<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.7.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.7.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٧ بتاريخ: ٢٠ - ٨ - ١٩٠٦ صدور المشارقة والمغاربة ابن الحناط الكفيف كلما نظرنا في تراجم رجال الإسلام نظر الناقد المستبصر يتجلى لنا أن من نفعوا الأمة نفعاً حقيقياً هم في الأكثر ممن كانت لهم ولو مشاركة قليلة في العلوم الطبيعية والرياضية والتاريخية لأن هذه الفنون تلقح فكراً جديداً وتكبر دائرة تصور المشتغل بها ولو نظر فيها نظرة إجمالية فما الحال به إذا أحكمها كل الإحكام. وذاقها كما يذوقها أرباب الأحلام. خذ لك مثالاً من ترجمة الرازي وابن تميمية والغزالي وغيرهم فقد كانوا من المتمكنين من علوم الأوائل وتواريخهم لذلك كتبت لهم الإجادة في كل ما أثر عنهم من المصنفات الدينية وغيرها. وصاحب الترجمة أبو عبد الله ابن الحناط الأندلسي هو أحد الأمثلة في هذا الباب إلا أنه انصرف بكليته إلى علوم الدنيا فأفاد واستفاد ولم يصده فقد البصر عن توفر البصيرة في العلم والأدب. ولا غرو فقد كان عصره وقطره مبعث النور ومنبثق الفضائل. قال في الذخيرة: هذا زعيم من زعماء العصر كان ورئيس من رؤساء النظم والنثر في ذلك الأوان. وجمرة فهم لفحت وجوه الأيام. وغمرة علم سالت بأعلام الأنام فكم له من وقذة لا يبرأ أميمها. ونكزة لا يسلم سليمها. وكانت بينه وبين أبي عامر بن شهيد بعد تمسكه بأسبابه. وانحياش كان إلى جنابه. مناقضات في عدة رسائل وقصائد أشرقت أبا عامر بالماء. وأخذت عليه بفروج الهواء. وقد أوردت من ذلك ما يكون انطق لسان بنباهة ذكره وأعدل شاهد على براعة قدره. وقد ذكره ابن حيان في فصل من كتابه فقال: وفي سنة سبع وثلاثين وأربعمائة نعي إلينا أبو عبد الله محمد بن سليمان بن الحناط الشاعر الضرير القرطبي بقية الأدباء النحارير في الشعر. هلك في الجزيرة الخضراء في كنف الأمير محمد بن القاسم. وهلك أثره ابنه الذي لم يكن له سواه بمالقة فاجتث أصله. وكان من أوسع الناس علماً بعلوم الجاهلية والإسلام بصيراً بالآثار العلوية. عالماً بالأفلاك والهيئة حاذقاً بالطب والفلسفة. ماهراً في العربية واللغة والآداب الإسلامية وسائر التعاليم الأوائلية. من رجل مرهق في دينه مضطرب في تدبيره سيئ الظن بمعارفه شديد الحذر على نفسه فاسد التوهم في ذاته. عجيب الشأن في تفاوت أحواله. وولد أعشى ضعيف البصر متوقد الخاطر فقرأ كثيراً في حال عشاه ثم طفئ نور عينيه بالكلية فازداد براعة. ونظر في الطب بعد ذلك فانجح علاجاً. وكان ابنه يصف له مياه الناس المستفتين عنده فيهتدي منها إلى ما لا يهتدي إليه البصير ولا يخطئ الصواب في فتواه ببراعة الاستنباط وتطبب عنده الأعيان والملوك والخاصة فاعترف له بمنافع جسيمة وله مع ذلك أخبار كثيرة مأثورة. عميان يؤلفون تكاد تكون قاعدة لا تتخلف أن من فقد إحدى حواسه تقوى فيه غيرها فمن فقد بصره مثلاً تقوى ذاكرته ومن فقد سمعه يشتد إدراكه. ولما قرأت ترجمة هوميروس الشاعر اليوناني وعلمت أنه كان ضريراً وقرأت ترجمة ملتون الشاعر الإنكليزي وعلمت أنه كان كذلك وقرأت ترجمة أبي العلاء المعري الشاعر العربي وقلت أنه كان مثلهما وقرأت ترجمة ابن الحناط وقع في نفسي أن أكتب مقالاً في عميان صنفوا وأجادوا أيام كان العرب يؤلفون ويجيدون. فمنهم قتادة بن دعامة كان اكمه وكان يقول لقائده سعيد بن أبي عروبة تجنب بي الحلق التي فيها الخطأ فإنه ما وصل إلى سمعي شيء قاداه إلى قلبي فنسيه. وكذلك كان بشار بن برد رأس طبقة شعراء المولدين اكمه وغاية في ذكائه وتوقد خاطره. وكان ابن الثمانيني نحوياً ألف فيه وانتفع بالاشتغال عليه جمع كثير توفي سنة ٤٤٢ هجرية وكان شمس الدين بن جابر الأندلسي ضريراً وهو صاحب بديعية العميان وله أمداح نبوية كثيرة وتآليف منها شرح ألفية بن مالك وغير ذلك وله ديوان شعر جيد توفي سنة ٧٨٠ . وكان أبو بكر بن هذيل الكفيف عالم أدباء الأندلس أخذ عنه صناعة الأدب جماعة منهم الرمادي الشاعر القرطبي المشهور. وكان أبو عبد الله محمد بن الصفار القرطبي حافظاً للآداب إماماً في علم الحساب مع أنه كان أعمى مقعداً مشوه الخلقة ولكنه إذا نطق عرف كل منصف حقه. وكان العلامة أبو القاسم الشاطبي صاحب حرز الأماني والعقيلة وغيرهما المقري الفقيه الحافظ من كبار أئمة الإسلام مكفوف البصر قوي الحفظ وكان يقول عند دخوله إلى مصر أنه يحفظ وقر بعير من العلوم وكان عالماً بكتاب الله قراءة وتفسيراً وبحديث رسوله مبرزاً فيه وكان إذا قرأ عليه صحيحا البخاري ومسلم والموطأ يصحح النسخ من حفظه ويملي النكت على المواضع المحتاج إليها وهو أوحد في النحو واللغة. وكان أبو البقاء العكبري شارح ديوان المتنبي وغيره من الكتب الجيدة مكفوف البصر حاسباً فرضياً نحوياً ولم يكن في آخر عمره في عصره مثله في فنونه وكان الغالب عليه علم النحو توفي سنة ٦١٦ . وكان ابن سيده المرسي الحافظ إماماً في اللغة والعربية جمع في ذلك جموعاً منها كتاب المحكم في اللغة وكتاب المخصص الذي طبع حديثاً وله غيره من الكتب الممتعة التي لم يؤلف في فنها مثلها وكان ضريراً وأبوه ضريراً أيضاً وكان أبوه قيماً بعلم اللغة وعليه اشتغل ولده في أول أمره توفي ابن سيده سنة ٤٥٨ وكان يحفظ عشرات من أمهات كتب اللغة. وكان أبو الحسن علي ابن عبد الغني الفهري المقري الشاعر عالماً بالقراآت له عدة تآليف توفي سنة ٤٨٨ . ومن مشايخ عبد اللطيف البغدادي الفيلسوف المشهور الوجيه الواسطي كان تلميذه يحفظه ويحفظ معه ثم يذهبان إلى كمال الدين عبد الرحمن الأنباري فيقرأ درسه. وكان أبو الحزم الماكسيني الموصلي المقري النحوي المتوفى سنة ٦٠٣ جامع فنون الأدب وحجة كلام العرب أخذ الناس عنه وانتشر ذكره في البلاد وله رواية واسعة. وكان خليفة أبي العلاء المعري في عماه وأدبه وهو ينحو منحاه. وكان أبو عبد الله هشام بن معاوية النحوي الكوفي ضريراً وله عدة تصانيف في النحو ومن جملة من أخذ عنه الخليفة المأمون. وكان أبو العز مظفر ابن إبراهيم العيلاني المصري الأعمى شاعراً مجيداً صنف في العروض وله ديوان توفي سنة ٦٢٣ وكان أبو القاسم بن الخطيب الأندلسي صاحب الأشعار الكثيرة والتصانيف الممتعة المتوفى سنة ٥٨١ مكفوفاً ضريراً. وكان أبو عيسى ابن الضحاك السلمي الحافظ المشهور أحد الأئمة المصنفين في الحديث ضريراً. وكان أبو العيناء صاحب النوادر والشعر والأدب مكفوفاً كف بصره وقد بلغ الأربعين. وكان أبو بكر ابن الدهان النحوي الواسطي ضريراً وهو من مدرسي النظامية. وهكذا لو تقصيت أسماء الرجال لقرأت العجب من أحوال أولئك العميان ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء. الحق مشاع لعل بعض الناظرين في هذا العنوان يعده خروجاً عن القصد وخطلاً في القول وضلة عن سبيل السلامة وما حكم من يبادر إلى التنديد بادئ الرأي إلا حكم من استغواه الهوى واستهواه الغرض فإن الحق كان ولا يزال مشاعاً بين الأمم والبلدان والمذاهب وما قط كان وقفاً على أمة معينة ولا على بلد خاص ولا على مذهب معلوم. الحق كنز ثمين يأخذ كل منه بحسب استعداده وأسبابه بل نور يعم العالمين على قدر خلاصهم من العوائق وبصرهم بالاستنارة به. يخطئ كل الخطأ من يذهب إلى أن كل ما يعتقده أهل المذاهب والنحل لا ضل له من الحق وأن أهل النحل المتعددة في الإسلام مثلاً كالاباضية والسنية والمعتزلة والشيعة قد ضلوا إلا قليلاً والحقيقة التي يقتضي اعتبارها أن الحق تقسم بين أهل هذه المذاهب والنحل ومن أراد أن ينشده فلا يتأتى له ذلك إلا بالنظر فيما كتبه أئمة هذه المذاهب ثم ينخل ما يقرأه وينتحل ما يراه الحق المطلق وهكذا الحال في العلم الذي هو من الأوضاع البشرية فإنه ما خص بقبيل ولا بجيل بل هو موزع على القدماء والمحدثين والشرقيين والغربيين. توخيت أن أصرح هنا بهذا الفكر على جلبته حباً بتقرير جملة تقطع السن من يشاغبون في كل ما لم تألفه أسماعهم ويعتقدون أن ما لم يعرفوه ولا آباؤهم ليس من الحق في شيء. فلا يعظمن على بعضهم إذا قرأوا في طريد هذه الصحيفة ما لا ينطبق مع رغباتهم فالعلم كالحق كثير الأفنان والفنون لا دين له ولا نحلة وناشره معه خازن أمين يجمعه ليصرفه عند مسيس الحاجة. وربما كان فيما يجمعه كخاطب ليل يجمع بين الجيد والرديء ولا يكاد يشعر ولذلك كان على من أوتي نوراً من الحق أكثر من غيره أن يقبسه صاحبه ويدله على عوراته. فقد خالف ابن عباس عمر وعلياً وزيد بن ثابت وكان أخذ عنهم وخالف كثير من التابعين بعض الصحابة وإنما اخذوا العلم عنهم وخالف مالك كثيراً من أشياخه وخالف الشافعي وابن القاسم وأشهب مالكاً في كثير من المسائل قال ابن الأزرق وكان مالك أكبر أساتيذ الشافعي وقال لا أحد أمن عليَّ من مالك وكاد كل من أخذ العلم عنه أن يخالفه بعض تلامذته في عدة مسائل وما عد ذلك من سوء أدب التلميذ مع شيخه ولا من الخروج عن مراجعة الحق الذي توزعته عقول الناس ونال كل منهم قسطاً منه. روى ابن جرير عن أبي مخنف عن الصقعب بن زهير عن الحسن قال أربع خصال كنَّ في معاوية لو لم يكن فيه منهنَّ إلا واحدة لكانت موبقة انتزاؤه على هذه الأمة بالسفهاء حتى ابتزها أمرها بغير مشورة منهم وفيهم بقايا الصحابة وذوو الفضيلة واستخلافه ابنه بعده سكيراً خميراً يلبس الحرير ويضرب بالطنابير وادعاؤه زياداً وقد قال رسول الله (ص) الولد للفراش وللعاهر الحجر وقتله حجراً ويلاً له من حجر وأصحاب حجر مرتين - روى ابن جرير هذا وما عدَّ من الشيعة. ورأى المنذر بن سعيد أرجوزة لابن عبد ربه يذكر فيها الخلفاء ويجعل معاوية رابعهم ولم يذكر علياً فيهم ثم وصل ذلك بذكر الخلفاء من بني مروان إلى عبد الرحمن بن محمد فلما رأى ذلك منذر غضب وسب ابن عبد ربه وكتب في حاشية الكتاب أو ما عليّ لا برحت ملعناً يا ابن الخنيثة عندكم بإمام رب الكساء وخير آل محمد داني الولاء مقدم الإسلام قال هذا منذر بن سعيد قاضي الجماعة بالأندلس وما عدَّ شيعياً. وكم في تاريخ السلف من أمثال هذه الأنباء التي تدلنا على مبلغ حرية القوم وأن الحق مشاع ليس وقفاً على فئة وأن التقيد برأي واحد أو عدة آراء ولاسيما في المسائل العلمية ليس من السداد في شيء بل هو سبب عظيم من أسباب انحطاط العلم في الشرق. الفينيقيون منقولة عن الإفرنجية صور وقرطاجنة وصفها - فينيقية من بقاع الأرض الضيقة طولها خمسون فرسخاً وعرضها من ثمانية فراسخ إلى عشرة وهي بين بحر سورية وأعلى سلسلة في جبل لبنان. بل هي على التحقيق عبارة عن سلاسل أودية ضيقة ومجارٍ حرجة متخللة بين هضاب وعرة ممتدة إلى البحر ومسايل من الثلوج. تعبث بها العواصف إلى آخر الربيع أما في الصيف فينضب ماؤها إلا ما خزن منه في الآبار والصهاريج. ولقد كسيت جبال هذه الناحية بالأشجار فكان في القمم أرز لبنان المشهور وفي المنحدرات الصنوبر والسرو وفي السفوح أشجار النخيل بالغة شاطئ البحر وفي الأودية ينمو الزيتون والكرم والتين والرمان. مدنها - تتألف عن بعد على طول الشاطئ الصخري رؤوس من البحر أو جزر منه تكون منها مرافئ طبيعية ففي هذه المواني أقام الفينيقيون مدنهم. فقامت صور وارواد في جزيرة يزدحم فيها السكان في المنازل وكانت ذات طبقات ست وسبع وثمان ويجلبون الماء لشفاههم في القوارب. أما مدينة جبيل وبيروت وصيدا فكانت في اليبس. ولم تكن أرض هذه البلاد لتقوم بأود هذا العدد الدثر من الناس ولذلك ما الفينيقيون إلى الملاحة والتجارة. الخرائب الفينيقية - لم يحفظ عن الفينيقيين كتاب فقد ضاعت حتى كتبهم المقدسة. ولقد جرى الحفر في مواضع مدنهم ولكن الخرائب على ما قال العالم المندوب إلى ذلك لم تسلم إلا في البلاد المهملة المتروكة. على أن السوريين عنوا كثيراً بالخرائب فانتهكوا حرمة القبور وأخذوا حلي الموتى وهدموا العمارات ليستعينوا بأحجارها على البناء وحطموا النقوش وذلك لكراهة المسلم الصور المنحوتة بحيث لم يبق اليوم سوى شقيف من الرخام المحطم وأحواض ومعاصر نحتت في الصخر وبضعة نواويس من الحجر. أطلال قلما تجدي نفعاً وتأتي العلم بفوائد وليس ما عرف عن الفينيقيين إلا ما علمناه كتاب اليونان وأنبياء إسرائيل. حكومة الفينيقيين - لم تكن فينيقية مملكة قائمة برأسها بل كان لكل مدينة ناحية صغيرة تستقل بها ولها مجالس وملك تحكم نفسها بنفسها وتبعث بمندوبيها إلى أعظم مدينة فينيقية لفض المصالح المشتركة وكانت صور محط رحال المندوبين منذ القرن الثالث عشر. وإذ لم يكن الفينيقيون أمة حربية خضعوا لسطوة جماع الفاتحين من مصريين وآشوريين وبابليين وفرس وأدوا لهم الجزية عن يد وهم صاغرون. صور - كانت هذه المدينة منذ القرن الثالث عشر من أهم المدن الفينيقية ضاقت على أهلها فأقيمت إذ ذاك مدينة جديدة قبالتها. ولقد أسس تجار صور مستعمرات في البحر الأبيض كله يصيبون الفضة من مناجم إسبانيا وسلع العالم القديم أجمع. دعاهم أشعيا النبي الأمراء ووصف حزقيال النبي تلك القوافل التي كانت تأتيهم من كل صوب وأوب وطلب سليمان النبي إلى هيرام أحد ملوك صور عملة يشغلهم في بناء القصر والمعبد في بيت المقدس. قرطاجنة - كانت هذه المدينة مستعمرة صور ففاقت هذه بالعظمة وذلك أن الصوربين نبذتهم إحدى الثورات فأسسوا مدينة قرطاجنة على شاطئ إفريقية بالقرب من تونس بعثتهم على ذلك امرأة اسمها ايليسا ونحن ندعوها ديدون (الفارة) ويحكى أن سكان البلاد أبوا أن يبيعوها إلا مسافة تكفي لتغطية جلد ثور ففصلت جلد الثور سيوراً رقيقة بحيث اقتضت مكاناً واسعاً يستوعبها فبنت القلعة إذ ذاك. ولقد اتسعت قرطاجنة لموقعها في منتصف البحر الرومي ولأن فيها مرفأين فأقامت هي أيضاً مستعمرات وفتحت فتوحاً حتى آل أمرها إلى أن حكمت شاطئ إفريقية بأجمعه وإسبانيا وسردينيا وكان لها في كل مكان مكاتب لتجارتها ورعايا يؤدون لها الجزية. الجيش القرطاجني - اقتضى لقرطاجنة أن تدرب لها جيشاً لتصون مكاتبها التجارية من حيف الوطنيين وتربأ برعاياها عن الانتقاض. ومن ثم كانت حياة القرطاجني ثمينة لا يخاطر بها إلا عند الضرورة. آثرت قرطاجنة اكتراء الجند فجندت لها جنداً من البربر سكان بلادها ومن متشردي كل صقع وناحية فصارت صبغة