتعدى التقليد سكان المدن إلى سكان الريف والقرى وأخذ أبناء الشمس المشرقة يعتاضون عن أعيادهم القديمة بالاحتفالات الغربية ويستخدمون (البيانو) بدل (الكمنجة) وسائر أدوات الطرب القديمة وقد بدأ هذا التقليد قبل حرب اليابان والروس الأخيرة بيد أنه أصبح على أتمه بعد أن وضعت الحرب أوزارها وهكذا تأخذ يابان عن الغرب وتعطيه سنة الله في خلقه. القطن الصناعي اخترع في إيطاليا قطن يستخرج من ألياف شجر الصنوبر بعد أن يقلع عن الخشب لحاؤه ويجهز تجهيزاً كيماوياً ميكانيكياً. الدوار كثرت اختراعات الأدوية الواقية من دوار البحر ورأى أحد الألمان أخيراً أن الجلوس على كرسي يكون مقعده معرضاً لاهتزازات سريعة عمودية منحرفة تنشأ عن محرك موضوع تحت الآلة ومناط بالمجرى الكهربائي في السفينة مما يدفع عن الإنسان عواقب الدوار ومبدأ هذا الاختراع أن الدوار ألم عصبي يقل ثم يزول باهتزازات المقعد. أداة الصياد كانت الأشرعة وحبائل الصيد وحبال المراكب معرضة للتلف بسرعة فاخترع في نروج طريقة لطول بقائها ومتانتها وهي أن تغطس في ماءٍ ممزوج بخلاصة البلوط الأميركي الذي يستعمل للصباغ وتبقى ٤٨ ساعة ثم تنشف وتغطس في محلول آخر مؤلف من ماءٍ وبيكورمات البوتاس وملح النحاس وتبقى ساعتين أو ثلاثاً فتقوى بذلك على أنواع الصدمات وتظل متينة. مستشفى نباتي أقيم في بروملي على مقربة من لندن منذ نحو ثلاث سنين مستشفى يطبب فيه المرضى على اختلاف أدوائهم وتعمل فيه أهم العمليات الجراحية وهو بإدارة الدكتور أولدفلد وثلاثة من معاونيه ومما امتاز به هذا المستشفى على سواه أن تدبير الطعام يجري فيه على الطريقة النباتية أي طريقة الاقتصار على النباتات والبقول دون اللحوم والشحوم ويعتمد في المداواة على أصناف منوعة ولكنها لا تخرج عن حد الثمار من مثل التفاح والكمثرى والتوت الإفرنجي والبلح والخوخ وغيرها والدقيق والحمص والعدس والخس والبطاطس والسمن واللبن والجبن والبيض والعسل وهذا المستشفى بناءٌ عظيم عبارة عن عدة قاعات فسيحة ومكان خاص بلعب الكرة تحيط به حديقة غناء يتنزه المرضى فيها سحابة النهار وزلفاً من الليل إذا كان الهواء موافقاً. وإذا لم يحب المريض أن يتعرض للهواء كل التعرض يأوي إلى الرواق حيث يجد الريح بليلةً بما يحيط به من الخضرة. ومن خصائص المداواة بالهواء أن يعمد المرضى بحسب طبيعة المرض إلى الاستظلال بشجرة يختارونها من كمثرى أو تفاحة أو غيرهما مما يلائم حالة المرض. قالت المجلة التي ننقل عنها ولم يمت في هذا المستشفى إلى اليوم سوى مريضين أحدهما طفل دخله وهو مدنف وثانيهما شيخ مسن جداً. ورق الأريقي الأريقي نبات ويسمى بالفرنسية لابرويير وقد صنع منه في ألمانيا ورق يرجى أن ينافس الورق المعمول من الخشب عما قريب والأريقي ينبت بكثرة في إقليم لونبورغ من بلاد ألمانيا وسوف يحل الورق الجديد محل القديم وسيستعمل أيضاً في صنع الألبسة والأحذية الصحية والصدر الشتوية التي يستعاض بها عن الأنسجة الصوفية. اكتشاف زحاف اكتشفت على عمق عشرين متراً في أرض صلصالية من معمل للقرميد بجوار بتربورغ من أعمال إنكلترا اكتشاف يهم المشتغلين بعلم مطمورات الأرض من النبات وغيره (باليونتولوجيا) وهو عبارة عن بقايا أعظم الزحافات المدفونة حتى الآن واستدل من هيكل عظامها على أنه لا يقل طول هذه الزحافة عن خمسة أمتار وجسمها أشبه بالتمساح ولكن له ذنب طوله متر أو يزيد. والمظنون أنه لم يكن لهذا الحيوان أرجل وأنه كان له أعضاءٌ تشبهها ولو لم تكن تلك الزحافة بلا رأس لعرفت في الحال حقيقتها والعلماء يبحثون