<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.64.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.64.TEIP5:</urn>
<passage>الفروق للعرب كتب كثيرة في الفروق وأفردوها في التأليف وقد ذكر منها صاحب كشف الطنون رسالة في فروق الأصول وأخرى في فروق فروع الحنفية للكرابيسي النيسابوري المتوفي سنة ٧٧٤ وغيرها للشيخ الكرابيسي السمرقندي المتوفي سنة ٣٢٢ وثانية اسمها فروق الكرابيسيي المسمى بتلقيح المحبوب ورابعة في فروق فروع الشافعية لابن سريج وأخرى للجويني ولابن النقاش وللترمزي ( ٢٥٥ ) وللأرموي ( ٧٧٢ ) قال ذكر الأسنوي في مطالع الدقائق أن المطارحة بالمسائل ذوات المأخذ المؤتلقة المتفقة والأجوبة المختلفة المفترقة من مآثر وأفكار العلماء وقال قد رأيت لأصحابنا في هذا المعنى تصانيف منها ما هو موضوع لهذا المعنى بخصوصه ومنها ما هو مشتمل على أعم منه فمن الأول كتاب الجمع والفروق للشيخ أبي محمد الجويني ومنه كتاب الوسائل في فروق المسائل مجلد ضخم لأبي الخير سلامة بن اسمعيل بن جماعة المقدسي ومن الثاني كتاب المطارحات لأبي عبد الله القطان ظفر به الرافعي ونقل عنه في كتاب الغصب ومنه المسكت بالسين المهملة والتاء المثناة لابن عبد الله الزبيري ومنها المعاياة لأبي العباس الجرجاني وهذا الباب واسع جداً اشتمل على الغثِّ والثمين. ومن جملة المخطوطات التي حوتها خزانة كتب السيد عبد الباقي الحسيني مخطوط فيه أربع رسائل وسمى أولها بكتاب المتوكلي يذكر فيه ما ورد في القرآن باللغة الحبشية والفارسية والهندية والتركية والزنجية والنبطية والقبطية والسريانية والعبرانية والرومية والبربرية وغير ذلك لجلال الدين السيوطي والثانية الأحاديث الثمانية المنتخبة من نوادر الأصول العالية لأبي الضيا البوتيجي ويليه حسن النسيم بدار النعيم للطبلاوي ويليه المنتخب من كتاب الفروق لأبي هلال العسكري. وليس على المجموع كناية يعرف منها تاريخ كتابته إلا أن الظاهر من خطه وورقه أنه حديث وربما كانت الرسالة الأخيرة منه في الفروق أقدم من الثلاث الأولى لأنها مكتوبة بخط مختلف عن الخط الأول ولم يذكر فيه اسم صاحبها والغالب أنه تركي كتب على حاشية الصفحة الأولى ما نصه: الفرق بين الاسامة والأسد اسم للجنس والاسامة علم للجنس والفرق بين علم الجنس واسم الجنس أن علم الجنس موضوع للماهية المشتركة واسم الجنس موضوع للافراد جلبي وقال على الحاشية الإنسان والفرس والبقر فإنها علم للحقيقة المشتركة بين المذكر والمؤنث شرح وفي آخر رسالة تمت (؟) الكتاب بعون الملك الوهاب. وبذلك يستدل على أعجمية الكاتب والمختصر وإليك الرسالة برمتها: بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين أما بعد حمد الله والصلوة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم محمد وعلى سائر رسل الله وملائكته المقربين والرضى عن الصحابة والتابعين فهذه شذرة علقتها من كتاب الفروق لأبي هلال العسكري رحمه الله. الفرق بين الاختصار والإيجاز أن الاختصار هو إلقاؤك الألفاظ من كلام مؤلف سبق حدوثه من غير إخلال بمعانيه والإيجاز هو الكلام على قلة اللفظ وكثرة المعاني. الفرق بين الإطناب والإسهاب أن الإطناب بسط الكلام لتكثير الفائدة والإسهاب بسطه مع قلتها فالإطناب بلاغة والإسهاب عيٌّ. الفرق بين المحال والممتنع على ما قاله بعض العلماء أن المحال ما لا يجوز كونه ولا يتصور مثل قولك الجسم أسود أبيض في حالة واحدة والممتنع ما لا يجوز كونه ويجوز تصوره في أهم مثل قولك للإنسان عش أبداً. الفرق بين الإنكار والجحد أن الجحد أخص من الإنكار لأن الجحد إنكار الشيء الظاهر لقوله تعالى بآياتنا يجحدون والإنكار لشيء خفي لقواه تعالى يعرفون نعمة الله ثم ينكرونها لأن النعمة قد تكون خافية ويجوز أن يقال الجحد وإنكار الشيء مع العلم به لقوله تعالى وجحدوا بها والإنكار لا يكون مع العلم. الفرق بين الزور والكذب والبهتان أن الزور هو كذب قد حسن في الظاهر ليحسب أنه صدق بخلاف الكذب وأما البهتان فهو مواجهة الإنسان بما يكرهه. الفرق بين الافتراء والاختلاق أن المفتري يقطع بالكذب ويخبر به والمختلق يبتدئ كذباً ويخبر به. الفرق بين الإقرار والاعتراف أن الإقرار فيما قاله أداءُ معاني أخبار عن شيء ماض وهو في الشريعة جهة ملزمة للحكم وقال بعضهم الاعتراف كالإقرار وقال أبو هلال يجوز أن يقر بالشيء وهو لا يعرف أنه أقر به ويجوز أن يقر بالباطل الذي لا أصل له ولا يقال لذلك اعتراف إنما الاعتراف هو الإقرار الذي صحبته المعرفة بما أقرَّ به مع التزام له ولهذا يقال اعتراف بالنعمة ولا يقال إقرار بها فكل اعتراف إقرار وليس كل إقرار اعترافاً ولهذا اختار أصحاب الشروط الإقرار لأنه أعم ونقيض الاعتراف الجحد ونقيض الإقرار الإنكار. الفرق بين الشكر والحمد أن الشكر هو الاعتراف بالنعمة علة جهة التعظيم للمنعم والحمد هو الذكر الجميل على جهة التعظيم ويجوز أن يحمد الإنسان نفسه على أمور جميلة يأتيها ولا يجوز أن يشكرها فالاعتماد في الشكر على توجيه النعمة وفي الحمد على ما توجيه الحكمة ونقيض الحمد الذم ونقيض الشكر الاكفار ولا يجوز أن يطلق الحمد إلا لله تعالى. الفرق بين الحمد والمدح أن الحمد لا يكون إلا على إحسان بخلاف المدح. الفرق بين الجزاء والمكافأة والمقابلة أن الجزاء لا يلزم فيه المساواة بخلاف المكافأة والمقابلة وعورض بقوله تعالى وجزاء سيئة سيئة مثلها الآية. الفرق بين الثناء والنثاء على ما قال بعضهم أن الثناء بتقديم الثاء يكون في الخير والشر والنثاء بتقديم النون لا يكون إلا في الشر والصحيح أن الثناء وهو الأول لا يكون إلا في الخير وربما استعمل في الشر والنثاء وهو الثاني يكون في الخير والشر. الفرق بين السب والشتم أن الشتم تقبيح أمر المشتوم بالقول والسب هو الإطناب في الشتم والإطالة فيه. الفرق بين الشتم والسفه أن الشتم قد يكون حسناً إذا كان المشتوم يستحق الشتم والسفه لا يكون إلا قبيحاً. الفرق بين الذم واللوم أن اللوم على الفعل الحسن والذم لا يكون إلا على القبيح. الفرق بين العتاب واللوم أن العتاب هو يكون على تضييع حقوق المودة والصداقة بخلاف اللوم. الفرق بين المستقيم والصحيح والصواب أن كل مستقيم صحيح وليس كل صواب صحيح مستقيماً. الفرق بين المستقيم والصواب أن الصواب إطلاق الاستقامة على الحسن والمستقيم هو الجاري على سنن وإن كان قبيحاً. الفرق بين الخطأ والغلط أن المخطئ من يقصد الشيء فيصيب غيره وأما الغلط فهو وضع الشيء في غير موضعه. الفرق بين اللحن والخطأ أن اللحن في القول فقط والخطأ في القول والعمل. الفرق بين العقد والعهد أن العقد أبلغ من العهد. الفرق بين العهد والميثاق أن الميثاق توكيد العهد وقال بعضهم العهد بين اثنين والميثاق من أحدهما. الفرق بين الوعد والعهد أن العهد ما كان بشرط قال الله ولقد عهدنا إلى آدم الآية أن لا يخرج من الجنة ما لم يأكل من الشجرة بخلاف الوعد ويقال نقض العهد وأخلف الوعد. الفرق بين التفسير والتأويل قيل أن التفسير هو الإخبار عن أفراد آحاد الجملة والتأويل الإخبار بمعنى الكلام جملة وقيل التفسير إفراد ما ينظمه ظاهر التنزيل والتأويل إخبار بغرض المتكلم وقيل التأويل استخراج معنى الكلام لا على ظاهره بل على وجه مجاز أو حقيقة. الفرق بين الشرح والتفصيل أن الشرح بيان المشروح وإخراجه من وجه الإشكال إلى التجلي والظهور ولهذا لا يستعمل الشرح في القرآن والتفصيل هو ذكر ما تضمنته الجملة على سبيل الإفراد ولهذا قال الله تعالى ثم فصلت من لدنٍ حكيم ولم يقل شرحت. الفرق بين التقسيم والتفصيل أن في التفصيل معنى البيان عن كل قسم بما يريد ذكره فقط والتقسيم يحتمل الأمرين والتقسيم يفتح المعنى ولتفصيل يتم بيانه. الفرق بين القرآن والفرقان أن القرآن أعم والفرقان هو الفارق بين الحق والباطل والمؤمن والكافر. الفرق بين السلام والتحية أن التحية أعم من السلام. الفرق بين العام والمبهم أن العام يشتمل على أشياء والمبهم يتناول واحد الأشياء بعينه. الفرق بين فحوى الخطاب ودليل الخطاب أن فحوى الخطاب باللفظ كقوله تعالى ولا تقل لهما أفٍّ ودليل الخطاب هو ما تعلق بصفة الشيء أو عدده أو حاله أو غايته ونحوها. الفرق بين البيان والفائدة أن البيان لمعرفة غيره والمعرفة لنفسه الفرق بين القراءة والتلاوة أن التلاوة لا تكون إلا لكلمتين فصاعداً والقراءة تكون لكلمة واحدة. الفرق بين المنازعة والمطالبة أن المطالبة تكون بما يعترف به المطلوب والمنازعة لا تكون إلا فيما ينكره المطلوب. الفرق بين المسألة والفتيا أن المسألة عامة في كل شيء والفتيا سؤال عن حادثة. الفرق بين بلى ونعم أن بلى لا تكون إلا جواباً لما تقدم جحوده كقوله تعالى: ألست بربكم قالوا بلى أما نعم فلا تكون إلا للاستفهام بلا جحود وكقوله تعالى: فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقاً قالوا: نعم. الفرق بين الوسوسة والفزع أن الفزع الإغواء بالوسوسة وأكثر ما يكون عند الغضب. الفرق بين الدلالة والامارة أن الدلالة ما يؤدي النظر فيه إلى العلم والامارة ما يؤدي النظر فيه إلى الظن. الفرق بين الاستدلال والدلالة أن الدلالة ما يمكن الاستدلال به والاستدلال فعل المستدل. الفرق بين النظر الاستدلال أن الاستدلال طلب معرفة الشيء من جهة غيرة والنظر طلب معرفته من جهته ومن جهة غيره. الفرق بين النظر والتأمل أن النظر هو ما ذكرناه والتأمل هو النظر المؤمل به معرفة ما يطلب ولا يكون إلا في مدة فكل تأمل نظر وليس كل تأمل نظراً. الفرق بين النظر والبديهة أن البديهة أول النظر يقال عرفته على البديهة أي في أول أحوال النظر. الفرق بين البديهة والروية أن الروية على ما قال بعضهم آخر النظر والبديهة أوله. الفرق بين النظر والفكر أن النظر يكون فكراً ويكون بداهة والفكر ما عدا البديهة. الفرق بين التفكر والتدبر أن التدبر صرف القلب بالنظر في العواقب والتفكر تصرف للقلب بالنظر في الدلائل. الفرق بين الانتظار والترجي أن الترجي انتظار الخير خاصة ولا يكون إلا مع الشك وأما الانتظار والتوقع فهو طلب ما يقدر إيقاعه. الفرق بين الانتظار والتربص أن التربص طول الانتظار. الفرق بين الخاطر والنظر أن الخاطر مرور معنى بالقلب بمنزلة خطاب مخاطب وعند بعضهم أنه كلام يحدثه الله تعالى أو الملك في سمع الإنسان فإذا كان من الشيطان سمي وسواساً وعورض بالأخرس فإن له خاطراً ولا كلام له. الفرق بين الذكر والخاطر أن الخاطر يكون ابتداء ويكون عن عزوب والذكر لا يكون إلا عن عزوب. الفرق بين العلم والمعرفة أن المعرفة أخص من العلم لأنها لا تكون إلا مفصلة والعلم يكون مجملاً ومفصلاً قال بعضهم: ولا يوصف الله بأنه عارف قال المؤلف وليس كما قاله. الفرق بين العلم واليقين أن العلم معرفة الشيء على ما هو به أو اعتقاده واليقين هو سكون النفس بما علم وبهذا لا يجوز أن يوصف الله باليقين ويقال اليقين لا يزال بالشك وقلَّ أن يقال العلم لا يزال بالشك. الفرق بين الشعور والعلم أن الشعور النظر الدقيق الموصل للعلم والعلم أعم. الفرق بين المعرفة الضرورية والإلهام أن الإلهام ما يبدو في القلب من المعارف بطريق الخير فيفعل وبطريق الشر فيترك والمعارف الضرورية أربعة عند المشاهدة وعند التجربة وعند الإخبار وعند أوائل العقل. الفرق بين العالم والمحقق أن المحقق هو المتطلب حق المعنى حتى يدركه ولهذا لا يقالان الله محقق وقيل التحقيق لا يكون إلا بعد الشك بخلاف العلم. الفرق بين العلم والعقل أن العقل هو العلم الأول الزاجر عن القبيح وكل من كان زاجره أقوى كان أعقل ولهذا لا يوصف الله تعالى به وقال بعضهم العقل الحفظ يقال عقلت الدرهم أي حفظتها ومن هذا الوجه يجوز أن يقال الله تعالى عاقل أي حافظ إلا أنه لم يستعمل. الفرق بين الذهن والعقل أن الذهن هو نقيض سوء الفهم وهو عبارة عن وجود الحفظ لما يتعلمه ولا يوصف الله تعالى به والعقل ما تقدم. الفرق بين الفطنة والذهن أن الفطنة هي التنبه على المعنى وضدها الغفلة ويجوز أن يقال أن الفطنة ابتداء المعرفة من وجه غامض وكل فطنة علم لا كل علم فطنة والذهن ما تقدم. الفرق بين الفطنة والذكاء أن الذكاء تمام الفطنة وفي الذكاء معنى زائد عن الفطنة. الفرق بين الفطنة والحذاقة أن الحذاقة هي سرعة الحركة في الأمور وأصلها الحدة والتناهي فلما كان الله تعالى لا تتناهى معلوماته لم يجز أن يوصف بالحذاقة والفطنة ما تقدم. الفرق بين الألمعي واللوذعي أن اللوذعي هو الخفيف الظريف مأخوذ من لذع النار وهو سرعة أخذها من الشيء والألمعي هم الفطن الذكي الذي تبين له عواقب الأمور بأدنى لمعة أي لوح له. الفرق بين القريحة والطبيعة أن الطبيعة ما طبع عليه الإنسان أي خلق والقريحة فيما قال المبرد ما خرج من الطبيعة من غير تكلف وقولهم ماءٌ قراحٌ أي لم يخالطه شيءٌ وللأرض التي لا تنبت قرواح والشجرة إذا جاوزت الدهر قرواحة والفرس القارح القديم السن وأما القرح في الجلد والقرحة شبيهه. الفرق بين العلم والفقه أن الفقه هو العلم بمقتضى الكلام على ما تأمله بخلاف العلم ولهذا لا يقال أن الله تعالى تفقه لأنه لا يوصف بالتأمل. الفرق بين السمع والإصغاء أن السمع هو إدراك المسموع والإصغاء طلب إدراكه. الفرق بين السمع والاستماع هو الإصغاء للمسموع ليفهم بخلاف السمع ولهذا لا يقال أن الله تعالى يستمع. الفرق بين العلم والإدراك أن الإدراك موقوف على أشياء مخصوصة وليس العلم كذلك والإدراك يتناول الشيء على أخص أوصافه وعلى الجملة فالعلم يقع بالمعدوم ولا يدرك إلا الموجود والإدراك طريق من طريق العلم ولهذا