جيشها مبرقشة ملونة يتكلم اللغات كلها ويدين بالأديان كافة. ولكل جندي بزته وأسلحته الخاصة به تخالف بزة رصيفه وأسلحته. فترى فيهم النوميديين يلبسون جلد الأسد يتخذونه وطاء كما يتخذونه غطاء يركبون خيلاً سريعة صغيرة بدون نظام ويطلقون القوس وخيولهم تعدو عدواً. كما كنت ترى فيهم الليبيين وجلودهم سوداء مسلحين بحراب. وطائفة من الايبيريين في إسبانيا لباسهم بياض مزين بحمرة وسلاحهم سيف طويل محدد. وغاليين عراة إلى الزنار يحملون تروساً كبيرة وسيفاً محدباً يمسكونه بكلتا يديهم. وجماعة من البالياربين مدربين من طفوليتهم على رمي الحجارة أو كرات الرصاص بالمقاليع. أما القواد فكانوا قرطاجنيين تخافهم الحكومة فترقبهم عن أمم وربما صلبتهم إذا غلبوا ولم يحرزوا نصراً مؤزراً. القرطاجنيون - كان في قرطاجنة ملكان والأمر والنهي لمجلس الشيوخ وهو مؤلف من أغنى تجار المدينة ولذلك كانت كل قضية ينهى بها إلى الحكومة مسألة تجارية. كره الناس القرطاجنيين لقسوتهم وطمعهم وغدرهم ولما كان لهم أسطول منظم وعندهم مال يستأجرون به جنداً وحكومة باطشة تهيأ لهم توطيد دعائم ملكهم في غرب البحر المتوسط مدة ثلاثة قرون (من القرن السادس إلى الثالث) بين ظهراني شعوب بربرية منشقة على نفسها مختلفة كلمتها. الديانة الفينيقية - للفينيقيين والقرطاجنيين دين يشبه الديانة الكلدانية فالرب الذكر ويسمى عندهم بعل هو الشمس والربة الأنثى وتدعى بعلت هي القمر. والشمس والقمر في نظر الفينيقيين قوى هائلة تحيي وتميت. ولكل من المدائن الفينيقية ربان. فلصيدا بعل صيدون (الشمس) وعشتروت (القمر) ولقرطاجنة بعل عمون وتانيت ولجبيل بعل تموز وباليت. ويختلف اسم الأرباب في الاعتبارات إيجاداً وعدماً وهكذا يعبد بعل مثلاً في قرطاجنة باسم مولوش ويعتبر عدماً. وقد تنوب عن هذه الأرباب أصنام ولها معابد ومذابح وكهنة يعظمون من شأنهم ويقيمون لهم المآدب والأعياد الحافلة باعتبار كونهم موجدين ويقدمون لهم ضحايا بشرية باعتبار كونهم مخربين وتعبد عشتروت ربة الصيد العظيمة في الغابات المقدسة ويصورونها على شكل هلال القمر والحمامة ويرسم بعل مولوش في قرطاجنة تمثالاً عظيماً من القلز باسطاً ذراعيه ومدليهما وإذا أرادوا تسكين غضبه يرفعون على يديه أطفالاً تسقط للحال في هاوية من نار. وقد \ قدم أعيان مدينة قرطاجنة مائتي طفل من أولادهم ضحايا للربة مولوش في خلال حصار أغاتوكل لقرطاجنة. هذا وإن تلك الديانة على ما نشأت عليه من الشهوات وسفك الدماء لترهب الشعوب الأخرى ولكنهم يحاكونها ويأتمون بها فكان يذبح اليهود لبعل على الجبال ويعبد اليونان استارتيه وصيدون باسم افروديت وبعل ملخارت من صور تحت اسم هيراكليس. التجارة الفينيقية أشغال الفينيقيين - عاش الفينيقيون بالتجارة لازدحام أقدامهم في بقعة ضيقة من الأرض. ولم يكن لسائر شعوب الشرق من مصريين وكلدانيين وآشوريين ولا قبائل الغرب البربرية (الأسبان والغاليين والطليان) عهد بركوب البحار وشق العباب والفينيقيون وحدهم جرأوا في تلك الأيام على تجشم البحر فصح أن يدعوا من أجل هذا عملاء تجارة العالم القديم وقادة البيع والشراء يبتاعون من كل شعب سلعه ويتقايضون معه على غلات البلاد الأخرى تجارة كانت مستحكمة الصلات مع الشرق براً والغرب بحراً. القوافل - اعتاد الفينيقيون أن يرسلوا في البر قوافل تتجه وجهات ثلاث إحداها إلى بلاد العرب لتأتي منها بالذهب والعقيق اليماني والبخور والصبر وعطور بلاد العرب واللؤلؤ والأباريز والعاج والأبنوس وريش النعام وقرود الهند. والقافلة الثانية ترحل إلى بلاد أشور لتعود منها بأنسجة القطن والكتان والحمر والأحجار الكريمة والماء المعطر وحرير الصين. وتقصد القافلة الثالثة أنحاء البحر الأسود لتستجلب منها الخيل والرقيق والأواني النحاسية من مصنوعات سكان جبال قافقاسيا القوقاز. بحريتهم - بنى الفينيقيون بخشب أرز لبنان المتينيقوارب بأشرعة ومجاذيف حملوا عليها متاجرهم البحرية وما مست حاجتهم أن يكونوا أبداً على مقربة من الشواطئ في ركوبهم البحر إذ كانوا يتجهون حيثما أرادوا بجعل نجمة القطب قيد نواظرهم وكانوا يستدلون بها على الشمال. ولقد فطر الفينيقيون على الاستخفاف بركوب اليم فألفوا بأنفسهم في مراكب صغيرة تغدو بهم وتروح في أطراف البحر الرومي بل جرأوا على اجتياز مضيق جبل طارق أو كما دعاه القدماء أعمدة هيركول فيجتازون البحر المحيط إلى شواطئ إنكلترا وربما بلغوا بلاد النروج. سافرت عصابة منهم في خدمة أحد ملوك مصر في القرن السابع وجازت البحر الرومي لتطوف حوالي إفريقية ثم رجعت على ما قيل بعد ثلاث سنين من البحر الأحمر وغادرت قرطاجنة حملة ضربت نحو شاطئ إفريقية إلى خليج غينة. وقد كتب القائد حانون قصة في هذه الرحلة. البضائع - كان الفينيقيون يبتاعون محاصيل صناعات الشعوب المتمدنة ويبحثون في البلاد المتوحشة عما يقل الظفر به في المشرق من المحاصيل. يصطادون الصدف من شاطئ بلاد اليونان ومنه يستخرجون صباغاً أحمر وهو الأرجوان. وكانت الأنسجة الأرجوانية تستعمل عند الأقدمين كافة ملابس للملوك والأمراء ويجلبون الفضة التي يستخرجها أهل إسبانيا وسردينا من مناجمهم وكان القصدير من ضرورياتهم يستعملونه في صنع النحاس الأصفر وهو مركب من نحاس وقصدير لا أثر له في بلاد الشرق ولذا كان الفينيقيون يرحلون في طلبه وينشدونه حتى في شواطئ إنكلترا في جزائر القصدير المعروفة بجزائر كاسيتريد. وحيثما حلوا يتخذون الرقيق يبتاعونه تارة كما كان يبتاع النحاس العبيد في ساحل إفريقية. إذ الشعوب القديمة كلها كانت تتجر بالرقيق. وينزلون طوراً في إحدى السواحل فجأة فيختطفون النساء والأطفال وينقلبون بهم إلى بلادهم أو يبيعونهم في القاصية. وإذا واتتهم الحال ينقلبون قرصاناً ولا يتحامون إطالة يد التعدي على الأغيار. سر اختص به الفينيقيون - لم يقلق الفينيقيون إلا من قيام بحارة الأمم الأخرى إلى منازعتهم السلطة على البحار ومجاراتهم في الملاحة والاتجار فمن ثم كانوا يكتمون الطريق التي يسلكونها إبان عودتهم من الأقطار النائية ولذا لم يعرف أحد في القديم جهة جزائر الكاسيتريد المشهورة التي جلبوا منها القصدير. وقد رأت إحدى المراكب بلاد إسبانيا التي كانت لها صلات تجارية مع فينيقية منذ قرون عرضاً بدون تعمل. وكانت قرطاجنة تغرق من تصادفهم من التجار الأجانب في سردينيا أو في ناحية جبل طارق. حتى أن ربان إحدى المراكب أغرق سفينته ذات يوم عندما رأى سفينة غريبة تطارده مخافة أن تطلع على خطة سيره. مستعمراتها - أنشأ الفينيقيون مكاتب تجارية في البلاد التي اتجروا فيها وهي مراكز للبرد حصينة واقعة على شاطئ بحر على مرفأ طبيعي يخرجون إليها بضائعهم وهي في العادة أنسجة وفخار وحلي وأصنام فيأتي أهل تلك البلاد بغلاتهم فيقايضونهم عليها كما يقايض اليوم تجار الأوربيين زنوج إفريقية. تقام أمثال هذه الأسواق في قبرص ومصر وجميع بلاد البحر الرومي التي كانت على همجيتها مثل اقريطش (كريت) وبلاد اليونان وصقلية وإفريقية ومالطة وسردينيا وشواطئ إسبانيا (مالقة وقادس) وربما أقاموها في بلاد الغول (موناكو) وكان أهل البلاد يبنون أكواخهم حول بنايات الفينيقيين فيصبح السوق مدينة ويقتبس السكان أرباب الفينيقيين وقد دامت عبادة ربة على صورة الحمامة حتى بعد أن صارت المدينة يونانية كما في سيتير والرب ملخارت كما في كورنت ورب ذو جبهة ثور يفترس الضحايا البشرية كما في اقريطش. نفوذ الفينيقيين - لم يكن يخطر للفينيقيين شيء على بال لما أسسوا مكاتبهم التجارية إلا الاحتفاظ بمصلحتهم الخاصة ولكن حدث أن نفعت مستعمراتهم التمدن فإن برابرة الغرب أخذوا عن أمم الشرق وكانت أكثر منها تمدناً كيفية صنع الأنسجة والحلي والماعون وتعلموا محاكاتها. مضى حين من الدهر واليونان لم يعرفوا غير الأواني والحلي والأصنام التي يأتيهم بها الفينيقيون وعلى منوال هذه البضائع نسجوا بعد فإن الفينيقيين حملوا من مصر وأشور الصناعة والبضائع معاً. الأبجدية - حمل الفينيقيون أيضاً إلى البلاد التي نزلوها أبجديتهم وحروف الهجاء ولم يخترعوا الخط إذ كان المصريون يعرفون الكتابة قبلهم بقرون وقد استعملوا حروفاً تدل كل منها على صوت كما هو الحال في حروف الإفرنج. على أن خطهم كان مشوشاً بعلامات قديمة يدل بعضها على مقطع وآخر على كلمة برمتها. لا جرم أنه اقتضى للفينيقيين إذ ذاك طريقة أبسط لكتابة رسائلهم التجارية فاطرحوا العلامات كلها من مقاطع وصور ولم يبقوا سوى اثنين وعشرين حرفاً يدل كل منها على صوت أو على لفظ باللسان فاقتبست الشعوب الأخرى هذه الأبجدية المؤلفة من اثنين وعشرين حرفاً. فقد كتب اليهود من اليمين إلى الشمال كما كتب الفينيقيون وكتب غيرهم كاليونان من الشمال إلى اليمين وكلهم بدلوا شكل الحروف إلا قليلاً. والخط الفينيقي على التحقيق أصل الأبجديات كلها من يهودي وليسي ويوناني وايتاليكي وابتروسكي وايبيرسكي وربما كان الخط النروجي أيضاً فالفينيقيون هم الذين علموا العالم الكتابة. حسنات القرن الماضي وسيئاته لقد تناول الانقلاب الذي طرأ على الأخلاق العامة أسلوب الطعام أيضاً فإن سرعة المواصلات وسهولتها وميل الحواس الظاهرة وارتقاءها قد أبدل ضرورة الطعام بضرورة الحس الظاهر بمعنى أن الإنسان رجاء إرضاء شهواته الذوقية قد تعدى حدود القناعة بأن آثار الشهوات الصناعية بالتوابل الخاصة والمنبهات الداعية إلى النهم حباً بالإكثار من ضروب الأطعمة والملاذ فقد انتشر فن الطبخ وإجادة الألوان في الأقطار على اختلافها من حيث الحرارة والبرودة وما اختلفت كمياته وكيفياته. كل ذلك لتحقيق شهوات النفوس وأذواق السكان في أنواع الطعام دون النظر إلى ما يحول دون ذلك من عدم الملاءمات الشخصية والمكانية مع هذه الطريقة في التغذية المختلفة الألوان والأشكال. وما أصدق ما قاله أحدهم من أن ما نتناوله اليوم من الأطعمة ينقسم إلى ثلاث درجات أحدها لضرورة الغذاء وثانيها لضرورة الذوق وثالثها توقعاً للأمراض التي تصيبنا في المستقبل. وقال شيشرون الخطيب الروماني: لقد أحدث الشره من المصائب أكثر مما أحدث الحرب فإنه مصدر كثير من الأوصاب والأدواء. فأرباب الشره مستسلمون لعاداتهم في طعامهم وشرابهم بحكم الذوق لا بحكم الضرورة ولذلك تراهم عرضة لكثير من الأمراض ومنهم من يغتر بما يكرعه من المياه المعدنية في فرنسا والنمسا (في فيشي وكارلسباد) وسائر البلاد التي تنبجس فيها أمثال تلك المياه فترى في كل سنة يزور كلاً من تينك البلادين زهاء خمسين ألف زائر ويغرهم تسهيلها الهضم معهم حتى إذا رجعوا إلى أهلهم قريرة أعينهم بما شاهدوه من التحسين في صحتهم يعودون إلى سالف عاداتهم من النهم والبطنة والبطنة كما قيل تأفن الفطنة فيندمون على ما فرطوا في جنب معدهم ولكن بعد أن يسبق السيف العذل. وإن السواد الأعظم من العاملين الذين يتألف منهم جيش المجاهدين في الحياة ليقضون النهار في أماكن محصورة بعضهم في مصنع وآخر في غرفة عمله وفريق في مكتب وغيره في مخزن وكلهم يعملون بلا انقطاع بأيديهم أو بعقولهم فيصرفون جميعاً جزءاً عظيماً من قواهم الطبيعية والعقلية ولا يتناولون أطعمتهم في أوقاتها ولا يرتاحون بعد غذائهم راحة كافية لتعمل الأعضاء الهاضمة عملها ولا يألفون من أنواع المسليات غير أماكن القهوة ودور التمثيل فيستنشقون هواءً ملوثاً بأكسيد الكربون وحامض الكربون وغيره من الهواء المنبعث من تضايق مئات من الأنفاس المجتمعة في أماكن مغلقة يعوزها الترويح والهواء النقي المستنشق مما يؤدي بمن يختلفون إلى تلك المحال إلى اختلال أحوال الهضم والبنية والقوة وتكون أبدانهم مرتعاً خصيباً لجراثيم الأمراض وفي مقدمتها السل. وما جاء به هذا القرن من الأعمال العلمية والعقلية والطبيعية قد أثر في محيط الناس كل التأثير وخصوصاً في الغذاء والمجموع العصبي. وما أحلى ما قاله أرسطو من أن الإنسان يريد إمتاع حواسه ويبحث عن أسبابه إذ من الملذ للباصرة أن تنظر وللسامعة أن تسمع وللجلد أن يمس وللسان أن يذوق وللشامة أن تستنشق. وجملة الأمر أن نشوء المجتمع الإنساني في القرن التاسع عشر قد جرى بقوة الجهاد المتواصل الذي أودى بحياة مئات الألوف من الضحايا البشرية وقد نبه في المجاهدين وفي أخلافهم حب الارتقاء والتهذيب العقلي بحيث دخل الفكر الإنساني في دائرة من الحركة المعجلة تسير أبداً إلى غاية لا حد لها وأهلها أبداً في قلق حرصاً على كشف أسرار الطبيعة والانتفاع بقواها المكنونة والوقوف على القوانين القائمة بها. ولئن عني الإنسان بقمع جماح الطبيعة وفتح الترع وحفر القنوات وابتناء الطرق الحديدية في القفار والسهول الواسعة المتجمدة حباً بربط القارات بعضها ببعض فإنه لم يعمل كل هذا رغبة في توسيع ميدان جهاده وزيادة في مصادر الثروة العامة والخاصة بإيجاد مصارف لمصنوعاته بل هناك شيءٌ من سائق الفطرة دعاه أن ينقل بذور التمدن إلى البلاد الشاسعة في آسيا وإفريقية لأنها ظلت مباينة لأفكار الارتقاء والشعور الإنساني وهما من خير ما أنتجه القرن من صالح الأعمال ولكن هذا الجهاد العظيم الذي اضطرت الإنسانية أن تتحمله مدة قرن كامل قد أحدث أمراضاً مختلفة كما أنه زاد الشقاء الاجتماعي واشتدت حرب الحياة بما لم يعهد له نظير. نعم وقف ولاة الأمر على فساد النظام الاجتماعي الحاضر وأيقنوا بالحاجة الماسة إلى مداواته بيد أنهم تضاءلوا عن الإقدام عليه بداعي قلة ما لديهم من الأسباب في تخفيف نتائج حركة الارتقاء وضعف الأساس الذي يقوم عليه بناء المجتمع الحديث. على أن الفطرة هدتهم إلى الأخذ من معارف حملة العلم في فروع المعارف الاجتماعية المختلفة والاهتداء بهديهم وخصوصاً فيما من شأنه أن يكون فيه النظافة العامة وإصلاح حال الطبقة النازلة من العملة وكانت البلجيك أول الدولات التي دعت الدول إلى مؤتمر صحي دولي سنة ١٨٥١ و ١٨٥٢ ثم حذت فرنسا حذوها ومذ ذاك أصبحت المؤتمرات الصحية الدولية تجتمع كل سنتين في عواصم أوربا. وتنقسم هذه المؤتمرات بحسب معارف من تتألف منهم فيعنى بعضها بالمباحث المتعلقة بالأمم وبإحصاء حركة الشعوب العامة في كل قطر وبأسباب موت الأولاد في سن الطفولية وبحفر القنوات في المدن وإروائها