<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.72.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.72.TEIP5:</urn>
<passage>ملقى السبيل سانحة المعري وشپنهاور من عهد بعيد بحث كتاب الشرق والغرب عن حياة الشاعر الحكيم أبي العلاء المعري وتآليفه وعرفوه بما يستحقه من الإجلال والتعظيم فلا حاجة لإيراد ترجمته هنا. إلا أنّا لم نر أحداً أشار إلى المشابهة الغريبة الموجودة بين فلسفة المعري ومذهب شپنهاور الحكيم الجرماني. ولد أرثور شپنهاور Arthur Schopenhauer بمدينة دنتسيغ بألمانيا سنة ١٧٨٨ فاعتنت أمه بتثقيفه وكانت من مشاهير قصصي ذلك القرن فأحسنت تربيته. وبعد أن تلقى العلوم بجامعة برلين وحصل عَلَى أعلا شهاداتها أخذ يدون آراءه الفلسفية فألف عدة كتب أهمها الإرادة في الطبيعة و أساس الحكمة وأشهرها حقائق تتعلق بالحكمة في الحياةAphorismes sur la sagesse dans la vie; pensées et fragments traduc. Cantacuzène , Paris 1898. وفيه جمع شپنهاور حكمه في أقوال موجزة وفصول قصار وصف فيها أتعاب الحياة وآلام البشر بكيفية تؤلم القارئ لانطباقها في الغالي عَلَى الواقع. ومذهب شپنهاور مركوز عَلَى قاعدة أن جميع مشاق الإنسان وأتعابه الدنياوية الأصل فيما يسميه إرادة البشر يعني شهوات طبيعتنا وحبنا التمتع والتلذذ بالحياة. أوليس هذا رأي المعري عندما يقول: إنك إلى الدنيا مصغ. وحبها للبشر مطغ. لو أنك لشأنها ملغ. أبغاك ما تأمله مبغ؟ ولولا خوف الإطالة لأوردنا شيئاً كثيراً من تشابه أقوال الحكيمين. وتوفي أرثور شپنهاور بفرنكفورت عام ١٨٦٠ . ومن اطلع عَلَى طريقة هذا الفيلسوف الألماني تيقن أن معتقده ويأسه من الحياة وتشاؤمه المستمر Pessimisme يطابق كثيراً مذهب المعري خصوصاً في فحصه أتعاب البشر وآلامهم وجسه أسقام الإنسان كالباحث الماهر والطبيب العارف من غير حنان ولا شفقة عَلَى هذا النوع الإنساني وبدون أن يبين في وصف الأدوية التي ينبغي اتخاذها واستعمالها للاتقاء وتسلية تلك المواجع. وهناك علاقة وتشابه آخر بين أبي العلاء وشپنهاور وهو كونهما لم يتزوجا وعاشا في عزوبة مستمرة وعزلة وانقطاع مما أثر في طبيعتهما وجعلهما يتشاءمان وينتقدان الهيئة الاجتماعية ويتناولان أهل الدين وأرباب العشائر والنساء والاعتقاد ويسيئان الظن بالدنيا وساكنيها. والفرق بين العالمين هو كون شپنهاور استقل في علم الفلسفة ودراستها والتدوين فيها بخلاف المعري الذي لم يشتغل بالفلسفة من حيث هي علم وإنما كان يبحث عن أسباب الأشياء وتعليل وجودها فتخطر له خطرات حكمية تستحوذ عَلَى مخيلته وذهنه الحاد فتسبكها قريحته الشعرية في تلك القوالب لعجيبة التي تظهر من قصائده. بقي أن نتكلم عن رسالة ملقى السبيل التي نقدمها اليوم إلى محبي الآثار العربية والمولعين بنثر شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ونظمه. يظهر من هيئة هاته الرسالة وإنشاءها أن المعري ألفها في الدور الأخير من حياته زمن عزلته وانقطاعه حوالي سنة ٤٣٠ هـ وقد زهد في الدنيا لكبره واقتراب أجله. فكأنه أراد الرجوع للمبادئ الدينية وسلك طريقة الوعظ والنسك وتمسك بالاعتقاد. وأين قوله زمن صغره لما كان في غزارة قواه وعنفوان شبابه: ضحكنا وكان الضحكُ منا سفاهةٌ وحق لسكانِ البسيطةِ أن يبكوا تحطمنا الأيامُ حتى كأننا زجاجٌ ولكن لا يُعاد لنا سبك ومن اعترافه بالبعث والمعاد في هاته الرسالة كقوله وفي الآخرة يكون المجمع وقوله وعند الباري تكون الزلف وهلم جرا. أما أسلوب هذه الرسالة في مجمله فهو يشابه كثيراً لهجة الخطب البليغة ذات الفصول القصار التي كان يلقيها خطباء العرب كسحبان وائل الباهلي وقس بن ساعدة وعامر بن الطفيل وأمثالهم بأسواق الجاهلية. وإليك نموذجاً من كلام قس بن ساعدة خطيب بني إياد الذي قال فيه النبي صلى الله عليه وسلم رأيته بسوق عكاظ عَلَى جمل أحكر يقول: أيها الناس اجتمعوا فاسمعوا وعوا. من عاش مات. ومن مات فات. وكل ما هو آتٍ آت. في هذه آيات محكمات. مطر ونبات. وآباءٌ وأمهات. وذاهب وآت. ونجوم تمور. وبحور لا تغور. وسقف مرفوع. ومهاد موضوع. وليل داج. وسماء ذات أبراج. مالي أرى الناس يموتون ولا يرجعون. أرضوا فأقاموا. أم حبسوا فناموا. يا معشر إياد. أين ثمود وعاد. وأين الآباء والأجداد. أين المعروف الذي يشكر. والظلم الذي لم ينكر: في الذاهبين الأولين من القرون لنا بصائر لما رأيت موارداً للموت ليس لها مصادر ورأيت قومي نحوها تمضي الأكابر والأصاغر لا يرجع الماضي ولا يبقى من الباقين غابر أيقنت أني لامحا لة حيث صار القوم صائر وسوف يرى القارئُ ما بين الكلام المتقدم وحل المعري وعقده في ملقى السبيل من مطابقة المعنى ومشابهة اللهجة. أما النسخة التي اعتمدنا عليها في النقل فهي محفوظة بمكتبة الأسكوريال من بلاد الأندلس تحت نمرة ٤٦٧ وهي بخط الراوي لها القاضي الإمام الشريف أبي محمد عبد الله ابن القاضي أبي الفضل عبد الرحمن بن يحيى الديباجي العثماني رسمها بالإسكندرية أوائل القرن السادس وقد اعتنى برسمها وضبط جملها بطريقة ثابتة مدققة وهي فيما اعتقده أقدم نسخة لملقى السبيل ولا يبعد أن تكون هي التي عول عليها أدباء الأندلس في معارضتهم لها فقد جاء في نفح الطيب أن الحافظ أبا الربيع الكلاعي الأندلسي المتوفى بالجهاد سنة ٦٣٤ هـ. عارض هذه الرسالة بتأليف سماه مفاوضة القلب العليل ومنابذة الأمل الطويل بطريقة المعري في ملقى السبيل. كما تحتوي مكتبة الأسكوريال نفسها عَلَى كتب (نمرة ٥١٩ ) من وضع الكاتب الشهير أبي عبد الله محمد بن أبي الخصال وزير يوسف بن تاشفين سلطان المرابطين عارض به ملقى السبيل أيضاً. ومن جهة أخرى يوجد بمقدمة النسخة التي لدينا وهي كما قدمنا صورة فوتوغرافية من الأصل الأندلسي كثير من الإجازات تنبئ بقراءَة هذه الرسالة عَلَى أساتذة متضلعين تلتحق رواياتهم بالراسم الأول نعني عبد الله الديباجي. وأقد توقيع من هذا النمط مؤرخ سنة ٥٦٢ وهو مما يستدل به أيضاً عَلَى اهتمام الأندلسيين بتآليف المعري. وعسى أن ننشر فيما بعد رسائل أخرى من وضع هذا الفيلسوف الشاعر والله ولي التوفيق. أخبرني بملقى السبيل هذه الشيخ أبو المظفر سعد بن أحمد بن حماد المعري رحمه الله عن أبيه أبي العلاء ناظمها وكتب عبد الله بن عبد الرحمن العثماني. قال الشيخ الإمام أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان المعري رهين المحبسين الهمزة كم يجني الرجل ويخطئ، ويعلم أن حتفه لا يبطئ، نظمه مخلع البسيط إن الأنام ليخطئوا ن ويغفر الله الخطيئة كم يبطئون عن الجمي ل وما مناياهم بطيئة الألف ابن آدم في سير وسُرى. يهجر بحصره الكرى. وطال ما كذب وافترى. ليصل إلى خسيس القرى. وإنما يحصل عَلَى الثرى. كأنه لا يسمع ولا يرى. نظمه سريع أما يفيق المرء من سكره مجتهداً في سيره والسرى نمت عن الأخرى فلم تنتبه وفي سوى الدين هجرت الكرى كم قائل راح إلى معشر أبطل فيما قاله وافترى عَلَى القرا يحمل أثقاله وإنما يأمل نزرِ القرى يفتقر الحي ويثري وما يصير الأُجثوةِ في الثرى اسمع فهذا قائل صادق أراك عقباك فهلا ترى الباء يفتقر إلى الله الأرباب. وبالكافر يحل التباب. وتنقطع بالموت الأسباب. وفي الخالق تحار الألباب. نظمه رجز دانت لرب الفلك الأرباب وبالكفور يلحق التباب كم قطعت لميتة أسباب واقترفت برغمها الأسباب التاء النفس تصرفت وانصرفت. والأمضاء تألفت ثم تلفت. والأقضية بحق هتفت. ما أُعفيت المحلة لكن عفت. كم شفيت المدنفة فما اشتفت. نظمه مجزو الرجز نفس الفتي في دهره تصرفت وانصرفت تألفت عضاؤه وافترقت إذ تلفت أقضية الله دعت فأسمعت إذ هتفت ما أُعفيت ديارهم من الرزايا بل عفت كم شفيت مريضة من مرض فما اشتفت الثاء من أعظم الحدث. سكنى الجدث. نظمه متقارب يدوم القديم إلاه السماء ويفنى بأقداره ما حدث وما أرغب المرء في عيشه ولكن قصاراه سكنى الجدث الجيم العجب بجاهل مداج. يأسف لبين الأحداج. ويعصي الملك والليل داج. وما هو من الحنف بناج. نظمه مخلع البسيط يا أيها العاقل المداجي ليله بالسفاه داجي كأنه عينه إذا ما تحمل الحي في زجاج كم أعمل الناجيات حرصاً وليس من حتفه بناج رجا أُموراً فلم تقدر وكل من في الحي الحياة راجي الحاء إن ابن آدم لشحيح. سوف يمرض من القوم صحيح. تعصف بعقله ريح. فإذا هو لقيَ طريح. ثم يحفر له ضريح. أن ذلك هو التبريح. نظمه مخلع البسيط يا أيها الممسك الشحيح سيمرض السالم الصحيح مالك لم تنتفع بعقل هل عصفت بالعقول ريح إن شيد القصر في سرور فبعده يحفر الضريح يطرح الهم بالمنايا من جسمه في الثرى طريح الخاء بكى عَلَى الميت مواخ. كان أجاء في تراخ. فلتنه الصارخة عن الصراخ. نظمه مخلع البسيط في الله آخى فتىً لبيب وأسلم الهالك المواخي بكى عليه فهل تراه في أجل دائم التراخي اعتقد الحق واعتمده لا تزرع الحب في السباخ الدال أما بصرك فحديد. وأما ثوبك فجديد. وظلك بقضاء الله مديد. وحولك العدد والعديد. ولكنك سواك السديد. طرقك وعد ووعيد. فهل تبديء وهل تعيد. أم غريك هو السعيد. نظمه وافر أرى ملكاً تحف به موال له نظر إلى الدنيا حديد ضفا برد الشباب عليه حتى مضت حقب وملبسه جديد يزول القيظ في صيف ومشتى ويستر شخصه ظل مديد وفت عُدد لديه فمن دروع وأسياف ينوء بها عديد وكان السعد صاحبه زماناً ولكن طال ما شقي السعيد بدا شخص المنون لناظريه وقيل له أتبدي أن تعيد تصعد في المرتب غير وإن وأحرزه عَلَى الرغم الصعيد تفرقت الجيود فما حمته وأبطلت المواعيد والوعيد  الذال أما العيش فيلذ. ولكن سببه يجذ. نظمه متقارب يلذ الفتى غفلات الحياة وليس بمتصل ما يلذ يمد له الظن آماله ولكنها عن قليل تجذ . . . العاجلة سبيل منفوذة. وهي عند أهل الرشد منبوذة. والأنفس بحق مأخوذة. لا الدرع تنفع ولا الخوذة. نظمه سريع أنفذ من الدنيا ولا تلتفت فأنها بالعنف منفوذة حازتك فانبذها إلى أهلها فهي لدى ألخيار منبوذة ولا تمسك بحبال لها تصبح من كفيك محذوذة مأخوذة مانعة في الورى نفس بحكم الله مأخوذة لا سقية أغنت ولا رقية ولا تميمات ولا عوذه الراء لقد هجرت الخدور. وغدر بها الزمان الغدور. فإذا الخدر عوضه قبر. هل ينفعك جزع أو صبر. من بارئك يجري المقدور. وتفنى الشهب والبدور. نظمه مخلع البسيط تظهر أسرارها الخدور بما قضى الواحد القدير كم دار في خاطر ضمير من فلك دائب يدور وضاق صدر بمشكلات تضيق عن مثلها الصدور يثبت فرد بلا قرين وتهلك الشهب والبدور الزاي لا تبرزي يا غانية. فإنها الدنيا فانية. سترك بكلة والداك. فتمسك بالنسك بداك. الورع ذهب إبريز. والجدث حرز حريز. قد تهلك فتاة رود. وتلبث مسنة ترود. نظمه مخلع البسيط يموت قوم وراء قوم ويثبت الأول العزيز كم هلكت غادة كعاب وعمرت أمها العجوز أحرزها الوالدان خوفاً والقبر حرز لها حريز يجوز أن تبطئ المنايا والخلد في الدهر لا يجوز السين يا ابن آدم كم تحرس وتحترس. والموت أسد يفترس. إن كنت بجبل أو واد. فإن الأودية مثل الأطواد. يسمعها من الله داع. جل رب العظمة والابتداع. نظمه متقارب أيحترس المرء من حتفه وما حاد عن يومه المحترس هل الناس إلا نظير السوا م وآجالهم أسد يفترس يحل الربا ويحل الوهود ولا بد للربع أن يندرس الشين لا تك ذا يش. وأعجب لما وهب من العيش. ما فعل آدم وبنوه. كم أدرك الثمر مجتنوه. يبدي التوفر أخو المعيشة. والجبل مثل الريشة. المنزل لأمر معروش. وبالقدر تثل العروش. نظمه مخلع بسيط أين مضى آدم وشيث وأين من بعده أنوش مر أبي تابعاً أباه ومد وقت فكم أعيش لا ملك إلا لرب عرش تُثل عن أمره العروش خف من الخوف كل طود حتى كأن الجبال ريش تطيش نبل الرماة منا وأسهم الحتف لا تطيش ولم يزل للمنون جيش تفل من ذكره الجيوش يحث بالنعش حاملوه وشد ما سارت النعوش لا حبذا الأنس والخطايا وحبذا النسك والوحوش الصاد المرء عما وجب ناكص. والشخص للحدث شاخص. إن ظل الفانية لقالص. فهل خلص إلى الله خالص. إن دينك لرديعة في المحار. إنما يدرك بغوص البحار. وعُدِمَ دين في الأنام. وكان كالحلم في المنام. نظمه سريع من ادعى النسك عَلَى غرة فقل له ما صدق الخارص والنسك مثل النجم في بعده والخلق إن يبلغه ناكص كالدرة العذراء ما نالها إلا امروءٌ في بحرها غائص في لجة قامصة سفنها ويصرع المستمسك القامص تلعب بالألواح أمواجها كأَنما مركبها راقص نحن كنبت عامه مجدب وماؤُه مستنكر ناقص الضاد دينك عناه المرض. ضاعت النافلة والمفترض. وخدعك هذا العرض. وجسمك ضعيف حرض. لقد بعد منك الغرض. وسوف يطلب المقترض. نظمه منسرح دينك مضنىً أصابه سقم والخسر في أن يميته المرض وهل ترجى لديك نافلة من بعدها ضاع منك مفترض غرضت من هذه الحياة فهل غرك فيما ترومه غرض تميل من جوهر إلى عرض والروح في جوهرها عارض حرضك الشيب أن تنوب فما تبت فهلا تذكر الحرض أقرضت عمراً فما صنعت به سوف يرد الأنام ما اقترضوا الطاء فودك علاه الشمط. والمرء ينقص ويغمط. كالطفل كهلك فهلا يقمط. لقد عرف هذا النمط. والنفس تطعن ولا تضبط. وأَجر من كفر يحبط. أيبن موقف لا يغلط. والموت في العالم مسلط. وعائد الملك لا يقنط. نظمه هزج إلا أحرص والرغبة في أشيب كالأشمط وكالطفل إذا الكهل فما للكهل يقمط ولا يغضب أخو الريبة أن ينقص أو يغمط فما الخاسر إلا كا فر أعماله تحبطك بني آدم إن تعصوا فما اخسر من يقنط غبطتم صاحب الثرو ة والزاهد لا يغبط أما تعنط في الدهر بأن توجد لا تغلط الظاء أنا دينك فمتشظ. وأنت عَلَى الفانية مقلظ. متقرب بالمين متحظ نظمه مخلع البسيط أصبحت في غمرة ولهو تجئُ بالمين كي تحظى احذر عَلَى الدين من تشظ فالدر ملقى إذ تشظى لو هاب حر اللظى مسبيء ما اهتاج حرصاً ولا تلظى فأبد للسائلين ليناً ولا تكن في الجواب فظاً العين المرء خدعه الطمع. مرأى في الزمن أو مسمع. يدأب الرجل ويجمع. خلب وميض يلمع. والعين للحذر تدمع. والسحب بالأقضية همع. وفي الآخرة يكون المجمع. نظمه السريع غرك ما يخدع من زخرف الدنيا فزاد الحرص والطمع علمت أن الدهر في صرفه مفرق عنك الذي تجمع سمعت بالخطب وعاينت هل كفك ما تبصر أو تسمع تدمع جفناك عَلَى زائل والعين للرهبة لا تدمع كم أومض البارق في عارض فألفي الكاذب إذ يلمع سحب تجلى خالياً دجنها عنكم وسحب بعدها همع الغين إنك إلى الدنيا مصغ. وحبها للبشر مطغ. لو أنك لشأنها ملغ. أبغاك ما تأمله مبغ. نظمه خفيف صاغك الله للجمال بقلب معرض عن نصيحة ليس يصغي تكثر اللغو في المقال ولو وفقت ما كنت للديانة ملغي لم تزل تزجر الطغاة فلا تطغ فحب الدنيا لمثلك مطغي لو بغيت الذي أراد بك الله لأعطاك فوق ما أنت تبغي الفاء طال والكلف فأين الخلف والسلف. إن العافية هي التلف. وعند البارئ تكون الزلف. إلا تكذب وتحلف. وللإثم لو ظهر أَكلف. نظمه متقارب كلفت بدنياك شر الكلف فجاَءتك مما صنعت الكلف تبعت الغواة وما أسلفوا فهلا أخذت بقول السلف وصدقت نفسك في ظنها وكم قال مان لما حلف تخلف مالك للوارثين وكانوا بعلمك بئس الخلف ترجي الحياة وأسبابها وتطلب عند المليك الزلف ولو ظهر الأثم للناظرين لراعك في الوجه منه كلف نصحتك فأذن إلى من يقول تلاف أمورك قبل التلف القاف قلبك معنى يخفق. يخاف من عاجلتك ويشفق. وبارئك هو المرفق. أصبحت من عمرك تنفق. ترفع العذر وتلفق. وأنت في مطلبك مخفق. يطول تعبك فلا ترفق. نظمه سريع إن خفق البارق في عارض فالقلب من روعته يخفق تأسف إن أنفقت مالاً ولا تأسف من عمرك إذ تنفق تظل من فقد الغنا مشفقاً ومن قبيح الإثم لا تشفق مرتفقاً في وطن حافظاً تسأل ما هان فلا ترفق يعود عن غيمك من شامه وهو شديد ظمؤُه مخفق الكاف سبح إِلهنا الفلك. وقدس البشر والملك. والجسم في العفر يستهلك. والمرءُ بالعارفة يملك. والنهج للآخرة يسلك. نظمه مجزو الرجز سبح مع الشهب كما سبح من قبل الفلك قدس إنسان عَلَى ال أرض وفي الجو ملك لا تبك للميت فكم مات كريم وهلك ما خبر الغابر عن دفينه أين سلك مالك شيءٌ وإذا أطعت فالرحمة لك اللام غرك تفصيل وجمل. والحي خدعه الأمل. سعيك فسد والعمل. ما نفعك هج ولا رمل. كأَنك بين الجهل همل. نظمه سريع مازلت مشغولاً بلا خشية يغرك التفصيل بعد الجمل تحملك الأرض عَلَى ظهرها وأنت سار فوق ظهر الأمل مالي أرى عينيك لم تهملا كأَنما أنت مخلى همل ما يشفع لحسن لأصحابه إن حسن الوجه وساء العمل رملت في مكة تبغي الهدى فهل نهاك السعي بعد الرمل الميم أفي مسمعك حل الصمم. أم لبك أصاب اللمم. وتحسن للأنيس الهمم. وفي التراب تطوى الرمم. وفي الباطن تخاف الذمم. عَلَى ذلك تمر الأمم. نظمه سريع مالك لم تصغ إلى عاذل أحل في المسمع منك الصمم أجاهل أنت فتلحى عَلَى العصيان أم مس حجاك اللمم همتك العليا هوت في الثرى وشيمة الزاكي علو الهمم لم تف بالذمة للحر والحر مراع وافيات الذمم والذكر يبقى للفتى برهة وإن توارت في التراب الرمم تيمم الخير ولا ترهب الموت فللموت تصير الأمم النون لله الكرم والمنن. وعن بارئك تزول الظنن. ولا يسترك من الموت الجنن. وبالعاصف يراع الفنن. ولا تعصمك تلك القنن. نظمه سريع ويحك لا تمنن عَلَى منعم عليه فالخالق رب المنن فظن خيراً بالإخلاء وإلا فالخير يخفو الظنن يجنك القبر فلا تلف كالمجنون يبغي واقيات الجنن وافتن في خوفك رب العلا وأنت في سرحك مثل الفنن إنك قن لمليك حوى الملك فلا تعصم منه القنن لتفرغ السن غداً نادماً إن كنت ضيعت جميل السنن الهاء المرءُ نهي فما انتهى. مازال في العاجلة يزدهى. إن قبل ما أحسن وما أبهى. فأَيتن صاحبك لما وهى. وطال ما نعم ولها. ونال في العمر ما اشتهى. ما بين غزلان ومهى. دهاه الزمن فيمن دها. والله عمر باللهى. مصور القمر والسها. نظمه السريع المرء معتوب عَلَى فعله كم سمع النهي فألا انتهى زايله اللهو وزار البلا وطال ما عاينته مزدهى باهى زماناً بالذي ناله ثم أتى الموت فأين البهى وهت عقود كانفي عصره أحكمها لا عاقد ما وهى ما شهوات الحي إلا أذى إن نال من مدته ما اشتهى  كأن يرى في غزل دائماً ما بين غزلان له أو مهى دهاه بالمقدور لم يدفع الخطب عن مهجته إذ دهى سها عن الواجب فاغتاله مصور البدر ورب السها الواو أما صحبك فقد غووا. عبوا في المورد فما ارتووا. أبادتهم الأقضية حتى تووا. خلوا للوارث ما احتووا. طواهم القدر فانطووا. ولاقتهم الآخرة بما نووا. نظمه سريع لا تغو في دنياك مستهتراً فإن أصحابك فيها غووا عزلهم في سربهم مورد لو كان يروي مثله لارتووا نادتهم الأقدار يا ساكني الأرض ألا تنوون حتى تووا خلو أحاديثهم واحتوى آخذ ميراث عَلَى ما حووا انتشروا في عيشهم أعصراً ثم طواهم قدر فانطووا فلتحسن النية من بعدهم فالناس يجزون عَلَى ما نووا اللام والألف كل غدا يخدم أملاً. يسيءُ في ما بطن عملاً. يصبح