العلم قوته ضعفه بالمدرك والدراية هي الفهم. الفرق بين الإحساس والإدراك على ما قاله بعضهم أنه يجوز أن يدرك الإنسان الشيء وإن لم يحس به كما يدركه ببصره ويغفل عنه فلان فلا يعرفه وقال أهل اللغة لما أشعرت به أحسست به أي أدركته بحسك وفي القرآن: فلما أحسوا بأسنا وفيه: فتحسسوا من يوسف وأخيه أي تعرفوا بإحساسهم وقال بعضهم الحس هو أول العلم ومنه قوله تعالى فلما أحس عيسى منهم بالكفر أي علمه من أول وهلة ولا يجوز أن يقال الإنسان يحس بوجود نفسه. الفرق بين العلم والاعتقاد أن العلم أعم فلا يلزم من العلم الاعتقاد بخلاف عكسه. الفرق بين العلم والحفظ أن الحفظ هو العلم بالمسموعات دون غيرها من المعلومات ألا ترى لا يقال حفظت أن زيداً في البيت ولا يقال للعلم بالمشاهدات حفظ ويجوز أن الحفظ هو العلم بالشيء حالاً بعد حال من غير تخلل جهل أو نسيان ولهذا سمي حفاظ لقران حفاظاً ولا يوصف الله بالحفظ لذلك. الفرق بين الذكر والتنبه أن الذكر هو العلم بالحادث بعد النسيان بخلاف التنبه. الفرق بين العلم والإحاطة أن الإحاطة كالدائرة من كل وجه تجيء بمعنى العام وبمعنى القدرة وقد جاء لفظة الإحاطة في القرآن كثيراً منه قوله تعالى وكان الله بكل شيء محيطاً وقد أحاط بكل شيء علماً والله محيط بالكافرين والعلم ما تقدم. الفرق بين المعروف والمشهور أن المشهور هو المعروف عند جماعة كثيرة والمعروف هو المعروف ولو عن واحد. الفرق بين العلم والشهادة أن العلم أعم والشهادة أخص. الفرق بين الشاهد والمشاهد أن المشاهد للشيء هو المدرك له رؤية وقيل رؤية أو سمعاً وهو في الرؤية أشهر ولا يقال أن الله لم يزل مشاهداً لأنه يقتضي إدراكاً بجله والشاهد هو يقتضي ذلك. الفرق بين الشاهد والحاضر أن الشاهد للشيء يقتضي العلم بخلاف الحاضر ألا ترى أنه يقال حضره الموت لا شاهده الموت ولا يصح وصف الموت بالعلم. الفرق بين الإعلام والإخبار أن الإعلام التعريض بما علم به والإخبار إظهار الخبر علم به أو لم يعلم. الفرق بين العلم والتقليد أن العلم معرفة الشيء واعتقاده على ما هو به على سبيل الثقة والتقليد قوبل الأمر ممن لا يؤمن عليه الغلط بلا حجة. الفرق بين النسيان والسهو أن النسيان إنما يكون عما كان والسهو يكون عما لم يكن يقال نسيت ما عرفته وبهذا يقال سهوت عن السجود الذي لم يكن ويقال النسيان عن ذكر والسهو عن ذكر وعن غيره. الفرق بين السهو الغفلة أن الغفلة تكون عما لا يكون والسهو عما يكون وفرق آخر وهو أن الغفلة تكون عن فعل الغير ولا يجوز عن يسهى عن فعل الغير. الفرق بين النوم والإغماء أن الإغماء سهو من مرض فقط والنوم سهو بمحدث من فتور جسم. الفرق بين الظن والحسبان على قول بعضهم أن الظن ضرب من الاعتقاد والحسبان ليس بالاعتقاد. الفرق بين الريبة والتهمة وكلاهما مذمومتان أن الريبة في الإنسان تورث شكاً في صلاحه مثلاً والتهمة تورث مقالاً فيه فكل مرتاب متهم وكل متهم ليس بمرتاب. الفرق بين التصور والتخيل أن التصور لا يثبت على حال وقيل التخيل تصور الشيء على أوصافه والتخيل والتصور منافيان العلم كما أن الظن والشك ينافيانه. الفرق بين الحماقة والرقاعة أن الرقاعة على ما قال بعضهم حمق مع رفعة وعلو رتبة ولا يقال أحمق إذا كان سيداً أو رئيساً أو ذا مالٍ أو جاه. الفرق بين الحياة والعيش أن العيش سبب الحياة من أكل وشرب ونحوهما. الفرق بين الحياة والروح أن الروح من قرائن الحياة والحياة عرض والروح جسم رقيق من جنس الريح وقيل هي جسم رقيق حساس وزعم الأطباء أن موضعها في الصدر من الحجاب والقلب وذهب بعضهم إلى أنها مبسوطة في جميع البدن وفيه خلاف كير وسمي جبرائيل عليه السلام روحاً لأن الناس ينتفعون به في دينهم كانتفاعهم بالروح وبهذا المعنى سمي القرآن روحاً. الفرق بين الروح والمهجة والنفس والذات أن الروح ما تقدم والمهجة خالص دم الإنسان الذي إذا خرج خرجت روحه وهو دم القلب والنفس مشتركة يقع على الروح والذات. الفرق بين الإهلاك والإعدام أن الإهلاك أعم من الإعدام فكل إعدام إهلاك وليس كل إهلاك إعداماً. الفرق بين القدرة والقهر أن القدرة تكون على صغير لقدور كبيرة والقهر يدل على كبير المقدور. الفرق بين الغلبة والقدرة أن الغلبة من فعل الغالب وليست القدرة من فعل القادر. الفرق بين القهر والغلبة أن الغلبة من نتاج القدرة. الفرق بين القادر والقوي أن القوة أخص والقوة أعم فكل قوي قادر لا كل قادر قوي. الفرق بين القوة والشدة أن الشدة ليست من قبيل القدرة قال الله تعالى: أشد منهم قوة أي أقوى منهم وفي القرآن: ذو القوة المتينيأي العظيم الشأن في القوة. الفرق بين الشدة والصعوبة أن الشدة ما ذكرناه والصعوبة تكون في الأفعال دون غيرها. الفرق بين الصحة والعافية أن الصحة أعم والعافية أخص. الفرق بين الصحة والسلامة أن السلامة نقيض الهلاك والصحة نقيض السقم. الفرق بين القدرة والطاقة أن الطاقة غاية مقدرة القادر واستفراغ وسعه في المقدور ولا يقال تعالى مطيق. الفرق بين القدرة والاستطاعة أن القدرة أعم والاستطاعة أخص وكل مستطيع قادر لا كل قادر مستطيع. الفرق بين القادر والمتمكن قال بعضهم معناهما واحد وبعضهم فرق والاستطاعة والتمكن من صفات المخلوقين. الفرق بين الدوام والخلود أن الدوام هو استمرار البقاء في جميع الأوقات والخلود هو استمرار البقاء من وقت المبدأ والله تعالى موصوف بالدوام لا بالخلود. الفرق بين الدائم والسرمد أن السرمد هو الذي لا فصل فيه بل اتباع الشيء بالشيء. الفرق بين الخلود والبقاء أن الخلود استمرار البقاء من وقت له مبدأ وأصل الخلود اللزوم. الفرق بين القديم والباقي أن الباقي هو الموجود لا عن حدوث والقديم ما لم يزل كائناً موجوداً والقديم على الحقيقة هو الذي لا أول لوجوده. الفرق بين الأول والسابق أن السابق يقتضي أن يكون ثم مسبوق والأول لا يقتضي ثانياً ألا ترى أنك تقول هذا أول موجود ولد لفلان وإن لم يولد له غيره وأول عبد يملكه حي وإن لم يملك غيره وبهذا يبطل قول الملحدين أن الأول لا يسمى أول إلا بالإضافة إلى الثاني. الفرق بين الحب والود أن الحب فيما يكون يوجبه ميل الطباع والود من جهة ميل الطباع فقط. الفرق بين الإرادة والرضا أن الإرادة تكون الطاعة قبلها والرضا بها يكون بعدها أو معها والرضا نقيض السخط والسخط من الله تعالى إرادة العقاب فينبغي أن يكون الرضا منه إرادة الثواب. الفرق بين الإرادة والمشيئة أن الإرادة لما يتراخى وقته ولما لا يتراخى والمشيئة لما يتراخى وقتها فقط. الفرق بين المشيئة والعزم أن المشيئة تقدم والعزم إرادة يقطع بها المريد رؤيته في الإقدام على الفعل أو الإحجام عنه ويختص بإرادة المريد لفعل نفسه لأنه لا يجوز أن يعزم على فعل غيره. الفرق بين العزم والنية أن النية إرادة متقدمة لتفعل بأوقات والعزم قد يكون متقدماً للمعزوم عليه بأوقات أو توقت ولا يوصف الله تعالى بالنية ولا بالعزم. الفرق بين الإرادة والاختيار أن الاختيار إرادة الشيء بدلاً من غيره بخلاف الإرادة. الفرق بين القصد والإرادة أن قصد القاصد مختص بفعله دون فعل غيره والإرادة غير مختصة بأحد الفعلين دون الآخر والقصد أيضاً إرادة الفعل في حال اتحاده فقط إذا تقدمته بأوقات لم يسم قصداً إلا أنه لا يقال قصدت أن أزورك غداً. الفرق بين الهم والإرادة إن الهم إجراء العزيمة عند موافقة الفعل وقيل الهم تعلق الخاطر بشيء له قدر في الشدة والمهمات الشدائد. الفرق بين الهمة والقصد أن الهمة اتساع الهم وقوته فتقول فلان ذو همة وذو عزيمة. الفرق بين الغضب والغيظ أن الغيظ يكون من نفسه ولا يجوز أن يغضب على نفسه لأن الغضب إرادة الضرر للمغضوب عليه ولا يجوز أن يريد الإنسان الضرر لنفسه. الفرق بين الهم والحزن أن الحزن على ما فات والهم على ما هو آت فقلته من غير الكتاب المذكور. الفرق بين الغضب والسخط أن الغضب يكون من الصغير على الكبير ومن الكبير على الصغير والسخط لا يكون إلا من الكبير فقط. الفرق بين العداوة والشنآن أن العداوة إرادة السوء لمن تعاديه والشنآن على قول بعضهم طلب العتب على فعل الغير لما سبق من عداوته. الفرق بين المعاداة والمخاصمة أن المخاصمة من قبل القول والمعاداة من أفعال القلوب ويجوز أن يخاصم غيره من غير معاداة وأن يعادي غيره من غير مخاصمة. الفرق بين الاختراع والابتداع أن الابتداع إيجاد ما لم يسبق إلى مثله بخلاف الاختراع. الفرق بين الفعل والإنشاء أن الإنشاء هو إحداث الشيء حالاً بعد حال من غير ابتداءً على مثال بخلاف الفعل وقال بعضهم أن الإنشاء الابتداء والإيجاد من غير سبب والفعل يكون عن سبب قال آخرون الفعل إيجاد بعد أن لم يكن بسبب وبغير سبب والإنشاء ما يكون بغير سبب والوجه الأول أجود. الفرق بين المبدئ والمبتدئ للفعل هو المحدث له ولا يقدر عليه إلا الله تعالى والمبتدئ بالفعل هو الفاعل لفعله من غير تتميمه. الفرق بين العمل والفعل أن العمل إيجاد الأثر في الشيء بخلاف الفعل. الفرق بين العمل والصنع أن الصنع ترتيب العمل وإحكامه دون العمل. الفرق بين الجعل والعمل أن العمل إيجاد الأثر في الشيء والجعل بغير صورته. الفرق بين الأخذ والتناول أن التناول أخذ الشيء للنفس خاصة والأخذ لنفسه ولغيره فهو أعم ويجوز أن يقال التناول يقتضي تسليم شيء بخلاف الأخذ قال الله تعالى وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم. الفرق بين الواحد والفرد أن الواحد يقتضي الانفراد بالذات أو بالصفة والفرد نقيض الزوج. الفرق بين الانفراد والاختصاص أن الانفراد ما تقدم والاختصاص انفراد بعض الأشياء بمعنى دون غيره. الفرق بين الواحد والأوحد أن الأوحد من فارق غيره ممن يشاركه في فن من الفنون بخلاف الواحد. الفرق بين الفرد والواحد أن الفرد يفيد التقليل دون التوحيد ولهذا لا يقال لله تعالى فريد كما يقال له فرد. الفرق بين الواحد والمنفرد أن المنفرد يقتضي التخلي والانقطاع عن الغرباء ولهذا لا يقال لله تعالى المنفرد بالنون كما يقال يتفرد بالتاء المتخصص بتدبير الخلق وغير ذلك مما يختص به من صفاته وأفعاله سبحانه وتعالى. الفرق بين الواحد والوحيد والفريد أن الوحيد والفريد يقتضي التخلي عن الأنيس ولا يوصف به إلا الله تعالى بخلاف الواحد. الفرق بين التفرد والتوحيد أن التفرد بالفضل والنبل والتوحيد التخلي. الفرق بين الوحدانية والوحدة أن الوحدة التخلي والوحدانية تقتضي نفي الأشكال والنظراء ولا يستعمل في غير الله تعالى واحد من طريق العدد. الفرق بين الواحد والأحد أن الواحد لا ثاني له والأحد لا يقبل التجزي والواحد يختص بالصفات والأحد بالذات. الفرق بين الكل والجمع أن الكل عند بعضهم هو الإحاطة بالأجزاء والجمع الإحاطة بالأبعاض. الفرق بين البعض والجزء أن الجزء لا ينقسم وأن البعض ينقسم ويقتضي كلا والجزء يقتضي جمعاً. الفرق بين الجزء والسهم أن الجزء من جملة ما أقسمت عليه والاثنان جزءٌ من العشرة والثلاثة ليست بجزءٍ منها لأنها لا تنقسم عليه وكل ذلك يسمى سهماً كما قال بعضهم. الفرق بين الشبيه والمشبه أن الشبيه أعم والمشبه أخص. الفرق بين المثيل والنظير أن المثيلين ما تكافآ في الذات والنظير ما قل نظيره في حسن أفعاله. الفرق بين الصفة والهيئة من قبيل الأسماء واستعمالها في المسميات وليست الهيئة كذلك. الفرق بين الجنس والنوع أن الجنس أعم من النوع والصفة. الفرق بين الحظ والقسم أن كل قسم حظ وليس كل حظ قسماً. الفرق بين النصيب والحظ أن النصيب يكون في المحبوب والمكروه والحظ لا يكون إلا في المحبوب. الفرق بين الرزق والغذاء أن الرزق اسم لما يملك صاحبه الانتفاع به فليس كل ما يتغذى به الإنسان رزقاً كالمسروق وليس هو رزقاً للسارق إذ لو كان رزقاً له لما ذم عليه والرزق ما ينتفع به ليدخل الحرام والإلزام أنه لو عاش عمره بالحرام لم يكن له رزق وأما الذم علي فأمر آخر. الفرق بين البر والصلة أن البر يكون بسعة الفضل وبلين الكلام وبالملقة بجهل (؟) القول والفعل والصلة بالمواصلة بالفضل. الفرق بين البر والخير أن البر لا يكون إلا عن قصد والخير عن قصد وسهو. الفرق بين الغنيمة والفيء أن الغنيمة اسم لما أخذناه من أموال المشركين بقتال والفيء ما أخذناه من أموالهم بغير قتال إذ سبب أخذه الكفر. الفرق بين القرض والدين أن القرض يستعمل في الدين والنقد بخلاف الدين فكل قرض دين ولا كل دين قرض. الفرق بين السخاء والجود أن الجود كثرة العطاء من غير سؤال والسخاء أن يلين عند السؤال. الفرق بين الكرم والجود أن الجود ما ذكرنا والكرم على وجوه فيقال الله تعالى كريم أي عزيز وهو من صفات ذاته ومنه قوله تعالى ما غرَّك بربك الكريم أي العزيز الذي لا يغلب والكريم الحسن في قوله تعالى من كل زوج كريم ومثله وقل لهما قولاً كريماً أي حسناً والكرم بالفضل في قوله تعالى أن أكرمكم عند الله أتقاكم أي أفضلكم ومنه قوله تعالى ولقد كرمنا بني آدم أي فضلناهم والكريم أيضاً السعيد في قوله عليه الصلاة والسلام إذا أتاكم كريم قوم فأكرموه أي سيد قومٍ ويجوز أن يقال الكرم إعطاء الشيء عن طيب نفس قليلاً كان أو كثيراً هذا كلام من الكتاب وفي كتب الفقه أشياءٌ غير ذلك فلتراجع. الفرق بين الكرم والإيثار أن الإيثار بذل الشيء مع الحاجة إليه بخلاف الكرم والجود والسخاء. الفرق بين الشح والبخل أن الشح الحرص على منع الخير والبخل منع الحق. الفرق بين الصمد والسيد أن السيد المالك والصمد يقتضي القوة على الأصوب. الفرق بين سيد القوم وأكبرهم أن سيدهم هو الذي يلي تدبيرهم وكبيرهم هو الذي يفضلهم في العلم والسن والشرف. الفرق بين مالك وملك أن مالك يفيد مملوكاً