بماء طاهر عذب. ويعنى البعض الآخر بالأمراض السارية وطرق الوقاية منها. ويدرس بعضها الإنسان من حيث صنعته أو حفظ صحته في صناعته من تغيير هواء المعامل والمصانع حيث يقيم العامل ويمس بيده مواد مضرة أو تركيبات كيماوية تفعل فعل السموم أو مواد نباتية أو معدنية تخرج منها غبرة تسبب أمراضاً رئوية. ويعنى بعضهم ببناء بيوت للعملة ومساكن رخيصة. ويبسط بعضهم جناح حمايته على الأطفال في المد الكبرى ويقوم على حفظ الصحة في المدارس. ويهتم بعضهم بوقاية الناس من السل والأمراض الزهرية. ويبحث بعضهم في الطرق التي تحول دون انتشار تعاطي الكحول. وبالجملة فكلهم يد واحدة يسيرون نحو غاية واحدة ألا وهي درس كثير من المشكلات الصحية وتدبير الصحة العامة ليوفروا لكل مملكة سكانها ويكثروا سوادها ولينقبوا عن أسباب من شأنها أن تؤدي بالجنس البشري إلى الكمال بإصلاح ملكات الطبقة النازلة وتحسين غذائهم وتطهير الأرض والهواء والماء استبقاءً لصحة سكان المدن العظمى وتقوية للمقاومات الحيوية في الأفراد ومقاومة لغارة جراثيم الأمراض السارية. وبالنظر لارتفاع كلمة الاشتراكية في أوربا اضطرت حكوماتها والطبقة العالية من علماء الاقتصاد فيها إلى القيام بأعمال تضمن سلامة العملة ومستقبلهم وبعنايتهم تألفت عدة جمعيات تتوخى بذل الإحسان للبائس والفقير وجمعيات متعاضدة على حب الخير. ووافقت دور الندوة والأندية السياسية في ممالك كثيرة على قوانين تقي الشيوخ والزمنى مصارع السوء وموارد الهلكة وتقوم بأودهم في أوقات مرضهم ومصائبهم. ومتى عرف الناس كافة قيمة الهواء النقي والماء الجيد السائغ وما يفعلانه في الصحة والخطر الذي تتعرض له الحياة البشرية من فساد الأرض بالمواد الأولية العفنة متى عرف الناس هذا يقدرون الانطباع على الاعتدال حق قدره في إطالة الأعمار. ولا مندوحة للبشر إذا توفروا على أسباب النظافة والاعتدال أن يعنوا بتطهير الأخلاق العامة والخاصة من الشوائب وترقية الشعور الأدبي في الأفراد ومن مجموع هذه الصفات تتحقق نيات زعماء التمدن الحديث والداعين إلى البلوغ به أوج الكمال. وإذا لقيت رائد الطرف على ما تم في الأعوام الأخيرة أدركت أن ما انبعث في النفوس من المضاء يقوي الملك في أن يتمم القرن العشرون ما فات شقيقه الأكبر. وإن ما ساعد الإنسان على بلوغ درجة من الترقي فاق بها أسلافه في القرون الماضية هو التعاضد والتكافؤ فهو العمل الذي كلل هامة التمدن في هذا القرن. ورمز هذا النظام: أن من الاتحاد قوة وغاية هذا التكافؤ تقوية صلات الأسرات بالمعارف الاجتماعية ومساعدة المرء العاجز عن العمل من مرض وحادث أو عطلة أو شيخوخة أو هرم فتألفت جمعيات حديثة غايتها أن تعطي رواتب ضماناً للحياة أو في حال الوفاة وقامت بعضها بأعمال خيرية وتهذيبية صناعية وبذل بعضها مجهود لنشر المعارف العلمية في مدارس عملية وتأسيس خزائن كتب وحدائق العملة وبعضها أخذت على نفسها القيام بالأعمال الصحية وتطهير المساكن وتحسين الشروط الحيوية في العملة وتعاهد بعضهم على مقاومة السل وذلك أولاً بالبحث عن أسباب الشقاء الاجتماعي ثم بإحداث ملاجئ ومصاح. وتألفت بعض جمعيات للقيام بحماية الأمومة والطفولة. ناهيك بأن مبدأ التكافل الاجتماعي قد أشربت النفوس حبه في البلاد الإفرنجية حتى أن فرنسا بعد أن كان فيها عام ١٨٩١ ، ٩١٤٤ جمعية وأعضاؤها ١ . ٤٧٢ . ٢٨٥ ورأس مالها ١٨٣ . ٥٨٧ . ٤٥٠ فرنكاً قد صارت سنة ١٩٠٤ ١٨٥٠٠ جمعية وأعضاؤها ٣ . ٧٠٠ . ٠٠٠ ورأس مالها ٣٨٠ مليوناً ودخلها ٥٤ مليوناً. وكفى بأنه تألف في شهر أبريل فقط سنة ١٩٠٤ في فرنسا ١١٧ جمعية جديدة. هذا ولا ريب أنه ستعظم صلات التكافؤ بين صالح الأفراد ومصالح الأسرة البشرية العظمى بكثرة تلك الجمعيات الراقية وتأصل ملكة التكافل الإنساني فتزيد تلك الصلات في كل يوم عن امسه توطيداً. وكيفما دارت الحال فإن هذا يعد من الارتقاء العظيم في السلم الاجتماعي على حين كان معدوداً من قبل من الخيالات الباطلة ولابد أن يأتي يوم يعد فيه من الضرورات للسلامة العامة. فإن افتخر القرن التاسع عشر بأن بسط المشاكل الاجتماعية ومثلها على بساط الوجود فمن الفروض المحتمة على القرن العشرين أن يأتي على حلها إلى عالم الشهود. تعليم العميان اهتم العالم المتمدن في الأيام الأخيرة بتعليم العميان إذ رأى علماء الاجتماع أنهم يصلحون لأعمال كثيرة لا يصلح لها أغلب المبصرين وذلك مثل التوقيع على آلات الموسيقى والغناء وغيرهما من الفنون الجميلة. وليس تعليم العميان في الغرب بعيد العهد كثيراً بل يرد عهده إلى النصف الأخير من القرن الثامن عشر. فقد أسست سنة ١٧٨٤ في باريس أول مدرسة للعميان وكانت قراءة التلامذة في هذه المدرسة باستعمال الحروف البارزة. وفي سنة ١٧٨٦ عرض فالانتين هاي الذي اشتهر بحب الإنسانية في خدمة بني جنسه تلامذته على الملك لويس السادس عشر وحاشيته في بلاط فرسايل. وفي تلك السنة نفسها نشر مقالة في تعليم العميان شرح فيها طريقته. ولكن هاي لم يكن غنياً وحدث أن نضب نبع عطاء الكرام فعجز هاي عن إتمام عمله فقررت الحكومة الفرنسية أن تأخذ المدرسة تحت حمايتها لتنفق عليها من ماليتها وكان ذلك في سنة ١٧٩١ . وقد أخذت بلاد الإنكليز من فرنسا تلك الطريقة الشريفة فأسست في إنكلترا مدرسة العميان بليفربول وملجأ العميان في ادنبرج ومدرسة العميان في لندن وغير هذه في بلفاست ودوبلين ويورك. وفي سنة ١٨٦٨ أسس الدكتور ارمتياج جمعية معاونة العميان وكان غرض هذه الجمعية ترقية تعليمهم فأسست المدرسة الملوكية لتعليم الموسيقى وكان الغرض من تأسيس هذه المدرسة ترقية تعليم فن الموسيقى لأنه كان الفن الوحيد الذي برع فيه العميان لسهولة تعليمهم إياه وقد نجح في هذه المدرسة ٨٩ في المائة وكلهم اليوم في مكنة من الكسب والتعيش بصنعتهم. وقد رأى القائمون أمر هذه المدرسة أن أهم شيءٍ في تعليم العميان هو تقوية أجسامهم وتربيتهم تربية بدنية عقلية وذهب بعضهم إلى أن العمى ليس هو السبب الوحيد في خيبة المصابين به بل السبب في خيبتهم إنما هو خمولهم وضعف الإرادة والعزم فيهم فأدخل في هذه المدرسة كثيراً من الألعاب الرياضية كالمشي والعدو والطعن والسباق وركوب الدراجة والتجديف والانزلاج على الثلج. وكان التهذيب العقلي يشمل تقوية الفكر وتنمية قوة الملاحظة والذاكرة وتنبيه الميل إلى الدرس والمطالعة والتمرين على النطق بالتأني مع قلة الكلام. وفرض على كل طفل أعمى أن يتعلم فن الكتابة على آلة الكتابة المسماة تيبرايتر ويختص البنات بتعلم الخياطة والحياكة وصنع الحلل. وأول من اخترع حروفاً لقراءة العميان إسباني اسمه فرنسيسكو لوكاس اخترع طريقة حفر الحروف على ألواح الخشب وقدم هذه الطريقة إلى الملك فيليب الثاني ملك إسبانيا ثم اخترعت طريقة للقراءة غريبة وهي استعمال الدبابيس والوسائد بدل الحروف والطروس. واخترع ألماني طريقة القراءة بتجويف الورق الغليظ. وعلم بهذه الطريقة الآنسة بارديس التي نبغت في فن الموسيقى نبوغاً عظيماً. وتدل الإحصائيات العلمية على أن عدد العميان قد أخذ ينقص شيئاً فشيئاً فقد كان في إنكلترا وويلس في سنة ١٨٥١ أعمى واحد من كل ٩٧٩ وفي ١٨٦١ كان فيهما أعمى في كل ١١٣٨ وفي ١٨٩١ كان فيهما أعمى واحد في ١٢٣٥ وينسب هذا النقص إلى ترقي فن الجراحة البصرية واهتمام الأطباء بدرس أمراض العين واعتناء الأهلين بعيون أبنائهم عند ولادتهم. وفي إنكلترا وويلس ٢٥ مدرسة للعمي و ٣٣ معملاً لتعليم الحرف و ٤٦ جمعية تختص بفحص أحوال العمي وتدبير أمورهم. والصنائع الشائعة التي تعلم في هذه المدارس هي عمل السلال والفرش والحصر والأكياس والحبال والمكابس والبسط والسلك والكراسي للذكور والخياطة والغزل والنسيج للإناث وقد أفاض الأغنياء على هذه المدارس وهاتيك الجمعيات والمعامل ضروب العطاء وجاد كثير منهم بأرزاق واسعة بعد موتهم وقفوها على تعليم العميان وإصلاح حالهم. وبعد فلا يسعني بعد أن أتيت على ما أتيت عليه من أخبار العمي وتعليمهم إلا أن أحيي الغرب وبنيه الذين أحسنوا الانتفاع بكل شيء وعلموا حتى العميان وأؤنب الشرق وأهله الذين أساؤوا استعمال كل شيءٍ وأهملوا حتى تعليم المبصرين. فلله در أرض يبصر فيها المكفوفون ولا در أرض يعمى فيها الناظرون وسقيا لجدث شاعرنا الذي قال: أن يأخذ الله من عينيَّ نورهما ففي فؤادي وقلبي منهما نور القاهرة محمد لطفي جمعة جيوش المستقبل جاء في العدد الأخير من مجلة البابيروس التي ينشئها صديقي ميخائيل مونان الكاتب الأمريكي البليغ مقالة من قلمه تحت عنوان صورتان يقابل فيها بين كلام لكاريل في الحرب وكلام لكارل مركس فاستحسنت نقلها إلى المقتبس لإرجاء نشر محاسن مجلة صديقي الصغيرة النفيسة التي لا تنفعها الشهرة العربية بل حرصاً على بث رأي الفيلسوف الألماني الجميل وحباً بالسلم العام الذي لا يستتب كل الاستتباب إلا إذا تأصلت جرثومة بغض الحرب في قلب كل إنسان. لكاريل فصل مشهور يصف فيه جيشين متعاديين واقفين في ساحة القتال ينتظران أوامر قوادهما على حين ليس من عداوة بين رجال الجيشين ولا ثأر ولا تراث ولا يحملهم على القتال شيء من الضغائن الشخصية ولا دعاهم إلى ساحة الحرب داع من دواعي الأمة والوطنية التي يحسبها بعضهم شريفة جليلة فهم هناك امتثالاً لإرادة حكامهم المطلقة وطوعاً لأوامرهم العالية. هم ثمت لا لأسباب لها مساس بشؤونهم العالمية ولا لدواع تستلزمها مصالحهم الخصوصية ولا لأغراض ينفعهم تعزيزها وتنفيذها ولا لمبادئ يهمهم نشرها ومعرفتها وتراهم مع هذا هجروا نساءهم وأولادهم وبيوتهم وآباءهم وأمهاتهم وكل ما يرغبهم في الحياة ليريقوا دماءهم الطاهرة ودماء غيرهم من الأبرياء من أجل أهواء حكامهم الخبيثة أو مطامعهم الباطلة. وفي كلا الجيشين كهنة يحرضون الرجال على القتال ويزينون لهم الجهاد في سبيل الأمة والوطن. يزينون لهم سفك الدماء الذي يؤهلهم إلى الخلاص بالمسيح كما يزعمون. ويبرهنون لهم أحسن برهان بأن عملهم هذا مطابق للإرادة الإلهية التي يمثلها في حكامه المختارين المباركين ولما كان الكهنة يعزون مثل هذا الجهاد إلى إرادة إلهية شأنهم في كل حرب منذ بدأت القبائل والشعوب تغزو بعضها بعضاً للقتل والسلب والنهب فينتج عن ذلك أن الله عز وجل هو المسؤول وحده عن الحرب وأهواله. وهكذا يهجم المتحاربون بعضهم على بعض هجوم الوحوش الضارية وقد فعلت هذه المنبهات الدينية في الرؤوس فيذبحون إخوانهم ويفادون بأنفسهم للذبح راضين قانعين لأن حكامهم أمروا بذلك وكهنتهم آذنوا به بل حرضوا عليه. على أنهم يسيرون إلى ساحة الحرب بادئ بدءٍ بفتور همة وتردد حتى إذا تقابل الجيشان تتغير الوجوه وتلعب في القلوب روح الهمجية ونهمة القتال. فينقلبون سريعاً وأي انقلاب. ولم يكونوا من قبل ليفكروا في غير بيوتهم وعيالهم المهجورة وفي النول والمحراث والمعمل وأدوات الصنائع المتروكة. وأما الآن فلا يهزهم سوى نهمة وحشية واحدة فتراهم قد فقدوا كل عاطفة بشرية تراهم يفرحون ويتهللون بسفك الدماء فيصرخون وقد ملأت رائحة الدم خياشيمهم اقتلوا اقتلوا اقتلوا. هذه هي الصورة الهائلة التي صورها كارليل. وهناك صورة أخرى تمثل الجيشين المتعاديين صورها كارل مركس بقلمه. وليست الصورة هذه مشهورة كالأولى ولكن ستصبح عزيزة فريدة في المستقبل فتفوق صورة كارليل شهرة وتستمطر على موحيها ومؤلفها رضوان الله وثناء العباد. وليست هي في الحقيقة صورة بل هي نبوة قد يشاهد أحفادنا تحقيقها عياناً. وصف كارل مركس اجتماع الجيشين يقتتلان كما وصفهما كارليل فهما أيضاً مؤلفان من عامة الناس الذين يقدمهم الحكام طعمة للحرب قال: ها قد دعوا الآن إلى ساحة القتال ولا مصلحة تبعثهم عليه ولا غرض ولا ثأر ولا مبدأ ولا داع البتة ولا سبب يتعلق بشؤونهم الخصوصية ولا واجباً حقيقياً نحو الأمة والوطن يوجب عليهم سفك الدماء الزكية ومع هذا كله ترى الكهنة بينهم يحرضون على عادتهم عملاً بتقاليد تجارتهم وبعد أن يبثوا في الجيشين روح الدين - بعد أن يشحذوا في قلوب الرجال نهمة القتال يتقهقرون ساكنين ويتخذون لهم مراكز آمنة في مؤخرة العسكر. وكأنك بالجيشين قد تقابلا وصدرت أوامر القواد ولكن بدل أن يهجم الرجال بعضهم على بعض هذه المرة هجوم الأعداء تراهم قد رموا بسلاحهم إلى الأرض وتصافحوا مصافحة الإخوان. وعندئذ يختفي إلى الأبد شبح الحرب الهائل. ويهجر الكهنة والعقبان ساحة القتال آسفين. ويتنازل الحكام عن عروشهم ويتعزز الإخاء الحقيقي ويبتدئ عصر الإنسانية. ومن لا يفضل صورة كارل مركس هذه على صورة كارليل: من لا يعمل استطاعته ليقرب اليوم الذي فيه تتحقق هذه النبوة؟ ومن لا يبذل ما في وسعه في سبيل هذه الأمنية الجميلة؟ فسقيا لليوم الذي فيه يبتدئ عصر الإنسانية والمحبة البشرية. النهضة الأميركية معربة عن الفرنسية انتشر مذهب مونرو وقوي في نفوس الأميركيين الأدلال بأميركيتهم فتوسعت أحوال الولايات المتحدة وزادت بسطة في الجاه والثروة. وحذا خلفاء مونرو حذوه في التمسك بمبدأ الإكثار من الضرائب على الواردات مع ميل بعضهم إلى حب التوسع وتوفير الصلات مع البلاد الأجنبية وخفف جاكسون أحد رؤسائهم مكوس الجمارك فنقص الدين العام وكان بلغ ١٢٧ مليون دولار بتخفيف الضرائب ووفي كله. ثم جاء بعد هذا من الرؤساء من حافظوا حق المحافظة على مبدأ مونرو ورفعوا سدود الجمارك من وجوه السلع الأجنبية وأنذروا العالم أن مبدئهم السياسي القويم في المستقبل الضرب على يد كل دولة أوربية تطمح إلى أن تنشئ لها مستعمرة أو تستحل لها أرضاً في أميركا الشمالية وأن الولايات المتحدة هي الحاكمة المتحكمة التي لا تسأل عما تفعل في تلك الأصقاع وسعوا السعي الحثيث حتى ضموا إلى بلادهم يوكاتان وأريغون وجزيرة سان دومينيك. وصرح كرانت أحد رؤساء الجمهورية أن الوقت ربما لا يطول وأن مجرى الحوادث الطبيعية والصلات السياسية الأوربية مع أميركا قد انقضت أيامها وأن الولايات المتحدة تعمل يداً واحدة مع الممالك الإسبانية الأميركية على إحراز خصل السبق والذهاب بفضل العمل على الأوربيين للاستمتاع بمبدأ سنه مونرو وأدامس وكلاري. وبعد خمس وعشرين سنة قام الرئيس كليفلند وصرح لإنكلترا بأن لجنة أميركية عهد إليها النظر في مسألة فنزويلا فإذا عبثت بريطانيا بما تقرره تلك اللجنة يكون في ذلك الحرب ويعني بذلك أن الولايات المتحدة اشتد ساعدها بحيث صارت في غنية عن الاستمداد من غيرها وأنها حامية أميركا الشمالية والجنوبية معاً وكان لهذا النبأ في العالم القديم (أوربا) دوي كدوي الرعد تحت سماءٍ من الرصاص وظهر مبدأ مونرو هذه المرة سيفاً لامعاً في ظلمات الماضي وبه نهضت نهضة الشمير البصير. وبعد فإن المراد من النهضة الأميركية مذهب الأمريكان الداعي إلى التفاف أميركا برمتها حول الولايات المتحدة سياسياً واقتصادياً وذلك حرصاً على مصلحة عالية أخذ مصدرها الأساسي عن مبدأ مونرو. ذاك المبدأ الذي سنه هذا الرئيس وجرى عليه العمل في أزمان رؤساء كثيرين وفيه بقاء الولايات المتحدة وضمان توسعها وتبسطها في مناحي السلطة والثروة والبقاء وليس غير هذا المبدأ دافعاً عن مصلحة البلاد غارة الأوربيين لاسيما وهم يأتونها زرافات ووحداناً. ولم يكن الرؤساء بولك وكرانت وكليفلند وأولنيه إلا مؤيدين لمونرو وعاملين على نشر مبدأه الاقتصادي. وقد أبان أحد علماء تلك البلاد بأن مبدأ مونرو لم يعمل به هو ولا أشياعه من بعده وأن أميركا لم تنهض حق نهضتها وذكر إثباتاً لرأيه أمثلة طفيفة من تداخل الأوربيين في شؤون أميركا بالفعل دون أن تقيم الولايات المتحدة الحجة على ذلك. فحصار إنكلترا سنة ١٨٤٢ لسان جان دي نيكاراغا ولمرافئ السان سلفادور سنة ١٨٥١ وقبض السفن البرازيلية سنة ١٨٦٢ انتقاماً من التعدي الذي وقع على البرنس أوف فالس كلها من الأمثلة في هذا الباب. قال هذا الناقد أن مبدأ مونرو لم يسن لمعاضدة حقوق الممالك الأميركية ومصالحها بل للاحتفاظ بحقوق الولايات المتحدة ومصالحها فقط. ثم أن مبدأ التكافل الأميركي من أدنى إقليم الألاسكا في الشمال من أميركا إلى أقصى أرض النار من أميركا الجنوبية هو من الأوهام التي يصعب تحقيقها وقد حملت زمناً بهذا التكافل جمهوريات الجنوب الصغرى إلى أن ظهرت الولايات المتحدة في مؤتمر باناما سنة ١٨٢٦ بمظهر الأثرة وحب الذات. فإن كان مبدأ مونرو هو الصلة الأساسية التي تضم شتات الأمريكيين بعضهم إلى بعض فإن أوربا لا تعد من الأمريكان غير أهل الشمال أي سكان الولايات المتحدة. وما عداهم من سكان الجنوب فحجة يتوكأون عليها وذريعة يتشبثون بأهداب الدفاع عنهم في الأحايين وما معنى النهضة الأميركية إلا انضواء الأمم الأميركية الضعيفة تحت علم الأمة القديمة ملتفة حول لواء المسكنة ملتحفة ثوب الصغار والذل. ومازال الحق بجانب القوة أي أن الأمريكيين يهددون بسيف قوتهم كل أمة أوربية تريد أن تستبيح حماهم فيدافعون بذلك عن حقيقتهم ومصلحتهم. فقد قيل أن الأمريكي تحيط به تمائم ثلاث التوراة والدستور ومذهب مونرو هذه هي عدته الاجتماعية وسلاحه الذي يستعمله في جهاد هذه الدار. ولئن أسيء استعمالها فليس من داع لملام الأمريكان إذ يقضي على كل أمة أن تقضي أربها وتنال حظها ويحق لكل أمة هددت مصالحها بمصالح أمة متغلبة أن تقاوم جهد قوتها وتدافع عن بيضتها وأن تغير غارة شعواء على من يتربص بها الدوائر فلا تتسامح مع الأنانية الوطنية إلا بقدر ما لا يضر هذا التسامح بالرغبات الخاصة المحترمة عند الشعوب الأخرى. نعم كل يجر النار إلى قرصه وكل امرئ في شأنه ساع ولكن يقتضي على القوي القادر أن لا يروح مدفوعاً بعوامل حب منفعته قائلاً للضعاف أو المستضعفين جهاراً أو رئاءً: إني أعمل لمصلحتي لا لمصلحتكم ولكنكم اعملوا لي كما لو كنت أنا اعمل لكم. بيد أن هذه الجمهورية الكبرى في أميركا الشمالية لم تسلك مسلكاً آخر أمام جمهوريات الجنوب الصغرى فإن الأولى عالمة علم يقين بأن ليس بينها وبين جاراتها من تكافل المصالح إلا ما يفيد الولايات المتحدة في مادياتها أي أن طريقة حماية التجارة تؤدي إلى الإفلاس والشقاء في البرازيل والأرجنتين فإن هاتين المملكتين خصيبتان ولكنهما ضعيفتان من حيث الارتقاء الصناعي ولذلك اضطرتا بحكم الحاجة إلى أن تفتحا أسواقهما للواردات الشمالية بدلاً من أن تغلقاها. وهاتان المملكتان مضطرتان إلى تحسين صلاتهما مع الكافة لأن معنى اعتزالهما تحت برقع النهضة الأميركية وابتعادهما عن الأوربيين حباً بأن تكونا من حروف الزوائد مع سكان الشمال أنهما كسلانتان جاهلتان محافظتان على القديم مضادتان للأهواء المعادية للتمدن راغبتان في الفناء الطبيعي الذي يلحق الأجناس ويدب فيها سوس الفساد الأدبي. هذا ولم تتمالك إحدى المجلات الأميركية الشهيرة من التصريح بأن الولايات المتحدة تلجأ إلى القوة إذا جرى في الجنوب ما يخالف هواها. ولذا لم يستغرب أحجام إنكلترا سنة ١٨٩٥ في مسألة فنزويلا وكيف طرد الإسبانيول من جزيرة كوبا سنة ١٨٩٨ وكيف فتحت بورتوريكو وكيف كادت تباع جزائر الأرخبيل الدنمركية وكيف يطوف الأسطول الأميركي أبداً محافظاً أو قاهراً البحر المتوسط الأميركي حيث تمتد أصقاع سان دومينيك أو فنزويلا أو باناما وكيف يتبجحون عند أقل فرصة ولو في حدوث مسألة خاصة إن مبدأ مونرو يأمرهم بأن يحموا جمهوريات برازيل أو الأرجنتين أو بيرو أو شيلي أي أن يقوموا بشؤون تلك البلاد قيام الوصي والمعلم. وإذ كانت النهضة الأميركية الاقتصادية مرتبطة بالنهضة السياسية ولا تتحقق النهضة الاقتصادية لما هناك من اختلاف المصالح التجارية بين سكان الشمال والجنوب وبعبارة ثانية بين أميركا البروتستانتية السكسونية وأميركا اللاتينية الإسبانيولية - رأت الجمهوريات الصغرى أن تحتفظ بحقوقها فقاومت ما تدعو إليه الولايات المتحدة من النهضة الاقتصادية خشية أن يلحق سلامتها نقصان. فعقدت مؤتمرات حضرها مندوبو الحكومات الأوربية ومن جملة ما عقد من المعاهدات معاهدة بين أميركا الشمالية والمكسيك سنة ١٨٨٣ تدخل بموجبها سلع الشمال إلى بلاد المكسيك حرة بلا جمرك كما أن الشمال يقبل حاصلات المكسيك الطبيعية كذلك. ومع هذا لم يظفر سكان الشمال بطلبتهم فقد باع سكان الولايات المتحدة سنة ١٨٩٤ لسكان الجنوب بضائع بمبلغ ١٣٥ مليون دولار وابتاعوا منهم غلات بمائتين وستة وأربعين مليوناً. قال الكاتب وكل ما قامت به أميركا الشمالية من الأعمال من حرب وضم أرض وفتح بلاد من أرض الجنوب إن هو إلا للتفادي من أن ينال مذهب مونرو بعض ضعف وما هذه الأعمال إلا دالة أصرح دلالة على ما تحوي ضلوعها من فكر الاعتداء والفتح المنطوي تحت اسم نهضة أميركا. لا يعدم الحق أنصاراً وإن من الاتحاد قوة. فقد قام بوليفار من رجال السياسة وأبطال الحرية الملقب بواشنطون أميركا الجنوبية فحرر كولومبيا وفنزويلا وبيرو وخط الاستواء وبوليفيا ثم أراد أن يجمع هذه الأمم الحرة كلها في ظل العلم الدستوري ويجعلها مملكة قائمة برأسها ففشل في دعوته ثم عاد فدعاهم باسم المحافظة على مبدأ مونرو فأجابت بعض البلاد الجنوبية دعوته. وتلكأت الولايات المتحدة كثيراً كأنها قالت بلسان الحال أن هذا المبدأ سن لحماية مصالح الشمال لا لمصالح الجنوب وأشارت إلى مندوبيها بأن لا يصغيا إلى ما يقرر إلا بأذن صماء فعرفت جمهوريات الجنوب الصغرى أن جمهورية الشمال الكبرى ليست أختهنَّ. ذلك لأن بوليفار لم يتصف كواشنطون بإرادة ثابتة منظمة بل كان من شدة الحمية بحيث يستهين بروحه ويريق دمه حباً بمصلحة العالم ويرى الأمم كلها أخوة والناس أحراراً سواءً ولذلك لم يحسن إدارة ما افتتحه من البلاد وغنمه من الطارف والتلاد. وظلت الولايات المتحدة سائرة تلتهم كل ما تصادفه في طريقها من المغانم والفرائس ومنها ضم جمهورية التكساس إليها وهي ضعفا مساحة فرنسا. ضمٌّ لم يخل من المخاطر إذ أن الولايات المتحدة تحظر الرقيق ولا تقول هذه الجمهورية بمنعه. وبعد جدال طويل الأذيال مع المكسيك بل بعد الأخذ بالتلابيب وإشهار المكسيك الحرب على أميركا ضمت التكساس إلى هذه وصارت الولايات المتحدة صاحبة القول الفصل في الشمال بالقوة ومن ذلك تداخلها في جزيرة سان دومينيك وقد انقسمت قسمين مستقلين وثارت بينهما ثائرات العداء ولكنها تلطفت في هذا التداخل. وكانت تود إلحاقهما ببلادها لو لم تكن خارجة منهوكة من حرب الرقيق. ولا يزال لسان الثورات يندلع في تلك الجزيرة وكثيراً ما هددت أميركا من أجلها ولعلها تلتهمها بعد لأنها واقعة بين جزيرتي كوبا وبورتوريكو اللتين بسط النسر الأمريكي مخالبه عليهما. ومرفأ هذه الجزيرة سان نيقولا هو بمثابة جبل طارق لأميركا. وفاوضت الولايات المتحدة حكومة الدانمارك عام ١٩٠٢ في أن تبيعها جزائرها في الأرخبيل الانتيل بمبلغ خمسة ملايين دولار وهي ثلاث جزائر مساحتها السطحية ٣١٠ كيلومترات مربعة وسكانها ٣٢٧٨٦ . فاكتشفت في خلال هذه المدة حبال نصبها أحد أعضاء مجلس البلاد الدنمركية وتبين أنه ارتشى لتحقيق رغبات الأمريكان. فتأخر النظر في أمر الجزائر الآن ريثما تجيء الفرصة المناسبة (والأمريكان كالإنكليز لا يضيعون الفرص ولا يخترعونها) ولئن لم تسقط هذه الأجاصة في أرض الأمريكان فذلك لأنها الآن آخذة بالنضج وما نضجها على الصابرين ببعيد. انحطاط المشرق بانحطاط الأخلاق بسطنا الكلام في فصل سابق عن انحطاط المشرق وأبنا ثمة أن سببه انحطاط الأخلاق وعراقة الشرقيين في الحضارة وبلوغهم منها غاية قضت بتمكن الضعف منهم منذ زمان مديد ووعدنا بالعود إلى هذا البحث وإتمام الكلام عليه ووفاءً بالوعد نقول: أشرنا في ذلك الفصل إلى أن الأخلاق السافلة التي تقضي بانحطاط الأمم وضعفها كثيرة وأن ما نراه منها مظنة انحطاط المشرق وأهله لا ينحصر بالملاذ البدنية بل هو أعم من ذلك وأن عامة الأخلاق الفاضلة في المشرق قد تطرق إليها الضعف فأضعف قوى الشرقيين ونفوسهم عن النهوض مع الناهضين والتسابق مع السابقين من أمم المغرب والخطر من هذا على المشرق عظيم يتهدد أهله بناموس الانتخاب الطبيعي القاضي ببقاء الأنسب. وحسبك دليلاً على ذلك هذا السكون المطلق الذي يخيم بسحبه المظلمة على آفاق المشرق بينا المغرب في حركة مستمرة يخترق صداها حجب الفضاء وتهتز لها جوانب الغبراء. فلو هبط الآن على الأرض هابط من عالم النجوم لخيل له أن المشرق وأهله عالم آخر لا اتصال له بالمغرب لما بينهما من التباين الذي يكاد يكون مستحيلاً في نظر العقل في عصر وصلت فيه الكهربائية والبخار بين جوانب الأرض وأصبح فيه العلم مشاعاً بين الأمم لا يقصر عنه نظر المتطاول. ولا يد المتناول. وما هذا التباين إلا أثر من آثار الأخلاق في رقيها وتدليها والإنسان إنما دعي إنساناً مميزاً بنفسه لا بجثمانه فالنفس هي التي تعلو بهذا الإنسان الضعيف حتى تبلغ به عنان السماء وتهبط به إلى الحضيض حتى يلتصق خده بأديم الأرض. فكل ما في المشرق من وهن في العزائم. وفتور في الهمم. وإخلاد إلى السكون. وعجز عن النهوض. وتخاذل يفرق المجتمعات. ويأكل القوميات. ونفور من العمل. واسترسال في الجهل والخمول. ورضا بالضيم واستسلام للفاتحين والمستعبدين من الغربيين. إنما هو نتيجة ضعف في النفوس تأصل فيها بضعف الأخلاق ويوشك أن يرجع بهذه النفوس البشرية إلى الجبلة البهيمية لو لم يقابله حكم هو أقرب لسنن الوجود وأشد أنحاءً على الشرقيين ألا وهو: فناء الضعيف في وجود القوي. سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا. إذن فداء المشرق كما تبين لك عضال ومرضه خطر قتال. وهو فساد الأخلاق وضعف ملكات العلم بلوازم الحياة. ولابد لتقويم الأخلاق من حسن المعالجة بمزاولة التربية الصحيحة وإحياء موات النفوس بالفضائل التي يرشد إليها العلم. والوصول إلى ذلك إنما يكون بأحد أمرين: إما بالشعوب أو بالحكومات: وفي كلا الحالتين فإن نهوض المشرق وقصد أهله هذا القصد يتوقف على وجود قادة في أممه وشعوبه يحسنون بهم السير ويأخذون بهم إلى سبيل الرشاد. على أنا نرى أن وجود القادة من زعماء الإصلاح الاجتماعي في المشرق لا يوصل إلى منتهى الغرض إلا إذا وجد أولئك القادة عضداً من الحكومات وناصراً من زعماء الرياسة والسياسة الذين أصبح في أيديهم قياد الأمم الشرقية. ذلك لما ثبت لنا من تناهي ضعف النفوس في المشرق وفقدها الشعور بالحاجة إلى الإصلاح النفسي والتربية العقلية. ولنضرب لك مثلاً على ذلك بمن قاموا من قادة الأفكار في المشرق في عصر واحد وهو عصرنا هذا فقد سعى المركيز ايتو الياباني لإنهاض قومه في أقصى الشرق فأنجح سعيه ونهض باليابانيين إلى أفق السعادة لما أخذ بيده إمبراطور اليابان كما هو معروف. وسعى غيره كثيرون في أدنى الشرق فأخفق سعيهم لما لم يجدوا من زعماء الرياسة على الشعوب من يأخذ بأيديهم ويعضد سعيهم. ذلك لأن شعوب المشرق كما قدمنا قد مرنوا على الخمول لما تأصل فيهم من مرض الضعف وفساد الأخلاق الفاضلة التي تنهض بالنفوس إلى ذرى الاستقلال الذاتي فأصبحوا اتكاليين لا يسعون إلى عمل نافع إلا إذا سيقوا إليه سوقاً. واقتدوا برؤسائهم إذا كانوا لهم عوناً يضاف إلى هذا غرور الشرقيين ببقايا مدنيتهم الدارسة غروراً يقعد بالهمم عن تطلب غايات الكمال على أن إخفاق المخفقين إنما كان في الحصول على الثمرة العاجلة التي جناها ايتو اليابان وأما الآجلة فلم يكونوا يائسين من نيلها إذا ثابر الخلف من محبي خير الشعوب ومصلحي النفوس والمخلصين في النية والعمل لأقوامهم على إرشاد أمم الشرق إلى سبيل النجاة واستنهاض همم ذوي المروآت من زعماء الحكومات الشرقية إلى بسط جناح الرحمة على الرعية ومعونتها في القيام على أصول العلم النافع وتلمس وجوه الخلاص من براثن الفناء الذي يتهدد أمم المشرق في كل آن ولا يعدم المشرق أفذاذاً من المصلحين في كل عصر توافق دعوتهم من بعض الزعماء آذاناً واعية وقلوباً رقيقة ونفوساً سامية نقية من شوائب الفساد تنطبع عليها صورة الخير وتنزع إلى النهوض بالشعوب الشرقية من وهدة الذل والخمود. ورب معترض يقول أن نهوض زعماء الحكومات بالأمم أمر غير متوقع الحصول لاسيما في المشرق ومادام الشرقيون قد بلغوا من الضعف ذلك المبلغ فأحر بزعمائهم أن يكونوا كذلك فالأولى أن تحث الأمم على النهوض بنفسها وترك الاعتماد على حكوماتها فالجواب عن هذا أن ذاك الاعتراض وجيه لا يقبل النقض بل هو القاعدة الأساسية في حياة الأمم لكن ذلك يجوز على أهل المغرب وأما أهل المشرق فقد أقعدهم عن العمل بهذه القاعدة طول