<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.74.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.74.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٧٤ بتاريخ: ١ - ٤ - ١٩١٢ أوروبا في سورية حياة المرء سلسلة تختلف حلقاتها بين سوداء وبيضاء يحكم قبل أن يستامن لبيض الليالي يتوقى سودها فيذخر قوة ومنعة ولا يقف إذ ذاك حائراً أمام الشداد قانطاً متذمراً بل متسلحاً أبداً ومتأهباً للمكافحة والنضال. وناموس الأفراد يشمل الأمم والمالك كبيرها وصغيرها فما من دولة إلا وكان لها من دهرها يومان يوم لها ويوم عليها. هذه صيرت فاعتبرت وفازت وتلك لم ترعو فتلاشت فخلفها من هو أقوى منها سنة الله في خلقه. اعتبر ذلك بدولتنا العلية التي اجتاحت الممالك ودوخت الأمصار فاستنامت واستأمنت ولم تتأهب لمقاومة غدرات الزمان فقامت في وجهها الأمم التي كانت خاضعة لها وكانت صدمة بل صدمات بين الشرق والغرب آلت إلى تقهقرنا وما كنا قبل لنعرف للتقهقر معنى وفقدنا القريم وملدفيا والفلاخ وبسرابيا في عهد السلطان سليم الثالث واضطر محمود الثاني للتسليم بمصر لمحمد علي. وكانت أيام عبد العزيز فتضعضعت الدولة بتداخل الأوربيين وشق البلغار عصا الطاعة وفازوا باستقلالهم. وكان ما كان في أيام عبد الحميد من احتلال الدول لهذه الجزيرة وتلك الولاية واستقلال هذه الإمارة وانسلاخ تلك حتى لم يبق من مملكة سليمان كبير سوى شبح حاول الأحرار أن يجسموه فاقتلعوا الدستور من أعين طاغية آخر القرن التاسع عشر وعمدوا إلى الاحتفاظ به متخذين من الاتحاد الثلاثي سنداً وعوناً ففاجأتهم إحدى الصديقات بسلخ البوسنة والهرسك فصاحوا وزمجروا ولكن لم يتعبروا فداهمتهم الصديقة الثانية باحتلال طرابلس الغرب لاعتقادها أن الدولة العلية لم تتجاوز مع النمسا حد الجعجعة وهي قريبة منها فما عساها تفعل الآن مع إيطاليا وهي بعيدة عنها. كل ذلك وساسة البلاد لا يعتبرون بل لم يزالوا ينتظرون حدوث عجيبة لاعتقادهم أن من أقسم عَلَى ضريح صلاح الدين لا يلبث أن يمتشق حسامه ويضرب به أعداء الإسلام الضربة القاضية. وكأني بهم أمام المحنة الأخيرة واقفين مستأمنين لا يحسبون للآتي حساباً متوهمين أن أزمة طرابلس الغرب هي آخر حلقة من سلسلة حياة الدولة فيحلون هذه العقدة ثم يستأمنون للدهر متعامين عن فلتات سياسة أوروبا القائمة بناموس بقاء الأفضل تاركين البلاد عرضة للمحن باختلال أحوالها وجهل أهلها وفقد الأمن منها. قلب صفحات التاريخ لا تجد بلاداً اجتاحتها صروف الدهر ونابتها خطوب الزمان وكانت ميدان احتكاك المصالح فيها مثل بلاد الشرق. ولنضرب صفحاً عن العقد الكثيرة التي لم تحل فيها به كألبانيا ومكدونية والعربية ولننعم النظر فيما هو أقرب إلينا أي سورية وفلسطين ففيهما من مصالح الدول ما لا يوجد في غيرها من الولايات وبياناً لذلك نقول: كان نفوذ الدول الأوربية في سورية قليل جداً قبل أواسط القرن الغابر. وأبرمت معاهدة لندن سنة ١٨٤٠ فانفتح باب واسع لذلك النفوذ وكانت الجمعيات الدينية في ذلك العهد تنقل إلى الشرق مدنية الغربيين فتحينت فرصة ملائمة وغمرت سورية وفلسطين بعمالها المتسترين برداء التبشير الديني. وكانت فرنسا السابقة في هذا المضمار فغمرت بلادنا بالمعاهد الخيرية والتهذيبية بمهمة جمعية أخوية المدارس المسيحية وجمعية راهبات المحبة ولا عجب فقد وثقت علائقها مع الشرق منذ القرن السادس عشر بحمايتها فيه كاثوليك أوربا جمعاء وزكان مبشروها ينزلون ربوع سورية بالرغم مما قام في سبيلهم من المصاعب والمشقات. ولم تغفل عن تأييد مصالحها في الشرق بكل الوسائل الفعالة عَلَى اختلاف الأحوال حتى في أيام حكومة الكونفاسيون والدريكتوار والاضطرابات الداخلية قائمة عَلَى قدم وساق ولم يحد نابليون عن سياسة فرنسا التقليدية في الشرق فأسرع بعد إبرام الصلح مع الدولة العلية سنة ١٨٠٢ إلى تجديد الامتيازات والمحالفات القديمة وأمر سفيره في الآستانة أن يبسط حمايته عَلَى كل كاثوليك سورية وفلسطين ولاسيما قوافل الزوار القاصدين إلى الأماكن المقدسة. ولما كان يقتضي لهذا الأمر مبالغ وافرة من المال أخذت الحكومة الإفرنسية تمد عمالها بالمال المطلوب. ولا نعلم ما كان ينفق في سبيل ذلك قبل الإمبراطورية الثانية عَلَى أن الحكومة أدخلت في ميزانية وزارة خارجيتها كمية تنفق سنوياً عَلَى الأعمال الخيرية والتهذيبية تبلغ قيمتها ٣٠٠٠٠٠ فرنك فأصبحت سنة ١٨٨٣ خمسمائة ألف وسنة ١٨٩٢ سبعمائة ألف وسنة ١٩٠٠ ثمانمائة ألف. عَلَى أن الحكومة لا تشتغل وحدها في إنشاء المدارس وتنظيمها فهناك جمعيات أخرى قامت للغاية نفسها. ففي سنة ١٨٥٦ أسست جمعية أعمال مدارس الشرق ' ' وأخذت تجمع مبالغ وافرة وتوزعها عَلَى المعاهد الخيرية ومدارس الرهبنات في الشرق تبلغ قيمتها ٣٠٠٠٠٠ فرنك. ثم أخذ الميل ينمو في فرنسا لتوسيع نطاق أعمالها وتعزيز مكانتها فأسس إثر ذلك الاتحاد الإسرائيلي ' الذي يوزع عَلَى المدارس السورية عَلَى اختلاف أصبغتها أربعين ألف فرنك. ولم يكن لفصل الكنيسة عن الحكومة في فرنسا أدنى تأثير في حال المدارس السورية لأن الأحرار والمحافظين لم يختلفوا في أمر الاحتفاظ بمعاهد فرنسا الخيرية والعلمية في الشرق بل رأينا الأحرار كثيراً ما يوجهون إلى الحكومة الإفرنسية قوارص الكلام في مجلس الأمة لتخلفها عن خصومها في الشرق أي ألمانيا وإيطاليا. وفي سنة ١٩٠٠ تحسنت ميزانية هذه المدارس إذ جعلها مجلس النواب بأكثرية الأصوات ٨٥٠٠٠٠ فرنك ما عدا نفقات مدارس الرهبات الإفرنسية التي لا تزال في نظره تافهة لمصالح الدولة وقرر بذل المجهود لنشر التعليم المدني وتقويته في أملاك الدولة العلية. عَلَى أن نجاح ألمانيا وإيطاليا الباهر في الشرق وسرعة انتشار نفوذهما حملا الحكومة الإفرنسية عَلَى انتهاج خطة أكثر حزماً وثباتاً مع توسيع ميزانية المدارس الشرقية بصورة قانونية بحيث لا تبقى عرضة للأخطار والتضعضع فحولت تلك الميزانية العرضية إلى بند خصوصي أدخلته في ميزانية نظارة خارجيتها لسنة ١٩١١ تحت نمرة ٢٢ بموجب هذا البند ينفق مليون فرنك عَلَى المعاهدة الإفرنسية في سورية وفلسطين ليوزع عَلَى الطريقة الآتية: ٤٥٠٠٠٠ فرنك لمدارس الرهبنات منها ٣٠٠٠٠ للمدارس العليا و ٦٠٠٠٠ للمدارس الوسطى و ٣٦٠٠٠٠ للمدارس الابتدائية. و ٣٨٣٠٠٠ فرنك للمدارس المدنية منها ١٥٧٠٠٠ للمدارس العليا و ١٣١٠٠٠ للمدارس المتوسطة و ٩٥٠٠٠ للمدارس الابتدائية. و ٤٥٠٠٠ فرنك تنفق عَلَى مدارس مختلفة و ١٢٢٠٠٠ عَلَى المعاهد الطبية وتأخذ المعاهد المدنية علاوة عَلَى ذلك ١٧٠٠٠٠ فرنك مساعدة من جمعية البعثة اللادينية (العلمانية) التي أسست سنة ١٩٠٢ . فما ذكر يبدو للعيان أن فرنسا تسعى سعياً حثيثاً في تحسين مركزها في سورية ولا تبخل بالمال في سبيل ذلك. ونعتقد أنها قد لا تكتفي بمليون فرنك لازدياد نفوذ ألمانيا وإيطاليا اللتين تمدان يديهما إلى اقتلاع حماية الكاثوليك في الشرق الأدنى من يدها. ولا شك أنها لا تتوقف عن كل ما من شأنه المحافظة عَلَى اسم الجمهورية وشرفها. أما إنكلترا فإنها قد رافقت فرنسا في عمل نقل المدنية الغربية إلى سورية وفلسطين. وكان المبشرون من الإنكليز ينشرون في المدن الكبرى وفي ربوع لبنان حتى أقصاها وينشئون المدارس والكنائس والمستشفيات للمرضى فعمت اللغة الإنكليزية وراجت تجارة إنكلترا وعظمت المنافسة بين النفوذ الإنكليزي والفرنساوي. عَلَى أنا لا ندري ما تنفقه الحكومة الإنكليزية عَلَى مدارسها ومعاهدها الخيرية في سورية أما فلسطين فقد عرفنا من أوثق المصادر أنه ينفق عليها أربعمائة ألف فرنك ولإنكلترا في سورية أضعاف ما لها في فلسطين من المعاهد الخيرية وغيرها. ودخلت النمسا سورية بعد إنكلترا وفرنسا لاشتغالها عنها بالبلقان حيث كانت تسعى جهدها بتعزيز مركزها والبلقان مركز نفوذها دينياً وسياسياً. غير أنه لما رأت ما أحرزته إنكلترا وفرنسا من النجاح الباهر في سورية نوت من مناوأتهما لتفتح لتجارتها سوقاً جديدة وفازت بذلك بهمة جمعية الفرنسيسكان الغنية التي تنشر النفوذ النمساوي بهمة لا تبارى فتنشئ المدارس والمستشفيات للمرضى وبيوت العجزة وتجري الحفريات الأثرية وتبتاع الأماكن الثمينة بالنظر إلى تاريخها المقدس. ولم نتمكن من الوقوف عَلَى كمية المبالغ التي تنفقها الحكومة النمساوية في سورية وفلسطين عَلَى مدارسها ومعاهدها الخيرية لإبقائها ذلك في طي الكتمان إنما نترك للقارئ تقدير ذلك متى علم أن النمسا تنفق عَلَى دار الغرباء وحدها في القدس ١٢٠٠٠ كرون وذلك بموجب ميزانية وزارة خارجيتها وأضف إلى ذلك الإعانات العديدة التي يمد بها الأهالي جمعية الفرنسيسكان وما يدفعه الإمبراطور فرنسيس يوسف من ماله الخاص. وهذا ما لا يمكن معرفة حقيقته. أما إيطاليا فإنها بعد اتحادها سنة ١٨٦١ فقد وجهت أنظارها إلى الشرق أسوة بغيرها من الدول الأوربية. وكانت الحكومة إذ ذاك فقيرة فخصصت في ميزانيتها اعتماداً زهيداً لا يتجاوز أربعين ألف فرنك إعانة لكل المدارس الإيطالية في الشرق. وفي سنة ١٨٧٠ تضعضعت فرنسا في حربها مع بروسيا فطلبت إيطاليا أن تأخذ عَلَى عاتقها حماية الكاثوليك فلم تقبل فرنسا أن تتنازل عن حقوقها. وبلغت المنافسة من هذا الوجه معظمها سنة ١٨٨٣ فكانت إيطاليا تلج بطلب حماية المبشرين الإيطاليين وفرنسا تعارضها لاعتقاد الاثنتين أن في هذه الحماية ما يجعل لهما شأناً عظيماً في هذه البلاد. ولما كانت إيطاليا تبغي إيصال نفوذها إلى أقصى درجاته فتحت اعتماداً في ميزانيتها للدارس الشرقية لسنة ١٨٨٣ - ١٨٨٤ قدره ثمانون ألف ليرة. وما كان هذا المبلغ ليحسب عظيماً لو لم تكن ماليتها إذ ذاك في حالة يرثى لها. لكنها لم يتسنى لها مع ذلك حماية المبشرين الإيطاليين فقررت إنشاء عدد كبير من المدارس المدنية وخصصت لهذه الغاية سنة ١٨٨٧ إعانة سنوية قدرها مليون ونصف من الفرنكات. غير أنها لم تفلح في هذا المسعى لما يقتضيه التعليم المدني من النفقات الباهظة ولعدم تمكنها من إيجاد معلمين لهم خبرة كافية للقيام بمثل هذا العمل. فعادت تحاول سلب حقوق فرنسا بحماية الكاثوليك وأَسست لهذه الغاية في فلورنسا جمعية جنسية لحماية المبشرين الطليان فاضطرت فرنسا أن تتنازل عن بعض حقوقها واتفقت مع إيطاليا في سنة ١٩٠٥ عَلَى أن المعاهد وكان لهذا الفوز السياسي الباهر تأثير سيء في فرنسا اضطرب له الرأي العام أيما اضطراب. ولم تكن إيطاليا بعد فوزها عَلَى فرنسا لتكتفي بالمليون والنصف من الفرنكات لأجل مدارسها فجعلت كل سنة تخصص مبالغ أخرى لمدارس الحكومة ومدارس الرهبنات التي أنشأها الإكليريكيون المطرودون من إيطاليا بأمر الحكومة. وفي الخامس من تموز سنة ١٩٠٥ صادق مجلس النواب عَلَى زيادة ميزانية المدارس السورية أربعمائة ألف فرنك فأصبحت نحو مليونين ادخل منها في ميزانية نظارة الخارجية ١٣٥٠٠٠٠ فرنك وفي ميزانية لجنة الاستعمار ٥٥٠٠٠٠ وتقرر توزيع المبلغ من قبل نظارة الخارجية بمعرفة نظارة المعارف. ولما التفتت ألمانيا إلى الشرق كانت الدول قد رسخت أقدامها في سورية وفلسطين. عَلَى أن ذلك لم يمنعها من بسط نفوذها ونشر لغتها بسرعة لا توصف شأنها في كل حالاتها مع الدولة العلية. وجعلت تخطو إلى الأمام بقدم ثابتة زاعمة أنها مدعوة للقيام بعمل حيوي لأن الحياة والتاريخ يدعوانها لتكون صلة التواصل بين الشرق والغرب ومرشدة روحية للشرقيين. وما من ينكر عليها أنها تقوم بهذا العمل أحسن قيام فما برحت تنقل إلى الشرق ما اكتسبته من الغرب ومن المدنية بواسطة عمال ملكيين وعسكريين وعلماء وأساتذة ومعلمين ومهذبين الخ. ولم يفتها أن حماية الكاثوليك في الشرق كانت أعظم الأسباب الآيلة إلى تعزيز مركز فرنسا فأخذت تسعى للحصول عَلَى حقوق حماية الكاثوليك الألمانيين وأول عمل قامت به لنيل مآربها تأسيس جمعية فلسطين وعهدت إليها بإدارة المعاهد الألمانية الشرقية. وكانت بعد ذلك سياحة الإمبراطور في بلاد الشرق فقال وزير خارجية ألمانيا في مجلي الأمة نحن بعيدون عن فكرة حماية كل المسيحيين في الشرق لكن حماية الكاثوليك الألمان من حقوق الإمبراطور دون منازع. ولم تعارض فرنسا بل تنازلت عن حقوقها لألمانيا. . . وفي هذه السنين الخيرة نمت أعمال ألمانيا نمواً غريباً إذ أَسست كيراً من المدارس الابتدائية وعدة مدارس عالية ومدرسة إكليريكية في القدس وغيرها من صناعية ومستشفيات وهياكل معتمدة في كل ذلك عَلَى الجمعيات الكاثوليكية والإنجيلية الألمانية وعَلَى اللجان الجنسية التي تستمد قوتها من الاتحاد النمساوي العام. وحذت الحكومة حذو إمبراطورها الحكيم فقدمت الإعانات للجمعية عَلَى اختلاف المذهب لتبعد عنها روح المنافسة المضرة بالمصالح الوطنية. وما عدا ذلك فقد فتحت اعتماداً في ميزانيتها قدره ٨٥٠٠٠٠ مارك ينفق عَلَى معاهدها في سورية وفلسطين بمعرفة وزارة خارجيتها. ولم تغفل روسيا عن مساعي الدول الأوربية في سورية وفلسطين ونجاح الجمعيات التبشيرية. ومكان الشرق الأرثوذكسي قد اعتاد من القديم أن يعتبر روسيا حامية له في أيام المحن. واعترفت لها الدول بذلك بواسطة معاهدات دولية كانت نتيجة حروب كثيرة سالت فيها الدماء أنهاراً. فلم يسعها إلا الإقدام عَلَى مباراة الدول الأوربية بتأييدها مركزها في الشرق. فأسست لهذه الغاية سفارة روحية في القدس ما لبثت أن باشرت سنة ١٨٤٧ بفتح المدارس وإنشاء المعاهد الخيرية وفي سنة ١٨٥٨ بعد انتباه حرب القريم أقامت في المدينة نفسها أقامت في المدينة نفسها قنصلاً لها. عَلَى أن السفارتين لم يكن في وسعهما مباراة الجمعيات الأجنبية بالنظر لحرج المركز الذي لا يسمح لممثلي الحكومة أن يتوسعوا في العمل وأدت الحاجة إلى تأسيس جمعية خصوصية غير مقيدة بمركز رسمي نظير الإرساليات الأوربية تطلق يدها في العمل بدون خوف وهكذا كان. ففي سنة ١٨٨٢ وضع الأساس لجمعية فلسطين الأرثوذكسية التي أُطلق عليها سنة ١٨٨٩ إمبراطورية ليتسنى لها جمع الإحسان من الشعب الروسي الذي يعتقد أن الإمبراطور لا يهب اسمه إلا لما فيه المنفعة للوطن. وباشرت الجمعية بإنشاء المدارس وصادفت صعوبات شتى لم تلق مثلها الجمعيات الأوربية لأن المعاكسات بدت من حيث لم ينتظرها أحد أي من الإكليروس اليوناني الذي يكره الروسيين فسهلت لهم سبل الوصول إلى الأراضي المقدسة وأقامت لهم الأبنية في القدس الشريف وغيرها وأنشأت عدة مستوصفات لهم ولتلاميذ مدارسها كل ذلك والخزينة الروسية لم تنفق بارة واحدة بل كان الشعب الروسي الساذج مصدر هذه النفقات الوحيد. وفي سنة ١٨٩٢ فحصت كل أعمال الجمعية وما أنتجته خلال العشر سنوات التي مضت عَلَى تأسيسها فثبت أنها نجحت وأفادت الزوار كثيراً وآوت بعض اولاد الأرثوذكسيين وأمدتهم بالمساعدات الطبية وحق لها أن تكسب ثقة الحكومة الروسية ولما كان عدد الزوار يزداد من سنة إلى سنة والمدارس لم تسد كل الحاجة والإحسانات لا تقوم بكل ما تطلبه التحسينات الحيوية من النفقات طلبت الجمعية من الحكومة إعانة قدرها ٦٠٠٠٠٠ روبل أي ٨٠٠٠٠ ليرة وأيد طلبها رئيسها الغرندوق سرجيون وقد للحكومة ضمانة لهذا الدين كل ما تملكه الجمعية من عقار وغيره ما تبلغ قيمته مليوني روبل. فرفض وزير المالية (فيت) طلبه لتضعضع المالية في ذلك الحين. ولم يبق للجمعية إلا أن تتابع عملها متكيفة بالإحسان من الشعب الروسي ولكنها عادت سنة ١٨٩٥ فطلبت من الحكومة أن تقرضها أربعة آلاف ليرة لتنفقها عَلَى المدارس السورية التي أنشأتها بطلب من البطريرك الأنطاكي سبيريدون ففتحت لها الحكومة اعتماداً بالقيمة المذكورة وأدخلته في ميزانية المجمع المقدس عَلَى أن تنفقه عَلَى السفارة الروحية في القدس. ولما لم يكن في الإمكان متابعة العمل حسبما تقتضيه الأحوال بدون مساعدة كبيرة طلبت من الحكومة ثمانين ألف ليرة تقبضها دفعة واحدة لتحسن أمورها وتستوفي من الاعتماد المذكور أعلاه في مدة عشرين سنة. فقبلت الحكومة بذلك وتكون الجمعية لم يحصل عَلَى مطلوبها إلا بعد سعي عشر سنوات وبشرط إيفاء المبلغ أقساطاً سنوية. والأمر الغريب أن الحومة لم تنقدها المبلغ من مال الخزينة بل من ريع ملاك بسرابيا التي تديرها الحكومة ووفت الجمعية بوعدها. لكن الحرب اليابانية قللت من مداخيل الإحسان فلم تعد تستطيع وفاء دينها فاجلته إلى سنتين ثم إلى ثلاث واخيراً اضطرت إلى عدم الاحتفاظ بكل المعاهد التهذيبية والخيرية التي أنشأتها وصرحت للحكومة بأنها تضطر والحالة هذه إلى حصر أعمالها في دائرة ضيقة فتهدم ما بنته في سنين عديدة. فارسلت الحكومة مفتشين إلى سورية وفلسطين فحصواأعمال الجمعية وشهدوا بما تؤديه من المنافع الجمة للزوار الروسيين وللمدارس الأرثوذكسية فتقرر إيجاد مبلغ يدخل بصورة قانونية إلى نظارة الخارجية فتنفقه الجمعية عَلَى تحسين المدارس في سورية وفلسطين بحيث تفي باحتياجات الأهلين نظير المدارس الأوربية في هذه البلاد. ومن هنا نستنتج أن الجمعية الفلسطينية الروسية أنشأت معاهدها في هذه البلاد دون أن تساعدها الحكومة بشيءٍ بعكس ما رأيناه في أمر المدارس الأوربية الأخرى. وأنها لم تحصل عَلَى الوعد بالمساعدة المنظمة القانونية إلا بعد مضي ٣٩ سنة عَلَى تأسيسها. هذا شيءٌ عن حالة أوربا في سورية بسطته للقارئ وله أن يستنتج ما عسى أن يكون مستقبل هذا الوطن المحبوب إذا لم تبادر الحكومة إلى إزالة كل ما من شأنه حمل الدول الأوربية عَلَى التدخل في شؤوننا. وما هي إلا فاعلة ذلك عن شاء المولى الكريم وهو حسبنا ونعم الوكيل. وطني اليمن وسكانها ٣ خيرات اليمن أجمع جغرافيو العرب أن اليمن الخضراء من أخصب القطار وأكثرها مرافق وخيرات حتى قال القرماني أن أهلها يزرعون أربع مرات في السنة ويحصد كل زرع في ستين يوماً. وقال بعضهم: اليمن ثلثة وثلاثون منبراً قديمة وأربعة محدثة وصنعاء أطيب البلدان وهي طيبة الهواء كثيرة الماء يشتون مرتين ويصيفون مرتين وأهل الحجاز واليمن يمطرون الصيف كله ويخصبون في الشتاء فيمطر صنعاء وما والاها في حزيران وتموز وآب وبعض أيلول من الزوال إلى المغرب يلقى الرجل الآخر منهم فيكلمه فيقول عجل قبل الغيث لأنه لا بد من المطر في هذه الأيام. قال ابن الفقيه: وباليمن من أنواع الخصب وغرائب الثمر وظرائف الشجر ما يستصغر ما ينبت في بلاد الأكاسرة والقياصرة وقد تفاخرت الروم وفارس بالبنيان وتنافست فيه فعجزوا عن مثل غمدان ومأرب وحضر موت وقصر المسعود وسد لقمان وسلحين وصرواح ومرواح وبينون وهندة وهنيدة وفلثوم بريدة. قال الأصمعي أربعة أشياء قد ملأت الدنيا لا تكون إلا باليمن الورس والكندر والعطر والعصب فأما المعرق من الجزع فإنه يتخذ منه الأواني لكبره وعظمه ولهم الحلل اليمانية والثياب السعدية والعدنية والشب اليماني وهو ماء ينبع من قلة جبل فيسيل عَلَى جانبه قبل أن يصل إلى الأرض فيجمد فيصير هذا الشب اليماني الأبيض ولهم الورس وهو شيء يسقط عَلَى الشجر كالترنجين ولهم البُنك ويقال أنه من خشب أم غيلان. قال الأصفهاني وكانت جمال عمان تحمل الورس من اليمن إلى عمان فتصفر. وذكروا من خصائص تهامة أديم زبيد ونيلها الذي لا نظير له كانه لازورد شروب عدن تفضل عَلَى القصب ومسد المهجرة يسمى ليفاً وبرود سحولاً والجريب وأنطاع صعدة وركاؤها وسعيدي صنعاء وعقيقها وقفاع عثر وورس عدن ومغلق قرح. ومن أراد العقيق اشترى قطعة أرض بموضع صنعاء ثم حفر فربما خرج له شبه صخرة واقل وربما لم يخرج شيء منه. والعنبر يقع عَلَى حافة البحر من عدن إلى مخا. قال المقدسي اليمن معدن العصائب والعقيق والأدم الرقيق فإلى عمان يخرج آلات الصيادلة والعطر كله حتى المسك والزعفران والساج والتاسم والعاج واللؤلؤ والديباج والجزع واليواقيت والأَبنوس والنارجيل والقند والاسكندروس (لعله السندروس) والصبر والحديد والرصاص والخيزران والغضار والصندل والبلور والفلفل وغير ذلك وتزيد عدن بالعنبر والشروب والدرق والحبش والخدم وجلود النمور. مذاهب اليمن كان عند ظهور الإسلام في اليمن من الديانة النصرانية واليهودية والمجوسية عَلَى رواية البلاذي وقد كتب الرسول عليه الصلاة والسلام إلى ملوك حمير وهم الحارث ابن عبد كلال ونعيم بن عبد كلال وشرح بن عبد كلال وإلى النعمان قيل ذي رعين ومعامر وهمدان. وكان المجوس في هجر واليمن. ودخل عامل اليمن في الدعوة الإسلامية قال ابن خلدون وهو باذان عامل كسرى واسلم معه أهل اليمن فأمر النبي صلى الله عليه وسلم عَلَى جميع مخاليفها وكان منزله صنعاء كرسي التبابعة ولمامات بعد حجة الوداع قسم النبي اليمن عَلَى عمال من قبله وجعل صنعاء لابنه شهربان بن باذان وقام الأسود العنسي فاخرج عمال النبي من اليمن وزحف عَلَى صنعاء واستولى عَلَى أكثر اليمن وارتد أكثر أهله ثم رجع عمال المسلمين إلى أعمالهم وقاتل أبو بكر الصديق المرتدين من أهل اليمن وولى اليمن عمال بني أمية ثم عمال بني العباس لأول أمرهم ثم تعاقبت الولاة عَلَى اليمن وكانوا ينزلون صنعاء حتى انتهت الخلافة إلى المأمون وظهرت دعاة الطالبين بالنواحي وظهر باليمن إبراهيم بن موسى الكاظم سنة مائتينيولم يتم أمره وكان يعرف بالجزار لسفكه الدم وبعث المأمون عساكره إلى اليمن فدوخوا حبه وحملوا كثيراً من وجوه الناس فاستقام أمر اليمن فولي محمد زياد عَلَى اليمن ضامناً له حياطتهم من العلويين فقدمها سنة ثلاث ومائتينيوفتح تهامة اليمن وهي البلدة التي عَلَى ساحل البحر الغربي واختط بها مدينة زبيد ونزلاه وأصابها كرسياً لتلك المملكة وولى عَلَى الجبال مولاه جعفراً وفتح تهامة بعد حروب واشترط عَلَى عرب تهامة أن لا يركبوا الخيل واستولى عَلَى اليمن أجمع وأدخل في طاعته أعمال حضر موت والشحر وديار كندة وصار في مرتبة التبابعة. وكان في صنعاء قاعدة اليمن بنو جعفر من حمير بقية الملوك التبابعة استبدوا بها مقيمين بالدعوة العباسية ولهم من صنعاء سحان ونجران وجرش ولما بلغ عاملها