<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.67.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.67.TEIP5:</urn>
<passage>البكتيريا البكتريا والباشول أو الميكروبات كلمات حديثة الوضع للدلالة على الأحياء الصغيرة التي كشفها مؤخراً المجهر المسمى بالميكروسكوب. وهذه الأحياء ليست حييوينات كما يتبادر إلى الذهن من تسميتها بالأحياء بل نباتات في منتهى الصغر فلا ترى بالعين المجردة لأن معظمها خالٍ من الكلوروفيل أي المادة الخضراء التي تتلون بها النباتات فضلاً عن تناهيها في الصغر حتى لا يمكن لأحد من الناس بصراً أن يرى أكبرها بدون أن يستعين بالآلة المعظمة أو المجهرة وهي الميكروسكوب أو المجهر الذي ظهر إلى عالم الوجود في القرن الماضي. وذلك فالعلماء الذين عاشوا قبل القرن التاسع عشر لم يعلموا شيئاً عن عالم الأحياء هذه التي أصبح درسها الآن علماً قائماً برأسه كثير الفوائد للإنسان والحيوان من قبل الوقاية الصحية والفوائد الزراعية على ما سيجيء في هذه المقالة التي ضمناها زبدة أبحاث العلماء ذوي الاختصاص حتى سنتنا الحاضرة. صفة البكتيرا وماهيتها وانتشارها: هي أحياء نباتية ذات خلية أو حويصلة واحدة شفافة اللون غالباً، مستديرة أو أسطوانية أو مستطيلة الشكل تبعاً لأنواعها، تنمو بالانقسام الآتي فتمتاز عل غيرها بفقد القوة التناسلية العادية ويخلو جرثومها من النواة. ومعدل قطر حجم جرثومتها الحويصلية نحو جزء من ألف من الميليمتر. والمليمتر جز من ألف من المتر. وهي قديم العد جداً كما تدل على ذلك آثارها في الأحافير المتحجرة في عصر تكوين الفحم الحجري وما قله. وتود في البرك والأنهر والبحار، وتكثر في المراحيض وكوم الزبل، وفي التراب، وحيث تلقى المواد العضوية فتتعفن، وفي جميع السوائل كالدم واللبن والبيرا والماء على أنواعه، وفي المواد الغذائية الجامدة كاللحم والخضر وغيرهما. وكل مادة من هذا القبيل إذا ظلت مدة معرضة للهواء تنتابها البكتيريا وتتوالد فيها بسرعة وكثرة هائلة. ولذلك فهي منتشرة في كل مكان تحت سطح الأرض وعليه وفي الهواء وداخل الأجسام الحية. فهي عالم يعاشرنا ويعد بملايين الملايين ولم نكن نعلم عنه شيئاً يذكر حتى أواسط القرن الماضي. ويقل انتشار هذه الأحياء في الأعالي والبلدان المفتوحة الجوانب خصوصاً ي الشمال حيث تقل جداً بالقرب من القطبة الشمالية وتعدم بتاتاً. وينقى منها هواء الأبحر والأقيانوسات لأنه في تقلبه كثيراً ما يلامس الماء فيلقيها فيه ولذلك فهواء البحار أقل نقلاً للمرض والعدوى به. وكلما ارتفعنا به في الجبال قل وجوها حتى تكاد تفقد على علو ٦٠٠ متر فما فوق ذلك. ولهذا السبب تنسب مناعة أهل الجبال على بعض الأمراض كالهواء الأصفر وغيره مما لا تنقل ميكروباته إلا محمولة على ذرات الغبار التي تقل جداً في هواء الأماكن المرتفعة. وتعيش الميكروبات على الحيوانات في درجات مختلفة من الحرارة. والنبات أقل ملاءمة لنموها لما فيه من السوائل الحامضة. إلا أنها تكثر أيضاً في الجذور والأغصان ذات الغدد تحت الأرض وفوقها. وهي تكثر في القناة الهضمية إلا حيث تجتمع المفرزات الحامضة لأن الحامض عدوها ولذلك يحسن معاطاته في أوقات انتشار الأوبئة. وقد علق بعض العلماء مكان كبرى على استعمال اللبن الرائب لما فيه من الحامض حتى نسب طول الحياة إلى طول استعماله غذاء. تولد الميكروبات ونموها فعلاً: تتولد الميكروبات بالانقسام الذاتي فتتخذ أشكال أنواعها المتعددة بين مستدير وضمني وخيطي الخ. والمعتاد أن يكون انقسامها عرضاً لا طولاً فتنشق كالبراءة إذا نصفناها بالشق طولاً. وقد امتحن بعضهم سرعة تولد هذه المخلوقات الصغيرة فزرع حويصله خويطية منها في مرق الساعة ١١ صباحاً وكانت أشبه شيء بنقطة ترسم برأس إبرة فتضاعفت بعد ساعة بالانتفاخ وأفرخت عن الساعة ٣٥ بعد الظهر وصارت عشرة أضعاف حجمها الأصلي عند الساعة ٨٥ اتخذت شكلاً مستطيلاً معقداً وعند نصف الليل كان قد بلغت ١٢ عقدة كل منها حويصلة مستقلة. وبعد ذلك بدأت تنقسم عند ثلثها الأعلى انقساماً جانبياً بشكل قضبان دقيقة. وهذا الانقسام كثيراً ما يحدث في بعض الأنواع بعد نصف ساعة من زرعها وما يشتق منها يعود فينقسم أيضاً بمثل هذا الوقت فيبلغ عدد ما يتولد منها في ٢٤ ساعة ملايين الملايين كما لا يخفى على الحساب. وبعد هذا الإيضاح نعلم شدة الخطر جلياً من كثرة تولد الميكروبات الضارة داخل الجسم بمثل هذه السرعة. ولا يكون على الجسم خطر منها إلا إذا كانت من الأنواع التي تترك في الدم مفرزات أو بقايا سامة أي لا تلائم بطبيعتها الدم لاختلاف مادة عن مادتها اختلافاً عظيماً. أما فعل البكتيريا في الجماد والأحياء فعلى غاية الشأن. لأنها هي التي تخمر العجين والخل والخمر وسائر المشروبات وتعدل المواد السائلة من دم وماء فتضر أو تنفع تبعاً لكيفية هذا التعديل وهي التي تفتت الصخور وتسحل وجه الأرض وتساعد على نمو النبات وحياة الحيوان بل قد عدها بعضهم أصل جميع الكائنات العضوية. إليك أخص فعلها في الحيوان والنبات والجماد. فعلها في الحيوان: أهم أفعال الميكروبات بالنظر إلى حياة الحيوان ما تحدثه من المنفعة والضرر. فهي تفيد الحيوان من أوجه عديدة لا يتسع المقام لإيرادها هنا بالتفصيل ويكفي لتقدير نفعها مكانة وجودها في الماء الذي نشربه لأنه إذا خلا منها بالتقطير صار ضاراً وإذا خلت مياه أي نبع منه خلواً تاماً منها انقلبت سماً نافعاً كما يعلم ذلك من اختبار الينابيع الشديدة الصفاء في بعض أنحاء العالم فانه تضر شاربيها ضرراً بليغاً إذا انتفى منها وجود الميكروبات. وقد ثبت بعد امتحانات باستور أن لا حي يتولد من غير الحي ولذلك فلا يفسد اللحم ولا تختمر السائلات على أنواعها إلا بفعل هذه الميكروبات ومفرزاتها. فهي التي تهيئ لنا ما نتمتع به من المشروبات المختمرة كالخمر والبيرا واللبن الرائب والجبن والزبدة وغيرها مما لا يحيط به العد. فلو فرضنا فقد هذه الميكروبات فجاة لانقلبت أحوال المعيشة انقلاباً يهولنا تصوره. لأنها هي التي يتم بواسطتها الاختمار والتعفن ودبغ الجلود وتحضير النيل والتبغ وسائر ما له اتصال برغد العيش خصوصاً انتماء الزرع كما سيجيء. فمعظمها نافع لذات الحياة. غير أن بعضها يفرز في الدم مادة سامة فيمرض أو يهيئ للمرض. وقد ثبت الآن أن جميع الأمراض وفي جملتها القروح والبثور وغيرها مسبب عنها. ولا نستثني من ذلك العلل الناجمة عن فعل حييوينات ضارة. وبعد كشف كيفية هذه الميكروبات صار من السهل شفاء الجراح بحفظها سليمة من الفساد وما الفساد إلا فعل هذه المخلوقات الصغيرة في الدم. فكل ما يميتها من الأدوية والعقاقير يسمى مطهراً لأنه يمنع إفساد الدم. وميكروبات الأمراض تختلف كثيراً في شكلها ومدة حياتها. فمنها ما هو ضمي الشكل كميكروب الكوليرا ومنها ما هو بيضوي أو مستدير أو غير ذلك. وبعضها لا يعيش بضعة أيام كميكروب الكوليرا الذي علم أنه يموت بعد أسبوع من ولادته أو أقل من ذلك. وغيره كميكروب الخناق أو الدفتيريا قد يعيش سنة كاملة. وميكروب السل يعمر أيضاً وتساعده المواد الحامضة على الفتك بالناس ليس لأن الحامض يلائم طبعه بل لأنه يهدم جدران الخلايا الرئوية المسلولة كما أعادتها التغذية المقوية إلى حالة كلسية. ولذلك فلا يجوز للمسلول تناول الأطعمة الحامضة مطلقاً. وإذا اقتصر على الأغذية القلوية ساعد الطبيعة على شفائها. فعلها في النبات: في التربة أنواع من البكتيريا لا تعيش إلا على المواد النباتية كما أنه يوجد غيرها مما يعيش على المواد المعدنية. فميكروبات النبات تتناول من الهواء المادة الكربونية فتمثلها أي تهضمها وتقتات بها فتفصل بذلك النيتروجين وتبثه في جذور النبات. ومنها أنواع تحل الماء والهواء إلى عناصرهما فتسهل على النيات الاغتذاء بما يلائمه من هذه العناصر. ومما يستحق الذكر من أن أفعالها أن بعضها يعمل عكس عمل الآخر فيتكون من هذه الأعمال دورة في تكييف المواد الغذائية تشبه الدورة المائية التي تم تبخير الشمس لمياه الأبحر وغيرها فتصعد المياه إلى الجو حيث تنعقد مطراً يعود إلى الأرض فيتبخر ثانية ويصعد ثم يعود وهكذا. وعلى هذا المنوال تحول أنواع البكتيريا المواد النشادرية في التربة إلى نيترات نباتية يتناولها الحيوان بعد تحولها إلى بروتيد ثم تعيدها البكتيريا إلى نشادر ثم إلى نيترات وهكذا كأن بيدها قياد العناصر الغذائية تصرفها طبقاً لنواميس حفظ الوجود. وفي التربة نوع من البكتيريا الخيطية الشكل تدخل أهداب جذور النباتات القرنية كالفول السوداني وتخترق نسيجها فتشله فتكوِّن عقاً أو غدداً تغذيها بالنتروجين. وهذا هو سر تولد البطاطا وسائر الأثمار التي تحت الأرض والغدد العفصية في السنديان. وهي التي تنخر قصب السكر وغيره. وقد عني الألمان بتربية الأنواع البكتيرية التي تخصب بعض النباتات وسموها بكتيريا النتروجين لكثرة ما تقدمه من هذا العنصر لتغذية النبات. وربى غيرهم غيرها مما يحسن به نمو الورد والقمح والقطاني وغير ذلك فتفعل فعل السماد الزبل الطبيعي. وطريقة استعمالها أنهم يربون أنواع البكتيريا في مادة تلائم نموها ثم ينقعون بهذه المادة البذار أو يذرون منه في التربة المواد زرعها فيقبل الزرع إقبالاً غريباً. وفي هذه أكثر عواصم أوربا وأميركا الآن مستودعات لبيع هذا اللقاح البكتيري فما على المزارعين عندنا إلا أن يحذوا حذو مزارعي البلدان الراقية فيستفيدون ويفيدون البلاد. فعها في الجماد: أي المواد غير الآلية. من البكتريا أنواع إنما تعيش على الجماد كالصخور والمعادن على اختلاف أجناسها فيكون لها المكانة المهمة في بنائها وهدمها مما يشبه الدورة المائية المذكورة آنفاً. فبكتيريا الكبريت مثلاً تفعل هذا الفعل بتوليدها الكلتسيوم الذي تحوله إلى تجبسيوم ثم إلى كبريت ثم تحله وتعيده إلى سيرته الأولى. ويقال مثل ذلك عن بكثير الصخور والحديد وسائر المعادن. وتعد التربة لتكون صالحة لأن يغتذي منها النبات ولأن يغتذي من هذا الحيوان ثم تعود مفرزات هذا وبقاياه إلى التربة. فهي أول ممثل لأقدم أشكال الحياة المجهزة بقوة تحول عادمات الحياة إلى أشكال حيوية. ولذلك فلها المقام الأول في إنشاء الحياة على سطح كرتنا الأرضية حتى عدها بعضهم أول جرثومة حية في الوجود كان لها شأن على وجه البسيطة. وفوق ذلك كله قد اتضح أنها هي التي تحدث الحرارة بشدة حركاتها عند تنضيد التبغ بعضه فوق بعض وعند تكويم القطن والتبغ الخ حتى لقد تحدث اشتعال بعض هذه المواد إذا ساعدتها حرارة الطبيعة. وهي التي يضيء بها سطح البحر لأنها تؤكسد الهيدروجين المفصفر في الماء كما تؤكد الكحل في الخمر فينقلب خلاً. خلاصة: نحن عائشون في وسط عوالم خفية عن النظر تدعى البكتيريا أو الميكروبات. ومعظمها نافع للإنسان بما يحدثه من التغيرات المفيدة في الجوامد والسوائل. ويمكن اتقاء الضار منها بتلقيح الجسم بسم مخفف منها كمصل الدفتيريا ولقاح الجدري وغيرهما. وإن هذه الأحياء تعيش في درجات متفاوتة من الحر والبرد. فبعضها يعيش في قلب الثلج وبعضها يبقى حياً في حرارة تبلغ أكثر من مئة درجة بمقياس سنتيغرادولذلك يجب اتقاؤها بالحيطة الصحية التي قاعدتها الذهبية أحفظ يديك وصن شفتيك. ولنا من أجسامنا من كريات الدم البيضاء خير واقٍ من كثير من الميكروبات الضارة لأن هذه الكريات تبتلعها فتمنع انتشارها وتوليد السم بمفرزاتها. وقد علم أن التعب والجوع الشديد والتعرض للبرد جميع هذه تقلل من مناعة الجسم فتزيده تعرضاً لفعل البكتيريا السامة. وإن الحوامض تخفف فتكها بكريات الدم الحمراء. وبعض الناس يمتنعون على بعض الأمراض لعدم وجود إلفة كيمية بين خلايا أجسامهم وبين سم البكتيريا وهذا هو السر في نجاة الكثيرين من فعل الأوبئة في حين وقوع غيرهم فريسة لها. ويقال إجمالاً أن درس طبائع البكتيريا وإخضاعها لقوة الإنسان في كثير من الحالات من حسنات النصف الأخير من القرن الماضي الذي فتح باباً واسعاً للتوغل في البحث البكتيري الذي لا بد أن ينتهي إلى كشف حقائق نافعة تدهش العقول بما تحدثه من الانقلاب في سير العمران وترقية حياة الإنسان. أبيات العادات يقف الناظر في دواوين الأدب ومجاميع الشعر والأخبار على أبيات غامضة المعنى يشكل عليه فهمها يسميها علماء الأدب بأبيات المعاني. وقد عنوا قديماً بجمعها وتدوينها وشرح معانيها وتفسير مستغلقها إلا أن يد الضياع تلاعبت بتلك المؤلفات فلم يصل إلينا منها إلا القليل ولم نقف على هذا النوع من الشعر إلا مبعثراً مفرقاً في تضاعيف الأسفار المختلفة. أذكر أنني كنت أراجع مرة في شرح القاموس مع الأمير محمود سامي باشا البارودي فمر بنا قول القائل: فوردت مثل اليماني الهزهازْ تدفع عن أعناقها بالإعجاز فلم يتكشف لنا معناه مع إطالة الرواية وإجهاد الفكر إلا بعد أن سألنا عنه أستاذنا الإمام الشنقيطي رحمه الله فقال هذا من أبيات المعاني يذكر إبلاً وردت غديراً كالسيف الصقيل في الصفاء وقوله تدفع عن أعناقها الخ يعني أنها كثيرة الألبان ممتلئة الضروع وضروعها في إعجازها فإذا نزل الضيوف بصاحبها قراهم من لبنها فأغنى ذلك عن نحرها فتكون دفعت عن أعناقها بإعجازها قال وتمام الرجز (أعيت على مُقصدنا والرجاز) انتهى. وقد عثرت على ضرب آخر من الشعر إن لم يكن من هذا النمط فهو منه قريب رأيت أن أجمع ما تيسر لي منه وأسميه (بأبيات العادات) وهي أبيات ظاهرة اللفظ والمعنى إلا أنها غامضة من جهة القصد والمرمى فلا يفهم مراد قائليها إلا بمعرفة عادة من عادات العرب أو مزعم من مزاعمهم بني عليه البيت كقول الخنساء في رثاء أخيها معاوية: فلا والله لا تسلاك نفسي لفاحشة أتيتَ ولا عقوق ولكني رأيت الصبر خيراً من النعلين والرأس الحليق فليس في ألفاظ البيتين لفظ غريب غير مفهوم كما أن معناهما ظاهر في غاية الوضوح وإنما الإشكال في مرادها بالنعلين والرأس الحليق فإذا عرفنا أن العادة كانت عند نساء العرب إذا أصبن في حميم أن يحلقن رؤوسهن وتأخذ الواحدة منهن نعلين في يديها تصفق بهما وجهها زال عنها الإشكال واستبان لنا القصد. وفي معنى بيتي الخنساء قول عبد مناف بن ربع الهذلي: ماذا يغير ابنتي ربع عويلها لا ترقدان ولا بؤسى لمن رقدا كلتاهما أبطنت أحشاؤها قصباً من بطن حَلية لا رطباً ولا نقدا إذا تأوب نوْح قامتا معه ضرباً أليماً بسبت يلعج الجلدا وهو نوع مستملح من الشعر لم أرهم اعتنوا بجمعه اعتنائهم بأبيات المعاني. فمنه قول زهير ابن أبي سلمى: ومن يعص أطراف الزجاج فإنه يطبع العوالي ركبت كل لهذم الزجاج بالكسر جمع زج بالضم وهي حديدة تكون في سافلة الرمح واللهذم السنان ويكون في عاليته وظاهر المعنى أن من أبى الصلح ذللته الحرب أو من لا يقبل الأمر الصغير اضطر إلى قبول الكبير والبيت مع صلاحه لهذا المعنى فإنه يتضمن شيئاً آخر من عاداتهم وذلك أن الفئتين من العرب كانتا إذا التقتا في القتال سددت كل