<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.73.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.73.TEIP5:</urn>
<passage>اليمن وسكانها - ٢ - نسب اليمانيين وتفرقهم لا خلاف في أن عرب اليمن من بني قحطان ويعدون من العرب العاربة وأكثر قبائل العرب من اليمن كما قال البلخي فمنهم السكون وخولان والأزد ومازن بن الأزد وميدعان بن الأزد ومارد بن سلامان ومنهم آل العنقاء والفراهيد وقساحل وبلادس وثهلان وحرحنة وبطون كثيرة قد دونت في كتب الأنساب حتى ما تسقط قبيلة ولا فخذ ولا رهط ولا بطن وأصل ملوك غسان بالشام من عرب اليمن. قالوا ربما أغار اليمانيون عَلَى البلدان فيرجعون إلى بلادهم. واليمن قبائل كثيرة إذا دخلت فيهم قضاعة وجذام ولخم وبجيلة وخثعم كان أول من ذكر اسمه وعرف قدره سبأُ ابن يشجب بن يعرب بن قحطان فمن ولده كهلان بن سبأُ وحمير بن سبأُ وقضاعة من قبائل حمير تفرقت بعض هذه القبائل في البلاد فنزلت أزد شنوءة أرض الشراة وما حولها في الشام وسارت غسان إلى الشام حتى نزلت بأرض البلقاء وتنصروا وأقاموا مملكين بالشام من قبل صاحب الروم وسار من ولد حوالة بن الهنو بن الأزد إلى الموصل وقدم مالك بن فهم بن غنم بن دوس حتى نزل أرض العراق فانشأ ملكاً بالحيرة. قال بعض آل أسعد بن ملكيكرب (كليكرب؟) تبع ذاكراً منازل من خرج من اليمن في سائر جزيرة العرب وغيرها وقد فراقت منا ملوك بلادها فصاروا بأرض ذات مبدى ومحضر وقد نزلت منا خزاعة منزلاً كريماً لدى البيت العتيق المستر وفي يثرب منا قبائل إن دعوا أتوا سرباً من دارعين وحسر هم طردوا عنها اليهود فأصبحوا عَلَى معزل منها بساحة خيبر وغسان حيٌ فعزهم في سيوفهم كرام المساعي قد حووا أرض قيصر وقد نزلت منا قضاعة منزلاً بعيداً فأمست في بلاد الصنوبر وكلب لها ما بين رملة عالج إلى الحرة الرجلاء من أرض تدمر ولخم فكانت بالعراق ملوكها وقد طحرت عدنان في كل مطحر وحلت جذام حيث حلت وشاركت هنالك لخماً في العلا والتجبر وأَزد لها البحران والسيف كله وأرض عمان بعد أرض المشقر ومنا بأرض الغرب جند تعلقوا إلى بربر حتى أتوا أرض بربر هكذا ذكروا تفرق أهل اليمانيين وأصولهم أما مدنيتهم التي حملوها فقد أكد أحد علماء الآثار أن اليمن سبقت بتمدنها بابل ومصر ومنها هاجر أجداد الفراعنة ومنها كان أجداد البابليين والآشوريين وإلى مصر وبابل وآشور حمل اليمانيون الصناعات والعلوم والتجارة وتوغل بعضهم حتى استنبط بعض اليمانيين أو الحميريين هم الذين مدنوا شواطئ آسيا وأفريقية وأوربا وقالوا أنهم كانوا أميل إلى التجارة لا إلى الغزو والغارة ولذلك كان معظم الأذواء يتجرون فإذا كانت لرجل منهم مطامع في السيادة تغلب عَلَى البلاد. والأذواء كثيرون منهم ذو الجناح وذو المنار وذو رعين وذو نواس وذو مجن وذو الكلاع سيف بن ذي يزن وقد استولى الحبشة بعد ذي نواس عَلَى اليمن فلم يدعوا رجلاً إلا قتلوه ولا بناء إلا هدموه ورئيسهم أبرهة الأشرم فخربوا المدن والخراب من عهدهم بدأ في الغالب وملك الفرس اليمن إلى عهد الإسلام وكان أراد كسرى أنوشروان عَلَى فتحها ابن ذي يزن يستنجده ويستعينه عَلَى السودان وامتدحه بالحميرية فأعجب كسرى بقصيدته لما ترجمت. ومن الأذواء علس ذو جدن كان كما في الأغاني ملكاً من ملوك حمير ولقب ذا جدن لحسن صوته والجدن الصوت بلغتهم ويقال أنه أول من تغنى باليمن. رووا أنهم حفروا حفراً في زمن مروان فوقفوا عَلَى أزج له باب فإذا هم برجل عَلَى سرير كأعظم ما يكون من الرجال عليه خاتم من ذهب وعصابة من ذهب وعند رأسه لوح من ذهب مكتوب فيه أنا علس ذو جدن القبل لخليلي مني النيل ولعدوي مني الويل طلبت فأدركت وأنا ابن مئة سنة من عمري وكانت الوحش تأذن لصوتي وهذا سيفي ذو الكف عندي ودرعي ذات الفروج ورمحي الهزيري وقومي الفجواء وقرني ذات الشر فيها ثلاث مائة حشر من صنعة ذي نمر أعددت ذلك لدفع الموت عني فخانني قال الراوي فنظرنا فإذا جميع ذلك عنده. ولما سار حسان بن تبان أسعد أبو كرب بأهل اليمن يريد أن يطالبهم أرض العرب وأرض العجم كما كانت التبابعة قبله تفعل حتى إذا كان ببعض أرض العراق عَلَى رواية الطبري كرهت حمير وقبائل اليمن السير معه وأرادوا الرجعة إلى بلادهم وأهليهم فكلموا أخاه أن يقتله ليخلفوه عليهم فقتله ومرج أمر حمير عند ذلك تفرقوا فوثب عليهم رجل من حمير لم يكن من بيوت المملكة منهم يقال لخيعة ينوف ذو شناتر فملكهم وقتل خيارهم وعبث ببيوت أهل المملكة فقال قائل من حمير يذكر ما ضيعت حمير في أمرها وفرقت جماعتها ونفت من خيارها تقتل ابناها وتنفي سراتها وتبني بأيديهم لها الذل حمير تدمر دنياها بطيش حلومها وما ضيعت من دينها فهو أكثر كذاك القرون قبل ذاك بظلمها وإسرافها تأتي الشرور فتخسر ثم تهودت حمير وكان بنجران بقايا من أهل دين عيسى عَلَى الإنجيل أهل فضل واستقامة لهم من أهل دينهم رأس يقال له عبد الله بن تامر وكان موقع أصل ذلك الين بنجران وهي بأوسط أرض العرب في ذلك الزمان وأهلها وسائر العرب كلها أهل أوثان يعبدونها ثم أن رجلاً من بقايا أهل ذلك الدين وقع بين أظهرهم يقال له فيميون فحملهم عليه فدانوا به قال هشام زرعة ذو نواس فلما تهود سمي يوسف وهو الذي خد الأخدود بنجران وقتل النصارى وكانوا قريباً من عشرين ألفاً افلت منهم رجل وقدم عَلَى ملك الحبشة فأعلمه ما ركبوا به وأتاه بالإنجيل قد أحرقت النار بعضه فانجده برجال كما بعث إلى قيصر أن ينجده بالسفن والأخدود هو المذكور في القرآن قتل أصحاب الأخدود النار ذات الوقود فجاء جيش النجاشي ورأسه أرياط فقتل ثلث اليمن وأخرب ثلث بلادها وبعث إلى النجاشي بثلث سباياها وقد أخرب مع ما أخرب من ارض اليمن سلحين وبينون وغمدان حصوناً لم يكم في الناس مثلها فقال: هونك ليس يرد الدمع ما فاتا لا تهلكي أسفاً في ذكر ماتا أبعد بينون لا عين ولا أثر وبعد سلحين يبني الناس أبياتاً وقد ساق أبو الفرج الأصفهاني كيفية مقتل حسان بن تبع عَلَى يد عمرو أخيه وكيف تشتت أمر حمير حين قتل أشرافها والتفت عليه حتى وثب عَلَى عمرو خيعة تنوف ولم يكن من أهل بيت المملكة فقتله واستولى عَلَى ملكه وكان يقال له ذو شناتر الحميري وكيف نشأ زرعة ذو نواس وكانت له ذؤابة وبه سمي ذا نواس وهو الذي تهود وتسمى يوسف كما مر وهو صاحب الأخدود بنجران وكانوا نصارى فخوفهم وحرق الإنجيل وهدم الكنائس ومن أجله غزت الحبشة اليمن لأنهم نصارى كما ساق كيفية خروج سيف بن ذي يزن إلى كسرى يستنجده عَلَى الحبشة بسبب غزو ذي نواس أهل نجران وكانوا نصارى فحصرهم ثم ظفر بهم فحدد لهم الأخاديد وعرضهم عَلَى اليهودية فامتنعوا من ذلك فحرقهم بالنار وحرق الإنجيل وهدم بيعتهم. ملوك اليمن وعمرانهم قال ابن حوقل: كانت اليمن عظيمة خطيرة الملوك فمنهم من ملك أكثر الأرض في سالف الزمن كتبع الذي مدن مدينة صنعاء وسمرقند وكان يقيم بهذه حولاً وبهذه آخر ولم يكن فيما سلف من الزمان ومرر الدهور والأيام ممن علت كلمته واتسعت مملكته واستفحلت جبايته كفرعون وذي القرنين وتبع ممن ثبت الملك فيه وفي عقبه فأما أموالها في وقتنا (القرن الرابع) الواصلة إلى سلاطينها وملوكها وأربابها وأصحاب أطرافها فمن جلتها أبو الجيش إسحاق بن إبراهيم بن زيادة بعد أهل البحرين كانوا بموالينا والذي تحت يده فمن الشرجة إلى عدن طولاً عَلَى ساحل البحر وارض تهامة اليمن ويكون مقدار ذلك اثنتي عشرة مرحلة وعرضه من الجبال إلى ساح اليمن من عمل غلافقه ويكون مقداره مسيرة أربع مراحل وأكثر أمواله المقبوضة من العثور وهي ما ينيف عَلَى خمس مائة دينار عثرية ومن قبالات زبيد هن جميع ما يدخلها ويخرج عنها وتشتمل عليه من وجوه الأموال مائتا ألف دينار عثرية وأكثر ملوك الجبال يخطبون له عَلَى منابرهم في وقتنا هذا ويصل إليه من جباية عدن عَلَى المراكب العثرية مما لا يقع بموافقة ولا ضمان ويعمل بالأمانات لربما زادت المراكب ونقصت وقد يرتفع له في السنة عن هذا المكان مائتا ألف دينار عثرية زائداً أو ناقصاً ويؤخذ العنبر بسواحل عدن وما يليها وله عَلَى ذلك ضريبة تصل إليه عَلَى صاحب جزائر هلك موافقة من هدايا ترد عليه فيها عبيد وعنبر وغير ذلك وملكة الحبشة تهاديه ولا تقطع مبرته ومواصلته ويتلوه في المكنة والمقدرة ابن طرف صاحب عثر وملكه يشتمل عَلَى وجوه من الأموال وضروب من الجبايات ويكون الواصل إليها كنصف الواصل إلى أبي الجيش من المال ويتلوه الخزامي صاحب حلي وهو دون ابن طرف في المكنة والسلطان والجباية. وهؤلاء الثلاثة ملوك تهامة اليمن وابن طرف والخزامي جميعاً في طاعة ابن زياد في وقتنا هذا ويخطبون عَلَى اسمه. وملوك تهامة اليمن المعروفون بملوك الجبال كثيرة واجلهم ولد أسعد بن أبي يعفر وهو عَلَى الحجبة هو ملك صنعاء يخطب لأبي الجيش ويضرب دراهمه عَلَى اسمه وليس ينفذ إليه ميرة ولا هدية وجميع وجوه أمواله أربعمائة ألف دينار فتصرف في مروته وإلى أضيافه وقاصديه وهو من سلالة التبابعة ومن بالجبال من ملوكها فجبايته دون هذه العدة من المال ومرافقه بقدر كفايته. وأما الحسنيُّ صاحب صعدة فله جباية كثيرة ومستغلات من المدابغ وضرائب من القوافل كثيرة تضاهي ارتفاع ابن طرف وربما زادت ونقصت وصاحب السرين فما يصل إليه قوم به وبأهله ولسيت بحال تذكر وله عَلَى المراكب الصاعدة والنازلة من اليمن رسم يأخذه من الرقيق والمتاع الوارد مع التجار. إليك ملوك اليمن في القرن الرابع وما كانوا يتقاضونه من وجوه الارتفاعات مما تستدل منه عَلَى ثروة اليمن الغريب واتساع أقاليمها ومخاليفا وكثرة قراها ومزارعها وقد وصف ابن حوقل أيضاً المسافات بين بلادها فقال: وأما تهامة فإنها قطعة من اليمن جبال مشتبكة أولها مشرف عَلَى بحر القلزم (الأحمر) مما يلي غربيها وشرقيها بناحية صعدة وجرش ونجران وشماليها حدود مكة وجنوبها من صنعاء عَلَى نحو عشر مراحل وبلاد خولان تشتمل عَلَى قرى ومزارع ومياه معمورة بأهلها وهي مفترشة وبها أصناف من قبائل اليمن ونجران وجرش مدينتان متقاربان في الكبر بهما نخيل ويشتملان عَلَى أحياء من اليمن كثيرة وصعدة أكبر وأعمر منهما ويتخذ بها ما كان يتخذ بها ما كان يتخذ بصنعاء من الأدم ويتخذ بنجران وجرش والطائف أدم كثير وأكثره من صعدة وبها كان يجتمع التجار وليس باليمن جميعاً بلداً أكبر ولا أكثر مرافق وأهلاً من صنعاء وهو بلد في خط الاستواء وهو من اعتدال الهواء بحيث لا يتحول الإنسان عن مكان واحد شتاءً ولا صيفاً وتتقارب ساعات الصيف والشتاء والجذام به ظاهر لقلة سطوة الشمس به وفيه كانت تسكن ملوك اليمن فيما تقدم وبها بناءٌ عظيم قد خرب فهو تل كبير يُعرف بغمدان وكان قصراً لملوك اليمن وليس باليمن بناءٌ أرفع منه. والمذيخرة جبلٌ أعلاه نحو عشرين فرسخاً فيها مزارع ومياه وفيه ينبت الورث وهو نبات أحمر في معنى الزعفران يصبغ فيه ولا يسلك إلا من طريق واحدة. وشبام جبل منيع جداً فيه قرى ومزارع وسكان كثيرة وفيه جامع ويرتفع منه الجسمت والعقيق والجزع حجارة تعمل فإذا عملت ظهر جوهرها لأن وجوه هذه الحجارة مغشاة وبلغني أنها تكون في صحاري فيها حصى ملون تلقط من بينها. وعدن مدينة صغيرة وشهرتها لأنها فرضة عَلَى البحر ينزلها السائرون في البحر وباليمن مدن أكبر منها ليست كشهرتها. وبلاد الإباضية بقرب حمدان وخولان وخيوان وهي أعمر بلاد بتلك النواحي مخاليف ومزارع وأغزرها مياهاً. قال وبأرض سبأ من اليمن طوائف من حمير وبحضر موت أيضاً وأما ديار همدان وأشعر وكندة وخولان فإنها مفترشة في أعراض اليمن وفي أصفافها مخاليف وزروع وبها بوادٍ وقراى تشتمل عَلَى تهامة وبعض نجد ونجد اليمن غير نجد الحجاز غير أن جنوبي نجد الحجاز يتصل بشمالي نجد اليمن وبين النجدين وعمان برية ممتنعة قال وباليمن قرود كثيرة بلغني أنها تكثر حتى أنها لا تطاق إلا بجمع كثير وإذا اجتمعوا كان لهم كبير يعظمونه ويتبعونه كاليعسوب للنمل وبها دابة تسمى العدار بلغني أنها تطلب الإنسان فتقع عليه فإذا أصابت منه تلك الدابة جرحاً تدود جوف الإنسان فانشق ويحكى عن بعض الغيلان بها ما لا أستجيز حكايته لأن المنكر لمن لا يعلم أعذر من المقر بما يجهل. وذكر ياقوت أن المذيخرة قلعة حصينة في رأس جبل صبر وفيها عين في رأس الجبل يصير منها نهر يسقي عدة قرى باليمن وهي قريبة من عدن يسكنها آل ذي مناخ وبها كان منزل أبي جعفر المناخي من حمير. قال عمارة اليمني: المذيخرة من أعمال صنعاء أن أعلاه نحو عشرين فرسخاً فيه المزارع والمياه ونبت الورث وفي شفيره الزعفران ولا يسلك إلا من طريق واحد وهو في مخلاف السحول ولما ملك الزيادي اليمن واختط زبيد وحج من اليمن جعفر مولى زياد بمال وهدايا بسنة ٢٠٥ وسار إلى العراق وصادف المأمون بها وعاد جعفر هذا بسنة ٢٠٦ إلى زيد ومعه ألف فارس فيها مسودة خراسان سبعمائة فعظم أمر ابن زياد وتقلد إقليم اليمن بأسره الجبال والتهائم وتقلد جعفر هذا الجبل واختط به مدينة يقال لها المذيخرة ذات انهار ورياض واسعة والبلاد التي كانت لجعفر تسمى اليوم (القرن السادس) مخلاف جعفر والمخلاف عند أهل اليمن عبارة عن قطر واسع وكان جعفر هذا من الدهاة الكفاة وبه تمت دولة بني زياد ولذلك يقولون ابن زياد وجعفر. وذكر ياقوت في شبام أنه جبل عظيم فيه شجر وعيون وشرب صنعاء منه وبينه يوم وليلة وهو جبل صعب المرتقى ليس إليه إلا طريق واحد وفيه غيران وكهوف عظيمة جداً ويسكنه ولد يعفر وله فيه حصون عجيبة هائلة وذروته واسعة فيها ضياع كثيرة وكروم ونخيل والطريق إلى تلك الضياع عَلَى دار الملك وللجبل باب واحد مفتاحه عند الملك فمن أراد النزول إلى السهل في حاجه دخل عَلَى الملك فاعلمه ذلك فيأمر بفتح الباب وحول الضياع والكروم جبال شاهقة لا مسلك فيها ولا يعلم أحد ما ورائها ومياه هذا الجبل تصب إلى سد هناك فإذا امتلأ السد ما أن فتح فيجري إلى صنعاء ومخاليفها وبينه وبين صنعاء ثمانية فراسخ. قال عمارة اليمني في تاريخيه وكان حسين ابن أبي سلامة وهو عبد نوبي وزرلابي الحبشي بن زياد صاحب اليمن أنشأ الجوامع الكبار والمنائر الطوال من حضر موت إلى مكة وطول المسافة التي بني فيها ستون يوماً وحفر الآبار الروية والقلب العادية فأولها شبام وتريم مدينة حضر موت واتصلت عمارة الجوامع منها إلى عدن والمسافة عشرون مرحلة في كل مرحلة منها جامع ومئذنة وبئر ويقي مستولياً عَلَى اليمن ثلاثين سنة ومات سنة ٤٣٢ وذكر له فضائل وجوامع في كل بلدة من اليمن. وذكر أبو الفدا من بلاد اليمن حصن تعز فقال هي في زماننا مقر ملوك اليمن وهي حصن في الجبال مطل عَلَى التهائم وأراضي زبيد وفوق تعز منتزه يقال له صهلة قد ساق صاحب اليمن المياه من الجبال التي فوقها وبني فيها أبنية عظيمة في غاية الحسن في وسط بستان هناك. وذكر حصن الدملوة وقال أنها خزانة صاحب اليمن قال ابن سعيد وهي عَلَى الجبل الممتد من الجنوب إلى الشمال ويضرب بامتناعها وحصانتها المثل في شمالييها تقع الجوة وهي بليدة مشهورة في جادة طريق الجبال وذكر الشرجة وجبلة وهذه بين عدن وصنعاء والجند شمالي تعز وذمار وحلى وظفار ونجران وعدن أَبين وصنعاء وصعدة وبلاد خيوان وجرش (غير جرش سورية) ومأرب يقال لها سبأ وشبام وقبة حضر موت ومرباط. وفي أحسن التقاسيم أن ولايات هذا الإقليم متقطعة فاليمن لآل زياد وأصلهم من همدوان وابن طرف لع عثر وعَلَى صنعاء أمير غير أن ابن زياد يحمل إليه الأموال ليخطب إليه وربما أخرجت عدن عن أبديهم وآل قحطان في الجبال وهم أقدم ملوك اليمن والعلوية عَلَى صعدة يخطبون لآل زياد وهم أعدل الناس وعمان للديلم وهجر للقرامطة وعَلَى الأحقاف أمير منهم قال وصاحب صعدة لا يأخذ ضريبة من أحد وإنما يأخذ ربع العشر من التجار. في القرن السادس كان صاحب اليمن الملك المجاهد سيف الدين علي ابن الملك المؤيد هزير الدين داوود من بيت رسول وكان جدهم هذا رسول أميراً آخر للملك الكامل ناصر الدين محمد عادل أبي بكر بن أيوب فلما بعث الملك الكامل ولده المسعود أطسن وهو الذي تسميه العامة أقسيس بعث معه أميراًَ آخر في جملة من بعوثه معه ثم تنقلت الأحوال حتى استقل رسول بملك اليمن وصار الملك من عقبه. عجائب اليمن ذكر الهمداني منها باب عدن وهو شصر مقطوع في جبل كان محيطاً بموضع عدن من الساحل فلم يكن لها طريق إلى البر إلا للرجل لمن ركب ظهر الجبل فقطع في الجبل باب مبلغ عرض الجبل حتى سلكه الدواب والحمائل والمحامل والجفان. وقطع بينون جبل قطعه بعض ملوك حمير حتى خرج فيه سيلان وراءه إلى أرض بينون. وقلعة الجوة لأبي المغلس في أرض المعاقر هي تطلع بسلم فإذا قلع لم تطلع. ومنها جبل تخلى وهو جبل واسع الرأس ذو عرقة مطيفة به تنزل الوبر والقرد وتحت العرقة عرقة وفي مواضع منه عرق مترادفة وليس تعم جميعه إلا العرقة العليا والتي تحتها ورأسه واسع جداً فيه ثلاث قلاع حصون فأولها بيت فائس وهو من أرفع ما فيه وفيها مسجد قائم كان الناس يزورونه والمذمار مثلها في الرفعة وبيت ريب حصن ذو عرق منقطعة عليها قصور آل المنصور وحرمهم وأموالهم لا مسلك لها غير باب واحد والأراس حصن بينها وبين بيت فائس وهو حصن واسع وبعد أن ذكر أبوابها قال وتغلق هذه الأبواب عَلَى هذه الحصون وهذه الحصون وهذه القرى عَلَى ضياع تؤدي خمسة آلاف ذهب براً وشعيراً ليكون سبعة آلاف وخمسمائة قفيز وتغلق عَلَى ميدانه وأنوباته ومجزرته ومساجده ومراعيه وأغنامه وبقره وخيله ما خلا الإبل فإنها لا تطلعه وفي معظم حصونها زروع أعقار فيها ماؤها ومرعاها وجميع مرافقها ومدينة خولان العظمى صعدة وهي بلد الدباغ في الجاهلية الجهلاء وهي في موسط بلد القرظ ربما وقع فيها القرظ من ألف رطل إلى خمسمائة بدينار مطوق عَلَى وزن الدجرهم القفلة وأما ظاهر خولان فهو أسل وفيه قرى زروع واعناب دافقين وجبل أبذر وأبذر مثل جبل ذخار من الجبال التي في رؤوسها الماء والمرعى والزرع والقرى. ويشتد في صنعاء البرد لايتحول الإنسان الشتاء والصيف من مكانه فإذا اشتد بها الصيف وحر فدخل الرجل يقيل عَلَى فراشه لم يكن له بد من أن يتدثر لأن بيوتها في الصيف باردة لأجل قصة الجير المسيع بها بواطن البيوت فيدخل في المخدع عَلَى فراشه ويطبق عليه الباب ويسبل السترين والسجف فلا يتغير ضياء البيت لأجل الرخام الذي يكون في الجدران والسقف بل إذا كان في السقف رخامة صافية نظر عوم الطائر بظله عليها إذا حاذاها وتؤدي الرخامة لمعان الشمس إلى القصة فتقبلها بجوهرها وبريقها. وأعشاب اليمن وحبوبها غريبة في بابها ومنها الورث واللبان اللذان لا يكونان في غير اليمن ويصيران في جميع الأرض. ومن الابار العجيبة البئر المطلة بريدة ومنها بئر سراقة لمراد في أسفل الجوف وطولها خمسون باعاً وماؤها عذب فرات لا يكدرها الدلاء وبئر سام بن نوح بصنعاء وكهالة بئر ذي يزن بين زبيد وعدن وبئر هوت بسفل حضر موت وبئر ميمون المذكورة في القرآن. أما معادن الفضة بالرضراض فما لا نظير له وبها معادن الحديد غير معمولة مثل نقم وغمدان وبها فصوص البقران ويبلغ الثلث بها مالاً وهو أن يكون وجهه أحمر فوق عرق أبيض فوق عرق أسود والبقران ألوان ومعدنه بجبل أنس وهو ينسب بن ألهان بن مالك والسعواني من سعوان وادٍ إلى جنب صنعاء وهو فص أسود فيه عرق أبيض ومعدنه بشهارة وعيشان من بلد حاشد إلى جنب هنوم وظليمة والجمش من شرف همدان والعشاري وهو الحجر السماوي من عشار بالقرب من صنعاء والبلور يوجد في مواضع منها والمسني الذي يعمل منه نصب السكاكين يوجحد في مواضع منها والعقيق الأحمر والعقيق الصفر العتيقان من الهان وبها الجزع الموشى والمسير وفي مواضع منها منه النقعي وهو فحل العرف والسعواني والضهري منه أجنس والخولاني والجردي من غديقة والشزب يعمل منه الواح وصفائح وقوائم سيوف ونصب سكاكين ومداهن وقحفة وغير ذلك وليس سواه إلا في بلد الهند والهندي عرق واحد. ومحافد اليمن وقصورها القديمة التي ذكرتها العرب في الشعر والمثل كثيرة فأولها وأقدمها غمدان ثم تلغم وناعط وصروح وسحين بمأرب وظفار وهكر وضهر وشباء وغيمان وبيون وريام وبراقش ومعين وروثان وأرياب وهند وهنيدة وعمران والنجير بحضرموت. وغمدان قصر عجيب قد بني ثلاثة أوجه ووجه بالجروب الأبيض ووجه بالجروب الأصفر ووجه بالجروب الأحمر ووجه بالجروب الأخضر ولجروب الحجارة وابتني في داخله عَلَى ما التقن من أساسه قصراً عَلَى سبعة سقوف بين كل سقفين أربعون ذراعاً وسقفه من رخامة واحدة وجعل عَلَى ركن تمثال أسد من شبه كعظم ما يون من الأسد فكانت الريح إذا هبت من ناحية تمثال من تلك التماثيل دخلت جوفه من دبره ثم خرجت من فيه فيسمع له زئير كزئير الأسد وكان يأمر بالمصابيح فتسر في بيوت الرخام إلى الصبح فكأن القصر يلمع من ظاهره كلمع البرق فإذا أشرف الإنسان ليلاً قال أرى بصنعاء برقاً شديداً أو مراً كثيراً ولا يعلم أن ذلك من ضوء السرج فكان كذلك حتى أحرق. قال ياقوت أن غمدان كان حصن كان ينزله الملك الذي يكون عَلَى اليمن وكان أعجمياً فلما ملكت الحبشة اليمن أخربته إلا بقايا هدمها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه في الإسلام وقال ينبغي لمآثر الجاهلية أن تمحى وأن في الحصن مصنعة عليها قبة منطلق. وفيها يقول خلف الأحمر ومصنعة الطلق أودى بها عوادي الأحاديش بالصيدن وفيها يقول قدامة حكيم المشرق وكان صاحب كيمياء فارقد فيها نارة ولو أنها أقامت كعمر الدهر لم تنضرم لأن الطلق لو أوقد عليه ألف عام لم يسخن وبه يتطلى النفاطون إذا أرادوا الدخول في النار. وبنى أبرهة بن الصباح بصنعاء