أبا الجيش اسحق ابن إبراهيم قتل المتوكل وخلع المستعين واستبداد الموالي عَلَى الخلفاء مع ارتفاع اليمن ارتفع بالمظلة شان سلاطين العجم المستبدين وفي أيامه خرج باليمن يحيى بن الحسين بن القاسم الرسي بن إبراهيم بن طباطبا بدعوة الزيدية جاء بها من السند وكان جده القاسم قد فر إلى السند بعد خروج أخيه محمد مع أبي السرايا فلحق القاسم بالسند وأعقب بها الحسين ثم ابنه يحيى باليمن سنة ثمان وثمانين (ومائتين) ونزل صعدة وأظهر دعوة الزيدية وزحف إلى صنعاء فملكها من يد اسعد بن يعفر ثم استردها منه بنو أسعد ورجع إلى صعدة وكان شيعته يسمونه الإمام. وفي أيام أبي الجيش بن زياد أيضاً ظهرت دعوة العبيديين (الفاطميين) باليمن فأقام بها محمد بن الفضل بعده لاعة وجبال اليمن إلى جبال المذيخرة سنة أربعين وثلثمائة ويقي له باليمن من الشرجة إلى عدن عشرون مرحلة ومن مخلافه إلى صنعاء خمس مراحل وهلك أبو الجيش سنة لإحدى وسبعين وثلثمائة بعد أن اتسعت جبايته وعظم ملكه قال ابن سعيد رأيت مبلغ جبايته وهو ألف ألف مكررة مرتين وثلثمائة وستة وستون ألفاً من الدنانير العثرية ما عدا ضرائبه عَلَى مركب السند وعَلَى العنبر الواصل بباي المندب وعدناَبين وعَلَى مغائص اللؤلؤ وعَلَى جزيرة دهلك ومن بعضها وصائف وكانت ملوك الحبشة من وراء البحر يهادنوه ويخطبون مواصلته وانقرضت دولته سنة سبع وأربعمائة. ثم ملك نجاح وقيس من موالي مرجان مولى الحسن بن سلامة وتغلب نجاح بعد أن قتل أخاه في خمسة آلاف من عسكره وضرب السكة باسمه وكاتب ديوان الخلافة ببغداد فعقد له عَلَى اليمن ولم يزل مالكاً تهامة وقاعدته زبيد قاهراً لأهل الجبال وانتزع الجبال كلها من مولاه الحسن بن سلامة ولم تزل الملوك تتقي صولته إلى أن قتله الصليحي القائم بدعوة العبيديين سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة فقام الأمر بعده بزبيد مولاه كهلان. أما الصليحي فكان مبدأُ أمره مثل السيد أحمد بن إدريس الذي كان قائماً في عسير في السنة الماضي عرف بالصلاح فالتف الناس حوله وأظهر الدعوة العبيدية فاستولى أولاً عَلَى حصن بذورة جبل الحمام محصن ذلك الحصن ثم ملك اليمن كله ونزل صنعاء واختلط بها القصور واسكن عنده ملوك اليمن الذين غلب عليهم وهزم بني طرف ملوك عثر وتهامة ومازال الأمر كذلك حتى استولى بنو أبي بركات عَلَى بني المظفر في شيح وحصونه ثم باع حصن ذي جبلة من الداعي الزريعي صاحب عدن بمائة ألف دينار ولم يزل يبيع معاقله حصناً حصناً حتى لم يبق له غير معقل تعز أخذه منه علي بن مهدي وبقي ملوك زبيد يخطبون للعباسيين والصليحيون يخطبون للعبيديين إلى أواخر المئة الخامسة والبلاد يتجاذبها ملوك حتى انقرض أمر آل نجاح سنة ٥٥٤ وخلفهم غيرهم وبقي أمر اليمن في تقلقل والجبال لرجل وتهامة لآخر وعدن لغيرهم حتى جاء عبد النبي بن مهدي الخارجي من زبيد واستولى عَلَى اليمن أجمع وبه يومئذ خمس وعشرون دولة فاستولى عَلَى جميعها ولم يبق له سوى عدن ففرض عليها الجزية ولما دخل شمس الدولة تورانشاه بن أيوب أخو صلاح الدين سنة ٥٦٦ واستولى عَلَى الدولة التي كانت باليمن ونزل زبيد واتخذها كرسياً لملكه ثم استوخمها وسار في الجبال ومعه الأطباء يتخير مكاناً صحيح الهواء يتخذ فيه سكناه فوقع اختيارهم عَلَى مكان تعز فاختلط به المدينة كما اختلط الصليحي سنة ٤٥٨ حصن ذي جبلة ونزلها وبقيت كرسياً لملكه وبنيه ومواليهم بني رسول. وذكر ابن سعيد أن اليمن تشتمل عَلَى سبعة كراسي للملك تهامة والجبال وفي تهامة مملكتان مملكة زبيد ومملكة عدن ومعنى تهامة ما انخفض من بلاد اليمن مع ساحل البحر من البرين من جهة الحجاز إلى آخر أعمال عدن دورة البحر الهندي واليمن أخصب من الحجاز وأكثر أهلها القحطانية وفيها من عرب وائل ودامت دولة بني رسول باليمن عَلَى رواية ابن إياس نحو مائتينيوثلاثين سنة وكان سبب تسمية جدهم برسول أن الخلفاء كانت تبعثه رسولاً إلى البلاد الشامية وغيرها من البلاد فسمي رسولاً وما زال يرتقي حتى ملك بلاد اليمن. ذكر المقدسي أن المذاهب المستعملة لعهده في الإسلام التي لها خاص وعام دعاة وجمع ثمانية وعشرون مذهباً أربعة في الفقه وأربعة في الكلام وأربعة في الحكم فيها وأربعة مندرسة وأربعة في الحديث وأربعة غلب عليها أربعة وأربعة رستاقية فأما الفقهيات فالحنفية والمالكية والنفعوية والداودية وأما الكلاميات فالمعتزلة والنجارية والكلابية والسالمية وأما الذين لهم فقه وكلام فالشيعة والخوارج والكرامية والباطنية وأما أصحاب الحديث فالحنبلية والراهوية والأوزاعية والمنذرية وأما المندرسة فالعطائية والثورية والإباضية والطاقية وأما التي في الرساتيق فالزعفرانية والخرمدينية والأبيضية والسرخسية وأما التي غلب عليها أربعة من شكلها فالأشعرية عَلَى الكلابية والباطنية عَلَى القرمطية والمعتزلة عَلَى القدرية والشيعة عَلَى الزيدية والجهمية عَلَى النجارية. فهذه جملة المذاهب المستعملة اليوم (في عهد المؤلف) ثم تتشعب إلى فرق لا تحصى ولما ذكرنا ألقاب واسماء تتكرر ولا تزيد عَلَى ما ذكرنا يعرف ذلك العلماء وهن أربعة ممتدحة وأربعة منكورة وأربعة مختلف فيها وأربعة لقب بها أهل الحديث وأربعة معناهن واحد وأربعة يميزهن النحارير فأما الملقبة بالروافض والمحبرة والمرجئة والشكاك أو الممتدحة فأهل السنة والجماعة واهل العدل والتوحيد والمؤمنون واصحاب الهدى وأما المنكورة فالكلابية ينكرون الجبر والحنبلية ينكرون النصب ومنكرو الصفات ينكرون التشبيه ومثبتوها ينكرون التعطيل وأما المختلف فيها فعند الكرامية الجبر جعل الاستطاعة مع الفعل وعند المعتزلة جعل الشر بقدر الله تعالى وأن يقال أفعال العباد مخلوقة لله والمرجئة عند أهل الحديث من أخر العمل عن الإيمان وعند الكرامية من نفى فرض الأعمال وعند المأمونية من وقف في الإيمان وعند أصحاب الكلام من وقف في أصحاب الكبائر ولم يجعل منزلة بين منزلتين والشكاك عند أصحاب الكلام من وقف في القرآن وعند الكرامية من استثنى في الإيمان والروافض عند الشيعة من أخر خلافة علي وعند غيرهم من نفى خلافة العمرين وأما أربعة معناهن واحد فالزعفرانية والواقفية والشكاك والرستاقية وأما أربعة لقب بها أهل الحديث فالحشوبة والشكاك والنواصب والمجبرة وأما التي يميزهن كل نحرير فأهل الحديث من الشفقوية والثورية من الحنفية والنجارية من الجهمية والقدرية من المعتزلة. قال واعلم أن أصل مذاهب المسلمين كلها متشعبة من أربع الشيعة والخوارج والمرجئة والمعتزلة وأصل افتراقهم قتل عثمان ثم تشعبوا ولا يزالون متفرقين ولم أر السواد العظم إلا من أربعة مذاهب أصحاب أبي حنيفة بالمشرق وأصحاب مالك بالمغرب وأصحاب الشافعي بالشاش وخزائن ونيسابور وأصحاب الحديث بالشام وأقور والرحاب وبقية الأقاليم ممتزجون. وقال أيضاً أن اليمن قليل الفقهاء والمذكرين والقراء كما هو قليل النخيل والمياه الغزيرة والبحيرات واليهود به أكثر من النصارى ولا ذمة غيرهم وسواد صنعاء ونواحيها مع سواد عمان شراة غالية وبقية الحجاز واهلب الرأي بعمان وهجر وصعدة شيعة وشيعة عمان وصعدة وأهل السروات وسواحل الحرمين معتزلة إلا عمان والغالب عَلَى صنعاء وصعدة أصحاب أبي حنيفة والجوامع بأيديهم وبالمعافر مذهب أبي المنذر وفي نواحي نجد اليمن مذهب سفيان والأذان بتهامة ومكة يرجع إذا تدبرت العمل عَلَى مذهب مالك ويكبر بزبيد في العيدين عَلَى قول أبي مسعود أحدثه القاضي أبو عبد الله الصعواني وقت كوني ثم العمل بهجر عَلَى مذهب القرامطة وبعمان وأودية لهم مجلس. ويؤخذ مما قاله الهمداني أن أهل عدن فيما يقال لم يدخل عليهم من الروم حد ولكن أهل الرهابنة ثم فنوا سكانها مهرة وقوم من الشراة وظهرت فيها دعوة الإسلام ثم كثر بها الشراة فعدوا عَلَى من بها من المسلمين فقتلوهم غير عشرة أناسية. الزيدية والزيدية هم اتباع زيد بن علي بن الحسين بن علي عليه السلام ساقوا الإمامة في أولاد فاطمة عليها السلام ولم يجوزوا ثبوت إمامة في غيرهم إلا أنهم جوزوا أن يكون كل فاطمي عالم زاهد شجاع سخي خرج بالإمامة أن يكون إماماً واجب الطاعة سواء كان من أولاد الحسن أو من أولاد الحسين اللذين وعن هذا قالت طائفة منهم بإمامة محمد وإبراهيم الإمامين ابني عبد الله بن الحسن بن الحسين اللذين خرجا في أيام المنصور وقتلا عَلَى ذلك وجوزوا خروج إمامين في قطرين يستجمعان هذه الخصال ويبكون كل واحد منهما واجب الطاعة واقتبس زيد بن علي مذهب الاعتزال فصار أصحابه كلهم معتزلة وكان من مذهبه جواز إمامة المفضول مع قيام الفضل فقال كوان علي بن أبي طالب أفضل الصحابة إلا أن الخلافة فوضت إلى أبي بكر لمصلحة رأوها وقاعدة دينية راعوها من تسكين ثائرة الفتنة تطييب قلوب العامة فإن عهد الحروب التي جرت في أيام النبوة كان قريباً وسيف أمير المؤمنين علي عليه السلام عن دماء المشركين من قريش لم يجف بعد والضغائن في صدور القوم من طلب الثأر كم هي فما كانت القلوب تميل إليه كل الميل ولا تنقاد له الرقاب كل الانقياد وكانت المصلحة أن يقوم بهذا الشأن من عرفوه باللين والتودد والتقدم بالسن والسبق في الإسلام والقرب من رسول الله صلى الله عليه وسلم ألا ترى أنه لما أراد في مرضه الذي مات فيه تقليد الأمر عمر ابن الخطاب رضي الله عنه زعق الناس وقالوا لقد وليت علينا فظاً غليظاً فما كانوا يرضون بأمير المؤمنين عمر لشدة وصلابة وغلظ له في الدين وفظاظة عَلَى العداء حتى سكنهم أبو بكر رضي الله عنه وكذلك يجوز أن يكون المفضول إماماً والفضل قائماً فيرجع إليه في الأحكام ويحكم بحكمه في القضايا. ولما قتل زيد بن علي وصلب قام بالإمامة بعده يحيى بن زيد ومضى إلى خرسان واجتمعت عليه جماعة كثيرة وخرج محمد وإبراهيم بالمدينة والبصرة واجتمع عليهما الناس فقتلا ثم رأوا أنه لا يجوز خروج واحد من أهل البيت حتى يأذن الله تعالى بزوال ملك بني أمية الذين يتطاولون عَلَى الناس حتى لو طاولتهم الجبال لطالوا عليها وهم يستشعرون بغض أهل البيت فقتل زيد بن علي بكناسة الكوفة قتله هشام بن عبد الملك ويحيى بن زيد قتل بجوزجان خراسان قتله أميرها ومحمد الإمام قتله بالمدينة عيسى بن هامان وإبراهيم الإمام قتل بالبصرة أمر يقتلهما المنصور. ولم ينتظم أمر الزيدية بعد ذلك حتى ظهر بخراسان ناصر الأطروش فطلب مكانه ليقتل فاختفى واعتزل إلى بلاد الديلم والجبل لم يتحلوا بدين الإسلام بعد فدعها الناس دعوة إلى الإسلام عَلَى مذهب زيد بن علي فدانوا بذلك ونشأوا عليه وبقيت الزيدية في تلك البلاد ظاهرين وكان يخرج واحد بعد واحد من الأئمة ويلي أمرهم وخالفوا بني أعمامهم من الموسوية في مسائل الأصول ومالت أكثر الزيدية بعد ذلك عن القول بإمامة المفضول وطعنت في الصحابة طعن الإمامية وهم اصناف ثلاث جارودية وسليمانية وبترية والصالحية منهم والبترية عَلَى مذهب واحد. وقال صاحب الفرق بين الفرق أن الزيدية ثلاث فرق وهي الجارودية والسليمانية وقد يقال الحرورية أيضاً والبترية وهذه الفرق الثلاث طيجمعها القول بإمامة زيد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب في أيام خروجه وكان ذلك في أيام هشام بن عبد الملك ويذهب الجارودية أولاً إلى أتباع المعروف بأبي الجارود وقد زعموا أن النبي صلى الله عليه وسلم نص عَلَى إمامة علي بالوصف دون الاسم وزعموا أيضاً أن الصحابة كفروا بتركهم بيعة علي وقالوا أيضاً أن الحسن بن علي هو الإمام من بعد علي ثم أخوه الحسين كان إماماً بعد الحسن. وافترقت الجارودية في هذا الترتيب فرقتين فرقة قالت أن علياً نص عَلَى إمامة ابنه الحسن ثم نص الحسن عَلَى إمامة أخيه الحسين بعده ثم صارت الإمامة بعد الحسن والحسين شورى في ولدي الحسن والحسين فمن خرج منهم شاهراً سيفه داعياً إلى دينه وكان عالماً ورعاً فهو الإمام وزعمت الفرقة الثانية منهم أن النبي صلى الله عليه وسلم الذي نص عَلَى إمامة الحسن بعد علي وإمامة الحسين بعد الحسن ثم افترقت الجارودية بعد هذا في الإمام المنتظر فرقاً منهم لم يعين واحداً بالانتظار وقال كل من شهر سيفه ودعا إلى دينه ولد الحسن والحسين فهو الإمام ومنهم من ينتظر محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي بن أبي طالب ولا يصدق بقتله ولا بموته ويزعم أنه هو المهدي المنتظر الذي يخرج فيملك الأرض وقول هؤلاء فيه كقول المحمدية من الإمامية في انتظارها محمد بن عبد الله بن الحسن بن علي ومنهم من ينتظر محمد بن عمر الذي خرج بالكوفة ولا يصدق بقتله ولا بموته فهذا قول الجارودية وتكفيرهم واجب لتكفيرهم أصحاب رسول الله عليه السلام. ذكر السلمانية أو الجريرية منهم هؤلاء أتباع سليمان بن جرير الزيدي الذي قال أن الإمامة شورى وأنها تنعقد بعقد رجلين من خيار الأمة وأجاز إمامة المفضول واثبت غمامة أبي بكر وعمر وزعم أن الأمة تركت الصلح في البيعة لهما لأن علياً كان أولى بالإمامة منهما إلا أن الخطأ في بيعتهما لم يتوجب كفراً ولا فسقاً وكفر سليمان بن جرير عثمان بالأحداث التي نقمها الناقمون منه وأهل السنة يكفرون سليمان بن جرير من أجل أن كفر عثمان رضي الله عنه. وذكر البترية منهم فقال هؤلاء أتباع رجلين أحدهما الحسن بن صالح بن حي والآخر كثير المغوا الملقب بالأبتر وقولهم كقول سليمان بن جرير في هذا الباب غير أنهم توقفوا في عثمان ولم يقدموا عَلَى ذمه ولا عَلَى مدحه وهؤلاء أحسن حالاً عند أهل السنة من أصحاب سليمان بن جرير وقد اخرج مسلم بن الحجاج حديث الحسن بن صالح ابن حي في مسنده الصحيح ولم يخرج محمد بن إسماعيل البخاري حديث في الصحيح ولكنه قال في كتاب التاريخ الكبير الحسن بن صالح بن حي الكوفي سمع سماك ابن حرب ومات سنة سبع وستين ومائة وهو من ثغور همذان وكنيته أبو عبد الله. قال عبد القاهر: هؤلاء البترية والسليمانية من الزيدية كلهم يكفرون الجارودية من الزيدية لإقرار الجارودية عَلَى تكفير أبي بكر وعمر والجارودية يكفرون السليمانية والبترية لتركهما تكفير أبي بكر وعمر وحكي شيخنا أبو الحسن الشعري في مقالته عن قوم الزيدية يقال لهم اليعقوبية أتباع رجل اسمه يعقوب أنهم كانوا يتولون أبا بكر وعمر ولكنهم لا يتبرؤون ممن تبرأ منهم. قال عبد القاهر اجتمعت الفرق الثلاث الذين ذكرناهم من الزيدية عَلَى القول بأن أصحاب الكبائر من الأمة يكونون مخلدين في النار فهم من هذا الوجه كالخوارج الذين ايأسوا أُسراء المذنبين من رحمة الله تعالى ولا ييأس من روح الله إلا القوم الكافرون. إنما قيل لهذه الفرق الثلاث واتباعها زيدية لقولهم بغمامة يد بن علي بن الحسن ابن علي بن أبي طالب في وقته وإمامة ابنه يحيى بن زيد بعد زيد. وكان زيد بن علي قد بايعه عَلَى غمامته خمسة عشر ألف رجل من أهل الكوفة وخرج بهم عَلَى والي العراق وهو يوسف بن عمر الثقفي قالوا له إننا ننصرك عَلَى أعدائك بعد أن تخبرنا برأيك في أبي بكر وعمر اللذين ظلما جدك علي بن أبي طالب فقال زيد إني لا أقول فيهما إلا خيراً وما سمعت أبي يقول فيها إلا خيراً وإنما خرجت عَلَى بني أمية الذين قتلوا جدي الحسين واغاروا عَلَى المدينة يوم الحرة ثم رموا بيتاً لله بحجر المنجنيق والنار ففارقوه عند ذلك حتى قال لهم رفضتموني ومن يومئذ رافضة وثبت معه نصر بن حريمة العنسي ومعاوية ابن اسحق بن يزيد بن حارثة في مقدار مائتي رجل وقاتلوا جند يوسف بن عمر الثقفي حتى قتلوا عن آخرهم وقتل زيد ثم نبش قبره وصلب ثم أحرق بعد ذلك وهرب ابنه يحيى ابن زيد إلى خراسان وخرج بناحية الجوزجان عَلَى نصر بن بشار والي خرسان فبعث نصر ابن بشار إليه مسلم بن أحوز المازني في ثلاثة آلاف رجل فقتلوا يحيى بن زيد ومشهده بجوزجان معروف. هذا منشأ مذهب الزيدية باليمن وغيرها قال ابن فضل الله: إمام الزيدية باليمن وهو من بقايا الحسينيين القائمين بآمل الشط من بلاد طبرستان وقد كان سلفهم جاذب الدولة العباسية حتى كاد يطيح رداءها ويشمت بها أعدائها. وهذه البقية الآن بصنعاء وبلاد حضر موت وما والاها من بلاد اليمن وأمراء مكة تسر طاعته ولا تفارق جماعته والأمانة الآن فيهم من بني المطهر واسم الإمام القائم في وقتنا حمزة ويكون بينه وبين الملك الرسولي باليمن مهادنات ومفاسخات تارة وتارة وهذا الإمام وكل من كان قبله عَلَى طريقة ما عداها وهي إمارة عربية لا كبر في صدروها ولا شمم في عرانينها وهم عَلَى مسكة من التقوى وترد بشعار الزهد يجلس في ندي قومه كواحد منهم ويتحدث فيهم ويحكم بينهم سواء عنده المشرف والشريف والقوي والضعيف وربما اشترى سلعة بيده ومشى في أسواق بلده لا يغلط الحجاب ولا يكل الأمور إلى الوزراء والحجاب يأخذ من بيت المال قدر بلغته من غير توسع ولا تكثر غير مشبع هكذا هو وكل من سلف قبله مع عدل شامل وفضل كامل اهـ. نعم جاذب القوم الدولة العباسية كما قال العمري حتى كادوا يطيحون رداءها وكذلك فعلوا من بعد إلى عهدنا هذا وذلك شيء ناشئٌ ولا جرم من جودة هواء الجبال لأن الشدة تغرس في العادة نفوس الجبليين وما سكان الجبال من اليمانيين إلا أشبه بالإفريديين عَلَى حدود الهند وأفغانستان ولقد أوى الزيدية إلى الجبال كما أوى معظم أصحاب الدعوات إليها هكذا فعل الإسماعيلية والنصيرية فأووا إلى جبل اللكام والدروز إلى جبل الشوف والجبل الأعَلَى وجبال صفد وجبال حوران والشيعة المتاولة إلى جبل عامل وجبال بعلبك ولبنان من أرض الشام. قال بعضهم صعدة مملكتها تلو مملكة صنعاء وهي في شرقيها وفي هذه المملكة ثلاث قواعد صعدة وجبل قطابة وحصن تلا وحصون أخرى وتعرف كلها ببني الرس وأما حصن تلا فمنه كان ظهور الموطئِ الذي أعاد إمامة الزيدية لبني الرضا بعد أن استولى عليها بنو سليمان فأوى إلى جبل قطابة ثم بايعوا لأحمد الموطئ سنة خمس وأربعين وستمائة. وقال ابن فضل الله أيضاً في الزيدية: وأما الزيدية فهم أقرب القوم إلى القصد الأمم وقولهم أن أبا بكر وعمر رضي الله عنهما أئمة عدل وأن ولايتهما كانت لما اقتضته المصلحة مع أن علياً رضي الله عنه أفضل منهما ويرون جواز ولاية المفضول عَلَى الفاضل في بعض الأحيان لما تقتضيه المصلحة أو لخوف الفتنة ولهذه الطائفة إمام باق إلى الآن باليمن وصنعاء داره وأمراء مكة المعظمة منهم وحدثني الشريف مبارك بن الأمير عطيفة بن أبي نمي أنهم لا يدينون إلا بطاعة ذلك الإمام ولا يرون إلا أنهم نوابه وغنما يتوقون صاحب مصر لخوفهم منه والإقطاع (؟) وصاحب اليمن لمداراته لواصل المكارم ورسوم وكانت لهؤلاء دولة قديمة بطبرستان فزالت إلا هذه البقية. وقال ابن خلدون فأما الزيدية فساقوا الإمامة عَلَى مذهبهم فيها وإنها باختيار أهل الحل والعقد لا بالنص فقالوا بإمامة علي ثم ابنه الحسن ثم أخيه الحسين ثم ابنه علي زين العابدين ثم ابنه زيد بن علي وهو صاحب هذا المذهب وخرج بالكوفة داعياً إلى الإمامة فقتل وصلب بالكناسة وقال الزيدية بإمامة ابنه يحي من بعده فمضى إلى خرسان وقتل بالجوزجان بعد أن أوصى إلى محمد بن عبد الله بن الحسن بن الحسين السبط ويقال له النفس الزكية فخرج بالحجاز وتلقب بالمهدي وجاءته عساكر المنصور فقتل وعهد إلى أخيه إبراهيم فقام بالبصرة ومعه عيسى بن زيد بن علي فوجه إليهم المنصور عساكره فهزم وقتل إبراهيم وعيسى وكان جعفر الصادق أخبرهم بذلك كله وهي معدودة في كراماته وذهب آخرون منهم إلى أن الإمام بعد محمد بن عبد الله النفس الزكية هو محمد بن القاسم بن علي بن عمرو هو أخو زيد بن علي فخرج محمد بن القاسم بالطالقان فقبض عليه وسيق إلى المعتصم فحبسه ومات في حبسه وقال آخرون من الزيدية أن الإمام يحيى بن زيد هو أخوه عيسى الذي حضر مع إبراهيم بن عبد الله في قتاله مع منصور ونقلوا الإمامة في عقبه وإليه انتسب دعي الزنج وقال آخرون من الزيدية أن الإمام بعد محمد ابن عبد الله أخوه إدريس الذي فر إلى المغرب ومات هناك وقام بأمره ابنه إدريس واختط مدينة فاس وكان من بعده عقبة ملوكاً بالمغرب إلى أن انقرضوا وبقي أمر الزيدية بعد ذلك أمر غير منتظم وكان منهم الداعي الذي ملك طبرستان وهو الحسين بن زيد بن محمد بن إسماعيل بن الحسن بن زيد بن علي لن الحسين السبط أخوه محمد ابن زيد ثم قام بهذه الدعوة في الديلم الناصر الطروش منهم وأسلموا عَلَى يده وهو الحسن بن علي بن الحسن بن علي بن عمرو وعمرو أخو زيد بن علي فكانت لبنيه بطبرستان دولة وتوصل الديلم من نسبهم إلى الملك والاستبداد عَلَى الخلفاء ببغداد. ذوكر ابن ساعد من جملة فرق الشيعة الزيدية القائلين بإمامة زيد بن علي بن الحسين وغمامة من اجتمع فيه العلم والزهد والشجاعة ظاهراً وهو من ولد فاطمة رضي الله عنها ويخرج لطلب الإمامة ومنهم من زاد صباحة الوجه وأن لا يكون مؤوفاً ويجوزون قيام إمامين معاً بمكانين ومن رفض زيداً هذا أطلق عليهم اسم الرافضة أولاً وهؤلاء الثلاث طوائف من الشيعة أعني الإمامية والإسماعيلية والزيدية هم رؤوس فرقهم. قال ابن حزم اتفقت الأمة كلها عَلَى وجوب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا خلاف من أحد منهم لقول الله تعالى ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ثم اختلفوا ثم اختلفوا في كيفيته فذهب بعض أهل السنة من القدماء من الصحابة رضي الله عنهم فمن بعدهم إلى أن الغرض من ذلك إنما هو في القلب فقط أو باللسان إن قدر عَلَى ذلك ولا يكون باليد ولا بسل السيوف ووضع السلاح أصلاً وبهذا قالت الروافض كلهم ولو قتلوا كلهم إلا أنها لم تر ذلك ما لم يخرج الناطق فإذا خرج وجب سل السيوف حينئذ معه وإلا فلا واقتدى أهل السنة بعثمان وغيره من الصحابة وبمن رأى لقعود منهم إلا أن جميع القائلين بهذه المقالة من أهل السنة إنما رأو ذلك ما لم يكن عدلاً فإن كان عدلاً وقام عليه فاسق وجب عندهم بلا خلاف سل السيوف مع الإمام العادل. وذهبت طوائف من أهل السنة وجميع الخوارج والزيدية إلى أن سل السيوف