واحدة منهما زجاج الرماح نحو صاحبتها ثم يسعى الساعون في الصلح فإن أبتا إلا التمادي في القتال قلبت كل واحدة منهما الرماح واقتتلتا بالأسنة. (ومن أبيات العادات) قول النابغة الذبياني: فبت كأني ساورتني ضئيلة من الرقش في أنيابها السمّ نافع يسهد من ليل التمام سليمها لحلي النساء في يديه قعاقع السليم الملدوغ وكانت عاداتهم كما في لسان العرب وشرح الديوان أن يضعوا في أيدي الملدوغ شيئاً من الحلي لئلا ينام فيدب السم في جيده فيقتله. ومثله قول الآخر: فبت معنَّى بالهموم كأنني سليم نفى عنه الرقاد الجلاجل قلت وغريب تقارب بعض العادات عند الأمم فقد حكة لي شيخ مسن من الجراكسة أن من عاداتهم في بلادهم أنهم لا يدعون الجريح ينام لئلا يموت عل زعمهم فيجعلون حوله من يقرع على طست أو قدر من النحاس ليوقظه كلما أغفى ولا يزالون يتناوبون ذلك حتى يتم شفاؤه. (ومن أبيات العادات) قول الربيع بن زياد في مالك بن زهير العبسي: من كان مسروراً بمقتل مالكٍ فليأت نسوتنا بوجه نهار يجد النساء حواسراً يندبنه يلطمن أوجههن بالأسحار فإن مراده أن من كان شامتاً مسروراً بمقتل مالك فليأت نسوتنا وهن على هذه الحال ليعلم أننا أخذنا بثأره فلا يشمت به وذلك لأن العرب كانت تندب قتلاها بعد إدراك الثأر وقد حكى التبريزي أقوالاً أخرى في البيتين تخرجهما عما نحن فيه. (ومنها) قول الكميت: أحلامكم لسقام الجهل شافية كما دماؤكم تشفي من الكلب جاء في معاهد التنصيص قال ابن الأعرابي: كانت العرب تقول أن من أصابه الكلب أو الجنون لا يبرأ منه إلا أن يسقى من دم ملك فهو يقول أن ممدوحيه أرباب العقول الراجحة ملوك وأشراف ومثله قول القاسم بن حنبل من شعراء الحماسة: بنات مكارم وأًساة كلم دماؤهم من الكلب الشفاءُ وقد حكة التبريزي في شرحه نحواً مما حكاه ابن الأعرابي ثم قال وقيل في دوائه أن تشرط الإصبع الوسطى من يسرى رجل شريف ويؤخذ من دمه قطرة على تمرة فيطعم المعضوض فيبرأ وقيل أنه يسعط به انتهى. ومثله قول عبد الله بن الزبير (بفتح الزاي وكسر الباء) الأسدي في عبد الله بن زياد: من خير بيت علمناه وأكرمه كانت دماؤهم تشفي من الكلب وقول عبد الله بن قيس الرقيات: عاودتي النكس فاشتفيت كما تشفي دماءُ الملوك من كلب وقول ابن عباس الكندي لبني أسد في قتلهم حجر بن عمرو: عبيد العصا جئتم بقتل رئيسكم تريقون تاموراً شفاءً من الكلب التامور هنا الدم. وكلهم اقتصروا على ذكر الكلب وقد جمع الفرزدق بينه وبين الجنون فقال: ولو تشرب الكلبى المراضى دماءنا شفتها وذو الخبل الذي هو أدلف وذكر الجنون عاصم بن فرية الجاهلي فقال: وداويته مما به من مجنة دام ابن كهال والنطاسي واقف وقلدته دهراً تميمة جده وليس لشيء كاده الله صادف صادف بمعنى صارف. قال الجاحظ وكان أصحابنا يزعمون أن قولهم دماءُ الملوك شفاء من الكلب على معنى أن الدم الكريم هو الثأر المنيم وأن داء الكلاب على معنى قول الشاعر: كلب من جس ما قد مسه وأفانين فؤاد مختبل وعلى معنى قولهم (كلب بضرب جماجم ورقاب) فإذ كلبَ من الغيظ والغضب فأدرك ثأره فذلك هو الشفاء من الكلب وليس أن هناك دماً في الحقيقة يشرب ولولا قول عاصم ابن الفرية (والنطاسي واقف) لكان ذلك التأويل جائزاً انتهى كلامه. قلت وقد تظرف البحتري فقال يهنئ من انتصد وأخرجه مخرج هذا الزعم عند العرب: ليهنك البرءُ مما كنت تأمله وليهنك الأجر عقبى صائب الوصب لئن فصدت ابتغاء البر من سقم فقد أرقت دماً يشفي من الكلب (ومن أبيات العادات) قول القائل: ولا عيب فينا غير عرق لمعشر كرام وأنا لا نخط على النمل النمل هنا جمع نملة وهي قرحة تخرج في الجسد ولو لم يكن البيت مبنياً على عادة لهم لما كان معنىً لافتخاره ممن لا يخطون على تلك القروح ولكن مراد الشاعر أننا لنا بمجوس نتزوج الأخوات لزعم العرب أن ابن امجوسي إذا كان من أخته وخط بيده على النملة أبرأها كذا في كتابات الجرجاني صاحب اللسان والعلامة ابن القيم في كتابه الفوائد المشوق إلى علوم القرآن وعلم البيان أن ذلك من زعم المجوس أنفسهم. قلت لا مانع أن يكون انتقل منهم إلى العرب فاعتقدوه وأضافوه إلى مزاعمهم في الجاهلية كما انتقلت ليعضهم أشياء من التمجس عن الفرس. (ومنها) قول سبرة بن عمرو الفقعسي: أتنسى دفاعي عنك إذ أنت مسلم وقد سال من ذلّ عليك قُراقر ونسوتكم في الروع باد وجوهها يُخان إماء والإماء حرائر وذلك لأن الحرائر كن في مثل ذلك الوقت يتشبهن بالإماء في كشف وجوههن ليزهد فيهن فيأمن السبي كما في شرح الحماسة للتبريزي وقال أيضاً في تفسير قول عمرو بن معد يكرب: لما رأيت نساءنا يفحصن بالمعزاء شدَّا وبدت لميس كأنها بدر السماء إذا تبدى إن المعنى كاشفة عن وجهها كأنها قد أرسلت نقابها ودلّ على هذا بقوله كأنها بدر السماء إذا تبدى فعلت ذلك إما للتشبه بالإماء حتى تأمن السباء أو لما تداخلها من الرعب انتهى. قلت وليس من هذا ما أنشده الاشنانداني في كتاب معاني الشعر لذي الخرق الطهوي أو لغيره: ولما رأين بني عاصم ذكرن الذي كن أُنسينه فوارين ما كنَّ حسرنه وأخفين ما كنَّ أبدينه لأن معناه كما فسره أنهن نساءٌ قد سبين فنسين الحاء وأبدين وجوههن فلما رأين بني عاصم أيقن أنهن قد استنفذن فراجعن حياءهن فسترن ما كن أبدينه انتهى. (ومنها) قول عنترة: تركتُ جريَّة المعمري فيه شديد العير معتدل شديد فإن يبرأ فلم أنفث عليه وإن يُفقد فحقَّ له الفقود يقول تركه وفيه سهم شديد العير والعير الناتئُ وسط النصل والبيت الثاني بني على عادة كانت لهم وهي أن الرجل منهم كان إذا رمى بسهم وأراد سلامة الرمية منه رقى سهمه وإذا أراد الإهلاك لم يفعل ذلك. (ومنها) قول كبشة أخت عمرو بن معد يكرب: أرسل عبد الله إذ حان يومه إلى قومه لا تعقلوا لهم دمي ولا تأخذوا منهم أفالاً وأبكراً وأترك في بيت بصعدة مظلم البيت الأول مخروم وصعدة مخلاف من مخاليف اليمن والمعنى أن هذا المرثي أرسل يقول لقومه بلسان الحال لا تأخذوا بدل دمي عقلاً أي دية وتتركوني في قبرٍ مظلمٍ تريد بذلك تحريضهم على أخذ الثأر ولا يفهم من ظاهر قولها بيت مظلم إلا حكاية الحال لأن القبر لا يكون إلا مظلماً ولكن الأمر ليس كذلك بل هو مبني على ما كانوا يزعمون أن قبر المقتول لا يزال مظلماً حتى يثأروا به فإن فعلوا أَضاء. (ومنها) قول جرير يرثي قيس بن ضرار: أظن انهمال الدمع ليس بمنتهٍ عن العين حتى يضمحل سوادها وحقَّ لقيس أن يباح له الحمى وأن تُعقر الوجناءُ إن خف زادها وهو مبني على عادة لهم وهي أن الرجل كان إذا مرَّ بقبر رئيس وهو في صحبة أحب أن ينوب عن المقبور في الضيافة وإذا لم يساعده من الطعام ما يدعو الناس إليه عقر ناقته إكراماً له. ولما قتل ربيعة بن مكدم كان لا يمر بقبره أحد من العرب إلا عقر عليه دابة أو بعيراً حتى مر به شيخ كبير فقال لا أعقر ناقتي ولكن أرثيه مكان ذلك ورثاه بقوله: لا بعدن ربيعة بن مكدم وسقى الغوادي قبره بذنوب نفرت قلوصي من حجارة حرة بنيت على طلق اليدين وهوب لا تنفري يا ناق منه فإنه شريب خمر مسعر لحروب لولا السفار وبعد خرق مهمة لتركتها تحبو على العرقوب فكان أول من ترك العقر عليه. (ومنها) قول الحطيئة: قد ناضلوك وسلوا عن كنانتهم مجداً تليداً ونبلاً غير إنكاس قال التبريزي في شرح الحماسة أراد بالمجد التليد أن الشجاع منهم كان إذا أسر فارساً مذكوراً فمنَّ عليه جزّ ناصيته وجعلها في كنانته. وفسره ابن أبي الإصبع في كتابه بديع القرآن تفسيراً آخر فقال معنى هذا البيت لا يعرفه إلا من عرف عادة العرب إذا منّوا على أسير أعطوه نبلاً من نبلهم عليها إشارة تدل على أنها لأولئك القوم لا تزال في كنانته فقال الحطيئة لهذا الممدوح الذي عناه بهذا المدح أن عداك لما فاخروك سلوا عن كنانتهم نبلك التي أعطيتها لهم حين مننت عليهم تشهد لك بأنهم عتقاؤك فكان هذا مجداً تليداً لك لا يقدرون على جحده تثبته لك هذه النبل التي ليست بإنكاس يعني الصائبات التي لا تنكس إذا ناضلت بها عن العرض وهذا غاية المدح للمدوح ونهاية الهجاء لعداه إذا خبرناهم مع معرفتهم بفضله عليهم يفاخرونه بما إذا أظهروه أثبت لهم الفضل عليهم وهذا غاية الجهل منهم والغباوة انتهى كلامه. (ومنها) قول سحيم عبد بني الحسحاس: فكم قد شققنا من رداء منير ومن برقع عن طفلة غير عانس إذا شق برد شق بالبرد برقع دواليك حتى كلنا غير لابس جاء في شرح شواهد الجمل أن العرب كانت تقول أيّما امرأة أحبت رجلاً فلم يشق برقعها وتشتق هي رداءه فسد ما بينهما انتهى. ويروى (إذا شق برد شق بالبرد مثله) وحكوا أن العرب كانت تزعم أن المتحابين إذا شق كل واحد منهما ثوب صاحبه دامت مودتهما ولم تفسد. (ومنها) قول عمر بن أبي ربيعة: أهيم بها في كل مُمسى ومصبح وأكثر دعواها إذا خدرت رجلي لأنهم كانوا يزعمون أن الرجل إذا خدرت رجله وذكر من يحب أو دعاه ذهب خدرها. ومثله لجميل: وأنت لعيني قرة حين نلتقي وذكرك يشفيني إذا خدرت رجلي (ومنها) قول الأعشى: ويأمر لليحموم كل عشية بقت وتعليق فقد كاد يسنق روى الثعالبي في فقه اللغة بتبن بدل قت. واليحموم فرس كان للنعمان بن المنذر والسنق في الدواب بمنزلة التخمة في الإنسان وليس في ظاهر معنى البيت ما يستحسن بل قال فيه بعض من لا يعرف عاداتهم أن القيام على الفرس والاعتناء بعلفه حتى يكاد يتخم ليس مما تمدح به السوقة فضلاً عن الملوك ومراد الشاعر وراء كل هذا لأنه بناه على عادة كانت لملوك العرب وذلك أنه بلغ من حزمهم ونظرهم في العواقب أن أحدهم لا يبيت إلا وفر سه موقوف بسرجه ولجامه بين يديه قريباً منه مخافة عدو بفجوه أو حالة تصعب عليه فكان للنعمان فرس يقال له اليحموم يتعاهده كل عشية وهذا ما تتمادح به العرب من القيام بالمحيل وارتباطها بأفنية البيوت كما في العقد الفريد. وقد ذكر الأعشى اليحموم أيضاً في قوله: أو فارس اليحموم يتبعهم كالطلق يتبع ليلة البهر يعني بفارسه النعمان وقال لبيد: والحارثان كلاهما ومحرق والتبعان وفارس اليحموم (ومنها) قول الشاعر: كفاك الله يا عصم بن لأي خيال بني أبيك وهم عيام إذا مروا بجيزك لم يعوجوا ولو غطى سبيلهم الظلام عيام أي شهاوى إلى اللبن وبجيزك يعني بنواحيك جمع جيزة بالكسر. وكان من عادتهم أن الرجل كان يحمل حبلاً ويسترفد عشيرته إذا أعطى الشاة والحاشية من الإبل ربطها بالحبل كذا في معاني الشعر للأشنانداني أقرب لأبيات المعاني منه لأبيات العادات. (ومنها) قول الآخر يصف حماراً: يلوي مجامع لحيه فكأنه لما تمخط في السحيل نقيب نقيب أي منقوب الحنجرة وكان من عادة العرب إذا اشتد الزمان نقبوا حنجرة الكلب أو غلصمته ليضعف صوته فلا يسمع الضيف صياحه فشبه نهيق هذا الحمار بصياح الكلب النقيب. وفي اللسان إن ذلك كان يفعله البخلاء من العرب لئلا يطرقهم ضيف باستماع نباح الكلاب. وأنشد الأشنانداني في معاني الشعر: تجاوبن إذ برّكن والليل غاسق تعاوي منقوبات حيي محارب وقال في تفسيره المنقوبات الكلاب كانوا إذا اشتد الزمان نقبوا لسان الكلب لئلا يسمع نباجه يقول فهذا الإبل كأنها منقوبات يصف إبلاً معيبة فهي ترغو رغاءً ضعيفاً. (ومنها) قول الآخر: تلفت نحو الحي حتى وجدتني وجعت من الإصغاء ليتا وأخدع فظاهر معناه أنه لشدة شوقه لمن في الحي أكثر التلفت نحوه حتى وجعته عنقه. ولكن الراغب الأصفهاني في محاضراته حمله على عادة كانت لهم وهي زعمهم أن المسافر إذا خرج فالتفت لم يتم سفره قال فالتفاته لأنه كان عاشقاً فأحب أن لاي تم سفره ليرجع إلى من يحب. (ومنها) قول بشر بن أبي خازم (بالخاء المعجمة والزاي): تظل مقاليت النساء يطأنه يقلن ألا يلقى على المرء مئزر المقاليت جمع مقلاة بالكسر وهي التي لم يبق لها ولد. والبيت مبني على ما كانت تزعم أن المقلات إذا وطئت رجلاً كريماً قتل غدراً عاش ولدها كذا في اللسان. (ومنها) قول متمم بن نويرة في أخيه مالك: لقد كفن المنهال تحت ردائه فتى غير مبطان العشيات أروعا وكان المنهال قتل ملكاً والرداء هنا السيف وكانت العادة عند الرعب إذا قتل الرجل منهم رجلاً مشهوراً وشع سيفه عليه ليعرف قاتله كما في اللسان. (ومنها) قول القائل: فقأت لها عين الفحيل تعيفا وفيهن رعلاءُ المسامع والحامي أنشده الجاحظ في البيان والتبيين والفحيل بفتح فكسر الفحل الكريم وأنشد أيضاً: وهب لنا وأنت ذو امتنان تفقأ فيها أعين البعران وأنشد أيضاً: فكان شكر القوم عند المنن كيَّ الصحيحات وفقءٌ الأعين وكلها مبنية على عادة كانت لهم ذكرها الجاحظ وهي أنهم كانوا إذا بلغت إبلهم ألفاً فقؤا عين الفحل فإن زادت فقؤا عينه الأخرى قال فذلك المفقأ والمعمي. وفي مادة (عمى) من اللسان قال الأزهري وقرأت بخط أبي الهيثم في قول الفرزدق: غلبتك بالمفقئ والمعمى وبيت المحتبى والخافقات قال فخر الفرزدق ف هذا البيت على جرير لأن العرب كانت إذا كان لأحدهم ألف بعير فقأ عين بعير منها فإذا تمنت ألفاناعماه وأعماه فافتخر عليه بكثرة ماله قال والخافقات الرايات انتهى ما في اللسان. قلت إذا كان معنى البيت على ما فهمه أبو الهيثم كان الصواب أن يكون المفقأ بصيغة اسم المفعول لا بصيغة اسم الفاعل. وقد روى البيت في مادة فقأ (بالمفقئ والمعنى) بالنون ونقل المصنف عن الليث أن العرب كانت في الجاهلية إذا بلغ إبل الرجل ألفاً فقأ عين بعير منها وسرحه حتى لا ينتفع به ثم حكى عن الأزهري أن معنى المفقئ في هذا البيت ليس على ما ذهب إليه الليث وإنما أراد الفرزدق قوله لجرير: ولست ولو فقأت عينك واجداً أبا لك أن عد المساعي كدارم انتهى. قلت القول ما ذهب إليه الأزهري لما سيرد عليك والظاهر أن الذي حمل الليث على أن يفهم في المفقئ ما فهم كون المعنى يطلق على جمل كان أهل الجاهلية ينزعون سناسن فقرته أي حروفها ويعقرون سنامه لئلا يركب ولا ينتفع بظهره بفعل ذلك الرجل منهم إذا بلغت إبله مائة ليعرف أنه مميء فظن الليث أن الفرزدق أراده فحمل المفقئ عليه وكان وجهه على ما فهم أن يرسم أيضاً بصيغة اسم المفعول كما قدمنا. والصواب في معنى البيت ما ذكره صاحب اللسان في مادة (عنا) نقلاً عن ابن سيده أن مراد الفرزدق بالمفقئ بيته في جرير المتقدم ذكره ومراده بالمعنى (ضبط بكسر النون) قوله له: تعنى يا جرير لكل شيء وقد ذهب القصائد للرواة فكيف ترد ما بعمان منها وما بجبال مصر مشهرات ونقل عن الجوهري أن مراده بالمعنى قوله: فإنك إذ تسعى لتدرك دارماً لأنت المعنى يا جرير المكلف قلت عليه ويصح ضبط المعنى في بيت الفرزدق بالفتح. قال وأراد بالمجتبى قوله: بيت زرارة محتبٍ بفنائه ومجاشع وأبو الفوارس نهشل لا يحتبي بفناء بيتك مثلهم أبداً إذا عد الفعال الأفضل وأراد بالخافقات قوله: وأين يقضي المالكان أمورها بحق وأين الخافقات اللوامع أخذنا بآفاق السماء عليكم لنا قمراها والنجوم الطوالع أي غلبتك بأربع قصائد منها هذه الأبيات وعلى هذا لا يعد البيت من أبيات العادات وإنما أطلت الكلام فيه لأنه كان سبب لخلاف واستطار شرره بين بعض