القيلسة وهي كنيسة بناها لصاحب الحبشة لم ير الناس أحسن منها ونقشها بالذهب والفضة والزجاج والفسيفساء وألوان الأصباغ وصنوف الجواهر وجعل خشباً له رؤُوس كرؤُوس الناس ولكنها بأنواع الأصباغ وجعل لخارج القبة برنساً فإذا أن يوم عيدها كشف البرنس عنها فيتلألأ رخامها مع ألوان أصباغها حتى تكاد تلم البصر وسماها القليس (بضم القاف وتشديد اللام). ون قصور اليمن قصر شوحطان وقصر كوكبان وأكثرها من عجيب البناء وقيل أن هذا القصر الأخير كان مبنياً بالفضة والحجارة وداخله بالياقوت والجواهر. ومن أعظم عجائب اليمن السد الذي كان باليمن عَلَى مثال سد أسوان في مصر اليوم ومأرب كما قال السهيلي أمم قصر كان لهم وقيل هو اسم لكل ملك كان يلي سبأ كما أن تبعاً اسم لكل من ولي اليمن والشحر وحضرموت وهذا السد عَلَى ما قال المسعودي من بناء سبأ بن يشجب بن يعرب وكان سافله سبي وادياً ومات قبل أن يستتمه فأتمته ملوك حمير بعده وقال المسعودي أيضاً بأن بانيه لقمان بن عاد وجعله فرسخاً في فرسخ وجعل له ثلاثين شعباً. ومأرب بين حضرموت وصنعاء وبينها وبين صنعاء أربعة أيام وهي قرية ليس بها عامر في القرن السابع إلا ثلاث قرى يقال لا الدروب إلى قبيلة من اليمن فالأول من ناحية صنعاء درب آل الغشيب ثم درب كهلان ثم درب الحرمة وكل واحد من هذه الدروب كاسمه درب طويل لا عرض مله طوله حو الميل كل دار إلى جانب الأخرى طولاً وبين كل درب نحو فرسخين أو ثلاثة وهم يزرعون عَلَى ماء جار يجيء من ناحية السد فيسقون أرضهم سقية واحدة فيزرعون عليه ثلاث مرات وفي كل عام ويكون بين بزر الشعير وحصاده في ذلك الموضع نحو شهرين. وسد مأرب بين ثلاثة جبال يصب ماء السيل إلى موضع واحد وليس لذلك الماء مخرج إلا من جهة واحدة فكأن الأوائل قد سدوا ذلك الموضع بالحجارة الصلبة والرصاص فيجتمع فيه ماء عيون هناك مع ما يجتمع من ماء السيول فيصير خلف السد كالبحر فكانوا إذا أرادوا سقي زروعهم فتحوا ذلك السد بقدر حاجتهم بأبواب محكمة وحركات مهندسة فيسقون حسب حاجتهم ثم يسدونه إذا أرادوا. قال ابن حوقل ومجتمع الماء الذي بأرض اليمن في ديار سبأ إنما كان موضع مسيل ماء فبني عَلَى وجهه سد فكان يجتمع فيه مياه كثيرة يستعملونها في القرى والمزارع حتى كفروا النعمة بعد أن كان الله تعالى قد جعل لهم عمارات قرى متصلة إلى الشام فسلط عَلَى ذلك المكان آفة فكان لا يمسك ماء وهو قوله تعالى وجعلنا بينهم وبين القرى التي باركنا فيها إلى قوله ومزقناهم كل ممزق فبطل ذلك الماء إلى يومنا هذا. أما سيل العرم الوارد ذكره في الكتاب العزيز بقوله فأرسلنا عيهم سيل العرم فإنه كان عَلَى رواية في أيام ملك حبشان فأخرب الأمكنة المعمورة في أرض اليمن وكان أكثر ما أخرب بلاد كهلان وعامة بلاد حمير وولد حمير وكهلان هم سادة اليمن في ذلك الوقت خربها حتى لم يبقى من جميع الأرضين والكروم إلا ما كان في رؤوس الجبال والأمكنة البعيدة مثل ذمار وحضرموت وعدن ودهيت الضياع والحدائق والجنان والقصور والدور وجاء السيل بالرمل وطمها عَلَى ذلك إلى القرن السابع. ومعنى العرم (بفتح أوله وكسر ثانيه) لسكر والمسناة التي تسد فيها المياه وتقطع وهي تلك المسناة التي كانت قد أحكمت لتكون حاجزاً ين ضياعهم وحدائقهم وبين السيل. وقيل العرم الماء الأحمر واسم واد بعينه أو اسم للجرذ لذي نقب السكر عليهم هو الذي يقال له الخلد وقيل العرم المطر الشديد قال المثلم بن قرط البلوي ألم تر أن الحي كانوا بغبطة بمأرب إذ كانوا يحلونها معا وقال الأعشى ففي ذاك للمؤتسي أسوة ومأرب عفا عليها العرم رخام بنته لهم حمير إذا ما نأى ماؤهم لم يرم فأرى الحروث بأغنامها عَلَى ساعة ماؤهم إن قسم وطار الفيول وفيالهم بيهماء فيها سراب لم يلم فكانوا بذلكم حقبة فمال بهم جارف منهدم وقال جهم بن خلف: ولم تدفع الإحسان عن رب مأرب منيته وما حواليه من قصر ترق إليهم تارة بعد هجعة بأمراس كتان أمرات عَلَى شزر وقال عبيد الله بن قيس الرقيات: يا دبار الحبائب بين صنعا ومأرب جاءك السعد غدوة والثريا بصائب من حريم كأنما يرتمي بالقواضب في اصطفاق ورنة واعتدال المواكب هل تسترد اللغة العربية أمجادها نهضة العرب في الإسلام لندع جزيرة العرب الآن إلى ثلث القرن السابع الميلادي لميلاد المسيح ثم لنعد إليها بعد ذلكم ولنحدث عما نرى أمة متفقة الكلمة مجتمعة الرأي متحدة اللغة والدين قد قوي اجتماعها واشتد أسره حتى صار كالبنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً وقد كفوا سيوفهم عن أنفسهم وشهروها في وجوه عدوهم من الفرس والروم فطردوا كسرى من المدائن وأجلوا قيصر عن الشام. سلوني أين ذهب ما كانت توصف به الأمة من تفرق الكلمة وتشعب الرأي ومن تعدد الدين وتنوع اللهجات. .؟ أين شريعة موسى وتعليم عيسى. .؟ أين الوثنية وعقائد الصابئة والمجوس. .؟ أين حمية الجاهلية وعصبيتها. .؟ أين تلكم الضغائن التي كانت تثير الحفائظ وتأكل القلوب. .؟ كل ذلكم قد ذهب به الإسلام أيها السادة فلم يبق له في الجزيرة العربية أثراً ولست أريد أن ابحث عن مصدر ذلكم لأني إنما أحاضر في تاريخ اللغة لا في تاريخ الشعب. القرآن كان القرآن للعرب شمساً نسخت عنهم ظل الجاهلية وأضاءت منهم ظلمة النفوس ونقلت اجتماعهم من حال إلى حال فقد جاءهم بضروب من القول لم يعهدوها وفنون من الكلام لم يعرفوها مشتملة عَلَى أمتن قواعد الاجتماع وأصح أصول التشريع ممتلئة بنافع الحكم ونابغ الكلم وجيد الوصف والتشبيه وصادق القصص والتاريخ وقد أنكروه إذ سمعوا بادئة الأمر ولكنهم لم يلبثوا أن خضعوا له وأذعنوا لسلطانه طوعاً أو كرهاً بعد أن بهرهم جماله وسحرتهم روعته واصبحت قلوبهم حكمته وهذبت نفوسهم آدابه وظهر لهم الحق من ثناياه جميل الصورة وطلق المحيا يفتن رواؤه القلوب ويخلب الألباب ولست أريد أن أطيل في وصف القرآن لأن ذلك يحتاج إلى محاضرة خاصة وغنما أقول أنه قد غير العرب تغييراً تاماً فلم يات عليه خمس وعشرون سنة إلا وقد أَلان من القوم قلوباً قاسية وصفى طباعاً جافية وأَرق كباداً غليظة وهذا ألفاظاً فجة ونقل الأمة من البداوة إلى الحضارة ومكن لا في الأرض وهيأها للفتح والتغلب عَلَى الجملة أنشأ من العرب خلقاً جديداً. هنالك خضعت اللغة لمؤثرين كبيرين أحدهما الإسلام والثاني الفتح. فأما الإسلام فقد صنع بالقوم ما عرفتم فحسنت لغتهم ورقت ألفاظهم وظهرت عليها بشاشة الدين وطهارة النفوس. وأما الفتح فقد استأثر عواطف القوم بعد كمونها وأطلق ألسنتهم بالخطب الرائعة والشعر الجميل نصراً للحق وزوداً عنه. مذهبٌ باطل وهنا يجب علي أيها السادة أن أبطل مذهباً اجمع عليه كافة المؤلفين في آداب اللغة من المحدثين يتبعون فيه رأي المؤرخ ابن خلدون رحمه الله. زعموا أن الآداب العربية ولاسيما الشعر قد وقفت أيام النبي والخلفاء الراشدين لأن العرب قد شغلوا عنها بالدين والفتح وتأسيس الملك فلما استقر الأمر لبني أمية نهضت الآداب من كبوتها واستيقظت من غفوتها إلى آخر ما يقولون. خطأ جداً هذا المذهب أيها السادة لأنه لا يستند عَلَى حجة ولا يعتمد عَلَى دليل. نعم إنهم لم يجدوا عَلَى ذلكم برهاناً إلا شيئين اثنين الأول أن لبيد بن ربيعو وهو من فحول الشعراء المخضرمين قد ترك الشعر في الإسلام اعتداداً بالقرآن واحتفالاً به وقد بعث عمر بن الخطاب إلى عامله عَلَى الكوفة استنشد من قبلك من الشعراء وابعث إلي بشعرهم فدعا العامل لبيداً وأبا النجم وأبلغهما أمر عمر فأما أبو النجم فقال أرجزاً تريد أم قصيدة طلبت شيئاً عندنا موجودا وأما لبيد فقد رجع إلى بيته ثم غدا عَلَى الأمير بلوح قد كتب فيه سورة البقرة وقال هذا شعري. الثاني أن محمد بن سلام وهو من علماء القرن الثالث للهجرة قال في كتابه طبقات الشعراء أن العرب في صدر الإسلام قد شغلوا بتأسيس الملك عن قول الشعر وروايته. والحقيقة أيها السادة أن ترك لبيد للشعر لا ينهض حجة عَلَى العرب كافة قد تركوه أو قصروا فيه وإن ابن سلام رحمه الله قد أخطأَ في الأولى وأصاب في الثانية فإن العرب قد شغلوا عن رواية شعر الجاهلية في أيام الفتح والفتن ولكنهم لم يشغلوا عن قوله يوماً ما ولذلكم ضاع كثير من شعر الجاهليين بل من شعر المخضرمين لكثرة من استشهد من الرواة في أيام الردة والفتح وأيام الفتن السياسية الكبرى. وإذا كان أبو بكر رضي الله عنه قد أشفق عَلَى القرآن الكريم أن يضيع بعد أن قتل من المسلمين خلق كثير في حروب الردة فكيف يكون حال الشعر. .؟ وكيف يشغل العرب عن قول الشعر والنبي صلى الله عليه وسلم كان يسمعه ويدعو إليه ويأمر شعراءه أن يدفعوا عنه بقصائدهم وأشعارهم والخلفاء الراشدون كانوا يكثرون استشهاده والبحث عنهم والقول فيه بل كيف يشغلون عن قول الشعر ومصادره الحقيقية قد كانت كثيرة موفورة فإن صدر الإسلام لم يخل من حروب ينشد فيها الشعراء قصائد المدح للقواد المنتصرين والرثاء للشجعان المستشهدين وتحريض الأولياء وهجاء العداء والفخر بحسن البلاء ولو أن هؤلاء المؤلفين قرأوا التاريخ في كتبه المطولة المبسوطة واستظهروا ما تشتمل عليه سيرة النبي وتاريخ الخلفاء من متاناالقصائد وجياد الأراجيز في فنون الشعر المختلفة ما استطاعوا أن يسجلوا عَلَى أنفسهم هذا القول ولا أن يصموا القرآن الكريم بأنه قد كان سبباً لانحطاط الآداب العربية يوماً ما. الخطابة كان شأن الخطابة في صدر الإسلام أرقى بكثير من شأنها في الجاهلية لأنها كانت صناعة الخلفاء والأمراء وحرفة الجيش والذادة عن الثغور فقد سن النبي صلى الله عليه وسلم للمسلمين صلاة الجماعة وجعلها من حق الخليفة يقيمها في حاضرة الدولة ويستخلف عليها الأمراء في الولايات فكان يجب عَلَى الخليفة والأمراء أن يخطبوا المسلمين يوم الجمعة من كل أسبوع ولم تكن هذه الخطبة مقصورة عَلَى الوعظ والدين كما هي الآن بل كانت تتناولهما وتتناول الشؤون الاجتماعية والاقتصادية والسياسية فكان اجتماع المسلمين في مساجدهم يوم الجمعة أشبه شيء باجتماع المجالس النيابية الآن إلا أن مجامعهم كان يرأسها الخليفة المسئول أمام الصغير والكبير ولم يكن يكره الخليفة أن يقوم له الرجل من أطراف المسجد فيرد رأيه أو ينافس خطبته بل كان ذلك لهم مصدر سرور وإعجاب. وكما أنكم ترون الآن وزارات المم الراقية لا تستطيع أن تنهض بعملها إلا بعد أن تعرض خطتها السياسية عَلَى مجلس النواب كذلك كان الخلفاء الراشدون لا يستطيع أحدهم أن ينهض بأعباء الخلافة حتى يجمع المسلمين ويخطبهم خطبة يبين فيها نموذجاً لسياسته التي سيتبعها في أيام خلافته عَلَى أن حادثاً كبيراً قد حدث للعرب فاثر في أخلاقهم وآداب لغتهم ولاسيما الشعر والخطابة وهذا الحادث هو الفتنة التي ابتدأت بقتل عثمان ولم تنته آثارها إلى الآن. منشأ الفتن الإسلامية منشأ الفتن الإسلامية أيها السادة شيء واحد هو النزاع بين الملكية والجمهورية وقد بدئ هذا النزاع بعد موت النبي صلى الله عليه وسلم فكان بنو هاشم يرون الملكية الشورية ويعدون أنهم أحق الناس بوراثة الملك عن النبي صلى الله عليه وسلم ولسان هذا الحزب علي والعباس وكان أبو بكر وعمر وعامة الصحابة يرون الجمهورية عَلَى أن تنحصر في قريش لأن القرآن لم يجئ بوراثة الملك ولأن النبي قد قال الأئمة من قريش وقد انتصر هذا الحزب عَلَى جماعة الأنصار الذين كانوا يريدون أن يكون منهم أمير كما انتصر عَلَى بني هاشم أيضاً فبويع لأبي بكر وعمر ومن بعده لم يتخلف عن البيعة بنو هاشم لأنهم كانوا يرجون أن يؤول الأمر إليهم بعد موت هذين الرجلين ولما وضع عمر قاعدة الشورى بويع عثمان وجد بنو هاشم في أنفسهم وبايعوا مكرهين لأن بني أمية وهم رهط عثمان كانوا أكثر قريش عصبية وأشدها قوة وكان يخشى منهم أن ينهضوا فيثبتوا الملك لأنفسهم بالسيف ولذلك لم تمض عَلَى بيعة عثمان أعوام حتى ثارت أطراف الدولة عَلَى الولاة وكثر الطعن في الخليفة والنعي عليه ثم أقبلت وفود العراق ومصر إلى المدينة وقد اضمروا الشر واستشعروه فحصروا دار عثمان ولم يتركوها حتى قتلوه وبايعوا علياً وكان هذا أول عهد الإسلام بالفتنة ولما قتل عثمان وبويع علي خرج عليه طلحة والزبير وعائشة يطالبون بدم عثمان فكانت بينه وبينهم موقعة الجمل ولم تكد تخمد هذه الثورة حتى خرج عليه معاوية وأهل الشام يخلعونه ويطلبون قتلة عثمان ويردون الأمر شورى بين المسلمين فكانت بينه وبينهم مواقع صفين ولما التحم القتال بينهما ولجأوا إلى التحكيم خرج طائفة يقولون أن علياً ومعاوية ومن تبعهما قد كفروا بالله ومرقوا من الدين فحلت لنا أموالهم وأنفسهم ونساؤهم وهكذا انقسم المسلمون أقساماً وتحزبوا أحزاباً. تفرقوا شيعاً فكل جزيرة فيها أمير المؤمنين ومنبر قتل علي وتم الأمر لمعاوية ولكنه لم يمت حتى عاد الانقسام إلى المسلمين أشد مما كان ونشات فتن تمزقت لها وحدة الأمة وتفانت من أجلها القوى ولست أريد أن أذكر الفتن وأخبارها ولا أن أشرح غوامضها وأسرارها بل يكفي أن أذكر لكم الأحزاب التي أوجدتها هذه الفتن فأولها حزب الشيعة وهم أنصار بني هاشم وهؤلاء انقسموا قسمين كبيرين فمنهم من دعا إلى بني علي ومنهم من دعا إلى بني العباس - الثاني حزب الأمويين وهؤلاء انقسموا قسمين أيضاً فمنهم من دعا إلى بني ومعاوية ومنهم من دعا إلى بني مروان - الثالث حزب الزبيرية وهم أنصار عبد الله بن الزبير وكل هؤلاء يطلبون الملك ويطمعون فيه. الرابع حزب الخوارج وهؤلاء قد انقسموا اقساماً كثيرة ولكنهم يطلبون الجمهورية - الخامس حزب المرجئة ومه جماعة لم يظهروا الميل إلى حزب من الأحزاب ولم يحكموا عَلَى أحد بكفر ولا بإيمان وغنما تركوا ذلك لله وقد أظهروا الطاعة لكل ملك عادل من أي حزب كان. . . وكل هؤلاء الأحزاب كانت تحتكم إلى السيف والقوة وتدافع عن آرائها بالشعر والخطابة وقد سلكوا بالشعر في تلكم الأيام مسلك الصحف السياسية الآن وأنا أترك لكم تقدير ما ينال الشعر والخطابة في اثر ذلكم الاختلاف من علو المنزلة وسمو المكانة ولكني أقول أن الخطب قد طالت وتنوعت مناحيها وسلك بها الخطباء طرقاً جمة في الجدال وقد رقت ألفاظها واستعارت من القرآن الكريم شيئاص من رشاقة الأسلوب ومتانته ولم تكن تحسب الخطبة إلا إذا رصعت بشيء من آي الذكر الحكيم عَلَى طريقة الاقتباس وقد اختصت الخطابة في هذا العصر بوجوب ابتدائها بحمد الله والصلاة عَلَى نبيه فإذا لم تبدأ بالحمد فهي بتراء وإذا خلت من الصلاة فهي شوهاء وهذه هي المعذرة التي حملتني عَلَى أن أخالف في هذه الخطبة عادة العصر الجديد. الآداب العربية في أيام بني أمية تمالملك لبني أمية آخرة الأمر وقد ورث العرب أرض الفرس والروم وتهيأت لهم أسباب الثروة والغنى فسكنوا القصور الشامخة واتخذوا نضائد الحرير وسطور الديباج وطعموا في آنية الذهب والفضة وصحت فيهم نبوة أبي بكر رضي الله عنه حين قال لعبد الرحمن بن عوف والله لتتخذن نضائد الحرير وستور الديباج ولتألمن النوم عَلَى الصوف الأذربي كما يألم أحدكم النوم عَلَى حسك السعدان فلم يكن لأنفسهم بد من أن تتأثر بهذه الحضارة ولم يكن لألسنتهم مندوحة عن أن تخضع لهذا التأثر فرقت الألفاظ والمعاني ورشقت الأساليب والتراكيب وقد أعرب القوم عن أهواء أنفسهم وعواطف قلوبهم بالغناء ونشأت فيهم طبقة من الشعراء لم تحسن إلا ذكر النساء والتشبيب بهن وطبقة أخرى لم تجد إلا وصف الخمر والإشادة بمحاسنها وآخرون نبغوا في المدح والهجاء والوصف والرثاء والفخر والوعظ وغيرها من فنون الشعر وقد ظهر ميل القوم إلى العلم فأخذوا يبحثون عنه ويسعون إليه وبدأوا يضعون علوم الدين واستعاروا كثيراً من الألفاظ الأجنبية لكثير من المعاني المحدثة ولكن خطراً كبيراً قددهم اللغة ولم يكن إلى اتقائه من سبيل فلندع العرب الآن في جزيرتهم ولنقف آثار اللغة في مواطنها الجديدة لتعرف هذا الخطر من مصدره ونتبين ما أعدوه له من الدواء. كيف انتشرت اللغة العربية خرجت اللغة العربية من جزيرة العرب مع جيش المسلمين فصادفت لغة الفرس والروم في الشام والعراق فطردتهما ثم انتقلت إلى مصر فصادفت لغة الروم والقبط فطردت الأولى ومحت الثانية ثم أخذت طريقها في شمال أفريقية فلقيت لغات البربر فحصرتهن في رؤوس جبال الأطلس ثم جاوزت إلى الأندلس فالتقت باللاتينية والغوطية فحصرتهما في الكنيسة وبيوت المسيحيين. كل ذلك في مدة لا تتجاوز خمسة وثمانين عاماً فمن أين لها هذه القوة وذلكم البأس الشديد. .؟ هنا يجب أن نسير في البحث عَلَى مهل وأناة لأننا بإزاء شبهة عصرية ترد عَلَى الدين واللغة معاً. قالوا أن دين العرب ولغتهم لم يسودا إلا بالقوة والسيف ولست أريد الآن أن أذود عن الدين فربما أديت هذا الواجب في محاضرة أخرى وغنما أريدأن أدافع عن اللغة التي هي موضوع بحثنا الآن. اعتذر بعض القديسين من ظلم الكنيسة في القرون الوسطى فقال يضطهد الأشرار من يكرهون ولكن الكنيسة تضطهد من تحب. أما أنا فأقول أيها السادة أن الإسلام لم يضطهد حبيباً ولا عدواً وإذا كانت حضارة الفرنج ومدنيتهم قد أباحتا لهم أن ينشروا لغتهم وهمجيتهم وعلومهم وآدابهم بالقوة والبأس فإن بداوة العرب وهمجيتهم لم تبيحا لهم شيئاً من ذلك في صدر الإسلام وكذب من يزعم أن في التاريخ العربي الجميل إشارة ما إلى أن اللغة العربية قد التجأت في سؤددها إلى القوة أو اعتمدت عَلَى السيف. وكيف لا يكذب ودواوين الحكومة الإسلامية في الشام والعراق ومصر بقيت أعجمية إلى عصر عبد الملك بن مروان أي إلى الزمن الذي استعربت فيه الناس وأصبح من خطل الرأي وسوءا السياسة معاملتهم بغير اللغة التي يفهمونها. إذاً فما هي الأسباب الحقيقية التي نشأ عنها انتشار اللغة وسؤددها. .؟ إن لبعض الأمم قوة طبيعية تمكنها من القهر والتغلب ومن الفوز والانتصار المادي والأدبي أَنى وجدت وإذا أردت لهذا النوع من المم فلن أجد له مثالاً الآن أصدق من الإنكليز في أمريكا. أولئك الذين يسحقون شخصية الأمم ويمحقون جنسيتها في أميركا ويغلبون عليهما جنسيتهم ولغتهم ودينهم من غير اعتماد عَلَى قوة ولا اعتداد بسلاح وقد كان العرب من هذا النوع فتمكنوا من التغلب الأدبي ولولا أن لغتهم صادفت من أهل الفرس عداءً وحقداً ومن لغتهم قوة وشدة لأتت عليها في وقت قريب. وهناك سبب آخر لانتشار اللغة العربية وهو الدين العربي الذي يأخذ كل مسلم بالصلاة ومعنى ذلكم أنه يأخذ كل مسلم بحفظ شيء من القرآن الكريم وليس عَلَى الدين من ذلك بأس فإن الله لم ينزله إلا ليجعل الناس أمة واحدة كما أنه لم يسد بالقوة ولم ينشر بالإكراه. ولقد نشأ عن اختلاط العرب بالعجم ومصاهرتهم شيء من فساد الألسنة واعوجاجها وظهر اللحن في اللغة من لمولدين والمستعربين وهذا هو الخطر الذي أشرنا إليه آنفاً ولما أحسه العرب في القرن الأول للهجرة نهضوا لإصلاح رسم المصحف ووضع النحو والصرف وجمع اللغة وتدوينها ولكن انقضت الدولة الأموية ولما يحصلوا من ذلك عَلَى شيءٍ كثير. الآداب العربية في أيام بني العباس نهضت دولة بني العباس والعرب قد سئموا الغزو وزهدوا فيه لطول ما قاتلوا في الفت والفتوح فمالوا إلى الخفض والدعة واطمأنوا إلى الترف والتعليم. وقد نضج العقل العربي فنزع إلى البحث والتفكير ورغب في النظر في أنواع الموجود فانقسمت الأمة إلى قسمين كبيرين قسم ينل الحضارة ويهذبها وقسم يترجم العلم ويزيد فيه والخلفاء يشاركونهم في كل ذلكم ويشجعونهم عليه فلم يأت عصر المأمون رحمه الله حتى بلغت العرب من العلم والحضارة ما لم تبلغه الأمم ولم تصل إليه الشعوب. الخطابة ولعلكم لم تنسوا تلك الأحزاب السياسية التي أوجدتها الفتن الإسلامية واشرنا إليها آنفاً فقد أضعفت قوة العباسيين أمرها بالمشرق وفلت عزمها فاستحالت إلى احزاب دينية خالصة وقد تركت السيف والسنان ولجأت إلى القلم واللسان واعتمدت عَلَى الجدل والمناظرة معتدة بالعدل والحكمة معتزة بالفلسفة والمنطق فكان للخطابة من ذلكم جمال وروعة لم يكونا لها من قبل ولاسيما بعد أن عرفوا أصول الخطابة عند اليونان بما ترجموه من كتب أرسطوطاليس. . وقد أصبحت الخطابة في أيام بني العباس صناعة تعلم وقد انفرد لدرسها جماعة أشهرهم إبراهيم بن مخزنة السكوني وبشر بن المعشمر وقد وضعوا لها أدباً وشرائط خاصة دون بقية انواع القول واشتد حرصهم عَلَى مراعاة الآداب والشرائط ولكن ذلك كله قد تهيأت له الأسباب في أواخر أيام بني أمية كما هي القاعدة الفطرية فإن تغير الأحوال الأدبية وغيرها لا يحدث بقيام دولة وسقوط أخرى وإنما هو نتيجة تغير خفي في أفكار الأمة وعقائدها ومكوناتها. وهذا التغير الخفي هو المؤثر الحقيقي في جميع ما يحدث للأمة من الاستحالات الأدبية والسياسية الخلقية. وقد انحصرت الخطابة لذلك العهد في تلكم الأحزاب السياسية التي استحالت إلى دينية وسميت بالمتكلمين ولاسيما بعد أن استهان الخلفاء بصلاة الجماعة والخطابة وقد بدأت هذه الخصلة في أيام بني أمية وأول من أحدث ذلك فيما أعلم هو الوليد بن عبد الملك الذي أهمل أول أدب من آداب الخطابة فخطب جالساً عَلَى المنبر ولم يكن للناس بذلكم عهداً وكثيراً ما لها الخلفاء بجواريهم عن صلاة الجمعة وأنابوا عليها القواد ورجال الحاشية وقد تحدث صاحب الأغاني أن الوليد بن يزيد اصطبح يوم الجمعة فلما نودي للصلاة كره أن يفارق الكأس فبعث إلى الناس في المسجد الجامع بجارية تؤمهم في الصلاة. ومما أبدع الوليد في الخطابة أنه شرب في يوم الجمعة فلما أردا الصلاة قال لندمائه والله لأخطبن الناس شعراً ثم صعد إلى المنبر فقال الحمد لله ولي الحمد نحمده في يسرنا والجهد ثم