<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.62.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.62.TEIP5:</urn>
<passage>الفتوى في الإسلام آداب المستفتي وصفته وأحكامهعن مقدمة شرح المذهب للنووي الأول المستفتي كل من لم يبلغ درجة المفتي فهو فيما يسأل عنه من الأحكام الشرعية مستفت بتقليد من نفسه. والمختار في التقليد أنه قبول قول من يجوز عليه الإصرار على الخطاء بغير حجة على عين ما قبل قوله فيه. ويجب عليه الاستفتاء إذا نزلت به حادثة يجب عليه علم حكمها. فإن لم يجد ببلده من يستفتيه وجب عليه الرحيل إلى من يفتيه وإن بعدت داره وقد رحل خلائق من السلف في المسألة الواحدة الأيام والليالي. الثاني يجب عليه قطعاً البحث الذي يعرف به أهلية من يستفتيه للإفتاء إذا لم يكن عارفاً بأهليته. فلا يجوز لا استفتاء من انتسب إلى العلم وانتصب للتدريس والاقراء وغيرها من العلماء بمجرد انتسابه وانتصابه لذلك. ويجوز استفتاء من استفاض كونه أهلاً للفتوى وقال بعض أصحابنا المتأخرين: إنما يعتمد قوله انا أهل للفتوى لا شهرته بذلك ولا يكتفي بالاستفاضة ولا بالتواتر لأن الاستفاضة والشهرة من العامة لا يوثق بها وقد يكون أصلها التلبيس وأما التواتر فلا يفيد العلم إذا لم يستند إلى معلوم محسوس: والصحيح هو الأول لأن إقدامه عليها إخبار منه بأهليته فإن الصورة مفروضة فيمن وثق بديانته ويجوز استفتاء من المشهور المذكور بأهليته. قال الشيخ أبو اسحق الشيرازي رحمه الله وغيره: يقبل في أهليته خبر العدل الواحد قال أبو عمرو: ينبغي أن يشترط في المخبر أن يكون عنده من العلم والبصر ما يميز به المتلبس من غيره فلا يعتمد في ذلك على آحاد العامة لكثرة ما يتطرق إليهم من التلبيس في ذلك. وإذا اجتمع اثنان أو أكثر ممن يجوز استفتاؤهم فهل يجب عليه الاجتهاد في أعيانهم والبحث عن الأعلم والأورع الأوثق ليقلده دون غيره فيه وجهان (أحدهما) لا يجب بل له استفتاء من شاء منهم لأن الجميع أهل وقد اسقطنا الاجتهاد عن العامي وهذا الوجه هو الصحيح عند أصحابنا العراقيين (والثاني) يجب لأنه يمكنه هذا القدر من الاجتهاد بالبحث والسؤال وشواهد الأحوال وهذا الوجه قول أبي العباس ابن سريج واختاره القفال المرزوي وهو الصحيح عند القاضي حسين والأول أظهر وهو الظاهر من حال الأولين. قال أبو عمرو رحمه الله: لكن من اطلع على الأوثق فالأظهر أنه يلزمه تقليده كما يجب أرجح الدليلين وأوثق الروايتين، ثم هذا يلزمه تقليد الأورع من العالمين والأعلم من الورعين فإن كان أحدهما أعلم والآخر أورع قلد الأعلم على الأصح. وفي جواز تقليد الميت وجهان (الصحيح) جوازه لأن المذاهب لا تموت بموت أصحابها (والثاني) لا يجوز لفوات أهليته كالفاسق (قال النووي) وهذا ضعيف لا سيما في هذه الأعصار. الثالث هل يجوز للعامي أن يتخير أي مذهب شاء قال الشيخ ينظر أن كان منتسباً إلى مذهب بنيناه على وجهين حكاهما القاضي حسين في قول أن العامي هل له مذهب أم لا (أحدهما) لا مذهب له لأن المذهب لعارف الأدلة فعلى هذا له أن يستفتي من شاء من حنفي وشافعي وغيرهما (والثاني) له مذهب فلا يجوز له مخالفته. وإن لم يكن منتسباً بني على وجهين حكاهما ابن برهان في العامي هل يلزمه أن يتمذهب بمذهب مفت يأخذ برخصه وعزائمه أحدهما لا يلزمه كما لم يلزمه في العصر