عهدهم بالجمود والخمول الناشئين عن الإغراق في الحضارة كما قدمنا وتماديهم أجيالاً كثيرة في الاعتقاد بألوهية زعمائهم وما يتبعها من تسليم النفوس إليهم والتعويل في كل الشؤون عليهم وهي عقيدة وإن محتها الشرائع الإلهية من أكثر أرجاء المشرق إلا أن إدمان الأمم عليها غادر في نفوس الشرقيين من آثارها القبيحة اعتماد الشرقيين على حكوماتهم في كل شأن من شؤونهم العامة. وهل تظن أيها القارئ أن الأمة اليابانية كانت تتجول عن مثل هذا الاعتقاد بميكادها (إمبراطورها) لو لم يتنازل هو نفسه عن ألوهيته بمحض إرادته وحب الخير لأمته ويفهم شعبه أنه بشر مثلهم لا قوة له ولا حول إلا بهم ولاحظ لهم سعادة الحياة ومسابقة الأمم إلا بجدهم وهل تظن الصينيين يبلغون من الرقي مبلغ اليابانيين إذا لم يفهمهم إمبراطورهم ابن السماء أنه ابن الأرض ويهدم مختاراً ذلك السور الهائل القائم بينه وبين أمته فيقودهم إلى الطريقة التي سلكها ميكادو اليابان بقومه ورفع لهم فيها بنيان الفضيلة والعلم بإخلاصه وعلو نفسه. وبالإجمال فالشرق يحتاج في نهوضه إلى حكوماته إذا أريد التعجيل في الحصول على الثمرة المبتغاة من دعوة المصلحين في كل قبيل منه وعند تعذر الحصول على هذه الثمرة يعدل فيه إلى الرأي الآخر ولابد في هذه الحال من قيام طائفة من كل قوم على تربية النفوس وبيان الفضائل التي تسمو بها النفس إلى أفقها الأعلى حق البيان والله بحسن العاقبة كفيل. حلوان رفيق العظم الاحتفاء بالأحياء والأموات قرأت في الجزء الثالث من المقتبس ص ١٤٧ مقالاً تحت عنوان روح جديدة جاء فيه أن الأمة أخذت تنصبغ بصبغة الغربيين منذ أنشأت تأخذ العلوم عنهم ومن ذلك إجلال رجال العلم والأدب أحياءً وأمواتاً. وقد رأيت دعوى أن ذلك روح جديدة وأن ذلك من أخذ الشرقيين عنهم منظور فيها إذ قد دون التاريخ من أمثال هذه الاحتفالات ما لا يحصى. وما ذنبنا إلا القصور بعدم التنقيب. إن الفقهاء بأجمعهم على تنوع مذاهبهم عدوا من البدع تأبين الميت وذكر محاسنه ورثاءه قبل الدفن وبعده واستدلوا على ذلك بما روي من الآثار المعروفة في دواوين السنة أليس هذا لأن القرون المتقدمة كان فيها شيءٌ من ذلك: إنشاد مراث وتعديد مناقب وبث خطب. بلى ولولاه لما كان لتنبيههم معنى. ولم يزل ذلك معروفاً في عواصم البلاد فلا يموت عالم إلا وتتلى قبل الصلاة عليه عدة قصائد وذلك قبل نفخ هذه الروح الجديدة في صور الشرق. وأما تكريم الأحياء للأحياء فلم يزل يحتفل بختم دروس الكتب المهمة كالصحيحين والموطئ في دور مشايخ الحديث أو أحد أصحابهم احتفالاً يحضره كثير من أهل الفضل والأدب وإن أعوزهم مدح العلم والكتاب نظماً فلم يفتهم ذلك مذاكرة أو لسان حال هذا أثر من آثار ما كان. ما الذي كان. كان إذا ختم عالم كتاباً مهماً من مؤلفاته يحتفل به أفاضل العصر احتفالاً يذيع في كل قطر. أذكر من ذلك ما جرى عام ٨٤٢ لما ختم الحافظ ابن حجر كتابه الباري شرح البخاري بالتاج والسبع وجوه بين كوم الريش ومنية الشيرج خارج القاهرة حضره من العلماء الذين حفظ التاريخ أسماءهم ثمانون بل نيفوا على ذلك وأما من كان من الطبقة الوسطى فما دونها فأولئك لا يبلغهم الحصر ونظم من أدبائهم ومشاهيرهم في التنويه بهذا المشروع عدة قصائد فمن ذلك قول الصلاح الأسيوطي من قصيدة كم للبخاري من شرح وليس كما قد جاَء شرحك في فضل وتتميم وقول الشهاب المتوفى مطلع قصيدة أبياتها ٧٥ : تمنعت بدموع الصب في حجب فانظر لشمس الضحى في حلة السحب ومنها شرحت صدر البخاري مثل جامعه فراح ينشد هذا منتهى الطلب ومنها هذا وحقك عام الفتح حج به لبيت فضلك وفد العلم عن رغب وقول البرهان البقاعي صاحب التفسير المعروف من قصيدة: بأبي الخدود نواضراً حسناتها كنواظر الغزلان في الدينار قصدت يكون المسك حسن ختامها فتعلمت من ختم فتح الباري وقصيدة لشمس الدجوي وقصيدة للخطيب برهان الدين المليجي وقصيدة المحب الدين البكري أولها حديثك لي أحلى من المن والسلوى إذا حل سمعي حرم اللوم والسلوى ومنها وكم من شروح للبخاري عدة طواها بفتح البارئ أعجب لما يطوى كساهُ جمالاً من عذوبة لفظهِ ففازت بهِ الدنيا وسلمت الدعوى وله قصيدتان أخريان وقصيدة لشرف الدين الطنوبي ولشمس الدين النواجي قصيدة كبرى منها وكم طوى نشره كتاباً على ممر الدهور سرمد ومن يكن علمهُ عطاءً من فتح باريهُ كيف ينفد ولما فرق مؤلفه صرر فضة ومجامع حلوى أنشد الدجوي بفتح البارئ انشرح البخاري وأحمد ختمهُ بالفضل جامع أدار دراهماً صرراً فأنشئ وحلوى فيهِ تأخذ بالمجامع واذكر أيضاً أن في سنة ١١٨٨ أكمل اللغوي الشهير السيد مرتضى الزبيدي عليه الرحمة شرحه تاج العروس على القاموس واحتفل في داره بالتنويه بهذا المصنف البديع احتفالاً حضره شيوخ الوقت وكبار الأدباء كان منهم شيخ الجماعة الشيخ علي الصعيدي والدردير والسيد العيدروس والأمير الكبير وعطية الأجهوري وعبادة العدوي وأبو الأنوار السادات ومن في طبقتهم والطبقة الوسطى وما بعدها كما فصله الجبرتي. ومن المشاهير في التنويه بذوي الأدب والاحتفال بهم في القرن الغابر الأمير المجاهد السيد عبد القادر الحسني الجزائري ثم الدمشقي الشهير فإنه كان إذا قدمت إليه مقامة أدبية يدعو للتنويه بمنشئها شيوخ الشام ويولم له أنفس الولائم شتاءً في البلدة وصيفاً في منتزهه بدمر وقد خدم لأجله الصناعتين عدد ليس بالقليل فلكل عصر أفراد وكل وقت له صبغة خاصة ومهما تباينت الأنواع فالجنس واحد. وأما الاحتفالات القديمة التي أشرتم إليها آخر المقالة فاذكرني منها ما شرطه المعظم بن العادل الأيوبي لكل من يحفظ المفصل للزمخشري - وذلك مائة دينار وخلعة قال في وفيات الأعيان: فحفظه لهذا السبب جماعة ولم أسمع بمثل هذه المنقبة لغيره. دمشق ج. ق منتخبات من كتاب النبراس في فلك الاقتباس لأحد شعراء الشام لا تجهدنَّ النفس في تدبير ما حاولت في الشدة من رخاء وهو الذي تلطفاً بخلقهِ (يدبر الأمر من السماءِ) بدنياك التي دسمت فسمت وليس لها على حرٍّ بقاءُ عليك إذ انكسرت لجيش هم (بنصر الله ينصر من يشاءُ) قيسوا قضاياكم على من مضى (إذ أنتم بالعدوة الدنيا) واستكثروا الزاد لكي تلتقوا فيهم (وهم بالعدوة القصوى) عباد الله ملا جاهدوا في نفائسهم جهادهم الغريبا (فأنزل) من سكينته (عليهم) سناً (وأثابهم فتحاً قريبا) تجليات ربك هل أحاط بكنهها لب وهل كشف الغطا إلا (لمن كان لهُ قلب) لمن أشاعوا سلوتي عنكم أقول ما يجب (يا ويلكم لا تفتروا) جهلاً (على الله كذب) يا من بنظم الشعر دعواهم غدت تستوجب التنكيت والتبكيتا أبياتكم منها الحجارة فصلت (أم تنحتون من الجبال بيوتا) إذا دعيت لكأسٍ صهباؤُها قد تراَءت قل حيث حلت بحرم (بئس الشراب وساَءت) أقاصيص الفرنجة كم تؤدي تلاوتها إلى معنى خبيث فدعها لا تكن في العلم ممن بلهوٍ (يشتري لهو الحديث) قالوا وداد الكريم صفه وود من لؤْمهُ مزاج فقلت (هذا عذب فرات) يحيي (وهذا ملح أُجاج) التعليم والتربية الإرادة والعزم اهتم الفرنسيين للكتاب الذي وضعه المسيو دومر والي الهند الصينية السابق ورئيس مجلس النواب في فرنسا واحتفوا به لما وجدوا فيه من أدوية أدوائهم الاجتماعية وطرق تربية النشءِ تربية تقيهم آفات العصر التي ضجَّ منها العقلاء وحار في معالجتها الحكماء. وهناك سبب آخر لتلقي القوم هذا الكتاب بأيدي الاعتبار وهو غير ما يتبادر للذهن من بهرج الألقاب التي تحف باسم مؤلفه. بل هو ما عرفوه من مبادئ نشأته ووسائل رفعته حتى كانت سيرته مثالاً يحتذى في الشهامة والإقدام وأخلاقه خير وسيلة لاستكشاف أسرار النجاح. وقد تسابقت جرائدهم ومجلاتهم إلى شرحه وتقريظه ونقلت حسب عادتها فصولاً منه توضيحاً للدلالة عليه والتعريف به. فآثرت تعريب هذا الفصل لشمول فائدته كل قارئ من أي قوم كان قال في الإرادة والعزم: تعلم الإرادة واعمل ما ينبغي. بذلك يمكن أن تلخص النصوص العديدة التي تتخذ قواعد للحياة. أدّ الواجب وكن في الجملة رجل حق أبداً. هذه هي الوصية السامية والفريضة الأدبية التي تسود في سيرة الإنسان. ولا ينبغي لامتثالها أن نرغب فيها فقط بل يجب أن نكون أهلاً للعمل بها أو لي إرادة وقوة تحكم على أنفسنا. هذا هو المهم وهذا هو الصعب. من أجل ذلك كان أول ما يجب على الفتى المتقدم لاحتمال أعباء الحياة وتبعاتها أن يتأهل لامتلاك قياد نفسه فتكون له السلطة المطلقة على هواه وخطرات قلبه كما لها على جسمه وأعمال جوارحه. فإذا كان المرء كذلك أوشك أن يكون امرأ خير وأن يقبض في الغالب على زمام حياته وقياد سعادته. كيف السبيل إلى تأمين سيطرة مستمرة مثل هذه على النفس وهي تظهر متعسرة بادي بدءٍ وأن تكن تهونها المزاولة حتى لقد تصير آلية؟ أنى لنا الصبر على الانفعالات الجاهلية وعلى الجواذب والفواتن التي تحيط بالإنسان؟ كيف نغلب الميل إلى البلادة والاستسلام إلى الأميال الطبيعية التي يحلو الاسترسال معها ما لم تقدر عواقبها؟ كل ذلك ينال بتعلم الإرادة والتمرن عليها. نظم الفلاسفة الإرادة في سلك القوى الإنسانية الأولى فلا نظير لها في الأهمية إلا العقل الذي يضبط الفكر والواجب والحكم. ثم الإحساس الذي هو مبدأ الحواس والعواطف والشهوات. وأن الذوق السليم ليتفق مع الفلسفة على وضع الإرادة في الموضع الأول بين القوى البشرية وصفات الإنسان الكامل. فإن الإرادة القوية الثابتة لتمكن من كل أمر من حيث الشؤون المعنوية وكثير من الأمور المادية. رجل الإرادة هو وحده الحر في الحقيقة فهو رب أحكامه وأفعاله. يقود أفكاره وعواطفه بل وخياله ويخضع كل شيء لسلطة العقل. فهو يسير بمقتضى أحكام عقله ويأتمر بأوامر وجدانه مع قابليته للسلوك وفق قواعد الحياة التي دعته الحكمة إلى اتخاذها. وفي الإمكان أن يتغلب الإنسان بالإرادة الثابتة على الشهوات الضارة متطرفة أو مهلكة وأن لا يدع سلطة على نفسه لغير العواطف الكريمة والخواطر النبيلة. ولا يصغي إلى العواطف إلا إذا لم تقتض شيئاً ينافي الواجب. فلابدَّ إذاً من إرادة حديثة ليكون المرء امرأ خير فاضلاً حقيقة. وكلٌّ بمثل تلك الإرادة يستطيع الكمال مهما كان مزاجه ومعايبه وكيف كانت مشاربه ومذاهبه. ويحسن في المزاولات الحيوية والأعمال اليومية العديدة التي تهمنا جداً إذ منها يتكون نسيج وجودنا أن لا نضطر إلى التحاور في الفكر عند كل أمر لنتبين أفي العمل به تكون الفائدة أم في الامتناع عنه. ولكن يجب أن يكون لنا قواعد ثابتة وأن تكفي أدنى حركة من إرادتنا المتنبهة لتوعز إلينا بالجزم. فإذا كنت تعرف قيمة العفة وكان من قاعدتك أن لا تفرط في الطعام وأيقنت بمضرة المسكر والدخان مثلاً ثم تعددت المثيرات وتوالت الدواعي إلى ما يخالف ذلك فينبغي أن تتقيها الإرادة بالعزم. وتمرن الإرادة يومياً على مغالبة مثل هذه الصغائر يجعلها نافذة السلطان في غيرها من الأمور المهمة. لا ينال الخير في الشؤون الخصوصية والعمومية إلا بالإرادة. نعم ليست هي المادة الوحيدة للنجاح إلا أنها شرط أولي لا أثر لغيره من الشروط بدونه. فإن كنا نجد لهذه القوة الحيوية أعني الإرادة تأثيراً محتماً في كل أمر لو نظر فيه على حدة فماذا نجد من تأثيرها في حياة يتوالى عملها فيها؟ لا جرم أن الرجل الذي عرف أن يتملك القوة يصير إليه في الغالب تعيين حظه حتى لا يدع للمصادفات والطوالع السيئة إلا أدنى ما لها من التأثير في حياته بحي يكون هو الكاسب لفلاحه والباني لسعادته. وأما الرجل الذي لا إرادة له فلا يكون له من التأثير في حظه إلا القليل ولو كان ذا عقل كبير فيظل ألعوبة بيد الحدثان وأمره إلى الاتفاق. يجري في الحياة كما جرت فلك لا دفة لها فوق بحر هائج فهي تبحر من غير ما إدارة تتجاذبها الأرياح وتتدافعها المجاري إلى أن تصير إلى لجة تبتلعها. والجامدون من الرجال الذين فقدوا الإرادة بتة هم شواذ كأولي الإرادة الثابتة المطبوعين على العزم والعمل. أما السواد الأعظم فمؤلف من ضعفاء الإرادة وذوي العقول المترددة ولقد كان في إمكان هؤلاء أن يكونوا أحسن حالاً مما هم عليه بثبات عزيمة وسداد رأي لو تعلموا الإرادة. فالتردد والحيرة اللتان تفترسانهم هما مرضان يؤولان بمرور الزمن إلى شلل الإرادة بالفعل. وقد تكون الحيرة والتردد في بعض الأحوال أشد النواقص خطراً وتؤديان إلى الرزايا إذا كان صاحبهما رئيساً ما لأن العزم هو الصفة الأصلية للقواد والحكام والأمراء هكذا تقتضي كلتا الحياتين العمومية والخصوصية أن يعرف المرء أن يعتزم ويريد. فالإرادة التي يقودها العقل إذا ما عملت في الإنسان بصورة مستمرة حتى تبلغ الغاية من نشاطها ويتم لها الكمال تصير عزماً وذو العزم هو رجل إرادة وثبات وإقدام وذلك خير ما يوجد في المجتمع وأفيد ما فيه وأندر. إلا وأن كل ما يقال عن مآثر الإرادة فهو حق وإن شئت فقل ما يقال عن مآثر العزم. العزم يحتاجه الإنسان ليكون فاضلاً يصنع الخير كما يحتاجه لإنشاء حظه وسعادته. وبه يربي شخصيته الأدبية والعقلية ويكون حياته جمعاء. وحكم العزم نافذ في هذين الأمرين الحسي والمعنوي على السواء. فذو العزم ينمو عقله وهو يتحسن ويتكمل أبداً. الطريقان المفتوحان أمامنا طريق الخير وطريق الشر بينهما فرق أما طريق الشر فسهلة وهي على منحدر يستدرج فيكفي من الإنسان أن يميل ميلاً حتى يتردى إلى الحضيض. وأما طريق الخير أكثر عناءً إذ ينبغي لسلوكها جهد مستمر وإرادة ثابتة وبالجملة ينبغي لها عزم. والعمل في إصلاح النفس وتكميلها عمل يومي وشغل لا ينقضي من مثابرة المكارم والفضائل لاكتسابها والتنقيب عن النقائص والمعايب لمكافحتها وإزالتها وعن المبادئ التي تستدعي الحذر والشهوات التي يجب أن تقهر. هنالك الخير خيرٌ يفعله الإنسان لذاته وثمة خير آخر لا يقل فائدة عن ذاك وهو ما يفعله الإنسان مع غيره أدبياً كان أو مادياً بالنصيحة والأسوة الحسنة قولاً وفعلاً. صاحب العزم الثابت لا يتحول البتة عن هذا العمل النبيل والصنع الجميل يقوم به بأمانة ودقة مستضيئاً بمصباح العقل معتمداً على جزم الإرادة. وانه ليمكنه بل يجب عليه أن يفحص كل يوم ضميره وأعماله فيعتبر اليوم الذي لم يتيسر له أن ينفع فيه أحداً يوماً مضيعاً ثم يتفكر ويتدبر ويستمد من تفكيره حياة جديدة لعزمه وقوى غضة لحرب الحياة فإن ذا الإرادة القوية ليفلح أكثر من غيره فيما لا محيص عنه من الجهاد في سبيل الحياة إذ يكون مجهزاً للعمل فيما ينفعه وينفع ذويه وفيما ينميه ويرفعه ويحقق أمانيه. العزم يفيد في تحصيل الرفاهية والسعادة ما لا يفيده العقل أو الحظ فعلى من أراد النجاح في حياة تليق به أن يلتمس عزماً عريقاً في الثبات وبعد فبقية أسباب النجاح تأتي زائدة. أرى في الناس عموماً والفرنسي خصوصاً - لأني إليه أنظر - جرثومة الإرادة الثابتة وأرى فيه قوة ومتانة ظلت مهملة حتى جمدت وصارت كأن لم تكن لعدم العناية بها والالتفات إلى تهذيبها. أرأيت الرجل يسترخي عضله ويضعف جثمانه إذا هو أهمل الرياضة وترك العمل؟ فكذلك الشأن في القوى الأدبية. إذا كنا نهذب العقل في إبان الشبيبة فمتى نربي العزم؟ لقد آن للشباب الذين أوجه إليهم هذا الخطاب أن يشرعوا في هذه التربية والتنمية الأدبية بأنفسهم ويجب أن يكون هذا أكبر همهم. وعليهم لكي يتعلموا الإرادة ويحصلوا منها على نتيجة أن يعزموا عليها ويمارسوها من غير انقطاع ولا استراحة فيستعملونها في تكميل أنفسهم وكل شأن من شؤون وجودهم إذ الغاية أن يجعل الإنسان ذاته رجلاً ذا عزم يملك هواه ويقتدر على إدارة حياته وتدبير أعماله وأن يكون هو المنشئ لسعادته وسعادة الآخرين من بني جنسه وأن يشرف بلاده وينفعها بخدمته. فيا أيها الشاب الذي تقرأ كلامي إن كنت عازماً على بلوغ هذه الغاية فاذكر الكلمة الأولى من هذا الفصل وهي تعلم الإرادة. يقول معربه وأضف إليها هذا البيت العربي إذا لم تك الحاجات من همة الفتى فليس بمغن عنك عقد الرتائم بيروت عبد المعين خلوصي صحف منسية جملة من نثر ابن الحناط فصل له من رقعة: الإسهاب كلفه. والإيجاز حكمه. وخواطر الألباب سهام يصاب بها أغراض الكلام. وأخونا أبو عامر يسهب نثراً ويطيل نظماً شامخاً بأنه. ثانياً من عطفه. متخيلاً أنه قد أحرز السباق في الآداب. وأوتي فصل الخطاب. فهو يستقصر أساتيذه الأدباء ويستجهل شيوخ العلماء وابن اللبون إذا ما لزَّ في قرن لم يستطع صولة البزل القناعيس وهذه قصيدة أنشأتها في ليلة سماؤها روضة تفتحت النجوم وسطها زهراً. وتفجرت المجرة خلالها نهراً وادٍ يسيل بعسجد. على رضراض زبرجد. فلما أصبت الغرة. واقصدت الثغرة تقلبت مراراً. وتناومت غراراً. حتى نبهني الفجر ببرده. وسربلني الصباح ببرده. وهببت من النومة وصحوت من النشوة. زففتها إليك بنت ليلتها عذراء. وجلوتها عليك كريمة فكرها حسناء. تتلفع بحبرة حبر. وتتبخر في شعار. مؤتلف بين رفها ومدادها. ومجتمع في بياضها وسوادها. الليل إذا عسعس. والصبح إذا تنفس. رقعتها كافور نمنم بمسك. وختامها ياقوت نظم في سلك. تحسب خطها تيم لفظها فشكا. وتخال القلم رقَّ لما به فبكى. فأنشدها أخاك الشهيدي وكلفه على العروض والقافية معارضتها. واحمله على اللين والشدة قارضتها. فستوقد بقلبه قبسا. وتضرب في أذنه جرسا. فستتبين به حظه وتتعرف فضله. وختم الرقعة بأبيات اقصر عن لومي اللائم لما درى أنني هائم مازلت في حبه منصفاً من لم يزل وهولي ظالم أسهر ليلي غراماً به وهو أخو سلوة نائم ومن شعره في قصيدة في ابن حمود ولم أرَ مثلي كيف صار بقلبه من الوجد بركان وفي الجفن طوفان ولا مثل هذا العدل كيف أعاده عليٌّ وقد مرَّت على الظلم أزمان شعر البلفيقي كان أبو البركات محمد البلفيقي أحد أساطين العلم والأدب في القرن الثامن ببلاد الأندلس معروفاً بالصلاح موسوماً بالعلم. قال لسان الدين بن الخطيب في الإحاطة ومن مقطوعاته التي هي آيات العجائب وطور حلل البدائع في أسنى الأغراض والمقاصد قوله يعرض لبعض الطلبة وقد استدركته ببعض حلق العلم بسبتة إن كنت أبصرتك لا أبصرت بصيرتي في الحق برهانها لا غرو أني لم أشاهدكم فالعين لا تبصر إنسانها ومنها قوله وهو من الغريب البديع ومصفرة الخدين مطوية الحشا على الجبن والمصفر يؤذن بالخوف لها هيئة كالشمس عند طلوعها ولكنها في الحين تغرب في الجوف ومنها قوله في النصح وله حكاية تقتضي ذلك لا تبذلن نصيحة إلا لمن تلقى لبذل النصح منه قبولاً فالنصح إن وجد القبول فضيلة ويكون إن عدم القبول فضولا ومنها في الحكم ما رأيت الهموم تدخل إلا من دروب العيون والآذان غض طرفاً وسد سمعاً ومهما تلق هماً فلا تثق بضمان ومنها قوله وهو من المعاني المبتكرات حزنت عليك العين يا مغنى الهوى فالدمع منها بعد بعدك مارقا ولذاك قد صبغت بلون أزرق أو ما ترى ثوب المآتم ازرفا ومنها قوله في المعاني الغريبة في التفكير في المعاني أبحث فيما أنا حصلته عند انغماص العين في جفنها احسبني كالشاة مجترة تمضغ ما يخرج من بطنها ومنها وقال ومما نظمته بين الدرش وبرجة عام أربعة وأربعين وأنا راكب مسافر وهو مما يعجبني إذ ليس كل ما يصدر عني يعجبني قال لسان الدين ويحق له أن يعجبه تطالبني نفسي بما ليس لي به يدان فأعطيها الأمان فتقبل عجبت لخصم لجَّ في طلباته يصالح عنهُ بالمحال فيفصل ومنها رعى الله أخوان الخيانة أنهم كفونا مؤنات البقاءِ على العهد فلو قد وفوا كنا أسارى حقوقهم نراوح ما بين النسيئة والنقد مطبوعات ومخطوطات  المدونة الكبرى الإمام مالك بن أنس عالم المدينة وإمام دار الهجرة والمحدث الأعظم المتوفى سنة ١٧٩ أخذ العلم عن تسعمائة شيخ فأكثر وما أفتى حتى شهد له سبعون إماماً أنه أهل لذلك وكتب بيده مائة ألف حديث وجلس للدرس وهو ابن سبعة عشر عاماً قال الشافعي إذا جاء الأثر فمالك النجم وإذا ذكر العلماء فمالك النجم الثاقب ولم يبلغ أحد مبلغ مالك في العلم لحفظه وإتقانه وصيانته وما أحد أمن عليَّ في الله من مالك وجعلت مالكاً حجة بيني وبين الله تعالى. وقال الشافعي قال لي محمد بن الحسن أيهما أعلم صاحبنا أم صاحبكم يعني أبا حنيفة ومالكاً رضي الله عنهما قال قلت على الإنصاف قال نعم. قال: قلت ناشدتك الله من أعلم بالقرآن صاحبنا أم صاحبكم قال اللهم صاحبكم قال قلت ناشدتك الله من أعلم بأقاويل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم المتقدمين صاحبنا أم صاحبكم قال اللهم صاحبكم قال الشافعي فلم يبق إلا القياس والقياس لا يكون إلا على هذه الأشياء فعلى أي شيء نقيس. هذا هو الإمام مالك وهو غنيٌّ عن التعريف بعد أن قال ابن عبد البر أن الناس ألفوا في فضائله كتباً عديدة. وناهيك بمن يشهد له الشافعي مثل تلك الشهادة وهو صاحب الموطئ المشهور أحد الكتب الستة في الحديث النبوي وعنه روي الإمام سجنون بن سعيد التنوخي عن الإمام عبد الرحمن بن القاسم العنقي كتاب المدونة الكبرى في فقه مالك. وهذا السفر الجليل عند المالكية ككتاب الأم عند الشافعية وقد ظل قروناً في خزائن الكتب مخطوطاً لا ينتفع به إلا أفراد حتى قيض له الفاضل الحاج محمد الساسي المغربي فبذل ما بذل للحصول على نسخة قديمة منه كتبت بعد المائة الرابعة على رقٍّ صقيل وخط جميل فكانت النسخة الأصلية ملوكية كما يقولون بل أكثر من ملوكية خصوصاً وعليها حواش مطرزة بأقلام الثقات من أهل المذهب كالقاضي عياض وأضرابه. وماذا عسانا نقول في الإشادة بهذا العمل الشريف ولو عني المشتغلون بالطباعة منذ قرن بطبع الكتب الدينية واللسانية والعلمية على هذا الوضع والنحو واختاروا الأمهات الممتعة وجعلوها مقدمة بين يدي نجواهم لربحوا أكثر مما ربحوا وأفادوا أكثر مما أفادوا. وقد أتحفنا الطابع المنوه به بالأجزاء التسعة التي صدرت من الكتاب في هذه العاصمة ولا يزال يواصل إكمال السبعة الباقية منه فكانت لجودة طبعها وجلاء ورقها ورونق حرفها تضطرنا إلى الاستغراق في تلاوتها الساعات وقد استفدنا أموراً ما كنا نظن أحداً من الفقهاء حرك فيها بناناً ولا غرو ففي مذهب مالك من التوسع في العبادات والمعاملات ما لا تراه في غيره ولذلك كتب الله أن ينتشر في شمال إفريقية حيث كثر اختلاط الناس بالإفرنج قديماً وحديثاً ولا يسعهم في الأغلب إلا مجاراتهم في شؤون معاشهم. فنثني على الطابع بما هو أهله ونتمنى أن يحذو حذوه كل طابع في اختيار أجود الورق والحروف وانتقاء خيرة المصححين لنقول أنا جارينا المرتقين في طباعتهم وماثلناهم في تفانيهم بنشر الأمهات من كتب أمتهم.  مجلة عرفات لصاحبها العالم العامل محمود بك سالم من رجال الإصلاح في هذه الديار وهو ممن جمعوا إلى العلوم الحديثة العلوم القديمة وضموا إلى المدينة تديناً. نشر في العام الماضي جريدة باللغة الفرنسية بهذا الاسم لتبحث فيما تمس حاجة الإسلام إلى التعريف به عند من يجهله وحاجة المسلمين إلى ما ينفعهم ويعلي كلمتهم وقد جعل جريدته منذ مدة في قالب مجلة ليتيسر جمعها وحفظها ويتسع الوقت لانتقاء موضوعاتها. أتحفنا بما صدر من عرفات جريدة ومجلة فطالعنا منه طرفاً صالحاً لم تزدنا بالرجل تعريفاً ولم تكن على غيرته وإخلاصه دليلاً جديداً وكفى في الإشادة بذكر صاحب المجلة بأنه يبذل وقته وعمله ودرهمه في خدمة أمته فأكرم بأبوين يهذيان مثله وببلاد تخرج النوابغ إذا علم أبناؤها العلم الصحيح والآداب الطاهرة. وفي هذا المقام نقترح على العالم المشار إليه أن يتفضل ولو بنشر ملحق صغير مع كل جزءٍ يلخص فيه إلى العربية ما ينبغي لقرائها أن يطلعوا عليه. والمجلة ترسل مجاناً لمن يطلبها.  لأمية العجم ولأمية ابن الوردي شرح الكاتب الأديب حكمت بك شريف لأمية العجم للطغرائي الكاتب الشاعر المشهور المتوفى سنة ٥١٥ ولأمية ابن الوردي الفقيه الأديب المتوفى سنة ٧٤٩ شرحاً موجزاً ينتفع به طلاب الأدب ويعين على فهم ما أتيهم من ألفاظهما وتراكيبهما.  السل الرئوي أفرد أجدادنا أيام كانوا يشتغلون بالعلم على أنواعه بعض الأدواء بالتأليف لأهميتها وانتشارها كما فعل الرئيس ابن سينا وأبو مروان بن زهر وأبو الوليد بن رشد وحنين بن اسحق ويوحنا بن ماسويه ويعقوب بن اسحق الكندي وثابت بن قرة الحراني وأبو بكر الرازي وغيرهم. وكلما ارتقت العلوم أفرد كل فرع منها بكتب وانصرف إليها ناس بحسب الحاجة. وأمامنا الآن كتاب في الوقاية من السل الرئوي وطرق علاجه من تأليف العالم النطاسي الدكتور خليل بك سعادة من المتميزين في الطب والعلم والمشهود لهم بالإجادة في إحكام العربية والإنكليزية على ما علم ذلك من تآليفه باللغتين ورسائله في بعض جرائدهما ومجلاتهما. والكتاب موضوع على أسلوب غربي في قالب عربي يعزو فيه معظم المواد لقائليها قسمه أبواباً تدعو المطالع إلى مطالعته لما حوى من الفوائد الصحية والعلمية وقد قدم له مقدمة تدل على علو كعبه ونبالة غايته قال: يفتك السل الرئوي كل عام بستة ملايين من البشر فيربو عدد قتلاه في بضع سنين على سائر مجموع القتلى الذين سقطوا في ميادين الوغى أيام معارك الاسكندر وهنبال وقيصر وبونابرت والحرب الأهلية الأميركية وحرب السبعين والحرب اليابانية الروسية وبعد فيحق للعربية أن ترحب بهذا الكتاب الجليل وهو في ٢٢٥ صحيفة جيدة الطبع والورق ويطلب من مكتبة المعارف وثمن النسخة عشرة قروش صحيحة.  وقاية الأسنان لما ألقيت إلينا هذه الرسالة ظنناها مبتكرة ولكن عدنا فذكرنا أن لابن ماسويه كتاباً في السواك والسنونات ولحنين بن اسحق كتاباً في حفظ الأسنان واللثة ألفت بالعربية منذ نحو ألف سنة وما يدرينا إن كان السلف ألف في هذا الموضوع أيضاً كما ألفوا في موضوعات لا يكاد ابن هذه العصور يظن أنها خطرت لهم على بال. وهذه الرسالة هي للفاضل الدكتور علي بك بقلي الطبيب. الاختصاصي بأمراض الفم والأسنان تكلم فيها على كل ما له علاقة بالأسنان والأضراس والأنياب وصحتها وسقمها وهي نافعة في بابها وثمنها خمسة قروش صحيحة. فنشكر له همته.  نيل المراد رسالة في تشطير الهمزية والبردة وبانت سعاد للشاعر الأديب الشيخ عبد القادر سعيد الرافعي علق عليها شرحاً يفسر كلماتها اللغوية فجاءت لطيفة الأسلوب مقبولة عند طلاب هذا الفن وهي تطلب من مكتبة نجل المؤلف في السكة الحديدية.  تبيان التعليم لحضرة العالم الأصولي ذي المعزة السيد أحمد بك الحسيني من رجال الفضل والنبل في هذه العاصمة يد طولي في وضع المصنفات الأصولية والفقهية النافعة فبالأمس نشر كتاب دليل المسافر ونهاية الأحكام والقول الوضاح والقول الفصل واليوم نشر رسالة سماها تبيان التعليم في حكم غير المبدوء بسم الله الرحمن الرحيم وما أصدق ما قاله في مقدمتها: والمسؤول ممن وقف على ما كتبته أن يدع الهوى والتقليد ولا يسترسل في مدح القديم وذم الجديد بل ينظر إلى المقال بعين الإنصاف والاعتدال ولا ينظر إلى من قال فالرجال يعرفون بالحق وليس الحق يعرف بالرجال.  الدليل إلى البرازيل كتاب أدبي اجتماعي انتقادي لمؤلفه الأديب جرجي أفندي توما الخوري ضمنه وصف المشاهد والآثار التي رآها منذ غادر سورية إلى أن وصل برازيل وذكر ما يلقاه المسافر والمهاجر مازجاً الجد بالهزل أحياناً. وقد قدر عدد السوريين في برازيل وحدها بخمسين ألفاً وامتدح من صحفهم العربية وأربابها إلا أنه تمنى لو أبطلت عادة نشر الرسائل المأجورة في الجرائد وفي الكتاب فوائد لا يستغني عنها المقيم والمسافر.  الدين في نظر العقل الصحيح هي مقالات كان نشرها في مجلة المنار الغراء الدكتور النطاسي الفاضل محمد توفيق صدقي في العقيدة الإسلامية وإثبات صدق النبوة المحمدية على وجه أقرب إلى عقول المتعلمين وقبول المدنيين وفي آخرها مقالة في حكمة نجاسة الكلب والخنزير وتحريم لحمهما فجاءت في ١٦٠ صحيفة صغيرة وافية بالغرض تدل على بعد غور كاتبها. وثمن النسخة قرشان ونصف تطلب من مكتبة المنار بشارع درب الجماميز.  الأجوبة المسكتة تأليف الأديب الأريب أحمد أفندي صابر جمع فيه ما شاق وراق من الأجوبة اللطيفة التي فتح بها على كبار العرب والفلاسفة قديماً على نمط توخى فيه الإيجاز والاقتضاب فجاء كتابه في ١٨٠ صحيفة صغيرة مطبوعة طبعاً نظيفاً على ورق جيد. وعساه يضيف إليه في الطبعة الثانية ما أخره بالقصد من المواد التي لها علاقة بالكتاب ويردفه بما هو شائع اليوم على ألسن القوم من هذه الأجوبة الأدبية اللطيفة التي قد تقع لأحد العامة فيستفيد منها الخاصة والعامة معاً. والكتاب يطلب من مؤلفه بديوان الأوقاف وثمنه خمسة قروش.  الحقيقة الباهرة في أسرار الشريعة الطاهرة من تأليف سماحة الأستاذ الشيخ محمد أبو الهدى أفندي الصيادي الرفاعي بنى أبوابه على عدد شعب حديث الإيمان بضعة وسبعون شعبة وقد طبع في القاهرة على ورق جيد وطبع نقي.  