في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب إذا لم يكن دفع المنكر إلا بذلك قالوا فإذا كان أهل الحق في عصابة يمكنهم الدفع ولا يبأسون من الظفر ففرض عليهم. وبعد فإن شيعة علي رضي الله تعالى عنه زيدي ورافضي وبقيتهم بدد لا نظام لهم قالت علماء الزيدية وجدنا الفضل في الفعل دون غيره ووجدنا الفعل كله في أربعة أقسام أولها القدم في الإسلام حين لا رغبة ولا رهبة إلا من الله تعالى وإليه ثم الزهد في الدنيا فإن أزهد الناس في الناس أرغبهم في الآخرة وآمنهم عَلَى نفائس الأموال وعقائل النساء وإراقة الدماء ثم الفقه الذي يعرف به الناس مصالح دنياهم ومراشد دينهم ثم المشي في السيف كفاحاً في الذب عن الإسلام وتأسيس الدين وقتل عدوه وإحياء وليه فليس فوق بذل المهجة واستغراق القوة غاية يطلبها طالب أو يرتجيها راغب ولم نجد قولاً خامساً فتذكره فلما رأينا هذه الخصال مجتمعة في رجل دون الناس كلهم وجب علينا تفضيله عليهم وتقديمه دونهم. وذاك إنا سألنا العلماء والفقهاء وأصحاب الأخبار وحمال الاثار عن أول الناس إسلاماً فقال فريق منهم من هذه علي وقال قوم زيد بن حارثة وقال قوم خباب ولم نجد قول كل واحد منهم من هذه الفرق قاطعاً لعذر صاحبه ولا ناقلاً عن مذهبه وإن كانت الرواية في تقديم علي أشهر واللفظ به أكثر وكذلك إذا سألناهم عن الذابين في الإسلام والماشي إلى الأقران في بسيوفهم وجدناهم مختلفين فمن قائل يقول علي رضي الله تعالى عنه ومن قائل يقول ابن عفراء ومن قائل يقول محمد بن مسلمة ومن قائل يقول طلحة ومن وقائل يقول البراء بن مالك عَلَى أن لعلي من قتل الأقران ما ليس فيهم فلا اقل من أن يكون علي في طبقتهم وإن سألناهم عن الفقهاء والعلماء رأيناهم يعدون علياً ممن كان أفقههم لأنه كان يُسأل ولا يسأل ويفتي ولا يستفتي ويُحتاج إليه ولا يحتاج إليهم ولكن لا أقل من أن نجعله في طبقتهم وكأحدهم وإن سألناهم عن أهل الزهادة وأصحاب التقشف والمعروفين برفض الدنيا وخلعها والزهد فيها قالوا علي وأبو الدرداء ومعاذ بن جبل وأبو ذر وعمار وبلال وعثمان بن مظعون عَلَى أن علياً أزهدهم لأنه شاركهم في خشونة الملبس وخشونة المأكل والرضا باليسر والتبلغ بالحقير وظلف النفس ومخالفة الشهوات وفارقهم بان ملك بيوت الأموال ورقاب العرب والعجم فكان ينضج بيوت المال في كل جمعة ويصلي فيه ركعتين ورقع سراويله ما فضل من ردائه عن أطراف أصابعه بالشفرة في أمور كثيرة مع أن زهده أفضل من زهدهم لأنه أعلم منهم وعبادة العالم ليست كعبادة غيره كما أن زلته ليست كزلة غيره فلا اقل من أن نعده في طبقتهم ولا نجدهم ذكروا لأبي الدرداء وأبي ذر وبلال مثل الذي ذكروا له في باب الغناء والذب وبذل النفس ولم نجدهم ذكروا للزبير وابن عفراء وأبي دجانة والبراء بن مالك مثل الذي ذكروا له من التقدم في الإسلام والزهد والفقه ولم نجدهم ذكروا لبي بكر وزيد وخباب مثل الذي ذكروا له من بذل النفس الغناء والذب بالسيف ولا ذكروهم في طبقة الفقهاء والزهاد فلما رأينا هذه الأمور مجتمعة فيه متفرقة في غيره من أصحاب هذه المراتب وهذه الطبقات علمنا أن أفضلهم وإن كان كل رجل منهم قد اخذ من كل خير بنصيب فإنه لم يبلغ ذلك مبلغ من قد اجتمع له جميع الخير وصنوفه. قال الحافظ بعد كلام عَلَى هذا النحو وإنما قصدت إلى هذا المذهب دون مذهب سائر الزيدية في دلائلهم وحججهم لأنه أحسن سيء رأيته لهم وإنما أحكي لك من كل نحلة قول حذاقهم وذوي أحلامهم لن فيه دلالة عَلَى غيره وغنى عما سواه. الخاتمة تبين للقارئ من هذا البحث كيف كانت اليمن وكيف كان سكانها وما هي مذاهبهم وما نخال أن الداعي إلى كل ما وقمعن الفتن سوى المظالم التي دكت العمران أذعر بها السكان وهذا واقع بهم منذ القرون الوسطى إلى اليوم وقد أصابهم منه في عهد الدولة العلية ما لم يصب معظم الولايات لبعد ديارهم في القاصية ولأنه لم يكن يقدم عَلَى الخدمة هناك من جيش الدولة وعمالها إلا من جعل الاغتناء بأي طريقة أول همه وهمامة نفسه. قال المقبلي اليماني: ولقد حكي عن باشا من أمراء الروم يسمى سناناً في صنعاء حين وطأتهم اليمن وخبره أشهره واكبر قد أنسى أهل اليمن ضرب المثل بالحجاج وصار علماً للظلم والفتك كأنه مولع بسفك الدماء والتفتن فيه بالسلخ والصلب والخنق والكرباج فبينا هو في خاصته يتأوه ويبتهل إلى الله في طلب المخرج من نفس مسلم قتله في الروم إذ قيل له هؤلاء الجماعة الذين أرسلت لهم فأشار أن اقتلوهم من دون اكتراث ولا نظر ولا استثبات في شأنهم فقال له بعض الحاضرين في ذلك فقال إنما أتأوه من قتل مسلم محترم وهؤلاء زيدية يحل دماؤهم إلى أن قال وكنت أن هذا شيء نادر في سنان المشؤم وجماعة قليلين وإذا هو مطبق عليه في من هو في دولة الأروام كان هذا شيء يتبع الدولة وكأنها نسخت الشريعة اهـ. كذا قال وهو عَلَى غلو فيه لا يخلو من حقيقة تاريخية فقد أثر عن الولاة المتأخرين أعمال كهذه يتناقلها اليمانيون بينهم ويدونونها في أخبارهم ولذلك قلما رأينا يمانياً ثاب إلى سكونه فعسى أن تعرف حكومتنا الحاضرة كيف تؤكل الكتف تسكن نأمة تلك الشرور المستطيرة قروناً في مملكو التبابعة وحمير. تاريخ الحضارة في القرون الوسطى والقرون الحديثة أصول الحضارة الآثار قبل التاريخ - تجد في الأرض أحياناً دفائن من سلاح وأدوات وعظام بشرية وبقايا من كل نوع تركها البشر ولا يعلم عنها شيء ويستخرج منها ألوف من الأنواع في جميع ولايات فرنسا وسويسرا وإنكلترا بل في أوربا كلها بل يستخرج مثلها من آسيا وأفريقية ولا شك أن لها مثالاً في العالم كله. وتسمى هذه البقايا آثار ما قبل التاريخ لأنها أقدم من التاريخ ومنذ نحو أربعين سنة أخذ العلماء يجمعونها أو يدرسونها. ولمعظم المتاحف اليوم قاعة أو عَلَى الأقل بعض بيوت من الزجاج مملوء من هذه البقايا. وعَلَى مقربة من باريز في (سان جرمان إن لاي) متحف من قبل عهد التاريخ. وقد جمعت الدانيمرك زهاء ثلاثين ألف قطعة من الآثار. وفي كل يوم يعثر عَلَى تحف أثناء الحفر وعند بناء بيت وحفر حفيرة لسكة حديدية. وهذه التحف لا ترى عَلَى سطح الأرض بل هي مدفونة في الأعماق وفي أماكن لم تنبش تربتها وهي مغشاة بطبقة من الحصباء والطين الندي تراكمت شيئاً فشيئاً فوقتها وجعلتها بمأمن من الهواء وهو ما يؤكد كل التأكيد بان تلك الدفائن هتاك منذ زمن بعيد. علم ما قبل التاريخ - فحص العلماء هذه الآثار فتساءلوا عمن خلفها لنا وحاولوا أن يعرفوا من عظامها وأدواتها كيف بقيت وكيف كانت تعيش فأثبتوا أن هذه الأدوات تشبه ما يستعمله بعض المتوحشين إلى اليوم. ومن درس هذه التحف نشأ علم جديد سموه علم الآثار قبل زمن التاريخ. العصور الأربعة - حدثت بقايا قبل زمن التاريخ من أجناس من البشر منوعة كثيراً فبقيت في الأرض أدواراً متطاولة جداً من الزمن كان يعيش فيه في بلادنا الماموت وهو نوع من الفيل العظيم له جلد كثير الوبر وأنياب محددة. وتقسم هذه السلسلة من القرون إلى أربعة أزمان تسمى عصوراً. فالأول عصر الحجر النحيت والثاني عصر الحجر الصقيل والثالث عصر النحاس والرابع عصر الحديد. سمت كذلك بسبب الأدوات التي كانوا يعملونها من الحجر والنحاس أو الحديد. عَلَى أن هذه الزمان تختلف طولاً وقصراً وربما دام عصر الحجر النحيت مئة ضعف عصر الحديد. عصر الحجر بقايا الحصباء - أقدم الأطلال التي عثر عليها كانت مدفونة في الحصباء. وقد ظفر أحد علماء فرنسا المسيو بوشه دي برت (منذ سنة ١٨٤١ إلى سنة ١٨٥٣ ) في وادي لاسوم بأدوات قاطعة من الصوان وكانت مطمورة عَلَى عمق ستة أمتار فالحصباء عَلَى ثلاث طبقات من أرض خزف وحصباءٍ وكلس صلصالية لم تحركها يد. كما عثروا في نفس تلك الأماكن عَلَى عظام بقر وأيائل وفيلة. وظل الناس يهزؤن زمناً بهذه الاكتشافات فكانوا يقولون أن هذا الصوان قد نجت صدفة بلا تعمل حتى إذا كانت سنة ١٨٦٠ جاء عدة علماء بالقصد إلى وادي لاسوم واعترفوا أن هذا الصوان قد نحته يد بشر بلا مراءٍ. ومنذ ذاك العهد عثروا عَلَى زهاء خمسة آلاف قطعة تشبه تلك في طبقات من هذا الجنس نفسه وذلك في وادي السين وفي إنكلترا وكن بجانب بعض تلك الآثار بقايا عظام بشرية. ولا يختلف اثنان اليوم في أنه كان بشر في العالم في الزمن الذي تألفت فيه عَلَى تربتنا طبقات الحصباء. فإذا كانت الطبقات التي تغشى هذه الأطلال تقد تألفت بالبطء الذي تتألف به لعهدنا هذا فإن البشر الذي وجدت عظامهم وأدواتهم قد عاشوا قبل زهاء مئتي ألف سنة. رجال الغيران - ولطالما عثر الباحثون عَلَى أطلال في الغيران محفورة في الصخر تكون أحياناًَ قائمة فوق نهر وأشهرها مغارات شواطئ الفزير (أحد أنهار فرنسا) ويكثر أمثالها في كثير من الأماكن اتخذت قدماً مساكن للناس وأحياناً قبواً لهم. فتجد فيها هياكل عظامهم وأسلحتهم وأدواتهم وهي عبارة عن فؤوس وسكاكين وأزاميل أسنة رماح من الصوان وسهام وشفار كلاليب وإبر من العظام مثل ما كان يستعملها بعض المتوحشين وقد نثرت عَلَى التربة عظام الحيوانات فكان أولئك الناس القذرون كسائر المتوحشين بلقون بها في زاوية بعد أن يأكلوا الحيوانات وقد يشقون عظامه ليستخرجوا منه النخاع عَلَى ما يفعل اليوم المتوحشون. ولست ترى بين تلك الوحوش الأرنب والأيل والبقر والحصان وحوت سليمان بل تجد بينها أيضاً الكركدن ودب الكهوف والماموت والوعل وبقر السهل وجميع ضروب الوحوش المنقرض نسلها من فرنسا منذ زمن طويل. ولزقد عثر أيضاً عَلَى بعض المنقوشة عَلَى عظام الوعل أو عَلَى أسنان الماموت تمثل إحداها قتال وعول والثانية حيوان الماموت أي فيلاً هائلاً إذ جلد له وبر كالصوف وأنياب معقفة. لا جرم في أن هؤلاء الناس كانوا معاصرين لذاك الفيل والوعل فكانوا كجنس الأسكيمو (سكان القطب في أميركا) في عهدنا هذا قوم دأبهم الصيد والقنص يحسنون صنع الصوان وإيقاد النيران. المساكن - انخفضت المياه في بحيرة زوريخ (سويسرا) سنة ١٨٥٤ عقب ما حدث من الجفاف في صيف تلك السنة فاكتشف سكان الشواطئ أوتاداً غرزت للبناء وهي بالية جداً وماعوناً غليظاً غير محكم وكانت هذه بقايا قرية قديمة بنيت عَلَى الماء. ثم عثر عَلَى زهاء مائتي قرية تشبهها في بحيرات سويسرا ويدعونها القرى أو المدن المبنية عَلَى أوتاد في شواطئ البحيرات. أما الأوتاد التي قامت عليها تلك المساكن فقد جعلت من جذوع الأشجار غرزت من أطرافها في البحيرة عَلَى عمق عدة أمتار واقتضى لإنشاء كل قرية من ثلاثين إلى أربعين ألف جزع تحمل سطحاً من الخشب أقيمت عليه بيوت من خشب مغشى بالطين. ويستدل مما عثر عليه من مئات من الأمتعة في وسط تلك الأوتاد عَلَى العيشة التي كان السكان يعشونها فقد كانوا يأكلون من الحيوانات التي يصيبونها الأيل والوعل والخنزير البري عَلَى حين كانوا يعرفون من قبل الحيوانات الأهلية كالبقر والعنز والحمل والكلب ويحسنون زرع الأرض وحصاد الغلة وطح الحب لأنه وجد في أطلال قراهم حب الحنطة بل الخز (وبعبارة أخرى معجنات بدون خمير) وكانوا ينسجون الأقمشة الغليظة من القنب ويخيطون الثياب وقد عثر عَلَى إبر من عظام وكانوا يعملون الفخار عَلَى صورة ليس فيها شيء من المهارة وترى آنيتهم لا أثر للدقة فيها بل هي معمولة باليد مزدانة ببعض خطوط فقط وكانوا يستعملون السهام والسكاكين من حجر الصوان مثل سكان الغيران ولكنهم يعملون فؤوسهم من حجر صلب للغاية تعلموا صقله. ولذلك دعي عصرهم بعصر الحجر الصقيل وهؤلاء السكان أحدق عهداً من سكان الغيران لأنهم لم يعرفوا فيل الماموت ولا الكركدن وإن كانوا عرفوا الوعل والأيل في أرض فرنسا. المصانع أو البنية - تسمى البنية المصنوعة من ضخم الشقيف من الأحجار غير المصقولة البنية الميكاليتية أي الأحجار الضخمة ويكون الحجر فيها تارة عَلَى حاله وأخرى مغشى بالطين. والمصانع التي يبقى فيها الصخر مكشوفاً هي عَلَى أنواع فمنها الدولمانوهو منضدة منالحجر مؤلفة من حجر مستطيل مركوز عَلَى عدة أحجار مغروزة في الأرض والكروماش وهي دائرة من الحجر يتألف من صخور كبيرة مصفوفة عَلَى صورة إطار ومنها المانهير وهي حجر طويل مؤلف من شقيفة جعلت عَلَى طرفها وكثيراً ما تكون عدة من المانهير مصفوفة صفاً واحداً. ولا تزال في الكرنك من إقليم برتانيا أربعة آلاف من هذا البناء قائمة عَلَى أحد عشر صفاً. ويذهبون إلى أنه كان قديماً عشرة آلاف واحد من نوعها جعلت عَلَى صف واحد في ذاك المكان. وإنك لتشاهد البنية الميكاليتية في فرنسا بالمئات في ولايات الغرب ولاسيما في إقليم برتانيا وتجد في إنكلترا منها عَلَى معظم الآكام ومنها زهاء ألفي بناية فقط في جزائر أوركاد. وتسمى المصانع المدفونة التومولوس وهي تشبه أكمة عن بعد وإذا فتحت يجد المرء في داخلها غرفة من الحجر وكثيراً ما تكون مبلطة بألواح من الصخر. وترى منها في بلاد الدانيمرك وألمانيا الشمالية مصانع منثورة ويسمي أهالي تلك البلاد تلك المصانع المدفونة قبور الجبارين. والمصانع الميكاليتية كثيرة خارج أوربا وفي الهند وعَلَى شاطئ أفريقية. ولا نعلم أي الشعوب استطاعت إخراج مثل هذا الشقيف ونقله ولقد جاء زمن طويل كانوا يظنون فيه أن قدماء الغاليين والسلتيين هم الذين عنوا باستخراجها ونقلها ومن هنا جاء اسم المصانع السلتية ولكن ذلك مردود إلى أن ثبت وجود مثل هذه المصانع في أفريقية والهند. وإذا فتحت بعض هذه المصانع المدفونة غير الممسوسة تجد فيها كل حين هياكل عظام وكثيراً ما يكون عدة هياكل وهي إما جالسة أو مضطجعة فهذه المصانع عبارة عن قبور فتجد بالقرب من الميت أسلحة وآنية ونقوشاً. وفي أقدم هذه القبور ترى الأسلحة عبارة عن فؤوس من الحجر الصقيل والنقوش هي أصداف ولآلئ وعقود من عظم أو من عاج والآنية بسيطة للغاية بدون عروة ولا عنق بل هي مزدانة فقط بخطوط أو بنقط وترى فيها عظام حيوانات ملقاة عَلَى الأرض مكلسة وهي بقايا طعام قدم في جنازة اتلميت قدمه احبابه إلى قبره. وليس بين هذه العظام أثر ولعظم الوعل وهذا ما يستدل منه عَلَى أن هذه المصانع بنيت عندما اندثر جنس الوعل ومن أقطارنا إلى بعد زمن القرى المبنية في البحيرات. قرى المعادن القلز (النحاس الذي لا يعمل فيه الحديد) استعمل البشر المعادن منذ عرفوا إذابتها ليصنعوا منها أسلحتهم مفضلين لها عَلَى الحجر. فأول معدن شاع بالاستعمال هو النحاس لسهولة استخراجه لأن منه الصافي السهل عَلَى التطريق إذ يمكن تطريقه بارداً ولكن لم يستعمل النحاس الخالص ومنه تصنع أسلحة سريعة العطب قابلة للتقليد. ولذلك مزجوه بـ ١٠ / ١ من القصدير ليزيد صلابته وهذا المزيج من النحس والشبه هو الذي يسمونه القلز. أدوات البرونز - صنعوا من القلز أدو ات العمل (كالمدى والمطارق والمناشير والإبر والصنانير) وأدوات للزينة (أساور وسفافيد وقراط) وصنعوا منها أسلحة بوجه مخصوص (مثل الخناجر وزج الرماح والفؤوس والسيوف) ويوجد من هذه المصنوعات في قارة أوربا عامة في المصانع المدفونة وفي نضائد الرخام الحديثة وفي معادن الحمر المشتعل ببلاد الدانيمرك وفي مدافن الحجر وكثيراًَ ما يكتشف بالقرب من هذه المصنوعات من البرونز أدوات الزينة من ذهب وأحيانا بقايا ثوب من الصوف. ولا يتأتى أن تكون جميع أدوات البرونز متشابهة بالعرض ومعمولة من مزيج معين. لا جرم أن تاريخها يرد إلى عهد واحد وهو مقدم عَلَى وصول الرومان إلى غاليا إذ لم يظفر بها قط في جانب الآثار الرومانية وإلى اليوم لم يعرف من كان يستعملها. قرن الحديد - لما كان الحديد أصعب عَلَى التطريق وأقسى عَلَى العمل من البرونز لم يعرف استعماله إلا مؤخراً. وإذا كان أكثر صلابة لم يستعمل غيره للسلاح منذ عرف. وكان الحديد عَلَى عهد هوميروس لبلاد اليونان معدناً ثميناً يدخرونه لصنع السيوف ويبقون القلز لسائر الاستعمالات ولذلك ترى كثيراً من القبور تحوي أشياء من القلز وأسلحة من الحديد كيفما اتفق. وهذه السلحة هي فؤوس وسيوف واقواس ودروع ويوجد منها في العادة بالقرب من هيكل عظام وفي قبر حجر أو خشب لأن المحاربين كانوا يدفنون مع أسلحتهم ويعثر منها في ساحة الحروب متفرقة أو ضائعة في قعر حوض من الحجر وقد اكتشف في أحد هذه الأحواض في شلزويك ١٠٠ سيف و ٥٠٠ رمح و ٣٠ فأساً و ٤٦٠ سهماً و ٨٠ مدية و ٤٠ منقشاً وكلها من الحديد وعَلَى مقربة من ذاك المكان في مجرى بحيرة قديمة رأوا مركباً عظيماً طوله ٢٠ متراً محملاً كله من المحاز والسيوف والنصال والمدى فالأشياء المعمولة من الحديد التي يعثر عَلَى هذه الصورة لا تحصى وزهي أقل بهاء من مصنوعات البرونز لأن الصدأ يأكل الحديد بسرعة فتراها لأول وهلة أكثر قدماً ولكنها في الحقيقة أكثر جدة. عرف سكان شمةالي أوربا الحديد قبل دخول الرومان أي في القرن الأول ب. م. وقد اكتشف في مقبرة قديمة بالقرب من مناجم الملح في هالستاد في بلاد النمسا ٩٨٠ قبراً تحتوي عَلَى أدوات من الحديد والبرونز ولم يظفروا معها بقطعة من النقود الرومانية وقد دام قرن الحديد إلى عهد الرومانيين. وإن المصنوعات الحديدية ليعثر عليها مع أدوات الزينة الذهبية والفضية والأواني الخزفية الرومانية ونواويس وكتابات ونقود رومانية عَلَى مثال صور الإمبراطور والمحاربون الذين نراهم مضطجعين بالقرب من سيوفهم ودروعهم كانوا في الأكثر إلى عهد قريب منا وكان كثير منهم عَلَى عهد الميروفنجيين وبعضهم أيضاً عَلَى عهد شارلمان. فليس قرن الحديد إذاً من القرون التي تعد قبل زمن التاريخ. الخلاصة ماذا يراد من القرون الأربعة - استعمل سكان البلد الواحد الأحجار المنحوتة فالأحجار المصقولة فالقلز فالحديد ولكن البلاد كلها لم تكن تستعمل في القرن الواحد المعدن الواحد فالمصريون استخدموا الحديد في حين كان اليونان يستعملون القلز وبرابرة الدانيمرك مازالوا عَلَى استعمال الحجر ولم ينته عصر الحجر المصقول في أميركا إلا عندما وصل إليها الأوربيون وظل المتوحشون من أهل أستراليا إلى أيامنا هذه في عصر الحجر النحيت ولا يوجد في منازل عسكرهم سوى أدوات من العظام وقداحات تشبه ما كان يستعمله سكان الغيران فليس للعصور الأربعة إذن أدوار في حياة الإنسانية بل في حياة كل مملكة عَلَى حدتها فقط. شكوك - ما برح علم الآثار قبل التاريخ من العلوم الحديثة النشأة وما نعرفه عن البشر الأصليين تعلمنها من بقايا حفظت بالعرض ووجدت كذلك وعَلَى ذلك وقد تؤدي صدمة جديدة وحفيرة أو خندق وانهيار أرض وجفاف مطر إلى اكتشاف جديد. ومن يعرف ما هو مدفون في بطن الأرض حتى الآن فإن ما عثر عليه اليوم من المدفونات حتى اليوم من الأشياء لا يقع تحت الحصر ولكن قلما تفيدنا فيما نريد أن نعرفه. فكم من زمن دام كل عصر من العصور الأربعة؟ ومتى بدأ وانتهى في البلدان المختلفة؟ ومن أي الشعوب أتت صوب الغيران والكهوف والقرى في وسط البحيرات والمصانع المدفونة في النضائد الحجرية؟ وعندما تنقل مملكة من عصر الحجر المصقول إلى القلز هل يكون الشعب نفسه قد غير أدواته أو خلفه شعب آخر؟ وعندما يتعقد بعضهم أنهم ظفروا بجواب عَلَى ذلك يحدث اكتشاف جديد يكذب علماء الآثار فقد كان يظن أن النضائد الحجرية جاءت من السلتيين فوجدوا منها في محال لم يستطع السلتيون أن يجتازوها. مسائل محلولة - ومع هذا فإن ثلاث مسائل يظهر أنها محلولة ( ١ ً) الإنسان هو قديم عَلَى الأرض لأنه عرف الماموت ودب الكهوف فكان يعيش عَلَى الأقل خلال العصر الذي يقال له العصر الرباعي ( ٢ ً) انتقل الإنسان من حالة الهمجية حتى وصل إلى المدنية وحسن بالتدريج آلاته وأدوات زينته من الفأس الحقير المعمول من الصوان والعقد المؤلف من أسنان الدببة إلى سيوف الحديد وحلي الذهب وذلك لأن الأدوات الغليظة كثيراً هي أيضاً عريقة في القدم ( ٣ ً) تقدم الإنسان تقدماً سريعاً ومكان كل عصر أقصر مما سبقه. غاليا شعوب غاليا المستقلة - كانت البلاد التي يسكنها (الفرنسويون) تدعى قديماً بلاد غاليا ويريدون بهذا الاسم جميع الصقع الممتد من جبال البيرينية إلى الألب والرين فالبحر هذه البلاد الواسعة لم تكن مملكة واحدة بل كانت تنوقسم بين مئة من الشعوب الصغيرة عَلَى الأقل ولكل منها حكومته وجيشه يحارب بعضها بعضاً. وهذه الشعوب مؤلفة من ثلاثة عناصر مختلفة ( ١ ً) كان الإيبريون وهم من نفس عنصر سكان إسبانيا يتكلمون في الجنوب في البلاد الواقعة بين جبال البرنيه ونهر الغارون بلغة لا تسبه بوجه من الوجوه اللغات التي يتكلم في أوربا وما زال يتكلم بها إلى الآن الباسك في البرنيه. ( ٢ ً) كان السلتيون في الوسط أي من نهر الغارون إلى نهر المارن من عنصر سكان إيرلاندا نفسه ولغتهم تشبه اللغة التي يتكلم بها في إيرلاندا وفي بلاد الغال وبريطانيا. ( ٣ ً) في الشمال منة نهر المارن إلى نهر الرين الشعب البلجيكي الذي كان بعضه من السلتيين والآخر من الجرمانيين أي من نفس الشعوب التي تسكن ألمانيا. فلم يكن في غاليا من ثم وحدة في الجنس ولا وحدة في اللغة. ديانة الغاليين - كانت ديانة الشعوب الغالية اشبه بديانة اليونان والرومان فيعبدون عدة أرباب تمثلها أصنام. ونحن لا نعرف أيضاً أسماء هذه الأرباب ولكننا نعرف أهمها. وهي رب الشمس (بلن) وربة القمر (بلزانا) ورب الفصاحة ويمثلونه في سلاسل ذهب خارجة من فمه لتقيد الحضور ورب مكلف بأن يقود إلى جهنم أرواح الموتى (توتاتس) ورب الرعد ورب يدعى المفزع كان يسكن الغابات المظلمة. وكانوا يقدمون لهذه الأرباب إكراماً لها وكثيراً ما يذبحون لها ذبائح بشرية يختارونها إما من الجناة المحكوم عليهم بالإعدام أو من أسرى الحرب وكان في غاليا طبقة من الناس وقفت نفسها عَلَى خدمة الدين وهم الدوروديون يجتمعون خاصة من شبان الأسر الشريفة وهم في العادة ينوون التبتل فلا يتزوجون وكان للدوريديين مذاهب دينية تخالف دين الشعب ولم ينته إلينا ما يعرفنا بهذين المذهبين ولا نعلم أنهم كانوا يعتقدون بخلود الروح. وكانوا يلبسون فسطاناً أبيض ونعالاً ويقبضون بأيديهم قضباناً بيضاء يستعملونها في الأعمال السحرية لنهم كانوا كهنة وأطباء وسحرة وقضاة في آن واحد. وكانوا يرون أن لبعض النباتات فضيلة ذاتية ولاسيما دبق (عنم) البلوط وهو النبات الذي يشفي بزعمهم من دعامة الأمراض فكانوا يجنونه باحتفال حافل بمناجل من ذهب في اليوم السادس من آخر شهر في الشتاء. أخلاق الغاليين وعاداتهم - كانت الشعوب الغالية إلى القرن الأول من التاريخ المسيحي برابرة متوحشين يعيشون إلا قليلاً كما يعيش اليونان قبل هوميروس أو الرومان في أوائل أمرهم وكانت البلاد مغشاة بغابات واسعة يسكنها الذئاب والأيائل والنعام والدببة وفيها بطائح مؤلفة من انهار ولم يكن فيها من طرق سوى الضيق المعوج ولم تمكن البيوت سوى أكواخ صغيرة من خشب أو من لبن مغطاة بقش لا نوافذ لها ولا مداخن ولها في السقف خرق يصعد منه الدخان حتى أنه لم يكن الأغنياء الغاليين أثاث ولا فرش بل كانوا ينامون عَلَى القش أو عَلَى جلود ويأكلون بأيديهم ولم يكن لهم مدن يصح إطلاق لفظ مدينة عليها بل لهم أسوار من الحجر يسكن داخلها القوم ويتحصنون أيام الحروب وهناك كانت تقام الأسواق وتعقد مجتمعات المحاربين والأشراف. ولكم يكن سكان البلاد متساويين فيما بينهم فكان الفلاحون طبقة دنيئة والمحاربون الذين يقاتلون عَلَى خيولهم هم طبقة الأشراف وهؤلاء وحدهم هم الحكام وكان لبعض الشعوب زعيم سام أي ملك (ولفظ ريكس) الغالية التي توجد في عدة من أسماء رؤسائهم مثل أمبيوريكس بوايوريكس فرسينوجيتوريكس وغير ذلك هي نفس اللفظ اللاتيني ريكس. وكان المحاربون يتسلحون برمح لها سنان من القلز وبسيف ثقيل من الحديد ويلبسون خوذة وترساً من الخشب ولم يكونوا يلبسون الدروع. ويفوق الغاليون اليونان والرومان من جهة واحدة فقط هو أن ثيابهم كانت أكثر ملائمة وأحسن صنعاً للتوقي من البرد. فبدلاً من أن يلبسوا مثلهم ثياباً طويلة تربك صاحبها وتترك ساقيه عريانتين ونعليه تكشفان رجليه كانوا يلبسون نوعاً من السراويل (البري) ومشلحاً وضرباً من ضروب الأردية (السي) أشبه بما يلبسه الجيليون من أهل إيكوسيا وأحذية تسمى كاليكا الغالية ومنها جاءت لفظة كالوش الفرنسية واقتبس الرومانيون تلك السراويل الغالية. غالية الرومانية كيف أصبحت غاليا رومانية - استوطن الرومان بادئ بدءٍ الشطر الجنوبي من غاليما في جوار إيطاليا حيث طاب لهم الهواء وأطلق عَلَى البلاد جبال البيرنيه إلى جبال الألب اسم بروفانس أي ولاية (وبقي اسم بروزفانس يطلق عَلَى القسم الشرقي من شرقي نهر الرون) فلم يمض زمن طويل حتى اشبهت بلاد إيطاليا ولما افتتح قيصر بقية بلاد غاليا خف سكانها إلى التخلي عن عاداتهم واقتباس عادات الرومان فغادروا القرى ونزلوا المدن حيث انشئوا المعابد ودور تمثيل وحمامات وبيوت من رخام مفروشة بالفسيفساء عَلَى نحو ما اعتاد أغنياء الرومان. وحذا السكان حذوا الأشراف فتركوا بالتدريج حتى لغتهم واخذوا يتكلمون باللاتينية ومن اللاتينية التي تكلم بها العامة في المملكة الرومانية نشأت اللغات الرومانية كالفرنسوية والإيطالية والإسبانية ويكاد لم يبق في الإفرنسية سوى كلمات طفيفة من اللغات الغالية (مثل بك منقار كوك ديك ألويت قنبرة مارن تراب كلسي ممزوج بصلصال دون كثيب ليو فرسخ). نظام غاليا - لم تدثر الشعوب الصغرى التي كانت تتقاسم غاليا بل تألفت من كل واحد منها مدينة سميت باسم سكانها (مثل سواسون تريف ليوج باريز) وكلما أنشئت مدن جديدة تضاف إلى ما أنشئ من نوعها قبلاً. وانضمت عدة مدن متألفت منها ولاية وكان لكل ولاية حاكم ينوب عن الإمبراطور وله سلطة مطلقة نافذة فهو يقضي بين الناس ويبيت المسائل ويبلغ المدن أوامر الإمبراطور وكان الواي في كالولايات الواقعة عَلَى الحدود حيث يرابط فيلق من الجيش هو القائد. وما قط كان لسكان غاليا غاية في تاليف أمة خارجة عن بقية المملكة حتى أمسوا عَلَى التوالي يعتبرون أنفسهم رومانيين فيطيعون الإمبراطور وحكامه عن رضى ولذلك لم يكن الإمبراطور في حاجة أن يضم شملهم تحت رايته بالقوة كما يجمع شمل الشعب المغلوب عَلَى أمره. وكان له جيش ولكن عَلَى التخوم فقط للدفاع عن الغاليين من غزوات برابرة الجرمانيين لا لإكراههم عَلَى الخضوع. ولم يكن في تلك البلاد الواسعة التي هي أكبر من فرنسا الحديثة من الجنود إلا حرس الولاة يبلغ عددهم عَلَى الجملة ثلاثة آلاف رجل. أصول المجالس البلدية في غاليا - ظل صغار الشعوب في غاليا يديرون أمور أنفسهم بأنفسهم وكان للإمبراطور التدخل في مسائلهم الداخلية ولكنه لا يسئ في العادة استعمال حقوقه بل يطلب إليهم فقط ألا يحارب بعضهم بعضاً وأن يؤدوا المطلوب منهم للحكومة في أوقاته وأن يحضروا أمام المحكمة الوالي وكان في كل ولاية عدة حكومات صغرى وتدعى كما كانت قديماً في المملكة الرومانية مداً أو بلديات. فالمدينة عَلَى عهد الإمبراطورية الرومانية كانت عَلَى مثال المدينة الرومانية نفسها فيها مجالس لعامتها وعمال ينتخبون كل سنة وينقسمون أقساماً كل قسم مؤلف من عنصرين ومجلسة الشيوخ يتألف من كبار أرباب الأملاك أي من الأشراف والأسرات القديمة وكان حال مجلس العامة أو الأمة كما هو الحال في رومية صورياً وفي مجلس الشيوخ أي الأشراف هم الحكام حقيقة أنا وسط المدينة فهو مدينة صرفة عَلَى الدوام أي رومية مصغرة ولها معابدها وأقواس نصرها وحماماتها العامة وعيونها ومسارحها وميادين لقتالها والحياة فيها صو رة من حياة رومية مصغرة من حيث توزيع الحنطة والدراهم والمآدب العامة والحفلات الدينية الكبرى والألعاب الدموية. إلا أن دراهم الولايات في رومية هي التي تؤدي النفقات أما في المدن فإن الأشراف أنفسهم يقومون بالنفقات اللازمة للحكومة والأعياد. وكان الخراج الذي يجبى لحساب الإمبراطور يذهب إليه برمته لذلك اقتضى أن يقوم الأغنياء عَلَى نفقتهم بالاحتفال بالألعاب وإحماء الحمامات وتبليط الشوارع وإنشاء الجسور والمجاري والملاعب. قاموا بكل ذلك مدة قرنين وبذلوا عن سعة في إقامة المصانع المنبثة في أرض المملكة وألوف من الكتابات المزبورة عَلَى الأحجار شاهدة بذلك ابد الدهر. كان بين جبال البيرنيه ونهر الرين نحو مئة وعشرين مدائن ولم تكن كور ساذجة عَلَى نحو ما يوهمه نظام المجالس البلدية فيها بل إنه كان لمعظمها أرض مساوية لولاية أوابرشيه وهكذا كنت تجد بين نهري اللوار والسوم مدن سانس وسوسوان وأورليان وكانت باريز ونويون وساتليس وبوفي ولاون وسوسوان وامين فقط حواضر مدن وكانت المدن في إقليم البروفانس حيث نزل الرومان منذ عهد متطاول أكثر ازدحاماً وكنت ترى في إقليمي فوكلوس ودروم فقط مدن أفينون وكاربتراس واورانج وكافليون وفيزون وسان بونس ودي وفالانس. وفي ذاك الصقع حفظت أجمل المصانع ففي مدينة ليم ترى الملاعب والمعبد المسمى البيت المربع والقناة المسماة جسر الحرس ومفي مدينة آرلس الملاعب وفي مدينة أورانج المسرح وقوس النصر ولكن جميع المدن كان لها مصانع من هذا النوع. وقد عثروا في باريز أصغر مدن الغاليين عَلَى حمامات حارة وحمامات معدنية بالقرب من نزل كلوني وعَلَى ملاعب في شارع مونج. وما من متحف إلا وترى فيه محفوظاً إلى اليوم بعض بقايا المعابد والمجاري والفسيفساء أو قبوراص رومانية. أسباب الغارة الجرمان - كان يسكن وراء نهري الرين والدانوب (الطونة) في البلاد التي تتألف منها اليوم ألمانيا شعوب غير ممدنة كان الرومان يدعونهم الجرمانيين وكانوا كالهنود والفرس والرومان واليونان شعوب من عنصر آري نزحت في القديم من قارة آسيا وهم شعوب من الرعاة أصبحوا حراثين وشعوباً محاربين وكانوا ينقسمون إلى عدة قبائل (نحو أربعين) تحكم كل واحدة نفسها منفصلة عن الأخرى وكثيراً ما كانوا يناوشون بعضهم بعضاً الحرب. وكان معظم المقاتلين من الجرمانيين لا يعتبرون إلا الحرب ويقول تاسيت أنهم كانوا كلما انقطعت شأفة الحروب من بينهم يقضون أوقاتهم في الصيد ويتخلون عن كل عمل إلا النوم والأكل. وكان أشجعهم وأشدهم شدة في القتال لا يتعاطون عملاً يتركون العناية ببيوتهم وحقولهم للنساء والشيوخ والضعفاء وهم يعيشون كالمخدرين. وكان في كل شعب كثير من الناس جعلوا الحرب والغارة صناعتهم فيجتمعون حول محارب شريف أو مشهور ويحلفوا بأن يخلصوا له الخدمة وعَلَى هذه الصورة تتألف عصابة من الصحاب مخلصة لزعيم يعيشون في داره ويأكلون عَلَى مائدته يحفون به أيام الحرب ويفادون بأرواحهم في سبيل الدفاع عنه. وكانت تشتد حاجة هاته العصابة إلى الحرب فالرفاق ليتسلوا عن هذه الحياة المقصورة عَلَى الأكل والبطالة والرئيس ليقوم بأود رجاله. وعندما يسود السلام في الشعب تنصرف عصابات المحاربين تقاتل مع زعمائها في جيش أحد الشعوب أو يحاربون عَلَى حسابهم وكانت الإمبراطورية الرومانية تستميلهم للقيام بهذه العمال فبعضهم ينهالون عَلَى ولايات الحدود ينهبونها وآخرون يدخلون في خدمة الرومانيين يقاتلون المهاجمين من البرابرة وكثيراً ما يعودون مستمتعين برواتبهم أو غنائمهم ولكن لذت لكثير منهم عيشة التشرد فلا يكادون يرجعون إلى مساقط رؤوسهم. وقد أدى هذا النظام إلى فناء جميع القبائل النازلة في التخوم فلم تمض ثلاثة قرون إلا وقد زالت العصابات الرحالة ولم يبق حثالة من حثالات الشعوب حتى إذا جاء القرن الثالث ظهرت معاهدات تحت أسماء جديدة ليست أسماء شعوب وهي ثلاثة الألمان في الذراع الذي يتألف من نهر الرين والدانوب العَلَى والفرنك عَلَى المجرى الأسفل من نهر الرين والسكسون معَلَى طول بحر الشمال وكان لكل جماعة من تلك الجماعات الصغرى التي تكون منها تلك المعاهدات زعيم يسمى ملكاً ويحارب في العادة عَلَى نفقته. إبذعرار السكان في الإمبراطورية الرومانية - جرى إذ ذاك في الإمبراطور الرومانية مثل ما جرى في جميع المجتمعات القديمة كإسبارطة ويونان وإيطاليا أي أنه قل عدد السكان واضمحل الأحرار وخلفهم العبيد ولم يكن لهذا الشعب من العبيد حظ من النمو بل كان إذ حدث كائن من الكوائن التي يكثر حدوثها في ذلك العهد من وباء وحرب وغارة يفنى زراع ذاك الصقع فتظل الأرض غير مأهولة ولم تلبث القرى عَلَى التدريج ولاسيما جهات التخوم أن فرغت من الرجال ولم يبق سكان إلا في المدن وأصبحت عدة أصقاع أشبه بالقفار منها بالأرياف. وبعد أن اجتازت بالبلاد جيوش المخربين العظمى في القرن الخامس (أمثال راداكليز وأتيلا) حدث في البلاد فراغ استحال عَلَى الإمبراطور أن يملؤه ففي بلاد الغال وإسبانيا وإيطاليا بل في بلاد الغرب أجمع بار شطر كبير من الأراضي لقلة اليد العاملة وأصبحت الولايات الواقعة عَلَى التخوم مقفرة ولم يبق في كل البلاد التي يسبقها نهر الدانوب من سويسرا إلى البلقان ولا مدينة رومانية واحدة واضمحل السكان حتى أنه منذ القرن الرابع لم يبق في جميع هذه البلاد إلا شعوب جرمانية أو سلافية وهكذا الحال في البلجيك ولم يجد الفرنك فيها غير القفر. انحطاط الجيش الروماني - دعت هذه البلاد المقفرة الناس إلى سكناها فكان البرابرة يحاولون عَلَى الدوام أن يدخلوها وكان من السهل عَلَى الحكومة الرومانية أن تدفعهم عن البلاد كلما كان لها جيش في الجملة ولكن آلت الحال في قلة الجند كما صارت في قلة المال بحيث كان من الصعب أبداً تجنيد العدد اللازم فاعتاد السكان عيش الدعة ولم يعودوا يهتمون أن يفادوا أنفسهم في الجيش فاضطرت الحكومة أن تطلب جنوداً من كبار أرباب الأملاك وهؤلاء يسوقون بعض المزارعين (المستعمرين) في أراضيهم فيأخذونهم بالقوة من وراء سكتهم ومحراثهم فلا يكون منهم إلا جندي سيء النظام فقد أصبح المجندون في القرن الرابع من الضعف بحيث لا يستطيعون لبس الدرع واخذوا يعتاضون عن الخوذة بالقبعة. ولذا كان القواد يؤثرون أن يستخدموا محاربين من البرابرة لنهم يقاتلون في ساحة الوغى مستميتين وكان في الإمبراطور منذ عهد طويل جنود من الجرمان في خدمة الإمبراطور وفي آخر القرن الرابع اخذ الرومان يجندون عصابات برمتها يجعلونهم مع نسائهم وأولادهم في خدمتهم في أراض يعطونهم إياها ليأخذوا منها أرزاقهم وعلوفاتهم وهؤلاء المحاربون الذين نزلوا في البلاد الرومانية كانوا يحتفظون بلسانهم وعاداتهم وأصول حروبهم وزعمائهم ولكنهم يحاربون في الجيش الروماني ويدعونهم الأجراء أو المحالفين وجاء القرن الخامس فلم يكن منهم عصابات فقط بل شعوب يرأسها الويز غوت والبورغوندا فاجتازوا الحدود بالقوة أحياناً فبدلاً من أن يقاتلوا الإمبراطور آثروا أن يكونوا في خدمته. فتألفت إذ ذاك جيوش رومانية من شعوب بربرية يقودها قواد منهم فقد رأينا الجيش الروماني الذي رد غارات أتيلا سنة ٤٥١ مؤالفاً من ألويزغوت والفرنك والبورغوند وأتيوس القائد الروماني هو في الأصل كأتيلا نفسه. أخلاق الغارة - كان في الإمبراطورية الرومانية أراض كثيرة وجند قليل وإذ كان البرابرة كلهم رجال حرب ويريدون أن يتملكوا أراضٍ اخذوا يتملكون تارة بالقوة والعداء وأخرى مقابل خدمة وفي صورة محالفين ودخول البرابرة إلى الإمبراطورية هو الذي نسميه غارة البرابرة (ويطلق الألمان عليه هجرة الشعوب) وهذه الغارة لم تحدث دفعة واحدة بل وصل الجرمانيون عصابة إثر عصابة وتاريخ العصابة الأولى سنة ٣٧٦ والعصابة الخيرة وقعت سنة ٥٦٨ فدامت الحركة إذاً في الغرب زهاء قرنين وظلت من جهة الشرق خلال القرون الوسطى كلها فلم يكن بذلك حرب ولا فتح ولم يؤلف الجرمانيون فيلقاً بل كانوا عَلَى العكس يثيرون السكان بعضهم عَلَى بعض بحيث استحقوا إعجاب كتبة الرومان بعملهم. قال بول اوروز إننا نرى كل يوم أمة من هذه الأمم البربرية تبيد أمة أخرى ولقد شاهدنا جيشين من الغوت يفني أحدهما الآخر ولكن هذه الشعوب تتقاتل لتموت وتهلك. والظاهر أن الجرمانيين لم يمقتوا الرومانيين بل كانوا يحاربون من أجلهم عن رضى دافعين غارات غيرهم من الجرمانيين أيضاً ولم يكن لهم مأرب في القضاء عَلَى الإمبراطورية بل كانوا يؤثرون أن يكونوا في خدمتها. قال أتولف أحد ملوك الغوت أنه كان يطمع أولاً في إبادة الاسم الروماني وأن يؤسس من طول الراضي الرومانية وعرضها إمبراطورية يدعونها الغوتية يكون شأنه فيها شأن القيصر أغسطس وإذ وقع في نفسه أن الغوت لا يعرفون النظام والترتيب ليخضعوا للقوانين عقد العزم أن يفادي بقوى الغوت لتوطيد سلطة الرومان وزيادة نفوذهم فكان يطمع أن يكون مصلح الإمبراطورية بدون أن يكون لهم منزع سياسي بل لمجرد أنهم كانوا يرجون أن تكون حالهم فيها أحسن من جرمانيا ولكن نشأت من نزولهم البلاد نتائج لم يتحدث بها أحد إذ ذاك. البربرية - كان من أقرب النتائج أن تصبح الإمبراطورية إلى التوحش أقرب منها إلى المدنية فمضى زهاء قرن وعصابات مسلحة تطوف البلاد أنواع التطواف تحرق المدن وتخرب المصانع وتقتل الحراثين أو تسوقهم أمامها ولقد أبقى الوانداليون أخوف ذكرى حتى غدت لفظة وانداليسم تطلق للدلالة عَلَى التكالب في التخريب. وكان يقول الهونس وهم شعب من فرسان التتار أن العشب لا ينبت البتة في التربة التي وطأتها حوافر خيولهم. فقد خربت مدن كثيرة ولم تقم لها قائمة وبعضها تراجع عمرانه حتى غدا بمثابة دساكر حصينة فخربت دور التمثيل والحمامات والمدارس وجميع المصانع الرومانية شيئاً فشيئاً واتخذ السكان في كثير من المدن أحجارها ليبنوا به أسواراً وهلك أرباب الصناعات النفيسة فلم يبق سوى صناع قليل عددهم لا يستطيعون أن يبنوا إلا مباني ليس عليها مسحة من الذوق والجمال. واضمحل كل ما يقال له مشاهد ومدارس وأدب وغدا سكان الإمبراطورية يشبهون البربر. قال أحد القسيسين ممن كتبوا تاريخ ملوك الميرفيجيين والسف آخذ منه كل مأخذ: لقد هرم العالم وانثلمت فينا حاسة النكات البديعة فما من امرئ لعهدنا تحدث نفسه أن يبلغ مستوى خطباء الزمن الماضي. شعوب جديدة - قضى البربر في أوربا عَلَى نظام الإمبراطورية الرومانية فجاءت سنة ٤٧٦ وليس في رومية إمبراطور وكل ملك من ملوك البربر سيد في الأرض التي نزلها قومه فانقسمت الإمبراطورية إلى عدة ممالك بربرية فنشأت في غاليا ممالك الفرنك والبورغوند وفي بريطانيا العظمى السبع ممالك من الإنكل والسكسون وفي إسبانيا مملكة ألويزغوت وفي أفريقية مملكة الواندال وفي إيطاليا مملكة الأوستروغوت ثم مملكة اللومبارديين وكثير من الممالك اضمحلت ودخلت في مملكة مجاورة ولكنه نشأت في كل أمة مستقلة عَلَى الأقل لها حكومتها وصناعتها وآدابها. أخلاق جديدة - انتهت أيام المدنية القديمة بدخول الجرمانيين إلى الإمبراطورية وليس ذلك أن الجرمانيين حملوا مدنية جديدة كالرومان إلى غاليا ولا أنهم اتخذوا العادات القديمة كما اتخذ الفرس عادات آسيا بل إنهم أتوا ولهم عادات في الحياة والحومة تخالف ما ألفه الرومان فيما انخفض من بلاد الإمبراطورية. فكزان أرباب الأملاك من الرومان يعيشون في المدن عزلاً من الأسلحة خاضعين لنظام الإمبراطور أما الجرمانيون فقد ظلوا يحملون أسلحتهم ونزلوا القرى وكان كل واحد في حلته جند من الخدمة المخلصين وكل امرئ سيد في أرضه لا يخضع البتة للحكومة وهم محتفظون بعاداتهم الجرمانية من عدم أداء الضرائب وبذلك قضوا عَلَى نظام بيت المال وعَلَى الاستبداد الإمبراطوري ومن هؤلاء المحاربين القرويين خرج فيما بعد الفرسان الأشراف. وكان أصحاب الملاك من الرومانيين يحرثون أراضيهم بواسطة جماعة من العبيد أما الجرمانيون فكانوا يعتمدون في استثمار أراضيهم عَلَى أناس من المستعمرين أي عَلَى مزارعين تناوبون حراثتها بالإرث. فلم يبطلوا العبودية من الإمبراطورية بل تركوا العبيد يصبحون بالتدريج خدمة ثم مزارعين يملكون الأرض التي يتوفرون عَلَى زراعتها. وعليه لم يأت البربر بعقائد ولا باختراعات جديدة بل جاؤوا بدلت حالة أرباب أملاك الأراضي والفلاحين وغيرت جميع قواعد الحكومة. فغارة البربر حادث عظيم في تاريخ المدنية لأنه جدد المجتمع والحكومة في أوربا لكنه كما يحدث في التغييرات الكلية قضت الحال بمرور عدة قرون لإدراك نتائج ذاك التغيير. كيف دان الجرمانيون بالنصرانية الأرباب الجرمانيون - كان الجرمانيون كاليونان والرومان يعبدون أرباباً كثيرين يمثلونها في صورة بشرية فالأرباب الجرمانيون يؤلفون أسرة بأسرها وعندهم أن وتان والد الجميع ورب الحروب محارب أعور يتقلد رمحاً يخرق الهواء ولا يرى بل يركب عَلَى حصان أبيض وكان دونار أحد أبنائه ذا لحية حمراء وهو رب الرعد والعواصف ويسير في مركبة ويقذف المطرقة المخربة التي تعود إلى يده من تلقاء نفسها. وكان الرب تير أو ساكسنوت رب السيف والمغازي وفرير عَلَى العكس هو الرب الجميل المسالم اللطيف ينضج المزروعات ويشفي الأمراض وبالدير رب الحكمة والعدل والصلاح يتولى نصح سائر الأرباب. وهناك ربات مثل الربة مريغا امرأة الرب وتان وهي قاسية محترمة تترأس حفلات الزواج والربة فريا وهي فتاة بارعة الجمال لطيفة الشكل يسر مرآها الأرباب. وكانت هذه الأسرة السماوية تسكن قاعة علوية اسمها ألوالهالا حوائطها ذهب وسقوفها فضة ويربط تلك العلية بالأرض التي يسكنها البشر جسر وهو قوس قزح الذي يجتاز عليه الأرباب ويجلس الرب وتان في هذه القاعة عَلَى منصة من ذهب يحف به من الأرباب ذكورهم وإناثهم أولوالكلور وهن مرسلات سماويات وبنات الحروب والغارات مسلحات بالتروس والرماح راكبات عَلَى خيول مطهمة قاصدات إلى ساحة الوغى يلتقطوا من قضوا فيها وهم يحاربون ويأتين بهن إلى قاعة ألوالهالا حيث ينالون مكافأة عن شجاعتهم وهناك يعيشون بالقرب من الأرباب في المآدب التي يأدبها الربات المعروفات باسم والكلور يسقينهم شراب العسل والجعة. ونحو الشمال من أعماق الأرض جهنم مظلمة يكثر زمهريرها اسمها نيفلهيم أي مسكن الضباب وفيها ينزل رب الشر ويدعى لوكي مع ولديه فنريس الذب المفرتس وهولا ربة الموت التي يمثلونها بان نصفها أسود تأكل في صفحة الجوع ولا تترك ما تتناوله بتة. وإلى هذا المسكن الهائل يذهب المحاربون الأشرار الذين تساهلوا بأن تجرعوا كأس الحمام بسبب مرض أو شيخوخة. وغلب الرب وتان الرب لوكي وربطه إلى ثلاث صخرات ذات زوايا مع حية تقطر سمها عَلَى رأسه ولكنه يرجى له الخلاص ذات يوم ويأتي مع الجن والشياطين الشريرة عَلَى سفينة بنيت بأظافر الموتى يهاجم الأرباب الساكنين في أوالهالا وبذلك تسقط الشجرة الكبرى التي تمسك العالم من السقوط ويحترق قصر الوالهالا ويغلب الأرباب عَلَى أمرهم وهذا ما يسمونه عندهم شفق الأرباب ثم تتجلى أرض أحسن من تلك تخرج من البحر المحيط مع أرباب جدد. العبادة - لم يكن للجرمانيين أصنام ولا شادوا لهم معابد لهم بل كانوا يعبدون أربابهم عَلَى الجبال أو في الغابات بالقرب من شجرة أو عين مقدسة وكان رأس كل أسرة يقيم باسمه الصلوات ويقدم القرابين ولم يكن عندهم كهنة جرمانيون في جرمانيا نفسها الماندرا حتى أن العصابات التي دخلت منهم إلى الإمبراطورية الرومانية لم تصحب معها أحداً منهم. ودين مبهم إلى هذا النحو لا يهتم أحد للدفاع عنه فلم يكن من شأنه أن يقاوم طويلاً ولذا كان الجرمانيون عندما داهموا الإمبراطورية ومستعدين لأن يدينوا بالنصرانية. البرابرة الآريون - لما نزل برابرة الشمال الأرض الرومانية دانوا إلا قليلاً بالكثلكة بل بشيعة الآريوسية فد كان الوزيغوتيون في إسبانيا والسترغوتيون في إيطاليا والبورغونديون في غاليا والوانداليون في أفريقية بل واللومبارديون الذين أتوا في القرن السادس كلهم من المذهب الآريوسي. والظاهر أن الجرمانيين صعب عليهم أن يقبلوا بالرمز الذي جرى التواطؤ عليه في مجمع نيقية وربما كرهوا التصديق بان الابن مساوٍ للب. وكان رعاياهم الرومان أرثوذكسيين في مذهبهم وقد أدى هذا الاختلاف في الدين مدة تزيد عن قرون إلى حروب واضطهادات وكثيراً ما كان أحد ملوك البرابرة يأبى تعيين الأساقفة الأرثوذكس وقد بقي كرسي قرطاجنة خالياً مدة أربع وعشرين سنة لم يكتف جنزيك ملك الواندال بنفي الأساقفة بل رأى أن ينفذ عَلَى رعاياه الكاثوليك الأوامر التي كان طبقها