بسيفه مشتملاً. لا يطلب رزقه محتفلاً. والرزق ولا يترك متوكلاً. لم يرد في العالم حيلاً. نظمه بسيط ما في البسيطة من عبد ولا ملك إلا حليف عناءٍ يخدم الأملا يحث نفساً عن الإحسان عاجزة وقد أساء بعلم الواحد عملاً فهل ترى الدهر أنثى أو ترى ذكراً يشابه امرأَة في الخلق أو رجلاً يروم بالسيف رزقاً جاء في عنف ما كان يخطوه في خفض لو اتكلا يبغي المعالي في أوفى مجاهدة فإن تخلف عنها لطف الحيلا يا ساكني التراب ما عندي لكم خبر فليت شعري عن المقبور ما فعلا لم تأتنا منكم رسل مخبرة ولا كتاب إلينا منكم وصلا الياء الحي بعد العيشة رديء. وجاءه القدر فيما فدي. وشخصه بالقاضية ردي. لم يرزق النهل إن صدي. لكنه عن ذلك عدي. أظلته العاجلة فما هدي. وجادته الاسمية فما ندي. وقتلته الحادثات فما ودي. نظمه سريع المرء في أردية لونت ماش ولكن بعد هذا ردي فدى الأسارى زمناً ذاهباً وجاءه الموت فألا فدي فيا ردي العقل إن الفتى لم يدفع المقدور حتى ردي ظل صداه في الثرى ساكناً ولم يصادف منهلاً إذ صدي رنت له الأعداء إن عاينت صاحبها عن كل خير عدي كان الهدى يهدى إلى قلبه من سمعه لو أنه يهتدي جادت له اسمية برهة وعاد يبساً غصنه ما ندي لا يطلب الثأر لميت ولا بودي لعمر الله فيمن ودى هل تسترد اللغة مجدها القديممن خطبة للشيخ طه حسين من علماءِ مصر القاها في نادي موظفي الحكومة بالقاهرة يستطيع التاريخ الأدبي أن يبين حدود النشأة الحقيقية لكثير من اللغات الميتة والحية ولكنه لا يستطيع أو عَلَى الأقل لم يستطع إلى الآن أن يبين شيئاً من ذلك بالقياس إلى اللغة العربية التي ينطق بها من أهل الشرق الخلق الكثير. ولا شك في أني قد خصصت جزءاً من هذه المحاضرة للإشارة الموجزة إلى تكلم الظلمات الكثيفة التي حجبت لغتنا الشريفة عما يشرف به التاريخ عَلَى الأشياء من بصيرة ثاقبة ونظر بعيد ولكنني لم أستطع أن أخصص جزءاً منها لإيراد الأعاجيب والمضحكات التي يوردها أكثر الخطباء في خطبهم لأني لا أطمع فيما يطمعون فيه من التصفيق الحاد والإعجاب الشديد فإليكم أتقدم بالمعذرة ومنكم ألتمس المغفرة وأظنكم لم تجتمعوا في هذا النادي لتضحكوا أو تصفقوا فإني لم أر بلداً أهله أحوج إلى قلة الضحك وكثرة البكاء من هذا البلد. . . ولولا ثقتي بأنكم تعلمون من الأمر ما أعلم وتشعرون بالواجب كما أشعر لقلت لكم مقالة النبي صلى الله عليه وسلم لأصحابه في بعض خطبه لو تعلموا ما أعلم لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. أجل إنا قد أسرفنا في الهزل والمجون وقصرنا في الجد والعمل وكان حقاً علينا لو أنصفنا أنفسنا أن نقتصد من الهزل ما ننفقه في الجد ومن الفراغ ما نستعين به عَلَى العمل قبل أن يعضل الداء ويمتنع الدواء ونقضي ضحايا التقصير واللهو الكثير وهنالك لا ينفعنا الندم ولا يعذرنا التاريخ. قدم عهد اللغة العربية نشأت لغتكم أيها السادة والإنسان طريف عهد بالوجود لم يبلغ أشده ولم يستكمل قوته بل كان طفلاً ناشئاً حديث السن ضيق الفكر صغير العقل ولست أقول هذا القول يدبيجاً للفظ أو مبالغة فيه وإنما هي الحقيقة الثابتة التي ليس فيها مجال لشك ولا جدال فإن هذه اللغة هي أول غصن نبت من لغة سام بن نوح عليهما السلام وقد قطعت مع الإنسان هذا القدر من الزمان وعمرت معه منذ كان طفلاً إلى أن صار كهلاً وها أنتم أولاء تسمعونها مني فتشعرون بأنها لا تزال حية قوية تثبت بأجلى بيان أنها أطول اللغات عمراً وأشدها أسراً وأعظماه قوة عَلَى الخطوب وصبراً عَلَى الأحداث. فكم ماتت اللغات وهي حية وفنيت اللهجات وهي باقية وكم حاربها الدهر فحربته وغالبها فغلبته ورامها بالسوء فامتنعت عليه. وقد أدركت هذه اللغة نضرة اللغات وذبولها وإشراقها وأفولها وشهدت مصارع أخوتها الساميات وهن يتفانين سراعاً ويتهاوين تباعاً حتى عمهن الموت وشملهن الفناء هنالك عاشت فذة فريدة تتمثل قول شاعر أبناءها المجيدين ذهب الذين أحبهم وبقيت مثل السيوف فردا أجل وقد أدركت هذه اللغة هوي الأمم الهاوية ورقي الشعوب الراقية فشهدت عظمة بابل وآشور ومصر وأشرفت عَلَى نهضة إسرائيل ورأت مجد اليونان والرومان والفرس والهند وكانت خليقة بعد هذا كله أن تروي لنا التاريخ العام لمثل رواية وتحدثنا عنه اصدق حديث لولا جهل السالفين وضعف الخالفين من أبنائها فما أقدر هذه اللغة عَلَى الحياة وما أصبرها عَلَى الخطوب. صعوبة البحث التاريخي عن نشأة اللغة العربية ذلكم أيها السادة أول عهد اللغة بالحياة ولكن في أي قرن ابتدأ هذا العهد. .؟ وكيف كان ابتداؤه. .؟ وما هي الأصول الحقيقية للغة السامية التي اقتطعت منها هذه اللغة وكيف كان اقتطاعها.؟ هذا ما لم يعرفه التاريخ إلى الآن وقبل أن أُشير كما وعدت عَلَى أسباب ذلك يجب عَليَ أن أبطل مذهباً يلهج به بعض الكتاب الذين كثير عليهم العلم حتى ضاقت به صدورهم فأخذوا يقذفونه في الصحف من غير حساب ويبيعونه عَلَى الناس من غير ثمن وينتحلون به لأنفسم ألقاب العلماء والمؤلفين. .؟! زعموا أن اللغة العربية نشأت كما تنشأ لغة الطفل فكانت في أول أمرها أصواتاً أحادية المقطع لا يزيد اللفظ منها عَلَى حرف متحرك كباء الجر ولامه وكاف التشبيه وأحرف القسم وهمزة الاستفهام. ثم تركت هذه الألفاظ بتركب معانيها ومرونة الألسنة عَلَى النطق والحركة فبلغت مقطعين وثلاثة إلى أن استقرت في نصابها المعروف فلم تنقص في الاسم والفعل عن ثلاثة أحرف أصول لم تزد في الأول عن خمسة وفي الثاني عن أربعة إلا بحروف غير لازمة وهي الزوائد عَلَى أن هذه الحروف لم تستطع أن تبلغ بالفعل أكثر من ستة وبالاسم أكثر من سبعة غير الحركات التي لا تحسب عند العرب حروفاً كما تحسب عند غيرهم من الفرنج. . والحقيقة أن هذا المذهب لا يصح إلا إذا قلنا أن العرب ليسوا من بني آدم أبي البشر وإنما هم أبناء رجل آخر نشأ في جزيرة العرب من غير أم ولا أب ونشأت منه زوجة واستقر نسلهما في الجزيرة لا يخالط الناس حتى تكونت لغته وضمنت لنفسها عدم التأثر بالأجنبي والدخيل. أما والعرب من أبناء سام بن نوح وبعبارة أوضح من أبناء آدم فليس لهذا المذهب من الصحة نصيب قليل ولا كثير. إنما تنشأُ اللغة هذه النشأة إذا اقتطعت من الطبيعة مباشرة من غير أن يكون لها مثال تحتذيه أو منوال تنسج عليه فأما اللغة التي لها أصل ثابت معروف كاللغة العربية فليس من المعقول أن يطرد فيها هذا المذهب وعَلَى هذا نستطيع أن نقول أن هذا المذهب يصح بالقياس إلى لغة واحدة وهي لغة الإنسان الأول التي اقتطعها من أصوات طبيعية وكما أن أُسرة الإنسان الأول قد تفرعت إلى أسر مختلفة ثم كانت منها أُمم وشعوب فإن لغتها الأولى قد تفرعت إلى لهجات متباعدة ثم كانت لغات متباينة وعَلَى هذه القاعدة استطاع الفرنج أن يترجموا كثيراً من اللغات الدارسة. أما الأسباب الحقيقية التي نشأت عنها صعوبة البحث التاريخي عن اللغة العربية حتى عميت علينا أسرارها وأسدلت دوننا أسرارها فوقفنا موقف الحائرين الذاهلين بغزاء كثير من ألفاظها لا نعرف لها أصلاً ولا نتميز لها اشتقاقاً فهي كثيرة أكتفي بالإشارة إلى ثلاثة منها الآن. الأول أن معرفة النشأة الحقيقية للغة رهينة بمعرفة أصلها الذي اقتطعت منه فما كنا لنعرف نشأَة اللغة الفرنسية لو لم نعرف اللغة اللاتينية. كذلك لا نستطيع معرفة نشأة اللغة العربية حتى نعرف اللغة السامية الأولى التي هي أصلها ولكنها مع الأسف قد بادت واندمجت في بناتها قبل التاريخ فلم يبق لنا إليها من سبيل. الثاني أن ضياع الأصل لا يقطع الرجاء في الوصول إلى بعض حقائق اللغة في نشأتها إذ استطعنا أن نستعين عَلَى البحث بالمقابلة بينها وبين أخواتها من اللغات الأخرى ولكنا مع الأسف لم نفعل شيئاً من ذلك ولم نفكر فيه فقد كان أئمة اللغة رحمهم الله في عصر يمكنهم من ذلك لأن كثيراً من اللغات السامية كانت لا تزال حية عَلَى عهدهم ولكنهم قد عكفوا عَلَى جمع اللغة وتدوينها من غير أن يفكروا في البحث عن أصلها وقد أخذت تلك البقية الباقية تندمج في اللغة العربية بحكم القهر والتغلب الفطري حتى لم يبق لها من الأثر إلا قليل. ومن الغريب أيها السادة أن علماءنا رحمهم الله بدل أن يبحثوا عن اللغة السريانية من حيث علاقتها باللغة العربية بحثوا عنها من حيث أنها ستكون لغة الأروام وسيكون وأظنكم تضحكون إذا سمعتم قول بعض العلماء ومن غريب ما تري العينان أن سؤال القبر بالسريان أفتى بهذا شيخنا البلقيني ولم أره لغيره بعيني هذان بيتان يمثلان ضعف السليقة العربية وفسادها قبل كل شيء أقبح تمثيل ويمثلان سقوط الهمة وانحطاط النفس لأنها قد تركت النافع وبحثت عد ما لا خير فيه. وأي ضعف للسليقة العربية أكثر من جعل الأقوال التي تسمع بالآذن مرئية للعيون وأي انحطاط للنفس أكثر من أن تترك الحياة وتبحث عن الموت. ولو أني وكلت بإصلاح هذين البيتين لقلت ومن سخيف ما تعي الأذنان إن سوءال القبر بالسرياني أفتى بهذا شيخنا البلقيني وهو حديث كذب ومين عَلَى أن المستشرقين من علماء الفرنج قد بحثوا هذا البحث الذي تركناه وسلكوا تلكم الطريقة التي أغفلناها فاهتدوا إلى حقائق في تاريخ اللغة العربية لا بأس بها وليس هذا موضع تفصيلها الآن فليس علينا إلا أن نتأثرهم في هذه الطريق فإنهم ليسوا أحق منا بالبحث عن لغتنا والتنقيب عليها. السبب الثالث أن العرب ولاسيما أهل الحجاز الذين نبحث عن لغتهم الآن قد كانوا أمة بادية لم تشترك مع غيرها من الأمم في تكوين الحضارة الإنسانية اشتركاً حقيقياً إلا بعد ظهور الإسلام فكانت في جاهليتها محتجبة عن التاريخ ولذلك لم يحفظ عنها إلا أساطير حظ الظن منها أكبر من حظ اليقين. اللغة العربية في الجاهلية نشأت هذه اللغة وتكونت ألفاظها وأساليبها وهي بمعزل عن الناس قد جعلت البداوة بينها وبين التاريخ حجاباً مستوراً وكأنها قد سئمت الخفاء والاحتجاب ورغبت في الظهور ومجاراة اللغات الحية وظهرت للتاريخ في القرن الخامس لميلاد المسيح ومنتصف القرن الثاني قبل الهجرة فإذا لغة ضخمة الألفاظ فخمة المعاني متينة الأساليب رصينة التراكيب قد تم خلقها وكملت قواها فأصبحت قادرة عَلَى البقاء مستعدة للنماء وقد سلكت في الآداب الوجدانية كل مسلك فمدحت الخير والفضيلة وذمت الشر والرذيلة وأخذت بنصيب موفور من المدح والهجاء والوصف والرثاء والتشبيب بالنساءِ والفخر بشرف المناسب وكرم المناقب واشتملت عَلَى الجم الكثير من الحكم البالغة والأمثال السائرة ومن الخطب الرائعة والأسجاع البارعة ولم تدع فناً من فنون الأدب الوجداني إلا ضربت فيه بسهم وفازت منه بنصيب. إذ صح ما يقولون من أن مقاييس الرقي الأدبي لكل أمة من الأمم هي أشعارها وأمثالها وأغانيها لأن الأشعار مرآة النفس والأمثال صور الفكر والأغاني لغة القلوب. أقول إذا صحت هذه القاعدة وقسنا رقي العرب في جاهليتهم بهذه المقاييس الثلاثة كانت النتيجة مؤلمة جداً لأننا لا نستطيع أن نتردد لحظة واحدة في الحكم بأن العرب الجاهليين الذين لم يؤدبهم أستاذ ولم يثقفهم كتاب ولم يصلح أخلاقهم دين أرقى منا أنفساً وأذكى قلوباً وأبعد منا هماً وأصدق عزماً والدليل عَلَى ذلك سهل ميسور تعالوا نقارن بين أشعارنا وأشعارهم وأمثالنا وأمثالهم وغنائنا وغنائهم ثم نستخلص من هذه المقارنة نتيجة الحكم فأي الفريقين كانت له النتيجة فهو صاحب الغلب والفوز. غير أني أيها السادة أستحي أن أقارن بين قول امرئ القيس في التوصل عَلَى حبيبته سموت إليها بعد ما نام أهلها سمو حباب الماء حالاً عَلَى حال فقالت حبالك الله إنك فاضحي ألست ترى السمار والناس أحوالي فقلت يمين الله أبرح قاعداً ولو قطعوا رأسي لديك وأوصالي فأصبحت معشوقاً وأصبح بعلها عليه القثام سيء الظن والبال يغط غطيط البكر شد خناقه ليقتلني والمرءُ ليس بقتال أيقتلني والمشر في مضاجعي ومسنونة زرق كأنياب أغوال  أستحي أن أقارن هذا الشعر الفخم الذي يمثل القوة والعزم ويظهر قائله مظهر المتسلط القاهر وبين ذلكم الغناء المصري القائل — يالموني يالموني ياللي في حبك ظلموني — يالموني وأنا أحب الخص يالموني ولا آكل الخص يالموني وحبيبي في مصر يالموني عَلَى مين يجيبولي. . . قفوا أنفسكم أيها السادة موقف الحاكم الفاصل بين الحق والباطل وحدثوني أي معنى لنداء الليمون في هذا الغناء وهو الذي ظلم هذا العاشق في حبه وما هي العلاقة بين أكل الخص وبين الحب ومن ذا الذي يستطيع أن يكون قواداً لهذا العاشق بعد أن قعد به العجز وضعف الهمة عن أن يصل إلى حب حبيبه إليه وأكرم كريم عليه. لندع ذلكم الشعر والغناء ولننتقل إلى شعر وغناء آخرين. هل تستطيعون أن تقارنوا بين قولكم ذلكم الشعر الجاهلي في عتاب حبيبته فإني لو تختلفني شمالي خلافت ما وصلت بها يميني إذاً لقطعتها ولقلت بيني كذلك أجتوي من يجتويني وبين هذا الغناء المصري القائل ارحم متيم له أحوال لما رآك تهدى خلافه صعبان عليه. . . حدثوني أيها السادة عن مقدار الفرق الكبير بين ذلكم الشاعر الجاهلي الذي يخاطب حبيبته بهذه اللهجة القاسية وهذا الشاعر المصري الذي عرف أن حبيبه قد هجره واستبدل به غيره فلم يستطع أن يعانيه بأكثر من قوله أن هذا صعب عليه بل إنه لم يستطع أن يقول هذه الكلمة إلا بعد أن قدم بين يديها مقدمة طويلة في الشكوى والاستعطاف. ستقولون أن هذا الفرق بين الشاعرين أثر من آثار الفرق بين البداوة والحضارة فذلك شاعر هيأت له بداوته أن يخاطب حبيبته بذلك الجفاء وتلك الغلظة وهذا شاعر هيأت له الحضارة أن يعاتب حبيبته بهذا الرفق واللين. كلا أيها السادة ليس تأثير الحضارة والبداوة في هذا الأمر كبيراً فإن الحضارة الصالحة لا تقتل عاطفة الغيرة من قلب الإنسان ولعلكم سمعتم خبر ذلكم الشاعر العباسي الناشئ في الحضارة إذا اشتدت به الغيرة عَلَى حبيبته حتى أشفق عليها من الهواء فقتلها وقال يرثيها يا طلعة الحمام عليها فجنى لها ثمر الردى بيديها حكمت سيفي في مجال وشاحها ومدامعي تجري عَلَى خديها رويت من دمها الثرى ولطالما روى الهوى شفتي من شفتيها فوحق نعليها ما وطئ الثرى شيءٌ أعز علي من نعليها كان قتليها لأني لم أكن أبكي إذا سقط الذباب عليها لكن ضنت عَلَى العيون بحسنها وأنفت من نظر الحسود إليها نعم إني لا أريد أن يكون الناس غلاة في الغيرة كهذا الشاعر ولكني أُريد أن أبين لكم أن هذا الفرق بين الشاعرين ليس من آثار البداوة والحضارة وإنما هو من آثار الفرق بين العزة والذلة فلكم شاعر أبي النفس حمي الأنف لا يقبل الضيم ولا يرضى العار وهذا عاشق ضعيف مستكين قد رضي بالدون وقنع بالقليل واطمأن إلى الهوان. ستقولون مالك تقارن بين الجيد من الشعر العربي والرديء من الكلام البلدي وتترك الشعر والنوابغ الأفذاذ والشعراء المفلقين أمثال شوقي وحافظ صبري. والحقيقة أيها السادة أن هذا الاعتراض محرج جداً لأنه يتعجلني في الحكم عَلَى هؤلاء الشعراء وقد لا أستطيع أن أرضيكم بهذا الحكم ولكني أقول أن هؤلاء الشعراء ليسوا في الحقيقة شعراء مصر وإنما هم بين رجلين رجل نهج منهج الفرنج فهو يعبر عن أذواقهم وأخلاقهم وعَلَى مناهجهم وأساليبهم وهذا لا ينبغي أن يحب عَلَى مصر وإنما يجب أن يلحق بأوربا ورجل نهج مناهج العرب القدماء فهو يكرر ما قالوه ويردد ما نطقوا به مع قليل من التغيير في اللفظ فهو يشبه القطا والظليم وهذا لا ينبغي أن يكون من شعراء مصر وإنما ينبغي أن يكون من شعراء القبور. لندع الشعر والغناء الآن فهذا مقدار يكفي للمقارنة بينهما ولنتقل إلى الأمثال فهل تستطيعون أن تقاربوا بين ذلكم المثل العربي القائل كل فتاة بأبيها معجبة. وهذا المثل المصري القائل الخنفسة عند أمها عطارة والقرد عند أمه غزال. كفى كفى أيها السادة فقد أثبتت المقارنة بالدليل والبرهان إنا لم نصل من الرقي الأدبي إلى ما وصل إليه أولئكم الأعراب وإن كنا أولي حضارة ومدنية وأصحاب علوم وآداب وذوي شريعة ودين. آداب اللغة العربية ومادتها في الجاهلية ارتقت آداب اللغة العربية في السادس لميلاد المسيح بمخالطة العرب لأهل العراق والشام فقد أخذوا عنهم يهودية موسى ونصرانية المسيح وربما انتقلت إليهم بعض الآراء الفلسفية التي أدخلها القسيسون في الديانة المسيحية كما في قول الأعشى استأثر الله بالبقاء والعد ل وولى الملامة الرجل وكذلك أخذوا عنهم عقائد الصابئة وشيئاً من مذاهب المجوس ونقلوا عن حضارة الروم والفرس كثيراً من الأدوات التي لم يكن لهم بها عهد من قبل وتبع ذلك نقل كثير من الألفاظ الفارسية والروسية ولاسيما فيما يتعلق بالنبات والسلاح وأدوات اللهو والطرب وأنواع الدواء والعقاقير وفي أثناء ذلك كان الجيش قد احتلوا بلاد اليمن فأدخلوا فيها كثيراً من لغتهم وكانت التجارة بين الهند واليمن فاستتبع ذلك انتقال كثير من الألفاظ السنسكريتية إلى لغتها ولاسيما فيما يتعلق بأنواع التجارة وأظن هذا المقدار من الوصف قد مثل لكم اللغة العربية تمثيلاً حسناً فأنتم ترونها الآن جميلة رشيقة ولكن صدق المثل العربي القائل لا تعدم الحسناءُ ذماً. فإن تلك الجميلة الحسناء لم تخلُ من عيوبٍ فقد كانت لغة قوم متوحشين يزعقون الأنفس ويهدرون الدماء ويعيشون من النهب والسلب ويستبيحون لأنفسهم بيع السير والعبث بأعراض العدو والتمثيل بالمغلوب حتى أن أحدهم لينحصف نعله بإذن عدوه إن ظفر به أو قدر عليه. وهم عَلَى ذلك أولو شظف بالعيش وخشونة في الحال يسكنون الجبال والرمال وربما أكلوا الخنافس والضباب وغذوا أنفسهم بدماء الإبل وأوبارها فنشأ من ذلك في لغتهم حوشية الألفاظ وتنافرها وجفوة المعاني وتعقيدها وقد كانوا فوق ذلك متنافرين متدابرين قلما تطمئن قبيلة منهم إلى الأخرى فلم يكن من سبيل بينهم إلى التعارف وبعبارة واضحة لم يكن من سبيل إلى اتفاقهم في المنطق فقد تباعدت اللغات واختلفت اللهجات لتعدد الأوضاع وتباعدت الأصقاع حتى أنهم كانوا لا يفهم بعضهم بعضاً. وقد وفد أعرابي عَلَى ملك من ملوك حمير فقال له الملك ثب يريد الجلوس فظن الأعرابي أنه يأمره بالقفز كما هي لغة الحجاز فوثب من أعَلَى الجبل حتى تردى في أسفله فلما سأل الملك عن ذلك واطلع طلع الرجل قال من دخل ظفار حمر. . . وقد أحس العرب من أنفسهم هذا الداء في أواخر القرن السادس لميلاد المسيح فأخذوا يطبون له وبعبارة جلية أخذوا يتهيئون لنهضتهم الجديدة في اللغة والدين والاجتماع فماذا صنعوا. .؟ مقدمات النهضة العربية أقاموا بالقرب من مكة أسواق ثلاثاً كانوا يقضون فيها كل عام شهراً كاملاً من الأشهر الحرم وهو ذو القعدة ولم يكن لقبيلة أن تتخلف عن هذا الاجتماع فكانوا يبيعون ويشترون ويتقاضون ويتخاصمون ويتنافرون ويتناشدون حسان القصائد ويتبادلون متاناالخطب وكان يجلس لهم قضاة يفصلون الخصومة فربما أعلن قوم الحرب عَلَى آخرين فردهم القضاة إلى السلم وربما ظفر الرجل بقاتل أخيه أو أبيه فألزمه القاضي أن يطلقه ويقبل منه الفداءَ وكان يجلس للشعراءِ خاصة قضاة ناقدون يفضلون بعضاً عَلَى بعض ورئيس هذه الطائفة من القضاة هو نابغة بني ذبيان. وقد نتج من هذه الأسواق الثلاثة نتائج كبرى: الأولى — شعور العرب بحاجتهم إلى السلم واتفاق الكلمة واجتماع الرأي وائتلاف القلوب ولعلكم ترون ذلك ظاهراً في معلقة زهير بن أبي سلمى حين يدعوا عبساً وفزارة إلى الصلح. وإذا كانت الحوادث في هذا العالم إنما تحدث متوالية متتابعة وينتج بعضها من بعض كان حقاً علينا أن ندع هذه النتائج الآن حتى نصل عملها في الوجود لنجني ثمرها بعد حين. الشعر في ذلك العصر التهبت جذوة الشعر واستطار شرره فالتهم كل شيءٍ واحتكم في كل إنسان ولم تكن حكمة الإله ولا رأي الاع ولا اعتماد إلا عليه وكان يكفي للشاعر أن يمدح الوضيع فيرفعه أو يذم الرفيع فيضعه أو يغري بالحرب فتتهالك النفوس وتتفانى القوى أو يدعوا إلى السلم فتصبح الضغائن والأحقاد نسياً منسياً. اختلفت قبيلتان من قبائل العرب عَلَى بئر من الآبار حتى ذكت بينهما نار الحرب فلم يكن إلا أن وقف شاعر أحدهما وقال: كلا أخو بنا أن يرع يدع قومه ذوي جامل دثر وجيش عرمرم فما الرشد في أن تشتروا بنعيمكم بئيساً ولا أن تشربوا الماء بالدم هنالك ردت النفوس إلى أغمادها والسهام إلى كنائنها وأصبح القوم صديقاً متحابين بعد أن كانوا عدواً متباغضين. كان لعمرو بن عدي كرب الزبيدي أخت يقال لها كبشة وكانت متزوجة في بني مازن وكان لهما أخ يقال له عبد الله فزار عبد الله أخته ذات يوم فبينما هو جالس مع بني مازن يشاربهم الخمر وثبوا عليه فقتلوه ثم أفاقوا من سكرهم فاستشعروا الندم وذهبوا إلى عمرو بالدية معتذرين فعفا عمرو وقال: إحدى يدي أصابتني ولم ترد. فلما بلغ الخبر كبشة صبرت إلى يوم عيد من أعيادهم ثم خرجت وقد شقت ثيابها ولطختها بالدم وهي تقول: أرسل عبد الله إذ حان يومه إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي ولا تقبلوا منهم أنالاً وأبكراً وارتك في بيت بصعدة مظلم ودع عنك عمرواً إن عمر مسالم وهل بطن عمرو غير شبر لمطعم فلما سمع عمرو الأبيات ثارت في رأسه الحمية فغزا بني مازن وقتل منهم خلقاً كثيراً. ولقد كان للشعر عند اليونان إله معروف هو أبولون وأما العرب فقد كان للشعر عندهم شياطين لا تحصى وكان لكل شاعر منهم شيطان عَلَى الأقل وربما كان له أكثر من ذلك ولم تذهب هذه الخرافة بظهور الإسلام بل بقيت بعده وأيدها علماء المسلمين في القرن الرابع للهجرة وقد حدث صاحب الأغاني في كتابه أن بشر بن مروان كان يحب الإفساد بين الشعراء فلما ولي العراق أمر سراقة البارقي أن يهجو جريراً ويفضل عليه الفرزدق فقال أبياتاً منها: إن الفرزدق برزت أحسابه عفواً وغودر في الغبار جرير فأمر بشر أن تكتب هذه البيات إلى جرير وأن يؤخذ بالإجابة عليها فلما وصلت الأبيات إلى جرير خلا إلى نفسه سواد الليل فلم يصنع شيئاً فلما كاد يأخذه اليأس سمع قائلاً يقول في زاوية من زوايا البيت ويحك يا جرير غبت عنك ليلة فلم تصنع شيئاً هلا قلت يا بشر حقاً لوجهك التبشير هلا انتصرت لنا وأنت أمير فقال له جرير حسبك حسبك ثم أتم القصيدة والآن أظنكم قد عرفتم مقدار ما كان للشعر في جاهلية العرب من مكانة سلمية ومنزلة عالية ومن استئثار بالقلوب واقتدار عَلَى الألباب ولم تكن الخطابة بأقل منه وحسبكم أن تعلموا أن القبيلة كانت لا تشرف ولا ينبه ذكرها إلا إذا كان لها شاعر وخطيب. النهضة الفكرية في سورية الإقبال عَلَى الآداب منظومها ومنشورها أول ما تنصرف إليه وجوه الأمم الآخذة بالنهوض ثم تنبعث الرغبة في الفنون والعلوم بحسب الحاجة والدواعي. وبعد أن اضمحلت الآداب في سورية فبلغت حداً غريباً من الابتذال في القرن الثاني عشر للهجرة وآنت أدبيات أهل الطبقة الراقية في ذاك العصر تافهة بشعة لا شأن لها ولا ذوق فيها عادت فأخذت تسير نحو الحياة في منتصف القرن الثالث عشر بما هب عليها من نسمات التجديد السارية من عقول المنورين المتأدبين من السوريين والمصريين والتونسيين. فنشأ للغة كتاب وشعراءٌ من مصر والشام ومنهم أخذوا يعودون بمنظوماتهم ومنشوراتهم إلى سالف نضرة اللغة من الرصانة ويقلدون أدباء الإفرنج في تصوراتهم. وكان لمصر في هذا الشأن يد طولى أسداها إلى الآداب العربية جد البيت الخديوي الأول فعمت المعارف في مصر ومنها انتشرت إلى سائر الأقطار. وإن كان بعض من يريدون أن يحصروا الفضل كله في سورية ولاسيما في المدارس الأجنبية يتكررون هذه الحقيقة التاريخية المدركة. لا جدال في أن المدارس الأجنبية قد أحسنت عَلَى عهد نشأتها في بلاد الشام واهتمت بخدمة الآداب العربية اهتمامها بخدمة آداب لغتها الأصلية وإن بذلك كثرت صلاتنا التجارية والعلمية مع أوربا وأميركا وصار الإفرنج يطوفون أو يسكنون ديارنا وأمسينا لا نفزع من نزول ديارهم أو الرحلة إليها. وعَلَى هذه الصورة أخذنا ندرك اليوم بعد اليوم نقصنا بالقياس إلى الغربيين فيسعى المنورون منا إلى بث أنوار المعارف والفضيلة ويشعرون بالمصلحة العامة ويتوفرون عَلَى إصلاح الأفكار السقيمة. النهضة الفكرية في سورية متلونة كأبي براقش بتلون الأوعية التي تخرج منها فنهضة المسلمين مثلاً آتية من مدارس الحكومة عَلَى الأغلب عَلَى يد أُناس من العرب تعلموا التركية في المدارس الملكية والعسكرية في الولايات السورية أو في الآستانة وهؤلاء في الأكثر تعلموا ما تعلموا ليصبحوا موظفين وغايتهم أن يتدرجوا في سلك المراتب والمناصب ليعيشوا عيش الراحة والاتكال. ولولا نفر منهم تداركوا أمرهم بعد نيل الشهادات المؤُذنة بكفاءاتهم من المدارس الأميرية فأخذوا يحاولون أن يكتبوا بلغتهم ويتذوقوا أدبياتها ليلموا عَلَى أمتهم بعض ما غلب عليهم من المعارف الجديدة لقلنا أن تلك المدارس لم تأتنا بخير إلا بكونها صاغت من سورية موظفين آخرين فزادت الدولة بهم عبثاً فوق عبثها الثقيل من الأتراك الذين جعلوا وظائف الحكومة أقصى ما يبلغونه من درجات الكمال وسعادة الحال والمآل. ثم أن طبقة الموظفين في جميع الأمم التي تسير عَلَى نظام الأوربيين لا يأتي في الغالب منها كبير أمر لأن الاستخدام مبني عَلَى الطاعة وارتقاء الموظفين مناط باعتزالهم وأحسن أعمالهم الخضوع لإرادة الرؤساء مهما كانت وهناك الارتقاء مضمون ولذلك قلما أثر موظف في نهضة الأمة الفكرية خلا أفراداً في مصر عرفوا منذ زهاء سبعين سنة إلى اليوم كيف يستخدمون أوقاتهم وحريتهم ليجعلوا لكل من حكومتهم وأنفسهم وأمتهم حظاً وتكون أعمالهم سلسلة نافعة من كل وجه. أما في سورية فإننا نجد من تذوقوا شيئاً من الأدب وحبسوا أنفسهم عَلَى التوظيف لم يأتوا بما نفع في النهوض اللهم إلا إذا كانوا يروون تلك الدواوين الشعرية والأماديح النثرية التي يرسلونها في تمجيد الحاكمين عَلَى اختلاف درجاتهم تعد من الآداب في شيءٍ ولا يحضرنا الآن اسم بضعة من الموظفين يصح أن نوردهم مثالاً صحيحاً نحتج به عَلَى من يوقن كل الإيقان أن الموظفين مهما بلغوا من التربية والتعليم فلا يرجى أن ينتفع بهم إلا في الفروع التي تمحضوا لها من خدمة الحكومة. وإذا كانت الشام واقفة عند حد الاعتماد عَلَى مدارس الحكومة والحكومة لا تعلم إلا ما ينفعها ومدارس الأجانب لا تعنى إلا بالعرض بما نفع البلاد بقيت النهضة الفكرية مذبذبة لا تركية ولا عربية ولا إفرنسية ولا أميركانية ولا إنكليزية ولا ألمانية ولا روسية ولا يونانية ولا إيطالية. كما أنها ليست إسلامية سنية ولا شيعية ولا باباوية كاثوليكية ولا مارونية ولا أرثوذوكسية ولا برتستانتية ولا إسرائيلية ولا درزية وبهذا صح أن نقول أن سورية بابل اللغات واللهجات كما هي بابل الأديان والمذاهب وإن النهضة في أصقاعها كأجوائها في التلون وأغوارها في الحرارة ونجادها في البرودة. لم تنشأ في البلاد مدارس أهلية إلا في دمشق وبيروت وحمص وطرابلس وصيدا مثلاً منذ عهد قريب وهي لم تطل أعمارها بعد حتى يتخرج منها تلاميذ يكون واحدهم بألف في غنائه وكفاءته ويبذ المتعلمين في مدارس الأجانب ومدارس الحكومة معاً ويتلقن في مدرسته أن المقصود من العلم إنارة المتعلم نفسه وذويه ونفع قومه ولغته وأمته. وممن يساعدون اليوم عَلَى ترقية الأفكار وإزالة غشاوة الأوهام بعض الصحف وفئة من ناشئة الشام تتلقى العلوم المختلفة من مدارس الغرب ولاسيما في فرنسا وسويسرا وإنكلترا وألمانيا وأُناس من وجوه البلاد أخذوا يغشون ديار الغرب للزيارة وهم عَلَى قلتهم يفيدون فيم يتصونه عَلَى قومهم من مشاهداتهم وإعجابهم بأوضاع المدنية الحديثة وقصور سورية بالنسبة إلى ذاك التقدم المدهش. هذه العوامل الثلاثة في ارتقاء سورية وهي الصحف والمتعلمون في مدارس الغرب والسائحون في ديارهم إذا حسنت أكثر من الآن وقويت وكثر عديد الشاعرين بها تنهض بالبلاد ولاسيما مدن الداخلية كما أفادت هجرة اللبنانيين خاصة في تمدين لبنان فعد من سورية بمثابة باريز من ولاياتها أو القاهرة من بلاد أقاليم مصر ولذلك كانت الحركة الفكرية في لبنان وبيروت أرقى منها الآن في دمشق وحلب إذ التعلم فيهما أكثر من هاتين القاعدتين وحركة لبنان وبيروت في الفكر مادية ولذلك قلما ترى الرغبة اليوم في مدارس بيروت والجبل منصرفة عَلَى العلوم الأدبية والفنون بقدر انصرافها إلى إتقان اللغات الأجنبية ولاسيما الإنكليزية والإفرنسية يستخدمونهما في التجارة ويتسلحون بهما للاستعانة عَلَى الهجرة إلى أميركا الشمالية وأوستراليا وكندا وجنوبي أفريقية ومصر والسودان. وبعد فإن حال النهضة غريب في هذا القطر فكما كان العمران في السهوب والوهاد في كور محدودة معروفة هكذا تجد النهضة الفكرية في انتشارها موزعة عَلَى المدن الآن وبعضا لا حظ لها منها إلا بقدر حظ الدساكر والقرى فترى اللاذقية وعكا مثلاً بنهضتها الفكرية دون حيفا ويافا مثلاً مع أن للمدينتين الأوليين تاريخاً مجيداً مهماً ونابلس وحماة متشابهتان وإن كانت الأولى تفوق الثانية بكثرة الناهضين للتعليم من أبنائها وحمص تشبه طرابلس والصلت تشبه بعلبك ولكن هناك نحو مئة بلدة لا تقل نفوس الواحدة منها عَلَى بضعة ألوف من السكان وهي لا تخرج في نهوضها الفكري عن أحقر المزارع وذلك مثل دومة وجوبر وعربيل وداريا في غوطة دمشق ويبرود وجيرود ودير عطية والنبك في جبل سنير قلمون وحاصبيا وراشيا في وادي التيم والسويداء والرمتا ودرعا ونوى وبصرى في حوران وغيرها من أُمهات القصبات في ولايات سورية وحلب وبيروت ومتصرفيات لبنان والقدس والزور وهي جماع أقاليم بلاد الشام. قلنا أن نهضة سورية ذات ألوان كثيرة وذلك لاختلاف مصالح الأمم الغربية في هذه الديار وللسياسة والدين تأثير شديد في هذه الحركة ولولاهما ما رأينا تلك المدارس المبثوثة في القدس والناصرة وبيروت ولبنان ودمشق وحلب ومرعش. بل في بعض القرى والقصبات. وبينا تجد الدولة تجدّ ولاسيما في العهد الأخير بنشر لغتها وكادت ولاية حلب تعد من الولايات التركية نجد الأرض المقدسة ولاسيما طبريا وحيفا ويافا والقدس توشك أن تعد ولاية إسرائيلية وذلك لكثرة المهاجرين في العشرين سنة الأخيرة من الإسرائيليين الروسيين والنمساويين والألمان وغيرهم ومنهم دعاة الصهيونية يريدون أن ينشئوا مع الزمن في فلسطين مملكة تكون سداها ولحمتها بيد أبناء إسرائيل من أجل هذا تراهم في مدارسهم لا يعلمون العربية ويجعلون اللغة العبرية لغة التعليم والتخاطب ولهم في فلسطين جرائدهم ومطبوعاتهم ينشرونها عَلَى مناحيهم بمأمن من مراقبة الحكومة وتوفيق الخطة عَلَى ما يلاءم مصلحة البلاد ولذا تشهد في مدن فلسطين ولاسيما في القدس ويافا وحيفا غرائب الألسن فتظنك في بور سعيد اليوم تشمع بضع لغات والبلاد عربية ولكن بالاسم فقط. ومهما يكن من صيغة النهضة في قواعد البلاد ومدنها فإن أعمالها من بلاد الأقاليم كالقرى والدساكر لا تزال بمعزل عن كل نهضة وحسبك أنك تمر إلى اليوم في بضع قرى ولا تجد من يستطيع أن يقرأ القراءة البسيطة فضلاً عن كتابة سطرين وهذا شان الأقاليم التي لم تدخل إليها الإفرنج أو دعاة البرتستانتية عَلَى القل مثل الصلت والكرك وتنشئُ المدارس لبث دعوتها كمعظم ألوية حوران والكرك واللاذقية والزور. نعم تسير الأيام الطويلة ولا تشهد السكان إلا كما كانوا منذ بضعة قرون تجتاز تدمر وجرش وبلاد موآب وأرض الشراة والبلقاء وارض منبج وحران والرقة وبلاد الجولان وارض الصفا واللجاة وغيرها فلا تكاد ترى مدرسة أهلية تذكر ماضي هذه الأقاليم فلا تلبث أن تنهل عبراتك عَلَى بلاد نام عليها رعاتها وأقاليم كل منها بمساحته وخصبه وذكاء أهله ومضائهم لا يقل عن أحسن أقاليم قارتي أوربا وأميركا. ربما توهم واهم أن الحرية العثمانية أبرزت من القوى ما كان كامناً في النفوس ولكننا لم نشهد من علائمها شيئاً يستحق الذكر اللهم إلا أولئك النفر من المتأدبين الذين جربوا أنفسهم في نشر الصحف والمجلات وتأليف الأسفار والمترجمات يحاولون منها الرزق أولاً فخسر أكثرهم عَلَى أن معظم ما نشر في السنين الأربع الأخيرة من المصنفات والمقالات يدل عَلَى أن الأمة هنا لم تزل في دور التجارب وهيهات أن تعد في مصاف الأمة المصرية حتى بعد ربع قرن فالأسماء هنا أكثر من المسميات وإن تكن الهمم عالية أكثر من مصر في الجملة ولكن أين نحن من نضوج العلم في وادي النيل وتلك الفئة الرشيدة من العلماء والكتاب والمفكرين والسياسيين والخطباء الواعظين. يقولون أن الكليتين الأميركية واليسوعية في بيروت تخرجان رجالاً أكفاءً فأين آثارهم نستدل بها عَلَى فضلهم ووطنيتهم وما نخالهم يستطيعون أن يأتونا بغير مقالات خيالية أو قصص غرامية مسلوخة أو ممسوخة من اللغات الأجنبية. وكان في مقدرة أولئك المتعلمين عَلَى التواءٍ في نظام تعليمهم أن يأتوا وهم متوفرون عَلَى أعمالهم المادية بشيءٍ من المعارف لوطنهم يخدمونه بها ولكن القوم بلغت بهم الأثرة وحب الماديات حتى صاروا لا يتعلمون العلوم إلا إذا كانت تنفعهم لجلب الرزق وما عدا ذلك فليس له حظ من الأعراب في جملة حالهم. وهذا من آكد الأسباب التي دعت فئة من المتعلمين ولاسيما في لبنان والساحل أن يعرضوا عن درس اللغة العربية ويستعيضوا عنها بالانصراف إلى تعلم إحدى اللغات الأجنبية لأن هذه بزعمهم تعود عليهم بجماع الفضائل والمحامد والغنى وتلك لا تفيدهم في مادياتهم ولا في أدبياتهم ولكن فات هذا الفريق من المتعلمين إنهم مهما بلغوا من أحكام ملكة اللغات الأجنبية لا يتعدون فيها قدر الترجمان البسيط وإن من جميع من اشتهروا بإتقان اللغة الإنكليزية أو الإفرنسية حتى الآن من أبناء سورية لا نعرف بضعة أشخاص يستحقون أن تنشر مكتوباتهم في مطابع الغرب إلا بعد أن ينظر فيها أبناء تلك اللغة وينمقونها ويتعاورونها بالحذف والإثبات. وبعد فإن النهضة الفكرية لا تكون عَلَى أتمها إلا بالتعليم وهذا التعليم مفقود من سورية اللهم إلا علة مناحي الفرنسيس والأميركان وغيرهم ولذلك كانت النهضة السورية أشبه بجنين لم تظهر سحنته وتتم خلقته. وما دام التفرنج من جهة والتترك من أخرى يستحيل عَلَى بلاد الشام أن تدعي بأن فيها نهضة فكرية عربية ولا يفعل أكثر من يتعلمون إلا أنهم ينقلون أنفسهم إلى أبناء اللغة التي يتعلمونها وينسلخون من قوميتهم. وربما يقول بعضهم ما هذا الغلو في تقدير هذا الخطر المداهم والمتعلمون أفراد والسواد الأعظم لا في العير ولا في النفير لم يبرحوا عَلَى الفطرة وسيتعلمون ما سيكتب لهم فالجواب أن الأفراد هم العمدة والفرد المتعلم اقدر عَلَى معرفة المدخل والمخرج من عشرة آلاف أُمي ولو كانت كثرة العدد تنفع كل حين لما رأينا سكان الهند يخضعون للإنكليز وجزائر الملايو أو جاوة يخضعون للهولانديين وغيرهم من الأمم الشرقية الضعيفة يخضعون لغيرهم من الأمم الغربية القوية. وعَلَى الجملة فإن نهضة سورية عَلَى غير ما تقتضي الحاجة الوطنية فهي لا شرقية ولا غربية بل هي من كل البلدان وثمرة كل الشعوب Cosmopolite والناس قد شعروا بنقصهم ويسعون عَلَى تعليم أبنائهم في معظم الأقاليم والشعور بالنقص أول درجات الكمال كما أن ميل الناس إلى المشاركة في المسائل العمومية دعا إلى ترقية المحيط والتجافي عن تافه الأحاديث فعسى أن تنمو هذه الجراثيم وتنتقل من دور الحضانة إلى دور الطفولة والفتوة في قليل من السنين. اليمن وسكانها ١ كيف عرفها وعرفهم علماء العرب مضى معظم السنة الماضية والدولة العلية تسير إلى اليمن الحملة تلو الحملة لإخضاع المتنقضين الثائرين من رجال الشيخ أحمد الإدريسي الشافعي في جهات عسير والإمام يحيى بن حميد الدين الزيدي في جهات صنعاءَ وقد أُغمدت السيوف الآن بعد أن هلك من جيش الدولة وعصابات المحاربين لها أُلوف ولا يزال يقتل في اليمن من العساكر العثمانية كل سنة نحو عشرة آلاف نسمة بعضهم في المناوشات والآخر باختلاف الأهوية وقلة الغذاء المناسب وذلك منذ أربعين سنة ومن قتل ومات من الجند والرعية لا يقلُّ فيما نحسب عن رجال مملكة صغرى من ممالك أوربا كسويسرا أو الدانيمرك أو السويد. والدولة الآن في صدد إعطاء بعض الامتيازات لليمانيين وربما صدر هذا الجزءُ ومجلس النواب العثماني يتناقش في لائحة الإصلاحات اليمانية وسيقسمون عَلَى الأغلب ما وقع تحت حكم الدولة مباشرة من البلاد إلى ثلاثة ولايات ولاية صعدة وولاية صنعاء وولاية عسير وقد جربت الدولة في السنة الماضية فسلخت لواء عسير فجعلته متصرفية قائمة برأسها تخاطب الآستانة مباشرة في أمورها كلواء القدس والزور فأتى ذلك بنتائج حسنة ولا عجب إذا أكثرت الدولة من مراكز الحكومات فمن الأقضية هناك ما تسير فيها أياماً وفيه من القرى ما لا تجد مثله في ولاية من الولايات العامرة في الدولة وإن عدد القرى الداخلة تحت حكم العثمانيين مباشرة يبلغ ٨٦٩٢ قرية و ٢٨٩ عزلة و ٢٢٧ قبيلة وكل هذا القدر العظيم المنقول عن تقويم الدولة الرسمي يحكمه ٢٨ قضاء و ٥٦ ناحية ومن الغريب أن الأمية تكاد تكون مفقودة في اليمن بالنسبة لسائر البلاد العثمانية وأهلها مع كل ما ابتلوا به من الفتن التي جرتها عليهم تلاعب رؤسائهم ورداءة العمال ولا يزالون يعلمون أبناءهم القراءة والكتابة ويقدرون اليوم نفوس اليمن بنحو خمسة ملايين لو ارتقوا وعلموا لأتي منهم أعظم جيش محارب محضر نافع. وإليك الآن كيف عرفهم وعرف بلادهم علماء العرب اقرأه وأعجب في سر ما صارت إليه أرضهم من الانحطاط: صفة اليمن قال الهمذاني سميت اليمن الخضراء لكثرة أشجارها وثمارها وزروعها والبحر مطيفبها من المشرق إلى الجنوب فراجعاً إلى المغرب ويفصل بينها وبين باقي جزيرة العرب خط