<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.69.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.69.TEIP5:</urn>
<passage>كتب اللغة الانتقادية أختلط العرب بالأجانب بعد الفتح فأثر التياثهم بهؤلاء فيهم آثار اسبقها التأثير في لغتهم لأن اللغة وهي آلة الترجمة والتفاهم أقرب إلى إلى الانتقال من الأخلاق والعادات بل هي المدخل إلى انفعال الآداب ولنا من اهتمام الأمم الحية بنشر لغاتها دليل بات على ذلك ولا أريد هنا شياع الألفاظ الدخيلةشاع في العصر العباسي استعمال المعرب والمولد شيوع الاجنبي في هذه الايام وهذا هو القصد نت تسبته لذلك العصر عصر بسط الامة في العمران لانه حدث فيه ابتداءَ فان كثيراً من الدخيل يرجع الى عهد احتكاك العرب بقدماء المصريين وبالفرس والهنود وغيرهم الامم التي احتك العرب بها في الجاهلية فاقتبسوا عنها مفردات غير يسيرة وتسربها إلى العربية فإن ذلك إنما ظهر بعد تبسط الأمة في العمران ولكن أريد بذلك اللحن الذي حدث بعد الفتح أو في أخرياته والعرب عرب في أزيائهم وأوضاعهم وشظفهم في المعيشة فقد بدأوا يلحنون في التراكيب ثم في المفردات وانتهى ذلك بوضع علمين علم يحفظ التراكيب عن الخطأ وهو النحو وآخر يحفظ المفردات الصحيحة وهو علم اللغة وابتدأ العلماء قبل عهد التدوين ينتقدون اللحن في محاوراتهم ثم دونت اللغة ودون في أثنائها فن يصح إن يسمى (اللغة الانتقادية) وهو فرع بمعنى خاص من علم اللغة تنتقد فيه المفردات المستعملة غلطا في كلام الخاصة والعامة فيذكر فيه المصحف والمحرف والمقلوب والمستعمل في غير موضعه والمتغير وضع حركاته وسكناته وقد ألف في هذا الفن جماعة من أقدمهم أبو عبيدة معمر بن المثنى اللغوي البصري المتوفى سنة ٢١١ وقيل قبل ذلك ألف كتاب (ما تلحن فيه العامة) ولعله أول من كتب في هذا الشأن فإني لم أجد غيره ممن طرق هذا الباب إلا أتلى منه وللإمام أبي بكر المازني المتوفى سنة ٢٤٨ كتاب بهذا الاسم ولأبي حاتم سهل بن محمد السجتاني العالم الشهير المتوفى سنة ٢٥٥ وقيل قبل ذلك بقليل كتاب (لحن الأمة) وبهذا الأمم كتاب لأبي حنيفة أحمد بن داود الدينوري المتوفى سنة ٢٩٠ وألف المفضل بن سلمة الفاضل الكوفي صاحب الاستدراك على العين وكان معاصر للفراء ومنقطعا للفتح بن خاقان كتاب (الفاخر) في لحن العامة وبهذا الاسم أيضا كتاب في لحن العامة لابن البلخي وكان مستوفيا في بلخ على عهد السلطان محمد السلجوقي وألف محمد بن الحسن الزبيدي الاشبلي المتوفى سنة ٣٧٩ كتاب (ما يلحن فيه عوام الأندلس) ولأبي هلال العسكري صاحب كتاب (الصناعتين) المتوفى سنة ٣٩٥ كتاب (لحن الخاصة) وألف ابن باني محمد بن علي السبتي المتوفى سنة ٧٣٣ كتابا في لحن العامة وفيه كتاب لابن هشام لابن هشام محمد بن أحمد اللخمي المتوفي قبل الستمائة. وقد أنتقد جماعة من اللغويين كتب آخرين منهم فمن الكتب المنتقدة وهي في موضوع انتقادي كتاب (درة الغواص في أوهام الخواص) وهو الكتاب المعروف لأبي القاسم محمد بن عثمان الحريري البصري صاحب المقامات المتوفى سنة عشر وخمسمائة وقيل سنة ٥٤٦ وقد أعتني به الأدباء فحشاه وشرحه واختصره وزاد عليه ورده ونظمه جماعة منهم وممن شرحه شرحا انتقاديا شهاب الدين شهاب الدين الخفاجي المصري صاحب الديوان المعروف وأبو الثناء الألوسي البغدادي صاحب (روح المعاني) وسمى شرحه (الطرة) وزاد عليه ابن منصور موهوب بن احمد الجواليقي المتوفي سنة ٥٣٩ ملحقاً سماه التكملة ولكن في لحن العامة وممن رد عليه ابن الخشاب المتوفي سنة ٥٦٧ ورد على الحريري في الدرة أيضاً أبو جعفر محمد بن عبد الله المكي اللغوي المتوفي سنة ٥٦٥ . ومن العلماء النقادين أبو نعيم علي بن حمزة اللغوي البصري المتوفي سنة ٣٧٥ ردّ على ثعلب في الفصيح كما انتصر له ابن خالويه ولأبي نعيم هذا رد على جماعة من اللغويين وصنف أبو حاتم الهروي كتاب (الرد على أبي عبيدة) في غريب القرآن ولبعد السلام بن عبد الرحمن اللهخي الإشبيلي المتوفي سنة ٦٢٧ كتاب يرد على ابن سيده صاحب المخصص المتوفي سنة ٤٥٨ . ومن كتب اللغة المشهورة التي انتقدها العلماء كتاب (العين) الذي يقولون أنه أول كتاب وضع في اللغة ولكنه لم يكمل واشتهر أنه للخليل بن أحمد الفراهيدي الإمام الشهير المتوفي سنة ١٧٥ ولكن أنكر العارفون أنه له كما جمعوا على تشويشه وسوء ترتيبه وتطرق الخطأ إليه واشتغل جماعة بترتيبه وتهذيبه واختصاره وانتقاد الأغاليط التي جاءت فيه وممن انتقده محمد بن عبد الله الإسكافي أحد أصحاب الصاحب بن عباد في كتاب جمع فيه كثيراً من أغلاط الأدباء واختصره أبو بكر المازني واستدرك عليه المفضل بن سلمة وألفت كتب كثيرة بشأنه وتوجد من كتاب (العين) نسخة على نقصها في بعض بيوت النجف خطها وورقها عاديان. ومن رجال الانتقاد في اللغة مجد الدين الفيروزأبادي صاحب القاموس فقد خطأ جماعة من اللغويين منهم أحمد بن فارس القزويني اللغوي صاحب (المجمل) المتوفي سنة ٣٩٨ فإن الفيروزأبادي جمع عليه ألف وهم في كتابه المعروف بالمجمل وذلك في كتاب مستقل وكتاب المجمل هذا يقع في جزئين كبيرين ويوجد جزؤه الأول عند أحد الأدباء في النجف مخطوطاً في القرن السادس على ما أظن ولا أحفظ السنة ويوجد منه جزءٌ في مكان آخر ولا أعلم أهو الأول أم الثاني وممن خطأه صاحب القاموس الإمام أبو نصر إسمعيل بن حماد الجوهري صاحب (الصحاح) المتوفي سنة ٣٩٣ فإن من يتصفح القاموس يجد نسبة الوهم إلى الجوهري في مواضع كثيرة منه والقاموس إنما بني على انتقاد الصحاح والزيادة على ما فيه ثم أن الفيروزأبادي يتحامى ابن فارس أكثر مما يتحاشا من الجوهري على أن صاحبي المجمل والصحاح متعاصران ولا يعلم أن الجوهري أجاد فيما كتب أكثر من ابن فارس ولكنه إنما تناول الأول وحط منه لتوفر الناس على مطالعة كتابه واشتهاره أكثر من المجمل فنال غرضه وهو أن نبذ القراء الصحاح وأقبلوا على القاموس وهو وإن كان أوفر مادة إلا أنه أعجمي اللهجة ثقيل العبارة عكس الصحاح. وانتقد الصحاح جماعة غير الفيروزأبادي منهم الإمام عبد الله بن بري المتوفي سنة ٥٧٦ سمى كتابه (التنبيه والإيضاح عما وقع من الوهم في كتاب الصحاح) وللقاضي الأكرم علي بن يوسف القفطي مؤلف تاريخ النحاة من علماء القرن السادس كتاب (إصلاح الخلل الواقع في الصحاح). وللصفدي صاحب شرح لامية العجم المتوفي سنة ٧٥٧ كتاب (نفوذ السهم فيما وقع للجوهري من الوهم) وقد انتصر للصحاح على القاموس جماعة منهم القاضي أويس بن محمد المتوفي سنة ١٠٣٧ في كتاب سماه (مرج البحرين) ومنهم أبو زيد عبد الرحمن بن عبد العزيز نزيل مكة في كتاب سماه (الوشاح في رد توهيم المجد للصحاح) وقد اعتمد المؤلف في رده على مجمل ابن فارس ومختصر العين للزبيدي وعلى نسخة من نهاية ابن الأثير بخط المصنف وعلى نسخة وقعت له من الصحاح خالية من التصحيف والتحريف العارضين اللذين أوهما بعض المنتقدين فرد على الجوهري في بعض المواضع وقد أحسن نصير الصحاح هذا في دفاعه ما شاء ولا يكاد يوجد هذا الكتاب الانتقادي على أنه مطبوع وهو يقع في ١٣٤ صفحة متوسطة طبع سنة ١٢٨١ ببولاق بالمطبعة الكبرى الممتازة. وقد ألف النقادون كتباً في الرد على القاموس نفسه منها كتاب (الدر اللقيط أغلاط القاموس المحيط) لمحمد بن مصطفى الشهير بداود زادة المتوفي سنة ١٠١٧ ولدي كتاب (القول المأنوس في شرح مغلق القاموس) وهو تعليقة جمعها مؤلفها من حاشيتين إحداهما لعبد الباسط سراج الدين البلقيني والأخرى لجمال الدين الشهير بسعدي الرومي والكتاب مبني على إيضاح بعض الجمل والمفردات وقد تذكر فيه مواضع الخلاف بين صاحب القاموس وصاحب الصحاح وغيره ويزاد عليه من المعاني في الصحاح ما قد أغفله الفيروزأبادي وردت فيه بعض المواد التي ادعى إغفال الصحاح إياها إلى نسخة من الصحاح مصححة وجدت تلك الألفاظ في هامشها وخط التعليقة حسن متأخر وورقها جيد مذهب وصفحاتها ١٤٦ ولا أعرف لها ثانية. وممن انتقد القاموس ورد عليه السيد علي خان صاحب (سلافة العصر) و (أنوار الربيع) وهو أحد أعلام الأدب في القرن الحادي عشر فانه ألف كتاباً ممتعاً في اللغة سماه (الطراز) ولكنه لم يتم ويوجد جزآن منه في بعض المكتبات الخاصة في النجف وسمعت صاحبه يقول أنه تتبع سقطات صاحب القاموس كما تتبع سقطات صاحب الصحاح فهو يقول ووهم (الفيروزأبادي) كما يقول الفيروزأبادي ووهم (الجوهري) وآخر من تجرد للرد على القاموس فيما أعلم المرحوم أحمد فارس صاحب الجوائب وكتابه (الجاسوس) معروف عند المتأدبين وهو من أحسن الكتب الانتقادية. ولما نهضت العربية في نشأتها الأخرى أي بعد انتشار الصحف اخذ بعض الكاتبين ينتقد الألفاظ والأساليب العامية والركيكة المقتبسة من الأجانب ومن أشدهم جهاداً في ذلك المرحوم الشيخ إبراهيم اليازجي فانه كتب في مجلة (الضياء) وفي غيرها فصولاً في الإصلاح اللغوي صحح فيها أغلاط الكتاب وانتقد لهجتهم ولكنه أخطأ في أشياء بنى على خطأ القوم فيها ولا يزال يجيءُ في الجرائد والمجلات شيءٌ من الانتقاد اللغوي سواءٌ كان ذلك على الكتب المؤلفة أو في مقالات خصت بانتقاد أغاليط الكتابة المصرية والمقتبس هي المجلة التي تسير على هذا المبدأ الصحيح الذي يبشرنا بحياة جديدة لهذه اللغة التي امتهنها أهلوها وحمل الناس على إهانتها اقتعاد أبنائها غوارب الفرقة والجهالة. ومن الرسائل التي قرأتها في اللغة الانتقادية رسالتان وقفت عليهما في مجموعة ذات رسائل في موضوعات شتى واسم إحداهما (سقطات العامة) وهي كراسة صغيرة مرتبة على حروف الهجاء وقد شذ منها بعض حرف الهمزة والرسالة غير منسوبة لأحد ولم أجدها في كشف الظنون إلا أن لجهة كاتبها تدل على أنه من المتأخرين والرسالة الثانية تقع في كراستين ونصف وهي كسابقتها مرتبة على الحروف لكنها خير منها وأجمع وأنصع لفظاً وأرصن تعبيراً ولم تنسب لمؤلف أيضاً وفي كثير من فصولها يذكر ما نصه (الزائد من كلام ابن الحوزي) ولعل هذا هو أبو الفرج عبد الرحمن صاحب كتاب (المدهش) الذي نشر المقتبس وصفه وخط الرسالتين سقيم حتى لا يكاد يقرأ هذا وإلى قراء المقتبس شيئاً مما جاء في سقطات العامة فصل الهمزة مما جاء في (الإيوان) بكسر أوله الصفة العظيمة والناس يفتحون همزته وهو لحن إذ هو لفظ عربي كالدبوان ولكن يجوز الفتح في الدبوان حكاه في القاموس. فصل الباء مما فيه (البرية) بتشديد الراء الصحراء والجمع أبرار وتخفيف الناس راءها (عامة العراق تشددها اليوم) غلط إذ هي بالتخفيف من برأ الله الخلق أي خلقهم (البشارة) هي بالفتح بمعنى الجمال والاسم من البشرى بكسر الباء وضمها لا غير والناس (عامة العراق تسكن الباء) في الاسم من البشرى وهماً منهم (الباكرة) هي من مخترعات العوام وليست من كلام العرب والصحيح البكر (بنيامين) هو كإسرافيل أخو يوسف عليه السلام ولا تقل (ابن يامين) وقد شاع بين الناس أن ابن يامين ظناً منهم أنه لفظ عربي وليس كذلك بل هو أعجمي وهو غير الذي في معلقة طرفة (البلور) على وزن تنور وسنور معروف فكسر الباء مع ضم اللام على ما هو المشهور لحن. فصل التاء مما جاء فيه (التوأمان) هذه اللفظة تثنية توأم يقال أتأمت المرأة فهي متئم إذا وضعت اثنين وغلط الناس أنهم يستعملونه بمعنى (التوأم) أي المفرد (الترجمة) بفتح الجيم مصدر على وزن فعللة من ترجمة وترجم عنه أي فسر وما شاع بين الناس من ضم الجيم خطأ (الترجمان) يقولونه بفتح التاء وضم الجيم ولم يقل به أحد من أصحاب اللغة. فصل الثاء مما فيه (الثقل) كعنب ضد الخفة ويستعمله البعض في المعنى بسكون القاف وهو خطأ قال في القاموس الثقل واحد الأثقال كجمل وأجمال (الثيب) يزيدون في هذه اللفظة تاءً ويقولون (ثيبة) وهو خطأ لأنها وردت مجردة عن التاء بلا خلاف. فصل الجيم مما جاء فيه (جمادى الأولى والأخرى) فعالى كحبالى والعوام تستعمله (لم نسمع هذا الاستعمال) بالمعجمة المكسورة ويصفونها (هذا معروف) بالأول فيكون فيه ثلاث تحريفات قلب المهملة معجمة والفتحة كسرة والتأنيث تذكيراً وكذا جمادى الأخرى يقولون فيها جمادى الآخر بلا ياء والصحيح الآخرة أو الأخرى وهما معرفتان من أسماء الشهور وكذا ربيع الأول وربيع الآخر في الشهور وأما ربيع الأزمنة (يريد الفصول) فالربيع الأول باللام. فصل الحاء مما جاء فيه (الحباب) يستعمله الأكثر في النفاخات التي تعلو على وجه الماء بضم الحاء وهو خطأ إذ هو بضم الحاء المحبة فالصحيح فتح الحاء (كعب الأحبار هو بالحاء) المهملة واشتهر بين العوام بالمعجمة لكثرة ما يرويه من الأخبار قال يف الصحاح كعب الحبر منسوب إلى الحبر الذي يكتب به لأنه كان صاحب كتب وقال صاحب القاموس ولا يسمع الأخبار (أي بالمعجمة) إلا في الروايات (الحيدر) هو بالحاء المهملة من أسماء الأسد واللحانون يستعملونه (هذا الاستعمال لا يعرف في العراق) بالمعجمة وههنا حمل المؤلف على الناس متأففاً من الجهل والتقليد فكأنه يدعو هلم اعملوا مستقلين لا يضلكم القديم ولا العادات الموروثة فقال يستعملونه بالمعجمة لعدم زوال الكزازة منهم بتحصيل طرف من العلم بل ربما يسمعون الحق فلا ينتبهون لان ترك المألوف صعب! (الحيوان) هو بالتحريك جنس الحي وأصله حييان ذكره في القاموس فإسكان الياء كما فعله العامة لحن. فصل الدال مما فيه (الدعاوي) هي كصحاري جمع الدعوى وبكسر الراء خطأ (الديانة) هي معروفة فلحن بعض العوام بتقديم النون على الياء (هو غير معروف) وقولهم دناية عن الجهل كناية وعلى اللفظ جناية. فصل الذال من بعض ما فيه (الإذعان) الغلط فيه من حيث يستعملونه بمعنى الإدراك فيقولون أذعنت بمعنى فهمت والصحيح أذعنت له ومعناه الخضوع والذل (الأذناب) وقع في مختصرات الصرف (الزاجر عن الأذناب) زعموا أنها الأذناب على وزن أفعال جمع ذنب بمعنى الإثم وإنما الأذناب جمع ذنب بفتح النون. فصل الراء جاء فيه (المرثية) هي بالتخفيف مصدر قال في الصحاح رثيت الميت من باب رمى رثاءً ومرثية أيضاً إذا بكيته وعددت محاسنه فتشديد الناس ياءها (وهذا شائع بين المنتمين إلى الأدب) لحن محض وأما القصيدة فهي مرثية فيها (ويصح إطلاق المرثية عليها) (الرفاهية) هي بالتخفيف كالطواغية يقال فلان في رفاهية من العيش أي في سعة وخصب ولين والناس يلحنون (هذا اللحن شائع أيضاً) فيها بتشديد الياء. فصل الزاي بعض ما فيه (الزعيم) هو بمعنى الكفيل قال سبحانه وتعالى (ولمن جاء به حمل بعير وأنا به زعيم) وفي الحديث (الزعيم غارم) فاستعمال الناس إياه على أنه الحسبان مبني على الزعم الفاسد. فصل السين مما جاء فيه (السبق) من باب ضرب والناس يزيدون فيه تاءً فيقولون (السبقة) فهو لحن منهم ويمكن أن يقال يجوز أن تكون الثاءُ للمرة كالضربة لكن من تتبع استعمالاتهم يعرف أنهم لا يقصدون بها المرة بل يستعملونها بمعنى المصدر فقط فيقولون (وهو من قبيل سبقة اللسان) (السحور) هو بالفتح اسم لما يتسحر به كالغبوق والصبوح لما يشرب في العشاء والصبوح فضم السين (وبالضم يستعملونه اليوم بمعنى السحر الذي هو قبيل الفجر) كما يفعله بعضهم خطأ (السلس) على زن كتف تقول شيء سلس أي سهل ورجل سلس أي لين منقاد وفلان سلس البول إذا كان لا يمسكه فالسليس بزيادة الياء عل ما هو المشهور غير سلس بل هو لحن محض (مسيلمة) تصغير مسلمة اسم للكذاب المشهور فمن يقوله بالفتح ويدعي الصحة أكذب منه. فصل الشين فيه (الشباهة) هي لفظة مستعملة بين الناس ولكن لا صحة لها والصحيح الشبه بفتحتين تقول بينهما شبه. فصل الضاد فيه (الصلاحية) اخترعها أصحابنا بتشديد الياء واستعملوها لكنها من الألفاظ المهملة والمصدر هو الصلاح والصلوح. فصل الظاء مما فيه (المظلمة) بكسر اللام على وزن محمدة مصدر ظلم قال في الصحاح ظلم يظلم ظلماً ومظلمة انتهى والناس يفتحون لامها فيقولون مثلاً ضرب اليتيم مظلمة أي ظلم وهو خطأ إذ هي بفتح اللام ما تطلبه من الظالم وهو اسم ما أخذ منك. فصل العين فيه (المعجب) شاع بين الناس بكسر الجيم وهو خطأ (المعدن) بكسر الدال منبت الجواهر من ذهب ونحوه من عدن بالمكان يعدن أي أقام ومنه (جنات عدن) أي جنات إقامة (الأعطاف) هو جمع عطف بكسر العين بمعنى جنب الشيء والجانبان العطفان والناس يحسبونه جمع العطف بفتح العين الإشفاق فيقولون (لا يبعد من ألطاف مولانا وإعطانه أن يفعل كذا) (عاميٌّ) بنخفيف الميم خطأ والصحيح بتسديد بتشديد الميم منسوب العامة (العيش) هو بفتح العين وكسرها على ما أشاع خطأ لأن العين إذا كسرت تلتزم التاء كعيشة راضية. فصل الغين مما فيه (الغذاء) بالذال المعجمة على وزن كساء ما به نماء الجسم هكذا فسر في القاموس وقال في الصحاح (الغذاء) ما يتغذى به من طعام أو شراب وقد شاع بين الناس بالدال المهملة اسما لما يؤكل فقط ففيه غلطان (أي أهمل داله وتخصيصه بالطعام) وأظنهم يغلطون من (الغذاء) بالفتح والمد ضد العشاء بمعنى طعام الغد طما أن العشاء بالفتح والمد طعام (الغيبة) بالكسر من الاغتياب وفتح غينها لحن ازهي بالفتح مصدر بمعنى الغيبوبة. فصل الفاء فيه (الفراغة) هي لحن استعملوه من غير نكير لكن الصحيح الفراغ بلا تاء (الفلاكة) هي من الألفاظ التي اخترعوها يستعملونها في ضيق الحال كأنهم اشنقوها من لفظ (الفلك) فقالوا به فلاكة وهو مفلوك أي أصابه الفلك. فصل القاف فيه القوابل يستعملونها جمع قابل وهو جمع قابلة لأن فاعلة في الصفة جمع فاعلة إلا فوارس جمع فارس على ما عرف في موضعه (القنديل) هو بكسر القاف معروف ووزنها فعليل لا فنعيل وفتح القاف لحن مشهور. فصل الكاف (الكراهية) هي بالتخفيف من مصادر كرهه فتشدد الياء على ما فعله البعض مما يكرهه السمع ويمجه الذوق. فصل اللام مما فيه (اللكنة) هي بضم اللام عجمة في اللسان يقال رجل الكن وقد لكن من باب ضرب كما ذكر في اللغة وما زلت اسمع من بعض العوام تحريف هذه الكلمة وارى بعض الناس حيارى في أمثال هذه الاغاليط تارة يصيبون ولا يدرون إصابتهم ويخطئون ولا يدرون ولك لا يرجعون إلى اللغة فيما أشكل عليهم حتى يخرجوا من ظلمة الشك إلى نور اليقين. فصل النون (المنبر) هو بكسر الميم لكن شاع بين العوام فتح ميمه (هو كذلك اليوم) وكذا ضم ميمه (النزل) بضمتين وبالتسكين ما يهيأ للنزيل أي الضيف والعوام يزيدونه واوا (لعلها من إشباع الضمة) وليس النزول إلا مصدرا بمعنى الهبوط والحلول (النزلة) وهي الزكام يقال به نزلة والجمع نزلات والجاهلون يعبرون عنها بالنازلة ويجمعونها على النوازل (تجمع كذلك الآن) وه وخطأ إذ النازلة هي الشديدة من شدائد الدهر تنزل بالناس كما تفصح عنه كتب اللغة (النقرس) هو داء معروف وزيادة الياء على ما هو الشائع بين العوام خطا لأن النقر يس الدليل الحاذق (النكاة) بكسر النون جمع النكتة وإذا ضمت النون حذفت الألف (فيقال النكت) وكثير من الناس يضمون النون ويثبتون الألف هذا بعض ما جاء في الرسالة الأولى ولعلي في فرصة ثانية أتي بالرسالتين. بين الفيحاء والشهباء عمران حلب القديم والحديث كان أجدادنا يقطعون المسافة بين دمشق وحلب في تسعة أيام على الدواب وها قد أصبحنا نقطعها في ست عشرة ساعة بالقطار وهو يمر مر السحاب ولو وجدت الشركة داعيا قويا لقطعت اليوم في ساعة فبفطر الراكب في الصباح في الفيحاء ويتعشى في حاضرة سورية البيضاء لأن المسافة تقل عن أربعمائة كيلو متر يتيسر قطع الخمسين كيلو مترا في ساعة واحدة من رياق إلى حلب والخط بينهما من النوع العريض وقطاراته منظمة أكثر من قطارات بيروت - دمشق - حوران أو يافا - القدس أو حيفا - دمشق - المدينة. أتيت الشهباء أو عاصمة سورية البيضاءفي قاموس الجغافية القديمة: كات القدماءُ يطلقون هذا الاسم عَلىَ شمالي الشام وارض كبدوكية Cappadoce وكيليكيا Cilicie الشرقية لأول مرة فرأيت فيها الصورة التي كانت تتخيلها المخيلة إلا قليلا وذلك لأن القدماء والمحدثين اشبعوا الكلام عليها أكثر من كل بلد سواها ولان الحكومات التي توالت عليهم أرفعت من شانها وأعلت من بين البلدان ذكرها. وناهيك ببلد كان ينزله ويمدحه ويحن إليه مثل البحتريالدر المنتخب لابن الشحنة والمتنبي والصنوبري وكشاجم والمعري والخفاجي وابن جبوس والوزير المغربي وأبي العباس الصفري وأبي فراس والحلوي وابن سعدان وابن حرب الحلبي وابن النحاس وابن أبي حصينة وابن الحداد وابن العجمي والملك الناصر وياقوت وغيرهم من رجال الأدب والعلم. وما قاله الشعراء في مدحها يكاد يقترب مما قالوه في أختها الفيحاء فقد قال كشاجم: أرتك ندى الغيث آثارها وأخرجت الأرض أزهارها وما أمتعت جارها بلدة كما أمتعت حلب جارها هي الخلد تجمع ما يشتهى فزرها فطوبى لمن زارها وقال البحتري: أقام كل ملث الودق رجاس على ديار الشام ادرس فيها لعلوة مصطاف ومرتبع من بانقوسا وبابلي وبطياس منازل أنكرتنا بعد معرفة واوحشت من هوانا بعد إيناس يا علو لو شئت أبدلت الصدود لنا وصلا ولان لصب قلبك القاسي هل لي سبيل إلى الظهران من حلب ونشوة بين ذاك الورد والأس  وقال المتنبي: كلما رحبت بنا الروض قلنا حلب قصدنا وأنت السبيل فيك مرعى جيادنا والمطايا وإليها وجيفنا والنميل أول من استوطن بقعة حلبتحفة الانباء في تاريخ حلب الشهباء ليشوف الجرماني بنو حام بن نوح وكانوا ينزلون من شط بغداد إلى مصر وقد كانت فرقة منهم فيها قيل أنها تسمى الكيتا فسكنت بقعة حمص وحماة وحلب. وسكن حلب إبراهيم الخليل ثم جاء بعده بنو أرام بن لوط من بني سام واستولوا على تلك البقعة واخرجوا منها أولاد حام فسميت مملكة الآراميين والسريانيين وقسموها إلى ثلاثة أقسام الأولى جزيرة الآرام وهي من الخابور إلى الفرات والثانية المملكة الشامية وهي دمشق وما قرب منها الثالثة مملكة آرام صوبا وهي الجبول من ضاحية حلب وما قرب منها. ووصفت حلب بالشهباء لأن القادم إليها تتراءى له بيضاء من بعيد بخلاف غيرها من البلدان. ويقولون أنها منم بناء العمالقة بدليل الكتابة التي وجدت على الحجر الأسود في الحائط بظاهر جامع القيقان داخل باب انطاكية مكتوبة بالخط الهيروغليفي بلغة الكيتا أو الحماتيين وكانت هذه الكتابة مصطلحا عليها في أيامهم وكان اسم حلب بلغتهم هليون وهلبه واستمرت بأيديهم إلى إن أتى ملوك الفراعنة من مصر وحاربوهم وملكوها منهم وهم توتمس الأول وتوتمس الثاني وسيأتي ورعمسيس الأول وذلك قبل التاريخ المسيحي بألفين وخمسمائة سنة إلى ثلاثة آلاف سنة ثم استردها الكيتا منهم صلحا واتى بعدها ملوك بابل وحاربوا السريانيين وملكوها وذلك قبل التاريخ المسيحي بستمائة وستين سنة وقد عثروا في قرية من قرى جبل سمعان قرب حلب اسمها كفرنابو على الصنم الذي كان يعبده البابليون ومعنى نابو بلغتهم اله فيكون معنى كفرنابو قرية الإله وفي سنة ٨٦٠ ق. م حارب شلمناصر الرابع الحماتيين وملك حلب في جملة ما ملك من البلاد فظل ملوك الحماتيين تحت سلطة البابليين إلى إن أتى ملوك العجم واستولوا على البلاد فاخرجوا البابليين منها وبقيت بأيديهم إلى إن جاء لاسكندر وأخذها منهم فصارت مسكنا للروم اليونانيين يقولون لها ما خيله ولما حولها خلبن بالخاء المعجمة وكانوا يقولون لها بروبا لأنها فيم أقيل تشبه إحدى مدنهم ولعلها عربية من قولهم بريرى لأن الناظر إلى البر من قلعة حلب يراه ممتدا إمامه. وجدد سلوقس تيكاتور احد ملوك الرومان قبل المسيح بثلاثمائة واثنتي عشرة سنة بناء نحو النصف من مدينة حلب وبنى القلعة وأمر اليهود إن يختلفوا إليها التجارة ويقيموا بها فكثرت دورهم حتى بلغت نصف ساعة طولا ثم استولى الروم على حلب وجعلوها كرسي مملكتهم مع سورية وإنطاكية. وأراد السلوقيون أن يزيدوا في بناء حلب ثم عدلوا موثرين لقنسرين لأنها كانت أعظم والتجار يختلفون إليها أكثر فكانت تأتيها القوافل من البحر إلى الفرات ومن الفرات إلى البحر عن طريق قنسرين ولم يكن في حلب ما في قنسرين من الصناعات وغيرها حتى إن تجار أوروبا كانت تأتي إليها من السويدية في طريق إنطاكية ويأتي إليها تجار العجم من الفرات بطريق بالي (مسكنة) ولم تكن الطريق في ذلك الوقت سالكة إلى حلب إلا من يقصد الذهاب منبج (هيرابلس). وقنسرين هي التي نسب إليها احد أجناد الشام الخمسة وهي جند فلسطين وجند الأردن وجند دمشق وجند حمص وجند قنسرين والجند هنا بمثابة الفيلق في أيامنا يتجمع فيه الجند ويقبضون أعطياتهم قال ابن جبيرة: إن قنسرين بلدة شهيرة في الزمان لكنها خربت وعادت كان لم تغن بالأمس فلم يبق إلا أثارها الدراسة ورسومها الطامسة ولكن قراها منتظمة لأنها على محرث عظيم من البصر عرضا وطولا وقد فسر ياقوت سبب خرابها ووصف موقعها فقال أنها كورة بالشام منها حلب فتحت على يد أبي عبيدة بن الجراح سنة ١٧ هـ - وكانت مدينة بينها وبين حلب مرحلة من جبهة حمص بقرب العواصم وبعضهم يدخل قنسرين في العواصم ومازالت عامرة آهلة إلى إن كانت سنة ٣٥١ وغلبت الروم على مدينة حلب وقتلت جميع من كان بربضها فخاف أهل قنسرين وتفرقوا في البلاد فلم يكن بها في القرن السادس إلا خان ينزله القوافل وعشار السلطان وفريضة صغيرة وذكر ابن جبير الخانات من حلب إلى قنسرين إلى باقدين إن خانات هذا الطريق كأنها القلاع امتناعا وحصانة وأبوابها حديد وهي من الوثاقة في غابة والعواصممعجم البلدان حصون موانع وولاية تحيط بها بين حلب وإنطاكية وقصبتها إنطاكية كان قد بناها قوم واعتصموا بها من الأعداء وأكثرها في الجبال فسميت بذلك وربما دخل في هذا ثغور المصيصة Mobsueste وطرطوس Antradus وتلك النواحي ولم تزل قنسرين وكورها مضمومة إلى حمص حتى زمان يزيد بن معاوية فجعل قنسرين وانطاكية ومنبج وذواتها جنداً فلما استخلف الرشيد إفراد قنسرين بكورها فصيرها جندا وإفراد منبج ودلوك ورعبان وقورس وإنطاكية وتيزين وما بين ذلك من الحصون فسماها العواصم لأن المسلمين كانونا يعتصمون بها فتعصمهم وتمنعهم من العدو إذا انصرفوا من غزوهم وخرجوا من الثغر وجعل مدينة للعواصم منبج واسكنها عبد الملك ابن صالح في سنة ٧٣ فبنى فيها أبنية مشهورة ذكرها المتنبي في مدح سيف الدولة فقال: لقد أوحشت أرض الشام طراً سلبت ربوعها ثوب البهاء تنفس والعواصم منك عشر فيوجد طيب ذلك في الهواء جدد الملك كيرويس الشرواني ما انهدم من سور حلب وقت حرب العجم وعمر بالقرب من باب إنطاكية بيتا للنار لأنه كان ممن يعبدونها فاشتملت حلب إذ ذاك على أربعة أنواع من الديانات وهي اليهودية والنصرانية وعبدة الأوثان وعبده النار ثم دخل الإسلام وكانت حلب في المذاهب الإسلامية تختلف باختلاف الدول عليها شانها ذلك شان دمشق فتارة توالي عليا وأصحابه وأخرى توالي غيره. ولما أراد بدر الدولة أبو ربيع سلمان ابن عبد الجبار بن الرق صاحب حلب بناء أول مدرسة للشافعية في هذه المدينة لم يمكنه الحلبيون إذ كان الغالب عليهم حينئذ التشيع وكان أهل حلب كلهم سنية حنفية حتى قدم شخص إلى حلب فصار فيهم شيعية وشافعية وهو الشريف أبو إبراهيم الممدوح. وقد أتى صلاح الدين يوسف بن أيوب وخلفاؤه على التشيع في حلب وكان المؤذنون في جوامعها يؤذنون بحي علي خير العمل وحاول السلجوقيون الأتراك مرات القضاء على التشيع في هذه الديار فلم يوفق لذلك إلا الملك الناصر صلاح الدين كما ضرب على التشيع في مصر وكان على أشده فيها على يد الفاطميين بحيث لا يكاد عالم مصري يصرح بمذهبه إذ ذاك ولا يزال إلى اليوم أثر من آثار التشيع بادياً على حائط صحن المدفن الذي في سفح جبل الجوشن بظاهر الشهباء وفيه ذكر الأئمة ألاثني عشرية وكان حكم بني حمدان وهم شيعة من جملة الأسباب التي نشرت التشيع في حلب وجوارها وابتدأت حكومتهم سنة ٣٣٣ هـ وانقرضت سنة ٣٨١ وفي سنة ١٤١ ظهر في حلب قوم يقال لهم الرواندية خرجوا بحلب وحيران وكانوا يزعمون أنهم بمنزلة الملائكة وصعدوا تلا بحلب فيما قالوا ولبسوا ثيابا من حرير وطاروا منه فانكسروا وهلكوا. ولقد كان لحلب كما كان لغيرها من أمهات المدن الإسلامية غرامة وشدة في التعصب على المخالفين ويعد في سيئات الجامدين تاليهم على الشاب السهروردي الحكيم الإلهي العالم فقد حاورهم فبزهم في حضرة صاحب حلب الملك الظاهر غازيتراجم الاطباء لابن ابي اصيبعة بن الملك الناصر صلاح الدين يوسف فلم يروا واسطة لإهلاكه أحسن من الاستشفاع بوالد مليكهم فكتبوا إليه محضرا وبالغوا في عاقبة أمر السهر ودي حتى صدر الأمر إلى الملك الظاهر بقتل هذا الفيلسوف فاختار إن يلتقي الله بمنع الطعام والشراب وعنه وهلك في قلعة حلب وقبره فيما بلغني معروف إلى اليوم ناعيا على الدهر أولئك المتلاعبين بالدين والمتعصبين لأهواء نفوسهم زاريا على العصور الظلمات ولو كره السفسطائيون عادا ذلك سيئة لصلاح الدين وان كانت أعمال هذا كلها حسنات وأيامه غررا محجلات. قضى السهروردي ولم يتجاوز السادسة والثلاثين من عمره وكم مثله من حكيم قضت عليه أهواء معاصريه ولو عمر لملا الدين علماً وعقلاً. وبعد فقد كان شان حلب في العهد الإسلامي شان سائر مدن الشام دخلت في حكم بني أميه ووليها عمالهم ثم انتقلت إلى أيدي بني العباس ووليها صالح بن علي سنة سبع وثلاثين ومائة فنزل حلب وابتنى بتا خارج المدينة من شرقها قصرا بقربه يقال لها بطياس بالقرب من النيرب وأثاره باقية ذكرها البحتري وغيره في أشعارهم وقد كان جماعة بني أمية اختاروا المقام بناحية حلب وآثروها على دمشق ومنهم هشام ابن عبد الملك انتقل إلى الرصافة Sergiopolis وسكنها واتخذها منزلا لصحة تربتها ومنهم عمر بن عبد العزيز أقام بخناصرة واختارها منزلا ومنهم سلمة بن عبد الملك سكن بالناعورة وابتنى بها قصراً بالحجر الصلد الأسود. ومازال عمال بني العباس يتولون من أمر حلب ما يتولون من سائر بلاد الخلافة حتى ولي المعتصم اشناس التركي الشام جميعه والجزيرة ومصر وجاء القرامطة حلب سنة ٢٩٠ فقاتلهم أهلها ودخل الاخشيد حلب وافسد أصحابه في جميعه النواحي وقطعوا الأشجار التي كانت ظاهر حلب كانت كثيرة جدا وقيل أنها كانت من أكثر المدن شجرا. وقال ابن الخطيب: وكانت حلب كثيرة الأشجار وكان موضع باتقوسا (احد أحيائها اليوم) أشجار كثيرة كما ذكر ابن الملا في تاريخه أيضا فقد كان الإخشيد إذا نزل حلب يقطع أشجارها ويحاصرها فإذا أخذها ورجع إلى مصر جاء سيف الدولة بن حمدان وفعل ذلك الفعل وتكرر ذلك منهما حتى فني ما بها من الشجر ولذلك لما أمر الملك المؤيد شيخ بتسقيف قصر القلعة أمر إن يقطع له من الأخشاب من بلاد دمشق فقطعت وجيء بها إلى حلب في غاية الطول ونهاية الغلظ وقيل إن بعض الأخشاب المذكورة كانت من بعلبك ولما جاء الصليبيون حلب سنة ٥١٨ اخذوا يقطعون الأشجار من جملة ما أتوه من تخريبها وحدائقها المشجرة اليوم قليلة ليس بينها وبين ضخامة المدينة نسبة. وتشرب حلب من نهر قويق وهو نهر ينبعثنخيبة الدهر لشيخ الربوة على ستة أميال من دابق ثم يجري إلى حلب ثماني عشرة ميلا ثم إلى قنسرين عشرين ميلا ثم إلى المرج الأحمر عشر ميلا ثم يصب في بحيرة المطبخ وذلك في زمن الشتاء وقال يافون إن مخرجه من قرية تدعى سبتات وقيل إن مخرجه من شناذر قرية على ستة أميال من دابق ثم يمر في رستاتيق حلب ثمانية عشر ميلا إلى حلب ثم يمتد إلى قنسرين اثني عشر ميلا ثم إلى المرج الأحمر اثني عشر ميلا ثم يفيض في أجمة هناك فمن مخرجه إلى مفيضه اثنان وأربعون ميلا وماؤه أعذب ماء وأصحه فيما قال ياقوت إلا انه في الصيف ينشف فلا يبقى إلا نزور قليلة وإما في الشتاء فهو حسن المنظر طيب المخبر وقد وصفه شعراء حلب بما ألحقوه بنهر الكوثر ومن أمثال عوام بغداد يفرح بفلس مطلي من لم ير دينارا وقد أحسن القيسراني في وصفه قوله: رأيت نهر قويق فساءني ما رأيت فلو ظمئت وأسقي ت ماءه ما رويت ولو بكيت عليه بقدره ما اشتفيت واسم قويق القديم شالوسسالنامه (تقويم) ولاية حلب عن سنة ١٣٢٤ هـ وسبب تسميته بقويق إن رجلا من رؤساء عشائر التركمان في القرن الرابع للهجرة اسمه قويق آغا انشأ لهذا النهر عدة دود ليجري جرية حسنة فأطلق اسمه على النهر من ذاك الحين وأرباب الرقاعة يسمونه أبا الحسن وهو ينبجس اليوم من قرية اسمها جاغد يغين من إعمال عينتاب ويجري إلى قرية تبعد عن حلب ثلاث ساعات اسمها حيلان ويصب نحو ثلثه إلى حلب تجري إليه فيه عدة ينابيع مجداول من قضاءي عينتاب وكليس وينضم إليه نبع عين التل وعين البيضا المنسجمتين من جوار حلب وفي الشتاء تجري بقاياه إلى خان طومان من اعلي جبل سمعان وتكون من مياهه بحيرة تجف بحرارة الصيف قال أبو فراس: الشام لا بلد الجزيرة لذتي وقويق لا ماء الفرات منائي وأبيت مرتين الفؤاد بمنبج السوداء لا بالرقة البيضاء ويرى بعضهم إن نهر الساجور الذي كان إجراء ارغون إلى حلب ليزيد به نهر قويق إذا أضيف إلى ماء قويق تخصب أكثر ضواحي حلب واصل نهر الساجور من عينتاب وتجتمع إليه عيون أخر من بلاد تل باشر ثم ينتهي إلى الفرات ويصب فيه ويرى آخرون إن خير ذريعة لتكثير ماء حلب اقتطاع ترعة من الفرات وهو من حلب على ١٨ ساعة ولا يمنع انخفاض مجراه عن الانتفاع به في حلب على علوها وكيف كان الحال فمتى زاد عمران الشهباء يفكر أبناؤها في تكثير مائها. وبعد فقد كانت الحرب سجالا بين سيف الدولة ابن حمدان والروم منذ استقرت له ولاية حلب سنة ٣٣٦ إلى حين وفاته سنة ٣٥٦ فكان يغزوهم ويغزونه فتخرب حلب ثم تعمر واستولوا عليها سنة ٣٥١ وحرقها الدمستق وعاث فيها بالقتل والنهب والسبي وبعد تسعة أيام رحل عنها ولم تكن حكومة سيف الدولة مباركة على حلب بقدر ما صورها شعراؤه الذين كان يغدق عليهم هباته ليقطع ألسنتهم ويشغلهم عنه ومن جملة ما قراناه من مظالمه إن أبا الحصين علي بن عبد الملك الرقي ولي قضاء حلب وكان ظالما فإذا مات إنسان اخذ تركته لسيف الدولة وقال: كل من هلك فلسيف الدولة ما ترك. استولى الروم على معظم البلاد المجاورة كمرعش وأدنه وطرسوس إلا إن حلب لم يستولوا عليها وكذلك استولى الصليبيون على كثير من عمالاتها مثل إنطاكية والسويدية ولم يقدر بودوين اجدلا ملوكهم إن يستولي عليها سنة ١١٢٤ م ومازالت حالتها حال بلاد الشام على عهد الدولة الأيوبية حتى وافاها التتر وحاصروها سنة ٦٥٨ حصارا شديدا وقتلوا من أهلها كثيرا وقتل هولاكو أهل حارم عن آخرهم وسبي النساء وخرب أسوار قلعتها عن آخرها وجاء قازان التتري سنة ٦٩٩ فحاصر حلب وخربها وقتل واسر كثيرا من أهلها وجاء