ذكرى فريد نشرت جمعية تهذيب الشبيبة السورية في بيروت المراثي وأقوال الجرائد وبعض آثار فريد عوض وترجمته وكان من أذكياء الشبان في المدرسة الكلية الأميركية فتوفي منذ ثلاث سنين فرأى أصحابه أن ينشروا له كراسة يخلدون بها ذكره مخافة أن يضيع كما ضاع كبار رجالنا بإهمال فنثني على غيرة من تولوا ذلك.  روايات جديدة رواية البعث - معربة عن الإنكليزية بقلم الأديب رشيد أفندي حداد وهي من وضع الفيلسوف الروسي ليون تولستوي تطلب من المكتبة الشرقية. عشيقات الملك - تعريب الكاتب الأديب إبراهيم أفندي سليم نجار تطلب من صاحبها وقيمتها فرنك واحد. رواية سرولاسر - للعقيلة استير مويال تطلب من مسامرات الشعب. الساحر الخالد - معربة عن الإنكليزية بقلم الكاتب الأديب محمد لطفي أفندي جمعة وهي إحدى روايات مسامرات الشعب. هدية الابن كراسة كتبها الأديب بشارة أفندي الياس عيد الحاج بطرس من جالية السوريين في البرازيل أهداها إلى ولده ووصف له فيها حال البرازيل ومن رأيه أن البرتغاليين لما اكتشفوا البرازيل سنة ١٥٠٠ م كان في جملة من بعثتهم الحكومة البرتغالية إليها عال كثيرة من بقايا السلالة العربية في الأندلس لتطهير بلادها من النسل العربي ولذلك كان في الأمة البرازيلية نقطة دم عربي. فلكاتبها منا الثناء.  الاقتصاد لبلوغ المراد رسالة في النحو لمؤلفها الشيخ أحمد مصطفى بن محمود أبي النصر من طلبة الأزهر. تدبير الصحة الخبز الأبيض مازال علماء الصحة يوصون بالاعتماد على الخبز الأسمر الأبيض وقد أنذر أحد رجال الأمريكان الآن أن من يعتمد في طعامه على الخبز الناصع البياض يصاب بالهزال وفقر الدم إذ أن البياض لا يكون إلا بوسائط صناعية تستلب من الخبز صفاته المغذية. اللحوم والبقول أثبت أحدهم أن الإنسان خلق ليتغذى باللحوم - خلافاً لرأي القائلين بأن البقول هي خير ما يعتمد عليه المرء في تغذيته - قال ومما لا ينكر ما يحدث تناولها من اضطراب في المعد عند كثير من الناس لكن ذلك ينشأ من طريقة الأكل لا من الطعام نفسه وقلة المضغ في الغالب تضر الهضم وتجعل فيه عسراً. جمع الحواس طلبت إحدى المجلات اليابانية من الكتاب أن يوافوها بما يرونه من أنجع الأسباب وأحسن الطرق وأبرك الساعات لجودة التصور فقال بعضهم أن الفكر لا يجري بدون تأمل وهو محتاج لجمع الحواس. وقال بعضهم أن أحسن الساعات للافتكار هي عند الانتباه من النوم صباحاً إذ يكون الدماغ مستريحاً ولذلك كان من أحسن الأمور إلقاء الدروس على التلامذة صباحاً. وآثر آخر أن يبدأ المرء بعمله بعد التنزه ومن ذلك تعظم فوائد الدروس التي يتلقاها الطالب في صفوف تقام بعد الرياضة البدينة. وارتأى آخر أن البدء بالعمل العقلي ينبغي أن يستعد لها بالقراءة وأوصى الأساتذة أن يعمدوا إلى هذه الطريقة. القيلولة هي نوم الظهر والراحة فيه لا غنية لسكان البلاد الحارة عنها وقد يستغني عنها في البلاد الباردة. وقد أخذ أهل العلم في إنكلترا يتناقشون هذه الأيام في فائدتها وخصوصاً لطلبة المدارس لأن هؤلاء يصرفون من دقائق الدماغ كل يوم جانباً كبيراً في استخدام القوى المفكرة والباحثة والمدققة والمشبهة والحاكمة فحالتهم والأمر على ما ذكر تستدعي راحة أعظم بالنظر لما يبذلونه من الإجهاد العقلي والقيلولة تنفعهم في صحتهم أكثر من الرياضات المألوفة في المدارس وما هي إلا عناءٌ آخر عضلي بعد ذاك العناء العقلي وخير للتلميذ أن ينام في فراشه ويريح عقله وجسمه من أن يسير في الهواء الطلق ويصرف وقت راحته في ترويض جسمه رياضة طبيعية مستمرة عنيفة. وارتأى القائلون باستعمال هذه الطريقة أن يفحص التلامذة كل يوم فحصاً طبياً بمعرفة أطباء من أهل الأخصاء يعهد إليهم فحص تراكيب التلامذة الفسيولوجية وينظرون في قواهم العقلية. سير العلم التعليم في مصر والسودان لا تزال مصر في مؤخرة الأمم بعدد متعلميها وكثرة أمييها والسودان في مؤخرة المؤخرة. فحيا الله يوماً نرى أهل هذين القطرين يقبلون على تعليم أولادهم إقبال الممالك الصغرى في الغرب على تعليم بنيهم. فترى سويسرا والبلجيك وهولندا والدنمرك والسويد ونروج واليونان ورومانيا وبلغاريا والصرب وكل منها هي دون مصر والسودان بعدد سكانها وغناها الطبيعي أرقى من هذين القطرين في التعليم بل الفرق بين التعليم وعدد المتعلمين هنا وبين التعليم والمتعلمين هناك كالفرق بين الشرق والغرب. ويؤخذ من تقرير اللورد كرومر عن مصر سنة ١٩٠٥ م أن عدد التلامذة الذين حضروا مدارس الحكومة سنة ١٩٠٥ هم ٧٤١٠ في الكتاتيب و ١٤٧٨ في دار تخريج المعلمين للكتاتيب و ٧١٧٥ في المدارس الابتدائية العالية و ٥٦١ في المدارس الصناعية و ١٣٤٥ في المدارس الثانوية و ٧٤٣ في المدارس الفنية ومجموعهم ١٨١٨٢ أنفقت معارف مصر عليهم ٢٧٦ ألف جنيه مصري. أما في السودان فكان عدد المتعلمين في مدارس الحكومة آخر السنة الماضية ١٥٣٣ صبياً منهم ٣٩٢ في كلية غوردون و ٢٩٩ في المدارس الابتدائية العليا و ٢٩ في كليتي المعلمين في أم درمان وسواكن و ٧٢٣ في المدارس الابتدائية الأهلية. وقال في كلامه على التعليم الثانوي بمصر أن عدد الناجحين ١٧٧ تلميذاً أو ٤٠ في المائة ممن تقدموا للامتحان - والامتحان بالإنكليزية أو الفرنسية - منهم ١١٧ من المسلمين و ٦٠ من المسيحيين فيظهر من ذلك أن ٦٦ في المائة كانوا مسلمين أي اقل قليلاً مما كانوا عليه سنة ١٩٠٤ وقل عدد الناجحين من المسلمين في امتحان الشهادة الابتدائية فإن عدد الناجحين في هذا الامتحان بلغ ١١٧٣ تلميذاً منهم ٧١٧ أو ٦١ في المائة من المسلمين يقابلهم ٦٦ في المائة سنة ١٩٠٤ قال وهذه النسبة ليست مما يوجب الرضى والسرور لاسيما إذا تذكرنا أن المسلمين ٩٣ في المائة من مجموع سكان القطر. وكان عدد المدارس الخصوصية التي تقدم منها تلامذة للامتحان ٩٩ مدرسة منها ٥٠ يديرها المسلمون و ٢٧ الأقباط و ٢١ يديرها المرسلون و ١ اليهود. قال فلوان ما يبذل من المال والهمة على المدارس الخصوصية التي على الطراز الأوربي يوجه إلى التعليم الأهلي باللغة العربية وهو على غاية الانحطاط لنتج عن ذلك فائدة عظيمة للبلاد عموماً. وتكلم على الكتاتيب التي قامت بهمة الأفراد في إحدى عشرة مديرية من مديريات مصر فقال أنها أنشأت حتى الآن ٧٥٨ كتاباً جديداً وهي تبني ١٨٧ كتاباً آخر ورممت ٣٦٦ كتاباً وبلغ عدد الكتاتيب التي هي تحت مراقبة الحكومة ٤٨٥٩ كتاباً منها ٢٥٦٥ كتاباً منحتها الحكومة إعانات قدرها ١٣١٦٤ ج م وقد بلغ عدد المتعلمين فيها ١٣٦٠٨٣ و ٩٦١١ بنتاً وعدد المعلمين ٦٢٩٥ والمعلمات ٣٢ وتحت إدارة نظارة المعارف ١٠٩ كتاتيب أخرى يتعلم فيها ٥٧٧٧ صبياً و ٨٣٣ بنتاً وبلغ عدد كتاتيب البنات وفي جملتها الكتاتيب التي تحت مراقبة الحكومة ٢٠٥٣ وعدد تلميذاتها ١٢٠٠٦ . وفي بولاق مصر مدرسة للصناعة فيها ٤٢٣ تلميذاً منهم ٢٨٥ مسلماً وفي المنصورة مدرسة صناعية فيها ٦٨ تلميذاً. ولا يزال عدد من يدخلون دار المعلمين الناصرية يزداد - وفيها يتعلم المعلمون العلوم باللغة العربية - فقد بلغوا ٢١٠ في السنة الماضية وفي المدرسة السنية لمعلمات المدارس الابتدائية ١٨ معلمة وفي مدرسة بولاق لمعلمات الكتاتيب ٣٩ وفي مدرسة عبد العزيز لمعلمي الكتاتيب ١٠٦ وفي مدرسة الفيوم ٦٢ ودار التعليم في درب الجماميز ٦٩ معلماً. وفي مدرسة الزراعة الآن ٧٠ تلميذاً منهم ٣٩ من المصريين والباقون من أمم مختلفة. قال اللورد ومما يسوءني ذكره أن ٢٢ تلميذاً من التلامذة المصريين مسلمون وفي مدرسة الهندسة ٥٧ تلميذاً ومجموع تلامذة مدرسة الحقوق ٢٧٣ منهم من يدرسها بالفرنسية ومنهم بالإنكليزية وفي مدرسة الطب ١١٦ تلميذاً اثنان منهم في القسم الصيدلي وفي مدرسة البيطرة ٣٢ تلميذاً وعدد تلامذة مدرسة العميان بمصر ٢٧ وتلامذة العميان بالإسكندرية ١٧ وفي كلية فكتوريا في الإسكندرية ١٧٥ تلميذاً المسيحيون منهم ٧٨ واليهود ٦١ والمسلمون ٣٦ . الاختراعات في أميركا تكاد تكون الولايات المتحدة مستأثرة بالاختراعات والاكتشافات في الغرب لهذا العهد فإن ما يخترعه أبناؤها ويكتشفونه يدل على أن قوة الإبداع والإيجاد وقف عليهم ومه أن حكومة تلك البلاد تتصعب كألمانيا في إعطاء البراءات للمخترعين المكتشفين ما لم يثبت لديها ثبوت الشمس أن صاحب البراءة ابتدع ما لم يسبق إليه حقيقة فقد أحصيت البراءات التي منحتها الحكومة الأميركية سنة ١٨٥٥ فكانت ٢٠٠٠ براءة ولم تبرح ترتقي سنة عن سنة حتى كانت سنة ١٩٠٣ - ٣١٧٠٠ براءة. النساء العالمات ألفت في لندن إحدى بنات أحد الماليين مجمعاً للنساء العالمات في العالم ونشرت هذه الآونة تأليفاً سيصبح فيما بعد مجلة تصدر في أوقات تعين لها جاء فيه اثنان وثلاثون خبراً ومبحثاً وقطعة شعرية موقعاً عليها من نساء عالمات من إنكلترا وأميركا وفرنسا وإيطاليا وألمانيا وهولندا ورومانيا وكل منهن تكتب بلغتها فكان للإنكليزية الحظ الأوفر وتلتها الفرنسية فالإيطالية ولا يقصر هذا المجمع النسائي أعماله على نشر مقالات الجنس اللطيف في الغرب وأشعارهن بل يتخذ له مركز في عواصم العالم المهمة يكون فيها ما يلزم للمشتركات من أنواع الراحة وضروب المسليات المباحة وخزائن كتب وقاعات اجتماع وقاعات طعام وقد دعون في لندن وبرلين كبار رجال السياسة فلبوا دعوتهم وكان في تلك الاجتماعات غناءٌ ومعارض صناعية من أشغالهن يبعنها بواسطة مكتب تجاري أقمنه لهذا الغرض وكلما تزايدت أعمال هذا المجمع زادت فائدته للمشتغلات بالعلم والصناعة من بنات العقول في الغرب. فمتى يكون للشرق يا ترى مجتمعات كهذه للرجال ثم للنساء. البنات اليابانيات نالت شهادة الطب من الدرجة الأولى من كلية ماربورغ الألمانية الآنسة ايادا ماتا من مدينة كوموتو اليابانية. وليست هذه هي المرة الأولى التي نال فيها اليابانيات أرقى شهادات العلم وأثبتن ذكاءهن وبعد نظرهن في المطالب العالية فإن كليات نيويورك وشيكاغو وسان فرنسيسكو غاصة باليابانيات ممن يدهشن العالم بفهمهن وعلمهن. وإمبراطورة اليابان هارو كوف هي من أشد أنصار النساء وتعليمهن لتحريرهن من رق الجهل فقد بعثت منذ جلست على عرش الإمبراطورية بكثير من البنات على نفقتها إلى كليات أوربا وأميركا. بدأت بذلك سنة ١٨٧١ ولا تزال ترسل كل سنة طائفة من البنات تطلبهن إلى حضرتها قبل ذهابهن وتلقي عليهن المواعظ الحسنة وتحثهن على أن يكتبن لها كل ثلاثة أشهر على الأقل بما تلقينه من أساتذتهن ويطلعنها على نتائج دروسهن وأبحاثهن ويشرحن لها ما أحدث في نفوسهن اختلاطهن بالحياة الأميركية. وليت شعري متى يكون للشرق الأدنى بعض ما للشرق الأقصى من العناية بتعليم البنات وتهذيبهن. مكتبة نفيسة حزن العلم لضياع مكتبة المثري الأميركي الشهير المستر سوترو في زلزال سان فرنسيسكو الأخير فلم يكن فيها أقل من ٢٢٥ ألف مجلد ومعظمها من كتب العلم والصنائع والأدب القديمة ونسخ مخطوطة بخط مؤلفيها ولاسيما كتب من طبع غوتنبرغ مخترع الطباعة وهذه الخزانة هي أنفس مكتبة في أميركا الشمالية فلا عجب إذا تأسف العلماء لفقدها ولا تأسفهم على ما ضاع في ذلك الزلزال من المكاتب الخاصة والعامة والعروض والأموال. مكاتب فرنسا وضعت إحدى الصحف اليومية الباريسية مقالة افتتاحية في خزائن كتب فرنسا وما تم فيها من الارتقاء في مائة سنة فقالت كان عددها سنة ١٨٧٣ ، ٧٣٣ مكتبة فيها ٨٣٨٠٠٠ تأليف فصارت في السنين الأخيرة ٢٩١١ مكتبة فيها ٤١٦٦٤١٧ مصنفاً وذلك عدا مكاتب المدارس وعددها أربعون ألف خزانة كتب. قالت أن رغبة الناس انصرفت في العهد الأخير إلى مطالعة الصحف وبعض المجلات حتى عد فريق من أرباب النظر تلك المطبوعات الدورية أعداء الكتب والرسائل. وقال آخر أن المجلات والجرائد تعين على انتشار الكتب والرغبة فيها والصحف أكبر مساعد على خدمة العلم بما امتازت به من الأساليب فإنها تكتب بحسب الأحوال والدواعي فتبعث المطالع على النظر فيها رغم أنفه. ثم ذكرت أن فرنسا متخلفة عن ألمانيا من حيث انتظام مكاتبها ووفرة عددها كما أن هذه متخلفة عن إنكلترا وأوربا كلها متخلفة عن الولايات المتحدة وما مكاتبها إذا نسبت لمكاتب العالم الجديد إلا أكواخ. ومن لأوربا بكريم يشبه كارنجي المثري الشهير الذي يبذل من ماله كل سنة خمسة أو ستة ملايين ريال أميركي لإصلاح خزائن الكتب في بلاده وهو يقول أن المكتبة مدرسة في الحقيقة وقيمتها مؤدب ومرشد. نفقات الجيوش قدر أحد الصحافيين في أميركا ما أنفقته الدول منذ خمس وثلاثين سنة على تسليح جيوشها فكان معدله السنوي ثمانية عشر ملياراً منت الفرنكات ذهب أكثرها هباءً منثوراً وأن ميزانية الدول جمعاء تضاعفت منذ ذاك العهد. اعتصابات العملة كثر إضراب العملة عن العمل في السنين الأخيرة فقدرت إحدى المجلات الاشتراكية ما حدث من الاعتصابات منذ ست سنين فكانت ٤٢٧٠ اعتصاباً والمعتصبون ١١١٩٠٥٠ عاملاً منهم من نالوا مطالبهم ومنهم لم ينالوا سوى جزءٍ منها ومنهم من أخفقوا. السخاء الأميركي رأى أحد علماء الألمان أن ما لفت أنظاره في أميركا هو سخاء أفرادها فهم ينفقون الملايين على إنشاء الكتاتيب والمدارس والكليات حتى أن أحدهم وهب أربعة ملايين ريال لإنشاء كلية شيكاغو وحدها. نقل الأبنية في أميركا ينقلون البناء الهائل من أساسه ويجعلونه في مكان آخر دون أن يطرأ عليه ما يخربه ويكون ذلك في الأبنية غير الشامخة وقد نقل الألمان هذه الآونة منارة مدينة ويتمبرغ بالقرب من همبورغ وكان وزنها نحو ستين طناً وعلوها ٣٨ متراً ودامت النقلة ٣٢ دقيقة وكلفت عدا ثمن الأخشاب ٨٣٥٠ فرنكاً فتأخرت المنارة عن محلها عشرة أمتار وكبر بذلك مدخل السفن في الميناء. مقالات المجلات  سقوط الكتب تكلم أحدهم في إحدى المجلات الفرنسية عن سقوط الكتب فقال أن طريقة الإعلانات قد أحدثت تدجيلاً تجارياً هائلاً فإن بعض المؤلفين ينشرون عن مصنفاتهم إعلانات ويبذلون في هذا السبيل من الأموال ما لا يوفي ما ينفقونه إلا طبع عشرين إلى ثلاثين ألف نسخة فتراهم يبتاعون العمود الأول في بعض الجرائد ينشرون فيها صورهم وشيئاً من تراجمهم ويودعونها مفاوضات العلماء بشأنهم ويشغلون الصحف بمناقبهم كل هذا لترويج سلعتهم.  