للوصول إليها. مقالات المجلات طول البقاء بحث الأستاذ رومبرغ في المجلة الألمانية عما ينبغي للإنسان أن يقوم به حتى يطول عمره فقال أن النوم أحسن الوسائط لتسكين الأعصاب فقد كان العالم فيرشو الألماني يشتغل إلى الساعة الثالثة أو الرابعة بعد منتصف الليل وفي الساعة التاسعة يبدأ دروسه فلا ينام إلا غراراً ولكن هذا لا يقاس عليه لأنه من الشذوذ. قال أن موت الأولاد في الطفولة والأمراض المعدية والسل هي من الأسباب الرئيسة في قلة السكان وضعف نسل الإنسان وإن الإرادة أجدى الطرق في إطالة حبل الحياة. الشرقيات وكيتي نقلت المجلة الفرنسية عن مجلة لاكونتا مبوراري رفيو الإنكليزية خلاصة مبحث مهم لكاتبه يوسف علي نقد فيه حياة كيتي ووصف اشتغاله بلغات الشرق وعلومه فقال أن هذا الشاعر الألماني الكبير لم يكتف بالتوفر على دراسة الآداب الشرقية دراسة المولع بالموسيقى مثلاً بل درسها درس متبحر فدقق في تاريخ الشرق وأساطيره وأخلاقه وتقاليده على ما يفهم من الشروح التي علقها على ديوانه وكان منذ صباه مغرماً بقراءة أسفار أنبياء إسرائيل ثم أولع بتلاوة ديوان حافظ والقرآن تلاوة مستفيد لا تلاوة متفكه. المرأة في الأجيال القديمة نشرت المجلة الآسيوية بحثاً للمسيو رفيلو ابتدأه بقوله ينبغي أن يقسم تاريخ الإنسانية إلى دورين أحدهما قامت فيه الأخلاق بتأليف الشرائع وثانيهما غيرت فيه الشرائع الأخلاق ومثل للدور الثاني بشريعة حمورابي في بلاد الكلدان وبرعمسيس الثاني وبوخوريس وأماسيس في مصر وبيلكورك وصولون في يونان وبالمشرعين العشرة في الرومان. فبين المؤلف حال المرأة في زواجها وإرثها وحقوقها على عهد كل مشرع من هؤلاء المشرعين المدنيين كل ذلك بالاستناد إلى نصوص مقبولة وألفاظ من لغات أولئك الأقوام بنى عليها حكمه واستنتاجه. ترويض الجسم بالتنفس المقتطف - إذا أراد الإنسان أن يتمرن على التنفس بالحجاب الحاجز (الصدر مسيج بالأضلاع ومسدود من أسفله بعضلة مصفحة هي الحجاب الحاجز وهو على شكل قبة) فليضطجع على الأرض وليحرك بطنه ما استطاع عند التنفس وليمنع صدره عن الحركة ما استطاع بضغط أضلاعه بيديه وبعد أن يتمرن على ذلك مدة ليضع على بطنه كيساً من الرمل لا يزيد ثقله على أربعة أرطال مصرية وليعد التجربة. والتمرن على التنفس بأسفل الصدر يكون والإنسان واقف أو مضطجع أو جالس على كرسي ووجهه نحو ظهر الكرسي فإذا كان واقفاً أو مضطجعاً فليضع يديه على أضلاعه السفلى بحيث تتماس أطراف الأصابع وليتنفس طويلاً وليمنع بطنه وترقوتيه من الحركة ما أمكن. والتنفس بأعلى الصدر يكون بإطالة النفس وإجهاد الأضلاع العليا وإبقاء البطن ساكناً على قدر الإمكان مع عقد اليدين على الرأس. ويمكن التنفس برئة واحدة فإذا أردت التنفس بالرئة اليمنى مثلاً فارفع اليد اليمنى فوق رأسك وضع اليد اليسرى في إبطها وانحن عليها ثم تنفس وافعل عكس ذلك إذا أردت التنفس بالرئة اليسرى فقط. ومن الطرق التي أوصى بها الدكتور هري كمبل لتمرين الجسم بالتنفس قوله ( ١ ) قف منتصباً وتنفس تنفساً طويلاً عميقاً ثم اخرج النفس ببطءٍ وسهولة وحاول ما استطعت أن لا تحرك بطنك ( ٢ ) اخرج النفس من صدرك وأنت تنحني إلى الأمام ثم تنفس تنفساً بطيئاً ( ٣ ) تنفس تنفساً طويلاً ثم اخرج النفس وأنت تنحني إلى الأمام ( ٤ ) قف مفرشخاً وخذ نفساً طويلاً حرك به بطنك ما استطعت من غير أن تحرك صدرك ثم اتبع ذلك بزفير سهل بطيءٍ ( ٥ ) اجلس على الأرض وضع يديك في حضنك وانحن إلى الأمام ما وسعك ذلك وخذ نفساً عميقاً من بطنك وفمك مطبق ثم ارفع رأسك رويداً رويداً