تيمورلنك سنة ٨٠٣ وأجرى في حلب ما أجراه في دمشق من الفظائع والنهب والقتل والسبي وفي سنة ٨٦٣ وقع الطاعون بحلب فاحصي من مات بها وبضواحيها فأربى على مائتي ألف إنسان وكادت تخرب بالفتن الأهلية سنة ٨٩٦ عن آخرها كتب ابن بطلان إلى هلال بن المحسن الصحابي في نحو سنة ٤٤٠ هـ في دولة بني مرداس حلب فقال أنها بلد سور بحجر ابيض وفيه ستة أبواب وفي جانب السور قلة في أعلاها مسجد وكنيستان وفي البلد جامع وست بيع وبيمارستان صغير والفقهاء يفتون على مذهب الأمامية وشرب أهل البلد من صهاريج مملوءة بماء المطر وعلى بابه نهر يعرف بقويق يمد في الشتاء وينضب في الصيف وفي الوسط دار علوه صاحبه البحتري وهو بلد قليل الفواكه والبقول والنبيذ ومن عجائب حلب إن في قيسارية البز عشرين دكانا للوكلاء يبيعون فيها كل يوم متاعا قدره عشرون ألف دينار مستمر ذلك منذ عشرين سنة والى الآن وما في حلب موضع خراب أصلا اه قلنا وقد اشتهرت حلب في عامة أدوارها بإتباع تجارتها لوقوعها في طريق القوافل وتوسطها من بلاد الروم والجزيرة والعراق والشام ولذلك لم تنحط صناعة البز الو الأقمشة حتى في أيامنا هذه كما انحطت في معظم بلدان الشام لأن لها من بلاد الروم مصارف تنفق فيها سلعا ويعتقد أهل الروم الخير في تجار الشهباء فلا يعاملون غيرهم للألف والعادة وذكر المقدسي إن من التجارات التي كانت تجمل من حلب القطن والثياب والاشنان والمغرة. قال ياقوت ولأهل حلب عناية بإصلاح أنفسهم وتثمير الأموال فقلما ترى من ناشئتها من لم يتقبل أخلاق إبائه في مثل ذلك فلذلك كان فيها بيوتات قديمة معروفة بالثروة ويتوارثونها ويحافظون علي قديمهم بخلاف سائر البلدان هذا ما وصف به الحلبيون منذ نحو سبعة قرون وهي أخلاق لم تبرح متسلسلة في أعقابهم إلى يوم الناس هذا ولذلك صح إن يقال أن الحلبيين أغنى من الدمشقيين والبيروتيين والحمويين والحمصيين والطرابلسيين والنابلسيين والمقدسيين والعكاريين واليافاويين والحيفاويين. وصف ابن حوقلالمسالك والممالك مدينة حلب في القرن الرابع فقال إنها مدينة جند قنسرين وكانت عامرة جدا غاصة بأهلها كثيرة الخيرات كان لها سور من حجارة لم يغن عنهم من العدو شيئا فخرب الروم جامعها وسبي ذراري أهلها واحرقها وكان بها قلعة غير طائلة ولا حسنة العمارة فلجا إليها قوم من أهلها فنجوا وهلك بها من المتاع والجهات للغرباء وأهل البلد وسبي بها وقتل من أهل سوادها ما في أعادته ارماض من سمعه ووهن على الإسلام وأهله وكان لها أسواق حسنة وحمامات وفنادق ومحال وعراص فسيحة وهي الآن كالمتماسكة ولم تنزل أسعارهم في الأغذية وجميع المأكل قديما واسعة رخيصة وعليهم ألان للروم في كل سنة قانون يؤدونه وضريبة تستخرج من كل دار وضيعة معلومة وكأنهم معهم في هدنة وليست وان كانت أحوالها متماسكة وأمورها رضية بحال جزء من عشرين جزءا مما كانت عليه من قديم أوقاتها وسالف أيامها. ووصف ابن جبير حلب في القرن السادس فقال: إن هذا البلد موضوعة ضخم جدات حفيل التركيب بديع الحسن واسع الأسواق كبيرها متصلة الانتظام مستطيلة تخرج من سماط صنعة إلى سماط صنعة أخرى إلى إن تفرغ من جميع الصناعات المدنية وكلها بالخشب فسكانها في ظلال وارفة فكل سوق منها تقيد الأبصار حسنا وتستوقف المستوفز تعجباً وأما قيساريتها فحديقة بستان نظافة وجمالا مطيفة بجامع المكرم لا يتشوق الجالس فيها مرأى سواها ولو كان من المراي الرياضية قد اتصل السماط خزانة واحدة وتخللها شرف خشبية بديعة النقش وتفتحت كلها حوانيت فجاء منظرها أجمل منظر وكل سماط منها يتصل بباب من أبواب الجامع المكرم. وقصارى القول فان عمران حلب القديم يشبه عمرانها الحديث إلا قليلا ومن أعظم ما يجعل الشبه كثيرا بين أدوارها المختلفة ذاك الحجر الأبيض المتيني بني الحلبيون به بيوتهم وحوانيتهم وخاناتهم وتكاد تظن الشوارع والحارات والمساكن قطعة واحدة لأنها كلها مبلطة معمولة من صنف واحد من الحجارة تنبسط له النفس بخلاف الحجر الأسود الكثيب المستعمل في النداء بدمشق وحمص وغيرها. وقد أصاب حلب من مقوضات دعائم العمران في القرون الأخيرة ما أصاب غيرها من بلدان سورية ومنها الزلازل والأوبئة التي انتشرت فيها عقيب استيلاء السلطان سليم العثماني عليها سنة ٩٢٢ بعد وقعة دامت ست ساعات بين جنده المؤلف إذ ذاك من ثمانين ألفا وثمانمائةسالنامه حلب عن سنة ١٣٢٤ هـ مدفع وجند الغوري الجركسي سلطان مصر والشام الذي كان ضعيف التدبير قليل النظام وذلك في مكان يعرف بمرج دابق على بضع ساعات من حلب ونهض الحلبيون ففتحوا أبواب مدينتهم للفاتح بزعامة خيري بك والي حلب من الجراكسة كما تلقاه أهل دمشق كذلك لأن الناس كانوا سئموا في مصر والشام من الجراكسة وعلقوا الآمال الطويلة بدولة ابن عثمان الفنية القوية وقد استولى السلطان سليم على مليوني ذهب ومهمات كثيرة كان أذخرها الغوري في خزانة حلب ليقوى بها على محاربة العثمانيين والاستيلاء على القسطنطينية منهم فجعل الله بهلاك الغوري وانفض الناس حوله وأبقى السلطان العثماني البلاد على حالتها الأولى من حيث الإدارة في حلب وخطب فيها له لأول مرة تلقبا بخادم الحرمين الشريفين. والظاهر مما في أيدينا من تواريخ حلب أنها لم ترتق ارتقاء محمودا على العهد العثمانيين بعد إن كانت في عهد العباسيين تضاهي بعظمتها بغداد والموصل على قول شيخ الربوة وكان جيش الانكشارية (يكي چرى) وغيره من اكبر أدوات التخريب ينسفون العمران ولا نسف المصائب السماوية ولم ينتظم لها أمر بحكومة الاقطاعات والنهب إلا عندما جرى تأليف الولايات على النسق المتعارف اليوم في السلطنة سنة ١٢٨٣ هـ فدخلت الحكومة في طور قليل من النظام وأصبحت الحال تحسن بإحسان الولاة الذين يتولونها فإذا كانوا أعفة قادرين على الإدارة يزيد عمران حلب وإلا فيقف أو يتقهقر وممن ساعد على عمرانها الحديث وتنظيمها وفتح الشوارع الجديدة فيها على الأصول المدنية جميل باشا ورائف باشا. ويكتفي في تقدير غنى حلب في القرون الوسطى والقرون الحديثة إيراد دخلها من الجباية والعشور وغيرها والمقابلة بينها. هذا مع غلاء النقود إذ ذاك ورخصها في الأيام الأخيرة فقد كان ارتفاع حلبالدر المنتخب سنة تسع وستمائة في الأيام الظاهرية دون البلاد الخارجة عنها والضياع والأعمال ستة ألاف ألف وتسعمائة ألف وأربعا وثمانين ألفا وخمسمائة درهم وذكر ابن شداد تفصيل هذه الارتفاعات من الزكوات والعشمر وضرائب البقول والفواكه والخيل والجمال والبقر والغنم والرقيق والصناعات والغلات والحطب والفحم والخشب والحديد والقنب وغير ذلك من الحكورة والمواريث وغيرها فكانت في بعض النسخ ٧.٣٠٥ . ٠٠٠ درهم. وقال ياقوتمعجم البلدان ومسافة ما بيد مالكها في أيام الملك العزيز من المشرق إلى المغرب مسيرة خمسة أيام ومن الجنوب إلى الشمال مثل ذلك وفيها ثمانمائة ونيف وعشرون قرية ملك لأهلها ليس للسلطان فيه إلا مقاطعات يسيرة ونحو مائتينيونيف قرية مشتركة بين الرعية والسلطان وهي بعد ذلك تقوم برزق خمسة آلاف فارس مزاحي العلة موسع عليهم. قال الوزير الأكرم ابن النفطي وزير صاحبها لياقوت الحموي: لو لم يقع إسراف في خواص الأمراء وجماعة من أعيان المفاريد لقامت بارزاق سبعة آلاف فارس لأن فيها من الطواشية المفاريد ما يزيد على ألف قارس يحصل للواحد منهم في العام من عشرة آلاف درهم إلى خمسة عشر ألف درهم ويمكن إن يستخدم من فضلات خواص الأمراء ألف فارس وفي أعمالها إحدى وعشرون قلعة يقام بذخائرها وأرزاق مستحفظيها خارجا عن جميع ماذكرناه وهم جملة أخرى بسبحة ثم يرتفع بعد ذلك كله من فضلات الاقطاعات الخاصة بالسلطان من سائر الجبايات إلى قلعتها عنبا وحبوبا ما يقارب في كل يوم عشرة آلاف درهم وقد ارتفع إليها العام الماضي وهو سنة ٦٢٥ من جهة واحدة وهي دار الزكاة التي يجبى فيها العشور من الإفرنج والزكاة من المسلمين وحق البيع سبعمائة ألف درهم وهذا مع العدل الكامل والرفق الشامل بحيث لا يرى فيها متظلم ولا متهضم وهذا بن بركة العدل وحسن النية وقد بلغ دخل حلب سنة ١٣٢٢ شرقية من ضريبة الأملاك والبدل العسكري والأغنام والجمال والأعشار وغيرها ٤٥٦٤٥٨٦ غرشاً صحيحا ودخل لواء حلب كله ٢٩ ، ١٦٧ ، ٤١٦ غرشاً وبلغ دخل ولاية حلب كلها في تلك السنة ويدخل في ذلك لواء أمر مرعش وأورفة ٤١ ، ٣٢٢ ، ١٠٧ قروش صيحة أنفقت الحكومة على جندها وموظفيها وغير ذلك ٦ ، ٧١٥ ، ٣٤٤ غرشاً هذا مع إن الجباية لعهدنا فاحشة والضرائب متعددة أكثر من الأدوار السالفة. ويقدرون قيمة الدراهم اليوم بثلاثة قروش صحيحة. غنى حلب ولغتها ومعاهدها وتدليها لما كانت حلب في طريق قوافل الهند أصبحت ممتازة بموقعها منذ القديم بين البلدان ومعدودة قاعدة شماليي سورية وقد كان الإفرنج ولا يزالون فيها أكثر عددا مما هم في دمشق لأنها اقرب منفذ لاتصال الشرق بالغرب فكان تجارهم يأتونها من ثغر السويدية يتجرون مع أهلها ويقايضون محصولاتهم ومحصولات الشرق ولا سيما الهند وفارس والعراق. وكانت فرنسا والبندقيةدليل بيدكر لسورية وفلسطين أول البلاد الأوربية التي اتجرت مع حلب وأقامت معها الصلات المهمة والمكاتب التجارية ثم جاء الانكليز في القرن السادس عشر وتلاهم الهولانديون ولا يزال الإفرنج فيها إلى اليوم يقربون من عدد إخوانهم نزلاء بيروت وبعضهم تناسلوا في حلب وارتاشوا وتأثلوا وعدوا كأنهم من أهلها. وقد كان البنادقة يتجرون بالبهار يأخذونه من حلب بكميات وافرة كما كانوا يجلبون منها الشب والقطن. واهم ما أصاب حلب من الزلازل زلزلة سنة ١١٧٠ م على عهد نور الدين محمود بن زنكي فقام يرممها وقلعتها وقد أصيبت بزلزال مدمرة في قرون مختلفة وآخرها زلزال سنة ١٨٢٢ الذي خرب به ثلثها وزلزال سنة ١٨٣٠ ونهضت حلب على عهد حكم إبراهيم باشا المصري من سنة ١٨٣١ إلى ١٨٤٠ م إذ جعلها معسكراً له. لا يتجاوز سكان حلب في التعداد الرسمي ال - ٣٠ ألفاً وربما كانوا في الحقيقة نحو ١٨٠ ثلثاهم أو أكثرهم من المسلمين والباقون روم ويهود وأرمن وموارنة وكاثوليك وبرتستانت ولكل طائفة من الطوائف الغير إسلامية عدة مدارس ابتدائية والمسيحيون متشبعون باللغة العربية أكثر من إخوانهم المسلمين النهم أكثر عراقة في التعلم بفضل مدارسهم والإفرنجية. أما المسلمون فان المتعلمين منهم يتعلمون على الطريقة التركية ليعيشوا عالة على التوظف اللهم إلا بضع مئات من الأتراك الأناضوليين الذين ينزلونها للتجارة أو الموظفين الذين يأتونها لخدمة الحكومة. وليس للمسلمين مدارس أهلية راقية والمدارس التي تصبغ المأمورين هي المدرسة السلطانية وكانت إعدادية من قبل فقبلوا اسمها كما قبلوا أيم كثير من أسماء المكاتب الإعدادية في أمهات المدن العثمانية والمكتب الرشدي العسكري ومكتب الصنائع وفيها ٩٢ كتابا ومدرسة ابتدائية أميرية و ٣٩ مدرسة لغير المسلمين و ٣٢ مدرسة دينية وبعضها عامر و ٣ مكاتب للإناث و ٧ خزائن كتب عامة كما إن فيه ١٦٠٠٠ منزل ونحو ٨٠٠٠ دكان مخزن و ١١٧ خانا و ١٠٦ أحياء و ١٦٩ جامعا و ١٨٢ مسجدا و ١٩ تكية وزاوية و ٤٠ حماما و ٢١ كنيسة وديرا و ٤ بيع و ٢٩ طاحون ماء و ١٢٨ طاحونا على الدواب و ٣٠٠٠ نول و ١١٢ فرنا و ٨ مدابغ و ٢٧ معمل مناديل وزهاء ١٠٠ قهوة و ١٢ معمل صابون و ٥٠ خمارة و ١٨٨٥ حديقة. وحلب برزخ بين البلاد العربية والتركية وعلى نحو أربعين كيلومترا من شمالي حلب يقل المتكلمون بالعربية وتصبح البلاد تركية محضة وان كان من أقضية حلب القريبة من لا يعرفون غير التركية من الفلاحين أسكنتهم الحكومة هناك مهاجرين من بلاد بعيدة. فمعظم أقضية لواء حلب يتكلم أهلها بالتركية كما إن أهلي لواءي اورفة ومرعش يتكلمون بالتركية وبعض العشائر في لواء مرعش يتكلمون بالكردية وفي بعض الأقضية من التركمان والعرب. ويمكن إن نلخص من ذلك إن جهات الغرب من حلب كلها عرب وهي عبارة عن أقضية الدب وحارم وجسر الشغور ماعدا بعض قرى من إعمال حارم سكانها جركس وسكان العمق أكراد ومن الشمال من حلب إلى قبيل كليس عرب وتتكلم بعض قراهم بالتركية والعربية ومن كليس إلى اورفة فصاعدا كل السكان أتراك ومن الجهة الشرقية جميع السكان عرب وكل قضاء الباب في الشرق الشمالي من حلب عرب وفيهم قليل جدا من التركمان والأتراك والأكراد والجراكسة وكل قضاء منبج جركس نزلوه حديثا وفيهم عرب وقضاء الرقة عرب وقضاء المعرة في الجنوب عرب كله ويقال إن أهلي قضاء عينتاب يتكلمون بالتركية وقضاء كليس وان تكلم أهل المركز بالتركية فان النواحي يتكلم أهلها بالعربية والتركية والكردية. وأهل قضاء اسكندرونة يتكلمون على الأكثر بالتركية والأرمنية وأهل إنطاكية منهم من يتكلم بالتركية ومنهم من يتكلم بالعربية فيصح أن يقال فيهم أن تركيهم تعرب وعربيهم تترك وأهالي ادلب كلهم عرب وكذلك أهالي حارم وفي بعض قرى هذا القضاء مهاجرون من الأتراك والجركس والتاتار وأهالي قضاء بيلام يتكلمون بالتركية وأهل أقضية المرة والباب وجبل سمعان وأهالي مركز قضاء جسر الشغر وناحية المضيق عرب وناحية أردوا أتراك وأكثر أهالي قضاء منبج من مهاجري الجراكسة وأهل قضاء الرقة عرب وأهالي قضاء جران منهم من يتكلم بالعربية ومنهم الكردية. هذه هي اللغة الغالبة على حلب وأعمالها وليس اليوم في هذه المدينة ما يستحق الذكر من أعمال العمران سوى بناياتها الجديدة التي أقيمت إلا قليلا على مثال أبنية الأمم الراقية منفردة بعضها عن بعض ليتخللها الهواء والشمس بعيدة عن الطرق العامة لأن السكان من عاداتهم اليوم أن يؤخروا بناء بيوتهم وحوانيتهم ما أمكن ويعطوا فضل أراضيهم للشارع حتى يكبر بحسب الخريطة التي تريدها البلدية ولذلك تجد الإحياء الجديدة مثل العزيزية والجميلية فسيحة عريضة كأنها بنيت في يوم واحد أو هي لرجل واحد وكان من ذلك أن صرفت واردات البلدية القليلة وهي لا تتجاوز الستة آلاف ليرة مسانهة على تنظيف المدينة وتطهيرها وتنويرها. ولقد كنا نود أن نرى في الشهباء نهضة علمية راقية لما عرف في أهلها من الذكاء والمضاء والحساب للمستقبل ولكن رأينا الخاصة الذين يرجى منهم إن يسيروا في المقدمة متشاغلين بخويصة أنفسهم ومن كان على خطتهم من المتأدبين دأبهم النيل من الكبراء وأرباب النفوذ والثراء ممن يتوفرون على اعنات الفقراء واجتجان الصفراء والبيضاء وربما صح أكثر هذه الشكوى ولكن لا حيلة فيمن اعجزوا الحكومة وعرفوا كيف يصرفونها على ما يشاؤون. وعندنا أن يترك الطعن جانبا ولتعارف الطبقة المستنيرة إلى الطبقة القابضة على زمام البلاد من الأعيان الموسرين ليتسنى بذلك النهوض بالشعب المسكين وتثقيف عقول الناشئة ومادام الاختلاف مستحكما بين المنورين والموسرين فالغرباء يجدون سبيلا إلى التلاعب وينطبق ذلك مع رغائبهم. نحن نعتقد انه ربما كان من أرباب اليسار من جمعوا ثرواتهم الطائلة من طرق غير مشروعة في حكومة عبد الحميد ولكننا نعتقد أن منهم من جمعوها بالاتفاق كان تتوالى سني الجدب - والخصب قلما يدوم سنتين كثيرة في حلب وعملها - فيأتي الفلاح باكيا شاكيا إلى ذاك الوجيه يتخلى له عن كل ما يملك من عقار وارض ليعوله وعياله ويدفع عنه الضرائب والعشور التي يتعذر عليه جدا في غير سني الخيران يقوم بها حق القيام. وسواء جمع أرباب اليسار ما يملكون الطرق القانونية المشروعة أو من السحت البحت وإرهاق الفلاح والعبث بمصلحة الفقير فان من ملك ملك ومن هلك هلك وليس من وسيلة الآن لنزع ما ملكوا من أيديهم فالا حجي أن تحسن سياستهم في الجملة للانتفاع من أموالهم تصرف على أعمال الخير وإنشاء الكتاتيب والمدارس وما نظن أكثرهم إلا قانعين من الطبقة المستنيرة بالسكوت عما مضى. وما تم في الغابر هو لا جرم نتيجة ضعف الحكومة وفسادها ولو عرفت منذ القديم كيف تحسن سياسة الرعية وتدفع الناس بعضهم عن بعض لما اختل النظام ولرضي الخاص والعام. نحن نعلم أن أموال الأغنياء هنا بل وفي كل مكان تصرف على الأكثر فيما لا يرضى عنه الأدب والأخلاق وان أبناء الطبقة الوسطى أمضى عزائم وأجمل أخلاقا ولكن ليست المهارة في النقد من بعيد بل المهارة بدخول المجتمع وإصلاح ما أمكن من مفاسده ومهلكاته. أن في التباعد جفاء وفي الاجتماع حسن تفهم وكم من عدو لك بتحكك به ينقلب على الزمن صديقا وكم من صديق يكون بابتعادك عنه عقوقاً. أن ما رأيناه من حلب وهي ماهية من عظمتها وغناها وما نقل لنا وشهدناه من تنوع ضروب الفجور والملاهي فيها أبكانا على قاعدة من أهم قواعد الشام وكهف عظيم من كهوف الإسلام ودعانا إلى إن ننسب القصور للعالمين والجاهلين على السواء فلا يخلص من تبعه هذا الانحلال عاقل اللوم يلحق العالم أن ينال الجاهل. تالله لو صرفت حلب ربع ما تنفقه في سبيل اللهو والموبقات على المعارف والآداب الرافعة لأصبحت في بضع سنين ذات مدنية راقية. وبعد أليس من العار أن تكون نابلس في فلسطين وهي مشهورة بانغماسها في حماة الجهالة بعدد نفوسها اقرب إلى التعلم من حلب دخل من أبناء أعيانها بضعة وعشرون ليدرسوا في المدارس الأستانة العالية وبضعة قصدوا ديار الغرب ولا نرى إلا عددا قليلا من الحلبيين يقصدون الأستانة ليتخرجوا في مدارسها ليجيء