وملك لا يفيد ذلك لكنه الأمر بسعة القدرة على أن المالك بيان أوسع من الملك لأنك تقول الله مالك الملائكة والأنس والجن. الفرق بين مالك ومليك أن المليك يقتضي المبالغة مثل سميع وعليم ولا يقتضي مملوكاً. الفرق بين العظيم والكبير أن الكبير الذي ليس فوقه أحد وقد يكون من جهة الكثرة ومن غير جهة الكثرة ولذلك جاز بأن يوصف الله تعالى بأنه عظيم ولم يوصف سبحانه بأنه كبير فقط وقد يعظم الشيء من جهة الحسن ومن جهة التثقيف وفرق بعضهم بين الجليل والكبير بأن قال الجليل في أسماء الله تعالى هو العظيم الشأن الذي يستحق الحمد والكبير من يستحق صفة الحمد والأجلُّ من ليس فوقه من هو أجل منه. الفرق بين الإله والمعبود أن الإله هو الذي يحق له العبادة فلا إله إلا الله وليس كل معبود يحق له العبادة ألا ترى أن الأصنام معبودة والمسيح معبود ولا يحق لها ولا له العبادة. الفرق بين قولنا الله وبين قولنا إله أن قولنا الله اسم لم يسم به غير الله تعالى إلهاً على جهة الخطأ وأما قول الناس لا معبود إلا الله أي لا يستحق العبادة إلا الله. الفرق بين قولنا يحق له العبادة وقوله يستحق العبادة أن قولنا يحق له العبادة يفيد على أنه صفة يصح أنه منعم وقولنا يستحق يفيد أنه قد أنعم واستحق. الفرق بين الله وقولنا اللهم أن قولنا الله اسم وقولنا اللهم نداءٌ أي يا امه. الفرق بين النصير والولي أن الولاية قد تكون بإخلاص المودة والنصرة تكون بالمعونة والتقوية ولا تمكن النصرة مع الولاء. الفرق بين الحكم والقضاء والقدر والتقدير أن الحكم إلزام قد يكون عن خصومة وقد فصل الأمر على الأحكام مما يقتضيه الشرع والعقل والقضاء والفصل الأمر التمام (؟) وأما المقدر فهو على ما قاله بعضهم وجود القول على مقدار ما أراده ولا يستعمل إلا في أفعال الله تعالى وأما التقدير فيستعمل في أفعاله وأفعال عباده. الفرق بين الرأفة والرحمة أن الرأفة أبلغ من الرحمة. الفرق بين الضر والبؤس أن الضر يكون من حيث لا يعلم المقصود به والبؤس لا يكون إلا من حيث يعلم. الفرق بين المضرة والإساءة أن الإساءة قبيحة والمضرة قد تكون حسنة نحو المضرة بالضرب للتأديب والتعليم. الفرق بين الإمهال والإنظار أن الإنظار مقرون فيما يقع فيه النظر والإمهال فيه (؟) وقيل الإنظار تأخير العبد للنظر في أمره والإمهال تأخيره لتسهيل ما يتكلفه من عمله. الفرق بين السرعة والعجلة أن السرعة التقدم فيما ينبغي أن يتقدم فيه وهي محمودة ونقيضها مذموم وهو الإبطاء والعجلة التقدم فيما لا ينبغي أن يتقدم فيه وهي مذمومة ونقيضها محمود وهي الأناة وأما قوله تعالى: وعجلت إليك رب لترضى فانه بمعنى أسرعت. الفرق بين الهداية والإرشاد أن الإرشاد إلى الشيء هو التطريق إليه والتسنن له والهداية هي التمكن من الوصول إليه. الفرق بين الخير والصلاح أن الصلاح هو الاستقامة على ما تدعو له الحكمة في الضر والنفع والخير أعم وأفعال الله كلها خير. الفرق بين الصلاح والفلاح أن الصلاح ما يتمكن به من الخير أو يتخلص به من الشر والفلاح نيل الخير والنفع الباقي. الفرق بين الفساد والقبيح أن الفساد هو التغيير عما تدعو إليه الحكمة والقبيح ما يزجر عن الحكمة. الفرق بين الدين والملة أن الملة اسم لجملة الشريعة والدين اسم لما عليه كل واحد من أهلها. الفرق بين العبادة والطاعة أن العبادة غاية الخضوع ولا تكون إلا لله والطاعة الفعل الواقع على حسب الإرادة ويكون للخالق والمخلوق. الفرق بين الدين والشريعة أن الشريعة هي الطريق والدين ما يطاع به المعبود ولكل منا دين وليس لكل منا شريعة. الفرق بين الإجابة والقبول أن القبول يكون للأعمال والإجابة للأدعية. الفرق بين الحلال والمباح أن الحلال هو المباح بالشرع والمباح لا يعتبر فيه ذلك الشيء في السوق (؟) مباح لإحلال الحلال خلاف الحرام والمباح خلاف المحظور. الفرق بين الإسلام والإيمان أن الإيمان طاعة الله الذي يأمن بها العقاب على ضدها والإسلام طاعة الله التي يسلم بها من عقاب الله هذا كلامه في هذا الكتاب وليس فيه فرق بينهما والفرق مشهور في مظانه في كلام القائلين بالفرق. الفرق بين الفسق والفجور أن الفسق هو الخروج من طاعة الله بكبيرة والفجور الانبعاث من المعاصي فلا يقال لصاحب الصغير فاجر. الفرق بين الظلم والجور أن الجور خلاف الاستقامة في الحكم والظلم قيل ضرر من حاكم أو غيره فهو أعم وقيل وضع الشيء في غير محله وقيل نقصان الحق والجور والعدول عن الحق. الفرق بين القبيح والفاحش أن الفاحش الشديد القبح ويستعمل في الصورة فيقال الفرد قبيح الصورة لا فاحش الصورة ويقال فاحش القبح فاحش الطول أي جاوز الاعتدال مجاوزة حد الاعتدال مجاوزة فاحشة والقبيح ليس كذلك. الفرق بين الحرام والسحت إن السحت مبالغة في حقيقة الحرام فيقال حرام سحت لا سحت حرام وقيل السحت الحرام الظاهر لأن كل سحت حرام لا كل حرام سحت ويجوز أن يقال السحت الحرام الذي لا بركة له. الفرق بين الإثم والخطيئة أن الخطيئة قد تكون من غير تعمد ولا يكون الإثم إلا تعمداً. الفرق بين الإثم والذنب أن الإثم لغة التقصير والذنب ما يتبعه الذم وقولهم للصبي أذنب مجاز. الفرق بين الوزر والذنب أن الوزر ما يثقل صاحبه ومنه قوله تعالى ووضعنا عنك وزرك الذي والذنب ما تقدم. الفرق بين العدل والقسط أن القسط هو العدل الظاهر البين والعدل قد يخفى. الفرق بين الندم والتوبة أن التوبة أخص من الندم فكل توبة ندم ولا كل ندم توبة أما الحديث الندم تبة أي معظمها كالحج عرفة. الفرق بين الاستغفار والتوبة أن الاستغفار طلب المغفرة والتوبة الندم على الخطيئة والإقلاع عنها والعزم على ترك العود ولا يجوز الاستغفار مع الإصرار. الفرق بين التأسف والندم أن التأسف يكون على الفائت من فعلك وفعل غيرك والندم من أفعال القلوب يتعلق بفعل النادم وغيره. الفرق بين العفو والغفران أن الغفران يقتضي إسقاط العقاب ونيل الثواب ولا يستحقه إلا المؤمن ولا يستعمل إلا في الله تعالى ويستعمل في غيره شاذاً قليلاً والعفو يقتضي إسقاط اللوم والذم ولا يقتضي نيل الثواب ويستعمل في العبد والمراد من العفو والغفران محو الذنوب. الفرق بين الغفران والستر أن الغفران أخص فيجوز أن يستر عنه ولا يغفره. الفرق بين الصفح والغفران أن الغفران ما ذكرناه والصفح التجاوز عن الذنب. الفرق بين الإحباط والتكفير أن الإحباط يطال الحسنات بالسيئات والتكفير ضده. الفرق بين الثواب والعوض أن العوض يكون على فعل المعوض والثواب لا يكون على فعل المثيب والثواب يقع مكافأة على الحقوق والعرض يقع على جهة المسامحة. الفرق بين الثواب والأجر أن الأجر قد يكون قبل الفعل المأجور عليه بخلاف الثواب والثواب قد اشتهر في الجزاء على الحسنات والأجر يقال كذلك ويقال على معنى الأجرة على الانتفاع. الفرق بين العذاب والألم أن العذاب أخص من الألم فإن العذاب هو الألم المستمر والألم مستمر أو غير مستمر. الفرق بين الألم والوجع أن الوجع أهم من الألم. الفرق بين العذاب والعقاب أن العقاب ينبئ عن استحقاق والعذاب يجوز أن يكون باستحقاق وبغير استحقاق. الفرق بين البلاء والنقمة أن البلاء يكون ضرراً ويكون نفعاً والنقمة لا تكون إلا عقوبة وشدة وتسمى النقمة والبلاء لا يسمى نقمة. الفرق بين الخوف والخشية أن الخوف يتعلق بالمكروه ومنزله والخشية تتعلق بمنزلة المكروه ولا يسمى الخوف من نفس المكروه خشية. الفرق بين التخويف والإنذار أن الإنذار تخويف مع إعلام موضع المخافة وإن لم يعلم لم يكن إنذاره. الفرق بين الخوف والفزع أن الخوف ما ذكرناه والفزع ما فاجأ الخوف عند هجوم عارض أو صوت ونحوهما وهو انزعاج القلب بتوقع مكروه عاجل. الفرق بين الخوف والوجل أن الخوف يكون من متعد والوجل من غير متعد ومنه قوله تعالى: الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم. الفرق بين الخجل والحياء أن الخجل معنى يظهر في الوجه ارتداعاً بقوة ويجوز أن يكون الخجل عما كان والحياء عما يكون. الفرق بين الرجاء والطمع أن الرجاء هو الظن لوقوع الخير كالأمل والخشية والخوف ضدهما والرجاء لا يكون إلا من سبب والطمع ما يكون من غير سبب ولهذا مدح الرجاء وذم الطمع. الفرق بين اليأس والقنوط أن القنوط أشد مبالغة من اليأس. الفرق بين الكبر والجبروت أن الجبروت أبلغ من الكبر. الفرق بين العجب والكبر أن العجب بالشيء شدة السرور به والكبر إظهار عظم الشأن وهي العزة والسلطنة. الفرق بين الخشوع والخضوع أن الخضوع فعل يرى فاعله وأن الخضوع له وقه وأعظم منه والخشوع يكون في الكلام خاصة لقوله تعالى: وخشعت الأصوات للرحمن وقيل هما من أفعال القلوب. الفرق بين التواضع والتذلل أن التذلل إظهار العجز عن مقاومة من يتذلل له والتواضع إظهار قدرة من يتواضع له سواء كان ذا قدرة على المتواضع أم لا. الفرق بين التذلل والذل أن التذلل فعل المتصف به وهو إدخال نفسه في الحكم والذليل المفعول به من قبل غيره. الفرق بين الخضوع والذل أن الخضوع ما ذكرناه والذل الانقياد كرهاً ونقيضه العز. الفرق بين الذل والإهانة أن الذل ما ذكرناه والإهانة أن يجعل كالصغير لا يبالى به. الفرق بين الذليل والمهين أن الذليل ما ذكرناه والمهين هو المستضعف. الفرق بين الحقير والصغير أن الحقير من نقص عن مقداره المعهود والصغير يكون بالإضافة إلى من هو أكبر منه. الفرق بين اليسر والقليل أن القليل يقتضي نقصان العدد واليسير ما يشتد تحصيله أو طلبه ولا يقتضي نقصان العدد. الفرق بين الكثير والوافر أن الكثرة زيادة العدد والوفور إجماع أجزاء العدد حتى يكمل حجمه. الفرق بين الجم والكثير أن الجم هو الكثير المجتمع والكثير قد يكون عن مجتمع. الفرق بين العبث واللعب واللهو أن العبث ما خلا عن الإدارة والإرادة حدوثه واللهو واللعب يتناولها غير إرادة حدوثهما وقيل اللعب عمل للذة لا يراعى فيه داعي الحكم كعمل الصبي واللهو للعب واللعب قد يكون ليس بلهو. الفرق بين المزاح والاستهزاء أن المزاح لا يقتضي تحقير من تمازحه بل إيناسه والاستهزاء يقتضي تحقير من يستهزأ به. الفرق بين الاستهزاء والسخرية أن السخرية تدل على فعل شيء يشتق منه السخرية بخلاف الاستهزاء. الفرق بين المزاح والهزل أن الهزل يقتضي تواضع الهازل لمن يهزل بين يديه بخلاف المزاح. الفرق بين المزاح والمجون أن المزاح ما ذكرناه والمجون صلابة الوجه وقلة الحياء. الفرق بين الحيلة والتدبير أن الحيلة ما أحيل به عن وجهه فيجلب به نفه أو يدفع به ضر والتدبير هو إصلاح أمره أو أمر من يلوذ به وقد لا يكون حيلة. الفرق بين الكيد والمكر أن المكر كالكيد إلا أنه لا يكون إلا مع الفكر والكيد أقوى من المكر. الفرق بين الحيلة والمكر أن من الحيلة ما ليس بمكر. الفرق بين الغرور والخداع أن الخداع يستر عنه وجه الصواب ليوقعه في مكروه والخطر ركوب المخاوف رجاء بلوغ المراد. الفرق بين الحسن والبهجة أن البهجة حسن الفرح تفرح به القلوب والحسن لا يقتضي ذلك. الفرق بين الحسن والجمال أن الجمال ما يحمد من الأفعال والأخلاق وكثرة المال وليس هو من الحسن في شيء. الفرق بين الجمال والبهاء أن البهاء بهارة المنظر بخلاف الحسن. الفرق بين التمام والكمال أن التمام اسم للجزء والبعض الذي يتم به الموصوف بأنه تام والكمال اسم لأجماع أبعاض الموصوف. الفرق بين البشاشة وطلاقة الوجه أن البشاشة إطلاق السرور عند اللقاء سواء كان أولاً وآخراً وطلاقة الوجه خلاف العبوس تكره الوجه عند اللقاء. الفرق بين الطهارة والنظافة أن الطهارة تكون في الخلقة والمعاني والنظافة لا تكون إلا في الخلقة واللباس لا في المعاني. الفرق بين القبيح والوحش أن الوحش الهزيل والقبيح في المنظر ويجوز أن يقال الوحش هو المتناهي في القباحة. الفرق بين السرور والفرح أن السرور لا يكون إلا بما هو نفع أو لذة على الحقيقة وقد يكون الفرح ما ليس بنفع ولا لذة كفرح الصبي بالرقص مثلاً.  