<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.75.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.75.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٧٥ بتاريخ: ١ - ٥ - ١٩١٢ تاريخ الحضارة مملكة الإفرنج الممالك البربرية تأسيس الحكم الإمبراطوري - لم يشأ ملوك البربر النازلين في الإمبراطورية الرومانية أن يأتوا عَلَى المعاهد الإمبراطورية فيبيدوها بل آثروا أن يخلفوا الأباطرة ويسنوا الشرائع ويصدروا الأحكام ويجبوا الضرائب وعلى الجملة أن يحكموا كما حكم الإمبراطور. هكذا كان شأن ملوك البورغوند والويزغوت والواندال في القرن الخامس لكن ملك الأوسترغوت في إيطاليا تيودوريك قد بلغ في احتذاء ذاك الماثل أرقى درجاته في القرن السادس فكزان له في فارون قصر بني عَلَى مثال قصر الإمبراطور مع وزيره وصاحب حاشيته ووكيل خرجه وأمناء ماله وكان له ولاة ومحافظون يجبون الضرائب أما الغوت فظلوا محاربين ومنهم يتألف الجيش تحت أوامر الدوقات والكونتية منهم. وفي ظل هذا الحكم كان الإيطاليون يعيشون بسلام كما كانوا عَلَى عهد الإمبراطورية فانشئوا يصلحون المجاري والحمامات ودور التمثيل بل شادوا أيضاً مصانع جيدة مثل قصر فارون ومسلة رافن وبدأ التمثيل يعود إلى ما كان عليه وتفتح مدارس البيان لقبول الطلاب وعلى ذلك العهد نبغ بويس آخر شعراء اللاتين القدماء ( ٤٧٠ - ٥٢٤ ) بيد أن الغوت لم يخضعوا زمناً طويلاً لهذا النظام فبعد موت تيودوريك كانت الملكة أمالازونت تربي أبنائها عَلَى يد أساتذة رومانيين فجاء رؤساء الجند يطلبون أن يربوا والطفل مع أترابه عَلَى الصيد وحمل السلاح عَلَى نحو ما تقتضي به العادة البربرية. حكومة الميروفنجيين - كان ملوك الإفرنج في غاليا أكثر توحشاً من تيودوريك وحاولوا مع ذلك أن يحكموا البلاد عَلَى الطريقة الرومانية فمنح إمبراطور القسطنطينية لكلوفيس لقب قنصل وبطريق فظهر في مدينة تور لابساً رداء من الأرجوان وعلى رأسه التاج واقتسم أخلافه المملكة بينهم كما يقسم الملك ولكن كان لكل منهم قصره في البقة التي كان يحكم فيها كلوفيس فيجلس عَلَى عرض من ذهب يحف به رجال الدولة بألقابهم الرومانية من قومس (كونت) إلى صاحب الخاتم إلى الحاجب وكان لبعضهم شعراء في قصورهم مثل الشاعر فنانتيوس فورتوناتوس الذي جاء من إيطاليا ونظم إكراماً لزواج برونهوت أبياتاً مختلة مصنعة أظهر فيها كوبيدون (إله الحب) فرحاً بالزواج والزهرة (آلهة الجمال) لتذكر أن برونهوت جميل مثلها وكان الملك شيلبريك نفسه ينظم أبياتاً باللاتينية غاية في السقم والركاكة واخترع حروفاً جديدة مثل وكان يأمر الكونتية أن يمحوا بالنشاف (الخفان) رقوق كتب التعليم في المدارس العامة ليعيدوا كتابتها بحروفه الجديدة ويعنى بعلوم الدين أيضاً ودعي أن العزة الإلهية يجب أن يطلق عليها اسم واحد وقد قال لأحد الأساقفة هكذا أريدك أن تعتقد أنت وأخوانك من علماء الكنيسة. ولما أتاه من أرسلهم إلى القسطنطينية بالأقمشة والزين وأيقونات الذهب عرض ما أتوا به في قصره وعرض في الوقت نفسه حوضاً عميقاً من الذهب الذي كان أمر بصنعه فكان يريه للناظرين بإعجاب قائلاً أن الذي استصنعته للزينة ولا رفع من لأن قدر أمة الإفرنج ولعمري كم استصنع إذا عشت من الأعلاق والتحف. تخاذل الميرونجيين لم يستطع هؤلاء المقلدون في المدنية الحديثة أن يطول عهدهم فإن الإفرنج كالغوت بلغوا من التوحش مبلغاً ولم يقبلوا معه عَلَى النظام الملكي فكان المحاربون يحترمون ملوكهم لأنهم كانوا من العنصر الميروفنيجي ولكن خضوع مؤقت وكان المقاتلة أكثرهم عرامة يعيشون بالقرب من الملك وفي موكبه ويسميهم الملك رجاله وكثيراً ما يكون هؤلاء أكثر سلطة من الملك. وفي سنة ٥٣٤ بينا كان الملك شيلدبر وكولتيبر ذاهبين لتخريب بلاد البورغوند وأراد تيري أن يبقى في مملكته جاءه رجاله يقولون لهذا لم تذهب إلى بورغونديا مع أخوانك نتخلى عنكم ونلحق بهم. يريدون تيري أن يقودهم لتخريب أوفرنيا. وبعد حين قال أحد المقاتلين لملك كونتران: نحن نعلم أين خبئت تلك الفأس الندبة بدم أخوانك فإنا نستطيع بها أن نقطع رأسك وقد أخذ كونتران الفزع فقال ذات يوم في الكنيسة أمام جمهور المؤمنين: أقسم عليكم أيها الرجال والنساء الحاضرون هنا ألا تقتلوني كما قتلت أخواني من قبل. وكان هؤلاء المقاتلين الذين لا تدريب لهم يرضون بأن يحلقون بملوكهم في الحروب. لأنهم كانوا يرجون في الحرب أن يعودوا وأيديهم ملأى بالأسرى والغنائم عَلَى أنهم كانوا لا يودون أداء الضرائب وحاول بعض الملوك أن ينفذوا القانون الروماني الذين كانوا يرونه نافعاً في جباية المال وقد عهد تيودير ملك الإفرنج في أوسترازيا إلى وزيره بارتينوس أن ينظم أمور الجباية فلما قضى نحبه انتقض الإفرنج وذبحوا بارتينوس في كنيسة تربف ( ٥٤٧ ) وبعد ثلاثين سنة أمر شيلبريك بتنظيم قوائم بالأملاك وأن تضرب ضريبة عَلَى الأراضي والعبيد وخربت مملكة شيبلريك في السنين التالية بما أصابها من الطوفان والحريق والأوبئة وأوشك الملك أن يهلك بعد أن فقد ابنيه وكان القوم يذهبون إلى أن الله عاقب شيلبريك عَلَى الجناية التي ارتكبها بوضع الضرائب عَلَى الناس. ولما رأت الملكة فريدغوند أولادها قد مرضوا ألقت إلى النار سجلات ضرائب المدن التي كانت خاصة بها وإذ تردد زوجها أن يلقي سجلاته قالت له: وماذا يمنعك أن تحذي حذوي فاعمل عملي حتى إذا فقدنا أولادنا الأعزة نخلص عَلَى الأقل من العقوبات الأبدية ( ٥٨٠ ). وفي سنة ١٦١٤ اجتمع الأساقفة ورجال الملك واكرهوا الملك كولتير أن ينشر أمراً بإلغاء الضرائب. الحقوق الرومانية وملوك البربر - كان ملك الإفرنج في القرن السابع ملكاً عَلَى جميع جرمانيا ولم يكن سكان هذه المملكة الواسعة أمة واحدة متحدرة أجزاؤها بل كان لكل شعب لغته وعاداته ولم يكن في البلاد قانون واحد يخضع له الجميع عَلَى السواء وكان لكل إنسان قانونه الشخصي خلال زهاء ثلاثة قرون (من القرن السادس إلى التاسع) وقد احتفظ قدماء سكان الإمبراطورية بالقانون الروماني أما البربر فكان كل واحد منهم يتبع عادات شعبه القديمة. وقد كتبت هذه العادات باللغة اللاتينية في عصور مختلفة فسميت قوانين البربر فنشأ بذلك قانون الإفرنج (وهو يمنع النساء وأولادهن من كرسي الملك) وقانون ريبوير وقانون الأمان وقانون ألفريزون وقانون البافاريين وبالجملة كانت القوانين بقدر عدد الشعوب. وهذه العادات التي جعلت فيها المواد كيفما اتفق تحتوي عَلَى بعض الفصول في حقوق التملك والمواريث ولكن معظمها نظام فما يجب عمله في السرقات وحوادث القتل. وكان البربريون يرون أن الخصومات بين أفراد ليست سوى جرائم ليس من شأن الحكومة التدخل بها فإذا وقعت جناية قتل فمن شأن القتيل أو أسرته أن ينتقموا من القاتل أو من ذوي قرباه فكل شدة تؤدي إلى انتقام اضطراري بين الأسرات تشبه الانتقام المألوف إلى اليوم في جزيرة الكورس. ولقد كانت المحكمة لإبطال هذه الفظائع تكره المجرم أن يدفع غرامة إلى آل القتيل ليكفوا عن أخذ الثأر. وفي قوانين البربر تحديد دقيق لقيمة هذه الغرامات فلكل امرئٍ قيمة بحسب حاله فإذا هلك فالقاتل يؤدي قيمته برمتها وإذا جرح يدفع القاتل جزءاً من قيمته عَلَى نسبة شدة الجرح وإذا ضرب رجل رجلاً في رأسه وشجه يدفع ١٥ سولاً من ذهب (السول خمسة فرنكات) وإذا ضربه برأسه واخرج منه ثلاث عظام يغرم بثلاثين سولاً وإذا ضربه بأم رأسه فظهر مخه يغرم بخمسة وأربعين سولاً. وإذا قطع رجله أو يده أو جدع أنفه يغرم بمئة سول وإذا بقيت اليد المقطوعة معلقة يغرم بخمسة وأربعين سولاً وإذا قطع له إبهام يده أو رجله يغرم بخمسة وثلاثين وفي الإصبع الثالثة يغرم بخمسة عشر سولاً وعن الخامسة يغرم بخمسة سولات وعن الخنصر يغرم بخمسة عشر سولاً. وكانوا يحكمون عَلَى كل فرد في المحاكم بقانون شعبه قال أسقف في ليون في القرن التاسع ليس من النادر أن يجلس خمسة أشخاص معاً ويكون لكل منهم قانونه الخاص. مملكة شارلمان الكارولنجيون - لم يوفق ملوك الإفرنج أن يخضعوا رعاياهم البربر إخضاع الطاعة وعلى العكس فإنهم منحوهم عَلَى التدريج جميع الملاك في الإمبراطورية ليكون مقاتلتهم عَلَى مقربة منهم فغدا المحاربون أرباب أملاك عظمى وسكنوا في أراضيهم بين عبيدهم وخلعوا ربقة الطاعة فأمسى الملك الميروفينجي شخصاً خاملاً منعزلاً. وقد نشأت في شرقي المملكة من أنحاء أردين أسرة من كبار أرباب الأملاك لها بعض احترام من قومها يؤهلها إلى خضوع مقاتلة بلادها لأمرها ودعا رئيس هذا البيت نفسه بدوق الإفرنج ولما كان هؤلاء الإفرنج في الشرق أكثر مضاء ونظاماً استباحوا كحمى إفرنج الغرب وغدى ملكهم مدير القصر لدى ملك الميروفنجيين وأصبح السيد الحقيقي في المملكة عامة وبعد نصف قرن أراد أحد الدوقات وهو ببين لبريف أن يلقب نفسه ملكاً فسئل البابا زاخري رأيه فأجاب بأن من حصلت له السلطة الملوكية يجب أن يكوم ( ٧٥٢ ) وعلى ذلك نودي ببين ملكاً عَلَى الإفرنج وجاء القديس بونيفاس يمسحه هو وامرأته بالزيت المقدس فأصبحت الأسرة الكارولنجية من ثم أسرة ملوكية يحترمها الشعب وتقدسها الكنيسة. شارلمان - كان شارلمان بن ببين اقدر ملوك البربر عَلَى الإطلاق فقد اخضع في جنده جم يع شعوب ألمانيا وتقدم إلى الشرق نحو الألب وإلى الغرب نحو الإيبر ومملكته عبارة عن فرنسا وألمانيا وإيطاليا الشمالية وقلق الباباوات في إيطاليا عَلَى ذاك العهد وحاذروا من اللومبادريين وملوك البيزنطيين حتى أنهم لم يكونوا في رومية من القوة بحيث يحترمهم الناس عَلَى الدوام. وكاد البابا ليون الثالث ذات يوم أن يذبح في إحدى الفتن وضرب ودبس بالأرجل واضطر إلى الفرار واستنجد الباباوات غير ما مرة بملك الإفرنج (ببين وابنه شارلمان) وكانوا يحتاجون إلى حزام قادر يحميهم فظهر من شارلمان أنه كفؤٌ ااذب عن حماهم ومنابذة من عاداهم. انتخب البابا ليون الثالث الجديد سنة ٧٩٥ فبعث إلى شارلمان بمفاتيح قبر القديس بطرس المقدس وعلم مدينة رومية طالباً إليه أن يبعث بأحد ليأخذ باسمه بيعة الشعب الروماني فأجاب شارلمان إنني راغب أن أعقد معكم محالفة لا ينقض إبرامها يكون سداها الإخلاص ولحمتها الحب حتى أنال البركة الرسولية من قداستكم ويكون لكرسي الكنيسة الرومانية المقدسة من إخلاصي مدافع عَلَى الدهر. وجاء شارلمان إلى رومية سنة ٨٠٠ فتوجه البابا ونادى به إمبراطوراً وعلى رواية اجنهارد صديق شارلمان أن هذا لم يتعمد هذه الحفلة بل ترك البابا يفعل ما يريد قال ولو شعر بما يراد عمله لما دخل الكنيسة ومع هذا رضي بأن يلقب بإمبراطور الرومانيين وأغسطس وما عدا أحوالاً نادرة لم يرض أن يتخذ بديلاً عن اللباس الإمبراطوري واحتفظ بلباسه الإفرنجي وهو سروال من الكتان مشدود بعصيبات وقميص من الصوف يناط به زنار ثم رداء واسع. وهذا التتويج لم يزد في سلطة شارلمان ولم يكن حادثاً خطيراً وغاية ما في الأمر أن أصبح في الغرب بعد ذاك الحين إمبراطوراً يعترف البابا والأساقفة بأنه ملكهم وإنه حامي الكنيسة. وأصبحت هناك سلطتان رسميتان البابا والإمبراطور يحكمون الشعب ورجال الدين حكماً مشتركاً. حكومة الكونتية - لم يحاول شارلمان العمل بقانون الإمبراطورية الرومانية بل ترك أرباب الأملاك معفون من الضرائب غذ رأى من ريع أملاكه الخاصة ما يكفي للإنفاق عَلَى قصره والجيش لا يكلفه شيئاً فليس عليه من ثم إلا أن ينشر الأمن ويقيم ميزان العدل إذا احتيج إليهم فكان الكونتية هم الذين يتولون هذه الوظائف ولكل مدينة (مثل تور انجر شارتر) كونت واحد وهو في العادة أعظم أرباب الأملاك في ذلك الصقع فكان هذا الكونت يحكم باسم ملك في مكورته وحكمه نافذ عَلَى من تحت يده فيدعو المحاربين للحملات ويطارد الأشقياء وكان كثيراً عددهم يومئذ ويجمع كل سنة عدة مجالس للحكم في الخلاء يحضرها أرباب الأملاك في تلك الكورة مدججين بأسلحتهم وكانت الكونتية في حاجة إلى من يراقب حركاتهم إذ كانوا من السطوة والاستقلال في بلادهم حتى أن بعضهم دعوا أنفسهم كونتية بنعمة من الله ولذا كانوا كثيراً ما يستعملون سلطانهم لاضطهاد السكان. قال الكابيتوليرلميون نريد أن لا يكره الكونتية الرجال الأحرار أن يجزوا لهم عشب مروجهم أو يحصدوا لهم حصادهم وأن لا يأخذوا بالقوة والاحتيال أملاك الفقراء. فكان المرسلون من قبل الملك يطوفون كل سنة البلاد ليراقبوا أعمال الكونتية فيجمعون السكان في كل بلد ويسألونهم عما يشتكون منه ثم يحملون الكونت عَلَى إنصافهم مهددين إياه بغضب الملك عليه ولما سقط اعتبار الملك لم يستطع إنقاذ مرسليه غدا كل كونت ملكاً صغيراً وتألفت من كل كونتية مملكة صغيرة. رجال الدين في الحكومة - أصبح الأساقفة ورؤساء الأديار منذ ذاك العهد من علية القوم وأرباب الأملاك الواسعة فيهم. ودخلوا عَلَى عهد شارلمان في الحكومة فكانت تعقد جلسة سنوية في قصر الملك للنظر في المسائل فيتشاور الأساقفة ورؤساء الأديان مع الكونتية ورجال الجيش وإذا كانت هذه الفئات منورة أكثر من غيرها فهي التي كانت تسن القوانين وتدونها. وكان لكل مدينة كونتها وأسقفها فجعل شارلمان كالأسقف مساوياً للكونت وأمرهما أن يحكما معاً قائلاً إننا نريد أن يعين الأساقفة الكونتية ويساعد الكونتية الأساقفة ليتمكن كل من الفريقين أن يقوم بعمله حق القيام. فكان عَلَى الأسقف أن يحرم اللصوص والعصاة وعلى الكونت أن يكوه بالقوة من كانوا يعصون الأسقف ومكافأة للسلطة التي منحها الإمبراطور لرجال الدين أصبح هو نفسه زعيم الكنيسة أو أسقف الأساقفة فكتب إلى البابا: إن من شأني أن أدافع عن كنيسة المسيح المقدسة في الخارج من سطوات الكافرين وأن أعززها في الداخل بتعريفي للإيمان الحقيقي، فالإمبراطور هو الذي يعين الأساقفة ورؤساء الأديار وهو الذي يرأس المجامع المقدسة. ولم يكن ملوك الإفرنج من ثقوب الذهن بحيث يميزون بين السلطة الزمنية والسلطة الروحية بل كانوا يمزجونهما ويجعلون زمامهما في يد واحدة. وهذا المزج في السلطة هو العلامة الفارقة في الحكومة الكارولنجية. فأنتجت نزاعاً دام عدة قرون بين الإمبراطور زعيم الدولة والبابا زعيم الكنيسة. ولم تدم معاونة الأساقفة للكونتية أيضاً فقد كتب شارلمان سنة ٨٨١ في مرسوم صدر عنه: إننا نريد أن نخلوا بأساقفتنا وكونتيتنا ونكلمهم خاصة ونبحث عن السبب الذي من أجله لا يحبون أن يعين بعضهم بعضاً وعندها تجري المناقشة فتقرر الخطة التي يجب عَلَى الأسقف أن يخطتها لنفسه في المسائل الدنيوية والخطة التي يسير عليها الكونت أو غيره من رجال الدنيا في المسائل الكنيسية وكان هذا هو الحد الفاصل بين سلطة رجال الدين والحكومة التي يبحث عنها شارلمان ولكن هذا الحد لم يوافق هو ولا أحد من أباطرة القرون الوسطى إلى الظفر به. الجيش - عرف شارلمان أنه زعيم المقاتلين فقد قام بحياته بثلاث وستين حملة ولذلك قضت الحال أن يكون الشعب جيشاً ليكفي تلك الحروب التي لا تفتا ناشبة. كان جميع أرباب الأملاك من المحاربين الغزاة بحسب عادة الشعوب الجرمانية فإذا أراد الملك أن يجمل حملة يصدر أمره إليهم بالاجتماع في مكان يعينه فإذا بلغهم الأمر اليوم لا مناص لهم من الوقوف عَلَى قدم الاستعداد غداً أما الخوالف منهم فيغرمون غرامة شديدة وعلى الأساقفة ورؤساء الديار من الخاصة أن يجيبوا الدعوة كما يجيبها العامة وإليك كتاباً للدعوة للاجتماع ورد عَلَى رئيس الدير فولا: نأمركم أن تحضروا في اجتماع ٢٠ حزيران في رجالكم المسلحين المستعدين عَلَى ما يجب فتذهبون إلى المكان المعين وانتم عَلَى الاستعداد عَلَى جانب يتيسر لكم معه أن تحاربوا في كل مكان نأمركم به ونعني بذلك أن تكونوا مسلحين تامة أدواتكم وذخائركم فيكون لكل فارس ترس ورمح ونصف سيف وسهم وجعبة مملوءة وتحمل مركباتكم أدوات مختلفة من الأجناس مثل الفؤوس والمبراة والمثاقب والمحافر والمعاول والمساحي وغير ذلك من الأدوات التي يحتاج إليها في الجيش وتحملون مئونتكم عن ثلاثة أشهر وألبسة عن سنة. فكان يقضي عَلَى الغزاة أن يتجهزوا ويتسلحوا عَلَى نفقتهم ومن قل ماله يأتون رجالة وسلالهم ترس طويل ولكن كل من كان لهم مال يحاربون فرساناً راكبين ومدججين بشكة حديد. وهذه الشكة غير مستحدثة بل استعملها الفرسان البارتيون وكانت أجسام الفرسان الذين يقاتلون في الجيش الروماني في القرن السادس مسلحة عَلَى تلك الصورة ولما أطلقت للمحاربين حريتهم أن يتجهزوا كما يشاءون آثروا من الجهاز ما يقيهم الخطر أكثر من غيره وهكذا لم يبق مشاة في الجيوش في أواخر القرن التاسع لم يبق في أوربا الغربية من المقاتلة إلا الفرسان اللابسون للحديد وهؤلاء هم فرسان القرون الوسطى. دستور الحكومة - إن المراسيم الصادرة عن شارلمان هي مجموع ما كتبته حكومته وهي عبارة عن مناشير وتقارير وكتب ولوائح بسيطة ولم يكن معظم هذه المناشير إلا ابن ساعته صدرت في غرض خاص ولكن من القوانين ما يجب تطبيقه في المملكة كلها وقد حفظ بعضها ودخل في مصطلحات الشعوب في القرون الوسطى. الآداب والمدارس - كان شارلمان يجب الآداب حباً ساذجاً ما يحب غير المتعلمين أن يروا أحياناً السطور المكتوبة يحبها لأنها تتراءى له أنها غير منفصلة عن الدين المسيحي واليك ما كتبه سنة ٧٨٧ إلى جميع أساقفة مملكته ورؤساء أدياره: أحسنوا استعمال ذكائكم بعد مشاورة المخلصين لنا فقد رأينا أن الأسقفيات والأديار في حكومتنا يجب عليها زيادة عَلَى الحياة المنظمة والقيام بالدين لمقدس أن تبذل غيرتها فيدرس الآداب وأن تعلمها إلى من يقدر عَلَى تعلمها بعناية الله فإن من يريدون أن يرضوا الخالق بان يعيشوا عيشة راضية لا يتماهلون في سبيل مرضاته بأن يتكلموا أطيب الكلام. ولما كان قد كتب إلينا في السنين الأخيرة يعرفوننا أن الإخوان الذين يعيشون فيها يضاعفون صلواتهم لنا فقد لاحظنا في معظم هذه المكتوبات التي فيها شعور الحق كلاماً غثاً لا متانة فيه ولذلك بدأنا نتخوف من أن يقل العلم في أسلوب الكتابة وأن يفقد الذكاء فيكون أقل مما يجب في تفسير الكتب المقدسة ولذا نحرضكم أن تتنافسوا في الغيرة عَلَى التعلم لتستطيعوا أن تحسنوا فهم الكتب المقدسة عَلَى أيسر وجه تحيطوا بأسرارها إحاطةً راسخة وعليه فقد أمر بأن يكون لكل كنيسة كتدرائية أو دير مدرسة فيكون في صحنها صف يقوم رجال الكنيسة عَلَى تخريج الأولاد فيه وكثيراً ما كان يحضر شارلمان بنفسه في الدروس فيتعلم الأولاد القراءة والكتابة اللاتينية وترنيم الصلوات ومن هؤلاء الأولاد كان شارلمان يختار الأساقفة ورؤساء الأديار. ولقد كان شارلمان يحب الأدباء فجمع حوله عصابة بمجمع علمي مصغر ولقب الرجال الذين يؤلفون هذا المجمع باسم رجل عظيم من القدماء فاسم الكوين هوراس واسم أدالارد أوغسطينيون واسم أنغليبر هوميروس واسم تيودولف بينادر واسم شارلمان داود. فيقضون الوقت في تأليف أشعار لاتينية وفي القراءة والإنشاد وحل المعميات والأحاجي وإليك جملة مسرجة مما كتبه الكوين: ما هي الكتابة؟ _حافظة التاريخ - ما الكلام؟ _خيانة الفكر - من يولد الكلام - اللسان - ما هو اللسان؟ _المدقق الذي يضرب الهواء - ما هو الهواء؟ _حافظ الحياة - ما هي الحياة؟ _فرح السعداء وترح البائسين وتوقع الموت والأدبيات المأثورة عن هؤلاء الأدباء يرغبون فيها مع أنها صبيانية تشبه تمارين أبناء المدارس ولم يكن للبرابرة من الثقة بأنفسهم ما يجرؤون معها أن يكونوا مبتكرين هم أنفسهم بل كانوا يطمعون كل الطمع باحتذاء مثال القدماء ولذلك لم يوقفوا إلى إيجاد أدبيات ذات قيمة عَلَى أن العناية التي بذلها شارلمان ورجال الدين وأدباء عصره لم تكن عقيمة بأسرها فإنه منذ نحو قرنين لم يكن في غالية شيء يشبه الأدب وما قط دونوا كتباً بل ولا أخباراً وتكتب الكتابات بالرسمية التي لا يستغنى عنها (كالمواثيق والهبات والوصايا) باللغة اللاتينية البربرية وهي من سقم الخط بحيث يصعب حلها وبعد شارلمان أصبحت اللغة اللاتينية مضبوطة جداً والكتابة مقروءة للغاية تكاد تشبه الكتب المطبوعة. خراب مملكة شارلمان - لم طل عمر مملكة شارلمان فإن الإفرنج لم يستطيعوا أن يقلعوا عن عاداتهم في أن يروا الممالك كالأملاك تقسم بعد موت الملك بين أولاده عَلَى السواء بيد أن نفسه وزع بلاده بين أولاده الثلاثة. فعاش لويز وحده وورث الكل ورزق لويز هذا ثلاثة أولاد أيضاً فأراد مستشاروه من رجال الكنيسة أن يرث الملك بكر أولاده فقط لتبقى مملكة واحدة وعضد الغزاة الإفرنج أصغر الأولاد سناً ذلك غلب حزب الوحدة عَلَى أمره وتعددت الممالك بتعدد أولاد كل ملك فكان تقل وتكثر عَلَى تلك النسبة. أما لقب الإمبراطور فلم تتأتى تجزئته بل كان يطلق عَلَى ملك واحد ويكون عَلَى العادة من أضعفهم سلطة مثل ملك إيطاليا وبعد سنة ٩٢٤ لم يعد أحد يليق لهذا اللقب. فرأى مؤلفو ذاك العهد ولحزن آخذ منهم تلك المملكة العظمى تتفتت. وقد ألف فلوروس لشماس ليون مرثية بعقد عقد عهدة فردون قال فيها: بدلاً من ملك لنا عدة أفيال وبدلاً من ملكة لنا أجزاء من مملكة. وما من أحد إذ ذاك كان يظن أن تلك القطع تصبح أيضاً أمماً وإن ذلك لاختلاف أبرك من تلك الوحدة الرومانية. النظام الإقطاعي المجتمع الإقطاعي الطبقات الجديدة - اضمحلت في القرن العاشر القوانين الخاصة بالأمم البربرية المختلفة فقبل سكان جميع أوروبا تقريباً عادة واحدة وامتاز مذ ذلك الحين بعضهم عن الآخر لا برمتهم بل بغناهم وعملهم ولم يعد يجري ذكر للإفرنج (الإفرنك) ولا للرومان ولا للبورغونديين. بل أصبت الشهرة للفرسان والسادة والشمامسة والفلاحين قال أحد الأساقفة في القرن الحادي عشر أن بيت الله المثلث فمن أبناءه من يحارب ومنهم من يصلي وغيرهم من يعمل. وبهذا المجتمع الجديد ابتدأ نظام دام إلى أواخر القرن الخامس عشر. الفرسان - قضي عَلَى كل رجل حر منذ عهد شارلمان أن يكون جندياً وقد جاء بعض الإسبانيين ممن طردهم المسلمون يسكنون في إقليم لانك دوك فقال لويز لادبونير وقد منحهم أراضي يستثمرونها إنهم كسائر الرجال الأحرار يذهبون إلى الجيش. وكل من لا يريد أن يخدم الجندية أو لا يستطيع أن يجهز نفسه للحرب يفقد حريته. فلم يكن غير رجال السلاح يعدون من أهل المجتمع ومنذ القرن التاسع كان الجندي يحارب راكباً حصانه عَلَى الدوام (وأصبحت كلمة ميل اللاتينية ومعناها الجندي مرادفة لكلمة فارس) فيتقلد حساماً من الفولاذ ورمحاً طويلاً من خشب الدردار ويحمل للتوقي من الضرب مجناً طويلاً من الخشب والجلد ويلبس في الوغى قميصاً مغشى بحلق الحديد وفي أواخر القرن الحادي عشر استعيض عن هذا القميص بآخر من زرد الحديد يصل إلى الركبة ويغمر حتى الذقن والرأي محفوظ بخوذة من الفولاذ والأنف بمنخرين يتنفس بهما. وهذا الجهاز ثقيل متشعب يقتضي لاستخدامه عادة طويلة وخادم خاص ليحمل المجن ويضع الخوذة والدرع وهذا الخادم يسمى حامل المجن وباللاتينية حامل الأسلحة. في القرن الحادي عشر انتهت لحال بهؤلاء الرجال المسلحين أن يؤلفوا منهم طبقوا وراية فكان الأبناء في أسرة من الفرسان يصبحون فرساناً وبنات الفرسان لا يتزوجن إلا من فرسان ولا يحق لأحد أن يتسلح فارساً إلا إذ كان ابن فارس. وليست الفروسية صناعة بل منصب ورتبة ولم يكتف الفرسان عَلَى ذلك العهد أن يكونوا رجالاً أحراراً بل دعوا أنفسهم (الأشراف) ودخل في تلك الطبقة الممتازة الخدمة وحاملو المجان من بعد القرن السادس شر فأصبحت كلمتا فارس وبحامل المجن مرادفتين لكلمة شريف. السادة - كل رجل عظيم في هذا المجتمع العسكري بأسره يعد رجل حرب حتى الكونتية والدوقات والملوك فبين الفرسان إذاً كثير من كبار أرباب الأملاك وقد نالوا من الملك أملاكاً عظيمة عَلَى سبيل الهبة أو ورثوها من آبائهم وتكون هذه الأملاك عَلَى الأقل قرية برمتها وفي الأعم الأغلب أن تكون عدة قرى. ويدعى هؤلاء المالكون العظام بحسب البلاد فمعنى البارونات الرجال ومعنى سير أو سنيور السادة أو الأغنياء ويلقب نساؤهم بدام أي سيدة. وإذا كان أولئك السادة الأغنياء فهم في حل من أن يأخذوا في خدمتهم فرساناً آخرين ويذهبوا إلى الحرب في رأس جيش صغير واصطلحوا عَلَى اتخاذ علم لهم يجتمعون تحته فيضم من شلهم ولذلك سمو العلميين العطايا والإقطاعات - اعتاد المقاتلة البرابرة منذ عهد شارلمان أن يقسموا بالزعيم الذي يقوم بالإنفاق عليهم بالإخلاص له والاستماتة دونه فالمقاتل عندما يقسمك هذا اليمين والزعيم متى قبله يكون ارتباطهم طول الحياة فكان لزعيم يدعوا المقاتل أميني أو رجلي أو مقاطعي أو عبدي وهذا يسمي زعيمه سيدي فالمقاطع يصحب سيده إلى الحرب ويخدمه حتى عَلَى المائدة فكان خادمه ورفيقه في الحرب. والسيد يؤدي إليه لقاء خدمته ما يعوله ويعطيه أسلحة وألبسة وحصاناً وأحياناً يعطيه ملكاً. ولقد أصبحت العادة في الإفضال عَلَى المقاطعين بأراض يستثمرونها عامة في فرنسا أواخر القرن التاسع (وربما نشأ ذلك من كون رجال الحرب نادرين في البلاد الفرنسوية) فالأرض تعط لقاء أجرة إقطاعاً أو مستعمرة ثم أصبح في حكم العادة المطلقة أن طل مقاطع يتناول إقطاعاً وأنه لا سبيل إلى أن يملك المرء إقطاعاً إن لم يكن مقاطعاً لأحد أرباب الأملاك. وإذا مات الإقطاعي يحق لابنه أن يخلفه وهكذا يتولى الفرسان أباً عن جد شؤون إقطاعاتهم فيغدون مستقلين عن سادتهم إلا قليلاً ثم أن السادة أقسموا لساداةٍ أعلى منهم بأن أملاكهم نالوها منهم عَلَى سبيل الإقطاع فيقسم الدوقات والكونتية للملك الذي كان يمنحهم الحكم إقطاعاً. ويكاد يكون جميع السادات سادة ومقاطعين في آن واحد والأراضي إلا قليلاً كانت تعتبر إقطاعات ومن هنا نشأ نظامها. وهذا النظام الذي وضع في القرن العاشر قلما يشبه طرائد عهد شارلمان عَلَى أن الأسماء والاعتبارات بقيت بحالها فإن المقاطع يقسم أيضاً يميناً يرتبط بها مدى الحياة وهذا ما يدعونه العطية سموها لأنها تعل المقاطع رجل السيد وإليك الصورة الشائعة في هذا الباب: أيها السيد لقد أصبحت من رجالك صاحب الإقطاع الفلاني وأعدكم أن أرعى لكم حقكم وأدفع عنكم كيد كل من يحيا ويموت. ويعد المقاطع لسيده الإخلاص والمعاونة والمشورة ومعنى الإخلاص أن لا يضم مقاطعته ولا يقاتله ولا يعتدي عَلَى امرأته وأولاده. ومعنى المعاونة له أن يعونه سواء في المقاتلة دونه أو في إنزاله أحسن منزل وإعطاءه دراهم ومعنى المشورة أن يتقرب منه ينصحه ويعينه خصوصاً عَلَى الحكم والتصدر. انتهت هذه الواجبات بأن ضعفت وقلت حتى أن العطية لم تكن إلا اصطلاحات مألوفة ولما غلب جوفروي دانجو تيبو دي بلوا في القرن الحادي عشر اضطره لأن يتنازل له عن كونتية تورن عَلَى سبيل المقاطعة وأن يعطي لأسيره عطية. رجال الدين - كان ينظر إلى رجال الدين (أعضاء الكهنوت) وكانوا قادرين بغناهم أيضاً. وكانوا يعتقدون بإعطاء مال أو أرضاي للكنيسة كان من أكد الأسباب لمحو السيئات وإنقاذ الروح فكان زعيم الكنيسة المقدس والرهبان خدمة القديس يكافئون المعطي بتدخله في أمرهم مع الله. وقد عثر في عطية خصصت لإحدى الكنائس المخصصة للقديس إيتن ( ١١٤٥ ) ما نصه: أعطيت إلى ايتن الشهير العظيم جزءاً من ارثي في الأرض ليكون لي من صلواته وصلوات أتباعه العفو عن خطيئاتي والنجاة الأبدي وكانت صكوك الهبات تبدأ بالعبارات الآتية: علاجاً لروحي وأرواح أجدادي وأحياناً يزيدون لدفن جسدي ولذلك يهب الواهبون أموالهم ليدفنون فيها. فكان رجال الدين يأخذون قرى برمتها وهي عطايا السادات العظام وأحيانا قطع ارض أو ملكاً وهي عطايا الفرسان والفلاحين فالدير الذي يبدأ بأن يمنح ملكاً واحداً يملك مئات من القرى بعد والأساقفة ورؤساء الأديار وهم أصحاب تلك الأملاك العظيمة يصبحون سادة عظماء ليس بعد عظمتهم عظمة. العامة - أصبح جميع أرباب الملاك خلال حروب القرن التاسع مكرهون عَلَى الحضور إلى الجيش وكانوا إلا قليلا من حلقة الفرسان فالأرض كانت من ثم ملك الكنائس والسادات والفرسان وكلهم من أرباب كبار الأملاك لا يزرعون بأنفسهم وكانوا منقسمين إلى محلات كبرى تسمى المدن وفي العادة أن المدينة كان عبارة فيما ندعوه اليوم قرية والمحلة كانت بسعتها كالمديرية. وتكاد تكون جميع القرى الفرنسوية ريد عهدها إلى تاريخ تلك المحلة في القرون الوسطى فالفلاحون الذين سكنوا هذه المدن سموا باسمها فسموهم العامة فلم يكونوا مالكين للأرض بل كانوا يتوفرون عَلَى زرعها فقط فمنهم من كان من قدماء الرجال الأحرار الفقراء دخلوا في خدمة أرباب الملك كالمزارعين والمستعمرين ويسمون الأحرار والآخرون هم من نسل قدماء عبيد أرباب الأملاك ويدعون باسم العبيد الرومانيين وهؤلاء هم العبيد عَلَى أن العبد لم يكن كما كان العبد الروماني بل كان ساكناً في الأرض التي يتوفر عَلَى زراعتها وله أسرة وبيت وحقل فسيده لم يكن يستطيع أن يجليه عن قريته ببيعه إلى مكان بعيد ولا أن يأخذ امرأته وأولاده ولا أن يأخذ منه داره ولا الحقل إذا منحطا بدرجته عن العامي الحر. حالة العامة_كان في المحلة العظمى في القرون الوسطى نوعان مون الأراضي فبعضها (القسم الأعظم) ترك ليحرثونها ويحتفظن بغلاتها والآخر (في العادة أن تكون الأملاك قريبة من دار السيد) يبقى لصاحب الملك ويقضي عَلَى الفلاحين أن يحرثوها ويزرعوها ويحصدوها له وفي أيامنا ترى الزراع عندما يكونون غير مالكين هم عملة بالمياومة أو مزارعون وزراع القرون الوسطى أو مزارعون في أرضهم وعملة بالأجرة في أراضي المالك وهم بعضهم مع البعض من الأب إلى الابن إلى صاحب الملك لا يستطيع أن يأخذ أرضه التي يشغلونها ويتوارثونها كما يتوارث الملك ولكن لقاء ذلك يتحملون عدة أعمال وحقوق إقطاعية ( ١ ً) يعطون المالك أجرة الأرض وضرائب ومخصصات من الحنطة والعلف الأبيض والدجاج ويسمونها العادات لأنها مقررة بحكم العادة ويميز الفلاحون العادات الجميلة أي المخصصات الموضوعة من القديم عن العادات السيئة التي يضعا السيد بالقوة خلافا للعادة. ( ٢ ً) يجب عليهم أن يذهبوا إلى أرض السيد يزرعونها ويحصدونها ويسمدونها ويقصلونها ويجففونها ويقطعون الخشب ويأتون بالقش وهذه هي السخرة. ( ٣ ً) عليهم أن يحملوا حنطتهم لطحنها في طاحون السيد وأن ينقلوا الخبز إلى فرن السيد ويحملون العنب إلى معصرته ويجب عليهم أن يدافعوا عن هذه الخدم المقررة عليهم لها ما يتقضي من النفقات كما يحتم عليهم في السوق أن يستخدموا قياس السيد وميزانه ويدفعوا أجترتهما. ( ٤ ً) يتقاضون في قضاياهم إلى السيد وإذا ارتكبوا جنحة يدفعون للسيد غرامة يأخذها لنفسه وإذا ارتكبوا جناية يحكم السيد عليهم بالإعدام ويصادر جميع ما يملكون. والعدل أي حق جباية الغرامات هو دخل يتسرب إلى جيب السيد ويعد في جملة ما يملكه فيقول السيد: عدلي في المحلة الفلانية. فهو يبيعه ويعطيه إقطاعاً ويقسمه بين بنيه وليس من الأمور النادرة أن يملك فارس نصف أو ربع القضاء في قرية أو القضاء في بعض البيوت. وينصب السيد في أرضه رمزاً إلى حقه واللصوص الذين يصلبهم عليها دليل ناطق بحقه في هذا الشأن. وإذا تنازع سيدان في تولي أحكام العدل في قرية (كما يحدث أحياناً) يجيء رجال السيد المطالب ينزعون المصلوب ويأنون به إلى مشنقة سيدهم وإذا ربح القضية السيد الذي صلب المصلوب تعاد إليه جثة مصلوبه وإلا فيرجع إليه قميص مملوء تبناً بدله ويعيد الجثة أو صورتها. فالعامة خاضعون كل الخضوع لسيدهم ولا يحق لهم أن يجتمعوا لفض مصالحهم وإذا فعلوا يغرمهم بغرامات باهظة فهو قاضيهم الوحيد. قال أحد مشرعي القرن الثالث عشر: إنك يا هذا إذا أخذت شيئاً من عبدك زيادة عَلَى المخصص لك في القانون تأخذه وأنت عَلَى خطر كما يأخذه اللص وليس بينك وبين عامليك من قاضٍ إلا الله. ومع هذا فحال العامة كان أقل شدة مما كان عليه حال الفلاحين العبيد في القديم ولكنهم ليسوا بعد أحراراً حقيقة فالفرسان يحتقرونهم لأنهم يشتغلون في الأرض ولأنهم عزل من السلاح وأصبحت كلمة عامي عندهم مرادفة لكلمة نذل. الأخلاق الحروب - جرت عادة الفرسان أن يتقاتلوا عادةً لهم أصبحت قاعدة فيحق لكل رجل يحمل السلاح أن يخوض غمار الحرب لإهانة تلحق به أو لاعتداء عَلَى محلته فيبعث الفارس إلى خصمه قفازه أو بعض شعرات من خروفه دليلٌ عَلَى إعلان الحرب. ويدخل أتباع الخصمين وذوو قرباهما في الحرب شاؤا أم أبوا ينثالون عَلَى محلات العدو ويستاقون ماشيته ويحاصرون قصره ويحاولون القبض عليه لينفدي نفسه منهم. وتصبح الحرب من ثم لعباً وتجارة فاللعب ليس فيه خطر كبير عَلَى المسلحين من الرجال بالدروع. وإليك كيف وصف أوردريك فيتال حرب بريمول ( ١١١٩ ) بين ملك فرنسا وملك إنكلترا: سبقي ١٤٠ فارساً أسرى عند الغالب ولكني علمت أنه لم يقتقل من التسعمائة شخص الذين حاربوا سوى ثلاثة أشخاص فقط وذلك لأنهم كانوا مكتسين كلهم بالحديد من مفرقهم إلى قدمهم وكان خوف الله والأخوة في حمل السلاح تدعوهم إلى الاقتصاد في الطعان والتوقف في ضرب الأقران فيؤثر القرن أن يأسر صاحبه عَلَى أن يقتله. وكثيراً ما يرى الفرسان من الأوفق أن يطلبوا من الفلاحين والتجار الفدى فتنقلب الحرب إلى لصوصية. وكان في عامة البلاد سادة مثل توما دي مارل الذي كان يستوقف التجار عَلَى الطرق ويسلبهم أثقالهم ويسجنهم في قصره ويعذبهم ليكرههم عَلَى أن يفتدوا منه أنفسهم. وقد ظل حق الحرب مرعياً في جميع الولايات إلى القرن الخامس عشر فلم يرد الفرسان أن يتخلوا عنه فكانت الحرب شغلهم الشاغل طوال حياتهم. وإليك كيف قص فوك كونت دانجو سير خاله جو فروي: إن خالي صار فارساً في حياة أبيه وكانت حربه الأولى هي التي شهرها عَلَى جيرانه فقمام بقتالين أحدهما عَلَى كونت بواتو والآخر عَلَى كونت مين واسرهما كليهما وحاب أباه أيضاً ولما قضى أبوه صارت إليه كونتية آنجو فحارب كونت بلوا وأسرته في ألف من فرسانه واضطر أن يتخلى له عن تورين ثم حاب غليوم حاكم نورمنديا وحارب كونت بورج وكونت بواتو وفيكونت توار وكونت نانت وكونتية البريتونيين في رين وهوغ وكونت مين الذي خان عهده. ومن أجل هذتن الحروب وما بذله فيها من الشجاعة لقب بمارتل وحسنت خاتمته لأنه رجع عن الفروسية وعن زخارف هذه الدنيا قبل وفاته بليلة وترهب في دير القديس نقولا الذي بناه هو وأبوه تزهداً ووقفوا عليه الوقوف من الأملاك. الأبراج والقصور - كان السادة في عهد تلك الحروب في حاجة إلى تحصين بيوتهم وكانت التحصين في القرن العاشر مشعثاً جداً وهو عبارة عن حفرة عميقة يحميها من الخارج منحدر عليه عرائس وأشجار وفي وسط ذاك السور ينشئون أكمة وبيت السيد بني في ذروتها وما هو إلا برج قوي من الخشب وبابه عالٍ جداً عن سطح الأرض ولا سبيل بالوصول إليه إلا عبر المرور عَلَى لوح من الخشب متحرك منحدر من الباب إلى آخر الخندق. ولمنع العدو من غحراق البرج يغطونه بجلود حيوانات سلخت حديثاً وهذه القلعة الغليظة هي البرج أو بيت السيد أما سائر الأماكن فتعمر في السور في سفح الأكمة (فمنها مساكن للخدم واصطبلات وأهراء) وكلها من توابع البرج. واخذ القوم في القرن الجحادي عشر (في بلاد الجنوب أولاً) يستعيضون عن العرائش وبرج الخشب بحائط أو برج من الحجر عَلَى نحو ما كان للرومان حوالى مدنهم الحصينة وسموا هذه القلاع باسم لاتيني كاستل أو قصر (موقع صغير من الحصن) فقصر القرنين الثاني عشر والثالث عشر عبارة عن سور من الحجر عَلَى جوانبه أبراج وهو محاط من كل جانب بخنادق عميقة أو هوى ووهاد وبنيت عند الاستطاعة في مكان حصين عَلَى منحدر عقبة كؤود أو شقيف في أرض سهلة عَلَى أكمة صناعية فيها أنواع الدفاع فإذا جاء العدو يرى أولاً في مقدمة النخندق ما بصده عن المرمى ثم الخندق الذي يجتازه سكان القصر يصل بينهما معبر نقال معلق بسلاسل وعليه حواجز ثم يصل إلى أسفل حوائط السور التي أغلظوا سمكها ويقف المدافعون عَلَى الطريق المدور الذي يمتد في الداخل عَلَى الحائط فيقذفون السهام والحجار من الشرفات (زغاليل) ومماشي الخشب المعلقة فيحتوي عَلَى مساكن أهل القصر والمحاربين والاصطبلات والحظائر والأهراء والكنيسة وب السيد وهذا البيت هو برج جسيم (من طراز بوجانسي من القرن الحادي عشر علوه أربعون متراً وعمقه ٢٤ وطراز كوسي من القرن الثالث عشر علوه ٦٤ متراً وعمقه ٣١ ) وهناك القاعة العظمى التي يستقبل فيها السيد ضيوفه (للسادات العظام فقط خارج قصورهم ردهة استقبال وهي القصر) وغرفة منامه وغرفة أسرته وخزانته وسجلاته وفي ذروة ذاك المكان السطح الذي يشرف منه الديدبان عَلَى الضواحي وفي الأسفل عَلَى طبقتين من الأرض المحيس أو المطبق وهو مظلم رطب لا يخرج منه إلا بسلم. فإذا داهم العدو السور يستطيع المحاصرون الذين يعتصمون في القصر أن يدافعوا عنه رويداً رويداً وطبقة طبقة مادام الدرج الدوار ضيقاً. ويعيش السيد في قصره وباسمه يعرف بعد فيسمى بوشاردي مونمورانسي أو إنجراند دي كوسي. وللفارس كذلك بيت حصين ويطلق اسم بيته عَلَى اسم أسرته. الفروسية - أسلحة الفرسان ثقيلة الجرم فالواجب أن يتعلم الفارس استعمالها وحملها امتياز يجب أن يرخص للمرء بحملها فالمرء لا يولد فارساًَ حتى ولو كان ملكاً فمن القواعد المطلقة ألا يكون المرء فارساً إلا بعد التخرج في ذلك والاحتفال به. فعلى الشاب اللبق التمرن عَلَى ركوب الخيل وأن يحسن الضرب بالرمح والحسام وأن يصعد السلم. ومادام يتمرن عَلَى ذلك في بيت ابيه يبعث به ابوه إلى سيد من أصحابه فيصبح الشاب بعد بضع سنين خادماً يحمل أسلحة معلمه فيقود كراعه ويعنى بتربيتها ويلبسه شكته ويخدمه عَلَى مائدته ويجعله في فراشه. فقد كان القدماء يرون من أعظم العار أن يخدم الإنسان إنساناً فلما أتى البربر أصبحت الخدمة منة إمارات الشرف فالسائس يخدم الفارس وهذا يخدم سيده القوامسة (والكونتية) والدوقات أيضاً يخدمون الملك عَلَى المائدة في الحفلات. فإذا بلغ السائس أشده يقبله أحد الفرسان في جملة رجاله باحتفال وكان هذا ساذجاً أولاً والفارس يدفع إلى المبتدئ سلاح فارس وهو عبارة عن ترس ودرع ورمح. ثم يصفعه عَلَى نقرته بجمع يده فالفارس الجديد يقفز عَلَى السرج ويرمح قليلاً وأحياناً يتسايف مع مجدار (شخص من خشب) منصوب أمام القصر وبهذا يكون الفارس فارساً وبعد حوالي القرن الثالث عشر أصيف إلى هذه الحفلات حفلات دينية في الكنيسة فيقام قداس وصلوات ووعظ يوجه إلى الفارس أما العادات الفخمة في قبول الفارس عَلَى ما يصفونها في الأقاصيص الحديثة فلم توضع إلا في القرن الخامس عشر. ولكل سائس الحق أن يصبح فارساً ولكن الواجب أن يكون غنياً ليتجهز بالسلاح والعدة ويعول سائساً وخدماً ولذلك يبقى معظم الشرفاء مواساً طوال حياتهم. أخلاق الفرسان - لا يمتاز شرفاء القرون الوسطى عن الفلاحين بتعلمهم ولا بتهذيبهم فمعظمهم لم يكونوا يعرفون القراءة وما شانهم إلا الشرب والطعام والصيد والحرب وكانوا في العادة متوحشين قساة وأحياناً حفاةً غلاظاً فقد قتل ريشاردس قلب الأسد مثال الفروسية ٢٥٠٠ أسير من العرب وقد فقأ عيون خمسة عشر فارساً أسروا في حرب أثارها عَلَى فيليب أغسطس وأعادهم إلى ملك فرنسا تاركاً لهم دليلاً منهم أبقى له عيناً واحدة يبصر بها فأجاب فيبليب أغسطس عَلَى عمله بأن فقأ معيون خمسة عشر فارساً من فرسان ريشاردس وأعادهم إليه تحت قيادة امرأة حتى لا يظن أحد كما قال مادحه بأنه دون ريشاردس قوة وشجاعة ولا أن يذهب إلى أنه يخافه. وفي سنة ١١١٩ فقأ أوستاش دي بروتل أحد كبار السادة النورمانديين وصهر ملك إنكلترا عيني أحد الأشراف الذين كانوا عنده رهينة فاحتال والد المقلوعة عينه أن اخذ بنات أوستاش بواسطة جدهم وفقأ عيونهن وجدع أنوفهن. وهذا الإغراق في الشدة والقسوة البربرية لم يزل مالوفاص إلى القرن الرابع عشر والقرن الخوامس عشر. وقد أصبح الفرسان بحياة التشرد عَلَى هذا النحو قساة القلوب غلاظ الطبع ولكن منحتهم بعض الفضائل التي تتطلبها الحروب وجعلتهم شجعاناً مفاخرين. والفارس التام الأدوات الذي يتغنى الشعراء بمديحه ويحاول كل إنسان تقليده هو الشجاع أو صاحب الأمانة والتدبر. وكانوا إذا سلحوا فارساً يقولون له: كن شجاعاً. والشجاع عندهم هو المقدام المفاخر الصادق الذي لا يتلكأ بتة ولا يرجع عن قوله ولا يحتمل أبداً إهانة. فالشجاعة والصدق كانت ودامت الصفات الرئيسية في الشرف. والشجاعة معتبرة لا من حيث الخدم التي تؤديها بل لأنهم كانوا يرونها جميلة في ذاتها والفارس قد يقتل نفسه حتى عَلَى غير جدوى لئلا يخالج أحداً شك بأنه أوجس خيفة. والموت خير من أن يدعى الرجل نذلاً كما جاء في قصيدة قديمة. وعلى الفارس أن يكون صادقاً براً بوعده وقوله ويفتضح خاصة إذا خان يمين الإخلاص الذي يقسمه لسيده ويكون كاذباً في إيمانه خائناً في فروسيته ومن العادة في برشلونة أن من لطم سيده بيده أو طعنه بلسانه أو استباح قصره واستصفاه هو من أعظم من ارتكبوا أعظم الخيانات. يفهم ذلك من روح عدة قصائد نظمت في القرون الوسطى. فقد اضطر روندي منتوبان أن يعلن الحرب عَلَى سيده شارلمان فحاذر أن يؤذيه أقل إيذاء ولما أسر وقع عَلَى رجليه طالباً الصفح عنه. ولقد نال برنيه تابع روال دي كامبري ما جلب عليه العار من سيده فسأله سائر الفرسان كيف يستطيع أن يظل عَلَى خدمته فأجاب: إن راولا هو سيدي هو أكثر خيانة من جودا ولكنه سيدي فقالوا لهم أجمعون إنك محق يا برنيه. الشرف - يفاخر الفارس أنه شريف وجندي ويعرف لنفسه فضائلها فلا يشك فيه أحد بل ولا يلاحظ ذلك. وليس عَلَى أحد أن يضربه أو يهينه أو يعاكسه لأن ذلك مما يؤدي إلى أنه متهم بأمانته وهو أيضاً لا يتحمل ضربة ولا إهانة ولا تكذيباً ويثلم شرفه في إظار الفرسان وفي نظر نفسه إذا لم ينتقم لذاته ممن رماه بالعار والشنار. وهذا الشعور هو الشرف وهو نتيجة كبرياء أو إعجاب شديدين فهو ينزل نفسه منزلة رفيعة ويشعر بالحاجة بأنه يريد أن يشركه غيره بهذا الفكر. ولم يكن لليونان وللرومان لفظ للتعبير عن هذه الصفة بل إنها أنشأت في القرون الوسطى وستظل إلى أيامنا دليل عَلَى الشرف الحقيقي. فنقطة الشرف والرغبة في بقاء الشرف سالماً يصبح قاعدة سلوك الأشراف ومنقذاً لمكانتهم. حكومة الإقطاعات استقلال أرباب الأملاك - ضعفت سلطة الملك منذ القرن التاسع فضعفت طاعة رعيته فاعتاد السادات من العامة والخاصة أن يكونوا مستقلين في بيوتهم فكل صاحب ملك (فارساً كان أو رئيس دير) هو كالمليك الصغير في أملاكه فحراثوه وخدمته هم رعاياه وله الحق أن يقودهم ويغرمهم ويحبسهم ويشنقهم وله مشنقة خاصة وله مناد يبلغ أوامره إلى السكان ويحارب جيرانه وكثيراً ما يصك نقوداً. قال أحد فقهاء القرن الثالث عشر أن كل بارون هو مليك في أرضه. وكل محلة هي مملكة صغيرة بحيث أن رجال ذاك الحي يدعون أهل القرية المجاورة غرباء عنهم وكان في البلاد عدة ألوف من هؤلاء الأفيال وكثير هم فرسان فقط لا يملكون إلا قرية واحدة أما غيرهم من الأغنياء فيلقبون بألفاظ سير وبارون ثم أن في كل ولاية رجل يلقب بلقب كونت أو الدوق ويكون أعظم أرباب الأملاك في الولاية ولم يكن أجداده عَلَى عهد شارلمان سوى حكام في خدمة الملك بيد أن الملك في القرن العاشر لم يكن له قوة ليستعيد منهم السلطة لأنهم أصبحوا كونتية ودوقات أباً عن جد وأصبحت دوقياتهم وكونتياتهم إقطاعاً أي ملكاً وزهي كسائر الأملاك يمكن بيعها وو قفها وتنسيقها أيضاً (كما وقع لدوقية غاسكونيا) أو أن تنضم إلى غيرها (كما وقع لكونتيتي بولوز وشامبانيا) وإذا لم يعقب صاحبها ولداً ذكر تنقل أملاكه إلى ابنته ويكون لها منها بائنة (دوطة) تعطيها زوجها (ويقول عندها أن الملك صار لامرأة) وغذ ذاك يكون لكل مالك في ملكه سلطة ملك وكل ملك يجعل مملكته كملك. وقد بانت بهم الحال أن يمزجوا بين التملك والملك ولذلك كانت جميع سياسة الملوك في القرون الوسطى سياسة بيوت وأسرات وكل ملك كالفلاح لعهدنا يحاول أن يوسع ملكه وأن يعول عياله. الملك - كان الملك أعلى سادات فرنسا كعباً وارقاهم منزلة وله لقب سامٍ ويخضع له الجميع ولكنه لم يكن أقدرهم بل كان لدوق نورمانديا وكونت تولوز املاك أوسع من أملاكه ولم يكن يمين الإخلاص الذي يرتبط به أولئك السادة العظام مع الملك إلا عبارة عن حفلة أدبية يمنعهم من أن يعلنوا الحرب عليه حتى أنهم كانوا إذا لم يريدون نقض العهد علناً قلما يتضايقون منه. وقد وضع بروبرت كونت فلاندر سنة ١١٠١ وفي عهدة عقدها مع ملك إنكلترا الشرط الآتي: إذا هاجم لويس ملك فرنسا الملك هنري ملك نورمانديا يذهب روبرت بعشرة من الفرسان فقط إلى جيش لويس ويبقى الخمسمائة فارس الآخرون في خدمة الملك هنري وإذا زحف الملك لويس عَلَى إنكلترا وأخذ معه الكونت يتحتم عَلَى الكونت أن يأخذ معه أقل ما يمكن من الرجال. ولقد بلغ العجب مبلغه في بلاط لويس السابع عندما جاءه اسقف ماند إلى باريز