منهم اتكاليون من عباد الوظائف وعبيد الحكومة ولا نرى في الغرب من أبنائهم سوى اثنين أو ثلاثة فقط وبهذا نرجو النهوض ونتوسل بأسباب الارتقاء. أليس من العار أن يكون بلد يبلغ بمساحته ضعفي مساحة دمشق وفي غناه التجاري من أهم المدن التجارية في البلاد العثمانية وفي طيب مناخه من أجود البقاع وفي مضاء سكانه مثلا مشهورا ثم لا تشهد فيه صحيفة عربية واحدة تصدر باسم رجل مسلم من أهلها بعرف طرق الإصلاح ويحسن المطالبة به. ولا مدرسة ابتدائية أهلية تعلم ابن الفلاح والتاجر والصانع ما يلزمه في دينه ودنياه ولا ناديا ولا جمعية ولا شركة تنفع في التعارف والتعاطف والتكافل. أن معظم البلاد استفادت من نعمة الدستور فهبت تتعلم وتفكر في الإصلاح ولكن حلب على ما ظهر لنا في مؤخرة البلدان التي لم تدرك حتى الآن ما يراد بالحرية. أن تلك الطائفة التي تعتز اليوم بأموالها وبينها سيجيء عليها زمن تدثر هي وما جمعت ومن جمعت لهم أن لم تعالج ذاك الضعف المميت بقوة العلم والأخلاق ويستخلف ربنا غيرها في أرضهم ممن يصلحها شانه في خليقته منذ دحي الأرض ورفع السماء. قلعة حلب أصاب الآثار القديمة في هذه المدينة ما أصاب اثأر غيرها من البلدان فلم يبق منها إلا أنقاض تنبي بمغالاة السلف في تجويد البناء وإحكامه ومن أهم هذه العاديات قلعة حلب فهي أفخم ما في الديار الحلبية من القلاع بنيت وسط المدينة على أكمة ربما كانت صناعية ويحيط بها خندق عظيم كان القدماء يملئونه ماء ليتعذر الوصول إليها إلا من مدخلها وهذا من أحصن ما يتصور العقل ويقال أن مدينة أي حلب القديمة كانت كلها مبنية في هذه القلعة وقد تعاورتها الأيدي بالبناء في قرون مختلفة وظلت مسكونة إلى سنة ١٨٢٢ م أيام خربت بالزلازل. يسير الداخل إلى القلعة على جسر بديع أقيم فوق الخندق فيبلغ برجا خارجا جعل في واجهته أنواع من نوافذ الحديد البديع قيل انه من عهد الملك الظاهر لما وجد في مدخله من كتابة تاريخها سنة ٦٠٥ مع بعض الآيات الكريمة وقد بذل بعض علماء الآثار قدرا وافرا من المال لقلع تلك النوافذ واخذ حديدها وأحجارها إلى متاحف أوربا فلم تقبل الحكومة ولا تزال تحظر الدخول إلى القلعة إلا برخصة لأنها جعلت فيها مستودعا لبعض المهمات العسكرية وفي دهليز القلعة المتعرج عدة كتابات ونقوش بارزة على الحجر ومنها صورة نمرين على الباب ويساره من أجمل ما زبرت أيدي الناقشين على الصخور فإذا دخل المرء من الباب وجد ساحة وأثار عدة شوارع وركاما من الأنقاض بعضها أنقاض جامع ومأذنة وأخرى أنقاض أروقة وأخرى محال لرصد العدو وفي الوسط صهريج كبير يستقى منه إلى اليوم ماء عذب والغالب انه من ماء المطر. والناظر إلى حلب من قلعتها يدرك عظمتها ويتجلى له برها الفسيح البديع ولا سيما زمن الربيع وقد اكتست السهول والجبال بجللها السندسية. قال ابن الشحنة أول من بنى قلعة حلب سلوقس الذي بنى مدينة حلب وهي على تل مشرف على المدينة وعليها سور محكم البناء وفي وسطها بئر ينزل إليها بمائة وخمس وعشرين درجة قد هندست تحت الأرض ويقال لها الآن ساطوره وكان بها دير للنصارى ويقال أن في أساسها ثمانية آلاف عمود ولما ملك كسرى حلب بنى بها مواضع ولما فتحها أبو عبيدة في أيام عمر بن الخطاب (رض) رمم أسوارها لأنها خربت بسبب زلزلة كانت أصابتها قبل الفتح فاخر بت أسوار البلدة والقلعة. ولما استولى نقفور ملك الروم على حلب سنة ٣٥١ امتنعت عليه القلعة ولم يكن لها يومئذ سور محكم ومن ذلك الوقت اهتم الملوك بعمارة القلعة وتحصينها فبنى سيف الدولة وابنه سعيد الدولة وبنو مرداس وعماد الدين اق سنقر وابنه عماد الدين زنكي وابنه نور الدين محمود وابنه الملك الصالح ولما ملك الملك الظاهر غياث الدين غازي حصنها وحصنها وبنى بها مصنعا للماء ومخازن للغلات وبنى سفح تلها بالحجر الهرقلي واعلي بها إلى مكانه ألان وبنى على الباب برجين لم يبن مثلهما قط وجعل لها ثلاثة أبواب حديد ولما تسلم التاتار القلعة أخربها وأخرب أسوارها واخذ ما كان بها من الذخائر والزردخانات والمجانيق ولم يبقوا بها مكانا للسكنى واستمرت خرابا إلى أن جددت عمارتها في أيام الملك الاشرف خليل بن قلاوون ولما أتى التمرلنك أخرب أسوار البلد والقلعة واحرقها واستمرت خرابا إلى أن جاء الأمير سيف الدين حكم نائبا من قبل الملك الناصر فرج برقوق فأمر ببناء القلعة وألزم الناس بالعمل في الخندق وأزال التراب منه حتى انه عمل بنفسه واستعمل وجوه الناس بحيث كان الأمراء يحملون الأحجار على ظهورهم. هذا أجمل تاريخ لهذه القلعة البديعة اكبر قلاع سورية واهما إلى القرن العاشر وما نظن العثمانيين جددوا فيها شيئا بعد إلى يومنا هذا وقد وصفها ابن جبير في رحلته فقال: ومن كمال خلالها المشترطة في حصانة القلاع أن الماء بها نابع وقد صنع عليه جبان فهما ينبعان ماء فلا تخاف الظمأ ابد الدهر والطعام يصير فيها الدهر كله وليس في شروط الحصانة أهم ولا أكد من هاتين الخلتين ويطيف بهذين الجبين سوران حصينان من الجانب الذي ينظر للبلد ويعترض دونهما خندق لا يكاد البصر يبلغ مدى عمقه والماء ينبع فيه وشان هذه القلعة في الحصانة أعظم من أن ننتهي لي أوصفة وسورها الأعلى كله أبراج منتظمة فيها العلا لي المنيفة والقصاب المشرفة قد تفتحت كلها طيقانا وكل برج منها مسكون وداخلها المساكن السلطانية والمنازل الرفيعة الملوكية. وهذا أخصر وصف للقلعة زمن عزها وعمرانها أيام كان بها يضرب المثل في الحسن والحصانة لأن مدينة حلب في وطاء من الأرض وفي وسط ذلك الوطاء جبل عال مدور صحيح التدوير مهندم بتراب صح به تدويره والقلعة مبنية في رأسه ولها خندق عظيم وصل بحفره إلى الماء وفي وسط هذه القلعة تصل إلى الماء المعين وفيها جامع وميدان وبساتين ودور كثيرة وما أحرى هذا الحصن بقول البحتري من قصيدة يصف بها إيوان كسرى: لو تراه علمت أن الليالي جعلت فيه مأتما بعد عرس وهو بنبيك عن عجائب قوم لا يشاب البيان فيهم بلبس ليس يدري اصنع انس لجن سكنوه أم صنع جن لأنس عمرت للسرور دهرا فصارت للتعزي رباعهم والتأسي فلها أن أعينها بدموع موقفات على الصبابة حبس ذاك عندي وليس الدار داري باقتراب منها ولا الجنس جنس زراعة حلب ليس في ظاهر حلب من الحدائق الأنيقة ما يبلغ نحو عشر ما في ظاهر دمشق على كثرة الماء وجودة التربة هنا. أما في أعمالها فتنبت أكثر الحبوب وتجود معظم الثمار ولولا قلة الري التي تحدث بعض السنين بقلة الغابات وتدرجها نحو الفناء وما يعشش في أرباضها من الجراد في معظم السنين لكانت زراعتها كزراعة بلاد دمشق وأكثر ومع هذا فان أقضية دمشق لا تعادل أفضية حلب في زيتونها قال المهلبي: وتجلب من كور حلب وضيعها ما يجمع جميع الغلات النفيسة فان بلدة معرة مصرين وجبل السماق بلد التين والزيتون والزبيب والفستق والسماق والحبة الخضراء وقال ابن شداد وفي بعض ضياع حلب ما يجمع عشرين صنفا من الغلات. وقال ابن الشحنة ومما اختصت به حلب ماء الورد النصيبي الذي يستخرج بالباب من إعمالها فانه لا يوجد في الدنيا مثله بحيث لا يقاربه شيء مما يجلب إلى الديار المصرية من الشام مع أن المجلوب من دمشق عند المصريين في غاية العظمة بحيث يصفه أطباؤهم للمرضى فيقولون ماء ورد شامي. وقال ياقوت ويزرع في أراضيها القطن والسمسم والبطيخ والخيار والدخن والكروم والذرة والمشمش والتين والتفاح عذبا لا يسقى إلا بماء المطر ويجيء مع ذلك رخصاً غضاً روياً يفوق ما يسقى بالمياه والسيح. وقال ابن حوقل أن ما حول معرة نسرين من القرى أعذاءٌ ليس بجميع نواحيها ماءٌ جار ولا عين وكذلك أكثر ما بجميع جند قنسرين أعذاءٌ ومياههم من السماء وقال ابن جبير في بلاد المعرة وهي سواد كلها بشجر الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه ويتصل التفاف بساتينها وانتظام قراها مسيرة يومين وهي من أخصب بلاد الله وأطهرها أرزاقاً. ويصدر من حبوبها اليومتقويم حلب السنوي ١٣٢٤ الحنطة والشعير والأرز والقطن والحمص والعدس والبقلاء وبذر الكتان والاينسون والسمسم والخردل والكزبرة اليابسة والماش والقصب والدخان وغير ذلك ومن الثمار الفستق الجيد في أفضية حلب وقلعة الروم وعينتاب ويجود الزيتون كل الجودة في أفضية حلب وإدلب وكليس وحارم وعينتاب وإنطاكية وجسر الشغر ونزيب ويجود الليمون والبرتقال بين إنطاكية واسكندرونة وفي حلب والباب يجود الرمان وفي أريح الكرز والوشنة كما يجود في حلب وإعمالها أنواع الثمار والبقول على اختلاف ضروبها. ويجود التوت في أفضية إنطاكية إسكندرونة وبيلان وحارم بكثرة فيكون منه حرير جيد وفي أفضية الولاية ولواء مرعش مثل أفضية جسر الشغر وإنطاكية وبيلان وكليس وإسكندرونة وقلعة الروم من أعمال اورفة تخرج غابات كثيرة كالبلوط والدر دار والصنوبر والعفص والدفلة وغيرها وف جبال البستان تخرج على أطراف الأنهار والجداول أشجار برية من الحور والصفصاف وفي السهول عرق السوس ففي داخل الولاية يكثر التين والعنب والأجاص والدراق وفي السواحل الليمون والبرتقال والكراد والطورنج ويكي دنيا وفي هذه الولاية يكثر البصل والثوم ويجود البطيخ الأحمر (الجبس) من وراء العقل وتزرع البطاطا في بعض الأنحاء كما أن الكماءة تستخرج من باديتها وسهولها. هواء حلب وصحتها يبلغ ارتفاع حلب خمسمائة متر عن سطح البحر وبالنظر لتعرضها لحرارة الشمس من جهاتها الأربع وعبث الرياح التي لا يحول دونها حائل من الأشجار أو غيرها كان بردها شديداً وحرها على تلك النسبة فهوائها اقل اعتدالا من هواء دمشق يزيد في ذلك قلة مياهها في الدور كما هي في دور الفيحاء المشهورة بقاعاتها وأحواضها فهواء حلب جاف معتدل للغاية ولولا بناء منازلها بالحجر لضاقت أنفاس سكانها أيام القيظ وقد تبلغ درجة الحرارة الأربعين أو أكثر بالميزان المئوي وقد نزلت الحرارة في الشتاء الماضي إلى تحت الصفر بخمس وعشرين درجة. ومع ذلك نجد لأهل حلب رجالا ونساء من صحة الأجسام ونضرة الوجوه مالا تكاد تجد مثله في معظم البلاد الداخلية من سورية. قال المهلبي وأما أهل حلب فهم أحسن الناس وجوها وأجساما والأغلب على ألوانهم الدرية والحمرة والسمرة وعيونهم سود وشهل. قلنا إما البياض الناصع فهو كثير للغاية ويزيده رونقا في بعض النساء تلك الحبة التي تخرج على الأغلب في الوجوه وتترك أثرا في الخدود بحجم الريال يزيدها رونقاً وحسناً. وهذه الحبة يقال لها في هذه البلاد حبة حلب وهناك يقال لها حبة السنة وليست في الحقيقة خاصة بأهل حلب بل يشترك فيها سكان الشرق حتى بلاد فارس واختلف العلماء في تعليلها فقال قوم إنها تخرج بخاصية في ماء حلب ولو صحت هذه النظريةتقويم حلب الرسمي لكان أهل عينتاب وروم قلعة (قلعة الروم) وبيرة جك (البيرة) واروفة (الرها) وخربوت ودباربكم والموصل ودير الزور وبغداد ناجين منها والحال أنها تصيبهم كما تصيب الحلبيين حذو القذة بالقذة. وقال قوم أنها منبعثة من الماء ولو كان الأمر كذلك لاقتضى من ذلك أن تطلع في سكان القرى البعيدة ساعتين عن حلب على انك لا ترى لها فيهم أثراً. وأغلب الأطباء على أنها من الإمراض السارية ودليلهم على ذلك أن إبراهيم باشا المصري لما قدم حلب كان في حملته رجل من قرية بشلمون في لبنان فأصيب بالقرحة المذكورة وقيل أن بئرا منها عاد إلى بلاده فعدى بها أهل قريته ويقال أنها لا تزال إلى اليوم موجودة ويقال لها الحبة الشامونية. والحقيقة أن أمر هذه القرحة لم يبرح سرا غامضا على الأطباء ومرضا جلديا يصاب به الأطفال في الطفولة وبعض الغرباء الذين ينزلون حلب في الكبر ويقيمون فيها سنة وقد ينجون منها وإعراضها عبارة عن بثور تظهر في طرف من أطراف الجسم ويكون في الوجه أو اليد أو الرجل غالبا حتى إذا شفيت بدون أن ينشا عنها وجع تترك اثأرا ونوبا بيضاء ويصاب بها الغرباء والوطنيون على السواء كما يصاب بها الكلاب والقطط وكثيرا ما تخرج بعد أن يغادر المرء البلاد بزمن. متنزهات حلب تتغير أسماء المتنزهات كما تتغير أسماء البلدان بتغير الأزمان فمن متنزها تحلب القديمة اشمونيث قال أنها عين في ظاهر حلب في قبلتها تستقي بستانا يقال له الجوهري وان فضل منها شيء صب في قويق ذكره منصور بن مسلم بن أبي الخرجين يتشوق حلب أيا سائق الإظعان من ارض جوشن سلمت ونلت الخصب حيث تزود إلى أين عنها تشف مآب من الجوى فلم يشف مآبي عالج وزرود هل العوجان الغمر صاف لوارد وهل خضبته بالخلوق مدود وهل عين اشمونيث تجري كمقلتي عليها وهل ظل الجنان مديد إذا مرضت ودت بان ترابها لها دون اكحال الأساة برود ومن جرب الدنيا على سوء فعلها يعيب ذميم العيش وهو حميد إذا لم تجد ما تبتغيه فخض بها غمار السر أم الطلاب ولود بابلا قرية كبيرة بظاهر حلب بينهما نحو ميل وكانت عامرة آهلة في أيام ياقوت قال الوزير أبو القاسم بن المغربي. حن قلبي آلة معالم باب لا حنين الموله المشغوف مطلب اللهو والهوى وكناس ال خرد العنين والظباء الهيف حيث شطا قويق مسرح طرفي والاسامي مؤانسي وأليفي بطياس قال ياقوت أهل حلب كالمجمعين على أن بطياس قرية من باب حلب بين النيرب وبابلا كان بها قصر لعلي بن عبد الملك بن صالح أمير حلب وقد خربت القرية والقصر قال البحتري: يا برق أسفر عن قويق فطرتي حلب فأعلى القصر من بطياس عن منبت الورد المعصفر صبغة في كل ضاحية ومجني الأس ارض إذا استوحشت ثم أتيتها حشدت على فأكثرت إيناسي وقال أيضاً: نظرت وضمت جانبي التفاتة وما التفت المشتاق إلا لينظرا إلى ارجواني من البرق كلما تنمر علوي السحاب تعصفرا يضيء غماما فوق بطياس واضحا يبض وروضا تحت بطياس اخضرا وقد كان محبوبا إلى لو انه أضاء غزالا عند بطياس احورا تل ماسح قرية من نواحي حلب ذكرها امرؤ القيس في شعره: بذكرها أوطانها تل ماسح منزلها من بربعيص وميسرا جوشن جبل مطل على حلب في غربيها في سفحه مقابر ومشاهد للشيعة وقد أكثر شعراء حلب من ذكره جدا فقال منصور ابن مسلم بن أبي الخرجين النحوي الحلبي من قصيدة: عسى مورد من سفح جوشن نافع فاني إلى تلك الموارد ظمآن وما كل ظن ظنه المرء كائن يحوم عليه للحقيقة برهان وقال ابن سنان الخفاجي: ابرق طالع من ثانية جوشن حلبا وحي كريمة من أهلها واسأله هل حمل النسيم تحية منها فان هبوبه من رسلها ولقد رأيت فهل رأيت كوقفة للبين يشفع هجرها في وصلها قال الخفاجي ومن هذا الجبل كان يحمل النحاس الأحمر وهو معدنه حربنوش قرية من قرى الجزر من نواحي حلب قال حمدان بن عبد الرحيم الجزري: الأهل إلى حث المطايا إليكم وشم خزامى حربنوش سبيل دابق قرية قرب حلب من أعمال عزاز بينها وبين حلب أربعة فراسخ عندها مرج معشب نزه كان ينزله بنو مروان إذا غزوا الصائفة إلى ثغر المصيصة وبقربها قرية أخرى يقال لها دويبق قال عيسى بن سعدان الحلبي ناجوك من أقصى الحجاز وليتهم ناجوك ما بين الحص ودابق أمفارقي حلب وطيب نسيمها يهنيكم أن الرقاد مفارقي والله ما خفق النسيم بأرضكم ألا طربت من النسيم الخافق وإذا الجنوب تخطرت أنفاسها من سفح جوشن كان أول ناشق الدارين هو ربض الدارين بحلب ذكره عيسى بن سعدان الحلبي في مواضع من شعره فقال:  يا سرحة الدارين آية سرحة مالت ذوائبها علي تجننا أرسى بواديك الغمام ولا عنا نفس الخزامى الحارثي وجوشنا أمنفرين الوحش من أبياتكم حبا بظبيكم أسا أو حسنا اشتاقه والاعوجية دونه ويصدني عنه الصوارم والقنا وقال الأعشي: وكاس كعين الديك باكرت خدها بفتيان صدق والنواقيس تضرب سلاف كان الزعفران وعندما يصفق في ناجودها ثم يقطب لها أريج في البيت عال كأنه الم به من بحر دارين اركب دير حشيان بنواحي حلب من العواصم ذكره حمدان بن عبد الرحيم فقال: يا لهف نفسي مما أكابده إن لاح برق من دير حشيان وان بدت نفحة من الجانب ال غربي فاضت غروب أجفاني وما سمعت الحمام في فنن إلا وخلت الحمام فاجأني وما اعتضت مذ غبت عنكم بدلا حاشا وكلا ما الغدر من شأني كيف سلوي أرضا نعمت بها أم كيف انسي أهلي وجيراني لا خلق رقن لي معالمها ولا اجتني انهار بطنان لكن زماني بالجزر اذكرني طيب زماني به فأبكاني ديرمارنين يعرف أيضا بدير السابان وهو بين حلب وانطاكية مطل على بقعة تعرف بسرمد وهو دير حسن كبير وكان خرابا في القرن السادس وآثاره باقية وفيه يقول الشاعر: ألف المقام بدير رومانينا للروض ألفا والمدام حزينا والكاس والإبريق يعمل دهرا وتراه يجني الأس والنسرينا ديرعمان بنواحي حلب وتفسيره بالسريانية دير الجماعة قال فيه حمدان بن عبد الرحيم الحلبي: دير عمان ودير سابان هجن غرامي وزدن أشجاني إذا تذكرت منهما زمنا قضيته في عرام ربعاني ومر أبو فراس بن أبي الفرج فقال مرتجلا: قد مررنا بالدير دير عمانا ووجدناه دائرا فنجانا ورأينا منازلا وطلولا دارسات ولم نر السكانا وارتنا الآثار من كان فيها قبل تفنيهم الخطوب عيانا فبكينا فيه وكان علينا لاعليه لما بكينا بكانا لست أنسى يا دير وقفتنا في ك وان أورثتني نسيانا من أناس حلوك دهرا فخلو ك وأمسوا قد عطلوك ألامنا فرقتهم يد الخطوب فأصبح ت خرابا من بعدهم اسيانما وكذا شيمة الليالي تميت ال حي منا وتهم البنيانا حربا مالذي لقينا من الده ر وماذا من خطبها قد دهانا