الفرق بين الغم والهم أن الهم هو الفكر في إزالة المكروه واجتلاب المحبوب والغم معنى لتغص القلب معه لوقوع ضرر كان أو يكون أو لتوهمه. الفرق بين الهبوط والنزول أن الهبوط نزول يعقبة إقامة بخلاف النزول. الفرق بين المحض والخالص أن المحض الذي لم يخالطه شيء والخالص هو المختار من الجملة كالذهب المصفى. الفرق بين إخماد النار وإطفائها أن الإخماد يستعمل في الكثير والإطفاء في القليل. الفرق بين النجم والكوكب أن الكوكب اسم للكبير من النجوم والنجم على علم الثريا في صغيرها وكبيرها. الفرق بين الزلزلة والرجفة أن الجفة الزلزلة العظيمة الشديدة ولهذا سميت زلزلة الساعة رجفة. الفرق بين الرجوع والإياب أن الإياب هو الرجوع إلى منتهى القصد والرجوع يكون لذلك أو لغيره. الفرق بين المحق والإذهاب أن المحق يكون للأشياء الكثيرة ولا يكون في الشيء الواحد بخلاف الإذهاب ومن قوله تعالى: يمحق الله الربا يمحق ثواب عامله لقوله تعالى: ويربي لصدقات أي ثوابها. الفرق بين العكوف والإقامة أن العكوف هو الإقبال على الشيء والإحساس فيه ومنه الاعتكاف والإقامة لا تقتضي ذلك. الفرق بين الدنو والقرب أن الدنو لا يكون في مسافة بين شيئين والقرب عام في ذلك وفي غيره فيقال قلوبنا أن تتقارب ولا يقال تتدانى ويقال قرب بقلبه وإن كان بعيداً. الفرق بين الوسط والبين أن الوسط يضاف إلى الشيء الواحد وبين يضاف إلى شيئين فصاعداً تقول قعدت وسط الدار لا قعدت بين الدار وبين القوم والوسط يقتضي اعتدال الأطراف ولهذا قيل الوسط العدل في قوله تعالى: وكذلك جعلناكم أمة وسطاً الآية. الفرق بين الذوق والطعم أن الذوق ملابسة يحس بها الطعم وإدراك الطعم يتبين من ذلك الوجه يقال ذقته فلم أجد له طعماً. الفرق بين الركون والسكون أن الركون السكون إلى الشيء بالجبلة والاتصاف والسكون خلاف الحركة وإنما يستعمل في غيره مجازاً. الفرق بين الفرق بين التابع والتالي أن التالي فيما قال بعضهم هو الثاني وإن لم يتدبر بتدبير الأول والتابع إنما هو المتدبر بتدبير الأول. الفرق بين قوله مالك لا تفعل كذا وبين قوله لم لا تفعل كذا إن لم لا تفعل كذا أهم لأنه قد يكون بحال إلى غيره ومالك لا تفعل بحال يرجع إليه. الفرق بين النار والسعير والحريق والجحيم أن السعير هو النار الملتهبة والحريق النار الملهبة المحرقة والجحيم ناراً على نار وجمر على حمر. الفرق بين النور والضياء أن الضياء ما يتخيل آخر النور. الفرق بين النطفة والمني أن النطفة تفيد أنه ماء قليل والمني يفيد أنه مستقذر. الفرق بين الصب والسكب أن السكب هو الصب المتتابع والصب يكون دفعة واحدة. الفرق بين التبديل والإبدال أن التبديل على ما قال بعضهم تغيير الشيء عن حاله والإبدال جعل شيء مكان شيء. الفرق بين الخوان والمائدة أن الخوان لا يسمى مائدة إلا إذا كان الطعام عليها وإن لم يكن عليها طعام فهو خوان. هذا آخر ما علقناه من هذا الكتاب وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم وفي غيره الفرق بين البشارة والتهنئة أن البشارة الإعلام بما يسر والتهنئة الدعاء بالخير للمرء بعد ما علم به ولهذا لما أنزل الله توبة كعب بن مالك وصاحبيه ذهب إليه البشير فبشره فلما دخل المسجد جاء الناس فهنؤوه. الفرق بين الحياء والإغضاء أن الحياء رقة تعتري وجه الإنسان عند فعل ما يتوقع كراهته أو ما يكون تركه خيراً من فعله والإغضاء التغافل عما يكره الإنسان بطبيعته. رسائل الانتقاد كلمة للناشر بينا كنت خلال العام الفارط أرسل رائد الطرف في بعض المخطوطات العربية القديمة عثرت على كتاب صغير الحجم جميل الخط عتيقه فتأملته فوجدته لمؤلف تونسي معدود من البلغاء. وإذا كان لي ولوع شديد بالاطلاع على مآثر الأدباء من بني وطني تعلقت رغبتي بتعريف هذا التصنيف. بيد اني لما أخذت أتلو رشيق معانيه وأحلل دقائق مبانيه وجدت نقصاً فادحاً بين أوراقه أفسد عقد جمله فحل بي من ذلك قلق عظيم. ثم بعد مدة وقعت في فهرست القسم العربي من مكتبة الاسكوريال بجزيرة الأندلس على اسم مقامة تحت عدد ٥٣٦ منسوبة إلى أبي عبد الله محمد بن شرف القيرواني فانجلى خاطري وبادرت في الحال لطلب نسخة منها من بعض زملائي المستشرقين. فلما وافتني صورتها وطابقتها بما لدي عاودني سروري الأول وقوي عزمي إذ كانت القطعة الأندلسية مطابقة للقسم الأول من النسخة التونسية بزيادة ما نقص. فأسرعت حينئذٍ إلى النسخ وأتممت هاته بتلك حتى كمل والحمد لله ما كنا نرغبه وهو ما نقدمه اليوم للقراء الكرام. ومن المناسب أن نذكر شيئاً عن الأصلين اللذين أخذنا عنهما. فالأول وهي النسخة التونسية تشتمل على ستين صفحة شرقية يلوح منش كل خطها أنها من القرن السابع لكنها صعبة القراءة لانطماس الأحرف ودثور كتابتها دع عنك ما لحق الورق من العث الذي أهلك جانباً وافراً منها. أما القطعة الأندلسية التي أكملنا بها ما ضاع من التأليف فهي تحتوي على ثماني عشرة صفحة صغيرة الحجم أندلسية الخط قديمة النسخ كما يتبين ذلك من التاريخ الذي وضعه بعض المطالعين في الصفحة الآخرة حيث قال: طالعته في موفي سنة خمس وخمسمائة وبهذا يستدل على أن هاته القطعة كتبت زمن المؤلف مدة إقامته بالأندلس (حوالي سنة ٤٥٥ ) أو قريباً من عهده. ومهما كان الحال فهي أقدم من أختها التونسية إلا أنها أخصر ولا تشمل إلا على المقامة الأولى. ويلوح لي أن مؤلفنا قصد بتدوين هذه الرسائل معارضة كتاب العمدة الذي وضع زميله ومعاصروه الحسن بن رشيق القيرواني كما سنبينه في ترجمته. إلا أن الرسائل المعارض بها كانت أطول وأكثر مما وجدناه وأوردناه هنا. يؤيد ذلك ما جاء في سياق كلام ابن شرف في مقدمته للمجلس الأول حيث قال: فأقمت من هذا النحو عشرين حديثاً فالمظنون أنه يقصد بالحديث مجالسه مع الأستاذ الموهوم الذي سماه أبا الريان كما اختلق الحريري في مقاماته شخص الحارث بن همام واخترع الهمذاني عيسى بن هشام. فعسى أن يساعدني الحظ بالعثور على بقية هذا التأليف النفيس إن كان في عالم الموجودات. وقد احترمت في الاستنساخ الطريقة التي أتى عليها الأصل في الرسم وضبطه إلا ما نبهت عليه أسفل المتن مع التعاليق. ولما كان الاعتراف بالمعروف فريضة وجب عليّ أن أرفع شكري الخالص للكاتب البليغ والباحث المدقق أخينا في الله محمد بدر الدين أفندي النعساني الذي أعانني بعلومه النيرة لإزالة بعض مشكلات النسخة التونسية كما أقدم عبارات ودادي إلى العالم المستعرب المتمكن صديقي الأستاذ كارلو نالينو الذي أسعفني بالحصول على صور القطعة الأندلسية وهو لا يزال يفيدني بإشاراته العلمية وفكره الصائب فجزيا عني خير جزاء والله ولي التوفيق به أهتدي وإليه أنيب. ترجمة المؤلف نبغ أبو عبد الله محمد بن أبي سعيد بن أحمد بن شرف الجذامي القيرواني نحو سنة ٣٩٠ من إحدى البيوتات الشريفة القادمة مع الجيش العربي الفاتح والقيروان إذ ذاك زاهية زاهرة بالعلوم رافلة بالمعارف والفنون فروى المعقول والمنقول عن أفاضل ذلك العصر كأبي الحسن القابسي وأخذ الفنون الأدبية من أساتيذتها كأبي إسحاق إبراهيم الحصري القيرواني ومحمد بن جعفر القزاز وغيرهما حتى برع فيها وأجاد فألحقه حينئذٍ المعز بن باديس الصهناجي أمير أفريقية بديوان حاشيته لما رأى فيه من الذكاء والنجابة. وهناك التقى ابن شرف بجماعة من الكتاب البلغاء والشعراء الظرفاء الذين كان يجمعهم ديوان الملك مثل علي بن أبي الرجال الكاتب رئيس قلم التحرير والمراسلات وأبي علي الحسن بن رشيق صاحب العمدة ومحمد بن حبيب القلانسي وغيرهم. وطبيعي أن وجود ابن شرف في مثل هذا الوسط دعاء إلى تتبع الوجهة التي شب عليها وقوي نشاطه إذ كان أولئك الأدباء الأجلاء يتسابقون في التقرب بنظمهم ونثرهم إلى الأمير رغبة في العطايا الهائلة والهبات الطائلة. وحصل على هذا التنافس والتزاحم حركة فكرية أدبية لم تر أفريقية مثلها في عصر من عصور السلطنة الإسلامية وصارت القيروان كعبة العلم التي يحج إليها العلماء من جميع أصقاع المغرب حتى من الأندلس. وقد خصص العز لصحبته من بين هؤلاء الزعماء المتقدمين ابن شرف هذا وابن رشيق فكان يلتفت تارة إلى الأول وأخرى إلى الثاني وجرى بسبب ذلك بين هذين الأديبين مناقضات ومهاجمات رسمها كل منهما في رسائل مستقلة ومقامات متنوعة لم يصل إلينا منها شيء فيما نعلم. حكى ابن شرب المترجم له في كتابه أبكار الأفكار قال: استدعاني المعز بن باديس يوماً واستدعى أبا علي الحسن بن رشيق الأزدي وكنا شاعري حضرته وملازمي ديوانه فقال: أحب أن تضعا بين يدي قطعتين في صفة الموز على قافية الغين. فضمنا حالاً من غير أن يقف أحدنا على ما صنعه الآخر فكان الذي صنعته: يا حبذا الموز وإسعاده من قبل أن يمضغه الماضغ قد لأن حتى لا مجس له فالفم ملآن به فارغ سيان قلنا مأكل طيب فيه وإلا مشرب سائغ والذي صنعه ابن رشيق: موز سريعٌ أكله من قبل مضغ الماضغ فمأكل لآكل ومشرب لسائغ فالفم من لين به ملآن مثل فارغ يخال وهو بالغ للحلق غير بالغ فأمرنا للوقت أن نصنع فيه على حرف الذال فعملنا ولم ير أحدنا صاحبه ما عمل فكان ما عملته: هل لك في موز إذا ذقناه قلنا حبذا فيه شراب وغذا يربك كالماء القذى لو مات من تلذذا به لقيل ذا بذا لله موز لذيذ يعيذه المستعيذ فواكه وشراب به يداوي الوقيذ ترى القذى العين فيه كما يزيها النبيذ قال ابن شرف: فأنت ترى هذا الاتفاق لما كانت القافية واحدة والقصد واحداً. ولقد قال من حضر ذلك اليوم ما ندري مم نعجب أمن سرعة البديهة أم من غرابة القافية أم من حسن الاتفاق. وحكى المؤلف المترجم له أيضاً في كتابه المذكور قال: استخلانا المعز يوماً وقال أريد أن تصنعا شعراً تمدحان به الشعر الرقيق الخفيف الذي يكون على سوق بعض النساء فإني أستحسنه وقد عاب بعض الضرائر بعضاً به وكلهن قارئات كاتبات فأحب أن أريهن هذا وأدعي أنه قديم لاحتج به على من عابه وآسي به من عيب عليه. فانفرد كل منا وصنع في الوقت فكان الذي قلت: وبلقيسية زينت بشعر يسير بها ما يهب الشحيح رقيق في خدلجة رداح خفيف مثل جسم فيه روح حكى زغب الخدود وكل خد به زغب فمعشوق مليح فإن يك صرح بلقيس زجاجاً فمن حدق العيون لها صروح وكان الذي قال ابن رشيق: يعيبون بلقيسية أن رأوا لها كما قد رأى من تلك من نصب الصرحا وقد زادها التزغيب ملحاً كمثل ما يزيد خدود الغيد تزغيبها ملحا فانتقد المعز على ابن رشيق قوله يعيبون وقال: أوجدت لخصمها حجة بأن بعض الناس عابه فانظر ما ألطف هذه المناضلات وما أحلى هذه الحكايات ولولا خوف الإطالة لزدنا من هذه طرفاً تروق الخاطر. واستمر ابن شرف على خدمة المعز إلى أن زحف عرب الصعيد من هلاليين ورياح وغيرهم واستولوا على غالب القطر التونسي بعدما خربوه ودمروه واضطر الأمير المعز إلى ترك القيروان أمام تلك القبائل المتوحشة (سنة ٤٩ هـ -) وفر إلى المهدية واتخذها دار ملكه وقد تبعه إليها شعراؤه وحاشيته. وفي خلاء القيروان يقول ابن شرف من قصيدة رنانة: بعد خطوب خطبت مهجتي وكان وشك البين أمهارها ذا كبد أفلاذها حولها وقسمت الغربة أعشارها أطفالها ما سمعت بالفلا قط فعادت الفلا دارها ولا رأت أبصارها شاطئاً ثم جلت باللج أبصارها وكانت الأستار آفاقها فعادت الآفاق أستارها ولم تكن تعلو سريراً علا إلا إذا وافق مقدارها ثم علت فوق عشور الخطا ترمي به في الأرض أحجارها ولم تكن تلحظها مقلة لو كحلت بالشمس أشفارها فأصبحت لا تتقي لحظة إلا بأن تجمع أطمارها وأقام ابن شرف مدة بالمهدية مع زمرة شعراء الملك يخدم الأمير المعز وابنه تميماً إلى رحل عنها قاصداً جزيرة صقلية لما سمع عن كرم أميرها وإليها لحقه رصيفة ابن رشيق وقد قدمنا أنه كان وقع بينهما بالقيروان ما وقع بين جرير والفرزدق أو بين الخوارزمي وبديع الزمان. فلما اجتمعا بصقلية تسامحا وأقاما بها زمناً ثم استنهض يوماً ابن شرف رفيقه على جواز الأندلس فأنشد حينئذٍ ابن رشيق البيتين المشهورين بين الخاص والعام: مما يزهدني في أرض أندلس سماع مقتدرٍ فيها ومعتضد ألقاب سلطنة في غير مملكة كالهر يحكي انتفاخاً صولة الأسد فأجابه ابن شرف بديهة: ان ترمك الغربة في معشر قد جبل الطبع على بغضهم فدارهم ما دمت في دارهم وأرضهم ما دمت في أرضهم واجتاز ابن شرف وحده الأندلس وسكن المرية وغيرها وتردد على ملوك طوائفها كآل عباد بميلية وغيرهم وبهذه المدينة الأخيرة كانت وفاته سنة ٤٦٠ هـ ( ١٠٦٧ مسيحي) وخلف ابناً يدعى أبا الفضل جعفراً كان أديباً مجيداً أيضاً أورد له العماد في خريدته وانفتح في قلائده قصائد وفصولاً تشهد له بطول الباع. أما تآليف محمد بن شرف فكثيرة على ما نقله إلينا المؤرخون فمنها كتاب أبكار الأفكار جمع فيه ما اختاره ونثره وهو أنفس مصنفاته (مفقود وقد يوجد منه شيء في بعض كتب الأدب). ومنها كتاب أعلام الكلام به نخب وملح (مفقود أيضاً). ثم رسائل الانتقاد والمظنون أنه ألفها بعد هجرته القطر التونسي كما يستفاد من سياق كلامه في مقدمتها. وغيرها من هذه المصنفات الأدبية النفيسة. وها نحن نأتي على منتحبات نثر وشعر من كلام محمد بن شرف ليرى القارئ براعة هذا المؤلف الجليل ومكانته من الأدب. فمن نظمه في الشوق إلى بلاده القيروان مدة إقامته بالأندلس: يا قيروان وددت أني طائر فأراك رؤية باحث متأمل يا لو شهدتك إذ رأيتك في الكرى كيف ارتجاع صباي بعد تكهل وإذا تجدد لي أخ ومنادم جددت ذكر أخ خليل أول لا كثرة الإحسان تنسي حسرتي هيهات تذهب علتي بتعلل لو كنت أعلم أن آخر عهدهم يوم الرحيل فعلت ما لم أفعل وله في شكوى الزمان: إني وإن عزني نيل المني لأرى حرص الفتى خلت زيدت على العدم تقلدتني الليالي وهي مدبرة كأنني صارم في كف منهزم وأنشد في المعنى: عتاباً عسى أن الزمان له عتبى وشكوى فكم شكوى ألانت له القلبا إذا لم يكن إلا إلى الدمع راحة فلا زال دمع العين منهملاً سكبا وقال أيضاً: وما بلوغ الأماني في مواعدها إلا كأشعب يرجو وعد عرقوب وقد تخالف مكتوب القضاء به فكيف لي بقضاء غير مكتوب ومن شعره في الحكم قوله: احذر محاسن أوجه فقدت محا سن أنفس ولو أنها أقمار سرج تلوح إذا نظرت فإنها نور يضيء وإن مسست فنار لا تسأل الناس والأيام عن خبر هما يبثانك الأخبار تطفيلا ولا تعاتب على نقص الطباع أخاً فإن بدر السما لم يعط تكميلا لا يؤيسينك من أمر تصعبه فالله قد يعقب التصعيب تسهيلا بع من جفاك ولا تبخل بسلعته واطلب به بدلاً إن رام تبديلا وصير الأرض داراً والورى رجلاً حتى ترى مقبلاً في الناس مقبولا وله: إذا صحب الفتى سعد وجد تحامته المكاره والخطوب ووافاه الحبيب بغير وعد طفيلياً وناد له الرقيب وله أيضاً: يا ثاوياً في معشر قد اصطلى بنارهم إن تبك من شرارهم على يدي شرارهم أو ترم من أحجارهم وأنت في أحجارهم فما بقيت جارهم ففي هواهم جارهم وأرضهم في أرضهم ودارهم في دارهم ومن كلامه في التغزل قوله في ليلة أنس: ولقد نعمت بليلة جمد الحيا بالأرض فيها والسماء تذوب جمع العشائين المصلي وانزوى فيها الرقيب كأنه مرقوب والكاس كاسية القميص كأنها لوناً وقدراً معصم مخضوب هي وردة في خده وبكأسها تحت القناني عسجد مصبوب مني إليه ومن يديه إلى يدي فالشمس تطلع بيننا وتغيب وقوله أيضاً: قامت تجر ذيول العصب والحبر ضعيفة الخطو والميثاق والنظر تخطو فتولي الحصا من حليها نبذا وتخلط العنبر الوردي بالعفر تلفتت عن طلا وسنان وابتسمت عن واضح مثل نور الروضة