الإمبراطرة عَلَى الملاحدة ومع هذا كتبت الكثرة للكثلكة عَلَى المذاهب النصرانية الأخرى ودان بها بالتدريج الملوك الآريوسيون وتمذهب بها شعوبهم فانتحل البورغونديون هذا المذهب في أوائل القرن السادس وانتحله ألوزيغوتيون الإسبانيون في سنة ٥٨٩ واللومبارديون في أواسط القرن السابع أما سائر الممالك فقد خربتها جيوش الإمبراطور يوستنيانوس. انتحال الفرنك (الإفرنج أو الفرنك أو الإفرنسيس) للنصرانية - بقي الفرنك الذين نزلوا غاليا من الشمال عَلَى وثنيتهم. وقد فضل الأساقفة الأرثوذكسيون هؤلاء الوثنيين الذين كانوا يؤملون تنصيرهم بدلاً من البرابرة المسيحيين الذين ظلوا عَلَى أريوسيتهم ورضي أحد زعماء العصابات الفرنكية واسمه كلوفيس أن يتعمد عَلَى يد أسقف ريمس القديس ريمي فحذا حذوه ثلاثة آلاف رجل ولم يلبث زعيم العصبة هذا وقد عضده رجال الكهنوت الكاثوليكي أن أصبح وحده ملك غاليا كلها ومنذ ذلك العهد أصبح جميع ملوك الفرنك من نسل كلوفيس مسيحيين وعضدوا الكنيسة الأرثوذكسية وكان ذلك من جملة الأسباب في نجاحهم أما أمة الفرنك فقد أبطات في انتحالها هذا الدين فظل كثير من المحاربين زمناً طويلاً نعَلَى وثنيتهم ومنهم من كان من حاشية الملك. وفي أواسط القرن السادس صادفت الملكة رادغوند وهي مسيحية غيورة عَلَى الطرق العامة جنائز وثنية فأمرت المحاربين من أهل موكبها أن يأتوا عليها فقام الفرنك بسيوفهم وعصيهم. ومضى زهاء قرنين أي من القرن السادس إلى السابع حتى غدا الفرنك كلهم مسيحيين. قاعدة القديس بنوا - أنشئت في إيطاليا وإسبانيا وغاليا أخويات قسيسين ولكت العيشة التي يعيشونها في هذه الديار من بلاد الغرب لم تشبه عيشة النساك في ثيبة وفي أواخر القرن الخامس انقطع أحد أشراف الإيطاليين واسمه بنوا ( ٤٨٠ - ٥٤٣ ) إلى جبل كاسين في بلاد نابولي وذلك بعد أن عاش بضع سنين متنسكاً في غار وسط الصخور وكان ثمة معبد وغابة عَلَى اسم أبولون فنصر بنوا فلاحي ذاك الجوار وأمرهم بأن يخربوا ذاك المعبد وأقام بدلاً منه كنيستين وديراً عظيماً وغدا بنوا رئيس أخوية كبرى وانشأ نظاماً طويلاً لقسيسه قاضياً عليهم أن يتخلوا عن الدنيا وعن الأسرة والملك وأن لا يملكوا شيئاً لأنفسهم حتى ولو الصفائح (السفورات) والمناقش التي يكتبون بها وأن يلبسوا كساءً من الصوف الخشن أو مسوحاً ذات قبعات (أسكيم) كان يلبسها الفلاحون وأن يخضعوا بدون تردد كل ما يصدر عن الرئيس من الأوامر قال القديس بنوا في المدخل: اسمعوا أيها الأبناء أوامر الرب ولا تخافوا من الائتمار بأمر أب صالح والعمل به وذلك حتى يقودكم الخضوع التام إلى ما أبعدكم عنه العقوق والكسل. وقد سمى الدير مدرسة العبودية الإلهية وفي ذلك لم يأت القديس بنوا شيئاً سوى الجري عَلَى مثال رهبان المشرق ولكنه يختلف عنهم في كيفية استعمال الوقت فبدلاً من التأمل وأعمال النسك أمر بالعمل قائلاً أن الكسل عدو الروح وعَلَى الجملة فإن حياة الراهب داخلة تحت القاعدة ساعة فساعة فعليه أن يعمل كل يوم بيديه سبع ساعات ويقرأ ساعتين وينقسم اليوم إلى سبعة قداديس يبدأ الأول منها في الساعة الثانية ليلاً. وإذا أراد رجل أن يدخل في هذه الطائفة يدخل فيها عَلَى سبيل التجربة مبتدئاً وبعد شهرين تتلى عَلَى مسامعه قاعدة: هذا هو القانون الذي يجب عليك أن تقاتل تحت لوائه فإن كنت في مكنة من الاحتفاظ به فادخل وغلا فأنت حر أن تذهب من هنا بسلام. وبعد سنة يوقع عَلَى عهد يضعه عَلَى المذبح بحضور جميع القسيسين ثم يركع أمام كل واحد منهم عَلَى حدته ومنذ ذاك اليوم يوقن بأنه لم يعد يملك شيئاً حتى ولا جسمه. ولم تلبث أن أصبحت قاعدة القديس بنوا قاعدة عامة عَلَى رهبان الغرب اتخذتها جميع الأديار القديمة وعليها أنشئت جميع الأديار الجديدة وأصبح بعد حين عامة رهبان الغرب من البندكتيين. الرهبان البندكتيون - عاد قسم من بلاد غاليا وإيطاليا في القرن السادس فأصبح خراباً يباباً وغشت الغابات العظيمة البلاد فدخل الرهبان الذين يحبون العزلة تلك القفار وبين العوسج والشوك يقيمون لهم معبداً وبعض الأكواخ ثم يأخذون بإحياء موات الأراضي المجاورة وكثيراً ما يعطيهم أحد الملوك أو الكونتية أو أرباب الأملاك بقعة واسعة (إذ كانت قيمة الأرض رخيصة إذ ذاك) فيؤسسون ديراً جديداً. ولقد كان الرهبان ينشئون الأهراء وفرناً ومطحنةً ومخبزاً ويحرثون الأرض ويصنعون الألبسة ويعملون حجار الطاحون والصناعات النفيسة وينسخون المخطوطات فكانت أديارهم حقولاً أنموذجية كما هي معمل وخزانة كتب ومدرسة وتتألف من العبيد والمزارعين في أصقاعهم قرية كبرى هكذا نشأت في فرنسا مئات من المدن حول الأديار وكثير من المدن سميت باسم القديس رئيس ديرها الأول (سان أويمر سان كلود رسيمرون) وأنشئت ألوف من الكنائس الخورنية عَلَى يد بعض أديار البندكتيين. تنصر الإنكليز السكسونيين - يروى أن القديس غريغوريوس رأي قبل أن يصبح بابا وهو في سوق العبيد في رومية أولاداً شقراً بيض البشرة يباعون فسأل من أين أتى بهم فأجيب بأنهم آنكل فقال: لقد دعوا بأجمل السماء فهم حقاً ملائكة فهل هم مسيحيون؟ فقيل له أنهم وثنيون بعد. فأجاب هل من الممكن أن تحتوي هذه الجبهات الجميلة ذكاءٍ محروماً من نعمة المولى. ومنذ ذاك الحين رأى أن ينصر الإنكليز فلما غدا بابا بعث أربعين قسيساً يقودهم أغسطينوس إلى أحد ملوك بلادهم فوصل المرسلون يحملون لوحة رسم عليها المسيح فجمع الملك مجلس العظماء وسألهم فيما إذا كان يقتضي قبول الدين الجديد فوقف أحد الزعماء في المجلس فقال: ربما ذكرت شيئاً أيها الملك يحدث أحياناً في نهار الشتاء عندما تكون جالساً إلى منضدة مع مقاتلتك ونارك موقدة وغرفتك دافئة والسماء تمطر وتثلج والريح زعزع في الخارج وبينا أنت كذلك يطير طائر صغير فيجتاز الغرفة داخلاً من باب وخارجاً من آخر وهذه اللحظة التي يقضيها الطائر وهو داخل الغرفة تحلو له فلا يشعر قط بالمطر ولا ببرد الشتاء ولكن هذه اللحظة قصيرة لأن الطائر لا يلبت أن يهرب ويعود إلى الشتاء الذي كان فيه وعلى هذه المثال أرى حياة الناس في الأرض بالنسبة للوقت غير المؤكد الذي يمر في الآخرة فظاهر أن الحياة قصيرة ولكن أي وقت يجيء بعدها وأي وقت مضى قبلها هذا أمر نجهله فإذا كان هذا الدين الجديد يفيدنا في ذلك أموراً آكد فهي جديرة بأن تنتحل ويدان بها وكانت النصرانية تروق هؤلاء البرابرة الجديين لأنها تحدثهم عن اليوم الآخر. وقد نصح البابا المرسلين المسيحيين أن لا يناقضوا المعتقدات القديمة قائلاً يجب الاحتراز من تخريب معابد الأوثان بل الواجب تطهيرها وتخصيصها بعبادة الإله الحقيقي لن الأمة كلما رأت أماكن عبادتها القديمة باقية تكون أكثر استعداداً إلى الاختلاف إليها للألف والعادة فقد اعتاد رجال هذه الأمة أن يذبحوا البقر ضحايا فالواجب أن يبدلوا هذه العبادة بزياح مسيحي دعوهم ينشئون أكواخاً من أوراق الشجر حول معابدهم المحولة كنائس يجتمعون فيها ويقودون إليها حيواناتهم التي يذبحونها لا عَلَى سبيل ضحايا للشياطين بل عَلَى سبيل الله تعالى. ولم يضطهد الإنكليز السكسونيين المرسلين المسيحيين عَلَى أنهم لم يتنصروا إلا ببطء فهناك كان الملوك ولاسيما الملكات تحمي الديانة الجديدة كما هي الحال في غاليا ولكن المحاربين لم يهتموا لقبولها. المرسلون الأيرلنديون - دانت إيرلاندة بالنصرانية منذ القرن الخامس وكانت إذ ذاك مشهورة بأديارها العديدة وحمية كنائسها الدينية فكانت تلقب بجزيرة القديسين فسافر مرسلون من أديار إيرلندا ونصروا جميع برابرة بريطانيا العظمى فالتقوا إذ ذاك بالمرسلين القادمين من رومية. وكان لكنيسة إيرلندا ومؤسسوها مسيحيون من أهل آسيا بعض عادات شرقية فتحتفل بعيد الفصح مثلاً في غير الوقت الذي تحتفل فيه كنيسة رومية واصطلحت عَلَى وضع إكليل الإكليروس عَلَى مقدم الرأس بدلاً من الإكليل عَلَى صورة تاج. وهذه الاختلافات في الصورة دعت إلى اشتداد الاعتراك بين المرسلين الايرلنديين والمرسلين الرومانيين فيحضر البرابرة نزاعهم بحسب ما لكنائسهم من المكانة وإليك ما ذكره أحد الكتاب الأرثوذكس من نزاع عظيم وقع في وتبي سنة ٦٤٤ بحضور جميع مجلس الشعب. صرح كولمان الأيرلندي بان مواطنيه لا يستطيعون أن يغيروا طريقتهم احتفالهم بعيد الفصح لأن ذلك مما ألفه آباؤهم فأجابه ويلفريد السكسوني: إننا نحتفل بعيد الفصح كما رأيناه يحتفل به في رومية حيث عاش الرسولان بولس وبطرس وكذلك في غاليا وجميع الإمبراطورية والبروتون فقط يعاندون في مشاكسة بقية العالم وبعد فهل في المكنة أن يفضل أبوك كولومبا عَلَى قدسية فيه عَلَى السعيد أمير الحواريين الذي قال وله سيدنا يسوع: إنك بطرس (ومعنى بطرس الحجر) وبك يا حجر أبني كنيستي وأدفع إليك مفاتيح ملكوت السماوات - فسأل الملك حينئذ ذاك الأيرلندي قائلاً: أمحقق أن هذه الكلمات قالها سيدنا المسيح للقديس بطرس؟ - نعم صحيح ذلك - هل في وسعك أن تبرز لي حجة في مثل حجة كولومبا؟ - لا أستطيع - أنتم عَلَى وفاق بأن مفاتيح السموات أعطيت لبطرس - نعم - إذن هو بواب السماء ولا أريد أن أنازعه في قوله بل احجب أن أخضع له في كل أمر مخافة ألا أجد أحداً يفتح لي أبواب ملكوت السموات عندما أصل إليها. وهذه الحجة كانت بحسب درجة ذكاء البربري فاستحسن المجلس الخطاب وعزم أن يقبل في المملكة بأسرها العادات الرومانية وانتهت الحال بغلبة الرومانيين (في أوائل القرن الثامن) ومنذ ذاك الحين خضعت للبابا كنيسة بريطانيا العظمى بأجمعها. تنصر الجرمانيين في ألمانيا - كان يتألف من الجرمانيين الذين تخلفوا في ألمانيا عدة أمم كلها وثنية في القرن السادس وبدأ قسيسون إيرلنديون بتنصرهم فسكن القس غال بين السواب بالقرب من بحيرة كوستانس في المكان الذي أنشئت فيه البيعة التي نسبت إليه. ونصر كيليان الفرنكونيين في بلاد مين ثم استشهد وتمكن القديس ولفران من عزم دون دي فريزون رادبود عَلَى تعميده وبينا كان الدوق يدخل إلى القبو سأل أين بقي أجداده فقيل له أنهم في جهنم فقال أنا أريد أن أصبح مسيحياً حتى لا أنفصل عن أجدادي. واستحق وينفريد من الإنكليز السكسونيين الملقب ببونيفاس الملقب برسول الجرمان إذ أرسله البابا إلى إنكلترا كما أرسل أوغستيتنيس يحمل هذه الرسالة: رغبنا في أن تتمتعوا معنا بالأبدية فبعثنا إليكم بونيفاساً يعمدكم ويعلمكم إيمان الرب فأطيعوه في كل ما يأمر ووقروه كما توقروا أباً واسمعوا مواعظه ثم أن بونيفاساً أوصى به شارل مارتن زعيم الفرك زعماء الجرمانيين وبفضل هذه المعاضدة تمكن من الدخول في قلب ألمانيا وعقد اجتماعات وفوض الأشجار المقدسة ومنع عبادة الأصنام وبذلك تيسر له أن ينصر شطراً من الزعماء والشعب في بافيرا وتورينغ وهس ثم سكون في المايانز ملقباً برئيس الأساقفة. وقد بقي السكسون شعباً وثنياً في بلاد ويزر (فيستفاليا وهانوفر) وبعد حروب دموية اضطر شارلمان زعماءه أن يتعمدوا ثم أسكن أساقفة وقسيسين في جميع البلاد ثم أفضل عليهم بما يمنع عنهم الحاجة وقضى بأن يقتل كل سكسوني يعبد أربابه القديمين أو يعمل القيام بالصيام الذي شرعته الكنيسة فمن ثم أصبحت ألمانيا كلها مسيحية وغدت كإنكلترا متعلقة برومية وخاضعة للبابا وأرسلت ألمانيا أيضاً مرسلين ذهبوا فنصروا الوثنيين في بلاد اسكاندنافيا ومقاتلين راحوا لتبديد شمل الوثنيين من السلافيين أيضاً. الإسلام دين العرب الأول - انتهت تخوم المملكة الرومانية في الشرق عند رمال بلاد العرب فظل هذا الشعب مستقلاً بربرياً منقسماً إلى عدة قبائل وكان لسكان الساحل من العرب بعض مدن صغرى تعرف بالزراعة وتبعث بقوافلها إلى الغرب تحمل إليهم البن والبخور والتمر ويطوف سكان الداخلية القفر بمواشيهم مسلحين راكبين صهوات خيولهم نصفهم رعاة والنصف الآخر قطاع طريق (كما هي عيشة البدو إلى اليوم) ويقتتل العرب فتقاتل القبيلة ولكن يعتبرون أنفسهم بأجمعهم من عنصر واحد وهو كالإسرائيليين من العنصر الذي نسميه العنصر السامي ويمتاز عن آريي الهند وأوربة امتيازاً ظاهراً بلغته ودينه. ولقد كانت الغرب كلها تعبد إلهاً قادراً خارقاً وهو الله تعالى ولكنها تتعبد للجن خاصة وهي أرواح لا ترى وكان لكل قبيلة إله خاص تعبده في صورة نجم أو حجر أو صنم ولكنهم كلهم يرجعون في عبادتهم إلى الكعبة في مكة وهي البيت المتفق عَلَى تعظيمه عندهم والكعبة معبد عَلَى صورة الكعب أو زهر النرد حوائطها من حجر غير نحيت مغشاة بأقمشة من الصوف ويحفظون فيها الحجر الأسود المشهور المحترم عند العرب اجمع (وهو قطعة من حجر بركاني تحتت اليوم إلى اثنتي عشرة قطعة (كذا)) وقد وضعت كل قبيلة في الكعبة صنماً هاصاً بها ويقال أنه كان تفيه ٣٦٠ صنماً ومنها صنم لإبراهيم وصورة العذراء مع ابنها يسوع وأنشئت قريش مدينة مكة الصغرى حوالي القرن الخامس في الوادي الضيق الذي تحيط به الصخور القاحلة محيطة بالكعبة ويقام بها كل سنة سوق وأعياد يتنافس بها الشعراء وتبطل في خلال ذلك الحروب فمكة كانت هي المدينة المقدسة التي يحج إليها الناس من أقطار بلاد العرب كافة. محمد (عليه الصلاة والسلام) - ولد محمد في قبيلة قريش المقدسة وهم سادة مكة وسادة الكعبة المقدسة بين سنتي ( ٥٦٩ - ٥٧١ ) وعاش وهو اليتيم الفقير إلى سن الأربعين لا شأن له. وكان رجلاً جباناً سوداوياً تنتابه عوارض من الحمى ونوبات عصبية وكان حنفياً أي كافراً بعبادات العرب ويسمون بهذا الاسم من لا يعبد الأصنام بل يبعد إلهاً واحداً رب إبراهيم والد العنصر العربي. وكزان رجال قبيلة محمد تنظر إليه بغير عين الرضى فسكن بين الصخور الجرداء المحرقة وفي سنة ٦١١ بحسب الرواية العربية حلم محمد بأنه صاحب دين وظهرت له روح فائقة في قوتها سماها محمد بعد ذلك الملك جبرائيل قالت له: اقرأ فقال محمد: ما أنا بقارئ. فقال له اقرأ. ومنذ ذاك لعهد رأى محمد نفسه بأن الله عهد إليه مباشرة بنشر الدين الحقيقي فبدأ يدعو زوجته وبناته فوراً ثم أصحابه ورجال مكة فقاومه زعماء القبيلة أجمع فاضطر إلى الهجرة إلى المدين (سنة ٦٢٢ ) وإذ كان أهل المدينة أعداء لأهل مكة اعترفوا بنبوته وأخلصوا له الطاعة وأحاط المدنيون بالرسول في ثمانين من أصحابه هاجروا من مكة يتبعونه فبدأ إذ ذاك يناوش قوافل مكة القتال ويغزوها مما انتهى بخضوع مكة ثم حمل جميعاً لعرب عَلَى قبول دينه. ولم يقم محمد بمعجزات ولم يدع أنه روح إلهي بل كان يرى نفسه فقط رجلاً ملهماً يتكلم ويعمل باسم الله تعالى ويظهر في مظهر الرسول والمصلح قائلاً أن الدين الحق كان منذ عهد آدم وهو أن يعتقد بواحد أحد وأن يخضع لأوامره التي تبلغها للبشر عَلَى لسان أنبيائه فنوح وإبراهيم وموسى وعيسى كانوا رسلاً. وما اليهودية والنصرانية إلا أوهام مطلقة بل أشكال محرفة من دين الله الحق وهذا الدين الأبدي هو الذي جاء محمد يدعو إليه لخلوه من التحريف فهو خاتم النبيين وأعظمهم وباسم النبي عظمه أتباعه. وقد أخذ جانباً من تعاليمه عن التوراة والإنجيل ولذا ساغ أن يقال أن محمداً مبتدع مسيحي والإسلام بدعة من البدع النصرانية عَلَى اصطلاح العرب. القرآن - كان محمد أمياً فإذا أوحي إليه ودعا إلى دينه كانت تنقل كلماته فكتبت عَلَى الحجارة وورق النخيل وعظام الجمل. والقرآن (الكتاب) هو مجموع هذه القطع ضمت بعضها إلى بعض لا عَلَى الترتيب الذي أملاه محمد بل بدءاً بأطولها ولم تجمع إلا بعد وفاة محمد عَلَى يد أمين سره زيد وبعد حين دونه الخليفة عثمان تدويناً رسمياً وهذا هو الذي نراه بين أيدينا وفي القرآن مواعظ وقصص وقواعد وأحكام وبعثرة متفرقة فهو في آن واحد كلام متنزل في الدين والأخلاق والنظام والدستور. الإسلام - يسمى الدين الذي دعا إليه محمد دين الإسلام أي الاستسلام لإرادة الله تعالى والذين يدينون به يسمون المسلمين (أي المستسلمين) والإسلام عبارة عن هذه الكلمات: لا إله إلا الله محمد رسول الله فالواجب إذن الاعتقاد بالله الذي خلق العالم ويدبره وهو عَلَى عرشه والملائكة حافون به يجب الخضوع لإرادته التي أبلغه الناس عَلَى لسان أبيائه وقد جاء القرآن بأوامره الكتاب الذي يحوي الحقيقة ومن يعتقد بالقرآن ويأتمر بأوامره الإلهية ينال الزلفى من المولى تعالى ويكافأ عَلَى عمله ومن يختل إيمانه لوم يخضع لسلطانه فهو مذنب مع الله يعاقبه ويجازيه. وسيأتي يوم القارعة ما القارعة وما أدراك ما القارعة يوم يكون الناس كالفراش المبثوث وتكون الجبال كالعهن المنفوش فأما من ثقلت موازنه في عيشة راضية وأما من خفت موازينه فأمه هاوية، وما أدراك ماهية، نار حامية. . . وسيق اللذين كفروا إلى جهنم زوراً حتى إذا جاؤوها فتحت أبوابها وقال لهم خزنتها ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب عَلَى الكافرين قيل ادخلوا أبواب جهنم خالدين فيها فبئس مثوى المتكبرين وسيق اللذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمراً حتى إذا جاؤوها وفتحت أبابها وقال تلهم خزنتها سلام عليكم طبتم فادخلوها خالدين. . . أولئك المقربون في جنات النعيم. . . متكئين عليها متقابلين يطوف عليهم ولدانٌ مخلدون بأكوابٍ وأباريق وكأس من معين لا يصدعون عنها ولا ينزفون وفاكهة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون وحور عين كأمثال اللؤلؤ المكنون. . . وأصحاب الشمال ما أصحاب الشمال في سموم وحميم وظل من يحموم لا بارد ولا كريم. أما العبادات فهي فسهلة للغاية فليس المؤمن أن يصلي خمس مرات كل يوم في أوقات معينة وفي كل مدينة إسلامية يدعو المؤذن إلى الصلاة من أعلى المسجد بوقت معين وعلى المؤمن أن يتوضأ للصلاة وإذا لم يكن له ماء أن يتيمم بالتراب وأن يصوم شهر رمضان لا يتناول الطعام فيه إلا من الليل في الوقت الذي لا يتبين فيه الخيط البيض من الخيط الأسود من الفجر وأن يخرج من الزكاة عشر مال (؟) عَلَى الأقل وزأن يحج إلى مكة إن استطاع للحج سبيلا. وأدب الدين الإسلامي هو ألا يرتكب المرء عملاً دنيئاً ولا يشرب الخمر ولا يرابي أن يتلقى إرادة المولى راضياً لأن كل امرئٍ لا يخرج عما كتب له في الأزل ولا سبيل له إلى التخلص من المقدور فالإسلام هو دين القضاء والقدر. انتشار الإسلام - دعا محمد سنة ٦١١ إلى دينه وكان العرب عامة يوم وفاته سنة ( ٦٣٢ ) مسلمين أسلم نصفهم عن اعتقاد والنصف الآخر بالقوة وذلك مثل أهل قبيلة التاكيفيت (كذا) فقد بعثوا يقولون لمحمد أنهم يدينون بالدين الجديد إذا رضي أن يعفيهم من الصلاة وأن يترك لهم صنمهم اللات ثلاث سنين. فقال محمد أن ثلاث سنين في الوثنية يطول أمرها فعرض التاكفيون أن يمهلوا عَلَى عبادة الأصنام سنة فوافق محمد ولما أخذ يملي عهد الصلح ندم عَلَى هذا الامتياز وقال لا أريد أن أسمع بهذه العهدة فليس عليكم إلا أن تخضعوا أو نقاتلكم فطلبوا لأن يمهلوا عَلَى عبادة اللات ستة أشهر فأبى عليهم ثم اكتفوا بإمهالهم شهراً فلم يرض أن يمهلهم ساعة فأسلم بنو التاكيفيت ودخل المحاربون المسلمون المدينة وحطموا الأصنام. وبعد وفاة محمد أخذ العرب ينشرون الإسلام بمثل هذه الطرق ولم يبعثوا لدعوة الشعوب الأخرى إلى الإسلام رسلاً كما فعل المسيحيون بل جيوشاً فقد قال الرسول وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله وحرب المشركين جهاد مقدس والله مع المجاهدين ومن قتل منهم فجزاؤه الجنة. وقد عني الخلفاء بعد الرسول بهذا الجهاد فكانوا يبعثون إلى جميع الشعوب المجاورة رسولاً يعهدون إليه أن يخيرهم بين ثلاثة أمور: القرآن أو الجزية أو السيف ومن يسلم يكون كمن سبقوه بالإيمان ومن يخضعون ويؤدون الجزية يصبحون رعايا وذمة ومن يقاومون يقتلون ولم يستطع أحد أن يقف في وجه هذه الجيوش المتعصبة فغلب المسلمون في الشرق عَلَى سورية وفلسطين وجميع مملكة فارس وأرمينية وتركستان وجزء من بلاد الهند وفي الغرب عَلَى مصر وطرابلس وأفريقية وإسبانيا وخضع جميع المغلوبين عَلَى أمرهم إلا قليلاً ولم يبق مسيحيون إلا في ولايات الإمبراطورية القديمة وفي أقل من قرن ( ٦٢٢ - ٧١٧ ) انتشر الدين الجديد من بحر الظلمات إلى نهر السند وما من دين انتشر بهذه السرعة ولم تلبث مملكة الخلفاء أن انهارت عَلَى الأثر ولكن ظلت جميع البلدان التي أسلم أهلها عَلَى إسلامهم. وما قط أضاع الإسلام أرضاً دخل فيها إلا إسبانيا وكثيراً ما ربح بعد أراضي جديدة فإن الأتراك حملوا هذا الدين إلى القسطنطينية ولا يزال لعهدنا يدخل أمم في هذا الدين في بلاد الهند والصين وماليزيا ولاسيما بين زنوج أفريقية. والإسلام دين سهل عَلَى مستوى ذكاء الشرقيين ويبلغ عدد المسلمين اليوم نحو مائتي مليون فإذا كانت النصرانية دين أمم الشمال فلإسلام دين شعوب الجنوب. المملكة البيزنطية المملكة البيزنطية - كاد البربر الذين أغاروا عَلَى بلاد الإمبراطورية الرومانية يوجهون وجهتهم إلا قليلاً قبل المغرب ولذا بقي في القسطنطينية إمبراطور يحكم الشرق كله. ويقي قرنان (الخامس والسادس) والإمبراطورية الرومانية محتفظة بعد بنصف مملكتها القديمة عَلَى الأقل وحكمها نافذ في آسيا الصغرى وسورية ومصر وفي جميع البلاد الواقعة شرق البحر الإدرياتيكي حتى لقد خضعت لها إيطاليا وافريقية وشطر من إسبانيا بضع سنين ثم هاجمها المهاجمون فاغتصب منها السلافيون إيبيريا وجنوب بلاد البلقان واقتطع منها العرب جميع أفريقية وسورية وجزءاً من آسيا ولم يبق لها سوى قطعتين عَلَى جانبي مدينة القسطنطينية في الغرب تراسيا (روم إيلي) وفي الشرق آسيا الصغرى. بيد أن العاصمة أيضاًَ قاومت هجمات المهاجمين العرب وفي ذاك الحمى الأمين احتفظت الإمبراطورية الشرقية بألقابها الضخمة وحكومته المطلقة وإدارتها المعتادة. وظلت عَلَى هذا النحو إلى أن استولى العثمانيون عَلَى القسطنطينية ( ١٤٥٣ ) وهذه الإمبراطورية التي أصبحت قرى بيزنطية هي التي نسميها الإمبراطورية البيزنطية. يوستينيانوس - لأن كان منصب الإمبراطور وراثياً فإنه