الأول أن يختص بتقليده عالماً بعينه فعلى هذا هل له أن يستفتي من شاء أم يجب عليه البحث عن أسد المذاهب وأصحها أصلاً ليقلد أهله فيه وجهان مذكوران كالوجهين السابقين في البحث عن الأعلم والأوثق من المفتين والثاني يلزمه وبه قطع أبو الحسين الكيا وهو جار في كل من لم يبلغ رتبة الاجتهاد من الفقهاء وأصحاب سائر العلوم. الرابع إذا اختلفت عليه فتوى مفتيين ففيه خمسة أوجه للأصحاب أحدها يأخذ بأغلظها والثاني بأخفها والثالث يجتهد في الأولى ويأخذ بفتوى الأعلم لا الأورع كما سبق واختاره السمعاني الكبير ونص الشافعي رضي الله عنه على مثله في القبلة والرابع يسأل مفتياً آخر فيأخذ بفتوى من وافقه والخامس يتخذ فيأخذ بفتوى أيهما شاء واختاره أبو اسحق الشيرازي وجماعة. قال الشيخ أبو عمرو: المختاران عليه أن يبحث عن الأرجح فيعمل به فإنه حكم التعارض فيبحث عن الأوثق بين المفتيين فيعمل بفتواه: وقال النووي: الذي اختاره الشيخ ليس بقوي بل الأظهر أحد الأوجه الثلاثة وهي الثالث والرابع والخامس والظاهر أن الخامس أظهرها لأنه ليس من الاجتهاد وإنما فرضه أن يقلد عالماً أهلاً لذلك وقد يفعل ذلك بأخذه بقول من شاء منهما والفرق بينه وبين ما نص عليه في القبلة أن أماراتها حسية فإدراك صوابها أقرب فيظهر التفاوت بين المجتهدين فيها والفتاوى أماراتها معنوية فلا يظهر كثير تفاوت بين المختلفين والله أعلم. الخامس قال الخطيب البغدادي: إذا لم يكن في الموضع الذي هو فيه مفت إلا واحد لزمه فتواه وقال أبو المظفر السمعاني: إذا سمع المستفتي جواب المفتي لم يلزمه العمل به إلا بالتزامه قال ويجوز أن يقال أنه يلزمه إذا أخذ في العمل به وقيل بلزمه إذا وقع في نفسه صحته قال السمعاني وهذا أولى الأوجه قال الشيخ أبو عمرو: لم أجد هذا لغيره وقد حكى هو بعد ذلك عن بعض الأصوليين أنه يلزمه الاجتهاد في أعيان المفتين ويلزمه الأخذ بفتوى من اختاره باجتهاده. قال الشيخ: والذي تقتضيه القواعد أن يفصل فيقال: إذا أفتاه المفتي نظر فإن لم يوجد مفت آخر يلزمه الأخذ بفتواه ولا يتوقف ذلك على التزامه لا في الأخذ بالعلم به ولا بغيره ولا يتوقف أيضاً على سكون نفسه إلى صحته وإن وجد مفت آخر فإن استبان أن الذي أفتاه هو الأعلم الأوثق لزمه بناء على الأصح في تعينه وإن لم يستبن ذلك لم يلزمه ما أفتاه بمجرد إفتائه إذ يجوز له استفتاء غيره وتقليده ولا يعلم اتفاقهما في الفتوى فإن وجد الاتفاق أو حكم حاكم لزمه حينئذ. السادس إذا استفتى فأفتي ثم حدثت تلك الواقعة له مرة أخرى فهل يلزمه تجديد السؤال فيه وجهان أحدهما يلزمه لاحتمال تغير رأي المفتي والثاني يعمل به وهو الأصح لأنه قد عرف الحكم أولاً والأصل استمرار المفتي عليه وخصص صاحب الشامل الخلاف فيما إذا قلد حياً وقطع فيما إذا كان ذلك خبراً عن ميت فإنه لا يلزمه والصحيح أنه لا يختص فإن المفتي على مذهب الميت قد يتغير جوابه على مذهبه. السابع له أن يستفتي بنفسه وله أن يعبث ثقة يعتمد خبره ليستفتي له وله الاعتماد على خط المفتي إذا أخبره من يثق بقوله أنه خطه أو كان يعرف خطه ولم يشك في كون ذلك الجواب بخطه. الثامن ينبغي للمستفتي أن يتأدب مع المفتي ويجله وفي خطابه وجوابه ونحو ذلك ولا يومئ بيده في وجهه ولا يقل له ما تحفظ في كذا أو ما مذهب إمامك ولا يقل إن أجابه هكذا