العطر ما لذ للعين نوم بعدما ذكرت ليلاً سمرناه بين الضال والسمر تساقط الطل من فوق النحور به تساقط الدر في اللبات والثغر وله من خمرية سمية: خليل النفس لا تخلي الزجاجا إذا بحر الدجى في الجو ماجا وجاهر في المدامة من يرائي فما فوق البسيطة من يداجى أمط عنك الكرى والليل ساج ودعنا نلبس الظلماء ساجا وهات على اهتمام الروح راحاً يعيد هموم النفس لها اقتراجا إذا مريخها اتقد احمراراً صببنا المشتري فيها مزاجا وله: بكيت دماً والقاصرات سوافر فلاحت خدود كلهن مورّد وقد وقف الواشون في كل وجنة على محضر فيه المدامع تشهد وله: يقول لي العاذل في لومه وقوله زور وبهتان ما وجه من أحببته قبلة قلت ولا قولك قرآن وقال: قل للعذول لو اطلعت على الذي عانيته أعناك ما يعنيني أتصدني أم للغرام تردني وتلومني في الحب أم تغريني دعني فلست معاقباً بجنايتي إذ ليس دينك لي ولا لك ديني وقال فيمن اسمه عمر: يا أعدل الناس اسماً كم تجور على فؤاد مضناك بالهجران والبين أظنهم سرقوك القاف من قمر فأبدلوها بعين حيفة العين وله أيضاً: غيري جنى وأنا المعاقب فيكم فكأني سبابة المتندم وقال يمدح أستاذه الكاتب أبا الحسن علي بن أبي الرجال: جاور علياً ولا تحفل بحادثة إذ ادرعت فلا تسأل عن الأسل اسم حكاه المسمى في الفعال فقد حاز العليين من قول ومن عمل فالماجد السيد الحر الكريم له كالنعت والعطف والتوكيد والبدل زان العلا وسواه شانها وكذا تميز الشمس في الميزان والحمل وربما عابه ما يفخرون به يشنا من الخصر ما يهوى من الكفل سل عنه وانطق به وانظر إليه تجد ملء المسامع والأفواه والمقل ومن نظمه في أنواع شتى: قال في العود سقى الله أرضاً أنبت عودك الذي زكت منه أغصان وطابت مغارس تغني عليها الطير والعود أخضر وغنت عليه الغيد والعود يابس وقال في الدرهم والدينار: ألا رب شيء فيه من أحرف اسمه نواه لنا عنه وزجر وإنذار فتنا بدينار وهمنا بدرهم وآخر ذا هم وآخر ذا نار وقال من قصيدة في وصف سيف: إن قلت ناراً أتندي النار ملهبة أو قلت ماء أيرمي الماء بالشرر وله من أخرى: وقد وخطت أرماحهم مفرق الدجى فيان لأطراف الأسنة شائبا ومن نثرة ما كتبه مستعطفاً محبوس في دين: قد حكمت بسجن الأشباح. وهي سجون الأرواح. فامنن علي ماشئت منهما بالسراح. فالحبس نزاع الأرواح. والعقلة أخت القتلة. وكلاهما فقد. ومهر للخطوب وفقد. وإنما بينهما نفس متصاعد. وأجل متباعد. فالحق بهما ما أجلت بما عجلت. وقد أخرنا الدين. إلى يوم الدين. ومن منثور كلامه في أبكار الأفكار: لما فني عمر الأمس. وطفئ سراج الشمس. لاحت بروق الثغور اللوامع. وجلجلت رعود الأوتار في المسامع. وبعث محارق وابن جامع. فلم يزل ذلك دأبنا. ما أقلع سحابنا. حتى مسأنا هجعة. وكنا نقول بالرجعة. وله في القرابة: الوجيه بين أقاربه. كالوادي بين مذانبه. تجذبن ماءه وتطلبن ظماءه. وفي العداوة: كم قاطعك من راضعك. وقابحك من مالحك. ونافقك من وافقك. وناصبك من صاحبك. وحادك من وادك. في أنواع شتى: الجود أنصر من الجنود - من بخل بماله. سمح بعرض آله - الباذل كثير العاذل - الكريم كثير الغريم - احذر الكريم إذا افتقر. واللئيم إذا اقتدر - احذر التقي إذا أنكر. والذكي إذا فكر - المطل أحد المنعين. واليأس أحد الصنعين - العشق أحد الرقين. والسلو أحد العتقين - رفث الكلام أحد السفاحين. وموالاة القبل أحد النكاحين - جميل الرد أحد الجودين. وبقاء الذكر أحد الخلودين - طول الجمود أحد القبرين. وبقاء الثناء أحد العمرين - بئس النصير التقصير - المتحاسر خاسر - من كثر فجره. وجب هجره - من كرمت خصاله. وجب وصاله - سحابة صيف. وزيادة طيف - الوسيلة جناح النجاح - رب عين إذا رأت زنت - لأكرم بمن حرم - المستلم أحزم من المتسلم. هذا ما قصدنا إيراده هنا على أن ما جمعناه من كلام هذا الأديب البارع هو أطول من ذلك وقد لاقينا صعوبات جمة في نظم ما تشتت إذ لا يوجد تأليف يحوي تراجم فضلاء القطر التونسي والله المسؤول الإعانة. قال أبو عبد الله شرف القيرواني هذه أحاديث صنعتها مختلفة الأنواع. مؤتلفة في الأسماع. عربيات المواشم. غربيات التراجم. واختلقت فيها أخباراً فصيحات الكلام. بديعات النظام. لها مقاصد ظراف. وأسانيد طراف. يروق الصغير معناها. والكبير مغزاها. وعزوتها إلى أبي الريان الصلت بن السكن من سلامان . وكان شيخاً هماً في اللسان. وبدراً تماً في البيان. قد بقي أحقاباً. ولقي أعقاباً. ثم ألقته إلينا من باديته الأزمات. وأوردته علينا العزمات. فامتحنا من علمه بحراً جارياً. وقدحنا من فهمه زنداً وارباً. وأدرنا من بره طرفاً. واجتنينا من ثمره طرفاً. ونحن إذ ذاك والشباب مقتبل. وغفلة الزمان تهتبل. واحتذبت فيما ذهبت إليه. ووقع تعريضي عليه. من بث هذه الأحاديث ما رأيت الأوائل قد وضعته في كتاب كليلة ودمنة فأضافوا حكمه إلى الطير الحوائم. ونطقوا به على ألسنة الوحش والبهائم. لتتعلق به شهوات الأحداث. وتستعذب بسمره ألفاظ الحداث. وقد نجا بذا النحو سهل بن هرون الكاتب في تأليفه كتاب النمر والثعلب وهو مشهور الحكايات. بديع المراسلات. مليح الكاتبات. وزور أيضاً بديع الزمان الحافظ الهمذاني وهو الأستاذ أبو الفضل أحمد ابن الحسين مقامات كان ينشئها بديهاً في أواخر مجالسه وينسبها إلى راوية رواها له يسميه عيسى بن هشام وزعم أنه حدثه بها عن بليغ يسميه الاسكندري وعددها فيما يزعم رواتها عشرون مقامة إلا أنها لم تصل هذه العدة إلينا وهي متضمنة معاني مختلفة. ومبنية على معاني شتى غير مؤتلفة. لينتفع بها من الكتاب والمحاضرين من صرفها من هزل إلى جد. ومن ند إلى ضد. فأقمت من هذا النحو عشرين حديثاً أرجو أن يتبين فصلها. ولا تقصر عما قبلها. ولعمري ما أشكر من نفسي. ولا أثني على شيء من حسي. إلا ظفري بالأقل مما حاولته على ما أضرمته نيران الغربة من قلبي. وثلمته صعقات الفتنة من لبي. وقطعت أهوال البر والبحر من خواطري. وأضعفت الوحشة والوحدة من غرائزي وبصائري. لكن نية القاصد وسعة المقصود. أعانا ذا الود على أتحاف المودود. والله أسأل توفيقاً. ينهج لنا إلى الرشد طريقاً. فمنها: قال محمد وجاريت أبا الريان في الشعر والشعراء ومنازلهم في جاهليتهم وإسلامهم واستكشفته عن مذهبه فيهم ومذاهب طبقته في قديمهم وحديثهم فقال الشعراء أكثر من الإحصاء وأشعارهم أبعد من شقة الاستقصاء. فقلت لا أعتبك بأكثر من المنهورين. ولا أذاكر راك إلا في المذكورين مثل الضليل والقتيل. ولبيد وعبيد. والنوابغ والعشو. والأسود بن يعفر. وصخر الغي وابن الصمة دريد. والراعي عبيد. وزيد الخيل. وعامر بن الطفيل. والفرزدق وجرير. وجميل بن معمر وكثير. وابن جندل. وابن مقبل. وجرول. والأخطل. وحسان في هجائه ومدحه. وغيلان في ميته وصيدحه. والهذلي أبي ذؤيب وسحيم نصيب. وابن حلزة الوائلي. وابن الرقاع العاملي. وعنترة العبسي. وزهير المري. وشعراء فزارة. ومفلقي بني زرارة. وشعراء تغلب ويثرب. وأمثال هذا النمط الأوسط كالرماح. والطرماح. والطثري والدميني. والكميت الأسدي. وحميد الهلالي. وبشار العقيلي. وابن أبي حفصة الأموي. ووالبة الأسدي. وابن جبلة الحلمي. وأبي نواس الحكمي. وصريع الأنصاري. ودعبل الخزاعي. وابن الجهم القرشي. وحبيب الطائي والوليد البحتري. وابن المعتز العباسي. وعلي بن العباس الرومي. وابن رغبان الحمصي. ومن الطبقة المتأخرة في الزمان. المتقدمة في الإحسان. كأبي فراس بن حمدان. والمتنبي بن عبدان. وابن جدار المصري. وابن الأحنف الجنفي. وكشاجم الفارسي. والصنوبري الحلي. والنصر الخبزدزي. وابن عبد ربه القرطبي. وابن هاني الأندلسي. وعلي بن العباس الأيادي التونسي. والقسلطي قال أبو الريان لقد سميت مشاهير. وأبقيت الكثير. قلت بلى: ولكن ما عندك فيمن ذكرت. قال: أما الضليل مؤسس الأساس. وبنيانه عليه الناس. كانوا يقولون أسيلة الخد حتى قال أسيلة مجرى الدمع. وكانوا يقولون تامة القامة وطويلة القامة وجيداء وتامة العنق وأشباه هذا حتى قال بعيدة مهوى القرط وكانوا يقولون في الفرس السابق يلحق بالغزال والظليم وشبهه حتى قال قيد الأوابد ومثل هذا له كثير. ولم يكن قبله من فطن لهذه الإشارات والاستعارات غيره فامتثلوه بعده. وكانت الأشعار قبل سواذج. فبقيت هذه جدداً وتلك نواهج. وكل شعر بعد ما خلاها فغير رائق النسج. وإن كان النهج وأما طرفه فلو طال عمره. لطال شعره. وعلا ذكره. ولقد خص بأوفر نصيب من الشر. على أيسر نصيب من العمر. فملأ أرجاء ذلك النصيب بصنوف من الحكمة. وأوصاف من علو الهمة. والطبع معلم حاذق. وجواد سابق. وأما الشيخ أبو عقيل فشعره ينطق بلسان الجزالة. عن جنان الأصالة. فلا تسمع له إلا كلاماً فصيحاً. ومعنىً مبيناً صريحاً. وإن كان شيخ الوقار. والشرف والفخار. لبادئات في شعره وهي دلائله. قبل أن يعلم قائله. وأما العبسي فمجيد في أشعاره. ولا كمعلقته فقد انفرد بها انفراد سهيل. وغبر في وجوده الخيل. وجمع فيها بين الحلاوة والجزالة. ورقة الغزل وغلظة البسالة. وأطال واستطال. وأمن السآمة والكلال. وأما زهير فأي زهير. بين لهوات زهير. حكم فارس. ومقامات الفوارس. ومواعظ الزهاد. ومعتبرات العباد. ومدح يكسب الفخار. ويبقى بقاء الإعصار. ومعاتبات مرة تحسن. ومرة تخشن وتارة تكون هجواً. وطوراً تكاد تعود شكراً. وأما ابن حلزة فسهل الحزون. قام خطيباً بالموزون. والعادة أن يسهل شرح الشعر بالنثر. وهذا أسهل السهل بالوعر. وذلك مثل قوله: أبرموا أمرهم عشاء فلما أصبحوا أصبحت لهم ضوضاء من منادٍ ومن مجيبٍ ومن تص هالٍ خليل خلال ذاك رغاء  فلو اجتمع كل خطيب ثائر. من أول وآخر. يصفون سفراً نهضوا بالأسحار. وعسكراً تنادي بالنهوض إلى طلب الثار. ما زادوا على هذا إن لم ينقصوا منه ولم يقصروا عنه وسائر قصيدته في هذا المسلك شكاية وطلاب نصفة وعتاب في عزة وأنفة وهو من شعراء وائل وأحد أسنة هاتيك القبائل. وأما ابن كلثوم فصاحب واحدة بلا زياة أنطقه بها عز الظفر وهزه فيها جن الأشر فقعقعت رعوده في أرجائها وجعجعت رحاه في أثنائها وجعلتها تغلب قبلتها التي تصلي إليها وملتها التي تعتمد عليها فلم يتركوا إعادتها ولا خلعوا عبادتها إلا بعد قول القائل: ألهى بن يني تغلب عن كل مكرمة قصيدة قالها عمرو بن كلثوم على أنها من القصائد المحققات وإحدى المعلقات. وأما النابغة فأشعاره الجياد لم تخرج عن نار جوانحه حتى تناهى نضجها ولا قطعت من منوال خواطره حتى تكاثف نسمها لم تهلهلها ميعة الشباب ولا وهاء الأسباب ولا لوم الاكتساب فشعره وسائط سلوك وتيجان ملوك. وأما النابغة الجعدي فنقي الكلام شاعر الجاهلية والإسلام واستحسن شعره أفصح الناطقين ودعا له أصدق الصادقين وكان شاعراً في الافتخار والثناء قصير الباع لشرفه عن تناول الهجاء وكان مغلوباً في الجاهلية وطريد ليلى الأخيلية. وأما العشي بأجمعهم فكلهم شاعر ولا كميمون بن قيس شاعر المدح والهجاء واليأس والرخاء والتصرف في الفنون والسعي في السهول والحزون نفق مدحه بنات المحلق وكان في فقر ابن المذلق وأبكى هجوه علقمة كما تبكي الأمة. وأما الأسود بن يعفر فأشعر الناس إذا ندب دولة زالت أو بكى حاله حالت أو وصف ربعاً خلا بعد عمران أو داراً درست بعد سكان فإذا سلك هذا السبيل فهو من حشو هذا القبيل كعمرو بن زيد وسعد وسعيد. وأما حسان فقد اجتث بواكر غسان ثم جاء الإسلام وانكشف الإظلام فجاحش عن الدين وناضل عن خاتم النبيين فشعر وزاد وحسن وأجاد إلا أن الفضل في ذلك لرب العالمين وتسديد الروح الأمين. وأما دريد بن الصمة فصمة صمم وشاعر جشم وغزل هرم وأول من تغزل ي رثاء وهزل في حزن وبكاء فقال في معبد أخيه قصيدته المشهورة يرثيه: إرث جديد الحبل من أم معبد وهي من شاجيات النوائح وباقيات المدائح. وأما الراعي عبيد فجبل على وصف الإبل فصار بالراعي يعرف زنسي ما له من الشرف. وأما زيد الخيل فخطيب سجاعة وفارس شجاعة مشغول بذلك عما سواه من المسالك. وأما عامر ابن الطفيل فشاعرهم في الفخار وفي حماية الجار وأوصفهم لكريمة وأبعثهم لحميد شيمة. وأما ابن مقبل فقديم شعره وصليب نحره. ومغلى مدحه. ومعلى قدحه. وأما جرول فخبيث هجاؤه شريف ثناؤه صحيح بناؤه رفع شعره من الثرى وحط من الثريا. وأعاد بلطافة فكره ومتانة شعره قبيح الألقاب فخراً يبقى على الأحقاب ويتوارث في الأعقاب. وأما أبو ذؤب فشديد أسر الشعر حكيمه شغله فيه التجريب حديثه وقديمه وله المرثية النقية السبك المتينة الحبك بكى فيها بنيه السبعة ووصف الحمار فطول وهي التي أولها: أمن المنون وريبه تتوجع وأما الخطل فسعد من سعود بني مروان. صفت لهم مرآة فكره. وظفروا بالبديع من شعره. وكان باقعة من حاجاه. وصاعقة من هاجاه. وأما الدرامي همام فجوهر كلامه. وأغراض سهامه. وإذا افتخر بملك ابن حنظلة. وبدارم في شرف المنزلة. وأطول ما يكون مدى إذا تطاول اخيار جرير عليه بقليله على كثيره. وبصغيره على كبيره. فانه يصادمه حينئذٍ ببحرٍ ماد. ويقاومه بسيف حاد. وأما ابن الخطفي فزهد في غزل. وحجر في جدل. يسبح أولاً في ماء عذب. ويطمح آخراً في صخر صلب. كلب منابحته. وكبش مناطحته. لا تفل غرب لسانه مطاولة الكفاح. ولا تدمي هامته مداومة النطاح. جارى السوابق بمطية. وفاخر غالب بعطية. وبلغته بلاغته إلى المساواة. وحملته جرأته على المجاراة. والناس فيهما فريقان. وبينهما عند قوم فرقان. وأما القيسان وطبقتهما فطبقة عشقة. توقة. استحوذت الصبابة على أفكارهم واستفرغت دواعي الحب معاني أشعارهم فكلهم مشغول بهواه لا يتعداه إلى سواه. وأما كثير فحسن النسيب فصيحة لطيف العتاب مليحة شجي الاعتراب قريحة جامع إلى ذلك رقائق الظرفاء وجزالة مدح الخلفاء. وأما