يعترف بسلطة ملك فرنسا وقيل أن هذا البلد لم يخضع قط إلا لأسقفه ولم يكن الملك كسائر السادة مطاعاً إلا في محلته واقتضى له إذا أراد أن يطاع في مملكة فرنسا أن يوسع أملاكه عَلَى مر القرون ويدخلون ولاياتها في ملكه الواحدة بعد الأخرى. العادة - لم يمكن لأهل القرون الوسطى قوانين محررة بل كانوا يعملون في كل مسألة بما سلف لأجدادهم منها ويسمون ذلك اتباع العادة ولم تكن العادة مكتوبة بل تحفظ تقليداً حتى في القرن الثالث عشر أيضاً إذا حدث حادث مشتبه به يجتمع أقدام السكان ويسألون عما رأوه يعمل في مثل هذا الشأن وهكذا كان لكل قرية عاداتها حدثت مع الزمن ولم تكن تشبع عادة القرية المجاورة قال بومناروا لا يوجد في هذه المملكة سيدان حاكمان يعملان بعادة واحدة ومع هذا فإن الصقع الواحد الذي تتشابه عاداته بعض الشيء يتألف منها عادة واحدة. والفرق الكبير كان بين بلاد الشمال حيث العادة كانت منبعثة من العادات الجرمانية وبين بلاد الجنوب التي احتفظت بعادات الحقوق الرومانية. وبعد فقد كان أهل القرون الوسطى يحبون العادة ويحترمونها لأنها كانت القاعدة الوحيدة التي يهرع إليها والسد الوحيد في وجه الظلم وعندهم أن العادة يجب بقاؤها ومن لا يحفظها يوشك أن يفتح سبيل الخصام الكثير بين الناس. السلم والعدل - كان أرباب الأملاك في القرون الوسطى يوطدون دعائم السلام بين عبيد محلتهم ويحكمون بينهم (أحكاماً تختلف جوراً وعدلاً) ولكن لم يوطد أحد دعائم السلام بين أرباب الأملاك وكل منهم يحكم لنفسه بنفسه وذلك بإشهار الحرب عَلَى جاره ويقتضي لتقرير السلام أن يعدل الفرسان عن عاداتهم في التقاضي إلى السلاح وأن يقبلوا بعض قضاياهم في محكمة أن يستعاض عن الحروب بقضايا ولذا كان لفظ وسلم من الألفاظ المترادفة في القرون الوسطى ولقد كان للملك في بعض البلاد (مثل نومانديا وإنكلترا ونابل وإسبانيا) من الاقتدار ما يستطيع معه أن يكره الفرسان أن يحفظوا السلم للملك أو للدوق وحاول الأساقفة في البلاد الأخرى أن يقنعوا الفرسان بتوطيد سلام الله ولكنهم لم يفلحوا أن يؤسسوا محكمة منتظمة. فإذا اختصم اثنان من أرباب الأملاك قد يقرر جيرانهما أن يفضوا الخلاف بينهما بواسطة محكمين أو أن يكون سيدهما من السلطة بحيث يكرههما عَلَى المثول أمامه وفي تلك الحال ينظر في الخلاف ضباط قصره وبعض الفرسان المجاورين وهذا ما يسمى محكمة السيد ولكن هذا الفصل متقطع وغير ونافذ أحياناً لأن من يخسر في الحكم لا يسعه إلا أن يعمد إلى القتال. فقد كاتن هوغ في القرن الحدي عشر أحد التابعين لأسقفية كامبري يستوقف تجار المدن ويقطع لحاهم ويطلب الفداء منهم ويخرب قرى الأسقف. فطلب سيده هذا ثلاث مرات متتابعة ثم مثل بين يديه ولكن أبى أن يعطي أقل تعويض فحكم فرسان محكمة الأسقف عليه بأنه يؤخذ من لإقطاعه فلم يهتم هوغ بالأمر وعاد إلى منزله وبعد مدة أوقف الأسقف بالذات. المبارزة - كانت قضية من القضايبا التي ينظر فيها الفرسان في محاكمهم أشبه بحرب فمتى اجتمع الخصمان يتضارب أحدهما وصاحبه ومن فاوز ربح القضية وكان ي ١ ذهب القوم إذ ذاك إلى أن الله كتب له الغلبة لأنه محق في أمره وهذا ما يسمونه بالقتال أو المبارزة. فالقضاة الذين تتألف منهم المملكة يعمدون إلى أن يحلفوا الخصمين بأنهما يزعمان بأن مع كل منهما الحق وأن يخطتوا الأرض التي تقع فيها المبارزة وأن يراقبوهما فالمحكمة تأمر بالمبارزة لا عند حدوث جناية أو إهانة بل للبت في أمر محلة لمن تكون وفي أي قاعدة في العدل يجب إتباعها. وقد تبارز خصمان في القرن الثالث عشر بأمر الفونس ملك قشتالة للحكم فيما إذا كان يدخل القانون الروماني إلى مملكته. وكان الفرسان يعتبرون المبارزة أسهل ذريعة وأشرفها للبت في قضية فلم يكن إذ ذاك مناقشة تجري ولا حجة تدل بها فلا جواب يجاب به الخصم إلا القتال. ولم تؤلف المبارزة فقط في محاكم الفرسان بل في محاكم المدن بين أهل الطبقة الوسطى وأحياناً بين الفلاحين في البرية فيتسلح المتقاتلون بالترس والعصى وإذا كان أحد الخصمين ليس من القوة بحيث يستطيع البراز يعهد إليها إلى آخر ينوب عنه فكان القتال يجري في باريز حتى في محكمة الأسقف ولقد وقع شك في هذه العادة فسئل البابا أوجين الثالث رأيه فأجاب عليكم باستعمال عاداتكم. ولقد تأصلت عادة البراز تأصلاً تعذر معه استئصالها ولما الغي البراز في المحاكم ظل ينظر إليه أنه الواسطة الوحيدة في قضايا استرداد الشرف المثلوم فهو كالمروءة بقية ما أبقته القرون الوسطى من عاداتها ولم يبق إلا بفضل الإباء والمروءة. حكم الله - لا يستطيع النساء أن يتبارزن وكثيراً ما يمنع منه الفلاحون وفي تلك الحال يعمد القوم إلى استخدام ضرب آخر من ضروب أحكام الله. فبعد قداس أو صلوات تقام علنية للتوسل إلى الله أن يظهر الحق كان يقتضي عَلَى الرجل أو المرأة بان يحمل حديد محماة بضع خطوات وأن يغمس يده في إجانة ماء مغلي فإذا بخت يده بعد بضعة أيام من الجرح فحكم الله يكون له. وأحياناً كانوا يلقون به في مستنقع الماء فإذا غرق فقد ربح وإذا عام فقد خسر وبيناهم عَلَى أن يلقوه في الماء يستحلف الكاهن الماء بهذا الكلام: يا ماء أناشدك الله القادر الذي خلقك وأمرك بأن تقوم بحاجات الإنسان بأن تقبل هذا الرجل إذا كان مجرماً بل اجعليه يطوف عَلَى وجهك. وأحياناً يكتفون بأن يبلع المشتكى عليه قطعة من الخبز والجبن بعد أن يكونوا استحلفوهما بأن تبقى في حلق المشتكى عليه إذا كان كاذباً. وهذه المحن يسمونها الحكم. وقد كتبت الكنيسة كتاباً في الطقوس لكل واحد منها ولما اجتمع المجمع العام في لاتران سنة ١٢١٥ أمر بإلغاء تلك الكتب. الكنيسة في القرون الوسطى تنظيم الكنيسة الأسقفيات - احتفظت عامة المدن في المملكة الرومانية القديمة بأسقفياتها وأبرشياتها. وكلما كانت البلاد في ألمانيا تين بالنصرانية كان الملوك ينشئون كراسي أساقفة. فكما أن الكنيسة كانت تحظر أن تقيم أسقفاً في غير المدينة كان القوم يؤسسون في آن واحد مدينة وأبرشية. وكانت الأبرشيات بأجمعها قديمها وحديثها غنية جداً فلها أملاك واسعة وقد تملك أحياناً ولاية بأسرها وقد منح الملوك للأساقفة براءات يحكمون بموجبها بلادهم بأنفسهم. وجاء في صك الإعفاء أنه ليش لموظف عام أن يدخل إلى ارض هذه الكنيسة لا لجباية خراج ولا للحكم ولا للقبض عَلَى العبيد والأحرار الذين يسكنون فيها. وبذلك أصبح الأسقف ملكاً حقيقياً فكان أساقفة كولونيا وماينس وتريف ثلاثتهم أكبر الأمراء في ألمانيا. مجامع الرهبان - خضع قسيسو الكاتدرائية (يسمون الكاتدرائية كل كنيسة في حاضرة أبرشية) أولاً للسقف وأخذوا منذ القرن التاسع يعيشون عيشة مشتركة بحسب القاعدة التي جرى عليها الرهبان ومن هنا اشتق الاسم الذي أطلق عليهم وهو كاهن قانون أي الخاضع للقاعدة ومجامعهم هي مجامع الكهنة أو الرهبان. وكان الكهنة القانونيون يعيشون بادئ ذي بدء مما خصص لهم من الطعام واللباس ولما وهب القوم للمجامع عطايا أصبحت تلك المخصصات ملكاً وكثيراً ما يكون متسعاً. فكان كل راهب قانوني يتمتع بدخل مخصص يتيسر له به أن يعيش عيشة سيد ومعنى عاش فلان عيشة الكاهن القانوني أنه عاش في سهة وبلهنية وإذ استقلت المجامع عن الأساقفة أصبح القائمون عليها أيضاً أقيالاً وملوكاً. الأديار - ما من أبرشية في القرون الوسطى إلا وكان فيها عدة أديار للرهبان وكلهم محافظون عَلَى السنة التي سنها القديس بنوا ولكن كانت كل أخوية تؤلف ديراً مستقلاً يرأسه رئيس. والدير عبارة عن مساكن للرهبان وبيت للرئيس وكنيسة ودار ضيافة (ينزلون فيها الغرباء) ومعامل ومخازن وبيوت الخدم والمزارعين فكان الدير عَلَى الأقل كناية عن قرية كبرى وأحيانا مدينة صغيرة (مثل لاربول وسان مسكان وفيزيلاي) وللدير أملاك واسعة منتشرة وأحياناً في عدة ولايات فيبعث رئيسه إلى الأملاك القاصية بضعة رهبان للسكنى تحت إدارة رئيس عليهم وهذه الأديار الصغيرة التابعة للكبيرة تسمى الطاعة. وتجري أحكام رئيس الدير بمعونة الرهبان المجتمعين في مجمعه ويكون تحت يده في الديار الكبيرة رهبان لكل منهم وظيفة مدير الدير ونائبه وقيم الثياب وقيم الطعام وقيم الخزانة وقيم الكتب ورئيس المنشدين ومدير المدرسة فيعيش الرهبان بعضهم مع الآخر وعليهم أن يلتزموا السكوت إلا في بعض الساعات ويجتمعون قبل طلوع الفجر ليترنموا بصلاة السحر عند الإشراق ثم يقومون بالفرض الأول ثم يجيء وقت القداس والصلوات كأحد أجزاء الفرض الكهنوتي وصلاة النوم. وإذا كانت سنة القديس بنوا يقضي بأن يعمل كل راهب كانوا يعنون بحرث الأرض أو ملاحظة خدمتهم أو صنع أمتعة لزينة الكنيسة أو نسخ المخطوطات. وقد وصف كثير من الرهبان عيشتهم في أديارهم ولكن الصورة تختلف باختلاف غنى الدير وفقره وجدته وقدمه وحسن إدارته وسوءها. الخورنيات - لم تكن كنائس ولا قسيسون في غير المدن أيام الرومان ولما غدت البلاد مسيحية كلها اخذ كبار أرباب الأملاك والسادة ورؤساء الديار والأساقفة ينشئون بيعاً ومعابد في محلاتهم فيعطي المؤسس لكنيسة قطعة ارض كافية تقوم بنفقات الكنيسة وطعام راهب ويصدق الأسقف عَلَى هذا التأسيس وعندئذ يخدم ككاهن تلك الكنيسة (يكون لمؤسسها وأعقابه الحق في تعيينه) أرواح أهل القرية ويجب عَلَى السكان أن يأتوا إلى كنيسته ويطيعوه والأرض التي يدير شؤونها راهب تتألف منها خورنية أو إدارة ولما تم هذا العمل (وكان ذلك نحو القرن العاشر في فرنسا) انقسمت جميع البلاد المسيحية إلى خورنيات كما هي إلى اليوم وأصبح لكل قرية كنيسة أو تبعت كنيسة القرية المجاورة لها. ودخل الدين إلى المزارع الشاسعة واستطاع الفلاحون أن يتعبدوا بدون أطن يأتوا المدن وغدوا يقيمون صلواتهم في كنائس قراهم حيث يجتمعون وصارت أبراج أجراسهم وقبابها ترى من بعيد وتدعو الأجراس المؤمنين إلى الصلاة وهم أجران معمودية لتعميد أولادهم وقبور ليدفنوا فيها موتاهم وبين أظهرهم كاهنهم يعلمهم الدين ولهم قديسهم أو حامي كنيستهم وعيده عيد للقرية وكثيراً ما كانت تسمى القرية باسمه. الحرم - كان رجال الدين في العصور الوسطى أغنى من العامة وأكثر تهذيباً وتعليماً منهم ولهم مع هذه قوة لا تغالب وهو أنهم كانوا ينالون القربان الذي لا يستغني أحد عن تناوله ولم يكن عَلَى ذاك العهد ملاحدة وإذا حدث أحيانا لأحد العامة أن نشز عَلَى الكنيسة أو أنه أساء إلى راهب في حالة غضب فإنهم كلهم يعتقدون اعتقادا راسخاً في اليوم الآخر ويثوبون وينيبون لينالوا الغفران وكان رجال الدين يستعملون الأسلحة الروحية كما كانوا يسمونها في تأديب الجناة والعصاة فكان المجرم محروماً أي مطروداً من تناول القربان مع جمهور المؤمنين فكان الأسقف يقول إننا بموجب السلطة الإلهية التي منحها القديس بطرس إلى الأساقفة ننبذ فلاناً من حجر أمه الكنيسة المقدسة فيلعن في المدينة وفي الحقول وفي بيته وعلى كل مسيحي أن لا يكلمه ولا يواكله وعلى أي راهب أن لا يقيم له القداس ولا يناول القربان وأن يدفن كما يدفن الحمار كما أن هذه المشاعل التي ألقينا بها من أيدينا ستنطفئ وأن ضوء حياته سيخمد إن لم يتب ويقدم ترضية. وقد بدء في القرن الحادي عشر باستعمال المتع الكنائسي ضد السادة الذين كانوا يزدرون الحرم فكان رجل الدين يحرم من تناول القربان السيد ومحلته فلا يعقد عقد زواج في كل أرضه ولا يدفن ميت ولا يقرع جرس وينال السكان ما ينال سيدهم ولذلك يقضى عليهم أن يصوموا ويرسلوا شعورهم علامة عَلَى الحداد. وعلى هذه الصورة كلن رجال الدين يكرهون السادة عَلَى أن يحترموا القوانين الدينية ويحظرون عليهم الاستيلاء عَلَى أرزاق الكنيسة. إصلاح الكنيسة اختلاط السلطات - كانت الميزة ضعيفة جداً في القرن الحادي عشر بين السلطة الروحية عَلَى الأرواح والسلطة الزمنية عَلَى الأجساد فلم يكن الأساقفة ورؤساء الأديار رؤساء دينيين فقط بل كانت لهم حصة كبرى من السلطة السياسية فكانوا لما يملكون من الأملاك يعدون في السادة العظماء أي حكاما عَلَى فلاحيهم وأتباعهم من الفرسان ثم أن الملوك والأمراء وكلهم من رجال السيف كانوا في حاجة إلى رجال الكنيسة في شؤون الحكومة المرتبكة فالأساقفة هم الذين كانوا يتولون عنهم ذلك فيجلسون في قصورهم يكتبون أوامرهم ويملون أحكامهم ويحكمون. وبم يقف الأمر عند هذا الحد بل قد منح الأساقفة منذ عهد شارلمان نصيباً في إدارة الولايات وكان لكثير من الأساقفة في ألمانيا سلطة كسلطة الكونت. وهم مع حصولهم عَلَى سلطة سيد من العامة يخضعون لما يقضي به السيد. هم تابعون للملك كالكونتية فيتحتم عليهم أن يقدموا للملك كالكونتية منائح ويخدموا في الجيش وكان جيش الملك في ألمانيا مؤلفاً من فرسان أتي بهم أساقفة ورؤساء أديار ولكن الملك كان يضطرهم أحياناً أن يجيبوا الدعوة إلى حمل السلاح بأنفسهم. فقد كتب فيليب الأول إلى دير سان ميدار أي سواسون أن القاعدة القديمة تقضي عَلَى فرسان الدير أن يحضروا بقيادة رئيس الدير للاشتراك بالحملات الملوكية وأن عَلَى رئيس الدير أن يخضع لهذه العادة أو يستقيل. فاستقال رئيس الدير وجاء خلفه إلى الجيش. الفكر السائد إذ ذاك - كان الأساقفة ورؤساء الأديار في القرن العاشر من أبناء السادات في العادة والكهنة والقسيسون من أبناء الفلاحين وخلوا في الرهبنة بدون ميل منهم بل لمجرد طاعة أهلهم أو للاستمتاع بنعم الكنيسة. فكانوا يأتون إلى كنائسهم بأخلاق العامة فيقضون أوقاتهم في الصيد والشرب واللعب والتقاتل ورؤساء الأديار يبددون أموال الدير ليعولوا عصابة من المتشردين وكثير منهم يتزوجون ويقفون كنيستهم عَلَى أولادهم. وقد شوهد في نورمانديا كهنة يتنازلون عن دورهم بائنة لبناتهم وكثير منهم كانوا أميين يحرفون كلام القداس بجهلهم وابتاع معظمهم مناصبهم من أناس من العامة وكانوا يبيعونها إلى غيرهم من رجال الكنيسة. وتسمى هذه التجارة بيع المقدسات الروحية (سيمونية) وأصبح الإكليريكيون الخاصة جفاة غلاظاً جهلاء طماعين كالعامة وكان بقال أن الكنيسة قد سرى إليها الفكر السائد في ذاك القرن. رهبنات جديدة - أوجس رجال الكنيسة المخلصون لآدابها خيفة من هذه الفضائح فحملوا أرباب الغيرة منهم عَلَى تأسيس رهبانيات جديدة فجاء بعضهم في هذا العالم الفاسد وهربوا إلى البادية مثل القديس برونو الذي جاء منة شمالي فرنسا وتوغل في جبال دوفينيه المتوحشة في بضعة من رفاقه وأسس رهبنة القلايين (شارتر أو الكرتوسيين) وأسس أحد عظماء الطليان القديس رومولاد في جبال طوسكونيا رهبنة الكامالدويين. وأراد آخرون استئصال هذه الفضائح مباشرة بعد بإدخال رجال الدين تحت قاعدة فبدءوا يشددون في نظام أحد الأديار ليكون نموذجاً في إصلاح غيره. وأهم مراكز الإصلاح كان دير كلوني أقدم الأديار وقد جرى إصلاحه في القرن الحادي عشر ودير سيتو الذي أسس سنة ١٠٩٤ وكلاهما في إقليم بورغونيا ودير كليرفو المؤسس سنة ١١١٥ وبرمونتره المؤسس سنة ١١٢٠ . ولم يقصدوا من ذلك أن يستعيضوا عن القاعدة القديمة التي وضعها القديس بنوا بل عَلَى العكس أن يضعوها موضع العمل بإنفاذ نظام العمل عَلَى الرهبان والطاعة والفاقة مما بطل في الأديار بما تسرب إليها من أفكار ذاك القرن. فمنع مؤسس دير كليرفو القديس برنارد رهبانه من لبس الفراء والدثر والقبعات وقضى بحظر جميع أنواع الزينة حتى في الكنائس ولم يسمع بغير صليب من الخشب المنقوش وشمعدان كبير مشعب من الحديد ومباخر من النحاس. وبقي الرهبان كلهم بعد الاصلاح من البندكتيين وتقرر لتوقيف الخلل الذي دخل عَلَى أيسر وجه إلى دير مستقل أن ترجع للدير المصلح إدارة الأديار المؤسسة أو المصلحة عَلَى يده. وهكذا أصبحت أديار كلوني وسيتو وبرمونتره زعيمة رهبنة ولم تعد أديار رهبنتها أدياراً كبرى بل بيعاً ومعابد تخضع لرئيس واحد وتبعث بمفوضين من قبلها يمثلونها في المجتمعات العامة في الرهبنة. فنجحت الرهبنات في أسرع ما يمكن فكان لكلوني في القرن الثاني عشر أربعمائة راهب وينظر في شؤون ألفي دير وكان لسيتو تحت طاعتها نحو ١٨٠٠ دير منتشرة في جميع أوربا وعند ذلك بدأت المنافسة بين رهبان كلوني السود ورهبان سيتو البيض. وكان هؤلاء الرهبان المصلحون هم الذين اضطروا بقية رجال الدين أن يصلحوا أخلاقهم وهم الذين عضدوا البابا أحسن عضد وحملوا المسيحيين كافة عامتهم وخاصتهم أن يحنوا رؤوسهم لسلطته. فقد كان غريغوريوس السابع العظيم المصلح الحاكم من رهبان كلوني والقديس برنارد اللاهوتي العظيم في القرن الثاني عشر من رهبان سيتو. كان من العادة القديمة في الكنيسة إذا أقرأ أحد المؤمنين بخطيئة ارتكبها أن يقضي عليه القسيس بالتوبة قبل أن يغفر له ويدعه يدخل الكنيسة بين الناس وتجري هذه التوبة علنية إذا كانت الخطيئة ارتكبت كذلك. وكتبت في القرن الثامن كتب توبة فيها العقوبة المقدرة لكل خطأ. . مضت قرون وهذه التوبات مثال القسوة وإذلال النفس ففي بعض التوبات التي تطول سبع سنين كان يتحتم عَلَى التائب في السنة الأولى أن يقف حافياً أمام باب المدينة يركع أمام الداخلين يتوسل إليهم أن يصلوا له. والتوبات عبارة عن الصيام وترديد صلوات وضرب البدن بالعصي ثم انتظمت هذه الطريقة فرأى رجال الكنيسة أن ثلاثة آلاف ضربة بالعصا تعادل سنة في التوبة. وقد اشتهر أحد نساك الطليان في القرن الحادي عشر واسمه دومينيك ولقب بالدارع بأنه يتمكن في خمسة عشر يوماً أن يقوم بمئة سنة من التوبة وأقروا أيضاً عَلَى ابتياع التوبة بالأعمال الصالحة مثل الحج ومنح العطايا إلى الكنائس وكانوا يقولون أن للقديسين من الفضائل أكثر مما يجب لخلاصهم وهذه الفضائل الزائدة قد تألفت منها كنز الغفرانات التي بها تشترى خطيئات المخطئين. ولدى الكنيسة هذا الكنز في الغفران تنفق منه عَلَى المؤمنين وفي وسعها أن تفضل منه عَلَى أرواح الموتى التي يراد تطهيرها وتطلب لقاء ذلك بعض المال. فالخاطئ لا يشتري الغفران (كما قيل ذلك خطأ) بل يبتاع التوبة فقط وبعبارة أخرى أن الكنيسة تعطيها له. هذه هي نظرية الغفرانات. فقد قال داميانوس إننا بما نأخذه من أراضي التائبين نمنحهم كمية من التوبة بحسب ما يعطوننا. وعلى هذا كانت التوبة قسمين أحدهما وهي السهلة (ما ينال الغفران من العطايا والحج) وهكذا يكفي الأرواح الفاترة وأوقات السكون والآخر وهو بربري (ضرب العصي) تطمئن إليه الأرواح المتحمسة وقد كان الغيورون من المسيحيين مثل القديس لويس والقديسة إليزابثة يلبسون قميصاً من الشعر ويضربون بعصا يد من يعترفون له. وفي أوقات الفزع الديني خلال الأوبئة والحروب تتألف عصابات من المضروبين بالعصي يجتازون البلاد وأكتافهم عريانة وهم يضربون أنفسهم حتى تسيل دماؤهم. انفصال الكنيسة الرومية - مضى دهر طويل لم يؤلف المسيحيون الروم في بلاد الشرق سوى كنيسة واحدة مع مسيحيي الرومان في الغرب فكان لهم عدة بطارقة في الآستانة والإسكندرية والقدس وأنطاكيا ويعترفون أيضاً بتقدم أسقف رومية ولكن بعد أن فتح العرب مصر وسورية لم يبق في الإمبراطورية سوى سوى بطريرك واحد هو بطريرك القسطنطينية الذي أخذ ينافس البابا. ولما قطع البابا العلائق مع الإمبراطور في القرن الثامن بشأن عبادة الصور بدأ المسيحيون الروم أن لا ينظروا إلى مسيحيي الغرب أخوانهم وكان بين الفريقين من أهل العالم المسيحي بعض فروق خفيفة في أمور التعبد والمعتقد فالروم يعتقدون أن روح القدس لم ينبثق إلا من الأب والغربيون يعتقدون أنه ينبثق من الآب والابن معاً وأن الابن من مادة الآب نفسها. والروم يستعملون الخبز في المناولة والغربيون خبزاً بدون خمير والروم يسمحون بزواج القسوس والغربيون يحظرونه. وظهرت تلك العداوة الخفية بين الكنيستين جهاراً في القرن التاسع فعزل الإمبراطور أغناس بطريرك القسطنطينية وأقلم عوضاً عنه فوتيوس أحد قدماء الساسة والقواد وهو أكثر الناس تعلماً في زمنه ولم يكن راهباً بل اجتاز درجات الكهنوت كلها في بضعة أيام فتحزب البابا نقوى للبطريرك المقال وحرم فوتيوس وأشياعه فجمع فوتيوس في الآستانة مجمعاً حكم عَلَى معتقدات اللاتين الخاصة بأنها إلحاد وحرم نقولا ( ٨٦٧ ) فاغتنم البابا فرصة تبديل الإمبراطور ليجمع في القسطنطينية مجمعاً مسكونياً ( ٨٦٩ ) قضى بعزل فوتيوس وفسخ أعماله. وفي سنة ٨٧٩ فسخ مجمع جديد أوامر مجمع سنة ٨٦٩ وأعلن أن البابا ليس سلطاناً عَلَى الكنيسة إلا في الغرب فأجاب عَلَى ذلك بجرم فوتيوس الذي انقطع إلى أحد الأديار وبدا بذلك أن التقاطع بين الكنيسة أصبح مبرماً ولكن الباباوات في أواخر القرن التاسع أصبحوا في أيدي بارونات رومية فأمسوا من الضعف بحيث لا يستطيعون المقاومة في هذا الباب ولما شعر البابا أواسط القرن الحادي عشر بتوطيد مركزه في رومية والغرب بعث بنائبين من قبله يضعان باحتفال في كنيسة القسطنطينية براءة الحرم الذي صدر من البابا عَلَى البطريرك وأشياعه ( ١٠٥٤ ) فأبت كنيسة الشرق أن تخضع وظل المسيحيون منذ ذاك العهد منقسمين إلى كنيستين الكنيسة اللاتينية أو الكاثوليكية التي خضعت للبابا والكنيسة الرومية أو الأرثوذكسية التي اعترفت ببطريرك القسطنطينية وليس الروم فقط هم أتباع هذه الكنيسة بل الروس والبلغار والصرب والرومانيون. الإلحاد - كان الملاحدة (الهراطقة) نادرين متفرقين في القرون الأولى والوسطى فبدأوا في القرن الثاني عشر يتكاثرون ولاسيما في جنوبي فرنسا وشمالي إيطاليا وانقسموا إلى شيع مختلفة يصعب علينا تمييزها ولا نعرفها إلا بما ينقله عنها أعداؤها فمنهم من اقتبسوا من ملاحدة بلغاريا مذهب المانوي الفارسي القديم في تنازع الخير والشر وآخرون هم الكاتاريون (الأطهار) فقراء ليون الفورديون كانوا ملاحدة بغضاً بمفاسد رجال الكهنوت في عصرهم وزعيم شيعة الفوديين فالدوس تاجر غني من أغنياء ليون كان ترجم له الكتاب المقدس باللغة العامية فأحب عملاً بحكمة الإنجيل أن يوزع جميع ما يملك عَلَى الفقراء وأخذ يدعو إلى الدين عَلَى رغم منع الأسقف عليه ذلك وكان أنصاره يرفضون كل ما لا يرونه مسطوراً عندهم في التوراة مثل الصور والماء المقدس والقديسين والذخائر والمطهر والصوم والغفرانات وكانوا يقولون أن الكنيسة الرومانية ليست كنيسة المسيح بل كنيسة الشيطان وما الأحبار إلا فريسيون يجب أن لا يملكوا شيئاً من حطام الدنيا بل أن يعملوا كل عمل الحواريون وأن لا يقودوا إذ ليس في الكنيسة الحقيقة إلا أهل التساوي فالعامة ليست دون الخاصة ولهم الحق أنة يبشروا كما كان يبشر الرسل والعامي التقي هو أشد عراقة في الرهبنة ويحسن أن يناول القربان من رجال الكهنوت أهل الخطيئات الحاكمين المتحكمين بالكنيسة فسر القربان المقدس والغفرانات لا فائدة فيه لأن الإيمان والتوبة يكفيان في السلامة. وكانت قوة هؤلاء الملاحدة باختلاطهم مع الشعب مباشرة يلكمونه بلسانه ويعيش وعاظهم عيش الفقر والشدة المخالفة لأخلاق أحد رجال الدين الأغنياء الفاسدين أحياناً ولكن معظم المسيحيين كانوا يفزعون من اسم إلحاد وطفقوا عن رضى يخدمون رجال الكهنوت ليقضوا عَلَى الملاحدة ودعا البابا فرسان فرنسا فأعلنوا عليهم حرباً صليبية كما أعلنوا عَلَى المسلمين فذبحوا جميع سكان بزيير عَلَى نحو ما فعل الصليبيون في الشرق من ذبح الرجال والنساء في أورشليم. وقد حرم البابا الإمبراطور فريدريك الثاني في ألمانيا وهو نصف عربي بشدته فاحرق كل من اشتبه فيهم أنهم ملحدون. ديوان التفتيش الديني - بعث البابا إلى مدن إقليم لانكدوك بموظفين عهد إليهم البحث عمن يشتبه بهم بالإلحاد وذلك ليستأصل الملاحدة عن بكرة أبيهم ومنحهم كل سلطة في إلقاء القبض عَلَى كل شخص ومحاكمته والحكم عليه وأطلق لهم الحرية أن يعملوا بما يرونه مناسباً مبيحاً لهم أن يغفر بعضهم لبعض إذا بدرت منهم بادرة وهؤلاء المفتشون (وفي العادة أن يكونوا قسوساً) يستقدمون الرجال الذين يرمون بالزندقة ويسألونهم بدون أن يقولوا لهم أسماء من أظهر أمرهم فإذا أبى المشتبه به الكلام يسجنونه ويضيقون عليه الخناق ولقد قال أحد هؤلاء المفتشين ولطالما رأيت أناساً حبسوا عَلَى تلك الصورة سنين كثيرة فانتهى بهم الحال أن اقروا أيضاً بأجرام لهم قديمة وعادوا أيضاً ليحملوهم عَلَى الإقرار يستعملون معهم طريقة التعذيب التي تركت منذ عهد الرومان وأخذت بالاستعمال عند ظهورهم وكانت محكمة التفتيش تحكم بطريقة عرفية بدون استئناف تحكم عَلَى بعضهم بغرامات فاحشة أو بحج بعيد وعلى غيرهم أن يحملوا عَلَى ثيابهم صلباناً صفراء تخاط عليها فتشعر بأنهم مشتبه بأمرهم أمام القوم ويقضى عَلَى الآخرين أن يطوفوا تائبين يحملون العصي ليجلدوا. وغيرهم يسجنون مؤبداً في مطبق صغير مظلم عَلَى خبز الكرب وماء العذاب وبعضهم يحرقون في وقود الحطب وديوان التفتيش لا ينفذ الحكم عليهم بنفسه بل يكتفي بان يدفعهم إلى القاضي المدني العامي وهو يعيدهم إلى الجلاد. الرهبان الشحاذون - أصبحت الرهبنات الدينية التي حملت في القرن الحادي عشر عَلَى الفساد المستحوذ غنية عنىً فاحشاً فكان رئيس دير كلوني يسيح في موكب مؤلف من ثمانين فارساً والرهبان البيض الذين أرسلوا لتنصير الملاحدة قد حملوهم عَلَى العصيان بما رأوه من بذخهم ولذا دعت الحال إلى وضع نظام جديد وذلك بما قام به القديس فرانسوا الإيطالي والقديس دومينيك الإسبانيولي. فكان القديس فرانسوا (ولد سنة ١١٨٢ ) ابن تاجر غني في آسيز تخلى عن المال وراح إلى المدن يستوكف الأكف ويدعو الناس. فظنه القوم مختل الشعور ولعنه أبوه ولكن لين جانبه ولطفه وحماسته لم تلبث أن عقدت القلوب عَلَى حبه فأعجبت به وجاءه من تلقوا دعوته زرافات فعزم أن يضم شتاتهم وأنشأ رهبنة الأخوان القاصرين (الفرنسيسكان) وكان القديس فرانسوا يعيش عيش التنسك يسهر ويصلي ويصوم ويلبس مسحاً ويمزح رماداً في طعامه لئلا يلذه طعمه ويجلد نفسه كل ليلة بسلاسل من حديد (ثلاث مرات واحدة عن نفسه وأخرى عن أرباب الخطايا الأحياء وثالثة عن أرواح المطهر) ومات مضجعاً عَلَى الأرض بلا وطاء وكان خلافاً للحبساء منخفض الجناح راغباً في خلاص غيره يريد أن يكون من جماعته الفرنسيسكان نساك أبداً فقراء ولكن نساك يعيشون بين أظهر الناس ليحرضوهم عَلَى التقوى قال لتلامذته: اذهبوا اثنين اثنين مبشرين الناس بالسلام والتوبة للعفو عن خطيئاتكم. لا تخافوا شيئاً لأننا نبدو للناس كالأطفال أو المعتوهين ولكن بشروا فقط بالإنابة والتجدد وكونوا عَلَى ثقة بأن روح الله الذي دبر العالم ينطق بلسانكم. وكانت قاعدته بسيطة للغاية وهو أن لا يملك الأخوان شيئاً بل أن يمضوا في هذا العالم كالحجاج والغرباء يخدمون الله بالفقر له والضراعة إليه والصدقات قصارى ما يتبلغون به ولا يخجلون من حالهم لأن السيد المسيح سن لنا من سنة الفقر. ويلبس الفرنسيسكان لباس الحاجين وهو عبارة عن ثوب من الصوف الغليظ له قبعة ومن هنا اشتق اسمهم (الكبوشيون) ويلبسون في أرجلهم نعالاً ويتمنطقون بحبل (ومن هنا سموا أيضاً بالحباليين) ولا يعيشون إلا من الصدقات. وكان القديس دومينيك (ولد سنة ١١٧٠ ) من النساك أيضاً لا يشرب الخمر ويلبس مسحاً مع سلسلة حديد ومات مضطجعاً عَلَى الرماد وكان واعظاً وعظ عشرين سنة في البلاد الألبية لهداية الملاحدة وهناك رأى كيف يطمع الشعب لسماع كلام الله وهو يتألم لما يرى من بذخ رجال الكهنوت. وسن سنة السير عَلَى القدم بألبسة ساذجة للغاية وأراد أن يكون عَلَى شاكلته في الأمة رسل مبشرون فأنشأ جمعية الأخوان الواعظين جعل شأنهم أن يتكلموا في كل مكان بما فيه سلامة الأرواح ووضع الفقر قاعدة لهم. وهكذا كان الفرنسيسكان شحاذين فأصبحوا واعظين والدومنيكيون واعظين فأصبحوا شحاذين وكانت الرهبنتان تتشابهان من وجوه كثيرة وكانتا كلتاهما منظمتين ولهما قائد يقودهما يطيع البابا مباشرة ولكن الدومنيكيين كانت علاقتهم بالسادة والملوك أكثر والفرنسيسكان بجمهور الشعب وامتدت كلمة هاتين الجمعيتين امتداداً لا يكاد يصدق فلم تدخل سنة ١٢٧٧ إلا وكان للدومنيكيون ٤١٦ ديراً وكان للفرنسيسكان سنة ١٢٦٠ - ١٨٠٨ أدياراً وفي كل دير اثني عشر راهباً عَلَى الأقل وإذ كان اعتمادهم عَلَى الله الذي كان هريهم وخوانتهم كانوا يقبلون في جملتهم من الإخوان ما جاءهم فمن يقصدونهم يعطونهم ثوباً وحبلاً وما عدا ذلك فيكلون أمره للعناية الإلهية. ولقد عاش قدماء الرهبان خارجين عن العالم أما الرهبان الشحاذون فاختلطوا بالمجتمع وأذن لهم البابا أن يبشروا ويعرفوا ويدفنوا فاخذ المؤمنون يهرعون إليهم تاركين قسوسهم المعتادين وكان بذلك ثورة عظيمة وطدت سلطة البابا كل التوطيد. عدل الكنيسة - كان في كل أبرشية منذ القرن الثالث عشر محكمة للكنيسة يجلس فيها مندوب الأسقف للحكم فينظر فيها في عامة القضايا التي لها مساس بأحد الإكليريكيين إذ لم يكن يقبل أن عامياً يرفع يده عَلَى رجل من رجال الله فالإكليريكي إذا ارتكب جرماً لا يحاكم عليه إلا مثله وهذا من جملة امتيازات رجال الدين امتيازات يرغب فيها لأن قضاة الكنيسة لا يحكمون بالإعدام بتاتاً وكثيراً ما كان أحد الأشقياء فراراً بنفسه من المشنقة يدخل في درجة من درجات الإكليروس ويتعلم صلاة باللاتينية ويظهر بمظهر ديني وقد امتدت سلطة المحاكم الكنائسية عَلَى العامة. فالكنيسة التي تدير أسرارها القربان المقدس يجب أن تبت في كل المسائل التي لها علاقة بهذا الشأن ومثل هذه المسائل ليست بقليلة. فقد أصبح الزواج منذ ظهور الدين المسيحي سراً من أسرار القربان فيأتي الزوجان في شهودهما يقفان تحت دهليز الكنيسة فيسألهما الكاهن فيما إذا كانا يقبلان الزواج فيقول الزوج أنا يا هذه أرضاك زوجة وتقول العروس أنا يا هذا أرتضيك بعلاً ويأتي أهل المرأة ويضعون يدها في يد زوجها ويبارك القسيس خاتم الزواج إشارة العقد ثم يدخلون كلهم الكنيسة فيتلو القسيس القداس عَلَى الزوجين الراكعين المستورين بشعار خاص وهذه الحفلة جعلت الزواج في يد الكنيسة وكانت تكفي في عهد الرومان إرادة الزوجين لعقد القران كما يكفي إرادتهما لفسخه أما المسيحيون فعلى العكس لا يستطيعون الزواج إلا إذا سمحت الكنيسة (وكثيراً ما تحظره حتى بين الأهل البعيدين) فإذا تزوجوا كان زواجهم طول العمر لأن سر الزواج لا ينحل. وهكذا بطل الطلاق وإذا تعذر التئام الزوجين لا تسمح الكنيسة إلا بالتفريق بينهما ولا تحل رابطة الزواج مطلقاً. والكنيسة تحكم أيضاً في الوصايا لأن الرجل لا يتأتى له أن يوصي إلا بعد الاعتراف والاعتراف سر من الأسرار وتأبى الكنيسة أن تدفن من لم يعترف ولم يوص والعادة تقضي أن يكون في كل وصية وقف يحبس للكنيسة وترجع جميع القضايا في الوصية إلى محكمة الكنيسة. والكنيسة تحكم أيضاً عَلَى العامة المتهمين بجريمة تخالف الدين أمثال الزنادقة والمجرمين والمرابين (وذلك لأن الكنيسة تحظر الربا) وزعم أينوسان الثالث أن من واجب الكنيسة أن تحكم في جميع الخطايا وكانت محاكم الكنيسة إلى القرن السادس عشر أكثر عملاً من المحاكم العادية. البابوية البابوية - الباباوات في القرن العاشر كسائر أساقفة إيطاليا سقط تحت سلطة العامة من السادات الذين هم نصف لصوص في رومية فكانوا يخلون بعضهم بعضاً في خرائب المعاهد القديمة ويتوافرون عَلَى اختيار البابا الذي يشاؤن. فكان الكرسي المقدس ملكاً لأسرة من البارونات زمناً طويلاً ونساء تلك الأسرة تيودورا وماروزيا تنتخبان الحبر الأعظم فشوهد بابا في الثانية عشرة من عمره وآخر باع البابوية من خلفه وقد جعل الإمبراطور هنري الثالث حداً لهذه الفضائح وذلك بأن أخذ عَلَى نفسه تعيين البابا وما كان أنصار الإصلاح يرضون أن تكون أرقى مناصب الكنيسة خاضعة لسلطة رجل من العامة وقد وقف ليون التاسع الذي نصبه ابن عمه الإمبراطور بابا عَلَى أبواب رومية بصفة حاج وأراد أن يجري انتخابه بحسب القانون من قبل رجال الإكليروس وشعب رومية ثم قرر مجمع لاتران سنة ١٠٦١ أن يجري انتخاب الباباوات في المستقبل بمعرفة أساقفة المدن الصغرى في بلاد الأقاليم الرومية وأن يصدق الإمبراطور عَلَى انتخابه ولكن لم يلبث هذا القرار أن صرف النظر عنه. وهذه القاعدة في الانتخاب التي جرى العمل عليها بعد قد جعلت للبابوية استقلالاً عن شعب رومية والملوك الأجانب. ولما أصبح البابا مستقلاً أخذ يطهر الكنيسة من روح العصر بمنع زواج الرهبان وبيع الأشياء الروحية وتولية العامة للبابا. خصام عَلَى التولية - تقضي القوانين القديمة في الكنيسة أن ينتخب الأسقف بمعرفة الكهنة القانونيين ورئيس الدير بمعرفة رهبانه وإذ كان لكل أبرشية ولكل دير أملاك واسعة أعطاها له الملك عَلَى سبيل الإقطاع وكان الملك ولاسيما في ألمانيا يطالب بحق تعيين من يستمتعون بهذه الإقطاعات فإذا مات أسقف أو رئيس دير يحملا الكهنة القانونيون أو القساوسة إلى الملك علامات المنصب الأسقفي أو الرئيس وهي العكاز رمز السلطة والخاتم رمز اتحاد الحبر مع الكنيسة فيختار الملك من يريده وفي العادة أنه يختار أحد رجال الكنيسة في قصره ويحلفه يمين التابعية له ويوليه أي يملكه زمام منصبه بان يدفع إليه العكاز والخاتم. وهذه العادة قد ثار لها المصلحون في الكنيسة. قال البابا أوربانوس الثاني أمن الممكن أن تكون الأيدي التي تشرفت بالشرف العالي في إيجاد الخلق (كذا) بحيث يؤول أمرها إلى العار بالخضوع إلى أيد ملوثة بالسم والدم. وما معنى قبول منصب كنائسي من عامي إلا الاتجار بالأشياء المقدسة وبذلك ارتكاب الخطيئة المميتة في بيع هذه المقدسات فطالب البابا من ثم أن يتخلى الإمبراطور عن انتخاب الأساقفة ورؤساء الأديار ليكون انتخابهم بحسب القواعد القانونية. وكان الإمبراطور يجيب عَلَى هذا المقترح بان الأبرشيات والأديار جزء من الأملاك الإمبراطورية وللإمبراطور وحده الحق في أن يوليها من أراد. وعلى هذا الوجه ثار بين الإمبراطور والبابا خصام عَلَى التولية. وأنصار البابا في مطالبه القسيسون وأنصار الإصلاح وأنصار الإمبراطور الأساقفة ورؤساء الأديار في ألمانيا ولومبارديا أتباعه والقساوسة المتزوجون وعندما حضر أسقف كوار سنة ١٠٧٥ ليبلغ رئيس أساقفة مايانس الأمر البابوي في حظر الزواج عَلَى القسيسين قام جميع الإكليروس الذين كانوا حاضرين المجلس مغاضبين شاتمين رئيس الأساقفة ومانعيه من قبول هذا الأمر. ودام الأخذ والرد في ذاك نصف قرن ( ١٠٧٥ - ١١٢٢ ) وتعذر التوفيق فيه بسبب حقوق مداخيل الكنيسة أو سلطة الأساقفة السياسية وقد حل البابا باسكال الإشكال بأن قرر تنازل الأساقفة عن المدن والكونتيات والنقود والمكوس والقصور والأملاك والحقوق التي يعطيها الإمبراطور لهم فلم يرض رجال الإكليروس عن هذا النظام ولما عقد الصلح سنة ١١٢٢ احتفظ الأساقفة بحقوق مداخيلهم وسلطتهم السياسية فسمح الإمبراطور بانتخاب الأساقفة ورؤساء الأديار من قبل الكهنة القانونيين أو القسوس وأن يعطوهم العكاز والخاتم ولكنه أبقى حق توليتهم بالعلم كالأمراء من العامة. مناوشات البابا مع الإمبراطور - كان البابا والإمبراطور متفقين عَلَى أن يحكموا مشتركين كما وقع عَلَى عهد شارلمان فلم يكن من حاجة لتمييز سلطة أحدهما عن الآخر وتحديد حقوق كل منهما وكان يقال أن الله أعطى سيفين سيف السلطة الزمنية للإمبراطور وسيف السلطة الروحية للبابا ليحكموا العالم معاً ولكن عندما استعلت جذوة الخلاف بين البابا والإمبراطور اقتضى أن يتساءل الناس ما هي حقوق السلطة الروحية والسلطة الزمنية وعند أي حد تقف. وهي مسالة صعبة لم يتيسر للعصور المقبلة أن تحل عويصها ولا تزال تتناقش فيها تحت اسم صلات الكنيسة بالحكومة. ولقد كان الناس في العصور الوسطى يسيئون فهم سلطتين متساويتين مستقلتين وهل البابا أو الإمبراطور هو الذي يحكم عَلَى الآخر وكل منهما يزعم أن سلطته رفيقة سامية فكان الإمبراطور وارث القياصرة والملقب بألقابهم يطالب بحق الزعامة عَلَى العالم أجمع والبابا يقول أن الله بإعطائه إلى القديس بطرس الحق المطلق أن يحل ويربط في السماء وعلى الأرض لم يستثن أحداً بل أخضع إليه الأمراء وجميع دول العالم وولاه أميراً عَلَى ممالك الدنيا. والبابا أسمى مقاماً من جميع الأمراء وهو قاضيهم ففي وسعه إذا رآهم غير لائقين للحكم أن يحرمهم وأن يعزلهم وأن يجعل رعاياهم في حل من إخلاص البيعة لهم. وقد نفذ غريغوريوس السابع هذه الحكمة بعزل هنري الرابع. فطال الخصام بين السلطتين فبدأ في القرن الثاني عشر عَلَى التولية ودام بشأن حقوق الإمبراطور عَلَى مدن لومبارديا إلى سنة ١٢٥٠ فغلب الإمبراطور لأن سلطته عَلَى العالم وهمية ولم تكن له سلطة في ألمانيا وإيطاليا ثم أنه عجز عن أن يبذل له الطاعة أمراء الألمان ومدن الطليان. نفوذ البابا - أصبح البابا في القرن الثالث عشر وسنده رجال الكهنوت الذي قوي بالإصلاح والتهذيب زعيم العالم المسيحي بلا منازع فهو بصفته نائب المسيح يحكم عَلَى رجال الإكليروس كافة وهؤلاء يحكمون عَلَى جمهور من المؤمنين وحفظ لنفسه الحق أن يجمع المجامع ويعزل الأساقفة ويغفر لكبار المجرمين ويعطي ما يلزم من النفقات فيتناول القربان عَلَى عرش عالٍ ويقبل جماعته رجليه ولرسائله قوة الشريعة في الكنيسة كلها وإليك كيف تحدد سلكته قال إينوسان الثالث: لقد وضع الخالق في سماء الكنيسة منصبين أعظمهما البابوية فهي تحكم عَلَى الأرواح كما تحكم الشمس عَلَى النهار واقلهما الملك فهو عَلَى الأجسام كالقمر والليل فالبابوية مفضلة عَلَى الملك كما تفضل الشمس عَلَى القمر. وقد عهد سبحانه وتعالى إلى القديس بطرس أن يحكم لا الكنيسة العامة فقط بل العالم فكما أن جميع مخلوقات السماء والأرض والجحيم تثني ركبتيها أمام الله. هكذا كلهم يجب أن يخضعوا لنائبه حتى لا يكون في الأرض سوى قطيع واحد وراع واحد. وقد كتب بونيفاس الثامن سنة ١٢٩٦ إلى ملك فرنسا يقول: اسمع يا ولدي كلام أب شفوق وإياك أن تعتقد بأن ليس فوقك يد وأنك غير خاضع لزعيم رجال الدين. وكتب سنة ١٣٠٠ في المنشور المشهور أن الكنيسة واحدة هي جسم واحد ليس له إلا رأس واحد لا رأسان كالمسخ هو خليفة القديس بطرس علمنا الإنجيل أن في الكنيسة سيفين زمني وروحي تستعمل الكنيسة ويد البابا أحدهما والثاني الكنيسة ويد الملوك بأمر البابا. مضتى القرون الأولى وليس في الكنيسة سوى قوانين أي قواعد وضعتها المجامع وعندما عرف البابا سلطته إلى جميع رجال الإكليروس أصبحت أوامره قوانين للكنيسة عَلَى نحو ما كانت قديماً أوامر الإمبراطور الروماني شرائع للملكة وقد جميع كراتين الراهب الإيطالي في القرن الثاني عشر الأوامر التي نسبت لقدماء الباباوات وألف منها كتاباً سماه الديكري أي الأمر. فزاد عليه الباباوات في القرن الثالث عشر عدة مجاميع جديدة مؤلفة من رسائل الباباوات التي ظهرت بعد جميع الرسائل الأولى وهكذا فكما أن يوستينيانوس ألف مادة الشريعة المدنية ألف الباباوات مادة الشريعة القانونية التي ظلت قانوناً للكنيسة. المدنية الشرقية في الغرب تقدم شعوب الشرق في القرون الوسطى - ليمثل القارئ لعينيه المدنيتين اللتين كانتا في القرن الحادي عشر تقتسمان العالم القديم ففي الغرب مدن حقيرة صغرى وأكواخ فلاحين وقلاع لا هندسة لها وبلاد مضطربة عَلَى الدوام بالحرب لا يتأتى أن يسير فيها السائر عشرة فراسخ بدون أن يسلب وينهب في الشرق مدن القسطنطينية والقاهرة ودمشق وبغداد وجميع مدن ألف ليلة وليلة بما فيها من قصور المرمر والمعامل والمدارس والأسواق والحدائق الممتدة عَلَى بضعة فراسخ وبرية تروي أحسن إرواء غاصة بالقرى والضياع وحركة التجار التي لا تنقطع فتراهم يذهبون بسلام من إسبانيا إلى فارس ولا شك أن العالم الإسلامي والعالم البيزنطي كانا أغنى وأحسن نظاماً ونوراً من العالم الغربي فكان المسيحيون يشعرون بنقصهم في التهذيب ويعجبون ببلاهة بما يبدو لهم من غرائب الشرق ومن يحب التعلم يقصد إلى مدارس العرب. وبدا العالمان الغربي والشرقي في القرن الحادي عشر يتعارفان ودخل المسيحيون البرابرة إلى حمى المسلمين الممدنين من طريقين الحرب والتجارة. الحروب الصليبية - انتهى المسلمون من جهادهم المقدس فتسرع النصارى بجهادهم فكانت الحروب الصليبية. وقد دبر شأن الحروب الصليبية البابا أوربانوس الثاني في كلرمون وكان فرنسوياً. وكان يقصد من هذه الحرب إنقاذ البيت المقدس (أي قبر المسيح) من أيدي غير المسيحيين فمن يسافرون يجعلون عَلَى أكتافهم صليباً أو صليب البابا ومن هنا اشتق اسم الصليبيين. فكان الصليبي حاجباً مسلحاً ووعد البابا كل من يشترك بهذه الحملة أن يعفو عنه من كل التوبات التي تحملها لقاء خطاياه. وانضم إلى هؤلاء التائبين أناس من تجار الطليان وفرسان رغبت أنفسهم بالغنيمة وانتفعوا من غلبات الصليبيين عَلَى المسلمين ليقيموا في سورية حيث أنشئوا أربع إمارات (كانت تسمى الإفرنج) وفي سنة ١٢٠٤ سير البنادقة حملة عَلَى القسطنطينية وفتحوا إمبراطورية الروم ولقد بدأت هذه الحرب أواخر القرن الحادي عشر ودامت إلى القرن الثالث عشر وكثيراً ما كانوا يتحدثون حتى القرن الخامس عشر بمعاودتها. وكانت آخر حملة من حملات الصليبيين في إسبانيا سنة ١٤٩٢ انتهت بأخذ غرناطة. صفة الحروب الصليبية - كانت الحروب الصليبية حملات مؤلفة من المسيحيين منظمة بمعرفة البابا زعيم النصارى العام فكان كان صليبي حاجاً مسلحاً تعفو الكنيسة عن جميع الذنوب التي وقف فيها فكان الحاجون يجمعون جيوشاً ضخمة حول السادات القادرين أو حول نائب البابا ولكن لا نظام في صفوفهم فهم أحرار أن يتنقلوا من جيش إلى آخر أو أن يتركوا الحملة عندما يرون أن نذرهم قد تم. فالجيش الصليبي لم يكن سوى اجتماع عصابات تسير إلى مقصد واحد من طريق واحد فكانوا يسيرون مشوشاً نظامهم عَلَى مهل راكبين خيولاً ضخمة لابسين دروعاً ثقيلة يحملون أثقالهم فينؤون بها كما ينؤون يخدمهم وبالنهابين معهم فكانوا يضيعون أشهراً في اجتياز الإمبراطورية البيزنطية وقتال فرسان الأتراك في آسيا الصغرى والرجال والخيول تموت في القفار التي لا ماء فيها ولا سبيل إلى أخذ الميرة جوعاً وظمأ وكانت الأوبئة التي تحدث في المعسكرات التي ينزلونها من قلة العناية والصوم المتعاقب بعد الإفراط في الطعام والشراب تحصد أرواحهم بالألوف. وكان من يبلغون سورية قليل عددهم ففي الرجال وأي فناء في القرن الثاني عشر عَلَى هذه الصورة عَلَى طريق الأرض المقدسة فضاق صدر الصليبيين من هذه الرحلات القاتلة في البر واخذوا يعدلون عنها وفي القرن الثالث عشر قصدوا كلهم البلاد المقدسة من طريق البحر فكانت السفن الإيطالية تقلهم وخيولهم إلى الأرض المقدسة في بضعة أشهر حيث يجاهدون الجهاد الحقيقي. كان الفرسان في قتالهم المسلمين إذا تساوى عدد المقاتلين قد يكتب النصر لهم وذلك لأنهم كانوا بخيولهم الضخمة وسلاحهم الذي لا يتأتى خرقه يؤلفون كتائب متراصة لا يستطيع فرسان العرب الراكبون عَلَى خيول صغيرة أن يخرقوها بسهامهم وسيوفهم. نعم عن حروبهم لم تسفر عن نتيجة فعاد الصليبيون الظافرون إلى أوربا ورجع المسلمون. وهذه الجيوش المتقطعة كانت تستطيع فتح الأرض المقدسة ولكن لم تكف لحفظها بيد أنه كان ينضم إلى أهل الصليب الذين أتوا للنجاة بأنفسهم من الخطايا رجال من الفرسان والتجار الذين قصدوا البلاد ليغتنوا فكانوا يعنون بحفظ البلاد وبهؤلاء كتب التوفيق التام في الحروب الصليبية باستخدامهم القوة المؤقتة التي كان يوليها سواد الصليبيين. فكانوا يديرون الأعمال الحربية وينشئون أدوات الحصار ويأخذون المدن ويتحصنون فيها بحيث يتوقعون عودة العدو. ولو ترك أولئك الصليبيون وأنفسهم لما استطاعوا أن يقاتلوا في تلك البلاد القاصية فإن الحملات ذات الأبهة التي كان الملوك قوادها (مثل لويس الثاني عشر وكونراد وفريدريك بربروس وفيليب أغسطس وملك المجر وسان لوي) قد أخفقت كلها إخفاقاً ذليلاً. والحروب الصليبية الوحيدة التي نجحت حقيقة (الأولى التي فتحت سورية والرابعة التي فتحت إمبراطورية الروم) وكان قواد الأولى النورمانديين من إيطاليا والأخرى البنادقة. وكانت حماسة الصليبيين وشجاعتهم قوة عمياء لا ينتفع بها إلا إذا كان المدبرون لها أناساً من أهل التجربة. وما كان الصليبيون سوى معاونين والمؤسسون الحقيقيون للمالك المسيحية هم المتشردون والتجار ممن كانوا يشبهون المهاجرين المحدثين الذين كانوا يسافرون لاستيطان الشرق. وما كان هؤلاء المهاجرون قط من الكثرة بحيث تأهل بهم البلاد بل ينزلوها متخذين لهم معسكرات بين أهلها الوطنيين ولم تكن الإمارات الإفرنجية سوى عبارة عن حكم أشراف يقوم به بضعة ألوف من الفرسان الفرنسويين والتجار الإيطاليين فليس لها من تماسك الأجزاء ما كان لممالك الغرب التي تستند عَلَى الأمم والشعوب. فأشبهت هذه الإمارات الممالك التي أسسها زعماء المحاربين العرب أو الأتراك حيث تمتزج الحكومة والجيش وتهلك وإياه. وطال عمر هذه الإمارات قرنين وهي حياة تعد طويلة في الممالك الشرقية ولو تيسرت هجرة قوية لها لتوطدت أسسها إزاء آسيا الإسلامية والبيزنطية ولكن أوربا في القرون الوسطى لم تستطع أن تقوم بهذه الهجرات. مضى نصف قرن ولم يشتغلوا بغير حرب صغار الأمراء في سورية وكان مسلمو مصر يعيشون معهم بسلام وهذا زمن نجاحهم ولما أتى صلاح الدين عَلَى الخلافة بمصر فقرضها وتألف بدلاً منها حكومة عسكرية في القاهرة وهوجم المسيحيون من جهة مصر فلم يستطيعوا أن يقاوموا زمناً طويلاً (كما دلت عَلَى ذلك انتصارات صلاح الدين) فإذا كانوا احتفظوا بممالكهم قرناً آخر فذلك لأن السلاطين لم يحرصوا أن يبيدوهم. لا جرم أن هذه الحرب كانت في نظر المسلمين جهاداً مقدساً ولكنها انقطعت بمهادنات بضع سنين ولا ينبغي لنا أن نتصور جميع أمراء المسيحيين متحدين عَلَى أمراء المسلمين بل كانت المصالح السياسية أشد قوة من البغضاء الدينية وما برح أمراء النصارى يتقاتلون بعضهم مع بعض كما كأمراء المسلمين يقتل بعضهم بعضاً وقد حدث أن أميراً مسيحياً تحالف مع أمير مسلم عَلَى أمير مسيحي. وما قط كان الاتفاق تاماً في جيش النصارى فالحماسة التي كانت تجمعهم لم تأت عَلَى منافستهم في التجارة ولا عَلَى تباغضهم الجنسي وكان النزاع دائماً بين الأمراء من مختلفي الممالك بين الفرنسيس والألمان والإنكليز بين تجار جنود جنوة وتجار البندقية بين التامبلية والإسبتالية (فرسان الهيكليين والمقرين) وكثيراً ما تقاتلوا. ومثل ذلك الخلاف بين الصليبيين القادمين من أوربا والإفرنج المقيمين في سورية. ولقد اتخذ الإفرنج عادات الشرقيين لما عاشوا بين أظهرهم فاستعملوا الحمامات والألبسة المسترسلة ونظموا خيالة مسلحين عَلَى الطريقة الإسلامية وانشئوا يعاملون المسلمين معاملة المجاورين ولا يحاربونهم بدون داعٍ. وأراد فرسان الغرب القدمين وقد ملئت صدورهم غيظاً من المسلمين أن يبيدوا كل شيءٍ وقد حنقوا من هذا التسامح فكانوا إذا خرجوا من البحر ينقضون عَلَى الأرض الإسلامية ويهرعون للتقاتل والنهب وكثيراً ما كانوا لا يسمعون لما ينصح لهم به مسيحيو البلاد الواسع اختبارهم في الحرب في الشرق أكثر منهم. ولقد وصف مؤرخو الغرب نصارى الأرض المقدسة بالنذالة والخديعة والفساد ونسبوا إليهم خرائب ممالك سورية. وليت شعري ماذا يكون منة الصدق في هذه التهم؟ ولا جرم في أن أولئك المتشردين من الإفرنج قد اغتنوا عَلَى أسرع وجه وأخذوا يعيشون في بذخ باحتكاكهم بشعوب فاسدين قد سرت إليهم مفاسد كثيرة ولاسيما من ولد منهم في سورية وكانوا يدعونهم المهارى ولكن الصليبيين لم تكن لهم من المكانة ما يخولهم إصدار مثل هذه الأحكام فإنهم أنفسهم بفعلهم قد أحدثوا من المصائب أكثر مما أحدث نصارى سورية بترفههم. يا شرق لا الصبر ينفعه ولا الجزع قلب يكاد شجاه يطلع يا ليل هذا ساهر قلق يرعى النجوم وقومه هجعوا هل فيك ذو شجن يشاركني أشكو له ما بي فيستمع سرت الهموم فقمت أدفعها وإذا هموم ليس تندفع حلت بصدري لا تفارقه إن ضاق عنها فهي تتسع من بات تدمع عينه أسفاً فأنا فؤادي بات يدمع أشفقت من دهري عَلَى أملي واليوم أنظر كيف ينقطع ويلي عليه وهو يخدعني أدري حقيقته وأنخدع يا شرق لج بك العداة هوى يا شرق أغراهم بك طمع عاشوا يؤلف بينهم وطن فتخالفوا فيه وهم شيع يتفرقون عَلَى مذاهبهم وعلى الإخاء الناس تجتمع جهلوا فأخضعهم تعصبهم والله لو علموا لما خضعوا أنذرتهم يوماً صوادعه لو مست الأفلاك تتصدع واريتهم زمناً ألم بهم يبري لهم السهام وينتزع هنأتهم بالأمس إذ نهضوا واليوم أرثيهم وقد وقعوا أهديتهم ودي فما قبلوا أخلصتهم نصحي فما اتبعوا والشيء يرخص حين تبذله والشيء يغلو حين يمتنع ماذا عَلَى الأقدار لو نزعت عن حربها فعداتها نزعوا واسترجعت عهد الصفاء لهم وإذا تشاء فذاك يرتجع قد أجهدتهم وهي عادمة وأظنها يوماً سترتدع أبني بلادي قد مضت أمم هذا طريقهم الذي اشترعوا إنا حللنا في منازلهم وقد انتجعنا حيثما انتجعوا ولئن بطرنا مثلما بطروا فلسوف نصرع مثلما صرعوا إن تصبروا فلطالما صبروا أو تجزعوا فلشد ما جزعوا لم تعدنا حال لهم عرضت فحياتهم وحياتنا شرع أبداً تعيش عَلَى مغالبة الدهر يخفضنا ويرتفع ونراه يبتدع الخطوب لنا حتى تفانت عنده البدع لم تنتفع بتجارب سلفت وأخال لسنا بعد ننتفع أشياخنا يمشي بهم كلف وشبابنا يجري بهم ولع يتحاربون عَلَى فؤادهم والحرب تأخذ ضعف ما تدع ماذا لهم لله درهم الناس قد عفوا وهم جشعوا إن القصور بهم مقتعد مثل القبور بهن مضطجع أبني المسيح وأحمد انتبهوا ودعوا رجالاً منكم هجعوا جاؤوا الورى والأمر ملتئم ثم انتثنوا والأمر متصدع لم يرض أحمد والمسيح بما صنعوا فلا ترضوا بما صنعوا أرواحكم من بعضها قطع وجسومكم من بعضها بضع لا تحسبن خلافكم ورعاً إن ائتلافكم هو الورع الملك تعليه مدارسه تلك المساجد فيه والبيع ويحب تموز (لعاشره) لا تذكر الآحاد والجمع لمن الطلول كان عرصتها للموت منحرث ومزدرع آياتها ورسومها درست وخلا بها مشتى ومرتبع سكانها عن محلها نزعوا ولطالما في خصبها رتعوا أسلافها في غابها أمنوا وبنوها في سوحها فزعوا شمخ الزمان بهم وقد شمخوا واليوم يخشع إذ هم خشعوا وقد زل عنه الصفو أجمعه وانتاب فيها الأزلم الجذع كم عاش في آجامها بطل كالليث لا وإن ولا طلع ثبت نجرد في مفاضته يلفي الدجا درعاً فيدرع يلقى الردى والبيض مصلته وأسنة الخطى تشترع والخيل غضبها في أعمتها والنطق منطبق ومنقشع تمشي اللواحظ منه في ملك يسو الجلال به فيتضع حتام هذا الجهل مطرد ولي م ذاك ألغي منبع وكأن ريب الدهر في يده سيف عَلَى الأعناق يلتمع ما يرتجي الأحرار من زمن يزداد تيهاً كلما ضرعوا أوفي عَلَى المضمار مرتقباً يتسابقون به ويقترع إن بلغوا غاياتهم هنئوا أو قصروا من دونها فجعوا هل تحت هذا الأفق من أمم جرعت كؤوسهم التي جرعوا أحشاؤهم حرى فما ابتردوا وكبودهم ظمأى فما انتقعوا إنا لأقوام لنا همم للمجد تدفعنا فتندفع العمر أهون أن يضيق بنا والموت للأحرار متسع القاهرة ولي الدين يكن أدب الدارس والمدرس من استقرأ ما كتب في هذا الباب الواسع قديماً وحديثاً يرَ عدداً من المؤلفات والمقالات لا يأتي عليها الحصر، ولا يخفى أن لروح كل عصر مظهراً فيما كتب في واجباته ومطالبه، وكثير منها يتبدل بغيرها لمسيس الحاجة إلى ما هو أهم منها أو اختلاف العادات في أطوارها وشؤونها إلا أن ما يتقاضاه العلم من آداب القائمين عليه درساً وتدرساً تتلاقى أصوله مع كل زمان ومكان، لذا رأيت من المهم نقل أبدع ما كتب في هذا الباب، غذ الأمة لا تبلغ أوج المجد إلا بالعلم ولا علم إلا بصلاح الدارس والمدرس والعالم والمتعلم إذ هم القائمون عَلَى تهذيب الملكات وإرشاد العقول، والهادون إلى صراط الحق وميزان العدل والصدق. وقد رأيت من أحسن ما جمع في مقاصد هذا البحث الجليل ما أَورده محيي الدين النووي - أحد أئمة الرواية والدراية المشاهير - في مقدمة (شرح المهذب) فآثرت عنه خلاصة ما أثره عن أساطين الحكمة المتقدمين وجعلته مقالة موجزة. أحكام درس العلوم الشرعية - أنواع العلوم الشرعية لا تعد وفي أحكامها ثلاثة أقسام. القسم الأول فرض العين منها ويقال له الضروري وهو درس المكلف ما تصح به عقيدته وتجزئ معه عباداته، وتنفذ عقوده ومعاملته، وما لا غنى له عنه مما يتناوله ويستعمله. ويدخل في ذلك درس أمراض القلب كالحسد والعجب والبخل وأمثالها من المهلكات فقد قال الغزالي: معرفة حدودها وأسبابها وطبها وعلاجها فرض عين: القسم الثاني فرض الكفاية ويقال له الِحاجي وهو درس ما لابد للناس منه في إقامة دينهم كحفظ القرآن والأحاديث وعلومها والصول والفقه والنحو واللغة ومعرفة رواة الحديث والإجماع والخلاف. ومنه يحتاج إليه في قوام أمر الدنيا كالطب والحساب والهندسة. ومنه تعلم الصنائع التي هي سبب قيام مصالح الدنيا كالزراعة ونحوها. القسم الثالث النقل ويقال له التحسيني وهو كالتبحر في أصول الأدلة والإمعان فيما رواه القدر الذي يحصل به فرض الكفاية والتوسغ في فنون الأدب والمعقول. آداب المدرس أهم ما يطلب منه أن يعتني به أدبه في نفسه وأدبه في درسه القسم الأول أدبه في نفسه - وذلك في أمور (منها) أن يقصد بتعليمه وجه الحق سبحانه وتعالى لا توسلاً إلى غرض دنيوي كمال أو جاه أو شهرة أو تكثير المختلفين إليه أو نحو ذلك كما كان عليه سلف الأمة فقد قال الشافعي رحمه الله: وددت أن الخلق تعلموا هذا العلم عَلَى أن لا ينسب إليَّ حرف منه: وقال أيضاً: ما نظرت أحداً قط علي الغلبة ووددت إذا ناظرت أحداً أن يظهر الحق عَلَى يده: (ومنها) أن يتخلق بالمحاسن التي ورد الشرع بها وحث عليها والخلال الحميدة والشيم المرضية التي أرشد إليها كالحلم والصبر والسخاء والجود وطلاقة الوجه من غير خروج إلى حد الخلاعة وملازمة الورع والوقار والتواضع والتنظف في البدن واللبسة. (ومنها) الحذر من الحسد والرياء والإعجاب وتزكية النفس وإزراء الناس وإن كانوا دونه بدرجات. (ومنها) أنه إذا ترخص في أمر جائز وخيف أن يظن خلافه أن يخبر أصحابه ومن يراه حقيقة ذلك الفعل لينتفعوا ولئلا يأثموا بظنهم السيئ. القسم الثاني أدبه في درسه - وذلك أن لا يزال مجتهداً في الاشتغال بالعلم قراءة ومطالعة وتعليماً ومباحثة ومذاكرة وتصنيفاً. وأن لا يستحي من السؤال عما لم يعلم روي أمير المؤمنين عمر أنه قال: من رق وجهه رق علمه: وروى البخاري عن عائشة أم المؤمنين قالت: نعم النساء نساء الأنصار لم يمنعهن الحياء أن يتفقهن في الدين: وأن لا يمنعه منصبه وشهرته من استفادة ما لا يعرفه فقد كان كثير من السلف يستفيد من تلامذته ما ليس عنده، قال الإمام النووي: قد ثبت في الصحيح رواية جماعة من الصحابة عن التابعين وروى جماعة من التابعين عن تابعي التابعين، وهذا عمرو بن شعيب ليس تابعياً وروى عنه أكثر من سبعين من التابعين، وثبت في الصحيحين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ لم يكن الذين كفروا عَلَى أُبي بن كعب وقال أمرني الله أن أقرأ عليك: ويسمون هذا النوع وراية الأكابر عن الأصاغر. وأن تكون ملازمة الاشتغال بالعلم هي مطلوبة به ورأس ماله فلا يشتغل بغيره فإن اضطر إلى غيره في وقت فعل ذلك الغير بعد تحصيل وظيفته من العلم. أدبه في تصنيفه قال النووي: ينبغي أن يعتني بالتصنيف إذا تأهل له فيه يطلع عَلَى حقائق العلم ودقائقه ويثبت معه لأنه يضطره إلى كثرة التفتيش والمطالعة، والتحقيق والمراجعة، والاطلاع عَلَى مختلف كلام الأئمة ومثقفه، وواضحه من مشكله، وصحيحه من ضعيفه، وجزله من ركيكه، وما الاعتراض عليه من غيره، وبه يتصف المحقق بصفة المجتهد. وليحذر كل الحذر أن يشرع في تصنيف ما لم يتأهل له فإن ذلك يضره في دينه وعلمه وعرضه. وليحذر أيضاً من إخراج تصنيفه من يده إلا بعد تهذيبه وترداد نظره فيه وتكريره. وليحرص عَلَى إيضاح العبارة وإيجازها فلا توضح إيضاحاً ينتهي إلى الركاكة ولا يوجز إيجازاً يفضي إلى المحق والاستغلاق. وينبغي أن يكون اعتناؤه من التصنيف بما لم يسبق إليه أكثر والمراد بهذا أن لا يكون هناك مصنف يغني عن مصنفه في جميع أساليبه فإن أغنى عن بعضها فليصنف من جنسه ما يزيد زيادات يحتفل بها مع ضم ما فاته من الأساليب. وليكن تصنيفه فيما يعم الانتفاع به ويكثر الاحتياج إليه. آداب تعليمه التعليم هو الأصل الذي به قوام الدين والدنيا وبه يؤمن أمحاق العلم وفي التنزيل الحكيم: وإذا أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتموه وقال النبي صلى الله عليه وسلم ليبلغ الشاهد منكم الغائب. يجب العلم لأن يقصد بتعليمه وجه الله تعالى، وأن أي جعله وسيلة إلى غرض دنيوي لأن ما كان خالصاً كان مستمراً غضاً في كل حين وما كان لغرض زال عند الظفر به فقات ما قصد له. ولا يمتنع من تعليم أحد لكونه غير صحيح النية فإنه يرجى له حسن النية. وربما عسر في كثير من المبتدئين وتصحيح النية فالامتناع من تعليمهم يؤدي إلى تفويت كثير من العلم مع أنه يرجى له تصحيحها إذا أنس بالعلم وقد قال بعض السلف طلبنا العلم لغير الله فأبى أن يكون إلا لله:: معناه أن كانت عاقبته أن صار لله. وينبغي أن يؤدب المتعلم بالتدريج بالآداب السنية والشيم المرضية، ويحرض عَلَى الإخلاص والصدق وحسن النية. وينبغي أن يرغبه بالعلم ويذكره بفضائله وفضائل علماءه. وينبغي أن يحنو عليه ويعتنى بمصالحه كاعتنائه بمصالح نفسه وولده، ورجي مجرى ولده في الشفقة، عليه والاهتمام بمصالحه، ويعذره في سوءِ أدب وجفوة تعرض معه في بعض الأحيان فإن الإنسان معرض للنقائص. وينبغي أن يكون سمحاً ببذل ما حصله من العلم سهلاً عَلَى متبعيه متلطفاً في إفادته طالبه مع رفق ونصيحة وإرشاد إلى المهمات وتحريض عَلَى حفظ لم يبذله لهم من الفوائد. ولا يذخر عنهم من أنواع العلم شيئاً يحتاجون إليه إذا كان الطالب أهلاً لذلك. ولا يلقي إليه الشيء لم يتأهل له لئلا يفسد عليه حاله فلو سأله المتعلم عن ذلك لم يجبه ويعرفه أن منعه ليس شحاً بل شفقة ولطفاً. وينبغي ألا يتعظم عَلَى المتعلمين بل يلين لهم ويتواضع وفي التنزيل الحكيم واخفض جناحك للمؤمنين. وينبغي أن يكون حريصاً عَلَى تعليمهم مهتماتً به مؤثراً له ويرحب بهم عند إقبالهم إليه ويظهر لهم البشر وطلاقة الوجه، ويحسن إليه بعمله وماله وجاهه، ولا يخاطب الفاضل منهم باسمه بل بكنيته. وينبغي أن يتفقدهم ويسال عمن غاب منهم. وينبغي أن يكون باذلاً وسعه في تفهمهم وتقريب القائدة إلى أذهانهم حريصاً عَلَى هدايتهم. ويفهم كل واحد بحسب فهمه وحفظه فلا يعطيه ما لا يحتمله ولا يقصر به عما يحتمله بلا مشقة، ويخاطب كل واحد عَلَى قدر درجته وبحسب فهمه وهمته، فيكتفي بالإشارة لمن يفهمها فهماً محققاً ويوضح العبارة لغيره ويكررها لمن لا يحفظها إلا بتكرار. ويذكر الأحكام موضحة بالأمثلة من غير دليل لمن لا ينحفظ له الدليل فإن جهل دليل بعضها ذكره له ويذكر الدلائل لمحتملها. ويذكر ما يرد عَلَى المسألة وجوابه إن أمكنه. ويبين الدليل الضعيف لئلا يغتر به فيقول: استدلوا بكذا وهو ضعيف لكذا ويبين الدليل المعتمد ليعتمد. ويفهمهم عَلَى غلط ما غلط فيها من المصنفين فيقول مثلاً: هذا هو الصواب وأما ما ذكره فلان فغلط أو فضعيف قاصداً التضحية لئلا يغتر به لا تنقيص القائل فإن الانتقاد إنما يكون للقول لا لقائله. ويبين له جملاً من أسماء المشهورين من الصحابة رضي الله عنهم أجمعين فمن بعدهم من الأئمة المشاهير وأنسابهم وكناهم وأعصارهم وطرق حكايتهم ونوادرهم، وضبط المشاكل من أنسابهم وصفاتهم، وتمييز المشتبه من ذلك، وجملاً من الألفاظ اللغوية والعرفية ضبطاً لمشكلها ومخفي معانيها فيقول هي مفتوحة أو مضمومة أو مكسورة مخففة أو مشددة. مهموزة أولاً، عربية أو أعجمية أو معربة وهي التي أصلها عجمي وتكلمت بها العرب، معروفة أو غيرها، مشتقة أولاً، مشتركة أم لا، مترادفة أم لا، وإن المهموز والمشدد يخففان أم لا، وأن فيها لغة أخرى أم لا. وإذا وقعة مسألة غريبة لطيفة أو مما يسأله عنها في المعاياة نبه عليها وعرفه حالها في كل ذلك ويكون تعليمه إياهم كل ذلك تدريجاً ليجتمع لهم طول الزمان جمل كثيرات. وينبغي أن يحرضهم عَلَى الاشتغال في كل وقت ويطالبهم في أو قات محفوظاتهم ويسألهم عما ذكره لهم من المهمات فمن وجده حافظاً مراعياً له أكرمه وأثنى عليه وأشاع ذلك، ومن وجده مقصراً لامه ويعيد له حتى يحفظه حفظاً واضحاً. وينبغي أن يصنفهم في البحث فيعترف بفائدة يقولها بعضهم وإن كان صغيراً. وينبغي أن يقدم في تعليمهم إذا ازدحموا السبق فالأسبق ويتحرى تفهيمهم بأيسر الطرق ويذكره مترسلاً مبيناً واضحاً ويكرر ما يشكل من معانيه وألفاظه حتى يفهموه، وإذا لم يكن البيان إلا بالتصريح بعبارة يستحى في العادة من ذكرها فيذكروها بصريح اسمها ولا يمنعه الحياء ومراعاة الأدب من ذلك فإن إيضاحها أهم من ذلك، وإنما يستحب الكناية في مثل هذا إذا علموا المقصود منها علماً جلياً وعلى هذا التفصيل يحمل ما ورد في الأحاديث من التصريح في وقت والكناية في وقت، ويؤخر ما ينبغي تأخيره ويقدم ما ينبغي تقديمه، ويقف في موضع الوقف، ويصل في موضع الوصل. ويحسن خلقة مع جلسائه ويوقر فاضلهم بعلم أو سن أو شرف أو صلاح، ويتلطف بالباقين. وينبغي أن يصرف يديه عن العبث وعينيه عن تفريق النظر بلا حاجة، ويعم الحاضرين بالتفاته ويجلس في موضع يبرز وجهه لهم. ويقدم من دروسه أهمها فيقدم التفسير ثم الحديث ثم الأصولين ثم الأهم فالأهم، ولا يقرأ الدرس وبه ما يزعجه كمرض أو جوع أو مدافعة الحدث أو شدة فرح أو غم. ولا يطيل مجلسه إطالة تملهم أو تمنعهم فهم الدرس أو ضبطه، وليكن مجلسه واسعاً ولا يرفع صوته زيادة عن الحاجة ولا يخفضه خفضاً يمنع بعضهم كمال فهمه. ويصون مجلسه من اللغط والحاضرين عن سوء الأدب في المباحثة، وإذا ظهر من أحدهم شيء من مبادئ ذلك تلطف في دفعه قبل انتشاره ويذكرهم أن اجتماعنا ينبغي أن يكون لله تعالى فلا يليق بنا المناقشة والمشاحنة بل سبيلنا الرفق والحياء واستفادة بعضنا من بعض واجتماع قلوبنا عَلَى ظهور الحق وحصول الفائدة. وإذا سال سائل عن أعجوبة فلا يسخرون منه. وإذا سئل عن شيء لا يعرفه أو عرض في الدرس ما لا يعرفه فليقل لا أعرفه أو لا أتحققه ولا يستنكف عن ذلك قال ابن مسعود رضي الله عنه: يا أيها الناس من علم شيئاً فليقل به ومن لم يعلم فليقل الله أعلم فمن العلم أن يقول لما لا يعلم الله أعلم قال الله لنبيه صلى الله عليه وسلم قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكفلين رواه البخاري. قالوا: وينبغي للعالم أن يورث أصحابه لا أدري: معناته يكثر منها، ولا يضع ذلك من منزلته بل يدل عَلَى وقور عقله وعظم محله لأن المتمكن لا يضره عدم معرفته مسائل معدودة، بل يتمنع من لا أدري من قل علمه وقصرت معرفته وضعفت تقواه لأنه يخاف لقصوره أن يسقط من عين سائليه أو سامعيه وهو جهالة منه بإقدامه عَلَى الجواب فيما لا يعمله يضر نفسه وغيره وقد يبوء بالخزي العاجل أولاً ثم الآجل وفي الحديث المتسبع بما لا يعطه كلابس ثوبي زور. آداب الدارس المتعلم أما آدابه في نفسه فكآداب المدرس وقد أوضحناها وينبغي أن يطهر قلبه من الأدناس ليصلح لقبول العلم واستثماره، أن يقطع العلائق الشائكة عن كمال الاجتهاد، ويرضي باليسير من القوت ويصبر عَلَى ضيق العيش قال أبو حنيفة رضي الله عنه: يستعان عَلَى العلم بجمع الهم ويستعان عَلَى حذف العلائق بأخذ اليسير عند الحاجة. وقال الخطيب البغدادي: يستحب للطالب أن يكون عزباً ما أمكنه لئلا يقطعه الاشتغال بحقوق الزوجة والاهتمام بالمعيشة عن إكمال طلب العلم. وأن يتواضع للمعلم وينقاد له ويأتمر بأمره كما ينقاد المريض لطبيب حاذق ناصح. ولا يأخذ العلم إلا ممن كم لت أهليته وظهرت ديانته وتحققت معرفته وكانت له دربة وخلق جميل وذهن صحيح واطلاع تام. وينبغي أن ينظر معلمه بعين الاحترام والرجحان عَلَى أكثر طبقته فهو أقرب إلى انتفاعه به ورسوخ ما تسمعه منه في ذهنه وقد قال الشافعي: كنت اصفح الورق بين يدي مالك رحمه الله صفحاً رفيقاً هيبة له لئلا يسمع رفعها. وقال الربيع: والله ما اجترأت أن أشرب الماء والشافعي ينظر إليّ هيبة له. ويروى عن علي كرم الله وجهه قال: من حق العالم عليك أن تسلم عَلَى القوم عامة وتخصه بالتحية، وأن تجلس أمامه، وتشير عنده بيدك ولا تغمزن بعينيك غيره ولا تقول قال فلان خلاف قوله ولا تغلبن عنده أحداً ولا تسار في مجلسه ولا بأحد بيوته ولا تلح عليه إذا كسل ولا تشبع من طول صحبته فإنما هو عليك كالنخلة تنتظر متى يسقط عليها منك شيء. ومن آداب المتعلم أن يتحرى رضاء العلم وإن خالف رأي نفسه ولا يفشي له سراً وأن يرد غيبته إذا سمعها فإن عجز فارق المجلس وأن لا يدخل عليه بغير إذن وإذا كان معه غيره قدم الأفضل والأسن وأن يدخل كامل الهيبة فارغ القلب من الشواغل متطهراً متنظفاً بسواك وقص ظفر وإزالة ريح ويسلم عَلَى الحاضرين بصوت يسمعهم ويخص الشيخ بزيادة إكرام وكذلك يسلم إذا انصرف. ولا يتخطى رقاب الناس ويجلس حيث انتهى به المجلس إلا أن يأذن المعلم أو الحاضرون بالتقدم والتخطي أو يعلم من حالهم إيثار ذلك ولا يقم أحداً من مجلسه فإن آثره غيره بمجلسه لم يأخذ إلا أن يكون في ذلك مصلحة للحاضرين بأن يقرب من الأستاذ ويذاكره مذاكرة ينتفع منها الحاضرون بها ولا يجلس وسط الحلقة إلا لضرورة ولا بين الصالحين إلا برضاهما وإذا فسح له وقعد ويحرض عَلَى القرب من الأستاذ ليفهم كلامه فهماً كاملاً بلا مشقة عَلَى شريطة أن لا يرتفع في المجلس عَلَى أفضل منه. ويتأدب مع رفقته وحاضري المجلس فإن تأدبه معهم تأدب مع الأستاذ واحترام لمجلسه ويقعد قعدة المتعلمين ولا يضحك ولا يكثر الكلام بلا حاجة ولا يعبث بيده ولا غيرها ولا يلتفت بلا حاجة بل يقبل عَلَى الأستاذ منصتاً إليه ولا يسبق إلى شرح مسالة أو جواب سؤال إلا أن يعلم رضاه فيستدل عَلَى فضيلة المتعلم. ولا يقرا عَلَى أستاذه عند شغل قلبه وماله وغمه ونعاسه ونحو ذلك مما يشق عليه أو يمنعه استيفاء الشرح ولا يسأله عن شيء في غير موضعه إلا أن يعلم من حاله أنه لا يكرهه ولا يلحح في السؤال إلحاحاً مضجراً ويغتنم سؤاله عند طيب نفسه وفراغه ويتلطف في سؤاله ويحسن خطابه ولا يستحي من السؤال عما أشكل إليه بل يستوضحه أكمل استيضاح فمن رق وجهه رق عمله ومن رق وجهه عند السؤال ظهر نقصه عند اجتماع الرجال. وإذا قال له الأستاذ فهمت فلا يقل نعم حتى يتضح له المقصود إيضاحاً جلياً لئلا يكذب ويفوته الفهم ولا يستحي من قوله لم أفهم لأن استيثاقه يحصل له مصالح عاجلة وآجلة فمن العاجلة حفظ المسألة وسلامته من كذب ونفاق بإظهاره فهو ما لم يكن فهمه منها ومنها وثوق الأستاذ باعتنائه ورغبته وكمال عقله وورعه وملكه لنفسه وعدم نفاقه ومن الآجلة ثبوت الصواب في قلبه دائماً واعتياده هذه الطريقة المرضية والأخلاق الرضية وعن الخليل بن أحمد منزلة الجهل بين الحياء والأنفة. وينبغي إذا سمع الأستاذ يقول مسألة أو يحكي حكاية وهو يحفظها أن يصغي لها إصغاء من لا يحفظها. وينبغي أن يكون حريصاً عَلَى التعلم مواظباً له في جميع أوقاته ليلاً ونهاراً حضراً وسفراً ولا يذهب من أوقاته شيئاً في غير العلم إلا بقدر ما لا بد له من أكل ونوم وراحة وما أجمل قول الشافعي: حق عَلَى طلبة