الأدباء بمصر. (ومن أبيات العادات) قول آدم مولى بلعنبر: وان أراد جدل صعب أرب خصومة تنقي أوساط الركب أطلعته من رتب إلى رتب من رجز يقوله لابنه أنشده الجاحظ في البيان والتبيين وقد يسأل لمَ كانت هذه الخصومة لنقب الركب فالجواب أنه كان من عاداتهم إذا تخاصموا جثوا على الركب. (ومنها) قول عتيبة بن بجير المازني من شعراء الحماسة: ومستنبح بات الصدى يستتيهه إلى كل صوت فهو في الرحل جانح فقلت لأهلي ما يغام مطية وسارٍ أضافته الكلاب النوابح فقالوا غريب طارق طوحت به متون الفيافي والخطوب الطوارح وهذا مبني على عادة وهي أن الرجل من العرب كان إذا ضل وتحير في الليل فلم يدر أين البيوت أخرج صوته على مثل النباح فتسمعه الكلاب وتظنه كلباً فتنبح فيستدل بنباحها ويهتدي إلى المكان. ومثله ما أنشده أبو علي القالي في أماليه: ومستنبح بات الصدى يستتيهه فتاه وجوز الليل مضطرب الكسر رفعت له ناراً ثقوباً زنادها تليح إلى الساري هلم ال قدري وأنشد أيضاً في معناه: ومبدٍ لي الشحناء بيني وبينه دعوت وقد طال السرى فدعاني يعني كلباً نبح له فنبح فاهتدى به فكأنه دعاه بنباحه. والأبيات في هذا المعنى كثيرة لا فائدة من سردها في هذه العجالة. وفي معنى استنبح أيضاً كلب الرجل يكلب من باب ضرب واستكلب أنشد ابن سيده في المخصص على الأول: وداعٍ دعا بعدما أقفرت عليه البلاد ولم بكلب وأنشد صاحب اللسان على الثاني: ونبح الكلاب لمستكلب: (ومنها) قول لبيد: ولقد حميت الحي تحمل شكتي فرط وشاحي إذ غدوت لجامها الفرط بضمتين الفرس المتقدمة السريعة والمعنى أنني توشحت بلجام هذه الفرسوهو مبني على عادة ذكرها التبريزي في شرح المعلقات وهي أن الفرسان كان أحدهم يتوشح لجام فرسه ليكون ساعة يفزع قريباً منه وتوشحه إياه أن يلقيه على عاتقه ويخرج منه يده. ومنه قول زياد بن حمل من شعراء الحماسة: ليست عليهم إذ يغدون أردية إلا جياد قسي النبع واللجم (ومنها) قول القائل: قلبت ثيابي والظنون تجول بي وترمي برجلي نحو كل سبيل فلأيا بلأي ما عرفت جليتي وأبصرت قصداً لم يصب بدليل لأن عاداتهم كانت إذا ضل رجل منهم في فلاة قلب قميصه وصفق بيديه كأنه يومي بهما إلى إنسان يزعمون أنه إن فعل ذلك اهتدى. هذا ما تيسر لي جمعه الآن فإن ظفرت بشيء بعد ذلك ألحقته به. الشرطي والورق اللغوي إذا عثر على لفظة وقف على أصلها ومعدنها ومأتاها يقر عيناً ويطيب نفساً ويثلج صدراً كأنه وقع على كنزٍ ثمين. ومن أغرب الأمور أن المستشرقين يبذلون شطراً صالحاً من أوقاتهم لتتبع معرفة أصول جميع الكلم السامية ولا سيما العربية. ولا نرى من أبناء العرب من يعني بمثل هذا الأمر؟ وإذا رأيت نفراً يكتبون في هذا الموضوع من الناطقين بالضاد فلا تراهم يخرجون عما جاء في كتب الأجداد الأولين ولا يوردون من الكلام إلا ما تناقله الخلف عن السلف بدون أن ينتقدوا كلام القائل ولا ينعموا النظر فيه إذا كان مصيباً في رأيه هذا أو مخطئاً فترى كتبنا اللغوية الحديثة لا تخرج عن كتب الأقدمين ولو تقدم هذا العلم عند باحثي الإفرنج من اللغويين المستشرقين تقدماً عظيماً وظهر بمظهر النور في الدياجي. فإلى متى نبقى في هذه الحالة المفزعة في قالب الجمود أو الخمود والركود؟ ألم يحن الآن الذي نكسر فيه قيود الأسر والرق ونطلق نفسنا من هذه السلاسل الضخمة التي بقينا راسفين فيها إلى يومنا هذا؟ بلى. لقد حان بل لقد فات الوقت كما فاتنا في أمور جمة ونحن في غفلة عنها وذهول. على أن بعض كتاب العصر أخذوا يتابعون علماء الغرب المولعين باللغات الشرقية في أبحاثهم وآرائهم ومذاهبهم وهبوا يجارونهم وأي مجاراة حتى كادوا يفوقونهم في بعض الأبحاث. بيد أن بعضهم قاموا يقلدونهم تقليداً أعمى حتى أنهم إذا رأوا أن غريباً قال بقول من لم يعد الشرقي يتجاسر على مخالفة رأيه ظناً منه أن الإفرنج إذا أوتروا القوس أغرقوا فيها ولا يتركون لمن ينزع فيها من بعدهم منزعاً كما لا يبقون له منزعاً. وهذا وهم ظاهر لكل ذي عينين إذا ما أراد أن يتروى في الأمر أدنى تروٍ. هذا ولنا نحن عدة شواهد إثباتاً لقولنا هذا. وهي وإن كان يطول سردها جميعاً إلا أنه لا يجدر بنا أن لا نذكر منها بعضاً إثباتاً لقولنا وإظهاراً للحق. فهذه كلمة شرطي أو شرطة فإن اللغويين قد ذهبوا فيها مذاهب. فمنهم من قال بأنها عربية فصحى ومنهم من أنكر أصلها هذا وجماعة ذكرت أنها من معدن رومي أو لاتيني ومنهم من خالف هذه الآراء وها نحن ذا نورد بعض الشواهد. قال في القاموس: الشرطة بالضم واحد الشرط كصرد وهم أو لكتيبة تشهد الحرب وتتهيأ للموت وطائفة من أعوان الولاة م وهو شرطي كتركي وجهني. سموا بذلك لأنهم أعلموا أنفسهم بعلامات يعرفون بها. وإلى هذا الرأي ذهب السيد المرتضى. فزاد على ما سبق: قاله الأصمعي. وقال أبو عبيدة: لأنهم أعدوا (أي أعدوا أنفسهم لذلك وأعلموا أنفسهم بعلامات). وبمثل هذا القول قال صاحب لسان العرب بل وجميع أصحاب المعاجم اللغوية بدون أن يشذ واحد منهم وتابعهم في ذلك لغويو الإفرنج أصحاب المعاجم العربية الإفرنجية كغوليوس وفريتاغ وقزميرسكي ولين وغيرهم. على أن هذا الرأي لا يمكن أن يتمسك به اللغوي. والسبب هو: لو كان الحرف مأخوذاً من الشرط لقالوا فيه شارط كضابط مثلاً من الضبط. أو مشترط كملتزم. أو نحو ذلك من المشتقات الدالة على الفاعلية لا شرطي بضم ففتح أو بضم فسكون بل وكيف قالوا الشرطة. فلا شك أن اللغوي المتتبع حقائق الأصول ودقائق الفصول لاي قنع بهذا القول غير المعقول. فهي ولا جرم لمن الألفاظ الدخيلة وقد انتبه لها المستشرقون. وأول من ذهب إلى هذا الرأي فرنكل الألماني صاحب كتاب الألفاظ الآرمية في اللغة العربية إذ قال: والأحسن إني أحب أن يقول علماء العربية أنها كلمة مصرية يونانية من Cohors أو لعلها اليونانية (Chorths=) وتأثره في ذلك الأب لامنس اليسوعي في كتاب الفروق إذ يقول: من المحتمل أن يكون معرباً عن Cohors مثل كردوسة. قلنا: وهذا أيضاً لا يمكن أن يكون صحيحاً لأن هذه اللفظة الأجنبية إن كانت مصرية أو يونانية أو رومية محضة فهي لا تدل إلا على طائفة أو جماعة من العسكر أو الجند ولا ترد بمعنى المفرد. والحال إن صح هذا الكلام عن الشرطة فلا يصح عن الشرطي فيجب أن تكون اللفظة الأصيلة المنقولة عنها مفردة ليصح فيها التعريب أو النقل عنها بصورة المفرد. وهذا يصح إذا قلنا أنها تعريب اليونانية (Stratiwtho) وبالفرنسية (Stradiot) أو (Estradiot) وهي بمعنى الشرطي العربية كما أن الشرطي هي تعريب (Stratia,as) ويراد بها كتيبة الزحف أو الجيش الزاحف الذي يشهد الحرب ويتيهأ للموت. أو من (Stratos) بمعناها. ومن هذا القبيل كلمة ورق والرقة المراد بهما الدراهم المضروبة. فقد قال الفيروزأبادي: الورق مثلثة. وككتف وجبل: الدراهم المضروبة ج أوراق ووراق كالرقة. وزاد صاحب التاج: قال ابن سيده: وربما سميت الفضة ورقاً. يقال أعطاه ألف درهم ورقة لا يخالطها شيء من المال غيرها. وقال أبو الهيثم: الورق والرقة: الدراهم خاصة. وقال شمر: الرقة: العين ويقال هي الفضة خاصة. ويقال الرقة الفضة والمال. عن ابن الأعرابي. . . إلى آخر ما هناك من الكلام الدال على أن الورق عندهم من الأصل العربي الفصيح الصريح حتى أنه لم يخطر على بال لغويي العرب أنها دخيلة على لسانهم. وتابعهم في ذلك لغويو الإفرنج أيضاً أصحاب المعاجم العربية ولم يرتابوا في عجمتها أو في عربيتها إذ قلدوا العرب في أغلب الأحيان عند نقلهم المعاجم إلى لغتهم. وأول من تنبه لعجمتها في العربية فرنكل اللغوي الألماني المذكور ذكر أنها من الآرامية (برق) أو من الحبشية رقة. قلت: وفي كلتا اللغتين لم ترد اللفظة في الأصل على ما يدل أنها بهذا المعنى في أول وضعها بل يحتمل أن اللغتين أخذتا هذا المعنى عن العرب أنفسهم. وممن قال بعجمتها أيضاً الأب لامنس اليسوعي في كتاب الفروق ص ٢٦٠ في الحاشية وهذا نص كلامه: (أي الورق بمعنى الدراهم المضروبة) ثلاث لغات أخرى (كذا والأصح أربع لغات أخرى): وَرق. ورق. وِرق (وزد عليها: ورَق ككتف) ولا أحسبه عربياً ولم يوجد في الكتاب القديم. . (كذا لو تروى لما قال هذا القول. لأن لفظة الورق وردت في شعر ثمامة السدوسي وفي الحديث وفي شعر خالد بن الوليد وفي كلام كثيرين من الأقدمين عند مطالعة دواوينهم.). أما الصحيح عندي أن الورق من الفارسية تعريب بره بباء فارسية مثلثة رقيقة في الأولى ثم راء وفي الآخر هاء غير منقوطة. ويقال فيها أيضاً باره بمعناها. ويراد بها مطلق القطعة وتخصص بقطعة الفضة المضروبة كما هو معنى الباره عندنا قبل خمسين سنة. ثم عوض عن الباره الفضية ببارة نحاسية وبقي الاسم عليها وإن تغيرت المادة التي أخذت منها. هذا وأنت تعلم أن الهاء الفارسية في الآخر تنقل إلى القاف أو الكاف أو الجيم أو الهاء في العربية. وقد صرح بذلك أغلب اللغويين كما في بابونج ويرذعة وبورَق ونيزك وأصلها بابونه وبرزعة وبوره ونيزه وأما الباء المثلثة التحتية الفارسية فتكون إما رقيقة. وإما فخيمة وإما رقيقة وفخيمة فإن كانت رقيقة فتنتقل إلى الواو بالعربية أو الباء الموحدة التحتية كما في بابوج وواشق أصلها بابوج وباشه وإذا كانت مفخمة فتكون فاء في العربية كما في فارس وأصفهان وإن كانت بين المفخمة والمرققة فهي تكون تارة بالباء وطوراً بالواو وأخرى بالفاء مثل قبان فيقال فيها قبان وقفان. قال الأصمعي: قفان: قبان بالباء التي بين الباء والفاء أعربت بإخلاصها فاء وقد يجوز إخلاصها باء لأن سيبويه قد أطلق ذلك في الباء التي بين الفاء والباء (التاج في قفف) ومعنى قفان كل شيء: جماعة واستقصاء معرفته. وعليه قالوا في بره: ورق. وفي باره: بارة. لكن لما توهم العرب أن الورق مشتق من ورق بل وأنها مصدر ورق أجازوا فيها الوجهين فقالوا فيها ورق ورِقة كما قالوا وعد وعدة. وأغرب من هذا أنهم جمعوا رقة على رقين كما قالوا في إرة: إرين. وقوم من العرب توهموا الجمع مفرداً فوزنوه على فعيل بفتح الأول فقالوا: الرقين وفسروه بالدرهم والرقيم ولعل الرقيم ورد بهذا المعنى أيضاً تصحيفاً للرقين بالنون وهم يكثرون مثل هذا الإبدال في آخر الألفاظ كقولهم: الأيم والأين. الغيم والغبن. أسود قاتم وقاتن. الحزم والحزن. البنان والبنام. القعم والقعن. ومثل هذه الألفاظ تعد بالمئات. فانظر حرسك إله كيف يتلاعب العرب بالألفاظ وكيف تتسع اللغة عندهم. وكيف يبعد مجرى الكلام عن ينبوعه ومصدره وكاد ينسيك الأصل الذي أُخذ عنه. كل ذلك من الأسرار الغامضة يتلذذ بالاطلاع عليها كل من له ذوق بهذه اللغة الشريفة البعيدة الغور. وإذ قد اطلعت على أصل لفظة الورق وعلى أنها من الفارسية علمت علم اليقين أن معناها كل قطعة من قطع المسكوكات كما تقول بالفرنساوية ثم أطلقت على دراهم الفضة أو على مطلق الدراهم أن فضية أو ذهبية أو نحاسية بشرط أن تكون قطعة معدن مضروب لا غير. هذا ما أردنا إيراده في هذا الباب ولنا عدة شواهد من هذا القبيل. رسائل الانتقاد تابع لما سبق قال أبو الريان ومن شر عيوب الشعر كلها الكسر لأنه يخرجه عن نعته شعراً وليس مما يقع لمن نُعت بشاعر. فأما الاقواء. والسناد. والأكفاء . والزحاف. وصرف ما لا ينصرف فكل ذلك يستعمل الآن السالم من جميع ذلك أجمل وأفضل قال ومن عيوبه المذمومة مجاورة الكلمة ما لا يناسبها ولا يقاربها مثل قول الكميت: حتى تكامل فيها الدل والسنب وكما قال بعض المتأخرين في رثاء: فإنك غيبت في حفرة تراكم فيها نعيم وحور وإن كان النعيم والحور من مواهب أهل الجنة فليس بينهما في النفوس تقارب. ولا لفظة تراكم مما يجمع بين الحور ولا النعيم. ومثله قول بعضهم: والله لولا أن يقال تغيرا وصبا وإن كان التصابي أجدرا لعاد تفاح الخدود بنفسجاً لثمي وكافور الترائب عنبرا فالتفاح ليس من جنس البنفسج لأن التفاح ثمرة والبنفسج زهرة. وقد أجاد في جمعه بين الكافور والعنبر لأنهما من قبيل واحد. ولو قال: لعاد ورد الوجنتين بنفسجاً لثمي وكافور الترائب عنبرا لأجاد الوصف. وأحسن الرصف. لكون الورد من قبيل البنفسج. فهذا النوع فافتقد. وهذا الشرع فاعتمد. قال أبو الريان ولفضلاء المولدين سقطات مختلفات في أشعارهم أُذاكرك منها في أشياء لتستدل بها على أغراضك لا لطلب الزلات. ولا لاقتفاء العثرات. كان بشار تتباين طبقات شعره فيصعد كبيرها. ويهبط قليلها كثيرها. وكذلك كان حبيب ابن أوس الطائي فإذا سمعت جيدهما كذبت أن رديهما لما. وإذا صح عندك أن ذلك الردي لهما أقسمت أن جيدهما لغيرهما. قال ومما يعاب من الشعر الافتتاحات الثقيلة مثل قول حبيب أول قصيدة: هن عوادي يوسف وصواحبه فعوماً فقدماً أدرك الثأر أو طالبه ومثل قول ديك الجن أول قصيدة: كأنهايا كأنه خلل الخ لة وقف الهلوك إذ بغما  فابتدأ هو وحبيب بمضمرات على غير مظهرات قبلها وهو رديء قال ويعاب أيضاً الافتتاحات المتطير بها. والكلام المضاد للغرض كابتداء قصيدة أبي نواس التي أنشدها الفضل بن يحيى خالد البرمكي يهنيه ببنيانه الدار الجديدة فدخل إليه عند كمالها وقد جلس للهناء والدعاء وعنده وجوه الناس فأنشده: أربع البلى إن الخشوع لبادي عليك وإني لم أخنك ودادي فتطير الفضل من ذلك ونكس رأسه وتناظر الناس بعضهم إلى بعض ثم تمادى فختم الشعر بقوله: سلام على الدنيا إذا ما فُقدتمُ بني برمك من رائحين وغادي فكمل جهله وتمم خطأه وزاد القلوب المتوقعة للخطوب سرعة توقع. وأضاف للنفوس المتوجعة بذكر الموت شدة توجع. وأراد أن يمدح فهجا. ودخل ليسر فشجا قال وقريب من هذا ما وقع للمتنبي في أول شعر أنشده كافوراً: كفى بك داءً أن ترى الموت شافياً وحسب المنايا أن يكنّ أمانيا فهذا خطاب بالكاف بفتح ولا سيما في أول لقية. وفي ابتداء واستعطاف ورقية. وفي هذا البيت غير هذا من العيوب سنذكره بعد. ووقع مثل هذا من قبح الاستفتاح في عصرنا وذلك أن بعض الشعراء أنشد بعض الأمراء في يوم المهرجان فقال: لا تقل بشرى ولكن بشريان وجه من أهوى ووجه المهرجان فأمر بإخراجه واستطار بافتتاحه وحرمه إحسانه قال أبو الريان ولو كان هذا الشاعر حاذقاً لكان إصلاح هذا الفساد أيسر الأشياء عليه وذلك بأن يعكس البيت فيقول: وجه من أهوى ووجه المهرجان أي بشرى هي لا بل بشريان قال ويبج جداً الإتيان بكلمة القافية معجمة لا ترتبط بما قبلها من الكلام وإنما هي مفردة لحشو القافية كقول بعضهم: فبلغت المنى برغم أعاديك وأبقاك سالماً رب هود فأنت ترى غثاثة هذه القافية وإله تعالى رب جميع الخلق وكل شيء فخصَّ هوداً عليه السلام وحده لضعف نقده وعجزه عن الإتيان بقافية تليق وتحسن. قال ويقبح أيضاً الجفاءُ في النسيب على الحبيب والتضجر ببعده. وغلظة العتاب على صده. كقول أبي نواس: أجارة بيتينا أبوك غيور وميسور ما يرجى لديك عسير فان كنت لا خلاً ولا أنت زوجة فلا برحت منا عليك ستور وجاورت قوماً لا تزاور بينهم ولا قرب إلا أن يكون نشور فلم أسمع بأوحش من هذا النسيب. ولا أخشن من هذا