وضع يديك فوق رأسك وخذ نفساً عميقاً من صدرك ولا تتجاوز مدة ذلك كله ست ثوان ثم اخرج نفسك متنهداً في ثانية واحدة. وينبغي أن يكون الهواء نقياً والجسم مجرداً من كل ما يعوق سير الدورة الدموية مثل القبات الضيقة والزنانير والمشدات وسار الأربطة وأن يكون الفم مطبقاً فيمر الهواء في الأنف منقى من الغبار مسخناً. أغلاط المولدين الضياء - فيه بحث مطول جليل في أن المجمع على صحته من اللغة هو كلام أهل الجاهلية ومن تلاهم من المخضرين ممن نشأ قبل عهد الإسلام وهو الذي جمعه أصحاب المعجمات العربية من القرآن والشعر وأثبتوه في مصاحفهم ويلحق به ما تلقوه عمن بقي لعهدهم من العرب الخلص أي الذين لم يختلطوا بالأعجام وهم أهل البادية وأما ما سوى ذلك من كلام المولدين وهم أهل الأمصار فالمقبول منه ما كان قائله من علماء العربية فإذا أتى باللفظة المحدثة جاء بها على أسلوب العرب وطريقتها. وبعد أن أورد ما وقع لبعض المولدين من أصحاب المعاجم والدواوين والأدباء من الأغلاط في الشعر غالباً مما لا يكاد يخلو منه ديوان من دواوين المولدين ليوجب بذلك التثبت عند النقل عنهم قال أنهم لم يكونوا أبعد من أهل هذا العصر عن الخطأ واللحن وإن تقدم زمانهم قال ومما ذكرنا في هذا الفصل تعلم مرادنا بما طالما حثثنا عليه من التزام طريقة العرب في الوضع والقصد من ذلك إنما هو الحرص على وحدة أسلوب اللغة وتواطؤ قديمها وحديثها على وجوه من الوضع لا تنافر بينها ولا تباين وهذا إنما يكون بمتابعة سنة الواضع في صوغ القوالب اللفظية وتفريع بعض المعاني من بعض بحيث تتوفر المجانسة بينها ويتهيأ رد كل فرع إلى أصله وهو ما يشف عنه صنيع الواضعين الأولين فيما نقل إلينا من ألفاظهم إلا ما شذ من ذلك. تأديب الأحداث المشرق - نشر الوصية المعزوة إلى أفلاطون وهي مترجمة بقلم إسحاق بن حنين الناقل المشهور على عهد الخلفاء العباسيين جاء فيها: أيها الأخوة المحبون للعلم اسمعوا واحفظوا وصاتي فإني كأحدكم كنت لما أحببت العلم فإني كاتب لكم مقالة سهلة أبين لكم المدخل إلى العلم بكل صناعة نظيفة التي يتنعم بها ويلذها كل محب متعلم فأول ذلك أن تكونوا طاهرين لا عيب فيكم قبل أن تشرعوا في هذا العلم فإنه لا يجب أن تتقرب الأشياء الطاهرة إلى الأشياء الدنسة ولا الأشياء الدنسة إلى الأشياء الطاهرة ولا تعلموا الذين ليسوا طاهرين بل الذين هم أطهار أبرار طهارة حسنة ولا يقرب ذو العيب الدنس من المبرئ من الدنس وليعلم أنه لا يستطيع مكيال من ماءٍ عذب صاف لطيف يقاوم جب حمأة منتنة ولا تقوى العين الرمدة على خرق شعاع الشمس. لا يكون أدب النفس في بدن قد استجنَّ فيه الجهل والشره لأقبح أقبح بالعاقل من أن يوسم نفسه عند الناس بالعقل ويأمرهم به وهو خلو منه صفر الأدب مرتكب للمآثم. قال وينبغي للأحداث أن يأخذوا طرفاً من الأسباب التي يحتاج إليها في تدبير الحروب وترتيب الصفوف وتعلم المثاقفة والرمي والمصارعة والطلب والهرب من غير استهانة ولا إنهاك فيه وليتعودوا ركوب الخيل وجريها والعمل بالسلاح. وينبغي أن ينظروا في الموسيقى فإنه من التعاليم الأربعة (وهي التصوير ونحت التماثيل والموسيقى والرقص) حتى يقفوا على المناسبات وتأليف اللحون وأصناف ما ينسب إليها من العود والمعرفة بسائر آلات الموسيقى وأفضلها الأرغن التي عليها ثمانون وتراً مهيأة على الطبائع الأربع.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_8.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.8.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