لم يبق في الإمبراطورية الشرقية أسرة مالكة فإن دسائس القصر وثرات عامة القسطنطينية لم تكد تمكن الإمبراطور إلا في الندر من نقل سلطته إلى أسلافه فكان معظم الأباطرة مغتصبين للمك. وأشهرهم يوستينيانوس ( ٥٢٧ - ٥٦٥ ) وهو ابن فلاح في ولايات الدانوب كان يرعى الغنم في طفولته دخل خاله يوستن بعد رعاية الغنم في الجندية ومازال يتنقل من رتبة إلى أخرى حتى غدى تؤثورن (قائد حرس القيصر) ثم إمبراطوراً واستدعى إلى القسطنطينية يوستنيانوس الذي اشتهر ببذله المال للجند وتمثيله الملاعب أمام العامة فنودي به إمبراطوراً عقب وفاة خاله. ومن شأن يوستينينوس أن يبحث عن كل ما يزيد في إعجابه فتوفر عَلَى الشهرة بفتح البلاد وإنشاء المعاهد والمصانع وتقنين القوانين فأراد أن يكون فاتحاً عمرانياً مشرعاً. وإذ كان غير صالح للحرب عهد إلى صديقه بليزير أن يفتح البلاد باسمه وكان للإمبراطورية إذ ذاك عدوان أحدهما من الشرق وهي مملكة فارس الحربية والآخر من الغرب وهي الممالك التي أسسها البرابرة الجرمانيون في ولايات الإمبراطورية القديمة وكان ملك الفرس صاحب حول وطول جيشه قوي نظامه موطد الأركان وملوك البربر ضعفاء أخمد البذخ مقاتلتهم يمقتهم الشعب الكاثوليكي لا نظام لهم ولا ترتيب. فكان يوستينيانوس من جهة الشرق يغلب ولم يستطع بليزير غير الدفاع عن آسيا الصغرى وأن يعقد الصلح عَلَى شرط أن يدفع الجزية ( ٥٣٣ ) وفي آخر مدته ( ٥٦٢ ) وقع عَلَى عهد صلح جديدة متعهداً عَلَى أن يؤدي كل سنة ٣٠٠٠ ذهب وقد وفق بليزير من جهة ممالك البربر كل التوفيق فافتتح مملكة الوانداليين في أفريقية ( ٥٣٤ ) بحملة واحدة ومملكة الأوستروغوت في إيطاليا بعد حرب ثمانية عشر سنة ( ٥٢٥ - ٥٣٣ ) وتغلب عَلَى جنوب إسبانيا أخذها من صاحبها أحد ملوك ألويزغوت. فحق ليوستينيانوس أن يفاخر أنه وطد شطراً من الإمبراطورية الرومانية القديمة ولكن استيلاءه عليها لم يكن له من القوة ما يدفع به ما افتتحه من البلاد فلم يحم إيطاليا من غارة اللومبارديين ولا أفريقية من العرب. وتوفر يوستينيانوس وهو البناء العمراني عَلَى أن يدافع عن الإمبراطورية بحصون أقامها ويزين القسطنطينية بمصانع ومشاهد وحتى لا ينسى الأعقاب ما قام به من جلائل الأعمال كتب يصف كل ما بناه فكان ما بناه عَلَى شاطئ الدانوب ٨٠ قلعة وفي ولايات أوربا ٦٠٠ وأشأ السد الذي يحول الخليج الذي قامت عليه مدينة القسطنطينية وخطاً من الحصون عَلَى طول الفرات. وأهم هذه المصانع الكنيسة الكاتدرائية في القسطنطينية المعروفة بآيا صوفيا أجمل أعمال الهندسة البيزنطية (وهي باقية إلى اليوم جعلها العثمانيون جامعاً). وقد عهد يوستينيانوس إلى الفقيه تريبونين أن يجمع في مجموعتين جميع الشرائع والقوانين الفقهية فوفق يوستينيانوس بفتوحه ومصانعه وقوانينه عَلَى ما يحب أن ينال شهرة ما زالت متأثقة إلى اليوم ولن ينسى عهده وكانت أيام حكمه تعسة تزوج امرأة وضيعة اسمها تيودورا كانت تدبر أمره حسب رغبته وهام جداً بألعاب الفروسية وبالشعر حتى نسي الحكم فثار الرق ونهبوا عاصمته خمسة أيام وأوشكوا يذبحونه فاضطهد أعداءه أيما اضطهاد وأغلق مدرسة الفلسفة في أثينا واشتط عَلَى الشعب في تقاضي الضرائب وغضب عَلَى القائد بليزير الذي افتتح باسمه كل هذه الفتوحات. الأعمال التشريعية - إذا كان الأباطرة لم تبذل لهم الطاعة إلا في البلاد التي كان يتكلم فيها في اللغة اليونانية فقد ظلوا يكتبون عقودهم الرسمية باللاتينية وبقيت محاكم الإمبراطورية تحكم بالقانون الروماني ولكن لم يبقى في الإمبراطورية منذ القرن الثالث فقهاء قادرون أن يكملوا الحقوق كأتن يتفننوا بالزيادة عليها فكانوا يكتفون بتكرار تعاليم فقهاء القرن الثاني والقرن الثالث كايوس وأولبين وبول وبابنين ومودستين. وقرر الأباطرة أيضاً أن يجري عمل القضاة في المستقبل في كل المسائل التي لم يسبق للقانون أن قدر وقوعها فيتبع رأي هؤلاء الفقهاء العظام وإذا كان بينهم خلاف يجري عَلَى رأي الأكثرية وظلوا ينشرون الأوامر ويبعثون إلى حكام الولايات أجوبة عَلَى مسائل في الحقوق تكون بمثابة قانون وله نفوذه وأحكامه. وقد ألفوا في القرن الخامس مجموعة من هذه الأوامر الإمبراطورية سموها القانون التيودوزي. وصحت عزيمة يوستينيانوس عَلَى أن يجمع القانون الروماني برمته فعهد إلى تريبوتين أن يقتطف من أقوال جميع فقهاء الرومان ومن أعمال الأباطرة ما يتألف منه هذا العمل الذي عنيت به لجنة من الفقهاء اشتغلت نحو عشرين سنة فألفت ثلاثة تآليف وهي ( ١ ً) مجموعة الفتاوي (بندكيت) مستخرجة من أفواه زهاء خمسمائة فقيه روماني من عصور مختلفة وتقسم إلى خمسين كتاباً ( ٢ ً) قانون يوستينيانوس وهو مجموع الأوامر والتقاليد الصادرة عن الأباطرة منذ عهد قسطنطين ( ٣ ً) كتاب الأحكام وهو سفر في الحقوق ألف للطلبة. ثم أن يوستينيانوس جمع في كتاب سماء السنن عامة الأوامر الصادرة في عصره وحظر أن يذكر اسم أحد من فقهاء الرومان بعد ذلك وبهذا بطل استعمال الكتب القديمة في الفقه الروماني في المحاكم فضاعت إلا قليلاً ونحن اليوم قلما نعرف شيئاً في الحقوق الرومانية إلا ما كان من قطع في مجلة يوستينيانوس ومن أجل هذا طارت شهرة هذه المصنفات. القياصرة والشعب - أصبحت المملكة البيزنطية مع الزمن أشبه بحكومة مطلقة شرقية والإمبراطور سيدها يأمر بقتل كل من ينالهم غضبه ويصادر الأموال كما شاء هواه وله السلطة الدينية ينصب الأساقفة ويعزلهم ويتحكم في المعتقدات ويضطهد المخالفين. ويحف به كبار الضباط والموظفون والخدم فيتألف منهم بلاط ذو أبهة ويكون لكل من الداخلين فيه رتبة شرف ويقدر كل شيء فيه برسوم دقيقة والقصر يستغرق جميع الأموال التي تجيء من البلاد ولا يذكر في الإمبراطورية غير الإمبراطور وتنقضي الحياة في القصر عَلَى معالجة دسائس النساء وبطائن الإمبراطور وفي المؤامرات. فمن ١٠٩ أباطرة تعاقبوا الحكم من القرن الرابع إلى القرن الخامس عشر ٣٤ فقط ماتوا حتف أنوفهم عَلَى سرورهم و ٢ تنازلوا و ١٨ ماتوا في السجن و ١٨ جدعت أنوفهم وقطعت أيديهم و ٢٠ خنقوا أو سموا. وندر أن خلف الإمبراطور ابنه وكل إنسان حتى الخادم والعسيف تحدثه نفسه في الوصول إلى العرش فقد كان الإمبراطور ناستازا رئيس الحجب وجوستين رعى الخنازير وفوكاس جندياً بالعرض وكثيراً ما كان يحدث لبعض المتشردين أن يتنبأ له بعض العجائز فتصح عزائمهم عَلَى تدبير المؤامرات ليصبحوا أباطرة. ويروى أن باردانوس بينما كان عَلَى وشك الانتقاض دله أحد الكهنة عَلَى خدمته الثلاثة الذين كانوا يأتونه بفرسه قائلاً له إن هذين الاثنين يبايعان بالملك وهذا يبايع ثم يقتل. وهؤلاء الخدم الثلاثة هم ليون الخامس وميشيل الثاني وتوماس الغاصب ولذا كان سلاح الإمبراطور في الدفاع عن نفسه التجسس والتعذيب الليم فقد قطع فوكاس ( ٦٠٣ - ٦٨٠ ) ألسن أنصار سلفه وفقأ عيونهم وقطع أيديهم وأرجلهم وكان الإمبراطور يضربهم بالسهام أو يحرقهم بالنار وكثيراً ما كانت تجري هذه العقوبات الشديدة عَلَى رؤوس الأشهاد. وقد شهد الإمبراطور يوستينيانوس الثاني وهو مجدع الأنف مشهد الألعاب ورجلاه عَلَى رأس منافسيه في العرش ثم أمر بهما فأعدما. ووضع باسيل أعداءه المجذومين المصلوبين في الساحة العامة قابضاً بيده مبخرة فيها كبريت كان يبخر بها بعضهم بعضاً ثم اضطرهم ثلاثة أيام أن يشحذوا وعيونهم مفقوءة ويد كل منهم مقطوعة. الجيش - لم تبق في الولايات سلطة غير سلطة الجيوش يجندون من المتشردين من أهل كل بلد يدرها عليهم الإمبراطور وفيهم الأروام والفرس والعرب والأرمن والصقالبة بل والفرنج والنورمانديون وكان معظمهم فرساناً لا يؤدون الضرائب ويملكون أراضي وقد دعاهم الصليبيون الفرنسويون في القرن الثالث عشر الفرسان والشرفاء وبطلت طريقة الحكام المدنيين في الولايات وسط الحروب فكل قائد جيش يحكم عَلَى منطقة ولايته وبعضهم ينقطعون عن كل صلة عن العاصمة فيدفعون عن أنفسهم بحسب ما يتراءى لهم فكانت مناطق كالإبرا وصقلية مثلاً مستقلة حقيقة. المجاميع - حفظت القسطنطينية خزائن كتب مملوءة بنفائس قديمة وكان فيها مدارس يتخرج فيها كل من يطمعون في تولي المناصب ويقضى عَلَى الموظفين في الدولة البيزنطية أن يكونوا أدباء كما هو شان حكام الصين ويدرس الأساتذة من الكهنة إلا قليلاً علوم الدين والشريعة والرياضيات والنحو وكان بعضهم ملماً بجميع علوم عصره ولم يكن علماء بيزنطة يحاولون أن يأتوا بأعمال مبتكرة بل كانوا يسقطون عَلَى التآليف القديمة فيقبسون منها ما يجمعونه في مصنفاتهم. فقد ألف فوتيوس في القرن التاسع كتاباً سماه عشرة آلاف مصنف ووضع سيمون المترجم وهو قائد سياسي من أهل القرن العاشر مجموعة واسعة في حياة القديسين وجمع الإمبراطور قسطنطين البورفيروجنتي مجموعاً عظيماً. وكان البيزنطيون يرجون أن يضموا في بضعة مصنفات شتات عامة علوم القدماء وهو عمل متكبرين لا عمل عالمين ولكن عملهم حفظ شذوراً من أسفار ضائعة قديمة. الصنائع البيزنطية - ظلت الإمبراطورية البيزنطية خلال القرون الوسطى بأسرها تنشئ كنائس وقصوراً وتزينها فكان المتفننون بالصناعات كثيراً عددهم ولاسيما في بلاط بيزنطة وفي الأديار بين الكهنة والقسيسين. وأعظم الصناعات البيزنطية الهندسة وأهم مصانعها كنيسة آيا صوفيا في القسطنطينية أنشئت عَلَى عهد يوستينيانوس وحافظ عليها العثمانيون فحولوها جامعاً. وتتألف الكنيسة البيزنطية من قبة كبيرة وسطى فيها قباب صغرى يدخل منها النور ويحيط بالقبة الكبرى عدة قباب أو نصف أقباب صغيرة وجميع هذه القباب مذهبة من الخارج تتألق أنوارها إلى بعيد وفي الداخل ترى السواري من الرخام الثمين كاليصب والسماقي وكلها ذات خطوط حمر وخضر وأرضها مبلطة بالفسيفساء المتألقة والحوائط مزدانة بصور مرصعة من ذهب. يريدون من هذا التفنن إظهار الغنى. وغدت هذه الكنائس ذات القباب المستديرة والمذهبة أنموذجا للمهندسين منذ القرن السادس إلى القرن الحادي عشر لا في الإمبراطورية البيزنطية بل عند جميع البرابرة المسيحيين في الشرق. وبقيت هذه البيع في الشرق مثال الهندسة النصرانية وجماع الكنائس الروسية كنائس بيزنطة. وما النقش والتصوير عَلَى ما كان قديماً في مصر وآشور سوى صناعات ثانوية من شأنها تزيين أعمال الهندسة وتمثل صور الجدران صفوفاً طويلة من القديسين أو احتفالات كهنوتية والأشخاص منفصلة عن التهذيب فيها جفاء وهي عَلَى نسق واحد وعيونها واسعة الأحداق وأجسامها مقرنة لا معنى لها ولا حياة فيها وكذلك تماثيل القديسين ينتقد عليها ما ينتقد عَلَى صور الأشخاص وقد انقطع أرباب الصنائع عن صنع النقوش والتصوير والطبيعة واكتفوا بنقل نموذجات مقررة مبتعدين عن الحقيقة كلما أكثر النقل والاحتذاء. حفظت في المملكة البيزنطية أيضاً جميع أعمال الزينة كالنقش عَلَى الخشب أو العاج وصناعة الحلي والزمرد وتذهيب المخطوطات. ودام أرباب الصناعة من البيزنطيين مدة خمسة قرون من القرن السادس إلى القرن الحادي عشر مستأثرين بصنع ما يحتاجه الملوك والأساقفة ورؤساء الأديار من البربر في غاليا وجرمانيا يعملون لهم زين البيع وبيوت الذخائر والكؤوس والعروش والتيجان والمخطوطات الثمينة وكان إذ تخرج أناس في الصناعة ببلاد الغرب يبدءون باحتذاء مثال الكنائس البيزنطية. كنيسة الشرق - لم تشأ الكنائس النصرانية في الشرق أن تخضع للبابا في رومية بل كانت ترجع إلى أساقفة المدن الكبرى (القسطنطينية والقدس وأنطاكية والإسكندرية) يدعونهم بطاركة وفوقهم الإمبراطور رئيس الكنيسة وهو ملك عَلَى الأجسام كما هو ملك عَلَى الأرواح عَلَى نحو ما هو حال قيصر روسيا إلى اليوم بل هو المرجع في حسم المسائل الاعتقادية. وقد أصدر زينون سنة ٤٨٢ في الجدال الذي ثار بشأن طبيعتي المسيح أمراً قاضياً عَلَى الفريقين أن يقبلا بقانون عام وبعد مئة وخمسين سنة من هذا التاريخ والمسيحيون يتناقشون فيما إذا كانت للمسيح طبيعة واحدة أو طبيعتان اصدر هيراكلوس سنة ٦٣٩ أمراً يقضي بأن للمسيح طبيعتين ولكن له إرادة واحدة فنشأت من ذلك بدعة جديدة وانقسمت كنيسة الشرق إلى عدة شيع فكان النساطرة يقولون بأن في المسيح طبيعتين الأولى إلهية والثانية بشرية وأن العذراء ليست أم الله بل أم المسيح وأسسوا الكنيسة الكلدانية نصبوا زعيمها في بابل. وقال القائلون بطبيعة واحدة في المسيح أن ليس فيه من الطبائع إلا الطبيعة الإلهية وهؤلاء أسسوا كنائس مصر وأرمينية وسورية (تحت اسم اليعاقبة) والقائلون بطبيعة وحيدة في المسيح اعتقدوا بأن له طبيعتين وإرادة واحدة ولا يزال الموارنة في جبال لبنان يعتقدون اعتقادهم. فلم تحتفظ الكنيسة الأرثوذكسية في القسطنطينية بغير روم آسيا الصغرى وأوربا ولم يتيسر لها أن تظل بكنيسة الغرب والكنائس مختلفة في عدة مسائل فالغربيون لم يقبلوا بزواج القسيس ولا بعبادة الصور وزادوا إلى هذه الجملة التي قيلت في مجمع نيقية الروح القدس منبثق من الأب قولهم ومن الابن أيضاً ولم يرض أحد الفريقين أن يتنازل عن دعواه ومنذ ذهاب الإمبراطور من رومية كان يعترف البابا وأساقفة إيطاليا بإمبراطور القسطنطينية عاهلاً عليهم ولكن لم يقبلوا بأن تحكم الإمبراطورية في الكنيسة وأن نفض مسائل الإيمان والقوانين. وأصبحت الصلاة نادرة ومتعذرة بين البابا والمشارقة ثم جاء إمبراطور من القائلين بتحطيم الصور فأمر سنة ٧٢٨ بأن لا يكون في البيع أقل تمثيل من تماثيل المسيح بل ولا العذراء ولا القديسين وأن تحطم التماثيل وتعفى آثار الصور فحرض البابا جماعته المؤمنين أن يقاوموا هذا الفكر وشجب القائلين بحطم الصور ولما غدا أحد ملوك الإفرنج (شارلمان) إمبراطور عَلَى الغرب انقطعت كل صلة بين رومية والشرقيين. ولم تبق الكنيسة الرومية محصورة في الإمبراطورية البيزنطية بل بعثت رسلاً لتنصير البربر الصقالبة في أوربا الشرقية كما نصر مراسلو رومية برابرة الجرمان وفي أوربا الغربية فكما غدا الجرمان في ألمانيا وإنكلترا كاثوليكيا رومانيين أصبح السلافيون (الصقالبة) في بلغارياً وبلغاريا كاثوليكيا روميين ومازال هؤلاء كذلك وتسمى الكنيسة الرومية (وهي تسمي نفسها الأرثوذكسية) وعدد الخاضعين لها نحو ٨٠ إلى ٩٠ مليوناً. مكانة الإمبراطورية البيزنطية - جرت عادة المؤرخين عند كلامهم عَلَى البيزنطيين أن يطلقوا عليهم عبارات الاحتقار. نعم إن روايات مؤرخيهم تشعر أن هناك شعباً ظالماً نذلاً فاسداً ولكن لم يبق غيرهم باقين عَلَى شيءٍ من مدنية بجانب الغرب الذي عاد فأصبح بربرياً فهم الذين حفظوا الحضارة القديمة ونقلوها إلى اسم أوربا الحديثة وبذلك شغلوا مكانة عالية في تاريخ العالم الممدن وإليك ما أنوه من الأعمال عَلَى سبيل الإيجاز: ١ ً - حفظوا من التشذيب القوانين الرومانية التي لا تزال في كثير من الموضوعات القاعدة التي تجري عليها الشعوب الممدنة. ٢ ً - أنقذوا صناعات القديمة وكانت تضيع آثار كتاب اليونان لولا المخطوطات التي حفظها أدباء القسطنطينية وكهنتها فالبيزنطيون كانوا خزنة كتب الجنس البشري. ٣ ً - أنشئوا صورة عظمى من صور الصناعة وعلى الأقل في الهندسة ونعني بذلك الصناعة البيزنطية. ٤ ً - أسسوا كنيسة نصرانية نصرت العالم السلافي كله تقريباً. ٥ ً - قدمت الشعوب البربرية في أوربا الشرقية مثالاً من أمثلة المدنية ولاسيما الروس فإنهم طالما أعجبوا بالبيزنطية واحتذوا مثالها وما البيع الروسية إلا كنائس بيزنطية وألف باء اللغة الروسية مؤلفة من حروف يونانية والدين الروسي هو الكثلكة الرومية حتى أن أسماء العماد يونانية (اسكندر. ميخائيل. باسيل. حنة) وأخذ الشعب الروسي (وهو اليوم يناهز المئة مليون نفس) دع عنك الصربيين والبلغاريين عن بيزنطية كتابه وديانته وصنائعه. وعلى الجملة فقد كان البيزنطيون معلمي الصقالبة كما كان الرومان معلمي الجرمان. مملكة العرب الخلافة الخلفاء - فتح المحاربون العرب في أقل من قرن ( ٦٣٠ - ٧١٣ ) بلاد آسيا حتى بلغوا نهر السند وجميع أفريقية الشمالية وأسبانيا وخضعت البلاد التي فتحت للخليفة زعيمهم أمير المؤمنين خليفة الرسول وأقام الخليفة أولاً في المدينة المنورة مدينة الرسول ( ٦٣٠ - ٦٦٠ ) ثم في دمشق ( ٦٦٠ - ٧٥٠ ) ثم في بغداد عَلَى عهد العباسيين وعند ذلك تجزأت المملكة فصار الخلفاء ثلاثة في ثلاث عواصم: بغداد في أسيا والقاهرة في أفريقية وقرطبة في إسبانيا دع عنك الولايات المنتفضة (مثل خراسان ومراكش) التي لم تكن نخضع لخليفة قط. والقاعدة أن ينتخب المؤمنون خليفة بإلهام من الله. قال يزيد للناس عندما بويع له: أيها الناس إني أعاهدكم أن لا أقيم قصراً ولا أجمع من حطام الدنيا فإذا قمت بوعدي فعليكم أن تبذلوا لي طاعتكم وتدافعوا عني بأنفسكم وإلا فأنتم في حل من بيعتي ولكن عليكم أن تذكروني أولاً فإذا صلحت فاقبلوا معاذيري وإذا عرفتم برجل خبرتم أخلاقه بقوم لكم بما أقوم فاختاروه وأنا خاضع له. وفي الواقع فإن انتخاب الخليفة كان حراً خالصاً فتختار الأمة الخلف الذي يعينه الخليفة السابق أو رؤساء القواد في قصر الخليفة. الحكومة - كانت الحكومة ساذجة للغاية. متوارثة خلفاً عن سلف وعلى الخليفة كل جمعة أن يصعد المنبر ويخطب الناس ويعظهم ثم تركت هذه العادة وكان عليه أن يستقبل القوم جالساً عَلَى عرش يحف به ذوو قرباه وأعاظم دولته ولكن خليفة بغداد جعل له وزيراً يكون له خادماً ووزيراً أول يسليه بحديثه ويغنيه ويلاعبه بالنرد وينوب عنه في الحكم. وهو أيضاً يقضي وقته في قصوره أو حدائقه بين نسائه يحف به حرس من الجند المأجور من الأجانب (ويدعونهم الخرس لأنهم لا يتكلمون العربية). وكان لكل ولاية قائد لجيشها يحكمها وكثيراً ما ينتفض الخليفة وفي كل حاضرة قاض يقضي بين المسلمين عَلَى أسرع وجه بدون كتابة ولا معاملة وذلك بمراعاة أحكام القرآن والعدل. ويقال عدل قاض يريدون به العدل الموجز. وكانت العرب كالرومان يتركون الشعوب الخاضعة لهم متمتعين بحقوقهم ومحاكمهم بل أساقفتهم (وكان في خلافة بغداد وحدها ٢٥ أسقفاً مطراناً) ويتركون المسيحيين يقومون كما يشاءون بشعائرهم الدينية مكتفين منهم بتأدية الجزية فقط وأن يحترموا المسلمين وأن لا يحملوا السيف ولا يبيعوا الخمر ولا يقرعوا نواقيسهم كثيراً ولا يتلون أناجيلهم بصوت جهوري. المذاهب - لما كان بين الشعوب المختلفة التي دانت بالإسلام كثير من الاختلاف في الأخلاق لا يتأتى معه أن يقوموا بواجباتهم عَلَى مثال واحد انقسموا إلى عدة مذاهب فقدماء المؤمنين في العادة ولاسيما العرب منهم يؤمنون مع القرآن بأحاديث الرسول وما أُثر عن أصحابه وآله فيعززون الكتاب بالسنة ومنهم اشتق اسمهم أهل السنة. لا جرم أن هذه الأحاديث التي قبلت بسائق سرعة التصديق المعهودة في الشرقيين لا يرد عهدها إلى محمد (فقد أقر أحد الوضاعين الذي قتل سنة ٧٧٢ بأنه وضع ٤٠٠٠ حديث) ولكنها مع ذلك من أصل عربي. إما المذهب المناقض لهذا فقد تالف بعد مقتل علي فأبى أهله الاعتراف بخلفاء الأمويين في سورية ونبذوا الحديث وزعموا أنهم يتمسكون بالقرآن فدعا العريقون في الإيمان هؤلاء المخالفين شيعة أو رافضة وكان معظمهم قد أسلوا حديثاً وأكثرهم من الفرس فمزجوا الإسلام ببقايا دين زردشت القديم وادخلوا فيه حكايات واحتفالات ومعتقدات تكرهها العرب وجعل أكثرهم استنارة بكثرة تفسير القرآن وفلسفة مجازية من الدين مثل صوفية الفرس حتى لقد شبهوا هؤلاء بالإباحيين وكان من أمر السواد الأعظم كرهاً بالأمويين أن اتخذ من أخلاف علي ختن الرسول آل بيت إلهي وقالوا أن الخليفة غاصب وأن الزعيم الحقيقي من آل بيت علي وفيه السر الإلهي وهكذا جاء اثنا عشر إماماً عاشوا خاملين في المدينة ثم انقرض آل البيت فكانوا يتوقعون زمناً خروج الثاني عشر وهو محمد من مغارة بالقرب من بغداد حيث كان مختبئاً عَلَى ما يقولون ومنذ ذاك العهد أخذوا ينتظرون إماماً يأتي ذات يوم لمقاومة الشر بمعونة عيسى ويلقي السلام عَلَى الأرض وفي كل مساء يضرعون إليه أن يظهر قائلين تمثل لنا أيها الإمام فإن الإنسانية في انتظارك لأن الحق والعدل هلكا والأرض ملئت جوراً وظلماً. وهذا المسيح يسمونه المهدي (أي الرجل الذي يسوقه الله) وقد ظهر كثير من المهديين منذ القرن العاشر ولاسيما بين مسلمي أفريقية وأنشأ أحدهم خلافة في القاهرة وأسس آخر دولة الموحدين في مراكش وقام لعهدنا مهدي جديد آخر في السودان ( ١٨٨٤ ). المدنية العربية منشأ المدنية العربية - كان الإسلام كالنصرانية مباحاً الدخول فيه لكل إنسان فإذا اسلم المغلوب يدخل في زمرة المؤمنين وكانت العرب الخلص في الصدر الأول التي تدعو أنفسها السود تحتقر هؤلاء الداخلين في الإسلام المدعوين بالحمر السبال ولكن الخلفاء وضعوا مبدأ المساواة قال عمر من الظلم أن يحتقر المرء أخاه المسلم. وقد أخذ الروم والفرس ممن دخلوا في الإسلام لو ظلوا عَلَى دينهم وهم أعراق في المدينة يتكلمون بالعربية ومزجوا عاداتهم بعادات الفاتحين وخرج العرب متوحشين من قفارهم فتحضروا كما كان شان الرومان قديماً وراحوا يمدنون الشعوب البربر التي مازالت عَلَى توحشها في أفريقية كما مدنت رومية بربر إسبانيا وغاليا. بغداد وقرطبة - هذه المدنية العربية التي نشأت في الشام وفارس هي شرقية محضة فقد اقتدى خلفاء دمشق بملوك فارس فكانوا يأوون إلى قصورهم المبلطة بالمرمر الأخضر وفي وسط الفناء حوض عظيم يفيض فيسقي حديقة غاصة بالطيار وحوله عبيده يغنون فيشرب شراباً بماء الورد وكانت العاصمتان اللتان أسسهما الخلفاء وهما بغداد وقرطبة أحسن حالة فإن بغداد مدينة العجائب أنشئت في بضع سنين وكان لها أربعة أبواب من حديد تحيط بها قبة مذهبة وكان عَلَى الداخل للوصول إلى القصر أن يجتاز ثلاثة ميادين وثلاثة أبواب وكان القصر مدينة مغلقة وسط المدينة. وفي ردهة الاستقبال شجرة ذهب أغصانها الحجار الثمينة واسود مقيدة وأحواض ومياه منبجة ترطب الهواء وكان لخلفاء