نحن في غفلة بها وغرور وورانا من الردى ماورانا دير مرقس من نواحي الجزر قال حمدان بن عبد الرحيم يذكره: الأهل إلى حث المطايا إليكم وشم خزامى حر بنوش سبيل وهل غفلات الدهر في دير مرقس تعود وظل له فيه ظليل إذا ذكرت لذاتها النفس عنكم تلاقي عليها وجدة وعويل بلاد بها أمسى الهوى غير أنني أميل مع الأقدار حيث تميل وذكر ابن الشحنة في تاريخ حلب طرفا صالحا من متنزهات حلب فقال أنها كثيرة فمنها ما يقصد في أيام الأعياد والمواسم ويستوي فيه الخاص والعام كباب المقام داخلا وخارجا يجعل فيه فيالات وتعمل فيه أنواع الفنون وتعقد به الحلق لأرباب الصنائع ويباع فيه أنواع المآكل وكذلك خارج باب النيرب وخارج باب الفرج إلى ارض الماتينيوالمجدية وخارج باب النصر وظاهر بانقوسا وظاهر باب قنسرين مادا إلى جسر الأنصاري. وإما ما يقصد في سائر الأيام والأوقات التي تخطر للمتنزهين فأولها من جهة القبلة الأبيض ثم مرج الخالدي وعين مباركة وعين اشمونيث وهي المعروفة بعين أشمول وارض بطياس والسعدي وهو قضاء فياح تجري فيه انهر متشعبة من نهر واحد بحافتيها مروج خضر وبها من الزهر المختلف مالا يبلغه الوصف ثم الجوهري وهو بستان قديم وصفه الشعراء والبلغاء ومنها الأنصاري وجسراه المعروف احدهما بحقل ابن رافع والفيض وجندبات وزاوية عباس ومنها ارض الخوابي وطواحين السلطان ومشهد الزرازير وبستان شمس لولوا وجبل جوشن والقلوت وجسر الطواشي وبستان البقعة وبستان العجمي والكهف وبستان الجزيرة والحبشي وقيصر ومرجة الفرايين وجسر باب انطاكية وجسر باب الجنان وجنينة المهمندار المعروفة آخر وقت بابن نجيح وبستان الوزير وجهرة الانكليس ومنها بابلى وهي قرية قريبة متصلة أرضها بأرض بانقوسا بها عدة جواسق وبحرات وجنينات وغير ذلك. ومنها قرنبية وجبل البختي والهزازة والميدان الأخضر ومشهد سيدي فارس وقسطل الحاجب وبعادين ومرجة أغلبك وارض بالصفراء وعين التل والأرض المسماة بالجوز سميت به لأشجار جوز عظام كثيرة الظل على شاطئ النهر ممتدة إلى حيلان وحوش البدوية وهو مكان فياح على نشر من الأرض ينبت فيه الشيح والقيصوم والقرنفل والصعتر ومنها الخناقية وكتف الأزرق والأرض المجدبة وجورة الأسقف التي بها بستان النصيبي وتجاه مرج السلحولية ثم جنينة عبيد والناعورة وارض الحلبة ورأس الطابق والنهريات وهي مسافة يومين من اول المسلمية إلى تل السلطان. وللصنوبري الشاعر قصيدة طويلة في وصف بعض متنزهات حلب وقراها القريبة جاء فيها: حبذا الباات باءا ت قويق وراها بانقوساها بها باهى المياه حين باها وببا صفرا وباب لا وبا (؟) مثلي وتاها لاقلي صحراء نافر (؟) قل شوقي لأقلاها لاسلا أجيال باسل ين قلبي لا سلاها وبباسلين فليب غ ركابي من بغاها والى باشقليشا ذو التناهي يتناها وبعاذين فواها لبعاذين وواها بين نهر وقناة قد تلته وتلاها ومجاري برك يجل وهمومي مجتلاها ورياض تلتقي آ مالنا فيما التقاها زاد اعلاها علوا جوشننا لما أعلاها وأزدهن برج أبي الحا رث حسنا وازدهارها واظبت مشرف الحصن اشتياقا واطناها وأرى المنية فازت كل نفس بمناها ازدهواي العوجان السالب النفس هواها ومقيلي بركة التل وسيبات رحاها بركة تربتها الكافور والدر حصاها كم غراني طربي حيتانها لما غراها إذ تلا مطبخ الحيتان منها مشتواها بمروج اللهو ألقت غير لذاتي عصاها وبمغنى الكاملي أس تكملت نفسي مناها وغرت ذا الجوهر المزن غيثا وغراها كلا الراموسة الحسناء ربي وكلاها وجزى الجنات بالسعدى بنعمى وجزاها وفدى البستان من فارس صب وفداها وغرت ذا الجوهر المزن محلولا غراها واذكر دار السليمانية اليوم إذ كراها حيث عجنا نحوها العبس تباري في براها وصفا العافية الموسومة الوصف صفاها فهي في معنى اسمها حذ وبحذو وكفاها وصلا سطحي وأحواضي خليلي صلاها وردا ساحة صهريجي على سوق رداها وامزجا الراح بماء منه أو لا تمزجاها حلب بدر دجى أن جمها الزهر قراها قانون الجماعاتوشرح المغمض منه أبنت في جزء سبق أن القوانين التي تبحث عن أفعال الناس الناشئة من اجتماعاتهم تقسم إلى قسمين: قسم له مساس بالأمن العام رأسا وآخر بالواسطة وقلت أن أفعال الناس المجتمعة التي قد تخل بالأمن العام تظهر في مظهرين الأول: دائمي والآخر مؤقت والقانون الذي يبحث عن الاجتماعات الدائمة قانون الجمعيات وقد مرت ترجمته وشرح شرحا إجماليا. وأما القانون الذي يبحث عن الاجتماعات المؤقتة فهو قانون (الجماعات) وهو موضوع بحثنا اليوم. هذا القانون كناية عن ( ١١ ) مادة فقط. وهو مأخوذ عن القانون الصادر في فرنسا عام ١٨٨١ وكثير الشبه به. وقد نشر في ٢٠ جمادى الأولى عام ١٣٢٧ موافق ٢٧ أيار سنة ١٣٢٥ . عقيب حوادث ٣١ آذار المعلومة. المادة الأولى العثمانيون أحرار في عقد الاجتماعات العامة بلا سلاح. وبشرط الرعاية للمواد الآتية فلا حاجة لأخذ الرخصة. إيضاح أعلن واضع القانون حرية الاجتماع بهذه المادة بكل صراحة لأن هذا حق من حقوق الأمة الطبيعية متولد من حرية الكلام وحرية تعاطي الأفكار وحرية اتحاد الآمال. الاجتماعات قسمان ( ١ ) سياسي ( ٢ ) غير سياسي وكلاهما جائز والدليل قول واضع القانون (الاجتماعات العامة) كما مر في المتن بدون قيد. وهنا تجد بيننا وبين فرنسا فرقا مهما يجلب نظر. وهو أن قانون الاجتماع الفرنساوي يمنع الاجتماعات لأجل الانتخابات وأما قانوننا فيجوزها كما هو مستفاد من إطلاق هذه المادة. أي أن قانون الاجتماع الفرنساوي لا يسوغ الاجتماع إلا للمرشحين والمنتخبين فقط، وإما قانوننا فهو مطلق الحرية للمرشحين والمنتخبين ولكل ناظر. ثم مر في متن المادة كلمة (العثمانيون أحرار) فيفهم من هذا بان الأجانب ممنوعون من الاستفادة من هذا الحق. لأن لكل كلمة مفهومين: مفهوم موافقة ومفهوم مخالفة. فان ذكر احدهما يستدل على أن الآخر غير مقصود وغير مطلوب فقول واضع القانون هنا (العثمانيون) يدل بأنه قصد إخراج غير العثمانيين من مداول هذه الكلمة. ومن هنا يستدل بأنه لا يسوغ لغير العثمانيين من حق الاجتماع. يقول بعض العلماء أصول الإدارة الملكية ولا سيما الأستاذ ضيا بك بحوار عقد الاجتماع من قبل الأجانب نزلاء بلادنا بشرط أن لا يتدخلوا بالسياسة المحلية. وإما هذا العاجز فيرى إن هذا القول من قبيل التوسع الفكري وليس من التفسير القانوني. لأن القانون حصر هذا الحق بالعثمانيين حصرا بينا بقوله (العثمانيون الأحرار) بدون تقييد بشيء آخر. أما إذا قيل بان هذا حق لكل الإفراد طبيعي لا يجوز نزعه من الأجانب فأقول بان القوانين توضع في الأصل لأجل تحديد كل حق يحتمل ظهور أقل ضرر منه. وناهيك بما يقول له الأجانب حق وهم منفردون وحينئذ احكم كما تشاء على ما يمكن حدوثه منهم وهم مجتمعون. فلهذا السبب أرى الاكتفاء بصراحة القانون أوفق للاحتياط والتبصر بعواقب الأمور وأما أن قيل: أما يسوغ لهم الاشتراك مع العثمانيين في اجتماعاتهم؟ فأقول أيضا لا يجوز لأن القانون وحساب العواقب هكذا يقضيان لأن اقل أمر يحدث في أثناء الاجتماع ربما يحدث أعظم المشاكل مع الدولة التي ينتسب إليها هذا الأجنبي ولذلك كان إتباع ظاهر القانون أوفق واسلم وانفع. ولاسيما إذا كان الاجتماع سياسيا فعدم قبول الأجنبي فيه من اضر الضروريات لا علاقة له به مطلقا. مر في المتن أيضا كلمة (بلا سلاح) فإذا كان المجتمعون مسلحين علنا أو سرا فهذا الاجتماع ممنوع. إما إن كان شخصان أو ثلاثة من بين هذا الجمع الغفير مسلحين فيجب على هيئة الإدارة تجريدهم من سلاحهم وإذا امتنعوا فيعد الاجتماع مسلحاً ويمنع. مر في المتن أيضا بان الاجتماع غير متوقف على اخذ إذن من الحكومة. نعم لا يجب الاستئذان لذلك إلا انه لما كان من الممكن وقوع مالا تحمد عقباه أثناء الاجتماع اشترط واضع القانون بعض الشروط على مسببي الاجتماع حفظا للأمن العام. وهذه الشروط مدرجة في المادة ٨ ، ٧ ، ٦ ، ٥ ، ٤ ، ٣ ، ٢ كما سيأتي بيانها. المادة الثانية قبل الاجتماع يجب تنظيم بيان يتضمن يوم الاجتماع وساعته ومحل وقوعه وان يمضي من شخصين احدهما متوطن في محل عقد الاجتماع وان يكونا نائلين حقوقهما المدنية والسياسية على شرط أن يصرحا باسميهما وشهرتيهما وصفتيهما وبمحلي أقامتيهما. إيضاح الاجتماع غير منوط بإذن الحكومة. إلا انه يجب إخبارها بوقوعه لأجل اتخاذ التدابير اللازمة خوفا من وقوع ما يكدر المخاطر ولأجل منع الاجتماعات الغير الجائزة قانونا بمقتضى المادة ٩ ، ٨ ، ٧ ، ٦ ، ٣ من هذا القانون. قيل في المتن أيضا ضرورة بيان (يوم الاجتماع وساعته ومحل وقوعه) وهذا أيضا ضروري. لتتخذ الحكومة التدابير اللازمة بالوقت المعين خوفا من إجراء الاجتماع قبل أن تتخذ الحكومة التدابير الاحتياطية. وهكذا قيل في المتن (يجب أن يمضى من شخصين احدهما متوطن في محل عقد الاجتماع فإذا أمضى البيان شخصان احدهما متوطن في البلد الذي سيقع فيه الاجتماع والثاني من بلد آخر فهو جائز بنظر القانون. وقصد واضع القانون من كلمة (محل) البلاد والقصبات والقرى. مر في المتن (نائلين حقوقهما المدنية والسياسية) واليك البيان: الحقوق المدنية - هي أن يكون غير ساقط من هذه الحقوق وهي مذكورة إجمالا في المادة ٣١ من قانون الجزاء ودرجة في الصفحة ( ٤٦٥ ) من مقتبس هذه السنة في شكل خلاصة الخلاصة. الحقوق السياسية - هي الحقوق التي تؤهل المرء لاشتراك في إدارة المملكة مثل حق انتخاب المبعوثين وحقوق التوظف في دوائر الحكومة والعسكرية الخ. ثم يجب أن يصرح هذان الرجلان اللذان سيمضيان البيان باسميهما وبشهرتهما وبجميع علائمهما المميزة ليسهل على الحكومة البحث عنهما عند الاقتضاء. المادة الثالثة يعطى البيان في استانبول لناظر الضابطة وفي الملحقات للولاة والمتصرفين والقائم مقامين والمديرين. وبمجرد إعطاء البيان يؤخذ بقابلة علم وخبر. وان يعطي علم وخبر فلمقدمي البيان تنظيم ورقة ضبط وإمضاؤها من شخصين من الحاضرين يكونان من الحائزين على الشروط المدرجة في المادة الثانية. وحينئذ يسوغ عقد الاجتماع. ويجب التصريح باليوم والساعة التي سيقع الاجتماع فيها في العلم وخبر وورقة الضبط. أما الاجتماعات التي تقع بلا علم وخبر وورقة ضبط فهي ممنوعة. ويجازى مرتبوا الاجتماع بالحبس من أسبوع إلى شهر أو بالتغريم بجزاء نقدي يختلف بين الثلاث ليرات وخمس عشرة ليرة. إيضاح . ورد بان البيان يعطى باستانبول لناظر الضابطة). إما وقد أصبحت استانبول ولاية كسائر الولايات فيجد والحالة هذه إعطاؤها للوالي بها. ثم إذا امتنع مأمور الإدارة عن إعطاء علم وخبر في مقابل البيان فعلى مقدمي البيان تنظيم ورقة ضبط تبين امتناع. ويجب أن يمضى هذا الضبط من رجلين آخرين غير مقدمي البيان. وبهذه الصورة تكون ورقة الضبط محتوية على أربعة إمضاءات. اثنان مدعيان واثنان شاهدان لأجل محاكمة المأمور. وجزاء من يمتنع عن إعطاء هذا العلم والخبر قطع راتب شهر لأول مرة وإذا تكرر فيطرد من مأموريته وفق للمادة ( ١٠٢ ) من قانون الجزاء. العلم وخبر لا يتضمن الترخيص بل يتضمن الاستخبار من قبل من هو مكلف بحفظ الأمن العام. أي أن معنى البيان الأخبار ومعنى العلم والخبر وثيقة لأجل عدم الإنكار في المستقبل. حتى إذا ما وقع محظور من الاجتماع وسئل عنه مأمور الإدارة الملكية وأراد الإنكار وادعى لأنه لم يعلم بوقوع الاجتماع ليتخذ التدابير اللازمة يقال له أن المجتمعين قد أخبروك وهذا العلم والخبر دليل على ذلك إذا أنت متهاون ولهذا أنت جدير بالجزاء هذا هو سر لزوم إعطاء البيان والعلم والخبر لا غير. لأن الاجتماع غني عن الاستئذان لكونه حقا من الحقوق الطبيعية. أما الاجتماع الذي يقع بدون أخبار الحكومة بتاتا فهو ممنوع. أي أن للبوليس الحق في فضه أولا بالكلام ثم بالتهديد ثم بالإكراه ثم أن الضرب والجرح والقتل الذي يقع من مأموري الضابطة أثناء إيفاء وظائفهم يؤدي إلى المعذرة بموجب المادة ١٨٩ من قانون الجزاء العام وقانون البوليس والجند رمة الخصوصيين وعلى هذا ففي كلمة (ممنوع) فسخ الاجتماع بكل التدابير حتى تصل إلى قتل من يخالف أمر البوليس. وهذا الأخير غير مسؤول عن هذا القتل بالنظر لما هو مصرح به في المادة المذكورة من قانون الجزاء. وبعد تفريق المجتمعين يجازى المرتبون بالجزاء المدرج في متن المادة المذكورة آنفاً. المادة الرابعة يجب أن تمر ثماني وأربعون ساعة بين إعطاء البيان وعقد الاجتماع. مر سبب هذا أعلاه في شرح المادة الثانية. المادة الخامسة يجب إيضاح سبب الاجتماع والمقصد منه في البيان. إيضاح حتى يتسنى للحكومة منع الاجتماع الغير القانوني ولأجل التبصر في مقدار العسكر الذين يجب إرسالهم للمحافظة ولأجل إرسال مأمور خاص لمحل الاجتماع للنظارة عليه وحتى إذا ما خرج عن الموضوع يفسخ الاجتماع الخ. المادة السادسة الاجتماعات ممنوعة في المحال المكشوفة والقريبة مقدار ثلاثة كيلو مترات من سراي السلطان المعظم ومن دائرتي المبعوثان والأعيان إثناء انعقاد المجلس العمومي. إيضاح مر في المتن كلمة (مكشوفة) ومعناها إن الاجتماع يقع أما في محال مكشوفة أو في محال مغلقة أي ذات سقف وباب. ومثال الأول الساحات والعاص ومثال الثاني القهاوي ودور التمثيل والأندية. لماذا؟ لأن من الاجتماعات ما يجب إجراؤه في محل مغلق كالمحاضرات العلمية. لأن هذه لا تلقى على قارعة الطريق. ومنها أيضا ما هو واجب إجراؤه في المحال المكشوفة كالاحتجاج على عمل ما يخالف القانون صدر من الحكومة أو من شركة ما ولما كان هذا شاملا لجميع الآهلين غالبا فبالضرورة يجتمعون في الساحات والعراص على الأكثر. فلهذا السبب أساغ واضع القانون كلا النوعين من الاجتماعات. واستثنى منها ما يقع في المحال المكشوفة القريبة من سراي السلطان المعظم ومن مجلس المبعوثان والأعيان إثناء انعقاد المجلس العمومي مسافة ثلاثة كيلو مترات أي ثلاثة آلاف متر. كذلك قيل في المتن (سراي السلطان) والقصد من هذه الجملة سرايه في استانبول لا القصور العامة في الملحقات. لأن كلمة (همايون الملصقة بسراي في الأصل التركي أي سراي همايون) تفيد التخصيص بسرايه الخاص. أعرف والياً ممن ظلمهم الحظ وأجلسهم على عرش الولاية أراد منع احتجاج على عمله وذهب لتفسير (سراي همايون) بدار الحكومة. وبعد اللتيا والتي أقنعناه بحقيقة المسالة قيل في المتن أيضا (إثناء انعقاد المجلس العمومي) ومعنى هذا أيضا إذا لم يكن المجلس العمومي أي مجلس المبعوثين والأعيان منعقدين فالاجتماع جائز القرب منهما ولو بمسافة اقل من ثلاثة كيلو مترات. وهكذا يستفاد من كلمة (المحال المكشوفة) بان الاجتماعات التي تقع في المحال المغلقة في القرب من السراي السلطاني ومن المجلس ولو كانا منعقدين فهي غير ممنوعة أيضا ثم قيل في أول المتن (ممنوعة) وقد مر معنى المنع القانوني في شرح المادة السابقة فالاجتماع الممنوع إذا ( ١ ) هو الذي يقع في المحال المكشوفة القريبة من سراي السلطان مسافة ثلاثة آلاف متر ( ٢ ) التي تقع في المحلات القريبة من مجلس الأعيان والمبعوثين على مسافة ثلاثة آلاف كيلو مترات أثناء انعقاد المجلس العمومي. أما الاجتماعات التي تكون في محال مستورة فهي جائزة ولو كانت على مقربة من سراي السلطان والمجلسين. المادة السابعة شرع الاجتماع ونظر إليه من قبل علماء فن تدبير المملكة بنظر حق طبيعي لأنه مؤد إلى نفع عام وخاص. أما إذا وقع في الطريق العامة فمن المحقق انه يعطل المارين والعابرين ويعوق سير التجارة ويخل بحرية أرباب الصنائع وسائر المسالك الأخرى. ولما كان درء المفسدة أولى من جلب المنفعة وفقا للمادة الثلاثين من قانوننا العام أي مجلة الأحكام منع هذا الاجتماع الذي يقع في الطرق العامة. لكي لا نكون جلبنا ضررا محسوسا لجلب نفع موهوم. هذا هو سبب الفقرة الأولى الإدارية من هذه المادة. وإما الفقرة الثانية فهي تبين وقت الاجتماع. فكما أن الاجتماع يقع في المحال المكشوفة من طلوع الشمس حتى مغربها. وأما في المستورة فيجوز دوامه ليلا أيضا كما انه يسوغ عقدة في منتصف الليل أو في آخره لأن المحافظة هناك سهلة جدا لا سيما والمحال المغلقة هي إما قاعة خاصة دار تمثيل أو قهوة كبرى. وهذه الإيضاحات مستنبطة من مفهوم المخالفة لقيود هذه المادة والتي قبلها. المادة الثامنة يدار الاجتماع من هيئة مركبة على الأقل من ثلاثة أشخاص وعلى هذه الهيئة الاعتناء بمحافظة الانتظام ومنع ما يخالف القانون والاهتمام بعدم الخروج عن موضوع البيان وعدم إيراد الخطب المخلة بالأمن العام والآداب العامة ودم التفوه بأقوال تكون من قبيل التشويق لإيقاع الجرائم. وان لم تعين هذه الهيئة من قبل ممضي البيان انتخابها من المجتمعين. وإذا وقع فعل يخالف المادة السابعة وهذه المادة فالتبعة توجه على هيئة الإدارة وقبل تأليفها فالتبعة على ممضي البيان. إيضاح يجب أن يكون الثلاثة الأشخاص الذين يؤلفون الهيئة الإدارة حائزين على الشروط الثلاثة المدرجة في المادة الثانية من هذا القانون. لأنه لا فرق بين هيئة الإدارة وممضي البيان أبداً. لا سيما وهو مجاز للحكومة توجيه تبعة الاجتماعات على ممضي البيان كما هو مذكور في متن هذه المادة. هيئة الإدارة مكلفة بواجبات ستة واليك بيانها بمثال: أولاً - المحافظة على الانتظام: لأن التشتت يضيع الفائدة المنتظرة من الاجتماع وهي مثل تعارض الخطباء والصراخ وكل ما يخل السكون المطلوب. الاجتماع المنتظم هو الذي يخطب به الخطيب والناس تسمع له والذي لا يتكلم به احد سوى الخطيب فإذا عارض الخطباء بعضهم وظهر لكل واحد منهم حزب يؤيده فهناك بعد الانتظام مختلا يحتاج لمداخلة هيئة الإدارة. ثانياً - منع ما يخالف القانون: إذا ترك احد أرضه الأميرية ثلاث سنين متتالية معطلة تعد محلولة ويؤخذ من صاحبها الأصلي (بدل المثل) عنها وان لم يدفع هذا فتؤخذ منع وتباع بالمزاد من غيره. وهذا مؤيد في المادة (٦٨) من قانون الأراضي. فلو أراد خطيب يخطب بعكس هذا لما جاز له ويجب هنا أيضا مداخلة هيئة الاجتماع الإدارية ويجب عليها منعه، وهكذا جميع القوانين بلا استثناء. أما من رأى اعوجاجا في القوانين فعليه أن ينبه مرجعها بلائحة خاصة أو بواسطة الجرائد وهذا مشروط بان يكون تصديق القانون التصديق الرسمي. ثالثاً - عدم الخروج عن موضوع البيان: مثلا لو قيل في البيان بان الاجتماع هو لأجل الاحتجاج على حكومة اليونان فقط فلا يجب الخروج عن ذلك ويجب المنع أن حصل احتجاج على حكومة الجبل الأسود لأن البيان كان عبارة عن الاحتجاج على اليونان لا غيره. وقس عليه البواقي. رابعاً - الأمن العام: غني عن الإيضاح خامساً - الآداب العامة: لو أراد الخطيب استعمال البيرا أو إحدى المشروبات الأخرى إثناء خطابه فيمنع من ذلك. لأن آدابنا الإسلامية تحظر علينا التهتك بالمنكرات. وهنا أيضا يجب على الهيئة الإدارية أن تتدخل بالأمر. وهذا الأمر يشمل الغير مسلمين أيضا. نعم يسوغ لهم استعمال المشروبات المسكرة ولكن في أماكن خاصة لا علنا لأن الآداب العامة الوطنية (وهي إسلامية بالنظر للأكثرية) لا تجيز ذلك بتة والقصد من الآداب العامة مراعاة العواطف لا غير. وهل يجوز لغير المسلمين عقلا ومنطقا جرح عواطف إخوانهم المسلمين أكثرية المملكة باستعمال المشروبات علنا؟ كلا. إذن يجب منع الخطيب الغير مسلم أيضا أن أراد استعمال البيرا أو الكونيك على منبر الخطابة العلني وهم يعملون هذا التقليد للأوربيين أما آدابنا فلا نستطيع أن تهضم هذا بوجه من الوجوه. ولذلك منع واضع هذا القانون وأمثاله وبهذه الصورة حفظ الآداب العامة من طروء الخلل عليها: وهذا لا يحجز حرية أحد لأن الإنسان حر في بيته إن يفعل ما يشاء ويشرب ما يشاء. سادساً - عدم التفوه بأقوال تشق إلى ارتكاب الجرائم وهذا أيضا غني عن الإيضاح هذه الأمور الستة واجبات الإدارة يجب الانتباه لها وإذا حصل تهاون فالجزاء محقق بموجب المادة العاشرة من هذا القانون. قد يمكن أن لا يبين الشخصان اللذان يمضيان البيان أسماء هيئة الإدارة لأسباب عديدة. فإذا ما وقع مثل هذا الحال. وجب على المجتمعين انتخاب ثلاثة أشخاص من بينهم قبل كل شيء وتعريف الحكومة عنهم وإذا لم ينتخب أحد لهيئة الإدارة فتوجه التبعة على ممضي البيان والجزاء بكون بموجب المادة العاشرة. المادة التاسعة يرسل من قبل الحكومة إلى محل الاجتماع مأمور أن يوجد في المحل الذي يعده مناسبا وله أن يفسخ الاجتماع إذا طلبت هيئة الإدارة ذلك أو وقعت منازعة ومجادلة تخل بالضبط والربط. إيضاح إذا قيل حكومة يجب أن يخطر على البال رؤساء الإدارة الملكية أي المختار والمدير والقائم مقام والمتصرف والوالي وناظر الداخلية والصدر الأعظم. وإذا طلبت هيئة الإدارة فله أن يأمر البوليس والجند رمة فسخ الاجتماع. قيل في المتن (منازعة ومجادلة) وهذان قسمان قولي وفعلي. فان كانت قولية فلا يسوغ له المداخلة بدون طلب من هيئة الإدارة وإذا حصل ما يخالف القانون فتوجه التبعة على هيئة الادراة والفاعلين. إما إذا كانت المنازعات والمجادلات فعليه أن يتدخل من نفسه ويفسخ الاجتماع. وهذا منبسط من قول القانون (منازعة ومجادلة مخلة بالضبط والربط) والإخلال بالضبط والربط لا يكون بالقول مطلقاً. إما إذا أتي احد المجتمعين بشيء يغاير الآداب أو تكلم بكلام يخل بالأمر فعلى الهيئة الإدارية أن تراجع المأمور الخاص وهو يمنع الرجل من عمله وكلامه وينظم ضبطا ويودعه للعدلية لأجل محاذاته بموجب المادة العاشرة. وان لم تراجع الهيئة الإدارية هو أيضا بقطع راتب شهر جزاء تهاونه. وفقا لقانون الجزاء لا لهذا القانون. المادة العاشرة يجازى من يخالف إحكام هذا القانون بالحبس من ٢٤ ساعة إلى أسبوع أو بالتغريم بجزاء نقدي من ٢٥ غرشاً إلى ليرة. بشرط أن لا تخل أحكام القوانين الأخرى بحق من يأتون بالجرائم الأخرى. إيضاح لو ضرب احد آخر إثناء الاجتماع فيجازى جزاء الضرب العادي المدرج في قانون الجزاء ولا يكتفي بهذا الجزاء الجزئي المحرر في هذه المادة. وهذا الجزاء خاص بمن يخالف هذا القانون المؤلف من إحدى عشرة مادة فقط فلو صرح مثلا احد المجتمعين إثناء الاجتماع يجازى بهذا الجزاء لأنه اخل بنظام الاجتماع. والحاصل أن هذا القانون لا يعارض قانون الجزاء العام بتاتاً. المادة الحادية عشرة ناظر الداخلية والعدلية مأموران بإجراء هذا القانون. إيضاح الداخلية والعدلية أبدا كحفظ الصحة والطب. فكما انه قبل المرض تراعى قواعد حفظ الصحة ولا يراجع الطبيب إلا بعد وقوع المرض فمأمور الداخلية والبوليس والجند رمة يتخذ كل أنواع الاحتياط ويتخذ جميع التدابير لأجل منع كل عمل يخالف هذا القانون. وإما إن حصل خلاف فهناك تبتدئُ وظيفة مأموري العدلية أي وظيفة العدلية تبدأ حيث تنتهي وظيفة رجال الداخلية. هذا هو قانون الاجتماع متنا وشرحا وقد استندت في شرحي له على أربع مسائل أقوال علماء أصول الإدارة الملكية وعلى دلالة القوانين الأخرى وعلى الأوامر الصادرة من المراجع العليا أقوال علماء الفقه والمنطق. وأشرت إلى ذلك فيما رأيت لذلك داعياً؟ وبعد ترجمة المتن وشرحه كما مر أرى الحاجة ماسة لبيان أقوال علماء فن تدبير المملكة يحق الاجتماعات على طريق الإيجاز الرائد ليكون القارئ على بصيرة تامة واليك البيان: يقول العلماء لهذه الاجتماعات العامة Réunion publique ويقسمونها إلى أقسام عديدة: اجتماع شامل واجتماع خاص دنيوي ديني مشروع وغير مشروع Organisée مهيأ غير مهيأ أو مشوش Attroupenent ونبحث ألان في تعريف كل قسم من هذه الأقسام على وجه الإيجاز. الاجتماع الشامل - الذي يسوغ لكل الناس الاشتراك به سواء كان باجرة أو مجانا مثل الاشتراك لأجل سماع المحاضرات العلمية والسياسية والصناعية. الاجتماع الخاص - الذي لا يسوغ لكل الناس الاشتراك به لغير المدعوين مثل الضيافات بأنواعها. وهذه حرة عندنا بدون قيد أو شرط. الاجتماع الدنيوي - هذا الاجتماع بالجوامع والكنائس. لإقامة الشعائر واستماع النصائح. وهذه الاجتماعات أيضا غير تابعة بصور وشروط قانونية. الاجتماع المشروع - ما كان موافقا للقوانين. وأما الغير المشروع الغير موافق للقوانين الأخرى. الاجتماع المهيأ - الذي يكون مبنيا على نية معلومة وقصد محدود معين. الاجتماع المشوش - هو الذي يكون من قبيل التصادف أو التشويق الوقتي. فقانون الاجتماع الذي ترجمته وشرحته بهذا العدد من مقتبسنا يبحث عن الاجتماعات الشاملة والدينية والمشروعة والغير مشروعة والمرتبة. ولم يتدخل قد في الاجتماعات الخاصة والدينية والمشوشة قطعيا. ولابد أن تنتبه الحكومة لهذه الأقسام الثلاثة الأخيرة وتضع لها قوانين تبحث عنها أسوة بجميع الدول المتمدنة ووقاية لحال الأمة من تشويقات المشوقين الضالين المضلين ومن سوء تفسير رجال الإدارة صيغة الحظ والاتفاق. فان تسعة أعشار تذبذبنا الإداري ناشئ لعمر الحق من هؤلاء الضالين أرباب النفوذ ومن جهالة من يقال لهم آمرون. أخبار وأفكار الإسفنج لا يعرف العلماء حتى الآن إذا كان الإسفنج يعد من الحيوان مع انه أيضا مشترك مع النبات كما لا يعرفون كيف يغتذي فهو يتناول غذاؤه من منافذه ولكن ما هي ماهية هذا الغذاء الموزع على نصاب العدل وهذا من المجهولات أيضاً. وإن الإسفنجة المعتدلة لتبلغ ١٨ سنتميتراً في أربع سنين واهم مصايد الإسفنج في سورية وبحر الادرياتيك وعلى شواطئ تونس. وقد أخذت أميركا ولا سيما شواطئ فلوريدا تخرج الإسفنج منذ مدة أيضا ويجيء هذا الصنف من كوبا وجزائر براهاما. واستخرج الإسفنج على صور مختلفة وأكثرها استعمالا ما يغوصون عليه في أعماق تختلف من ١٠ إلى ١٥ مترا فينزعون هذا الحيوان من الصخر الذي علق فيه ومنهم من يستعملون أجراس الغواصة فيتراكض كلاب البحر فلا يتقيها الغائص الإبان يتماوت فتكف عنه لأن كلب البحر لا يقترب من الجثث الهامدة. وقد عني الدكتور مور بزراعة الإسفنج بدون ساق وهو ابقي من غيره من الأنواع وطريقته أن يقطع الحيوان قطعا قدر كل واحدة خمس سنتيمترات مربعة ويركزها إلى أوتاد مغموسة بماء البحر فتكبر هذه القطع ويصبح وزنها خمسة وعشرين ضعفا عما كانت عليه وذلك خلال ثمانية عشرة شهراً. العصر الحجري لم تدثر أجناس البشر التي باتت معروفة في العصر الحجري الغريق في القدم فان قبائل أواسط واستراليا تمثل آخر بقاياه. فقد باد قدماه التاسمانيين الذين كانوا فرعا من تلك القبائل ولم يتحقق أصل قرصان أندمان (أرخبيل في خليج بنغالا) واحتفظ أهل واستراليا بسحناتهم وصفاتهم وهم قوم رحل مختلفة لهجاتهم بعيدون عن كل مدينة أحط خلق الله في المعارف وصحة الأجسام ينزلون رمالا لا ينبت فيها غير العوسج يعيش رجالهم بالصيد بالحراب والنساء يقلعن جذوعا ويبحثن عن الديدان يغتدين بها. وكلهم من آكلة البشر لا يعرفون الثياب يسترون عوراتهم بزنار بسيط وإذا أكلوا إنسانا من البيض الضالين في أصقاعهم يأخذون قبعته يجعلونها على رؤوسهم وأحذيته وجواربه في أرجلهم علامة على الكبرياء والعظمة. ومساكنهم عبارة عن أكواخ من الأغصان لا يعرفون المعادن إلا منذ زارهم بعض أرباب الرحلات وليس لهم آنية في مساكنهم ولا يحسبون إلا على أصابعهم إلى الصف الأول من الإعداد لا يتعدونها إلى أكثر ولكنهم ماهرون في رسم بعض الصور على الحجارة وفي تزيين أتراسهم بيد أن حذقهم في هذه الصناعة أحط من حذق آهل عصر الوعل في أوربا الغربية. ويقول العالم الأخصائي في أحوالهم أن سكان واستراليا الوسطى الأصليين جاؤوا من اختلاط بين زنوج بابوان وجنس من الخلق أرقى من الجنس القوقازي امتزج الجنسان معا منذ الزمن الأطول أيام كانت استراليا جزءا من قارة أسيت. السمك الأحمر كان الغربيون يتسلون بتربية السمك الأحمر كما نتسلى في سورية بجعله في بواطي وزجاجات وتغير مائه اليوم بعد اليوم وقد عدلوا عن تربيته ولم يتبق إلا جزيرة صقلية تالف تربيته فيجعلون فيها غدرانا مساحتها مئة متر مربع تفصل الواحدة عن أختها حواجز وسدود تفصلها بعضها عن بعض قليلا وهي قليلة العمق يجعلون ماء الأحواض على حرارة ٥٠ درجة ولا يفتاون يغيرون عنها الماء ويلونونها أن يضعوا في الماء شيئا من الحديد والعطان (قشر البلوط المسحوق للدبغ) والعفص وطعامها من الهوام والدم المجمد وبقايا اللحوم والشعير به تنمو وتتكاثر ويكثرون في تلك الأحواض من الذكور أكثر من الإناث. ويقال أن السمك الأحمر قد يستغني عن الغذاء شهرا كاملا. صناعة الفنادق سبقت سويسرا غيرها من بلاد الغرب والشرق بان كانت أفضل البلاد بفنادقها ونزلها التي اجتلبت السياح بمئات الألوف كل سنة وتربح منهم الإرباح الطائلة وليس في هذا الشرق العربي اليوم من يحذو حذوها من البلاد غير جبل لبنان فإذا تم له ما ينبغي من دواعي الإصلاح وتوفرت في فنادقه وقصوره أسباب الراحة مع الاقتصاد وعدم الاشتطاط في الطلب وامتدت فيه كل الطرق المعبدة وعشرات من كيلومترات الخطوط الحديدية أيضا يصبح في آسيا بمثابة سويسرا في أوربا. وان بلد الفنادق أي سويسرا بل الفندق الأكبر في الغرب لم يصل إلى ما وصل إليه إلا بفضل العلم والمدارس وربما يعجب ابن الشرق إذا قلنا له أن صناعة الفنادق يتعلمونها هناك في المدارس تعليما نظريا وعمليا ولذلك سبقوا غيرهم من سائر أمم أوربا الذين لهم من بلادهم أيضا ارض طيبة ومناظر جميلة ولكن ليسلهم استعداد السويسريين في جلب قلوب السائحين ولا يكتفي اليوم في النزل أن يعرف صاحب الفندق تقديم الطعام الجيد الطبخ بواسطة طهاته ولا إن يحسن اللقاء والتشييع وببش في وجه نزيله بل عليه أمورا أخرى كثيرة تستدعيها المدينة ولا يتعلمها إلا من دخل مدارس سويسرا أو لاسيما مدرسة لوزان الفندقية. فما أحرى احد أرباب الفنادق في سورية أن يبعث بأحد أولاده يتعلمون فيها ليطرس غيره على آثاره وتغنم البلاد فوائد كلية من دنانير السائحين والسائحات. سجون النساء نادت ليزابت فري في أوائل القرن الماضي بإصلاح سجون النساء فلم يتيسر في أميركا إجابة طلبها إلا في العهد الأخير فأنشأت بعض الولايات المتحدة سجونا تنفذ إليها الشمس مضاءة نقية طاهرة مستوفاة من حيث الصحة وجعلوا القائمات على السجينات من النساء يعنين بأمرهن كل العناية ويتحببن إليهن إذ رأت أميركا إن السجن وحده كاف في إصلاح النفوس فلا ينبغي إرهاق المسجون بل تعليمه بالقدوة والمطالعة ولذلك ترى العناية بصحتهن الأدبية وصحتهن الجسمية بالغة حدها من النيقة فيجتمع السجينات في أوقات الراحة في مكتبة حوت انفع الكتب لهن يطالعن ومما يصرفن فيه أوقاتهن زراعة البقول وغيرها فلا يخرجن من السجن ألا وقد تطهرت نفوسهن بالمطالعات وتعلمن تربية البقول والإزهار وبذلك تم للحكومة ما أرادت من انتشار صناعة الحدائق بفضل جودة التربة والتربية في تلك الولايات. فمتى يكون في هذا الشرق القريب سجون كهذه للرجال والنساء. الكليات الروسية تقول إحدى المجلات في روسيا أن حالة كلياتها اليوم أشبه بساحة وغى غداة القتال والنزال فان سيطرة الأساتذة أن لم تكن زالت فقد تضعضعت كثيرا والخلل مستحكم في صفوف الطلبة لأن للسياسة منذ زمن مقاما عظيما في حياة الكليات مما هو مضر بالغاية المطلوبة من هذه المعاهد. ومن العجب أن تساعد الكليات على نمو هذه الأفكار وإذ قد ضعفت سياسة التطرف في هاتيك المدارس أخذت الحكومة تدخل فيها سياسة حزب اليمين وذلك بإنشاء جمعيات تكون بحجة جمع شتات الطلبة آلة لبث الدعوة الارتجاعية أي العودة إلى سياسة الحكم المطلق قالوا يجب العدول عن الاعتصابات لأنها لم تثمر ثمرة لتلك البيوت العلمية ولطالما أضرت بمن يأتيها والحكومة تعمد إليها للتخلص من الأساتذة والتلاميذ الذين عرفوا باستقلال الإرادة والفكر. والخلاصة فان روسيا تنمو بكلياتها من حيث الفكر السياسي نحو تقديس الحكومة المطلقة وألمانيا تنمو بكلياتها نحو تقديس الحكم المقيد تحت رعاية الإمبراطور وشتان بين الإمبراطور والإمبراطوريتين. الزحافات ذات العرف كان علماء المطمورات Les paléontologistes يدعون بان أعظم الزحافات ذات العرف في ولاية داكوتا وغيرها من الولايات المجاورة في أميركا الشمالية ولكن البحث في مطمورات افريقية النباتية وغير ذلك إبان تقيض هذا الزعيم. فقد اكتشفت في الطبقات الجيولوجية في جنوب افريقية من سهل كارو العظيم في مستعمرة الرأس مطمورات لها شبه بآثار الزحافات الأميركية الأولى وأيد احد أساتذة ألمانيا هذا القول وقال أن في افريقية الشرقية الألمانية جبلا أخرجت من صدره بقايا حيوانات تشبه هذه. وكان كارنجي المثري الأمريكي أهدى متحف برلين حيوانا سموه ديبلودوكوس زعمهم انه اكبر زاحف في الأرض ولكن تبين في المستعمرة الألمانية الإفريقية ما هو أضخم منه جثة يبلغ طوله مترين و ٤٥ سنتيمترا على حين بلغ طول حيوان كارنجي أكثر من متر و ٨٢ سنتيمترا وطول أعظم فقرة من عظمه من ناحية عنقه ٦٢ سنتيمترا في حين أن مثلها في الحيوان الإفريقي مت و ٨١ سنتيمترا وعظم العضد في الأول ٩٢ سنتيمترا وعظم العضد الثاني يتجاوز المترين ورأس الزحاف الإفريقي صغير بالنسبة لحجمه جسمه. الهجرة الايطالية لم يهاجر منذ سنة ١٨٦٦ إلى ١٩٠٨ اقل من ٥٨١٣٤٦٠ مهاجرا إيطاليا أي ما يعادل مجموع سكان الجمهورية الفضية أو سكان الجزائر وقد كان المهاجرون عرضة لتلاعب اللصوص والمحتالين عندما يغادرون بلادهم فيتلاعب المتلاعبون بعقولهم وأكثرهم من ضعاف العقول بالطبع فانتبهت الحكومة الايطالية والشعب الايطالي للأمر تألفت جمعيات كثيرة في أمهات مدن أميركا الشمالية والجنوبية لاستقبال مهاجري الطليان والسير بهم في الطرق الموصلة القريبة إلى احتياز المال والعيش الخصال وهكذا تم لهم ذلك. وللسوريين على ضعفهم ف تلك الأصقاع جمعيات من هذا القبيل وكانت ضئيلة ولكنها تخدم الهجرة والمهاجرة. السرطان البحري لما كان السرطان البحري في أميركا اكبر من السرطان الأوربي مرتين أصبح الطلب عليه كثيرا والرغبة فيه ولاسيما للتقليد أكثر مما يصاد منه. وقد عمدت أميركا إلى تنميته بالطرق الصناعية الكثيرة فلم تفلح وقضت بان يكف عن صيده ولو بضع سنين فلم يسمع لها خصوصا وأن كثيراً من الأسماك الكبيرة تسطو عليه عندما يكبر وإذا كان صغيرا فأبناء نوعه يأكلونه ولو لم يكن قليل الإمراض لفني منذ زمن طويل. وكان هذا النوع في أميركا ضعفي ما هو عليه اليوم ووزن الواحدة منه خمسة إلى ستة كيلو تباع بالواحدة إما اليوم فيباع بالوزن. ونوعه