التشبيب. وذلك قوله إن لم تكوني لي زوجة ولا صديقة فلا برحت منا ستور للتراب عليك. ولا كان جارك ما عشنا نحن إلا الموتى الذين لا يتزاورون ولا يتواصلون إلى يوم النشور على أن كلامه يشهد عليه بأنه شاك وإنما المعروف في أهل الرقة والظرف. والمعهود من أهل الوفاء والعطف. أن يفدوا أحبابهم بالنفوس. من كل مكروه وبوس. فأين ذهبت ولادته البصرية وآدابه البغدادية. حتى اختار الغدر على الوفاء. وبلغت به طباعه إلى أجفاء الجفاء. فاعلم هذا وإياك أن تعمل به. قال ومن عيب الشعر السرق وهو كثير الأجناس. في شعر الناس. فمنها سرقة ألفاظ. ومنها سرقة معان. وسرقة المعاني أكثر لأنها أخفى من الألفاظ ومنها سرقة المعنى كله. ومنها سرقة البعض. باختصار في اللفظ وزيادة في المعنى وهو أحسن المسروقات. ومنها مسروق بزيادة ألفاظ وقصور عن المعنى وهو أقبحها. ومنها سرقة محضة بلا زيادة ولا نقص والفضل في لك للمسروق منه ولا شيء للسارق كسرقة أبي نواس في هذه القصيدة التي ذكرنا معنى أبي الشيص بكماله. قال أبو الشيص: وقف الهوى بي حيث أنت فليس لي متأخر عنه ولا متقدم فسرقة الحسن بكماله فقال: فما جازه جود ولا حل دونه ولكن يصير الجود حيث يصير فهذا على أن بيت أبي الشيص أحلى وأطبع ومع حلاوته جزالة. وقد ذكر عن الحسن أنه قال ما زلت أحسد أبا الشيص على هذا البيت حتى أخذته منه وسرقة المعاصر سقوط همة. وبهذه القصيدة يناضل أصحاب الحسن عنه ويخاصمون خصماءه مقرين بأن ليس له أفضل منها. ولا لهم إلى سوى هذه القصيدة معدل عنها. فقس بفهمك واعمل فكرك على ما وصفناه من أبواب السرقة ما وجدته في أشعار لم أذكرها يظهر لك جميع ما وصفناه. ويبدو لك جميع ما رسمناه. قال ومما يقع في عيوب الشعر ويغفل الشاعر عنه ويجوزه الأمر فيه لصغر جرم العيب وسلامة اللفظ لذي احتبي فيه ثم يكون ذلك سبب غفلة النقاد أيضاً عنه مثل قول المتنبي: كفى بك داءً أن ترى الموت شافيا فضع هذا الكلام على أنه إنما شكا داءَه ووصفه بالعظم فعاد شاكياً نفسه وجعلها أعظم الداء لأنه أراد كفى بدائك داءً فغلط وقال كفى بك داءً فصار كفى بالسلامة داءً فالسلامة هي الداء يريد طول البقاء سبب للفناء. وقال الله تعالى وكفى بنا حاسبين فالله هو أعظم شهيد فجعل المتنبي نفسه أعظم الداء ولم يرد إلا استعظام دائه وإصلاح هذا الفساد. وبلوغه إلى المراد. أن يقول: كفى بالمنايا أن تكن أمانيا وحسبك داء أن ترى الموت شافيا فيعود الداء المستعظم كما أراد تزول خشونة ابتدائه. وشدة جفائه. إذ خاطب للممدوح بالكاف فجعله داء عظيماً في أول كلمة سمعها منه. وقد تأدب خواص الناس وكثير من عوامهم في مثال هذا المكان فهم يقولون عند مخاطبات بعضهم بعضاً بما يخشن ذكره قلت للأبعد يا كذا أو كذا للأبعد. ومن عيوب هذا القسم أيضاً أن قائله قصد إلى سلطان جديد وإلى مكان يحتاج فيه إلى التعظيم والتفخيم وقد صدر عن ملك نوه به أعني سيف الدولة وأغناه بعد فقره وشرفه ورفعه. وأدنى موضعه. فورد كل كافور هذا في مرتبة شريفة. وخطة منيفة. فجعل بجهله يصفه في أول بيت لقيه به أنه في حالة لا يرى منها المنية. أو يرى المنية أعظم أمنية. وعلم كافور بذكائه ووصول أخبار الناس إليه أنه في حالة خلاف ما قال وأنه كفر النعمة من المنعم عليه وأراه أن جميع ما عامله به من الجاه الواسع. والغنى القاطع حقير لديه. صغير في عينيه. فعلم كافور في هذا الوقت أنه ممن لا تزكو لديه الصنيعة وإن عظمت. ولا تكبر في عينيه المواهب وإن جسمت. ولم يكن في خلق كافور من الصبر على اتساع البذل. ولا من الرغبة في أهل الآداب والفضل ما عند سيف الدولة من ذلك فزهد فيه بعد رغبة وعلله بالقليل. وشاوقه بالجزيل. ورأى المتنبي أن الأسود ليس له في قلبه من الحب والقرب ما له عند سيف الدولة فلم يدل عليه ولا كثر من التعتب والعتاب ما يعطفه عليه فأضاع وضاع. وكان يتوقع الإيقاع. ولكفران النعم نقم. ثم نجاه ركوب ظهر الهرب وأقبل يعترف لسيف الدولة بالذنوب. وكان لحنه وشعره شريفين. وعقله ودينه ضعيفين. ومع ذلك فسقطاته كثيرة إلا أن محاسنه أكثر وأوفر. والمرء يعجز لا المحالة. وكان يميل إلى تعقيد الكلام ويعتمد على علمه بقبحه فيقول من ذلك ما يصف به ناقته: فعبيت تسئد مسئداً في نيها أسادها في المهمة الأنضاء يقول في المدح: أنى يكون أبا البرية آدم وأبوك والثقلان أنت محمد ويقول في بيت آخر من قصيدة أخرى يمدح بها والبيت لا يتعلق بشيء مما قبله فيما يظهر ولا فيما بعده بشيء: كأنك ما جاودت من بان جوده عليك ولا قاومت من لم تقاوم ومثل هذا كثير وهذه الأجناس من أبيات وإن ظهرت معانيها بعد استقصاء. وأطاعت غوامضها بعد استعصاء. فهي مذمومة السلك وإن اطلعت منها على أجزل الإفادة فكيف إذا حصلت منها على السلامة بلا زيادة. وكان أيضاً يغفل عن إصلاح أشياء من كلامه على قرب ذلك من الفهم. مثل قوله يرثي أخت سيف الدولة: يا أخت خير أخ يا بنت خير أب كناية بهما عن أشرف النسب فجعل يا أخت خير كناية عن اشرف النسب والكناية لا تكون إلا لعلل تتسع فيها التهم لأن الكناية ستر وتعمية فنا بال شرف النسب يورى عنه تورية المعائب. ويكنى عنه والتصريح به من المفاخر والمناقب. وقد غفل عن إصلاح هذا بلفظ فصيح. ومعنى صحيح. قد كاد يبرز من الجنان. إلى طرف اللسان. وهو لو فطن إليه: يا أخت خير أخ يا بنت خير أب غنى بهذا وذا عن أشرف النسب قال أبو الريان وهذه الجملة التي أثبت لك فيها ما دخل على الشعراء المحيدين من التقصير والغفلة والغلط وغير ذلك كافية ومغنية عن إيراد ذلك وإن لقيتها بجودة بحث وصحة قياس. لم تحتج إلى كشف عيوب أشعار الناس. ولعل قائلاً يقول مال على هؤلاء وترك سواهم لميله على من بكت. ولتفضيله من عنه سكت. فقل لمن قال ذلك الأمر، عل خلاف ما ظننت لم أذكر إلا الأفضل فالأفضل. والأشهر فالأشهر. إذ كانت أشعارهم هي المروية. فالحجة بهم وعليهم هي القوية. فقد نقلته علي من ميلي عليهم. إلى ميلي بالحق إليهم قال أبو الريان فأما نقد المستحسن فتمثيله لك يعظم ويتسع لكثرته فلا يسعنا إيراده ولكن ما سلم من جميع ما أوردناه فهو في حيز السالم. ثم تتسع طبقات الجودة فيه. وأحسن منه ما اعتدل مبناه. وأغرب معناه. وزاد في محمودات الشعر عل سواه. ثم يمدح الأدون فالأدون بمقدار انحطاطه إلى حيز السلامة. ثم لا مدح ولا كرمة. قال محمد فقلت لله درك يا أبا الريان فما ألين جانبك. وما أقرب غائبك. وما ألحح طالبك. وما أسعد صاحبك. فقال أنجح الله مطالبك. وقض مآربك. وصفى من القذى مشاربك. وبث الحواضر والبوادي مناقبك. تمت المقامة المعروفة بمسائل الانتقاد بلطف الفهم والاقتصاد والحمد لله أولاً وآخراً وصلاته على نبيه سيدنا محمد وآله وسلامه نفس المرأة انصرفت أفكار الباحثين إلى درس طبائع المرأة ومميزاتها الجنسية وخلائقها الخاصة على أثر ما كان من نهوض المرأة لمباراة الرجل في ميدان الاقتصاد وتشوقها بعد ذلك إلى مشاركته في الحقوق السياسية فتوفر على هذا البحث جماعة من العلماء الأعلام عنوا بتمحيصه وتجريده مما لصق به من خرافات الأقدمين وأوهامهم جارين على أسلوب علمي لا يدع مجالاً للظن والشبهات العالقة بآراء الأقدمين والسادلة على الحقيقة ستاراً من الغلو ينهض بالمرأة إلى مستوى الملائكة أو يحطها إلى دركات الجحيم ومن الغريب أننا لا نجد باحثاً تصدى للموضوع إلا زعم أنه بين حقيقة المرأة وكشف عن أسرار نفسها على أن معظمهم جهلوا طبائعها الأصيلة وخواصها المميزة فجاءت أبحاثهم مهزعة فاسدة المقدمات والنتائج ولم يفرق بعضهم بين صفاتها الخلقية وبين الصفات العارضة التي اكتسبتها في أحوال خاصة. وربما اتفق العلماء أن رأوا المرأة في حال الضعف أو الخوف أو الاحتيال أو الرياء فزعموا أن هذه الصفات من طبائعها الخلقية وانتقلت هذه المزاعم إلى الأخلاف في الأجيال المتوالية فهي لا تزال تستنكف أو تعجب اليوم بطبائع في المرأة أتت عليها سنة النشوء والارتقاء فبدلتها أو محتها. ولقد مرت على المرأة عصور وهي بعيدة عن الحياة الفكرية والعملية تراد على الطاعة العمياء لوليها فكانت أشبه بالأطفال غير أن الزمان تغير والمرأة تبدلت وبقي معظم علماء النفس واقفين عند الآراء القديمة يحسبونها رقيقة غاية حياتها خدمة الرجل. تملصت المرأة من آثار الجمود وشاركت الرجل في الحياة العملية وتركت في زوايا القرون صفاتها القديمة وتخلقت بأخلاق جديدة فلا تصح فيها آراء المغالين في اعتبارها ولا المغرقين في امتهانها. ولا بد للباحث أن يتساءل هل للمرأة صفات نفسية خاصة بها تميزها عن الرجل وما هي تلك الصفات الجنسية التي لا يؤثر فيها مركزها الاقتصادي والاجتماعي؟ يقول علماء الحياة باختلافات جوهرية بين الخليتين اللتين تولد الحياة من انضمامهما وأن شروط الحياة متوفرة في الخلية المذكرة أما الأنثوية فهي هادئة شديدة الاحتفاظ بقوتها العضوية وهذه الصفات تبدو آثارها في الأحياء وكلما ارتقى الجنس البشري كانت الخواص الجنسية أوضح أثراً تركيب المرأة وطبائعها تميل بها إلى السكون والدعة والراحة بينما نرى الرجل جلداً على مشاق الحياة يتحشم الأخطار ويخوض غمار الجهاد ويرى كل ما حوله يدفعه إلى المناجزة والإقدام. وإذا سلمنا بآراء علماء الحياة والنفس اتضح لنا سبب تخلق المرأة بأخلاقها الخاصة وإشغالها في المجتمع مركزها الخاص فللرجل الحرب والجهاد والمغامرة والنشاط والحزم وللمرأة اللطف والصبر والهدوء إلا أنها تشتد في بعض الأحيان فتفوق الرجل حزماً ومضاءٍ وقد يوقد الرجل نار الثورة فتسعى إلى إخمادها وتهدئة روعه ويحملها ميلها إلى السكون النفسي إلى الاعتصام بحبل الدين وهي أقل إقداماً على الجرائم من الرجل لما تتطلبه من تضحية القوى الجسدية والعقلية ويزعم علماء النفس أن المرأة ضعيفة المدارك مما يحملها الاستسلام لعواطفها فهي غريبة عن الحرب والعلم والفنون وسنرى فيما يلي فساد مزاعمهم في هذا الصدد. سار علماء النفس والحياة على أسلوب واحد في أبحاثهم فأدت بهم إلى نتائج متشابهة فقالوا أن المرأة اليوم هي ذات المرأة في القرون السالفة ويتبين لك خطل آرائهم من عرضها على أحوال الحياة الحقيقية وإذا تتبعنا ارتقاء العالم الحيواني وضحت لنا المناقضة بين آراء الباحثين في المرأة وبين حالتها الحاضرة على أنم أشكالها. المرأة المحاربة لنتقدم إلى البحث في إحدى صفات المرأة التي قالوا بها من الجبن وصغر النفس ونتخذ هذه الصفة أساساً لمبحثنا فقد أجمعت آراؤهم على أن المرأة لا تصلح للقتال والذود عن الوطن فلما ارتفع صوت النساء المطالبات بالحقوق دافعها المنكرون عليها بقولهم إنها لا تستطيع مشاركة الرجل في الحرب والذب عن حياض الوطن على أنَّا إذا أنعمنا النظر وجدنا هذه الصفة عارضة لا جوهرية وليست هي من صفاتها الخلقية التي لا تتغير فنساء الحبش يقاتلن مع أزواجهن جنباً إلى جنب راكبات على الجمال أو الخيل ومتقلدات سلاح الرجال ولا ينقصن عنهم شجاعة وإقداماً وصبراً على المشقات ويقول الرحالون إن النساء يتدربن على فنون القتال فينشأن شديدات القوى وقد أكسبتهن ممارسة الحروب بطشاً لا يتصف به سوى شجعان المقاتلة. ويقول تاسيت إن جيوش البربتونيين القدماء كانت تزحف إلى القتال والنساء في طليعتها ويقول مومسن بمثل ذلك عن الإيبريين فقد كانت نساؤهم يفتتحن الحصون ويقتلن زرافات في الهجوم. وأكد جماعة من السياح أن النساء الأمازونيات القاطنات على ضفاف نهر الأمازون يشاركن الرجال في القتال ويغتذين بلحم البشر ويقص آخرون مثل ذلك عن نساء المركيتس والكواي موراس. وذكر ارفن أن نساء الانتيل يتمرسن بالفنون الحربية حتى يضارعن الرجال ولقد قاسى كولمبس الأمرين من بأس نساء الأمازون الهنديات وفي أميركا الجنوبية يتناقلون أخبار كثيرة عن وجود النساء المحاربات. وشاهد الرحالة تاتلي مقاتلة النساء في بلاط متزا ملك الأوغندا فعنده نساء من الأمازون يتقلدون الحراب الطويلة وتزحف نساء الغواتوتو الأفريقيات مع الرجال في الحرب. وفي الداهومي جيش من الأمازونيات مؤلف من صنفين أحدهما الصنف العامل وعدده ثلاثة آلاف والآخر المستحفظ يدعى في ابان الحاجة ويخضعن لنظامات حربية شديدة ويتمردن احتمال الجوع والعطش وغيرها من المشاق ويجبرون على مقاساة الآلام صابرات ويتميزن بالشجاعة والبأس فإذا أشار إليهن اقتحمن الأخطار وخضن الغمرات وقد شاهد أحد رؤساء المبشرين سنة ١٨٦١ مشهداً ملأه دهشة وإعجاباً فقد أمر الملك النساء الأمازونيات أن يقتحمن حواجز علوها متران وعرضها ستة أمتار وكانت الحواجز من النباتات الشائكة يؤلم لسعها فتهشمت سوق المقاتلات العارية غير أنهن ثبتن أي ثبات فتقدمت الفرقة الأولى وما زالت تجيد حتى أعيت فوقفن منهوكات يائسات ولكن الملك صاح بهن ونظر إليهن نظرة دفعت فيهن تياراً كهربائياً فعاودن الهجوم ببسالة نادرة حتى ظفرن بما أردن. وعند هياج البولونيين سنة ١٨٦٣ تزيت نساؤهم بزي الرجال وأبلين في المعارك بلاء حسناً فأصبحت شجاعتهن مضرب المثل وسارت بأحاديثهن الركبان وتفردت منهن الآنسة بوستافويثو بالبأس والجلد حتى أصبح لها مجد حربي لا يقل عن مجد أعاظم الرجال. إن صيد الحيوانات الكاسرة ليس أقل خطراً من خوض المعارك ونساء التتر الصينيات يصحبن أزواجهن في صيدها ونساء الروس والبولونيين يشاركن بعولتهن في صيد الدببة والذئاب والخنازير البرية غير عابئات بما في ذلك من المهالك. ولا يسع الباحثين بعد ذلك إلا أن يسلموا معنا باستطاعة النساء القتال ولا سيما في الحروب الحاضرة وقد أصبح معظم الاعتماد فيها على الحذر والتيقظ والحكمة ففي وسع المرأة أن تشارك الرجل في الدفاع الوطني ولا تقل عنه جلداً وإقداماً لولا أن ذلك يعوقها عن واجباتها المنزلية وإنجاز وظيفة الأم. قابلية الانفعال بين الجنسين كتبت ألوف من الجلدات في بسيكولوجية المرأة تراوحت بين الإغراق في تعظيم الشهيدة الأبدية وامتهان عدوة الرجل القديمة ولم ينتبه مؤلفوها أنهم رسموا خطوطاً لصورة المرأة في عصرٍ أو عصورٍ سالفة وأغفلوا وصف امرأة اليوم والغد فرماها بعضهم بكل شائنة وقال الآخر أنها أدق إحساساً وأرق شعوراً من الرجل وممن ذهب هذا المذهب الفيلسوف أوغست كونت فقال: تؤثر المؤثرات الطبيعية في المرأة بسهولة وشدة وقد برهن على ذلك علمنا نفر من الكتاب وترى انفعالها واضحاً في جميع الصروف فإنها تقطب جبينها وتغضب وتحتقر ويؤلمها الاضطراب وتنقاد لعواطفها فهي في ذلك أقرب إلى الطفل منها إلى الرجل وسرعة التأثر في المرأة تجعلها طوراً أرق وطوراً أقسى من الرجل ثم أن الفواعل يزول أثرها عن نفسه لأنه عرضة لمختلفاتها فالحزن يعقب السرور والبشر يتلو الأسى كما تتوالى السحب في السماء ولكن طبيعة المرأة الساكتة إذا لامستها الفواعل تركت فيها أثراً يصعب زواله فترى عواطف الحب والبغض والرحمة والقسوة أرسخ في المرأة مما في الرجل. على أننا نرى الرجل في بعض أطواره لا يقل عن المرأة في الاستسلام للعواطف ويرجع ذلك إلى أحوال البيئة والأخلاق الشخصية لا الجنسية. الحب ريحان حياة الرجل غير أنه حياة المرأة ذاتها ولكن ألا تفعل العواطف في الرجل فعلها في المرأة؟ قال لاكوردير في كتاب بعث به إلى إحدى صديقاته: يخطئ مني قول أن الرجل يعيش بالعقل والمرأة بالعواطف فالرجال يجبون أيضاً بالعواطف إلا أنها راقية تنزل لديكن منزلة العقل. وبعض علماء النفس ينكرون على المرأة هذه المزية ويعزون إليها نقصاً بيناً في شواعرها كافة ويصفونها بتطرف يسير إلى قمة المجد أو يهبط بها إلى دركات الشنار فهي مفرطة في الحالين والأنانية والغيرية على أشدهما عند المرأة لأن فطرتها الثائرة ترمي بها إلى الغايتين المتناقضتين. وخالف هؤلاء نفراً ادعوا أنها ولعة بالاعتدال محمولة عليه بما لها من سكون الطبع ثابتة في أعمالها وأفكارها تقاوم الفواعل التي ربما أخرجتها عن بيئتها فقضاتها الأولون ينكرون عليها حق الحكم لأنها تطاوع في ذلك عواطفها وحماستها الخرقاء. ويوافقهم الآخرون على هذا الرأي مستندين في ذلك على مقدمات أخرى فهم يقولون أن إخلاد المرأة للسكون يبطل كل ارتقاء اجتماعي. تلك هي آراؤهم المختلفة باختلاف وجهة النظر تنبئك أن هذه الخواص ليست جنسية وإنما هي شخصية وإذا عاش الرجل في بيئة تشبه بيئة المرأة لا يلبث أن يتخلق بهذه الأخلاق لأن قابلية التأثر لا حد لها وهذه الصفات إنما هي نتيجة أحوال المحيط. ذكر هربرت سبنسر أن المرأة تفوق الرجل قسوة في البلاد التي يمثل أهلوها بالأسرى وقبيلة الداكوتاس تدفع الشيخ إلى النساء يتلذذن بتعذيبه ويقول ماكسيم دي كاسب أن النساء أثناء ثورة الكومون فقن الرجال فظاعة وشراسة. ومع عتاطفة القسوة يتلألأ الحنان الأنثوي فقد عطفت نساء البرابرة على الرحالين وأظهرن لهم ضروب اللطف والرقة واتفق على ذلك مشاهير الجوابين كستانلي ولفنستون وغيرهما. والباحث المنصف يجد للنساء مواقف مشهودة في الأخطار وعوارف محمودة في تسكين ثورة الرجل فدخول بعضهن في صفوف الثوار لا ينسينا بنات جنسهن ممن يعين السكينة في النفوس فحفظ لهن التاريخ صفحات مجيدة. المرأة والديانة رقة شعور المرأة جعلتها متدينة في جميع العصور والشعوب وهي أسرع تلبية لدعاة المذاهب فيجد هؤلاء بين النساء مؤمنات مخلصات كان لهن في ثبات الديانات ونشرها تأثير شديد. خضوع المرأة المستديم لسلطة الرجل سهل عليها الاعتقاد بعناية إلهية غامضة فهي لا تزال تقارع أنواع المشاق في الماس مصدر الرحمة الأزلي وينبوع السلام الأبدي وأدى بها ذلك إلى الاعتقاد بتفوق كل من يسودها وكيف لا تعتقد بإله أعلى وهي تتوقع منه المكافأة عل ما تتجسمه من المصاعب في هذا العالم فهي مسوقة إلى التدين لا عن ميل فقط بل عن حاجة وتربيتها الاتكالية زادتها اعتصاماً بالإيمان لأنه يقول بإله قادر يحييها ويرعاها. وهي لا تشعر بخوف الله فقط بل تشغف بحبه وتبتهل إليه في النوازل الشداد فيخترق الظلمات المطيفة بها نور رجاء ينضر به عيشها وكلما قلت مطالبها في الحياة زادت استمساكاً بحبل الدين وكثيراً ما تنتابها اضطرابات دينية تذهل صوابها. ولا يجوز لنا الإغضاء عن أن الرجل هوة الذي أوجد في المرأة تلك الفطرة ودعا إلى الدين فأجابته مذعنة شأنها في الخضوع لما تعتقد به العظمة والتفوق من أفواه الإخبار مبادئ وتستعذب سلطته لأنه يمنحها غبطة دائمة ويمني آمالها بحياة مستقيلة تمحو جميع آلامها الحاضرة فلم يخطر لها قط أن ترغب عن ذلك الجمال الفتان والأمل المتلألئ. وعلينا أن نفرق بين الديانة والتدين فشعور الرجل بالدين يختلف عن شعور المرأة بذلك الدين وبين التقي والتقية والأخ والأخت أتباع المذهب الواحد اختلاف جنسي في الإيمان وتلازم العجائز المعابد واجدات في الصلاة غبطة ونعيماً وهن في ذلك أقرب إلى الرجال الطاعنين في السن منهن إلى أخواتهن في ريعان الصبا وكلما تعمق الباحثون في درس هذه العاطفة عند المرأة وجدوها منبعثة عن المركز الذي تشغله في المجتمع الحاضر فهي أقوى استمساكاً بحبل الدين وأشد خضوعاً للعقائد والأفكار. صفات للمرأة أفادتها إياها حالتها الاجتماعية والأدبية وتلك العاطفة الدينية ليست سوى نتيجة أعمال الرجل في ألوف من السنين. هل المرأة أرقى شعوراً من الرجل منذ خمسين سنة قام جدال بين علماء النفس على انحطاط إحساس المرأة فذهب لومبروزو وتلامذته إلى ضعف شعورها وخالفه في رأيه مانتكيزا ومن تابعه وينطوي في هذين المبدأين العامين نظريات ثانوية لا تكاد تحصى وإنما تنشا عن اقتصار الباحثين على بعض الموضوعات المحدودة وأوسع مجال الاختلاف أن التجارب أنجزت في ممالك مختلفة ومما لا ريب فيه أن للبيئة وطراز المعيشة تأثيراً في الشعور فالبرابرة أقل شعوراً بالألم من المتمدنين وهؤلاء متفاوتون أيضاً في شعورهم فإن أبناء الطبقات العالية المترفين ممن ألفوا الرفاهية أناقة العيش يشعرون بالألم فوق شعور المزارعين ومتى علمنا ذلك لم يسعنا أن نعزو التفاوت في الشعور إلى الجنسية بل إلى أحوال الحياة التي تفرق بين الجنسين. قلنا أن بين العلماء اختلافاً كبيراً على ارتقاء حواس المرأة وانحطاطها وقد استشهد القائلون بانحطاطها على زعمهم بأنها لا تستطيع التمييز بين أنواع الخمور المختلفة وذلك يشير إلى ضعف حاسة الذوق ويقولون مثل هذا في سائر حواسها فيفند المعارضون حججهم قائلين إنما أعجز المرأة التمييز بين صنوف الخمر لأنها لا تدمنها كالرجال والمدمنات منهن يضارعن في ذلك أرقى الرجال. أما شدة إحساسها بالألم فيفسر كثرة الآلام التي تنتابها ويقول مانتكيزا أن شعورها به أضعاف شعور الرجل ويذهب سرجا إلى ما يناقض ذلك فيقول أن المرأة سريعة الانفعال كالطفل فتذري العبرات عند أقل طارئ وتبدو عل منحياها علائم الألم غير أن مظاهر الألم ليست هي ذاته وللتربية ونسق الحياة شأن خطير في الشعور فإن النساء الكثيرات الامتزاج بالرجال اللواتي يمارسن حياة العمل يصبح دمعهن عصياً فيجلدن على احتمال المصائب والأوجاع ويتصلبن على لقاء الخطوب ويقول لومبروزو إن ضعف حواس المرأة نعمة كبرى على المجتمع إذ يسهل عليهن تحمل آلام الحمل والوضع. سبب الانفعال نعود في ذلك إلى آراء الفسيولوجيين فقد برهنوا أن لنسق معيشة المرأة أثراً في جسمها ونفسها لأن حياتها المنزلية واقتصارها على إنجاز الواجبات العائلية قلل من مناعة جسمها وخفض من مضائها ونشاطها وقال بان تنمو العواطف الرقيقة حيث يضعف النشاط على أن سرعة الانفعال لا تعود إلى تركيبها العضلي بل تعزى إلى فقر الدم الناشئ عن قلة التمرين فالنساء العاملات أقل تعرضاً للانفعالات التي تنكد عيش غيرهن من النساء وقد قال أحد الباحثين أن امرأة العصور القديمة تختلف كل الاختلاف عن امرأة اليوم. ولا ريب في أن دخول النساء في الحياة العامة وأساليب تهذيبهن التي تبدلت كان لها أشد أثر عل حياتهن المعنوية فكلما تحكمت المرأة بالرجل فقدت صفاتها الأنثوية فهل يأتي يوم تضمحل فيه خواصها المميزة؟ إن ذلك بعيد الاحتمال. استبحار العمران وانتشار التمدن يخففان من ألم المرأة الناتج عن الأمومة فهل يرجى أن يقويا على هاتيك الأوجاع حتى يلاشياها؟ والذي نراه أن الأمومة كان وسيكون لها إلى الأبد شأن. الحب والجمال المعنوي -. إن ما تخسره المرأة مادياً تربحه معنوياً وهذه الأمومة تكبدها آلام لا تطاق إلا أنها تحبوها أرقى الصفات التي يمتاز بها الجنس البشري وهي الحب والحنان فالمرأة في سهرها الدائم على طفلها وعنايتها به يرتقي شعورها بالمحبة والعطف. وفي حب الأمهات تسطع أسمى عاطفة في الوجود ويزدهر رجاء لا حد له لقربه عين الإنسانية وينفجر ينبوع هذا الحب في كل مكان فيرسم على كياننا آثاراً لا تمحى. ولا يضمحل حب المرأة إلا بانقراض آخر رجل فارتباطها بوجودنا يحملها على حفظ العهود وصيانة المواثيق ويحق للمرأة أن تفاخر بوظيفتها الاجتماعية فإن الأمومة هي مصدر الفضائل والمحبة الغيرية التي يحيا بها المجتمع الإنساني وهذا الحب الشديد الذي يفصل بينها وبين الرجل ليس إلا ليبوأها في الحياة الاجتماعية مكانة أسمى من مكانته إذا أعيا تكافل الجنسين دون مساواتهما في العظمة واشتراكهما في مقاساة الآلام. كذب المرأة تنمو على شجرة حياء المرأة في أحوالها المختلفة فروع تخيل للرائي أنها المميزات الفارقة بين الجنسين وكثيراً ما يمر بها المفكرون غير محتفلين بالأسباب الطارئة التي جعلت بعضها نضيراً زاهراً يستهوي العيون مرآه والآخر ذاوياً جافاً ينبو عنه البصر على أننا إذا بدلنا بيئة الشجرة تلاشت الفروع الذابلة ولو أحاطت بالمرأة صروف الرجل لكان لها فضائله ورذائله. وما وجدنا أعجز من رأي من يأخذ على المرأة اعتلاقها بأسباب الرياء وهي سلاح الضعفاء في النزاع الحيوي ولا بد لنا من كلام يزيد القضية وضوحاً ونحن نرى علماء النفس على اتفاق في هذا الحكم الذي يشمل المجتمعات الإنسانية من أرقاها إلى أدناها فإذا قضي على الضعيف أن ينازع القوي مال إلى المراوغة والكذب وذلك شأن المرأة فكلما تحرج موقفها لجأت إلى الإفك والبهتان ذوداً عن نفسها ويقول سبنسر: إن الكذب يرافق كل حالة اجتماعية قائمة على دعامتي القوة والخوف قوة السائدين وخوف المسودين قوة واقتداراً غير أن الفلاسفة والمتشرعين وعلماء النفس والشعراء والقصصين أغضوا عن مصدر الشر وجعلوا الكذب صفة غريزية في المرأة ومشى على هذا المذهب الشارعون فحرموا المرأة حق الشهادة زاعمين أنها أقل صدقاً من الرجل فأدى ذلك إلى استطرادها في هذا السبيل وما كان ذلك إلا ليزيد تعاسة الرجل فشقاؤه ورياؤها متلازمان والآلام التي يكبدها إياها تفسد نظام حياته العائلية فالمرأة عنصر ينحل في حياة الرجل وفي وسعه أن يظهر ذلك العنصر أو يفسده. نفث في روعها على أنه لم تخلق إلا لإرضائه فتوسلت إلى هذه الغاية بوسائل مهلكة واضطرت أن تتصنع بتستر الطوارئ التي تلم بها فتذهب بروعة جمالها ومالت إلى استغوائه فتزينت وتبرجت وتخيرت جملاً عذبة تسردها من غير شعور وزاغ بها هذا التصنع عن طبيعتها وأكسبها صفات مستنكرة حتى سهل عليها بتوالي الأزمان كتم عواطفها والتظاهر بما لا تحس به فأصبحت تصرخ إذا مستها شوكة وتتمالك ذا استغرق الألم وجودها والتمست من الرجل أن يحميها لأنها رأته يميل إلى المرأة الضعيفة. ثم أضعفت فيها ملكة النقد والتمييز بإهمال تثقيفها فأصبحت تنظر إلى المحسوسات نظراً مزوَّراً وتفسرها على غير حقيقتها ولم يشعر الرجل إلا والمرأة قد تبدلت فبات ينكر الصفات التي أفادها إياها وما زال الإفك يعبث كل العبث في المجتمع حتى أصبح دعامة الحياة العامة. كذب الرجل لا ننكر أن المرأة أشد رياء من الرجل غير أنه ليس بفاقد هذه الصفة وإنما الفرق في الكمية لا في الكيفية وقد تكذب المرأة وتداجي فلا تجر مداجاتها على الهيئة الاجتماعية ما يجره بهتان الرجل من الويلات فمما يسمم وجودنا من الشواعر الكاذبة ويباعد بيننا وبين الغبطة يظهر لا بين الأفراد فقط بل بين الأجناس والشعوب وما السلم المسلح سوى أكذوبة هائلة نفذت إلى جميع الضمائر فمن التهذيب العام والخاص وعلاقات الطبقات الاجتماعية ومبادئ الحكومات والعدل وتحديد حقوق الوطنيين وواجباتهم تتولد تلك الآفة الهائلة فتفسد البيئة التي نعيش فيها وهذه العواطف غدت وسيلة الخداع والوطنية مدرجة المنافع الذاتية والتزوير عنصراً جوهرياً للحياة فالسلطة الفردية تستعين بالقول أن حق الملك من حق الله والديمقراطيون ينادون بوجوب المساواة وكلا الفريقين نازع إلى القبض على السلطة ولم يكتف مدعو الزعامة بإدخال السم في الحياة العامة حتى جاهروا بذلك غير خجلين وقد افترت الإنسانية على الديانات والأدبيات فبينا ترى التعاليم الدينية تقضي علينا بمحبة القريب نجد المتدينين يتنازعون ويتقارعون والشعوب تتطاحن في مضمار الجهاد. والصنائع من أرقاها إلى أدناها مدعومة بالإفك والتزوير وهؤلاء السياسيون يأتون ضروب الغش والرياء ويرتقون المناصب على سلم من المواعيد التي يستحيل تحقيقها وكلما قام مصلح لمناهضة البهتان رموه بضعف الوطنية وكل ذلك من عمل الرجل. وحسبنا بما نقدم عليه دليلاً على مبلغ الرجل من الإفك ممات حمل المرأة في دورها على اقتفاء آثاره مسوقة بضعفها الطبيعي وعجز منتها فاقتصرت على الأكاذيب البسيطة وأفرط رفيقها في البهتان. يستحب الرجل في شريكه حياته الرقة والخضوع شأن كل كائن قوي فيزينها في عينه وداعة الورقاء ويحببه إليها القوة والرجولية ومهما بلغ من أخلاقه فالمرأة مدفوعة إلى مجاراته على أهوائه احتفاظاً بمحبته وصيانة للنوع الإنساني فلم يكفها في ذلك جمالها ورقتها بل سعت إلى استرضائه فغالبت فطرتها توسلاً إلى بلوغ هذه الغاية وما وقفت عند حد التبهرج والدل بل اتخذت مظهراً معنوياً ملائماً لميوله. فتأصل حب الاسترضاء في نفسها حتى غدا لها طبيعة ثانية وأثرت فيها الوراثة والانتخاب الطبيعي حتى حسبت إرضاء الرجل الغاية الكبرى من حياتها وارتاح الرجل إلى تلك المظاهر مأخوذاً بما فيها من الروائع الخلابة فألهته رياء الزهر عما فيه من السم الزعاف واستنفذت المرأة مجهودها في استمالته ولو شوهت تكوينها المعنوي فأًبحت كثيرة المجاملة قديرة على كتمان عواطفها تتظاهر بالابتسام والعاصفة تثور في داخلها لتلقي على نفسها ستاراً وخادعت شريكها بقولها وحركاتها وابتساماتها فبرهن ذلك على أنه لم تخسر طبيعتها الإنسانية في عصور العبودية والرق فهي تأفك لتحفظ مزيتها الإنسانية مما يدل على ثباتها وصلابتها ومقاومتها لما سامها الرجل من الحيف والضغط. تعاقبت القرون وتأثير الأحوال الخاصة يعمل في نفس المرأة حتى جعل لها سمة خاصة فطوت في إرضاء الرجل جميع غايات حياتها الدنيوية غير عابئة بما يسومها من ضعف فضيلتها ولكن مرونة النفس البشرية لا نهاية لها وفيها استعداد تام للرقي المعنوي فلما زالت الصروف التي تبدل من وجدانها نشطت للحرية واستعادت ما فقدته من المواهب وخرجت الشعوب المنحطة من بيئتها المظلمة لتضارع أرقى الشعوب مدنية ويكفي لمحو تأثير عشرين قرناً عقبان أو ثلاثة أعقاب فهذه قبائل الماوريس منذ قرن واحد ساردة في ظلمات الجهل فما فتح لها باب المدنية حتى ضربت فيها بسهم وافر ونساؤها اليوم لسن دون النساء الإنكليزيات وزنوج الولايات المتحدة عدوا منذ مائة عام بين أحط الشعوب الأفريقية وقد بلغوا اليوم شأواً بعيداً في الحضارة وشغلوا مركزاً رفيعاً في عالمي الاقتصاد والاجتماع. وكان يحق لنا اليأس من المستقبل أو أن الإنسان استطرق في سبيل الأسلاف وأضاف إلى النقائص الموروثة ما تنتجه العصور بتواليها غير أن النفس مرنة ومرونتها تنعش الرجاء بالمستقبل والمرأة في ذلك على مستوى الرجل فيتبدل تهذيبها ومركزها الاجتماعي تستعيد الصدق إحدى صفات السادة واهجر الرياء وهو تركه عصور العبودية وعلى هذا المنوال يتغير مجموع الصفات الأنثوية لأن نفوسنا تتكيف على ما يلائم شروط البيئة فلم يخلق