<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.63.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.63.TEIP5:</urn>
<passage>البرجان Les Borgans ou Varègues من هم البرجان الذين كثر ذكرهم في كتب العرب التاريخية القديمة وما اسمهم باللغة الفرنجية؟ هذا سؤال يحب أن يقف على جوابه كل من يهمه الاطلاع على إخبار الأقدمين والأمم السالفة، فأقول: إذا أردنا الوضوح في هذه المسألة يجدر بنا أن نقسم البحث إلى ثلاثة أقسام وهي: قسم نذكر فيه كلام مؤرخي العرب أو مشاهيرهم، وقسم نذكر فيه آراء لغويي العرب وقسم نأتي فيه على ما صرح به علماء الافرنج ومستشرقوهم ثم نختم هذه الأبواب الثلاثة بخاتمة تكون بمنزلة فصل الخطاب. ١ - القسم الأول كلام مؤرخي العرب أو مشاهيرهم: أول من ذكر البرجان من جغرافيي العرب هو أول مؤلف عربي صنف في وصف البلدان أعني به أبا زيد أحمد البلخي صاحب كتاب صور الأقاليم المتوفى ليلة السبت لتسع بقين من ذي القعدة سنة ٣٢٢ هـ ( ٣ تشرين الثاني ٩٣٣ م) إذ يقول: أما مملكة الإسلام فإن شرقيها (في عهد المؤلف) الهند وفارس، وغربيها مملكة الروم وما يتصل بها من الأرمن واللان والبرجان والسرير والخزر والروس والبلغار والصقالية وطائفة من الترك، وشماليها مملكة الصين وما اتصل بها من بلاد الأتراك ومنها بحر فارس المطلوب من إيراده. وقال ابن خرداذبة: والعمل الثاني (من بلاد الروم) عمل تراقية وحده من المشرق السور ومن الجنوب عمل مقدرنية ومن الغرب بلاد برجان ومن الشمال بحر الخزر وقد جاء في كتاب المسالك والممالك ذكر البرجان مراراً عديدة وكلها بهذا المعنى. وقال ابن الفقيه في كتاب البلدان: وإليها (أي إلى الري) تقع تجارات أرمينية وأذربيجان وخراسان والخزر وبلاد برجان. وأما اليعقوبي فلم يتعرض لذكرهم، وممن ضرب صفحاً عن ذكرهم أيضاً الاصطخري وابن حوقل والمقدسي وقدامة بن جعفر والبكري والبيروني. وقال ابن الوردي عن أرض البرجان ما حرفه: هي أرض عظيمة واسعة بها من البرجان أمم لا تحصى وهي أمة طاغية قاسية بلادهم واغلة في الشمال ويقول عن أرض البلغار ليبين لك أنها ليست أرض أولئك كما زعم ذلك بعض المتأخرين أو المعاصرين: هي أرض واسعة ينتهي قصر النهار عند البلغار والروس في الشتاء إلى ثلاث ساعات ونصف ساعة قال الجواليقي: ولقد شهدت ذلك عندهم فكان طول النهار عندهم مقدار ما صلي أربع صلوات كل صلاة في عقيب الأخرى مع الأذان وركعات قلائل الإقامة والتسبيح، وعماراتها متصلة بعمارة الروم، وهم أمم عظيمة ومدينتهم تسمى بلغار وهي مدينة عظيمة يخرج واصفها إلى حد التكذيب. وقال الطبري ( ١ : ١٨ من ولد يوان: الصقالبة وبرجان. (وفي ١ : ٢٩٩ ) وملك (افريذون ابنه) سلماً الروم والصقالية والبرجان وما في حدود ذلك (وفي ١ : ٩٠٠ ) وانوشروان غزا برجان ثم رجع فبنى الباب والأبواب. (وفي ٢ : ١٣١٧ ) وفي هذه السنة (أي سنة ٩٨ ) أغارت برجان على مسلمة بن عبد الملك وهو في قلة من الناس فأمده سليمان بن عبد الملك بمسعدة أو عمرو بن قيس في جمع فمكرت بهم الصقالية، ثم هزمهم الله بعد أن قتلوا شراحيل بن عبدة. (وفي ٣ : ٧٧٥ ) وقتل في هذه السنة (سنة ١٩٣ ) نقفور ملك الروم في حرب برجان وفي ( ٣ : ١٤٥٠ ) وقد كان إذن (ملك الروم في سنة ٢٤٦ هـ -) لوفود برجان وغيرهم ممن ورد عليه. وقال المسعودي في كتاب التنبيه: وحد الإقليم الخامس بحر الشام إلى أقصى أرض الروم مما يلي البحر إلى تراقية وبلاد برجان والصقالية والابر إلى حد أرض يأجوج ومأجوج وقال في موضع آخر من كتابه المذكور: إن السبب في ذلك (في انتصار الملك قسطنطين على أعدائه) ظهور صليب له نوري في السماء في نومه في حال حربه مع ملك برجان وأنه قيل له: استنصر به على عدوك تنصر عليه. وقال (في ص ١٤١ ): وقد دخل كثير منهم (من الأجانب) في وقتنا هذا في جملة الروم كدخول الأرمن والبرغر وهم نوع من الصقالية والبجناك من الأتراك فشحنوا بهم كثيراً من حصونهم التي تلي الثغور الشامية وجعلوهم ازاء برجان وغيرهم من الأمم المتأبدة بهم والمحيطة بملكهم. . . وقد ذكرنا فيما سلف من كتبنا السبب في كيفية بناء القسطنطينية والتنازع في ذلك، وقول من قال ما وراء الخليج كان من أرض برجان فاحتال قسطنطين على ملك برجان لعلمه بالموضع وحصانته حتى أذن له في بنائها. وقال (في ص ١٦٤ ) لحق (يسطنيانس) بملك الخزر مستنجداً به وتزوج هناك فلم ير عندهم ما يحب فصار إلى طرفلا ملك برجان. . . . وقد كان شرط لطرفلا ملك برجان إذا رجع الملك إليه أن يحمل إليه في كل سنة خراجاً وكان يفعل ذلك. . . وقال (في ص ١٨٣ ) وقد ذكر خبر السور المسمى بالرومية مقرون لينحس تفسير ذلك السور الطويل الحاجز بين بلاد برجان وبين البنود الخمسة التي وراء القسطنطينية وقال في ص ١٨٤ وقرب من هذا الجبل جبل القبق من الأمم كاللان والسرير والخزر وجرزان والابخاز والصنارية وكشك والكاسكية وغيرهم والابر وبرجان والروس والبرغر والافرنجة والصقالبة. . وقال في ص ١٩١ ومن جاورهم (أي الروم) من الممالك: من برجان والابر والبرغر والصقالبة والخزر وغيرهم. . . وقال (في ص ١٩٦ ) وقد ذكرنا ما جرى بين الروم وبرجان والبرغر والترك وغيرهم من الوقائع المشهورة والحروب المذكورة. . وقال المسعودي في كتابه الآخر مروج الذهب: ( ٢ : ١٦ طبعة باريس) وشن الغارات (أي ملك البرغر يريد البلغار) حولها (أي حول القسطنطينية) إلى بلاد رومية والأندلس وأرض برجان والجلالقة والافرنجة. . . وقال (في ص ٣١١ من ذلك الجزء). . وقد كان له (أي لقسطنطين الملك) في بنائها خبر طريف مع بعض ملوك برجان لخوف دخله من بعض ملوك آل ساسان. . وقال (في ص ٣١٤ ) وكان السبب في دخول قسطنطين بن هلاني في دين النصرانية والرغبة فيها أن قسطنطين خرج في بعض حروب برجان أوغيرهم من الأمم فكانت الحرب بينهم سجالاً نحواً من سنة. . . وقال (في ٣ : ٦٦ ) الافرنجة والصقالبة والنوكبرد والاشبان واليأجوج والمأجوج والترك والخزر وبرجان واللان والجلالقة. . . وقال (في ص ٧٨ ) ولربما اجتمع عليهم (على أهل الأندلس) من الأمم من ولد يافث من الجلالقة وبرجان وافرنجة وغيرها من الألسن. . . وقال في ٣٨١٤ عمل الترك لخافان سبع مائة فرسخ في خمسمائة. أي طوله. . . وعرضه. . . عمل الخزر واللان سبع مائة فرسخ في خمسمائة فرسخ، عمل برجان ألف وخمسمائة فرسخ في ثلثمائة فرسخ، عمل الصقالبة ثلاثة آلاف وخمسمائة فرسخ في سبعمائة فرسخ، وقال في ١٤٣٢٧ وفي هذه السنة وهي سنة ٢٢٣ خرج توفيل بن ميخائيل ملك الروم في عساكره ومعه ملوك برجان والبرغر والصقالبة وغيرهم ممن جاورهم من ملوك الأمم حتى نزل مدينة زبطرة من الثغر الخزري فافتتحها بالسيف. . . وقال ابن رسته: الإقليم السادس يبتدئ من المشرق ويمر على بلاد مأجوج ثم على بلاد الخزر فيقطع بحر طبرستان إلى بلاد الروم فيمر على جرزان وأماسيا وهرقلة وخلقيذون والقسطنطينية وبلاد برجان وينتهي إلى بحر المغرب. الإقليم السابع يبتدئ من المشرق من شمال يأجوج ثم يمر على بلاد الترك ثم على سواحل بحر طبرستان مما يلي الشمال ثم يقطع بحر الروم فيمر ببلاد برجان والصقالبة وينتهي إلى بحر المغرب. وأما ما وراء هذه الأقاليم إلى تمام الموضع المسكون الذي عرفناه فإنه يبتدئ من المشرق من بلاد يأجوج ثم يمر على بلاد التغزغز وأرض الترك ثم على بلاد اللان ثم على الابر ثم على برجان والصقالبة وينتهي إلى بحر المغرب. وقال في موضع آخر: ومن هذه المدينة (أي رومية) تركب البحر فتسير ثلاثة أشهر حتى تنتهي إلى بلاد ملك برجان وتسير منها في جبال وعقاب شهراً واحداً حتى تنتهي إلى بلاد فرنجه. وقال ياقوت: برجان بالجيم، بلد من نواحي الخزر، قال المنجمون: هو في الإقليم السادس وطوله أربعون درجة وعرضه خمس وأربعون درجة وكان المسلمون غزوه في أيام عثمان رضه. وقال البلخي في كتاب البدء والتاريخ ( ١ : ٦٤ ) سمعت قوماً من برجان يسمونه (أي الله) ادفوا، فسألتهم عن اسم الصنم فقالوا: فغ وقال (في ٣ : ٢٦ ) فمنهم (من أولاد يافث) الترك والخزر والصقالبة وبرجان واشبان ويأجوج ومأجوج ستة وثلاثون لساناً وقال (في ٤ : ٥٣ ) الإقليم السادس: يبتدئ من المشرق فيمر على بلاد يأجوج ومأجوج ثم على بلاد الخزر ثم على وسط بحر جرجان إلى بلاد الروم فيمر على جرزان وهرقلة وقسطنطينية وبلاد برجان إلى بحر المغرب، قال أهل هذا العلم: أما ما وراء هذه الأقاليم إلى تمام الموضع المسكون الذي عرفناه فإنه يبتدئ من المشرق من بلاد يأجوج ومأجوج فيمر على بلاد التغزغز وأرض الترك وعلى بلاد اللان ثم على بلاد برجان ثم على شمال الصقالبة إلى أن ينتهي إلى بحر المغرب. وقال أبو الفداء في تقويم البلدان: برشان بضم الباء الموحدة وسكون الراء المهملة وفتح الشين المعجمة ثم ألف ونون في الآخر، ويقال لها أيضاً برجان بالجيم، كانت قاعدة البلاد، قال ابن سعيد: وبرشان كانت قاعدة الأمة الذين يقال لهم برجان وكان لهم شهرة وبأس في قديم الزمان فاستولت عليهم الألمانية وأبادوهم حتى لم يبق منهم أحد ولا بقي لهم أثر وقال القرماني: برجان بلاد غائصة في جهة الشمال فيها قصر النهار إلى أربع ساعات والليل إلى عشرين ساعة وبالعكس وأهلها مجوس، وقال عن بلغار: مدينة عظيمة (كذا والمراد هنا قاعدة البلغار) على ساحل بحرمانطس مبنية من خشب الصنوبر وسورها من خشب البلوط، وحولها من أمم الترك ما لا يعد ولا يحصى، والبرد عندهم شديد جداً لا يكاد الثلج أن ينقطع عن أرضهم صيفاً وشتاءً. وقال ابن الأثير في ( ١ : ٢٨ من طبعة مصر) ومن ولد بوان (والأصح يوان بالمثناة التحتية) الصقالبة وبرجان والاشبان كانوا في القديم بأرض الروم قبل أن يقع فيها من وقع من ولد العيص بن اسحق وغيرهم، وقال (في ١١٦ ) ثم ملك اسطينان (أي أسطنيانس أو يسطنيان) المعروف بالأخرم تسع سنين أيام عبد الملك ثم خلعه الروم وخرموا أنفه وحمل إلى بعض الجزائر فهرب ولحق بملك الخزر واستنجده فلم ينجده فانتقل إلى ملك برجان، ثم ملك بعده لونطش ثلاث سنين أيام عبد الملك ثم ترك الملك وترهب، ثم ملك السمين المعروف بالطرسوسي سبع سنين فقصده اسطينان ومعه برجان وجرى بينهما حروب كثيرة وظفر به اسطينان وخلعه وعاد إلى ملكه فكان ذلك أيام الوليد بن عبد الملك واستقر اسطينان وكان قد شرط لملك برجان أن يحمل إليه خراجاً كل سنة فعسف الروم وقتل بها خلقاً كثيراً فاجتمعوا عليه وقتلوه فكان ملكه الثاني سنتين ونصفاً وقال (في ص ١١٧ ) وجرى بين نقفور وبين برجان حرب سنة ١٩٣ فقتل فيها وقال (في ص ١٥٤ ) عن كسرى انوشروان عاد إلى المدائن وغزا البرجان ثم رجع وأرسل جنده إلى اليمن، ثم قال (في ص ١٥٥ ) وقوي أمره (أي انوشروان) وغزا فرغانة والبرجان وعاد فبنى مدينة الشابران، وقال (في ٥ : ١٠ ) وفي هذه السنة (أي ٩٨ ) فتحت مدينة الصقالبة وكان برجان قد أغار على مسلمة بن عبد الملك وهو في قلة فكتب إلى سليمان يستمده فأمده فمكرت بهم الصقالبة ثم انهزموا. وأنت ترى أن ما نقلناه هنا عن ابن الأثير يكاد يكون نص الطبري بعينه، ومثل هذين النصين كلام ابن خلدون فلهذا نضرب صفحاً عن ذكره، وإلى هنا أيضاً انتهى ماجمعناه من كتب أشهر المؤرخين وأهل التخطيط وإن كان ثم غير هؤلاء إلا أنهم يعدون من النقلة لا من المصنفين الأصليين، وهذا يدلك على سبب عدولنا عن ذكر نصوصهم لاستغنائنا عنهم بأقوال الكتاب الأقدمين أصحاب القدم الراسخة في هذا الموضوع. ٢ - القسم الثاني نصوص لغويي العرب قال الفيروز أبادي في القاموس: برجان كعثمان: جنس من الروم وزاد السيد المرتضى في تاج العروس يسمون كذلك قال الأعشى: وهرقل يوم ذي ساتيذ ما من بني برجان في الباس رجح يقول: هم رجح على بني برجان أي هم أرجح في القتال وشدة البأس منهم، وهذا الكلام كله هو نص ابن منظور بحرفه، وقد أخذه المرتضى عنه ولم ينبه عليه. وقال ابن الوردي: البرجان أمة بل أمم طاغية مثلثون، بلادهم متوغلة في الشمال وسيرهم منقطعة لبعدهم عنا وجفاء طباعهم. وقال في المعرب للجواليقي: برجان، اسم أعجمي وقد تكلمت به العرب قال الأعشى: من بني برجان في الناس رجح. وقال الجوهري في الصحاح: وهرقلاً يوم ذي ساتيذما من بني برجان ذي البأس رجح. ولم يزد على هذا القدر مع اختلاف الرواية بينه وبين صاحب اللسان والتاج. وقال المطرزي في المغرب: برجان جنس من الروم بلادهم قريبة من القسطنطينية وبلاد الصقالبة قريبة منهم. وقال صاحب الأوقيانوس: برجان على وزن عثمان اسم جنس من الروم وفي كتاب المغرب للمطرزي (ماذكرناه آنفاً) وكتاب الخريدة لابن الوردي (مانقلناه فويق هذا) ثم قال: وعليه فيؤخذ من هذا الكلام وعن سائر ما ورد في كتب تخطيط البلدان أن برجان وبغدان هما بلاد وجيل معروفان يكونان وراء نهر الطونة، فمن المحتمل إذاً أن تكون كلمة برجان معربة عن بوجاق (كذا، ويراد ببوجاق البلاد المعروفة باسم بسرابية) بل ولعل الأرجح أن تكون برجان تعريب بغدان تعريباً. ومن الغريب أن القلقشندي الذي وضع كتاباً في الأنساب وذكر أنساب كثير من الأجيال والأمم والشعوب لم يتعرض لذكر البرجان، وممن أغفل التنويه بهم سائر اللغويين من العرب كصاحب الجمهرة وتهذيب اللغة والمحيط والمجمل والمخصص والمحكم والجامع لديوان العرب والعباب وأساس البلاغة والمصباح المنير ومجمع البحرين ومطلع النيرين والبابوس إلى آخر ما هناك. وأما صاحب محيط المحيط أي البستاني فإنه نقل كلام المطرزي ولم يصرح باسم المنقول عنه، وصاحب أقرب الموارد لم يذكر البرجان بمعنى هذا الجيل من الناس، ونقف عند هذا الحد من ذكر نصوص اللغويين. القسم الثالث رأي مستشرقي الافرنج ذهب أغلب المستشرقين إلى أن المراد بالبرجان: البلغار، وهذا لا يمكن أن يكون صحيحاً البتة كما سنثبته في ذيل هذا القسم، على أن بعضاً منهم انتبهوا إلى ما في هذا التوحيد بين اللفظين من الغرابة والبعد لرؤيتهم كثيرين من كتاب العرب جمعوا في عبارة واحدة بين البرجان والبلغار وميزوا بين الجيلين تمييزاً بيناً فاستنتجوا أن القومين ليسا بواحد بل هما اثنان وإن كانا في أغلب الأحايين متحالفين متفقين في الهجوم والدفاع وفي القتال والقراع. على أن بعض الافرنج ذهبوا إلى أن المراد بالبرجان في بعض عبارات الكتاب من العرب قوم يكونون في افرنجة (افرنسة) وهم المعروفون باسم البرجون أو البرغون أي هم المعروفون باللغة الفرنسوية باسم وهم محقون في ذلك، مثلاً ما قال المسعودي في عبارته (في ٢ : ١٦ ) وفي عبارته (في ٣ : ٧٨ ) فلا شك أن المراد بالبرجان هناك البرجون أو البرغون، وهذا التصحيف قريب من البرجان فظن المؤلف الأول أو ناسخ الكتاب أن البرجون والبرجان شيء واحد، والحال: أن الأمر على خلاف ما يظن وإن كان بين اللفظين تناسب في الاشتقاق، ولهذا فقد أصاب الفاضل بربيه دمينار Barbir de maynard حينما ذكر هذه العبارة: وبشن الغارات حولها إلى بلاد رومية والأندلس وأرض برجان والجلالقة والافرنجة إن المراد بهؤلاء البرجان: Les Bourguignons لكنه لم يصب في قوله أنهم البلغار في كلام المسعودي في ٣ : ٦٦ و ٣ : ٧٨ ثم ٧ : ١٣٤ ثم ٤ : ٣٨ فلو ذكرهم باسمهم البرجان كما فعل في ٢ : ٣١١ و ٢ : ٣١٥ لكان أولى له ولهذا فقد أصاب في مواطن وأخطأ في مواطن أخرى. وأما العلامة دي كوي M. J. de Goeje فإنه لم ينقل إلى اللاتينية اسم البرجان كل مرة وردت في الطبري، وأما في ترجمته لكتاب المسالك والممالك لابن خرداذبة فإنه نقلها إلى لفظة بلغار Bulgares في ص ٢٥٧١٠٥٩٢ وأما في ٢٥٧١٧ فقد أبقاها على لفظها برجان، كأنه قد اكتفى بما ألمع إليه وبأن المراد من البرجان البلغار. وقد صرح فريتاغ أنه لا يعرف على التحقيق من هم هؤلاء المعروفون باسم البرجان، على أنه في الآخر ذهب إلى أن قولهم: اسرق من برجان يراد بهم هؤلاء الأقوام، وقد قال في مستهل كلامه عن البرجان برجان اسم لص أو لصوص، وقد تابعه في هذا الوهم قزميرسكي، وقد وهم كلاهما، فإن اللص المشهور باسم برجان هو غير جيل البرجان فاللص برجان كان من ناحية الكوفة، صلب لسرقته فسرق وهو مصلوب، وذلك أنه قال لحافظه: مر إلى تلك الخربة فإن لي فيها مالا وأنا أحفظ برذونك، فلما غاب عنه قال لواحد مر به: خذ البرذون فهو لك. وأما برجان الآخرون فهم أقوام يجاورون البلغار وليسوا بهم، وكانوا أهل غزو لا لصوصا شأن سائر الناس في غابر العصور قبل العمران الحديث، ولهذا فقول فريتاغ وقزميرسكي أنهم من اللصوص وهم ظاهر وخبط بين فليحفظ، هذا فضلاً عن أنك لا ترى واحداً من أبناء العرب ذهب إلى أن اللص برجان هو من قوم البرجان، أو أن البرجان هم من اللصوص ومنه قولهم اسرق من برجان كقولهم هم اسرق من قوم برجان. والظاهر أن أول مستشرق ذهب إلى أن البرجان هم البلغار العلامة كاترمير في الكتاب الذي نشره في باريس لمؤلفه رشيد الدين وترجمه إلى اللغة الفرنسية