واحد من حدود عمان ويبرين إلى حد ما بين اليمن واليمامة إلى حدود الهجيرة وتثليث وأنهار جُرش وكتنة منحدراً في السراة عَلَى شعف عنز إلى تهامة عَلَى أم جحدم إلى البحر حذاء جبل يقال كدمل بالقرب من حمضة وذلك حد ما بين بلد كنانة واليمن من بطن تهامة. وأول إحاطة البحر باليمن من ناحية دما فطنوى فالجمحة فرأس الفرتك فأطراف جبال اليحمد وما سقط منها إلى ناحية الشحر فالشحر فغبُّ الخيس فغب الغيث بطن من مهرة فغب القمر زنة قمر السماء فغب العقار بطن من مهرة فالخيرج والإسعاء وفي المنتصف من هذا الساحل شرقاً بين عمان وعدن ريسوت وهو موئل كالقلعة بل قلعة مبنية بنياناً عَلَى جبل والبحر محيط بها الأمن جانب واحد فالبر فمن أراد عدن فطريقه عليها فإن أراد أن يدخل دخل وإن أراد أن جاز الطريق ولم يلو عليها وبي الطريق الذي يفرق إليها والطريق المسلوك إلى عمان مقدار ميل. ثم ينعطف البحر عَلَى اليمن مغرباً وشمالاً من عدن فيمر بساحل الحج وأبين وكثيب برامس وهو رباط وسواحل بني محيد من المندب فساحل العميرة والعارة فإلى غلافقة ساحل زبيد فكمران فعطيفة فالحردة إلى منفهق جابر وهو رأس غرير كثير الرياح حديدها إلى الشرجة ساحل بلد حكم فباحة جازان إلى عثر فرأس عثر وهو كثير الموج إلى ساحل حمضة فهذا ما يحيط باليمن من البحر. وأصرح من هذا ما قاله المسعودي: وبلد اليمن طويل عريض حده مما يلي مكة الموضع المعروف بلجة الملك سبع مراحل إلى صنعاء ومن صنعاء إلى عمان وهو آخر عمل اليمن تسع مراحل والمرحلة من خمس فراسخ إلى ستة والحد الثاني من حكم ورحاء إلى ما بين مفاوز وحضر موت وعمان عشرون مرحلة ويلي الوجه الثالث بحر اليمن فجميع ذلك عشرون مرحلة في ستة عشرة مرحلة وأسماءُ ملوك اليمن كذي يزن وذي نواس وذي منار وغير ذلك مضافة إلى مواضع وإلى أفعال لهم وسير وحروب وغيرها من سمات لهم تميزهم عن غيرهم. فاليمن كما قال ابن خلدون صقع جليل ومملكةٌ عظيمة يشتمل عَلَى أربعة وعشرين مخلافاً وفي رواية أربعة وثمانون عَلَى ما يجيءُ والمخاليف الكور وكان اليمن في صدر الإسلام عَلَى ثلاثة أقسام كل قسم منها في يد ملك أحد الأقسام قصبته صنعاء والآخر قصبته الجند والآخر قصبته ظفار والذي يعطيه التحديد أنه ينقسم عَلَى قسمين أحدهما تهامية والأخرى نجدية فالتهامية قصبتها زبيد وبها يكون السلطان والجبد وهي مدينة مسورة وعليها سبعة خنادق ولها نهر يجري إليها من الجبال وساحل يسمى علافقة ومن البلاد التهامية قحمة ولها نهر يأتيها من جبل يسمى فرع والكدرا ولها واد يجري إليها من السيول والمهجم وهي مدينة كثيرة الفواكه ولاسيما الموز ولها نهر يأتيها من النوب يسمى سرود والمجال ولها نهر يأتيها من جبال حور وحوض ولها نهر يأتيها بلاد دخولان والراحة ولها نهر يأتيها من نجد وأما البلاد النجدية وتسمى بلاد الجبال والنجد في اللغة قفار الأرض وما غلظ منها واشرف عَلَى الأرض فأعلاها تهامة واليمن وأسفلها العراق والشام وهو ممتد من بلاد مهرة عَلَى بلاد الحجاز ومسافة ذلك عشرون فرسخاً وقصبته عدن وتعرف بعدن + + + وبقعتها عَلَى البحر يدخل إليها من باب قد فتح في جبل كأنما يدخل إلى الكرك بالشام وهي فرضة لما يرد من كراكب الصين والهند وكرمان وفارس وعمان ويشرب منها مدينة أَبين ولها عَلَى ساحل البحر فرضة تسمى المحل ينزل الناس منه في اختصاص ولها كورة تشتمل عَلَى عدة قرى ومن بلاد ومن بلاد الجبل صنعاء وكانت القصبة لبلاد اليمن بأسرها وهي وبية كثيرة الفواكه ولها نهر يشقها يسمى السرار ويصب في سنوان فيكون منه بحيرة تمده الأمطار في الصيف. وحكي أن ظفار مدينة التبابعة ومن بلاد الجبل تعز وهي قلعة حصينة وبها السلطان في عصرنا ابن خلدون وهي بين مدينتين إحداهما المعزية والأخرى عدنة ينزل إليها واد من جبل صبر وهذا الجبل فيه قرى كثيرة قصبتها مدينة تسمى لاعة المرتقى إليه مسيرة يوم وصوله أربعة وعشرون فرسخاً ومدينة الجند مشهورة ومدينة جبلة وتسمى مدينة النهرين لأنها بين نهرين ومدينة الدحلوة وهي قلعة عَلَى ذرى شامخ وعر وقد امتلأت من أموال ملوك يمن وكبرائها تبراً ولجيناً يجمع المال بها والمدينة كالربض وتسمى أيضاً الجرد ومن حصون السلطان أيضاً باليمن أيضاً قلعة أنور وهي في ناحية تسمى وادي السيول يشتمل عَلَى قرى مشتبكة العمائر وقلعة مثوة وهي في ناحية زبيد كثيرة القرى وقلعة العروسين وهي في ناحية تعرف بعلوان الكردي كثيرة القرى ومن بلاد اليمن ذمار وهي مدينة مسورة لها عيون وبساتين ومدينة صعدة وخيوان بها خانات وحمامات وأماكن وعمائر ومدينة مأرب بها عرش بلقيس وهي أساطين في غاية الغلظ والارتفاع ولها كورة بين صنعاء وحضر موت وبالقرب منها جبل شق عليه سد تجتمع إليه مياه الأمطار والعيون وإذا أرادوا سقي القرى فتحوا منه بقدر حاجتهم ثم يسدونه بآلات لهم أحكموا ومن بلاد الجبل أيضاً السروان أحدهما سرو جبل لبن والآخر سرو ميل وهما مختلطان ولهما قصور كالقرى وأسماؤها العجر والبيضاء وقرن وذوقيام ودوتق وهذان السروان يمتدان من جنوب اليمن إلى شمال الحجاز وسكانها فصحاء العربُ. ومن أقسام اليمن حضر موت وفيها تريم وشبام والشحر والأحقاف ومنها بلاد مهرة وغيرها. قال البلخي وكان أعمال اليمن مقسومة عَلَى ثلاث ولاة وال عَلَى الحرم ومخاليفها ووال عَلَى حضر موت ومخاليفها وهي أوسطها وأطيب بلادها وأبردها وأكثر ما ارتفع من أموالها ما جباه بعض عمال بني العباس ستمائة ألف دينار وأهلها قوم فيهم جهل وغباوة وسلامة صدر وضعف حال وأكثر فواكههم الموز وعامة لحومهم لحم البقر وفي مشارق سواحلهم صحار ومسقط وسوقطرا وشحر محلب ومن عندهم اللبان والصبر وهم ضعاف الحال سيئو العيش قليلو الحيل والصناعات ولهم لغة لا يفهمها غيرهم وتليهم الإحساءُ وهي من أرض العرب وقد استوطنها القرامطة في القرن الثالث. واليمن عَلَى رواية المقدسي قسمان ما كان نحو البحر فهو غور واسمه تهامة قصبته زبيد ومن مدنه معقر وكدرة ومور عطنة الشرجة دؤيمة الحمضة غلافقةُ مخا كمران الحردة اللسعة شرمة العشيرة رنقة الخصوف الساعد المهجم وغيرهن ناحية أَبين مدنها عدن لهج لحج وناحية عثر مدنها حلي السرين وناحيته السروات وأما ما كان من ناحية الجبال فهو بلاد باردة تسمى نجداً قصبتها صنعاء ومن مدنها صعدة نجران جُرش العرف جبلان الجند ذمار نسقان يحصب السحول المذيخرة. فزبيد قصبة تهامة وهو أحد المصرين لأنه مستقر ملوك اليمن بلد جليل حسن البنيان يسمونه بغداد اليمن لهم اذنى ظرف وبه تجار وكبار وعلماء وأدباء مفيد لمن دخله مبارك عَلَى من سكنه آبارهم حلوة وحماماتهم نظيفة عليه حصن من الطين بأربعة أبواب وحولها قرى ومزارع أعمر من مكة واكبر وارفق وأكثر بنيانهم الآجر ومنازلهم فسيحة طيبة وهو بلد نفيس ليس باليمن مثله غير أن أسواقه ضيقة والأسعار بها غالية والثمار قليلة. ومعقر عَلَى جادة عدن وكذلك عبرة وعارة والمخنف وكلهن صغار وعدن بلد جليل عامر آهل حصين خفيف دهليز الصين وفرضة اليمن وخزانة المغرب معدن التجارات كثير القصر مبارك عَلَى من دخله مثر لمن سكنه مساجد حسان ومعايش واسعة وأخلاق طاهرة ونعم ظاهرة قد أحاط به جبل بما يدور إلى البحر ودار خلف الجبل لسان من البحر فلا يدخل إليه إلا أن يخاض ذلك اللسان فيصل إلى الجبل وقد شق فيه طريق في الصخر عجيب وعليه باب حديد من نحو البحر حائطاً من الجبل إلى الجبل وفيه خمسة أبواب ناءٍ عن الأسواق إلا أنها يابسة عابسة لا زرع ولا ضرع ولا شجر ولا ثمر ولا ماء ولا كلاء كثيرة الحريق والوكف. أَبين هي أقدم من عدن وإليها تنسب عدن لأن بُرَّهم وفواكههم وخضرهم منها لكثرة القرى والمزارع بها وكذلك لهج ومندم عَلَى البحر عامرة. ومُخا مدينة لزبيد عامرة كثيرة السليط وغلافقة فرضة زبيد عامرة آهلة بها نخيل ونارجيل وآبار حلوة إلا أنها وبية قاتلة للغرباء. والشرجة والحردة وعطنة مدن عَلَى الساحل بهن خزائن الذرة تحمل إلى عدن. وجدة بلد اللبن يحمل إليهم الماء من بعد وجوامعهم عَلَى الساحل وناحية عثر ناحية جليلة عليها سلطان برأسه ومدنها نفيسة وعثر مدينة كبيرة طيبة مذكورة أنها قصبة الناحية وفرضة صنعاءَ وصعدة بها سوق حسن وجامع عامر يحمل إليهم الماء من بعد وحمامهم وضر. وبيش أطيب هواء منها وأعذب ماءً بها ينزل السلطان. والجريب بلد الموز وهو أرخى مدن الناحية وأعجبها. وحلي مدينة ساحلية عامرة سرية رفقة. والسرين بلد صغير له حصن. مصنعة وهو فرضة السروات والسروات معدن الحبوب والخيرات. صنعاء هي قصبة نجد اليمن وقد كانت أجلّ من زبيد وأعمر وكان الاسم لها وأما اليوم فقد اختلت غير أن بها مشايخ لم أر بجميع اليمن مثلهم هيئة وعقلاً. ثم بلد رحب كثير الفواكه رخيص الأسعار. أخباز حسنة وتجارات مفيدة أكبر من زبيد ولا تسل عن طيب الهواء فإنه عجب ومع ذلك رفق معف. وصعدة أصغر من صنعاء عامرة في الجبال بها تصنع الركاء الجيدة والأنطاع الحسنة ومناه يرتفع ادم الجلد وهي مدينة العلوية وعملهم. وجُرش مدينة وسطة ذات نخل واليمن ليس ببلد النخيل ونجران مثل جُرش وهما دون صعدة وأكثر ما ترى من الإدم فمن هذه المدن. والحميري هو بلد قحطان بن زبيد وصنعاء كثير القرى وسبأ بلد خلف هذه النواحي عامر المدينة خرب العمل. هذا وصف بلاد اليمن وفي رواية أن مساحتها السطحية ٢٥٦ ألف كيلومتر مربع أما المسافات عَلَى تقدير العرب فهي من صنعاء إلى صداء ٤٢ فرسخاً من صنعاء إلى حضر موت ٧٤ فرسخاً ومن صنعاء إلى ذمار ١٦ فرسخاً ثم إلى نسفان وكحلان مرحلة ثم إلى حجر وبدر ٢٠ فرسخاً ثم إلى عدن ٦٤ فرسخاً ومن ذمار إلى يحصب مرحلة ثم إلى السحول مرحلة ثم إلى النجة مثلها ثم إلى الجند مثلها ومن صنعاء إلى الجند ٤٨ فرسخاً ومن صنعاء إلى العرف مرحلة ثم إلى الهان ١٠ فراسخ ثم إلى جبلان ١٤ ثم إلى زبيد ١٢ ومن صنعاء إلى شبام مرحلة ومن صنعاء إلى عثر ١٠ مراحل ومن عدن إلى أَبين ٣ فراسخ. مخاليف اليمن كور بلاد اليمن تسمى مخاليف وهي أربعة وثمانون في رواية وفي رواية أربعة وعشرون قال ابن خرداذبة مخلاف صنعاء والخشب ورحابة ومرمل وبصنعاء كان غمدان مسكن سيف بن ذي يزن الحميري وفيه يقول أمية بن أبي الصلت الثقفي: اشرب هنيئاً عليك التاج مرتفقاً في رأس غمدان داراً منك محلالاً ومخلاف صعدة فمن صنعاء إلى خيوان أربعة وعشرون فرسخا ومن خيوان إلى صعدة ستى عشر فرسخاً ومن صعدة إلى المهجرة وهي تحت عقبة المنضح عند طلحة الملك التي هي أول عمل اليمن عشرون فرسخاً فبين المهجرة وصنعاء ستون فرسخاً. ومخلاف البون وفيه ريدة وبها البئر المعطلة والقصر المشيد التي ذكر الله تبارك وتعإلى ومخلاف خيوان ومخلاف نجدي خولان ذي شحيم وغوريها وفيها ريام النار التي كان يعبدها أهل اليمن. وعَلَى اليمين من صنعاء مخلاف شاكر ووداعة ويام وأَرحب ومخلاف الحردة وهمدان ومخلاف جوف همدان ومخلاف جوف مراد ومخلاف شنوءة وصدى وجعفي ومخلاف الجسرة ومخلاف المشرق وبوشان وغدر وفيه ناعط ومخلاف أعلا وأنعم والمصنعتين وبني غطيف وقرية مأرب قال النابغة الجعدي أو سبأَ الحاضرين مأرب إذ يبنون من دونه سيله العرما وبمأرب قصر سليمان والقشيب وقصر بلقيس قال ابن ذي جدن: أتغر من أهله القشيب وبان من رأيه الحبيب وصرواح والسد وهو العرم. ومن صنعاء إلى صدى وجعفي وشنوبرة اثنان وأربعون فرسخاً ومخلاف حضر موت وبينها وبين البحر رمال ومن صدى إليها ثلثون فرسخاً فمن صنعاء إلى حضر موت اثنان وسبعون فرسخاً. ومخلاف خولان رداع وفيه وادي النمل ومخلاف أحور ومخلاف الحقل وذمار عَلَى ستة عشر فرسخاً من صنعاء ومخلاف بني عامر وثات ورداع ومخلاف دثينة ومخلاف السرو وبحذائه مرسى الخيرج ومخلاف عنس ومخلاف رُعَين ونسفان وكحلان وفيه بحيرة يبنون قلل امرؤُ القيس بن حجر: ودر بني سواسة في رعين يجن عَلَى جوانبه الرجال ومخلاف ضنكان وذبحان ومخلاف نافع ومصحى ومخلاف حُجر وبدر وأَخلة والصهيب ومخلاف لحج ومخلاف أَبين وفيه عدن ومخلاف بعدان وريمان ور الثجة والمزرع ومخلاف ذي مكارب والأملون. ومن صنعاء إلى ذمار ستة عشر فرسخاً ومن ذمار إلى نسفان وكحلان ثمانية فراسخ ومن نسفان إلى حجر وبدر عشرون فرسخاً ومن حجر وبدر إلى قرية عدن وهي مخلاف أَبين أربعة وعشرون فرسخاً فمن صنعاء إلى عدن ثمانية وستون فرسخاً. ومخلاف السلف والأدم ومخلاف نجلان ومخلاف الجند ومخلاف السكاسك ويحصب مدينة ظفار وقصرها ريدان قال امرؤُ القيس تمكسن قائماً وبنى طمراً عَلَى ريدان أعيط لا ينال وبظفار كانت تنزل ملوك اليمن ومن علو يحصب إلى السحول ثمانية فراسخ ومن السحول إلى الثجة ثمانية فراسخ ومن الثجة إلى الجند ثمانية فراسخ فمن صنعاء إلى الجند ثمانية وأربعون فرسخاً. وذات الشمال راجعاً إلى صنعاء مخلاف ذي شعبين ومخلاف الزيادي ومخلاف المعافر ومخلاف بني محيد وفيه البقراني الجيد ومخلاف الكرب ومخلاف صلب ونفد والإيغار ومخلاف المناخيين وفيه المذيخرة قلعة حصينة يسكنها آل ذي مناخ وفيها منزل ابن أبي جعفر المناخي من حمير ومخلاف حمل ودمث وشرعب ومخلاف عنة وعنابة ورجيع ومخلاف السحول وبني صعب ومخلاف حاظة ومخلاف سفل يحصب ومخلاف علو يحصب ومخلاف القفاعة والوزيرة والحجر ومخلاف زبيد وبغزائه ساحل غلافقة وساحل المندب ومخلاف رفع ومخلاف مقري ومخلاف أَلهان ومخلاف جبلان وفيه الجبلان من آل ذي شرح وجبلان ضقان شق الطاعة وشق المعصية ومخلاف ذي جرَة ومخلاف الحقلين ومخلاف العرف والأخروت. فمن صنعاء إلى العرف ثمانية فراسخ ومن العرف إلى أَلهان عشرة فراسخ ومن أَلهان إلى جبلان أربعة عشر فرسخاً فمن صنعاء إلى جبلان اثنان وثلثون فرسخاً ومن جبلان إلى زبيد ورمع اثنا عشر فرسخاً. ومخلاف خولان في ظاهر صنعاءَ ومخلاف جدد وحوشب ومخلاف عك بحذائه مرسى دهلك ومخلاف مهاع ومخلاف حراز وهوزن ومخلاف الأخروج ومجنح ومخلاف حضور ومخلاف مأذن وحملان وفيه مدينة ضير مخلاف شاكر وشبام وبيت أَقيان والمصانع يسكنها آل ذي حوال وهم ولد ذي مقار ومنهم يعفر بن عبد الرحمن بن كريب الحوالي قال امرؤُ القيس والحق بيت أَقيان وحجر ولم ينفعهم عدد ومال وقال أيضاً: أزال من المصانع ذا أَراس وقد ملك السهولة والجبال ومخلاف واضع والمعلل وهو بين صنعاء وشبام ومن صنعاء إلى شبام ثمانية فراسخ قال الشاعر: مازال ذا الزمن الخبيث يديرني حتى بقي لي خزيمة بشبام ومخلاف الصغر ومخلاف خناش وملحان ور حكم وجازان ومرس والشرجة ومخلاف حجور والمغرب ور قدم وهو يحاذي قرية مهجرة ومخلاف حية والكوذن ومخلاف مسح ومخلاف كندة والسكون وهي حضر موت عَلَى الإبل تسع سكك. مدن اليمن تهامية ونجدية عدن كما قال الهمداني جنوبي تهامية وهي أقدم أسواق العرب وهي ساحل يحيط به جبل لم يكن فيه طريق فقطع في الجبل باب بزُبر الحديد وصار لها طريقاً إلى البر ودرباً سكنياً المرَبون والحماحميون والملاحيون. ولحج وأَبين وبها مدينة خنفر والروَّاغ وموزع والشقاق والمندب والحصيب وهي قرية زبيد وقرى بواديها حيس والقحمة والكدراءُ ثم المهجم وهي مدينة سرود ومور وبه مدينة تسمى بلحة ثم الساعد والسقيقتان والهجر قرية ضمد وجازان وفي بلد حكم قرى كثيرة يقال لها المخازف وصبيا ثم يبش وساحله عثر وهو سوق عظيم شأنها وقد تثقله العرب فيقولون عثر وأُم جحدم قرية بين كنانة والأزد وهي حد اليمن. وأول مدن اليمن عَلَى سمت نجدها الجند من أرض السكاسك وجبا مدينة المعافر وجيشان وبالقرب منها قرى لها بواد تنسب إليها مثل حجر وبدر والصهيب ثم منكث مدينة السخطيين ثم ذمار ورداع وهي بين نجد حمير الذي عليه مصانع رعين وبين نجد مدحج الذي عليه ردمان وقزن وفي جنوبيها مدينة حصى وبثرى والحنق من أرض السرو ثم مدينة صنعاء وهي أُم اليمن وقطبها لأنها في الوسط منها ما بينها وبين عدن كما بينها وبين حد اليمن من أرض نجد وحجاز وكان اسمها في الجاهلية أزال ويسميها أهل الشام صنعاء القصبة وتقول العرب لا بد من صنعاء لو طال السفر وينسب إلى صنعاء صنعاني وعَلَى كل واد من هذه الأودية ما لا يوقف عليه من القرى الصغار والأبيات وكل واد منها مخلاف يكون فيه سلطان يقوم به عوائده. قال الأصمعي اليمن وما اشتمل عليه حدودها بين عمان إلى نجران ثم يلتوي عَلَى بحر العرب إلى عدن إلى الشحر حتى يجتاز عمان فينقطع من بينونة وبينونة بين عمان والبحرين وليست بينونة من اليمن قال ياقوت وقيل حد اليمن من وراء تثليث وما سامتها إلى صنعاء وما قاربها إلى حضر موت والشحر وعمان إلى عدن أَبين وما يلي ذلك من التهائم والنجود واليمن تجمع ذلك كله. والسبب في قسمة اليمن إلى مخاليف أي كور ورسايق ما قاله ياقوت من أن ولد قحطان لما اتخذوا أرض اليمن مسكناً وكثروا فيها لم يسعهم المقام في موضع واحد فجمعوا رأيهم عَلَى أن يسيروا في نواحي اليمن ليختار كل بني أب موضعاً يعمرونه ويسكنونه وكانوا إذا ساروا إلى ناحية اختارها بعضهم تختلف بها عن سائر القبائل وسماها باسم أبي تلك القبيلة المتخلفة فيه فسموها مخلافاً لتخلف بعضهم عن بعض فيها ألا تراهم سوها مخلاف زبيد ومخلاف سنحان ومخلاف همدان لا بد من إضافته إلى قبيلة. بعض معاهد بيروت الصحافة البيروتية سبقت بيروت غيرها من مدن الشام بإصدار الجرائد ففيها صدرت سنة ١٨٥٨ م أول صحيفة عربية في هذه الديار باسم حديقة الأخبار ثم صدرت جرائد ومجلات أُخرى عَلَى عهد السلطان عبد العزيز وأوائل عهد السلطان عبد الحميد المخلوع ومناه ما كتبه الأكفاء أمثال البستاني والأحدب وبوست وصروف ونمر واليازجي والحوراني وغيرهم. ولما قويت شأَفة المراقبة عَلَى المطبوعات ولاسيما في الثلث الأخير من عهد المخلوع تراجعت الصحافة البيروتية وكان بعضها قد أقفل وبعضها نقل إلى قطر آخر وبعضها ثبت ولكن عَلَى مضدد وضعف لا يكاد يوصف. حتى إذا انتشرت الحرية كثرت الصحافة حتى بلغ ما صدر منها مجدداً ٥٦ جريدة ومجلة أكثر من نصفها لم يزل ينشر وبها بلغ عدد الجرائد البيروتية ٢٥ جريدة ومنها ثماني ويومية والباقيات أسبوعية ونصف أسبوعيات وبلغ عدد المجلات ١٢ مجلة حية وهو عدد كثير عَلَى سكان مدينة لا يتجاوزون المئة وخمسين ألفاً عَلَى حين لا يصدر في جميع بلاد الشام وبيروت في الجملة أكثر من مئة صحيفة بين يومية وأسبوعية ومجلة شهرية ونصف شهرية أو مرة في الشهرين عَلَى اختلاف النزعات ومنها الجدي الخباري ومنها الفكاهي الهزلي. إن هذه الهمة التي تبدت مظاهرها من أدباء بيروت ولبنان حرية بالثناء لو لاحظوا في نشر صحفهم حاجة البلاد أولاً ثم نظروا في أنفسهم وحكموا عليها أو لها من حيث الكفاءة والاستعداد بيد أنه لم تمض بضعة أشهر عَلَى نشر القانون الأساسي وقد بردت حماسة القوم للحرية وانفثأت صورة الغضب من أنصار الظلم والاستبداد حتى أذخ الزمان يمحص الصحف فيشعر بعض من تهجموا عليها عَلَى غير استعداد مادي وأدبي أنهم كانوا في غرور بأقدامهم عَلَى بث أفكارهم عَلَى رؤُوس الأشهاد واقتحامهم المنافسة مع الأكفاء بحث أضروا بهم وبأنفسهم معاً وستدعو الحاجة بعد إلى تراجع بعض هذه الصحف فيبقى منها الأصلح بحسب سنة الكون في الأعمال. نقول الحاجة لأن قراء الصحف في سورية محدود عددهم وقد أَصبحوا يجبهون ليشتركوا حتى اضطر كثر من أرباب المظاهر أن يتناولوا عَلَى الرغم منهم عدة صحف في آن واحد ومعظمها متحد النزعة والمعنى تكفي منها الواحدة والثنتان وما زاد عن ذلك فضول وإضاعة وقت. ووطد معظم المشتركين أنفسهم عَلَى قطع اشتراكاتهم السنة بعد الأخرى فكان الوارد عَلَى إرادات الصحف لا يسد نفقات الطبع ويعول القائمين بها في الجملة فاضطرت إلى الاقتصاد غير المحمود حتى أصبحت لفترة في أجرة المترجم والمراسل وأثمان البرقيات وغيرها قصارى أكثرها أن تجيد النقل والاقتباس وتلفق مما حضر لديها من الأخبار أفاد القراء أو لم يفدهم خدم البلاد أو أضرَّ بها. إن صدور ثماني صحف يومية في ثغر صغير كبيروت دليل الإقدام وهذا العدد لا يصدر مثله من بلاد العرب إلا في مدينة القاهرة ولكن أين مكانة تلك العاصمة من بيروت وهل في مكنة بيروت أن يكون لها قراء كالمصريين استنارة عقولهم وكثرة غناهم وتشاجر الأغراض السياسية في بلادهم. ولولا أن معظم الجرائد الكبرى في نصر أصبحت تصدرها شركات وجمعيات كما هي الحال في الغرب لما عاش أكثرها ولما استطاع القسم الآخر أن يظهر بهذا المظهر من القوة والغناءِ. ومن أجل هذا فكر بعض أرباب الصحف اليومية هنا أن يتحدوا ويصدروا جريدة واحدة كبرى عَلَى مثال الصحف الرسمية الراقية وفيها ما في تلك من إمارات التحسين والفائدة ولو وفقوا لإتمام هذا المشروع الجليل ونجحوا فيه لخدموا البلاد خدمة تؤثر ووفروا من عنائهم وعناء القراء الفقراء وزاد مع الأيام ربحهم واثبتوا لأهل الشام أن بعض قادة الأفكار من دعاة الاتحاد والوئام علموا الناس بالمثال الحي أن صحافتهم ثرت عَلَى أقدام صحافة الغرب وأن ما يعجز الأفراد عَلَى الاضطلاع به لم يعجز الجماعة. ومتى تمت هذه المنية في الصحف السياسية يسهل تقليدها في المجلات العلمية فتدخل مطبوعاتنا في دور جديد يصح أن يلحق بالراقي من مطبوعات الأوربيين والأميركيين. إن بيروت التي اعتادت أن تصرف جرائدها في أقطار الشام لا تلبث إذا كانت لها صحافة راقية أن يقبل الناس عليها في جميع بلاد القطر وإلا فتظل كل ولاية بل كل لواء بل كل قضاء مكتفية بصحفها كما هو المشهد الآن في القدس ويافا وحيفا وصيدا وبعبدا وعاليه وجزين وطرابلس واللاذقية وحلب وحماة وحمص ومرج عيون والقنيطرة وزحلة ودمشق فتكاد لا تبع فيها الصحف الراقية إلا أعداداً معينة سيتناقص عددها مع الزمن وصدور الأحسن فالأحسن. ولا مشاحة في أن الصحافة مثال من أمثلة ارتقاءِ الأمة وانحطاطها وإن صحافتنا يجب أن تقود الناس إليها بالحق والصدق لا أن تنقاد إلى أهواء الناس والعامة منهم الخاصة فإن بعض الصحف جارت العامة مثلاً عَلَى ما يريدون في نقل أخبار هذه الحرب الناشبة الآن في طرابلس الغرب بين العثمانيين والإيطاليين فراجت بعض الشيء ولكن هذه الهبة لا تدل عَلَى ارتقاءٍ في العقول ولا عَلَى إقبال حقيقي وكان أولى أن تنقل للقوم الأنباء بدون زيادة ولا نقص مع مراعاة السياسة المتبعة من تقوية القلوب والتفاؤل بالخير للمستقبل فإن من أبشع المظاهر أن يستتبع العامة الخاصة وما طرأ الفساد عَلَى أحوالنا الدينية والدنيوية إلا لمجاراة الخواص للعوام في أُمور كثيرة. وأي ارتقاء الآن والأمة نراها تقبل عَلَى الصحف الهزلية أكثر من إقبالها عَلَى الصحف الجدية وإن كان من جرائد الهزل ما هو سلوى النفس وأحماض القلب ولكن كثرة الإقبال عليها أكبر دليل عَلَى أن الأمة أميل إلى الخيال منها إلى الحقائق وأنها أمة كسل لا أمة عمل. هذا ولجرائد بيوت الفضل الأكبر في بث ملكة المطالعة في الناس وتعويدهم الفصيح من الكلام والصحيح من الآراء ولذلك تجد مجموع البيروتيين أرقى من مجمع غيرهم من سكان قواعد هذه الديار لكثرة توفر عامتهم وخاصتهم عَلَى مطالعة الجرائد والانتفاع بما تنشره من طريف المعارف والمبادئ والتكرار يؤثر في الأحجار وربك يفعل ما يشاء ويختار. مدرستان إسلاميتان إذا كانت بيروت تعد اكبر معاهدها العلمية المسيحية كلية الأميركان وكلية اليسوعيين فإن من الواجب أن تعد اكبر المدارس الإسلامية فيها الكلية العثمانية الإسلامية ودار العلوم والميزة بين المعهدين الأولين والمعهدين الآخرين أن الغرض في الأولين خدمة فكر خاص أقل ما يقال فيه تزهيد نفوس أكثر المتخرجين منهما في خدمة بلادهم وإضعاف الشعور الوطني أما الحالة في المدرستين الناجحتين فهي عَلَى خلاف ذلك تنمي العاطفة الوطنية وتهيئُ رجالاً يبقون في بلادهم يخدمونها بما تصل إليهم طاقتهم. وهذا من أعظم ما تمدح عليه المدرستان الإسلاميتان. نشأت الكلية العثمانية منذ سبع عشرة سنة بهمة رجل أزهري لقي الأمرّين في سبيل مشروعه وقاومه أعداء الإصلاح والتجديد وأنصار المنافسة والحسد ما وسعتهم المقاومة فكان بثباته معلماً للمعلمين كيف يكون الصبر عَلَى ما أخذوا النفس به. ولا عجب فصبر المعلمين يجب أن يتعلموه من سيرة الأنبياء والمرسلين خصوصاً والمعلمون لا يخرجون عن كونهم مبشرين ومنذرين ولكن يوحي غيرهم وسيرة من تبعوهم من الحكماء والأنبياء. هذا الأزهري هو الشيخ هو الشيخ أحمد عباس أحد أساتذة بيروت ورئيس هذا المعهد النافع قام بقوته إلا ما كان من معاضدة بعض المستنيرين في هذا الثغر لعمله وخصوصاً من تألفت منهم عمدة المدرسة مؤخراً من رجال بيروت وبعض قادة الأفكار فيها فوفق حتى اليوم إلى تخريج زمرة من الشبان المنورين ومنهم التاجر والصحافي والطبيب والحقوقي وقد كان في كل دوار مدرسته يستعين بالأساتذة الأكفاء من أي مذهب كانوا يعلم تلامذته بذلك التسامح المحمود والأخذ عن المخالف فيما لا يخدم رأيه ومبدأه. زرنا مدرسته وقد زرناها عدة مرات في الأعوام الماضية فشهدنا النضوج آخذاً بتعاليمها والكمال قريباً منها والثبات متمثلاً في أرجائها والعناية بتربية جسم الطفل وعقله غايتها فهي في أجمل بقعة وأعلاها من أحياء بيروت برج أبو حيدر تطل عَلَى لبنان وقراه وبيروت وحدائقها الغناء لو تم لها ما يريده لها أحبابها أن تملك البنايات التي قامت فيها وأوى إليها أساتذتها لكانت كاملة في مادياتها كما كملت أو كادت بمعنوياتها. نعم لو كانت لها دار قوراءُ وقصور تؤوي الداخليين والخارجيين من تلامذتها لبلغ تلاميذها ضعف ما هم الآن ٣٧٠ منهم ١٤٠ داخلياً من أبناء بيروت وأنحاء سورية وغيرهم ولكن المسلمين ليسوا من القوة عَلَى الأعمال بحيث يهتمون لمشروعاتهم العملية اهتمام الغربيين لها وليس الفقر وحده هو الذي يقعد بهم عن مجاراة الأمم الحية وإلا فإننا نرى أضعف منهم بما لا يقاس يهتمون لمثل هذه الأمور أكثر منهم عَلَى أن كثيراً في رجال نهضتنا يودون عَلَى الأقل لو سكت عنهم قومهم وخلصوا من أعمالهم لا عليهم ولا لهم لا تنشيط ولا تثبيط وهذا سر من أسرار انحطاطنا العجيب. في الكلية العثمانية اليوم ٣٠ أستاذاً فيهم العربي والتركي والإفرنجي و ٣٠ موظفاً في أعمالها المختلفة وتقسم مدة التعليم فيها إلى ثلاثة أقسام القسم الابتدائي ومدته سنتان والقسم الاستعدادي ومدته أربع سنين والقسم العلمي ومدته أربع سنين أيضاً وفيها قسم للصغار من سن الخامسة إلى العاشرة يبلغ عددهم ٣ طفلاً تقوم عَلَى تربيتهم معلمة مسيحية ومربية قهرمانة أخرى تنام معهم وتعنى بشؤونهم كما تعنى الأم بشؤون أطفالها. ينال المتخرجون من هذه الديار شهادة تعادل شهادة البكلوريا في المدارس الأخرى العالية وأهم ما يتعلم فيها من المعارف والعلوم واللغات وتعليم النافع من الآداب الدينية العالية وإعداد أذهان المتعلمين إلى قبول النور الجديد ممزوجاً بالنور القديم وتخريجهم في مضمار الارتقاء. وفي بيروت مدرسة ثانية ناجحة نشأت منذ ثلاث سنين لهمة رجل هندي محمد عبد الجبار أفندي خيري وهو رجل درس في كلية عليكر الإسلامية ثم جاءَ بيروت وتخرج في كلية الأميركان حتى أحزر هو وشقيقه محمد عبد الستار أفندي خيري شهادة معلم في العلوم فحدثتهما نفسهما أن يخدما هذه البلاد خصوصاً بعد أن درسا أحوال مرسلي الأميركان واطلعا عَلَى مقاصدهم وقام في ذهنهما أن يبشرا بالإسلام كما يبشر أولئك بالنصرانية فأنشآ هذه المدرسة بمعاضدة فئة فاضلة من شبان بيروت وتجارها فقاما بعملهما وإنكار النفس مبدأهما والغيرة الدينية دافعتهما وقد تشبعا بتعاليم الغربيين ولاسيما السكسونيين وعرفا بالخبر والخبر كيف تنجح الأعمال وتنضج وأي الأساليب أولى بالإتباع في التعليم. يدهش المرء من تقلل هذين الأستاذين ومن تقشفهما وصبرهما واستنارة عقلهما وتوقد الذهن والغيرة في نفسهما ويعجب أكثر إذا رأى الرئيس أحدهما يرحل في السنة الماضية إلى أوربا يدرس في فرنسا وإيطاليا وسويسرا وألمانيا وإنكلترا طرق التعليم في مدارسها وكلياتها ويؤوب إلى هذا الثغر المسعود بخدمة المهاجرين إليه يطبق فيه عَلَى الطريقة الإسلامية ما يلائمنا من أوضاع الغرب. لا أعلم مدرسة إسلامية في سورية تعلم صغار الطلبة المبادئ العلمية بالعمل مثل دار العلوم فطريقتها في تعليمهم طريقة السكسونيين في حدائق الأطفال كندر جاردين تترك التلميذ يختار له بقعة من حديقة المدرسة يحرثها ويزرعها ويسقيها بنفسه وينظر فيما يلائم مغروساته ومستنبتاته ثم يعلم مبادئ الجغرافيا والطبيعيات والرياضيات بالعمل دون النظر ومنه يتطرق إلى النظريات. كان يبلغنا من نجاح صغار الأولاد في القديم والحديث أمور كثيرة وها نحن رأينا اليوم صورة من صور الارتقاء المهم في تثقيف عقول الأطفال بحيث لا نغالي إذا قلنا أن صغار أبناء دار العلوم يعرفون من مبادئ الأشياء وحوادث الكون الصحيحة ما لا يعرف بمثله من الصحة والمكانة شيوخ هذا الزمان. والاستظهار لا حظ له في هذه الدار كما له في الكلية العثمانية وطريقة هذه أقرب إلى النواحي الإفرنسية وطريقة تلك إلى الطرق الإنكليزية السكسونية. لم نر في دار العلوم أسماء الخطط الكثيرة والمواد المنوعة التي تورد في برامج التدريس من قبيل الإعلان عن المدرسة وتنوع فنونها عادة بل وجدنا فيها العمل أكثر من القول والتأني رائد العمل والإخلاص لحمته وسداه رأينا فيها القليل رأينا فيها القليل الملقن والقليل من المسائل مع النظر البليغ فيها أفضل من حشو الذهن بالمواد النظرية ولو اقتصر من تعليم اللغات عَلَى العربية والتركية والإنكليزية أو الإفرنسية فيها لانطبقت عليها هذه النظرية كل الانطباق وذلك لأن اللغة العربية لغة البلاد والدين والتركية لغة السياسة والدولة ولغة واحدة من لغات أوربا تكفي فيما نحسب اللهم إذا جعل تعليم أكثر من لغة اختياراً وإلا فالعمر يضيق عن درس اللغات وإتقانها واللغات آلة لا غاية. مدرسة دار العلوم الخارجية والسعي لها متواصل لابتياع أرض لها واسعة تقام عليها بناية المدرسة ومما أعجبني فيها فتاتان مسلمتان تتعلمان بجانب الفتيان وبهما وبما رأيته من نجاحهما ذكرت طريقة الأميركان في التربية المشتركة Coéducation فعسى أن تكون الفتاتان مقدمة لهذه الطريقة التي ثبت غناؤها في ديار الغرب فيذكرنا بما كان من دروس المحدثات والقارئات في عصور ارتقاء المسلمين في المساجد والجوامع وإنا لنرجو أن يزيد عدد طالبيها بمرور الزمن وعددهم الآن ١٧٠ طالباً يتخرجون عَلَى أدب النفس وأدب الدرس. ربما يتبادر للذهن شيء من قصور معنى الكلية الإسلامية وليس أحسن في الجواب عَلَى ذلك من نقل ما تقوله هذه الدار عن نفسها في بيانها السنوي سنة ١٢٢٣ — ١٩١١ قالت: نعني بالكلية العثمانية الإسلامية معهداً علمياً راقياً يدرس جميع العلوم والفنون التي تخول المتخرج منه أن يكون حاصلاً عَلَى شهادة البكلوريا — أن يكون رجلاً تام الأدوات علماً وأدباً — وأن يكون ذلك الرجل الذي تحتاجه هذه البلاد بعلم راسخ وحقائق راهنة متزوداً حسن الخلق بعرى الوطنية متسلحاً بسلاح العلم والمعرفة. هذه غاية العمدة. وهذه هي الإصلاحات التي أدخلت إلى المدرسة اللغة العربية: هي الأساسية في الكلية يدرسها التلميذ في كل صف من صفوفها في الاستعدادية والعلمية عَلَى أن التعليم الابتدائي إن لم يكن كله فجله فيها وذلك لأن اللغة العربية هي اللغة الأساسية الأصلية فإذا تمكن الشاب من لغته الأصلية يمكنه أن يتفرغ بعد ذلك إلى بقية اللغات الأجنبية — فتعين لها الكلية الأوقات اللازمة لإتقان الصرف والنحو وعلوم البلاغة المعاني البيان البديع واللغة والعروض وقرض الشعر والإنشاء والتعريب بحيث يتخرج الشاب ضليعاًَ في لغته عربي الأسلوب فصيح البيان كتابة وخطابة. والكلية تنشط همم الأساتذة عَلَى نقل العلوم الحديثة إلى العربية لتدريسها فيها لأن بذلك خدمة اللغة والأمة العربية. اللغة التركية — تبذل الكلية العثمانية جل جهدها لأن يكون ابن العثمانية متقناً لغة دولته الرسمية قراءة وكتابة وإنشاء وهي تخصص لها في الدائرتين الاستعدادية والعملية الأوقات اللازمة لإتقان فروعها من مكالمات ومفردات وصرف ونحو وبلاغة وإنشاء وأدبيات وترجمة. اللغة الإفرنسية — هي اللغة الأجنبية التي اختارتها عمدة الكلية لتدريسها درساً متقناً والاعتناء بتعليمها اعتناءً تاماً ليطلع التلميذ عَلَى كنه أسرارها وحتى يمكنه التبحر في مختلف الفنون الحديثة والعلوم العصرية. أما مواد تعليم هذه اللغة فهي الصرف والنحو والبلاغة والبيان والنقد البياني والإنشاء والمراسلات التجارية. والترجمة وتاريخ علم الأدب الإفرنسي. إن ما سبق ذكره من اللغات هي إجبارية في المدرسة واللغة الاختيارية هي الإنكليزية أو الألمانية فتعلم منها الصرف والنحو والترجمة والإنشاء والمراسلات. وعلوم الكلية أما دار العلوملائحتها العمومية سنة ١٣٢٧ فلها الآن أربعُ مدارس: ٢ المدرسة الابتدائية — هذه تؤهل طلبتها للمدرسة الاستعدادية. فهي تعلمهم الدروس الأولية في الموضوعات الآتية: — وهذه المدرسة تستغرق أربع سنين مدرسية ولغة التعليم فيها هي العربية فقط ٣ المدرسة الاستعدادية — يقصد بها تهيئة طلبتها لدخول المدارس العالية والكليات في الوطن وفي الخارج فهي تتقن الدروس الابتدائية في الموضوعات المشروع بها في المدرسة الابتدائية مع زيادة تفصيل ودقة وترتيب وتزيد عليها كما هو مبين أدناه: ١ التفسير والحديث وعلم الأديان وعلم الأخلاق ومبادئ أساسية من حكمة الإسلام. ٢ دروس أعَلَى في اللغات وعلم آدابها وممارسة أكثر في الإنشاء والخطابة ٣ مراجعة الحساب ودروس في مبادئ الجبر والهندسة ٤ جغرافيا المملكة العثمانية المفصلة والجغرافيا السياسية العامة. ٥ تاريخ حياة النبي صلى الله عليه وسلم وتاريخ الإسلام والخلفاء الأربعة رضي الله عنهم وتاريخ المملكة العثمانية ومختصر تاريخ أوروبا القديم والحديث. علوم عصرية — حث عَلَى إمعان النظر في الطبيعة والمحيط القريب وإيضاحات في الموضوعات الأساسية من علم الحيوان والنبات وطبقات الأرض والأتربة والمعادن والكيمياء ٦ والحكمة الطبيعية والفلك ومنافع أعضاء الإنسان وحفظ الصحة والهيئة الاجتماعية البسيطة ٧ الرسم بالألوان ٨ إتقان التمرين والتهذيب العسكري العثماني وبالاختصار يربى الطالب من كل الوجوه. وهذه المدرسة تستغرق سنتين مدرسية. أما لغة التعليم فتكون غالباً اللغة العربية إلا في العلوم العصرية وغيرها من الموضوعات التي لم تترق بعد في العربية والتركية ٤ المدرسة الصيفية — هذه أنشئت خصوصاً للطلبة المقصرين الذين يرغبون في تعويض ما نقصهم والتخلص من جزاء لتقصيرهم ليرتقوا صفوفاً أعَلَى وأيضاً للطلبة الذين ليس لهم عند أهلهم أشغال نافعة ويرغبون في تقوية أنفسهم لدروس السنة الآتية. العربية في الكلية كان المأمول من الكلية السورية الإنجيلية الأميركية أن تكون في مقدمة معاهد التعليم في هذه الديار في العناية بآداب العربية وإحياء مدنية البلاد وإدخال المدنية الحديثة إليها بحيث يأتي من تعليم المدنية العربية ممزوجة بالمدنية الغربية نوع من هذه المدنية النافعة. هكذا بدأَت تلك الدار ولكن عمدتها رأَوا أن يجعلوا سنين التقدم للغة الإنكليزية بدعوى أن العربية يضيق صدرها عن الإفصاح عن العلوم الحديثة ولا يتيسر لها أن تسير مع المستحدثات العصرية جنباً إلى جنب. وهذا الخلاف هو الذي حمل فقيدي العلم والآداب الدكتورين كرنيليوس فانديك ويوحنا ورتبات عَلَى مغادرة منابر التدريس في صفوف الكلية وكانا من أعظم عمدتها العاملين لأنهما أيقنا أن التعليم بالإنكليزية مؤخر لنشر العلم في هذه البلاد وداع إلى تراجع الكلية عَلَى ما هو المشاهد اليوم وإذا قل النافعون النابغون في المتخرجين من هذا المعهد العلمي العظيم وانصرفت وجهة نظر المعلمين إلى الاستخدام في مصر والسودان وأميركا فهاجر إليها خيار أبنائنا كانت الكلية معهم أشبه بمحطة توضع فيها البضائع أياماً تنقل إلى قطر آخر فليس لبيروت بل لسورية من هذه الكلية إلا أنها موطن لتعليم أولادنا عَلَى الطريقة التي تريدها تلك الكلية ثم الرحلة بهم إلى حيث تروج بضائعهم رحلة أبدية ووقتية. فإذا كان لهذه الكلية التي ما دخلناها مرة إلا ورأينا فيها مثال العظمة الأميركية وقوة المتحمسين الأميركان لبث دعوتهم الدينية ثم المدنية — هذا الامتياز وتلك القوة العلمية والمادية أليست حرية بأن تنفع البلاد التي أُسست فيها وعاهدت النفس عَلَى خدمتها أكثر مما نفعتها: وذلك بعنايتها بتدريس اللغة العربية تدريساً يحمد أثره ويطيب خبره ومخبره. وهذا لا يكون إلا بانتقاء خيرة الأساتذة لتدريسها كما يختار للإنكليزية عَلَى الأقل ونشر الأسفار في العلوم الحديثة والقديمة وإلقاء المحاضرات والخطب عَلَى الدوام بالعربية كما تلقى بالإنكليزية. ربما شق هذا القول عَلَى غير المنصفين من تلامذة الكلية وأساتذتها ولاسيما من رأَوا نيل شهادة البكلوريا منها هي غاية علم الأولين والآخرين وأن شهادة الطب أو الصيدلة أو التجارة منها هي جماع المعرفة والنجاح العالمي وأن من لم يسعده الحظ بالدخول إلى أبواب الكلية والجلوس عَلَى دكات صفوفها يستحيل عليه أن يتعلم تعليماً نافعاً إلى غير ذلك من الدعاوي التي طالما تجلت في أقوال كثرة من المتخرجين في الكلية وأفعالهم أو في نفوس من وقفوا أنفسهم عَلَى خدمة الكلية بما تريد ليعدوا في جملة معلميها وإن كانت عمدة الكلية لا تحسب أبناء العرب بل أرقاهم كعباً بمثابة أصغر معلم أميركي فيها مهما صانعوا أو تلطفوا مع الأميركان. ومن الغريب أن بعضهم كان يشكو من سلب إرادة