الرجل ولا المرأة كاذبين أو صادقين فإذا مازج البهتان حياتنا لم يكن إلا عقبى الصلات التي ربطت الجنسين. بعض الميزات تنبهت في المرأة خاصتا الفهم والملاحظة لتستكشف مقاصد الرجل وتعمل على بلوغها فاكتسبت من بيئتها فضائل خاصة كما استفادت نقائص خاصة وأصبحت قادرة على التخلص من المأزق والنظر في أعماق الرجل لمعرفة مظان الضعف فيها فعرفت كيف تلطف بكلماتها العذبة آلامنا وتهيج أشواقنا وأصبحت مداهنتها أوضح أثراً وأشد فعلاً واستطاعت لنقص شخصيتها أن تمتزج بشخصية الرجل إذ لا يمنعنا من الانقياد إلى الغير سوى وثوقنا بالقوة واعتمادنا على الذات أما المرأة ففقدت هاتين الخاصتين واستغرقت في حياة الرجل وأصبحت العنصر الجوهري لسعادتنا وشقائنا. ثم أن نفسها الساكنة جعلتها أيسر انفعالاً فحبها وبغضها وإعجابها فوق ما يشعر به الرجل على أن الأيام لا بد أن تخفف من هذه العواطف. مالت المرأة إلى الوهم ذلك الشعور المبهم العقيم ووجدت من تهذيبها ما تنزع بها هذا المنزع فولعت بقراءة الروايات وشغلت جل أفكارها في الحب لأنها تحيا لتحب وعكفت على مطالعة الأقاصيص الغرامية فأصبحت لها كالحب مصدر عواطف لا ينضب غير أن انصرافها إلى القصص أضعف فيها ملكة الذكاء. التصورات الحبية مال الرجل في دوره إلى الغرام وما وجد أجمل من حديثه وقعاً في نفس المرأة فأصبح للحكايات الخيالية الشأن الأكبر في حياتنا وهي غير جديرة بالنظر وغدا القصصيون من رجال ونساء قادة الإنسانية يضعون دعائم مستقبلها واشتغل الناس بالأوهام والأحلام عن الحقائق الثابتة ولعل مؤرخاً ينشأ في القرن الثلاثين ينظر إلى ولوعنا بالخيال هازئاً بما ندعيه من الرقي العقلي وربما أوقفنا في مستوى المصريين القدماء الذين عبدوا الكوائن المنحطة فلا يبعد عن الحقيقة وها نحن ذا نرى المرأة مشغوفة بالروايات مستميلة إليها الرجل وقد استغرق الحب وجودهما وقربا على مذبحه أعظم الضحايا. حياة المرأة الضيقة الحدود القللية الواجبات جعلتها تتألم لأدنى مظاهر الحياة ومتى رأينا شدة حب المرأة وكرهها حكمنا أن العاطفتين أقوى فيها مما هي في الرجل والشجرة المنفردة في عرض البر تخيل للرائي أنها أكبر مما هي. أثبت الباحثون أن وجوه الشبه بين نفس المرأة والطفل أوفر مما هي بين نفسي المرأة الطفل والرجل وقد يفوق الرجل في بعض المزايا وينحط عنه في غيرها شأن المرأة فمركزها التاريخي عند جميع الشعوب أكسبها بعض الصفات الفاضلة وأفقدها أكثر منها. أطاعت الرجل وأصبحت مصدر أفراحه ومسراته فلم تقو على مضارعته في الفكر واقتبست خواص تقربها من الولد حتى وصفها بعضهم بقوله أنها رجل غير كامل إلا أنها تستطيع في دورها أن تعزو إلى الرجل ذلك اللقب ولقد يكون الطفل في حالة نموه أحد ذهناً وأوفر ذكاءً من الرجل إذا تراجع في سلم النشوء وهو على الإطلاق أطهر منه قلباً وأقل اهتماماً. الارتقاء العقلي لا يجري على خط مستقيم فينهض بنا طوراً إلى أعلى الذرى ويحطنا تارة إلى أعمق المهاوي وهذه المميزات التي تفصل بين الرجل والمرأة ليست سوى نتيجة عوارض طارئة تزول بزوالها ومهما يكن من موقف المرأة إزاء الرجل فهو أثر من آثار المركز الذي وجدت فيه خلال عصور متوالية فهي كما وصفوها رجل ناقص لأنها امرأة غير كاملة ومما يعزينا أنها لم تخسر في عصور العبودية ذرة من القوة العضوية فيعجزها فقدانها عن استعادة مركزها وأقل تغيير في شروط حياتها العقلية والخلقية يمكنها من استرجاع الصفات التي أضاعتها. إن نجاح المرأة في عصرنا الحاضر ينعش في نفوسنا آمالاً ناضرة وبما أن ارتقاء الرجل قائم بارتقاء المرأة يحق لنا الوثوق بمستقبل الإنسانية الزاهر. معرباً بتصرف من مقالة لجان فينو في المجلة الباريزية. ابن زيدون (المقتبس م) ص ٤٤٩ و ٤٨٦ و ٤٨٤ وابن جهور هذه رسالة ذي الوزارتين أبي الوليد أحمد بن عبد الله بن زيد المخرومي الأندلسي القرطبي ( ٣٥٤ - ٤٦٣ ) كتب بها إلى رئيسه أبي الوليد بن جهور من ملوك الطوائف بالأندلس توفي عام ( ٤٤٣ ) يستعطفه بها لما كان في اعتقاله.  يا مولاي وسيدي الذي ودادي له واعتمادي عليه واعتدادي به ومن أبقاه الله ماضي حد العزم واري زند الأمل ثابت عهد النعمة. إذا سلبتني أعزك الله لباس أنعامك وعطلتني من أحلى إيناسك وأظمأني إلى برود إسعافك ونفضت بي كف حياطتك وغضضت عني طرف حمايتك بعد أن نظر الأعمى إلى تأميلي لك وسمع الأصم ثنائي عليك وأحس الجماد باستنادي إليك فلا غرو فقد يغص الماءُ شاربه ويقتل الدواء المستشفي به ويؤتى الحذر من مأمنه وتكون منيته التمني في أمنيته والحين قد يسبق جهد الحريص. كل المصائب قد تمر على الفتى وتهون غير شماتة الحساد وإني لأتجلد وأرى الشامتين إني لريب الدهر لا أتضعضع. فأقول: هل أنا إلا يد أدماها سوارها وجبين عض به إكليله وشرفي الصفة بالأرض صاقله وسمهري عرضه على النار مثقفه وعبد ذهب به سيده مذهب الذي يقول: فقسا ليزدجروا ومن يك حازماً فليقس أحياناً على من يرحم هذا العتب محمود عواقبه وهذه النبوة غمرة ثم تنجلي وهذه النكبة سحابة صيف عن قليل تقشع. ولن يريبني من سيدي أن أبطأ سحابه أو تأخر غير ضنين غناؤه فأبطأ الدلاء فيضاً أملأوها وأثقل السحب مشياً أحفلها وأنفع الحيا ما صادف جدباً وألذ الشراب أصاب غليلاً ومع اليوم غد ولكل أجل كتاب. له الحمد على اهتباله ولا عتب عليه في إغفاله. وان يكن الفعل الذي ساء واحداً فأفعاله اللاتي سررن ألوف وأعود فأقول: ما هذا الذنب الذي لم يسعه عفوك والجهل الذي لم يأت من ورائه حلمك والتطاول الذي لم يستغرقه تطولك والتحامل الذي لم يف به احتمالك. لا أخلو من أن أكون بريئاً فأين عدلك أو مسيئاً فأين فضلك. ألا يكن ذنب فعدلك واسع أو كان لي ذنب ففضلك أوسع  حنانيك قد بلغ السيل الزبى ونالني ما حسبي به وكفى وما أراني إلا لو أمرت بالسجود لآدم فأبيت واستكبرت وقال لي نوح اركب معنا فقلت سآوي إلى جبل يعصمني من الماء وأمرت ببناء صرح لعلي أطلع إلى إله موسى وعكفت على العجل واعتديت في السبت وتعاطيت فعقرت وشربت من النهر الذي أبتلي به جيوش طالوت وقدت الفيل لأبرهة وعاهدت قريشاً على ما في الصحيفة وتأولت في بيعة العقبة ونفرت إلى العير ببدر وانخذلت بثلث الناس يوم أحد وتخلفت عن صلاة العصر في بني قريظة وجئت بالإفك على عائشة الصديقة وأنفقت من إمارة أسامة وزعمت أن خلافة أبي بكر كانت فلتة ورويت رمحي من كتيبة خالد ومزقت الأديم الذي باركت يد الله عليه وضحيت بالأشمط الذي عنوان السجود به وبذلت لقطام: ثلاثة آلاف وعبد وقينة وضرب علي بالجسام المصمم وكتبت إلى عمرو بن سعدان جعجع بالحسين وتمثلت عندما بلغني من وقعة الحرة: ليت أشياخي ببدرٍ علموا جزع الخزرج من وقع الأسل ورجمت الكعبة وصليت العائذ على الثنية لكان فيما جرى على ما يحتمل أن يكون نكالاً ويدعى ولو على المجاز عقاباً. وحسبك من حادثٍ بامرئٍ ترى حاسديه له راحمينا فكيف ولا ذنب إلا نميمة أهداها كاشح ونبأ جاء به فاسق وهم الهمازون المشاؤون بنميم والواشون الذين لا يلبثون أن يصدعوا العصا والغواة الذين لا يتركون أديماً صحيحاً والسعاة الذين ذكرهم الأحنف بن قيس فقال: ما ظنك بقوم الصدق محمود منهم إلا: حلفت فلم أترك لنفسك ريبة وليس وراء الله للمرء مذهب. والله ما غششتك بعد النصيحة. ولا انحرفت عنك بعد الصاغية ولا نصبت لك بعد التشيع فيك ولا أزمعت يأساً منك مع ضمان تكلفت به الثقة عنك وعهد أخذ حسن الظن بك ففيم عبث الجفاء بأزمتي وعاث العقوق في مواتي وتمكن الضياع من وسائلي ولم ضاقت مذاهبي وأكدت مطالبي وعلام رضيت من المركب بالتعليق بل من الغنيمة بالإياب وإني غلبني المغلب وفخر علي العاجز الضعيف ولطمتني غير ذات سوار ومالك لم تمنع مني قبل أن أفترس وتدركني ولما أمزق أم كيف لا تنصرم جوائح إلا كفاء حسداً لي على الخصوص بك وتنقطع أنفاس النظراء منافسة في الكرامة عليك وقد زانني اسم خدمتك وزهاني وسم نعمتك وأبليت البلاء الجميل في سماطك وقمت المقام المحمود في بساطك. ألست الموالي فيك غر قصائدي هي الأنجم اقتادت مع الليل أنجما ثناءٌ يخال الروض منه منوراً ضحى ويخال الوشي فيه منمنما وهل لبس الصباح إلا برداً طرزته بفضائلك وتقلدت الجوزاء إلا عقداً فصلته بمآثرك واستملى الربيع إلا ثناء ملأته من محاسنك وبث المسك إلا حديثاً أذعته في محامدك ما يوم حليمة بسر وإن كنت لم أكسك سليباً ولا حليتك عطلاً ولا وسمتك غفلاً بل وجدت آجرَّاً وحصى فبنيت ومكان القول ذا سعة فقلت وحاشا لك أن أعد من العاملة الناصبة وأكون كالذبالة المنصوبة تضيء للناس وهي تحترق فلك المثل الأعلى وهو بي وبك أولى ولعمرك ما جهلت أن صريح الرأي أن أتحول إذا بلغتني الشمس ونبا بي المنزل وأصفح عن المطامع التي تقطع أعناق الرجال فلا استوطئ العجز ولا أطمئن إلى الغرور ومن الأمثال المضروبة خامري أم عامر وإني مع المعرفة بان الجلاء. . . والنقلة مثله. ومن يغترب عن قومه لم يزل يرى مصارع مظلوم مجراً ومسبحا وتدفن منه الصالحات وإن يسئ بكن ما أساء النار في رأس كبكبا عارف بأن الأدب الوطن لا يخشى فراقه والخليط لا يتوقع زياله والنسيب لا يجفى والجمال لا يخفى ثم ما قران السعد للكواكب أبهى أثراً ولا أسنى خطراً من اقتران غنى النفس به وانتظامها نسق معه فإن الحائز لهما الضارب بسهم فيها وقليل ما هم أينما توجه ورد منهل بروحط في جناب قبول وضوحك قبل إنزال رحله وأعطي حكم الصبي على أهله. وقيل له أهلاً وسهلاً ومرحباً فهذا مبيت صالح ومقيل غير أن الوطن محبوب والمنشأ مألوف واللبيب يحن إلى وطنه حنين النجيب إلى عطته والكريم لا يجفو أرضاً فيها قوابله ولا ينسى بلداً فيها مراضعه قال الأول: أحب بلاد الله ما بين منعحج إليّ وسلمى أن يصوب سحابها بلاد بها عق الشباب تمائمي وأول أرض مس جلدي ترابها هذا ال مغالاتي بعقد جوارك ومنافستي بلحظة من قربك واعتقادي أن الطمع في نيزك طبعك والغنى من سواك عنا والبدل منك أعور والعوض لنا. وإذا نظرت إلى أميري زادني ضناً به نظري إلى الأمراء كل الصيد في جوف الفرا وفي كل شجر نارا واستمجد المرخ والعفار فما هذه البراءة ممن يتولاك والميل عمن لا يميل عك وهلا كان هواك فيمن هواه فيك ورضاك فيمن رضاه لك. يا من يعز علينا أن نفارقهم وجداننا كل شيء بعدكم عدم أعيذك ونفسي من أن أشيم خلباً واستمطر جهاماً وأكرم من غير مكرم وأشكو شكوى الجريح إلى العقباء والرخم فما أبسست لك إلا لتدر وحركت لك الحوار إلا لتحن ونبهتك إلا لأنام وسريت إليك إلا لأحمد السرى لديك وإنك إن سنيت عقد أمري تيسر ومتى أعذرت في فك أسري لم يتعذر وعلمك محيط بأن المعروف ثمرة النعمة والشفاعة زكاة المروءة وفضل الجاه تعود به صدقة. وإذا امرؤ أهدى إليك صنيعة من جاهه فكأنها من ماله لعلي ألقي العصي بذراك وتستقر بي النوى في ظلك وأستأنف التأديب بأدبك والاحتمال على مذهبك فلا أجد للحاسد مجال لحظة ولا أدع للقادح مساغ لفظة والله ميسرك من أطلابي بهذه الطلبة وأشكاي من هذه الشكوى بصنيعة يصيب منها مكان المصنع وتستودعها أحفظ مستودع حسبما أنت خليق له وأنا منك حريٌ به وذلك بيده وهين عليه. ولما توالت غرور هذا النثر واتسقت درره فهز عطف غلوائه وجر ذيل خيلائه عارضه النظم مباهياً بل كايده مداهياً حين أشفق من أن يعطيك استعطافه وتميل بنفسك ألطافه فاستحسن العائدة منه واعتد بالفائدة له وما زال يستكد الذهن العليل والخاطر الكليل حتى زف إليك منه عروساً مجلوَّة في أثوابها منصوصة بحليها وملابسها. وبعد أن أورد القصيدة قال: هاكها أعزك الله ببسطها الأمل ويقبضها الخجل لها ذنب التقصير وحرمة الإخلاص فهب ذنباً لحرمة وأشفع نعمة بنعمة ليتأتى لك الإحسان من جهاته ويسلك إلى الفضل مني طرقاته. مخطوطات ومطبوعات تاريخ اليعقوبي مجلدان في ٩٤٠ صفحة طبع بمطبعة بريل في ليدن سنة ١٨٨٣ من جملة الكتب العربية الذي نشرها الأستاذ هوتسما أحد علماء المشرقيات هذا السفر النفيس لابن واضح من أهل القرن الثالث للهجرة وقد عني بطبعه عناية أخوانه المشتغلين بإحياء آثار الشرق الإسلامي فجاء وافياً بالمرام ساداً ثغرة مهمة في تاريخ الإسلام وقد وشحه باختلاف النسخ وشفعه بفهرس لأسماء الرجال وفهرس بأسماء البلدان التي ورد ذكرها في متن الكتاب ليتيسر الانتفاع به على الطالب في الحال. والنسخة التي ظفر بها الناشر ناقصة من أولها وفيها نقص من بعض فصولها لا يحول دون الانتفاع منها بدأ فيها المؤلف بذكر شيث بن آدم وبعد أن ذكر على عادة أكثر مؤرخي العرب تاريخ الأنبياء تتعرض للكلام على ملوك الإسرائيليين وملوك الموصل ونينوى وملوك بابل والهند واليونانيين والروم وفارس وملوك الجربي والصين ومصر من القبط والبربر والأفارقة والحبشة والسودان ومملكة البجة وملوك اليمن وملوك الشام وملوك الحيرة من اليمن وحرب كندة وأديان العرب وحكامهم وأزلامهم وشعرائهم وأسواقهم وبهذا ينتهي المجلد الأول ويبدأ المجلد الثاني بمولد الرسول عليه الصلاة والسلام وبتاريخ الإسلام وخلفائه إلى أيام أحمد المعتضد على الله بعبارة سهلة موجزة. وإليك مثالين من الكتاب تعرف بهما طريقة ابن واضع قال في أسواق العرب: كانت أسواق العرب عشرة أسواق يجتمعون بها في تجاراتهم ويجتمع فيها سائر الناس ويأمنون فيها على دمائهم وأموالهم فمنها دومة الجندل يقوم في شهر ربيع الأول ورؤساؤها غسان وكلب أيُّ الحيين غلب قام ثم المثقر بهجر يقوم سوقها في جمادى الأولى تقوم بها بنو تيم رهط المنذر بن ساوى ثم صحار يقوم في رجب في أول يوم من رجب ولا يحتاج فيها إلى خفارة ثم يرتحلون من صحار إلى ريا بعشرهم فيها الجلندي وآل الجلندي ثم سوق الشحر شحر مهرة فيقوم سوقها تحت ظل الجبل الذي عليه فرهود النبي ولم تكن بها خفارة وكانت سهرة تقوم بها ثم سوق عدن يقوم في أول يوم من شهر رمضان بعشرهم بها الأبناء ومنها كان يحمل الطيب إلى سائر الآفاق ثم سوق صنعاء يقوم في النصف من شهر رمضان بعشرهم بها الأبناء ثم سوق الرابية بحضرموت ولم يكن يصل إليها إلا بخفارة لأنها لم تكن أرض مملكة وكان من عز فيها بز وكانت كندة تخفر فيها ثم سوق عكاظ بابلي نجد يقوم في ذي القعدة وينزلها قريش وسائر العرب اأن أكثرها مضر وبها كانت مفاخرة العرب وحمالاتهم ومهادناتهم ثم سوق ذي المجاز وكانت تتحل من سوق عكاظ وسوق ذي المجاز إلى مكة لحجهم وكان في العرب قوم يستحلون المظالم إذا حضروا هذه الأسواق فسموا المحلين وكان فيهم من ينكر ذلك وينصب نفسه لنصرة المظلوم والمنع من سفك الدماء وارتكاب المنكر فيسمون الذادة المحرمين فأما المحلون فكانوا قبائل من بني أسد وطيء وبني بكر بن عبد مناة ابن كنانة وقوم من بني عامر بن صعصعة وأما الذادة المحرمون فكانوا من بني عمرو بن تيم وبني حنظلة بن زيد مناة وقوم من هذيل وقوم من بني شيبان وقوم من بني كلب بن وبرة فكان هؤلاء يلبسون السلاح لدفعهم عن الناس وكان العرب جميعاً بين هؤلاء