مع حواش نفيسة تزري بعقود الجمان، وقد رأيت هذا الكتاب مراراً عديدة في مكتبة الحاج علي الآلوسي من مبعوثي بغداد، وهو اليوم في الاستانة ومكتبته مقفلة لا يدخلها داخل ولو كان من أخص أقربائه، ولما كان مقام كاترمير من أرفع المقامات في العلم تابعه الكثيرون اعتماداً عليه، والبائن أن العلامة رينو Beinaud في ترجمته لكتاب تقويم البلدان تأليف أبي الفداء لم يقطع كل القطع برأي وطنيه كاترمير لأنه أبقى كلمة برجان على حالتها في ص ٢٨٣ من الجزء الأول من المجلد الأول وفي ص ٣١٣ من ذلك الجزء بعينه، ثم قال ما معربه: الظاهر كلمة برجان تعني بعض الأحيان البلغار المجاورين لنهر الطونة، راجع حواشي المسيو كاترمير على كتاب تاريخ رشيد الدين ص ٤٠٥ وراجع أيضاً تصنيف المسيو دوصون في كلامه عن أقوام جبل قاف ص ٢٦٠ ومن المرجح أيضاً أن هذا الاسم يشمل الإبر والصرب كلام رينو. فأنت ترى أنه لا يجزم بصحة هذا القول كل الجزم بل يذكره بكل تحفظ وتحرز لأنه رأى أنه إذا صح هذا التأويل في مواضع فهو لا يصح في عدة مواطن. وأما أقوى براهين كاترمير على أن البرجان هم البلغار المجاورون لنهر الطونة هو هذا على ما أتذكر: يقول المسعودي أن بستنيان الثاني المشهور بالأخرم لاد بتاوفيل ملك البرجان والحال أن كتبة اليونان يذكرون ذلك عن ملك البلغار إذن البرجان هم البلغار كلام العلامة محصلا بمعناه، فأقول: نص المسعودي هو هذا: وفي هذه السنة وهي سنة ٢٢٣ خروج توفيل بن ميخائيل ملك الروم في عساكره ومعه ملوك برجان والبرغار والصقالبة وغيرهم فيتضح من هذا الكلام أن البرجان غير البرغار أو البلغار وإلا لما فرق بين اللفظين بل أنهم قوم محالفون للبرغار كما كان الصقالبة محالفين لهم أيضاً واكتفاء اليونان بذكر البرغار فقط لا يدل على أنه لم يكن معهم برجان وصقالبة بل إنما ذهبوا إلى ذكر البلغار أما لكثرتهم وأما لشهرتهم وأما لأنهم إذا ذكروا البلغار فهم قراء أولئك الزمان حلفاء البلغار أيضاً البرجان والصقالبة أو لعل هناك سبباً آخر لا يصل إلى معرفته عقلنا القاصر. وعلى كل حال فإن كلام المسعودي صريح كل الصراحة أن البرجان قوم كانوا مع البلغار وليسوا إياهم، بل هم الذين نعنيهم في كلامنا الآتي. وأما آراء سائر المستشرقين فلا حاجة إلى ذكرها لأنه إذا كان مقدموهم وزعماؤهم على هذا التأويل فلا تبعد تأويل من جاء بعدهم وأخذ عنهم بعداً يذكر ومن ثم تكون آراؤهم منحصرة في ثلاثة تآويل: فالأغلب يذهب إلى أنهم والبلغار جيل ومنهم من يقول بأن البرجان في بعض المواطن تفيد البرجون أو البرغونيين والطائفة الأخرى تبقي اللفظة على وجهها لأنها لم ترها موافقة لمعنى البلغار. على أن هناك مذهباً رابعاً بل وخامساً لا ينسب أو ينسبان إلى واحد من المستشرقين بل إلى عالم جليل من علماء الأتراك ولغوييهم أريد به عاصم افندي صاحب الاوقيانوس ومترجم القاموس فإنه يظن أن البرجان تعريب بوجاق ويرجح عليه كون اللفظة تعريب بغدان وكلا اللفظين وإن كانا يتقاربان في الكتابة إلا أنهما يبتعدان كل الابتعاد في النطق والتلفظ هذا فضلاً عن أن إبدال الحروف وسننه لا توافق كل الموافقة هذا التصحيف البعيد الوقوع إلا بتكلف وتعمل واعنات لا إعنات وراءه. ٤ - خاتمة النبذة وفيها ذكر رأينا من قرأ بترو وتدبر ما كتبناه إلى هنا وأنعم النظر في الشواهد التي نقلناها عن كتبة العرب على اختلاف عصورهم يحكم حكماً باتاً بأن البرجان غير البلغار وبالعكس وإليك خلاصة ما قاله العرب عنهم مجموعة هنا: البرجان جيل من الناس بلادهم غائصة في جهة الشمال في قصر النهار إلى أربع ساعات والليل إلى عشرين ساعة، وبالعكس، وأهلها مجوس طغاة بغاة قساة وسيرهم منقطعة عنا لبعدهم وجفاء طباعهم، وقد تنصروا في عصور النصرانية الأولى بعد أن غادروا بلادهم وأقاموا بجوار البلغار من جهة وبقرب الصقالبة من الجهة الأخرى وكانوا تارة مهادنين للبلغار ومواليهم ومحالفيهم وطوراً أعداءهم وهاجمين عليهم وغازين إياهم، شأن الجار للجار، فهذا كله لا يصح إلى على الأمة المعروفة عن الافرنج باسم Varégues ويقال فيها عندهم Varangiens او Vairaguers كما أن العرب أخذوا هذه اللفظة عن اليونان وهم يكتبون الفاءالفارسية المثلثة الفوقية باء موحدة تحتية سهل سبب تعاقب الفاء والباء، والكلمة هي في الأصل ومعناها المنفي أو الآفاق ثم توهموا فيها الأفراد كما هو الأمر حقيقة فجمعوها على فعلان فقالوا فيها برجاناً كما قالوا في جمع ظهر ظهراناً. والبرجان على التحقيق قوم افاقون أصل أغلبهم من اسكنديناوية ثم انضم إليهم أناس آخرون من عناصر أخرى كالروس والصقالبة والأبر والسرب والبلغار فاجتمع منهم أمة قائمة بنفسها قاتلها الألمانيون فافنوها عن آخرها. هذا ما ظهر لنا على وجه التحقيق بعد أن طالعنا عدة مؤلفات عربية وافرنجية وبعد أن وقفنا على آراء بوغودين Pogodine وشلوتزر Schloetzer وجدعونوف Gédéonov وكستوماروف Kostomarov وهوفائسكي Hovaisky وآمي بوه Ami Boué وكانتس Kanitz وليجه L. Léger ودلافلاي E. de Laveleye وغيرهم. وإن كان لواحد من القراء ما يهدم رأينا بمعول براهينه فليأتنا به ونحن له من أعظم الشاكرين لأن غايتنا البحث عن الحقيقة لا التمسك برأينا فمتى ما رأينا وجهها الصبيح نسير للحال بضيائه، وفقنا الله إلى ما به كل خير الفتوى في الإسلام حاجة المفتين إلى معرفة العلوم الرياضية إن هذه العلوم الجليلة - الرياضية - كان عني بها من سلفنا وأئمتنا من لا يزال اسمه كالبدر في السماوات وعمه وآثاره مرجعاً لحل العويصات مثل الحافظ بن حيان صاحب الصحيح وحجة الإسلام الغزالي وفخر الدين الرازي وولي الدين ابن خلدون والإمام ابن رشد وسيف الدين الآمدي والحرالي وابن عبد ربه وابن الصلاح وأبي الصلت الداني الأندلسي والرشيد بن الزبير الأسواني والمبشر بن فاتك الأموي والشيخ السويد والفخر الفارسي والقطب المصري والموفق عبد اللطيف البغدادي وابن البيطار وأفضل الدين الخونجي وشمس الدين الأصفهاني وابن النفيس والقطب الرازي والسيد الشريف الجرجاني وسعد الدين التفتازاني وبدر الدين ابن جماعة وقاضي القضاة الهروي وعلاء الدين البخاري وشهاب الدين ابن المجدي والتقي السبكي ومن لا يحصى من الأئمة كما تراه في طبقات الحكماء وفي حسن المحاضرة للسيوطي وسواهما من تواريخ الأعلام ووفيات الأعيان وكثر من كان فيهم من القضاة والحفاظ والرواة والمتكلمين والمفتين العدول الثقات ولو ضم إليهم غيرهم لبلغ مجلدات كل من عني بهذه العلوم - الرياضية - علم مسيس الحاجة إليها وأدرك موضع الكمال منها فراح بضرب منها بسهم ويخوض منها في بحر. تخلل كتب الفقه ما لا يحصى من فروع هذه العلوم وكم توقف القضاء والافتاء في النوازل على الإلمام بهذه الفنون. أليس تحرير سمت القبلة يتوقف على معرفة أصول فن الميقات وكذا تحرير أوقات الصلوات في البلاد على معرفة عروضها وأطوالها المقررة في علمها. وكذلك حسم المنازعات في مساحة قطع الأرض أو مقادير السقيا من الأنهار أو الدمن يتوقف على فن الهندسة والمقاييس. وهكذا التقاضي في وقف على بلد من بلاد دولة من الدول معينة ارتيب في كون تلك البلد من حوزتها أو حدودها يتوقف على علم الجغرافيا (تقويم البلدان) فمنه يعلم دخولها في شرط الواقف أو عدم دخولها. وهكذا أفتى من المحققين غير واحد أن لمن له معرفة بعلم هيئة الفلك أن يعمل بحسابه في صوم رمضان والفطر منه بل أفتى تقي الدين السبكي لما كان قاضي القضاة بدمشق في رسالة سماها (العلم المنشور في إثبات الشهور) إن من شهد برؤية الهلال في رمضان أو ذي الحجة مثلاً ودل الحساب على أنه لا تمكن رؤيته أن تلك الشهادة ترد (قال) لأنه أقوى من الريبة لأنه مستحيل عادة، وبين رحمه الله في هذه الرسالة ما يجب على القاضي من التثبت في ذلك وما ينبغي له من الإلمام بعلم الهيئة والميقات أو تقليد من يثق به في ذلك ليكون على بصيرة مما يقبل من الشهادة في ذلك أو يرد. ورسالته هذه من أنفس الرسائل المضنون بها. وبالجملة فحاجيات الفنون الرياضية في الأقضية والأحكام وفي العبادات والمعاملات أوسع من أن يدخلها الحصر ولا غنى للقاضي والمفتي عن الإلمام بها كما أوضحنا. تحري المفتي في مسائل الطلاق المجمع عليه والأقوى دليلاً مما يجب على كل مفت - بمعنييه الخاص والعام - أن يتحرى ويتروى ويحتاط في مسائل الطلاق ما أجمع على وقوعه أو قوى الدليل فيه معقولاً أو منقولاً وأما التسرع بالفتوى بحل العصمة لمجرد قول غير مجمع عليه أو المدرك في سواه أو قول الصحب والتابعين رضوان الله عليهم على خلافه - هذا التسرع من الأمور التي جرت الويلات على كثير من العائلات وكم أفضت إلى التحيل بما لا يرضاه الشارع ولا يلتقي مع أصول ملته السمحاء، ومن العجيب أن صور الحلف بالطلاق وأنواع التعاليق فيه التي أفردت لها تآليف خاصة وأفعمت بطون الأسفار لا ترى منها مسألة مرفوعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم ولا واقعة مأثورة عن الصحب رضوان الله عليهم لأنها مما حدثت بعد قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية في بعض فتاويه لما أحدث الحجاج بن يوسف تحليف الناس بأيمان البيعة وهو التحليف بالطلاق والعتاق والتحليف باسم الله وصدقة المال وقيل كان معها التحليف بالحج تكلم حينئذ التابعون ومن بعدهم في هذه الأيمان وتكلموا في بعضها على ذلك فمنهم من قال إذا حنث بها لزمه ما التزمه ومنهم من قال لا يلزمه إلا الطلاق والعتاق ومنهم من قال بل هذا من جنس إيمان أهل الشرك لا يلزم بها شيء ومنهم من قال بل هي من ايمان المسلمين يلزم فيها ما يلزم في سائر ايمان المسلمين واتبع هؤلاء ما نقل في هذا الجنس عن الصحابة وما دل عليه الكتاب والسنة (قال) كما بسط في موضع آخر. وبالجملة فأهم مسائل الطلاق الآن مسألة الحلف به وبالحرام، والتعليق عليه، وطلاق السكران، وطلاق الغضبان، وجمع الثلاث في كلمة دفعة واحدة، والطلاق في الحيض، ويندرج تحت كل صور شتى يرى الواقف على مذاهب السلف فيها أقوالاً وفتاوى عديدة وقد أسلفنا ما اتفق عليه كلام المحققين من وجوب التحري في المسائل المختلف فيها وبذل الوسع في مسألة القولين لترجيح أحدهما. ومما يعين المفتي على الترجيح الصحيح مراجعته الكتب التي جمعت أقوال السلف في هذه المسائل وهي المحلى لابن حزم وفتاوى ابن تيمية وكتاب إقامة الدليل على بطلان التحليل له أيضاً وإغاثة اللهفان الكبرى لابن القيم وإغاثة اللهفان الصغرى في طلاق الغضبان لابن القيم أيضاً وزاد المعاد له أيضاً وكذلك مراجعة كتب النوازل في فقه المالكية ومطولات كتب أصحاب الأئمة نفعنا المولى بعلومهم فالواقف عليها يجد من سماحة الإسلام ويسر الدين ورفع الحرج في هذا الباب ما يجعله كله السنة تنطق بحمده تعالى على هذه الرحمة. حكم تولية طالب الإفتاء هذا الحكم يعلم بالأولى مما ذكروه في القضاء ومن أحسن ما كتب فيه ما قاله الإمام الماوردي - من كبار أئمة الشافعية - في كتابه الأحكام السلطانية وعبارته: فأما طلب القضاء وخطبة الولاة عليه فإن كان من غير أهل الاجتهاد فيه كان تعرضه لطلبه محظوراً وصار بالطلب مجروحاً. وإن كان من أهله على الصفة التي يجوز معها نظره فله في طلبه ثلاثة أحوال (أحدها) أن يكون القضاء في غير مستحقه إما لنقص علمه وإما لظهور جوره فيخطب القضاء دفعاً لمن لا يستحقه ليكون فيمن هو بالقضاء أحق فهذا سائغ لما تضمنه من دفع منكر ثم ينظر فإن كان أكثر قصده إزالة غير المستحق كان مأجورا وإن كان أكثره اختصاصه بالنظر فيه كان مباحاً. (والحالة الثانية) أن يكون القضاء في مستحقه ومن هو أهله ويريد أن يعزله عنه إما لعداوة بينهما وإما ليجر بالقضاء إلى نفسه نفعاً فهذا الطلب محظور وهو بهذا الطلب مجروح. (والحال الثالثة) أن لا يكون في القضاء ناظر وهو خال من وال عليه فيراعي حاله في طلبه فإن كان لحاجته إلى رزق القضاء المستحق في بيت المال كان طلبه مباحاً وإن كان رغبة في إقامة الحق وخوفه أن يتعرض له غير مستحق كان طلبه مستحباً فإن قصد بطلبه المباهاة والمنزلة فقد اختلف في كراهية ذلك مع الاتفاق على جوازه فكرهته طائفة لأن طلب المباهاة والمنزلة في الدنيا مكروه قال الله تعالى: تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين. وذهبت طائفة أخرى إلى أن طلبه لذلك غير مكروه لأن طلب المنزلة مما أبيح وقد رغب نبي الله يوسف عليه السلام إلى فرعون في الولاية فقال اجعلني على خزائن الأرض اتي حفيظ عليم فطلب الولاية ووصف نفسه بما يستحقها به من قوله اني حفيظ عليم وفيه تأويلان (أحدهما) حفيظ لما استودعتني عليم بما وليتني وهذا قول عبد الرحمن بن زيد (والثاني) أنه حفيظ للحساب عليم بالألسن وهذا قول اسحق بن سفيان وخرج هذا القول عن حد التزكية لنفسه والمدح لها لأنه كان لسبب دعا إليه انتهى. اشتراط علم المولي بأهلية من يوليه لصحة التولية قال الإمام الماوردي: تمام الولاية معتبر بأربعة شروط (أحدها) معرفة المولي للمولى بأنه على الصفة التي يجوز أن يولى معها فإن لم يعلم أنه على الصفة التي تجوز معها تلك الولاية لم يصح تقليده (والشرط الثاني) معرفة المولي بما عليه المولى من استحقاق تلك الولاية بصفاته التي يصير بها مستحقاً لها وأنه قد تقلدها وصار مستحقاً للاستنابة فيها ثم ذكر تتمة الشروط في تولية القضاء مما يدل على اعتبارها فيما هو دون تولية القضاء من الافتاء والتدريس والوعظ والإرشاد والخطابة والإمامة بالأولى ولله در المستوعر الأكبر في قوله: وما سقطت يوماً من الدهر أمة من الذل إلا أن يسود دميمها إذا ساد فيها بعد ذل لئيمها تصدى لها ذل وقد اديمها وما قادها للخير إلا مجرب عليم بإقبال الأمور كريمها وما كل ذي لب يعاش بفضله ولكن لتدبير الأمور حكيمها وبالجملة فإعطاء كل ذي حق حقه ووضع الأشياء في مواضعها وتفويض الأعمال للقادرين عليها مما يوجب صيانة الحق ويشيد بناء العدل ويحفظ نظام الأمور من الخلل، ويشفي نفوس الأمة من العلل، وهذا مما تحكم به بداهة العقل وهو عنوان الحكمة التي قامت بها السموات والأرض وثبت بها نظام كل موجود، وكل من تتبع تواريخ الأمم وكان بصير القلب علم أنه ما انقلب عرش مجدها إلا لتفويض الاعمال لمن لا يحسن القيام عليها ويض الأشياء في غير مواضعها إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. حكم الاشتراط في الفتوى أن تكون على مذهب معين يستفاد هذا مما أوضحه الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية في القضاء (قال): ويجوز لمن اعتقد مذهب الشافعي رحمه الله أن يقلد القضاء من اعتقد مذهب أبي حنيفة لأن للقاضي أن يجتهد برأيه في قضائه ولا يلزمه أن يقلد في النوازل والأحكام من اعتزى إلى مذهبه، فإذا كان شافعياً لم يلزمه المصير في أحكامه إلى أقاويل الشافعي حتى يؤديه اجتهاده إليها، فإن أداه اجتهاده إلى الأخذ بقول أبي حنيفة عمل عليه وأخذ به. وقد منع بعض الفقهاء من اعتزى إلى مذهب أن يحكم بغيره لما يتوجه إليه من التهمة والممايلة في القضايا والأحكام وإذا حكم بمذهب لا يتعداه كا ن أنفى للتهمى وأرضى للخصوم (قال الماوردي) وهذا وإن كانت السياسة تقتضيه فأحكام الشرع لا توجبه لأن التقليد فيها محظور والاجتهاد فيها مستحق. ثم قال: فلو شرط المولي وهو حنفي أو شافعي على من ولاه القضاء أن لا يحكم إلا بمذهب الشافعي أو أبي حنيفة فهذا على ضربين أحدهما أن يشترط ذلك عموماً في جميع الأحكام فهذا شرط باطل سواء كان موافقاً لمذهب المولي أو مخالفاً له، وأما صحة الولاية فإن لم يجعله شرطاً فيها وأخرجه مخرج الأمر أو مخرج النهي وقال: قد قلدتك القضاء فاحكم بمذهب الشافعي رحمه الله على وجه الأمر أو لا تحكم بمذهب أبي حنيفة على وجه النهي كانت الولاية صحيحة والشرط فاسداً سواء تضمن أمراً أو نهياً، ويجوز أن يحكم بما أداه إليه اجتهاده سواء وافق شرطه أو خالفه. فإن أخرج ذلك مخرج الشرط في عقد الولاية فقال قد قلدتك القضاء على أن لا تحكم فيه إلا بمذهب الشافعي أو بقول أبي حنيفة كانت الولاية باطلة لأنه عقدها على شرط فاسد، وقال أهل العراق تصح الولاية ويبطل الشرط ثم ذكر الضرب الثاني وفصل فيه فانظره وقال الإمام أبو زيد الدبوسي - من أكابر أصحاب الإمام أبي حنيفة رحمه الله - في كتاب تقويم الأدلة في أواخر باب الاستحسان: وكان الناس في الصدر الأول أعني الصحابة والتابعين والصالحين رضوان الله عليهم أجمعين يبنون أمورهم على الحجة فكانوا يأخذون بالكتاب ثم بالسنة ثم بأقوال من بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ما يصح بالحجة فكان الرجل يأخذ بقول عمر رضي الله عنه في مسألة ثم يخالفه بقول علي رضي الله عنه في مسألة أخرى، وقد ظهر من أصحاب أبي حنيفة رحمهم الله أنهم وافقوه مرة وخالفوه أخرى