يقل كما يقل عندنا السمك البحري والنهري لأن الصيادين يصيدونه في الغالب بوضع قذائف من الديناميت تقتل كباره وصغاره والحكومة تمنع ذلك ولكن منعها حبر على ورق. الاقتصاد في الوقت من أعظم ما يشكو منه أرباب الصحف كثرة ما يرد عليهم من المقلات التافهة والعبارات الساقطة لا يعرف ذلك إلا من يعانيه ولذلك كثيرا ما يضطرهم الوقت إلى عدم إتمام قراءة ما يعرض عليهم فيدركون ضعفه لأول وهلة فيوفرون بذلك أرقاتهم. وقد شعر أرباب المطابع والمجلات والجرائد في أميركا بهذا الأمر فأصبحوا إذا لقيت إلى احد الطابعين رواية ليراها هل تصلح أم لا ينظرون إلى اسم مؤلفها فان كان ممن له شيء من الشهرة تدفع قصته إلى من يقرؤها وتكلف قراءة قصة مؤلفة من مئة إلف كلمة خمس ليرات فإذا جرى في كل قصة في إدارته نصف ريال فإذا كانت القصة من قلم من يجدر أن يقرا كتابة تدفع إلى أمين سر المحل وساعته تساوي اثني عشر فرنكا فتأمل. الحمامات عادة الاستحمام قديمة جدا ورد ذكرها في أساطير الأقدمين ويقال أن البطل هركول اليوناني بما استمتع به من القوة والعضلات المفتولة لاعتياده الاستحمام بالمياه فاشتهرت حماماته ودعي كثير منها باسمه وكذلك ديان وايزون المشهورتين في الأساطير اليونانية فأنهما حفظا صحتها بل جعلت لهما بالمياه قوة زادت عن القوة المعتادة عشرة أضعاف. ولقد كان القدماء يعتبرون الماء البارد دواء ينجع في كل الأدواء ذكرت ذلك التوراة وأشارت إليه في مواطن كثيرة. وكان للعبرانيين حمامات منذ العهد الأقدم وهي ولا جرم ضرورية لهم لحرارة الجو في البلاد التي نزلوها وقد فرض موسى الاستحمام ولاسيما على النساء وكان المصريون يرون الاستحمام من الواجب وكذلك الآشوريون على ما تراه إلى اليوم فيما اخرج من آثار بلادهم من بقايا الحمامات وجميع أمم الشرق ترى الوضوء فرضا دينيا ومنها ديانة ماني وزردشت والإسلام. وكانت الحمامات في يونان على اختلاف أنواعها بحرية أو نهرية عامة للكل يستحم فيها من يريد والرشاش من الأمور العادية في يونان وكان لرومية حمامات فاخرة فيها أنواع الراحة من حجر للتعريق وأخرى للتمسيد وغيرها للتبريد وأخرى للدلك والتغميز. وكانت هذه الحمامات وسيما حمامات أغربيا ودبوكلسين وكاراكالا تنفع جد النفع وكثير من الرومانيين والرومانيات كانوا يستحمون في نهري التبر وكانون وكثيرا ما كان حكام رومية Les Censeurs يطلقون ألسنتهم في إنكار اختلاط الرجال بالنساء وكان في القرون الوسطى في الغرب حمامات على اختلاف أنواعها وفي القرون الحديثة أدخلت عليها تعديلات جسيمة هذا ما قالته إحدى الصحف الإفرنجية إما حمامات الشرق فقد اشتهرت شهرة فائقة ومن أحسنها اليوم حمامات دمشق فيما نحسب وان كانت تحتاج لشيء من مراعاة قواعد الصحة كان يرجع أربابها عن استعمال المغطس يغوص فيه مئات كل يوم وفي بعضهم من الإمراض الجلدية وغيرها ما تمكن سرايته وتغسل المناشف كل مرة فلا يعطى لزيد مانشف به بدن عمرو ففي ذلك من الضرر مالا يخفى على لبيب محله فقد صار من المثل عندهم أن الشيء الفلاني مبذول لفوطة الحمام من بدن إلى بدن. المحاضرات والمسامرات أصبحت المحاضرات والمسامرات في الغرب من الأمور الطبيعية الشائعة في مجتمعاته فالمحاضرون درجات وكذلك الحضور ومنهم الوسط ومنهم العاطل والكل في الأغلب يصفق لهم تحسينا ويستمع لما يقولون استحسانا أو تصبرا أو تأدبا ويثنون عليهم في الجرائد. وهذا العلم يحتاج إلى قابلية لدنية وطبيعة كسبية ولا يجيد في المجيدون إلا بالتدريج والاستعداد للإجادة متوقف على معلومات منوعة وأدلة لم تعرف وتفاصيل عربية جديدة والارتجال يصعب فيها فالواجب أن تعين لها خطة وحجج تجعل على نظام خاص. ويختلف المدخل والمخرج والمخرج منها باختلاف الموضوعات والأحوال وعلى المحاضر أن يتبين استحسان سامعيه له من النظر إلى عيونهم فان رآهم فرحين عرف أن لكلامه تأثير فيهم. وفي فرنسا وألمانيا وانكلترا وإيطاليا تلقى المحاضرات بدون لاحق فإذا تكلم المتكلم سمع السامع أما في اليابان فان المنابر جعلت على صورة يشخص فيها المحاضر محاضرته أو مسامرته تشخصا يلذ سامعيه ويضحكهم كأن تجعل نافذة تحت رجله فتفتح وتبتلعه فيختفي عن الأنظار ويأخذ الحضور يقهقهون وفي افريقية الوسطى يتبع الخطيب خطابه بحركات متتابعة ويقف على ساق واحدة ويده اليمنى مستندة إلى ركبته المنحنية واليسرى فوق رأسه وهذا من أدوات الإقناع والتأثير في ذهن السامعين من الزنوج وحالة الحضور اضحك لما فيها من التصفيق وإشارة اليدين وفتحة الأفواه والأشداق. إصلاح اجتماعي التام في مدينة الله آباد من مدن الهند مؤتمر مثل فيه كثير من أعضاء الجمعيات الراقية الهندية فقرر المؤتمر إبطال زواج الأولاد لأن الصبيان كثيرا ما يخطبون بعض أقاربهم وهم بين الثانية عشرة والرابعة عشرة فلا يلبثون أن يتزوجوا منهن فتجيء ذرياتهم ضعيفة لا تقدر على مقاومة الطاعون ولا القحط فحدد المؤتمر سن الزواج وجعلها ١٦ للبنات و ٢٥ للرجال وقرر أيضا إبطال الزواج إلا من طبقات مخصوصة لأن طبقات الهنود تعد بالمئات وكل طبقة يفرض عليها أن لا تتزوج إلا من أهل طبقتها فإذا وقع وهي من الممالك الهندية المستقلة يقضي أن لا تكون سن الزواج اقل من ثماني عشرة وسن الزوجة ست عشرة. عمّ العلم قالت إحدى المجلات الإيطالية أن الحكومات تشابهت منذ أربعين سنة فإذا ما نظرنا إلى التعليم العالي في الأمم على اختلاف قاراتهم نراه ينبعث من ٢١٨ مدرسة كلية ١٨٩ مجمعا علميا جامعا و ٤٣٤ مجمعا علميا غير جامع و ٣٩ مجمعا علميا (أكاديمياً) و ١٣٦٣ جمعية علمية منتشرة في الأصقاع المختلفة ومنها واستراليا واسيا التي تهب من سباتها وافريقية التي تنتفض من قبور الظلمات. ولكي ندبر سرعة هذه الحركة يجب علينا أن نعتبر بان ألمانيا قد ارتقى عدد أساتذتها في المدارس العليا من سنة ١٨٨٧ إلى ١٩٠٨ من ٢٠٩٥ أستاذا إلى ٣٢٤٧ والنمسا من سنة ١٨٨٥ - ١٩٠٧ من ٨٠٨ إلى ١٣٠٨ وسائر البلاد تحذو هذا الحذو في ارتقائها وكذلك الحال في زيادة عدد المتعلمين وربما نما أكثر من عدد المعلمين فقد كان لفرنسا مثلا سنة ١٩٠٧ - ٧٨١ طالبة في الأدب والفلسفة من الفرنسويات و ٨٠٦ من الأجنبيات إما سائر الفروع فقد كان دارسوها في فرنسا ٣١٦٠ طالبة منهن ١٦٦٦ من الفرنسيس والباقيات أجنبيات وكان لألمانيا في سنة ١٩٠٨ ( ٤٥٣ ) طالبة ألمانية و ٦٧ أجنبية في الفلسفة ومجموع الطاليات في الفروع الأخرى ١١٣٢ منهن ١٥٩ غير ألمانيات ولهولندا ٥٠٦ طلبة ولرومانيا ٤٤٠ وهكذا كثر الميل إلى التعليم العالي أكثر من زيادة عدد السكان. الاستعمار الألماني القي احد أساتذة كلية ميونيخ ومدير المدرسة التجارية العالية خطابا في سياسة الاستعمارية الألمانية قال فيه: أن ألمانيا دخلت ميدان الاستعمار منذ خمس وعشرين سنة في زمن تزايدت فيه الهجرة من بلادها أيام هاجر ٥٤٠ ألفا بين سني ١٨٨٠ - ١٨٨٣ و ٨٧٥ ألفا بين سني ١٨٨١ - ١٨٨٥ وكان قد مضى نصف قرن على ألمانيا وأبناؤها ينتشرون في الأرض. وادعى دعاة الاستعمار أنهم كانوا يستخدمون الهجرة بتحويل وجهة المهاجرين نحو البلاد التي يخفق عليها العلم الألماني. فقد ربحت ألمانيا من سنة ١٨٨٤ - ١٨٨٥ إلى سنة ١٩١٠ مليونين ونصف المليون كيلومتر مربع كان فيها سنة ١٩١٠ - ٢٠٠٧٤ رجلا من البيض يدخل فيهم الجند ورجال الشرطة وهم ١٣٦٦٢ رجلاً و ٣٣٣٧ امرأة و ٣٠٧٥ ولدا فإذا اخرج منهم الأجانب بقي من هذا العدد ١٦٠٠٠ ألماني فقط. وليس للألمان اليوم حاجة للأراضي الجديدة ينزلها الفائض من بينهم كما كانوا قبل خمس وعشرين سنة فقد زاد عدد سكان ألمانيا من ٤٥ مليون سنة ١٨٨٢ إلى ٦٥ مليونا سنة ١٩١٠ وكان يبلغ معدل المهاجرين ١٧١ ألفا سنة ١٨٨١ - ١٨٨٥ فلم يتجاوز معدله سنة ١٩٠٦ - ١٩٠٩ أكثر من ٢٦٨٩٣ ويستدل على أن الألماني يجد ما يعمل اليوم في بلاده وان عدد العملة قد زاد في ربع قرن من أربعة ملايين إلى ثمانية ملايين وسدس وعدد عملة التجارة من ٧٠٠ ألف إلى مليون وتسعمائة ألف وكان عدد الأجانب في ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر ٤٨٤٤٢٣ فأصبح ١٠٠٧١٧٩ سنة ١٩٠٥ . ومناجم فستقاليا والإعمال الزراعية الكبرى وأعمال البناء كلها تحتاج إلى عاملين في ألمانيا فيجيئها العملة من النمسا ومن روسيا بحيث بلغ عدد العملة فيها من غير أبنائها ٥٨٥٠٠٠ في سنة واحدة. وألمانيا تستخرج من مستعمراتها المواد الأولى اللازمة لها في صناعتها التي يعمل في صناعة القطن وحدها ثلاثمائة ألف من الألمان ومع هذا فان ما تصدره مستعمراتها إليها البالغ في السنة الماضية ٧٠ مليون مارك أي واحدا في المائة من مجموع الواردات الألمانية فلا تصدر مستعمراتها مثلا أكثر من ٨٠٠ الف مارك من القطن في حين يساوي قطنها اللازم لها ٥٣٢ مليونا وليست المستعمرات الألمانية كلها صالحة الآن لسكنى البيض فإذا حذفنا مستعمرات ألمانيا في الجنوب الغربي من افريقية بلغت مساحة مستعمراتها ١ ، ٨٠٠ ، ٠٠٠ مليون مربع منها ٥٦٦١ فقط يعمل فيها ٧٠ ألف زنجي ويشارك الأوربيون في استعمارها واستثمارها وسكان مستعمرات ألمانيا كلهم ١٤ مليونا يصيب كل فرد من أهلها خمسة ماركات من الصادرات في حين يصيب الفرد في جاماييك ٤٨ ماركا وفي ترنيداد ١٧٥ ماركا. وقد أنشا الألمان في مستعمراتهم ٣٥٢٦ كيلو مترا من الخطوط الحديدية و ١٤٦٨ كيلو مترا آخذون بإنشائها. والصعوبة في مستعمرات الألمان أن العيش على البيض متعذر ولذلك تراهم يضطرون إلى الزواج من بنات البلاد السود فيأتي أولادهم خلاسيين وقد يكون فيهم عيوب آبائهم هذا مع أن العامل الأوربي يقبض عمالته زهاء خمسة ماركات والعامل الوطني لا ينال نصف أجرته إلا بشق الأنفس. وقد أساءت ألمانيا بسياستها العسكرية التي جرت عليها مع الزنوج فأبادت الهر وروس العصاة عن بكرة أبيهم ليحل محلهم البيض هذا وافريقية قليلة بسكانها وأرضها محتاجة لاستخراج كنوزها إلى أيد عاملة قد يتعذر جلبها من أوربا لرداءة المناخ لأن واستراليا قد جلبت من انكلترا ٧٦٠ ألف انكليزي أعطوا جوائز عن عملهم أراضي يستثمرونها فكانت باعثة لهم على التوطن في البلاد. وحيثما يكثر السكان في افريقية يكتفي الأوربيون بالتجار مع الوطنيين. والمدنية الأوربية تقرض الزنوج فقد بلغ عدد من يموت من العملة السود في الترنسفال ٢٨ في المئة نصفهم بإمراض الكبد كما يهلك الكثير منهم ومن غيرهم بمرض النوام الذي يحاربه الغربيون ليتغلبوا على فتكاته بأدويتهم فيفيدوا الإنسانية والأمور الاقتصادية. وقد تبين بالاختبار أن سياسة الاستعمار التي ترمي إلى ملاحظة مصالح الوطنيين وتعنى بتكثير سوادهم هي نافعة من حيث الوطنية ورابحة من حيث المالية فالعمل الإجباري لا ينتج وما قط كانت له ثمرات كالعمل الحر المطلق - انتهي عن مجلة الاقتصاد بين الفرنسوية. نتائج الحروب نشرت مجلة أدلة الترقي مبحثا قالت فيه أن الأفكار العامة في أوربا اليوم اختلفت كثيراً في تصور معنى الحرب والسلام عن سنة ١٨٨٠ وكثر العاملون للسلام والقائلون به والداعون إليه إذا نظر إلى الصلات الاقتصادية بين الأمم نرى أن الحروب لا تدوم كثيرا لأن الغالب يخسر كالمغلوب أو أكثر. وما الباعث الرئيسي للنجاح في الشعوب الأوربية إلا كثرة السكان والشدة في تحصيل الرزق فالإنسان مصرف لأخيه الأخر ولذلك كان العيش في البلجيك وسويسرا اشق مما هو في جرمانيا لكثرة نفوس هذه. وما تاريخ القرون الغابرة إلا فتوح طويل بطيء لاستحصال الخبز وهو إلى الآن غير مضمون الحصول للناس كلهم. إننا نسكن كتلة من التراب الموحل مساحتها ١٢٦ مليون كيلو متر مربع وفيها نحو ١٥٠٠ مليون من البشر والأراضي إلى عهد قريب كانت موزعة توزيعا غير معقول على السكان. إنا نسكن على هذه الأرض ويسكن معنا أنواع من الحيوانات وما قط رأينا أبناء الجنس الواحد منا يأكل بعضها بعضا ويفترس احدها الآخر. وللإسراع بالانتفاع من هذه الأرض في حاجاتنا وجب أن يكون الشرط الأول فيها أن يتفق جمهور العاملين من البشر. أن العقل يرشدنا إلى أن جهادنا عبارة عن التغلب على المصاعب والمصائب الطبيعية لا أحداث أمور من مثلها طبيعية. علينا امن نحفر أقنية ونخرق جبلاً لا أن نقيم سدودا كسدود الصين. ولذا وجب أن تزال تلك الحدود المصنعة ليعيش الناس العاملون عملا عاما. والاستعباد العسكري واستغراق ميزانيات الدول في الإنفاق على الجيوش هما من اكبر دواعي الضعف فان المدينة الأوربية تنفق في السنة عشرين مليارا من الفرنكات في هذه السبيل فمنذ سنة ١٨٧٠ انفق الغرب مبلغ خمسمائة مليار بلا طائل فلو أبطلت الحروب منذ أربعين سنة لاستطاع البشر كلهم أن يأكلوا كما يريدون اليوم. أيظن الظانون أن البشر يرضون بعد أن يعمل المرء ساعة كل يوم زيادة حتى يقف الملوك ورؤساء الجمهوريات يستعرضون الجيوش أيام الأعياد الوطنية فقد أدرك الناس اليوم أن الحرب ليست لا جناية وهي حماقة ورقاعة. ليس الجهاد في الحياة بين الأخ وأخيه بل بين الإنسان والطبيعة يذللها كما يشاء ليكون مقامنا في هذه الأرض مقبولا محمودا. وللوصول إلى هذه الحياة يجب نزع فكر الحروب من العقول وذلك بوجوه كثيرة أولها تربية الأطفال والبالغين. فإذا فكر كل إنسان كما يفكر كاتب هذه المقالة تنقلب الحال عما قريب. على أن العالم سائرون الآن للسلام وان كان على طريقة مهمة فالسبيل إلى ذلك أن يحدد حمل السلاح بحيث يؤول ذلك إلى نزعه بالتدريج وان يتحد المتجانسون من الشعوب اتحادا سياسيا فيتحد سكان الغرب من أوربا أي الفرنسيس والانكليز وتتحد الممالك البلقانية وتتحد الممالك الوسطى أي النمسا وألمانيا وتعقد معاهدات التحكيم بكثرة. لا جرم أن الأمم اليوم يقترب بعضها من الآخر بما ينشؤن من العهود ويعقدون من الوفاقات ويجتمعون عليه من السباقات والمؤتمرات والزيارات ولكن الطريقة الناجعة في ذلك أن يكون لمحكمة لاهاي الصلحية يد اقوي في إيقاف كل امة عند حد معين من التسلح وذلك بان يقاطعها كل الأمم على السواد فإذا وقع خلاف بين ألمانيا وفرنسا وكانت الأولى معتدية يعلن عليها الدول كلهن المقاطعة فلا تلبث أن تعود إلى رشدها في ثماني وأربعين ساعة على الأكثر فقد قاطع الصينيون اليابانيين والأمريكيين وقاطع العثمانيون النمساويون بتدبير إفراد منهم فكم تكون المقاطعات الدولية عظيمة إذا صدرت عن الحكومات مباشرة. طرابلس وبرقة يصدر هذا الجزء والحرب البرية البحرية يتلظى أوارها بين جيوش الدولة العلية ودولة إيطاليا لاعتداء هذه على طرابلس الغرب العثمانية بدون مسوغ دولي معقول وبهذه المناسبة رأينا إن ننقل للقراء شيئا من وصف تلك البلاد وتاريخها فنقول: طرابلس هي القسم الشرقي من بلاد البربر يحدها من الشمال البحر الرومي ومن الشرق لواء بنغازي ومصر ومن الجنوب الصحراء ومن الغرب الصحراء وتونس ومساحة طرابلس مع بنغازي ١٢٠٠ . ٠٠٠ كيلو متر مربع في رواية أي قدر ولاية سورية ١٣ مرة أو ستة أضعاف مساحة تونس ونحو ثلاثة إضعاف ونصف مساحة إيطاليا - وسكانها زهاء مليونين وهواء السواحل منها من جهة سهول برقة وما جاورها معتدل. إما في جهة الجنوب أي في فزان فالحرارة تغلب عليها وأنهارها قليلة ليست سوى جداول لأن مياهها تتبخر بشدة الحرارة وتضيع في الرمال المحرقة وأكثر شرب أهلها من صهاريج تملأ بماء السماء كان ذلك قديما ولا يزال إلى اليوم. وسواحلها منبتة في الجملة ولا سيما جهات برقة فإنها تخرج أنواع الحبوب والبقول والثمار والزعفران والحلفا البرية والتمر والبرتقال والليمون والتين والزيتون ومن سواحلها يستخرج الإسفنج والمرجان وأنواع الأسماك. ويقسم هذا الصقع بحسب التقسيم الإداري الأخير إلى ولاية ذات أربعة ألوية ولواء مستقل وهو بنغازي فلواء طرابلس يدخل فيه تسعة أفضية وهي قضاء طرابلس والنواحي الأربع وغربان وأورفلة وترهونة والزاوية وزوارة وعزيزية ويجيلات ولواء خمس وهو مؤلف من خمسة أقضية وهي القضاء ومصراطة وظلتين ومسلاطة وسرت ولواء الجبل وهو أربعة أقضية بفرين وغدامس ونالوت وفساطو ولواء قزان وهو أربعة أقضية مرزوق وسوكنة وشاطي وعات وفي هذه الولاية عشرون ناحية تنبع الأقضية وفي لواء بنغازي أربعة أقضية وهي بنغازي ودرنة ومرج وأوجلة وجابو وجداية وعشر نواح وبنغاري في المدخل الشرقي من السرت الكبرى وحاضرة برقة وتجارتها مع خانيا ومالطة ووادي في السودان الشرقي حسنة في الجملة وكان اسمها بيرنس Bérénice وأشهر مدن هذا القطر اليوم طرابلس الغرب أضافوا أليها الغرب تمييزاً لها عن طرابلس الشام سميت الولاية باسمها وكانت الولاية ولا سيما قسمها الشرقي نحو بنغاري تسمى برقة قديماً ومدينة حمس على الساحل وقصر بفرين ومرزق وغات وبنغاري على الساحل ودرنة وأوجلة وهما واحتان مشهورتان. وسكان طرابلس محو أربعين ألف نسمة وسكان بنغاري زهاء عشرين ألفاً. وبرقة كما قال ياقوت اسم صقع كبير بشتمل على مدن وقرى بين الإسكندرية وأفريقية (تونس) واسم مدينتها انطابلس وتفسيره الخمس مدن ولها ساحل يقال له أجية وساحل آخر يقال له طلموية وبين الإسكندرية وبرقة مسيرة شهر من الفسطاط (مصر) إلى برقة مائتانا وعشرون فرسخاً وهي مما افتتح صلحاً