تضع أسلحتها في الأشهر الحرم. . . وكانت العرب تحضر سوق عكاظ وعلى وجوهها البراقع فيقال أن أول عربي كشف قناعه ظريف بن غنم العنبري ففعلت العرب مثل فعله. أما المثال الثاني فنقتبس منه بعض الجمل فقط دلالة على حرية المؤلف ورداً على من يقول أن مؤرخي بني العباس اضطرتهم السياسة أن يحملوا على بني أمية إرضاء لبني هاشم مع أن أولئك المؤرخين من طعنوا الطعن المبرح بالعباسيين أنفسهم وهم معاصرون لهم كل ذلك بفضل الحرية التي تمتع بها العلم في القرون الأولى لبني العباس قال المؤلف بعد أن ذكر طرفاً من سيرة المتوكل على ما هي معروفة ومن قبض عليهم واستصفى أموالهم من عماله. وفي هذه السنة أمر المتوكل بلبس أهل الذمة الطيالسة العلية وركوبهم البغال والحمير بركب الخشب والسروج التي فيها الاكر ولا يركبون الخيل والبراذين وأن يصيروا على أبوابهم خشباً فيها صور الشياطين. وقال: وأمر المتوكل في هذا الوقت أن لا يستعان بأحد من أهل الذمة في شيء من عمل السلطان وأن تهدم الكنائس والبيع المحدثة ومنعوا من العمارة وكتب بذلك إلى الآفاق. ولعل ما دعا المتوكل إلى تشديد الوطأة على أهل الذمة الانتقام منهم عما كان يأتيه ملوك الروم من غزو الأطراف فقد ذكر ابن واضح في ترجمة المتوكل أيضاً أنه لما وجه عنبسة بن إسحاق الضبي لم يقم فيها إلا شهوراً حتى أناخت الروم على دمياط في خمسة وثمانين مركباً فقتلوا خلقاً من المسلمين وأحرقوا ألفاً وأربعمائة منزل وسبوا من المسلمات ألفاً وثمانمائة وعشرين امرأة ومن نساء القبط ألف امرأة ومن اليهود مائة امرأة وأخذ السلاح الذي كان بدمياط والسقط وتهارب الناس فغرق في البحر نحو ألفينيوأقاموا يومين وليلتين ثم انصرفوا. ومع هذا وجه طاغية الروم برسل وهدايا وكانت يسيرة فبعث إليه بأضعافها. وترى من خلال السطور أن المؤرخ يكاد يصرح بسوء حالة المتوكل خصوصاً في سخطه على بعض عماله وتعذيبهم ومما قال فيه: وبنى المتوكل قصوراً وأنفق عليها أموالاً عظاماً منها الشاه والعروش والشبذار والبديع والغريب والبرج وأنفق على البرج ألف ألف وسبعمائة ألف دينار. قال وعزم المتوكل على المسير إلى دمشق ووصف له برد هواها وكان محروراً فكتب إلى محمد بن أحمد بن مدبر يأمره باتخاذ القصور وإعداد المنازل وكتب في إصلاح الطرق وإقامة المنازل والمرافد وسار من سر من رأى يوم الاثنين لعشر بقين من ذي القعدة سنة ٢٤٣ ونزل دمشق يوم الأربعاء لثمانٍ بقين من صفر سنة ٣٤٤ فنزل تلك القصور فأقام ثمانية وثلثين يوماً وبلغه عن بعض الموالي من الأتراك أمر كرهه فشخص عن دمشق إلى العراق ولم يسافر في ولايته غير هذه السفرة إلا في نزهة ولم ير في سفرته هذه شيئاً ولا نظر في مصلحة أحد وأصابت الشام كله زلازل حتى ذهبت اللاذقية وجبلة ومات عالم من الناس حتى خرج الناس إلى الصحراء وأسلموا منازلهم وما فيها واتصل ذلك شهوراً من سنة ٢٤٥ وانتقل المتوكل إلى موضع يقال له الماحوزة على ثلثة فراسخ من قصر سر من رأى وبنى هناك مدينة سماها الجعفرية وحفر فيها نهراً من القاطول ونقل الكتاب والدواوين والناس كافة إليها وبنى فيها قصراً لم يسمع بمثله وذلك في المحرم سنة ٢٤٦ . ومما رواه المؤلف في سيرة المأمون وحريته وعلمه أن بشر بن الوليد الكندي قاضيه ببغداد كان قد ضرب رجلاً قرف بأنه شتم أبا بكر وعمر وأضافه على جمل فلما تقدم المأمون (بغداد وكان متغيباً عنها في الشام) أحضر الفقهاء فقال إني قد نظرت في قضيتك يا بشر فوجدتك قد أخطأت بهذا خمس عشرة خطيئة ثم أقبل على الفقهاء فقال: أفيكم من وقف على هذا قالوا وما ذاك يا أمير المؤمنين فقال: يا بشر بما أقمت الحد على هذا الرجل قال: بشتم أبي بكر وعمر قال: لا قال: فوكلوك قال: لا قال: فللحاكم أن يقيم حد القرفة بغير حضور خصم قال: لا قال: وكنت تأمن أن يهب بعض القوم حصته فيبطل الحد قال: لا قال: فأمهما كافرتان أم مسلمتان قال: بل كافرتان قال: فيقام في الكافرة حد المسلمة قال: لا قال: فهبك فعلت هذا بما يجب لأبي بكر وعمر من الحق أفيشهد عندك شاهداً عدل قال: قد زكى أحدهما قال: فيقام الحد بغير شاهدين عدلين قال: لا قال: ثم أقمت الحد في رمضان فالحدود تقام في شهر رمضان قال: لا قال: ثم جلدته وهو قائم فالمحدود يقام قال: لا قال: ثم شبحته بين العقابين فالمحدود يشبح قال: لا قال: ثم جلدته عريان فالمحدود يعرى قال: لا قال: ثم حملته على جمل فأطفته فالمحدود يطاف به قال: لا قال: ثم حبسته بعد أن أقمت عليه الحد فالمحدود يحبس بعد الحد قال: لا قال: لا يراني الله أبوء بإثمك وأشاركك في جرمك خذوا عنه ثيابه واحضروا المحدود ليأخذ حقه منه فقال له من حضر من الفقهاء: الحمد لله الذي جعلك عاملاً بحقوقه عارفاً بأحكامه تقول الحق وتعمل به وتأمر بالعدل وتؤدب من رغب عنه إن هذا يا أمير المؤمنين حاكم اجتهد في رأيه فأخطأ فلا تفضح به الحكام وتهتك به القضاء فأمر به فحبس في داره حتى مات. والكتاب كله فوائد غزيرة يشف عن علم صاحبه وناشره فيا حبذا لو صحت العزائم في الشرق لإعادة طبعه على صورة أحسن تسهيلاً لاقتنائه لأن معظم الكتب التي نشرها علماء المشرقيات قصدوا بها فائدة بلادهم أو فكراً خاصاً لهم ولذلك يقللون من النسخ المطبوعة منها ما أمكن بحيث يتعذر على ابن المشرق ابتياعها لغلاء أثمانها بالنسبة لما ألف من رخص الكتب في بلاده وكثيراً ما يتطلبها فلا يظفر بها بنسخة لأنها تفقد في مدة قليلة ولا يصل خبرها إلى الشرق إلا وتكون قد نفدت أو كادت. تقويم البلدان قلنا غير مرة أن علماء المشرقيات من الفرنسيس قصروا في العهد الأخير عن اللحاق برصفائهم من الألمان وأن ما ينشرونه اليوم من الكتب العربية دون ما كان أسلافهم ينشرون في النصف الأول من القرن التاسع عشر وكتاب تقويم البلدان تأليف السلطان الملك المؤيد عماد الدين اسمعيل صاحب حماه أكبر شاهد على صحة هذا القول فقد طبعه في باريز بدار الطباعة السلطانية سنة ١٨٤٠ المسيو رينود والبارون دميسلان بمناظرة سلفستر دي ساسي شيخ المستشرقين في فرنسا الذي أفضل كثيراً على العرب والعربية بما نشره من آثار السلف. وتقوم البلدان الجغرافية العامة كما يفهم من اسمه عظيم الفائدة من وجوه أقلها أن المؤلف كان من يعد الطبقة الراقية بين علماء القرن الثامن مدقق في كل ما خطته يده من المصنفات فهو في ملوك الطوائف المتأخرين بعلمه وفضله بمنزلة المأمون من خلفاء العباسيين. ظفر الناشر أن كتابه هذا بنسخة صححت على المؤلف وكتب عليها بقلمه بعض التعليقات أو هي نسخة المؤلف فجاءت والعناية قد بذلت بها من أصح ما طبع علماء المشرقيات. اعتمد المؤلف على ما كتبه ابن حوقل والإدريسي وابن سعيد وعلى كتابي العزيزي واللباب ونقل عنهم حتى في جغرافية بلاده وكان أبو الفدا طاف سورية ومصر وقسماً من بلاد العرب من الحجاز وبلغ الفرات فعد كلامه ثقة فيما كتبه والغالب أنه تحدى بطليموس في تقسيماته الجغرافية قال في مقدمته: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين الحمد لله حمداً يليق بجلاله وصلى الله على سيدنا محمد وآله وبعد فإني طالعت الكتب المؤلفة في البلاد ونواحي الأرض من الجبال والبحار وغيرها فلم أجد فيها كتاباً موفياً بغرضي فمن الكتب التي وقفت عليها في هذا الفن كتاب ابن حوقل وهو كتاب مطول ذكر فيه صفات البلاد مستوفياً غير أنه لم يضبط الأسماء وكذلك لم يذكر الأطوال ولا العروض فصار غالب ما ذكره مجهول الاسم والبقعة ومع ذلك لا تحصل به فائدة تامة وكتاب الشريف الإدريسي في المسالك والممالك وكتاب ابن خرداذبة وغيرها وجميعهم حذوا حذو ابن حوقل في عدم التعرض إلى تحقيق الأسماء والأطوال والعروض وأما الزيجات والكتب المؤلفة في الأطوال والعروض فإنها عرية عن تحقيق الأسامي وعن ذكر صفات المدن وأما الكتب المؤلفة في تصحيح الأسماء وضبطها مثل كتاب الأنساب للسمعاني والمشترك لياقوت الحموي وكتاب مزيل الارتياب عن مشتبه الأنساب وكتاب الفيصل كلامهما لأبي المجد إسمعيل بن هبة الله الموصلي فإنها اشتملت على ضبط الأسماء وتحقيقها من غير تعرض إلى الأطوال والعروض ومع الجهل بالأطوال والعروض بجهل سمت ذلك البلد فلا يعرف الشرقي منها ولا الغربي ولا الجنوبي ولا الشمالي. ولما وقفنا على ذلك وتأملناه جمعنا في ها المختصر ما تفرق في الكتب المذكورة من غير أن ندعي الإحاطة بجميع البلاد أو بغالبها فإن ذلك أمر لا مطمع في الإحاطة به فإن جميع الكتب المؤلفة في هذا الفن لا تشتمل إلا على القليل إلى الغاية فإن إقليم الصين مع عظمته وكثرة مدنه لم يقع إلينا من أخباره إلا الشاذ النادر وهو مع ذلك غير محقق وكذلك بلاد البلغار وبلاد الجركس وبلاد الروس وبلاد السرب وبلاد الأولق (الأولاح) وبلاد الفرنج من الخليج القسطنطيني إلى البحر المحيط الغربي فإنها بلاد كثيرة وممالك عظيمة متسعة إلى الغاية ومع ذلك فإن أسماء مدنها وأحوالها مجهولة عندنا لم يذكر منها إلا القليل النادر وكذلك بلاد السودان من جهة الجنوب فإنها أيضاً بلاد كثيرة لجنوس مختلفة من الحبش والزنج والنوبة والتكرور والزيلع وغيرهم فانه لم يقع إلينا من أحبار بلادهم إلا القليل النادر وغالب كتب المسالك والممالك إنما حققوا بلاد الإسلام ومع ذلك فلم يحصوها عن آخرها ولكن كما قيل ما لم يعلم كله لا يترك كله فإن العلم بالبعض خير من الجهل بالكل وقد جمعنا في هذا المختصر ما تفرق في كتب عديدة على ما سنقف عليه إن شاء الله عند ذكرها وحذونا في تأليفه حذو ابن جزلة في كتاب تقويم الأبدان في الطب وسمينا كتابنا هذا تقويم البلدان. بدأ المؤلف بكر الأرض والأقاليم السبعة والأبحار والأطوال والخلجان والبحيرات والأنهار والجبال قال في الكلام على ترتيب كتابه: أما ترتيبه فانه مجدول على وضع التقاويم وقد ذكرنا فيه الإقليم الحقيقي والإقليم العرفي في بيتين والمراد بالإقليم الحقيقي أحد الأقاليم السبعة المقدم ذكرها والعرفي كل ناحية أو مملكة تشتمل على عدة كثيرة من الأماكن والبلاد مثل الشام والعراق وغيرهما. قال وقد جعلنا في الجدول بيتاً لضبط الأسماء فإن في هذه الأسامي أسماء أعجمية لا يهتدي إليها بغير ضبط وكذلك في الأسماء المشهورة أسماءٌ قد غيرتها العامة تارة بتغيير الفتحة إلى الكسرة أو الضمة وبالعكس وتارة بزيادة الحروف في الكلمة وتارة بالتنقيص مثل ما يقولون في تبريز توريز وتستر شثتر ومثل ما يقولون تدمر بضم التاء وهي بالفتح فلذلك احتجنا إلى ضبط الأسماء وذكرنا في الهامش من فوق وتحت كلاماً على ذلك الإقليم وتحديده وذكر بعض مسافاته ونحو ذلك وأما ترتيب الأماكن وتقديم بعضها على بعض في الذكر فانه أمر لم يتهيأ لنا فيه ترتيب يرضينا فتبعنا فيه ابن حوقل وابتدأنا بجزيرة العرب لكون بيت الله الحرام وقبر نبيه عليه أفضل الصلاة والسلام فيها. ومع أن مؤلفنا اعتذر بتعذر الوصول إلى أحبار بلاد الإفرنج فقد ذكر منها جملة صالحة فذكر منها مملكة بولية على بحر الروم عند فم جون البنادقة من غربية وهي تقابل مملكة الباسليسة التي من البر الآخر وملك بولية كان يقال له في زمانه الريدشار وذكر بلاد فلفرية والمرا (المورة) والملغجوط وافلرنس والتسقاله (إيطاليا) واستنبرى والروس وافرنسة وألمانية وذكر مدينة باريز فقال: مدينة بريس قاعدة فرنسا وهي ثلاث قطع كما هي مدينة الباب فالوسطى التي في الجزيرة لفرنسيس سلطان الفرنج والجنوبية للجند والشمالية لسائر قوامسهم وتجارهم ورعيتهم وذكر عن ابن سعيد بلاد الباشقرد وهم ترك جاورا الألمانيين على عهد متواثق وهم مسلمون من جهة فقيه تركماني نصرهم بشرائع الإسلام وأكثر عمائرهم على نهر دوما وعلى جنوبيه قاعدتهم قرات وهي مما دخله التتر وخربوه وأهلكوا أهله وفي شرقيها بلاد الصنقر (المجر) اخوة الباشقرد تنصر والمجاورة الألمانيين ولهم مدائن وعمائر على النهر الكبير مستعجمة وقاعدتهم مدينة ترتبوا وذكر بلاد اللنبردية وجنوة وبيزة والبندقية ورومية وبرشان (قاعدة امة البرجان) قال فيهم وكان لهم شهرة وبأس قديم الزمان فاستولت عليهم الألمانية وأبادوهم حتى لم يبق منهم أحد ولا بقي لهم أثر وذكر مدن أثينة وقسطنطينية وتسمى بوزنطيا وماقذوينية وصقجي وابروز وطرنو وبلاد (بلغار) وطلوزة قال ابن سعيد وفي شرقي بردال مدينة طلوزة يقال أن لصاحبها الفرنجي في الجبال التي في شمالية وشرقيه ما ينيف على ألف حصن وهو قريب من صاحب فرنسة والنهر في جنوبيها يصعد منه مراكب البحر المحيط إليها بالقصدير والنحاس اللذان يجلبان من جزيرة أنكطرة وجزيرة أرلندة وتحمل على الظهر إلى تربونة ومنها تحمل في مراكب الفرنج في الإسكندرية. وذكر مدينة مرشيلية ومدينة سبقلوا في شمالي جبل جرواسيا قال فيها نقلاً عن ابن سعيد أنه يصنع فيها السيوف الألمانية المشهورة ولها معدن حديد بحبلها ويقال أن في مكانٍ منه معدن حديد مسموم يصنع منه السيوف والخناجر لا يبيح الملوك انتسابها لغيرهم وفي شرقيها وسمت عرضها مدينة نفصين (هصن؟) وهي مخصوصة بعلماء ألمانية وحكمائهم. وذكر عراز ولو شيرة وسنقو ومشقة وبرغاذما. ومن هذه المدن ما دثر الآن أو تغير اسمه. وقصارى القول أن كتاب أبي الفدا من أصدق كتب الجغرافية العربية التي ألفت في القرون الوسطى وكأنها ألفت في هذا القرن لم يفض صاحبها إلا فيما علم فكان حجة ثبتاً في كل ما روى تكاد لا تقرأ له خرافة ينكرها طبعك وتنافي ارتقاء العصر الحاضر فيا حبذا لو صحت همة أحد لطبعه فإن نسخة فقدت ولا تكاد توجد إلا في مكاتب الخاصة ودور الكتب العامة. أخبار وأفكار بدائع الصنائعوالمرأة المسلمة في العصور المتقدمة تكلمتم في الجزء العاشر من المجلد الخامس على كتاب بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع وبينتم فضل الكتاب وما له من المكانة عند المشتغلين بفقه الإمام الأعظم فأحببت أن أتحف قراء المجلة بترجمة المؤلف وترجمة أستاذه وبنت أستاذه زوجته فاطمة الفاضلة فإنها أنموذج مما كانت عليه الأمة الإسلامية من العناية بتربية النساء. قال الفاضل محمد عبد الحي اللكنوي الهندي في طبقاته المسماة بالفوائد البهية في تراجم الحنفية في صفحة ١٥٨ : محمد بن أحمد بن أبي أحمد أبو بكر علاء الدين السمرقندي صاحب تحفة الفقهاء أستاذ صاحب البدائع شيخ كبير فاضل جليل القدر تفقه على أبي المعين ميمون المحكولي على صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي وكانت ابنته فاطمة الفقيهة العلامة زوجة علاء الدين أبي بكر صاحب البدائع وكانت تفقهت على أبيها (وحفظت تحفته) وكان زوجها يخطئُ فترده إلى الصواب وكانت الفتوى تأتي فتخرج وعليها خطها وخط أبيها وخط زوجها.