على حسب ما تتضح لهم الحجة، لم يكن المذهب في الشريعة عمريا ولا علويا بل النسبة كانت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد كانوا قروناً اثنى عليهم رسول الله صلى الله عليهم وسلم بالخير فكانوا يرون الحجة لا علماءهم ولا نفوسهم فلما ذهب التقوى من عامة القرن الرابع وكسلوا عن طلب الحجج جعلوا علماءهم حجة واتبعوهم فصار بعضهم حنفياً وبعضهم مالكياً وبعضهم شافعياً ينصرون الحجة بالرجال ويعتقدون الصحة بالميلاد على ذلك المذهب ثم كل قرن اتبع عليه كيفما أصابه بلا تمييز حتى تبدلت السنن بالبدع فضل الحق بين الهوى كلام الإمام أبي زيد وللبحث مقدمة مدهشة فليرجع إليها وقد نقل نحواً من ذلك شيخ الصوفية محيي الدين ابن عربي في الباب الثامن عشر وثلثمائة من الفتوحات المكية في معرفة منزل نسخ الشريعة المحمدية وغير المحمدية بالأغراض النفسية عافانا الله وإياك من ذلك فليتدبر من يحب الإنصاف. الحسبة على المفتين وأمثالهم قال الحافظ أبو بكر الخطيب البغدادي: ينبغي للإمام أن يتصفح أحوال المفتين فمن صلح للفتيا أقره، ومن لا يصلح منعه ونهاه أن يعود وتوعده بالعقوبة إن عاد، وطريق الأمام إلى معرفة من يصلح للفتوى أن يسأل علماء وقته ويعتمد أخبار الموثوق بهم انتهى. وقال الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية: وإذا وجد - المحتسب - من يتصدى لعلم الشرع وليس من أهله من فقيه أو واعظ ولم يأمن اغترار الناس به في سوء تأويل أو تحريف أنكر عليه التصدي لما هو ليس من أهله وأظهر أمره لئلا يغتر به. وقال ابن القيم: من أفتى الناس وليس بأهل للفتوى فهو آثم عاص ومن أقره من ولاة الأمور على ذلك فهو آثم عاص قال أبو الفرج ابن الجوزي: ويلزم ولي الأمر منعهم وهؤلاء بمنزلة من يدل الركب وليس له علم بالطريق وبمنزلة من لا معرفة له بالطب وهو يطب الناس بل هؤلاء أسوأ حالاً من هؤلاء كلهم وإذا تعين على ولي الأمر منع من لم يحسن التطبب من مداواة المرضى فكيف بمن لم يعرف الكتاب والسنة ولم يتفقه في الدين قال وكان شيخنا شديد الإنكار على هؤلاء فسمعته يقول: قال لي بعض هؤلاء: اجعلت محتسباً على الفتوى: فقلت له: يكون على الخبازين والطباخين محتسب ولا يكون على الفتوى محتسب انتهى. دلالة العالم للمستفتي على غيره قال ابن القيم: هذا موضع خطر جداً فلينظر الرجل إلى من يدل عليه وليتق الله فإنه إما معين على الإثم والعدوان وإما معين على البر والتقوى وقد سأل الحافظ أبو داود - صاحب السنن - الإمام أحمد عن رجل يسأله عن مسألة فيدله على من يسأله فقال: إذا كان يعني الذي أرشده إليه متبعاً ويفتي بالسنة: وذكر بعد ورقات أنه إذا علم أن السائل يدور على من يفتيه بغرضه في تلك المسألة فيجعل استفتاءه تنفيذاً لغرضه لا تعبداً لله بأداء حقه فلا يسعه أن يدله على غرضه أين كان بل أن علم المفتي فيها نصاً عن الله ورسوله فلا يسعه تركه إلى غرض السائل وإن كانت من المسائل الاجتهادية ولم يترجح له قول لم يسغ له أن يترجح لغرض السائل وهذه المسألة جديرة بالمحافظة عليها وليرجع إلى تتمتها في كلامه. هل يقول المفتي في المسألة قولان ونوادر في ذلك قال الإمام ابن القيم في الأعلام: لا يجوز للمفتي تخيير السائل وإلقاؤه في الإشكال والحيرة بل عليه أن يبين بياناً مزيلاً للإشكال متضمناً لفصل الخطاب ولا يكون كالمفتي الذي سئل عن مسألة في المواريث فقال: يقسم بين الورثة على فرائض الله عز وجل: وكتبه فلان: وسئل آخر عن صلاة الكسوف فقال: تصلي على حديث عائشة. وسئل آخر عن مسألة من الزكاة فقال: أما أهل الايثار فيخرجون المال كله وأما غيرهم فيخرج القدر الواجب عليه. وسئل آخر عن مسألة فقال: فيها قولان، ولم يزد. قال أبو محمد ابن حزم وكان عندنا مفت إذا سئل عن مسألة لا يفتي فيها حتى يتقدمه من يكتب فيكتب هو: جوابي فيها مثل جواب الشيخ، فقدر أن مفتيين اختلفا في جواب فكتب تحت جوابهما: جوابي مثل جواب الشيخين، فقيل له أنهما قد تناقضا فقال: وأنا أتناقض كما تناقضا. قال ابن القيم: وكان في زماننا رجل مشار إليه بالفتوى وهو مقدم في مذهبه وكان نائب السلطان يرسل إليه في الفتاوى فيكتب: يجوز كذا أو يصح كذا أو ينعقد كذا بشرطه، فأرسل إليه يقول: فأتينا فتاوى منك فيها: يجوز أو ينعقد أو يصح بشرطه نحن لا نعلم شرطه فإما أن تبين شرطه وإما أن لا تكتب ذلك قال وسمعت شيخنا - ابن تيمية - يقول: كل أحد يحسن أن يفتي بهذا الشرط وهذا ليس بعلم ولا يفيد سوى حيرة السائل وتنكده. (وكذلك) قول بعضهم في فتاويه: يرجع في ذلك إلى رأي الحاكم: قال فياسبحان الله: لو كان الحاكم شريحا وأشباهه لما كان مرد أحكام الله ورسوله إلى رأيه فضلاً عن حكام زماننا والله المستعان. وسئل بعضهم عن مسألة فقال: فيها خلاف: فقيل: كيف يعمل المفتي (فقال) يختار له القاضي أحد المذهبين. قال ابو عمرو ابن الصلاح كنت عند أبي السعادات ابن الأثير الجزري فحكى لي عن بعض المفتين أنه سئل عن مسألة فقال: فيها قولان فأخذ يزري عليه وقال: هذا حيد عن الفتوى ولم يخلص السائل من عمايته ولم يأت بالمطلوب، وللبحث تتمة فليرجع إليه في كلامه رحمه الله. أجناس الفتيا التي ترد على المفتين قال الإمام ابن القيم في أعلام الموقعين: المفتي إذا سئل عن مسألة فإما أن يكون قصد السائل فيها معرفة حكم الله ورسوله ليس إلا، وإما أن يكون قصده معرفة ما قاله الإمام الذي شهر المفتي نفسه باتباعه وتقليده دون غيره من الأئمة، وإما أن يكون مقصود، معرفة ما ترجح عند ذلك المفتي وما يعتقده فيها لاعتقاده علمه ودينه وأمانته فهو يرضى بتقليده هو وليس له غرض في قول أمام بعينه، فهذه أجناس الفتيا التي ترد على المفتين. فغرض المفتي في القسم الأول أن يجيب بحكم الله ورسوله إذا عرفه وتيقنه لا يسعه غير ذلك. أما في القسم الثاني فإذا عرف قول الإمام بنفسه وسعه أن يخبر به ولا يحل له أن ينسب إليه القول ويطلق عليه أنه قوله بمجرد ما يراه في بعض الكتب التي حفظها أو طالعها من كلام المنتسبين إليه فإنه قد اختلطت أقوال الأئمة وفتاويهم بأقوال المنتسبين إليهم واختياراتهم فليس كل ما في كتبهم منصوصاً عن الأئمة بل كثير منه يخالف نصوصهم، وكثير منهم لا نص لهم فيه، وكثير منهم يخرج على فتاويهم، وكثير منهم أفتوا به بلفظه أو بمعناه. فلا يحل لأحد أن يقول هذا قول فلان ومذهبه إلا أن يعلم يقيناً أنه قوله ومذهبه فما أعظم خطر المفتي وأصعب مقامه بين يدي الله تعالى. وأما القسم الثالث فإنه يسعه أن يخبر المستفتي بما عنده في ذلك مما يغلب على ظنه أنه الصواب بعد بذل جهده واستفراغ وسعه ومع هذا فلا يلزم المستفتي الأخذ بقوله وغايته أنه يسوغ له الأخذ به، فلينزل المفتي نفسه في منزلة من هذه المنازل الثلاث وليقم بواجبها فإن الدين دين الله والله سبحانه لا بد سائله عن كل ما أفتى به والله المستعان. ولا يخفى أن في القسم الأول ينبغي للمفتي أن يفتي بلفظ النص بل هو اللازم ما أمكنه فإنه يتضمن الحكم والدليل مع البيان التام وقد كان هو عصمة الصحابة واصلهم الذي يرجعون إليه وقد أسهب في ذلك بما لا يستغنى عنه فليراجع. استعانة المفتي بمراجعة كتب المذاهب واختلاف الأئمة في جمع الجوامع وشرحه ونرى أن الشافعي ومالكاً وأبا حنيفة والسفيانيين الثوري وابن عيينة وأحمد ابن حنبل والاوزاعي واسحق ابن راهويه وداود الظاهري وسائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم في العقائد وغيرها وقال الشعراني في الميزان وقد أجمعوا على أنه لا يسمى أحد عالماً إلا أن بحث عن منازع أقوال العلماء وعرف من أين أخذوها من الكتاب والسنة: وقال إن الشريعة كالشجرة العظيمة المنتشرة وأقوال علمائها كالفروع والأغصان وقال إن الشريعة المطهرة جاءت شريعة سمحة واسعة شاملة قابلة لسائر أقوال أئمة الهدى من هذه الأمة المحمدية وأن كلا منهم فيما هو عليه في نفسه على بصيرة من أمره وعلى صراط مستقيم وأن اختلافهم إنما هو رحمة بالأمة وقال نقلاً عن الإمام الزركشي في آخر كتاب القواعد له ما مثاله: إن مطلوب الشرع الوفاق ورد الخلاف إليه ما أمكن كما عليه عمل الأئمة من أهل الورع والتقوى كابي محمد الجويني وإضرابه فإنه صنف كتابه المحيط ولم يلتزم فيه المشي على مذهب معين انتهى ثم قال الشعراني، وقد بلغنا أنه كان يفتي الناس بالمذاهب الأربعة الشيخ الإمام الفقيه المحدث المفسر الأصولي الشيخ عبد العزيز الديريني وشيخ الإسلام عز الدين ابن جماعة المقدسي والشيخ العلامة الشيخ شهاب الدين البرلسي والشيخ علي النبتيتي الضرير، ونقل الشيخ الجلال السيوطي رحمه الله عن جماعة كثيرة من العلماء أنهم كانوا يفتون الناس بالمذاهب الأربعة لا سيما العوام الذين لا يتقيدون بمذهب ولا يعرفون قواعده ولا نصوصه ويقولون حيث وافق فعل هؤلاء العوام قول عالم فلا بأس به انتهى وذكر التاج السبكي في طبقات الشافعية في ترجمة إمام الحرمين ما مثاله والإمام لا يتقيد بالأشعري ولا بالشافعي لا سيما في البرهان وإنما يتكلم على حسب تأدية نظره واجتهاده: وذكر في ترجمة أبيه الجويني أنه ألف كتاباً سماه المحيط لم يتقيد فيه بمذهب وأنه التزم أن يقف على مورد الأحاديث لا يتعداها ويتجنب جانب العصبية للمذاهب: كما قدمه الشعراني، وذكر في ترجمة ابن جرير أن المحمديين الأربعة - ابن جرير وابن خزيمة وابن نصر وابن المنذر كانوا يذهبون مع اجتهادهم المطلق وكان كل منهم مجتهداً مطلقاً لا يقلد أحداً ولهم من الاختيارات ما دونه السبكي في تراجمهم وهذا باب يطول استقصاؤه وقد عد السيوطي في حسن المحاضرة من المجتهدين في مصر وحدها ما أضاف على السبعين فيكيف بغيرها وكل من هؤلاء إنما كان يفتي بما يؤديه اجتهاده وكان يتفق لكثير من هؤلاء وأمثالهم من جمع الكتب المنوعة للاستفادة بما فيها ما يدهش وقد حكى السبكي في طبقاته في ترجمة الإمام عبد السلام ابن بندار أنه دخل إلى بغداد من مصر ومما معه عشرة جمال عليها كتب بالخطوط المنسوبة في فنون العلم وقال الشعراني أيضاً: إن كل مقلد اطلع على عين الشريعة المطهرة - أدلتها - لا يؤمر بالتقيد بمذهب واحد وربما لزم المذهب الأحوط في الدين مبالغة منه في الطاعة، وإلى نحو ما ذكرناه أشار الإمام الأعظم أبو حنيفة رضي الله عنه بقوله، ما جاء عن رسول الله صلى الله عليه وسلم بأبي هو وأمي فعلى الرأس والعين وما جاء عن أصحابه تخيرنا وما جاء عن غيرهم فهم رجال ونحن رجال، ثم قال إذا علمت ذلك فيقال لكل مقلد امتنع عن العمل بقول غير إمامه في مضايق الأحوال امتناعك هذا تعنت لا ورع لإنك تقول لنا أنك تعتقد أن سائر أئمة المسلمين على هدى من ربهم لاغتراف مذاهبهم من عين الشريعة ثم قال وكان الإمام ابن عبد البر رحمه الله تعالى يقول: لم يبلغنا عن أحد من الأئمة أنه أمر أصحابه بالتزام مذهب معين لا يرى خلافه وما ذلك إلا لأن كل مجتهد مصيب، وكان الزناتي من أئمة المالكية يقول: يجوز تقليد كل من أهل المذاهب في النوازل، وقد أطال الشعراني في هذا البحث وأجاد والقصد أن توسع المفتي في مراجعة مذاهب الأئمة وأقوالهم مما يعينه على الأقوى والأرجح في النازلة، إذ ليس الحق وقفا على مذهب أو كتاب وبالجملة فلا سبيل للوقوف على الضالة المنشودة إلا بتتبع مطاوي الكتب وخبايا الأسفار، وبمقدار رفع الهمة في ذلك بمقدار تنور الأفكار، قال العلامة العطار في حواشيه على شرح جمع الجوامع من تأمل ما ذكره من تصدى لتراجم الأئمة الأعلام علم أنهم كانوا مع رسوخ قدمهم في العلوم الشرعية والأحكام الدينية لهم اطلاع عظيم على غيرها من العلوم وإحاطة تامة بكلياتها وجزئياتها حتى في كتب المخالفين في العقائد والفروع يدل على ذلك النقل عنهم في كتبهم والتصدي لدفع شبههم وأعجب من ذلك تجاوزهم إلى النظر في كتب غير الإسلام قال فإني وقفت على مؤلف للقرافي رد فيه على اليهود شبهاً أوردوها على الملة الإسلامية لم يأت في الرد عليهم إلا بنصوص التوراة وبقية الكتب السماوية حتى يظن الناظر في كتابه أنه كان يحفظها عن ظهر قلب ثم هم مع ذلك ما أخلوا في تثقيف ألسنتهم وترقيق طباعهم من رقائق الأشعار ولطائف المحاضرات، ثم قال ومن نظر فيما انتهى إليه الحال في زمن وقعنا فيه علم أن نسبتنا إليهم كنسبة عامة زمانهم فإن قصارى أمرنا النقل عنهم بدون أن نخترع شيئاً من عند أنفسنا، وليتنا وصلنا إلى هذه المرتبة بل اقتصرنا على النظر في كتب محصورة ألفها المتأخرون المستمدون من كلامهم نكررها طول العمر ولا تطمح نفوسنا إلى النظر في غيرها حتى كأن العلم انحصر في هذه الكتب فلزم من ذلك أنه إذا ورد علينا سؤال من غوامض علم الكلام تخلصنا عنه بأن هذا كلام الفلاسفة ولا ننظر فيه أو مسألة أصولية قلنا لم نرها في جمع الجوامع فلا أصل لها أو نكتة أدبية قلنا هذا من علوم أهل البطالة وهكذا فصار العذر أقبح من الذنب، وإذا اجتمع جماعة منا في مجلس فالمخاطبات مخاطبات العامة والحديث حديثهم، فإذا جرى في المجلس نكتة أدبية ربما لا نتفطن لها وإن تفطنا لها بالغنا في إنكارها والإغماض عن قائلها إن كان مساوياً، وإيذائه بشناعة القول إن كان أدنى ونسبناه إلى عدم الحشمة وقلة الأدب، وأما إذا وقعت مسألة غامضة من أي علم كان عند ذلك تقوم القيامة وتكثر القالة ويتكدر المجلس وتمتلئ القلوب بالشحناء وتغمض العيون على القذى، فالمرموق بنظر العامة الموسوم بما يسمى العلم إما أن يتستر بالسكوت حتى يقال أن الشيخ مستغرق أو يهذو بما تمجه الاسماع، وتنفر عنه الطباع. وقالوا سكرنا بحب الآلة وما أسكر القوم إلا القصع فحالنا الآن كما قال ابن الجوزي في مجلس وعظه ببغداد مافي الديار أخو وجد نطارحه حديث نجد ولا خل نجاريه وهذه نفثة مصدور فنسأل الله السلامة واللطف كلام العطار وموضع الاستشهاد منه تأسفه على الاقتصار على ما في الأيدي من الأسفار مع أن الدواء الناجع هو التنقيب عما خبأته أيدي السلف من جواهر العلم ونفائس الفوائد وبالله التوفيق. أعراض المفتي عن المقلد الخصم المقلد هو الذي لا يصل فهمه إلى درك الدليل أو لا يريد أن يصل، أقعدته الفطرة عن اللحاق بأولي العلم، أو قنع بالتخلف عن السباق مع إبطال النظر وأقطاب الفهم، فلما ماتت قوته النظرية كان قصاراه أن يقف مع قول مفتيه، ويجرع من الكاس الذي يسقيه، فإذا تحكك بالدليل، وأخذ يخوض مع الإبطال في القال والقيل، دل على تطفله، وفضوله وتمحله وتعديه طوره، ومجاوزته قدره فلهذا يجب الإعراض عنه، وأن تحجب مخدرات المناظرة منه ولما ابتلي الأئمة قديماً بالمقلدة المماحكين، وضعوا لدرء جدلهم قوانين، قال الإمام حجة الإسلام أبو حامد الغزالي رضي الله عنه وأرضاه في كتابه فيصل التفرقة وشرط المقلد أن يسكت ويسكت عنه لأنه قاصر عن سلوك طريق الحجاج ولو كان أهلاً له كان مستتبعاً لا تابعاً وإماماً لا مأموماً، فإن خاض المقلد في المحاجة فذلك منه فضول، والمشتغل به صار كضارب في حديد بارد، وطالب لصلاح الفاسد وهل يصلح العطار ما أفسد الدهر وقال رضي الله عنه في إحياء علوم الدين في الباب الرابع من أبواب العلم في مباحث المناظرة وتلبيس المناظرين ما مثاله: اعلم أن هؤلاء قد يستدرجون الناس إلى ذلك بأن غرضنا من المناظرات المباحثة عن الحق ليتضح فإن الحق مطلوب والتعاون على النظر في العلم وتوارد الخواطر مفيد ومؤثر هكذا كانت عادة الصحابة رضي الله عنهم في مشاوراتهم ثم قال ويطلعك على هذا التلبيس ما أذكره وهو أن التعاون على طلب الحق من الدين ولكن له شروط وعلامات ثمان (إلى أن قال) الثالث أن يكون المناظر مجتهداً يفتي برأيه لا بمذهب الشافعي وأبي حنيفة وغيرهما حتى إذا ظهر له الحق من مذهب أبي حنيفة ترك ما يوافق رأي الشافعي وأفتى بما ظهر له كما كان يفعله الصحابة رضي الله عنهم والأئمة فأما من ليس له رتبة الاجتهاد وإنما يفتي فيما يسأل عنه نافلا عن مذهب صاحبه فلو ظهر له ضعف مذهبه لم يتركه فأي فائدة له في المناظرة ومذهبه معلوم وما يشكل عليه يقول لعل عند صاحب مذهبي جواباً عن هذا فإنى لست مستقلاً بالاجتهاد. وقال رضي الله عنه أيضاً في كتاب آداب تلاوة القرآن في أسباب موانع الفهم الأربعة ما مثاله في الثاني (ثانيها) أن يكون مقلداً لمذهب سمعه بالتقليد وجمد عليه وثبت في نفسه التعصب له بمجرد الاتباع للمسموع من غير وصول إليه ببصيرة ومشاهدة فهذا شخص قيده معتقده عن أن يجاوزه فلا يمكنه أن يخطر بباله غير معتقده فصار نظره موقوفا على مسموعه، فإن لمع برق على بعد وبدا له معنى من المعاني التي تباين مسموعه حمل عليه شيطان التقليد حملة وقال كيف يخطر هذا ببالك وهو خلاف معتقد آبائك فيرى أن ذلك من غرور الشيطان فيتباعد منه ويحترز عن مثله ولمثل هذا قالت الصوفية: إن العلم حجاب: وأرادوا بالعلم العقائد التي استمر عليها أكثر الناس بمجرد التقليد أو بمجرد كلمات