قلت لنا ولا يقل أفتاني فلان أو غيره بكذا ولا يقل إن كان جوابك موافقاً لمن كتب فاكتب وإلا فلا تكتب ولا يسأله وهو قائم أو مستوفز أو على حالة ضجر أو هم أو غير ذلك مما يشغل القلب. وينبغي أن يبدأ بالاسن الأعلم م المفتين وبالأولى فالأولى إن أراد جمع الأجوبة في رقعة وإن أراد إفراد الأجوبة في رقاع بدأ بمن شاء وتكون رقعة الاستفتاء واسعة ليتمكن المفتي من استيفاء الجواب واضحاً لا مختصراً مضراً بالمستفتي ولا يدع الدعاء لمن يستفتيه قال الصيمري: فإن اقتصر على فتوى واحد قال ما تقول رحمك الله أو رضي عنك أو وفقك الله أو سددك ورضي عن والديك وإن أراد جواب جماعة قال ما تقولون رضي الله عنكم أو ما تقول الفقهاء سددهم الله تعالى ويرفع الرقعة إلى المفتي منشورة ويأخذها منشورة فلا يحوجه إلى نشرها ولا إلى طيها. التاسع ينبغي أن يكون كاتب الرقعة ممن يحسن السؤال ويضعه على الغرض مع إبانة الخط واللفظ وصيانتهما عما يتعرض للتصحيف قال الصيمري يحرص أن يكون كاتبها من أهل العلم وكان بعض الفقهاء ممن له رياسة لا يفتي إلا في رقعة كتبها رجل فقيه من أهل العلم ببلده. وينبغي للعامي أن لا يطالب المفتي بالدليل ولا يقل لم قال النووي: فإن أحب أن تسكن نفسه لسماع الحجة طلبها في مجلس آخر أو في ذلك المجلس بعد قبول الفتوى مجردة. وقال السمعاني: لا يمنع من طلب الدليل وإنه يلزم المفتي أن يذكر له الدليل إن كان مقطوعاً به ولا يلزمه إن لم يكن مقطوعاً به لافتقاره إلى الاجتهاد ويقصر فهم العامي عنه. العاشر إذا لم يجد صاحب الرقعة مفتياً ولا أحداً ينقل له حكم واقعته لا في بلدة ولا في غيره قال الشيخ - ابن الصلاح - هذه مسألة فترة الشريعة الأصولية وحكمها حكم ما قبل ورود الشرع والصحيح في كل ذلك القول بانتفاء التكليف عن العبد وأنه لا يثبت في حقه حكم لا إيجاب ولا تحريم ولا غير ذلك فلا يؤاخذ إذن صاحب الواقعة بأي شيء صنعه فيها والله تعالى أعلم. هذا ما اثرناه عن شرح المذهب للنووي من أفتى بالحديث الصحيح مخالفاً لمذهبه قال الإمام النووي: صح عن الشافعي رحمه الله أنه قال: إذا وجدتم في كتابي خلاف سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقولوا بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ودعوا قولي: وروي عنه: إذا صح الحديث خلاف قولي فاعملوا بالحديث واتركوا قولي: أو قال: فهو مذهبي: وروى عنه هذا المعنى بألفاظ مختلفة. وقد عمل بهذا أصحابنا في مسألة التثويب واشتراط التحليل من الإحرام بعذر المرض وغيرها مما هو معروف في كتب المذهب. وقد حكى أبو اسحق الشيرازي في ذلك عن الأصحاب فيها ممن حكى أنه أفتى بالحديث من أصحابنا أبو يعقوب البويطي وأبو القاسم الدارلي، وممن نص عليه أبو الحسن الطبري في كتابه في أصول الفقه، وممن استعمله من أصحابنا المحدثين الإمام أبو بكر البيهقي وآخرون. وكان جماعة من متقدمي أصحابنا إذا رأوا مسألة فيها حديث ومذهب الشافعي خلافه عملوا بالحديث وأفتوا به قائلين: مذهب الشافعي ما وافق الحديث: انتهى. وفي شرح الهداية لابن الشحنة - من كبار الحنفية - فإذا صح الحديث وكان على خلاف المذهب عمل بالحديث ويكون ذلك مذهبه ولا يخرج مقلده عن كونه حنفياً بالعمل به فقد صح عنه أنه قال: إذا صح الحديث فهو مذهبي وقد حكى ذلك ابن عبد البر عن أبي حنيفة وغيره