العلم بلوغ غاية جهدهم في الاستكثار من العلم والصبر عَلَى كل عارض دون طلبه وإخلاص النية لله تعالى في إدراك علمه نصاً واستنباطاً والرغبة إلى الله تعالى في العون عليه. يقال: أجود أوقات الحفظ الإسحار ثم الغداة وحفظ الليل أنفع من حفظ النهار لفراغ البال وهدوء الحركة ووقت الجوع أنفع من وقت الشبع وأجود أماكن الحفظ الغرف وكل موضع عن بعد المهيبات ولا يحمد الحفظ بحضرة النبات والخضرة والأنهار وقوارع الطرق لأنها تمنع غالباً خلو القلب. وإذا جفاه الأستاذ رجع إليه بالاعتذار واظهر ندمه وخطأه فذلك أنفع له ديناً ودنيا وأبقى لقلبه قالوا: من لم يصبر عَلَى ذل التعلم بقي دهره في عماية الجهل. ومن آدابه الحلم والأناة وأن تكون همته عالية فلا يرضي باليسير من إمكان الكثير وأن لا يسوف في اشتغاله ولا يؤخر تحصيل فائدة وإن قلت إذا تمكن منها لأن للتأخير آفات ولا يحمل نفسه ما لا تطيق مخافة الملل. وإذا جاء مجلس أستاذه ولم يجده انتظر ولا يفوت درسه. وإذا وجحده نائماً لا يستأذن عليه بل يصبر حتى يستيقظ أو ينصرف والأحسن الصبر كما كان السلف يفعلون. وينبغي أن يغتنم التحصيل في وقت الفراغ والنشاط وحال الشباب وقوة البدن وبداهة الخاطر وقلة الشواغل قبل عوارض البطالة وارتفاع المنزلة فقد قال الشافعي: تفقه قبل أن ترأس فإذا رأست فلا سبيل إلى التفقه: ويعتني بتصحيح درسه الذي يحفظه تصحيحاً متقناً ويكرره مرات ليرسخه رسوخاً متأكداً ثم يراعيه بحيث لا يزال محفوظاً جيداً، وليذاكر محفوظاته وليدم الفكر فيها. وينبغي أن يبدأ من دروسه وفي الحفظ والتكرار والمطالعة بالأهم فالأهم، وأول ما يبتدئ به حفظ القرآن العزيز فهو أهم العلوم، وكان السلف لا يعلمون الحديث والفقه إلا لمن حفظ القرآن وإذا حفظه فليحذر من الاشتغال عنه بالحديث والفقه وغيرهما اشتغالاً يؤدي إلى نسيان شيء منه أو تعريضه للنسيان، وبعد حفظ القرآن يحفظ من كل فن مختصراً ويبدأ بالأهم، ومن أهمها الحديث والأصول والنحو ثم الباقي. وكلما أتقن مختصراً انتقل إلى أكبر منه مع المطالعة المتقنة والغاية الدائمة المحكمة وتعليق ما يراه من النفائس والغرائب وحل المشكلات مما يراه في المطالعة أو يسمعه من الأستاذ. ولا يحتقرن فائدة يراها أو يسمعها في أي فن كانت بل يبادر إلى كتابتها ثم يواظب عَلَى مطالعة ما كتبه. وليعتن بكل الدروس ويعلق عليها ما أمكن فإن عجز اعتنى بالأهم. وينبغي أن يرشد رفقته وغيرهم من الطلبة إلى مواطن الاشتغال والفائدة ويذكر لهم ما استفاده عَلَى جهة النصيحة والمذاكرة. ثمرة ذلك قال الإمام النووي إثر ما تقدم: وإذا فعل ما ذكرناه، وتكاملت أهليته، واشتهرت فضيلته، اشتغل بالتصنيف، وجد في الجمع والتأليف، محققاً كل ما يذكره، ومبيناً في نقله واستنباطه، متحرياًُ لإيضاح العبارات، وبيان المشكلة مجتنباً العبارات الركيكات، والأدلة الواهيات، مستوعباً بعظم أحكام الفن غير مخل بشيء من أصوله منبهاً عَلَى القواعد فبذلك تظهر له الحقائق وتنكشف له المشكلات، ويطلع عَلَى الغوامض وحل المعضلات، ويعرف مذاهب العلماء والراجح من المرجوح، ويرتفع عن الجمود عَلَى محض التقليد، ويلتحق بالأئمة المجتهدين أو يقاربهم إن وفق الله وبالله التوفيق اهـ كلام النووي. آداب يشترك فيها العالم والمتعلم ينبغي لكل منهما أن لا يخل بوظيفته لعروض مرض خفيف ونحوه مما يمكن معه الاشتغال وأن لا يسأل أحداً تعنتاً وتعجزاً فالسائل تعنتاً وتعجزاً لا يستحق جواباً. وأن يعتني بتحصيل الكتب شراءً واستعارة وليشتغل بنسخه أو استنساخه إذا كان نفيساً وليعتن بتصحيحه، ولا يرتض الاستعارة مع إمكان تحصيله، فإن استعاره لم يبطئ به لئلا يفوت الانتفاع به عَلَى صاحبه ولا يكسل عن تحصيل الفائدة منه، ولا يمتنع من إعارته غيره لأنه أعانه عَلَى العلم مع ما في مطلق العارية من الفضل (روي) أن رجلاً قال لبي العتاهية: أعرني كتابك قال: إني أكره ذلك قال: أما علمت أن المكارم موصولة بالمكاره: فأعاره، ويستحب شكر العير لإحسانه وليحذر من الإبطاء بها عن أربابها قال الزهري: إياك وغلول الكتب: يعني حبسها عن أصحابها، وبسبب حبسها امتنع غير واحد من إعارتها وانشدوا من ذلك أشياء كثيرة. (خاتمة) هذه النبذة من آداب المدرس والدارس أو المعلم والمتعلم مختصرة بالنسبة إلى ما جاء فيها وقد اردت إحياء ما قاله الأئمة المتقدمون في هذا وتطرية ذكره لما فيه من الفوائد والحكم والنصائح التي هي نتيجة ما أوصى بها السلف أيام استبحار العلوم ونضارتها في حضارة القرون الأولى، فليحرص المدرس والدارس عليها وليحافظ العالم أو المتعلم عَلَى التخلق بها والاهتداء بها، فثمرة العلم العمل وبالله الاستعانة وعليه المتكل. مخطوطات ومطبوعات مجموعة المحررات السياسية والمفاوضات الدولية عن سورية ولبنان من سنة ١٨٤٠ إلى سنة ١٩١٠ المجلد الثالث من ٢٦ تشرين الأول سنة ١٨٦٠ إلى ٥ آذار سنة ١٨٦١ ص ٤٨٠ تعريب الشيخين فيليب وفريد الخازن صاحبي جريدة الأرز طبع بمطبعة الصبر في جونية (لبنان) سنة ١٩١١ أحسنا لتاريخ هذه البلاد كل الإحسان معرباً هذا السفر النافع فإن جميع الناس لا يتيسر لهم الوصول إلى المظان الإفرنجية التي أخذ عنها والبلاد في حاجة إلى الاطلاع عَلَى ما دار بشأنها وعن أفكار الجانب فينا. وإن هذه المجموعة إذا كانت تفيد لبنان خاصة فإن سورية عامة تستفيد من تعريبها لأن حياة هذه البلاد كالسلسلة ترتبط حلقاتها بعضها ببعض. وكنا نود أن لا يتوسع المعربان في نقد إعمال معتمدي الدول ذوات الشأن في حوادث ١٨٦٠ في سورية وأن لا ينظر لها كل ما أتته فرنسا في ذاك الحزين بأن الحكمة والإنسانية وحب الخير والتجرد عن كل طمع سياسي فإن آمال فرنسا في سورية معروفة منذ القديم وحمل أعمالها عَلَى مجرد الإحسان للبلاد ضرب من التجوز لا يحسن صدره ممن يقف موقف المؤرخ والأيام تدل عكس دعواه. وقد اجاد المعربان في الترجمة عن الإنكليزية والإفرنسية واكثر مصادرهما فرنسوية فجاء الكتاب مستوفى لولا وقوع بعض هنات لغوية واستعمالات غير مألوفة يسقط فيها أكثر كتاب العصر خصوصا من لا يساعدهم الوقت عَلَى النظر البليغ فيما ينشئون وينقلون كأرباب الصحف ولو كان في البلاد شيء من الرقي العلمي لتناورت عدة أيدي ما تخطه الأقلام بالنظر فيه قبل نشره كما هو الحال في بعض بلاد الغرب إلى اليوم ولاسيما قبل أن يكون أهل كل لغة من اللغات الإفرنجية محكمين لملكة الانشاء في لسانهم ويا حبذا نرى في كا مطبعة من مطابعنا عالماً مصححاً يعني بقويم الهفوات اللغوية والبيانية وغيرها ليخرج جميع كما نكتبه ونعربه سالماً من العيوب من كل وجه. وفي هذا المقام نعيد شكرنا للمعربين عَلَى نشاطهما وحسن بلائهما ونرجو لهما التوفيق إلى إتمام بقية أجزاء الكتاب ونحث محبي الاطلاع ودرس تاريخ هذه البلاد أن يقتنوه ويتدارسوه فهو أول كتاب سياسي يتعلق بحياة هذه الديار. دروس الجغرافيا للسيد عبد الهادي الأعظمي طبع بمطبعة دنكور في بغداد سنة ١٣٣٠ ص ٥٥ نرحب بكل كتاب علمي يصدر بالعربية في مصر وتونس والشام والعراق لأنه دليل النهوض الحقيقي والأمة العربية لا ترقى إلا إذا كان فيها كتب ابتدائية ووسطى وعليا في كل فن من فنون الحضارة. وقد اعتمد مؤلف هذه الرسالة عَلَى الكتب التركية وفقاص لبرنامج المعارف وتوسع في القسم الآخر وهو المتعلق بالبلاد العثمانية والقطر العراقي منها خاصة وخاطب فيه التلميذ الصغير خطاباً يروقه ويغرس فيه غرسة الوطنية ولسنا في رأي المؤلف في كلامه عَلَى تونس ولا في كلامه عَلَى طرابلس وبنغازي فقد قال في الأخيرتين وهي التي عليها تحاربنا بل تحاربها اليوم إيطاليا تريد اغتصابها وهيهات فستبوء بالخسران عاجلاً إن شاء الله. . . وهناك أخوانكم المجاهدون يدعونكم الآن للاشتراك معهم في هذه السعادة الأبدية الشهادة في سبيل حفظ الدين والوطن قال هذه العبارات لا دخل لها في وصف البلدان تعلم للصبيان كما أن القصيدة التي اقتبسها في الأسطول آخر الرسالة لا صلة بينها وبين الموضوع بمحال. وقد وقعت في الرسالة تحريفات مطبعية ونحوية وجغرافية وغيرها شوهت وجه المعنى وأخرجته عن القصد أحياناً وكنا نود لو يعرى منها مصنف من ألف للأحداث حتى ينطبعوا منذ نشأتهم عَلَى الصواب. منها قوله الجغرافيا الطبيعي والجغرافيا الرياضي والجغرافيا السياسي والصواب الطبيعية الرياضية السياسية لأن لفظة الجغرافيا مؤنثة وقد طبع بذلك التركية ومنها قوله البر العتيق (لأوربا وآسيا وأفريقية) والاصطلاح أن يقال العالم القديم كما يقال العالم الجديد لا البر الجديد ومنها قوله (ص ١٦ ) ساورينا سلجيا للجزيرتين المعروفتين في البحر الأبيض والصواب سردينيا وصقلية ومنها أن اسم عاصمة الجبل الأسود شتنبه والصواب ستنية أو جتنية وقوله جنوة في بلاد تركستان والصواب خيوة وجنوة في إيطاليا ومنا قوله أن مساحة سورية تبلغ ١٠٠ ألف كيلومتر مربع والأصح ١١٥ ألفاً وفي تقويم غوتا أن مساحة لواء القدس ١٦ ألف كيلومتر مربع ومساحة متصرفية لبنان ٣١٠٠ ولواء الزور ٧٨ ألفاً (ويعد معظمه من سورية) وولاية سورية ٩٥٩٠٠ وولاية بيروت ١٦ الفاً وولاية حلب ٨٦٦٠٠ ونحو نصفها من بلا سورية. واخطأ في قوله أن الجزائر دخلت في حوزة فرنسا منذ قرن تقريباً والصحيح أنها بدأت بامتلاكها سنة ١٨٣٠ . ومن التحريفات في الإعلام قوله أن قصة جرابوب أهم مدن السنوسيين في أفريقية والصواب جغبوب وتابع اصطلاح بعض الكتاب في استعاضتهم عن صلى الله عليه وسلم بصلعم والأجدر بمقام النبوة أن يذكر اللفظ كله فإن بعض علماء المشرقيات في مطابع الغرب جروا عَلَى هذا الاصطلاح حب الاقتصار بادئ بدءٍ ثم رجعوا عنه فعسى أن يصلح ذلك في طبعة ثانية ويعارض أسماء البلدان عَلَى ما طبع من كتب الجغرافيا لعلماء العرب في أوربا ليتابعهم في اصطلاحهم وذلك مثل كتاب معجم ما استعجم للبكري وتقويم البلدان لأبي الفدا ومعجم البلدان لياقوت والمسالك والممالك لابن حوقل والتنبيه والإشراف للمسعودي ومسالك الممالك للإصطخري وصفة جزيرة العرب للهمداني والأعلاق النفيسة لابن رسته وأحسن التقاسيم للمقدسي وكتاب البلدان لابن الفقيه ومسالك الممالك لابن خرداذبة وزبدة كشف الممالك للظاهري وعجائب البر والبحر لشيخ الربوة وغيرها من الكتب الممتعة التي نفهم منها اصطلاحات العرب وتعابيرهم ومعظم ما ذكروه لم يطرأ عليه تغيير عَلَى كثرة ارتقاء علم الجغرافيا في العهد الأخير. وفي الخاتم لا نرى بداً من الثناء عَلَى المؤلف راجين أن يظل عَلَى نشر كل ما يبث المعارف بين الناشئة العربية. كتاب خالد هو مجلد في ٣٤٩ صفحة نشر بالإنكليزية في نيويورك صديقنا أمين أفندي ريحاني وهو رواية فلسفية اجتماعية جموع فيها عن الكلام عن المدنية الشرقية والدنية الغربية أتى عَلَى ذكر الأوضاع الدينية والسياسية بلسان رشيق مفرط في الحرية شهد له العارفون بآداب اللغة الإنكليزية أنه يعد في الطبقة الأولى من أحكام بيانها وأنه شاعر غير مدافع في منظومه ومنثوره فعسى أن يكون لكتابه بين العارفين بتلك اللغة من الواقع ما كان لكتبه باللغة العربية من الأثر في إزالة غشاوة الأوهام وعساه ينقله إلى العربية فيستفيد منه المشارقة والمغاربة عَلَى حد سوى فالأقربون أولى بالمعروف ومثله من يغار عَلَى إنهاض الأمة العربية ويتوفر عَلَى تعليمها مما علم. العقود اللؤلؤية - ; ' ' لليمن تواريخ كثيرة مختلفة الأزمان ومن أكبر مؤرخيها أبو الحسن علي بن حسن الخزرجي النسابة المعروف بابن وهاس المتوفي سنة ٨١٢ قال كاتب جلبي أنه عني بأخبار اليمن فجمع تاريخاً عَلَى السنين وآخر عَلَى الأسماء وآخر عَلَى الدول وغيرها. ومن جملة مصنفاته كتاب العقود اللؤلؤية فهو خاص تقريباً بتاريخ الدولة الرسولية نسبة لعلي بن رسول التي حكمت بلاد اليمن زهاء قرنين ( ٦٢٦ - ٨٤٥ ) وقد ظهر بعض علماء المشرقيات بنسخة منه في الهند فترجموه بالإنكليزية ونشرت الآن جمعية تذكار جب ثلاث مجلدات من الترجمة وسينشر الأصل العربي عما قريب وقد ترجمه ونشره أربعة من أئمة المشرقيان في إنكلترا وهم ريدهوس وبراون ونيكلسون وروجرس وسنفيض في الكلام عَلَى هذا التاريخ متى صدرت النسخة العربية منه ونكتفي الآن بإسداء أطيب الثناء من تمحضوا لخدمة الآداب والتواريخ العربية من العارفين بلغات الشرق من الغربيين ومن يعنون بنشرها أمثال لجنة تذكار جب. دروس التاريخ الإسلامي تالي فالشيخ محي الدين الخياط القسم الرابع ص ٢٤٨ طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت وبنفقة المكتبة الأهلية فيها سنة ١٣٢٩ تكلمنا عن الأجزاء الأولى من هذا الكتاب وهذا الجزء يشتمل عَلَى مجمل تاريخ الدولة العباسية وقد جعله المؤلف جملاً كل جملة أو قطعة تحتوي خبراً يصح السكوت عليه وجعل في آخر كل درس أسئلة للطالب يجيب عليها فيدل بذلك إن كان فهم ما مر معه من الحوادث أو لم يفهمه. وذلك بتنسيق حسن وعبارة سهلة فصيحة لا شائبة فيها بحيث جاء كتابه مستوفى في موضوعه لصغار الطلاب في التاريخ وقد جعل في الأخير صفحات فيها زبدة ما مر بالدارس ثم اتبعه بجدول يبين فيه أزمنة دولة الخلفاء الراشدين والأموية والعباسية بالتاريخين الهجري والميلادي كل ذلك بحرف جلي وطبع مشرق ويا حبذا لو شكل بعض الأعلام التي قد تشبه عَلَى أكثر الطلاب وعساه يتدارك ذلك في الطبعة التالية وفقه الله لإتمام هذه السلاسل النافعة. أريج الزهر تأليف الشيخ مصطفى الغرييني طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٩ - ١٩١١ ص ٢٤٠ وهو كتاب أخلاقي اجتماعي أدبي حوى ما كتبه المؤلف من المقالات في الموضوعات المختلفة في الصحف والمجلات بعبارات سليمة من التعقيد عارية من الغلط اللغوي والبياني ترضاها الخاصة ولا تنبو عنها أسماع العامة كما اعتاد قلم المؤلف في الكتب المدرسية وغيرها مما نشره حتى الآن من منظومه ومنثوره. وكتابات مثل صديقنا المؤلف هي الحلقة الموصلة بين أكثر طبقات القراء والكتب العالية في الدب والاجتماع والأخلاق ومسهلة طرق تفهمها. وقد قدم لهذا الكتاب الشيخ محي الدين الخياط الفاضل المشهور مقدمة رائقة بناها عَلَى حب الظهور وشرح ماله من الدخل في ارتقاء الأمم بعبارات تجمع المتانة سلاسة ثم عرف بصاحب المجموع واتى بنموذج من ادبه الغض وعرف المجموع وصاحبه بهذه الجملة هذا المجموع هو زهرة شبيبة فاضلة فاح أريجها غذ لم تدنسها أوضار الغرب ولم ينهكها ذبول الشرق فهو زهر أخلاق وفضائل بل هو غيرة مجسمة وحماسة تريد النهوض بناشئة الشرق والإشراف بهم عَلَى مدنية الغرب شأن أصحاب النفوس الكبيرة التي تريد الصعود من مدارج المجد والظهور من شرفات العلاء. . ومن مقالات هذا السفر اللطيف. نهج البلاغة أو أساليب الكلام العربي. أيها الإنسان. أقحط رجال أم قحط وجدان. إلى الأمة العربية. التربية أساس النجاح. الأنانية وحب الذات. رجال الإصلاح. الإدارة. الألقاب والرتب. حديث مع النابتة. الانتقاد ومشارب المنتقدين. سعادة الحياة. دلائل التوحيد. أم القرى. مجلس الأمة. المال والشرف. العادات. الميسر. الاستقلال الشخصي. القابلية والفاعلية. النظامات والأمم. الثورة الأدبية. السد الاجتماعي. الرابطة الدينية. الخرافات والبدع الدينية. العرب والترك. اللغة العربية وغير ذلك مما لا يخلو من الخطابيات للتأثير في الجمهور وهي تشف عن غيرة وطنية وإرادة قوية في السعي لإنهاض العقول من كبوتها في الشرق الإسلامي. فتحث المتأدبين عَلَى اقتناء هذا الكتاب وفق الله مؤلفه إلى إتمام ما يريد من التأليف والنشر فإن المؤلفين من المسلمين في بلاد الشام قلائل جداً والمجيد فيهم أقل وبعض من يقتدرون عَلَى الوضع والنقل شغلوا بالخوض في الموضوعات السياسية الزمنية في الصحف فأضاعوا ملكاتهم إلا قليلاً وهيهات أن ترتقي أمة يكون معظم أهلها ساسة ولذا وجب علينا تكريم كل من يتصدى لنفع أمته من طريق الإصلاح العلمي والأدبي والديني من أهل هذه الديار وفي جملتهم مؤلف أريج الذهب. البصائر مجلة جديدة تصدر في بيروت مرة في الشهر لمنشئها جميل بك العظم وقيمة اشتراكها ريالان وعدد صفحاتها ٤٠ ومن مقالاتها مقالة في التنجيم والمنجمين وأخرى في الخط ومشاهير الخطاطين وهي تطبع كل شهر ملزمة من مخطوط قديم وبدأت الآن بنشر كتاب تحبير الموشين في التعبير بالسين والشين للفيروز آبادي صاحب القاموس. والمؤلف من الفاضل الذين يحسنون الكاتبة بالتركية والعربية له اطلاع مهم عَلَى المخطوطات العربية ووقوف عَلَى الأدب وما ينبغي له ولذلك يرجى أن ينفع الآداب العربية بمجلته لأنه يعرف الانتقاء ويحسن التأليف ويعد في جملة الأكفاء الذين أفدوا عَلَى نشر المجلات في الشام بعد حرية المطبوعات فعسى أن يثبت في خطته التي اختطها في مجلته والثبات أس النجاح في كل الأعمال ولاسيما العلمية التي قلما يجد عليها صاحبها تنشيطاً مادياً أو معنوياً في بلاد تسعة أعشار أهلها أميون والمتعلم منهم لا يعرف غير القشور دع عنك من كتب لهم الدروس العالية ومعظمهم لا يهتمون بغير التجارة والوظائف. أخبار وأفكار العرب والتجارة بين تخوم آسيا وأفريقية تيقظ شعب يعهد سكوتاً لكنه سيستولي عَلَى البحر الرومي ثم يتدخل لينافس الغربيين ونحن الآن لا يمكننا أن نقول شيئاً عن الحروب الصليبية قبل أن نذكر طرائف تلك الأمة ونبيها محمد (صلى الله عليه وسلم) حتى البعثة المحمدية. كان العرب أنسباء اليهود يعيشون العيشة الرعائية غير أنهم عشاق سفر امتازوا بحب التجول وقوة الهجوم وشدة الانفعال وليس لهم إلا الشرف وحب الشعر والأدب وبغض الكذب مذهب يدينون به عَلَى أن أكثر الأديان التي وجدت قبل البعثة المحمدية كانت تشابه العقيدة الفتشية وتجير الاستلاب لا رابطة بين القبائل تضم الشعث سوى احتفالهم العام في أم القرى كل عام. كان الأنبياء الحنيفيون منذ القرن السادس من التاريخ المسيحي تثرى عَلَى العرب لقطع شأفة الوثنية وإرجاعهم لملة أبيهم إبراهيم ومحمد أحد هؤلاء الحنيفيين بيد أنه أفصحهم لساناً وأكثرهم إقناعاً للعقول. ولد محمد في مكة عام ٥٧٠ بين القرشيين سدنة الكعبة ومروجي سلع عقائدهم القديمة فما قام ينذر ويكبر حتى خاصمه أهل قبيلته بل اقرب الناس إليه وقاوموه جد المقاومة فلم ير بداً من المهاجرة إلى يثرب التي سميت بعدئذ بالمدينة وهنا ابتدأ تاريخ المسلمين الهجري موافقاً ١٦ تموز ٦٢٢ م. وبعد دخول يثرب وجد بلداً طيباً لبذر بذور دعوته فاتخذ له أنصاراً مخلصين اشتد بهم أزره فأعلن الحرب عَلَى المكيين ثم دخل مكة وطنه ظافراً وكسر فيها الأصنام ونشر الحكمة والكتاب وجمع شملهم بآصرة الوحدة الإسلامية العربية ثم توفي بعد أداء وظيفته العظمى عام ٦٣٢ . الإسلام أو الاستسلام إلى الله بعث إلى أتباع محمد وأنصاره روح النشاط والغيرة وعصبية ملكتهم زمام العالم وجعلتهم أساتذة إذ في قرن واحد أي من ٦٣٢ إلى ٧٣٢ استولى خلفاؤه الصحابة الراشدون والأمويون الوارثون ومن بعدهم عَلَى سورية وفلسطين والجزيرة سنة ٦٣٨ ومصر ٦٣٩ وفارس ٦٤٢ ثم تتابع استيلاؤهم عَلَى تركستان وقطعة من الهند وبلاد الأرمن وقبرص وإقيريطش (كريت) وطرابلس الغرب وأفريقية الشمالية كلها وعلى صقلية وسردينيا والجزائر البالبارية ثم هجم تيارهم عَلَى بلاد غاليا الإفرنجية وهدد هناك كيان النصرانية إلا أنه وقف هذا التيار الجارف في بواطيه عام ٧٣٢ م وإن استبحار عمرانهم وسرعة انتشار سلطتهم في المسكونة لما يساعد كثيراً عَلَى فهم مكانة المدنية العربية تلك المدنية التي يعتقد بدينها اليوم أكثر من ٣٠٠ مليون من البشر فقد كانت هذه الحضارة الباهرة في القرون الوسطى مزيجاً من المدنية البيزنطية والمسيحية وتم هذا المزيج المدني بأمرين الأول عشق العرب للتجارة والثاني غرامهم بالاستعمار وقد قال نبي العرب الذي كان قائد قوافل في حداثته ثم صار تاجراً: (إن الله يحب المؤمن المحترف) وأمر العرب أن يدرسوا فنون الأدب والعلوم قائلاً (الناس عالم ومتعلم ولا خير فيما بينهما) ولذلك أصبحوا لذكائهم الوقاد وحب اطلاعهم عَلَى كل شيء يخوضون غمار العلوم الطبيعية والرياضية فابتدعوا الكيمياء وبرعوا بها وطبقوا تلك العلوم عَلَى الزراعة والصناعة ولهم المنة عَلَى سائر الأمم بأرقامهم العربية النائبة مناب الرومانية وباستنباطهم فن الجبر والمقابلة واختصارهم الهندسة وأعمالهم الجميلة الفلكية في أبحاث سميت الشمس ومعادلة الليل والنهار والبقع الشمسية فقد اصطنعوا الآلات العجيبة الفلكية كالإسطرلاب ونحوه واكتشف كيماويوهم وأطباؤهم خواص الألكحول والنشادر وحامض الآزوت والكبريت والمياه المعدنية وأدخلوا في كثير من علاجاتهم مواد من نبات بلادهم الوطنية كالكافور والراوند والسنامكي وقد أوصلتهم قرائحهم التاريخية لإنشاء عمل شعري بديع وهو ألف ليلة وليلة أقول وهم أسرع الناس إلى تدوين أنسابهم وملاحمهم وأبطالهم ورواية أشعارهم والكتابة في الفلسفة والتاريخ وفنون الاجتماع كابن خلدون وغيره من جهابذة الإسلام. أما الفنون الجميلة فإن العرب نهجوا فيها نهج البيزنطيين ولم يخالفوهم إلا بعدم تجسيم الحيوان ولكنهم استعاضوا عنه بالنقش النباتي من تشبك أوراق وأقواس باهرة وفصفصة زاهرة وآطام ومعاهد ساحرة كقصور تونس ومصر وبغداد وجامع عمر في القدس وجامع قرطبة والقصر في أشبيلية والحمراء في غرناطة الخ. والعرب عمال زراعة ورجال براعة فقد برعوا في سقي الجنائن واخترعوا النواعير العجيبة بل ووطنوا النباتات والأشجار الأفريقية والآسيوية في أوربا كالنخل والبرتقال والتوت والقطن وقصب السكر والذرة والأرز والحنطة السوداء والزعفران والهندباء والخرشوف والسبانخ والباذنجان والطرخون والبصل والياسمين الخ. وينسب إليهم اختراع طواحين الهواء ونواعير الماء وهم هم الصناع المجيدون الأولى صنعوا الجلود القرطبية وعملوا البسط الفاخرة ونسيج الشف (برنجك) والحرير سيما الأقمشة الموصلية والأقمشة والأسلحة الدمشقية وبخارى دمشق وبلنسية ومعامل الزجاج الملون ومصانع الفخار اللامع والأواني المغربية وموارد أخرى عديدة بها أثرت بغداد طليطلة وقرطبة. وفي التجارة أحرز العرب فوق النضال عَلَى سواهم فقد رقوا الصناعة البحرية ووضعوا قوانين لحقوق الملاحة واستعاروا بيت الإبرة من الصينيين (بوصلة) وضبطوا التجارة بفن مسك الدفاتر أي ضبط وشرحوا الكفالة وأنشأوا المصارف للفقراء ووضعوا السفاتج (كمبيالة) المألوفة وردود