جدلية حررها المتعصبون للمذاهب وأتقوها إليهم انتهى. وما أجمل قول الجاحظ عليه الرحمة: التقليد مرغوب عنه في حجة العقل منهي عنه في القرآن، نصراؤه قد عكسوا الأمور كما ترى ونقضوا العادات وذلك أنا لا نشك أن من نظر وبحث وقابل ووزن أحق بالتبين وأولى بالحجة انتهى. ما على المفتي إذا عرف الحق قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في كتاب الإيمان، اتفق العلماء على أنه إذا عرف الحق لا يجوز تقليد أحد في خلافه وإنما تنازعوا في جواز التقليد للقادر على الاستدلال. وإن كان عاجزاً عن إظهار الحق الذي يعلمه فهذا يكون كمن عرف أن دين الإسلام حق وهو بين النصارى فإذا فعل ما يقدر عليه من الحق لا يؤاخذ بما عجز عنه. وإما إن كان المتبع للمجتهد عاجزاً عن معرفة الحق على التفصيل وقد فعل ما يقدر عليه مثله من الاجتهاد في التقليد فهذا لا يؤاخذان اخطأ كما في القبلة. وأما أن قلد شخصاً دون نظيره بمجرد هواه ونصره بيده ولسانه من غير علم أن معه الحق فهذا من أهل الجاهلية وإن كان متبوعه مصيباً لم يكن عمله صالحاً وإن كان متبوعه مخطئاً كان آثماً وهؤلاء من جنس مانع الزكاة ومن عبد الدينار والدرهم والقطيفة والخميصة فإن ذلك لما أحب المال حباً منعه عن عبادة الله وطاعته صار عبداً له وكذلك هؤلاء فيكون فيه شرك أصغر ولهم من الوعيد بحسب ذلك وفي الحديث أن يسير الرياء شرك كلامه عليه الرحمة. تورع المفتي عن التضليل والتكفير مما يزين العالم كبر عقله وشدة رزانته وحصافة لبه، ومما يشينه ويزريه طيشه وحمقه وخفته وتسرعه فتراه بذلك يهوي من حالق وإن ناطح الجوزاء بعرفانه بحق أو بغير حق. فبحفظ اللسان صيانة الإنسان وهل يكب الناس في النار على مناخرهم إلا حصائد ألسنتهم. قال حجة الإسلام الغزالي في فيصل التفرقة، إذا رأيت الفقيه الذي بضاعته مجرد الفقه يخوض في التكفير والتضليل فاعرض عنه ولا تشغل به قلبك ولسانك فإن التحدي بالعلوم غريزة في الطبع لا يصبر عنه الجهال ولأجله كثر الخلاف بين الناس ولو ينكث من الأيدي من لا يدرى لقل الخلاف بين الخلق. (وقال) رضي الله عنه أيضاً، واعلم أنه لا تكفير في الفروع أصلاً إلا في مسألة واحدة وهي أن ينكر أصلاً دينياً علم من الرسول صلى الله عليه وسلم بالتواتر (ثم قال) ولو أنكر ما ثبت بأخبار الآحاد فلا يلزمه به الكفر ولو أنكر ما ثبت بالإجماع فهذا فيه نظر لأن معرفة كون الإجماع حجة أصلاً فصار كون الإجماع مختلفاً فيه. وقال أيضاً ولا يلزم كفر المأولين ما داموا يلازمون قانون التأويل وكيف يلزم الكفر بالتأويل وما من فريق من أهل الإسلام إلا وهو مضطر إليه. وقال أيضاً كأن كل واحد لا يرضى بما ذكره الخصم ولا يراه دليلاً قاطعاً وكيفما كان فلا ينبغي أن يكفر كل فريق خصمه. وكتابه رضي الله عنه هذا فيصل التفرقة مما يهم كل نبيه مراجعته ومطالعته فلم يؤلف في موضوعه مثله. وقال الإمام ابن حزم في الفصل في الكلام فيمن يكفر ولا يكفر ما مثاله: اختلف الناس في هذا الباب إلى أن قال وذهبت طائفة إلى أنه لا يكفر ولا يفسق مسلم بقول قاله في اعتقاد أو فتيا وإن كل من اجتهد في شيء من ذلك فدان بما رأى أنه الحق فإنه مأجور على كل حال إن أصاب الحق فأجران وإن أخطأ فأجر واحد وهذا قول ابن أبي ليلى وأبي حنيفة والشافعي وسفيان الثوري وداود بن علي رضي الله عنهم إلى أن قال والحق هو أن كل من ثبت له عقد الإسلام فإنه لا يزول عنه إلا بنص أو إجماع، وأما بالدعوى والافتراء فلا إلى أن قال وأما من كفر الناس بما تؤول إليه أقوالهم فخطأ لأنه كذب على الخصم وتقويل له ما لم يقل به وإن لزمه فلم يحصل على غير التناقض فقط والتناقض ليس كفراً. وتتمة البحث من نفائس العلم فليرجع إليها. اتقاء المفتي التسرع في دعوى الإجماع كثيراً ما يمر بمطالع كتب الفقه دعوى الإجماع في بعض المسائل أو النوازل ولا سند له إلا عدم العلم بالمخالف فيأتي سير التقليد فينقله على اعتقاد أنه مجمع عليه مع أن الواجب عليه أما التنقيب جهده في سائر بطون الكتب الفروعية وأسفار الخلاف حتى يسقط على الحقيقة في دعوى الإجماع أو يحذف كلمة الإجماع من نقله وعزوه فقد ظهر فيما يحصى من المسائل المدعى فيها الإجماع أن وراءها خلافاً في مذاهب أخرى بل في كتب منتشرة قد لا تخلو خزانة عالم منها، وما ألطف قول شمس الدين الأصفهاني - من كبار أئمة الشافعية - في شرح الحصول، الحق تعذر الاطلاع على الإجماع إلا إجماع الصحابة حيث كان المجمعون وهم العلماء منهم في قلة وأما الآن ويعد انتشار الإسلام وكثرة العلماء فلا مطمع للعلم به قال وهو اختيار الإمام أحمد مع قرب عهده من الصحابة وقوة حفظه وشدة اطلاعه على الأمور النقلية قال والمنصف يعلم أنه لا خبر له من الإجماع إلا ما يجده مكتوباً في الكتب ومن البين أنه لا يحصل الاطلاع عليه إلا بالسماع منهم أو ينقل أهل التواتر إلينا ولا سبيل إلى ذلك إلا في عصر الصحابة وأما من بعدهم فلا انتهي كلام الأصفهاني. ووجه الاتقاء والتورع في دعوى الإجماع في بعض الأحكام هو أن الإجماع - على ما عرفه الأصوليون - اجتماع علماء المسلمين على حكم من الأحكام: ولذا قال شيخ الإسلام تقي الدين ابن تيمية: وأما قول بعض الأئمة كالفقهاء الأربعة وغيرهم فليس حجة لازمة ولا إجماعاً باتفاق المسلمين بل قد ثبت عنهم رضي الله عنهم أنهم نهوا الناس عن تقليدهم وأمروهم إذا رأوا قولاً في الكتاب أو السنة أقوى من قولهم أن يأخذوا بما دل عليه الكتاب والسنة ويدعوا أقوالهم ولهذا كان الأكابر من أتباع الأئمة الأربعة لا يزالون إذا ظهر لهم دلالة الكتاب والسنة على ما يخالف قول متبوعهم اتبعوا ذلك انتهى وفي معالم الأصول، إذا أفتى جماعة ولم يعلم لهم مخالف فليس إجماعاً قطعاً إذ لا يعلم أن الباقي موافقون ولا يكفي عدم علم خلافهم فإن الإجماع هو الوفاق لا عدم علم الخلاف انتهى. وقال حجة الإسلام الغزالي في كتابه فيصل التفرقة بين الإسلام والزندقة وأما ما يستند إلى الإجماع فدرك ذلك من أغمض الأشياء إذ شرطه أن يجتمع أهل الحل والعقد في صعيد واحد على أمر واحد اتفاقاً بلفظ صريح ثم يستمروا عليه مرة عند قوم وإلى انقراض العصر عند قوم ومن هذا علم حد الإجماع (وقال أيضاً) وإنما يعرف ذلك - مواضع الإجماع - من مطالعة الكتب المصنفة في الاختلاف والإجماع للسلف ثم لا يحصل العلم في ذلك بمطالعة تصنيف ولا تصنيفين إذ لا يحصل تواتر الإجماع به (قال) وقد صنف أبو بكر الفارسي رحمه الله كتاباً في مسائل الإجماع وأنكر عليه كثير منه وخولف في بعض تلك المسائل (قال) فإذن من خالف الإجماع ولم يثبت عنده بعد فهو جاهل مخطئ وليس بمكذب فلا يمكن تكفيره والاستقلال بمعرفة التحقيق في هذا ليس بيسير انتهى كلام حجة الإسلام نفعنا المولى بعلومه. المفتي والعالم بإزاء ما ينبزه بالألقاب إن العالم لما أخذ الله عليه الصدع بالحق والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأن لا يخاف في الله لومة لائم كان معرضاً من أعداء أنفسهم وعبيد أهوائهم للشنان والنبز وبالألقاب فتراهم أن وجدوه يميل للنظر في الأدلة على الأحكام والوقوف على مآخذ المذاهب والأقوال وتحري الأقوم والأصلح بدون تعصب لإمام ولا تحزب لآخر نبزوه بالاجتهاد وسموه (مجتهداً) تهكماً مع أنه بذلك لم يقم إلا بواجبه، وإن أبصروا ميله لعلوم الحكمة والرياضيات وتشويقه لاقتطاف ثمارها سموه (طبيعياً) وإن رأوا حثه على البذل والإنفاق في سبيل الله ودعواه الموسرين للعطف على البؤساء لقبوه (اشتراكياً) وإن سمعوه يتكلم في الزيارة المشروعة وينهى عما أحدث فيها أو يتكلم على أنواع الشرك المقررة في السنة أو يزجر عن الغلو في الصالحين دعوه (وهابياً) إلى غير ذلك من أفانين أقوالهم ونبزهم بالألقاب لكل من لا يمالئهم على ميولهم ولا يسايرهم على أهوائهم، ولهم في كل عصر تلقيب جديد ونبز مبتدع. العالم الحكيم لا يأبه لهذه الألقاب إذا صدع بالحق ولا تحزنه بل يعيرها إذناً صما لأنه يجري على ما يوجبه دينه، ويفرضه عليه يقينه، وهو ما يرضي ربه وخالقه تعالى فإن رضاء الناس غاية لا تدرك وإنى للعاقل إرضاء أهواء متباينة ومنازع متناقضة. ما ألذَّ الألقاب التي تتنوع على المصلح وهو ساع إلى خير قومه وما أوجب الترحيب بها والابتسام لها فإن أمامه من الأنبياء ووارثيهم ما يعزيه ويسليه وكفى بهم أسوة وما أصدق قول ورقة بن نوفل للنبي صلى الله عليه وسلم: أنه لم يأت أحد بمثل ما جئت به الأعودي: رواه البخاري. الثبات على تحمل المشاق والصبر الجميل من الواجبات المحتمة على كل داع إلى حق والصدمات التي يجدها البطل المقدام يجب أن تقابل بثبات الجأش وأن تكون كلما تجددت باعثةً على تجدد القوى ومواصلة العمل والسير ولذلك قرن تعالى في كتابه الحكيم التواصي بالحق بالتواصي بالصبر وصدق الله العظيم. خوض بعض المفتين في التلفيق مسألة التلفيق من غرائب المسائل المحدثة المفرعة على القول بلزوم التمذهب للعاميّ وهوقول لا يعرفه السلف ولا أئمة الخلف وقد اتفقت كلمتهم على أن العامي لا مذهب له ومذهبه مذهب مفتيه. ترى الفقيه من القرون المتأخرة لو سئل عن رجل مسح بعض رأسه أقل من ربعه في وضوئه ثم خرج منه دم وصلى يجيبك بأن صلاته باطلة لأن عبادته ملفقة من مذهبين فخرج منها قول لا يقول به أحد هذا قصارى جوابه في فتواه ومبلغ عمله على دعواه مع أنه لو فرض أنها حدثت في القرون الأولى وسئل عنها مفت سلفي لكان نظره في صحتها أو فسادها إلى الدليل المبيح لها أو الحاظر ولا يمكن أن يتصور أن يقول له: عملك هذا ملفق أو هذا تلفيق وإنما يأمره بالفعل أو بالترك استدلالاً أو استنباطاً فحسب، ولذلك لم يسمع لفظ التلفيق في كتب الأئمة لا في مواطآتهم ولا في أمهاتهم بل ولا في كتب أصحابهم ولا أصحاب أصحابهم ولا يبعد أن يكون حدوث البحث في التلفيق في القرن الخامس أيام اشتد التعصب والتحزب ودخلت السياسة في التمذهب، واضطر الفقهاء للاعتياش والارتياش إلى التشدد في ذلك والتصلب، فمسألة التلفيق إذن من مسائل الفروع ولا دخل لها في الأصول فإن مسائل الأصول هي مباحثه التي يستمد منها معرفة الاستنباط والاستنتاج مما لأجله سمي الأصول أصولاً فمن أين أن يعد منها التلفيق الذي لم يخطر على بال أحد في القرون الأولى ولا سمع به. اتسع أمر التأليف في القرون المتأخرة وأدخل في كل فن ما ليس منه بل امتلأ مثل الفقه من الفرضيات أضعاف أضعاف الواقعيات فلو وازنت بين أسلوب المتقدم والمتأخر في أي فن لدهشت من تباينهما عجباً فكانت كتب المتقدمين لا تخرج عن موضوع الفن قيد شبر حتى استفحل الأمر في التأليف وجرى من جرائه ما نعاه غير واحد من الحكماء وقد ألم بشيء من ذلك القاضي ابن خلدون في مقدمة تاريخه. والمقام لا يتسع لبسط هذا البحث الذي تتجاذبه أمور عديدة لمعرفة منشأه من اختلاف السياسة ودخول عوائد الأمة الغالبة على المغلوبة قسراً وتبدل المناحي والمطالب في تلقي العلم والتوسل لنيله فاختلط جيد الكتب بغيره وتبدلت العادات بغيرها وصارت المراتب والمناصب وقفاً على هذا السبيل لا تنال بغيره فتبعها ضرورة أمر التأليف فجرى على سنتها ومنهاجها وصار التمذهب أصلاً راسخاً وتعددت لأجله الفرق الإسلامية كل يدعو لإمام ورائده السياسة والسيادة فنشأ ما نشأ وتولد ما تولد مما لا عهد للسلف به بل بينه وبين سيرهم الأول بعد المشرفين برف ذلك كله من دقق في فلسفة التاريخ واستقرأ قواعد الفاتحين وأصول الدول واستكنه رجالها وحلية العصر والمصر في كل مملكة وجيل وقد بسطناه في مقالة خاصة والقصدان التلفيق الذي يبحث عنه المأخرون ينبغي للمفتي إذا استفتي عن مسألة منه أن ينظر إلى مأخذها من الكتاب أو السنة أو مدركها المعقول منها وإما تسرعه إلى القول بالتلفيق بطلاناً أو قبولاً فعدول عن مهيع السلف على أن ما يسمونه بعد تلفيقاً بقطع النظر عما ذكرنا في شأنه ربما رجع إلى نوع الرخص التي يحب الله أن تؤتى وللشيخ مرعي الحنبلي - أحد فقهاء الحنابلة المشاهير - رسالة في جواز التلفيق للعوام وهي رسالة نفيسة قال: لأن العلماء نصوا على أن العامة ليس لهم مذهب معين (قال) وقد قال غير واحد لا يلزم العامي أن يتمذهب بمذهب معين كما لم يلزم في عصر أوائل الأمة (قال) والذي أذهب إليه واختاره القول بجواز التقليد في التلفيق لا بقصد تتبع ذلك بل من حيث وقع ذلك اتفاقاً خصوصاً من العوام الذين لا يسعهم غير ذلك (إلى أن قال) ولا يسع الناس غير هذا ويؤيده أنه في عصر الصحابة والتابعين رضي الله تعالى عنهم مع كثرة مذاهبهم وتباينهم لم ينقل عن أحد منهم أنه قال لمن استفتاه الواجب عليك أن تراعي أحكام مذهب من قلدته لئلا تلفق في عبادتك بين مذهبين فأكثر بل كل من سئل منهم عن مسألة أفتى السائل بما يراه مجيزاً له العمل من غير فحص ولا تفصيل ولو كان ذلك لازماً لما أهملوه خصوصاً مع كثرة تباين أقوالهم انتهى. وقال العلامة الدسوقي - من فقهاء المالكية في مصر - في حواشيه على شرح خليل في بحث الفتوى من خطبة الكتاب ما مثاله وفي كتاب الشبرخيتي امتناع التلفيق والذي سمعناه من شيخنا نقلاً عن شيخه الصغير وغيره أن الصحيح جوازه وهو فسحة (قال الدسوقي) وبالجملة ففي التلفيق في العبادة الواحدة من مذهبين طريقتان المنع وهو طريقة المصاروة والجواز وهو طريقة المغاربة ورجحت انتهى. وقال ابن الهمام في فتح القدير في كتاب أدب القاضي: المقلد له أن يقلد أي مجتهد شاء ثم قال: وأنا لا أدري ما يمنع هذا أي تتبع الرخص وأخذ العامي في كل مسألة بقول مجتهد أخف عليه من النقل أو العقل، وكون الإنسان يتبع ما هو أخف على نفسه من قول مجتهد مسوغ له الاجتهاد ما علمت من الشرع ذمه عليه وكان صلى الله عليه وسلم يحب ما خفف عن أمته انتهى. نقول هذا إقناعاً لمن يهوله أمر التلفيق ويزعم أن الحكم بجوازه شيء نكر مع أن أمامه من الأفاضل ممن نكبرهم من قال بجوازه لا بل من صححه ورجحه أما نحن فإنا نرى الرجوع في مسائله إلى سنة السلف والأئمة في مثلها كما أوضحناه وبالله التوفيق. ما يعمل المفتي إذا فحص أقوال الأئمة ذكر أبو عمر محمد بن يوسف الكندي في كتاب القضاة الذين ولوا قضاء مصر في تولية قضاء مصر لإبراهيم بن الجراح سنة ٣٠٤ ما مثاله: عن عمر بن خالد قال: ما صحبت أحداً من القضاة كإبراهيم بن الجراح كنت إذا عملت له المحضر قرأته عليه أقام عنده ما شاء الله أن يقيم ويرى فيه رأيه فإذا أراد أن يقضي به دفعه لي لأنشئ منه سجلاً فأجد في ظهره قال أبو حنيفة كذا وفي سطر قال ابن ليلى كذا وفي سطر آخر قال أبو يوسف كذا وقال مالك كذا ثم أجد على سطر منها علامة له كالخطة فاعلم أن اختياره وقع على ذلك القول فأنشئ المسجل عليه انتهى وهكذا حق المفتي أن ينظر في الواقعة إلى أقوال الأئمة ويفحصها وينعم النظر حتى إذا استبان له قوة أحدها توكل على الله تعالى وأفتى به والأئمة بأجمعهم لم يغادروا في النوازل بذل الواسع حتى اجتمع من أقوالهم الكثير الطيب ووجد فيه الأمثل فالأمثل وأعني بالنوازل ما تجدد على عهدهم وأما المأثور فما كان عن الصحب رضوان الله عنهم فكذلك يتخير فيه الأمثل وما كان عن الحضرة النبوية فهناك فصل الخطاب والله الموفق. تتمة الآداب في هذا الباب نختم هذا البحث الجليل بما جاء في الإقناع وشرحه في كتاب القضاة والفتيا مما لم نذكره قبل وعبارته مع شرحه. يحرم الحكم والفتيا بقول أو وجه من غير نظر في الترجيح إجماعاً ويجب أن يعمل بموجب اعتقاده فيما له وعليه إجماعاً قاله الشيخ وينبغي أن يكون بصيراً بمكر الناس وخداعهم حذراً مما يصورونه في سؤالاتهم لئلا يوقعوه في المكروه. ويحرم تساهل مفتٍ وتقليد معروف به (قال الشيخ): لا يجوز استفتاء إلا من يفتي بعلم أو عدل: ويلزم المفتي تكرير النظر عند تكرار الواقعة وإن حدث ما لا قول فيه تكلم فيه حاكم ومجتهد ومفت. وينبغي للمفتي أن يشاور من عنده مما يثق بعلمه إلا أن يكون في ذلك إفشاء سر السائل أو تعريضه للأذى أو مفسدة لبعض الحاضرين فيخفيه إزالة لذلك. ولا يلزم جواب ما لا يحمله السائل لقول علي - كما في البخاري - حدثوا الناس بما يعرفون أتريدون أن يكذب الله ورسوله وفي مقدمة مسلم عن ابن مسعود: ما أنت بمحدث قوماً حديثاً لا تبلغه عقولهم إلا كان فتنة لبعضهم. ولا يلزم جواب ما لا نفع فيه لخبر أحمد عن أبن عباس أنه قال عن الصحابة ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم. وللمفتي قبول هدية لكن لا ليفتيه بما يريده به غيره وإلا حرم قبولها. وللمفتي رد الفتيا إن خاف غائلتها أو كان في البلد مني قوم مقامه وإلا لم يجز له ردها لتعينها عليه (والتعليم كذلك). ومن قوي عنده مذهب غير إمامه لظهور الدليل مع أفتى به وأعلم السائل. ويجوز للمفتي العدول عن جواب المسؤل عنه إلى ما هو أنفع للسائل. وللمفتي أن يدله على عوض ما منعه عنه وأن