القاهرة حديقة أشجارها من ذهب وأزهارها من الجوهر وبلاطها من الزمرد. قالوا أنه كان في قرطبة في القرن العاشر مئة ألف دار وستمائة جامع وثمانون مدرسة وثلثمائة حمام وثمانية وعشرون ربضاً. وقد سميت الراهبة هروسويسا الألمانية مدينة قرطبة بجوهرة العالم وكان الخليفة في قرطبة كما في بغداد يستدعي الشعراء والمغنين ويعيدهم مملوءة حقائبهم من الذهب. ولأغنياء التجار أيضاً حدائق مملوءة بالزهور والشجار العطرة والبسط الفاخرة وأقمشة الحرير وآنية الفضة وطيوب بلاد العرب التي يحرقونها في مجامر ذهب. وهكذا بذخ الشرقي يرغب في الثمين الفاخر أكثر من رغبته في الموافق السهل. الزراعة - من أول واجبات الحكومة أن تفتح الترع اللازمة لزراعة الأرض. وهذه كانت قاعدة أمراء العرب التي جروا عليها وحفروا الآبار وجازوا من عثروا عَلَى الينابيع بالمال ووضعوا المصطلحات لتوزيع الماء بين الجيران فإن مصر والشام وبابل هي من البلاد الحارة التي تخصب وأي خصب عندما يسقونها قد علمت العرب قيمة الماء وطريقة الانتفاع منه فنقلوا إلى إسبانيا أسلوب النواعير التي تمتح الماء والسواقي التي توزعه. وإن الهورتا (؟) في ضواحي بلنسية وهو سهل مزروع كما تزرع الحديقة هو من بقايا حومة العرب وديوان المياه الذي كان يفض مسائل السقيا نظمته العرب. وقد استعملت العرب جميع أنواع الزراعة التي وجدوها في مملكتهم وحملت كثيراً من النباتات إلى صقلية وإسبانيا وربوها في أوربا فأحسنوا تربيتها حتى لتظنها وطنية وذلك مثل الأرز والزعفران والقنب والمشمش والبرتقال والكباد والنخل والهليون والبطيخ الصفر والعنب العطر والورد الزرق والصفر والياسمين بل والقطن والقصب وقد دخل هذان الصنفان منذ اكتشاف أميركا. الصناعة - وجدت العرب في الشام وفارس صناعات قديمة نقلت إلى جميع البلاد الإسلامية فتكملت ومنها نشئت صناعة أوربا الحديثة. وكانوا يعملون في معامل الزجاج في بغداد والشام زجاجاً معمولاً بالياقوت والصدف وتخرج من معامل الأسلحة العربية الفولاذ العجمي واليطقانات المنحنية في البصرة والسيوف في اليمن ثم أخذت سورية تصنع النصال الدمشقية المشهورة وإسبانيا السيوف المسقية في طليطلة. ويحوكون في جبال آسيا الصغرى السجاد من صوف ذي وبر. وفي دمشق قماش الدمسكو وأقمشة القصب وأقمشة الحرير والصوف الدقيقة ويصنع الشاش في الموصل. وقد انتقلت الرسوم العجمية التي كانت تزدان بها هذه الأقمشة من طيور وأسود وفيلة وحيوانات ونباتات يتخيلونها (ويرد عهد بعضها إلى الآشوريين) إلى تزييناتنا الحديثة وكان يعمل الورق في سمرقند وبغداد منذ القرن العاشر وربما قلدوا في صنعه الصينيين ومن هاتين العاصمتين انتقلت صناعة الورق إلى صقلية وكساتيفا (؟) في إسبانيا. وكانت في الغرب معامل الجلد الشهيرة وهي مثال الجلد القرطبي (الكوردواني) نسبة لقرطبة (ومن هنا اشتق بالإفرنجية اسم كوردونية أي صانع الأحذية) كما يصنع السختيان (الماروكين) نسبة إلى مراكش. ويعمل في بغداد السكر الذي كان اخترع في بلاد الفرس وكانت العرب تحسن عمل المربيات والشربة والخمور الناشفة وروح الورد. التجارة - عاش الشعوب في بلاد العرب الواسعة كما كانت الحال عَلَى عهد الرومان من أقصى المملكة إلى أقصاها بسلام وراحة يتقاضون حاصلات أرضهم ومصنوعات معاملهم ويرحلون إلى الهند والصين يبتاعون مصنوعات الأمم الصناعية ليحملوها إلى الشعوب البربرية في أوربا وكانت الصنائع تنقل في البحار عَلَى مراكب وفي البر عَلَى ظهور الجمال وللعرب مرفآن تجاريان عظيمان متصلان بالعاصمتين أحدهما البصرة عَلَى خليج فارس كان يفتح للعرب بحر الهند وهناك تفرغ مراكب العرب وهي قادمة من الهند تحمل العطور والأباريز والعاج وتجيء الجنوك الصينية تحمل جميع صمغ اللك والحرير وتعود بالزجاج والسكر وماء الورد والقطن. والإسكندرية هي المرفأ الثاني فتحت عَلَى العرب طريق البحر الرومي وإليه كانت تصل مراكب إيطاليا فالبصرة مرفأ بغداد والإسكندرية مرفأ القاهرة. وتسير القوافل من بغداد إلى كل ناحية فمن الجنوب الغربي تقصد إلى دمشق وسورية وإلى الشرق نحو البصرة والهند ومن الشمال إلى طربزون عَلَى البحر الأسود حيث كانت تحمل بضائع المملكة البيزنطية وإلى الشمال الشرقي إلى سمرقند وبحر الخزر حيث كان يذهب التجار ليأخذوا جلود روسيا وشمعها وعسلها. وكانت القوافل من القاهرة تسير إلى الغرب في الطريق العظيم الذي يحاذي البحر عَلَى طوله ماراً بطرابلس والقيروان لينفذ من طنجة التي كانت تصل إليها تجارة إسبانيا ومن الجنوب طريق يصعد منها إلى النيل حتى بلاد السودان وآخر يسير عَلَى الشاطئ الشرقي من أفريقية حيث أنشأت العرب مقدشو وكلوة وسفالة. ومن هذه الجهة كان يجيء التبر والعاج والعبيد. وكان في جميع المدن العظمى كبغداد والقاهرة ودمشق والقيروان وطنجة وقرطبة وسمرقند حي للتجارة (البازار) يعرض فيه التجار أمتعتهم ويتفقون عَلَى الأسعار. العلوم - يقول المثل العربي من سار في طلب العلم سهل الله له طريق الجنة وكثير من الرجال من ساحوا أشهراً في طلب حديث روي عن الرسول وبالحقيقة أن المسلم يعنى عناية خاصة بعلم الكتاب وفي البلاد الإسلامية كما في المسيحية يفضلون تعلم الفقه. فقد كان الطالب في مدارس قرطبة يقضي أربع سنين في تعلم قراءة القرآن وثمان سنين في حفظه ثم يتعلمون الكتابة وهكذا كان يتخرج العلماء وهم علماء في الفقه والكلام إذ ليس القرآن قانوناً دينياً فقط بل هو قانون مدني. ومن دراسة تراكيب القرآن نشأ علم النحو وما برح المسلمون يبرحون من العلوم الكلام والفقه والنحو وكان في الحواضر مدارس يجتمع إليها من يرغبون في التعلم أو التعليم وهؤلاء الأساتذة المرتجلون كانوا يلقون دروسهم علناً بدون مقابل أو لقاء رواتب يدفعها عليهم الحضور. وأنشئت في القرن العاشر في بغداد ودمشق وسمرقند مدارس كلية حقيقية تدفع الحكومة رواتبهن. وحفظت في مدارس الروم في دمشق والإسكندرية علوم الروم من فلك وجغرافيا ورياضيات وطب فجمع علماء الإمبراطورية البيزنطية رومهم وعربهم وفرسهم هذه العلوم وأكملوها ونشروها وقد كتب أحد علماء العرب أول كتاب في الجبر ترجم إلى اللاتينية ووصف جغرافيو العرب البلاد البعيدة التي كانت القوافل تختلف إليها. واستخرجت العرب من كتب الطب اليوناني الطب التجريبي الذي كان المعول عليه في القرون الوسطى وهو طب العقاقير والحبوب وكانوا كاليونان يبحثون عن داء يشفي من كل الأوصاب ولكن أهم ما غلب عَلَى العرب من علوم علم الكيمياء وكان يحببه إليهم أمران مرغبان لعقل الشرقي وهما العثور عَلَى حجر الفلاسفة الذي يحول جميع المعادن إلى ذهب والإكسير الذي يعطي الحياة ويعيد الشباب وكانوا يحاولون إخراجها بمزج كل مادة وإغلائها وتقطيرها فوقع الكيماويون في أنابيقهم وأدوات استخراجهم ما لم يكونوا يبحثون عنه فبدلاً من الإكسير حصل معهم الألكحول ( ١٦٦٩ ) ثم بعد زمن بينا كانوا يبحثون عن حجر الفلاسفة وجدوا في ألمانيا الفوسفور. وظلت الكيمياء وهماً ولكن نشأت منها الكيمياء الحديثة كما نشأ قديماً في بلاد الكلدان علم الفلك من علم التنجيم. فنون العرب - لم يكن للعرب كما للرومان صناعات وطنية خاصة بهم فكانوا إذا احتاجوا إلى قصور أو جوامع يعمرونها أولاً عَلَى الطراز الفارسي أو البيزنطي مثل جامع دمشق ولكن لم تلبث الصناعات الفارسية والبيزنطية أن اختلطت ونشأ منها صناعة جديدة هي الصناعة العربية وأجمل هذه الصناعات الجوامع والقصور والجامع عبارة عن قاعة كبرى يجتمع فيها المؤمنون وفي الفناء حوض ماء يتوضئون منه ومأذنة تنتهي بسطح ومنه ينادي المؤذن المؤمنين للصلاة وكانت القاعة العظمى في قرطبة تنقسم إلى أحد عشر صفاً من السواري والقصر العربي هو بيت نزهة يكون بحسب عادة البلاد الحارة ولا يبدو منه إلى الخارج إلا حوائط عارية. والقاعات كما في الدور القديمة متجهة نحو فناء (صحن) داخلي معروس بالأشجار ويرطب هواءه حوض ماء وفي صحن الأسود في قصر الحمراء في غرناطة ينبجس الماء من كأس عظيمة من الرخام الأبيض يحملها اثنا عشر أسداً من الرخام الأسود والفناء يحيط به من الشواطئ سوار يتألف منها رواق والسواري العربية رقيقة عالية عَلَى مثال الهندسة الفارسية فلا تحمل إلا حوائط رقيقة خفيفة من الجبس أو الملاط والقناطر التي تجمع بين السواري هي عَلَى شكل رسم البيكارين أو هلال أو قرن فهي هندسة جميلة خفيفة سريعة العطب كأنها أصحاف كتاب بالمقوى. وليس للعرب نقش ولا تصوير لأن القرآن حرم عليهم تمثيل الأشخاص فبدلاً من التماثيل والصور تصوروا أن يصوروا الحوائط بألوان زاهية وأكاليل من الزهر والورق وآيات من القرآن وأشكال هندسية مشتبكة وهذه الزين التي أصبحت عَلَى الدهر مختلطة مرتبكة لا أصل لها إلا في خيال رساميها قد حفظت أسماء مخترعيها فقالوا عنها أرابسك أي النقوش عَلَى هيئة النباتات والأوراق. مخطوطات ومطبوعات المجموع المشتمل عَلَى الدرر كما قيض الله سبحانه رجالاً في الهند لنشر مذهب السلف بطبع كتب الحديث وسننه ومسانيده وأجزاءه وكتب عقيدتهم الصحيحة كذلك أتاح لذلك رجالا من البحرين ومصر وجدة لا يألون جهداً في السعي وراء إحياء آثار السلف وبعثها من مراقد الإهمال الذي قضى عليها ضعف العلم في العصور الأخيرة. ومنهم الشيخ عبد القادر التلمساني الصل نزيل مصر فقد طبع في مصر الصارم المنكي، والكافية الشافية، وكتاب الفرقان بين أولياء الرحمن وأولياء الشيطان، وجزء رفع اليدين، وجزء القراءة خلف الإمام، وغاية الأماني وآخر ما نشره مجموعة كتب من ألطف الكتب وأنفسها يودكل نهم بالعلم لان يقف عليها ويتمتع بفوائدها. اشتمل هذا المجموع - الذي طبع بمطبعة كردستان بأجمل ورق وألطف حرف - عَلَى تسعة مؤلفات (الأول) كتاب الرد الوافر عَلَى من زعم أن من سمى ابن تيمية شيخ الإسلام كافر للإمام حافظ الشام ناصر السنة محمد بن أبي بكر المعروف بابن ناصر الدين الشافعي المتوفى عام ( ٨٤٦ ) جاء كتابه هذا في ( ١٣٦ ص) بالقطع الكامل افتتح خطبة كتابه بما ورد إتباع السنة واجتناب البدعة ثم نعى عَلَى المكفرين والمضللين وإن كل هؤلاء ركب هواه، فابتدع ما أحب وارتضاه وناظر أهل الحق عليهن ودعاهم بجهله إليه، وزخرف لهم القول بالباطل فتزين به وصار ذلك عندهم ديناً يكفر من خالفهن ويلعن من باينه، وساعد عَلَى ذلك من لا علم له من العوام، ويوقع به الظنة والإيهام، ووجد عَلَى ذلك من الجهال أعواناً، ومن أعداء العلم أخدناً، إتباع كل ناعق لا يرجعون فيه إلى دين، ولا يعتمدون عَلَى يقين، وقد رجوا به الرئاسة، وتزينوا به للعامة. وما ألطف قوله بعد ذلك عن الناطق بالتكفير، عن هذا القول الشنيع قد أبان قدر قائله في الفهم، وإن فصح عن مبلغه من العلم، وكشف عن محله من الهوى، ووصف كيف إتباعه سبيل الهوى، ولا يرد بعد روايته عنه ونسبته إليه كلام الإنسان عنوان عقله يدل عليه. وقد استقرأ من ترجم شيخ الإسلام ابن تيمية من مشاهير الأعلام ما يقرب تسعين إماماً مشهوراً وقد ذيل الكتاب بتقاريط أقران المؤلف ومعاصريه كالحافظ شهاب الدين ابنة حجر شارح الصحيح وأَضرابه. ولمؤلفه الإمام ابن ناصر الدين شهرة كبيرة لقب بخاتمة حفاظ الشام وكان من أعلام القرن التاسع. (الكتاب الثاني) القول الجلي في ترجمة الشيخ تقي الدين بن تيمية الحنبلي لصفي الدين البخاري الحنفي ذكر فيه كلام الأئمة الأخيار في الثناء عَلَى الشيخ، ثم عقيدة الشيخ السلفية ثم ما وافق كلامه كلام من تقدمه من السلف والخلف، ثم الجواب عما أنكروه عَلَى الشيخ، ثم ما اختاروه الحنابلة من تسمية أنفسهم أهل الأثر لا الأشاعرة ولا ماتريدية وتصويبهم في ذلك، ثم ذكروا وفاة الشيخ وبعض ما قيل في رثائه وهذا الكتاب كان طبع عَلَى حاشية المحاكمة بين الأحمدين. (الكتاب الثالث) الكواكب الدرية في مناقب الإمام المجتهد شيخ الإسلام ابن تيمية للشيخ مرعي الحنبلي أورد فيه ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية مسهبة، وسرد وقائعه مع الجامدين في عصره وتواريخ سعايتهم به إلى السلاطين والنواب، ثم من انتصر للشيخ من علماء البلاد ثم ما رثي به بعد وفاته من القصائد وعدتها خمسة عشرة والكتاب من أجمل الكتب التي جمعت سيرة الشيخ ومناقبه وقد طبع عن نسخة بخط السيد محمود شكري الآلوسي الحسيني أحد علماء العراق. (الكتاب الرابع) كتاب تنبيه النبيه والغبي في الرد عَلَى المدارسي والحلبي لأحمدين إبراهيم بن عيسى النجدي وكان رأى كتاباً لشخص يلقب بالمدراسي من أهل مدارس استمد ما جمعه مما كتبه الحلبي في رده عَلَى شيخ الإسلام ابن تيمية وعلى شمس الدين الحافظ الذهبي في متاب العرش وكتاب العلو وحاول تأييد مذهب الجهمية عَلَى مذهب السلف وحذا حذو أولئك المؤولين الجامدين فأوسع من التأويل والحشو المعروف لهم فكر عليه هذا العالم النجدي ودحر شهادته أجمع وتبلغ صفحاته قريباً من مائتينيوتسعين بالقطع الكامل ويجد فيه مجادل الحشوية في المسائل السلفية مادة كبرى. (الخامس) رسالة في زيارة القبور تأليف الحجة محي الدين البركوي أحد أولياء علماء الأتراك الشهيرين وصاحب لطريقة المحمدية وغيرها من المؤلفات ثم رسالته هذه في زيارة القبور وجمع من النقول في ذلك عن السلف والخلف وعن فقهاء المذاهب في آداب الزيارة ومحظوراتها ما لا يوجد في كتاب غيره وهذه الرسالة كانت طبعت في الأستانة مرتين طبعاً محرفاً فطبعت في هذه المجموعة عَلَى نسخة مصححة غاية التصحيح وحقها أن تكون أماً يعارض بها كل مطبوع قبلها. (الخامس) عقيدة الشيخ الإمام موفق الدين ابن قدامة وهي من أنفس المختصرات في بيان عقيدة السلف. (السادس) كتاب ذم التأويل للإمام موفق الدين المنوه به قبل أورد فيه مذهب السلف من الصحابة والتابعين في أسماء الله وصفاته ليسلك سبيلهم من أحب لاقتداء بهم. وقد تخلل هذه المجموعة البديعة منظومة للحجاوي الحنبلي في تعداد الكبائر ومنظومة في عقيدة أهل الأثر لأبي خطاب الحنبلي، وكلها نفائس وغرر، جديرة أن تلقب بما لقب به بالمجموعة المشتملة عَلَى الدرر. دمشق (أبو الضياء). الاعتبار تأليف مؤيد الدولة أبو المظفر أسامة بن مرشد الكناني الشيزري بالمعروف بأبي منقذ طبع بمطبعة بريل في ليدن سنة ١٨٨٤ . لمطبعة بريل في ليدن من بلاد القاع (هولاندة) يد طولى عَلَى اللغات الشرقية عامة واللغة العربية خاصة فقد طبعت جزءاً كبيراً من كتبنا في مطبعتها ولا تزال إلى اليوم تطبع كل ما يبيض وجه الآداب والعلم. وبآخر ما اطلعنا عليه من مطبوعاتها كتاب نشره هرتويغ درنبورغ أحد علماء المشرقيات من الفرنسيس لهذا المؤلف الأمير وكانت أسرته صاحبة شيزر ولها تاريخ مجيد عَلَى عهد دخول الصليبيين إلى هذه الديار أما أسامة فكان في القرن الأول من تلك الحروب وطاف مصر والشام ورأى أهاويل وقص في هذا الكتاب - الذي ظفر ناشره بنسخة منه في مكتبة الأسكوريال ببلاد الأندلس - حكايات مهمة في شجاعة أهل تلك الأيام ونالوا من صروف الأقدار ما كانوا يألفونه من العادات والأحوال بحي أسدى الناشر إلى التاريخ ولاسيما تاريخ مصر والشام بدءاً محمودة فجاء القسم الثاني منه في ١٦٨ صفحة عدا الفهارس وأسماء الرجال والنساء والحيوان والأمم والأماكن والقبائل والأنساب التي لا يكاد كتاب من كتب علماء المشرقيات يخلو منها. ذكر ابن منقذ فرقة العرب الذين رآهم عَلَى حدود مصر قال ورأيت بهم من الضر أمراً عظيماً وقد يبست جلودهم عَلَى عظامهم قلت: إي أنتم قالوا: نحن من بني أبي. وبنو أبي فرقة من العرب من طيءٍ لا يأكلون إلا الميتة ويقولون نحن خير العرب ما فينا مجذوم ولا أبرص ولا زمن ولا أعمى وإذا نزل بهم الضيف ذبحوا له وأطعموه من غير طعامهم قلت: ما جاء بكم إلى ها هنا قالوا: لنا بحسمى كثول ذرة مطمورة جئنا نأخذها قلت: وكم لكم هنا قالوا: من عيد رمضان إنا ها هنا ما رأينا الزاد بأعيننا قلت: فمن أين تعيشون قالوا من الرمة يعنون العظام البالية الملقاة ندقها ونعمل عليها الماء وورق القطف شجر بتلك الأرض ونتقوت به قلت: فكلابكم وحمركم قالوا الكلاب نطعمهم من عيشنا والحمير من الحشيش قلت: فلم لا دخلتم إلى دمشق قالوا: خفنا الوباء ولا وباء أعظم مما كانوا فيه وكان ذلك بعد عيد الأضحى فوقفت حتى جاءت الجمال وأعطيتهم من الزاد الذي كان معنا وقطعت فوطة كانت عَلَى رأسي أعطيتها للمرأتين فكادت عقولهم تزول من فرحهم بالزاد وقلت: لا تقيموا ها هنا يسبوكم الإفرنج. وذكر أنه سار مع أخيه من دمشق يقصد هو وأصحابه إلى عسقلان يريدون الغارة عَلَى بيت جبريل وقتالها فاجتمع الإفرنج من تلك الحصون وقال: وهي كلها متقاربة وفيها خيل كثير للإفرنج لمغادرة عسقلان ومراوحتها. وذكر من جملة كلام له في مسيره من مصر إلى الشام أنه وصل جبال بني فهيد في وادي موسى وطلع في طرقات ضيقة وعرة إلى أرض فسيحة ورجال وشياطين رجيمة من ظفروا به منفرداً قتلوه وتلك الناحية لا تخلو من بعض بني ربيعة الأمراء الظائيين فسألت من ها هنا من الأمراء من بني ربيعة قالوا منصور بن غدفل. وذكر أنه أخذ أماناً من الإفرنج وأرسل عياله وأشغاله من دمياط إلى عكا في بسطة من بسط الإفرنج فهب هؤلاء ما مع عياله وكان نحو ثلاثين ألف دينار قال وهو مما يدل أنه كان من غلاة الكتب: وحرمنا ذهاب ما ذهب من الملل إلا ما ذهب لي من الكتب فإنها كانت أربعة ألف (آلاف) مجلد من الكتب الفاخرة فإن ذهابها حزازة في قلبي ما عشت. وقال فهذه نكبات تزعزع الجبال تفني الأموال والله سبحانه يعود برحمته ويختم بلطفه ومغفرته وتلك وقعات كبار شهدتها مضافة إلى نكبات نكبتها سلمت فيها النفس لتوقيت الآجال وأجحفت بهلاك المال وكان لبين هذه الوقعات فترات شهدت فيها من الحروب مع الكفار والمسلمين مالا أحصيها سأورد من عجائب ما شاهدته ومارسته في الحروب ما يحضرني ذكره وما النسيان بمستنكر لمن طال عليه ممر الأعوام وهو وارثة ابن آدم من أبيهم عليه الصلاة والسلام. وذكر ما وقع عَلَى أفامية مما دل عَلَى أنها غير حماة وذكر بالقرب منها وادي أبي ميمون وذكر رفنية وكان أتابك حاصرها ومما قاله في أفامية فلقينا فارسهم وراجلهم في الخراب الذي لها وهو مكان لا يتصرف فيه الخيل من الحجارة والأعمدة وأصول الحيطان والخراب. وشهد للإفرنج الصليبيين بالشجاعة ومما قاله بالحرف: والإفرنج خذلهم الله ما فيهم فضيلة من فضائل الناس سوى الشجاعة ولا عندهم تقدمة ولا منزلة عالية إلا للفرسان ولا عندهم ناس إلا الفرسان فهم أصحاب الرأي وهم القضاء والحكم. وقال في وصفهم في مكان آخر: سبحان الخالق الباري إذ خبر الإنسان أمور الإفرنج سبح الله وقدسه ورأى بهائمك فيهم فضيلة الشجاعة والقتال لا غير في البهائم فضيلة القوة والحمل وقال: إن الإفرنج قوم تبلدوا وعاشروا المسلمين فهم من أصلح القريبي العهد ببلادهم ولكنهم شاذ لا يقاس عليه فمن ذلك أنني أنفذت صباحاً إلى أنطاكية في شغل وكان بها الرئيس تادرس بن الصفي وبيني وبينه صداقة وهو نافذ الحكم في أنطاكية فقال لصاحبي يوماً قد دعاني صديق لي من الإفرنج قد تجيء معي حتى ترى زيهم قال فمضيت معه فجئنا إلى دار فارس من الفرسان العتق الذين خرجوا في أول خروج الإفرنج وقد أعفى من الديون والخدمة وله بأنطاكية ملك يعيش منه فاحضر مائدة حسنة وطعاماً في غاية النظافة والجودة ورآني متوقفاً عن الأكل فقال: كل طيب النفس فأنا ما آكل من طعام الإفرنج ولي طباخات مصريات ما آكل إلا من طبيخهن ولا يدخل داري لحم خنزير فأكلت وأنا محترز وانصرفنا. وذكر قضية له معهم وهو أنهم سرقوا خرافاً من قطعان المسلمين ووصف كيف تشاور الفرسان بأمر الملك منهم وحكموا بالغرامة عَلَى صاحب بانياس وهو منهم فأخذ منه أربعمائة دينار. ومما ذكره أن الطور كانت ولاية لمصر بعيدة كان الحافظ لدين الله رحمه الله أن أراد إبعاد بعض الأمراء ولاه الطور وهو قريب من بلاد الإفرنج. ومما رواه أن حصن مصياف كان لابن منقذ عم صاحب كتاب الاعتبار وكانوا يقاتلون الأتراك أو الإفرنج مما دل عَلَى أنه كزان في البلاد أتراك ولعلهم سكان مرعش وغيرها من أعمال ولاية حلب اليوم. هذه نموذجات من الكتاب وهو يصور الصليبيين ومبلغ انحطاطهم إذ ذاك في سلم المدنية حتى أنه ذكر أن أحد رجال الصليبيين دخل الحمام في المعرة فاستعمل له ما يستعمله الرجال لتنظيف الشعر فأتى بالغد بابنته الشابة يريد الحمام أن يعمل لها ما عمل له وذكر أموراً من مثل هذه غريبة ووصف قومه وصفاً دل عَلَى أن الفروسية هي جماع فضائل المشارقة والمغاربة في القرون الوسطى ولا يمتازون الأولون عن الآخرين إلا ببعض العادات الحسنة والمدنية التي تعد شيئاً بالنسبة لتلك الأعصر. ذيل تاريخ دمشق لأبي يعلى حمزة بن القلانسي المعروف بذيل تاريخ دمشق طبع في بيروت سنة ١٩٠٨ لعلماء المشرقيات فضل كبير عَلَى العلم والتاريخ والآداب العربية لا ينكره عليهم إلا مكابر أو جاهل ومما أحيوه بالطبع هذا الكتاب أحياء الأستاذ أميدروس الإنكليزي طبعه في بيروت في مجلد لطيف وأخذ إلى الغرب جميع نسخه ووقعت له بعض أغلاط وتحريفات لا يكاد يخلو منها كتاب نشر حديثاً ولكن الفوائد والحسنات أكثر من غيرها يستفاد منه أمور كثيرة لم نقع عليه في تاريخ قبله وهو مرتب عَلَى السنين وأهم فصوله ما كان متعلقاً منها بأمور الدولة الفاطمية في الشام ومصر والقسم الأخير من الكتاب متعلق بأخبار الحروب الصليبية وربما كان فيها تفصيل بعض الوقائع التي ألم بها صاحب الروضتين وأخبار الدولتين وصاحب الفتح القدسي إلماماً خفيفاً لأن المؤلف كان قبلهما ووصف كيف انهال الصليبيون الأول عَلَى هذه الديار من أوربا قاصدين إلى آسيا الصغرى فبلاد الشام. وتوفي ابن القلانسي سنة ٥٥٥ هـ بدمشق وكان تولى رئاستها مرتين وهو من بيت وجاهة وفضل نقل عنه كثير من ثقات المؤرخين أمثال الذهبي وابن الأثير وله شعر رائق ذكره ابن عساكر في تاريخ دمشق ودفن في سفح قاسيون. وكتابه هذا وصل به