التمسك (بروستو) وبعثوا روح الحركة في مصارفنا الحديثة. وكنت تراهم حيثما سكنوا مهدوا السبيل وعمروا المرافئ والفرض وأصلحوا وأنشأوا الفنادق والرباطات ورتبوا سير القوافل الاقتصادية ولم تكن المدن الإسلامية غير أوساط تجارية كبرى وبغداد دار السلام لم تكن من القرن الثامن للعاشر وميناؤها الصرة غير مستودعات للشرق بحذافيره فقد كان بها مليون من السكان وكان لتجارها الكبار علائق مع الموصل والبلاد الأرمنية وفارس وتركستان (بخارى وسمرقند) والهند وجزائر الصوند (جاوة وسومطرة) التي كانت تبيع الأخشاب الثمينة وكانوا يواصلون الصين بطريقتين بري وهو ما نهجه الرومانيون ممتد في سهول البابير ووادي تاريم والآخر بحري وهو المحيط الهندي ومحطاته مرفأ قانطون وستيغارة القديمة التي كانوا يجلبون منها الأقمشة الحريرية والأواني الصينية وقطن نانكين والورق الأرزي وصمغ اللك ثم يرجعون أدراجهم إلى بغداد لتوزيعها عَلَى سائر الجهات التي يستعمل أهلوها سكة الخلفاء. والدرهم الفضي كان يساوي نحو فرنك والدينار الذهبي مقدار ١٣ أو ١٤ فرنكاً وقد أهدى هارون الرشيد خليفة بغداد لشارلمان الأقمشة الحريرية والعطور وشمعداناً مشعباً من القلز (برونز) وساعة مائية كانت سبباً لإعجاب فرنجة إيكس لاشابل فقابله عَلَى ذلك بالخيول المطهمة والبغال المزينة وكلاب الصيد وأقمشة مدنية فريز الصوفية. وكانت بغداد متصلة بكابل لأسواقها الشهيرة مع سمرقند وحلب المرتبطتين بحبل من القوافل السيارة متيني وهكذا كان ينقل شال كشمير وأقمشتها ومسك التبت وتركستان وعقاقيرها عَلَى ظهور الجمال في الغدو والآصال. وكانت دمشق مدينة الصناعة الجميلة مركز تجارة شبه جزيرة العرب ومصر وسورية. وبواسطة ثغر السويس كانت تصل العرب بضائع عدن وجدة. وقد تحول لمصر قسم عظيم من الحركة التجارية وذلك من البلاد التي نبتت فيها البذور الإسلامية كالشرق الأقصى ومنه الصين وماليزيا وأصقاع قروناندل ومالابار وجزيرة مدغسكر وقد أنشأ الخلفاء الفاطميون مصر القاهرة أي مدينة النصر ولا تبعد عن منفيس القديمة كثيراً. واحتفظت مدينة الإسكندرية ملياً بمكانتها السابقة وجرفت عربها نهر تراجان مرة ثانية وبه شدد وثائق النيل بالبحر الأحمر وسبروا بأسفارهم أغوار بلاد الحبشان وكردوفان وأسسوا المكاتب التجارية في أقطار أفريقية الشرقية ومونباسا وكيلوا وموزامبيق وصوفيا وميلندا وجلبوا منها المسحوق الذهبي والعاج وحراشف السلاحف البحرية وأصبح في المغرب من العواصم الشهيرة كالقيروان ومرفأها السوس الصغير وأرغلا وواحتها الغنية في الصحراء الجزائرية وتلمسان وفاس وغيرها من المدن الكبرى التي كانت ينابيع البيع والشراء والأخذ والعطاء. وكان سكان فاس ٥٠٠ ألف وتصدر مختلف الأصواف والجواهر (المعادن) والعطور والجلود المراكشية واستعمرت مستعمرات في فزان وطواط والسودان وكانت طمبكتو التي يقطعها نهر النيجر مجمعاً كبيراً من مجامع الوكلاء التجارية. وأما قرطبة عاصمة الأندلس فقد كانت تحتوي عَلَى مليون من البشر وعلى ٢٧٣ ألف بيت و ٦٠ ألف قصر (خلعت عليه جمالها الأيام) وكانت في أشبيلية ٣٠٠ ألف نسمة وطليطلة ٢٠٠ ألف وكذلك غرناطة وقادس ومالقة والمرية ومرسية وجيان وطليطلة وسرقسطة وبرشلونة فقد كانت هذه البلاد تضم بين جوانحها مختلف الشعوب الإسبانية ومتباين الأمم الغربية التي كانت ترد حياضها لتناول أقداح العلوم والصنائع والفنون ولجلب صنائع التبرج والزينة ودامت العلائق الاقتصادية زمناً بين بيزر ومونبليه الفرنسويتين وبين إسبانيا المسلمة. وأما برشلونة وأشبيلية فكانتا من أكبر الموانئ الإسبانية وكانت الأولى ترسل سفنها للمغرب وآسيا الصغرى ورودس والقسطنطينية وعقدت في مصر معاهدات شتى مع بيزا وجنوة الإيطاليتين في مسائل الحوالات وسائر أعمال المصارف. وأما أشبيلية فكانت تبعث أساطيلها وعماراتها للأوقيانوس الأطلانطيكي لمداهمة الجزائر البريطانية وبلاد القاع (هولاندة). وإن تعجب فأعجب للعرب كيف نبغ بينهم لأسفارهم المترامية أساتذة جغرافيون شذبوا بأقل وقت كتاب بطليموس واكتشفوا بلاداً أخرى بغير أقدامهم لم توطأ ووسعوا المصورات التقويمية للغربيين وأشربوهم ذوق التنقل وحب الترحال نخص بالذكر منهم المسعودي وابن حوقل وابن بطوطة والإصطخري ونرفع بين مشاهير الرواد راية سليمان وأبي زيد حسان اللذان عاشا للقرن التاسع ولقبا بالمحمديين وجاب أولهما شبه جزيرة مالقا واكتشف سلسلة الجبال المسماة باسمه لليوم وسبر طول نهر السند واطلع ثانيهما عَلَى أحوال ماليزيا والتبت وأقطار المحيط الهندي الأفريقية. وكم وكم عادت الحروب الصليبية عَلَى الغرب بخيرات لا تستقصى ولو لم يكن منها غير تحطيم قيود التعصبي الكنيسي لكفى. وذلك لما رآه الصليبيون من تسامح المسلمين وتساهل مشاهير أمرائهم مثل صلاح الدين الأيوبي والملك العادل اللذين لقي منهم أهل الصليب كل شرف ولطف وتفضل وبضدها تتميز الأشياء ولذلك يمكننا أن نقول أن الكنيسة ورؤساءها كبطرس الراهب الذين أرادوا تقويتها ورفعة شأنها لم يسعوا لحتفهم إلا بظلفهم لأن تلك الحروب لم تجدهم إلا شراً. وإذا تألم الوجدان من تصالح الغرب مع الشرق وانقطاع ينابيع الدماء لذلك فقد اكتسبت هاتان الأمتان من الفوائد المادية والأخلاقية التي أذاقتهم طعم السعادة ما نساهم أيام الشقاء. وهكذا ترى البحارة انتشرت بعد الحروب الصليبية أكثر من انتشارهم أيام الممالك الرومانية فتعودت أوربا من العرب عادات الفضيلة والمدنية وكل ما يهون الحياة ويحليها للأنفس وابتدأ الغربيون يطوفون اقتباساً عن العرب مختلف أنواع النبات والحيوان واخذوا يصنعون الأقمشة القطنية والحريرية وسكر القصب والألكحول وقلدوا العرب في أزيائهم وعمل الأسلحة العربية ثم توطد الأمن واتحدت العلائق والإسلاميون وذاق الصليبيون لذة الأسفار بعد حروبهم حتى صار الآسيويون من الرأس الأصفر لا يخشون من رحيلهم إلى رومية وليون وبرشلونة وباريس بل ولوندرا العصيبة. انقلب مجن الزمان بعد تلك الحروب وزالت الريب والمخاوف وابتدأ المتصالحون يمتلكون هذه الأرض يسبرونها ويشكون في هيئتها حتى جرهم ترقي الجغرافيا لاكتشافات عديدة في العلوم الطبيعية والفلسفية بله نقول أيضاً أن تلك الحروب الصليبية وإن سبقت رواج أسواق النجارة غير أن هذه التجارة قد قربت متفرق المتحاربين ورأبت منهم الصدع وأسقطت السلاح من أيديهم وقدمت الهيئة الاجتماعية كثيراً. دمشق المترجم: عز الدين شيخ السروجية أخوان روح القدس كل دعوة تجد في أميركا بلاد الغرائب أنصاراً وكل مذهب يصادف أخواناً وأخداناً. وقد قرأنا في المجلة مقالة في مذهب جديد نشأ منذ بضع عشرة سنة يزعم أربابه أن المرضى مأخوذون لا يشفون إلا بطرد الشيطان عن أجسامهم بضربات من التوراة. نشأ هذا المذهب في ولاية مين في دورها. ثم انتشر بفضل رئيسه فرانك ستانفورد الذي يدعوه أشياعه إلياس الثاني ويرونه ظل الله عَلَى الأرض عَلَى أن من لا يعتقدون فيه يرونه من أبرع المشتغلين بالروحانيات أما الملحدون فيعتبرونه متعصباً محتالاً. ولما شرع هذا الرجل بتأسيس معبد لشيعته لم يكن يملك قرشاً فتبرع أحد الأخوان بالأرض وعمروها في مدة قليلة ومنهم المهندس والبناء ومنهم الذي أتى بالأحجار وآخر بالأخشاب وغيره بمواد البناء ومنهم من وقف ماله كله بحيث لم يمض عَلَى تأسيس هذه الشيعة ١٥ سنة إذ تأسست سنة ١٨٩٦ حتى أصبح رأس المال لها نصف مليون فرانك أتت كلها من صلوات يتلوها صاحب المذهب والأخوان يعتمدون عَلَى الله ولذلك يرون أنهم يغنيهم رب السماوات وقد زعموا أن الله بذاته أوعز بإنشاء هذا المعبد وقدر انجازه عَلَى أتم صوره مع ما يتبعه من مستشفى ذو أربع طبقات ومدارس ومساكن وغير ذلك فكانت الدراهم إذا نضبت يأتيهم الفرج من حيث لم يحتسبوا فيغادرون العمل ويزعمون أن مئات أووا إلى هذا المستشفى فشفوا من أوصابهم من فالج وغيره بضرب كتاب التوراة عَلَى الحائط فما هو إلا أن تغادر أجسامهم الشياطين التي تلبستها وقد ثبت ذلك فيما قالوا بألوف من الشهادات عَلَى أن التطبب في هذا المستشفى مجاني يدخله الأخوان وغيرهم. ويدعي ستانفورد أنه ينفذ إرادة الله عَلَى الأرض فيصعد كل يوم إلى برج عالٍ في المعبد ويكلم المولى كما كزان يفعل موسى الكليم يستملي أوامره تعالى ثم يبلغها أخوانه فيجيبون عليها بالسكوت. وأصل ستانفورد قس من أهل كنيسة الباتيست في نيوهاميشر وهو قوي نشط شاب تخلى أول أمره عن كل ما يملك وبقي يسيح ثلاث سنين ونصفاً فنصح له أصحابه أن لا يأتي ما أتى من ترك راحته وزوجته فلمك يسمع وبث دعوته فقبلها من قبلها متأثرين من هيئته العظيمة وحركته الآمرة وكلامه المقنع وأسسوا المعبد في مكان عالٍ مشرف عَلَى مدينة مين ووضعوا تحت أمره مصرف الله وكل ما فيه للرب أقام ستانفورد وكيلاً عنه. ثم رأى هؤلاء الأخوان أن يبثوا دعوتهم في أقطار الأرض فاتخذوا لهم أسطولاً يركبونه هم وحدهم وهم يتولون بأنفسهم جميع أموره وهو عبارة عن سفينتين ويخت وهذا الأسطول ساعد ستانفورد وأشياعه أن يطوفوا أهم بلاد الكرة الأرضية فبينا كنت تراهم في ليفربول إذا هم في فلسطين وكانت الصلوات تقام في غياب ستانفورد كما لو كان حاضراً يقيمها أكبر الجماعة سناً ويعتقدون بأن روح صاحب المذهب لا تفتأ تدبر أمرهم. وهم اشتراكيون بالفعل فينال كل أخ في اليوم كمية محددة من الخبز والطحين تقل وتكثر بحسب الإيجاب من السماوات التي ينفذ أمرها ستانفورد وجميع الخوان يعتمدون عَلَى الله ولا يحسبون حساب الغد بل الله كفيل بحاجاتهم ويتعلم الأولاد كلهم في المدارس الاعتماد عَلَى الله بحيث أن هؤلاء الجماعة لا يحزنون ولا يتأثرون حتى لمصابهم في أعزتهم فإذا مات لهم عزيز يجعلونه في نعشه بدون احتفال ولا أبهة ولا يبكون عليه ويعتقدون أن الجسم هو غشاوة الروح التي يرفعها الله إليه وهو حر مطلق فيها وما التألم للمصاب إلا وهم وعبارة عن قامة الحجة عَلَى عمل المولى ولا يحفلون كثيراً بقبور موتاهم بل يكتبون اسم المتوفى بدون اسم أسرته بحيث يدرس بعد حين. وكان عدد هذه الشيعة إبان إنشائها نحو مائتي نسمة ولم يزد عددهم كثيراً بعد ولكن لهم في جميع الولايات المتحدة أشياع يمثلون ستانفورد في مذهبه ومن هؤلاء الأخوان من كانوا أغنياء فتخلوا عن كل ما تملك أيديهم للطائفة ومنهم من كان يملك الخمسين أو المئة ألف فرنك. وقد كتب ستانفورد كيف تدار آسيا وأفريقية وأوربا والشرق الأقصى والصين واليابان وجزائر مالايو ومصر وفلسطين وإيطاليا وفرنسا وإنكلترا لخدمة طائفته قال لقد أقنعتني هذه السياحات بأنه من المتعذر نشر الإنجيل بسرعة في مجموع شعوب الكرة الأرضية فإن هذا العمل من الأوهام لأن كثيراً من البشر لم يسمعوا باسم الله قط ولا يعتقدون بشيءٍ في حين ينبئ كل شيءٍ بوجود الله إلا هذا الإنسان الذي يكفر به كما قال شاتوبريان فإن عشب الوادي وأرز الجبل تقدسه والحشرة تطن بمديحه والفيل يسلم عليه في الصباح الطير يتغنى باسمه في الأوراق والصاعقة تبث قدرته والبحر المحيط يعلن عظمته واتساع ملكوته وما غير الإنسان منكر للصنائع ولا أكاد أجد ثلاثة ملايين من سكان الرض كلهم لا يعرفون من هو المسيح وإني لا أعتقد بأن الناس سيعرضون عَلَى الديان في اليوم الأكبر مقسومين إلى قسمين قسم يقوده المسيح والآخر المسيح الدجال إلى غير ذلك من العقائد وبعضه ملفق من الأديان السماوية وبعضه من عادات القوم وتقاليد صاحب المذهب. محصول الذهب والفضة كتب إيف كويو الاقتصادي الشهير رئيس تحرير مجلة الاقتصاديين الباريزية مقالة في الذهب والفضة قال فيها ما تعريبه ملخصاً: كانت أوربا عَلَى عهد اكتشاف أميركا سنة ١٤٩٢ فقيرة جداً بالمعادن الكريمة تملك ما قيمته نحو مليار فرنك من الذهب والفضة وباكتشاف أميركا انصرفت الرغبة إلى جلب الأبيض والأصفر. ويؤخذ من تقرير وضعه بعض الاقتصاديين متخذ ين الكيلو غراماً واحداً قياساً فقدروا كيلو غرام الذهب بـ ٣٤٤٤ فرنكاً و ٤٤ سنتيماً وكيلو غرام الفضة بـ ٢٢٢ فرنكاً - إنه بلغ محصول الذهب من سنة ١٤٩٣ - ١٥٢٠ ٥٨٠٠ كيلو غام قيمتها ٢٠ مليون فرنك ومحصول الفضة ٤٧ ألف كيلو قيمتها ١٠ ملايين فرنك وهكذا تدرج المحصول بحسب الأدوار حتى بلغ ما استخرج من الذهب من سنة ١٥٨١ - ١٦٠٠ ٧٣٨٠ كيلو من الذهب قيمتها ٢٥ مليون فرنك و ٤١٨٩٠٠ كيلو من الفضة قيمتها ٩٣ مليوناً. وكان مجموع محصول الذهب والفضة من سنة ١٥٦١ إلى سنة ١٥٨٠ - ١٨٠٠ مليون وفي العشرين السنة التالية بلغ مجموع ثمن المستخرج من المعدنين ٢٣٧٠ وهكذا بلغ مجموع قيمة ما استخرج من الذهب والفضة خلال مئة وسبع سنين ٤١٧٠ مليون فرنك أي نحو أربعة أضعاف ما كان في أوربا عَلَى عهد الفتح الأميركي سنة ١٤٩٢ ومع كل هذا فإن إسبانيا لم تغتن بما ورد عليها أكثر من جميع ممالك أوربا من الذهب ووقعت في ضائقة لا مثيل لها وأصبح جند فيليب الثاني بلا طعام ولا علوفات فيعيشون بالنهب والحاجيات غالية غلاءً فاحشاً أدى لوقوع الشكايات العامة. فحددوا سعر الحنطة ومنعوا إصدار المصنوعات إلى أميركا كما منعوا إخراج الصوف فكان المعدنان الكريمان ينهالان عَلَى انفرس بواسطة صيارفة جنويين. وما برح الاقتصاديون منذ بودين في القرن السابع عشر إلى لوك إلى مونتسكيو إلى دافيد هوم إلى جايمس ميل إلى نيكلسون وإضرابهم يقولون في ارتفاع أسعار الذهب والفضة آراء وإن اختلفت في ألفاظها فمآلها واحد فقد قال هوم: زيدوا البضائع تنزل قيمتها وزيدوا النقود ترتفع قيمتها. وقال الأستاذ نيكلسون: الذهب ريح التجارة ومد الصناعة وجزرها وكثرته وقلته يعلي أو يخفض الأسعار العامة كالريح أو الجزر يزيد أو يخفف سرعة البواخر. وبعد فقد كان محصول الذهب مدة ٣٥٨ سنة أي من سنة ١٤٩٣ إلى ١٨٥٠ ٤٧٥٢٠٠٠ كيلو قيمتها ١٦٧٣٦ مليون فرنك ومحصول الفضة ١٤٩٨٢٦٠٠٠ كيلو ثمنها ٤٠٦١٧ مليون فرنك وبلغ محصول الذهب من سنة ١٨٥١ إلى ١٨٧٥ ( ١٦٤٤٨ ) مليون فرنك أي أنه تضاعف وبلغ محصوله من سنة ١٨٧٦ - ١٩١٠ ( ٣٩ ) مليار فرنك أي أن مجموع محصوله في ٣٥ سنة ساوى المجموع السابق كله وزاد عليه ١٨ في المئة وقد زاد محصول الذهب منذ اكتشف مناجمه في كاليفورنيا سنة ١٨٤٩ وفي أوستراليا سنة ١٨٥٠ . وزادت حركة الغنى في أوربا بعد سنة ١٨٤٧ وقت المجاعة ثم وقفت وقوفاً مؤقتاً زمن الثورات التي حدثت من سنة ١٨٤٨ إلى ١٨٤٩ في بعض بلاد أوربا وبعد قبول إنكلترا لقانون حرية المقايضة فقبض الناس أيديهم وتعطلوا عن العمل ونهبت الأموال فلما زالت تلك الغشاوة عادت الحركة أكثر من قبل وكثر الطلب أكثر من العرض كما هي العادة في مثل هذه الأحوال بعد اشتداد النوازل وتكاثر الأهوال وكلما كان معدنوا الذهب في كاليفورنيا وأوستراليا يغرقون بما يستخرجونه منة هذا المعدن الكريم وهم في حاجة للمصنوعات والمأكولات كانت الحركة تزيد بين الأمم وتربح من ذلك البلاد الصناعية أرباحاً هائلة فضاعفت إنكلترا من سنة ١٨٥٠ إلى سنة ١٨٥٦ خطوطها الحديدية فحدث ٤٠٠٠ ميل زيادة وأنفق من هذا الذهب في حرب القريم كمية ولكن كل حرب يعقبها ارتفاع في الأسعار. فالنشاط في الصناعة قد بدأ من جلب الذهب من كاليفورنيا وأوستراليا إلى شرقي الولايات المتحدة فانشأت خطوطاً حديدية كثيرة بحيث بلغ ما مدته من سنة ١٨٤٩ - ١٨٥٧ ( ٢١ ) ألف كيلومتر ومن ذلك راجت سوق المضاربات والمصارف وكان من أمر هذه الحركة في ارتفاع السعار أن عادت فحدثت أزمة مالية في أميركا فاغلق فيها ١٥٠ مصرفاً دع عنك شركات الضمان التي أفلست ولم يبق من مصارف نيويورك سوى مصرف واحد من ٦٩ مصرفاً استطاع أن يؤدي ما عليه واصاب إنكلترا من هذه الضائقة شيء كثير إذ كان لها في أميركا من الأموال ما تبلغ قيمته ثمانين مليون ليرة وعقيب حرب إيطاليا وحرب الشمال مع الجنوب في أميركا عادت الأسعار فارتفعت لا لكثرة الذهب بل لأن الذهب أصبح يقايض عليه بورق. ولئن كان المعول عَلَى الذهب في مقايضات الأمم فإن البلاد ذات العيارين أي التي تتعامل بالذهب عَلَى حد سواء ظلت ينهال عليها الذهب ومع هذا لم ترتفع أسعار الحاجيات عَلَى تلك النسبة فالحنطة لم ترتفع إلا بفضل الولايات المتحدة والسكر نزلت أسعاره لكثرة انتشار زراعة الشوندر وبفضل فتح برزخ السويس وتسهيل طرق الملاحة لم ترتفع أسعار الشاي وكثر محصول الحديد وخف سعره ولكتن كثر الطلب عليه بسرعة وزادت أسعار اللحم والجلد زيادة فاحشة وكان من نتائج حرب النمسا وبروسيا ارتفاع الأجور كما كان من نتائج حرب فرنسا وألمانيا أن صرف فيها مباشرة أو بالواسطة ١٤ مليار فرنك ثم أنشئت في الولايات المتحدة والنمسا وروسيا ألوف من الكيلومترات من الخطوط الحديدية. وكان من أمر الغرامة الحربية التي أخذتها ألمانيا من فرنسا أن زادت الحركة في ألمانيا زيادة عظمى وكانت النمسا قد دخلت في جميع ضروب المضاربات وفرنسا تحتاج للمال وإنكلترا تحتاج للنقود لكثرت ما أصدرت منها إلى خارج بلادها فحدثت فيها أزمة سنة ١٨٧٥ وبها نزلت الأسعار وظل نزول الأسعار مطرداً من سنة ١٨٧٣ ما خلا بعض الأحوال القليلة ومنذ ذاك الحين لم يحدث من الحروب المهمة سوى الحرب الروسي العثماني الذي أنفقت فيه نفقات هائلة ولكن وسائط النقل وذرائع الانتفاع كثرت ونز لت ونزلت أسعار الحبوب بما ورد عَلَى أوربا من حنطة الولايات المتحدة وكندا والهند وروسيا ثم حدثت حرب الترنسفال التي أنفقت فيها عدة مليارات من الفرنكات فأخذت السعار بالصعود ثم حدثت الحرب الروسية اليابانية فانفق عليها بضعة ملايين من مليارات الفرنكات ومن جملة الأسباب في ارتفاع الأسعار قلة مواشي أوستراليا التي كان من جفاف ١٩٠٣ أن نزل عددها من ١٠٦٠٠٠ رأس إلى ٥٤ ألفاً وكثر الطلب عَلَى الصوف وكذلك زاد محصول الحرير والطلب عليه ومع تكاثر الناس والطلب عَلَى الحنطة كان محصول الذهب واحداً بالنسبة للحنطة واللحم بيد أن الذهب عَلَى زيادة محصوله السنة بعد الأخرى لم يكن السبب في ارتفاع الأسعار بل عن كثرته أقل من ترقي صناعات الفحم الحجري والحديد وإذا قيس محصول الذهب بالنسبة لمجموع صناعة العالم فقيمته طفيفة جداً. فما يخرج من المعامل من أنواع الصناعات والمصنوعات وما يخرج من المزارع من أنواع الغلات والثمرات أكثر بكثير مما يخرج من ركائز الذهب وإذا حسبنا مجموع ما يخرجه سكان الأرض وهم ألف وستمائة مليون لا يعد محصول الذهب شيئاً في جانبه بل لا يكون واحداً في المئة من مجموع أعمال العالم وحاصلاتهم ثم إن ما يحصل من الذهب لا يتعامل بنحو نصفه فإن المحصول الذي بلغ منذ اكتشاف أميركا إلى اليوم ٦٩ مليار فرنك قد قدروا ما هو موجود في المصارف وبين أيدي الناس منه فلم يبلغ أكثر من ٣٦ ملياراً ونصف المليار من الفرنكات والنصف الآخر من محصول الذهب خزن أو استعمل في بعض الصناعات واختلف الأخصائيون فيما تستغرقه الصناعات من الذهب ولم يتجاوز تقديرهم النصف من محصوله ولم ينقص عن الثلث إلا قليلاً. وختم العالم صاحب هذه المقالة مبحثه بالنتيجة التالية: ( ١ ) إن زيادة محصول الذهب كانت أبطأ بكثير من زيادة محصول الصناعات الرئيسية ( ٢ ) إن استخراج الذهب ليس إلا صناعة صغيرة ( ٣ ) إن زيادة المستخرج من الذهب وإن أكثرته فالطلب ما زال يتجاوز العرض عَلَى الدوام ( ٤ ) إن زيادة المستخرج من الذهب في السنين الأخيرة لم يؤثر في أدنى تأثير في ارتفاع أسعار بعض البضائع ( ٥ ) إن القائلين بنظرية الكمية لا يقاومون من مراقبة الواقع. الشيوخ في أوربا أحصى أحد علماء الدانمرك عدد الشيوخ في أوربا الذين بلغوا المائة من عمرهم فوجدهم ٧٠٠٠ ووجد من إحصائه أن أكثر البلاد التي يوجد بها من هذا القبيل هي البلقان إذ يبلغ عددهم ٥٠٠٠ من السبعة آلاف المذكورة. ويوجد من كل مجموع هؤلاء الشيوخ ٣٨٨٣ بلغاريين و ١٠٧٤ رومانيين و ٥٧٣ صربيين و ٤١٠ إسبانيين و ٢١٣ فرنسويين و ١٩٧ إيطاليين و ١١٣ نمسويين ومجريين و ٩٢ إنكليزاً و ٨٩ روسيين و ٧٦ ألمانيين و ٢٣ نروجيين و ١٠ أسوجيين و ٥ بلجيكيين و ٢ دانمركيين. هبات الأميركيين قالت مجلة العالم الجديد كان مبلغ الهبات المالية التي وهبها المحسنون الأميركيون في سبيل الخير والنفع العالم في سنة ١٩١١ عَلَى ما أعلن في ختام هذه السنة ٢٥٨ . ٧٥١ . ٦٩٥ دولاراً وهو أعظم مبلغ وهب في سنة واحدة في أميركا بل ربما في العالم حتى الآن وكان الفائز بقصب السبق في مقدار البذل المثري والمحسن الشهير أندرو كرنجي الذي بلغت هباته هذه السنة فوق الأربعين مليون دولار ولم تبلغ هبات روكفلر المثري الآخر الشهير غير ثلاثة ملايين وثمانمائة وعشرين ألفاً. كيفما نظرت وأينما حللت في أميركا تجد آثار هبات المحسنين ظاهرة تنطق بفضلهم وتخلد الذكر الجميل لهم. فالمكاتب الجميلة ومعاهد العلم الجليلة والمستشفيات والملاجئ الخيرية المؤسسة والمدارة بالهبات الخصوصية من هذه الآثار كثيرة جداً وفي كل سنة تنفق الملايين من إحسانات الأفراد في سبل متنوعة عَلَى الفقراء والمحتاجين عدا ما تبذله الحكومة والبلديات من هذا الوجه. وترى ملاجئ العجز ودور الصم والعميان والمقعدين والأيتام قائمة في كل جهة شواهد عَلَى كرم أفراد المحسنين. خلِّ عنك ما يبذل في سبيل المتاحف ومعاهد الآثار والتهذيب وما ينفق عَلَى إرسال المبشرين ومساعدة رجال العلم وغير ذلك ألف أمر أخر تبسط له أكف المحسنين بسخاء يدل عَلَى محبة صحيحة للخير والنفع العام. وقد يتصور معظم الناس أن بذل المال عند كبار المحسنين أمر هوين مازال هذا المال موجوداً وليس عليهم غير إنفاقه إلا أن الحقيقة تناقض هذا التصور لأن بذل المبالغ الكبيرة من المال علم مستقل بنفسه يقتضي درساً دقيقاً حين يقصد القيام به بحكمة تضمن حصول النفع. ولهذا يستخدم جون روكفلر جماعة خصوصيين من الرجال الذين لا اهتمام لهم إلا بتوزيع هباته حيث يمكن تحقيق إتيانها بفائدة ومعظم المحسنين الكبار يتصرفون بنوع من التأني في بذلهم وكثيرون منهم يدرسون المشايع التي يراد البذل في سبيلها درساً خصوصياً بنفوسهم عَلَى نحو ما يفعل مورغن وشيف وفي بعض الأحيان روكفلر لنهم يعتبرون أنهم قد يبذلون ثرواتهم جزافاً إذا لم يترووا أو يسلكوا. يؤثر عن أندرو كرنجي قوله أن لا خير في الرجل الذي يموت غنياً ويذهب كثيرون عَلَى أنه عامل عَلَى إنفاق كل ثروته قبل وفاته. إلا أن محسناً أميركياً آخر سبق كرنجي إلى العمل بمنطوق هذه العبارة فبذل كل ثروته البالغة سبعة