الآلام البشرية رأى المستر ستيد صاحب مجلة المجلات الإنكليزية أن يأسو جراحات الإنسانية بخمس مواد وضعها وأيقن أن فيها خلاص البشر في هذه الدار فدعا الأغنياء والفقراء وأرباب السلطة والضعفاء أن يعملوا وإياه يداً واحدة في تحقيق هذه المشروعات الخمسة الخيالية. وهي ( ١ ) إخاءٌ عام أساه العدل والحرية مع بث روح الوئام بين النام واتفاق كلمة الإنكليز والأمريكان وألفة الدول والعطف على الأجناس المحكوم عليها وتحكيم دولي ( ٢ ) اجتماع الأديان كلها وأهل المباحث العلمية الشرعية في عالمي المادة والروح ( ٣ ) الاعتراف بحقوق المرأة في المجتمع وإعطاؤها حقها من الامتيازات الوطنية ( ٤ ) إصلاح حال الشعوب ( ٥ ) تحسين قوى الشعوب طبيعية كانت أو عقلية وذلك ببعثها على المطالعة واللعب في الهواء الطلق والموسيقى والتمثيل.  اتحاد أوربا كتب أحد نبلاء الإنكليز في مجلة القرن التاسع عشر رسالة قال فيها أنه موقن بأن الدول لا يعملن بإخلاص على الوفاق الودي الإجماعي بينهن وانه لابد من نشوب ثورة يكون شؤمها مما لم يره الراءون ولا رواه الراوون ولكنه رجا أن يتم بفضل رئيس الوزارة الإنكليزية الحالية تأليف اتحاد عظيم يرمي إلى السلم ويقي العالم هذا الخطر المحدق وقال أن كثرة المعدات الحربية اضطرت الحكومات إلى إنفاق نفقات طائلة ولا غاية منها إلا تقوية عددها وعديدها استعداداً لما عساه يطرأ من التعادي فهن يتحملن نفقات فاحشة في ميزانياتهن وكان عليهن أن يعرفن مصالحهن المشتركة ويفضضنها على أهون الأسباب. وقد أراد إلغاء الجمارك كلها لأن مبدأ حماية التجارة برأيه لا يتأتى عنه إلا خراب البلاد الاقتصادي.  التعليم الابتدائي ارتأى أحدهم في إحدى المجلات البريطانية أنه ينبغي أن تصرف عناية كل أمة إلى تقليل عدد التلامذة في جميع الصفوف وأن تجزأ هذه وتقسم إلى أقسام وأن يلقن الأولاد كيفية التعليم بأنفسهم إذ قد دلت التجارب على أن الدروس التي يتعلمها المرء من تلقاء ذاته هي أحسن ما يتلقنه من ضروب العلم في حياته.  عدد الصينيين ظهر لأحد الباحثين من الإنكليز أن في سكان الصين وهم أربعمائة مليون ٣٧٨ مليوناً ينتحلون ديانة كونفوشيوس وبوذا وتاواست و ٢٠ مليوناً يدينون بالإسلام ومليونين يدينون بالنصرانية.  السل البقري جاء في مقالة لأحد علماء الألمان أن السل البقري يزداد في أوربا فتكاً فإن فرنسا تخسر به ثلاثين مليون فرنك وألمانيا خمسة وعشرين مليون مارك وأن لبن الأمهات ينقص كلما أكثر عدد سكان المدن كما هو المشاهد في ألمانيا فإن ثلث أطفال برلين محرومون من ثدي أمهاتهم لنضوب درهم وارتأى أن أحسن طريقة للبقر أن تحقن حتى يكثر نوعها ودرها ولا تصاب بالسل.  رسوم اللغات المحيط - في الأرض نحو ثلاثة آلاف لغة مختلفة لهجتها كلها بعضها عن بعض ولكن بينها لغات كثيرة متشابهة كالتركية والعربية أو الفرنسية والإنكليزية وبينها ما يكثر فيه الاختلاف رسماً وكتابة ومطالعة فبعضها يقرأ ويكتب من اليمين إلى اليسار وبعضها من اليسار إلى اليمين والبعض من أعلى إلى أسفل كلغات الصين واليابان وما جاورها. اطلع على كتيب جمعت فيه أمثلة من ٢٩٦ لغة وقد كانت الجمعيات الدينية السبب الأكبر في رسم لغات كثيرة منها لم تكن من اللغات المكتوبة من قبل وذلك توصلاً إلى إتمام ما قصدته من نشر التوراة والإنجيل بين جميع الشعوب.  ديانة الكالا المشرق - كالا بكاف ثقيلة تركية وإن شئت فبجيم مصرية ولام مشددة كلمة ينعت بها الأحباش النصارى الأمحريون من سكان الحبشة الأميين الذين لا يدينون بإحدى الديانتين الشائعتين في شرق إفريقية وهما الإسلام والنصرانية. ومعنى اللفظة من لا كتاب له ثم عم استعمال هذه الكلمة فاشتهر بها اسم هذه الأمة التي تدعو نفسها أورومو والكلمتان اليوم مشهورتان ودونهما شهرة كلمتا أركتا وكوتو اللتان يعرف بهما هذا الشعب. فالكالا اسم لأمة كبيرة تعد من أكبر شعوب إفريقية عدداً تقطن في شرق هذه القارة بلاداً فسيحة متسعة تعم بلاد منليك كلها وسهولاً معظمها مجهول تمتد بين المملكة الحبشية وما وراء بحر الغزال غرباً وبلاد الكنغو جنوباً. ويقدر عدد الكالا الخاضعين فقط لسلطة النجاشي بضعف عدد الأمحريين أي باثني عشر مليوناً ويقسمون من حيث أديانهم إلى ثلاث طوائف أولها الكالا المسلمون وهم طائفة لا يتجاوز عددها الثمانين ألفاً تقطن في المقاطعة الهررية فقط وقد دانت بالإسلام على يد الهرريين ومن يجاورهم من المسلمين. وثانيها الكالا النصارى وهم طائفة قليلة لا يتجاوز عددها مائة ألف نفس تسكن بين الأمحريين نصفهم كاثوليك والنصف الآخر يعاقبة. وثالثها الكالا الأمم وهم الطائفة العظيمة وهي ليست وثنية بل تعبد إلهاً واحداً وتحرم السرقة والقتل وكل ما يدل العقل على أنه منكر وتأمر باحترام الشيوخ والوالدين وبالتضرع إلى واكا وهو الله جل جلاله وتنهى عن أكل اللحم البشري.  تطور الأمم المنار - أفاض في أطوار الأمة الإسلامية قديماً وحديثاً من حيث سياستها وأخلاقها وعلمها ومما قاله: ثبت بالتجربة والاختبار أن المتعلمين للعلوم الكونية هم الذين يسودون أمتهم كما أن الأمم السابقة في مضمار هذه العلوم تسود المتخلفة فيه فالناس تبع لهؤلاء المتعلمين صلحوا أم فسدوا فهم التيار الجديد الذي يحول الأمة من حال إلى حال وعقول هؤلاء المتعلمين وقلوبهم بين أيدي الأجانب فهم الذين يودعون فيها وينقشون في ألواحها المستعدة ما يريدون على علم منهم بغايته وأثره. ومما نشاهد من أثره أن أكثر المتعلمين لا قيمة للدين الذي هو الرابطة العامة للمسلمين في نفوس أكثرهم فهم لا يصلون ولا يصومون ولا يحللون ولا يحرمون وإنما همُّ أكثرهم التمتع باللذات الحسية ولو بذلوا في سبيلها جميع المصالح العامة. ثم هم مع هذا مغرورون بأنفسهم يحسبون أنهم أرقى من سلفهم الصالح عقولاً وأرجح أحلاماً وأوسع علوماً وأفضل آداباً وأقدر على الأعمال الاجتماعية فلا الدين عرفوا ولا حب الأمة أشربوا وكيف وهم على جهلهم بشريعتها يجهلون تاريخها الذي لم يتفضل عليهم ساداتهم الأجانب بشيءٍ حقيقي منه إلا بعض المسائل المنتقدة التي صوروها بغير صورتها.  الأطباء ومدارس الطب الحكمة - كان من يتعاطون الطب في عهد الفراعنة ثلاثة أقسام وهم الحكيم العادي والراقي والمشعوذ الساحر كما وجد في رسالة مكتوبة في عدة صفحات من ورق البردي. كتب هيرودتس أن الطب كان موزعاً في مصر توزيعاً علمياً دقيقاً بحيث كان الحكيم يشتغل بفرع واحد لا بعدة فروع منه. بعضهم يطب الرمد وبعضهم أوجاع الرأس وآخرون المعدة وغيرهم الأمراض الباطنية. وكان الرمديون أكثرهم عدداً ومهارة حتى اشتهروا خارج مصر لأن المصريين كانوا عرضة لرمد موضعي لم يزل شائعاً. ومن الأطباء عدد ليس بقليل كان مشتغلاً بمرض الأسنان لأن المصريين كانوا أيضاً عرضة لهذا المرض لرطوبة البلاد ولحسن سمعتهم في البلاد وخارجها استحضر قورش ودار (من ملوك الفرس) أطباء منهم لمعالجة الأمراض التي كانا مصابين بها وكذلك نجد في مراسلات دارت بين بلين وتراجان (وكلاهما روماني) يهنئ فيها الأول نفسه لنجاته على يد طبيب مصري يدعى أبو قراط وكان أطباء مصر يسيرون في المعالجة حسب قواعد وأصول مكتوبة ويصفها عدد كبير من قدماء الأطباء وكذلك المهندسون المعماريون كانوا يتبعون تصميماً واحداً في بناء معابدهم والنقاشون يرسمون العظماء من الرجال على طريقة واحدة ثابتة. نفاضة الجراب منام الوهراني للوهراني صورة منام رآه أو تخيله أتى فيه بكل حلاوة اعتذر ابن خلكان بطوله عن ذكره في ترجمة الرجل. رأى كأن القيامة قامت والناس يعرضون على الديان بأعمالهم فوصف حال فريق الجنة وفريق السعير بألفاظ لو عرت عن البذيء لساغ نشرها على رؤوس الملأ فسأل عن بعض من يدعون التصوف وهم بعيدون منه فقيل له هؤلاء قوم غلب عليهم العجز والكسل في الدنيا فهربوا من كد الصنائع والأعمال إلى زوايا المساجد والمشاهد بحجة العبادة والانقطاع فلا يزال أحدهم يأكل وينام حتى يموت. قال: فبأي شيءٍ كانوا ينفعون الناس ويعينون بني آدم فقيل له: والله بلا شيءٍ البتة ولا كانوا إلا كمثل شجر الخروع في البستان يشربون الماء ويضيقون الطريق وليس لهم ثمرة. ثم قال: ومشينا معه (في المحشر) مقدار أربعة فراسخ وإذا بجمع عظيم يحتوي على مشايخ وشبان وكهول قد حف مجلسهم السكينة والوقار وجلالة الملك والرياسة تلوح على وجوههم فسألنا عنهم فقيل هؤلاء السادة والقادة من بني شمس فدخل قسيم الأعور حتى وقف بين يدي عظيمهم فقال: يا خال (كذا) المؤمنين يا كاتب وحي رب العالمين نحن قوم من محبيكم وقد طردنا عن الحوض لأجلكم ونحن هالكون من شدة العطش بسببكم فقال: لك بينة تشهد بما تقول فقال: نعم جماعة من شيعتكم ومحبيكم الأكراد فقال: أحضرهم فقال: ابعث معي رجلاً شامياً فتخلل الناس ونادى بأعلى صوته: يا عبد الملك بن درياش (؟) قاضي قضاة مصر في أيام الملك الناصر صلاح الدين فلم يجبه أحد. فوقع ابن بدر مغشياً عليه من شدة الأوام فقعدنا عند رأسه وسألنا هل عندكم قطرة ماء نبل بها حلقه. فقالوا: لا والله لو تقدمتم قليلاً لما احتجتم إلى هذا كله. فقلنا له: وكيف ذلك. فقال: لأن أم حبيبة زوجة النبي (ص) تبعث إلى أخيها معاوية كل يوم خمس ثلجيات مزملات كل ثلجية مثل جبل الثلج عشرين كرة فيها الماء الخاص من عين التسنيم. يدفع واحدة منها إلى عمرو بن العاص والأخرى إلى زياد بن أبي سفيان وذويه والأخرى إلى مروان بن الحكم وذويه والأخرى إلى سعيد ابن العاص وذويه ويقسم الواحدة في آل أبي سفيان. وما كان أسرع من أن حضرة القاضي في جماعة من الأكراد فتقدموا إلى معاوية فسلموا عليه ثم التفتوا إلى ابنه يزيد فقالوا: السلام عليك يا إمام العدل السلام عليك يا خليفة الله في الأرض السلام عليك يا ابن عم رسول الله السلام عليك يا سيدي ورحمة الله وبركاته نفعنا الله بطاعتك وأدخلنا في شفاعتك ورفع درجتك في الجنة كما رفعها في الدنيا فرداً عليهم رداً خفيفاً وقال للقاضي صدر الدين: الحمد لله الذي جعل في أصحابي وشيعتي من يصلح أن يكون قاضي قضاة المسلمين. فقال له القاضي: كل ذلك ببركة الفقيه عيسى ضياء الدين. فقال له أوصيك بأصحابك الأكراد خيراً فإنهم أولى بحسن تدبيرك من سائر الناس فقال: نعم يا أمير المؤمنين ما أحتاج فيهم وصية هذا أنا قد وليت القضاء لجماعة منهم أنا أعرفهم في بلادنا لا يعيشون إلا من لصوصية البقر في الليل وسرقة الحمير بالنهار ولم أفعل ذلك إلا لأني ألزمت باستقضاء قوم أنحس منهم بكثير. الانتقاد على المقتبس تفضل كثير من رجال العلم والأدب بنقد هذه المجلة فقال حافظ أفندي إبراهيم أن المقتبس مصبوغ بصبغة شرقية قديمة فينبغي له نبذ القديم من الموضوعات واتخاذ لباس قشيب ينضيه كلما جد غيره. وقال إبراهيم أفندي الجمال كلاماً يقرب من هذا وأن للتفنن في إيراد الأبحاث الجديدة الحاضرة طلاوة ووقعاً في النفوس وقال محمد لطفي أفندي جمعة كلما عمدت إلى النظر في المقتبس تعاظمت أبحاثه وتجافت نفسي عن عباراته لأني أجدني بين مادة صرفة وجد بحت ولاشك أن معظم القراء يشعرون شعوري فلابد لمن أراد أن يعلم غيره أن يتنزل في عباراته وموضوعاته ويحتال عليه ليطالع شاء أم أبى. وقال أحمد بك زكي أرى في بعض الأبحاث اقتضاباً يكاد يكون مخلاً فعليك بإشباعها وعندي أن الأجدر أن تترك قال أحدهم وروى بعض العلماء أو أحد الأساتذة وتنسب القول إلى قائله مباشرة فإن هذا الباب فتح قديماً باب التلاعب في كثير من العلوم وكذلك اليوم. فلا غنية لمن يريد أن يخدم العلم عن التصريح بأسماء المنقول عنهم. وكتب من بغداد الأب انستاس ماري الكرملي يقول: عربتم فصلاً عن إحدى المجلات العلمية ص ٩ ولم تذكروا اسم المجلة وهو أمر مهم في مثل هذا المقام. وكذلك لم تنوهوا باسم الكاتب الأصلي. وقد تكرر فعل ذلك عدة مرات فأظن أن الأحسن ذكر كل جريدة باسمها وكل مؤلف باسمه. ثم حاولتم بعض الأحيان ذكر لفظة بلفظة أخرى طلباً للجلاء من ذلك ذكرتم في ص ٥٦ العكرش فقلتم. . . وبزر كالجاورس - وهو حب يؤكل مثل الدهن (وهو من خطأ الطبع وتريدون الدخن) ولعله الدخن. قلنا ليس العكرش بالدخن بل هو نبات آخر مشهور عند جميع أعراب البادية في العراق ولا يشبه الدخن إلا في الحب فقط. وقلتم ص ١٠٨ التوابل (السلطات) والصحيح أن هذه غير تلك. وذكرتم ص ١٣٦ اسم الفنطبيل بمعنى البرميل. ولا مشابهة بين الاثنين وكلاهما معروف عندنا باسمه وبمميزاته. وذكرتم النيرات (ولعلها النيترات) باسم (البورق) وليس الأمر كذلك وبينهما بونٌ بين. وقد وقع في أجزاء المقتبس أغلاط طبع كثيرة فالأمل أنها تصلح في ما يلي أو يمنع وقوعها. وحسناً عملتم وتعملون عند خفاء معنى لفظة أن تكتبوها على علاتها ثم تضعون وراءها علامة الاستفهام أو كلمة (كذا). فإن ما لا يفهمه ذاك. مثلاً كلمة ويبة فهي مستعملة في العراق وقد جاءت في ص ٣١ وهي من المكاييل سعتها ٢٤ مدّاً. وأما المقالات العلمية فإنها لا تخلو من المغامز ولعل السبب أنكم أردتم أن تجمعوا فوائد جزيلة في حجم صغير. فجاءت الفوائد مبتورة غير مشبعة بالتحقيق. وقد ذكرتم في مستهل المقتبس أن مجلتكم تتمحض للعلم المحض فلا يتحرج من تلاوتها الموافق والمخالف والحال قد ورد في العدد الثالث مقالة عن حرق مكتبة الإسكندرية يستشف من خلال سطورها أن المقتبس لم يتمسك بما وعد فقول الكاتب التركي أن نسبة الحريق لعمر أو لعمرو أكذوبة لفقها أبو الفرج. . . إلى آخر ما هناك واستحسانكم إياه يخالف الحق. فقد ذكر كتبة المسلمين ومؤرخوهم ما يزل الشبهة في هذا الصدد منهم ابن القفطي في تاريخه وموفق الدين عبد اللطيف البغدادي في الفصل الرابع من كتاب الإفادة والاعتبار ومنهم المقريزي الخ الخ فيجدر بالإنسان أن يذكر الأمور التاريخية على صورتها بدون أن يوقع الإهانة بقوم أو بجماعة ولاسيما في مسألة كثر فيها الخلاف والنزاع. حبوتك ألقاب العلا فادعني باسمي فما تخفض الألقاب حراً ولا تسمي يقولون محمود ويا ليت أنني كما زعموا يا ليت لي طالعاً كاسمي محمود سامي البارودي</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_7.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.7.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