الكميت والرماح ونصيب الطرماح فشعراء معاصره ومناقضات ومفاخره فنصيب أمدح القوم والطرماح أهجاهم والرماح أنسبهم والكميت أشبههم تشبيباً. وأما بشار بن برد فأول المحدثين وآخر المخضرمين وممن لحق الدولتين عاشق سمع وشاعر جمع شعره ينفق عند ربات الحجال. وعند فحول الرجال فهو يلين حتى يستعطف. ويقوى حتى يستنكف وقد طال عمره وكثر شعره وطما بحره ونقب في البلاد ذكره. وأما ابن أبي حفصة فمن شعراء الدولتين وممن حظي بالنعمتين ووصل إلى الغنى بالصلتين وكان درب المعول ذرب المقول والد شعراء ومنجب فصحاء. وأما أبو نواس فأول الناس في خرم القياس وذلك أنه ترك السيرة الأولى. وانكب على الطريقة المثلى وجعل الجد هزلاً والصعب سهلاً فهلهل المسرد وبلبل المنضد وخلخل المنجد وترك الدعائم وبنى على الطامي والعائم وصادف الأفهام قد نكلت وأسباب العربة قد تخلخلت وانحلت والفصاحات الصحيحة قد سئمت وملت. فمال الناس إلى ما عرفوه وعلقت نفوسهم بما ألفوه فتهادوا شعره وأغلوا سعره. وشغفوا بأسخفه وكلفوا بأضعفه وكان ساعده أقوى وسراجه أضوا لكنه عرض الأنفق وأهدى الأوفق وخالف فشهر وعرف وأغرب فذكر واستظرف والعوام تختار هذه الأعلاق وأسواقهم أوسع الأسواق فشعر أبي نواس نافق عند هذه الأجناس كاسد عند أنقد الناس وقد فطن إلى استضعافه وخاف من استخفافه. فاستدرك بفصيح طرده طرفاً حد اللسان وحدوده وهو محدود في كثرة التظاهر على من غض منه بالحق الظاهر ليس إلا لخفة روح المجون وسهولة الكلام الضعيف الملحون على جمهور العوام لا على خواص الأنام. وأما صريع فكلامه مرصع ونظامه مصنع وجملة شعره صحيحة الأصول مصنعة الفصول قليلة الفضول. وأما العباس بن الأحنف فمعتزل بهواه وبمعزل عمن سواه دفع نفسه عن المدح والهجاء ووضعها بين يدي هواه من النساء قد رقق الشغف كلامه وثقفت قوة الطبع نظامه فله رقة العشاق وجودة الحذاق. وأما دعبل فمديد مقبل اليوم مدح وغداً قدح يجيد في الطريقتين ويسيء في الخليقتين وله أشعار في العصبية وكان شاعر علماء وعالم شعراء. وأما علي بن الجهم فرشيق الفهم راشق السهم استوصل شعره الشرفاء ونادم الخلفاء وله في الغزل الرصافية وفي العتاب الدالية ولو لم يكن له سواهما لكان أشعر الناس بهما. وأما الطائي حبيب فمتكلف إلا أنه يصيب ومتعب لكن له من الراحة نصيب وشغله المطابقة والتجنيس حبذ ذلك أويس جزل المعاني مرصوص المعاني مدحه ورثاؤه لا غزل له وهجاؤه طرفاً نقيض وخطباً سماء وحضيض وفي شعره علم جم من النسب وجملة وافرة من أيام العرب وطارت له أمثال وحفظت له أقوال وديوانه مقرو وشعره متلو قال ابن بسام أما صفته هذه لأبي تمام فنصفه لم يثن عطفها حمية ولا تعلقت بذيلها عصبية حتى لو سمعها حبيب لتخذها قبلة واعتمدها مله فما لام من أدَّب وإن أوجع ولا سب من صدق وإن أقذع. وأما البحتري فلفظه ماء ثجاج ودرر رجراج ومعناه سراج وهاج على اهداء منهاج يسبقه شعره. إلى ما يجيش به صدره يسر مراد ولين قياد إن شربته أرواك وإن قدحته أوراك طبع لا تكلف يعيبه ولا العناد يثنيه لا يملّ كثيره ولا يتكلف غزيره لم يهف أيام الحلم ولم يصف زمن الهرم. وأما ابن المعتز فملك النظام كما هو ملك الأنام له التشبيهات المثلية والاستعارات الشكلية والإشارات السحرية والعبارات المجرية والتصاريف الصنوفية والطرائق الفنونية والافتخارات الملوكية والهمات العلوية والغزل الرائق والعتاب الشائق ووصف الحسن الفائق. وخير الشعر أكرمه رجالا وشر الشعر ما قال العبيد وأما ابن الرومي فشجرة الاختراع وثمرة الابتداع وله في الهجاء ما ليس له في الإطراء فتح فيه أبواباً ووصل منه أسباباً وخلع منه أثواباً وطوق فيه رقاباً يبقين أعماراً وأحقاباً يطول عليها حسابه ويمحق بها ثوابه ولقد كان واسع العطن لطيف الفطن إلا أن الغالب عليه ضعف المريرة وقوة المرة. وأما كشاجم فحكيم شاعر وكاتب ماهر له في التشبيهات غرائب وفي التأليفات عجائب يجيد الوصف ويحققه ويسبك المعنى فيرققه ويروقه. وأما الصنوبري ففصيح الكلام غريبه مليح التشبيه عجيبه مستعمل لشواذ القوافي يغسل كدرتها بمياه فهمه الصوافي فتجلو وتدق وتعذب وترق وهو وحيد جنسه في صفة الأزهار وأنواع الأنوار وكان في بعض أشعاره يتخالع وفي بعضها يتشاجع وقد مدح وهجا ونثر وشجا وأعجب شعره وأطرب وشرق وغرب ومدح من أهل أفريقية أمير الزاب جعفر بن علي منفق سوق الآداب فوصله بألف دينار بعثها إليه مع ثقات التجار . وأما الخبزرزي فخليع الشعر ماجنه رائق اللفظ بائنه كثيرة محاسنه صحيحة أصوله ومعادنه رائقة البزة مائلة إلى العزة تسليه عن الحب الخيانة ويروقه الوفاء والصيانة وله على خشونة خلقه وصعوبة خُلقه اختراعات لطيفة وابتداعات ظريفة في ألفاظ كثيفة وفصول قليلة الفضول نظيفة حتى أن بعض كبراء الشعراء اهتدم أشياء من مبانيه واهتضم طرفاً من معانيه وهو من معاصريه فقل من فطن لمراميه. وأما أبو فراس بن حمدان ففارس هذا الميدان إن شئت ضرباً وطعناً ولفظاً ومعنى ملك زماناً وملك أواناً وكان أشعر الناس في المملكة وأشهرهم في ذل الملكة وله الفخريات التي لا تعارض والأسريات التي لا تناقض. وأما المتنبي فقد شغلت به الألسن وسبرت في أشعاره العيون الأعين وكثر الناسخ لشعره والآخذ لذكره والغائص في بحره والمفتش في قعره عن جمانة ودره وقد طال فيه الخلف وكثر عنه الكشف وله شيعة تغلو في مدحه وعليه خوارج تتعايا في جرحه والذي أقول أن له حسنات وسيئات وحسناته أكثر عدداً وأقوى مدداً وغرائبه طائرة وأمثاله ثائرة وعلمه فسيح وميزه صحيح يروم فيقدر ويدري ما يورد ويصدر. قال أبو الريان هذا ما عندي في شعراء المشرق وقد سميت لي من متأخري شعراء المغرب من لعمري لا يبعد عن معاصرهم ولا يقصر عن سابقهم. فأما ابن عبد ربه القرطبي وإن بعدت عنك دياره فقد صاقبتنا أشعاره ووقفنا على أشعار صبوته الأنيقة وتكفيرات توبته الصدوقة ومدائحة المروانية ومطاعنه في العباسية وهو في كل ذلك فارس ممارس وطاعن مداعس وأطلعنا في شعر على علم واسع ومادة فهمٍ مضيءٍ ناصع من تلك الجواهر نظم عقده وتركه لمن يتجمل به بعده. وأما ابن هاني محمد الأندلسي ولادة القيرواني وفادة وإفادة فرعدي الكلام سردي النظام متين المباني غير مكين المعاني يجفو بعطنها عن الأوهام حتى تكون كنقطة النظام إلا أنه إذا ظهرت معانيه في جزالة مبانيه رمى عن منجنيق يؤثر في النيق وله غزل قفري لا عذري لا يقنع فيه بالطيف ولا يشفع فيه بغير السيف وقد نوه به ملك الزاب وعظم شأنه بأجزل الثواب وكان سيف دولته في إعلاء منزلته من رجل يستعين على صلاح دنياه بفساد أخراه لردادة عقله ورقة دينه وضعف يقينه ولو عقل لم تضق عليه معاني الشعر حتى يستعين عليها بالكفر. وأما القسطلي فشاعرهم ماهر بما يقول تشهد له العقول بأنه المؤخر بالعصر المقدم في الشعر حاذق بوضع الكلام في مواضع لا سيما إذا ذكر ما أصابه في الفتنة وشكا ما دهاه في أيام المحنة وبالجملة فهو أشعر أهل مغربه في أبعد الزمان وأقربه. وأما علي التونسي فشعره المورد العذب ولفظه اللؤلؤ الرطب وهو بحتري الغرب يصف الحمام فيروق الأنام ويشبب فيعشقق ويجب ويمدح فيمنح أكثر ما يمنح. هذا ما عندي في المتقدمين والمتأخرين على احتقار المعاصر واستصغار المجاور فحاش لله من الأوصاف بقلة الإنصاف للبعيد والقريب والعدو والحبيب. قلت: يا أبا الريان أكثر الله مثلك في الإخوان ووقاك محذور الزمان ومرور الحدثان فلقد سبكت فهماً وحشيت علماً . قال محمد قلت لأبي الريان في مجلس عقيب هذا المجلس يا أبا الريان لقد رأيت لك نقداً مصيباً ومرمى عجيباً ولقد أرغب في أن أنال منه نصيباً قال النقد هبة الموالد. زفيه زيادة طارف إلى تالد ولقد رأيت علماء بالشعر ورواةً له ليس لهم نفادٌ في نقده ولا جودة فهم في رديئه وجيده وكثير ممن لا علم له يفطن إلى غوامضه وإلى مستقيمه ومتناقضه. قلت أنا شديد الرغبة إلى فضلك في أن تسهمني من ميزك وعقلك ما أستهدي بسراجه على مستقيم منهاجه فأقف من سرائره على بعض ما وقفت وأعرف من متأخره ومعانيه جزءاً مما عرفت. قال نعم أول ما عليه تعتمد وإياه تعتقد أن لا تستعجل باستحسان ولا باستقباح ولا باستبراد ولا باستملاح حتى تنعم النظر وتستخدم الفكر واعلم أن العجلة في كل شيء مودئٌ زلوق ومركب زهوق فإن من الشعر ما يملأ لفظه المسامع ويرد على السامع منه قعاقع فلا يرعك شماخة مبناه وانظر إلى ما فيّ سكناه من معناه فإن كان في البيت ساكن فتلك المحاسن وإن كان خالياً فاعدده جسماً بالياً وكذلك إذا سمعت ألفاظاً مستعملة وكلمات مستذلة فلا تعجل باستضعافها حتى ترى ما في أضعافها فكم من معنى عجيب في لفظ غير غريب والمعاني هي الأرواح والألفاظ هي الأشباح فإن حسنا فذلك الحظ الممدوح وإن قبح أحدهما فلا يكن الروح. قال: وتحفظ عن شيئين أحدهما أن يحملك إجلال القديم المذكور على العجلة باستحسان ما تستمع له والثاني أن يحملك أصغارك المعاصرة المشهود على التهاون بما أنشدت له. فإن ذلك جورٌ في الأحكام وظلم من الحكام حتى تمحص قولهما فحينئذٍ تحكم لهما أو عليهما وهذا باب في اغتلاقه استصعاب وفي صرف العامة وبعض الخاصة عنه أتعاب وقد وصف تعالى في كتابه الصادق تشبثت القلوب بسيرة القديم ونفارها من المحدث الجديد فقال حاكياً لقولهم إنا وجدنا آباءنا على أمةٍ وقال لن نعبد إلا ما وجدنا عليه آباءنا وقد قلت أنت: أغري الناس بامتداح القديم وبذم الجديد غير ذميم ليس إلا لأنهم جسدوا الح ي ورقوا على العظام الرميم وقلت في هذا المعنى: قل لمن لا يرى المعاصر شيئاً ويرى للأوائل التقديما إن ذاك القديم كان جديداً وسيغدو هذا الجديد قديما فلا يرعك أن تجري على منهاج الحق في جميع الخلق فيه قامت السموات والأرض وبه أحكم الإبرام والنقض وسأمثل لك في ذلك مثالاً وأملأ أسماعك مقالاً وفهمك عدلاً واعتدالاً. مخطوطات ومطبوعات حاضر الإسلام ومستقبله تأليف الأستاذ مونثه من كلية جنيف (سويسرا) طبع على نفقة الكتبي بول كوتنز ب باريز ص ١٥٧ M.E. Montet . De l'Etat présent et de l'avenir de l'Islam. Librarie Paul Geuthner , Paris في رجال العلم في الغرب فئة قليلة تجردت نفوسهم عن الغايات فإذا أصدروا حكمهم على أمر يصدروه أقرب إلى الصحة أحياناً أكثر ممن تربوا تربية القرون الوسطى وتشبعوا بأفكار أهلها أو نزعوا منزعاً سياسياً فصارت أقوالهم وأقوالهم تصدر وهي ترشح من مادة سياسة دولتهم. ومن أهل تلك الفئة الفاضلة الأستاذ مونته من جامعة جنيف في سويسرا ألقى ست محاضرات في حاضر الإسلام وماضيه وباللغة الإفرنسية في كوليج دي فرانس بباريز وهي دار العلم العامة ونشرها في كتاب أرسل إلينا لنبدي رأينا فيه فرأينا أن نلخص أقواله أولاً ثم نعقب عليها إذا وجدنا داعياً قال في المحاضرة الأولى في الأبحاث الإسلامية وإحياء نفوس أهل الإسلام وانتشار دينهم أن فرنسا وألمانيا وبريطانيا العظمى وهولاندا هي الدول التي لها علاقة كبرى بالمسلمين لأن لها في مستعمراتها ملايين منهم تابعين لها وإن طبائع الحكومات الخاضعين لها تختلف باختلاف طبائعهم فيمكن إرجاع المسلمين المحكوم عليهم في آسيا وأفريقيا إلى ثلاثة أقسام كبرى الهنود والمالايو والأفريقيون وأنه يؤثر أن يتكلم على المسلمين الخاضعين لفرنسا بنوع خاص ولا يتعرض لمسلمي الهند وجاوه وسومطرا إلا بالعرض. المسلمون البربر يختلفون في طبائعم عن مسلمي العرب أو الفرس أو الهنود أو الصينيين أو المالايو كما تختلف النصرانية إذا نظر إليها نظراً إجمالياً لأنها تختلف باختلاف طبائع أهلها بحسب الأقاليم أوربية كانت أو أمريكية أو أفريقية أو آسياويه. إذا نظر إلى البلاد الإسلامية من حيث مجموعها يتأتى أن يقال له الإسلام في الجملة منتشر في جزء عظيم من قارة آسيا وجزء مثله من قارة أفريقية وفي بلاد عظيمة جداً من ماليزيا دع عنك النازلين من أهل الإسلام في قارتي أوربا وأمريكا وعددهم فيهما لا يستهان به. وإذا جئنا نحصي عدد المسلمين كان لفرنسا في أفريقية منهم ٢.٣١٠.٨٠٠ وربما بلغ المسلمون تحت علم إنكلترا ٦٨.٠٠٠.٠٠٠ وتحت حكم هولاندا ٣٨.٩٣٨.٠٠٠ منهم زهاء ثلاثين مليوناً في جاوه والمسلمون في الصين ثلاثون مليوناً أما سائر بلاد الإسلام فليس لها إحصاء يعتمد عليه إلا مصر وعددهم فيها ١٠ . ٢٦٩.