استمر في أرجوزته حتى أتمها. لذلكم فقدت الخطابة منزلتاه السياسية وعظم شأنها الديني عند المتكلمين فتنبغ فيها واصل بن عطاء وغيره وقد أدخل المتكلمون في الخطابة كلمات خصها العلماء بهم وحظروها عَلَى غيرهم فقالوا أليس وليس يريدون الإثبات والنفي وقالوا لاشى المادة يريدون جعلها لا شيء وقالوا ماهية الحيوان يريدون حقيقته وقالوا كيفية الجسم يريدون شكله وصورته إلى غير ذلكم مما يخطئ في كتابنا حفظهم الله يستعملونه بغير حق وما هم في استعماله إلا ظالمون وقد تحدث الجاحظ رحمه الله أن بعض المتكلمين سمع في مجلس بعض الخلفاء رجلاً يتكلم ويقول أليس وليس فكاد يطير فرحاً ويتقد غيظاً فأما الفرح فلأنه سمع كلمته الاصطلاحية وأما الغيظ لأنه سمعها من غير متكلم أي من غاصب لها معتد عليها ولم يأت عصر المعتصم بن الرشيد حتى اعتمد العلماء عَلَى الكتابة وأخذ ظل الخطابة في الزوال وربما كان آخر الخلفاء الذين خطبوا الناس من بني العباس هو المتوكل بن المعتصم. نستفيد ذلك من قول البحتري في تهنئته بالعيد. . ووقفت في برد النبي مذكراً بالله تنذر مرة وتبشر الشعر أما الشعر فقد رقي في أيام بني العباس حتى كاد يفنى حسناً ولطفاً وقد تصرف في أنواع من القول وتعددت مذاهبه ومناحيه باتساع الحضارة واستفحال العمران وكبر العقول والمدارك وأظنكم تفهمون مقدار الفرق الكبير بين الشعر العباسي وغره من أنواع الشعر العربي إذا سمعتم قول بشار في الشورى إذا بلغ الرأي المشهورة فاستعن بحزم نصيح أو نصيحة حازم ولا تجعل الشورى عليك غضاضة فإن الخوافي قوة للقوادم  أو قوله في المدح إذا أيقظتك خطوب الزما ن فنبه لها عمراً ثم تم أو قول أبي نواس في الغزل دمعة كاللؤلؤ الرط ب عَلَى الخد الثيل ذرفت في ساعة الب ين من الطرف الكحيل إنما يفتضح العشا ق في وقت الرحيل أو قول البحتري في الاستعطاف سيدي أَنت ما تعمدت ذنباً فأجازى به ولا خنت عهداً أتراني مستبدلاً بك ما عث ت بديلاً أو واجداً منك ندا حاش لله أنت لتن ألفا ظاً وأحلى شكلاً وأصلح قدا أو قوله في وصف عواطف الحب والبغض إذا احتربت يوماً ففاضت دماؤها تذكرت القربى ففاضت دموعها شواجر أرماح تقطع بينهم شواجر أرحام ملوم قطوعها عَلَى أن القرن الثالث للهجرة لم يكد ينصرم حتى ذهب معه جمال الشعر العربي وأخذ الشعر يبدو في منظر سمج ومعرض رث. الكتابة بقيت صناعة من صناعات الآداب العربي لم نتكلم عنها في الجاهلية ولا في جميع الأعصر العربية إلى الآن وهي الكتابة وأظنكم تعلمون أن الجاهليين لم يكونوا عَلَى شيء منها لمكانهم من الأمية فأما في صدر الإسلام وأيام بني أمية فقد كانت الكتابة موجزة مجزاة إلى أن جاء عبد الحميد كاتب مروان بن محمد آخر الخلفاء من بني أمية فأطال فيها وترسل قفى أثره كتاب العباسيين ولكنهم بالغوا في الأطناب وأغرقوا في الترسل وظهرت في رسائلهم صبغة الفلسفة التي اصطبغت بها عقولهم وقد أخذوا عن اللغات الأخرى كثيراً من الأساليب الجديدة ونبغ فيهم أمثال ابن المقفع والجاحظ وابن وهب ولم يأت القرن الرابع للهجرة حتى أخذت الكتابة العربية في الانحطاط وأخذ التكلف والمحاولة مكان الترسل والسهولة الفطرية. العلوم في أيام بني العباس اشرنا في أيم بني أمية إلى ما أصاب اللغة من اللحن والتحريف وقلنا أن العرب أشفقوا عَلَى اللغة أن تفسد وعَلَى الكتاب أن تعبث به الألسنة فنهضوا لوضع النحو والصرف وجميع اللغة وتدوينها ولكن ذلك لم يتم الا في أيام بني العباس إذ نهض ائمة البصرة والكوفة فأخذوا اللغة عن قبائل العرب الخلص الذين وثقوا منهم بعد مخالطة الهند والفرس والروم والحبش والقبط ثم دونوها في الكتب فاستنبطوا منها قواعد الألفاظ من نحو وصرف واشتقاق ووضع الخليل بن أحمد علم العروض والقافية وأصلح الخط ووضع شكله المعروف إلى الآن مقتطفاً الفتحة من اللف والكسرة من الياء والضمة من الواو كما يظهر ذلكم في مقابلة هذه الحركات إلى تلكم الحروف وقد توسع سيبويه في النحو والصرف فألف كتابه المعروف الشائع إلى الآن وألف الخليل بن أحمد أول معجم لغوي وهو كتاب العين وأخذ العلماء يصنفون الكتب الأدبية يجمعون فيها أطرافاً من جيد الشعر وبارع النثر ليستظهرها الطلاب فيستعينوا بها عَلَى تقوية الملكة العربية وتقويم الألسنة وتفرغ قوم لرواية الحديث وآخرون لرواية المغازي والتاريخ وأيام العرب وغيرهم من الأمم وانفردت طائفة لاستنباط الحكام وتشريع القوانين وتدوينها وآخرون لرواية القرآن وعام القراآت واختصت جماعة بنقل الكتب الفلسفية في العلوم المتنوعة عن المم المختلفة وشرحها والزيادة عليها وعَلَى الجملة لم تجد اللغة العربية عصراً كهذا العصر أصبحت فيه لغة العقل واللسان والوجدان والدين ولكن ما ينفعها ذلكم وقد أصابتها الخطر الداهم الذي لا دافع له ولا مندوحة عنه فقد أصبح فساد الألسنة عاماً وأصبحت اللغة الفصحى في الحواضر مقصورة عَلَى العلماء والخاصة وأما عامة الناس فأخذوا يتكلمون بلغة سيئة اللهجة فاسدة التركيب سوقية الأسلوب وظهر إن ذلكم الدواء الذي التجأ إليه العرب لم ينفع إلا في حفظ اللغة والكتاب من الفساد فأما تقويم اللسنة وتهذيب المنطق فلم يكن قادراً عليهما قد أخذ العامة يخترعون لهم فنوناً خاصة من الشعر لا يزال كثير منها باقياً إلى الآن وهو الذي يدور عَلَى السنة العامة والمغنين ولم يأت القرن الرابع حتى بدأ عصر الانحطاط. سقوط اللغة العربية ففي ذلكم القرن بدت بوادر العلة عَلَى اللغة فذهبت نضرتها وتصوت زهرتها ومال الكتاب إلى السجع البارد والازدواج الفاتر والتكلف الممقوت وأخذ العلماء يستنبطون علوم الأساليب كالبيان والمعاني فلهوا بالقديم من جيد الكلام عن أحداث الجديد من أمثاله وقد اخذ الشعراء يتعلقون بأهداب البديع ويتشبشون بمحسنات اللفظ ويغلون في المجاز والاستعارة حتى صار لشعرهم معرض رث ومنظر سمج ولعل لآخر من أجاد من الشعراء في هذا القرن عَلَى الطريقة الفنية الصحيحة المبرأة من العيب والنقد هو الشريف الرضي رحمه الله فأما المتنبي وأبو العلاء فقد عنيا بالمعاني أكثر مما عنيا بالألفاظ عَلَى أنهما كانا يحاولان الإجادة اللفظية فيقعان في التكلف الممقوت ليظهرا أنهما قادران عَلَى اللغة ومحيطان بها وحسبكم من ذلكم لزوميات أبي العلاء وما فيها من اصطناع الحواشي واتخاذ الطرق الوعرة. فأما المتنبي فلا أَستطيع أن أحصي سرقاته واستعاراته الباردة وتكلفه الممقوت وشغفه بالمحسنات اللفظية ولقد أحفظ من شعره ما لو أنشدتكم إياه الآن لظننتموه لغة فارسية أو هندية عَلَى أن كل ذلكم لا يغض من قدر الرجلين في الحكمة والفلسفة أما الخطابة فلم يبق لها أثر في ذلكم العصر وأما الكتابة فقد كثر فيها السجع والتكلف وكما قلنا وقد الفت كتب كلها عَلَى طريقة السجع وقد استعجمت الألفاظ ونشا في هذا العصر نوع من الكتابة ليس له نتيجة إلا الدلالة عَلَى المقدرة اللغوية كمقامات الحريري التي لا أريد أن أُصفها إلا بان كلام الجاهلين اقرب منها فهماً وأسوغ منها مذاقاً وأحسن في الإسماع وأدنى في الانطباع ولم يأت القرن السادس حتى لزمت اللغة العربية كلها وأخذت في الاحتضار وهنا يصعب علي أيها السادة أن أرافق اللغة وهي تحتضر فلأدعها الآن ولبحث عن أسباب نموها وسقوطها. أسباب نمو اللغة العربية في اللغة العربية مزايا ثلاث هن أسباب نموها وارتقائها وهن الاشتقاق والمجاز والتعريب. فأما الاشتقاق فهو تغيير مادة الكلمة تغييراً قريباً أو بعيداً أو أبعد إلى صور مختلفة للدلالة عَلَى معان متنوعة فكلمة الرفع مثلاً تدل عَلَى العلو فإذا غيرت إلى الفرع دلت عَلَى الغصن وإذا غيرت إلى العرف دلت عَلَى الطيب وإذا غيرت إلى العفر دلت عَلَى التراب ثم لنا أن نأخذ منها رفع بالتحريك للدلالة عَلَى الماضي وكذلكم يرفع ورافع ومرفوع الخ. وأما المجاز فهو إطلاق الكلمة عَلَى غير معناها لعلاقة بين الجديد والقديم مع قرينة تمنع من إرادة المعنى الأول فنستطيع أن نطلق الغيث عَلَى النبات لأنه سببه وأن نطلق النبات عَلَى الغيث لأنه مسبب عنه وأن نطلق العين عَلَى الرجل لأنها جزء منه وأن نطلق الأسد والبدر عَلَى الشجاع والجميل لن بينهما مشابهة ومشاكلة وأما التعريب فهو نقل كلمة أجنبية إلى اللغة العربية واصطلاحها حتى تصير عَلَى الوزان المقبسة المعروفة وهذا النوع كثير في كلام الجاهليين وفي القرآن الكريم وكثرته في عصر الأمويين والعباسيين مدهشة. . . فهذه المزايا الثلاث التي توجد في اللغة العربية أكثر مما توجد في اللغات الأخرى وقد جعلت اللغة مستعدة للنماء والارتقاء قابلة لكل جديد مرحبة بكل طريف لا تضيق بها مهما كان أمره ولذلك استطاعت أن تسع حضارة الفرس والروم وأن تحيط بأنواع العلوم عَلَى اختلافها من غير أن تشكو فقراً وتظهر احتياجاً. وفي اللغة العربية عيبان عارضان وهما كثرة الترادف والإغراق في الاشتراك أما الترادف فهو دلالة الألفاظ الكثيرة عَلَى معنى واحد وأما الاشتراك فهو دلالة اللفظ الواحد عَلَى معان كثيرة. الترادف والاشتراك طبيعيان في كل لغة ومصدرهما اختلاف الأذواق وتباين المشارب في الواصفين وهما من أقوى الأدلة عَلَى أن اللغة من وضع الإنسان فهما ليسا من عيوب اللغة وإنما كثرتهما هي العيب وقد وجدت هذه الكثرة في اللغة العربية وبلغت حداً فاحشاً حتى أن بعض المعاني ليدل عليه المئات الكثيرة كما أن بعض الألفاظ بما دل عَلَى عشرات المعاني. ومع السرور أيها السادة أقول أن هذا العيب ليس طبيعياً في اللغة العربية وإنما هو عارض محدث وأول عهد الناس به بني أمية وبني العباس فقد علمنا أن العرب كانوا ذي لهجات متباينة ولغات متباعدة في الجاهلية ثم غلبت لغة قريش عَلَى اللغات بواسطة السواق وظهور الإسلام فلما نهض الأئمة لجمع اللغة وتدوينها اخذوا لغات القبائل الصريحة عَلَى علاتها وخلطوها من غير تفريق ولا تمييز فنشأ من ذلك كثيرة المعاني للفظ الواحد وكثرة الألفاظ للمعنى الواحد وهذان هما الترادف والاشتراك. هذه هي أسباب نمو اللغة العربية وثروتها وأنتم ترون بأنها كافية بان تجعل اللغة العربية من أقوى اللغات وأقدرها عَلَى الحياة كما أنها قد جعلت في اللغة كثيراً مما لا حاجة إليه. أسباب سقوط اللغة أما سقوط اللغة فلم يكن عن ضعف فيها أو فتور في طبيعتها وغنما هو نتيجة سبب لا أعرف غيره وهو تغلب العجم عَلَى العرب وتعمدها إشهار الحرب عَلَى اللغة والدين والجنسية العربية حتى أتوا عليها جميعاً فأنتم تعلمون أن طبيعة الإنسان وتوجب عَلَى الأمة الغالبة أن تبذل قوتها في أن تجمع السيادة للغتها ودينها وآدابها ومن حسن حظ الإسلام أن الأمم التي تغلبت عَلَى العرب لمتلبث أن دانت به واتخذته ديناً ولولا ذلك لحاربته وناوأته كما حصل ذلكم في بلاد الأندلس أيام تغلب الفرنج عَلَى المسلمين فقد استحالت المساجد فيها إلى كنائس ولم يبق للإسلام بها أثر قليل ولا كثير ومن حسن حظ اللغة العربية أن الإسلام لا يستطيع أن يستغني عنها لأن القرآن عربي والسنة عربية والفقه القديم عربي ولولا ذلكم للحقت اللغة العربية بأخواتها القديمة الدارسة أو لأصبحت لغة صناعية كاللاتينية واليونانية القديمتين. نهضة اللغة العربية في العصر الجديد اقبل هذا العصر الجديد وقد أتت لغة الترك عَلَى اللغة العربية في الشام والعراق وبلاد العرب وطردتها فارس من بلاد الفرس فظلت لغة الدين في بلاد الدولة العلية وبها حديث العامة مع تحريف قبيح بلهجات سيئة يمقتها المصري وإن كانت لغته وقد أصابها من التحريف شيء كثير أنا الفرس فينطقون بها القرآن الكريم عَلَى غير ما نطق به النبي صلى الله عليه وسلم يفخمون حروفاً ويرققون أخرى وربما لم يتيسر لهم الإعراب في التلاوة وقد ناهضت لغات الإفرنج والبربر عربية المغرب في شمال أفريقية فشوهت محاسنها وجعلتها بحيث لا تكاد تفهم. نعم إنها لا تزال لغة المساجد والدين ولسان العامة ولكن الفرنج قد أتوها من ناحية لا تأمن معها الفناء فأخذوا يعلمون لغتهم للأحداث ويهملون تعليمهم اللغة العربية حتى ينشأ أحدهم وهو لا يعرف من لغته إلا الرطانة السوقية التي يصطنعها العامة في أحاديثهم وهي خليط من العربية والبربرية والفرنسية والإسبانيولية فقد ظهرت نتيجة هذه الحرب الضروس فكره شبان الجزائر لغتهم وزهدوا فيها حتى أن كتب الدين الإسلامي ربما ألفت لهم بالفرنسية. أما في مصر فلم يكن نصيب اللغة من الفساد قليلاً بل كان كثيراً غالباً في الكثرة وحسبكم أن من العسير جداً أن تجدوا كاتباً مصرياً يجيد الإعراب في هذه العصور الأخيرة التي تنتهي قبل الآن بأقل من نصف قرن غير أن الأحوال قد تغيرت في مصر والسام تغيراً غير قليل في هذه الأيام فنهض من القطرين رجال حاولوا إتقان اللغة والنبوغ في فنونها فأدركوا من ذلكم نصيباً موفوراً ثم عكفوا عَلَى إحياء اللغة بنفس الطريقة التي اصطنعت أيام بني العباس وهي طريقة النقل والترجمة وليس من السهل ولا من المفيد أن نبحث عن أي القطرين كان أسبق إلى ذلكم وأحرص عليه ولكن يكفي أن نشير إلى أسباب النهضة ومقدماتها وذلكم غير عسير. للنهضة اللغوية في نمصر زعيمان لكن منهما ركن يأوي إليه ويعتز به أما أولهما فالمرحوم رفاعة باشا نهض لإحياء اللغة بفضل الأمير الجليل رأس الأسرة المالكة في مصر فقد أتقن العلم باللغة ونبغ في كثير من الفنون واخذ يترجم ويأمر أقرانه وتلاميذه بالترجمة ويصلح كثيراً من راجمه حتى وجد في اللغة العربية كثير من الكتب المختلفة في أنواع العلوم وكل ذلك يرجع الفضل فيه إلى الوفود العلمية التي كان يبعثها ذلكم الأمير الجليل إلى بلاد الفرنج لتدريس العلم وتعود إلى مصر فتنقله إليها بلسان عربي مبين. نعم عن ذلكم لن يتيسر كل التيسر فإن كثيراً من تلكم الكتب يشينها سوء السبارة وغموضها وسوقية اللفظ وسقوطه ولكن صدق المثل القائل ماش خير من لاش عَلَى أن هذه النهضة لم تكن إلا مقدمة فمن الخطأ أن نتمنى لو كانت راقية كل الرقي أو بالغة الكمال. أما الثاني فهو الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رضي الله عنه ومعينه هو الوزير الخطير المرحوم مصطفى رياض باشا فقد نشا الأستاذ رحمه الله محباً للعلم عاكفاً عليه وكان كما تعلمون ذكي القلب ثاقب البصيرة ماضي العزم شديد الصريمة فلم يلبث أن نبغ في كثير من الفنون وبلغ ما لم يبلغه مصري قبله ولا بعده وعلي لا أغلي إذا قلت في جميع أيام التاريخ حتى الآن. وقد أتقن رحمه الله اللغة الفرنسية وعرف ما تشتمل عليه من العلوم فاخذ يحث مريديه عَلَى ترجمة الكتب النافعة ويشجعهم ويعمل هو لذلك بقد رما يستطيع وأخذ يجد أيضاً في إحياء كثير من الكتب العربية القديمة وحسبكم أن كتاب المخصص في اللغة الذي ألفه ابن سيدة الأندلسي إلا أثراً من آثاره مساعديه من رجال الإصلاح المخلصين وقد مات رحمه الله وله عَلَى اللغة فضل كثير وقد أصلح من لسان الحكومة غير قليل فحل منه عقدة كان معها أعجم لا يبين. أما الآن فقد أصبحت نهضة اللغة في مصر فوضى ليس لها من زعيم ولذلكم كثر التخليط في الألفاظ والأساليب فالشعراء والكتاب يسترسلون في التعبير عن ضمائرهم غير جارين عَلَى قاعدة ولا معتمدين عَلَى قياس في كثير من الأحيان. الأزهر أجمع المؤلفون في تاريخ الآداب العربية من أبناء هذا العصر عَلَى أن الأزهر الشريف كان هو المعقل المنيع والحصن الحصين الذي احتمت فيه اللغة العربية من إغارة اللغات الأخرى عليها. واسمحوا لي أيها السادة بان هذا خطأ ليس له من الحق نصيب ولست أريد أن أستدل عَلَى ذلكم بل يكفي أن ترجعوا إلى كتاب المحاماة الذي ألفه الأستاذ الجليل فتحي زغلول باشا فإنكم ستجدون فيه من كلام العلماء وفيهم الأدباء المنشئون ما يضحك الثكلى ويسلي هم الحزين فإن أعياكم هذا الكتاب فارجعوا إلى كتب الأزهر يين انفسهم فإنها تستطيع وحدها أن تبرهن عَلَى ما أدعيه فإن أعياكم فهم هذه الكتب فكتاب صغير يباع بثمن قليل اسمه إنشاء العطار أرجوا أن ترجعوا إليه فإنكم ستجدون فيه أحسن فكاهة لكم في أوقات الفراغ ولا تزال لغة الأزهر الشريف إلى الآن مع الأسف متأخرة عن لغة غيره من المدارس ومعاهد العلم وحسبكم دليلاً عَلَى ظلم الأزهر للغة العربية أن كتاباً واحداً من كتب الدب واللغة لم يكن يدرس فيه فلم جاء الأستاذ الإمام أنر أن يقرأ فيه كتاب الكامل للمبرود ولكنه لم يكد يخرج من الأزهر حتى ألغيت قراءة الكتاب إلى أن جاء شيخ الأزهر الحالي فارجع الأمر كما كان. والنظام الجديد هو الذي أدخل في الأزهر آداب اللغة كما أدخل غيره من العلوم الحديثة. المدارس نخطئُ كل الخطأ إذا اعتمدنا عَلَى المدارس في تقويم الألسنة وإصلاح المنطق فإن هذه لمدارس لا تزيد عَلَى تلقن الطلاب شيئاً من قواعد النحو والصرف والبلاغة وليس ذلك بمغن عنا شيئاً وإنما السبيل والواضحة إلى ما نريد هي تمرين الطلبة عَلَى الإصابة في القول والإعراب في النطق مع درسهم مادة اللغة وأساليبها واستظهارهم الكثير الجيد من آداب القدماء وقد سلكت مدرسة القضاء شيئاً من هذا في أول أمرها فحظرت عَلَى الطلاب أن يتكلموا فيها إلا باللغة الفصحى وقال الأستاذ الجليل عاطف بك بركات فيما كتبه عن المدرسة في سنتها الأولى أنها إذا استمرت عَلَى السير في هذه الطريقة لم تلبث أن تصير قطعة من الحجاز في صدر الإسلام ولكن يظهر أنها قد أخطأت الطريق وجرت مع غيرها من المدارس في مضمار واحد. نهضة اللغة في العصر الجديد الصحف ولقد نخطئ خطأ كبيراً إذا جحدنا فضل الصحف عَلَى اللغة فقد جاهدت في ترقية اللغة وإصلاحها بما تخيرت من شريف الألفاظ والأساليب عَلَى انها لم تلبث أن التجأت كارهة إلى إدخال كثير من الأعجمي فيها وكثيراً ما تتعلق بالسجع وتتمسك بأهداب البديع حتى صار كثير مما ينشر فيها نوعاً من الأوابد والألغاز عَلَى أن المجيدين من كتابها قليلون. الصحف الرسمية يسوءني أيها السادة أن اقرأ في صدر الجريدة الرسمية الأمر العالي يختم باسم مليك مصر وارى في المجموعة الرسمية حكم القاضي مصدراً بهذا الاسم الكريم ثم أنظر في ألفاظهما فلا أرى من الفرق بينها وبين ألفاظ العامة إلا قليلاً ويسوءني أيضاً أن اقرأ في الصحف الرسمية رسائل الحكومة وقراراتها ثم أقران بينها وبين ما كان يصدر عن الحكومية العباسية والأموية من رسائل الصابئ وعبد الحميد فأرى الفرق بينهما كالبعد بين الأرض والسماء ولئن حق الاعتذار عن الحكومة في الأيام الماضية فإني لا أجد ما اعتذر به عنها الآن فقد أصلح الأستاذ الإمام رحمه الله جريدتها الرسمية وحلاها بمثير من الفصول النافعة ولكنه لم يكد يتركها حتى اقتطع نصفها وعادت إلى ما كانت عليه فيه من سوء اللهجة وفساد العبارة. وإنه ليحسن بالحكومة التي تعمل عَلَى إصلاح اللغة في البلاد أن تصلح لغتها قبل كل شيء حتى يثق الناس أنها إنما تعمل ذلك في بنية صادقة وعزم صحيح. الشعر لم يكن للشعر العربي أن يرقى بعد فساد السليقة اعوجاج الألسنة لذلكم انحط في الأيام الماضية حتى يكاد ينسى ولكنه الآن قد ارتقى بعض الشيء عَلَى أنه لا يزال منحطاً بالقياس إلى الشعر العربي القديم وإلى رقي الإنسان في هذا العصر وإن كان بالقياس إلى شعر القرن الماضي في أرقى الدرجات عَلَى أن العامة قد سلكوا في التعبير عن شعورهم مسلك الإسجال والأوزان البلدية وانقطعت العلاقة بينهم وبين الشعراء الذين اصطنعوا اللغة الفصحى كما قلت في أول المحاضرة. الخطابة أما الخطابة فهي الآن قسمان أحدهما خطابة المسجد وهي عبارة عن ألفاظ فارغة قد ملئت بها كتب كثيرة يحفظها أئمة المساجد ويتلونها عَلَى الناس من غير أن يكون لها أثر محمود وأنا أترك لكم تقدير نكبة المنابر الإسلامية بهؤلاء الخطباء بعد أولئكم المصاقع المناطيق. ومن المضحكات أن القاعدة في صدر الإسلام هي اعتماد الخطباء عَلَى السيوف في البلاد التي فتحت عنوة وعَلَى العصي في البلاد التي افتتحت صلحاً فلما خلف هذا الحلف أصبح أئمتنا يعتمدن الآن عَلَى سيوف من خشب عَلَى نحو من التقليد الممقوت. الثاني خطابة الأندية والجماعات عَلَى حد سواء كانت سياسية أو علمية أو أدبية وهذا النوع كثيراً ما يشتمل عَلَى المباحث المفيدة ولكن آداب الخطابة العربية قد تنوسيت فيه واستبدلت منها آداب جديدة بين العامية والإفرنجية وقد استباح الخطباء لأنفسهم في الخطابة أشياء لم تكن مستباحة من قبل بل كانت محظورة عَلَى الخطباء كالسعال وشرب الماء وغيرها أما لغة الخطابة فليست بتلكم اللغة الراقية وإنما هي عامية في كثير من الأحيان وبما يخلط الخطيب بين اللحن والإعراب ومصدر ذلكم أنه لم يحسن درس اللغة حين بدأ في تعلمها. طريقة الإصلاح لا اعرف في إصلاح اللغة إلا طرقاً ثلاث قديمة غير جديدة أي أني لست مبتدعاً لها بل قد سبقني لها المصلحون الأولى نشر الآثار القديمة للعرب وإحياء ما ألفوه من كتب العلوم والآداب ليقراها الناس فيحصلوا عَلَى نتيجتين لازمتين إحداهما معرفة الأساليب العربية الصحيحة واستظهار الألفاظ المتخيرة والوقوف عَلَى مبلغ ما كان للقوم من سعة المدارك والعقول - الثانية شعور القراء بفخامة ذلكم المجد الضائع والشرف المفقود شعوراً يدفعهم إلى النهوض لاسترداده وإعادة ما كان له من منزلة سياسية ومكان رفيع ويلحق بهذه الطريقة ترجمة الكتب النافعة مما ألفه الفرنج لنتسع بها العقول وترقى النفوس وقد جرى الأستاذ الإمام رضي الله عنه في هذه الطريق شأواً بعيداً فألف جماعة إحياء الكتب العربية التي نشرت المخصص وغيره من الكتب فلم يمت رحمه الله حتى نقض عقدها ولم يبق لها أَثر في الوجود وقد قرأت للحكومة في السنة الماضية قراراً في هذا الموضوع بفضل أستاذي الجليل أحمد زكي باشا وكن مضى عليه العام ولم تظهر له نتيجة أو أني لأخشى أن يكون قد لحق بأمس الدابر - الثانية تأليف جماعة من أُولي العلم باللغة والبصر بمادتها وأساليبها تقوم بما يحتاج إليه هذا العصر من تنمية المحدثات عَلَى إحدى الطرق التي أرت إليها آنفاً وهي الاشتقاق والمجاز والتعريب وتعمل عَلَى استبدال كثير من الألفاظ العامية بمرادفاتها من اللغة الفصحى وتشرف عَلَى أساليب الكتابة والشعر والخطابة فتذود عنها ما يدخله عليها الواغلون من أدعياء الشعراء والكتاب وإنما احتجنا إلى هذه الجماعة الآن لما تعلمون من أن اللغة الفصحى قد أصبحت الآن صناعية فلن تبلغ مكانتها الأولى إلا إذا وجدت لها من أهل السلم أطباء حاذقين يحسنون الطب لدائها والتلمس لدوائها وقد وجدت منذ سنين لسيء من هذا العرض في نادي المعلمين فاستبشرنا ورجونا الخير فاستقبلتها الصحف بالحمد والإغراق في الثناء ولكنها لم تلبث أن غطت في نوم عميق وأملها الآن تحلم بحسن الظفر وتحقيق الآمال. الثالثة تعويد الأطفال من أول عهدهم الإصابة وتخير الجيد من القول عَلَى الطريقة الممكنة حتى يشبوا وقد قويت السليقة العربية قلم يحتاجوا إلى القواعد إلا من حيث أنها نوع من الفلسفة اللغوية كما هو عملها الحقيقي ولست أرى لأكفأ لهذا العمل ولا أقدر عليه من الأستاذ أحمد أفندي القطان في بستانها الصغير الذي خطبكم فيه منذ أيام فإذا استطاع هذا الأستاذ أن يعدني بأنه سينشئ اللغة الفصحى في هذا البستان كما ينشئ الخلاق والعقول فقد حق له عليّ الثناء الجميل وقد حق علينا جميعاً أن ننهض ونبذل ما نستطيع لإيجاد هذا البستان وأمثاله وبهذه الطرق الثلاث التي فصلتها الآن تفصيلاً نستطيع أن نضمن للغة استرداد مجدها القديم. الاشتيام أو الاستياموالمتلمظة أو المتملطة ١ً معنى الاشتيام (بالشين وبالسين) عَلَى ما أثبته اللغويون وصحة ورود اللفظة بلغتين وجمعها ما معنى الاشتيام بالشين المثلثة النقط والاستيام بالسين المهملة؟ هذه اللفظة لم ترد في محيط المحيط لا في مادة ش ت م ولا في مادة س ت م بل ولا في اش ت م أو اس ت م وقد وردت في ذيل اقرب المورد نقلاً عن اللسان قال في مادة ش ت م: الاشتيام بالكسر: رئيس الركاب (اللسان) ولم يزد عَلَى هذا القدر. وأما أصحاب الصحاح والمصباح والأساس والقاموس والإقيانوس والبابوس ومطلع النيرين وابن الأثير والسيوطي وغيرهم فلم يتعرضوا لها. وقد ذكرها السيد المرتضى في مستدرك مادة ش ت م إذ قال: الاشتيام: رئيس الركاب. عن ابن برّي. ولم يفدنا عن أصلها ولم يذكر شرحها أكثر من هذا القدر. وأما الإفرنج من علماء اللغة العربية فلم يذكروها وقد نسبها غوليوس وفريتاغ وقزميركسي ودوزي. وقد ذكرها لين في معجمه مد القاموس قال: الاشتيام بالكسر (والظاهر من قوله (أي من قول صاحب تاج العروس) بالكسر أي أن يقال الاشتيام) وهو رئيس الركاب عَلَى ما فسره ابن برّي. (والظاهر من قوله: رئيس الركاب أي ركبان الخيل (كذا) لكن من أين أتت هذه اللفظة. ذلك ما لا أعلمه. اللهم إلا أن تكون معربة عن الفارسية استايام إن وجد عند الفرس مثل هذه اللفظ. ومعناها رئيس خيل البريد). أهـ قلت: هذا كله كلام لين اللغوي الإنكليزي العارف بأصول العربية إلا قولي: (أي من قول صاحب تاج العروس) وقولي: (كذا) فهي مني زدتها لفتاً للنظر. وهو في كلامه هذا بعيد بعد الثريا عن الثرى. ولعل البعض يرميني بسوء النقل أو الترجمة فماءنذا أورد هنا كلامه بنصه وحرفه الإنكليزي. قال: الاشتيام الاشتيام رئيس الركاب رئيس الركاب أستايام وليس هذا الغلط هو أول غلط وقع فيه هاويته هذا اللغوي الإنكليزي ولا هو الأخير ففي معجمه من الأغلاط لو تجسمت لقامت بين يديك كالجبال الشامخة. وليس هنا موطن ذكرها. هذا فضلاً عن أنه فاته ألفاظ ومواد كثيرة جاءت في القاموس أو تاج العروس بل في أصغر معاجم اللغة ودواوينها وهي لا توجد فيه ولا ذكر لها أو لمادتها أو أصلها في ديوانه. قلت: والمراد من كلام ابن برّي: رئيس الركاب هم ركاب السفينة لا غير كما يتضح تبيانه في ما يلي من الكلام وإيراد النصوص وكما يظهر معناه لأول وهلة. وأما الاستيام بالسين فقد وردت في تاج العروس. قال في لسان العرب مصحح طبعه في هامش مادة م ل ط: قوله والمتملطة الخ كذا بالأصل هنا (أي الاشتيام بالشين) وشرح القاموس قال: وسيأتي في ل م ظ وقد ذكر الاستيام هناك بالستين المهملة وعزاه للتكملة. وحرر كتبه مصححه. أهـ قلت أنا: والاستيام وردت كثيراً من نسخ كتب التاريخ كمؤلفات الطبري والمقدسي لا بل وقد قال الجواليقي ١٥٤ ) أن اللفظ الفصيح الصحيح هو الاستيام بالسين وشرحها هناك بمعنى: صاحب المتاع مع أن الكاتب نفسه ذكرها في كتابه المعرَّب باشين وإن وردت في بعض نسخ كتابه القديمة بالسين إذ يقول: السبيحي والجمع السيابحة: قوم من السند يكونون مع اشتيام السفينة البحرية وهو رأس الملاحين أهـ. ولم يذكرها الخفاجي في كتابه شفاء العليل. والظاهر أن لغتها بالسين أي الاستيام أفصح من الاشتيام بالشين المعجمة. لأن بعض أهل الجزائر يقولون إلى عهدنا هذا: ستم السفينة أوقفها في المرسى أو أرساها هنيهة من الزمان. وقد تلقى دوزي هذه الكلمة من الكتب ورىها هناك مكتوبة بالميم الممتدة لا بالميم الطويلة والملم الممتدة تشبه الراء أي أنه رىها مخطوطة: ستم فقرأوها ستمر واثبتها في معجهمطه ستمر قال: معناها أي ستمر (وهو لم يضبطها بل وضع بجانبها الرقم الروماني للدلالة عَلَى أنها من وزن الأول من الرباعي أي ستمر وعزاها في الآخر إلى أي نقلاً عنه. فانظر إلى هذا النقل وإلى هذا الإسناد. وقد وقع مثل هذا الغلط المتولد من سوء قراءة الميم لطابع كتاب البلدان لابن الفقيه الهمذاني وهو العلامة ذي خوي في الصفحة ٩ قال: فيه (أي في البحر) سمكة يقال لها الأطمر (هكذا وردت مضبوطة بالوجهين أي عَلَى وزن دغفل وزيرج) وما هي إلا كلمة أطم كتبت ميمها الأخيرة ممدودة بشكل راء أي هكذا أطمفظنها القارئ أو الناسخ أو الطابع أو من تشاء ميماً وراء. فصارت أطمر ونفس الكلمة أطم مصفحة عن أطوم. فانظر إلى هذه اللفظة التي تطورت أطواراً بيد الكتاب وقالوا فيها أيضاً لطوم. وظلوم ولطم. ولظوم ولطيم وغير هذه التصحيفات إلى ما شاءت أهواء النساخ والقراء. وممكن ذكر الاستيام بالسين المهملة غير الصاغاني في التكملة التاج في م ل ط ومصحح اللسان في م ل ط أيضاً والجواليقي وهو أبو القاسم في كلامه عن لغة الملاحين. وأما جمع اللفظة فلم يرد في كتب اللغة إلا أنه ورد مكسراً أو صحيحاً في كتب المؤرخين وأصحاب وصف البلدان. فقد جاءت اللفظة مكسرة في كتاب المقدسي المسمى بأحسن التقاسيم ص ١٠ قال وصاحبت مشايخ فيه ولدوا (أي في المحيط الهندي) ونشأوا من ربانيين وأشايمة أو في رواية وأسلمه (هكذا مكتوبة بدون نقط) وقد جاءت مجموعة جمعاً سالماً في تاريخ الطبري في عدة مواطن منها في قوله: حتى إذا استمرت الحرب أمر الجذافين والاشتيامين أن يحثوا السير. . . ومنها في قوله الآخر: فصكت الشذوات بعضها بعضاً حتى لم يكن للاستيامين والجذافين فيها حيلة ولا عمل فاحفظ الجمعين تصب إن شاء الله تعالى. ٢ً معنى اللفظة عَلَى التحقيق  يتحصل هذا المعنى من كتاب تاريخ الطبري. قال في حوادث سنة ٢٥١ هـ ٨٦٥ م ما قد مر بك أن لغويي العرب قالوا في معنى الاشتيام والاستيام: رئيس الركاب والملاحين ولم يخرجوا عن حيز هذا المعنى. إلا أن المعنى الأصلي كان لرئيس الملاحين أو لرئيس السفن البحرية الذي بيده الأمر والنهي وكل ما يتعلق بسير السفينة أو إيقافها إلى غير ذلك. نصه: ولخمس بقين من صفر دخل من البصرة (إلى بغداد) عشر سفائن حربية تسمى البوارج. في كل سفينة اشتيام وثلثه نفاطين ونجار وخباز وثلثون رجلاً من الجذافين والمقاتلة ومن هذا النص يؤخذ أن الاشتيام (وفي نسخة الاستيام) هو كبير البارجة البحرية ويقابله بالفرنسية ' وقال في حوادث سنة ٢٦٥ هـ ٨٧٨ م: واستخلف (الجبائي) عَلَى الشذوات الاشتيام الذي يقال له الزنجي بن مهربان فهنا المراد بالاشتيام أمير الشذوات كلها (وهي ضرب من السفن البحرية والنهرية التي تتخذ في الحروب) فيكون معناها بالفرنساوية وذكر في حوادث ٢٦٧ هـ ٨٨٠ م. محمد بن شعيب الاشتيام والمراد به رئيس المراكب البحرية الحربية لأنه يقول بعد ذلك: خرج الجبائي وسليمان في الشذوات والسميريات وقد كان أبو العباس أحسن تعبئة أصحابه فأمر نصيراً المعروف بابن حمزة أن يبرز للقوم في شذواته ونزل أبو العباس عن فرس كان ركبه ودعا بشذاة من شذواته قد كان سماها الغزال وأمر اشتيامه محمد بن شعيب باختيار الجذافين لهذه الشذاة وركبها إلى آخر الرواية مما يدل عَلَى أن محمداً هذا كان تحت إمرته عدة شذوات وسميريات. ومما يزيدنا ثباتاً في هذا الرأي كلام ابن صاحب الصلاة إذ يقول: تقلد الحكم عليها (السفينة) اشتيام ذو تيقظ واستبصار. وعليه فكلمة الاشتيام تدل عَلَى ما يقابله بالفرنسية هذا هو المعنى الأصلي عَلَى التحقيق في عهدالعباسيين. لكن لما انقطع العهد بالمحاربة عَلَى الشذوات والسميريات وبقي القوم يركبون السفن المذكورة لغاية التجارة والسفر أصبح الاشتيام بمعنى رئيس الركاب والملاحين معاً وله محل خاص كما في السابق لا يجلس فيه غيره وسموا هذا المقعد المتلمظة أو الملمطة كما سيجئ ذكرها. ولا يمكن أن يتصور الواحد أن يكون مقعد خصوصي لغير كبير السفينة. مثلاً أن يكون لخازن أمتعتها أو لخازن أطعمتها أو كما تخيله بعضهم فالمقعد الخاص هو للرجل الممتاز بين الجماعة والمتقدم فيهم لا غير. ٣ الاشتيام والاستيام من أصل يوناني لا من أصل فارسي أو إرمي قد مر بك أن لين العلامة الإنكليزي قال أن اللفظة من الفارسية وهي فيها أستايام أي رئيس خيل البريد والجال هذه اللفظة غير موجودة في لغة الفرس لا بالمعنى الذي ذكره لين ولا بمعنى آخر. وأما العرب فقد رايت أنهم يشيروا إلى عجمة اللفظة وكل مرة ذكروها اعتبروها كأنها عربية محضة مع أنها لا مناسبة بينها وبين مادة ش ت م أو س ت م وعليه فمن المحال أن تكون عربية المنبت. بقي علينا أن نقول إما أنها من أصل إرمي وإما من أصل يوناني. وزقد ذهب المستشرقون إلى أنها من أصل إرمي فقد قال فرنكل وذي هوي وباين سمث ولاوي وبكسترف وكل من تلا تلوهم أنها من إشتياما أي الاشتيام مبنىً ومعنىً وفسروها بالخاتم أي الذي يضع الختم عَلَى الشيء بعد أن يسده أو يغلقه. وقالوا أن معناها كما ذكره بابن سمث صاحب المتاع المحمول في السفينة أي يقابلها بالفرنسية وهي مشتقة من ش ت م: الإرمية أي سد وختم وسدم وسطم. قلت: إني لا أنكر أن كون اللفظة جاءت أيضاً بمعنى صاحب الأمتعة المحمولة في السفينة. إلا أن هذا المعنى فرعي وأقدم معنى وصل إلينا هو المعنى الأول: أي رئيس الملاحين الموجودين في سفينة واحدة وفي عدة سفينة بحرية كانت أو نهرية. حربية أو تجارية ثم إن فعل شتم أو ستم الإرمي لم يرد إلا قليلاً وزلم يأت في كتب الإرميين بالمعنى المذكور فالذي جاء في معجم ابن بهلول في معنى اشتياما: هو صاحب المتاع المحمول في السفينة كما نقله عنه باين سميث. ولم يذكر الفعل شتم أو ستم الإرمي. وجاء في كتاب دليل الراغبين في لغة الآراميين ص ٤٤ اشتياما: صاحب وسق السفينة أيضاً: خليفة تاجر الصحراء ووكيله ويحمل له الأثمار إلى الأهرآء لوقت الغلاة بأجرة معلومة اهـ. ولم يذكر كلمة الاشتيام العربية كما لم يذكر في كتابه الفعل شتم أو ستم. مع أتن هذا الفعل قريب إلى العربية وهو فيها سدم الباب وسطمه بمعنى سده. وفسر الأب برون اليسوعي اشتيامابما معناه: الساد أو السادم ومنه: واضع الأمتعة في مكان مغلق ولاسيما أمتعة السفينة وعندي أن الاشتيام إذا كانت مأخوذة من الإرمية فالإرمية غير مشتقة من فعل شتم أو ستم بل من اليونانية وهو اسم فاعل من فعل أي أوقف وأرسى وهذه تقال عن السفينة كما تقال تلك الرجل بل عن كل شيء. ومنه الفعل العربي المعروف عند هل الجزائر أي ستم بمعنى اوقف السفينة وأرساها. ولهذا السبب أيضاً قال الجواليقي أن الاستيام أفصح من الاشتيام. كما أن الاستيام وردت في التكملة ولم ترد فيها الاشتيام. فالسين فيها تبعاً للأصل اليوناني والشين لغة فيها. زكثيراً ما يقلب العرب السين المهملة شيناً ولاسيما إذا جاورت التاء كما يفعل الألمانيون في لغتهم. فقد جاء في العربية: جاحشته في جاحسته: إذا زاحمته. (عن ابن السكيت) وشمرت السفينة سمرتها: إذا أرسلتها (وهنا السين لم تجاور التاء) وقالوا: أنشفت لونه وانتشفت بمعنى واحد (عن أمالي تغلب) إلى غير ذلك. واللفظة اليونانية توافق كل الموافقة لمعنى الاشتيام لأن برئيس المركب أو المراكب يناط إيقافها وإجراؤها وتدبير أمرها كما يتضح لأدنى تأمل. ٤ً المتلمظة أو المتلمطة والسلوقية لو كان معنى الاشتيام في الأصل صاحب الأمتعة المحمولة في السفينة لما أفردوا لبها محلاً خاصاً به كما بينا ذلك قبيل هذا. لأن مثل هذا الرجل يجلس عَلَى أمتعته أو بجانبها لا في موطن ينفرد فيه والحال إننا نعلم أن للاشتيام موطناً خاصاً به ومقعداً يقصد فيه هو ولا يقعد فيه غيره يسمون المتلمظة قال في تاج العروس في ل م ظ: الملمظة (وهو لم يضبطها لا بالقلم ولا بالنص) مقعد الاستيام (هكذا بالسين المهملة) وهو رئيس الركاب والملاحين كما في التكملة. وسبق مثل ذلك في م ل ط (أي المتلمطة بتقديم الميم عَلَى اللام) ولا أدري أيها أصح. اهـ كلام التاج. وما بين هلالين هو من كلامنا. قلت: الأصل هو المتلمظة بتقديم اللام عَلَى الميم وهي مشتوقة من تلميظ الحية يقال: تلمظت الحية: إذا أخرجت لسانها. لأن الاشتيام يكون في مكان عال ي م شرف منه عَلَى البحر لينظر إلى يمينه ويساره وإلى أمامه وورائه متلفتاً تلفت لسان الحية ليتمكن من تسيير سفينته وحفظها من الخطر وإجرائها في محل أمين. كما هو معلوم عن محل الأشاتمة في يومنا هذا. ويفردون له محلاً خاصاً لكي لا يلهو بأحاديث الناس أو بما يحدث حواليه فينصرف ذهنه إلى ما لا يهمه ويقابله بالفرنساوية  واللسان لم يذكرها في (ل م ظ) إلا أنه ذكرها في مادة ر ب ع قال في الصفحة ٤٥٦ في السطر ١٧ : والمتلمظة (وقد ضبطها بضم الميم وفتح التاء واللام وكسر الميم المشدودة والظاء المنقوطة المفتوحة وبهاء في الآخر) مقعد الاشتيام وهو رئيس الركاب. أما صاحب التاج فقد ذكرها في كلتا المادتين (م ل ط) و (ل م ظ) وقد ذكرها اللسان في م ل ط المتلمطة (ولم يضبط حركة اللام المشدودة): مقعد الاشتيام. والاشتيام: رئيس الركاب اهـ. قلت: والمتلمطة تصحيف المتلمظة ولم يذكر هاتين اللفظتين لا القاموس ولا محيط المحيط ولا أقرب الموارد ولا مد القاموس تأليف لين ولا دوزي ولا الجوهري ولا الفيومي ولا صاحب الباروس ولا صاحب الأوقانيوس ولا سائر المعاجم الإفرنجية كغوليوس وفريتاغ وقزميرسكي. فيا له من إغفال وقع فيه أغلب اللغويين. هذا وأنت ترى مما تقدم أن العربية تحتاج إلى معاجم تجمع جميع الألفاظ العربية المذكورة في دواوين اللغة الواردة في محلها أو في غير مظنتها. وأن يثبت فيها المعاني عَلَى اختلاف ما وردت في الأعصار ليكون ذلك المعجم مورداً ينتابه اللغوي كلما احتاج إليه ويجد فيه كل ما يحتاج إليه. إذ قد رأيت مما مر بك من الألفاظ ومباني لم تكن تظن أنها وجدت عند العرب لأنهم لم يكونوا من المشهورين بالملاحة والبحارة. ومع ذلك فقد تحققت وجود ألفاظ لا تجد لها حرفاً واحداً مقابلاً لها في لغة الأعاجم الحاليين مع تبحرهم في المدنية والعمران ومع تبسطهم في وضع الألفاظ لأدنى اختلاف في المعنى المرادف أو لأدنى تفاوت في معناه. فيا لها من لغة جمعت فأوعت ومدت سماطاً فأشبعت. وإن نسب إليها القصور بعض المتهوسين للغات الأجنبية وبهذا القدر كفاية ستبصر. ومثل المتلمظة: السلوقية: قال ابن عباد في كتابه المحيط ونقل نصه الصاغاني في العباب وأورده أيضاً الفيروز أبادي في القاموس: السلوقية: مقعد الربان من السفينة اهـ ولم يزيدوا عَلَى هذا القدر ولم يذكروا أصل اللفظة وعندي أنها آرامية الأصل من فعل سلق الذي اسم مصدره سلاقاً ومعناه الارتفاع والعلو. لأن الربان يكون في أعَلَى موضع من سفينته ليرقب ما حواليه من متسع البحر ويقابله بالفرنساوية وهي مشتقة من بل هي مصغرها ومعناها الكثيب تصغير كثيب وهو تل الرمل كأن السلوقية تكون بعلو الكثيب ليشرف منها الربان عَلَى البحر. (الخلاصة) يتحصل مما تقدم ذكره وشرحه أن الاشتيام والاستيام من باب الإطلاق والتغليب هو ' ' وإذا أريد به رئيس الملاحين فهو ' وإن جاء بمعنى رئيس الركاب فهو وإن عنيت به صاحب الأمتعة فهو ناظر المتعة أي وأما المتلمظة والمتلمطةفهو مقعد الاشتيام أي المقعد الذي يقوم بإجراء السفينة في نوبته لأن الأشاتمة يتناوبون في تدبير أمر السفينة ويقابله بالفرنسوية وأما السلوقية فهو أرفع مكان يكون في السفينة ويكون مقعداً للربان وهو بالفرنسوية. فقد جاء عندهم في شرحهم هذه اللفظة ما معناه: هي ما يبني بناية خفيفة فوق الجسر الأعَلَى من مؤخر السفينة وهو عبارة عن ربع طول المركب ويعلوا نحواً من مترين ويشرف عَلَى عشر المؤخر كما تشرف المنظرة عَلَى ساحة المدينة. ويكون عليه الاشتيام عند قيامه بوظيفته لأنه يتمكن من ذلك الموضع من أن يرقب ما حواليه في البحر. اهـ. استرداد المجرمين في البلاد الأجنبية لا مراء في أن الردع لكثير من المخلوقات عن ارتكاب المنكرات الشخصية والاجتماعية والسياسية هو الخوف من العقوبة لا الخوف من الضمير. ولذلك نرى من الأخلاق لهم يرتكبون أفضح المنكرات إذا وجدوا للفرار والخلاص من وجه القانون سبيلاً. لا ترجع النفس عن غيها ما لم يكن منها لها زاجر والخلاص من أحكام القانون يكون بوجوه كثيرة منها ( ١ ) الرشوة ( ٢ ) شهود الزور ( ٣ ) إغضاء المأمورين لأجل تطبيق قاعدة إدارة المصلحة ( ٤ ) بلاهة بعض الحكام (الحاكم مأمور العدلية فقط). والدواء الوحيد لهذا الداء القتال تعميم العلم وتهذيب الأخلاق وتعريف الإنسان معنى الإنسانية. أي أنه خلق ليخدم أبناء قومه لا ليأكل ويشرب وينافق وينام كبهيمة الأنعام إذ لا ضرر من الأنعام إن لم يتحرش المرء بها، وأما هؤلاء فإنهم يمقتون من كان ذا مزية سواء وافقت أهواءهم أو لم توافق. لأن جل مراسمهم محق الحق والعدل والفضيلة ليس إلا. وأقوى سلاح يتخذونه هو الكذب والافتراء وغاب عنهم أن حبل الافتراء قصير. ( ٥ ) فرار المجرم من بلاد دولة إلى بلاد أخرى. وهذا موضوع بحثنا هذا. لا يحق لدولة من الدول أن تكره مأموري دولة أخرى عَلَى تطبيق أحكام قوانينها مطلقاً. لأن حق القضاء محدود داخل المملكة ولا مساغ لتعديه حدود غيرها. فعدَّ من لا خلاق لهم من أرباب القلوب الصلبة والضمائر الميتة هذه القاعدة نعمة كبرى وأخذوا يفرون إلى الممالك الأجنبية ليتخلصوا من الجزاء وهكذا كان. بيد أن هنا مضرات عديدة اجتماعية لفتت نظر رجال الدول فطفقوا يفكرون بتدبير مؤتم يمنع هذا الفرار لأجل استعادة المجرمين. لماذا؟ لا شك أن المجرم إذا ترك بلا جزاء يكون سبباً داعياً لكثرة الجرائم واختلال الأمن العام مما ثبت تاريخياً فإنه من أعدى الأمراض وإنه سريع الانتقال من مملكة إلى أخرى. وهذا هو السر الذي يدعو الدولة أن تطلب المجرم الفار من بلادها. عَلَى أن المجرب إذا حل مريض بين أصحاب مرضهم أو فاسد بين أدباء أفسدهم فخوفاً من هذا شعرت الدول التي يلتجئُ إليها أحد الفارين بلزوم طرد هذا المجرم الفار من وجه العدل أو تسليمه عَلَى الأقل لكي تطهر بلادها منه. ولهذه الأسباب نرى الدول في عهدنا تتهافت وأي تهافت لعقد المعاهدات التي تؤدي إلى استرداد المجرمين الفارين. وإليك القواعد العلمية: لا يجوز طلب استرداد المجرم إلا إذا كان للدولة الطالبة أي التي وقع الجرم في بلادها حق القضاء عَلَى المجرم الفار. ولما كان حق القضاء محصوراً داخل الحدود الملكية أراني مضطراً لبيان هذه الحدود ومحل تطبيق هذه السلطة ولهذا يجب قبل كل شيء تعريف أقسام ممالك الدول  ١ - البلاد الواقعة ضمن الحدود الجغرافية.  ٢ - البحور الداخلية أي التي تحاط بممالك خاضعة لدولة واحدة والأنهر والمضايق البحرية والترع.  ٣ - المياه الساحلية أي ما يبعد عن الساحل ثلاثة أميا من البحر (الميل ١٨٥٢ متراً) أو إلى وصول مرمى أحسن مدفع. وهذا يعد من بلاد الدولة المجاورة وما عداه فهو عام.  ٤ - البلاد المحتلة عسكرياً سواء كان بحال الصلح أو بحال الحرب.  ٥ - السفن التجارية وسفن النزه. فحق القضاء يشمل كل جرم وقع في هذه الأقسام المصرح بها أعلاه. ويحق لكل دولة طلب المجرم لمجازاته إذا ارتكب جرماً بها وفر إلى البلاد الأجنبية. وهذه مسألة من مسائل حقوق الدول تحل بواسطة السفراء ونظارات الخارجية وفقاً للمعاهدات أو العرف والعادة. ستلزم الجنايات العامة وبض الجنح المهمة الرد وأما ارتكبوا القبائح فلا يطلبون ولا يرددون. القاعدة العلمية في إعادة المجرمين -. أن يكون الجرم محظوراً بقانون كلتا الدولتين أي الفار منها والملتجأ إليها. مثلاً: تعدد الزوجات ممنوع عند الدولة الفرنساوية ومباح عند الدولة العثمانية. وعليه يعد جرماً بفرنسا ومندوباً بالمملكة العثمانية. فإذا فر فرنساوي والتجأ إلى الدولة العثمانية لارتكابه هذا الجرم هل يجوز تسليمه؟ لا يجوز قطعاً لأن الشرط يكون ممنوعاً عند الدولتين. أما لو كان جرمه جرم سرقة وجبت إعادته عَلَى شرط أن يكون بين الدولتين معاهدة أو تعامل. أما لو التجأ أحد قرصان البحر إلى بلاد سويسرا وكان هذا فرنسوياً (من قبيل الافتراض) فهل يحق لسويسرا أن تمتنع عن تسليمه بحجة أن لا صراحة في قوانينها لهذه المسألة؟ كلا: لأن عدم الصراحة في قانون سويسرا لم ينجم عن افتراضها القرصانية أمراً مشروعاً بل من عدم وجود سبب لدرج أمثال هذا القيد بقوانينها وذلك لفقدان السواحل عندها هذه هي القاعدة العملية بخصوص إعادة المجرم فلنبحث الآن عن مستثنياتها. إن لهذه القاعدة استثنائين أحدهما يتعلق بالجرم والآخر بالمجرم فالذي يتعلق بالشخص هو كون الملتجئ من تبعة الدولة الملتجئ إليها. فلو أن ألمانياً مثلاً ارتكب جرماً في فرنسا ففر منها وأتى ألمانيا فلها الحق بأن تنتع عن تسليمه. وهذه قاعدة كلية سارية بين جميع الدول. إذ كيف يقبل قوم بخضوع فرد منهم لقانون قوم آخر؟ وأما الاستثناء الذي يتعلق بالجرم فهو أن يكون الجرم عسكرياً أو سياسياً فأرباب هذه الجرائم أيضاً لا تعاد بتة. وسبب ذلك أن الدولة لا تقبل الجندي الفار ولو أعيد لها لأنها لا تؤمل منه خيراً بل تعده كالغصن الفاسد فتقطعه من شجرتها وتلقي به عَلَى الأرض خوفاً من أن يفسد مجاوريه. إلا إذا كان ضابطاً في سفينة ونزل إلى البر وامتنع من الرجوع إليها. فيعاد خوفاً من تعطيل السفينة. وأما سبب عدم إعادة أرباب الجرائم السياسية فهو سر غامض وأمر مهم. لأن التاريخ يدل عَلَى أن أكثر الفارين من هذا القبيل كانوا عَلَى حق وإن سبب اضطهادهم وفرارهم لم يكن إلا من علو أفكارهم التي تعجز حوصلة العامة أو رجال الأمر والنهي عن إدراكها فيعدونه مخطئاً فيضطهدونه ويحكمون عليه حكماً جائراً ويخنقون فكرته. فلا جل الاستفادة من أفكاره في الحال والمستقبل لا تجوز إعادته بل إنهم يجلونه ويكرمونه. وهناك شرط آخر للاستعادة وهو عدم سقوط الجرم بمرور الزمان القانوني عَلَى حسب قوانين الدولتين. قد يمكن أن يطلب المجرم من قبل دول متعددة في آن واحد فالواجب حينئذ تسليمه إلى الدولة التي وقع الجرم في بلادها. فإذا ارتكب ألماني مثلاً جرماً في فرنسا وهرب إلى بلجيكا وطلب من الدولتين في آن واحد، يجب تسليمه لفرنسا لا لدولة ألمانيا. أما لو ارتكب جرماً في ألمانيا دولته وفي فرنسا يسلم لدولته ألمانيا. وإن كانت جرائمه عديدة وفي بلاد مختلفة وطلبتهن كلهن بآن واحد ينظر: أي الجرائم أشد فيسلم التي وقع فيها ذلك الجرم الشديد. وإن كانت درجة الجرائم متساوية يسلم للتي تطلبه أولاً. أما إذا وجد بين دولة معاهدة فيسلم لربة المعاهدة دون أن يلتفت لأحد غيرها. والخلاصة فإن معاهدات إعادة المجرمين تبحث دائماً في مسائل أربع:  ١ - لا تعيد دولة من الدول ملتجئاً إليها إذا كان من تبعتها.  ٢ - أرباب الجرائم السياسية لا يعادون.  ٣ - أن يكون الجرم ممنوعاً بقانون الدولتين.  ٤ - أن لا يحاكم إلا من أجل الجرم الذي كان سبباً لفراره بغض النظر عما عداه. ولا يذهلن عن نظرك أيها القارئ الكريم أن إعادة المجرمين ليست أمراً محتماً. فإن كانت الدولتان متعاهدتين فالإعادة ضرورية وإلا فلا. ومن الأسف أن الدولة العثمانية لم تتعاهد بهذا الباب مع إحدى الدول بتاتاً وقد مضى ردح من الزمن والدولة العثمانية تعيد لروسيا من يفر من بلادها لولايتي طرابزون وارض روم كما أن روسيا كانت تعيد من يفر من العثمانيين إلى قفقاسيا. إلا أن هذا الوفاق لم يدم كثيراً. وكان قد تقرر مع دولة الصرب إعادة مجرمي الطرفين مؤقتاً ريثما تعقد معاهدة بين الدولتين. وبعد أن أعيد كثير من الجهتين فسخ هذا التعهد الشفاهي لامتناع حكومة الصرب عن الإعادة. وأما المعاهدة التي عقدت في أيام عارفي باشا مع حكومة أميركا فلم توضع موضع الإجراء قط. وأما الآن فمن المقرر عقد معاهدة مع دولة اليونان حسبما يقتضيه الجوار ولاحتياج الطرفين لها. وأغرب ما يتصور أن الإدارة السابقة كانت تعيد كل مجرم التجأ إليها دون مقابل ولا معاهدة حتى أن المجرم العثماني المحكوم بخمس عشرة سنة كان يفر إلى بلاد النمسا وبعد فوات الزمن يعود فرحاً فخوراً. أما المجرم النمساوي فكزان يعاد بمجرد وصوله إلى بلاد الدولة العثمانية. وما سبب هذه المسامحة والغفلة السياسية إلا الخوف من تعكير جو الرفاهية عَلَى زعمهم كأنه من الممكن اجتماع الشرف والتغافل السياسي! نابلس حسن عبد الهادي الجنسية تأليف ماكس نوردو العالم الإسرائيلي الشهير نقلها إلى العربية. م ع ج كلمة للمعرب كل مطلع عَلَى مجرى الأفكار العصرية في الغرب يرى مسألة الجنسيات أو القوميات الشغل الشاغل لكبار الساسة وأعاظم الكتبة وفحول العلماء ويكفي المرء أن يتصفح بعض الجرائد والمجلات الأوربية ليرى فيها ذكراً لهذه المعضلة الكبرى ووسائل كثيرة لحلها. وقد لقب الكتاب والمؤلفون عصرنا هذا بعصر الجنسيات لكثرة ما حدث ويحدث في أيامنا هذه من الجدال والمناقشة بشأنها حتى تعدت إلى المشاكل والمشاحنات وكادت تجر إلى الحروب. فهي إذن مشكلة اليوم وكارثة الغد. لذلك رأيت من اللازم إطلاع بني قومي عَلَى مجمل ما وصلت إليه الآراء بخصوصها فلم أجد بحثاً أدق وأتم من رسالة وضعها بالألمانية العالم الاجتماعي الشهير ماكس نوردو وصف بها هذه المسألة في جميع أدوارها وأبدى من آرائه فيها ما هو جدير بالاهتمام فبادرت إلى نقلها للعربية علها تفيدنا ولو بعض الإفادة في أحوالنا الحاضرة. وماكس نوردو هو أحد نعلماء العصر المشار إليهم بالبنان، إسرائيلي الأصل ألماني المنشأ اشتهر بمؤلفاته العديدة ورسائله الجمة التي امتاز فيها بالجد والدقة في البحث وبعد النظر والصراحة. منه كتابه معنى التاريخ الذي أحدث ضجة كبرى عند ظهوره وقد أنجى فيه عَلَى الحقائق التاريخية والمؤرخين؟ و (السقوط البشري) وهو مجموع أبحاث فلسفية اجتماعية عصرية مثل: (الفلسفة الروحية) و (مذهب النانيين) و (آخر القرن) و (القرن العشرين) ومنها كتابه المسمى (أكاذيب مدينتنا المغنى عليها) و (مناقضات الاجتماع) و (مناقضات علم النفس) ومن أمهات كتبه العلمية (روح وفيسيولوجيا العبقرية والنبوغ) وعليه المعول في تدريس هذه المسائل. اهـ وإليك الآن رسالته في الجنسية قال: الجنسية إذا كنا لا تندري كيف تستحوذ المعتقدات الباطلة عَلَى أفكارنا، وكيف تحول صورة مغلوطة تخيلناها لحادث ما بيننا وبين إدارك حقيقة ذلك الحادث، حتى لا تقوى عَلَى تمييز الاختلاف الحاصل بين بين الصورة وبين الحادث نفسه، وبالاختصار إذا كنا لا نعرف الخطأ الشائع أشد رسوخاً من الحكم العقلي وإن الخرافة أقوى أثراً من الحقيقة، فلا يمكننا أن نسلم بوجود نفر يعتقدون بان مسألة الجنسيات خطأ وقتي أو حاجة من حاجات البدئ (المودة) يصفونها بأنها قضية روحية استهوت كثيراً من العقول الكبيرة لكنها لا تلبث أن تتلاشى. وفي الواقع أن هناك فئة من الناس يدعون سياسيين يدعون أنهم يريدون مستقبل الأمم وهم يزعمون أن مسألة الجنسيات إنما اخترعها نابليون الثالث لإيجاد الصعوبات في داخلية الحكومات الأخرى فيكون له منها نصراء يظاهرونه في سياسته، سياسة التطوح. وما أحق أولئك الأدعياء من الساسة بنعوت الحماقة والبله لولا اعتبار أنهم مرتبط بشعب تنبه الشعور الجنسي فيما يعد خطراً عَلَى وحدتها، فتصدهم أطماعهم، وخوفهم عَلَى مستقبلهم، وبغضهم رقي الأمم، والحنق الذي يستولي عليهم بدنو فقد امتيازاتهم المغتصبة عن ملاحظة الحوادث ودرسها. مثل هؤلاء الساة نجده في فرنسا الذي أضاع سلطانها في أوربا تكون الوحدتين الألمانية والإيطالية، وفي النمسا حيث الأمم المغلوبة عَلَى أمرها تطالب الأمم الغالبة بحقوقها، وفي بلجيكا حيث ينتاش الفلمنكيون حريتهم من أيدي الوالونيين. وأما الذين لا تعمي بصيرتهم الأغراض الشخصية فيعترفون بأنه تنبه الشعور الجنسي حادثة طبيعية تظهر ضرورة عند حد محدود من النشوء البشري لا يمكن إعاقتها أو منعها إلا إذا أمكن إعاقة مد البحر وجزره أو منع حرارة الشمس من أن تصل إلينا إبان الصيف. فالذين يقولون بان الأمم ستنبذ جنسيتها فلا تعد تذكرها ليسوا أكبر عقلاً من ذلك الغلام الذي قال لأمه وهي تضمه: (متى أصبحت طفلاً صغيراً مثلي فانا أيضاً أحملك!). وما هو أساس الجنسية، وما هي علامتها الفارقة؟ لقد كثر البحث في هذه المسألة واختلفت فيها الآراء. فقال بعضهم بالجنس يعني الأصل الفطري. والخطأ في هذا القول محسوس بحيث يوجب الأنفة من الرد عليه. أنا لا أعتقد بوجود الجنس البشري وإنما الشعوب المختلفة أنواع ثانوية لجنسنا، والاختلافات الشكلية واللونية لم تنشا عن تغير الجنس الواحد بسبب تأثير الإقليم بل منشئوها الحقيقي تعدد الجنس، يظهر لي أن السبب بين الأبيض والحبشي أو بين البابو والهندي ليس أعظم من النسب بين الفيل الأفريقي والفيل الهندي أو بين الثور وبين الجاموس الأميركي. ولكننا قلما نجد في جنس واحد كالأبيض مثلاً من الاختلافات المهمة ما يسمح لنا بوضع ميزة فارقة وحدود بين أشكال الجنسيات المتنوعة. ويوجد في كل شعب أبيض أفراد ذوو قامات كبيرة أو صغيرة وشعور زاهية أو قائمة وعيون زرقاء أو سوداء وهامات مستطيلة أو عريضة وأمزجة باردة أو حادة وبينا نرى بعض هذه الصفات متغلباً في شعب وغير متغلب في شعب آخر لا نجده في الصفات الطبيعية أو العقلية أقل معنى فيتمييز الفرد ونسبته نسب محدود مثلما نجد في البشرة السوداء وشكل الوجه وتجعيد الشعر من تمييز الحبشي ونسبته لجنس محدود. إن جميع التجارب التي جرت لإيجاد (شكل متوسط) خاص لكل شعب لم تجد اقل فائدة علمية. ولقد نكون قراءَة أوصاف هنا الشكل المتوسط لذيذة تهيج فينا عاطفة حب الذات لكنها في الواقع لم تخرج عن حد التخيل. عَلَى أن خطوط ذلك الشكل لو كانت غير خيالية ليست سوى رسوم ظاهرية في المرء - لا صلة بينها وبين حياته الداخلية - طبعت عَلَى بشرته ويمكن أن تمحى عنها متى تقدم في العمر، إنها لا ترسم عليه إذا نقل وهو طفل إلى بيئة غير التي ولد فيها وعرض لتأثيرات جنسية غريبة. إن (شاميسو) مؤلف كتاب بطرس شليمهل أو الإنسان الذي أضاعه ظله كان غلاماً متأدباً أيام لم يكن يعرف من الألمانية حرفاً فأصبح بعد ذلك شاعراً ألمانيا يضاهي أكبر الشعراء الألمان الذين يزعمون أن دم الجرمان القدماء (ضيوف تاسيت) يجري في عروقهم والمؤرخ (ميشليه) ولا أعني ذاك الإفرنسي المتحمس بل الفيلسوف (الألماني) بما ظهر عليه من الصفات العقلية التي عدها علماء الإنسان من ميزات الجرمان: كالحصافة، والجد الأدبي، حتى التعقيد في الإنشاء! والمفكر جول دوبوك العريق في إفرنسيه - كان أبواه يفتخران أن بدمهما الإفرنسي الخالص - وهو الذي اشتهر بكتاباته بالطريقة الأيديالسنيه الألمانية خاصة، ودوبواريموند الإفرنسي الذي أصبح المثل الأعَلَى للعالم الألماني، أما تيودور كونتان فإنه لم يكن ألمانياً فقط بل ألمانياً شمالياً بتأملاته الطبيعية وتحليله للنفوس. . . الخ الخ وهكذا قل عن أي شعب أوربي شئت فإنك تجد فيه مثل هذه الحوادث شيئاً. من ذا الذي قرأ مؤلفات لوثر أولباخ وجين موللر - مؤلفة رواية - وشوللر وديتز ولا يعتقد أنهم إفرنسيون أقحاح؟ بل من ذا الذي لا يرى في مؤلفات هرتزنبوخ وبيكر صفات الشعراء الأسبان؟ أو من يرى في دانتي شيئاً غير إنكليزي حاشا اسمه قد يكفي أن يعيش المرء في أمة ليقتبس عاداتها وأخلاقها الحميدة والذميمة دون أن يكون بينه وبينها صلة رحم وإن ظهر لنا ما يناقض هذه الحقيقة في شخص بعض الكتاب وأرباب الفنون فيجب علينا إذن أن نبحث عما إذا كانوا أو كنا نحن متأثرين بأحد مصدرين للخطأ يصعب اجتنابهما. من البديهي أن نميل إلى البحث في شاميسو مثلاً عن صفات نلصقها بالإفرنسيين ظلماً فنجدها فيه والسبب في ذلك سرعة تغير صور الحوادث في أذهاننا فتتطور طبقاً لما علق في أفكارنا من الصور المغلطة، ومن جهة أخرى نرى أن من المألوف عند الشاعر أو صاحب الفن العائش في إنكلترا أن يبقي في رأسه فكرة وطن أجداده فيخيل إليه أنه من الواجب عليه أن يكون ذا أطوار تذكره بذلك الوطن وبسبب الاستهواء الناتج عن تلك الفكرة نراه لا يفتأ يغير في طباعه - من غير أن يشعر - ويألف أطواراً أخرى صناعية حتى يكون مماثلاً لمواطنيه الأصليين، والمضحك في هذا الأمر أن لا يظهر في صفات بني وطنه الحقيقية بل يلتبس الصفات التي ينسبها الإنكليز عادة لمواطنيه خطأً. فالجنس إذن لا يمنح حقاً في جنسية محدودة وها إن ابناء الهوهكنوت الذين هاجروا إلى مقاطعة (برادنبرخ) أصبحوا اليوم من أحسن الألمان وأبناء مستعمري أمستردام الجديدة من الهولانديين هم الآن أميركيون شماليون لا يختلفون عن الأميركان الأصليين في شيء. فالحروب وكثرة المهاجرة مع حركة الأفراد وتنقلهم جمعت بين العناصر المختلفة في بادئ الأمر ومزجتها مزجاً غير قابل للانحلال، وجميع شرائع الأمم الممدنة ظهر عدم الاهتمام بصلة الدم بما تبدي من ضرورة التساهل في قبول الأجانب في تابعيتها وتجنيسهم بجنسيتها بحيث يكون لهم من الحقوق والواجبات ما لرعاياها الأصليين. ولما كان أساس الجنسية المبني عَلَى الأنتروبولوجيا (علم الإنسان) غير كاف، حاولوا أن يخترعوا لها أساساً تاريخاً قانونياً فقالوا: إن ما يكون الأمة هو ماض عام ومستقبل عام هو الحياة العامة في ظل حكومة واحدة وشرائع واحدة، وهو ذكرى أفراح وأتراح تقاسمها أفراد الأمة سواءً. هذه القضية عَلَى ما بها من الزخرف الخطابي إن هي إلا سفسطة يرفضها العقل مؤيداً بالحوادث. سل من شئت من الروثانيين - أهل غاليسيا - عما إذا كان يشعر بأنه بولوني بالرغم من مشاطرة الروثانيين والبولونيين، منذ نيف وألف عام في حياتهم وشرائعهم وحكومتهم السياسية. واسأل أي (فيني) أو (سيومي) - كذا يلقبون أنفسهم - هل يتعبر نفسه أسوجياً فنلندياً مع أنه يساكنه ويعيش معه تحت ظل حكومة واحدة منذ أكثر من ألف عام أيضاً. نعم عن اتحادهما في الشرائع وفي الحكومة ولاسيما في العادات وفي الأخلاق مما يستلزم تآلفهما وينبه فيهما عاطفة التضامن والتكافل. وعَلَى عكس ما يجري مع اليهود فإنهم قلما تعتبرهم المم يعيشون في حضنها جزءاً منها. وذلك بأنهم لا يزالون متعلقين تعلقاً أعمى لعادات أجدادهم - كاستعمالهم الميقات، وتعظيمهم أيام الأعياد والبطالة، واحترامهم الشريعة الخاصة بالمآكل واتخاذهم السكنى. . . الخ - التي تخالف كل مخالفة قواعد مواطنيهم المسحيين والتي من شأنها أن تنبه في هؤلاء عاطفة الاستقلال والافتراق عنهم. فمثل هذا الاتحاد قد لا يكفي لأن يؤلف من شعوب شتى شعباً واحداً ذا جنسية واحدة. كلا إن هذا إلا تمويه لا تلبث الحقيقة أن تبدده، وما أندر أن يظهر منشأ الإنسان الطبيعي مرسوماً عَلَى محياه إذ القاعدة العامة تنكره ولن تقوى عَلَى إثباته. إنه لا يشعر به في نفسه، وكل ما قيل في حق (صوت الدم) ليس إلا سفاسف يبني عليها القصصيون خيالاتهم، وليس للشرائع والإدارات السياسية وحدها من القوة ما يكفي لتحديد الجنسية عَلَى مالها في من التأثير في تهذيب أخلاق المرء. وما يحدد الجنسية في الحقيقة إلا اللغة. فيها وحدها يصبح الإنسان عضواً في جسم الأمة وهي وحدها تخوله الجنسية. فلنتمثل حق التمثيل مكانة اللغة للفرد وحظها في تكوين وجوده وفكره وشعوره ومظهره الإنساني. باللغة يتكيف نظر الإنسان حسب نظر الشعب الذي هذبه ورقاه وأودع فيه وفي تركيبه أدق حركاته الفكرية وارق خصائص عالم تصوراته، باللغة يصبح الإنسان ابن الشعب ووارث مفكريه وشعراءه ومؤدبيه وقادته، باللغة يخفض المرء جناحه لأدبيات الشعب وتاريخيه بفضل ما يؤثران في جميع أفراد ذلك الشعب فيجعلانهم سواء في الشعور والعمل. حقاً إن اللغة لهي الإنسان نفسه. بها يدرك صفات الحوادث الكوني العامة، وبها يؤثر في العالم الخارجي، إلا وأن فرداً واحداً من ملايين الخلق يفكر بذاته ويلبس تأثيرات الحواس عليه صوراً شخصية وسائر الملايين من الخلق تتبع ذلك الفرد عن بعد أو عن كثب، في أفكاره بما وصل إليهم منها بواسطة اللغة. كما أن فرداً واحداً يعمل، ويبث مدركاته في الناس والوجود بأعماله الآمرة، بينا ملايين الخلق تنحصر أقوالها في إظهار ما وصلت إليه عقولها من الرقي. فاللغة هي أقوى صلة تجمع بين الناس. وأخوان شقيقان لا يتفاهمان بلغة واحدة تلقاهما غريبين أحدهما عن الآخر أكثر من شخصين غريبين التقا لأول وهلة فتبادلا التحية بلغة واحدة. وقد رأينا الإنكليز وأميركيي الشمال يتشجارون فيما بينهم لاختلاف المصالح ولكنهم سرعان ما يتحدون قلباً وقالباً أمام غير الإنكليز ويشعرون حينئذ بأنهم ابناء أبناء أم واحدة هي (بريطانيا العظمى) ولقد اشتعلت نار الحرب واشتد سعيرها بين الهولنديين والفلمنكيين عام ( ١٨٣١ ) وهم اليوم عَلَى وشك عقد اتحاد إخائي كبير. ولما حارب البوير الإنكليز أو لما دافع البوير عن أنفسهم من مطامع إنكلترا السياسية كان قلب الهولانديين يخفق لهم الماص وفرحاً بينما كانت العلائق بين هولاندة وحكومة الرأس (الكاب) قد انقطعت باتاً منذ قرن تقريباً. فلم يمنع استلاف الشرائع والعادات والأخلاق وذكر التاريخ من اشتراك بلجيكا وسويسرا الفرنساويتين (لغة) في الدفاع عن فرنسا في حرب السبعين. وعَلَى الرغم من كره النرويجيين الاحتلال الدنماركي الذي توصلوا إلى التخلص منه أخيراً وبقاء شيءٍ من ذلك الكره إلى أيامنا هذه فقد رأينا النرويجيين إبانوحرب (سلسويك - هولستاين) يتسابقون بحماسة إلى نصرة من لا تجمعهم بهم سوى رابطة صغيرة هي اللغة، وأعظم بها من رابطة. وقد اتى عَلَى اللغة حين من الدهر لم يكن شيئاً مذكوراً وذلك حين كان الشعب في درك الانحطاط لا وظيفة له غير السخرة وتأدية الضرائب بينما كان الأمر والنهي في ايدي فئة قليلة منالمتسلطين. وكان يومئذ رجل الشعب لا حاجة له باللغة. وماذا تفيده اللغة، الأنين وصب اللعنات أو كتابة مزحات غليظة داخل مغارته؟ إنه لم يكن يختلط بغير رفقائه في القرية وهؤلاء لم يكونوا يعرفوا في اللغة أكثر منه. أما السياحة والاغتراب ورؤية الغرباء فأمر غير معهود. وما كانت حكومة ذاك الوقت تستعمل غير السوط تكلمهم به دون أن تعمد إلى النحو أو معجمات اللغة. وكانت الديار إذ ذاك بلقعاً خالية من المدارس. وكان رجل الشعب المطالب بحق من حقوقه في المحاكم لا يستطيع الإفصاح عما يكنه صدره أمام القاضي فلا يرى ثمة وسيلة غير الاستعانة بمحام يدافع عنه وما كان مأمورو الإدارة ليسفوا إلى مبادلة الشعب الحديث أو مطارحته الشؤون وكان الشعب في الكنائس يطفح قلبه بالعواطف التعبدية فلا يقدر عَلَى الإفصاح عنها وذلك لأن الكثلكة كانت تمثل له الإله كسيد كبير أجنبي لا يعبد إلا بلغة أجنبية - اللاتينية - بواسطة قساوسة علماء في تلك اللغة فلم يكن في حاجة للفرد ولا في وسعه أن يخرج من مأزق الحالة الوراثية التي نشأ عليها إلى محيط أفسح مستعيناً بالكلام. وعندما ظهر شيء من الاستقلال في بعض المدن والدساكر أخذ السكان يجتمعون فيتحاورون ويتناقشون في أمورهم وهناك كان للغة دور مهم إذ تفرق الناس شعوباً وقبائل بحسب اختلاف لغاتهم متنازعين فيما بينهم عَلَى السيادة والإمارة. أما طبقة الأشراف فما كانت لتهتم باللغة لأسباب منها أن حقوقهم في السلطة كانت مضمونة لهم منذ ميلادهم. فكانوا سادة امراء دون أن يفتح الواحد منهم فمه أو يجر قلمه. اعتبر ما حصل في ايامنا في إنكلترا التي لا تخلو تقاليد حكومتها الحالية من بعض عادات القرون الوسطى، إذ أن هولاندياً من سلالة (أيقوسي) - اللوردراي - أصبح فجاة سيداً من أشراف إنكلترا أو عضواً في مجلس اللوردات وذلك لخلو عائلته من وارث إنكليزي ذكر يرث هذا اللقب العظيم. . . بمعتنى أنه أصبح ذا حق في الحكم التشريعي في المملكة البريطانية دون أن يكون مواطناً إنكليزياً أو أن يعرف كلمة واحدة من اللغة الإنكليزية!!! ولما كانت بعض الأحوال العامة تضطر الشريف إلى الظهور كان هذا السيد يتكلم باللاتينية أو ينيب عنه أمير سره باستعمالها. في مثل هاتيك الأحوال كانت الجنسيات محدودة لأن اللغة نفسها كانت محدودة أما في أيامنا هذه فقد سارت الأمم شوطاً بعيداً حتى في روسيا والعثمانية فالفرد اليوم حر وله حق - مهما كانت منزلته - إن يرقى ويعلو المنزلة التي شاءت الاقتدار أن يولد فيها. أصبح العدل شفهياً والإدارة مفتحة الأبواب لكل الناس تقبلهم في أحضانها وتساندهم بتعليماتها، وكذا المدرسة والجيش. وقد سهلت البرتستنتية عَلَى الشعب عبادة ربه بلغته واستماع التعاليم والمواعظ الدينية بها. فصارت مزاولة الكلام لازمة لكل حرفة ومهنة حتى اضطر أعاظم رجال الدولة بل الملوك أنفسهم إلى تعود سهولة النطق وارتجال الخطب. وهكذا اكتسبت اللغة مكانة عظمى حتى أن كل عقبة توضع في سبيل استعمالها أو كل ضغط يسهل استعمال غيرها من اللغات الأجنبية يشعر به الفرد كعار ألحق به وامتهان بشرفه. إن من يعيش بسكينة بين مواطنيه في دولة يرتبط جميع أعضائها بجنسية واحدة والذي لم يقع له أن خجل من لغته أو أنكرها لا يقدر قيمة تلك الجنسية مثله كمثل الذي لم يشعر بمرض هل تكفي قراءة الأوصاف والأعراض أو قص أنواع الآلام والعذاب عليه لكي يشعر بها ويقدر مكانتها؟. . . أما من عاش في بلد مضطهدة فيه جنسيته ولغته غير لغة الحكومة ويرى نفسه مضطراً لتعلم لغة أجنبية لا يستعملها إلا كأجنبي - هذا إذا لم يشأ أن ينبذ شخصيته أو رفض الوظائف المالية أو التمتع بحقوقه المدنية في تلك الدولة ليعيش كأحد عبيد القرون الوسطى أو كأحد المجرمين المحكوم عليهم بالخروج من حقوقهم المدنية والإنسانية. . . هذا الذي يضطر للخنوع وتعفير الرأس أمام جنسية أجنبية، يقدر مزايا الجنسية الخاصة ويشعر بها! ليس الحرمان من حقوق الشرف التي تحكم بها بعض القوانين بشيء مذكور في جانب الحرمان من استعمال اللغة! ليس تصفيد الأيدي والأرجل بالأغلال بأشد من عقد اللسان! هناك يحاول المرء أن يخرج من سجن نفسه فلا يستطيعّ وتأكد أن في إمكانه أن يكون بليغاً فيرى نفسه مضطراً إلى أن يرطن بلسان أعجمي. بل يرى نفسه محروماً من أقوى الوسائل الفعالة في التأثير في الغير فيشعر بأنه مفلوج مقطع الأوصال! إن المرؤ الذي يعرف نفسه لا يرضى لها مثل تلك الأحوال. ومن ذا الذي يقوى عَلَى إنكار ذاتيته طائعاً مختاراً؟ بل من ذا الذي يرضى بأن يعيش عيشة خالية من أفضل المزايا وأعظمها: وهي استطاعة إبداء مظهري رقية النفساني الشعور والفكر؟ نحن عَلَى يقين بأن الهندي الوثني المعتقد يطرح بنفسه تحت عجلات مركبة (جاغزنات) طمعاً في أن يحيا حياة أخرى أنعم وأسعد من الأولى، نعلم علم اليقين أن (الفقير) يأبى استخدام بعض أعضائه ويعيش سنين عديدة كنصف إنسان أو كإنسان متنبت وذلك لأنه يجد من نفسه دافعاً ومن النعيم الموعود به مشجعاً إن هم قدم حياته لله قرباناً ولكنا لا نقدر أن نتصور أولئك الذين يولون لجنسيتهم الأدبار ويرضون باستعمال لغة أجنبية يرطنون بها طوال حياتهم بين استهزاء الآخرين بهم وخجلهم الدائم من أنفسهم وأما الذين يأتون بضحية مثل هذه جنباً أو عجزاً أو عن حماقة فعندي غنهم يستحقون الشفقة إلا الذين ينبذون لغتهم أي - أنانيتهم - وذاتيتهم المفكرة ويتسربون إلى أهاب أجنبي طمعاً بنيل بعض المآرب فأولئك هم المذمومون الممقوتون بل هم أذل (السكويزي) الروسيين الذين يخصون أنفسهم لاعتقاد ديني أما الأولون فيخصون أنفسهم عقلياً طمعاً بمال أو بما يوازيه. . حقاً إننا لا نجد كلمة تقوم بوصف هذا الانحطاط الأخلاقي. ومن حسن حظ الإنسانية وشرفها أن أولئك الأنذال هم الأقلون. إذ الأكثرية تتمسك بلغتها وتذب عن جنسيتها كما تذب عن حياتها. إن للشعب المتسلط أن يشرع قانوناً يجعل به لغته لغة الدول ويسقط لغة المغلوبين عَلَى أمرهم حتى تصبح خليطاً عامياً للسوقة لا يدخل المدارس ولا الكنائس ولا المحاكم ولا المجالس. فإن كانت هذه اللغة راقية أو منتشرة في بلاد أخرى، ذات أدبيات وحظ واف في التعبير عن مظاهر الفكر سواء في السياسة أو في العلم فإنها لن تخضع لهذا العار. إذ تصبح الجنسية المضطهدة عدوة الشعب المضطهد تعض كغه الذي يحاول أن يكمها به وتصيح مستصرخة تريد التكلم الذي يأباه عليه غاصبها وبعد اليأس تحاول أن تهدم بنياناً سياسياً كان سجنها عوضاً عن أن يكون ملجأها. قال أحد الهزليين الفرنسيس: لا وسيلة في الدنيا تقنع رجلاً تام العقل باون يسلمك رأسه لتخز بالمصقلة (الغيلوتين) ونحن نقول بانه لا شريعة في الدنيا تقوى عَلَى إقناع أو إرغام شعب راق يشعر بوجوده أن يتنزل عن لغته وعبقريته. والدولة المؤلفة من جنسيات شتى لا بدأن تقع في منازعات وحروب داخلية لا تستأصل إلا بوسائل راديكالية أي إصلاحية مطلقة أهمها (اللامركزية) المطلقة بأوسع معانيها. لكنها ويا للأسف لم تخرج عن نظرية معقولة تخيلها بعض الساسة ولا يمكن تطبيقها عَلَى مجرى الأحوال. وليتصور القارئ إلى أي درجة يجب أن تصل اللامركزية، لكي ترضي جميع الجنسيات في دولة واحدة ويلزمنا أن نعرض لكل فرد الحق بتقلد الوظائف العامة في جميعه جهات الوطن وأن يشترك في الحقوق المسماة (بحقوق الإنسان وحقوق الوطني) دون أن يضطر إلى استعمال لغة غير لغة آبائه وأجداده فيجب والحالة هذه أن تستعمل في المصالح الإدارية - من مكتب البريد في القرية إلى النظارة - والعدلية - من قاضي الصلح إلى محكمة التمييز - جميع اللغات المتكلم بها في تلك الدولة وهكذا يجب استعمال جميع هذه اللغات في المجالس النيابية - سواء في ذلك القرى والأقضية والولايات - كما يجب أيضاً تأسيس مدارس ابتدائية وثانوية وعالية لكل شعب وبالاختصار ألا يضطر أحد لتعلم لغة غير لغته لنيل ما يناله مواطنوه الآخرون فهل يمكن القيام بكل هذه الواجبات؟ اللهم هذا الأمر مما يستلزم تقسيم الدول إلىأجزاء صغيرة ليس بينها أقل رابطة محسوسة، إن مساواة تامة كهذه بين شعوب مختلفة في ظل دولة واحدة ليست ممكنة إلا بين أمتين فقط، متساويتين قوة كما هو الحال في بلجيكا حيث يوجد عشر أو اثنتا عشر أمة كما هو الحال في دو لة النمسا والمجر - مختلفات في اللغة وفي العدد وفي المعارف لا صلة بينها، متداخلة بعضها في بعض إذ ترى في القرية الواحدة ثلاث أو أربع أجناس ولغات وفي الولاية أكثر من ذلك. ولا بد لدولة كهذه من لغة رسمية والشعب الذي تكون لغته هي الرسمية يصبح وحده حاكم البلاد. وهكذا تعدم المساواة التامة وتمتهن الشعوب الأخرى فتعيش عيشة منحطة. هناك ترى بين الأفراد الوطني التام ونصف الوطني ذاك تطلق الشريعة لسانه وهذا تقضي عليه نفس الشرعة بالبكم. ومن يذكر تلك الأسطورة الألمانية (خرافة الغرايب السبعة) التي جاء فيها أن ابنة منعت من التكلم مدة سبع سنوات وأن شعباً كاملاً حرم من أبسط حقوق الإنسانية وأعلاها يجد أن هذه الخرافة أصبحت إدارة سياسية في أحوال لا تطاق كالتي وصفناها. يعتقد بعض الخياليين من رجال السياسة أنه سيأتي عَلَى الإنسانية المتمدنة يوم لا ترى فيه من حاجة إلى الأوضاع الدولية الكبرى إذ لا حرب ولا أمور خارجية: هناك يؤلف الناس جماعات كبرى أشبه بعائلات كبيرة أو جمعيات محدودة يتمتع فيها الفرد بحريته لترقية نفسه ويتكفل جميع أعضائها بالمساعدة الأدبية والمادية الضرورية لحياة الإنسان ويكون كل جماعة مستقلين عن الآخرين إلا في المشاريع النافعة واللازمة لجماعات متعددة والتي لا يستطيع القيام بها منفردات فتتفق إذ ذاك تلك الجماعات اتفاقاً وقتياً خاصاً بالعرض والطلب. وحينئذ تلغى الجنسيات لأن الجماعات المستقلة تكون صغيرة جداً ومؤلفة خاصة من أفراد يتفاهمون بلغة واحدة. وقبل أن أقتنع بإمكان تطبيق هذه النظرية في المستقبل فأنا أفضل نظرية أخرى وهي أن البشر ماداموا سائرين في طريق النشوء العضوي لا بد أن يستغنوا ذات يوم عن اللغة وعن الحركات الرمزية للإفصاح عن مشاعرهم فتقوم مقامها حركة ذات الرؤوس التي ستخاطب الأرؤس الأخرى مباشرة بنوع من الإشعاع أو التنقل المستمر! إني لأضع هذا النشوء الروحاني و ١ اك التقهقر الدولي في مستو واحد من حيث جواز الوقوع ولئن سلمنا جدلاً بإمكان حصول أحد هذين الحلين فهل نسلم بان الزمن اللازم لذلك قريب كما يدعون؟ كلا إنه لأبعد مما يتوهمون ولا جرم بأن الأمم المضغوط عليها لن تقتنع بهذا كما أنها لن تسلم باستعمال لغة عامة. قد يمكن أن يستعمل بعض العلماء الراقين في الإنسانية جمعاء لغة واحدة عامة لتبادل الأفكار فيما بينهم. ولكن من الصعب التصديق لان أقواماً متفرقين يتحدون عَلَى تعليم هذه (اللغة المدرسية) لغة العلم ويخنعون لحكمها وسلطانها إذا أراد الراقون في أمته أن يلقنوا الشبيبة أسرار العلم أو يريدوهم عَلَى أمر خطير أو يبدوا لهم ما توحيه ضمائرهم من تحليل أو تحريم فلا يلجئون قط إلى إلباس أفكارهم ثوب تلك اللغة الأجنبية التي تحرف أوضاعها، وتغير شكلها، وتضيق عليهم نطاق حريتهم. بقي أمامنا دحض ما تقدم وسيلة واحدة من الوسائل الراديكالية الآنفة الذكر ألا وهي استعمال الشدة: إن أعمال التذبذب والتجارب الناقصة والضغط الضعيف قلما تفيد شيئاً في هذا الباب. لاسيما إذا كان المقصود اغتصاب ملك أسياسي قديم يحتوي عَلَى جزء جوهري من الذاتي كاللغة فالتنازع لأجل اللغة ليس إلا شكلاً آخر لتنازع البقاء فيجب أن يعتبر مثله: غما أن تقتل عدوك وإما تقتل أو أن تنهزم! وتنازع الجنسيات ليس إلا تكملة لحادث ظهر منذ قرون بل منذ ألوف السنين ثم سكنت ثائرته مدة فقام اليوم من رقدته ومشى مشية سريعة نحو الختام. ولسائل أن يسأل كيف اختلطت الجنسيات المختلفة وتدخلت بعضها في بعض؟ وهناك الجواب: دخل شعب غازياً بلاد شعب آخر فلم يطرده منه بتاتاً بل بقيت فئات من الشعب المغلوب بين الشعب الغالب، أو أن الشعب الغالب كان أقل عدداً من الشعب المغلوب فلم يبق منه إلا فئة قليلة. هنالك يشتد التنازع بعد أن كان ساكناً فيضطر الشعب الغالب لأن يستجمع آخر قواه ليدفع عنه الشعب المقهور أو أن يعدمه ادبياً بحرمانه من لغته بالقوة الوحشية اللهم إلا إذا نهض الشعب المغزو فجأة مدافعاً عن نفسه فيطرد الغازين خارج بلاده أو يضطرهم إلى نبذ جنسيتهم. ولقد تأتي الحوادث عَلَى صورة أخرى كان ينزح فريق من شعب عن ديارهم لأنها لا تكفي لعيشهم فيقطنون دياراً غيرها. فإن كانت هذه الديار خالية في الماضي ثم شاركهم في احتلالها مهاجرون من شعوب أخرى فللمحتلين الأولين أو يعتبروا الجهاد في سبيل لغتهم جزءاً من جهادهم في تمهيد العقبات الطبيعية إذ أرادوا إنشاء دولة تكون لهم ملجأً حصيناً ويجب عليهم حينئذ أن يدافعوا عن أنفسهم خصومهم كما يفعلوا بالمستنقعات والسيول والثلوج والمنحدرات والحمر والوحوش الضارية والجوع والبرد وأن يعتبروا المعيشة الطيبة التي لم يظفروا بها في بلادهم والتي صادفوها في غير وطنهم كثمرة لتغلبهم عَلَى جميع العقبات الطبيعية البشرية بعد أن عرضوا في سبيلها حياتهم. أما إذا كانت البلاد التي استوطنوها آهلة من قبل فيجب عليهم أن يعرفوا الشروط التي بها نالوا الضيافة. فإن كزان من تلك الشروط أن ينبذوا جنسيتهم وكانوا قد رضوا بذلك فضعفهم وجبنهم لا يستحقان الشفقة. ولمضيفيهم أن يرغموهم عَلَى التنازل عن لغتهم وذاتيتهم لقاء الخبز الذي يجودون به عليهم. وغ ١ ذا كانوا قد احتلوا جزءاً من بلاد أجنبية دون أن يؤدوا ثمناً شائناً لها الاحتلال فيقتضي أن يكون عندهم الآن من الإدارة والقوة ما يمكنهم مما كان يجب عليهم فعله في بدء احتلالهم لو قوبلوا بالعداء فأما أن يبرحوا الأرض حالاً وأما أن يغتصبوا بحد السيف قطعة من البلاد أو أن يقعوا في تيهور كانوا عاجزين عن الخروج منه. عَلَى هذه الصورة تتمثل أمامي مسالة الجنسيات فهي كالفصل الخامس الأخير لقصص تاريخية محزنة بجا بعضها من زمن هجرة الشعوب وأكثرها بعد ذلك بكثير وقد طالت فترة ما بين الفصول لكنها لن تدوم، فالستار ارتفع والكارثة عَلَى وشك الوقوع، إنها ستكون شديدة قاسية وكذا تكون مقادير كل كائن حي إذ الحياة جهاد لا رحمة فيه. وليست هذه مسالة حقوق بل مسالة قوة في أعَلَى وأعظم معانيها. وما من حق يضطر الكائن الحي للتنازل عن الأسباب الضرورية لحياته، ولا يمكن ذلك إلا بالقوة، والقوة تسبب الدفاع والممانعة. وهل يطلب من الأسد أن يبرز صكاً يخوله الحق في افتراس الحمل. السد يغتصب الحمل اضطراراً وهذا مبدأ حقه في افتراسه. لا جرم أن للحمل الحق بقتل الأسد إن قدر عليه. . . وحيثما تكون الحياة أو يماثلها معرضة للخطر يتساوى الحق بالقوة وهذا ظاهر حتى أن الشرائع البشرية جميعها تبيح للفرد الدفاع عن نفسه أي أنها تسمح له في بعض الأحوال أن يستعمل القوة في الدفاع عن حقه. أوليست الحرب حالة من حالات الدفاع عن النفس بين الشعوب لا بين الأفراد؟ إذ رأى الشعب ما هو ضروري له مد يده لامتلاكه وحقه في هذا الشيء هو عين الحق الذي للسد في افتراس الحمل. فإذا شاء شعب آخر منعه فيجب عليه إذن أن يعارضه بالقوة بنفس الحق الذي له أيضاً. ولا وجه للمغلوب بالتشكي مادام له الحق بإعادة الكرة مرة أخرى. فإن قهر نهائياً وأضاع الأمل بالقوة في المستقبل وجب عليه أن عن القضاء قائلاً: خلقت حملاً فيجب أن أعيش عيش الحمل، حبذا لو كنت أسداً! ولكن من الحمق مشاكسة الفطرة لأنها لم تخلقني أسداً. إن الشعب الذي يراد نزع لسانه لهو في حال الدفاع الشرعي ذو حق في المناضلة عن أثمن ملك لديه. لكن إذا لم يك قادراً عَلَى الدفاع فلا يحق له التذمر والشكوى. كما أن للشعب المتسلط أن لا يدع الضعف يتطرق إلى لغته بوجود لغة أخرى في البلاد وأن لا يسمح بما من شأنه أن يقلق راحته في المستقبل. فإن لم يقدر عَلَى خحفظ حقه بالقوة فعليه أن يعترف للشعب الآخر بتساوي الحقوق فيما بينهما وأن يهبط عن تلك المنزلة العليا منزلة الشعب المتحكم، وإن كان تحكمه شرطاً من شروط حياته فاحكم عليه بالهلاك. وغني لأطبق هذا الحكم بدون تحيز عَلَى جميع الجنسيات المتنازعة كالألمان في هنغاريا وبوهيميا وكالدنماركيين في مقاطعة شلسويك الشمالية وكالبولونيين في بوزن وكالرومانيين في ترانسلفانيا وكالإيطاليين في طارانت. للخمسة ملايين من المجر في هنغارايا الحق بصبغ الحد عشر مليوناً من الشعوب الأخرى بصبغة المجرية، فهم يتمون الفتح الذي بدئ به سنة ٨٨٤ من عهد (إرباد) ولكن للألمانيين والسلافيين والرومانيين في هنغارايا نفس الحق في الدفاع عن أنفسهم وإن قووا يوماً عَلَى المجر ونزعوا عنهم جنسيتهم فليس لهؤلاء إلا أن يقبلوا ما كخبأ لهم القدر الذي قادهم منذ ألف عام إلى النزول عَلَى بلاد أجنبية كادوا يخسرون فيها حياتهم. وللتشيك أيضاً الحق بتأليف دولة مستقلة لا يقبلون فيها أحداً من الألمان وهكذا يستعيدون عهد الوقاع الدامية التي حدثت في مارش وفي الجبال البيضاء وللألمان الحق بأن يقاوموا بقوى أشد من أقوى التشيك ويصلوهم حرباً ثالثة تبرهن لهم أنهم ليسوا أقوياء عَلَى فتح بلاد خلوها منذ اثني عشر قرناً دون مقاومة. لا بد لوربا أن ترى مرجل الجنسيات ينفجر انفجاراً عظيماً هائلاً عندما يأتي دور تصفية الحساب والفرق المتبعثرة من كل شعب إما أن ترجع إلى أصلها فلتف حوله وإما أن تستصرخه وتستنجده فتنتصر بمعونته عَلَى الشعوب التي تستبد بها. ومصير الشعوب الصغيرة التي اكتسحت بلاداً بالاشتراك مع غيرها إلى الزوال إن لم يكن لها من قومها عضد قوي يساعدها عَلَى الثبات أمام جيرانها الأقوياء. هناك لا تثبت إلا الأمم الكبرى، ومن الأمم الصغرى من تستطيع تاسيس دولة مستقلة بطرد أو محو سائر العناصر الأجنبية التي تعيش بينها. وقد لا يمضي القرن العشرون قبل أن يشاهد ختام هذا المشهد التاريخي. بل سترى أوروبا منذ الآن إلى ذلك اليوم العصيب شروراً كثيرة ودماءً مهدورة ومظالم عديدة وقساوة بربرية فستمحى شعوب وتمحى أقوام بدون رحمة ولا شفقة. وتبدوا أمام هذا التسفل البشري مظاهر شجاعة عالية: هنا شراذم أنذال يخضعون أدبياً بدون مقاومة وهناك أبطال يشربون كاس الردى ممزوجة بالعز والشرف. وبعد كل ذلك تتمتع الأمم الباقية بحقوقها الوطنية لا يرون فيها غير أنفسهم. إنها لنظرات مرعبة تتراءى لنا لكنها قلما تخيف من استعد لتحمل قساوة ناموس الحياة العام: الحياة جهاد وقوة الحياة تكسب الحق فيها. وهذا الناموس سار عَلَى الشموس في الأفلاك كما هو سار عَلَى المكروبات في مياه المستنقعات وهو جار أيضاً عَلَى الشعوب يدير مقاديرها إدارة لا تقوى عَلَى تغييرها شريعة غاشة ولا سياسة قادرة ولا مصلحة ملكية ولا خبث أنذال ولا تلاعب لؤماء. ولقد تدمع عين ذي العاطفة حينما يرى شعباً يجود بنفسه. أما ذو العقل فيعترف بأن هذا الشعب هلك لأنه لم يكن ذا قوة تكفيه للحياة ثم يضع هذا الشعب بين الأشكال البيولوجية (الحيوية) المغلوبة عَلَى أمرها والتي مر عليها نشوء الكون. نقد كتاب البنين لا تتجاوز عدد الكتب التي عربت في سورية منذ انتشار حرية المطبوعات عدد الأنامل وكتاب البنين تأليف بول دومر من رجال السياسة الفرنسوية هو من أنفع الكتب ولذلك أحسن عبد الغني أفندي العريسي أحد صاحبي جريدة المفيدة في نقله إلى هذا اللسان العربي وقد قدمه إلى رفيق بك العظم فقدم له صديقنا هذا مقدمة في علم الأخلاق عند العرب وذكر ما كتب فيه علماؤهم وعرب فيه حديثاً إلى لغتهم أجاد فيه كل الإجادة. والكتاب تأليف رجل جرب الأمور فقال عن تجربة أكثر مما يقول عن علم نظري قسمه إلى أبواب الباب الأول في الإدارة والملكة والواجب والإقدام والسعي والعمل وتهذيب الأخلاق والعدل والإخاء والحرية والتسامح وتهذيب العقل وتأثير الأخلاق في الجسم الباب الثاني في ذوي القربى والأرحام والمحبة والوداد والزواج والبنين والسعادة والثراء ونقص الأنفس الباب الثالث في الديمقراطية والدستور والواجبات الوطنية والمساواة في الحقوق وأنواع الحرية والتعليم والتعاون وتدارك البؤس الباب الرابع في حب الوطن والسفسطائيين وهذه الأمة وقوى الوطن والحرب والجنس البشري. لا نعلم الطريقة التي جرى عليها المعرب لأن الكتاب الأصلي غير موجود لدينا لنقابل بين الأصل والفرع ولم نره منذ أن عربنا عنه يوم صدور مقالة في السنة الأولى للمقتبس عَلَى سبيل النموذج ثم رأينا مجلة أنيس الجليس في الإسكندرية قد عربته أو أكثره ونشرته تباعاً والغالب أنها لم تنشره عَلَى حدة وقد لاحظنا المعرب قد التزم التعريب بالمعنى إلا في مواطن اضطر فيها إلى متابعة الأصل فجاء عَلَى تعريبه بعض الجمل شيء من الاضطراب. مثال ذلك تعريبه (ص ١٣٥ ) لأبيات فيكتور هوغو يقوله: عهدنا إ لو ضمنا عمرنا ما حبا العمر لسن الأربعين عهدنا إذ يبسم الدهر لنا عن ثغور ملؤها عطف ولين عهد أيام كان بها الشتا ء علينا كربيع الياسمين وكذلك تعريبه أبيات هوغو أيضاً (ص ١٤١ ) إلهي لا تصب جسمي بسوء ولا قومي بشر مستطير ومنّ عَلَى أحبائي بلطفٍ وآبائي وإخواني بخير ولا ترزأ بمكروه عدوي ولو أنحي بمكروه عسير ولا تجعل بلا زهر ربيعاً ولا قفص الطيور بلا طيور ولا تدع الفقير بغير نحل ولا بيت الفتاة بلا صغير وأسقم من هذا تعريب بيتين لنادو (ص ١٢٢ ) ألا أيها الطفل الودود ألا ارحل فأنت من الأوهام حلم تلذ لي زعمت بحب للأميمة صادقاً وما حبكم للأمهات بأمثل ومثله في (ص ٥٨ ) خدموا بني أوطانهم فقضوا شهداء فيها للوفاء وحبا فذروا الزهور عَلَى رموسهم فلقد حكوا بوفاهم العربا وأنت ترى الضعف بادياً في هذه الأبيات وكان عَلَى المعرب أن يعرب المعنى ويكتفي به أو يدفع المعرّب بالحرف إلى شاعر كبير يعربه له بنظم سلس لا غبار عليه فإن الشعر كالموسيقى والخطاب العام والتصوير لا يستحب فيه إلا المفرط في الإجادة كما قال لابروبير العالم الفرنسوي في مقدمة كتاب الأخلاق. ثم أن المعرب أقحم عبارات في متن الكتاب ليست منه كما فعل في صفحة ١٠١ فوقف موقف المؤلف وعدد الكتب التي يجدر بالفتى العربي أن يتلمسها ثم أقحم جملة فيمن وقع اختياره عليهم من رجال العصر الحاضر ومن الشعراء الغابرين والمعاصرين ومن المؤرخين القدماء والمحدثين فهذا الإقحام غير محمود خصوصاً والقارئ يجب أن يرى ما يقول المؤلف فقط أما المعرب فإذا كان له فكر خاص فما عليه إلا أن يؤلف رسالة خاصة في الموضوع تكون أوقع في النفس لأنها تعرب عما خصصت له إذ ربما تغير حكمه الذي أصدره اليوم غداً أو بعد غدٍ وهذا لا يجوز في كتاب الخلاق يتداوله الناس الجيل بعد الجيل. وقد رأينا الكلام مخطوماً (ص ٢٦٢ ) عند كلام المؤلف عَلَى العرب ودنيتهم اكتفى المترجم بوضع بعض أصفار دلالة فيما نحسب عَلَى أن هناك جُملاً لم ينقلها وكان الأولى أن تعرب بالحرف ليطلع عليها القارئ وإذا رأى المعرب أن المؤلف خرج حقيقة عن الصدد يذيل عليه مما يعلم في أسفل الصحيفة فإنة الأمانة تقتضي بأن ننقل الكتاب برمته وإلا فيسمى تعريباًَ له مسخاً أو كما يسميه الإفرنج. وقد رأيانا المعرب يتوكأ عَلَى العويص في الأحايين فيستعمل الفصح الجديرة بالاستعمال لتتلقفها ألسنة الطلاب وأقلامهم فيدمجوها في تضاعيف منشآتهم ولذلك جعل في آخر الكتاب جدولاً للألفاظ اللغوية وتفسيرها بما يرادفها. ومع حرصنا عَلَى نشر الفصح كنا نفضل لو عري هذا المعرَّب من كل ما يشوش ذهن القارئ ويحصره في الاستفادة من الفكر الجديد. فبدلاً من أن يعمد الفتى أو الفتاة إلى المعجم ليرى فيه تفسير ما ورد (ص ١٥٧ ) من معنى جلجلان القلب يكتفي المعرب بأن يقول حبة القلب أو سويداؤه وما نخال أحداً من البلغاء القدماء استعمل هذه اللفظة المتنافرة الحروف مثل مشمخر ومستشزرات وسجنجل التي نص عليها علماء البيان وحرضوا عَلَى إطراحها في الاستعمال لمنافاتها الفصاحة ولأن في اللغة ما يقوم مقامها. وقد وقعت للمعرب ألفاظ كررها في الاستعمال مثل تلابيب جمع تلبيب وهو جمع الثياب فاستعملها في استعارة غير لطيفة كقوله (ص ٣٠ ) (التي كتب لمن أخذ بتلابيبها السعادة) وقوله (ص ٢٠٤ ) قائم بين أسرته بتلابيب التهذيب والعلم) وص ٢٣٧ (أخذت بتلابيب الترقي). وسقط المعرب عَلَى بعض الاستعمالات البعيدة أو المنافية لروح الفصاحة واللغة مثل قوله (ص ٣٢ ): (لا تجدي لأعصابك) والأحسن تجدي أعصابك. وفي (ص ٣٣ ) (فلا يدع في أعماله للصدفة محالاً) والأولى أن يقال للاتفاق لأن الصدفة لم يرد بهذا المعنى ولذلك خطأوا من قال: في صدف الدهر صدف الدر وفي ص ٣٤ لكان بوسعها والأولى أن يقال لكان في وسعها وقد ورد هذا الاستعمال في عدة محال من الكتاب وفي الصفحة نفسها (يفضي إلى فتن مستطيرة ومحن معقودة) وما نظن الصفة الثانية مما سبق استعماله وفي ص ٣٧ (تمسك منه مواس الخير) (عمل يخلص عنك لمنفعة الناس) (يدأبون فيها ويلوون عليها) (فيسعى في مصلحة ذرارية) ولفظ مصلحة وقعت للكاتب غير ما مرة وهي من استعمالات جرائد مصر. وفي ص ٣٨ (أصبحوا بمكان الظنة والتهمة) ولعله يريد الظنة (لا يحرجون أن يحرجوا في أمرهم ويبرم بهم) (فعَلَى المرءِ متى جبه الواجب مصلحته أن ينأى عنها) ٤٨ (حبابه أن يستنيم له الوجدان) ٥٠ (فإن الواجبات تتضارب كثيراً مع بعضها) والأولى بعضها مع بعض ٥١ (فمن كان يستمسك بحذافيره يستمسك بالأثرة الحسنة) ٥٤ (أي رجل كب عَلَى عمله) الأولى أكبَّ ولعله من غلط الطبع الذي وقع كثيراً في الرسم والحركات مثل تشرأب إليها النفوس) والأولى تشرئب ومنها (أن يناوئ كل مكروه ومرزئية ومخوفة) ٥٦ (أخذه رابط الروع) ٥٨ (يجدر أن يكتب عَلَى صفائح ضرائحهم) ٦٥ (فقد أربي فيها رجال القول وأصبحوا بمكان ثقة من البلاغة حتى امتدحوا منذ قرون مدحاً عرفوا كنهه أيام الخور) ٦٦ (لا تدخله سآمة من دؤُب ولا إعياء من لغوب) والإعياء واللغوب يكاد يكون واحداً وإن كان اللغوب أشد الإعياء وفي الصحيح اللغوب التعب والإعياء ومثله في النهاية والغريبين وما ساق اليها إلا التقفية ومثله (بدرت منه بادرت نزاع إلى البطالة) ومثله ١٢٤ (فتق بعائدة من عطف وإحسان من رحمة) ٩٦ (حتى يساهمه بديئة بدءٍ) لعله بادئ بدءٍ أو بدأة ذي بدءٍ ٧٠ (لعملوا وأقدموا حزماً. فإن طيب الحياة ورغد العيش ليس لمن كان غنياً منكم. . . فاعملوا كداً كداً لأنفسيكم ولذويكم ولأمتكم فتروحوا النفس وتسروا الخاطر) جميل ركيكة ولاسيما أقدموا حزباً واعملوا كداً كداً. ٧١ (ومن ثم تطمئن نفسه فلا يستشير ميازين الجو) ٧٢ (وهكذا الحال في النهامة) ٧٨ (فإلى من نزغته نفسه إلى أن يتزيى بما هو ليس من أهله) ٨٠ (ومن الضرورة أن تلحق بهذه المعالي مداني نستنكف منها ونعرض عنها إلا وهي الخلاطة والخلاعة. . .) (فعَلَى الفتيان أن يجزموا فيحترسوا من الخلود إلى هذه الملذات) (لأن من اعتار أن يأكل مطاعم توابلت لا يستلذ بعدها بمطاعم غيرها) ٨٣ (لكنها رواحة للنفس) ٨٧ (واتخذ كل عضوٍ من بني الإنسان أخاً لك توده عَلَى السواء فلا تضمر لأحد منهم وحراً ولا لأية أمة وغراً ولا داعي له ولا سبباً). ٨٨ (نارت نائرتها فحاصت ولا بت حول الأمم) ٩٦ (فالعقيدة أمر خاص بالوجدان يجرح ولو بخفيف المسيس) ٩٩ (ويقدموا بيقظة انتبهاهم عَلَى مستقبلهم) ١٠٠ (ينبغي للمرء أن ينظر فيها نعماً حتى يتشرب عقله بها) ١٠٣ (إن العمل خير علاج لكرائه الحياة) ١٠٨ (فالرياضة واجبة لسداد الجسم نسعى إليها بهمة لا تفتر ولا تستنحر). ١١٠ (ةالممرضات اللاتي يلازمن المصاح فإنهم يتعرضون للأمراض المعدية والأوبئة المشؤومة ولا تلحق بهم أذية. . . فمن لم يفتأ عن أن يتداعى المرض ويتوجع نحو إلى المصائب وحواضر النوائب ويحاذر من طوارئ الخطار) ١١٥ (غاب عني هذا الرجل بضعة سنين) ١١٧ (فالأمم العظام والملل الشداد). ١١٩ (يطالب اليوم بعبادة الناس الذي نسل منهم. . . ولم يسلسل آباءه إلى أجداده) ١٢١ (واجب يتحتم علينا منذ نستمد الحياة منها) (وتكآدا (كابدا) الخطار لدواعي صحتك وصليا بالشاق في شؤون تربيتك) ١٢٢ (المودة تضمد جروحات المصائب) الأولى جراح أو جروح. ١٢٣ (سلاماً ورحمة أيها الأبوين! فقد قضيتما الحياة عَلَى القناعة في بيت حقير) (أما داخليني حماسك) حماستك. ١٢٥ (ولا ترأفن بنفسك عن محامد) لعله تربأن ١٢٦ (دينوا أبويكم أيها الناشئون كما داناكم بحب خالص) (سنة مطلق حكمها شديد وطأها (وطؤُها) وودوا فإن الوداد سحية رقيقة الجانب يوقع بها كل ناشئٍ ويواقع أمرها). ١٢٩ (فيحدوا عنه أكاذيب العواطف) (فإن الصبر ليأزر وإن الكراهة مع تداول الأيام لتزول) ١٣٠ (وليكن من الود والعقل إتحاد يسبلك أيها الفتى جنبات الصواب). ١٣١ (عَلَى الرجل أن يأوي يؤوي المرأة تحت جناحه) ١٣٢ (وليس بقصد من إبداع الحياة إيجاد بنين فقط بل تربيتهم وتمكينهم من القيام حقه في شؤون الحياة وجعلهم رجالاً رجالاً). ١٣٢ (إن المرء لا يصدر عن الزواج إلا رجاءَ أن يلقى عن أكتاده مهام الأسرة) ١٣٧ (لم يكن أمهات أو كن إلا أنهن اضطررنا إلى. . . انحطت انحطاطاً ليس بعده من انحطاط) ١٣٨ (وعَلَى المرأة الفرنسية) (إلا وأن الانتظام بين المصاريف (النفقات) والأرباح لأمر تطلبه رفاهية الحياة) ١٣٩ (فتصبح مثل سافل أمرها عرضة لكل المثالب والمعايب). ١٤٣ (أحاجتهم للسعي أشحذوا وأحضأوا نيران شجاعتهم) ١٤٧ (لو لم يثبت ذلك بالبرهان أو بدءٍ) (نوجع أعلاق قلوبهم إلى أمهاتهم ونجعل كعبة ثقتهن فيهن لأن للام تأثيراً عليهم أقوى من تأثيرنا لرقة عواطفها) ١٤٨ (وإن في البنين زروح عظمة تناصب النساء مناصبة تفيدهم وتروضهم عَلَى أعمال الإرادة تحت ظل الأم بدون أن يتفيل حزمهم) ١٤٩ (وتأهل فأبا البنين يودهم وليس للثراء ولا للفقر يد عَلَى السعادة) (فإن قلت ذات يده عن حوز طيب الحياة فقد شقت عليه حياته وتعاظمته أوقاته. . . لأنه ما دام قاصراً عَلَى تنمية مورده مادام الفقر يدقعه ويذهب من جميل أنسه بأسرته). ١٥٠ (بيد أن الثراء وإن لم تكن به السعادة أداة ذات بال للسعي ببغيته، ولا بدع، سواد الناس، لأن من الحكمة أن يدأب المرء) (إن لا سعي له ولا عمل للحصول عَلَى المال مساق (مسوق) بالطبع مع الذين) ١٥١ (بل عليه أن يكون في كل الأحوال بسيطاً في حياته قائماً (؟) أسرته) (يقنع بما بين يديه ويوافق مورده ومعاشه عَلَى الدقة وتقدير المنزلة فإن من كان مورده مساناة (مسانهة) خمسة آلاف ليرة ومصرفه (نفقته) خمسة آلاف ومئتينيوخمسين ليرة كان فقيراً يتدرج إلى السآمة والمشكلات). ١٥٢ (إن من يقطع عن الناس شوابك العلاق علائق الذات والأسرة) ١٥٣ (واعلم أن للعلائق والتعارف مع الناس سيئات أكثر من حسنات) (واقتلوا أوقات فراغكم في المنزل) من التعبيرات الإفرنجية الأولى إبدالها باصرفوا واقطعوا وما شكل ذلك ١٥٤ (ولا تهاملوا في زخرفة الأثاث فيقولن أحدكم إني معيل لا قدرة لي عليه ففي سعة (وسع) كل الناس فقيرهم أو غنيهم أن) (أو تكلف في زينتها أو تماجن في صنعتها). ١٥٥ (تزبد المشرة وتزن الجسم والأخلاق) لعلها تعدل الجسم. ١٥٨ (إذا ضربنا صفحاً عن بلاد الروس المختلفة أصولها المجهولة سكانها في ذلكم العهد) (مضى عَلَى ذلك التاريخ ثلاثون ربيعاً) الأولى سنة لأن الربيع بهذا المعنى لم يرد في شيء من كلام العرب (بيد أن الأنفس فيها مازالت تزداد بذلك الحين ولكن في التناقض عن بقية الأمم) (ثم دهي الأمة الفرنسوية سنة ١٨٧١ فقد ولايتين الإلزاس واللورين تبلغ مساحتهما ١٥ مليوناً ونصفاً من الكيلومتر المربع) الصواب ١٤ ألفاً وخمسمائة كيلومتر مربع ١٦٠ (الأنفس تزداد لدى جميع الأمم ودمنا عَلَى موقف الجمود) (والإنكليز الذين لم يكن لهم في ذلك العهد إلا ثلثي ما للأمة من الأنفس). ١٦١ (هذا إذا أخذنا بلاد الغال والإيقوس (إيكوسيا) وتركنا بلاد إيرلاندة عَلَى معزل) ١٦٣ (نقطع دابر الأمل من) استعارة غير حسنة (عرضة للاحتقار وموضع الصغار) (لا مرية إن ستلهم مادتنا الشعوب وتستلحم عنصرنا شعوب) ١٦٤ (ولقد كان في استطاعتهم ألا يجيبوا سنة الوجود) (وأظن إن كان في الأعصر الخالية قبل وضع التاريخ رجال سفسطة). ١٦٥ (إلا أن هذا لا يكون طباب (ما يطبب به) لقص الأنفس فإن طبابه في الحمية الوطنية) (زُلقت عَلَى أحادير الانحطاط وأشفاءِ الموت). ١٦٨ (مبادئ لا يجوز لأحد أن ينكر عليها) ١٧٠ (تنقل هذه الصلاحية إلى أحد) والصلاحية كلمة لم يسبق للبلغاء استعمالها وهي من مواضع الأتراك تسربت إلينا من المترجمات والصحف والأولى استعمال اختصاص أو سلطة (فالديمقراطية والأريستوقراطية عرقنا في قلوب العالم) (كبرياء المتنفذين) ليس في اللغة تنفذ ١٧١ (إن كل المظالم ثقيلة عَلَى النفس مكروهة لدى النفس) ١٧٣ (فاستدعى ذلك إلى توحيد القوى) والأولى دعا ذلك ومثله ص ٢٦٢ (يستنفع منها أكثر من ذلك) والصواب ينتفع فإن السين الطلب غير مقبولة كل حين. ١٧٤ (كما وأنه لا يخلو) كما أنه (عَلَى ما يظن البعض بل سارت في بلاد أوربة أبعد من ذلك فازدادت المصلحة العامة إلى درجة ألزمت الحكومة لتكثير الدوائر. . . مما يعود بالنفع عَلَى عموم أبناء الوطن والأحسن) بعضهم بدل البعض واضطرت الحكومة إلى تكثير بدلاً من ألزمت ويعود بالنفع عَلَى عامة أبناء الوطن بدلاً من عموم. ١٧٦ (لا تكون فيه الحقوق مضمونة مصانة) مصونة. ١٧٧ (فحكومتنا أصبحت بالتالي حكومة ديموقراطية) فبالتالي استعمال إفرنجي (فهي لا تضرب خناقاً عَلَى الحياة ولا تقف دون ترقي الأمة) ١٨٠ (جرحات الديموغجية) والأولى تعريبها هكذا نضار مماشاة العامة عَلَى أهوائهم أو خدمة العامة أو ما شاكل ذلك ١٨١ (يتحمل تبعات أعمالها ودركات أمورها ويسئل عن مصيرها) (فيقرع صفاتهن أن تواقعوا إلى الوهدة ويشنع عَلَى زكمة السوء) فسر زكمة السوء بأبناء غير صالحين ويقرع صفاتهم ينتقصهم ويعيبهم وتواقعوا إلى وقعوا وراء بعضهم والجملة بدون شرح لا يفهمها إلا الحريري والمعري عَلَى تكلف في وصفها. ١٨٦ (رضاء مجلس الأعيان) والصواب بدون همز ١٨٧ (ومن ثم يصح لهم أن يحلوا غويص عويص الأمور السياسية بسكينة روع ويهتموا قبل كل أمر في مصلحة بلادهم حتى إذا حفظت هذه المصلحة التفت كل منهم إلى مصلحة حزبه وقد ينبغي حتى في مصلحة الحزب أن يكون. .) (فالواجب في الأمور السياسية مهما كان صلباً متلبساً متضارباً). ١٩٠ لأن الوائف والمناصب هيكل لجسم هذه الأمة المتمدنة الممدنة أو المتحضرة (فإذا عرض له قرح طرأَ الداء). ١٩١ (في مسألة تعيين أولياء الأمر وأن يقبلوا عَلَى وجدناهم يستشيرون بتلك القضية قبل العزيمة). ١٩٧ (لأن في ذلك مسيساً لحرية السعي) ١٩٨ (حجز النساء عن التعاطي في المعامل) ٢٠٤ (أخذت من قلوبهم شطراً كبيراً يعلق في حبها). ٢١٥ (أتى عَلَى حاضر تكدر صفوه وجابه مستقبلاً خفي كنهه) ٢٢٠ (رجعوا فيها ودايموا النظر ولا تخثروا) (ولو كانت ملؤ ألفاظة خشونة وأعمالها غلطة) ٢٢٢ (ناقع القلب من أقدامهم مبرود الغليل من شجاعتهم) ٢٢٤ (متى اعتقد الأغيار) جمع غير هي من استعمالات الأعاجم فيقولون بار أي المحب وأغيار أي العدو ومنهم سرت إلى بعض كتابنا (فاستفرغ العقل وهز القلب ورق دمك ولا تضن بقطرة منه صيانة لحياة الأمة وتعهداً لمصلحة الوطن) ٢٢٥ (وكلما كان الاستمساك شديداً متراصاً كانت الأمة عَلَى عظمة وسؤدد) ٢٢٦ (من جري ما بث به السفسطائيون) (فأدودا بهم تحت أيدي البرابرة أيداءَ هود اليم منحيهم الله أكتافهم فألبسوهم قناع القهر وطوقوهم طوق الذال وتوطوءهم بحر القتل) (نستدفع ما يقعر العنصر فإنا لا تزال أمة مستبصرة باقية النسيم غير نازعة إلى الموت). ٢٣٠ (مرارة سخريته من هؤلاء السفسطائيين) والمرارة هنا مثل عقاب مر لم تألفها لغة العرب العذبة (في الأجيال الآتية) أي القرون والجيل غير القرن (الأوان خير أمة أخرجت للناس أمة تشربت الوطنية حتى الكفاف) ٢٣١ (بغير تشدق ولا جدل ولا حلجة إذا نادهم منادي الوطن) ٢٢٣ (إقليم مرمعمعان تنازع يوآزر العزيمة ويستنب خفض العيش ورغد الحياة) ٢٣٤ (ثم لاحت بين ظلامة هذه الأعصر بارقة عقل وشارقة عدل) (ثم تماسكت الأمة فرتقت الفتق ورأفت الخرق) ٢٣٥ (لكن النائرة قد نارت والفائرة قد فارت). ٢٣٨ (فأصبحت والألمان يفوقها بعشرين مليوناً عَلَى حين أن أرض الأمتين متساوية في المساحة والإنكليز بثلاثة ملايين عَلَى أن ربوعهم لا تكاد تعادل نصف ربوعنا). ٢٤٠ (يدفعانها إلى أن تنهض من أغمض الهوات إلى أعَلَى الدرجات) (وادأبوا أيها البنون في مصلحة الوطن ومجد الأمة). ٢٤١ (قلبوا الطرف أيها الفتيان عَلَى موقع أمتكم من الأرض تجدونها عَلَى أجمل بقعة وأخطر قطعة) (بحيث أصبح من الواجب أن تضطلع لعبئهم وتحفظ الموازنة بينهم). ٢٤٣ (تبذل النكيثة النفس والقوة حتى تصير قوة الجيش في البر إلى تناهيها) (عظيم الإجلاد عظيم التجاليد) فسرها بالضخم القوي (فإن من الضرورة أن يعتزم المرء عَلَى أمر الجندية فيرتاض عليها قبل أن يسلك في نظمها) (عن طيبة نفس وبسطة ذراع). ٢٤٤ (إنه لقسم لو تعلمون جميل فينبغي لكل عضو في الأمة أن يؤلي عَلَى نفسه ذلك الإيلاء حين ينخرط في سلك الجندية) والإيلاء والانخراط هنا من أبشع الألفاظ ٢٤٥ (الأنشودة التي تردد نأمتها في الفضاء) النأمة النغمة والصوت ويقولون أسكت الله تعالى نأمته أي أماته فالأولى عدم استعمالها في هذا المقام (تغرورق عيناه وتصطك شفتاه) وفسر شظاياه بعظام سافه ٢٤٦ (ولا تذهلن إن الوطن أُمك) والأحرى أن يقول أبوك لأن الوطن مؤنث بالإفرنسية مذكر بالعربية. ٢٤٧ (كونوا جنداً غلاظاً مستبسلين) والجمل شداداً بدل غلاظاً. ٢٤٩ (بثبات قلب ورسوخه وطمأنينة) ٢٥٠ (وبعد فقد وجبت عَلَى الأمة وراء أن تسعى أقصى مجهودها وراء أن تجعل الوطن عَلَى قوة وهمة). ٢٥١ (فكان ذلك مثلاً مراً استفادت منه حق الاستفادة) (حاجة الأمم الاقتحام عَلَى الحروب العادلة فبرهن بحجج عديدة وأمثلة كثيرة عَلَى وجوبها). ٢٥٣ (ذلك مثل يجب عَلَى كل امرئ أن يحذو حذوه ويتحكك تحككه أيام الفت والمشاغب). ٢٥٤ (والسعي وراء منفعتهم كما يفعل المرء وراء أن يجعل أمته) ولفظة الوراء هنا من استعمالات المولدة المبتذلة لا يريدها من يحب تقدم اللغة إلى الأمام. ٢٥٦ (تسكن وسط أفريقية وجبال آسيا من كان عليه من سكان الأميركان) (تمدن الشرق الأدنى الذي ناهض تمدن اليونان والرومان زمناً طويلاً عَلَى الجهد وامتد من جنوب آسيا وغربها إلى ردم سد حملايا المصمت ما لا فرجة فيه) ٢٥٧ (فاعتراها ما اعتراها لما تحك بها تمدن آخر أكثر كمالاً من تمدنها). ٢٥٨ (وكان حب الوطن والإقدام مزدرعين عَلَى حد السواء في قلوب الذين ينهضون بأمتهم) جملة لم تشم ريح العربية ٢٥٩ (لاسيما قد بينت العلماء ذلك التاريخ في هذه الأيام عَلَى أحسن بيان) أي أَحسن بيان. ٢٦١ (حتى ماتت تلك الأمة المجيدة القوية في الهون) ٢٦٤ (حتى كاد العنصر الأسود في أفريقية وعنصر الزنوج في أمريكا لا يبلان من عَلَى الانحطاط). هذا ما علقناه من هفوات الكتاب وهناك بعض أمور طفيفة لا يكاد ينجو منها كاتب في هذا العصر والعصمة لله وحده بيد أن هذه الهنات لا تقدح في فائدة هذا السفر البديع ولا تحط من مكانته فهو حري بالكبار والصغار أن يقتنوه ويتدارسوه ويتدبروا معانيه ومغازيه. ونثني عَلَى حمية صديقنا المعرب الذي أَخرج بتعريبه كتاب دومر زكاة فضله في وقت قل فيه جداً من يخرجون زكوات عقولهم كما ندر من يخرجون زكوات أموالهم. مخطوطات ومطبوعات الأبطال تأليف توماس كارليل وتعريب محمد أفندي السباعي وفي ذيله تاريخ الثورة الإنكليزية. طبع بمطبعة البيان بمصر سنة ١٣٢٩ ص ٢٤٥ مؤلف هذا الكتاب أحد فلاسفة إنكلترا في القرن الماضي (المتقتبس م اص ٥٧ ) هو من الرجال الذين اثروا أثاراً مهماً في نهضة أمته لسعة عقله وعمله وخلوص نيته وإنسانيتهوكتابه هذا اشتهر في المشارق والمغارب ولذلك أحسن للعربية مترجمه بنقله إليها بلغة قل أن نقل كتاب إلى لساننا بما يدانيها فصاحة وبياناً. وموضوع الكتاب الكلام عن عظماء الرجال فذكر البطل في صورة إله ومثل ذلك بوثنية أهل الشمال واعتقادهم بإلوهية أودين في الأزمان القديمة ثم البطل في صورة رسول وأورد لذلك سيرة محمد عليه الصلاة والسلام عَلَى لصورة لم يكتب لغربي فيما نحسب أن كتب بقوته فجسم سيرته الشريفة في ٤٢ صفحة بعبارات تشف عن إنصاف ليس بعده غاية. قال: لقد أصبح من أكبر العار عَلَى أي فرد متمدن من أبناء هذا العصر أن يصغي إلى ما يظن من أن دين الإسلام كذب وأن محمد خداع مزور وآن لنا أن نحارب ما يشاع من مثل هذه الأقوال السخيفة المخجلة فإن الرسالة التي أداها ذلك الرسول ما زالت السراج المنير مدة اثني عشر قرناً لنحو مائتي مليون من الناس أمثالنا خلقهم الله الذي خلقنا أفكان أحدكم يظن أن هذه الرسالة التي عاش بها ومات عليها هذه الملايين الفائتة الحصر والإحصاء أكذوبة وخدعة؟ أما أنا فلا أستطيع أن أرى هذا الرأي أبداً ولو أن الكذب والغش يروحان عند خلق الله هذا الرواج ويصادفان مثل ذلك التصديق والقبول فما الناس إلا بله مجانين وما الحياة إلا سخف وعبث وأضلولة كان الأولى بها ألا تخلق. فوا أسفاه ما أسوأ هذا الزعم وما أضعف أهله وأحقهم بالرثاء والمرحمة وبعد فعلي ما أراد أن يبلغ منزلة ما في علوم الكائنات أن لا يصدق شيئاً البتة من أقوال أولئك السفهاء، فإنها نتائج جيل كفر وجحود وإلحاد وهي دليل عَلَى خبث القلوب وفساد الضمائر وموت الأرواح في حياة الأبدان ولعل العالم لم ير قط رأياً أكفر من هذا وألأم وهل رأيتم قط معشر الإخوان أن رجلاً كاذباً يستطيع أن يوجد ديناً وينشره عجباً والله أن الرجل الكاذب لا يقدر أن يبني بيتاً من الطوب! فهو إذا لم يكن عليماً بخصائص الجير والجص والتراب وما شكل ذلك فما ذلك أن يبنيه ببيت وإنما هو تل من الأنقاض وكثيب من أخلاط المواد نعم وليس جديراص أن يبقى عَلَى دعائمه اثني عشر قرناً يسكنه مائة مليون من الأنفس ولكنه جدير أن تنهار أركانه فينهدم فكأنه لم يكن وإني لأعلم أنه عَلَى المرء أن يسير في جميع أمره طبق قوانين الطبيعة وإلا أبت أن تجيب طلبته وتعطيه بغيته. كذب الله ما يذيعه أولئك الكفار أن زخرفوه حتى خيلوه حقاً وزر باطل وإن زينوه حتى أوهموه صدقاً ومحنة الله ومصاب أن ينخدع الناس شعوباً وأمماً بهذه الأضاليل وتسود الكذبة وتقود بهاتيك الأباطيل وإنما هو كما ذكرت لكم من قبيل الأوراق المالية المزورة يحتال لها الكذاب حتى يخرجوها من كفة الأثيمة ويحيق مصابها بالغير لا به. وهكذا أخذ المؤلف يسرد حالة العرب في الجاهلية وفي الإسلام وكيف قام الرسول وما عمله بعبارات تشف عن روح عالية ولا غزو فهي الفلسفة ومحال أن تنطلي عَلَى فيلسوف عارف مثل هذه الحقائق. ثم ذكر البطل في صورة شاعر واستشهد بدانتي شاعر الطليان وشاكسبير شاعر الإنكليز ثم ذكر البطل في صورة قسيس فذكر لوثير البرنستانتية ونوكس البيوريتانية ثم أورد البطل في صورة كاتب ومثل ذلك بجونسون وروسو وبارنز ذم ذكر البطل في صورة ملك ومثل لها بكرومويل ونابليون والثورة الإنكليزية. كل ذلك نقله المعرب كأنك تقرأوه بلغته مع الاحتفاظ بالسلاسة واستشهد أحياناً بأبيات من الشواهد العربية أدمجها بالمناسبات وتكاد الألفاظ غير الفصيحة التي وقع فيها المترجم تعد عَلَى الأصابع وهي مما عمت البلوى ونحب أن تكون مثل كتابة السباعي عارية منه وإن كانت كالوشم في الوجه أو الخال في الخد وذلك مثل قوله ص ٦٢ نوايا والصحيح نيات وفي الحديث إنما الأعمال بالنيات ٦٦ تضحية النفس الأولى المفاداة ٦٨ لأربعين من قرابته من ذوي قرابته ٧٣ النقطة الهامة المهمة وص ٢ أوعرت فيه تلك السبيل وأوعشت وقامت فيها القحم والعقبات والموارط والهلكات. . . وأزمت الكروب وتشنعت المحن ٣٩ بعقوبة صارمة والأولى شديدة ٨٤ وأساليب وعوائد الأولى عادات. وقد صدر الكتاب برسم مؤَلفه كارليل وطبع أجود طبع فنثني الثناء الأوفر عَلَى معربه وناشره ونستمطر شآبيب الرحمة عَلَى مؤلفه. فتح العالم الإسلامي اعتادت رصيفتنا مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية أن تصدر الحين بعد الآخر جزءاً كبيراً من أجزائها الشهرية تخوصه بموضوع خاص من الموضوعات التي تخوض عبابها وقد نشرت في تشرين الثاني مبحثاً في ٣٢٧ صفحة تحت عنوان فتح البلاد الإسلامية توسعت فيه عمل البعثات الإنجيلية والسكسونية والجرمانية في بلاد الشرق فقدم له صديقنا المسيو لشاتليه مدير تلك المجلة وأستاذ عَلَى الاجتماع الإسلامي في كوليج دي فرانس بباريز مقدمة أبان فيها أن الإسلام ينهزم أمام تعاليم تلك المدارس التي يرى بعض القائمين بها أن كثيراً من المسلمين دانوا بالنصرانية لكثرة ما تلقنهم إياه تلك المدارس الإنجيلية ويرى المسيو لشاتليه أن المسلمين لا يدينون بدين آخر بل تتزعزع عقائدهم بما يلقنونه من الأفكار التي تصحب اللغات الأوربية وذلك بواسطة اللغة الإنكليزية والألمانية والهولاندية والإفرنسية فتجعل تلك البعثات احتكاكاًَ بين الإسلام والصحافة الأوربية وتسهل النجاح المادي في العالم الإسلامي وهكذا تصل تلك البعثات إلى العبث بالفكر الديني الذي كان قوته بعزلته. ثم قال أن تقسيم الإسلام (أي بلاد الإسلام) السياسي سيظهر في أتم مظاهره ويسهل أعمال التمدين الأوربي عَلَى أن الإسلام يزول سياسياً ولن تكون حاله إلا حال مدنية باقية في وسط التغلب الغربي ولا سبيل إلى نشل الدولة العلية بعد أن ضل أحرار العثمانيين سبيل إنهاضها إلا بتأليف ولايات متحدة إسلامية وإلا فإن تقسيم البلاد لا مناص منه. وبعد أن أفاض في أوضاع جمعيات التبشير وأعمالها العلمية والخيرية والدينية في بلاد لمسلمين وما تعده من الأسباب للقضاء عَلَى الإسلام قال الناشر في النتيجة: كان يرجى غداة الانقلاب العثماني أن يكون للإسلام دور نهضة اجتماعية ولكن زعماء حزب الإتحاد والترقي نسوا برنامجهم عندما استلموا زمام الأمر فدعت الغلاط التي ارتكبت في الآستانة وسلافيك وطهران وطوريس إلى أن تعرف أوربا أن دور السياسة انتهى وجاء دور العمل. إن هذه الكتلة البشرية الموزعة في آسيا وأفريقية من بحار الصين إلى المحيط الأتلانتيكي ستفقد موازنتها التقليدية بزوال الخلافة (والعياذ بالله) عما قريب وانقصام عرى الممالك المستقلة فماذا يكون والحال هذه مصير المدنية الإسلامية إذا نظرنا إليها بأنها جزء من المجتمعات البشرية وإلى أي وجهة يتجه نشوء الإسلام؟ إننا بما نراه من كثرة انتشار الصحافة الإسلامية ووفرة طرق المواصلات وتأييد الروابط الإسلامية كل ذلك سيزيد في احتكاك الشعوب الإسلامية بعضهم ببعض ولذلك يرجى أن يعظم مركز المسلمين الاقتصادي في ظل الحكومات الأوربية بفضل السهولة التي تنشأ بينهم من وحدة الأوضاع الاجتماعية في الجملة ومن استعمال لغة أدبية دينية واحدة ولذلك كان عَلَى أمم أوربا أن تعمد إلى سياسة التعليم والتربية مع الشرق وستكون صلات مائتي مليون في البلاد الإسلامية بحسب تأثير التربية العقلية التي يربونها. هذا ما قاله صديقنا عربناه عَلَى ما بعض جمجمة فيه وخلاصته أن الحكومات الإسلامية تنقرض والعياذ بالله ولن يبقى للمسلمين إلا العمل بالمسائل الاقتصادية أي يبقون كالإسرائيليين بدون حكومة تحكمهم. كلام مر ولكن عَلَى رجال الإسلام أن يتدبروه ملياً وفي هذا البحث أسرار مهمة فيما تدخره السياسة الغربية لاكتساح الشرق ونزع دينه وسياسته وعاداته كما بدرت بوادر ذلك الآن باستيلاء فرنسا عَلَى بلاد المغرب الأقصى وإيطاليا عَلَى طرابلس وبرقة وروسيا عَلَى وإنكلترا عَلَى نزع استقلال إيران بحيث صح أن نقول أن بلاد الإسلام في صدد حرب صليبية ولكنها غير دينية كحروب القرون الوسطى بل مدنية للفتح وسلمية ببث الأفكار والتعاليم الغربية. الريحاني تأليف أمير أفندي ريحاني الجزء الثاني طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١٠ ص ٢٣٢ اعتاد صاحب الريحانيات وهو من نوابغ المفكرين في سورية اخذ بحظ وافر من المدنية الغربية وحظ وافر من المدنية الشرقية أن يتحف عالم الأدب الحين بعد الآخر بنفثاته النافعة وأكثر ما في هذا الجزء هو مما كتبه في سورية وأكثر ما في الجزء الأول مما كتبه في الولايات المتحدة الأميركية والجزء الذي امامنا الآن هو مجموعة مقالات وخطب وشعر منثور والشعر المنثور هو كما قال عنه: يدعى هذا النوع من الشعر الجديد بالإفرنسية وبالإنكليزية أي الشعر الحر أو بالحري المطلق وهو آخر ما اتصل إليه الارتقاء الشعري عند الإفرنج وبالأخص عند الأميركيين والإنكليز فملتن وشكسبير أطلقا الشعر الإنكليزي من قيود القافية وولت وتمن الأميركي أطلقه من قيود العروض كالأوزان الاصطلاحية والأبحر العرفية. عَلَى أن لهذا الشعر المطلق وزناً جديداً مخصوصاً وقد تجيء القصيدة منه من أبحر عديدة متنوعة. وولت وتمن هو مخترع هذه الطريقة وحامل لوائها وقد انضم تحت اللواء بعد موته كثير من شعراء أوربا العصريين وفي الولايات المتحدة اليوم جمعيات وتمنية ينضم إليها فريق كبير من الأدباء المغالين بمحاسن شعره الجليلة المتخلقين بأخلاق الديمقراطية المتشبعين بفلسفته الأميركية. إذ أن شعره لا ينحصر مزاياه بقالبه الغريب الجديد فقط بل فيه من الفلسفة والتصور ما هو أغرب وأجد. ولا نقول في هذا الجزء إلا كما قلنا في الجزء الأول (م ٥٠ ص ٢٢٠ ) تتدفق حرية الفكر من أطراف ورقة الإحساس منت سطوره وبعد النظر من مراميه ومعانيه وكله معان فلسفية في قوالب عصرية وروح شفافة في شعور جديد فقد قل في أرباب الأفكار مثل هذا النفس في إصلاح الأفكار والتلطف في بلاغ العقول الجامدة محاسن الحضارة المدهشة والتجديد المفيد. وقلما شاهدنا أثر المحيط في كتابة كاتب كما شاهدناها في صديقنا الريحاني فكتابته يوم كان في أميركا تذكر سيئات المدنية الغربية التي لا تعرف إلهاً غير الماديات حتى إذا عاد إلى الفريكة مسقط رأسه في لبنان عاد يحبب العزلة وينفر من تلك المدنية المادية ولكنه يدعو إلى فك العقول من قيودها والأخذ بما ينفع من مدنية لا تكون شرقية ولا غربية كتلك الشجرة المباركة ولكنه كان في كل موضوع يخوضه يجعل للحرية المطلقة نسيباً وافراً من أقواله ولذلك نقم عليه أعداء العقل وعبيد القيود من المتنطعين من رجال الدين وحاربوه حرباً لم يكد يحاربه سوري ولكن إخلاصه شفع فيه فلم ينل بأذى وهو اليوم شعلة الذكاء الشرقي في بلاد الغرب وعنوان الهمة العالية أمام المشارقة. يعلم المؤلف جد العلم أن من يصرح بما يصرح به يحارب ويطعن فيه الطعن المبرح في بلاد لم يزل لأوهام المتنطعين شدة وعرامة وهم لا يرون إلى النيل منه أكثر من رميه بالإلحاد وإنكار الصانع ولكن من يقول (ص ١٠ ) إنا للطبيعة وإنا إليها راجعون وشكرت الله شكراً جزيلاً لا يدل عَلَى أنه ملحد بالمعنى الذي يصورونه بل هو ملحد في التقاليد الضارة حر في إفصاحه عن رأيه عَلَى أساليب لم يألفها غير المنورين من سكان هذا الشرق الأقرب. قال (ص ١٣ ) إن الفرق بين الأولياء والأطباء قليل لا يستحث الذكر فكم من طبيب فاضل يستحق أن يطوب قديساً أو يدعى ولياً بعد موته فقد تعرفت بفضل آلامي العصبية بعدد وافر من هؤلاء الأفاضل وبان لي بالاختبار ما كنت أجهله. تحققت أن الفرق بين الطبيب والكاهن كالفرق بين الكاهن والمحامي كلهم نفعنا الله بعلمهم وبرهم يتعاطون الجربزة. كلهم يتاجرون بشيء من الحقيقة وكثير من الخزعبلات والأوهام عَلَى أن الطبيب أرفع درجة من الكاهن والكاهن أرفع درجة من المحامي. وصرح في (ص ٢٧ و ٢٩ ) بعيوب الإكليروس وتهاونه لا لمجرد الطعن بل للإصلاح لأنه لا يريد أن تظل آدابنا ( ٤٨ ) تحت سيطرة المتدينين والمتنطعين (ولو قال المتنطعين من المتدينين لخلص من اللوم) وأنفسنا من ربقة رجال الدين وإن لم نتجرد من هذا الاستبداد الديني أو بالحري السفسطي كما تجردنا من الاستبداد السياسي تظل آدابنا مبتذلة جامدة خاسئة. هو يقول ( ٥١ ): عَلَى تقريرات رجال الدين وخزعبلات العبادات قام عبد الوهاب في نجد ولوثيروس في وتنبورغ وجون نكسن في إنكلترا وغيرهم في البلاد كثيرون فما ضرنا ولا استغنينا عن المتكهنين المدلسين وتفلتنا من ربقتهم واعتصمنا بدين الله وبأنبياء الله ثم قال: إني أحترم العاطفة الدينية التي تكاد تكون فطرية في الإنسان ولكني لا أجد في خزعبلات هؤلاء الناس وفي تنطعهم - وقد قيل هلك المتنطعون - ما يساوي ذرة من نفس امرئٍ راقية. ومن يقول فكرة بهذه الصراحة لا يرمى بالإلحاد والمروق ولكن المؤلف ينحي كثيراً عَلَى رجال الدين في قومه يريد بالقوارص التي يوجهها إصلاحهم ودعوتهم الوطنية لئلا تفرقهم المذاهب ( ١٣١ ) فإن عدوا عليه مثل هذه الهنات وربما أتى بعضها من كونها لم يرزق كل حين حظاً من جمال التعبير أو أنه بين ولم يجمجم والجمجمة كالتقية لا بأس بها بين القوم المخالفين إذا خشيت الفتنة فقد أتى بحسنات لا ينكرها عليه أشد الناس حطاً من خصومهم قال (ص ٤٥ ): نحن اليوم واقفون بين هاتين المدنيتين بين مدنية غازية منتصرة وأخرى مدبرة فعلينا أن لا نخضع عَلَى الإطلاق لهذا الفاتح القوي وأن نمسك بما في مدنيتنا من الخير الروحي ولا ينجينا من استبداد هذه المدنية الفاتحة القاهرة ويحفظ لنا حسنات تلك المدبرة سوى الآداب. ولا أريد بالآداب الكتب فقط بل أريد منها آداب النفس أولاً والأخلاق. إن الدين هو أبو مدنية الشرق يرفض بتاتاً مدنية الغرب والعلم المادي هو مدنية الغرب يرفض بتاتاً مدنية الشرق فالدين والعلم في هذا الموقف متغرضان كل لقومه ولا ينفعنا الواحد منهما دون الآخر. وإني لأجد في كل قوى الفكر والنفس وثمارهما أصلح وأنجع من الآداب تجمع بين الاثنين فينشأ عن ذلك مدنية جديدة قوامها الصنائع والفنون وشعارها الإخاء العام. واعلموا أن الفنون السامية الجميلة هي التي تتغذى من العلم والدين معاً والأمة التي تجعل مثل هذه الفنون أساس حياتها الاجتماعية تكون ولا غرو مجد المستقبل وأم الأمم. عَلَى شطوط البحرين وفي أودية الرافدين أحب أن أشاهد مثل هذه المدنية الجامعة بين محاسن المدنيتين. أحب أن أرى في قلب العالم جمال روح العالم وكمالها. أحب أن أرى في بلاد الشام وبلاد العرب ثمار الأنبياء وثمار العلماء عَلَى شجرة واحدة. أحب أن تزرع بساتين هذه الأرض المقدسة من تلك الشجرة المباركة شجرة لا غربية ولا شرقية. وقال في التساهل الديني وإنه موجود بين الدول في معاملاتهن إحداهن للأخرى ولكنه غير موجود بين الأوربيين ومن يدعونهم بالمتوحشين فالدول ( ١٢٣ ) لا تتساهل مع هؤلاء المساكين الضعفاء بل تتساهل بعضها مع بعض لأنها تضطر إلى ذلك وليس حباً بالمبدأ الشريف وكثيراً ما نراها تشهر الحروب عَلَى القبائل الضعيفة وتدعوها حروب الإنجيل وذلك لكي يدين البرابرة بالدين المسيحي كرهاً وجبراً. وهذا هو التعصب الدولي الديني هذي هي الاضطهادات التي تمارسها ضد البرابرة كما تزعم والبرابرة قوم يشعرون وهم يريدون مثلنا. هذه هي حروب شارلمان وحروب الملكة حنة الإنكليزية والملك كارلوس الإفرنسي هذه مذبحة ليلة القديس برتلماوس فعوضاً عن حدوثها في باريز وفي القرن السابع عشر تحدث الآن في صحاري أفريقية وفيافي آسيا وتلول السودان وفي أواخر القرن التاسع عشر. يا للعار ويا للشنار! عبثاً يكتب العلماء ويندد المصلحون ويبحث الفلاسفة عبثاً أتى المسيح إلى الأرض لمثل هؤلاء القوم. وبالجملة فالريحانية كلها آية في الحرية داعية إلى التساهل الديني محببة بالمدنية المعقولة المحبوبة مقربة بين القلوب جارياً عَلَى حد قوله الكتب المقدسة تصلح الحياة ولكنها لا تعمر البلاد والعلوم المادية تعمر البلاد ولكنها لا تصلح الحياة إذن كتبكم المقدسة احفظوها وكتب العلم عززوها. كتب ورسائل مختلفة تنبيه الطالب إلى معرفة الفرض والواجب للشيخ جمال الدين القاسمي طبعت في مطبعة مدرسة والدة عباس الأول بمصر سنة ١٣٢٦ - ١٩٠٨ . رسائل الانتقاد - هي الرسائل التي أحياها بالنشر السيد حسن حسني عبد الوهاب تفي مجلة السنة الماضية من المقتبس تأليف عبد الله محمد أبي سعيد بن شرف القيرواني المتوفي سنة ٤٦٠ هـ. طبعت في مطبعة المقتبس في ٢٤ صفحة. ملقى السبيل - رسالة في الوعظ والحكم نشرت في الجزء الماضي من المقتبس بعناية السيد حسن حسني عبد الوهاب التونسي وهي لأبي العلاء المعري وقد علق عليها الناشر حواشي نافعة كما هي عادته وهي في ١٧ صفحة طبعت بمطبعة المقتبس. تمرينلى وإعرابلى لساتن عربي صرف قمى - هو كتاب في صرف اللغة العربية بالتركية لمحمد شاكر أفندي الحنبلي جعله مع التمارين والإعراب في ٢١٠ صفحة طبع بمطبعة رشادية في الآستانة ١٣٢٩ هـ - ١٣٢٧ ش. العقود اللؤلؤية في طريق السعادة المولوية - للشيخ عبد الغني النابلسي طبع عَلَى نفقة الشيخ محمد سعيد أفندي شيخ تكية المولوية بدمشق في مطبعة المقتبس سنة ١٣٢٩ عدد صفحاته ٣٢ . مطول في إنشاء المكاتيب - تأليف أمين أفندي الخوري طبعة عاشرة في مطبعة الاقتصاد ببيروت سنة ١٩١١ ص ٣٢٠ . قصائد أحمدية من الميرزا غلام أحمد (المسيح الموعود والمهدي المعهود) طبعت عَلَى نفقة الجمعية الكبرى الأحمدية بمطبعة الميزكين بقاديان الهند ص ١٥٨ . نسمات الصبا في منظومات الصبا لجرجي أفندي شاهين عطية طبعت بالمطبعة العثمانية في لبنان سنة ١٩٠٤ . جدول في المنطق للشماس توما ديبو المعلوف طبع بالمطبعة البطريركية الأرثوذكسية بدمشق سنة ١٩١١ . اثر حسن - مجموع مراثي الدكتور سليمان الخوري الحمصي جمعه رزقه الله أفندي نعمة الله عبود طبع بالمطبعة الأدبية في بيروت سنة ١٩٠٤ ص ٢٨٨ . البيان - مجلة دينية عمرانية تاريخية أدبية لمنشئيها مصطفى وهيب أفندي البارودي وجميل أفندي عبد القادر عدرة في طرابلس الغرب تصدر مرة في الشهر في ٣٢ صفحة وقيمة اشتراكها في البلاد العثمانية مجيدي وربع وفي الأقطار الأجنبية سبعة فرنكات. أخبار وأفكار تاريخ بيروت ألقى الدكتور بورتو مدرس التاريخ في كلية الأميركان في بيروت محاضرة في تاريخ هذه المدينة فقال: بيروت إحدى المدن الفينيقية القديمة أنشئت بعد دمشق وأقدم مدن فينيقية صيدا وبيروت وجبيل. ونحن لا نعرف بالتحقيق زمن إنشائها ولكن يوسيفوس المؤرخ العبراني ذكر اسم رجل فينيقي وقال أن موطنه بيروت وذلك دليل عَلَى قدمها. وفي أساطير الأولين أن ابنة إله جبيل تزوجت من ملك وكان اسمها بيروت فسميت زوجها بيروت باسمها. ونعرف طرفاً من تاريخ بيروت في القرن الخامس عشر قبل المسيح من الآثار المصرية وذلك أن توتميس الثالث جرد جيشاً عَلَى سورية وامتلكها ولما اشتد ساعد الحثيين والأموريين في الشمال أخذوا يطردون المصريين شيئاً فشيئاً وكان عمال المصريين في سورية يكتبون ويستنجدون فرعون لإغاثتهم. وقد اكتشف منذ عشرين سنة بعض هذه المكاتيب المحفورة عَلَى قوالب الآجر ومن جملتها مكتوب من حاكم بيروت إلى فرعون مصر يخبره فيه بحالته مع الحثيين والأموريين وتاريخ المكتوب في القرن الرابع عشر قبل المسيح. ومما يترجح أن بيروت مأخوذة من كلمة (بئر) وأظنها مأخوذة من اللغة الفينيقية لأن لفظ بيروت يقابل جمع كلمة بئر في اللغة الفينيقية. ومما يؤيد ذلك عندي أنني لما أتيت إلى هذه البلدة منذ أربعين سنة وكان في ذلك الحين لم يجلب ماء نهر الكلب كنت أينما اتجهت أرى آباراً والآن كثير منها ردم فيصح أن يقال أنها سميت بيروت أو مدينة الآبار لكثرة آبارها. وبيروت كانت منذ القديم عظيمة بتجارتها ويظن أن مركزها اليوم غير مركزها في العصور الخالية والمرجح أنه كان جنوبي مركزها الآن وذلك عند نهر الغدير وقد اكتشفت آثار بناء هناك وكما هو معروف أن الشاطئ هناك مرمل لا يصلح لميناء ولكننا لو نظرنا إلى حالة الفينيقيين البحرية نجد أن سفنهم كانت شراعية صغيرة لا تستطيع السفر وقت الشتاء وكانوا يخرجونها إلى البر وينقطعون عن الأسفار فلذلك يجب أن يكون الشاطئ رملياً إذ يسهل إخراج المركب إليه. ولما لم تأت نجدة من مصر سقطت بيروت في أيدي الحثيين ثم جرد رعمسيس الثاني عَلَى سورية حملة حارب الحثيين فيها فكسرهم وأخذ بيروت ثم اقتسموا البلاد بينهم ولرعمسيس اثر عَلَى صخر عند مدخل وادي نهر الكلب. وهكذا ظلت البلاد تحت حكم المصريين والحثيين إلى أن قامت دولة آشور وقد وضع بختنصر (نبوخذ نصر) تاريخ هذه الحملة أيضاً عند نهر الكلب ويرجع تاريخها إلى القرن التاسع قبل المسيح ولما قامت دولة الفرس أخذت بيروت كما أخذ أخوتها من مدن سورية ولكنها لم تذكر في التاريخ كما ذكرت صيدا وغيرها. وامتلك بيروت الاسكندر الكبير كما امتلك سائر مدن سورية بدون مقاومة إلا مدينة عكا. وقد حكم سورية بعد الاسكندر البطالسة وفي سنة ١٩٢ احتل السلوقيون سورية وفي سنة ١٤٠ قبل المسيح خربت بيروت بسبب حرب أهلية وفي سنة ٦٤ احتل الرومانيون سورية وكان القائد عَلَى حملتهم بومبي. وأضحت بيروت في أيام أغسطس مستعمرة رومانية. والمستعمرات الرومانية كانت تؤسس في إيطاليا لإسكان العساكر الرومانيين الذين خدموا الرومان خدمة تذكر ولما اتسع ملك الرومان لم يبق أرض لإسكان هؤلاء العساكر فأخذوا يسكنونهم في أملاكهم خارج إيطاليا. ثم أصبحت بيروت مركز الفيلق الخامس والثامن من الجيش الروماني وعمرت بيروت عَلَى عهد الرومانيين وآثارهم فيها موجودة بكثرة. ولما أتيت بيروت رأيت كثيراً من العمدة القديمة عند إدارة الرسومات وقد ردمت هذه الأعمدة عندما بنيت الميناء الجديدة ولما قطعوا الطريق الجديدة في بيروت وجد كثير من الآثار الرومانية وقد أسس الرومان في بيروت مدرسة لدراسة الحقوق وسائر العلوم المعروفة في ذلك العصر وبجانب هذه المدرسة أهم مدارس الرومانيين في الشرق وعندما انتشرت المسيحية تنصر كثير من تلامذة هذه المدرسة وكانوا عرضة للاضطهاد وعند ظهور الإسلام احتل المسلمون سورية وخضعت بيروت لهم في خلافة يزيد. وبعد قطرن من خضوعها ظهر في بيروت الإمام الأوزاعي ويقول أبو الفدا أن مولده كان في بعلبك ومات قرب بيروت وأظن أن المقام المعروف بالأوزاعي الآن هو قبره ولما تراجعت قوة الأمويين وانتشرت سلطة الفاطميين خضعت بيروت لهم وذلك في خلافة الحاكم بأمر الله مؤسس الديانة الدرزية وكانت بيروت في عهد الصليبيين تختلف بين حكم المسلمين والإفرنج. وخربت بيروت الزلزال سنة ٥٥٠ م وسنة ١٥١١ أخذها السلطان سليم العثماني مع باقي مدن سورية ومنذ ذلك الحين لا تزال مدينة عثمانية اهـ. الزراعة في روسيا تبين من الإحصاء الأخير الذي وقع في خمسين ولاية من ولايات روسيا في أوربا وعشر ولايات من مملكة بولونيا التابعة لها أن توزيع الأراضي عَلَى هذا النحو وذلك بمقياس ألف آكر تسمى مستعمرة الآكر يساوي ٤٠ آراً ٤٦٧١ . فظهر أن مملكة روسيا والأسرة المالكة فيها والشركات الزراعية تملك ٤١٧٦١٨ مستعمرة زراعية أو ٣٦ من المئة والمالكين ملكاً خاصاً ٢٧٤٦٥٦ أي ٢٣ في المئة وفي البلاد ٩٢٤٥٦ مستعمرة أو ٨ في المئة غير قابلة للزراعة أو تملك الحكومة والإمبراطور والمدن من مملكة بولونيا ٢١٨٤ مستعمرة أي ٧٤ في المئة وللفلاحين ١٢٢٣٣ أو ٤١ . ٦ في المئة غير صالح للزراعة. ويكون في روسيا أوربا ٣٤ . ٦ في المئة من الأراضي والحقول و ١٦ . ٥ من الحدائق أو المروج و ٤٠ . ٩ غابات و ٨ في المئة بور وتبلغ الأرض القابلة للزراع في بولونيا ٥٥ . ٦ في المئة والحدائق والمروج تكون ١٩ في المئة والغابات ٢١ في المئة من مجموع الراضي والأراضي البائرة ٤ . ٤ في المئة فقط. وأهم مزروعات روسيا الحنطة والجاودار والزوان والشعير والبطاطا والعلف والكتان والقنب والتبغ. ويهتمون بتربية الخيل والبقر والغنم والعنز والخنازير وكان في البلاد الروسية سنة ١٩٠٩ - ٣٢١١٤٠٠٠ حصان و ٤٨٤٩١٠٠٠ رأس من الماشية و ٨٠٠٠٠٠٠٠ غنم وماعز القهوة ومحالها كتبت مجموعة أبو الضيا التركية مقالة في القهوة ومحالها قالت فيها ادعى الدكتور لاند الألماني أن أول محل للقهوة أنشئ في الآستانة سنة ١٥٥١ كما أنشئ أول محل لها في إيطاليا سنة ١٦٤٥ وفي إنكلترا سنة ١٦٥٢ وفي فرنسا سنة ١٦٥٩ وفي فرنكفورت وآم ماين سنة ١٦٧٥ وفي وارسوفيا سنة ١٦٨١ وفي فينا سنة ١٦٨٥ والغالب أن الكاتب ارتكب هذا الغلط لما علم من تاريخ انتشار القهوة وذلك أنه جيء بها من اليمن عَلَى يد السلطان سليمان القانوني سنة ٩٥٨ فأخرجت فتوى بإغراق السفن التي تحملها مع حمولتها فأغرقت أمام دار المدفعية (طوبخانة) بالقسطنطينية وقد سرد كاتب جلبي أسباب ذلك في كتابه ميزان الحق في اختيار الحق ولقد دهخل الدخان إلى الممالك العثمانية عَلَى عهد السلطان أحمد الأول سنة ١٠١٢ وجرى استعماله في الآستانة سنة ١٠٢٢ واسست محال القهوة سنة ١٠٢٤ في زاوية من زوايا خاليجير وفي سنة ١٠٤٣ أحرقت في الحريق المشهور جميع محال القهوة وذلك عَلَى عهد السلطان مراد الرابع وعندها صدر الأمر بمنع التدخين وكل من رؤي بأنه شربه أو خبر عنه بانه شربه يقتل في الحال وهذه الشدة في المنع اتخذت إذ ذاك حجة سياسية وذلك لن السلطان مراد الرابع أراد أن ينتقم للسلطان العثماني الذي قتله أرباب الفتوة من اليكجرية (الإنكشارية). فكان عَلَى هذه الصورة ينكل ببغاتهم فتوضع عَلَى من يراد إعدامه منهم لأنه شرب الدخان علامة فارقة وهي عبارة عن مشعل ينيطونه به يبقى عليه إلى المساء موقداً وقد رأى ذات يوم السلطان مراد في إحدى الساحات رجلاً من الإنكشارية يتقدم إلى آخر من إخوانه مصلوب لأنه شرب الدخان فأخرج غليونه من جيبه وشعله من المشعل فعجب الناس من هذه الجرأة ولم يسع ذاك السلطان المستبد إلا أن أصدر أمره عَلَى لسان الدلالين يبيح استعمال الدخان كما كان سابقاً والغالب بان السلطان ظن بأن جرأة هذا الإنكشاري ناتجة عن تحرش بفتنة يدبرها إخوانه. أما استعمال السعوط في الآستانة فكان سنة ١٠٥٠ ومن حسن الطالع أنه لم يشع استعماله قبل سنة ١٠٤٩ وغلا لكان السلطان مراد قضى يجدع انف من يستعمله جزاء وفاقا. التعليم في روسيا يرجع أمر معظم المدارس الروسية إلى نظارة المعرف العمومية وقد قسمت بلاد هذه الإمبراطورية إلى خمس عشرة منطقة من حيث المعارف وهناك عدة مدارس خاصة تشرف عليها بعض النظارت الأخرى كنظارة الزراعة والأشغال وغيرهما. وكان عدد الكليات في روسيا سنة ١٩٠٩ تسعاً وهي كليات بطرسبرج، موسكو، خاركوف، كيف، قازان، أودسا، دوربال، تومزسك، وأرسوفيا وقد أغلقت الكلية الأخيرة مؤقتاً ويبلغ عدد تلامذة هذه الكليات المستمعين فيها ٣٩٤٩٤ . وافتتحت كلبية جديدة سنة ١٩٠٩ في مدينة ساراتوف. ومنذ ١٩٠٨ أنشئت في موسكو كلية للشعب أسسها القائد شاتفسكي وانفق عليها من ماله وسماها باسمه في كثير من المدن والحواضر مدارس للتعليم العالي وفي كيف وموسكو وبطرسبرج وقازان مجامع علمية لاهوتية وفي إشميازين من بلاد القوقاز (القافقاس) مدرسة لاهوت للأرمن وفي بطرسبرج مدرسة الكاثوليك. ولكل من بطرسبرج وموسكو وخاركوف مدارس طبية ملكية وعسكرية. ثم أن المجامع العلمية ومدارس الهندسة والمعادن واللغة والغابات والصناعات النفسية وغيرها كثيرة جداً في المدن الكبرى في المملكة الروسية ولدوقية فنلاندة الكبرى كلية خاصة في هلنسكفور تضم حجرها سنة ١٩٠٩ - ٢٠٠٠ طالب. وعدد الطلبة الذين يتعلمون في روسيا مجاناً أو عَلَى نفقة المحسنين نحو أربعة آلاف. وعدد المدارس الابتدائية ٩٢٥٠١ منتشرة في طول البلاد وعرضها ونصفها لنظارة المعارف أو للمجمع المقدس (سينود) وفيها ١٧٠٨٩٤ أستاذاً ومعلماً و ٥٧٣٨٢٨٩ تلميذاً وفي روسيا ١٠٨٢٥ مدرسة من كل صنف من أصناف التعليم فيها ٦١٦٤٩١٣ طالباً وتلميذاً ولا يدخل في هذا العدد ٤٠٤١٧١ تلميذاً يتعلمون في مدارس خاصة ومع كل ما تبذله الحكومة الروسية في سبيل نشر المعارف فإن عدد الأُميين من بينها مما يرتعش له فإن ٧٧ في المئة أُميون في روسيا أوربا و ٨٧ في سيبيريا و ٩٤ في آسيا الوسطى. وفي الولايات المتقدمة جداً في روسيا مثل ولاية أُستونيا لا ينزل عدد الأُميين عن ٢٠ في المئة وفي بطرسبرج عن ٤٥ في المئة وفي غير ذلك من الولايات التي تعد راقية لا ينحط عن ٥٠ في المئة. وقد بلغ ما أنفقته نظارة المعارف الروسية سنة ١٩١٠ والنظارات والمجمع المقدس عَلَى المدارس والتعلم ١١٣ . ٥٩٥ . ٠٠٢ من الروبلات والروبل فرنكان و ٦٦ سنتيماً. الورق المعدني يؤكدون أنه لا يمضي أربعون سنة حتى تاتي المطابع عَلَى ما في الولايات المتحدة وكندا من الغابات بما تستنفذه كل يوم من أشجارها لصنع الورق اللازم للصحف والكتب ولكن اديسون مخترع التلفون هوّن الأمر عَلَى سائل سأله في هذا الشأن رأيه قائلاً أن الورق يعمل إذ ذاك من الفولاذ أو النحاس أو النيكل فيمتص الحبر كالورق المعمول من الخشب والخرق البالية اليوم وتكون سماكته واحداً وعشرين ألفاً من القيراط وهي أصلب وألين وأرخص من الورق المعروف.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_73.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.73.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