ينبهه على ما يجب الاحتراز عنه لأن ذلك من قبيل الهدية لدفع المضار. وإذا كان الحكم مستغرباً وطأ قبله ما هو كالمقدمة له. وله الحلف على ثبوت الحكم أحياناً لآية قل أي وأبي أنه الحق وآية فورب السماء والأرض أنه لحق مثل ما أنكم تنطقون والسنة بذلك كثيرة. وله أن بكذ لك مع جواب من تقدمه بالفتيا إذا علم صواب جوابه فيقول: جوابي كذلك والجواب صحيح وبه أقول. وإذا مثل المفتي عن شرط واقف لم يفت بإلزم العمل به حتى يعلم هل الشرط معمول به في الشرع أو من الشروط التي لا تحل مثل أن يشرط أن يصلي الصلوات في التربة المدفون بها الواقف ويدع المسجد أو يشعل بها قنديلاً أو سرجاً لأن ذلك محرم كما تقدم (لصاحب الإقناع) في الجنائز. ولا يجوز إطلاقه في الفتيا في اسم مشترك إجماعاً بل عليه التفصيل في الجواب، فلو سئل المفتي هل له الأكل في رمضان بعد طلوع الفجر فلا بد أن يقول: يجوز بعد الفجر الأول لا الثاني. وأرسل الإمام أبو حنيفة إلى أبي يوسف يسأله عمن دفع ثوباً إلى قصار فقصره وجحده هل له أجره إن عاد وسلمه إلى ربه وقال أبو يوسف نعم أو لا أخطأ ففطن أبو يوسف وقال إن قصره قبل جحوده فله الأجرة لأنه قصره لربه أو قصره بعد جحوده لا أجرة له لأنه قصره لنفسه. (وسأل) أبو الطيب الطبري قوماً من أصحابه عن بيع رطل تمر برطل تمر فقالوا يجوز فخطأهم فقالوا لا فخطأهم فقال: إن تساويا كيلاً جاز. فهذا يوضح خطأهم المطلق في كل ما يحتمل التفصيل. ولا يجوز للمفتي ولا لغيره تتبع الحيل المحرمة والمكروهة ولا تتبع الرخص لمن أراد نفعه، فإن تتبع ذلك فسق وحرم استفتاؤه، وإن حسن قصد المفتي في حيلة جائزة لا شبهة فيها ولا مفسدة لتخلص المستفتي بها من حرج جاز. وللمستفتي العمل بخط المفتي وإن لم يسمع الفتوى من لفظ إذا عرف أنه خطه. وحقيق بالمفتي أن يكثر من هذا الدعاء النبوي اللهم رب جبريل وميكائيل وإسرافيل فاطر السموات والأرض عالم الغيب والشهادة أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون اهدني لما اختلف فيه من الحق بإذنك إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم. هذا ما يسر المولى بفضله جمع من عدة مصنفات، كما يظهر في المزو إليها في الأصل أو التعليقات، والمقام جدير بالعناية، لذوي الدراية، والله ولي الهداية. أوغست كونت وفلسفتهمعربة عن التركية تمهيد نبغ في فرنسا بعد نقض الأوضاع القديمة كثيرون من المفكرين الذين بحثوا في نظريات الاجتماع وفي طليعة هؤلاء النابغين الفيلسوف أغست كونت. وقد اختلف الباحثون في مذهبه على مركزه الفلسفي فوضعه قوم بين دمتر وفوريه وقالوا بوحدةآرائهم مع اعترافهم لكونت برجاحة العقل وتوفر المكتسبات الفنية وجعله آخرون بين هيوم ولابنج وأمثالهما فأخطأ الفريقان مركزه وغرَّ الأولين ما رأوه بين الطرق التي انتهجها الفلاسفة الثلاثة إلى مقاصدهم من التشابه فشغلهم عن ذلك النظر في ضعف الرابطة بين مرامي كونت الباحث في تجديد شروط الاتحاد الاجتماعي ومرامي دمتر وفوريه وانفرد كونت عمن سواه بمبدأه المشهور أن النظام الاجتماعي لا يمكن تغييره إلا إذا جعلت التصورات النظرية في الهيئات الاجتماعية خاضعة لتأثير الفن وأدمجت فيما سواها من المستنبطات البشرية وهذه الخاصة تفسح لكونت مجالاً بين فلاسفة الاجتماع الناشئين في القرن الثامن عشر وتربطه بتورغوي ومونتسكيو وقوندوزوسه الذي كان كونت بدعوة بأبيه الفلسفي وهو تصريح يكفي لإثبات ما نقول. يصعب علينا أن نلخص في هذه الصفحات فلسفة كونت المودعة في ستة مجلدات ضخمة ولا سيما أن كتاب الغرب الذين أجالوا أقلامهم في الموضوع كتوارت ميل وغيره ممن درسوا فلسفة كونت عن كثب وألفوا في انتقادها لم يوضحوا مذهبه إيضاحاً يزيل اللبس والإبهام ويوقف المطالع على حقائقه. ولم يكن بين من كتبوا في هذا المبحث من أوضح لنا كيف اقتبس كونت فلسفته من الرياضيات وما الذي دعاه إلى تقسيم لمعلومات البشرية إلى ستة فروع كبرى وكيف بدأت فلسفته بفكر رياضي فانتهت بفكر اجتماعي. ولا يتسنى لنا أن نفهم حقيقة هذا الفيلسوف إلا إذا درسنا ترجمته فنحن بادئون بها وصائرون إلى مذهبه الفلسفي. ترجمته هو ايزيدور - أغست - ماري - فرانسوا قزاويه كونت Conte ولد في قصبة مون بيليه سنة ١٧٩٨ وكان والده يجبي الخراج في القصبة المذكورة وبعد أن أتم التحصيل الابتدائي في مدرستها دخل دار الفنون في باريس فامتاز فيها بعصيانه للقوة الرسمية الحاكمة واحترامه الشديد للكمال الخلقي والفكري وثباته الراسخ في توخي غايته ولم يطل مكثه فيها سوى سنتين رأس بعدهما احتجاجاً على أساتذتها آل إلى إخراجه من المدرسة فعاد إلى موطنه حتى كانت سنة ١٨١٦ فأمَّ باريس غير مكترث باعتراض والديه الشديد وأقام فيها يحصل قوته بإلقاء دروس خاصة في الرياضيات وجعل همه تحدي بنيامين فرانكلين الذي كان يدعوه سقراط زمانه في معيشته على أنه امتاز عن جميع الفلاسفة بصلابة العزم والثبات على مبدأه فلم تلوه عنه حياة تبكي تعاسة وشقاء. وضاق به العيش في باريس فحثته النفس بالهجرة إلى أميركا وكان على وشك أن يؤمها لولا صديق ثنى عزمه عن المهاجرة بجملة أوردها في عرض حديث تجاذبا أطرافه عن الفكر العملي في العالم الجديد فقال له صديقه ان لا كرنج (رياضي فرنساوي شهير) لو ذهب إلى أميركا لم يجد عملاً يقوم بأوده سوى مسح الأرضين. فعدل كونت عن السفر وأقام في باريس يعالج الحياة المرة ويتبلغ بثمانين ليرة يتقاضاها راتباً سنوياً من إحدى المدارس التي انتدبه لتعليم الرياضيات حتى سعى له أصدقاؤه بوظيفة تدريس في دار المسيو كازيميريه المشهور فدخلها ووجد هناك أسباب الراحة والهناء غير أن المعيشة لم ترقه لحنينه إلى الحرية التي أضاعها فلم يستقر به المقام أكثر من ثلاثة أسابيع ودع بعدها مضيفيه وعاد إلى حاجته السابقة وقناعته الفطرية وقد يكون الفقر في الشبيبة داعية الشر إلا إذا كان الشاب الفقير متعلماً فتساعده الحاجة حينئذٍ على أن يكون أميل إلى الحقيقة منه إلى الخيال. وسنة ١٨١٨ اتصل كوت بهنري دوسان سيمون ابن أخت الدوق دي سان سيمون المشهور وكان في عهده من كبار كتاب المذكرات السياسية فكان لهذا الاتصال تأثير شديد في نظريات كونت الفلسفية. كان سان سيمون يوم لزمه كونت في الستين من عمره ولم يكن ذا شهرة طائرة غير أن غرابة حياته وأحواله الاجتماعية وأفكاره السياسية تستوقف الأنظار فقد قضى الرجل عمره ساعياً بما له من الملكة العقلية الرائعة لتطبيق خيالاته على حقائق الأشياء والتربية الفنية لم يكن لها أقل أثر في هذا الرجل لأنه لم ينشأ عليها ولا شعر بلزومها على أنه كان خبيراً بالاتحاد الاجتماعي وله في السياسة المثبتة وترقي البشر كثير من الأفكار الخطيرة ولكنه لم ينها عن محاكمة منطقية بل هي أِبه بتخيلات الشعراء. هذا الفيلسوف القديم سحر كونت فلم يستطع أن يفكر في حقيقته إلا بعد أن فارقه حتى أنه لقبه بالممخرق في حديث له بعد أن انقطعت أواصر ودهما ولم يستطع إلا أن يعترف بنفوذه عليه وتأثيره في تربيته الفلسفية واشتدت وطأة التأثير على كونت حتى ناء بها وهنأ نفسه يوم مغادرته سيمون بخلع هذا النير عن عاتقه. وتعرف ما كان للفيلسوف الشيخ من اليد عند كونت من كتاب بعث به الأخير إلى صديق له يقول فه: إن سيمون أراني الخطة الفلسفية التي أسلكها فأنا مطرد السير فيها كل عمري غير ملتفت إلى ورائي وهذا الاعتراف الصريح لا يحط من قدر كونت ولا يناقض أرجحيته العقلية وتفوقه بدرجات على صديقه الشيخ ولا ينقص من قدره أنه أخذ كثيراً من أفكاره التي أقام عليها بناءه الفلسفي من أفكار سيمون المضطربة وخلاصة القول أنه لا يصح أن نعد كونت تلميذاً لسان سيمون ولا مقلداً له وكل ما في الأمر أن الشيخ أوقف صديقه الشاب على نقطتين مهمتين كان لهما الشأن الأكبر في فلسفة الأخير أولاهما أن الحوادث السياسية هي كالحوادث الطبيعية يمكن جمعها وربطها بقوانين مقررة وثانيتهما أن غرض الفلسفة الأصلي البحث في القضاء الاجتماعي فتناول كونت هذا المبدأ وتوسع في بسطه وشرحه توسعاً لم يخطر للشيخ في بال. دامت صحبة الرجلين ست سنوات ثم بدأ بالانحلال لما أوقر كونت من سلطة سيمون الثقلية وما دخل على نفس الشيخ من القهر والحسد لما رأى ميزة الشاب عليه بمداركه ومواهبه وحدثت ثمت حادثة قطعت العلائق التي رثت ووهت وملخصها أن سان سيمون نشر كتاباً في الاجتماع انتحل فيه معظم أفكار كونت لنفسه فغضب الأخير وعاتب صديقه عتاباً مراً ولم يكن سبيل للتوفيق بين الرجلين فكان فراقهما أبدياً. وتزوج كونت سنة ١٨٣٥ فزاد ذلك في أسباب تعاسته وشاءه لأن أسرته وهي شديدة التعصب للملكية والكاثوليكية أغضبها زواجه المدني فأقلقته باحتجاجها إلا أن ذلك لم يمنعها من الاحتفاء بزوجته وشخص العروسان إلى مون بيليه فأقاما فيها هنيهة سئمت الزوجة فيها عيشة القرية ذات النسق الواحد وبدأ نزاع انتهى بفراق الزوجين كما سيجيء وقد كتب كونت إلى صديق مخلص في السنة الأولى بعد زواجه يقول: إن الأحزان أغرقتني والهواجس استحوذت عليَّ فاضطررت أن أفادي من سعادتي بجزء إذ لم يكن أعظم أجزائها فهو ألذها وأحلاها. نشوء الأفكار السامية في هذه البيئة الرديئة يحرك في النفوس مواضع الدهشة والإعجاب ويحملها على احترام الفيلسوف الذي كان يقوم على تنشئتها والخطوب المتوالية تفسد نظام حياته وكان الفشل حليفه في كل أعماله فأخفق في إيجاد تلامذة يتلقون أفكاره وآراءه ولم يجبه سوى شخص أضجرته الوحدة فودع أستاذه غير آسف. وفي هذه الأثناء أخذت أفكار الفيلسوف بالتكامل وشرع بنشر مقالات في جريدة المنتج (لوبرودكتور) كان يتقاضى عنها بعض الدريهمات ولما آيس من بث أفكاره بواسطة تلاميذه عمد إلى إلقاء محاضرات وأعلن عن المحاضرة الأولى سنة ١٨٢٦ راجياً أن يصيب بذلك شهرة وأن يفوز بنفع مادي يستعين به على حاجته وفقره وشجعه أحد أصدقائه على ذلك بقوله: إن كثيرين يبحثون في آرائك وأفكارك غير ذاكريك بشيءٍ فاعلن أنك أنت صاحبها فعمل فيلسوفنا بنصيحته وسمع المحاضرة الأولى رجال من جلة علماء فرنسة ونخبة آدابها. وما كاد طالع السعادة يبسم لكونت ويتحدث الناس باسمه وفضله حتى داهمته الكوارث فمني بنزيف دماغي عقيب المحاضرة الثالثة لأن ثورة أفكاره انعقدت بتأثره لشقائه العائلي فأصيب بمرض عضال عاناه سنة فلما أخذ بالنقه من مرضه فكر فيما آلت إليه حاله وأبصر لتعاسة آخذة بسبله فيئس من الحياة وعول على الانتحار غرقاً في نهر السين ثم عدل عن الانتحار وبدأ يسترجع قواه العقلية والجسدية. وفي هذا الدور التعس عقد لكونت عقد ديني أيضاً غير أن ذلك لم يمحِ شيئاً من اختلال بيته وكان المرض قد أثر فيه تأثيراً شديداً فظهرت عليه إمارات الجنون فقام الفلاسفة من معارضي كونت يقبحون طريقته ويتخذون هذه الحادثة حجة على سخف رأيه وفساد تعليمه ويقولون ليس من العقل في شيءٍ أن يتبع الإنسان مذهب مجنون وهذا تحامل مجرد يقصد منه تضييع تأثيره فقد أصيب نيوتن قبله بمرض دماغي فلم ينقص ذلك شيئاً من حرمته والإعجاب بكتابه المسمى (برنيب) الذي وضعه عقيب ذلك المرض. وبعد أن استجم كونت قواه عاد سنة ١٨٢٨ إلى إلقاء المحاضرات ونشر المجلد الأول في دروس الفلسفة الموجبة سنة ١٨٣٠ بعد تعب كثير وعمل طويل بدأ سنة ١٨٢٦ ولم يكن عمله في المجلدات الخمسة التي تلته أقل عناء فانه لم يتمكن من نشر المجلد السادس إلى سنة ١٨٤٢ . كانت الاثنتا عشرة سنة التي قضاها الفيلسوف في التأليف سني خير وبركه علمه ذاق في خلالها السعادة المادية لأنه دعي في سنة ١٨٣٨ إلى امتحان الطلبة الذين يتوافدون من كل صوب إلى كلية باريس وانتدبته مدرستان كبيرتان لتعليم الرياضيات فأصبح دخله السنوي أربعمائة ليرة ولما كان عهد لويس فيليب دعاه المسيو كيزويه رئيس الوزارة ليدرس تاريخ الفنون وقال له إذا كان هناك أربع كراسي لتدريس تاريخ الفلسفة وجب علينا أن نخصص كرسياً على الأقل لظهور العلوم المثبتة وارتقائها فدل الوزير بذلك على ميله للفلسفة الحسية ولولا اشتغاله بما فوق الطبيعة أيضاً لتقدمت في عهده تقدماً باهراً. وفي كتاب أرسله كونت إلى زوجته ما يدل على رقة قلبه وسمو عواطفه فقد قال لها في ذلك الكتاب لا أود أن أصف لك هنا الحبور الذي تفيض نفسي به لما أرى الشاب فاز في امتحانه وقرب من آمال الذهبية أنت تضحكين من ذلك ولكنني لا أتمالك من أن أذرف دموعي. وكان كونت يفكر دائماً في سعادة الآخرين ويسعى إلى منفعتهم بكل سبيل وهذا الاهتمام الدائم حمله على إلقاء الخطب والتدريس في المجتمعات العامة من سنة ١٨٣١ - ١٨٤٨ على ما كان يعترضه من الموانع في هذه السنة حدثت ثورة في باريس أظهر فيها كونت عطفه على المجتمع فقد كان يفضل السجن على الدخول في الفرق الوطنية التي ألفت يومئذٍ ومع أنه لم يدع الناس لحمل السلاح على الملكية فانه لم يقسم لها يمين الإخلاص. ولم يكن كونت يتأثر من مشاهدة الروايات مع أنه كان كثيراً ما ينتاب الملعب فالمفجعات (تراجيدي) في نظره ظواهر مصنعة ليس فيها من الحقيقة إلا ظل لطيف فقل اكتراثه بها وما سواها القصص المضحكة (كوميدي). وقد كتب أحد تلامذته عن أحواله وصفاته الشخصية ما يأتي: دقت ساعة لوكسنبورغ الثامنة وكان صدى صوتها لا يزال يرن في الآذان حين فتح باب الغرفة ودخل رجل قصير القامة ممتلئ الجسم نظيف الثياب ملتح ممعن في قبض شواربه حتى لم يبق لها ظل وكان يكتسي الأثواب السوداء ويتأنق في لبسه فكلما رأيته تخاله مدعواً وليمة وكانت عقدة رقبته كأن المكواة مرت عليها حديثاً فاقترب الرجل من أريكته المعدة له وراء المنضدة ووضع علبة السعوط أمامه وبعد أن استمد مرتين ومر القلم على الصحيفة ليرى ملته شرع بكتابة الدرس بادئاً فيه بقوله: كنا قلنا أنه في مثلث غير معين كالمثلث أب ج الخ. ودام درسه ثلاثة أرباع الساعة والطلبة يدونون الموضوعات المهمة في مذكراتهم ليمكنوا من مراجعتها عل حده ثم سحب من جيبه دفتراً آخراً فأعاد تلاوة الدرس السابق وظل حتى الساعة التاسعة فتناول حقته ونفض ما على معطفه من السعوط وكانت يده في جيب معطفه وفتح الباب وخرج بسكينة تامة. قلنا آنفاً أنه نشر المجلد الأخير من فلسفته الموجبة سنة ١٨٤٢ وبينا المرء يتخيل عظم المكافأة التي يجب إسداؤها إلى هذا الفيلسوف على اثنتي عشرة سنة صرفها في الجهد والتعب المضنك يجد أن جزاءه كان تزايد المشكلات والخطوب التي تضيق الصدور تضغط على الفكر ففي تلك السنة تفاقم الشقاق بينه وبين زوجته فأدى الأمر إلى انفصالهما بعد أن خصص لها مائتي ليرة راتباً سنوياً ونرى من العبث البحث في هذه المسألة لأن أحوال الزوجين الخاصة لا يطلع عليها حتى أخاص أصدقائهما وظلت مادام كونت بعد الانفصال تفكر في سعادة زوجها ودامت المراسلات الودية بينهما عدة سنين. وأصيب كونت بحادثة ثانية أثرت فيه وهي أن طابع المجلد السادس علَّق على الكتاب حواشي ينكر فيها حملة كونت الشديدة على أراغو فغضب الفيلسوف لذلك وخاصمه بلجاجة فربح دعواه. وأشد المصائب التي نكب بها هو أنه ذكر منتخبيه للإشراف على الامتحان في المجلد الثالث بما لا يستحب فأدى ذلك إلى ضياع نصف راتبه الزهيد فضاق كونت بالعيش ذرعاً وأنبأ بفقره صديقاً له منذ بضع سنين وهو المستر جيمس استيوارت ميل أحد علماء المنطق الإنكليزيين الذي أثرت فيه أفكار الفيلسوف واستمد منها معظم أفكاره وآرائه في أصول المنطق وقد كثر مراسلات الصديقين ونشر جزء منها في المدة الأخيرة فهاج رغبة الجمهور للاطلاع على سائرها. ولما انتهيت إليه كتب الفيلسوف هاجت فيه الخاصة التي عرف بها من عطفه الشديد على الرجال العظام ورثائه لشقائهم فنهض إلى مساعدته وطرق أبواب ثلاثة من أصدقائه هز أعطافهم لمساعدة الفيلسوف فتعهدوا بتقديم مائتي ليرة له سنوياً وكان ذلك سنة ١٨٤٥ . ولم يوفق كونت لعمل شيء يدل على شعوره بجميل الإنكليز فلما عاد إليهم ميل في السنة التالية أعطاه الأول مبلغاً زهيداً ورفض الاثنان الآخران مساعدته قائلين يجب على كونت أن يعول نفسه بنفسه فلما أخفق استيوارت في مساعدة صديقه بهذه الوسيلة أشار عليه بكتابة مقالات للصحف الإنكليزية وتعهد له بترجمتها فرضي كونت أولاً بهذا الطلب ثم عاد إلى هوسه واغتراره فأخذ يتهم الإنكليز بفساد الأخلاق مما أسخط استيوارت وباعد ما بين الصديقين حتى انتهى الأمر بانقطاع المراسلات. ومن كلام كونت في هذا الصدد قوله: لماذا يترك الرجل بعد موته مبلغاً من المال لمتفنن لم يعرفه وهو لا يعد مساعدة الرجال الذين عرفهم في حياته فرضاً؟ إن الإنكليزيين صرحا أنهما يخدمان فيلسوفاً يقولان بقوله والرجل يحب أن لا يقبل في انتشار مبدأه مساعدة الذين يرتئون رأيه وقبوله معونة من سواهم حطة من قدره. وما زال كونت يدفع لامرأته مائتي ليرة سنوياً من ١٨٤٥ إلى سنة ١٨٤٨ إذ هبطت رواتبه بدون سبب إلى ثمانين ليرة ففتح المسيو ليتره وبعض الأصدقاء اكتتاباً لمساعدته فجمعوا من المال ما وسع على كونت ردحاً من الزمن وقد كان في جملة المشتركين بهذه الإعانة المستر ستيوارت ميل الذي لم يمنعه استياؤه من معاملة كونت عن مساعدته وإسعافه. ويرى المطالع أن كونت لم يتصرف مع أصدقائه تصرفاً يليق برجلٍ عظيمٍ مثله لأن نفسه جمعت إلى خصاله الحميدة من رسوخ العزم وقوة الإرادة والثبات والمثابرة على خدمة البشر نقائص مشينة من الغرور والعجرفة وإذا جاز التمثيل شبهنا كونت ببروتوس وكاتو. وإذا أراد الإنسان أن يحب كونت وجب عليه أن يتصور حالته التعيسة وحياته المظلمة وخطوبه المتواترة وهو بين هذه الظلمات دائب على إنجاز مهمته لا يكل ولا ينثني فما زال يركب إلى غايته الخطوب حتى فاز بما أراد وكانت القوانين الأساسية للعلوم الموجبة قبل عهده مطلقة مبهمة فجاء كونت موضحاً لها مما يزيل الإشكال ويقيم لها حدوداً بيِّنه فكثر لذلك حساده ومزاحموه. ولم يكن كونت يكتب كلمة قبل أن يقرر الموضوع ويكتبه جملة فجملة بعد تهيئتها في ذهنه ومتى فرغ من إحضارها جلس يكتب ببراع ميال فيسجل سلسلة من الأفكار تجري على اسلاته بدون انقطاع ولا تردد لقوة ذاكرة كونت واستغنائه عن العود إلى المذكرات ولكن أسلوبه الكتابي لم يكن بالحلة اللائقة لأفكاره البراقة وإذا كنا لا نتوقع منه كتابة كالشعر في تأثيرها وسلاستها إلا أن الكتابة في أرقى الموضوعات العلمية إذا لم تكن طلية مجها أكثر العلماء جلداً على الاستقصاء وإذا قايسنا أسلوب كونت بغيره من الفلاسفة كهيوم وديدرو وباركله رأيناه ثقيلاً جافاً وربما وقعت في كتباته بعض العبارات المتينة إلا أن جميع اصطلاحاته خالية من سلامة الذوق في الانتحاب وقد كان يكثر من أدوات الحال في بعض الجمل حتى لا يثبت على مطالعتها إلا من أوتي الصبر الجميل من تلامذته ولكن قوة فكره ونفوذ نظره وسمو آرائه تشرع له السبيل إلى ذهن القارئ وتستر هذه النقيصة وتضعف تأثيرها وإذا كانت مؤلفاته عظيمة فأسلوبه لا يؤلف جزءاً من تلك العظمة القائمة بماهية الأفكار والممثلة رجاحة العقل الذي أوجدها. وركاكة أسلوبه ناشئة عن عدم مطالعته مؤلفات بلغاء الكتاب فهو لم يقرأ إلا علماً كان يسميه علم حفظ الصحة الدماغية وقبل أن يتم فلسفته الموجبة لم يطالع سوى دواوين اثنين أو ثلاثة من الشعراء في مقدمتهم دانتي وأهمل ما سوى ذلك حتى قراءة الرسائل والمجلات ولكن أصدقاؤه كانوا ينبئونه بكل حادثة جديدة في عالم الفن فأدى هذا الانقطاع إلى تجرير نفسه من قيود الاجتماع والمؤثرات وظلت أفكاره بمعزل عن الاعتبارات الخارجية وإذا كان أفاده من هذه الوجهة فقد أضره من الوجهة الأخرى فأفرط في إهماله وضعف شعوره بالعالم الخارجي وقد وضحت فيه هاتان النقيصتان أواخر أيامه. وقبل أن تتم ترجمة كونت نسرد حادثة جرت له عام ١٨٤٥ يوم تعرف إلى مادام دي فو: كانت هذه العقيلة أيماً لأن زوجها حكم عليه بالسجن المربد ولا نعرف إلا اليسير عن أوصاف المرأة وأخلاقها وكل ما نعلمه هو أنها وضعت قصة رفعتها في عيني كونت إلى مستوى مادام جورج سلند ولم تكن هذه القصة في ذاتها شيئاً يستحق الذكر لا أنها دلّت على ذوق سليم وفطرة حميدة فتوثقت بينهما روابط الولاء وأصبحت العقيلة عزاءه في أحزانه وأفاضت على نفسه روح الهدوء والسكينة ولو طالت مودتهما لم يظهر اضطراب الفكر في كتب كونت الأخيرة إلا أن الأقدار التي ناصبت الفيلسوف طول حياته فجعته بريحانة نفسه وموضوع سلوته سنة ١٨٤٦ فجرع لفقدها جزعاً شديداً ولازمه الحزن والغم فكان يخرج إلى ضريحها مساء كل أربعاء إذا توارت الشمس في الحجاب يبلله بقطرات دموعه ويجثو في النهار ثلاث مرات احتراماً لذكرها فيستغرق في أحزانه ويستسلم إلى الجزع وكان تلامذته يقولون أنه يقدم لها من الاحترام ما قدمه دانتي لحبيبته باتريس ويشبهون حاله بحال دالامبر بعد وفاة لينياس. الباحثون في حياة كونت يقسمونها إلى شطرين أحدها يمتد حتى تعرفه إلى العقيلة دي فو والآخر بعد ذلك ويفرقون بين الشخصين كونت الذي كتب الفلسفة الموجبة وكونت الذي ألَّف في السياسة الموجبة إلا أن أعداءه يأبون كل تفريق في هذا الصدد ويقولون إن المختل الذي كتب في السياسة هو نفسه الذي كتب في الفلسفة. ولم يكد كونت ينهي من نشر فلسفته الموجبة حتى بدأ بنشر سياسته وهذه بالطبع تستند إلى تلك فنشر المجلد الرابع والأخير في سنة ١٨٤٨ وفي هذه السنة حدثت ثورة في فرانسا لم تبد طلائعها حتى هرع كونت إلى تأليف جمعية دعاها الموجبة توقع أن يكون لها الشأن في هذه الثورة ما كان لنادي الجاكوبيين في ثورة ١٧٨٩ وإذا كان كونت لم يدرك جميع آماله في إنشاء هذه الجمعية فقد أدرك بعضها باجتماع تلامذة الفيلسوف ووضعهم مذهباً فلسفياً جديداً كما يهوى ويختار. وكان كونت سنة ٤٩ و ٥٠ و ٥١ يلقي في القصر الملكي (باله رويال) في باريس محاضرات متتالية يحضرها عامة الناس وخاصتهم فيبحث في فلسفته ومعتقداته ودعاويه وقد ختم محاضرته الأخيرة بقوله: يا خدمة البشرية والفلسفة الحقيقية يجب أن تتولوا زعامة العالم لأن ذلك حقكم الصريح وأقصى أماني الإنسانية تأليف حكومة أخلاقية مادية فكرية فإن الحكومات التي قامت على دعامات الكثلكة والبروتستانية سقطت لأن الناس اتخذوهما وسيلة لإضرام الثورات وقضاء اللبانات. ومن غرائب الاتفاق أن يقوم بعض هذه المحاضرة ببضعة أسابيع رجل يدعو الناس إلى طاعته لا ليخدم الإنسانية بل لدعواه أنه صاحب الحق بالسلطة المطلقة وأن يحمل الناس على معرفته كذلك بالقوة القاهرة. وسنة ١٨٥٢ نشر كونت رسالة في مذهب الإنسانية أظهر فيها ارتياحه إلى ضربة لويس نابليون للحكومة وإنشائه جمهورية هو فيها الحاكم المطلق ومهما يكن من قيمة الفكر السياسي نجد عذراً لكونت في أنه كتبه وهو لا ينتظر أن تؤول الحال لما آلت إليه من الضغط والاستبداد وإلجام المطبوعات. وأصيب كونت سنة ١٨٥٧ بداء السرطان وقضى في الخامس عشر من أيلول فانتهت حياة مرة تنكر لها الزمان وفي هذا اليوم من كل سنة يجتمع تلامذة الفيلسوف من إنكليز وفرنساويين فينوهون بذكره ويقومون بمراسم سنوها لأنفسهم وقد قبض كونت وهو دون الستين وهنا لا يسعنا إلا أن نشارك جون مورلي في حزنه لعاقبة من أشد عواقب العمر إيلاماً وهي أن يقضي أرباب الذكاء الخارق في تهالكهم على نشر أفكارهم قبل أن يدركوا أمانيهم وتنقاد لهم رغباتهم. فلسفته لا تعرف المقادير إلا بمقياسها وقياسها تواً يستحيل في الغالب وأبسط الشواهد يعترضنا من المصاعب في قياس طول بالوحدة المترية إذ يشترط في صحة القياس أن ينطبق المتر على السطح كل الانطباق وأدنى نتوء أو غور يخل بالاستواء يعيد هذا القياس متعذراً تلك أهون المصاعب تعترضنا تعثرنا في أقل البسائط فكيف بها في أرقى المركبات كتقدير الأبعاد بين الأجرام السنوية. ذاك ما قاد الفكر البشري إلى وضع العلوم الرياضية فإذا تعذر أو استحال علينا أن نقيس مساحة أو نقدر كمية توصلنا إلى ذلك بالطرق الرياضية فجمعنا بين لا يقاس تواً وبين ما يقاس واستخرجنا الأولى من الثانية على قاعدة التناسب. فلكي نقيس مساحة نمثلها بشكل هندسي كالمثلث مثلاً ونعتبر المناسبة بين الأضلاع والزوايا فتسهل علينا معرفة المساحة. وبهذه لوسيلة وبغيرها من نوعها تمكن الفكر البشري من تقدير الأبعاد بين أجرام وارتقى إلى معرفة حجومها وأشكالها الحقيقية وظواهرها الطبيعية وسعتها وامتدادها وقوة جاذبيتها إلى غير ذلك من المعلومات التي بلغها بالوسائل الرياضية وغرض الرياضيات مقايسة الكميات وتقديرها بالواسطة وذلك يدرك بمعرفة النسبة بينها فالرياضيات إذن علم تستخرج بواسطته الكميات المجهولة من الكميات المعلومة للمناسبات الصريحة الموجودة بينها. ما هي الكمية؟ عرف الرياضيون الكمية أنها ما يقبل الزيادة والنقصان ويمكن تقدير بالوحدة القياسية. فالعدد والطول والسطح والحجم والزمان والمكان وسرعة الجسم ووزنه وغيرها من الأركان الداخلة في الحوادث الطبيعية هي كميات لتوفر صفتي الكمية فيها وقد اكتفى الرياضيون بالمعلومات النسبية فلم يخطر لهم ذات يوم أن يبحثوا في ماهية المكان والزمان والمادة لأنها الأسس التي تقوم عليها المعارف البشرية فليس في الوسع أن تثبت أو تعرِّف ولهذا السبب حصر الرياضيون في كشف النواميس التي تؤثر في هذه الكيات وإظهار النسبة بين ما اجتمع منها في حادثة واحدة بدون أن يحاولوا بلوغ معلومات مطلقة. والرياضيات تثبت لنا أن في وسعنا بعض الكميات الداخلة في إحدى الظواهر الطبيعية من البعض الآخر إذ لا بد من وجود روابط بينها ولم يشهد الناس حتى اليوم ظاهرة فقدت فيها هذه الروابط ولكنها قد تدق حتى يتعذر على الباحث اكتشافها. إذا أبدلنا كلمة كمياتفي تعريف الرياضيات بكلمة حوادث كان لنا تعريف العلم الحقيقي فهو ما أوضح بعض الحوادث ببعضها الآخر مستنداً في ذاك على العلاقات الموجودة بينها. وكل علم يجمع طائفة من الحوادث ويؤلف بينها ويستخرج من جمعها نواميس عامة ويضع قواعد إذا جرينا عليها عرفنا نتائج حادثة بقياسها على حادثة ثانية من نوعها فإذا عجز عن ذلك لم تصح تسميته علماً. ثم أننا إذا جعلنا كلمة النواميس الطبيعية بدلاً من العلاقات بين الحوادث كان ذلك أصح وقد خدمت الرياضيات في تعيين هذه العلاقات فوق خدمة كل ما سواها من العلوم فهي تدلنا على أقصى ما يراد بالعلم وإذا شئنا أن نقع على فكر صحيح في تحديده وجب علينا الرجوع إلى الرياضيات فإن الأصول العامة التي يقتضي أن يسري عليها الفكر في الأبحاث لا نصادفها في غير الرياضيات وليس من علم آخر يماثلها في حل المسائل حلاًّ تاماً يفضي إلى استخراج النتائج بدقة وضبط. هذه هي النقطة التي بدأ منها مذهب الكونتيزم لواضعه أوغست كونت. استنبط الفيلسوف التحديد العام للعلم من الرياضيات واقتبس منها الأصول التي يجب أن يجري عليها في الأبحاث العلمية أما أساس فلسفته فهو: إن الحوادث كافة تجري على قوانين مقررة والعقل البشري يعجز عن معرفة منشأ الحوادث الأزلي ومنتهاها الأبدي وهذه حقيقة لا ينكرها من كان ذا مشاركة في العلوم الطبيعية لأنه يعلم أن الغية من إيضاح الحادثة الطبيعية ليس إلا إظهار الأحوال والشروط التي يمكن معها حدوث مثلها وتعيين علاقتها بغيرها من الحوادث وإليك مثلاً على ذلك. اكتشف نيوتن الجاذبية العامة فأوضح بها جميع الحوادث الفلكية وبين أن كثيراً من الحوادث التي كان الناس يتوهمون أن لا علاقة بينها كالخسوف والكسوف والمد والجزر إنما هي مظاهر مختلفة لحادثة واحدة عامة كنا نعبر عنها بالثقل فبتنا نفسر جميع الحوادث الفلكية بالجاذبية ولكنا نعجز عن معرفة ماهية الجاذبية وعلتها الأصلية فإذا سئلنا في ذلك لم يكن عندنا جواب وليس هذا كل ما في الأمر بل أن الفلسفة الموجية تثبت لنا أيضاً أننا لن نستطيع إدراك ذلك فعلينا أن نتخلى عن هذه المباحث لعلماء ما فوق الطبيعة فإذا قال قائل إن اهتزازات الجواهر الفردية بسبب ذلك الثقل لا يكون قد أوضح مبهماً لأن الإشكال ينتقل من الثقل إلى الاهتزازات فلا يلبث المستطلع أن يسأل عن سبب الاهتزاز أيضاً. إذا أردنا أن نفهم الصفة المميزة للفلسفة المثبتة وجب علينا أن نتتبع الفكر البشري في أدوار ارتقائه وقد وضع كونت لذلك قانوناً عاماً أقنعته بصحة معلومات العصر الحاضر وشهادات العصر الماضي. وهذا القانون هو أن كل فرع من المعارف يمر في ثلاثة أدوار متعاقبة أو حالات مختلفة أولها الدور الوضعي والثاني الدور المجرد والثالث الدور المثبت. Etat fictif. Etat Abstrait. Etat positif. ونكتفي بذكر هذا القانون بدون أن نتقدم إلى إثباته أو معرفة نتائجه. شبه كونت الفكر البشري بخضوعه لنواميس الارتقاء وحالاته الثلاثة التي تتعاقب عليه بالإنسان في أدواره الثلاثة من طفولة وشبيبة وهرم. ونشأت ثلاثة مذاهب مختلفة لإيضاح الحوادث في الأدوار الثلاثة أولها الفلسفة الوضعية والثاني الفلسفة المجردة والثالث الفلسفة الموجبة والأول مبدأ ارتقاء الفكر الإنساني والثالث غاية ما بلغه والثاني الحلقة المتوسطة بين الاثنتين. اتجه فكر الإنسان في الفلسفة الوضعية للبحث في أسباب الحوادث الأزلية وغاياتها الأبدية فتلقى تلك الحوادث آثاراً من فواعل ذات إرادة مطلة يعزو إليها كل ما شاهده بدون أن يفكر في النواميس والسنن. وارتقت هذه الفلسفة فبدأت الفلسفة المجردة التي أقامت القوى المجردة مقام الفواعل الوهمية وهذه القوى عاربة من الهيولى تسبب الحوادث المشهورة. أما الفلسفة المثبتة فقد اقتنع واضعوها أن الفكر الإنساني يستحيل عليه أن يدرك معلومات مطلقة فصرفوا نظرهم عن البحث في منشأ الكائنات ومصيرها وقصروا همهم على معرفة نواميس الحوادث فمزجوا بين المشاهدات والمحاكمات العقلية لاكتشاف هاتيك النواميس. لما ارتقت الفلسفة الموضوعة حتى قال الناس بإله واحد يدبر الكون بلغت أوج الكمال وغاية الارتقاء وأدركت الفلسفة المجردة نهاية شوطها عدما ردت الحوادث إلى الطبيعة ودعتها بالقوة العامة المجردة. أما الفلسفة المثبتة فهي تسعى لتوضيح أن جميع المحسوسات ظواهر مختلفة لحادثة عامة فمتى تيسر لها ذلك بلغت أرقى درجاتها على أن هذا الارتقاء غير متيسر في الأحوال الحاضرة ولا تدل ظواهر الحال على إمكان ذلك في المستقبل فإذ استطعنا أن نفسر حوادث النور والحرارة والصوت والكهربائية من حوادث المغناطيسية بقولنا أنها نتيجة تموجات فإننا لا نستطيع أن نفسر الحادثات الفلكية على هذا الوجه والفلسفة المثبتة جاهدة في إظهار العلائق بين الحوادث والقوانين الطبيعية وصفتها المميزة صرف الفكر البشري عن البحث في ماهية الحوادث لأنها لا تخوض في هذا المبحث بل تدعه إلى الفلسفة المجردة التي توضح الأزل والأبد بسهولة تامة وتستقصي الأسرار العلوية حتى أدق خفاياها. يتساءل القارئ بعد أن عرف غاية الفلسفة الموجبة عن الحد الذي بلغته وعلى أي شيء يتوقف إكمالها وما نحن متطرقون في بحثنا إلى ذلك. لم تمر المعلومات البشرية في الأدوار الثلاثة بسرعة واحدة ولا أدركت الحال المثبتة في آن واحد بل كان أسرعها إلى ذلك الحوادث الفلكية لبساطتها وسهولها وتلتها الحادثات الفلسفية فالكيمومية فالعضوية. ويتعذر علينا تعيين بدء انقلابها على التدقيق ولكننا نعلم أنها أخذت بالارتقاء مذ أنشئت دور العلوم في أثينا والإسكندرية ومذ حمل العرب العلوم الطبيعية إلى غربي أوروبا وأرشدوا أهليها وما زالت تتكامل وتتدرج في مراتب الارتقاء حتى نبغ باكون وديكارت وكبلر وغاليله فأثرت مآتيهم في الأفكار البشرية تأثيراً شديداً ووضعت أسس الفلسفة الموجبة التي بدأت بالانتشار والشيوع منذ ثلاثة عصور ولكنها لم تحط بكل أنواع الحوادث الاجتماعية. هذه الحوادث لا تزال محجبة النواميس كثيرة الإبهام لم يكشف عن أسرارها الغطاء ولا استطاعت العلوم أن تحصرها تحت قوانين عامة وقد وضع الفكر البشري علم الميكانيكيات والحيوان والنبات وحان الزمان الذي يضع فيه علم الاجتماع فكان كونت أول من سمت به أفكاره نحو هذه الغاية فرمى إليها في موسوعات مجلداته الستة التي أودعت ملخص المعلومات البشرية لأن كونت لم يقصر همه فيها على الفلسفة الاجتماعية بل تعمد تدوين الفلسفة الموجبة فبحث في كل علم إلى حد إظهار علاقته بغيره من العلوم وأظهر تدرج كل منها في الارتقاء ودخوله في الدور الموجب وجعل أساس بحثه تعاقب الحوادث وارتباطها المنطقي فقسم العلوم إلى ستة فروع كبرى تنضوي تحتها فنون مختلفة وإليك هي: وقد قدم كونت العلوم الرياضية بالذكر لأنها أقدم العلوم الموجودة وأكملها وهي أول ما دخل في الفلسفة الموجبة وقد راعى كونت في ترتيب هذه الفروع تاريخ ثبوتها ومما لا ريب فيه أن الرياضيات بدأت مثبتة وما زالت ترتقي من أقدم عهدها إلى اليوم وتهلتها الهيأة فالفلسفة الطبيعية فالكيمياء فالحكمة العضوية رقى بها إلى هذه الدرجة كبلر وغاليله ولافوازيه وبلنويل أما الفلسفة الاجتماعية فإن كونت حسبها لم تؤسس بعد. واختلف الفنون في بلوغ هذه المرتبة لتفاوت درجتها في السهولة فكان أبسطها أقربها إلى الثبوت. وشرع كونت يفكر بعد ذلك في تعاقب هذه الفنون وارتقائها من أبسط النظريات الرياضية إلى أرقى التصورات الاجتماعية فإن ذلك الاستقصاء إنما هو تتبع ارتقاء الفكر البشري والحوادث تجري على تسلسل طبيعي وهذا التسلسل هو بمثابة رابطة عامة بين النظريات المثبتة في الفنون المختلفة ورأى كونت أن بعضها يجب أن يكون له تأثير في الآخر فجعل العلوم الرياضية أول حلقة من السلسلة لأنها فعلت فيما بعدها لترقيته إلى مرتبة الثبوت وجعل الفلسفة الاجتماعية الحلقة الأخيرة. قايس كونت بين الفكرين الرياضي والاجتماعي فلم يجد مندوحة عن أن يتخذ الأول دليلاً على نظريات الثاني المثبتة حتى إذا أمكن حصر الارتقاء البشري تحت قوانين معينة استبدل الرياضيات بالفلسفة