٠٠٠ وسكان المملكة العثمانية ٢٤ مليوناً القسم الأعظم منهم مسلمون وفي إيران تسعة ملايين وفي مراكش مثلهم أو أقل أو أكثر فيبلغ عدد من ينتحلون الإسلام في العالم من ٢٠٠ إلى ٢٥٠ مليوناً. ولم يقف الإسلام عند حد البلاد التي انتشر فيها بل تعداها إلى غيره شأن إناء صببت فيه زيتاً أكثر مما يسع فض على جوانب الآنية. انتشر الإسلام بشرعة منذ أول ظهوره وقليل في الأديان التي شابهته وانبثت دعوته إلى اليوم مثله وإن النجاح الذي صادفه منذ انتشاره قد كان داعياً إلى التقول في أسبابه خطأ إذ عجب الناس كيف انتشرت سلطة محمد وإصلاحه خارج جزيرة العرب وقال القائلون ولا يزالون يقولون أن السبب الداعي إلى انتشار الدين الإسلامي قد كان منبعثاً من أسباب زمانية كانت من طبيعة محمد والخلفاء الأول وقبل كل شيء دعت إليها القسوة وقوة السيف ولكن الواقع قد كذب هذا الظن إذ لم ينظر الناظرون إلى الأسباب المختلفة التي نشأت عنها سرعة انتشار الدعوة إلى هذا الدين. لا شك عندي بأن مبادئ الإصلاح الإسلامي كانت بداءة بدءٍ دينية صرفة. فكان محمد رسولاً على ما عرف العبرانيون رسلاً مثله فقام باعتقاد خالص وأتى على الوثنية وتوخى أن ينقذ مواطنيه من دين بربري سخيف وأن يخرجهم من حالة في الأخلاق والمدنية منحطة كل الانحطاط. فلا مجال إلى الشك إذاً في إخلاصه وحماسته الدينية التي كانت متشبعة بها نفسه وفكره فقام يدعو بعواطفه إلى إصلاحه في مكة ثم في المدينة. ولما نقل مركز إصلاحه إلى يثرب لم يلبث عنصر جديد أن ينضم إلى إرادته الإصلاحية وهذا العنصر هو الشعور الوطني العربي والفكر الذي أخذ يسري في عقله بتوحيد بلاد العرب توحيداً سياسياً فنشأ بعد ذلك فكر الإصلاح الديني إلى فكر جمع كلمة القبائل العربية تحت سلطة دينية وسياسية واحدة ومن هناك نشأت جرثومة مزج السلطتين الدينية والمدنية اللتين تجلى أمرهما في الحضارة الإسلامية وكانت سبب عظمتها ومجدها كما أن بذلك يعلل سبب انحطاطها وخرابها وبهذا ساغ أن نميز بين انتشار الدعوة الإسلامية بادئ بدءٍ ووعظ القرآن والهداية الدينية وبين الفتح الحربي وتوحيد سياسة العالم العربي. وهذا التمييز الأساسي الجوهري لا يفاجأ به إنسان تبحر في دروس التاريخ الديني فإن مؤرخي الإصلاح الذي قام به لوثيروس وكلفن شاهدون بما كان للسياسة من عمل في نشر المذهب البرتستانتي. وحقاً أن كبار المصلحين في القرن السادس عشر كانوا أرباب وجدانات وأخلاق ونوابغ في الدين من الطراز الأول ولكن جذبهم تيار السياسة في عصرهم فعملوا على أن يديروه بحيث يوافق رغائبهم الدينية. وإن في تاريخ البابوية أمثلة لا تقل ع ذلك في الظهور والدلالة على الصلة الشديدة في النشوء البشري بين المصالح الروحية والمصالح السياسية والاعتبارات الدينية والاعتبارات العملية والمادية. ولقد ذهب بعضهم مذاهب أخرى في تأويل هذه القضية المعروفة في سرعة انتشار الإسلام لأول أمره وأرى أن من الباحثين من أوغلوا في تعليل الأسباب على حين يكفي كما بينا أن تعتبر الأسباب العامة الاعتيادية في حياة كل مجتمع بشري فقال بعضهم إن القوة في انتشار هذا الدين نشأت من طبيعة هجرة العنصر العربي الذي كان يبحث عن مخرج يخرج إليه من أرضه لأن بلاده كانت ضيقة لا تكفيه وزعم آخرون أن السبب في انتشار العنصر العربي والهجرة التي انتهت في القرن السابع للميلاد بنشر الإسلام في جزء مهم من بلاد الشرق كان منبعثاً من بطء التبدل في بلاد العرب ألوفاً من السنين. فكان من نتيجة ذاك التبدل جفاف تلك الشبه الجزيرة التي تعادل بمساحتها ثلاثة أربع مساحة أوربا أما نحن فنخشى كثيراً أن يكون هذا التغير الأساسي في المناخ لا يصل بنا إلى أوقات عريقة في القدم قبل أن عرف التاريخ. أوجزنا الكلام على هذه الأسباب في انتشار الدعوة الإسلامية لأول عهد الهجرة لأن هذا الدين ما برح ينتشر إلى اليوم والعاملان الجوهريان فيه على الدوام هما اللذان أوردناهما أولاً وما انتشار الإسلام في القرن العشرين إلا ناشئ من أسباب منها الديني ومنها السياسي والاقتصادي والاجتماعي. فالأسباب الدينية إذا بحثنا فيها كان علينا بادئ الرأي أن تنظر فيما إذا كان للإسلام كما للنصرانية مبشرون فإنا نرى النصرانية تنتشر في الخارج بواسطة جمعيات التبشير وعوامل منفردة في المذهب البرتستانتي والمذهب الكاثوليكي بواسطة الرهبنات. وليت شعري هل في الإسلام شيء يشبه هذا فالجواب لا ونعم. ففي افريقية مثلاً أناس من المرابطين هم دعاة تبشير حقيقيين وهناك طرق دينية أخذت على نفسها نشر الدين الإسلامي على أن الإسلام ينتشر بنفسه بواسطة المسلمين أنفسهم لأن كل مسلم في البلاد الوثنية داعية دين بحد ذاته. المسلم على الجملة مؤمن مخلص في إيمانه وربما كان ذلك لأنه قليل التعلم أو كثير الجهل ومن خصائص الإسلام أن يستولي على المعتقد به فيكون مأخوذاً به قلباً وقالباً ولئن كان ثمت من المسلمين الفاترين الذين قلما يعنون بمثل هذه الأمور إلا أن الحمية خلق أساسي فيمن يدينون بالإسلام. وإني أكرر أن في مطاوي المسلم أحياناً شيئاً يشبه المبشر فهو يدعو إلى دينه كما كان يعمل الالبيجوي والغودوي في القرون الوسطى يدعو إلى دينه وهو متوفر على تجارته أو عامل في صناعته والفرق بين هؤلاء الدعاة الملاحدة قديماً وبين المسلمين اليوم هو لمن الأولين كانوا يستعملون سراً هذه الطريقة في بث معتقدهم لأن الحاجة كانت تضطرهم إلى التقية فراراً بأنفسهم من الظلم فيخبئون كتبهم الدينية في متاعهم وخرائط بضائعهم أما الإسلام فينتشر من نفسه بواسطة القوافل التي ترحل في البلاد الوثنية أو الفتشية ودعاة الإسلام فما عرفوا به من الغيرة يعمدون إلى ذرائع مختلفة تناسب كل حال بحسب الأقطار والشعوب التي يبثون دعوتهم بين أهلها وللوسائط الاجتماعية والاقتصادية دخل كبير في الأسباب الدينية التي يعمدون إليها. وهكذا نرى الدعاة المسلمين قد أنشأوا قرى سكنتها المهتدون إلى دينهم من المحدثين في الإسلام ولطالما انتقموا من القحط الذي كان يلقي بجرانه في أصقاعهم كما حدث في وانكيا على شاطئ زنجيار ليظهروا دينهم في مظهر التفقه والإحسان وكم من مرة أعتقوا الرقيق لينشروا معتقدهم كما وقع في واداي فإن قافلة من العبيد وأصلها من واداي قد أطال إليها يد النهب أهل البادية على حدود طرابلس الغرب ومصر فاشتراهم سيدي محمد بن علي السنوسي وعلمهم في زاويتهم التعليم الضروري وأعتقهم وإذا يقن بعد بضع سنسن غناءهم في بث الدعوة أعادهم إلى وطنهم ليتوفروا فيه على نشر الإسلام. وإن دعاة المسلمين في الأقطار المتمدنة والشعوب المستنيرة ليجرون في دعوتهم على غير هذه الطريقة فيتوخون بما لهم من علم وتعليم راق إلى نيل الحظوة من الرؤساء وبواسطتهم يؤثرون في الرأي العام ويسكتون عن بعض العادات المألوفة في ذاك القطر ويتغافلون عن بعض الأوهام الدينية والاحتفالات الوثنية فهكذا ترى المسلمين في الصين وقد فتحت في وجوههم جميع الأعمال فيها لا ينشؤون مساجد أعلى من سائر المعابد ولا يضيفون إليها منارات ويوصون أهل ملتهم أن لا ينقطعوا عن الاختلاف إلى مواطنيهم في أعيادهم التي لها صبغة دينية وطنية وهم عندما يقومون بالوظائف العامة يقومون بالفروض الدينية التي عينها القانون وإذا جاوروا المهذبين من غير أهل دينهم يظهرون لهم الإسلام بأنه دين الفطرة ينافي تقاليد الأجداد مجرد عن الزوائد والأمور المستحدثة التي علقت بمذهب كونفوشيوس. والمدرسة هي إحدى العوامل الفعالة في نشر الدين أيضاً فالمسلمون على الجملة عندما ينزلون ويتوطنون في بقعة جديدة يصرفون أول عنايتهم في إنشاء مسجد يجعلون بجانبه مجرسة وينظر إلى المسلم في بلاد زنوج الوثنيين في أفريقية بأنه أرقى من غيره وبذلك يخف إلى التعليم في مدرسته أبناء الوطنيين يريدون أن يصبحوا مثله معلمين مهذبين منظمين. وترى المرأة عند قبائل البحة النازلة بين النيل الأزرق وأعالي البلاد الممتدة من شمال سطح بلاد الحبشة أرقى بعقلها من الرجل ولذلك يختار دعاة الإسلام تعليمهن والاعتماد عليهن في بث الدعوة على نحو ما يفعل السنوسية بالزنجيات في طوبو. وهذه الطريقة في الدعوة قد اشتهرت هناك في حين أن تعليم المرأة في البلاد الإسلامية مزهود فيه على الغالب. وينتشر الإسلام بالزنوج أيضاً فالمسلم يتزوج على أهون سبب بامرأة من غير عنصره كالعنصر الأفريقي أو العنصر الصيني أو غيرهما على حين أن المسلم في الصين يتزوج عن رضى من امرأة من بنات بلاده ولكنه يحاذر أن يزوج بناته من الصينيين غير المسلمين. وينتشر الإسلام أيضاً باشتراء أبناء الوثنيين يربونهم على الدين المحمدي وقد شوهد في الصين أناس من المتحمسين يبتاعون بالمال عشرة آلاف طفل في أيام قحط حدث في شانغهاي تونغ لمي بق فيها ولم يذر. وإذا اعتبرنا الإسلام من الوجهة الاجتماعية والاقتصادية نراه ولا سيما في أفريقيا قوة أسمى من غيره وواسطة للنجاح من الطراز الأول وذلك أن الإسلام كالنصرانية لم يخرج عن كونه عبارة عن مدنية ذات أصل قديم انتشر انتشاراً طويلاً وأتت عليه أدوار في النشوء بطيئة وكتب له أن بلغ في الشرق وفي الغرب أوج مجده وهو إذا انحط الآن وتراجع فلم يبرح له وجود. وكانت هذه المدنية في أفريقيا حيثما دخلت أسمى من غيرها من حيث الوجهة الإدارية والاقتصادية ومن الوجهة العقلية والأخلاقية والدينية ولذا قال أحد الباحثين أننا إذا قايسنا مجموع النتائج في بث النصرانية في أفريقية وبث الإسلام لا من حيث العدد فإن عدد من دانوا بالنصرانية قلائل بالنسبة للمسلمين بل من حيث التأثير العقلي والأخلاقي والاجتماعي في الجماعات والأفراد المهتدين يتجلى لنا بلا شك أن الإسلام أسبق في هذا المعنى. فالإسلام بما فيه من مكانة إذا كتبت له الغلبة في الشعوب الأفريقية ولا سيما في الزنوج فذلك لأن فيهم خاصية الشعوب الأفريقية ولا سيما السود منهم فللإسلام بعض الأوضاع الأساسية المناسبة مع الحالة الاجتماعية في الزنوج وأعني بذلك تعدد الزوجات والرق وسذاجة الحياة الظاهرة في أهل الإسلام وأن هذه السذاجة في الإسلام هي قوة فيه قوى التجنس تؤثر في الزنوج قوة شخصية في تربية النفس بالنفس وتمكين الإرادة والشجاعة في قلب كل من دان به أن هذه السذاجة غريبة مدهشة لعمر الحق هي تطبيق حياة السذاجة التي يدعو إليها أرباب النظر السامي من أهل النصرانية في أوربا وأفريقية. ومن جملة الأسباب التي دعت إلى انتشار الإسلام أحوال سياسية قضت على القبائل وعلى الأفراد وأن يحفظوا مراكزهم بالإسلام وكان ذلك قبل أن تتقاسم دول أوربا بالفعل تلك الأقطار فقبلت قبائل الزنوج الإسلام لتحفظ حياتها لما في الإسلام من الإدارة والنظام ويستقلوا في حكومات لهم مستقلة ذات نظام اجتماعي حي راق وبهذه الطريقة انتشر الدين الإسلامي في بلاد كثيرة من أفريقية الوسطى والغربية. وانفي تاريخ حياة المامي ساموري أكبر دليل على ما للمصلحة السياسية من الدخل في بث الدعوة للإسلام فقد كان هذا الرجل قبل الاستيلاء على مدينة كانكان بحسب أغراضه السياسية فهو وثني لأول مرة ثم دان بالإسلام لما اتصل بصوري ابراهيما أحد أتباع محمد ومؤسس مملكة تيديان الذي استقل واحتفظ بمدائن كونيا وكانكوما وتورو كوتو وكابادو كو وبعد حين عاد إلى الوثنية حتى إذا نشبت حرب كونيا عاد فدان بالإسلام وقد جرى على تعاليم المرابط ديالو من فتاح جالون والفاعثمان من أهل الطريقة القادرية الذي جاء عقيب إرشاد الحاج عمر فتوطن في تلك البلاد في مدينة اسمها ليلنكو ومنذ ذلك العهد ساعده الفاعثمان في جميع حملاته وباقتراحه أطلق على ساموري بعد فتح كانكان لقب المامي. وذها المأرب السياسي الذي حمل الوطنيين من الأفريقيين على انتحال الإسلام قد أتت عليه الدول الأوربية إذ لم يجد الزنوج داعياً بعد أن فتحت كل من فرنسا وإنكلترا مملكتيهما الأفريقيتين أن يعمدوا إلى هذه الطرق. فدخول الأوربيين إلى أفريقية حال دون انتشار الإسلام وبقاء الوثنية في الزنوج في مركزها وربما عاد بعض الوثنيين بعد انتحال الإسلام إلى سابق دينهم كما وقع لجماعة أصلهم من قيس وصوننكة أو ماركا دانوا بالإسلام واستوطنوا حوالي سنة ١٨٣٠ في شمالي ياماكو واغتنموا وتأثلوا بما استرقوه من العبيد الذين توفروا على حراثة أراضيهم ولما احتل الفرنسيين تلك الجهات وأبطل الرقيق ولا سيما في سنة ١٩٠٥ و ١٩٠٦ عاد أولئك العبيد إلى مواطنهم الأصلية فاضطر أولئك الجماعة أن يغادروا المدينة وينزلوا القرى ليحرثوها بأنفسهم والغالب أن عدداً عظيماً منهم عادوا إلى الوثنية وهناك أمثلة أخرى للردة وهي كما تقدم منبعثة عن سبب سياسي كالسبب الذي دعا إلى انتحال الإسلام فالمصلحة الواحدة ظهرت في الوجهتين المتخالفتين وأعني بذلك المصلحة حفظ حقوق عنصرهم وامتيازاته. والظاهر اليوم أن الدواعي السياسية في أفريقية لا تعمل لما فيه نشر كلمة الإسلام إلا من حيث الوجهة المحلية الصرفة وهكذا في الجماعات الوطنيين من غير المسلمين حيث ترى مسلمين من أصل غريب وأحياناً كثار العدد ولهم سطوة حقيقية لذلك يصعب على نفوسهم أن تخضع راضية لمطالب الرؤساء وقد تجد أولئك الزعماء من يدين بالإسلام علناً جهاراً وما ذلك إلا دليل على سمو مكانة الإسلام من حيث هو دين ومن حيث هو ذريعة للمدنية. وقصارى ما ينتج من الحوادث التي عرضناها والإحصاءات وطرق الدعوة والأسباب المنوعة في إسلام من لم يدن بدين الإسلام إن هذا الدين ينتشر ويرتقي وأن له المكان السامي بين الأديان التي يبشر بها دعاتها وينشر رعاتها. وليس للأمثلة في الردة عن الإسلام ونزع كلمته التي ذكرناها سوى شأن ضعيف وهي لا تمنع الإسلام كالنصرانبة أن تكون منذ قورن في دور دائم من الرقي والنجاح. ولا يبعد أن يأتي يوم تحدث فيه أمور لا يتيسر لنا التنبؤ بها مثل أسباب نشر الإسلام التي أتينا على ذكرها فيكون منها انتشار هذا الدين انتشاراً فوق العادة بحيث يعجل في هجرم الإسلام على بعض الأصقاع من الكرة على نحو ما حدث في تاريخ الإسلام ومهما يكن من هذه الظواهر في المستقبل فالإسلام ليس واقفاً في انتشاره من حيث هو دين بل لا يزال أبداً بعدد منتحليه والمتدينين به. يروى أن عقبة بن نافع لما سار في جنده سنة ٦٢ للهجرة ( ٦٧٨ ) إلى أقصى المغرب بعد أن جاز بلاد مراكش بلغ شاطئ بحر الظلمات فقفز على جواده وسط أمواج البحر فأصابت أمواج البحر فأصابت المياه صدر حصانه فوقف وهتف قائلاً: اللهم رب محمد أني لو تحل أمواج هذا البحر لسرت إلى الأقطار المتنائية أمجد اسمك في مملكة ذي القرنين أقاتل عن الدين وأقضي على كل من لا يؤمنون بك. بيد أن الإسلام قد حقق من الأعمال أكثر مما طمحت إليه نفس هذا القائد الجبار الذي قال ما قال آنفاً فالإسلام قد تجاوز البحار وطاف الأقطار ناشراً رسالة محمد. هذه المحاضرة الأولى من الكتاب وهي نموذج صالح منه وقد تكلم في المحاضرة الثانية على أصل الإسلام وما طرأ عليه من البدع والإلحاد والمذاهب وفي المحاضرة الثالثة على الأولياء وفي الرابعة على الطرق