ملايين دولار دون أن يحتفظ منها بشيء وهو الآن مقيم في أحد الملاجئ التي أنشأها كرمه يقضي بقية أيامه بسلام. وهذا المحسن هو الدكتور د. ك بيرسون من هايندزدايل إيلينويز الذي وهب في هذه السنة آخر ما كان يملك بما فيه أرضه والبيت المحيطة به. ولكن الدكتور بيرسون لا يعد من كبار محسني سنة ١٩١١ وإن تكن هباته بإجمالها كبيرة. بل يرد في المقام الثاني بعد كرنجي الدكتور صموئيل بالا أحد أطباء لوس أنجلس كاليفورنيا الذي وهب ثروة لا تقل عن عشرة ملايين دولار ورثها من أسرته في بلاد المجر. وتخلى عن جميع ألقاب الشرف التي كانت له حينما تجنس بالجنسية الأميركية. وإن مثل الدكتور بالا وأندرو كرنجي - وكلاهما غير أميركي المولد - أكبر برهان عَلَى استحقاق المهاجرين وعظم إفادتهم لوطنهم الجديد ومقدار شعورهم مع إخوانهم الأقل منهم حظاً. ومن تنوع الغايات التي تناولتها إحسانات سنة ١٩١١ أن السيدة ماري تروترشاستيان وقفت ثروتها البالغة خمسة ملايين دولار عَلَى إقامة ملجأ للنساء من بنات النعمة اللواتي أخنى عليهن الدهر وأصبحن بلا ملجأ. وقد أقيم هذا الملجأ في لكسنتن كنتكي وهو الوحيد من نوعه في هذه البلاد. ومنها أيضاً ما يسعى إليه أحد أعظم تجار شيكاغو جيمس باتن من تطهير الأرض من السائل الرئوي أو الطاعون الأبيض فقد خصص لذلك حتى الآن لا أقل من أربعة ملايين دولار وهو يوالي تبرعاته بدون حساب في هذا السبيل. أما دافعه إلى ذلك فهو أخاه توفي بالسل أولاً ثم ما لبث أن توفى ابنه فكان له بذلك باعث شخصي عَلَى مقاتلة المرض الوبيل زيادة عَلَى الباعث الإنساني العمومي. ومنها أيضاً أن الصحافي الأميركي الشهير جوزيف بولتزر صاحب جريدة الورلد النيويوركية الذي توفي هذه السنة خصص مبلغ مليوني دولار لإنشاء مدرسة صحافية في جامعة كولمبيا. وقد كان بولتزر مهاجراً أيضاً إلا أنه أصبح من أعظم الرجال الأميركيين العموميين وكان قوة معدودة في السياسة ومن أكبر قادة الرأي العام عَلَى الرغم من ابتلاءه بالعمى في العشرين سنة الأخيرة من حياته. أما أعظم هبات هذه السنة وهي التي تفوق قيمتها المليون ونصف المليون عَلَى اختلاف غاياتها الخيرية والعلمية والتهذيبية فبيانها كما يأتي: أندرو كرنجي ٤٠٧١١٣٠٠ الدكتور صموئيل بالا ١٠٠٠٠٠٠٠ السيدة ماري تروترشاستيان ٥٠٠٠٠٠٠ بيتر بنت بريغهام ٥٠٠٠٠٠٠ جيمس باتن ٤٠٠٠٠٠٠ متشل فالنتين ٢٥٥٩٥١٤ جون د. روكفلر ٣٨٢٠٠٠٠ جون م. بورك ٢٠٠٠٠٠٠ الآنسة كاترين اوغستادي بوسيتر ٢٠٠٠٠٠٠ جوزيف بوليتزر ٢٠٠٠٠٠٠ القائد ك. كولمان ٢٠٠٠٠٠٠ السيدة روسل ساج ١٥٠٠٠٠٠ جورج كلايتون ١٥٠٠٠٠٠ المرأة في الولايات المتحدة كتب البارون دوستورل دي كونتثان من أعضاء مجلس الشيوخ في فرنسا مشاهدته في الولايات المتحدة فقال أن مسألة التربية المشتركة في الولايات المتحدة أي تربية الشبان مع الشابات قد انحل أشكالها في ولايات الغرب أما في ولايات الشرق فقد اخذوا يتناقشون فيها وذكر ما رآه في كليات الشرق من امتزاج البنين بالبنات في المدارس الداخلية فتراهم يتعلمون ويلعبون ويرتاضون معاً وللفتيان أماكن خاصة لنومهم كما للفتيات بحيث ترى ربات الجمال يعملن فلا يخفن الهواء ولا البرد ولا الحر ولا عيون الرجال وما قط سمع بعار ارتكب أو فضيحة أتيت. ولقد كان يخامر خاطري وأنا أرى أولئك الفتيان والفتيات يتراكضن ويتدارسن متروكين لغرائزهم ثم بدا لي بعد الاختيار أن هذه التربية هي آكد الطرق إلى الفضيلة وأن استعمال الحرية أحسن ذريعة وأتم نظام وأن فتيان الفرنسيس ليغلطون إذا وهموا أن هذا النوع منة التربية الأميركية لا يخرج رجالاً أكفاء ونساء ذات كفاءة فإنا نرى أبناء هذه التربية يسيحون في أوربا وأكثرهم لا يعرفون لغاتها وبحسن رجولتهم ومتانتهم يحسنون التخلص في كل مكان فهم يرون أن تربيتهم المستقلة لا تفصلهم عن سائر العالم بل تقربهم. ولكالما سألني النساء ولاسيما في اقصى الغرب من أميركا حيث بلغ ارتقاء الجنس اللطيف أقصى كماله عن رأيي في حالة المرأة الأميركية والمرأة الأوربية وقالت لي إحداهن أنك أتيت من أوربا بأوهام وتقاليد بشأن المرأة وكيف جاز للأم الفرنسية أن تشك في عفاف ابنتها فلا تتركها بعد الغروب تسير وحدها فاجبتها بان بناتنا قلما نخاف عليهن من الوطني بقدر ما نخاف مثلاً عَلَى الفتاة التي تسير وحدها في جادة باريز لكثرة ما يجيء هذه العاصمة من أخلاط الزمر الذين يجيئون لينفقوا فيها أموالهم والفتاة لا سلاح معها لا ضد القانون فقط بل ضد الأخلاق التي يجب تحسينها قبل كل شيء. وقال لي إحداهن: ولا تظنن أن المرأة الأميركية سعيدة أكثر من المرأة الإفرنسية فإن زوجها وإياها لا يشركها في حياته كما يشارك الفرنسوي زوجته أو ابنته فالزوج الإنكليزي يمر أمام امرأته والمرأة الأميركية تمر أمام زوجها أما المرأة الفرنسوية فإنها تمر مع زوجها كتفاً إلى كتف. نغم المرأة في فرنسا ولاسيما في البلاد التي لا يسمح فيها السائحون مثل مسقط رأسي السارات هي الحاكمة الحقيقية في بيتها وبعبارة ثانية أن الحاكم هو الرجل والمرأة هي الساهرة الرجل يأمر والمرأة توحي وتبذل كل ما بوسعها للقيام بكل ما يقتضيه منزلها من الإعمال فهي تباكر قبل زوجها توقد النار وتهيئ الطعام وتوقظ الأجير أو تضع العلف للدواب بيدها وتنفض ثيابها وتطلي الأحذية وتعين زوجها لشد دوابه فإذا ما انصرف زوجها تضع كل شيء في الغرفة في محله وكذلك المطبخ والدار والقن والفناء والاصطبل وتلبس الأولاد وتفطرهم وترسلهم إلى المدرسة وتصلح الثياب وتغسلها وتكويها وهي تتكلم وتحدث وتقدم الطعام الجيد لزوجها وتعمل له الحلويات وتبتاع حاجياتها من البقال وتتقبل ضيوفها باسمة وهي بهندام نظيف آمنة مطمئنة وهي تحسب حساب بيتها ومنهم في هذه المقاطعات من لا يعرفن الكتابة إلا قليلاً ومع هذا ترى المرأة لا تخطيء فتدفع لهذا وتسلف ذاك وتوفي زيداً وتسلي زوجها وتدخل السرور عَلَى قلبه إذا كان كئيباً وتباحثه وتجادله فهي مستشارته وصاحبته ونصفه بل أحسن نصف فيه ولذلك لا ترى هذه المرأة تطالب بمثل ما يطالب به غيرها من نساء أميركا وإنكلترا من حق الانتخاب لأن القانون وضعها موضعها اللائق بها. أقول هذا وأنا ألوم من استعملوا الشدة في إنكلترا مع النساء المطالبات بحقوق الانتخاب فوضعوا المرأة في طبقة أحط من طبقات الإنسانية أما في الولايات المتحدة فلم يرتكب أحط الساسة خطأ قط مع النساء كما ارتكب أحرار الإنكليز حتى أن الرئيس روزفلت نفسه القائل بالشدة لم يقاوم المرأة في وقت من الأوقات وعاملها بالحسنى عَلَى الجملة. وإن مسألة تصويت المرأة لتنحل عقدة بعد أخرى في الولايات المتحدة وما اللذين يضحكون اليوم من مطالبة النساء بهذا الحق إلا أناس سيضحك منهن غداً وهكذا كان حال كل المدافعين عن المطالب الشريفة وجميع المقدمين والمخترعين ضحك الناس منهم وهزأوا بهم ثم أخذوا بعد ذلك يجلونهم ويقدسونهم وكقد نجح النساء في الولايات المتحدة بإشراكهن في انتخابات البلدية حتى أن منهن رئيسات في بعض البلديات كما هن أمهات صالحات ويشاركن الرجال في الإقرار عَلَى ميزانيات المعارف وانتخاب المعلمين للمدارس أو أعضاء لدور الكتب دع عنك من دخل مرتين في التعليم وإدارة المدارس وغرف التجارة والزراعة وقد كان للنساء الأميركيات يد طولى في تحرير الزنوج ثم عاد الرجال فاضطهدوهن وأخرجوهن من دائرة العمل في إنهاض بلادهن عَلَى نحو ما يخرج من الجناة والمجانين فهم الآن لا يقنعن إلا بمشاركة الرجل فلا يكتفين بالنفوذ بل يردن العمل بل العمل مباشرة. وقد ثبت لي أن النساء ممتعات في الانتخاب في المدن الداخلية حيث المرأة هي صاحبة الأمر والنهي في منزلها لا حيث النساء يلتهين بملاهي السواحل وحاناتها كما هو الحال في سان فرانسيسكو ولولا النساء في هذه الولاية لاشتعلت جذوة الحرب بين الولايات المتحدة واليابان ولكنهن يلطفن من تغالي الرجال ويعدنهم إلى حظيرة التعقل في كل حال. المدارس الابتدائية في أوستراليا أوستراليا أو هولاندة الجديدة جزيرة كبرى للغاية في المحيط الكبير وهي من أهم المستعمرات الإنكليزية سكانها زهاء أربعة ملايين نصفهم من الأوربيين جاؤوها لاستثمار ما فيها من معادن الذهب والفحم والتوفر عَلَى تربية الماشية ومساحتها عبارة عن ٨ . ٢١٥ . ٦٧٣ كيلومتراً تقسمك إلى عدة ولايات وتعد هذه الجزيرة إحدى قارات العالم الخامس وقد كتبت إحدى العقائل فيها مبحثاً في مجلة مستندات الترقي الباريزية تصف مدارسها الابتدائية اللادينية التي تقتصر عَلَى العلوم فقط فقالت أن لنظام التعليم في أوستراليا مبدأين التعليم الإجباري والمجاني. وقد كان عدد من دخخلوا المدارس العامية في السنة الماضية من الأولاد ٧٢٨٠٠٠ ولد ومجموع ما أنفقته ولايات هذه الجزيرة عَلَى التعليم ٧٥ مليون فرنك. ولئن كانت المواد الجوهرية في التعليم الابتدائي الجيد موجودة ثمت منذ زمن طويل إلا أن مدارس حدائق الأطفال لام تنشأ إلا في العهد الأخير وكذلك مدارس تعليم البالغين. كان التعليم الابتدائي في أوستراليا دهراً طويلاً لا دخل للدين فيه بتة ورأى الشرع هناك بالنظر لكثرة المذاهب الدينية أن ليس من الحكمة إدخال مسائل الدين ومناقشته في المدرسة وإن غايتها يجب أن توفي بحاجات التعليم والتربية وليس في البلاد غير ولاية غاليا الجديدة في الجنوب شذت عن هذه القاعدة منذ وزمن بعيد وأدخلت إلى مدارسها تعليم التوراة نازعة في تعليمها منزعاً لا يشعر بالتشيع لمذهب خاص من مذاهب النصرانية ومنذ زمن غير بعيد حذت هذا الحذو أيضاً ولايتان أقل مكانة من تلك وهما ولاية أوستراليا الغربية وولاية تاسمانيا فأخذتا تقرئان في مدارسهما شيئاً من كتب الدين بيد أن الولايات الراقية من حيث الصناعة والعلم مثل ولاية فكتوريا وأوستراليا الجنوبية وكنسلاندا قد احتفظن كل الاحتفاظ بمبدأ المدارس العلمانية. ولم يببرح ولاة الأمور ولاسيما في فكتوريا يحرصون عَلَى تعرية المدارس من كل جدل ديني ويظهرون فضل هذه الطريقة وتنشئة أخلاق الأولاد ويبينون ما ينشأ من العدول عن كهذا المبدأ الذي ظهر ثمراته. وشعار مدارس ولاية فكتوريا في التعليم: الإجبارية والمجانية والعلمانية ومعلوم أن الإجبار المدرسي مناف للتعليم الديني الإجباري لأن هذا ربما مس العواطف الدينية في الأولاد وفي أهليهم ممكن قد تكون عقائدهم مخالفة لما يلقن أولادهم في المدارس. أما الكنائس فإنها مخالفة لهذا المبدأ وهي بوجه الإجمال تناقض مبدأ التعليم اللاديني ولاسيما الكنائس البرتستانتية فإنها تطالب بإدخال تعليم التوراة عَلَى مثال ولاية غاليا الجديدة في الجنوب ولطالما حاولت نيل ذلك فكانت الأكثرية في جانب المدارس العلمانية أما الكنيسة الكاثوليكية فإنها تفضل أن يكون التعليم علمياً محضاً من أن تعلم في المدارس التوراة فقط عَلَى الطريقة البرتستانتية وتوشك أن تؤسس مدارس لأبنائها خاصة يوم يقال لهم تعلموا علماً دينياً يخالف مذهب آبائكم. أما غير المتدينين والطبيعيون فإنهم لا يقولون بتعليم ديني ولا بإقامة شيءٍ من الشعائر وقد سمحت حكومة فيكتوريا آباء التلامذة أن يعلموا أولادهم تعليماً دينياً بواسطة قسيسين من مذهبهم وذلك بعد إلقاء الدروس النظامية أو قبلها. وليست قراءة التوراة إجبارية حتى في مدارس الولايات التي تعلم الدين. وعلى الجملة فإن من ولايات أوستراليا من لم تلزم الخطة اللادينية في التعليم ومنها من قبلت بتعليم التوراة مع سائر العلوم ولكل من التعليمين أنصار ولهما الأثر في تربية أرواح الأولاد. ويقول خصوم التعليم اللاديني في أوستراليا أن حالة أخلاق الشبيبة في ولاية فكتوريا أحط مما هي في سائر الولايات التي تعلم فيها التوراة ويقولون إن إحدى دور توليد النساء في ملبورن كان فيها نصف الأمهات من الفتيات من سن الـ ١٥ إلى الـ ٢٠ وبعضهن من سن الـ ١٢ إلى الـ ١٣ أو الـ ١٤ فيجيبهم خصومهم عَلَى ذلك بأن أمثال هذه الدور للتوليد لا تقبل إلا من كن بكريات من البنات ولذلك كان عدد عظيم ممن تؤويهم من النساء هن شابات للغاية. وقال الأستاذ آدم من كلية ملبورن أن عدد الجرائم قد تضاعفت في فرنسا من سنة ١٨٦٦ إلى ١٨٩٦ بسبب المدارس اللادينية وفاته أن التعليم الديني في خلال نصف هذه المدة كان إجبارياً في مدارس الفرنسيس وقد ادعى أحد القائلين بالتربية اللادينية أن مدارس ولاية غاليا الجديدة أتت بأنفع الثمرات في مدارسها اللادينية أكثر من مدارس ولاية فكتوريا اللادينية وأن عدد الجنح والجنايات أكثر في الولاية الأخيرة من الولاية الأولى عَلَى أنه لا يجب أن يفوتنا أن الإحصاء الذي يوردونه تأييداً لمدعاهم لا ينطبق مع حقيقة الواقع لأن من الولايات ما زاد نفوسها أكثر من غيرها ولذلك زادت جرائمها لا لفقدان التعليم الديني منها والحقيقة أن عدد الجرائم كان هكذا سنة ١٩٠٨ ولاياتتعليمها لا دينيولاياتذات تعليم ديني ٢٤٧ كنسلاندا ٤٩٦ أوستراليا الغربية ٢١٦ فيكتوريا ٣٢٠ غاليا الجديدة الجنوبية ١٢٩ أوستراليا الجنوبية ٢٩٢ تاسمانياوقد كان معدل الولادات غير الشرعية سنة ١٩٠٧ ٦ . ٦٦ في المئة في إيكوسيا عَلَى حين كان ٣ . ٩٩ في المئة في إنكلترا وبلاد الغال من بريطانيا وكانت فينا من سنة ١٩٠٠ إلى ١٩٠٢ تعد في كل ألف امرأة غير متزوجة أو عزبة سنها من ١٥ إلى ٤٥ ٦١ ولادة غير شرعية في حين كانت باريز تعد ٣٦ في كل ألف أما سدني عاصمة أوستراليا كلها وفيها تعليم ديني فكان منها معدل الولادات غير المشروعة خلال تلك المدة ١٧ . ٩ في المئة وكان معدل الولادات في ولاية ملبورن اللادينية ١٣ . ٥ في المئة وإديمبرغ ١ . ٣ في المئة ولندرا ٦ . ٤ في المئة. ومتى علم لم انتشرت الرذيلة في بعض المدن التي ذكرناها ولاسيما في لندرا يعجب المرء أن يرى إلى أي درجة يمكن تأثير طريقة التسجيل في الإحصاءات وكيف انتشرت طرق مقاومة الحبل انتشاراً فاحشاً. وما هذه الإحصاءات في الحقيقة بمستند يصدق عَلَى سمو الأخلاق بل ولا عَلَى انحطاطها إلا إلى حد محدود فإن كثيراً من الولادات غير المشروعة تكون في أمة دليل الجهل أكثر مما هي دليل فساد الأخلاق ولا يصير إلى دور التوليد إلا الجاهلات أما الفاسدات من النساء فإنهن يعرفن من أين تؤكل الكتف إذا وقعن في مأزق وحملن من حرام. بيد أن الإحصاءات في أوستراليا ثبتت مكانة الأخلاق في الولايات التي اتخذت في مدارسها الحياد قاعدة في مسائل الدين ولكن هذه المكانة يحتزر المربون اللادينيون من نسبتها خاصة إلى التعليم اللاديني ولا يعمدون إلى الاستشهاد بالإحصاءات إلا لرد حجج خصومهم في فوائد المدارس اللادينية. هذا ما قالته كاتبة المقالة ونحن لا نثبت ولا ننفي الآن من ترجيح إحدى الطريقتين الدينية واللادينية ولاسيما في هذه الديار المجهول أمرها فعسى ألا يتأذى أحد بما تنقله الشهر بعد الشهر عن مجلات الغربيين للعبرة والاستفادة وما القصد خدمة رجال الدين ولا غيرهم بل عرض أوضاع الغرب وأهل الشرق معها وما يختارون. مدينة في حديقة ينشئون الآن عَلَى مسافة خمسين كيلومتر من شمالي لندرا مدينة في حديقة غناء لإيواء اللقطاء واليتامى من الأولاد وكانت ربت إدارة هذه المدينة في معاهدها حتى اليوم منذ أربعين سنة وهو وقت إنشائها ٧٠٤٣٦ طفلاً وأنشأت ٢٥ ألف معهد في المستعمرات الإنكليزية لهذا الغرض والغاية من إنشاء هذه المدينة الجديدة تدريب الأولاد عَلَى حياة الزراعة ولاسيما في سهول كند الفسيحة وستقسم المدينة إلى ٢٨ داراً كل منها تؤوي ٣٠ ولداً ولكل دار حديقة وحقل يعمل فيه الأولاد يفصل كل بيت عن جاره وهناك مستشفى وحوض لتربية السماك. وقد سبقت ألمانيا وأنشئت هذا النوع من المدن الحدائق الخارجة عن الحواضر والعواصم لتبقى هذه للأعمال التجارية وتكون المدن الحديثة للصحة والراحة تعود بالإنسان إلى الطبيعة التي فقد الإنسان الاستمتاع بها بما يراه في المدن الحديثة من بنايات ذات أربع أو خمس طبقات. وقد رأي القائمون بذلك من الألمان أن الراضي في الضواحي البعيدة رخيصة لا تخضع لقانون المضاربات ويشترط عَلَى كل صاحب بيت مالكاً كان أو مستأجراً أن يزيد في جمال بقعته جمالاً بما يغرسه فيها من الأشجار وينشئه من الحدائق الأنيقة ويشترط عليه أيضاً أن يبقي قطعة يغرس فيها أنواع الزهور وحديقة وراء بيته يلعب فيها أولاده وقد أنشأ هؤلاء المفكرون في الضواحي حمامات ومحال اللعب ومكاتب للمطالعة ومحال للسماع مجانية ودور تمثيل ومتاحف ومستوصفات مجانية وملاجئ للأمهات وغير ذلك من المنشطات وكلها بلا مقابل. اللبن معظم بلاد الغرب تخرج من اللبن الحليب والزبدة والجبن وسائر ما يتفرع من اللبن صنوفاً وضروباً وللبن تجارة واسعة تعد بالملايين وقد ساعدت عَلَى إنمائها ونمو الزراعة بالمراعي الكثيرة والوسائط العملية الوفيرة ولذا رأينا في أوربا فلاحاً يعيش هو وأسرته من بقرة أو غنمتين ولذلك أمثال في هذا الشرق أيضاً ولكن المتوفرين هنا عَلَى تربية المواشي الحلوبة أقل بكثير من المتوفرين في الغرب عليها. فتجد في سويسرا ثلاثة أرباع الأراضي الزراعية مخصصة للمراعي وتقدر مساحتها بعشرين مليون هكتولتر وثمنها بـ ٣٣٣ مليون فرنك ونصف المراعي يصرف بطبعه وسبه ملايين هكتولتر تصرف لعمل الزبدة والجبن والباقي للحصول عَلَى الطحين اللبني والشوكولاتا باللبن. وسويسرا تصدر معظم ما تعمله من اللبن المجمد والجبن والطحين اللبني إلى البلاد الخارجية وفي سويسرا مليون ونصف مليون رأس من الماشية و ٣٦٠ ألفاً من المعزي ولكثرة ما يرد عليها من الأجانب السائحين تجلب من البلاد الخارجية ٤٧ ألف رأس بقر و ١١٨ ألفاً من الخرفان و ١٥٠ ألف خنزير في السنة وهكذا الحال في فرنسا وألمانيا وغيرها من البلاد فمن تكون واردات المملكة العثمانية كلها من ألبانه بقدر واردات سويسرا فقط وسويسرا بمساحتها أقل من نصف ولاية سورية فقط وبنفوسها تقرب من نفوس القطر السوري فتأمل. المدارس الفرنسية في الشرق يستفاد من تقرير المسيو ديشانل أن عدد التلاميذ الذين تلقوا علومهم في المدارس الفرنسية في بلاد السلطنة وفي الشرق قد بلغ في العام المدرسي الأخير ١٠٤ آلاف منهم ٧٤ ألف تلميذ في السلطنة و ٢١ ألفاً و ٥٠٠ في القطر المصري و ٢٩٠٠ في اليونانية و ٣٢٥ في كريت و ٦٦٧ في قبرص و ٢٠٠٠ في بلغارية و ٢٠٠ في رومانية و ٢٨٠٠ في إيران. أنا عدد الذين تلقوا العلوم العالية فبلغ ٧٥٢ والعلوم التجارية وغيرها ١٦٩٥ والعلوم الثانوية ٩٩٤٣ والعلوم الابتدائية ٩١ ألفاً و ٤٨٥ . الطلاق في يابان يزداد الطلاق في الغرب اليوم بعد اليوم لكنه في الشرق أكثر ولاسيما في الشرق الأقصى فقد ذكرت إحدى مجلات يابان أنه كان سنة ١٨٧٠ بالنسبة للزواج ٨٤ في كل عشرة آلاف فتجاوز معدله اليوم ٢٥٠ في العشرة آلاف والمرأة هي التي تطلب في الغالب طلاقها وذلك بفضل التربية والتعليم فقد ارتقت المرأة اليابانية وشعرت بحب الحرية أنها لا ترى أن تقيد بزوج قيداً أبدياً. ولو تعلمت ما ينفعها في منزلها وأسرتها عَلَى نسبة ما ينفعها في توسيع عقلها لما آثرت عَلَى عيش الأسرة حياة غيرها وليس السبب في طلب المرأة اليابانية الطلاق سوء الأخلاق وخيانة الزوج والزوجة بل توسع المرأة في تقاضي حقوقها. قالت وقد اختلفوا في الغرب بأمر الطلاق فالكاثوليك يحرمون من يأتيه ويرون أن عقد الزواج لا ينفصم إلا بالموت والبرتستانت يحلونه ولكن بشرط والملحدون يعقدون ويحلون عَلَى هواهم ويرى بعض الاجتماعيين أن الطلاق هو الدواء الوحيد الشافي من أصعب أمراض المجتمع ونحن نقول ما قاله أسلافنا أن أبض الحلال إلى الله الطلاق. براميل القمامات تضع مدينة باريز براميل أمام البيوت والمحال ليلقي فيها الباريزيون القمامات والكناسات التي يكسحونها من دورهم وشوارعهم يسمونه نسبة لأحد ولاة باريز السابقين الذي ابتكر هذه الطريقة فوضع هذه البراميل لئلا تلقى القاذورات في كل مكان فيتأذى بها أبناء السبيل وتضر بصحة السكان ومن العجيب أن الإفرنج يحسنون استخدام كل شيء وينتفعون من كل مادة ومن كان يخيل إليه أن عشرة آلاف رجل وامرأة وولد يتوفرون كل يوم عَلَى البحث في هذه العلب والبراميل قبل أن يرفعها الكساحون في عجلاتهم ويلقونها في أماكن لتستخدم لتسميد أراضي الضاحية فيعثرون فيها أحياناً عَلَى لقط لا تخطر في بال ويتناولون منها فضلات تقدر بعضها ببضعة ملايين وهكذا يستخرج اليوم اللانولين الذي لم يكن معروفاً منذ عشرين سنة وهو يتألف من بقايا أنسجة الصوف والخرق التي تغسل مما علق بها من المواد الدهنية والزيتية وغيرها ومن اللانولين يربح أرباب المعامل أرباحاً مهمة وكذلك الحال في قطع الزجاج التي يعزلونها من هذه العلب ويسحقونها أو يمزجون مسحوقها بملاط بورتلاند فيأتي منه مزيح يكون منه بلاط شفاف أقبل الماس عَلَى تبليط الدور والحوانيت به ويعملون من هذا المسحوق أيضاً قرميداً دخل في بعض الأبنية. ويستخدمون أيضاً الزجاج المكسور وصوالة بقايا البقول والجلد والأحذية العتيقة والقفافير البالية والمسامير القديمة المصدبة والمفاتيح والأقفال المحطمة مما تظنه ربة المنزل لا فائدة فيه. وقد جرت بعض مدن أميركا عَلَى هذه القاعدة في أنه لاشيء بدون نفع فأخذت تسحق هذه القمامات عَلَى اختلاف تركيبها وتجعلها ذروراً يصير منها سماد نافع يحتوي عَلَى المواد النباتية والحديد النافع في إخصاب الأرض. وكم للإفرنج في هذه السبيل من أعمال يحيلون بها ما لا يعتقد غناءه إلى مواد نافعة حتى لقد بلغ بهم التفنن في العلم أخذوا يجمعون الدخان الذي تقذفه المواقد العالية فيضر بالمزروعات ويحولونه إلى قلي طيار وهذا النشادر يباع بأثمان مهمة ويتجر به المتجرون. الخبز البلدي في بودابست أنشئ هذا المخبز في عاصمة المجر سنة ١٩٠٣ وهو يكاد يكفي حاجات المدينة ومعاهدها ويخبز كل يوم ٢٨ ألف كيلو من الخبز تخبز كلها بواسطة أدوات لا تمسها يد إنسان في أمكنة مستوفاة من حيث حفظ الصحة وقد كاد يقضي هذا المخبز عَلَى الخبازين في المدينة فاضطروا أن يخفضوا أسعار الخبز ولكن الناس يقبلون عَلَى خبز المخبز لنظافته ورخص أسعاره والمخبز يدفع أجوراً لعملته أكثر من سائر الخبازة ويعملون في النهار ساعتين أقل من أخوانهم في الأفران الأخرى.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_75.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.75.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