المرؤوسين من الرهبان الباباويين وفناء إراداتهم في إرادة رؤسائهم فلما رأينا أساتذة العربية في الكلية الأميركية ثبت لنا أن مرسلي البرتستانت ليسوا أقل سطوة عَلَى نفوس مرؤوسيهم من أولئك الرهابين وما نظن أن معلمي العربية متى أيقنوا أن المدرسة محتاجة إليهم أكثر من احتياجهم إليها تعاكسهم في إصلاح طريق تعليم العربية وإحكام ملكتها بالصحف والكتب والخطب والدروس. ومن الأسف أن تكون الكتب المخطوطة والمطبوعات العربية في مكتبة الكلية أقل من عشر المطبوعات الإنكليزية بل لا تكاد تبلغ بمكانتها جزءاً من عشرين جزءاً من مكانة الكتب الإفرنجية وإن ما في مكتبة الكلية من قمطر الكتب أدنى إلى أن يكون مكتبة فرد صغيرة منه إلى أن يكون مكتبة جمعية كبرى لها في المصارف المالية نحو أربعمائة ألف ليرة تتقاضى يعها السنوي. نعم إن مكتبة الكلية لا تفي بحاجة مشتغل واحد بالعلم فكيف تكفي في سد حاجة مئات المشتغلين وكذلك الحال في مجلة الكلية التي تصدرها عمدة المدرسة باللغة الإنكليزية والعربية وتجعل موضوعاتها الإنكليزية أمتع وأوسع والعربية تافهة عَلَى الأغلب. هذه الملاحظة التي نلاحظها عَلَى كلية الأميركان نلاحظها أيضاً عَلَى كلية القديس يوسف الكاثوليكية في بيروت فإن القول الفصل للغة الإفرنسية فيها يتضلع منها المتخرجون فيها أكثر من تضلعهم من الآداب العربية وما رأينا نابغة بالإنشاء العربي مثلاً تخرج عَلَى أساتذتها عَلَى كثرة من يعد القائمون بأعبائها من أسماء المؤلفين والمترجمين والتجار الذين درسوا في الكلية اليسوعية اللهم إلا إذا كان ممن لم نعرفهم ولكن ما يشفع لهذه الدار أن عمدتها جمعوا لهم مكتبة شرقية منقطعة القرين في هذه الديار وسمحوا للمنقطعين للتأليف والبحث من قسيسهم المتعلمين أن ينشروا ما طاب لهم من الأسفار العربية خصوصاً ما وافق غرضهم الديني وخدم أفكارهم ولو بالواسطة فكان من أثر ذلك أن نشرت المطبعة الكاثوليكية الملاصقة لهذه الكلية الكاثوليكية نحو مئة كتاب عربي وبعضه خلا من المسخ والحذف وإن نشروا في مجلة المشرق عدة رسائل نافعة في جنب ما ينشرونه من المقالات الدينية. هذا ما نراه في الكليتين العظيمتين القديمتين الأميركية والإفرنسية ولغة التعليم فيهما وما نشأّ لهما من الآثار وما يرجى لهما منها إذا عنيا أكثر من الآن بلغة البلاد فعسى أن يحل من نفوس القائمين عليهما المحل المطلوب وينزل منزلته من الإخلاص وإرادة الخير حتى يكون في سلبهما أبناءَنا بتعليمهم لغات الأجانب بعض التعزية في تعلميهم لغة أمهاتهم وآبائهم ليقووا عَلَى بث الفكر المقصود بين أهل جيلهم وقبيلهم. معامل السيوفي كما تأَمل الناظر في الأعمال الكبرى التي قامت بهمم الأفراد في هذه البلاد لا يراها تخرج عن القاعدة التي جرت عليها عند أهل الحضارة الحديثة والقديمة فينجح في العادة من تمرنوا سنين عَلَى العمل الذي يريدون أن يتمحضوا له وعرفوه بدقيقه وجليله وفروعه وأصوله. فالناجح في أرباب المطابع هو الذي سبق له وتعلم في صباه صناعة تنضيد الحروف واستعمال الأدوات والكتابة عَلَى الحجر. والناجح في زراعته هو الذي يحسن معرفة الحرث والكرث بيده ويجيد البذر والتسميد والتشذيب والعزق والسقي والتعشيب وأنواع البذار وما يجود منه وأجناس التربة وما يصلحها وتربية الأشجار والنباتات والقيام عَلَى المواشي والناجح بعمل الأقمشة هو الذي يلم إلماماً مهماً بكيفية نسجها وحياكتها وضروب الحرير والكتان والغزل والصوف. بل والناجح ففي كل فروع الأعمال الاقتصادية والصناعية والتجارية هو الذي مشى في عمله عَلَى سنة الكون فبدأ صغيراً ونمت معارفه بتقدمه في السن فينال من النجاح بقدر جهاده وملاءمة الأحوال له وحالة محبطة وأسبابه ورأس ماله المادي والمعنوي. هذه المقدمة تنطبق كل الانطباق عَلَى إلياس أفندي جرجي السيوفي صاحب المعامل المشهورة به للتجارة والفرش في بيروت. كتبت لي زيارتها هذه المرة فرأيت صورة مصغرة من صور الغرب في بلاد الشرق وتمثل لي فضل الذكاء العربي وأنه وإن لم يفق الغربي فليس دون وإن يد أبنائنا صناع في الأعمال لا يفوقها ابن فرنسا وإيطاليا وإنكلترا وألمانيا وسويسرا وبلجيكا إلا بأن الإفرنج يرجعون إلى أساليب في العمل تنقصنا أو تكاد في أكثر البلاد لا تجد لها أثراً بيننا وهي ترجع إلى أسباب رئيسية مهمة أولها الصبر عَلَى العمل وثانيها تجويد العمل وثالثها القدر اللازم للعمل من المال والمعرفة ورابعها الاقتصاد في الوقت والأيدي العاملة وخامسها تنشيبط الآهلين والحكومات للمصنوعات الوطنية وحماية التجارة الداخلية بقوانين تنفذ عَلَى الصادر والوارد وسادسها وجود المواد الأولية التي يمكن بها الاستغناء عن البلاد الخارجية في الجملة. دلت معامل السيوفي أن الشرقي بمفرده أمة وأن الأمة بمجموعها ضعيفة بمعنى أن الشرقي يعمل مفرداً أحسن من عمله مجتمعاً وذلك لفقد التربية المشتركة بين المشارقة يرجعون إليها وتضم عراهم. فلو كان معمل الغزل في دمشق لفرد واحد منذ إنشائه له خيره وعليه شره لما اضمحل هذا الاضمحلال الذي نراه عليه اليوم ولو كانت معامل السيوفي في بيروت لشركة لما رأينا فيها هذا النظام والنجاح وبذلك صح لنا إثبات ما قدمناه من أن الشرقي أمة بمفرده والأمة ضعيفة بمجموعها وأن لا سبيل إلى قيام الأعمال الكبرى في بلادنا وإن نقدر لها النجح المطلوب إلا إذا اتحدت مناحينا وتعلمنا تعليماً وطنياً اقتصادياً واحداً. وأي دليل عَلَى ذلك أفضل من أن نقول بأن صاحب هذا المعمل بدأ منذ ٢٤ سنة وهو في الثالثة عشرة من عمره لا يملك غير ثمانمائة قرش ومعلومات جزئية في التجارة تعلمها في الممارسة ومنها ما أحرزه بقانون الوراثة لأن والده كان يعمل بالحرير وجده دمشقي يجلو السيوف في دمشق إن صح أن تؤثر الوراثة في الميل إلى الصناعة. ولا شك أن هذا الميل نما فيه مع الزمن وزيارة أوربا وما فيها من آثار العاملين والمفنيين فكان يتوسع في معمله بحسب سنة النمو التدريجي حتى بلغ اليوم مبلغاً يعد به مفخراً من مفاخر سورية الصناعية ونموذجاً من أنموذجات الذكاء الشرقي الذي يبدع ويجيد إذا تهيأت له الأسباب وحملته الدواعي عَلَى العمل. عَلَى هضبة من هضاب بيروت الجميلة في حي الأشرفية في مكان بعيد عن مركز حركة هذا الثغر يطل عَلَى سفوح لبنان وبيروت من جهة وإلى البحر الرومي من أخرى قامت هذه المعامل البديعة في بقعة فسيحة من الأرض تدخلها فتخل نفسك في إحدى معامل الغرب الكبرى وأول ما يبدأوك بعد الدخول من الرتاج ساعتان عن اليمين والشمال بجانبهما صندوقان معلقان مقسومان إلى بيوت صغيرة وفي كل بيت مقواة كتب عليها اسم أحد العملة وطبع عليها ساعات الغدو والغداء والرواح فمتى وصل العامل بعد الفجر وقبل الإشراق في الشتاء مثلاً يضع مقواته في بيتها فلا تلبث أن تكتب عليها ساعة مجيئه والدقيقة التي جاءَ فيها بحروف عربية وفي آخر اليوم أو الأسبوع يرجع إليها مدير العمل ويحسب المتأخر من المتقدم ويحسبون ذلك بموجب نظام خاص لم جروا فيه عَلَى مثال نظام العمال في سويسرا والبلجيك والنمسا وألمانيا ومن قوانين العملة في هذه الممالك اختار مؤسس المعمل أحسن ما يلاءم هذه البلاد وينفع في نجاح عملته ويعود عليه وعليهم بالربح واقتصاد الوقت. وهذه الساعة من أنفع ما يجب استخدامه في معاملنا ومطابعنا ودواوين أعمالنا وبيوتنا التجارية والمالية ودوائرنا العسكرية والملكة ليتعلم قومنا مراعاة الوقت والتدقيق في حسابه حتى يبارك لهم بساعات العمل وأيام الحياة ويتعلموا أن التدقيق في المواعيد أحد دعائم التنظيم في فروع الأعمال ومن أهم أساليب النجاح الذي غفل عنه معظم سكان هذه الديار وعدوا من ينظم أوقاته ويدقق في وعوده واستقبال خاصته ومن لهم علاقة به في ساعات محددة متكبراً أو مهوساً. يباكر العملة في معامل السيوفي في الصيف والشتاء والخريف والربيع عَلَى السواء وينقطعون ساعات وقت الظهر ثم يعاودون العمل الي قبيل الغروب أو إلى بعده بقليل بحيث لا يتجاوز معدل ساعات العمل في اليوم تسعاً بخلاف عملة أوربا فإنهم يعملون في بعض البلاد كبلجيكا مثلاً زهاء اثنتي عشر ساعة ولكن للمحيط وكثرة الأيدي العاملة والعادة والإقليم دخلاً كبيراً في هذا الاصطلاح ولو لم تكثر هجرة المسيحيين بعد الدستور لوجوب الخدمة في الجندية عليهم وجوباً عَلَى إخوانهم المسلمين فانسل معظم من هم في سن العسكرية إلى أميركا أو غيرها من أبناء الطبقة الدنيا خصوصاً لما قلَّ بذلك عدد العملة في معامل السيوفي فليس فيها اليوم في حي الشرفية وداخل المدينة أكثر من ٢٨٠ عاملاً مع أن الأدوات والأعمال التي اقتناها صاحبنا تشغل ضعفي هذا العدد فيستفيدون ويفيدون. أكثر ما يعمل في هذه المعامل منجورات الدور الخشبية وأنواع الفرش وأثاث البيوت ففيها تعمل كما تعمل في الغرب فتتأنق الأيدي والعيون في تجويدها وتساعدها الأدوات التي تدار بالفحم الحجري وتبلغ نحو الستين آلة ومناه لقطع الخشب وصقله وحفره وتقويره وتنشيفه فترى في خشب الجوز والزان من واردات الروم — أناضول والأكاجو من كوبا وشوح النمسا وسنديان أميركا والخشب البياسي من قيلقية أطنة تعمل في تلك الأدوات الحجرية وتحركها تلك المحركات والآلات كأنها العجين في يد خبازه أو الملاط بيد البناء الحاذق. قال لنا صاحب المعمل أن الآلة الكبرى المحركة في معمله هي بقوة مئة حصان تنفق في النهار ١٣ فرنكاً من الفحم وكانت الآلات التي هي أصغر منها تصرف من قبل أكثر منذ ذلك وبهذا يستدل أيضاً أن نفقات المعامل الكبيرة أدنى إلى الاقتصاد وأعمالها أقرب إلى الجودة من مصنوعات المعامل الصغيرة لاسيما والمعامل الكبرى تتجلى فيها قاعدة تقسيم الأعمال فنجد العملة في معامل السيوفي مقسومين إلى عدة أقسام قسم الأدوات وله وكيلان وقسم النجارة وله وكيلان وقسم الحفر وله وكيل وقسم البرداخ وله وكيل وفي هذا القسم نحو أربعين ابنة تعمل فيه وللمحل رسام خاص وكلهم من أبناء العرب ليس بينهم إفرنجي حتى الأدوات قد جعلت في مواضعها بمعرفة صاحب المعمل دون الاستعانة بأحد من غير أبناء وطنه. تختلف أجرة العامل في اليوم من ستين بارة إلى ستين قرشاً ويحاسب عن أجرته كل يوم سبت من كل أسبوعين في الشتاء ويحاسب في الصيف كل سبت قبل الظهر ليتيسر له الخروج إن أحب إلى الجبل يصرف ليل الأحد وليل الاثنين فيه للنزهة ويقضي عَلَى كل عامل أن يعمل ستة أشهر تحت التجربة. أولاً ثم تحسم من مياومته أجرة أسبوعين تجعل في صندوق المحل حتى لا تحدثه نفسه بالخروج من المعمل كل يوم أو كل أسبوع كما يفعل بعض العملة في المعامل ويتركون أصاحبها معطلين. ومن جملة ما شهدته من النظام داخل المعمل قاعة كبرى وموائد يتناول عليها العملة طعام الظهر وآلة تضغط النشارة عندما توضع فيها وهي من اختراع أحد العمال هنا وتلقي بها إلى مكان بعيد خارج بناية العمل ومن هناك يبتاعها أرباب القمامين ومما رايته خارج المعمل من النظام رصف الطريق الموصلة إليه عَلَى نفقة صاحب المعمل وغرس بعض الأشجار عَلَى جانبيها ويبلغ طولها نحو كيلومترين. هذا ما رأيته في معامل السيوفي من النظام الذي لا أبالغ بأني قلما رأيته في معمل يرأسه شرقي ولذلك بصفق لصاحبه لأنه بدأ به صغيراً سنة ١٨٨٨ في مدينة بيروت وكبره سنة ١٩٠٨ في حي الأشرفية عَلَى الصورة التي رأيناها اليوم ونفقة عمارته وأرضه وأدواته تساوي خمسة وعشرين ألف ليرة ولكن لا يتيسر لمن معه مئة ألف ليرة أن يقيم مثله بأدواته ونظامه إذا لم تسبق له معرفة كمعرفة السيوفي ولم يقض سنين مثله في النجارة ويحيط بما جل وقل من أساليب العمل وتجويده فليت كل أعمالنا تجري عَلَى هذا المثال من النظام البليغ والنجاح الأكيد جنون الاستعمار إذا قيل أن السياسة لا قلب لها فيقال أن جنون الاستعمار فنون فقد ساق الغرور دولة إيطاليا إلى أن تخرق العهود وقوانين الدول وتبعث إلى طرابلس الغرب وبرقة بمدرعاتها وجيوشها للاستيلاء بدون مسوغ قانوني عَلَى بلاد طرابلس وبرقة من يد صاحبتها الشرعية دولتنا العثمانية ولو أتت دولة شرقية مع دولة غربية ما أتته إيطاليا مع العثمانية لقامت الدول الكبرى يداً واحدة والله أعلم أي تعريض كن يقضين عَلَى المعتدية به ولكن السياسة لا قلب لها وجنون الاستعمار فنون. قال الرحالة روهلفس Rohlfs الألماني وقد زار صحراء أفريقية مرة ثانية سنة ١٨٧٧ : إن طرابلس الغرب مفتاح أفريقية فمن يملكها يملك السودان كله وفي الواقع أن البحر المتوسط يكاد يمس الصحراء من طرابلس وإليها تنتهي ثلاثة أو أربعة طرق من الطرق المهمة في الصحراء فمن طريق غدامس يوصل إلى السودان الغربي ماراً ببلاد توات وتومبكتو ومن طريق مرزوق وغات ينتهي الطريق إلى بحيرة تشاد وطريق بنغازي برقة يؤدي إلى النيل ودارفور ولكن هذه الطرق لا أمن فيها وخصوصاً في جهات فزان من الجنوب حيث النة والجياع من الطوارق قد يمدون أيديهم بالأذى إلى أبناء السبيل ولاسيما أيام المجاعات وما أكثرها في طرابلس وبرقة. وهذا ما منع فرنسا وغيرها من دول الاستعمار من قطع المطامع من طرابلس لأنها متنائية الأطراف وعمران الصحراء هو والعدم سواء وبلاد هذا حالها من الفقر الطبيعي يستحيل عَلَى شركة عاقلة في الغرب أن تقد عَلَى إنشاء خط حديدي يرابط أدناها بأقصاها عَلَى الأقل ولذلك كانت نقاط اتصال الصحراء بالبحر من البحر الأتلانتيكي وخليج غينية والبحر الأحمر يفضلها التجار وأكثر طرقها لا ماء فيه أربعة أو خمسة أيام عَلَى الوصول إلى البحر المتوسط من إحدى موانئ هذا الإقليم طرابلس ودرنة وبرقة وطبروق والسلوم. بيد أن إيطاليا تحلم بالاستيلاء عَلَى طرابلس قبل أن تؤلف وحدتها لتكون لها مركزاً تعتمد عليه بين جزيرة كورس الفرنسوية وثغر برزت التونسي وجزيرة مالطة الإنكليزية وثغر تريسته النمسوي فتجعل طبروق من إقليم برقة مرفأً حربياً في نقطة وسطى بين تلك الجزائر والثغور. ويقول أنصار إيطاليا أنهم إذا تم لها ما تريدمجلة مستندات الترقي Les Documents du Progrès فإنها تنتفع من الوجهة الاقتصادية من برقة عَلَى الخصوص لأنها تشبه تونس بعمرانها وقد غرس اليونان الكرم والزيتون في أرضها وفيها من غلات الإسفنج شيء كثير فتصرف فيها وفي غيرها مصنوعات معامل بيمون ولومبارديا وبالنظر لقرب طرابلس وبرقة من جزيرة صقلية الإيطالية ولكثرة سكان هذه الجزيرة يجيء بعض أهلها يستنبتون الحقول ويستثمرون المعادن في طرابلس. ولكن فات أولئك الباعثين أن ذاك الحلم عَلَى فرض تحقيقه والرجاء أن يخيب أن إيطاليا كانت تستطيع الوصول إلى هذا الغرض من إفادة بعض أبنائها من خيرات هذا الإقليم العثماني بأن تبذر في مشروعاته النافعة جانباً من أموالها فتنال ما تريد بحكم المنافسة بين أرباب الأموال والأعمال ولاسيما الأوربيين منهم كما هو الحال في معظم أصقاع المملكة العثمانية. فقد رأينا فرنسا وضعت ملايين من أموالها في شركات السكك الحديدية في المملكة العثمانية فحفظت بذلك نفوذها ونفعت تجارتها ومعالمها فكان عَلَى إيطاليا لو أحبت الانتفاع بسلام أن تجرى عَلَى آثار الفرنسيس جيرانها وبذبك يتوفر لها من النفقة كل يوم عَلَى بريتها وبحريتها منذ نحو ثلاثة أشهر بمئة ألف جنيه وهذا مبلغ جسيم بالنسبة لمملكة تطبق مفاصل ميزانيتها بضرب الضرائب الفادحة عَلَى رعاياها حتى هاجر منهم إلى أقطار الأرض حتى الآن زهاء ستة ملايين رجل. قضت إيطاليا بنظامها الجائر في التملك أن يترك الناس بلادهم تنعي من بناها وكان أهل صقلية أقاليم جنوب إيطاليا أكثر البلاد هجرة حتى أن بعض القرى خلت من السكان جملة وأكثرها هجرة ثلثا ساكنيه وأصبحت الحال هناك في شقاء ليس بعده شقاء وفقر وعهر لا يدرك غورهما فكر وناهيك ببلاد يهجرها رجالها ولا يبقى فيها إلا البنون والبنات والعاجزون والعاجزات. لمثل هؤلاء القوم يستعد الخاصة من الطليان كما تقول إحدى مجلاتهم منذ الزمن الأطول للسياسة الاستعمارية ومعظم الشعب الإيطالي لا يهتم بتاتاً بمستقبل المستعمرات الإيطالية كأرتيرة والصومال بل يتجشمون البحار إلى أميركا الشمالية والجنوبية هناك يعملون ويرتزقون. فقد بدأ الخاصة سنة ١٩٠٥ يلقون محاضرات عَلَى الاستعمار وبعد سنتين أنشئ ديوان الزراعة الاستعمارية الإيطالي وغايته أن يوجه الإيطاليون وجهتهم إلى المستعمرات الإيطالية ويتخلون عن قصد أميركا وغيرها من ديار الأجانب فأُنشئت لذلك حدائق للنبات الاستعماري في مدينتي رومية وبلرمة وهذا الديوان يتلقى من المصادر المختلفة معلومات عن زراعة البلاد التي يراد استعمارها وحيواناتها وموادها ومناخها ومقدار المطار التي تهطل فيها ويقوم بأبحاث جيولوجية من حيث مساحة الأراضي وخصائص شعوبها وأحوالها الاجتماعية والاقتصادية وفيه تلقى محاضرات في زراعة المستعمرات وحفظ الصحة في الاستعمارية وهو يؤسس مدارس إعدادية للاستعمار وينشر مجلات وكتباً في هذه الموضوعات. وهذه النظريات لم تستطع إيطاليا حتى اليوم أن تطبقها عَلَى العمل إلا في بلادها الأصلية العامرة بطبيعتها مثل الولايات الشمالية وعَلَى كثرة ما يؤلفون من الشركات والجمعيات لإنهاض شأن المهاجرين الإيطاليين في أميركا فإن الإسرائيليين هناك كما أكد محققوهم أنفسهم أقدر منهم عَلَى الأعمال فإن قسماً مهماً من التجارة الصغيرة والعظيمة بأيدي الإسرائيليين وكذلك المصارف الكبرى والحكومة والوظائف العامة وعَلَى قلة عددهم لهم مكانة دونها مكانة الإيطاليين الذين يدعون أنهم من نسل غاريبالدي ومازيني وميكل آنجل وليونارد دي فنسي ورافاييل سانتريو وأمثالهم من أرباب الصناعات النفسية ورجال الإدارة والسياسة. نحن نعلم أن الطليان كثير نسلهم يباكرون إلى الزوج رجالاً ونساءً وإن نسبة السكان منهم إلى كل كيلومتر مربع أكثر من نسبتها في ألمانية ففي الكيلو متر المربع في إيطاليا ١١٧ ساكناً وفي ألمانيا ١٠٤ أشخاص وقد ارتقت التجارة الإيطالية ارتقاء مهماً ولاسيما بعد أن توطدت أركان الوحدة الإيطالية وتألفت من تلك الممالك الصغرى البندقية وطوسكانيا وجنوة وغيرها هذه المملكة الكبيرة وإن دين إيطاليا قليل بالنسبة لسائر الممالك الممدنة ولكن كل هذه الصفات لا تبرر عملها عند العقلاء وسوف تعلم أنها لو صرفت نصف ما صرفته حتى الآن من المال والرجال في الأعمال العمرانية سواءٌ كان في بلادها أو خارجها لكان أحسن لها وأبقى. وما نظن أن إيطاليا تستطيعان تنزع من أرباب الأملاك أملاكهم في طرابلس مهما نوعت أساليب الحيل ففرنسا بعد استعمار الجزائر منذ سنة ١٨٣٠ عَلَى شدتها في استعمارها لم تتمكن من الاستيلاء عَلَى ما تحب من الأراضي كما يفعل الرومانيون في البلاد التي يفتحونها وينزعون من المالكين ويستعمرونها بأبنائهم غالباً والرومانيون