اهـ وقال في الكتاب الموسوم بمدينة العلوم (وهو من البقية الباقية من نفائس مخطوطات مكتبة المدرسة العثمانية بحلب) ومنها (اي من كتب الحنفية) كتاب التحفة للشيخ الإمام محمد بن أحمد بن أبي أحمد علاء الدين السمرقندي وهو الذي تزوج الكاساني ابنته فاطمة وشرح تحفته وفاطمة هذه كانت تنقل المذهب نقلاً جيداً وربما ترد فتوى زوجها الكاساني ويرجع هو إلى قولها وكانت الفتوى أولاً تخرج عليها وعليها خطها وخط أبيها السمرقندي ثم كانت تخرج بخطهما وخط زوجها الكاساني وكانت في يدي فاطمة سواران (باعتهما) وعملت بالثمن الفطور كل ليلة بالحلاوى واستمر ذلك إلى اليوم ولهذا سميت تلك المدرسة بالحلاوية (لم يزل هذا اسمها وهي من آثار نور الدين الشهيد عمرها سنة ٥٥٤ ). وقال في الفوائد البهية أيضاً في صفحة ٥٣ : أبو بكر بن مسعود بن أحمد علاء الدين ملك العلماء الكاساني صاحب البدائع شرح تحفة الفقهاء أخذ العلم عن علاء الدين محمد السمرقندي صاحب التحفة عن صدر الإسلام أبي اليسر البزدوي وعن أبي المعين ميمون المكولي وعن مجد الأئمة السرخسي وله كتاب السلطان المبين في أصول الدين وتفقه عليه ابنه محمود وأحمد بن محمود الغنزوي صاحب المقدمة العزنوية مات في عاشر رجب سنة سبع وثمانين وخمسمائة ودفن بظاهر حلب عند قبر زوجته فاطمة ابنة صاحب التحفة الفقهية العالمة والدعاء عند قبرهما مستجاب قال الجامع قال علي القارئ أنه مصنف البدائع الكتاب الكامل الجليل والسلطان المبين قيل وسماه المعتمد ومن شعره: سبقت العالمين إلى المعالي بصائب فكرة وعلو همه ولاح بحكمتي نور الهدى في ليال بالضلالة مدلهمه يريد الجاهلون ليطفؤوه ويأبى الله إلا أن يتمه وتفقه علي أحمد بن محمد السمرقندي وقرأ عليه معظم تصانيفه وزوجه شيخه ابنته فاطمة وقيل أن سبب تزويجها أنها كانت من حسان النساء وكانت حفظت التحفة لأبيها وطلبها جماعة من ملوك بلاد الروم ولما صنف صاحب الترجمة البدائع وهو شرح التحفة وعرضها على شيخه ازداد به فرحاً وزوجه ابنته وجعل مهرها منه ذلك فقالوا في عصره شرح تحفته وتزوج ابنته وأرسل صاحب البدائع رسولاً من ملك بلاد الروم إلى نور الدين محمود بحلب وكان قبل ذلك قدم الرضا السرخسي صاحب المحيط إلى صاحب فولاه نور الدين الحلاوية وأتقن عزله فولاه نور الدين الحلاوية فتلقاه الفقهاء بالقبول. وقال ابن العديم سمعت ضياء الدين الحنفي قال حضرت الكاساني عند موته فشرع في قراءة سورة إبراهيم حتى بلغ قوله تعالى (يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت) فخرجت روحه ودفن عند زوجته داخل مقام الخليل بظاهر حلب والدعاء عند قبريهما مستجاب ويعرف عند الزوار في حلب بقبر المرأة وزوجها انتهى قلت إن الأشعار التي نسبها إليه وقد نسبها حسن جلبي في حواشي التلويح إلى الحكيم عمر الخيام والله أعلم. ونسبته إلى الكاساني بالكاف ثم الألف ثم النون بلدة وراء الشاش ذكره السمعاني وقد يقال في نسبته الكاشاني بالمعجمة بدل المهملة وفي مشتبه النسبة للذهني قاسان بلد كبير بتركستان خلف سيحون وأهلها يقولون كاسان وكانت من محاسن الدنيا خربت باستيلاء الترك عليها ومنها العلامة علاء الدين الكاساني من أئمة الحنفية بدمشق (صوابه بحلب) أيام الملك نور الدين انتهى. قال العلامة ابن عابدين في حاشيته على الدر المختار في أوائل باب الطهارة ما نصه: هذا الكتاب (أي البدائع) جليل الشأن لم أر له نظيراً في كتبنا. وقد أكثر العلامة المذكور في حاشيته من النقل عنه والمتتبع لها يرى أنه حينما يأتي بالنقل عنه يكون قد آّن بالإتيان بما فيه فصل الخطاب في المسائل المختلف فيها. فكتاب يلقب المؤرخون صاحبه بملك العلماء ويشهد فيه العلامة ابن عابدين هذه الشهادة ويكون عمدته في حاشيته التي عليها المعول في عصرنا هذا يدل دلالة واضحة على عظم فضل مؤلفه وجلالة قدره وغزارة مادته ومع هذا الفضل والعلم الزاخر كانت زوجته فاطمة ربما ردت فتواه ورجع هو إلى قولها ولا ريب أنه لم تقدم على ذلك إلا حينما آنست من نفسها أنها ضاهته في العلم وبلغت مبلغه في الفضل. وحسبنا هذا دليلاً على ما وصلت إليه المرأة المسلمة من الرقي في تلك العصور وقايس أيها القارئ بين أمثال هذه الفاضلة وبين المرأة المسلمة في عصرنا هذا وقل لي رعاك الله هل يوجد اليوم في مشارق الأرض ومغاربها امرأة مسلمة حازت من العلياء هذه الدرجة وقل لهؤلاء العلماء القائلين بتحريم تعليم المرأة الكتابة أكان صاحب التحفة السمرقندي الذي هذب ابنته فاطمة وعلمها ما علمها جاهلاً بالحكم الذي يعلمه هؤلاء. فهل لنا أن نأخذ من ترجمة هذه الفاضلة درس عظة يوقظنا من سباتنا ويبعثنا من أجداث خمولنا ويرشدنا إلى النهوض إلى تعليم بناتنا واجباتهم الدينية وحوائجهم الدنيوية لنحيى في الدنيا حياة طيبة ونعيش في الآخرة عيشة راضية. (تنبيه) علم مما تقدم أن بدائع الصنائع هو شرح لتحفة الفقهاء لكن المتصفح للكتاب لا يرى فيه المتن البتة وذلك لأنه شرح على طريقة المتقدمين أي أنه أتى إلى كل بحث من أبحاث التحفة فوسع دائرته وجعله فصلاً ومزج المتن مع الشرح مزجاً لا يمكن التفرقة بينهما إلا لمن يرى التحفة على حدتها فالكتاب عبارة عن فصول متتابعة. تجدد إيطاليا كتب أحدهم في المجلة مقالة تحت هذا العنوان قال فيها ما محصله: كلما خرقوا جانباً من جبال الألب ينزل على إيطاليا ينبوع من الخصب والمال وبينا تجد العجز مستحكماً في ميزانيات ألمانيا وإنكلترا وفرنسا ترى ميزانية إيطاليا يزيد دخلها على خرجها فزادت تجارة إيطاليا الخارجية منذ أواخر القرن التاسع عشر بقوة عجيبة لم تضاهها به التجارة الألمانية ولا تجارة الولايات المتحدة. نمت تجارة أميركا ٨٥ في المئة وألمانيا ٨٤ في المئة وفرنسا ٥٠ وإنكلترا ٤٠ أما إيطاليا فقد زادت ٩٩ في المئة. ومدينة ميلان معهد المقدمين من الماليين كما هي معهد دعاة الاشتراكية المتحمسين ولكنهم يراعون النظام في حركاتهم ومطالبهم وما قط أهرقوا دماً حراماً واغتصبوا مالاً حراماً فالاشتراكيون على جرأتهم والماليون كذلك ويكفي أن مدينتي تورين وميلان قد أقدمتا على صنع السيارات (الأتومبيل) قبل فرنسا وربحتا أرباحاً طائلة. وبعد فإن إيطاليا مخصبة برجالها كما هي مخصبة بالأعمال والواردات ومعدل نفوسها أكثر من ألمانيا ففي كل كيلو متر من بلادها ١١٧ ساكناً على حين لا يوجد في كل كيلو متر من ألمانيا سوى ١٠٤ أشخاص. وينسب الاجتماعيون نفوس الشعب الإيطالي المتزايد لاعتياد البكور في الزواج فقد تجد عروساً في الخامسة عشرة من عمرها وأمَّاً في السادسة عشرة في كل خطورة تسيرها في البلاد يغلب على العامل الإيطالي القناعة والعمل والاقتصاد وهو مولع بحب الأسرة فإذا ابتعد عنها فإنما يبتعد ليكون عوناً لها ولا يغادر المهاجر الإيطالي بيته إلا ليوطد دعائمه وهو أبداً يحلم بالعودة إليه. العامل الإيطالي مثال القناعة والتوفير والصبر أعطه من الأجر ما يموت مثله العامل الإنكليزي. وتراه مع ذلك وتراه مع ذلك يقتصد من أجرته جانباً في صندوق التوفير نعم إن أجرة اليد العاملة في إيطاليا رخيصة ولكن الوقود فيها قليل فتكاد لا تجد في تلك البلاد الخصبة فحماً حجرياً وليست ميناء جين دون مرسيليا بتجارتها فإذا كانت مارسيليا ثغر فرنسا تدخلها البضائع تنقل منها إلى غيرها فإن جين مصرف مهم لداخلية إيطاليا فقد وقف عليها سنة ١٩١٠ - ١٣ ألف سفينة في حين وقف على مارسيليا ١٧ ألفاً وكان حظ جين سبعة ملايين طن من البضائع وحظ مارسيليا ثمانية واعتصاب العملة غير مألوف كما هو مألوف في مارسيليا لأن العملة يعرفون أن مصلحتهم مرتبطة بمصلحة معلميهم ولذلك يحلون بينهم كل إشكال يقع بالحسنى. قال ولقد أوشكت إيطاليا أن تموت مرتين وما لاقته من الشدائد لا يخلو من عبرة فقد ماتت للمرة الأولى عندما داهمها برابرة الشمال وجعلوا أعزة أهلها أذلة وذلك لأنها نقضت عهد وطنيتها وأفسدت أخلاق ساكنيها وأهملت زراعتها وأضعفت جيشها فأعادت البابوية الحياة إلى رومية وبدلاً من تأليه قيصر ثارت تذكر اسم الله ثم جاء دور النهضة والت بالمفننين والشاعرين ورجال الحرب والسياسة من أبنائها. وتراجع عمران رومية للمرة الثانية بما حدث من الغوائل بين البابا والإمبراطور حتى إذا كانت الثورة الفرنسوية انتفضت إيطاليا كما انتفض العصفور بلله القطر. وفي أواسط القرن التاسع عشر نشأت تلك الثورة الوطنية التي كان من نتائجها وصول إيطاليا إلى ما وصلت إليه. كانت إيطاليا منذ ستين سنة منقسمة إلى ممالك حقيرة كلحم على وضم فمن مقاطعة صقلية إلى رومان إلى اميليا إلى طوسكانيا إلى بيمون ومن كان يرجو أن يداً صناع تقدر على عجن هذه الأجزاء المنحلة لتوحيدها وإرجاعها إلى الحياة وكم من إيطالي عظيم مات وهو يفكر في هذا الأمر الجلل ويرسم هذه الخطة العجيبة. ولقد تهيأ لإيطاليا مثل غاريبالدي الذي قاد فتيانها ومازيني الذي كانت حظوته من الشعب سلاحاً أقوى من كلا سلاح وكافور رجل السياسة الذي أحيا الزراعة كما لمَّ شعث الجيش وأقام نصاب العدل والحق كما فاوض أوربا فجعل إيطاليا وطناً. وهكذا بني بناء الوحدة الإيطالية بسرعة ومواد متينة على أرض لا تتزعزع فتوطدت دعائم هذا البناء منذ خمسين سنة وعادت رومية عاصمة إيطاليا الجديدة وميلان وتورين ونابل هي مدن العمل النافع الرافع. ولا بسبيزيا وجين هما ولا مراء ثغران تنبعث منهما الحياة القوية فإيطاليا مملوءة بماض وهي كذلك في المستقبل ترى فيها بقايا العاديات كما تجد فيها المجددات والمبتدعات وأن أرواح عظماء رجالها المفننين أمثال ميشيل آنج وليوناردي فتسي لتسر بما ترى الآن من معامل لومبارديا المائة الكهربائية العجيبة والمناطيد الطيارة السابحة في الفضاء. كم من آمال تحققت في إيطاليا ففيها أرادت مملكة القياصرة ثم البابوية أن تلقي السلام في العالم وفيها نشأت الخطط الشريفة في الأبنية الاجتماعية والإلهامات الصناعية العجيبة وكل ما ينهض بالأمم ويعلي مقامها قد بدأ في صور بديعة لطيفة فإيطاليا من ثم معمل الكمال والخيال. المقعدون والصناعة في كل مجتمع أفراد مصابون بعاهات تمنعهم عن تعاطي كثير من الأعمال فما هي الوسائل التي يجب على المجتمع أن يقوم بها نحوهم؟ يجيب الإنسان لأول وهلة أنه يجب عليه أن يعلمهم حرفة يحترفون بها وهذا ما قامت به المدرسة الخيرية في مدينة نيويورك من المساعدة للانتفاع من المقعدين فقد رأت بعد البحث العميق أن صنعة الصياغة أوفق ما يكون لهؤلاء المنكودي الحظ لأسباب أهمها أن هذه الحرفة لا تتطلب كثيراً القوة الجسدية وفي استطاعة الصانع أن يعمل طول النهار دون أن يضطر إلى الوقوف وطلب صناع ماهرين في هذه الصنعة متواصل ولا يخشى عليها من تهافت المهاجرين الأقوياء فيفسدونها على أهلها فيفسدونها على أهلها كما أفسدوا كثيراً من الصناعات البسيطة إذ هذه الحرفة تحتاج إلى مهارة لا تتأتى إلا بصرف وقت غير قصير في تعلمها. فلهذه الغاية أنشأت تلك المدرسة صفاً للمقعدين يتعلمون فيه هذه الحرفة تحت رعاية صانع ماهر وهم الآن يصلحون ما يدفع إليهم من العقود المجوهرات المنتثرة بالأجرة عدا عما يصيغونه ويبيعونه على حسابهم والمدرسة ستجد لهم محال في المعامل متى أتموا تعليمهم. نادي السجناء كثير من الأحداث الذين يدخلون السجون لجرائم ارتكبوها ثم يخرجون منها عازمين على أن يكونوا مستقيمين في مسلكهم ولكنهم لا يجدون عملاً ساعة خروجهم ينتج لهم منه ما يقوم بأودهم االناس تحجم عن استخدامهم لعدم الثقة بهم فيجبرون على ارتكاب جرائم أخرى طلباً للرزق فيزجون في أعماق السجون. فلمساعدة أمثال هؤلاء الأحداث أسس في بركلن أحد أحياء مدينة نيويورك نادٍ يأوون إليه ريثما يحصل الواحد منهم على عمل يقتات منه فعندها يترك النادي. والآن يوجد كثير ممن ساعدهم هذا النادي يقومون بأعمال مفيدة وهم يمدونه بما لديهم من الوسائل. طهارة اللبن قال أحد فلاسفة العصر حقق لي طهارة اللبن الذي يتناوله الطفل أؤكد لك سلامته وما زال علماء العالم منذ أمد بعيد يبحثون عن الوسائل لحفظ اللبن من الجراثيم المتعددة الأنواع التي تضر بصحة البالغين فضلاً عن الأطفال فلهذه الغاية اخترع وعاءٌ مؤلف من وعاءين الواحد ضمن الآخر الأول من المعدن والثاني من الخشب وبينهما فسحة لوضع الجليد لكي يحفظ اللبن رطباً والوعآن محكمان يمر من الوعاء الداخلي أنبوب يفرغ إلى وعاء آخر خارج الاثنين ذو نمر كل نمرة تشير إلى كذا من الوزن فلا يتكلف البائع إلا لفتح أنبوب يفرغ إلى الوعاء المعير ويضع فيه قدر ما يطلب الزبون ثم يغلقه ويفتح أنبوباً آخر يفضي إلى أبريق الزبون فبهذه الواسطة يكون قد حفظ اللبن من الفساد بالحر ولم يدخل إليه شيء من الجراثيم وقت المناولة. الراحة في السفر قد فتح حديثاً في مدينة بونس آيرس عاصمة الجمهورية الفضية نزل يسع ٣٢٠٠ نزيل وهو زل حسن البناء والفرش ذو طابقين وفيه إدارة خصوصية لبيع طاقات السفر في السكك الحديدية فالنازل فيه لا يحتاج إلى الخروج منه إلا إذا كان يريد السفر في داخل البلاد لابتياع البطاقة وشحن أثقاله. إصلاح زي المرأة أهمل النساء في ملابسهن مقتضيات الصحة وراعين شروط الجمال فعمدن إلى المشد التماساً لدقة الخصر وبروز الصدر وارتدين بروداً لا تدفع تأثيرات الطقس إلى غير ذلك مما أنهك الأجسام وأعدها لعوادي الضعف والوهن والنشاء لاهيات بالمظاهر الخلابة عما وراءها من النحول والسقم ولما استفحل شر هذا الداء تألفت في ألمانيا جمعية نسائية غرضها إصلاح الأزياء عل ما تقتضيه شروط الصحة وانضم إليها كثيرات من علية نساء الألمان وأصدرن مجلة وضعن فيها رسوم الأزياء الصحية ودعت الأديبات فيها إلى خلع الأزياء الجديدة وفي مقدمة أولئك الكاتبات ملكة رومانيا. وسرت الحركة إلى فرنسا فاهتمت مجلاتها بهذا الإصلاح ونشرت فيه الفصول الضافية وحرضت الجمعيات النسائية في فرانسا على اقتفاء أثر الجمعية الألمانية. وانتشرت هذه الفكرة في بلاد الإنكليز فكانت الملكة أول من أبرزت الفكر إلى حيز العمل فأصدرت منشوراً نسائياً لنساء الشرفاء صرحت فيه أنها لا تقبل في البلاط إلا من ارتدين بأكسية واسعة عينتها لهن وأنكرت الترف والفخفخة على نساء الأغنياء. وعسى أن تنهض نساء الشرق إلى مجاراة أخواتهن في البلاد الراقية. السكر الآسيوي يصطنعون في الشرق أنواعاً من السكر غير معروفة في الغرب منها ما يصنع في نيبون ويدعى سكر الرز ويسميه الأهلون ميزيام أي السكر السائل لأنه غير جامد تماماً ولذلك لا يمكن تداوله في التجارة وإنما يرسلون منه زجاجات محكمة السد تحتوي الواحدة منها من ٥٠٠ غرام تباع بنحو ثمانية غروش وتلك الزجاجات تحفظ السكر من الفساد ولكنها إذا استمرت مفتوحة هنيهة خثر السكر وتفه طعمه والتجار يستعملونه لإلصاق الغلافات وطوابع البريد ويصطنع الصينيون نوعاً آخر من الجاروس فيستخرجون عصارة النبات ويضعونها أياماً في أوعية صغيرة معرضة لحرارة الشمس فتتبخر المياه ويرسب في قعر الوعاء مقدار من السكر ينشرونه على مائدة.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_67.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.67.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