ما قاله هلال الصائبي في تاريخه واختصر عباراته واخذ منها ما يتعلق بتاريخ الشام عامة ودمشق خاصة. وقد توسع المؤلف في الكلام عَلَى عادات أهل هذه البلاد وأصولهم وحكامهم وأحكامهم ودرجة عمرانهم وما أصاب البلاد من الأحداث الجوية والأرضية ولاسيما في زمنه وما نال هذه المدينة من عيث المغاربة والمصامدة وهم جيش الفاطميين كما نالها في عهد العثمانيين من مظالم اليكي جرية (الإنكشارية). ويستفاد من هذا التاريخ أن ولاية الفاطميين عَلَى دمشق كانت إلى الشقاء وكثرت فيها المصادرات وتغيير الولاة التي تبعث بهم مصر فلا يلبثوا أن يصلوا حتى يصدر إليهم الأمر بالعودة وقد زاد الناشر بالكتاب فوائد مهمة بأن حلاه بحواشٍ نقلها عن كتب تاريخية مخطوطة مثل تاريخ الإسلام للحافظ الذهبي وتاريخ الأزرقي وتاريخ سبط ابن الجوزي ومما نقله عن تاريخ سبط ابن الجوزي فو حوادث سنة ٤٦٧ أن أتسز (ابن أوق مقدم الأتراك في دمشق الذي أبطل الأذان بحي عَلَى خير العمل من هذه الحاضرة) عاد إلى دمشق ولم يبق بها من أهلها سوى ثلاثة آلاف إنسان بعد خمسمائة ألف أفناهم الفقر والغلاء والجلاء وكان بها مائتاناوأربعون خبازاً فصار بها خبازان والأسواق خالية والدار التي كانت تساوي ثلاثة آلاف دينار ينادى عليها عشرة دنانير فلا يشتريها أحد والدكان الذي يساوي ألف دينار ما يشترى بدينار وكان الضعفاء يأتون للدار الجليلة ذات الأثمان الثقيلة فيضرمون بها النار فتحرق ويجعلون أخشابها فحماً يصطلون به وأكلت الكلاب والسنانير وكان الناس يقفون في الأزقة الضيقة فيأخذون المجتازين فيذبحونهم ويشوونهم ويأكلونهم ولامرأة داران قد أعطيت قديماً في كل دار ثلاثمائة دينار أو أربعمائة ولما ارتفعت الشدة عن الناس ظهر الفأر فاحتاجت إلى سنور فباعت أحد الدارين بأربعة عشر قيراطاً واشترت بها سنوراً اهـ. وهذا الوصف العجيب المتعلق بتاريخ عمران هذه القاعدة لم يذكره فيما أطلعنا عليه أحد المؤرخين وقد اكتفى ابن الأثير فو حوادث سنة ٤٦٨ بقوله أنه غلت في دمشق الأسعار حتى أكل الناس بعضهم بعضاً وعدمت الأقوات فبيعت الغرارة (ثمانون مداً من القمح) إذا وجدت بأكثر من عشرين ديناراً. وإنشاء ابن القلانسي جيد وفكره خال من خرافات عصره ولا غرو فالمؤرخين ملقحة بالسداد وأفكارهم مهما انحطت عصورهم يكونون أرقى منها بمراحل خصوصا من كان منهم قريباً من الاختلاط بالناس وأرباب الرحلات وسبق له أن تولى أمور الناس ولم يكتف بالدرس في المدارس أمثال أبي شامة وأبي الفدا والعماد الكاتب والقاضي الفاضل وابن خلدون وابن منقذ والصابي. تاريخ آداب العرب لأبي السامي مصطفى صادق أفندي الرافعي طبع بمطبعة الأخبار في مصر سنة ١٣٣٠ - ١٩١٢ الجزء الأول صفحة ٤٤٣ مؤلف هذا الكتاب من كبار شعراء هذا العصر اشتهر بالأدب منظومه ومنثوره وقد نشر حتى الآن ديوانه في الشعر في ثلاثة أجزاء وديوان النظرات وأكثره نثر دع عنك ما أودعه بالصحف والمجلات من مقالاته وقصائده وهذا الجزء يحتوي الكلام في تاريخ اللغة العربية وتاريخ روايتها وما يداخل هذين البابين وقد بقي من التاريخ عشرة أبواب تقع في أربعة أجزاءٍ أخرى. وإذ كان للمؤلف ذوق عالٍ عال في الأدب كان إلى الإجادة في موضوعه الصعب أكثر من معظم من طرقوا هذا الباب نعم إنه لم يأت فيه بمادة جديدة ولكنه صاغ من الموجود عقداً لا بأس به وقد عرض المؤلف في من سبقوه إلى ورود حياض هذا العلم فقال أنه علم كثرت عليه الأيدي واضطربت فيه الأقلام واستبقت إليه العزائم حتى عثرت بها عَلَى عجلة الرأي ولجاجة الإقدام وقد أخصب في الأوهام حتى تفشت في واديه كل جرباء وامتزج أمره بالأحلام فلم يمس علمائه كتاب حتى أصبح قراءه أدباء عَلَى أنهم تجاذبوه انتهاباً فحاء واهياً في وثيقته وتتناكروه اهتياباً فجاء ضعيف الشبه بين ظاهره وحقيقته وما منهم إلا من يحسب أنه أمال بالقلم يده فمضى مرخى العنان مخلى له عن طريق السبق إلى الرهام إلى آخر ما ذكره في المقدمة وكله تعريض بمن خاضوا هذا البحر عَلَى حين كانت فيهم جهابذة من أدباء أهل هذا العصر أمثال حفني بك ناصف والشيخ محمد المهدي فمدح المؤلف كتابه لا يرفع من قدر الكتاب والمؤلفون كلهم طلاب حقيقة فمن داناها منهم يشكره الناس. وقد جعل المؤلف كتابه اثني عشر باباً تنطوي عَلَى جملة المأثور ويدو عليها التاريخ كما تدور السنة عَلَى عدة شهور وهذه سياقتها بعد فصلين من التمهيد في تاريخ الأدب وأصل العرب. الباب الأول في تاريخ اللغة ونشأتها وتفريعها وما يتصل بذلك. الباب الثاني في تاريخ الرواية ومشاهير الرواة وما تقلب من ذلك عَلَى الشعر واللغة الباب الثالث في منزلة القرآن من اللغة وإعجازه وتاريخه في البلاغة النبوية ونسق الإعجاز فيها الباب الرابع في تاريخ الخطابة والأمثال جاهليةً وإسلاماً الباب الخامس في تاريخ الشعر العربي ومذاهبه والفنون المستحدثة منه وما يلحق بذلك الباب السادس في حقيقة القصائد المعلقات ودرس شعرائها الباب السابع في أطوار الأدب العربي وتقلب العصور به وتاريخ أدب الأندلس إلى سقوطها ومصرع العربية فيها الباب الثامن في تاريخ الكتابة وفنونها وأساليبها ورؤساء الكتاب وما يجري هذا المجرى الباب التاسع في حركة العقل العربي وتاريخ العلوم وأصناف الآداب جاهليةً وإسلاماً بالإيجاز التاريخي الباب العاشر في التأليف وتاريخه عند العرب ونوادر الكتب العربية الباب الحادي عشر في الصناعات اللفظية التي أُولع بها كالمتأخرون في النظم والنثر وتاريخ أنواعها الباب الثاني عشر في الطبقات وشيء من الموازنات. والكتاب منسق مرتب سلس العبارة لطيف المأتى علق عليه واضعه بعض الهوامش واقل فيه من العزو للمصادر التي أخذ عنها عَلَى أن معظمها من الكتب المتداولة بالطبع وكان يرجى أن يقتبس المؤلف من المخطوطات الكثيرة في مكاتب مصر ولاسيما في دار الكتب المصرية الخديوية وبعض الكتب العربية المطبوعة في الغرب. وقد وقعت للمؤلف بعض هفوات دعا إليها عدم الرجوع إلى الأصول منذ ذلك ما جاء في ص ٧٦ في الحاشية من قوله: كان أهل الشام وحوران في ذلك العهد يؤرخون من دخول بصرى عاصمة حوران في حوزة الروم. فتراءى للقارئ أن حوران ليست من الشام وما هي إلا جزء منها فكان الأولى أن يقال كان أهل حوران بل أهل الشام الخ وفي ص ٣١٩ : كانت بلاد قرامان - لعلها القريم - مدرسة مشهورة بمدرسة السلسلة. وبلاد قرامان في بلاد الأناضول معروفة في تاريخ العثمانيين ولها ذكر كثير فيه. وبالإجمال فإنا نثني الثناء الأطيب عَلَى صديقنا صاحب هذا التاريخ ونرجو له التوفيق إلى إنجازه عَلَى ما يحب ويحب له عشاق الأدب. أخبار وأفكار فن الأكل دعا غلاء الحاجيات أحد الأطباء أن كتب في المجلة جاء فيها أن المرء إذا دقق في ميزانية طعامه يستطيع أن يقتصد منها اقتصاداً محموداً بدون أدنى ضرر يلحق صحته فيتمكن بذلك من النجاة من مخالب المضاربين بالأطعمة ممن يغنمون مثل هذه الفرص في الصعود فيغالون في مضاعفة أسعارهم ويقال عَلَى الجملة أن المرء يأكل أكثر مما تقتضيه حاجته الحقيقية وإن فيه مكيلاً إلى أن يكثر من الأطعمة الغالية ثم أن فقدان التربية البيتية تدعو إلى الإسراف حيث لا يحب. وبينا نرى الوقاد يهتم قبل كل شيء بان يعرف حق المعرفة قوة آلته المحركة وما يجب من المواد لإدارتها وما تعطيه من العمل ونرى مربي الحيوانات لا يقتصر عن درس طبيعة دوابه وما ينبغي لها من العلف وينفع أكثر في تنمية الحيوانات التي يتجربها نرى الإنسان لا يهتم بتة بوظائف أعضائه وما يجب لجسمه. ومن الأوهام الرئيسة في التغذية أن الإنسان يقوى كلما أكثر من الطعام ولذلك ترانا نحاول الإكثار ما أمكن من الأطعمة ونحمل أبناءنا عَلَى أن يقضموا ويخضموا من الطعام زيادة عَلَى رغباتهم ونشاهد الأمهات يحتلن أنواع الحيل ليجعلن من أولادهن شرهين يتناولون كميات كثيرة من الأغذية ولا يفاخرون بهم إلا إذا تناولوا كمية من الحساء بدعوى أن هذا يكبرهن. ومن الغريب أننا إذا التقينا برجل متعب في صحته وكثيراً ما يكون الإفراط في التغذية السبب في ذلك لا نلبث أن ننصح له أن يتناول أغذية مقوية وإنا إذا يحثنا في هذه المسألة عن أمم بنور التجربة والنظر الصحيح نرى أن الإقلاق من التغذية بكمية تقرب من الحد الوسط اللازم للأعضاء نتيقن أن من يعمل ذلك لا يضعف بل عَلَى العكس يقوى. فد جرب أحد أطباء الدانيمرك مدة شهرين الاقتصار من الطعام عَلَى ما رخص ثمنه وكثرت تغذيته فأصبح بعد ضعفه قوياً يستطيع التصعيد في النجاد وكان من قبل عاجزاً عن ذاك فكان يتناول في الصباح جريش الشعير مطبوخاً بالماء مضافاً إليه شيءٌ من اللبن والسكر والعنب وفي المساء يأكل في العادة قطعة بالخبز بالزبدة وسلطة من البطاطة أو البقول وكان طعام الظهر أهم الوجبات وكلها تدور عَلَى الحبوب والبقول بين سوائل وموائع وهي بكميتها أقل مما يتناوله الفرد في العادة. وحذا حذوه كثير من زبنه سائرين في ذلك عَلَى خطة اليابانيين والهنود في الإقلال من كمية طعامه فجادت صحته وقويت أعصابه وكثر نشاطه عَلَى العمل ولكنه لم يحذف اللحوم والأسمال من وجبات أكله ثم جربوها في ١١ جندياً مدة ستة أشهر فثبت منافعها بالتجارب والفحص الدقيق وكان الوقت شتاء والبرد قارساً فلم يشعروا ببرد ولم تنقص قوتهم بل زادت حتى أنهم ظلوا بعد هذه المدة سائرين عَلَى هذا النحو ثم جربها الأستاذ في جماعة من المصارعين فتبين أن قوتهم زادت كثيراً مما أدهش القائمين عَلَى هذه التجارب. وجربوا في فرنسا هذه الطريقة في رجل كان يصاب بوجع الشقيقة فلم يعتم أن شفي كل الشفاء فدام عَلَى إقلاله واقتصر عَلَى البقول والخضر وعلى القهوة والمربيات واللبن ولم يتناول شيئاً من المشروبات غير الماء الصافي وفي خلال هذه التجربة كان يرتاض بركوب الدراجة فيقطع من ٦٠ إلى ٨٥ كيلومتراً كل يوم بدون أن يشعر بتعب وقلت ساعات نومه وقويت نفسه عَلَى المشاق وسكنت أخلاقه من دون بلاهة. ويفهم من قائمة طعام الطبيب الدانيماركي الموما إليه أن اللحم قليل جداً في وجباته ثم أن الأستاذ شتيدن وصف الإقلال منه وأن الآخر كان حذف من طعامه اللبن والبيض واقتصر فقط عَلَى البقول. الجزر الطافية رأيت بارجة في صيف سنة ١٨٩٢ في عرض البحر قرب نيويورك جزيرة طافية تقدر مساحتها بألف هكتار مغشاة بالأشجار عَلَى طول الواحدة منها عشرة أمتار وبعد شهرين شاهدت هذه الجزيرة باخرة أخرى قرب ترنوف فتكون قد قطعت في مدة شهرين نحو ألف ميل بحري أي ١٨٥٢ كيلومتراً ولم يعد يراها أحد بعد. ومن المحتمل أن هذه الجزيرة قطعة من أرض ثابتة مفصولة من الشاطئ الشرقي من أميركا حملتها المياه إلى بعيد ثم غمرتها وتركيب هذه الجزر قد يحدث من ثقل المياه التي ترتفع فجاءت بتأثير المياه الغزيرة أو بسبب آخر. وتكون هذه الجزيرة في العادة ولكن منها ما هو معروف مثل الجزيرة القريبة من ويتنغام أحد بلاد ولاية ورمون. وتنشأ هذه الجزر بطبيعتها بدون يد البشر وأحياناً تكون في حر الشمال من الجليد الذي يتكسر. ومنها الصناعي ينشأ كما هو الحال في أميركا من عمارة السدود والسكور التي تحدث تغييراً غير منتظر في معدل المياه. ففي بعض البحيرات ترى جزر عَلَى سطحها ثم تغيب في أوقات معينة فإن كتلة من الحشائش قد تغمر بحيرة برمتها إلا قليلاً فإذا ارتفعت المياه تنفصل هذه الكتلة عن البحيرة ويكون منها جزيرة طافية ثم تعود المياه فتغمرها وهكذا لا ترى الجزيرة إلا إذا انحسر الماء أو يحدث سبب سابق يرفع الجزيرة فتراها العيون. الخبز عهدت الحكومة الإنكليزية إلى الدكتور هاميل أن يقدم تقريراً عن الخبز فأثبت أن الطرق الحديثة المستعملة في طحن الدقيق في مطاحن اسطوانية ليست أحسن من الطريقة القديمة في طحن الطحين بين حجرين ولكن هذه الطريقة القديمة لا تصلح لطحن حنطة أميركا الصلبة وأقام الحجة عَلَى من يدعي أن الخبز الأسمر أنفع للصحة من الأبيض وقال بتفضيل الأخير عَلَى الأول في التغذية ورأي أن يعطى الأطفال خبزاً أبيض وشيئاً من الخبز الذي لم يقطع وفيه شيء من السمرة الأصلية وذلك للأولاد الذين يجعلون الخبز أهم غذائهم لا لمن يتناول اللحم والبقول. نقل الدم كان بعض الأطباء ينقل الدم من جسم الصحيح إلى جسم العليل بواسطة أدوات لهم معروفة عندهم ولكن كان الدم المنقول لا يخلو من كدورات مضرة وقد اخترع الآن أحد الأطباء في نيويورك آلة غريبة تنقي الدم المنقول الذي يحقن به بإضافة شيء من الأوكسجين ومحلول قلوي والحديد في الماء فجرب ذلك في الضفادع والكلاب أولاً ثم جرب في المستشفيات في الآدميين فأسفر عن نتائج حسنة جداً. دين مجهول اكتشفوا في جبال هندوراس مجموعة أشياء من قبل التاريخ تدل عَلَى وجود عبادة غير معروفة اليوم وذلك في مكان ظنوه أولاً معدن نحاس مهجور فرأوا مغارة مقدسة تدل عَلَى وجود ديانة كانت موجودة منذ ألوف من السنين أن بها الماياس وهم شعب قديم جداً كان يعبد الخفاش وهذه الأشياء هي أجراس صغيرة تبلغ عشرة آلاف جرس ذات حجم مختلف وأشكال كثيرة وهذه الأجراس يشبه الصغير منها أزراراً عادية والكبير منها الأجراس أو سقاطة الباب ومن الغريب أن أصوات كل جرس يختلف بعضها عن بعض وفي المغارة صور أيضاً يظن أنها كانت من متممات العبادة وعرض مدخل المغارة نحو عشرة أمتار وعمقه ١٨ متراً إلى ٢٠ والأجراس مدورة هنا وهناك ومنها ما وضع في بعض الثقوب والجحور وأكبرها لا يكون حجة عدة سنتيمترات من الديامتر ومن هذه الأجراس ما يشبه الحيوانات الغليظة ومنها ما يشبه السلاحف ذات العنق الطويل ومنها ما هو عَلَى صورة التنين الزحاف ومخلوقات غريبة ومنها ما يشبه الخفاش ذات القرون والعيون المفترسة وغيرها من الحيوان ومن هذه الأجراس ما هو معمول من المعدن المطروق ومنها من المعدن المطرق مما دل أن المغارة كانت ملجأ لرهبان كان يدينون لرب اسمه زوتياشيمكان ورد ذكره في التقاليد وكان له عَلَى أمة الماياس سلطة غريبة ولعل علماء الآثار يهتدون إلى سر هذه الموجودات لقرب عاصمة ناكو القديمة من بلاد هندوراس لأنه ورد ذكر تلك العاصمة في تاريخها. البصل استعمل بعض الأطباء البصل مؤخراً لمريض أصيب بضعف الكبد المشوش في الاستسقاء فأبان عن أحسن النتائج وسهل البول بحيث لا يتأتى ذلك بالأدوية المعتادة وهذا ما يدل عَلَى بعد نظر القدماء في القديم في تعويلهم تعلى البصل فقد كان أطباء المصريين والعبرانيين واليونانيين والرومانيين يحلون استعماله المحل الأرفع وكان جند قيصر يمتانه في سيره أثناء قتاله للغلو وشاع استعماله في أوربا في أواخر القرن السابع عشر إلى أوائل القرن التاسع عشر في مداواة وجع المفاصل والرثية وأمراض الصلب أما في الطب الحديث فقد ترك استعماله بتاتاً وها هم قد عادوا إليه. الحكم عَلَى فرنسا طاف المستر أديسون المخترع الأميركي الشهير بلاد أوربا فسئل رأيه عن فرنسا فاصدر الحكم الآتي: إن مساكنها قبيحة لا راحة فيها ولا رفاهية وهي متأخرة عن بيوت الأميركان قروناً وفرنسا فائقة بطرقها البديعة التي تربط قراها وبلاد الأقاليم فيها بالحواضر والمدن وعلى مهندسي الممالك الأخرى أن يأتوا إلى فرنسا ليتعلموا عَلَى مهندسيها أحسن دروس في صناعتهم أما طبخ الفرنسيس فقد حوى الذوق وجودة الطعم وحسن الأسلوب بحيث جاء مطبخهم أفضل مطابخ الأمم الممدنة وهذا ما دعا إلى علو كعب الفرنسيس فبجودة الطعام ضمنوا لبلادهم الصحة وحسن الخلق والنجاح. التلغراف اللاسلكي أفاد هذا التلغراف في مواطن كثيرة وثبت غناؤه في الدول والأفراد فعزمت إنكلترا أن تمد منه خطين الأول بين مالطة وقبرص وعدن وبومباي وسنغافورة وادلايدا إلى زيلاندة الجديدة واثنان آخران يسيران عَلَى شاطئ أفريقية من الشرق ومن الغرب فتتصل الهند بأفريقية الجنوبية واستراليا بجزيرة موريس وجزيرة نيلسون ومونترال تفاوض الهند الغربية تواً فيكون لها ٢٥ محطةً تحتاج إلى ٣٧ مليون ونصف مليون من الفرنكات يتخابر بها الناس كل كلمة بعشرة سنتيمات وتربح منها الحكومة ١٥ مليون فرنك مسانهة ولا تنفق سوى ٥ ملايين. الألكحول في أفريقية يحاول عقلاء الإنكليز أن يحظروا استعمال المشروبات الروحية في بلاد خط الاستواء وجنوبي أفريقية وذلك بوضع العقبات في سبيله لأنه ثبت أنها آذت الوطنيين بصحتهم وقرض أو كاد جنسهم وكانوا قبل دخولهم عليهم سالمين أقوياء وما كانوا من قبل يسكرون إلا بالمشروبات المخمرة المستخرجة من ماء النخل وجوز الكاكاو والذرة وهي مشروبات يقل ضررها بالنسبة لخمور أوربا ولذا أخذ زعماء الوطنيين يدعون إلى الإسلام لأنه يحظر استعمال المكيفات إذ قد وقع في نفوسهم أن عنصرهم آخذ من هذا الكحول بالانحطاط. ويقول المقترح أن هذا الخطر واقع عَلَى الحكومة الإنكليزية لأن تلك الأقاليم الاستوائية تكتفي من المنبهات بالقهوة وجوز الكولا فهي أقل ضرراً من الجين والويسكي. وإذا منعت الحكومة الإنكليزية المسكرات من تلك الأقاليم الأفريقية تخسر ثمانمائة ألف جنيه كل سنة من جنوبي نيجيريا فقط وستعتاض عن هذه الرسوم التي تنقص ميزانيتهم بضرب ضرائب عَلَى الأنفس. الصحافة الصفراء يسمون بهذا الاسم الحديث تلك الصحف الأميركية التي تنشر أخباراً مزعجة ملفقة تقيم وتقعد والحال أن هذا النوع من الصحافة قديم يرد عهدها في الحقيقة إلى يوم قام بنيت مؤسس جريدة نيويورك هرالد وأعلن أنه سيتخلون عما يسمونه بالمبادئ ويبحث خاصة فينشر رصائفه أخباراً كثيرة وحوادث اليوم مفعلاً فيما ينقل ويروي ماله دخل بحوادث البيوت وقصص العاشقين والسارقين والقاتلين وأخبارهم الشخصية فما كاد يطبق هذه الخطة عَلَى العمل حتى سلقه الناس بألسنتهم وضرب غير مرة بالسياط وما كان يجيب ذلك بغير طبعة خاصة من جريدته يقص فيها بنثره الشديد القارص ما يكثر به جمهور قراءه الجدد ثم تبعه في ذلك صاحب جريدة الورلد. وأهم ما في هذا الضرب من الصحف اليوم أحاديث بعضها موهوم وتواريخ جنايات وطلا قات وفضائح وفظائع وفي أعداد أيام الآحاد وهي أكبر حجماً وأغزر مادة ملحق مصور بالألوان وكثير من الأخبار أكثر من العادة وحوادث من شأنها أن تحدث تأثيراً شديداً وحركة اضطراب في القراء وتحبب إليهم الفضول والفزع. وقد امتازت الصحف الصفراء في سرد الجنايات فلا تكتفي أن تورد لقرائها تفصيلاً وافياً عن أعمال اللصوص عَلَى اختلاف ضروبها بل تعلمهم أيضاً الطرق الغريبة في القتل والسرقة. وهذه هي سيئات هذه الصحافة ولكن لها مزية أخرى هو أنها داعية بل أكثر داعية للارتقاء والإصلاح الاجتماعي تنصرف لخدمة المصلحة العامة مستقلة في أفكارها تحمل عَلَى الرشوة حملات هائلة تنتقد الأفكار وتكشف القناع عن أعمال رجال السياسة وفضائحهم وتقاوم الحكومة البلوتوكراتية والامتيازات فهي خادمة أمينة للديمقراطية من هذا الوجه. ملح تونس ثبت أن أرض تونس بطبيعتها قابلة لاستخراج الملح الصناعي الذي هو أنفع لتمليح الأسماك التي تصطاد من شمال أوربا أكثر من الأملاح التي تستخرج من صقلية وإسبانيا والبرتغال بل هو أحسن ملح في العالم لأنه خالٍ من المواد قابلة التحليل ويستخرج منه الآن خمسمائة ألف قنطار يخرج منها ٢٠٠ ألف إلى إيطاليا و ١٢٠ ألفاً إلى نروج و ١٠٠ ألف إلى بلغاريا و ٢٠ ألفاً إلى النمسا وقليل من القناطير تصدره تونس إلى الجزائر وفرنسا ويمكن أن يستخرج من هذا الملح سنوياً ستمائة ألف طن واستخراجه متوقف عَلَى امتياز من حكومة تونس. الأمومة والعزوبة لما رأت بعض الولايات المتحدة أن زيادة المواليد في أميركا الشمالية ليست مما يرضي وأن المهاجرين إليها يقل نسلها في الجيل الثاني من مقامهم فيها رأت أن تعمد إلى قوانين تسنها لإكثار النسل وهكذا قرر مجلس النواب إيلينوا أن كل امرأة تلد بعد سنتين من زواجها ولداً تقبض ٥٠٠ فرنك وتقبض كلما ولدت ولداً آخر أما إذا ولدت توأمين أو ثلاثة فجائزتها تكون أكثر والحكومة تتقاضى هذه الجوائز من العزب فتأخذ من كل عزب تجاوز الخامسة والثلاثين ولم يتزوج خمسين فرنكاً في السنة ويتناقش مجلس النواب في ولاية فيسكونسين في ضرب ضريبة قدرها خمسة وعشرون فرنكاً في السنة عَلَى كل امرأة بلغت الخامسة والعشرين ولم تتزوج وربما ألفت هذه الولاية لجنة رسمية لتجد زوجاً لكل طالبة. التعليم في بورتوريكو بورتوريكو جزيرة في أرخبيل البحر المحيط غربي هاييتي سكانها زهاء المليون نسمة لم يكن فيها سنة ١٩٠٧ خزانة كتب بتة وها قد أصبح فيها اليوم ٢٣٣ خزانة كتب عامة ولما استولت الولايات المتحدة عَلَى هذه الجزيرة لم يكن فيها مدارس أما اليوم فقد بلغ عدد من يتعلمون من بنيها ١٢١ . ٤٥٣ أي نحو تسع السكان وفي المدارس حدائق أطفال (الكندر جارتن) ٢٣٠ طفلاً في المدارس الابتدائية التي أنشئت في ٦٦ مدينة من مدن الجزيرة ٣٩ . ٩٠٧ تلامذة وفي مدارس القرى ٧١ . ٦٣٠ وفي ١٥٨ مدرسة ليلية ٨ . ٦٢٤ تلميذاً تلامذتها من البالغين وعدد تلامذة المدارس العالية ١٠٧٨ وعدد تلامذة كلية سان جوان ٣٠٠ وقد أنشئت في هذه الكلية في ريو بدراس في البرية عَلَى ١١ كيلومتراً من سان جوان وفيها مدرسة للزراعة وأخرى للصناعات الحرة وغيرها للمعلمين يتعلم فيها المعلمون والمعلمات. ولا تزال الحكومة في قرى بورتوريكو تعلم باللغة الإسبانية وقد بدأت تعين من أبناء الجزيرة نفسها ولكن معظم المعلمين يأتون من الولايات المتحدة وتسعة أعشار التلامذة يتعلمون العلوم اليوم بالإنكليزية وعما قريب تقوض اللغة الإسبانية خيامها من تلك الجزيرة وتحل محلها اللغة الإنكليزية إلى أبد الآبدين. مدارس الأمهات أنشئوا في الغرب مدارس لتعليم الأمهات ما يستطيعون معه دفع المهالك عن أولادهم وتقوية أجسامهم وحفظ صحتهم إذ قد ثبت أن جهل الأمهات كثيراً ما يودي بالبنين والبنات وهذه المدارس تزداد انتشاراً في مدن أوربا.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_74.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.74.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