أجداد الإيطاليون الأول وإلى اليوم لم تربح حكومة فرنسا من الجزائر بل هي تخسر عليها. فهل يعقل أن تتحقق أماني إيطاليا في طرابلس والخصب فيها في أماكن معينة وعي ملك لأهلها ولطالما دافعوا عنها دفاعهم اليوم من اعتداء الفاتحين وطردوهم من عقر دارهم. فإذا كانت إيطاليا تقصد الإثراء ونفع أبنائها فهذه الطريقة من أعقم ما لجأت إليه دولة مستعمرة من دول المدنية الحديثة فإن ثروة الناسالمقتطف بقلم منشئه الدكتور يعقوب صروف العالم المشهور لا تزيد باتساع ممالكهم فالصيني ليس أغنى من الفرنسوي مع أن سكان الصين عشرة أضعاف سكان فرنسا والألماني ليس أغنى من البلجيكي من أن سكان ألمانيا عشرة أضعاف سكان بلجكا وقد تضيق أرض بسكانها حتى يقل الرزق عليهم فيها فتضطر حكوماتهم أن تمتلك بلاداً أخرى كثيرة الخيرات قليلة السكان حتى تسهل عَلَى الفاضل من أهاليها المهاجرة إلى تلك البلاد والارتزاق فيها كما فعلت إنكلترا وهولاندا وجرت فرنسا وألمانيا مجراهما. ولكن إيطاليا لم تعمر كل بلادها حتى الآن فليس بها حاجة إلى فتح بلدان أخرى وتعميرها للارتزاق منها فإن عندها جزيرة سردينيا مساحتها أكثر من ٩٣٠٠ ميل مربع وليس فيها من السكان سوى ٨١٠٠٠٠ نفس مع أن صقليا تماثلها مساحة وسكانها أكثر من ثلاثة ملايين ونصف وعندها مستعمرة ارتريا في أفريقية عَلَى حدود السودان ومساحتها ٤٥٨٠٠ ميل مربع أي نحو نصف مساحة إيطاليا كلها وهي من أغنى بلاد الدنيا بالمناجم والحراج وليس فيها من السكان نصف مليون نفس وعندها بلاد الصومال ومساحتها نحو ١٤٠٠٠٠ ميل مربع أي أكثر من مساحة إيطاليا بنحو ثلاثين في المئة وسكانها نحو ٤٠٠٠٠٠ نفس وهي بلاد زراعية كثيرة الخيرات فعَلَى م لا يهاجر الإيطاليون إلى هذين البلادين ويعمرونها إن كانت بلادهم قد ضاقت عليهم. وهب أن إيطاليا اهتمت بإصلاح طرابلس الغرب واستثمار خيراتها فهي إما أن تستأثر بذلك لتنحصر الفائدة فيها وفي سكان طرابلس فتكون قد جرت مجرى إسبانيا والبرتغال في استعمارهما فتفشل فشلهما لأنهما فشلتا فشلاً تاماً في كل البلدان التي امتلكتاها وحاولتا استعمارها ومنعتا غيرهما من مشاركتهما في النفع وأما أن تجري مجرى إنكلترا وهو فتح أبواب مستعمراتها لتجارات كل الأمم وحينئذ لا يكون السبق للإيطاليين بل للإنكليز والألمان لأن السبق في المناظرة التجارية للأغنى مالاً والأوفر علماً والأمهر صناعة. وهيهات أن تعيش إيطاليا في طرابلس الغرب بتعب غيرها وإعنات أهلها فإذا فعلت يحل بها الخراب كما حل برومية في أيامها الخالية. يحل بها الخراب لأن فكرة العظمة الرومانية يضيق عَلَى إيطاليا الحديثة خناقها ويحرج صدرها فهي تريد أن ترجع إلى أصولها البعيدة وتطمع في غير مطمع ولا تتنازل عن عجبها. تريد بالتهور في الاستعمار أن تغتني وتعيد إلى رومية الثالثة مجداً أضاعته الأيام وفساد الأخلاق والنظام بل تطمع بأن تجعل ممالك أوربا حافات من حول عرشها تسبح بحمدها وتفاخر بمجدها كما طمع نابليون الأول فكان في ذلك إضعاف أمته بأسرها فأهرق دماءها ودماء غيرها وأفقرها وأفقر جيرانها وكان مصيره أسوأ حال. تحاول إيطاليا اليوم الدعوة إلى إعادة مجد الرومان بجميع أساليب الدعوة من نشر الصحف وإلقاء الخطب وإنشاء المدارس حتى أن الكتب المدرسية التي تعلمها للأولاد تعد فيها نيس وكورس وترانتن من بلادها مع أنها للفرنسيس تسير في ذلك عَلَى سيرة إحياء الشعور الوطني كما كانت تفعل الحكومة عندنا في كتب الجغرافيا التركية فتذكر فيها من أملاكنا ما فقدناه من نحو مئة سنة ولم يبق لنا حق من الحقوق الدولية والشرعية فيه. تظن إيطاليا أنها تحمل المهاجرين من أبنائها بمئات الألوف إلى طرابلس وفاتها أن هذه البلاد حتى اليوم عَلَى قربها من أوربا ليس فيها سوى ٢٢٠٠ مالطي و ١٠٠٠ إيطالي و ٧٠٠ فرنسوي و ٦٠٠ إنكليزي و ١٥٠ إسبانيولياً وبعض الهولانديين والنمساويين واليونان والألمان والأميركان لا يبلغ مجموعهم كلهم خمسة آلاف نسمة وإن أكفأ الناس في التجارة والصناعة والزراعة واقدر الأمم بالملل والرجال هم يستثمرون الأرض فأين هم من الألمان فقد بلغ من حذقهم أن استولوا عَلَى كثير من أعمال التجارة في لندن ونيويورك بل في باريز نفسها وناهيك بكره الفرنسيس لأعدائهم الألمان ولقد قدروا مؤخراً عدد الألمان في باريز وضاحيتها بمئة وأربعين ألفا يتجرون في نفس عاصمة الفرنسيس بجميع أنواع التجارة وينافسون الفرنسويين في أرباحهم فتجد منهم الكتبيين والخياطين والجوهريين والفرائين وشركات الضمان والصيارف وغير ذلك من فروع العمل فلو تدبرت إيطاليا أو خاصتها المفكرة لعلمت أنها قادمة عَلَى معترك شديد في طرابلس وبرقة ولو سلم لها ما تنويه من الغوائل الأهلية ولو سلم من كل ذلك لكانت العاقبة في الاستعمار لأرقى الأمم في مذاهب المعاش وأعرفها بطرق الانتفاع والنفع ولكن هو فساد الإدارة وجنون الاستعمار تركب الأمم في سبيلهما العار وتهوي في مهاوي الدمار والبوار. مخطوطات ومطبوعات طبقات الأمم عرف الأب لويس شيخو اليسوعي مدير مجلة المشرق بما نشره من كتب العرب في اللغة والتاريخ والأدب دع عنك ما خدم به طائفته وجمعيته وآخر ما أظهر إلى الوجود كتاب طبقات المم لأبي القاسم صاعد بن أحمد بن صاعد الأندلسي المتوفى سنة ٤٦٢ ظفر بنسخة منه عند أحد الوراقين بدمشق والتحريف غالب عليها لأن ناسخها الأصلي منذ نحو مائتي سنة عامي لا يحسن النقل فعارض الناشر أكثر فصولها وردها إلى أصولها عَلَى كتب عربية من مطبوعات علماء المشرقيات مثل الفهرست لابن نديم وتاريخ الحكماء لابن القفطي وطبقات الحكماء لابن أبي أُصبعة ووعد في آخر جزء من المشرق أن ينشر الكتاب عَلَى حدة مع الفهارس اللازمة له. وقد رأينا أن نلفت نظر الناشر الباحث إلى أغلاط وقعت له أو للناسخ الأصلي ولم يعمل الناشر في نظره فيها فجاءت مشوهة لطلعة هذا الكتاب النفيس عله يتداركها فيلحق بها جدولاً في آخر الكتاب فيستحق شكر المعارف والآداب. فقد ضبط (ص ٥٦٧ — ٨٦٢ ) المرية بكسر الميم وسكون الراء وفتح الياء والصواب بفتح الميم ثم الكسر وتشديد الياء بنقطتين من تحتها وهي مدينة كبيرة من كورة البيرة من أعمال الأندلس وكانت كما قال ياقوت هي وبجانة بأبي الشرق منها يركب التجار وفيها تحل مراكبهم قال القسطلي: متى تلحظوا قصر المرية تظفروا لبحر ندى ميناه در مرجان وتستبدلوا من موج بحر شجاكم ببحر لكم منه لجين وعقيان وقال ابن الحداد : أخفي اشتياقي وما أطويه من أسف عَلَى المرية والأنفاس تظهره وفي (ص ٥٦٨ ) الشابران وقد وضع عليها علامة استفهام إشارة إلى أنه هكذا وجدها وهي من مدن أرمينية والران وأذربيجان ذكرها الاصطخري في المسالك والممالك (طبعة ليدن) ونيشابور والصواب نيسابور. (ص ٥٦٩ ) يتجستان والصواب سجستان كما قال في الحاشية وقعت ألفاظ من مثل هذه في هذا السفر أثبت الناشر الرواية الضعيفة في المتن وترك الرواية الصحيحة للحاشية وكان الأولى أن يعكس ليصب. والمرية بالكسر والضم أيضاً الشك والجدال. ٥٧٠ خ بحر أقيابس ص أقيانس خ ولا رؤيت بها ص رؤيت لها. ٥٧١ خ يدور فيها مناجم الأمم ص مماجد أو محامد ٥٧٢ خ وخلقه إلى نهاية المعمورة ص وخلفه خ السمت بضم السين ص فتح السين وهو الطريق خ لأنهم أجمعين مشتركون لأنهم أجمعون. ولا معنى لجملة: هذا التأليف الأليف العقل. ٥٧٣ خ السباع التي تغاضي الإنسان أقدامها ص تقاضي خ وكذلك قالت العرب ص ولذلك ٥٨٤ خ ولأنها حازت عَلَى الملوك وسط ص ولأنها فازت عَلَى. خ وأشدهم أسرا ص وأشدهم أشراً والأَشر البطر والنشاط. ٥٧٥ ليستحبوا بذلك قواها ص ليستجلبوا أو ليسحبوا ٥٧٦ في الفرقتين الأولتين كذا ص الأوليين وكان عليه أن يثبت الصواب وقد تكرر رسم الأولتين في مكان آخر ٦٧٠ خفي المقالتين الأولتين ص الأوليين خ في المقالتين الآخرتين ص الآخريين. ٥٧٧ خ أوجز حساب واحضره ص وأخصره خ ي حسن التواليد ص حسن التوليد خ في تقدمة المعرفة ص تقدم المعرفة ٥٧٨ خ وتحملهم بتشديد الميم من الأمور ص وتحملهم بكسر الميم بدن تمديد خ وأحسن التئام ص حسن التئام خ أول ملوك بني إسرائيل ص أول ملوك بني سامان أو ساسان ٥٧٩ خ يزدجرو بن شهريار ص يزدجرد بن شهريار خ وجود التدبير ص وجودة التدبير ٥٨١ خ وكان عرضه ألف وخمسمائة ذراع ص وكان عرضه ألفاً خ وكان بعد الطوفان عدة منهم عدة ذوو معرفة ص وكان بعد الطوفان ٦٦٥ خ الثغور الخزروية ص الثغور الخزرية ٦٦٨ خ طيماوش الروحاني ص طيماوس ومثلها نيقوماخوش والصواب نيقوماخوس ٦٦٩ خ وجعها آلة ص وجعلها آلة. ٦٧١ خ مثبتة أساسها مزمومة قواعدها وثيق بنيانها ص مدعومة قواعدها خ اليد الحليلة ص اليد الجليلة. ٦٧٢ خ ومنها رسالته جاوبه بها ص ومنها رسالته التي جاوبه بها خ الذي كان فيه البدرة وقال في الحاشية لعله أراد البودة والبودة متعين خ أقصدهم بكتب الفلسفة ص أقعدهم. ٦٧٣ خ وراد عليهم آراءهم بالحجاج كذا الصحيحة ص بالحجاج الصحيح أو بالحجج الصحيحة ٦٧٥ خ أوعشطش ص أوغسطس ٦٧٦ في غاية العلماء من بعده التي يحيرون. إليها وضع الناشر في الحاشية يجرون إليها مع أداة استفهام مع أن يجرون متحتم أو يقال يصيرون خ إلا ما لا خطب له ص خطر له خ اشتقت لها من سبعة أشياء ص من سبعة أسماء. ٦٧٨ خ ونحل مذاهب الحكماء ص ونخل بالأعجام خ بأن يجمع العالم في واحد ص أن يجمع ٦٨٠ خ في عدد اليونانيين ص في عداد. ٧٥٤ ) خ فإن كان ذلك حق عنهم في أبعدهم في هذا الرأي من نظام الحكمة ص فإن كان ذلك حقاً فما أبعدهم ٧٥٨ خ فلا يزالون في حل وترحال ص في حال وترحال. ٧٥٩ خ وآراء الفرق مع أن عبدة الأوثان ص من أن عبدة الأوثان خ ولا واربة صاحب العقل ص ور دان به صاحب العقل. خ ما تعبدهم بضم الباء وتشديدها إلا ليقربونا إلى الله زلفى ص ما نعبدهم ٧٦٠ خ والعرب أصحاب حفظة ورواية ص حفظ ورواية ٧٦٢ رؤبت إلى أقاصي الأرض فأريت مشارقها وسيبلغ ملك أمتي مارؤي لي منها ص زويت لي أقاصي الأرض. . . . مازوي. وفي النهاية لابن الأثير طبعة مصر زويت لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها أي جمعت يقال زويته أزويه زوياً. خ حكم من الله ماضياً وقضاه منه نافذاً ص حكمً من الله تعالى ماضياً وقضاء منه نافذاً. ٧٦٣ خ من أحصائه لمنتحليها ص أخصائه ٧٦٧ وقلما يشفع بها في العلوم ص ينتفع بها ٧٦٨ خ ودنا أقواماً ص دانى أقواماً ٧٦٩ خ وكان أبو نصر الفارابي معاصراً لأبي بشر متى بن يونس في علم المنطق تعديل العلماء ص لأبي متى بشر بن يونس وعَلَى تأليفه في علم المنطق تعديل العلماء. ٨٤٦ خ عبد الله المرورزي ص لعله المروَزي أو المروُّذي كما في المشتبه في أسماء الرجال للذهبي طبعة ليدن ٨٤٧ خ وكان ذلك صبياً؟ إلى التمرس بها ص سبباً إلى التمرس بها ٨٤٨ خ ذي نؤاس ص ذي نواس ومثلها التي بعدها بسطر ٨٤٩ خ المرآي المحرقة ص المرائي المحرقة. خ وكان مذهب منه إلى مذاهب ص وكان يذهب فيه مذاهب. خ والجماعة سواهم ص وجماعة. ٨٥٢ خ واتخذ القوط مدينة طليطلة مدائنها العتيقة قاعدة لملكهم ص من مدائنها خ ولم تزل مركز الملك المسلمين ص ولم تزل مركزاً لملك. خ عظيم ملوك الأندلس. وأهل بلاد الأندلس عرض المدينة المعروفة الجزيرة الخضراء ص عظيم ملوك الأندلس وأهل بلاد الأندلس. عرض الخ أي بدون نقطة بين ملوك الأندلس وأهل بلاد الأندلس وعرض المدينة الخ راجع إلى ما قبل أربعة أسطر وعرضها طليطلة ٣٩ درجة الخ. ٨٥٣ خ وكان عالماً لحركات الكواكب ص بحركات خ وبمصر من الزني كذا والربيع بن سليمان ص المزني وهو من الأئمة المجتهدين في مصر توفي سنة ٢٦٤ واسمه أبو إبراهيم إسمعيل بن يحيى راجع ترجمته في حسن المحاضرة للسيوطي طبعة مصر. ٨٥٤ خ أنا كفرت بما قالا وما فعلا ص أني كفرت الخ خ وذلك في أيام أبيه إلى الغاية بالعلوم وإلى الثبار أهليها ص لم نفهم معنى الثبار وفي الجملة تشويش ومثله في ٨٥٦ فداول عناية الحكم ذلك لم يظهر لنا فليحرر ٨٦١ خ كان بصيراً بالهندسة في النجوم متقدماً في اللغة ص كان بصيراً بالهندسة نافذاً في النجوم أو ما في معناها خ وولي القضاء الزتية آخر دولة زهيرة العامري ص وولي قضاء المرية آخر دولة زهير العامري. وذلك لأن زهيراً العامري تغلب عَلَى المرية وأعمالها وذاك الرسم المحرف أدنى إلى أن يكون المرية راجع المعجب في تلخيص أخبار المغرب لعبد الواحد المراكشي طبعة ليدن مصر. ٨٦٢ خ بعلوم البرهان واللسان والمسائلة. ص ومسائله خ نال هناك دنيساً عريضه ص نال هناك دنيا عريضة ٨٦٣ خ له مع ذلك نقود في العربية ص نفوذ في العربية خ كانوا مشهورين بأسمائهم عندنا بالأندلس إلى هنا وفي وزماننا ص إلى هنا زائدة زادها منضد الحروف كما كرر سطراً بعد ذلك ٩٢٤ خ أفراد من الأحداث متندبون بعلم الفلسفة ص أفراد من الأحداث مبتدئون بعلم الفلسفة لا منتدبون ولا متندبون ٩٥٢ خ وصنف في مصنفات كثيرة ص وصنف فيها العلوم الشرعية ٩٢٦ خ ولأبي محمد بن حزم بعد تصنيف وافر في علم النحو ص نصيب وافر ٩٢٨ خ تمكنه في العلم وتحققه مذاهب للقدماء ص تحققه في مذاهب ٩٣٠ خ ودخل البصرة ومصر ودبر مارستانهما ص ودبر مارستانيهما. خ وكان في زمان ابن عبدون وبعده إلى آخر الدولة العامرة ص الدولة العامرية. وهي إحدى حكومات الطوائف بالأندلس جدها عامر الداخل إلى الأندلس مع طارق وجاور الخلفاء منهم بقرطبة جماعة أحدهم أبو عامر محمد بن الوليد الذي عرف آل عامر طراً به وساد بعده ولده عامر راجع أخبارهم في البيان المغرب في أخبار المغرب لابن عذارى المراكشي طبعة ليدن. ٩٣١ خ حسن التوليد والتنتيج ص ولعله الاستنتاج. خ ولم يكن أحد بعد محمد ابن عبدون أبوزي أبا العرب ص يوازي أبا العرب ٩٣٤ خ تطريقه للفضول وتطريفه لما غلظ ص تطريته للفضول ٩٣٦ خ أعلم الناس بأخبار الأنبياء وبدء الخليفة ص بدء الخليقة. خ يسمون كل تسعة عشر سنة ص كل تسع عشرة سنة خ الحادية عشر والرابعة عشر والسابعة عشر والتاسعة عشر ص الحادية عشرة بإثبات تاء التأنيث فيها كلها لأن الضمير يعود إلى السنة. ٩٣٧ خ تفرقوا في البلاد ودخلوا الأمم ص وداخلوا الأمم خ لطيف الذهن حسن النظر أخفر ص لعله اضر لأن أخفر لا معنى لها هنا خ واتصلت به العناية فسيوفي علي صناعة الفلسفة ويستوجب فنون الحكمة ص فسيوفي لا معنى لها والأولى يستوعب بدل يستوجب لمطابقته للمعنى خ والتعريف بنبذ من تواليفهم ص والتعريف بنبذة بفتح النون وضمها ولا تجمع ويغلط فيها كثيرون. هذا ما أمكن الوقت رده إلى الصحة من غلطات هذا الكتاب ومناه ما تركنا الإشارة إليه عمداً ولعل ناشره أو غيره من المدققين ينظرون فيه نظره أبلغ فيبرزون الكتاب منقحاً في الجملة عَلَى ما يجب ويحبه الراغبون في إحياء آثار السلف. المعارف الكتاب الأول في علم الفلكتأليف عبد الوهاب أفندي سليم التنير ومحمد طاهر أفندي التنير طبع في المطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٩ ص ٨٢ لمؤَلفي هذا الكتاب يد طولى في العلوم واضطلاع بالنقل عن الإفرنج في الموضوعات التي تهم هذه الديار وتفيدها وفد أَلفا الآن مختصرات في علم الفلك والطبيعيات والكيمياء والظواهر الجوية والجغرافية الطبيعية والحيوان والنبات ونشرا القسم الأول والغرض منها إحياء قو التصور في الولد لمعرفة قدرة الله تعالى وتنبيه إلى ما قد سخر الله تعالى من الأشياء المفيدة فلا يشب حتى يشمر عن ساعد الجد فينقب عن الكثير منها مما لا يزال مجهولاً فيكتشف فينفع الخلق وتنبيه إلى النظر والملاحظة إذ بذلك يزداد إدراكه فيرى حقيقة قدرة الله تعالى بما خص الكون من العجائب. وقد اعتمد المؤلفان عَلَى تأليف هولدن في المعارف وهو يعلم في أكثر مدارس الولايات المتحدة وكندا وإنكلترا وحذوا حذوه في نسقه واعتمدا عَلَى بعض الكتب العربية العلمية القديمة لوضع الاصطلاحات العلمية. والكتاب عَلَى طريقة محاورة بين أخوات وأبناء عم كانوا في الجبل فرأوا أقمار السماء فحدثهم كبيرهم بمعلوماته مختصرة يتشربها الصغير بل كل من لا عهد لها بهذا العلم الجميل. وقد عدلا في التأليف الأصلي ما جعله كأنه أُلف بلساننا مباشرة يستشهدان بآيات الكتاب العزيز عند الاقتضاء ويقولان أن العرب ولاسيما في الأندلس كانوا كأهل الغرب اليوم يعلمون الأولاد مبادئ العلوم العالية كعلم الفلك والطبيعيات وطبقات الأرض وغير ذلك من العلوم بأسلوب سهل وأن أهم علماء الفلك من القدماء هم العرب وقد اكتشفوا أشياء كثيرة في علم الفلك ولذلك ترون أن أكثر أسماء النجوم والكواكب هي عربية وقد أوضحا الكتاب بما حلياه من الرسوم فجاء علمياً عمياً ككتب الغربيين العلمية جدير بأن يطالعه من لهم ولوع بعلم الهيئة القديمة ومن تتسرب الخرافات إلى نفوسهم فيحكون عن صور الأفلاك أموراً لم تكن ففي جلسة يطالع المطالع هذه الحلقة الأولى من تلك السلسلة النافعة وإذا أراد الإمعان لا الاستظهار — لأن المؤلفين لا يقولان به بل يريان الاكتفاء بالقراءة والفهم فقط — يحتاج إلى بعض جلسات عَلَى الأكثر فيكون أخذ ما ينبغي له من هذا العلم بل ينبغي لمن أراد الاخصاء فيه أن يرجع إلى المطولات والمتوسطات وما أكثرها في كل علم وكل لغة من لغات الغرب. فللمؤلفين الفاضلين جزيل الشكر من خدمة العلوم بالعربية لثم معرفتها أهلها وكنا نود لو انتبهنا قليلاً لبعض الأغلاط النحوية والصرفية والبيانية التي وقعت في الكتاب ونود تصحيحها في الطبعة الثانية كما نرجو أن تكون تتمة السلسلة خالية من مثل ذلك ليكون العمل تاماً من كل وجه عَلَى أن مثل ذلك لا يقدح في نفعه ولكن ما ينشر ينبغي أن يكون إلى الصحة ما أمكن حتى لا يعتاد أولادنا غير الفصيح فتكون كتب العلم من جملة المساعدات عَلَى إحكام ملكة البيان أيضاً. تقويم البشير تأليف الأب لويس معلوف اليسوعي طبع بمطبعة الآباء اليسوعيين في بيروت سنة ١٩١١ ض ص ٢٠٤ اعتادت هذه المطبعة في بيروت منذ خمس وثلاثين سنة أن تصدر تقويماً سنوياً يعنى بتأليفه أحد الآباء اليسوعيين فجاء تقويمها هذه السنة حافلاً بالفوائد ونحو ثلثه ينفع المسيحيين خاصة والكاثوليك عَلَى الأخص كتقويم السنين والأعياد والأصوام والإقطاعات وذكر الرؤساء الروحيين ومجامعهم ودواوينهم وجداول في السنة الشمسية والقمرية والمالية وتحويل النقود ثم مختصر في التقسيمات الإدارية في الدولة العثمانية وقد أطلق عَلَى الروم إيلي تركية أوربة وهو اصطلاح إفرنجي سقيم لا يجوز أن يطلق عَلَى بلاد الدولة العلية لأن المملكة ليست للأتراك وحدهم بل هي لاثني عشر عنصراً ومنهم العرب نصف هذه العناصر فالأولى أن يقال لها روم إيلي تركية آسيا الأناضول أو آسيا الصغرى كما قال المؤَلف وقد تابع تقويم غوتا في إحصاء سكان الولايات ومساحتها ونظن بعضه مبالغاً فيه وبعضه دون الواقع كقوله أن سكان مدينة