الاجتماعية لأنه وجد الأولى غير كافية لتأسيس فلسفة حقيقية تامة حتى قال: إن ما بذله المفكرون من المساعي في العصور الماضية لإيجاد فلسفة جديدة تحل محل الفلسفة الموضوعة ذهب أدراج الرياح لأن الذين حاولوا ذلك أرادوا أن يتخذوا الرياضيات ركناً وينشئوا مذهبهم باختلاف طفيف أو كبير وإذا أمكن اقتباس حقيقة من الرياضيات فلا يمكن التوسع في ذلك الفكر وجعله عاماً فإن الحوادث الرياضية قد ضبطت قوانينها (الهندسة والميكانيك) هي في غاية السذاجة فلا يمكن تطبيق شرائعها على المركبات وكثيرون من الرياضيين في عصرنا الحاضر يقولون أن غرائب الحوادث الفلكية والحوادث الاجتماعية الناتجة عن إرادة البشر وقدرتهم غير خاضعة لنواميس معينة. في الفلسفة الحكمية والكيمومية لا نجد خوارق مما يحملنا على القول أن جميع الحوادث هي ذات سنن مقررة لا تتغير ولكن الحوادث المبهمة المغلقة لا يظهرها على هذا الشكل إلا الفلسفة الاجتماعية فرجح لدى كونت أن يقيم مذهبه على نقطة اجتماعية وسعى في كشف النواميس الثابتة لهذه الحوادث وقد كان الباحثون قبله يستندون إلى افتراضات أو يستعينون بفلسفة ما فوق الطبيعة فأراد كونت أن يجرد المبحث مما يخامره من الأوهام ويدخله في حال مثبته. وكان كونت يقول بحرية الوجدان المطلقة يريد بذلك أن كل فكر وكل تعبير يستعمل للإفصاح عنه يجب أن يعفى من أنواع الجزاء من التنبيه البسيط إلى الحكم بالجناية وتبسيط في القول على ذلك حتى ادعى أن ليس من حرية وجدان في الهيأة والحكمة والكيمياء والفيسيولوجيا لأن المرء إذا لم يقبل مبادئها الأساسية اتهم بالهوس وليست الحال كذلك في الاجتماعيات لأن المبادئ القديمة قد اضمحلت ولم تخلفها بعد مبادئ جديدة. أما أصول علم الاجتماع فكانت كغيرها من الأصول العلمية تستخلص من التجارب والمشاهدات على سبيل القياس والاستقراء فيطالع المستقرئ حوادث بسيطة يضع لها النواميس ثم يترقى إلى الحوادث المركبة بطريق القياس فيستخرج قوانينها إذ ليس في وسع الباحثين استنباط القوانين العامة مباشرة من ملاحظة الحوادث المركبة ولكن كونت لاحظ أن الحال في العلوم الاجتماعية كذلك فإن حوادثها البسيطة تتألف من أفعال الأفراد وحواسهم ونواميس هذه لا تختص بها بل تشمل الطبيعة البشرية ذاتها والحوادث الاجتماعية إنما هي نتائج لتلك البسائط. وقد كان العلماء إلى عهد كونت يحاولون أخذ العلم الاجتماعي المثبت من قوانين الطبيعة البشرية العامة ثم يجعلون الوقائع التاريخية دليلاً على صحة تلك الاستنتاجات فرد كونت هذه النظرية وقال إذا دلت القوانين العامة على ما لا يؤيده شاهد من التاريخ وجب علينا أن نحكم بفساد التاريخ واختلاله لأن صفحاته الأولية مهزعة وكلما أعرق الناس في الحضارة ازدادوا دقة في تدوين الحوادث وإذا كان التاريخ يدلنا على مجرى الرقي البشري في غابر العصور فهو لا يوجب اتخاذ ذلك المجرى سنناً ولا يضع قانوناً فمتى شئنا معرفة القوانين تعين علينا أن نعود إلى علم النفس (البسيكولوجيا). إن قوانين الطبيعة البشرية العامة هي في جملة موسوعات علم الاجتماع غير أنها تختلف في استعمالها عن القوانين الطبيعية فإن التجارب الخصوصية في هذه تؤدي عن طريق القياس إلى استخراج القوانين العامة وفي العلم الاجتماعي نبلغ الناموس العام من التجربة الخاصة ثم نستخرج عن طريق القياس نتيجة تؤيد صحته. والفلاسفة الذين اشتغلوا في نظريات الاجتماع لم يكونوا يعتبرون التاريخ سلسلة من الأسباب والنتائج بل كانوا يتلقونه كأقاصيص متفرقة لا رابطة بينها حتى جاء كونت فبين فساد مزاعمهم في هذا الصدد وجعل التاريخ من أكبر مآخذ العلم الاجتماعي وحيث رأى حادثة شذت عن قوانين الطبيعة البشرية حكم باختلال تدوينها. والخلاصة أن أوغست كونت وضع أصول العلم الاجتماعي - كما قال استوارت ميل - وإذا كان لم يوجد ذلك العلم فانه حبا من بعده من الفلاسفة قوة لإيجاده وفلسفته المثبتة في العلوم الطبيعية وأصول التحليل التاريخي ستخلد اسمه بين مشاهير الفلاسفة. مشاهير العرب والصناعات وليس على عبد تقي نقيصة إذا صحح التقوى وإن حاك أو حجم يتوهم بعض الكتاب أن العرب أهملوا الصناعات يل استنكفوا منها لأنهم لم يقولوا (آل الحائك) خشية تحقير المضاف والحقيقة هي أن قدماء العرب لم تنصرف أفكارهم إلى الحياكة في زمان بداوتهم لأنهم لبسوا جلود الحيوانات وابتاعوا منسوجات غيرهم فلم يتقنوا الحياكة على أنهم عرفوها بعد ذلك واشتهروا بكثير منها ونقل الإفرنج عنهم ما تفننوا به مثل الموركو والكوردوفان لنوعين من الجلود التي دبغها العرب الأول في مراكش والثاني في قرطبة. والدامسكو للشيخ الدمشقي المشجر. والدامسكين للترصيع المعدني الدمشقي والموصلين لنسيج عرفت به الموصل وصناعة الشفار والسيوف التي أخذوها من دمشق إلى غير ذلك مما لا يحصى. ولهم تآليف كثيرة في الصناعات يحضرني منها الآن اسم رسالة للكندي في المعادن والجواهر وأنواع الحديد والسيوف وجيدها ومواضع انتسابها. ورسالة أخرى في ما يطرح على الحديد والسيوف حتى لا تتثلم ولا تكل لكندي أيضاً. ولقد ذكر جاهليو العرب بعض الصناعات في أشعارهم مثل قول طرفة بن العبد البكري من معلقته مشبهاً الناقة: كقنطرة الرومي أقسم ربها لتكتنفن حتى تشاد بقرمد وقوله: وخد كقرطاس الشآمي ومشفر كسبت اليماني قده لم يجرد وقوله: وعينين كالماويتين استكنتا بكهفي حجابي صخرة قلت مورد ومن أقدم صناعاتهم الغزل وقد ذكروه كثيراً في أشعارهم مثل قول النابغة: وعريت من مال وخير جمعته كما عريت مما تمرُّ المغازل وهذه الصناعة عرفت قديماً وذكرها كثير من الأعاجم مثل قول هوميروس في الإلياذة بلسان هكطور بطل تروادة عند توديع زوجته اندروماك وطلبها منه أن لا يسير إلى الحرب من موشح بليغ: ولكل عمل فامضي كفى واشغلي أعمال ربات السديل فلك النسيج وفتل المغزل ولنا أعمال سمر الذيل ووصف هيلانة تطرز بإبرتها في قوله: وجدتها بالصرح تنسج ثوباً بحواشي البرفير والأرجوان وبرأس الخياط ترسم فيه واقعات أبلت بها الفئتان وقال أبو العلاء المعري في النساء: علموهن الغزل والنسيج والردن وخلوا كتابة وقراءة وقال ندة ملتن كبير شعراء الإنكليز ما يقرب من هذا إلى غير ذلك. وفي صدر الإسلام اعتبر الخلفاء الصناعات بدليل قول الإمام عمر بن الخطاب: إني لأرى الرجل فيعجبني فأقول أله حرفه فن قالوا لا سقط من عيني، وقول موسى الهادي الخليفة العباسي لأمه الخيزران لما استبدت بالأمر وكثر المختلفون إليها لقضاء أعمالهم: ما هذه المواكب التي تغدو وتروح إلى بابك. أما لك مغزل يشغلك أو مصحف يذكّرك أو بيت يصونك. وكثيراً ما ذكر الشعراء بعد ذلك الصناعات ولو على سبيل المجاز مثل قول ابن نباتة في الطيّ والنشر: لا تخف عيلة ولا تخش فقراً يا كثير المحاسن المختاله لك عين وقامة في البرايا لك غزالة وذي فتاله ولقد مارس الخلفاء والصحابة والأمراء والأشراف والأئمة والعلماء على اختلاف طبقاتهم وأمكنتهم وأزمنتهم صناعات كثيرة جمعت الآن منهم ما وصلت إليه يد البحث تذكرة لقوم يعقلون: كان أبو بكر الصديق وعثمان بن عفان وطلحة بن الزبير وعبد الرحمن بن عوف بزازين وعمر بن الخطاب دلالاً فتاجراً. والوليد بن المغيرة وأبو العاص أخو أبي جهل حدادين. والنضر بن الحارث عوداً يضرب بالعود. وللعاص بن وائل السهمي بيطاراً يعالج الخيل. وابنه عمرو بن العاص جزاراً ومثله الإمام أبو حنيفة وقيل كانا خزازين يبيعان الخز (وهو التباس يقع في التصحيف). والزبير بن العوام خياطاً ومثله عثمان بن طلحة الذي دفع له النبي مفتاح الكعبة وهكذا قيس بن مخرمة. وكان مالك بن دينار وراقاً والمهلب بن أبي صفرة بستانياً. وقتيبة بن مسلم الذي فتح بلاد العجم إلى ما وراء النهر جمالاً. وعقبة بن معيط خماراً وسعد بن أبي وقاص بارياً للنبال. وأبو سفيان ابن حرب يبيع الزيت والأدم. وعبد الله بن جدعان نخاساً يبيع الجواري. والحكم بن أبي العاص خصاء يخصي الننم ومثله حريق بن عمر والضحاك بن قيس الهفري وابن سيرين. وكان سفيان بن عيينة معلماً ومثله الضحاك بن مزاحم وعطاء ابن أبي رباح والكميت الشاعر والحجاج بن يوسف الثقفي الشهير وعبد الحميد بن يحيى إمام المترسلين وأبو عبيد الله القاسم بم سلام والكسائي مؤدب الأمين والمأمون وكثير غيرهم ممن مارسوا التدريس والتهذيب وكانت هذه الصناعة تسمى عندهم صناعة الأشراف. وكان أبو يوسف الفقيه قصاراً (يبيض الثياب) وأبو العتاهية الزاهد يبيع الفخار في الكوفة فسمي الجرار. وأبو تمام الشاعر كان سقاءً وقيل خادم حائك. والمتنبي ابن سقَّاء في الكوفة. والعكبري في أول أمره منجماً ثم صار نحوياً. وحماد عجرد الشاعر باري نبال. وأبو إسحاق إبراهيم الحصري كان يعمل الحصر أو يبيعها وأبو إسحق إبراهيم بن محمد الزجاج النحوي كان يخرط الزجاج وأبو الحسن السري الرفاء الشاعر كان يرفو ويطرز وأبو بكر عبد الله القفال المروزي الفقيه يعمل الأقفال. وأبو الحسن الماوردي الفقيه كان يبيع ماء الورد. وأبو الحسن علي بن هلال كان أبوه بواباً فسمي بابن البواب. وأبو القاسم الزاهي الشاعر كان قطاناً (يبيع القطن). وأحمد بن محمد الطوسي الغزالي وأخوه الإمام الغزالي الشهير كانا منسوبين إلى عمل الغزل على طريقة النسبة عند الخوارزميين إذ يقولون القصاري والعطاري في القصار والعطار. وأبو بكر أزهر بن سعد السمان الباهلي البصري كان يبيع السمن وأبو غالب تمام التياني اللغوي القرطبي كان يبيع التين. وأبو القاسم الجنيد لقب بالخزاز والقواريري لأنه هو عمل الخز ووالده عمل القوارير. وأبو علي الحسين الكوابيسي البغدادي نسب إلى بيع الكرابيس وهي جمع كرباس بالفارسية بمعنى الثياب الغليظة وهي أشبه بالخام عندنا. وأبو محمد بن مسعود الفراء البغوي كان يعمل الفراء ويبيعها. وابو مغيث الحسين بن منصور الحلاج الزاهد حلج القطن فنسب إليه. ومؤيد الدين الطغرائي نسب إلى كتابة الطغراء. وأبو عمرة حمزة بن حبيب الزيات باع الزيت ومثله كثيرون لقبوا بلقبه مثل محمد بن زيات وزير المعتصم وغيره. وأبو عمرو خليفة بن الخياط العصفري نسب إلى الخياطة والصبغ بالعصفر. وأبو المعالي سعد بن علي المعروف بالحظيري (بالظاء المشالة) الوراق لقب بصناعته دلال الكتب ورشيد الدولة فضل الله الهمذاني طبيب خرمندة التتري كان في عمره عطاراً فصار يدبر ممالك التتر. وأبو منصور عبد الملك الثعالبي نسب إلى خياطة جلود الثعالب وعملها فراءً. وأبو قاسم عثمان الانماطي الفقيه كان يبيع الانماط وهي البسط التي تفرش. وأبو عمرو عثمان بن الحاجب كان والده حاجباً للأمير عز الدين موسك الصلاحي. وأبو الحسن علي بن عبد الله السمسماني اللغوي نسب إلى السمسم. وأبو الحسن علي بن الحسن القاضي الملقب بالخلعي كان يبيع الخلع لأملاك مصر. وأبو الحسن بن وصيف المعروف بالناشئ الأصغر كان جده وصيف مملوكاً وأبوه عبد الله عطاراً وهو حلاءً أي عامل الحلي النحاسية للتزيين. وأبو القاسم عمر الخرقي الفقيه نسب إلى بيع الخرق أي الثياب البالية. وأبو القاسم عمر بن محمد المعروف بابن البزري نسب إلى عمل البزر وبيعه والبزر عندهم اسم للدهن المستخرج من حب الكتاب وبه يستصحبون أي يسرجون المصابيح. وكان ابن سير بن المشهور بتعبير الرؤيا ابن صائغ قدور من النحاس. وأبو عمرو المطرز البارودي غلام ثعلب كان مطرزاً. وكان والد البحراني الشاعر الاربلي تاجراً يتردد إلى البحرين ويصيد اللآلئ من مغاوصها. وفخر الملك ووزير بهاء الدولة بن عضد الدولة البويهي كان ابن صيرفي. وأبو بكر الرازي الطبيب كان في أول أمره مغنياً عواداً. وأبو الحزم مكي الضرير المقري النحوي كان ابن صانع أنطاع. ونصر الخبزارزي الشاعر كان يخبز أرغفة الأرز بمربد البصرة. وأبو الفرج محمد الغاني الملقب بالوأراء كان منادياً في دوار البطيخ بدمشق ينادي على الفواكه. وكان بشار بن برد الشاعر ابن طيان حاذقاً بصناعته وأخواه بشر وبشير كانا قصابين. وفتيان الشاغوري لقب بالمعلم لأنه كان يعلم أولاد الملوك. وأبو محمد القاسم الحريري نسب إلى بيع الحرير أو عمله. والقاضي أبو بكر محمد الباقلاني البصري نسب إلى بيع الباقليّ. وأبو الحسين الجزار الشاعر المصري تعاطى الجزارة. وسراج الدين الوراق الشاعر الوراقة. وأبو الفضل بن عبد الكريم الحارثي الدمشقي لقب بالمهندس لحذاقته في الهندسة وكان في أول أمره نحات حجارة ونجاراً وأكثر أبواب البيمارستان النوري الذي بناه نور الدين بن زنكي الملقب بالعادل في دمشق من نجارته وصناعته وقد درس إقليدس على نفسه وأصلح الساعات في جامع دمشق وإن له على مراقبتها راتب خاص. وأبو زكريا يحيى البياسي الأندلسي الطبيب قطن دمشق وعرف التجارة واشتغل الآلات الهندسية وكان عواداً وعمل الأرغن. والبديع الاسطرلابي كان يعمل الآلات الفلكية ولا سيما الاسطرلاب. وأبو بكر محمد بن الحسن النقاش الموصلي البغدادي العالم نسب إلى نقش السيوف والجدران لممارسته ذلك وحذقه به. وأبو عباس محمد بن صبح المعروف بابن السماك الكوفي الزاهد نسب إلى صيد السمك وبيعه. وأبو بكر محمد بن السري النحوي المعروف بابن السراج نسب إلى عمل السروج. وأبو عبد الله محمد بن جعفر التميمي النحوي الملقب بالقزاز القيرواني نسب إلى عمل القز وبيعه. ومعاذ بن مسلم الهراء كان يبيع الثياب الهروية فنسب إليها. وأبو منصور الجواليقي نسب إلى عمل الجوالق وبيعها. وأبو يزيد وشيمة الوشاء كان يتجر بالثياب المصنوعة من الابريسم الموشاة. ومحمد بن رضوان بن الرعاد كان خياطاً واقتنى مكتبة من صناعته. وشمس الدين الدهان الدمشقي الشاعر كان يمارس صناعة الدهان. والنصير الحمامي كان يتحرف باكتراء الحمامات ويستجدي بشعره. وأبو بكر محمد بن أحمد بن محمد المعروف بالحداد الفقيه الشافعي المصري نسب إلى أحد أجداده الذي كان يعمل الحديد وبيعه. وأبو بكر محمد بن عبد الله المعروف بالصيرفي الفقيه البغدادي نسب إلى الصرافة. وأبو عبد الله محمد بن الكناني الشافعي المعروف بابن الكيزاني الشاعر كان بعض أجداده يعمل الكيزان ويبيعها فنسب إليه. وأبو الرداد عبد الله بن عبد السلام بن الرداد المؤذن البصري عمل المقياس بمصر في أثناء القرن الثالث للهجرة. ونجم الدين المنجنيقي الشاعر كان في أول أمره جندياً مقدماً على المنجنيقيين ببغداد فنسب إليه ومن لطيف منظومه قوله: كلفت بعلم المنجنيق ورميه لهدم الصياصي وافتتاح المرابط وعدت إلى نظم القريض لشقوتي فلم أخل في الحالين من قصد حائط ويحيى النحوي الإسكندراني كان ملاحاً إلى أن بلغ الأربعين من عمره فمال إلى العلم وأتقنه. وكان علي بن رضوان الطبيب بن فران. ومن أغرب العلماء أرباب الصناعات كشاجم الشاعر فإن اسمه منحوت من صناعاته فالكاف من كاتب والشين من شاعر والألف من أديب والجيم من منجم والميم من مؤدب إلى غير ذلك. ومن متأخري العلماء من نسب إلى الصناعات مثل القزويري وابن الطباخ وابن العطاؤ والأسطواني وابن الكيال وابن السقاف وابن السمان وابن الحجار وغيرهم كثير. وممن لقبوا بالصناعات ولا نعلم إذا كانوا قد مارسوها أبو جعفر أحمد المرادي النحاس النحوي المصري. وابن الخياط الدمشقي. وأبو بكر بن عياش بن سالم الخياط الأسدي الكوفي. وأبو محمد سعيد بن الدهان البغدادي. وأبو القاسم الإسكافي. وظافر الحداد الشاعر الاسكندري. وابن الدهان الموصلي المعرف بالمهذب. وابن شاس المنعوت بالخلال. وابن الخشاب البغدادي. وأبو نصر عبد السيد ابن الصباغ الفقيه. وأبو قاسم علي بن القطاع الصقلي اللغوي. وأبو الحسن علي بن القصار اللغوي. وأبو بكر المبارك المعروف بابن الدهان النحوي الضرير الواسطي. وأبو بكر محمد بن باجة الأندلسي المعروف بابن الصائغ الفيلسوف. وأبو عبد الله محمد الرقاء الأندلسي الرصافي الشاعر. ويحيى بن الجراح الكاتب. وموفق الدين النحوي المعروف بابن الصائغ الحلبي. وأبو المحاسن شهاب الدين الشواء الحلبي الشاعر. وابن النجار الدمشقي الشاعر. وإبراهيم الحائك وقيل المعمار أو الحجار غلام النويري المصري الشاعر الزجال. وبكر بن علي الصابوني. وجوبان القواس الشاعر. وابن البيطار النباتي الشهير. وعبد الله بن محمد المغربي الملقب بالعطار الشاعر. وعبد الحق الإشبيلي المعروف بابن الخراط. وعبد الرزاق بن أحمد الصابوني المحدث المؤرخ الفيلسوف. وأبو بكر الوراق التميمي. وأبو المعالي البقال الأديب. وابن الصفار المارديني. وأبو حفص الشطرنجي شاعر المهدي وابنته عليه. وأبو عبد الله البغدادي النقاش الشاعر. ومجاهد بن سليمان المعروف بالخياط الشاعر. ومحمد بن أحمد المعروف بابن الحداد الشاعر. ومحمد بن أحمد بن الصابوني الصدفي الإشبيلي. ومحمد بن داود بن الجراح الكاتب. والحافظ الكبير ابن النجار البغدادي واضع تاريخ بغداد المطول. وهبة الله بن الفضل المعروف بابن القطان الشاعر