على يد عمرو بن العاص سنة ٢٣ برقة إلى القيروان (تونس) مائتاناوخمسة عشر فرسخاً قال المقدسي ومن مدن برقة ذات الحمام. رمادة. اطرابلس. أجدابية. صبرة. قابس. غافق. وبرقة قصبة جليلة عامرة نفيسة كثيرة الفواكه والخيرات والأعسال مع يسار وهي ثغر قد أحاط بها جبال عامرة ذات مزارع على نصف مرحلة من البحر في هوة قد أحاط بها تربة خمراء شربهم من آبار وما يحوونه من أمطار في جبات وهي على جادة مصر يحسنون إلى الغرباء أهل خير وصلاح واطرابلس مدينة كبيرة على البحر مسورة بحجارة وجبل شربهم من آبار وماء المطر كثير الفواكه والإجاص والتفاح والألبان والعسل واسمها كبير. وأجدابية عامرة بنيانهم حجارة على البحر وشربهم من الأمطار وسرت كذلك ولهما بواد وشعاري. وصبرة في بادية وهي حصينة بها نخيل وتين شربهم من ماء المطر. وقابس أصغر من اطرابلس لهم واد جرار وبنيانهم من الحجارة والآجر كثيرة النخيل والأعناب والتفاح مسورة باديتها بربر. وغافق ناحية واسعة كثيرة القرى والأسواق على أيام الجمعة بحرية ومن الناس من ينسبها إلى إفريقية (تونس) وذات الحمام مدينة عمرت من قريب. وكانت طرابلس من عمل تونس في القرون الأولى للإسلام ثم غلب اسمها على الكورة وأصبحت بنارة قصبتها وذلك بد ثورة برقة وغلبة الخراب عليها وقد وصف ابن حوقل الجغرافي هذه البلاد في القرن الثالث وقد زارها فقال: إن برقة مدينة وسطة ليست بالكبيرة الفخمة ولا بالصغيرة الزربة. ولها كورة عامرة وغامرة وهي في بقعة فسيحة يكون مسيرتها يوما كبيراً في مثل ذلك ويحيط بالموضع جبل من سائر جهاتها وأرضها حمراء خلوقية التربة وثياب أهلها بالفسطاط من بين أهل الغرب بحمرة ثيابهم وتغيرها ويطوف بها من كل جانب بادية يسكنها الطوائف من البربر وهي برية بحرية جبلية ووجوه أموالها جمة وهي أول منبر ينزله القادم منت مصر إلى القيروان. وبها من التجار وكثرة الغرباء في كل حين ووقت ملا ينقطع طلاباً فيها من التجارة وعبرواً عليها مغربين ومشرقين وذلك أنها تنفرد من التجارة التي ليست في كثرة من المغرب مثلها والجلود المجلوبة للدباغ والتمور الواصلة إليها من أوجلة ولها أسواق حارة من بيوع الصوف والفلفل والعسل والشمع والزيت وضروب المتاجر الصادرة من المشرق والواردة من المغرب وشرب أهلها من ماء المطر في مداجن تدخر وأسعارها في أكثر الأوقات فائضة بالرخص في جميع الأغذية. ويليها أجابية مدينة على صحاح من حجر في مستوى بناؤها من طين وآجر وبعضها بحجارة ويطيف بها من أحياء البربر خلق كثير ولها زروع مباخس وليس بها ولا ببرقة ماء جار وبها نخيل حسب كفايتهم وبمقدار حاجتهم وواليها القائم لما عليها من وجوه أحوالها وصدقات بربرها وخراج زروعهم وتعثير خضرهم وبساتينهم هو لا ميرها وصاحب صلاتها ولها من وراء ذلك لوازم على القوافل الصادرة والواردة من بالد السودان وهي قريبة من البحر ترد عليها المركب بالمتاع والجهاز وتصدر عنها بضروب من التجارة وأكثر ما يخرج عنها الأكسية المغاربة وشقف الصوف وشرب أهلها من ماء السماء. وأوجلة منها على أيام بين غربها وجنوبها وهي بلد ذات نخيل عظيمة وغلات لتحصل منها لأهلها جسيمة ومنها إلى ودان طريق قصد هذه ناحية ومدينة في جنوب مدينة سرت وهي جزيرة لا لقصر في رخص التمور وكثرتها وجودتهاعن أوجلة. وسرت مدينة ذات سور صالح كالمنيع من طين وبها قبائل من البربر ولهم مزارع وهي على البحر ترد عليها المراكب بالمتاع وتصدر به عنها من جهاز الصوف ما لا يقصر عن أجدابية وبرقة. وأما طرابلس فكانت قديماً من عمل إفريقية وسمعت من يذكر أن عمل إفريقية لما كانت طرابلس مضافة إليها معروف معلوم وذلك أنه من صبرة وهي منزل من طرابلس على يوم وهي مدينة من الصخر الأبيض على ساحل ابحر خصبة حصينة كبيرة صالحة الأسواق واسعة الكورة كثيرة الضياع والبادية وارتفاعها دون برقة وبها من الفواكه الطيبة اللذيذة الجديدة الشبه بالمغرب وغيره كالفرسك والكثري اللذين لا شبه لهما في كثير من المواضع وبها الجهاز الكثير والصوف المرتفع وطيقان الأكسية الفاخرة الرزق النفوسية الرفيعة الثمينة إلى مراكب تحط عليها ليلاً ونهاراً وترد بالتجارة على مر الأوقات والساعات صباحاً ومساءً من بلد الرزم وأرض المغرب بضروب الأمتعة والمطاعم وأهلها قوم موقرون من بين من جاورهم متميزين بالتجمل في اللباس وحسن الصورة والقصد في المعاش إلى مروات ظاهرة وله عشرة حسنة ورحمة مستفيضة ونيات جميلة إلى مراء لا يفتر وعقول مستوية وصحة بنية ومعاملة محمودة ومذهب في طاعة السلطان سديد وراطات كثيرة ومحبة للغريب وثيرة ولهم في الخير مذهب من طريق العصبة لا يداينه أهل بلد. وأما قابس فإنها ذات مياه جارية وأشجار متهدلة وفواكه رخيصة ولها من التمر والزروع والضياع ما ليس جاورها من زيتون وزيت وغلات وعليها سور يحيط به خندق ولها أسواق وجهاز كثيرة ويعمل بها الحرير ويدبغ بها الجلود وينئابها التجار ولها صدقات وزكوات وضرائب وجوال على اليهود وسائمة كبيرة أه -. وقال اليعقوبي في كتاب البلدان: وحوالي برقة أرباضص لها يسكنها الجند وغير الجند وفي دور المدينة والأرباض أخلاط من الناس وأكثر من بها جند قدم قد صار لهم الأولاد والأعقاب وبين مدينة برقة وبين ساحل البحر المالح ستة أميال وعلى ساحل البحر مدينة يقال لها أجية وساحل آخر يقال له طليمشة. وبرقة أقاليم كثيرة تسكنها بطون من البربر ولها المدن برنيق وهي على ساحل مدينة البحر المالح ولها مينا عجيب في الإتقان. والجودة تجوز فيه الراكب وأهلها قوم من أبنائ القدم الذين كانوا أهلها قديماً وقوم من البربر ومن مدينة أجدابية إلى مدينة سرت على ساحل البحر المالح خمس مراحل وآخر حد برقة على مرحلتين من مدينة سرت بموضع يقال له تورغة وخراج برقة قانون قائم كان الرشيد وجه بمولى يقال له بشار فوزع خراج الأرض بأربعة وعشرين ألف دينار على كل ضيعة شيء معلوم سوى الأعشار والجوالي خمسة عشر ألف دينار بما زاد وربما نقص والأعشار للمواضع التي لا زيتون بها ولا شجر ولا قرى مقراة. ولبرقة عمل يقال له أوجلة وهو في مغزة مغر لمن أراد الخروج إليها ينحرف إلى القبلة صم يضير إلى مدينتين يقال له لإحداهما جالو وللأخرى ودان وهذه من أعمال برقة المضافة ومن مدينة شرت إلى وادي مما يلي القبلة خمس مراحل ووراء ذلك بلد زويلة مما يلي القبلى وسكانها أباضية أي خوارج وفران جنس يعرق بقزان أخلاط من الناس لهم رئيس يطاع فيهم وبلد واسع ومدينة عظيمة وتسمى برقة انطابلس هذا اسمها القديم. وبعد فهذا من أحسن ما وصفت به طرابلس وبرقة ومنه درجة عمرانها في القديم أما اليوم فقد قال واصفوهما فيهما بأنهما مختلفة أحوالهما باختلاف كورهما فسواحل الشمال من سرت مقفرة ومن الشرق خضراء نضرة وهي برقة ومن نحو فزان مصخرة. وبلاد طرابلس أشبه بالصحراء وفي الساحل مناجم الكبريت وفي بحيرة قزان المالحة النطرون وشجر الحلفا ببناء تجارة الإنكليسز والصناعات محصورة في المدن الكبرى مثل طرابلس وبنغاري واشتهر بالتجارة سكان وغدامس وكانت القوافل تسير من طرابلس إلى داخلية إفريقية تحمل الأقمشة والخردوات والأسلحة والزجاج والبارود وتعود منها بالعاج والجلد والصمغ والشمع وريش النعام والتبر. وسكان طرابلس مزيج فالبربر ينزلون الجبال والعرب السهول ويكثر فيها الزنوج لأن سوق الرقيق قبل إبطاله كانت فيها رائجة وفيها نحو خمسة آلاف مالطي لقرب سواحلها من جزيرة مالطة وهم منتشرون في المدن الساحلية كما أن فيها زهاء ألف إيطالي ومحو خمسة آلاف يهودي أكثرهم في السواحل وليس في أخل البلاد مسيحيون أصليون وكانت طرابلس من أهم المدن التجارية ومنها كانت تسير القوافل المهمة إلى داخلية إفريقية فما برج الفرنسيس منذ استولوا على تونس يحاولون سلبها هذا المركز حتى فقدت مركزها التجاري وتحولت وجهة القوافل إلى تونس وخصوصاً بعد أن عمرت إنكلترا أعالي النيل والسودان الشرقي وفتحت الطرق الجديدة إلى بحيرة تشاد من النيجر والكنونغو فلم تعد برقة مركز الاتصال بين الساحل واواسط إفريقية. وكان اليونان في القرن السابع بل الميلاد أشأوا مدينة برقة متخيرين لها لجودة هوائها وغناها وازهرت على أيامهم كما أزهرت قرطاجنة واغتنى أهل برقة بتجاراتهم الواسعة مع داخلية إفريقية إلا أنهم انصرفوا إلى اليذخ والرفاهية فاضمحل عمرانهم بعد أن أخرجت برقة مثل أرشيب الفيلسوف وكاليماك وأيراتوستين وخلف بنوها من الآثار التاريخية التي تدل على عظمتها اليوم خرائبها المدهشة. وتاريخ طرابلس الغرب القديم غارق في ظلمات الخلفاء لا يعرفقاموس الاعلام لشمس الدين سامي عنه إلا أن البربر بعض سكانها الحاليين كانوا فيها. وقبل المسيح ببضعة قرون كانت أنحاء طرابلس بيد الفينيقين وقسم منها للقرطاجيين أما جهة برقة فاتخذها اليونان مهجراً كما يهاجرون اليوم سواحل مصر وغيرها، ولقد أنشئت في جهات طرابلس ثلاثة بلاد (تربوليس) ومنها اشتق اسمها فقال العرب طرابلس وأنشأ اليونان في جهة برقة خمس قصبات سموها يندابوليس ثم صار حكم طرابلس إلى يد حكام البرب في توميديا بعد سقوط دولة القرطاجيين واستولى البطالسة المصريون على برقة ثم استولى الرومان على كل من إقليمي برقة وطرابلس ووسعوا تخوم حكومتهم إلى قزان وغدامس. كانت طرابلس الغرب وجهات الشرق من تونس والجزائر معروفة عند الرومان باسم إفريقية وكذلك أطلق العرب على هذه الأصقاع اسم إفريقية. ولما تخلى الرومان عن هذه البلاد استولى عليها الروم اليزنطيين وفتحها عقبة بن رافع في عهد عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) ثم استولى عليه الأمويين وبقيت مدة في يد بني الأغلب على عهد العباسيين ثم حكمها الفاطميون وكانت معقلاً من معاقل الخوارج ولذلك كانت فيها أيام مشهودة ولم يزل في بعض أنحائها بقايا منهم. ولقد تألفت فيها عدة حكومات صغيرة وبعضها كان مهماً على عهد الإسلام وأكثر ما تكون طرابلس تابعة لتونس في حكومتها وعلى عهد السلطان سليان خان استولة على طرابلس طغورت باشا مسترداً لها من فرسان مالطة وكانوا استولوا عليها بعد أن سقطت الأندلس في أيدي الإسبان فالحها هذا القائد بالمملكة العثمانية ودامت تدار شؤنها دهراً على صورة أيالة صم أقطعت لأسرة فره مانلي فلم يلبث أن استحكم الخلاف بين أفرادها فأرسلت الدولة سنة ١٢٠٨ أسطولا ووالياً من لدنها ضبط البلاد. وفي سنة ١٠٩٢ بعثت اسبانيا أسطولا إلى طرابلس فكادت تتغلب عليها لأن قلاعها يومئذ لم تكن فيها القوى الكافية فلما رأى الوالي عجزه عن المقاومة اتفق مع الأسطول على دفع غرامة حربية على عهد السلطان أحمد الثاني رفض الوالي الصلح الذي أبرمه سلفه مع حكومة اسبانيا فبعثت خمسة عشر مركباً بقصد احتلال طرابلس فاتفق الأهالي مع العساكر وتغلبوا على الأطول المذكور وفي سنة ١٢١٧ قدمت أساطيل أميركيا لطرابلس لأن أسطولها كان يعاكس مراكب أميركا التجارية ويغنم منها كثيراً فطلب قنصلها من يوسف باشا قره مانلي تعيين ضريبة تقدمها حكومة أميركا إلى حكومة طرابلس في كل سنة فعين ضريبة عدها القنصل خارجة عن الحد فطلب تخفيضها بواسطة والي الجزائر فرفض يوسف باشا وساطته وأصر على طلبه فمكث أسطول أميركا عشرين يوماً يرمي طرابلس بالقنابل وقلاعها ترميه ثم رجع بعد أن غنمت حكومة طرابلس جزءاً منه وفي كل هذه المواقع كانت تشترك الأهالي مع العساكر في الدفاع. ثم انتقض أهلها فاستعاد الأمر يوسف باشا وحكن البلاد إلى سنة ١٢٤٨ ثم اضطر لاستقالته من حكم فأصبحت البلاد في حال اضطراب وهاجمها بنو سلميان من القبائل المشهورة مرات ونهبوها ثم عاد الأهلون فطلبوا إنقاذهم من شرور الاختلاف فبعثت الحكومة أسطولاً فضبطت القلاع على أيسر سبيل ثم عينت لها والياً. وكانت قزان من القديم تتبع طرابلس وتتبع أحياناً حاكم السودان وأحياناً شرفاء مراكش وبعد أن ضبط طغورت باشا طرابلس ألحق قزام بها. وهذه الولاية الواسعة أو المملكة العظسمة ليس فيها شيء من الطرق المعبدة ولا من السكك الحديدية ولا تعرف الخزانات ولا أسباب الري وتكثر الأشجار ولانبات وتربية الحيوانات. تحمل بضائعها على الجمال وتقصد قوافلها ولا سيما قبل أن يستأثر الفرنسيين بها لتونس من تمبوكتو في أقاصي بلاد السودان مارة بواحات غات ومرزوق وغدامس أما مواصلاتها البحرية فلا يرمي في موانيها في الولاية غير البواخر الأجنبية ونصفها أو أكثر يحمل الأعلام الإيطالية ثم يجيء الإنكليز والفرنسيين وسائر الدول بكثرة مراكبهم وتبلغ تجارة طرابلس السنوية زهاء مليون ليرة منها ٥٥٠ ألف للواردات و ٤٦٠ ألف ليرة صادرات منها ٢٣ ألف صادرات للبلاد العثمانية و ٤٢ ألف ليرة واردات منها ولإنكلترا المقام الأول بين الدول بوارداتها البالغة ٥٧ ألف ليرة وصادراتها التي تبلغ ٨٨ ألف ليرة ثم تجيء فرنسا فالولايات المتحدة فالنمسا وقد بلغت مداخيل الحكومة منها سنة ٣٢٣ أش ١٦.٦٠٠ . ٠٠٠ غرش. السكك الحديدية الصينية تقيم الصين الآن سكة حديد من عاصمتها بكين إلى كالقان مارة ببلاد المغول التي اجتازها التاتار في غاراتهم ولا تزال تجتازها القوافل وسيلتقي هذا الخط بخط ما وراء سبيريا الروسي ويختصر المسافة بين أوربا والشرق الأقصى بضع مئات من الكيلومترات. ومن الغرب أنه تم من هذا الخط حتى الآن زهاء مائتي كيلومتر وجميع العاملين فيه صينيون ونفقاته من دخل بعض الخطوط الصينية الأخرى وقد بدأ هذا المشروع يربح ولذا عزمت حكومة بكين أن لا تعهد لأجنبي مهما كان أن يمد لها خطوطاً من هذا النوع وبذلك يقصتد المتعهدون من أجور اليد العاملة اقتصاداً كبيراً لأن الصيني يرضى بأجر أقل من أجر الأوروبي والأمريكي ويتبارى أبناء البلاد في العمل مدفوعين إلى تجويده بعامل الوطنية والصينيون اليوم يستخرجون من أرضهم الفحم الحجري اللازم لخطوطهم وليسوا الآن في حاجة لغير القاطرات يستصنعونها في أميركا ولكن يستغنون عنها عما قريب بما تنتجه مصانعهم فمتى تكون البلاد العثمانية وهي صاحبة الحضارات القديمة والذكاء الخارق كذلك. الهيتيون قال المجلة: دخلت دراسة الحضارات القديمة في آسيا الصغرى في دور جديد فقد تألفت جمعية ووضع لها دخل للإنفاق عليها من أجل إجراء الحفر في بلاد الهيتين والبت بتاً عملياً في علاقتهم مع شعوب يونان القديمة وسكان سواحل بحر إيجه (الأرخبيل) فإن مسألة الهيتين تهم في الدرجة الأولى علم الآثار وأصول الشعوب والجتماع. وإن هذا الشعب البائد كان مدة قرون منتشراً في آسيا الصغرى وسورية كما يستدل من الكتابات ومع هذا لم يعرف إلا بما أشارت إليه التوراة من الإشارات. ومنذ ثلاثين سنة أبان بحث علماء الشرقيات بحثاً عملياً أمثال الأستاذ سايس والدكتور وبرغت أن شعباً معاصراً للفراعنة كان ينزل حوض قزل ايرمق والفرات استولى عليه الكلدانيون مذ الزمن الأطول فاقتبس منه بعض أوضاعه المدينة التي كانت لها صبغة إقطاعية وكان الهيتيون قبل المسيح بعشرين قرناً مختلفين مع بابل ويمدون تخوم بلادهم إلى جنوبي سورية وإلى تخوم مصر التي نشب بينهم وبينها حرب على عهد رعمسيس الثاني. وفي القرن الرابع عشر والثالث عشر قبل الميلاد استولوا على جزء عظيم من آسيا الصغرى. وكان الآشوريون يدعونهم خاتيسkhatis والعبرانيون حتى ختين Khéti-khétins ودثروا في قرون ولم يبق منهم إلا تذكارهم أيام فتح الإسكندرية وامتزجت بقاياهم بالآراميين أو لجأوا إلى مضائق جبل طوروس. وقد اكتشفت في خرائب مصانعهم القديمة ألواح كثيرة من الخزف كانت لهم بمثابة سجلات ولكن معظمها مما يصعب حله وليس للعلماء عنهم من المعلومات الحقيقية إلاى ما كان من الآثار المكتوبة بالخط الآشوري لتثبت عظمتهم أوائل الألف الأولى السابقة لمملكة الرومان بما كان من الأبحاث الحديثة فيهما حل مسألة تشغل العلم كثيراً ويعتبر الهيتيون اعتبارات بأنهم أقدم الشعوب المتمدنة. إنكلترا والشاي تكثر إنكلترا من تناول الشاي سنة بعد سنة ففي إحصاء سنة ١٩٠٩ إنه يبلغ مشروبها منه ١٤٠ مليون كيلو غرام يصيب الفرد منها ثلاثة كيلو غرامات ومعظم هذا الشاي تجلبه إنكلترا من بلاد الهند يبذل ١٦٠ مليون فرنك يلزم لها ثلاثة ملايين ونصف من الفرنكات ثمن ورق ومقوى لوضع الشاي فيه لعدل قيمتها بثمانية ملايين فرنك. فن تكثير السمكLa pisciculture إن في تنمية الأسماك الجارية والغدران في البلاد تنمية ثروتها الاقتصادية بيد أن دخول الحضارة في كثير من الممالك زهد في تربية الأسماك وقليل في الأقطار ما عنيت عناية حقيقية بالأسماك واتخاذ الذرائع لتنميتها وأهم مصاب الأنهار لاستخراجها الأسماك في العالم في النيوات أحدى ولايات أميركا الشمالية وفيها مصب نهر المسببي العظيم وطوله من ٥٠٠ إلى ٦٠٠ كيلو متر ووضعه الجغرافي وأسبابه الطبيعية تجعله صالحاً لتكثير الأسماك وتتغذى جميع تلك الولاية من أسماكه ووزم ما يستخرج منه سنة عشرة سلايين كيلو تقدر بنحوا أربعة ملايين ويستخدم ١٧٦٧ رجلاً في صيدها.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_69.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.69.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