دمشق ٢٠٠ ألف وسكان بيروت ٨٥ ألفاً وسكان حلب ٣٥ ألفاً فإذا اعتبرنا الإحصاء الرسمي في دمشق مثلاً نراها أكثر من ذلك وهي لا تقل في الحقيقة عن ربع مليون وبيروت لا تبلغ في الإحصاء الرسمي هذا القدر. وتوسع في الكلام عَلَى لبنان وبيروت وإدارتهما وحكومتها حتى ذكر بجانب اسم كل موظف لبناني دينه وأفرد جدولاً بأسماء جرائد سورية ومجلاتها الباقية والزائلة وأسماء قناصل الدول في المملكة العثمانية وأماكنهم وفوائد وأمثالاً وبعض قوانين جديدة مثل قانون المطبوعات والمطابع والجمعيات وغير ذلك من الفوائد فنثني عَلَى مؤلفه ونرجو أن يزيده فوائد تاريخية وأثرية عن سورية ليسد في السنين المقبلة بعض الحاجة ويغني عن التقاويم الرسمية سالنامات التي كانت تصدرها ولايات بيروت وحلب وسورية قبل حرية المطبوعات الأخيرة وتضمنها من المواد ما يستفاد من أكثره ولاسيما ما يتعلق بالحركة العمرانية في البلاد أما الأخذ عن تقويم غوتا فلا يبرر العمل في اقتباس مواد هي منا عَلَى طرف الثمام لا تحتاج إلا إلى قليل من البحث والعناية. كتب ورسائل مختلفة أخبار وأفكار بحر الصحراء اقترح بعض العلماء منذ ٢٩ سنة أن يسعى بتحويل صحراء أفريقية إلى بحر داخلي قائلاً أن هذه الصحراء الرملية ليست سوى سطح قديم من بحر جف وهو عَلَى طول ألفي كيلومتر فوق مستوى المحيط الأتلانتيكي وقد زيف بعضهم هذا الاقتراح وعده رابع المستحيلات إلا أن أحد العلماء عاد فجدد اليوم هذه النغمة مبيناً منافع هذا المشروع وأن الوصول إليه لا يقتضي له صعوبات ميكانيكية مهمة فتمتد بذلك المياه عَلَى محيط من الأرض يوازي نصف مساحة البحر المتوسط فتخصب بالبحر وهوائه تلك الأصقاع الأفريقية الواسعة لأن إجدابها ناشئٌ من قلة المياه ويسقط ألوف من البشر عَلَى ما يتبلغون به في أرض ليس فيها اليوم إلا الشقاء والجوع ويجود هواء البلاد الواقعة في شمالي أفريقية فتصبح مثل بلاد الناتال من هذه الوجهة. وقد ردوا هذا الفكر في العالم العلمي قائلين أن التغيير في مناخ أفريقية يؤثر في مناخ شمالي أوربا الذي يوشك أن يكون كمناخ القطب الشمالي وبذلك تتعذر الحياة فيه وتغرق إنكلترا وبلجيكا والدانيمرك في الثلوج أشهراً وربما حدثت من ذلك كوائن وأحداث جوية وأرضية ليست في البال. فحتام تحيل مدينة الغرب البحر براً والبر بحراً. المحسن كارنيجي ضاقت الولايات المتحدة عَلَى رحبها عن استيعاب حسنات المحسنين من أبنائها عَلَى العلم والإنسانية وأخر ما جادت به يد المستر كارنيجي المثري الشهير ١٢٥ مليون فرنك لنشر التعليم في الولايات المتحدة هذا عَلَى حين كان حتى اليوم الباسط يده بالعطاء عَلَى كل مشروع خيري وعلمي حتى بلغت عطاياه ١١٢٩ مليوناً في حين بلغت هبات روكفلر الغني الأميركي ٨١٣ مليون فرنك فقط ومازال كارنيجي يتوسل بكل ما يمكن من الذرائع ليرد للأمة ما كسبه من خيرها ويود لو قضى نحبه وهو لا يملك ريالاً واحداً قائلاً: من أعظم الجنايات أن يموت المرء غنياً. آثار في السامرة تتوفر في كلية هارفرد الأميركية عَلَى الحفر في فلسطين برئاسة الأستاذ ليون للبحث عن الآثار وآخر ما ظفر به أحد أساتذة هذه البعثة الأثرية نموذجات من الخط العبراني أقدم كثيراً مما عرف من نوعها حتى الآن وهي عبارة عن ٧٥ قطعة تشير كل منها إلى جودة الخمر والزيت المحفوظ في أوان منوعة الحجم ويرد تاريخها إلى ستة قرون قبل المسيح وقد وجدت في قصر الملك أشاب من بلاد السامرة نابلس والخط المرسوم بالحمرة وبالقلم هو فينيقي ويختلف كل الاختلاف عن الحروف المربعة المعروفة في النسخ الخطية من التوراة. ويرى رئيس هذه البعثة أن هذا النموذج مستند مهم في حل المسألة التي طالما جرى الجدال فيها في أصل اللف باء العبرية وأصلها الفينيقي. الأولاد المهملون عرفت أميركا منذ زمن طويل أن الشبيبة وقوة الشعب من أكبر العوامل في الغنى المادي إن لم تكن أكبرها وغنه ليس أصعب من فقد قوى الشباب بإهمال آداب الأولاد إهمالاً كثيراً ما يجئ به منهم مجرمون جانون ولذلك أنشأَت دوراً لإصلاح النفوس بحسب قواعد علم النفس الحديث. فقد دلت سجلات دار الإصلاح في ميشلفيل من ولاية أيوفا وما وضعته من إحصاء أعمالها أن عدداً عظيماً من البنات نكبن منذ حداثتهن باجتراح الرذيلة وكن لولا دخولهن تلك الدار من أليفات السجون فأصبحن بعد مغادرتهن هذا المعهد ينظمن حياتهن فيكون منها فائدة حسنة فقد ذكرت إحداهن أن أباها كان شريباً خميراً اعتاد أن ينزع عنها ثيابها ويجعلها عَلَى منضدة ليرقصها أمام رفاقه في السكر ويسقها ويسليها فتخلقت بالطبع بأخلاق محيطها وبدت فيها هذه الأخلاق عَلَى أتمها عندما تبنتها إحدى السر الشريفة فلم يروا أبداً من وضعها في الدار الإصلاح تقضي فيها سنتين اعتدلت في خلالها أخلاقها وميولها بحيث استطاعت بعد خروجها من هناك وعمرها خمس عشر سنة أن تجد لها عملاً شريفاً فتعلمت الاستملاءَ السريع وهاهي اليوم امرأة شريفة متزوجة. وقصة فتاة زنجية قصة فقالت أن نفسها كانت حدثتها أن تقتل من تبنوها ونزعت من قلبها كل خلق شريف وبعد بضع سنين من دخولها دار الإصلاح تغيرت بالمرة ولما غادرتها ذهبت تدرس في كلية العبيد وهاهي اليوم تخص حياتها وفكرها لنشر الدعوة إلى المدنية بين بنات جنسها. وقد وردت في هذه الدار جملة تلامذتها القدماء رئيسة أمينات المال في إحدى المصارف الكبرى ومحامية مشهورة بأنها من نساء السياسة المنظورين إليهن ولولا دخولها في هذا المعهد لما استطاعت تلك الأمينة ولا تلك المحامية أن تتوقيا محيط اجتراح الجرائم الذي قضتا فيه شبيهتهما ولكانت كلتاهما سقطتا في الطبقة السافلة من ساكنات المدن العظمى. وطريقة هذه الدار مبهمة معقدة للغاية لا تستند إلى تعليم خاص ساذج ولا إلى عمل خاص معين بل هي عبارة عن تغيير عادات الطفل وخلقه بالطرق المنظمة العلمية ويتوخى هذا المعهد في فرقة البنات أن يثير فيهن حاسة الزينة لينبه فيهن الشعور الشريف فيعلمهن أن يكن معجبات بألبستهن وأن يخترن النظافة فيها وأن يقمعن أنفسهن ويكن لائقات أديبات وترعي في ذلك الأذواق الخاصة فتمنى فيهن ويعنى بها. كل يوم يقرع جرس هذه الدار عند الساعة الخامسة صباحاً تستيقظ البنات في الساعة السادسة يقضى عليهن أن يجتمعن لابسات لباساً نظيفاً ليتناولن طعام الفطور ثم يعمدون إلى سررهن فيرتبنها بأيديهن وفي الساعة السابعة بعد إنشاد أنشودتين لطيفتين يبدأ الدرس العام فينقسمن إذ ذاك إلى قسمين منهن يدرس دروساً نظرية والآخر يتعلم دروساً عملية من مثل الطبخ والغسيل في الحديقة ومعمل النجارة وتتبدل حقل التعليم بعد الظهر وتناول طعام العشاء الساعة الخامسة إلا ربعاً وفي الصيف يتنزهن في الخلاء زفي الشتاء يخصصن ساعات من وقت الدرس والتلميذات تطلق لهن حريتهن من الساعة السابعة إلى الساعة الثامنة فيعملن ما أردن وفي الساعة الثامنة يذهبن للنوم وفي كل قبة من القباب التي تتألف منها أبنية المدرسة يكون خمسون ابنة تحت إدارة امرأة يدعونها بأُمهن وتكون بمساكنهن أشبه بمنازل الأسرات لا بمساكن مدارس وإن تلك المعاهد ما حوت من اللطف والسذاجة الساكنة لتبتعد جداً عن الشبه بالسجون ولا يفارق الأولاد هذه الدار قبل سن الحادية والعشرين إلا البنات بحيث يؤمن عليهن بما يتهيأ لهن من الدرس ولاسيما بما لقن من حسن السيرة والأخرق والنظام أن يجرين في المستقبل عَلَى حياة منظمة وكثيرات منهم بعد تخرجهن في هذه الدار يستخدمن خادمات في بيوت خاصة وكثيرات يستخدمن في محال تجارية ويكن مربيات ومشتغلات بالفنون النفيسة. وشعار هذه الدار أن تنبه في تلميذاتها العواطف الشريفة التي كانت أطفئت جذوتها بالإهمال الذي كان أَليفهن بين ذويهن. أولادهم أولادنا ولو كلن الغرب يكيل لأبنائه بمثل الكيل الذي يكيل به لأبنائنا في الشرق لقلت الفروق ومشى البشر خطوات مهمة نحو الإخاء العام والسلام الشامل هكذا شان مرسليهم في مدارسهم في الشرق وهكذا شان حكوماتهم في البلاد التي امتلكوها في آسيا وافريقية وجزر المحيطين. وإنا لنلوم الكلية الأميركية في بيروت كلما توفر العناية بأبناء البلاد فقد عزلتهم في مكان خاص ووضعت لهم أساتذة خصوصيين يعلمونهم غير التعالم التي يعلمونها أبناء البلاد كان العلم كالطعام في بيت شحيح يطعم من أنواعه ما طاب له ويمنع عن خدمته وإجراءه الأطايب ويقتصر فيه عَلَى الرخيص نفعهم أو لم ينفعهم وهكذا رأينا إنكلترا التي تحكم الهند منذ نحو قرنين وحياتها متوقفة عَلَى غنى تلك البلاد وتعليم أبنائها لا تفكر في تعليمهم وترقيتهم كما تفكر في ترقية اقل إنكليزي ولو كان خلاسياً أي دمه من هنود وبريطانيين فقد قدروا أن في بلاد الهند ٣٠٠ ألف من عرق إنكليزي أو أوربي ليس بينهم سوى عشرة في المئة خرجوا من درجة الأمية فهل من اللائق أن يتركوا بدون تعليم كما يترك الوطنيون أم كيف السبيل؟ وإبذ قد لاحظوا أن الكاثوليك وهؤلاء الأوربيين يعلمهم مرسلوهم ولكن البرتستانت محرومون ممن يسهر عَلَى تربية أبنائهم فرأت الكنائس البرتستانتية أن تجمع ربع مليون جنيه لإقامة مدارس خاصة بأبناء البرتستانت من الإنكليز الهنود وتعيين أساتذة أكفاء بحيث يكون أبناؤهم مثال التربية الإنكليزية ويصبحون مادة قوة مهمة لإنكلترا في بلاد هي خمس العالم بسكانها. العقوبة الجسمية من أغرب الأمم في عاداتها وأخلاقها الأمة الإنكليزية فهي عَلَى ما بلغته من درجات الحضارة لا تفتأُ أن تحافظ عَلَى عاداتها الضارة في القرون الوسطى وتسعى إلى تعديلها وإصلاحها مع الزمن من ذلك أن لعقوبات الجسدية في مدارس لندِرا لا تزال مستعملة حتى اليوم فحذفت هذه العادة المضرة من مدارس أوربا ولكن مدارس لندرا حسنتها حتى أن لبعض المدارس الراقية هناك أسواطاً ميكانيكية تضرب المذنب بشدة أو بغير شدة بحسب الذنب الذي اجترحه. ويضيفون إلى هذا السوط الضارب آلة فوتوغراف تردد بعض آيات من التوراة وبعض النصائح الأدبية بصوت عال وذلك ليعلموا المضروب ويخفوا صراخه من آلامه. حصاد البشر بينا نسمع علماء الاجتماع ينادون بمضار الحروب وينددون بها نشاهد رجال السياسة يصمون آذانهم عن سماع أقوالهم ويرسلون إلى ساحات القتال بأقوى الرجال وأنشطهم يهلكون بعضهم بأيدي الآخر. وآخر ما ذكرته مجلة الاجتماع الدولية قولها من مقالة أن فكر الحرية وحده تجعل الشعوب ولية أمرها فقط ولما فنيت رومية في فكر الاستيلاء والغلبة أضاعت عظمتها فامتد ظل الحروب المشئومة عَلَى الإنسانية وأصبح القحط في الرجال وذلك لأن حصاد البشر كان رديئاً. وضعف رومية بالحروب كان الحجة الأولى لغارات البربر. ومن العادات أن أحسن الرجال إذا أرسلوا إلى الموت يخلفهم المتوسطون الفاسدون. ومهما كانت الأسباب الداعية إلى الحرب فإن نتائجها تبذير في البشر فإن ماجنتا وورث وسيدان واينا وليبتسيك وواترلو التي جرت فيها تلك المعارك التي تشيب لها نواصي الأطفال ليست إلا مجموع عظام إنساني. وليت شعري من يعيد علينا أولئك الشبان والرجال الذين استوفوا نصيباً وافراً من الجمال فقضوا في ساحات النزال. وأنت خبير بما يقتضي قتل المرء أخاه من العدد والنفقة حتى قال فرانكين أن نفقات الحرب لا تؤدى خلال الحرب بل بعد أن تغمد السيوف في أغمادها. وإنا لنرى الأقوياء وأرباب النشاط من الناس في جهاد الحياة السلمي يتدبرون ويعملون وليسوا لتحصيل القوت في حاجة إلى الحرب يؤرثون نيرانها. وإنا لنرى إنكلترا التي بذلت في خارج بلادها قواها لا تستطيع أن تشاهد نصف أبنائها إذ قد سقطوا كلهم في الهند وزولولاند وكمبودج والترنسفال وغيرها وقد أفنت المستعمرات جميع أبناء الطيبين من الفلاحين وأهل الطبقة الوسطى أي العنصر القوي في الأمة. أما أميركا فلم تقو إلا في ظل السلم. وبعد فإن الحرب مهما كان من أسبابها المشروعة فنتائجها سيئة دع عنك إنها تثير في العالم الهواء الشريرة ولا يجب أن يعمد إلى الحرب إلا في أحوال خاصة لا مناص منها. الفحم الحجري يقول أحد رجال الإنكليز أن إسراف إنكلترا في الفحم الحجري من بلادها يدعو إلى نفاذه بعد ١٧٥ سنة. وقالت إحدى المجلات الألمانية أن أميركا التي تصدر ما يربو عَلَى نصف مليون طن من الفحم الحجري قد بدأت تشعر بنقص ولا بد أن يكون حظها كحظ إنكلترا بعد قرنين وكذلك الحال في شمالي إنكلترا فإن آبار الفحم الحجري ستغلق هناك في سنة ٢١٠٠ م كما أنه ينفذ في أواسط فرنسا وبوهيميا نحو نصف القرن الحادي والعشرين وسيدوم استخراج الفحم الحجري من شمال فرنسا وحوض سارابروك في ألمانيا ما بعد ٤٠٠ أو ٥٠٠ سنة وسيكون حظ البلجيك ووستفاليا وسيلزيا العليا أحسن من ذلك فسيطول تعدين فحمها أكثر وسيطول عمر معدن سيلزيا البروسي ألف سنة أخرى فلا خوف عَلَى المدنية من ثم اليوم بنضوب الفحم الحجري ولعل العلم يوصل إلى اختراع مادة تقوم مقامه في إجماء المداخن في المعامل والسفن والبيوت وغير ذلك. زراعة اللؤلؤ يزرع اليابانيون وبعبارة أخرى اليابانيات اللؤلؤ في جون آغو من بلادهم فتنمو أصدافه في خلال بضع سنين ويعنى بها المربيات عناية خاصة فيدخلن في الصدفة لؤلؤات صغيرة من البحر أو عرق اللؤلؤ تكون بمثابة بزرة للؤلؤة التي يراد استنباتها وما يزرع من اللؤلؤ عَلَى هذه الصورية يشبه من حيث اللون والصفا اللؤلؤ الطبيعي الذي يأتي من ذوات الأصداف. قطران الطرق بدأَت أميركا تدهن بعض طرقها بالقطران فشاعت هذه الطريقة في أوربا ومنها انتقلت إلى مصر وقد ثبت مؤخراً أن هذا القطران يضع الأشجار المغروسة بجانبه بما ينبعث منه من الغبار فجربوا فعل الغبار بشجر الدردار والجوز فاحترقت أوراقها وورق الجميز جرمشق انتفخ وتشقق وضعف ورق الاس والرند والورد. الخطر السود تحاذر أوربا وأميركا من الخطر الأصفر أي نهضة الصين واليابان وزحفهما عَلَى بلاد الغرب لفتحها كما فعل المغول ودمروا المدنية في هذا الشرق الأقرب وفي الشرق الأوسط. وتحاذر ألمانيا اليوم من الخطر الأسود وهو أن فرنسا التي تقل نفوسها وألمانيا التي يتناسل أبنائها كثيراً لا بد أن تنتبه ذات يوم وتجند من أبناء مستعمراتها في شمالي أفريقية أناساً خلقوا للطعان أكثر مما خلقوا للعيش من زراعتهم وكدحهم فتستطيع فرنسا أن تجند من السنغاليين وغيرهم مليون جندي وتسوقهم بما تنشئه من الخطوط الحديدية العسكرية ثم تقلهم في بواخرها إلى مرسيليا أو بوردو في مدة لا تتجاوز الأسبوع فإذا فعلت فرنسا ذلك أوجست ألمانيا خفية من جارتها أكثر مما توجس هذه من تلك وقد جربت فرنسا عَلَى عهد نابوليون وغيره استخدام طوابير من الجند الأسود في حروبها. الصحافة الألمانية اشتهرت الصحافة الإنكليزية بوفرة أخبارها واتساع مادتها وتحريها الصدق في الجملة في مرواياتها وقد نشر أحدهم في المجلة الكبرى الأفرنسية مقالة في وصف الصحافة الألمانية قال فيها أنها عَلَى وجه العام محتشمة كثيرة موارد الأخبار نافعة للصناعة والمالية بما تنشره من الأخبار الاقتصادية الدقيقة ويبلغ عدد الصحف التي تصدرها ألمانيا اليوم ٤٠٠٠ صحيفة كان فيها سنة ١٩٠٥ — ٢١٥٩ محلاً للطبع منها ١٣٠٧ لها صحيفة خاصة والصحافة الألمانية تامة الأدوات من حيث الأمور النافعة في الصناعة وافرة الأخبار بحيث فيها ٢٠٠ شركة تقدم للصحف ما يلزمها من المقالات الافتتاحية والأخبار والانتقادات والحوادث والنكات. وللإعلانات في الصحافة الألمانية مكان رفيع كما لها في فرنسا. والصحافي الألماني أقل اعتباراً في قومه من الصحافي الإنكليزي أو الإفرنسي وكم نشأ في إنكلترا وفرنسا كبار رجال السياسة من مقاعد التحرير أما ألمانيا فلا تجوَّز أن يكون النائب مثلاً صحافياً وإذا كانت مقالات الصحف تنشر مغفلة من التواقيع مثل الصحافة الإنكليزية وخلافاً للصحافة الإفرنسية امتنع كثير من أرباب الأقدار في السياسة أن يستخدموا الصحافة في مآربهم ومع هذا لا يمنع أن يكون للصحافة الألمانية مكانة مهمة في حياة الأمة أما الحكومة فلا تنظر إلى الصحافة إلا بأنها ضرر لا بد منه وتحاول أن تنال معاضدتها ولاسيما في المسائل السياسية الخارجية وإذا لم تكن الصحافة الألمانية معادية للحكومة فهي تحرص عَلَى رضاها لتعطيها هذه الأخبار بسرعة ولئن كانت جريدة نوردتش ألمان زيتونغ هي لسان حال ألمانيا فإن كثيراً من الصحف الألمان تنطق أيضاً بلسان حكومتها من هذا القبيل. المستشفيات في ظل المعابد قامت عَلَى أوائل الأُسرات الأولى من فراعنة مصر بعض الملاجئ ليأوي إليها المرضى يطبهم الكهنة بالعزائم والرقى وهذه كانت المستشفيات الأولى التي عرفت فأصبحت هذه الأماكن المقدسة مدارس حقيقية للتداوي ثم أضيفت إليها حجر لتكون مستوصفات وقد كان معبد سيرابيس في منفيس مشهوراً من هذه الوجهة وزاره اسكندر الكبير لاستشارة أطبائه. وكان في أرض يونان لكل بيت غني غرفة أو غرفتان تحوي ما يلزم لمعالجة الأحباب من العقاقير وكان في يونان أيضاً مستشفيات تطب الغرباء ويهرع إليها الناس من القاصية يستشفون وكذلك كان في رومية مستشفيات وكان الأطباء يطبون الأغنياء بالاشتراك السنوي كما كان في رومية مستشفيات للجند فدثرت عندما غار برابرة الشمال عَلَى بلادهم ولم تعد إلى الانتفاع منها إلا بعد انتشار النصرانية فأُنشئت رهبنات تعنى بشفاء المرضى وتمريضهم ومن أقدم المستشفيات مستشفى سالرن في إيطاليا ومستشفى مونبليه في فرنسا الذي أنشئ سنة ١١٩٥ — قالته إحدى المجلات الإيطالية. رمال تتغنى للرمل في جزيرة كاياواي من أرخبيل هاواي وفي صحراء كولورادو خاصية غريبة إذا أثاره الريح فإنك تسمع له صوتاً يتغنى أو يطن وإذا قبضت عَلَى حفنة من الرمل وعركته بين يديك تسمع له صوتاً كصوت البومة وإذا وضعت منه في كيس وهززته بقوة تسمع له عواء كعواء الكلب وإذا فحصت الرمل بالنظارة المكبرة تجده مدوراً وهو يجري واحدة عَلَى الأخرى بأقل مس وبهذه الخاصية يمكننا أن نفسر السهولة التي تقذف بها إلى بعيد وتطوف المسافات. وينسبون الأصوات التي تنشأ عن هذه الرمال إلى قشرة رقيقة من النار تغطي وجه الرملة فإذا نقل هذا الرمل من هذه الصحراء يبطل صداه وغناؤُه. وقاية الخشب اخترع مهندس من بودابست طريقة لمنع العفن من أن يلحق عمد التلغراف وخشب السكك الحديدية وخشب الحوائط وبالجملة كل خشب يمس الأرض دائماً وسماها La Péristérilisation وهذا الاختراع عبارة عن تحضير التربة عَلَى طريقة كيماوية بحيث تسلم كل السلامة من المواد الضارة بالخشب فيصب في الثقب أو المنفذ سائل معقم يهلك الحشرات والحلمات الطفيلية وبهذه الطريقة يستغنى في الخشب عن طليه بالقطران.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_72.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.72.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