الإسلامية والتصوف وعملها الاجتماعي والسياسي وفي الخامسة على مذهب البابية والبهائية وفي السادسة على مستقبل الشعوب الإسلامية والميل إلى المناحي الحرة في الدين وقد ختم المحاضرة الأخيرة بطلب اتحاد العالم الأوربي مع العالم الإسلامي وأن يحسن الأوربيون إلى المسلمين ويحسنوا علاقاتهم في الصناعات والتجارة قال: الإسلام من حيث هو دين قوة أدبية فأول شرط في هذه الصلات الحسنة احترام الدين الإسلامي احتراماً مطلقاً وقد أخذ هذا الدين يعرف أحسن من ذي قبل حق المعرفة في أوربا بفضل ما نشره بعض العلماء وبعض السياح فإن خبرة الباحثين وسذج الزائرين للبلاد الإسلامية حربة بالنظر وكثير من السياح قد لاحظوا مثل ما لاحظت فقالوا أن أحسن منقذ للأوربي في الأصقاع الإسلامية التي يقل اختلاف المسيحيين إليها التي تقل راحتهم فيها هو احترامهم للإسلام وليس من الضروري إلا في أحوال خاصة أن ينتحل المخالفون لدين الإسلام بل يكفي بأن يكونوا أحباباً للإسلام أو بعبارة أبسط محترمين لشعائر هذا الدين. وكم من سائح في البلاد الإسلامية سمع على أساليب مختلفة ما كان قاله سلطانة حايل إلى المأسوف عليه هوبر أنت مسلم في بلادي وبعد فإن من الاتحاد بين المسلمين والأوربيين بل بين المسيحيين والمسلمين تنتج ولا شك نتائج حسنة قد ظهرت تباشيرها الآن فإن اتحاد الإرادات الحسنة في أوربا يسهل ولا جرم بالتدريج دخول كثير من الشعوب الإسلامية في تيار المدنية الحديثة. وعساني بهذه المباحث الحقيرة أكون قد حملت حجراً فوضعته في أساس البناء الذي أقيم للوفاق الحسن بين المسلمين والأوربيين بل بين المسلمين والمسيحيين. والمقتبس يقول بارك الله بكل من تخط يده في تقريب الأمم بعضها من بعض خصوصاً متى كان قصده كما هو الظاهر من عبارات الأستاذ مونته خدمة الإنسانية والاجتماع لا خدمة سياسة مخصوصة ولا فكر خاص. التعليم في مصر وحظ المسلمين والأقباط منهللشيخ علي يوسف طبع بمطبعة الآداب والمؤيد بمصر (ص ٤١ ) لو كان كل المفكرين من الكاتبين والعالمين لا يدونون إلا ما يعلمون ولا يقدمون إلا على ما يتقنون لما ظهر عوار مؤلف ولما بدت مقاتل منشئ وباحث. وأمامنا الآن كراسة في التعليم بمصر لمدير سياسة المؤيد أقدم الجرائد الإسلامية وأرقاها في القطر المصري وهي خطبة ألقاها في المؤتمر المصري الأول أجاد فيها كل الإجادة لأنه دعم كلامه بالأرقام والكتابة بالدليل المحسوس يقرها الموافق والمخالف فقد قال أن البعثات العلمية التي نقلت العلوم والمعارف من أوربا إلى مصر وكان لها أعظم عمل في تكوين مصر الحديثة بدورها الجديد كانت إسلامية محضة ليس بها إلا نحو عشرين طالباً من الأردن والروم والسوريين والأحباش وثلاثة من الأقباط وهؤلاء كانوا طلاب وظائف لا ناشري علوم ومعارف ولكن في هذا العهد الأخير قد توجهت رغبات الأقباط كالمسلمين إلى هجرة الأوطان في طلب العلوم والمعارف وإن لم يبلغوا في هذا الصدد شأواً يضاهي شأوهم في رغبة التعليم في مصر. فقد بلغ عدد الطلبة المصريين إلى سنة ١٩١٠ بفرنسا وسويسرا وألمانيا وبلجيكا وإنكلترا وإيطاليا وأمريكا والأستانة وبيروت على نفقة آبائهم ٦٨١ طالباً وبإضافة هذا العدد إلى البعثة المرسلة من قبل الحكومة يكون عدد جميع البعثات العلمية المصرية الحاضرة خارج القطر المصري ٧٤٠ طالباً. وإذا شئت أن تعرف مقدار عدد الأقباط في البعثات العلمية الموجودة الآن في القارات المختلفة سواء على نفقة الحكومة أو على نفقة آبائهم فإنهم لم يبلغوا خمسين طالباً أكثر من نصفهم في كلية بيروت وأكثر من ثلثهم على نفقة الحكومة فنسبة الأقباط إلى المسلمين في البعثات العلمية الحاضرة كلها لا تكاد تبلغ ٧ في المائة. وبلغ عدد الذين تخرجوا من مدرسة الحقوق الخديوية التي كان اسمها مدرسة الألسن والإدارة حتى الآن ٦٥٥ طالباً عد المسلمين منهم ٤٩٨ وعدد الأقباط ١٣٧ . ولم يدخل إلى مدرسة الطب التي أنشئت سنة ١٨٢٤ أحد من الأقباط إلا في سنة ١٨٨٨ وحاملو شهاداتها منهم حتى الآن ٦٦ طبيباً ومن المسلمين ٣٢٧ طبيباً ومن غيرهم من المسيحيين ٢٦ وأنشئت مدرسة دار المهندسين سنة ١٨٣٤ فلم يدخلها قبطي إلا في سنة ١٨٩٦ بلغ المتخرجون فيها منهم إلى الآن ٣٦ مهندساً مقابل ١٤٨ مهندساً ولم يتخرج في مدرسة المعلمين الخديوية وكان اسمها قديماً مدرسة قلم الترجمة سوى أربعة أقباط مقابل ٨٣ من المسلمين وكذلك قل عن مدرسة المعلمين التوفيقية فإنها من سنة ١٨٨٨ حتى الآن لم يخرج منها سوى ١٨ معلماً قبطياً مقابل ٨ معلماً من المسلمين وتخرج في مدرسة دار العلوم الخديوية ٤٢٢ أستاذاً مسلماً ولا يدخل هذه المدرسة إلا المسلمون ويوجد منهم اليوم في مدارس الحكومة بين نظار مدارس ومدرسين ومفتشين ومديري كتاتيب ٢٩٤ شخصاً والباقون في سائر فروع الإدارة والأعمال. قال والفضل كل الفضل في ارتقاء مصر الحاضر للوظيفة الكبرى التي قام بها المسلمون وقد أحسنوا أداءها مدة قرن كامل سواء كان في جلب أنوار المدينة والعلوم والمعارف من الخارج أو في تأسيس المدارس وتنظيمها وتعليم أبناء مصر العلوم المختلفة في الأدوار المتعاقبة مع اشتغالهم بالتأليف وترجمة الكتب النافعة وأنهم الآن أساتذة المدارس النافعون المفيضون على الناشئة المصرية بركة العلوم والتربية ولم يشترك الأقباط في أداء هذه الوظيفة السامية مع المسلمين يل كانوا عالة عليهم أولاً ثم تلامذة لهم في العهد الأخير وكان مجموع التلامذة المسلمين في مدارس الحكومة الابتدائية والثانوية والخصوصية والعالية سنة ١٩٠٠ بالغاً ٥٩٨٤ تلميذاً ومجموع الطلبة الأقباط فيها ١٥٥٥ وبلغ عدد الأولين سنة ١٩٠٥ في تلك المدارس ٧٩٨٩ وعدد الآخرين ١٨١٥ وبلغ عدد الأولين سنة ١٩١٠ ( ١١٠٣٨ ) تلميذاً وعدد الآخرين ٢٢٥٦ وبلغ عدد المكاتب الأهلية التي شرط لها واقفوها أن تعلم أولاد المسلمين فأشركت الأقباط في تعليم أولادهم تسامحاً منها - عشرين مدرسة فيها ٤٩٤٢ تلميذاً قبطياً وبلغ مجموع تلامذة المسلمين في مدارس الأوقاف وكتاتيبها ١٨٨٧ تلميذاً بينهم ٢٤٢ من الأقباط مع أن هذه المدارس هي من أوقاف المسلمين. وختم خطابه بعد الأدلة التاريخية والشواهد التي تدل على بعد غوره في المسائل المصرية الحاضرة بطلب فصل جميع المدارس الأهلية ومدارس الأوقاف عن نظارة المعارف وجعلها إدارة قائمة بذاتها يراعى فيها تنفيذ شروط الواقفين وإبطال تعليم الدين المسيحي من جميع مدارس الحكومة لأنه لا يجوز تعليم غير الدين الرسمي فيها كما هو المتبع في الممالك المتمدنة فنثني الثناء الأطيب على غيرة المؤلف على بلاده وعساه يقف قلمه على الخوض في مسائلها فقط فالاستئثار بالمزايا كلها ضرب من ضروب المحال والإحصاء في الموضوعات أفضل وأشرف ما دام قول لا أدري نصف العلم وكل من تجاوز محيط والقدر الذي لقنه من العلم والمعرفة سواء كان في الصحافة أو غيرها من فنون التأليف والتعليم يوشك أن يعثر في كل خطوة فيخلط عملاً صالحاً وآخر سيئاً وهذا ما لا نرضاه للقائمين بإنهاض هذا الشرق التعس من كبوته وتعليمه التعليم النافع والأدب الرفيع. زراعة القطن تأليف أحمد أفندي الألفي طبع بمطبعة المقطم بمصر سنة ١٩١١ ص ١٤٠ من العاملين المفكرين من ناشئة مصر مؤلف هذا الكتاب وضعه على هذا الأسلوب المبتكر في زراعة القطن ومقاومة آفاته وتحسين أنواعه وذكر فيه جميع ما تحب معرفته لهذه الزراعة المباركة وتجويدها والانتفاع منها وقد دل أن زراعته في القطر المصري بدأت نحو سنة ١٨٢١ م وما زال ينتشر ويشيع حتى بلغت الآن المساحة المزروعة منه أكثر من مليون وستمائة ألف فدان محصولها في المواسم الجيدة نحو سبعة ملايين وربع مليون قنطار ومتوسط ثمن القنطار غالباً نحو أربعة جنيهات إلى خمسة فيقدر إيراد البلاد منه سنوياً نحو ثلاثين مليون جنيه أو تزيد وإن القطن المصري أجود وأعلى جميع أقطار أميركا والهند والصين لا يدانيه إلا قطن جزيرة سي ايلند بأميركا ولكن محصول هذا عن نصف مليون قنطار وكان الوجه البحري مستأثراً إلى ما قبل بضع سنين بزراعة القطن لأن الري الصيفي عام فيه أما في الوجه القبلي فكان قاراً عل حيز محدود الوجه البحري كناية عن مديريات مصر الواقعة إلى شمال القاهرة وهي البحيرة والغربية والدقهلية والشرقية والمنوفية والقليوبية والوجه البحري عبارة عن المديريات الواقعة جنوبي القاهرة وهي الجيزة والفيوم وبني سويف والميناء وأسيوط وجرجا وقنا وأسوان. والشهير من أصناف القطن المصري الميت عفيفي والأشموني واليانوفيتش والعباسي والنوباري. والكتاب فاض بالفوائد الغزيرة لا يستغني عنه من يحب زراعة هذه الشجرة المباركة رنه حوى جميع ما يحتاج إلى معرفته للنجاح وهو نافع لأبناء سورية ممن يريدون اليوم تعلم زراعة القطن ولا سيما من أهل فلسطين فنحثهم على اقتنائه للانتفاع به فهو كتاب مادي عملي ليس فيه ما لا يفهم من الاصطلاحات الفنية وهذا من بعض حسناته. الواجباتتأليف سامي أفندي يواكيم الراسي طبع في المطبعة السورية في سان باولو البرازيل. سنة ١٩١١ ص ١٧٤ أحسن المؤلف وهو من أدباء الجالية السورية نزلاء أميركا الجنوبية في وضع هذا التأليف اللطيف فأفاض في واجباتنا نحو نفوسنا وفي بيوتنا وواجبات الأبناء نحو والديهم والأخ نحو أخيه والرجل نحو أخيه والرجل نحو زوجته والزوجة نحو رجلها والوالدين نحو أولادهم وواجباتنا نحو أقاربنا ومعارفنا وأعدائنا والجنس بوجه عام والعجماوات وهذا هو الباب الأول وسماه بالواجبات العامة أما الباب الثاني فهو في الواجبات الإفرادية نحو واجبات التلميذ والمعلم والصحافي والطبيب والمحامي والمؤلف والحاكم والمحكوم والجندي والتاجر والزارع والصانع والمستأجر والكاتب أخلاقي وعظي حري بالناشئة أن تطالعه وتستفيد منه بتدبير فنشكر لمؤلفه الفاضل. الصاحبيتأليف أحمد بن فارس نشرته المكتبة السلفية في القاهرة ص ٢٤٥ كتاب في فقه اللغة وسنين العرب في كلامها جمعه ابن فارس أحد أئمة اللغة في القرن الرابع من تصانيف من تقدمه فكان له فيه كما قال اختصار مبسوط أو بسط مختصر أو شرح مشكل أو جمع متفرق وفيه من الفوائد الغزيرة ما يجدر بكل طالب أدب أن يتدارسه المرة بعد المرة. وقد أجاد الناشر كل الإجادة بإحياء هذا التأليف النفيس نقلاً عن نسخة صحيحة بخط الشيخ محمد محمود بن التلاميد التركزي الشنقيطي أحد حفاظ اللغة في العهد الأخير وقدم له ترجمة حافلة للمؤلف وأجاد طبعه بحيث استحق شكر العلم والآداب. مدينة العرب في الجاهلية والإسلامتأليف محمد أفندي رشدي طبع ب مطبعة السعادة ب مصر سنة ١٣٢٩ هـ- ١٩١١ م (ص ٢٠٠ ) البحث في مدينة العرب من أصعب الموضوعات وأصعبها وأوسعها لأن مظان النقل قليلة وما يوجد منها لا يتيسر لكل طالب وفي مصر منها الشيء الكثير لذلك كنا نأمل أن يكون هذا الكتاب أوسع مادة وأصح استشهاداً فقد اقتصر المؤلف على المبتذل المعروف وكان لديه في دار الكتب المصرية مادة واسعة يتأتى الاستقاء منها ليجيء مصنفه لائقاً بشأن العرب ومدنيتهم العظيمة. بيد أن الكتاب أشبه بالكتب التي يراد بها نشر شيء من المعلومات بين العامة كالتي يسميها الفرنسيين فقد تكلم المؤلف على العلوم التي عرفها العرب واهتماماتهم بالسياحات والتجارة وأسواقهم وعاداتهم وصفاتهم وحكمهم وحكمتهم العملية ونقل رسائل للمشاهير في السياسة والرياضة وألم بتأليف الوزارة والشورى والدواوين وختمه بمقال في أسباب انحطاط الأمم وبالجملة فنشكر المؤلف لاهتمامه وغيرته ونرجو أن يعود إلى كتابه فيضيف إليه من كتب العرب التي بحثت في مدنيتهم ومنها المطبوع في أوروبا ما تكون به الطبعة الثانية من هذا المصنف تامة حافلة بالبحث والتدقيق. كتب ورسائل ومجلات  لقطة العجلان تأليف الإمام بدر الزركشي شرحه الشيخ جمال الدين القاسمي . دروس الصرف والنحو للشيخ محي الدين الخياط يشتمل القسم الأول على أوليات الصرف وأوليات النحو. الدروس العربية للشيخ مصطفى الغلاييني وهو القسم الأول منه في النحو. التعليم الأدبي لجرجي بك ديمتري سرسق القسم الأول منه في الأخلاق والآداب. خديجة أم المؤمنين تأليف عبد الحميد أفندي الزهرواي وهي قصة حقيقية تاريخية اجتماعية. الجوهر المحبوك في نظم السلوك للسيد علاء الدين علي الملقب بعلوان الحسيني الحموي من أهل القرن العاشر.  واقعة السلطان عبد العزيز تأليف أحمد صائب بك و تعريب محمد توفيق أفندي جانا .  نظام الجهاد في الشريعة الإسلامية تأليف المسيو كولوزيو Les lois de la guerre dans l'ancien droit musulman par S. Colsio التقرير السنوي الأول لجمعية تهذيب الفتاة السورية فغي بيروت والشويفات. برنامج جمعية السيدات والأوانس الكاثوليكيات لتجهيز البنات العرائس الفقيرات في دمشق. خلاصة جمعية ترقي الآداب الوطنية في يافا لسنتها الثالثة. المدرسة مجلة فنية تصدر في تونس للسيد عبد الرزاق النطاسي مدرس الفنون بالخلدونية فيها ملخص دروسه ودروس أخوانه من أساتذة هذه المدرسة في التاريخ والجغرافية والعلوم الرياضية والحكمة الطبيعية والكيمياء والتاريخ الطبيعي إلى غير ذلك من الأبحاث المفيدة.  العروس مجلة نسائية علمية أدبية صحية فكاهية لصاحبتها الآنسة ماري عجمي تصدر في دمشق مرة في الشهر وهي المجلة النسائية الوحيدة في سورية تكتبها كاتبة لا كاتب.  العريس مجلة علمية أدبية اجتماعية فكاهية شهرية لمنشئيها نسيب أفندي نصار وفاضل أفندي الجمل تصدر في حمص وفيها شيء من تاريخ ذاك الوادي وآثاره ونفثات أقلام أدبائه.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_64.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.64.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