البغدادي. فضلاً عن كثير من أرباب الصناعات الأُخر مثل أبي عبد الله الفرضي الحاسب. وأبي حفص عمر بن الفارض الشاعر. وابن المعلم الواسطي الشاعر. وابن الدهان البغدادي الفرضي الحاسب. والبتاني الراصد وغيرهم كثير. ومنهم من تدل أسماؤهم على أنهم من أرباب الصناعات وهم لم يتعاطوها مثل أبي سلمة حفص ابن سليمان الخلال الهمداني فانه لم يكن خلالاً ولكنه كان يجلس إلى محل للخلالين قرب داره بالكوفة فلقب بالخلال. ومثل أبي القاسم عبد الرحمن بن إسحق الزجاجي النحوي البغدادي الذي لم يشتغل بالزجاج ولكنه صحب أبا إسحق إبراهيم بن السري الزجاجي فنسب إليه. وأبو سعيد الصدفي لم ينسب إلى صناعة الصدف بل إلى الصدف بن سهل وهي قبيلة كبيرة حميرية هبطت مصر. وكثير من العلماء لقبوا بالعسكري ولم يكونوا عساكر ولكنهم نسبوا إلى (سر من رأى) الملقبة بالعسكر حيث نشأوا لأن المعتصم لما بناها انتقل إليها بعسكره فقيل لها العسكر ومنهم أبو الحسن العسكري من أهل القرن الثاني للهجرة. ومنهم من سموا باسم عسكر مكرم من كور الأهواز مثل أبي القاسم محمد العسكري وغيره. وأبو الحسن الكسائي لم ينسب إلى عمل الكساء بل لأنه دخل مرة على حمزة بن حبيب الزيات وهو ملتف بكساء وقيل بل أحرم بكساء فنسب إليه. وأبو زيد محمد القاشاني المشهور ولكنه نسب إلى مسقط رأسه فاشان في بلاد فارس. وكمال الدين الفراوي نسب إلى فراوة في خوارزم لا إلى الفراء ومن النكت باسمه أنه قيل عنه (الفراوي ألف راوي). وأبو بكر الآجري الفقيه لم ينسب إلى صناعة الآجر (القرميد) ولكن إلى قرية آجر من قرى بغداد. وأبو بشر محمد الرازي الدولابي لم يصنع الدولاب ولكن نسب إلى الدولاب وهي قرية من الري وصناعته كانت الوراقة فلقب بالوراق وأبو بكر محمد الصولي الشطرنجي توهم بعضهم أنه وضع الشطرنج أو صنعه والصحيح أنه اشتهر باللعب فيه. والفراء النحوي اللغوي الكوفي كان يفري الكلام ولم يشتغل بالفراء فعرف بهذا اللقب وأبو عمرو بن دراج القسطلي نسب إلى قسطلة في الأندلس لا إلى عمل القساطل للمياه. ويونس الصدفي المصري الفقيه لم يعمل الصدف بل لسبب آخر سمي بالصدفي وهو أنه صدف بوجهه مرة فلزمه هذا اللقب. ومحمد بن الحسن الصائغ العروضي أقام بالصاغة زماناً يقرئ الناس فلقب بالصائغ إلى غير ذلك وهم كثيرون. هذا ما وصلت إليه يد الاستقراء الآن من صناعات المشاهير عند العرب جمعته تبصرة وتذكرة لمن يتوهمون أن الصناعة تزري بالعلماء والأدباء والمشاهير. على أن الإفرنج كثيرو الولع بالصناعات مما سأفرد له مقاله خاصة إن شاء الله في فرصة أخرى. ولقد أعرضت عن مشاهير المعاصرين وأسماء الأسر التي تنسب إلى الصناعات وهي كثيرة في بلادنا قريبة العهد فلا حاجة إلى وصفها. فحبذا لو كثر الميل إلى أسباب العمران بين ظهرانينا وولع مواطنونا بالصناعات ونحوها مما يوفر الدراهم ويشغل الأوقات ويعود على البلاد بالنفع وإلا فإن اقتصارنا على العلوم اللغوية واللسانية جمود فلنتخذها مفتاحاً للعلوم الطبيعية: بزراعة وصناعة وتجارة تجد البلاد تقدماً وفلاحا أسباب عمران فسيد صرحها وخذ العلوم لنبلها مفتاحا دقائق عربية لا مراء أن من يشتغل بالكتابة ويتوغل في المطالعة يمر به من صور التراكيب ومن الألفاظ المفردة ما يربك ذهنه وإذا راجع كتب النحو وكتب اللغة فلا يهتدي إلى ما يجلو له وجه الصواب فإن علماء العربية عل كثرة ما ألفوا في علمي الصرف والنحو واللغة تراهم قد أغفلوا من القواعد والتنبيهات والمفردات ما قد ترى بعضه في كتب الشروح أو في الكلام القديم كما ذكرت ذلك في مقالة بهذا العنوان نشرت في المجلد الخامس والعشرين من المقتطف وقد اجتمع إليَّ كثير من هذه الدقائق فلم أدخرها لنفسي بل أحببت نشرها رغبة في أن يكون للأدباء من وراء نصبي فائدة وابتغاء تخليص العبارة من علل الخطأ فإن في بعض المنشورات الحديثة ما يذوب له قلب البلاغة وتدمع له عين الفصاحة وأكبر نصير لتلك المنشورات على تشويه محبا البيان اختلاط الغث بالسمين فبينا تمر فيها بالبليغ إذ بك قد وقعت في أركِّ تركيب حتى أن المنشورات العامية العبارة أخف جناية على الفصاحة مما اجتمع فيه الصحيح بالمعتل فيلتبس على الضعفاء من أهل الأدب العليل بالصحيح والخطأ بالصواب فيتخذون الخطأ صواباً والعليل صحيحاً وتلك رزية كبيرة على الفصاحة فمن هنا تعلم أن نشر مثل هذه المقالات المتممة للناقص والمبينة للمبهم هي أوسع فائدة وأجل نفعاً وأرفه شأناً من تأليف كتاب في علم قد صارت المؤلفات فيه تربى على الألوف كما هي الحال في علم العربية. الدقيقة الأولى قد أجازوا أن تخاطب جماعة النساء خطاب الواحدة كما أجازوا أن ينعت ويخبر عن الجمع المكسر بالصفة مفردة فيقولون عيونهم نائمة وما أجمل العيون الحوراء. ولم أجد من نبه على ذلك فيما وقفت عليه من كتب النحو والصرف مع أنه واردٌ في كلام من بنيت على كلامهم قواعد التصريف والإعراب قال علقمة بن علف المري وهو من شعراء الحماسة: ولست بسائل جارات بيتي أغياب رجالك أم شهود وقال آخر: قد كتب الحسن على وجهه يا أعين الناس قفي وانظري فقال الأول (رجالك) مكان (رجالكن) وقال الثاني (قفي وانظري) مكان (قفن وانظرن). الدقيقة الثانية من حق الضمير أن يطابق مرجعه تذكيراً وتأنيثاً وإفراداً وتثنية وجمعاً وكذلك اسم الإشارة كما هو معلوم عند صغار الطلبة ما خلا اسم الجمع فقد فضلوا في الإضمار له مراعاة اللفظ على مراعاة المعنى قلت لكن متى كان المقام يقتضي الكثرة كانت مراعاة المعنى عين مقتضى الحال فيقال هؤلاء قومٌ كرامٌ وهذا قوم كريم وهذا شعب شجاع وهؤلاء شعب شجعان وكذا حكم اسم الجنس فيقولون ورق خضر باعتبار المعنى وورق أخضر باعتبار اللفظ قال أبو خراش الهذلي: تكاد يدي تندى إذا ما لمستها وتظهر في أطرافها الورق الخضر ولم أجد من زاد على ذلك لكني رأيت في كلام من يوثق بهم جواز مطابقة الضمير واسم الإشارة للخبر. فإن كان المرجع مؤنثاً والخبر مذكراً أجازوا الإتيان بضمير المذكر. وكذا إذا كان المرجع مذكراً والخبر مؤنثاً مثال الأول قول التبريزي في شرح الحماسة: فائدة إذن هو أخرج البيت مخرج الجواب ومثال الثاني ما جاء في كامل المبرد من قوله: إذا صب لبن حليب على حامض فهي المرخة وهذا فاش في كلام الفصحاء وقد جاء في سورة الأنعام فلما رأى الشمس بازغة قال هذا ربي مكان هذه ربي. قال صاحب الكشاف فإن قلت ما وجه التذكير في قوله (هذا ربي) والإشارة للشمس قلت جعل المبتدأ مثل الخبر لكونهما عبارة عن شيء واحد. وقال صاحب أنوار التنزيل ذكر اسم الإشارة لتذكير الخبر وصيانة للرب عن التأنيث. الدقيقة الثالثة متى أريد بالمفرد العموم ولو لم يكن اسم جنس جمعي كالشجر أو اسم جمع كالشعب والقوم جاز أن يعامل في نعته والإضمار له والإخبار عنه معاملة الجمع وهذا مبني على اعتبار المعنى فقد جاء في سورة الأنعام وما من دابةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه إلا أمم أمثالكم قال الزمخشري فإن قلت كيف قيل أمم مع إفراد الدابة والطائر قلت لما كان قوله تعالى وما من دابةٍ في الأرض ولا طائرٍ يطير بجناحيه دالاً على معنى الاستغراق ومغنياً عن أن يقال وما من دوابٍ ولا طيرٍ حمل قوله إلا أمم على المعنى وقال البيضاوي وجمع الأمم للحمل على المعنى ومثله في القرآن أيضاً وكم من ملك في السموات لا تغني شفاعتهم شيئاً وذلك لأن قوله كم من ملك في معنى كم ملائكة. الدقيقة الرابعة في الفرق بين نادها لو تسمع وبين فحيها هل تسمع. قال التبريزي في شرح قول مويلك في رثاء امرأته: أُمرر على الجدث الذي حلت به أم العلاء ونادها لو تسمع ويروى فحيها هل تسمع والفرق بين (لو) هنا وبين (هل) أن (لو) فائدته الشرط هنا والكلام به كلام من غلب القنوط عليه من إدراكها تحية من زارها و (هل) من حيث كان للاستفهام يصير الكلام به كأنه كلام راج أو طامع في سماعا ويكون المعنى حيها وانظر هل تسمع. الدقيقة الخامسة حق رب أن تدخل على الماضي ولكنها جاءت في سورة الحجر داخلة على المضارع حيث قال ربما يود الذين كفروا لو كانوا مسلمين قال الزمخشري لأن المترقب في أخبار الله تعالى بمنزلة الماضي المقطوع به في تحققه فكأنه قيل ربما ود. الدقيقة السادسة إن الفاء التي تلي همزة الاستفهام إنما يراد بها التعقيب قال الزمخشري في تفسير قول القرآن أفرأيت الذي كفر بآياتنا والفاء جاءت لإفادة معناها الذي هو التعقيب كأنه قال أخبر أيضاً بقصة هذا الكافر واذكر حديثه عقيب حديث أولئك. الدقيقة السابعة (فضلاً) مصدر يتوسط بين الأدنى والأعلى للتنبيه بنفي الأدنى واستبعاده عن الوقوع على نفي الأعلى واستحالته فيقع بعد نفي إما صريح كقولك لا يملك فلان الدراهم فضلاً عن الدينار وإما ضمير نحو وتقاصر هممهم عن أدنى عدد هذا العلم فضلاً أن تترقى إلى الكلام المؤسس على علمي المعاني والبيان. وأكثر الكتبة المعاصرين ذاهلون عن هذا الحكم فيستعملون فضلاً في الإيجاب كقولك زيد بارع في صيد البر فضلا عن براعته في صيد البحر وهو مخالف للقاعدة المذكورة مغاير لمنهج البلغاء. الدقيقة الثامنة  قد فشا في كتب علماء الصرف أن (يدع ويذر) قد اميت ماضيهما حتى صار ذلك معلوماً لصبيان المكاتب ولم أعثر في قديم الكلام على ما يخالف ذلك إلا في بيت من قصيدة عينية لسويد بن أبي كاهل اليشكري وهو: فسعى مسعاتهم في قومه ثم لم يظفر ولا عجزاً ودع قال الشارح: أي سعى مسعاة أبيه في قومه فلم يظفر بما أراد ولا ترك عجزاً إلا استعمله والقصيدة من مختارات المفضل الضبي فيؤخذ ذلك للمضطر أن يحي ما أُميت كما أحياه سويد. الدقيقة التاسعة لم يذكر النحاة شيئاً في إعراب (حاش الله) وهي في موضع النصب على المصدرية. وإنما بقيت على بنائها كبقاء عن على بنائها في نحو جلس عن يمينه. ذكر ذلك الزمخشري في تفسير سورة يوسف. الدقيقة العاشرة من سنن العرب أنهم يقولون في نحو بني العنبر بلعنبر وذلك يفعلون في كل ما فيه ألف ولام إذا لم يكن ثم إدغام فيقولون بلعجلان وبلحارث في بني العجلان وبني الحارث فإن كانت لام التعريف مدغمة مثل النمر لم يحذفوا النون من بني. الدقيقة الحادية عشرة إذا توالت النعوت أو الأحوال وترك العطف كان ذلك إشارة إلى أن كل نعت صفة كمال على حدة كقول الزمخشري في مقدمة الكتاب أنشأه كتاباً ساطعاً تبيانه قاطعاً برهانه. الدقيقة الثانية عشرة قد أجاز العروضيون وصل همزة القطع لإقامة الوزن وقد عثرت في شرح القصيدة التي هجا بها حسان بن ثابت مسافع بن عياض التميمي على ما نصه قوله أو أصحاب اللوا الصيد خفف الهمزة. وتخفف إذا كان قبلها ساكن فتطرح حركتها على الساكن كقولك من أبوك كذا ذكره المبرد في كامله. الدقيقة الثالثة عشرة إن كثيراً من كتب النحو المتداولة تنص على وجوب نصب الفعل بعد فاء السبب في جواب النفي والصحيح أن ذلك غالب لا واجب بدليل قول الحارثي وهو من شعراء الحماسة: فما حيلتي إن لم تكن لك رحمة علي ولا لي منك صبر فأصبر وقد جاء في القرآن بالرفع بعد الفاء حيث قال: ولا يؤذن له فيعتذرونذكر ذلك سيبويه والدماميني ونقله الصبان في باب النواصب. الدقيقة الرابعة عشرة إن (أحداً) لا يستعمل إلا مسبوقاً بالنفي ما لم يضف نحو قام أحد الأربعة أو يقع نعتاً لله نحو هو الله الأحد أو يصاحب أسماء العدد كقولك عندي أحد وعشرون رجلاً هذا ما صرح به في كتبهم ولقد رأيت البلغاء يستعملونه قبل النفي كقول الزمخشري وعلمه أن أحداً غيره لا يقوم مقامه فيؤخذ من ذلك أن الشرط مصاحبه النفي سواء تقدم أم تأخر خلافاً لما يفهمه أكثر الأدباء من وجوب الوقوع بعد النفي. الدقيقة الخامسة عشرة قد أنكر أحد من أدركنا من أهل العصر على أحد المعاصرين قوله قال يوحنا فم الذهب وقال الصواب أن يقال الذهبي الفم. قلت إن هذا الانتقاد خطأ لأن فم الذهب لقب ليوحنا فهو بدل من لا نعت له على حد قولهم جاء زيد زين العابدين. وذهب عمر وأنف الناقة. الدقيقة السادسة عشرة قد أنكر بعضهم استعمال المربض لغير الغنم استدل بنصوص من كتب اللغة كالصحاح والمصباح. وقد رأيت في الصفحة ٦٢٦ من الجزء الأول من الكشاف في تفسير سورة يوسف ما نصه وهو جاثم في مربضه أي الطائر ومثل الزمخشري جدير بأن يوثق بكلامه. الدقيقة السابعة عشرة قد أنكر بعضهم جمع برهان على برهانات وجاء في كتاب البيان والتبيين للجاحظ في الصفحة الثامنة ما نصه ومن العلامات الظاهرة والبرهانات الواضحة فيكون إنكاره خطأ وانتقاده غلطاً. الدقيقة الثامنة عشرة قد يخبر عن الجمع بالمفرد ولكن على تأويل قال القرآن كلا سيكفرون بعبادتهم ويكونون عليهم ضدا إنما وحد ضداً وحقه أن يكون جمعاً لاتفاق كلمتهم وأنهم كشيء واحد لفرض تضامنهم وقال القرآن أيضاً وما جعلناهم جسداً لا يأكلون الطعام يريد ذوي جسد ووحد الجسد لإرادة الجنس كأنه قال ذوي جسد من الأجساد ومثله وما زالت تلك دعواهم حتى جعلناهم حصيداً خامدين ومن هذا الباب قول القرآن أيضاً ثم نخرجكم طفلاً قال المفسر: طفلاً حال أجريت على تقدير كل واحد. الدقيقة التاسعة عشرة قد ورد في الشعر خطاب المرأة بضمير الرجال وذلك كقوله: فلا تحسبي أني تخشعت بعدكم لشيءٍ ولا أني من الموت أفرق وكقول سعيد بن حميد يخاطب محبوبته فضل الشاعره: تظنون أني قد تبدلت بعدكم بديلاً وبعض الظن أثم ومنكر إذا كان قلبي في يديك رهينة فكيف بلا قلب أصافي وأهجر ومن هذين الشاهدين تعلم أنه يخاطب المرأة بضمير المؤنثة المخاطبة وبضمير جمع المذكر العاقل وهو جائز حيث يؤمن اللبس. الدقيقة العشرون إذا كان المتكلم في فن ثم شرع في فن آخر من الكلام يصدر الكلام الجديد بقوله (اعلم) تنبيهاً على الانتقال - ذكر ذلك الزمخشري في كشافه. الدقيقة الحادية والعشرون من سنن العرب أن يستغنى بذكر الشيء عن ذكر نقيضه قال المثقب العبدي: ولا تعدي مواعد كاذبات تمرُّ بها رياح الصيف دوني أراد رياح الصيف والشتاء فاجتزأ بواحد منهما ومثل ذلك قول القرآن سرابيل تقيكم الحر لم يذكر البرد وهي تقي الحر والبرد فترك البرد اجتزاءً بذكر الحر. الدقيقة الثانية والعشرون من التراكيب المستفيضة الواردة عن البلغاء ما تقدر فيه الجملة بالمفرد. من ذلك قولهم ما ترى لنا أن أنهرب أم نقيم والتقدير ما ترى لنا الهرب أم الإقامة. وهذا لم أجد من تعرض لذكره. نعم قالوا في باب أم المتصلة أنها تقع بين جملتين في تأويل المفرد نحو قول القرآن سواء عليهم أأنذرتهم أم لم تنذرهم لا يؤمنون. على أنهم لم ينبهوا على أن الجملة تسبك بمصدر إلا مع الأحرف المصدرية. الدقيقة الثالثة والعشرون قد رأيت من الأدباء من ينكر استعمال صار بمعنى حصل وهذا خطأ جلبه نقص العلم فهي تأتي بمعنى حصل ومن تتبع كتب اللغة يرها واردة بهذا المعنى في عدة مواضع من ذلك ما جاء في مادة (وق ع) ونصه وقع في ارض فلاة صار فيها. الدقيقة الرابعة والعشرون إن أكثر الأدباء يرون قول العامة بقي فلان بفرد يد خطأ وصوابه بيدٍ واحدةٍ والحال أنه عربي فصيح فقد جاء في أخبار دعبل في كتاب الأغاني فحلف أن لا يبيعها (أي الحلة) أو يعطوه بعضاً ليكون في كفنه فأعطوه فردكم أي كماً واحداً وقد ورد هذا في غير الأغاني من كتب البلغاء. الدقيقة الخامسة والعشرون لم أر من نص على أن حيث تقع في مقام التعليل مع أنها وردت للتعليل في كلام البلغاء كالزمخشري والبيضاوي وقال الأول والأمر على عكس ما قدروا حيث هم جند لآلهتهم معدون وقال الثاني وما ضررتم بالكفران إلا أنفسكم حيث حرمتموها مزيد الإنعام وهي في كلام هذين الإمامين بمعنى لأن. الدقيقة السادسة والعشرون إذا جاء في لفظ مراعاة اللفظ ومراعاة المعنى فإن روعي أحدهما في جملة جاز أن يراعى الآخر في أخرى. قال في سورة الحجر وما تسبق أمة أجلها وما يستأخرون وقال غلاق بن مروان وهو من شعراء الحماسة: فأضحت زهير في السنين التي مضت وما بعد لا يعدون إلا الأشائما الدقيقة السابعة والعشرون إذا قيل لا أشجع من عمرو ولا أجبن من خالد ولذلك يشبه بهما كل متناهٍ في الشجاعة وكل متناهٍ في الجبن يكون المراد أن كل متناهٍ في الشجاعة يشبه بعمرو وكل متناهٍ في الجبن يشبه بخالد - لا أن كل متناهٍ في الشجاعة يشبه بخالد ولا كل متناهٍ في الجبن يشبه بعمرو خلافاً لما يماري فيه من يدعون التعمق في علم العربية وإنما هم واقفون عند ظواهرها وتعزيزاً لهذا أروي لك ما يبين لك الأمر كالصبح قال البيضاوي في تفسير سورة يوسفوذلك لأن الله عز وجل ركز في الطباع أن لا أحسن من الملك كما ركز فيها أن لا أقبح من الشيطان ولذلك يشبه كل متناهٍ في الحسن والقبح بهما اه - يريد أن كل متناه في الحسن يشبه بالملك وكل متناهٍ في القبح يشبه بالشيطان.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_63.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.63.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