من الأئمة. وقال الإمام السندي في حواشيه على فتح القدير - من كتب الحنفية - الحديث حجة في نفسه واحتمال النسخ لا يضر فإن من سمع الحديث الصحيح فعمل به وهو منسوخ فهو معذور إلى أن يبلغه الناسخ، ولا يقال لمن سمع الحديث الصحيح لا يعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وفلان فإنما يقال له انظر هل هو منسوخ أم لا، إما إذا كان الحديث قد اختلف في نسخه فالعامل به في غاية العذر فإن تطرق الاحتمال إلى خطاء المفتي أقوى من تطرق الاحتمال إلى نسخ ما سمعه من الحديث، قال ابن عبد البر: يجب على كل من بلغه شيء أن يستعمله على عمومه حتى يثبت عنده ما يخصصه أو ينسخه، وأيضاً فإن المنسوخ من السنة في غاية القلة حتى عده بعضهم أحداً وعشرين حديثاً، وإذا كان العامي يسوغ له الأخذ بقول المفتي بل يجب عليه مع احتمال خطاء المفتي كيف لا يسوغ له الأخذ بالحديث إذا فهم معناه وإن احتمل النسخ، ولو كانت سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يسوغ العمل بها بعد صحتها حتى يعمل بها فلان وفلان لكان قولهم شرطاً في العمل بها وهذا من أبطل الباطل وقد أقام الله تعالى الحجة برسوله صلى الله عليه وسلم دون آحاد الأمة، ولا يعرض احتمال الخطاء لمن عمل بالحديث وأفتى به بعد فهمه إلا وأضعاف أضعاف حاصل لمن أفتى بتقليد من لا يعلم خطؤه من صوابه ويجري عليه التناقض والاختلال ويقول القول ويرجع عنه ويحكى عنه في المسألة عدة أقوال، وهذا كله فيمن له نوع أهلية أما إذا لم يكن له أهلية ففرضه ما قال الله تعالى فاسألوا أهل الذكر إن كنت لا تعلمون وإذا جاز اعتماد المستفتي على ما يكتبه له المفتي من كلامه أو كلام شيخه وإن علا فلان يجوز اعتماد الرجل على ما كتبه الثقات من كلام رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى بالجواز ولو قدر أنه لم يفهم الحديث فكما لو لم يفهم فتوى المفتي يسأل من يعرفها فكذلك الحديث انتهى كلام السندي مخلصاً وقد أطال من هذا النفس العالي رحمه الله ورضي عنه. إيثار الفتوى بالآثار السلفية قال ابن القيم في أعلام الموقعين: اعلم أن فتاوى الصحابة أولى أن يؤخذ بها من فتاوى التابعين وفتاوى التابعين أولى من فتاوى من بعدهم، وكلما كان العهد بالرسول صلى الله عليه وسلم أقرب كان الصواب فيه أغلب، وهذا الحكم بحسب الجنس لا بحسب كل فرد فرد من المسائل فإن عصر التابعين وإن كان أفضل من عصر تابعيهم فإنما هو بحسب الجنس لا بحسب كل شخص شخص ولكن المفضلون في العصر المتقدم أكثر من المفضلين في العصر المتأخر وهكذا الصواب في أقوالهم أكثر من الصواب في أقوال من بعدهم: وتتمة كلامه درر لا يستغنى عن مراجعتها. عناية المفتي بتعليل الأحكام وبيان أسرارها قال الغزالي في المستصفى: إن في معرفة باعث الشرع ومصلحة الحكم استمالة للقلوب إلى الطمأنينة والقبول بالطبع والمسارعة إلى التصديق فإن النفوس إلى قبول الأحكام المعقولة الجارية على ذوق المصالح أميل منها إلى قهر التحكم ومرارة التعبد ولمثل هذا الغرض استحب الوعظ وذكر محاسن الشريعة ولطائف معانيها وكون المصلحة مطابقة للنص وعلى قدر حذقه يزيدها حسناً وتأكيدا ومن أحسن المؤلفات في أسرار الشريعة أعلام الموقعين وحجة الله البالغة. حظر الفتوى بنسخ نص إلا بنص قال الإمام أبو محمد بن حزم في مقدمة المحلى: ولا يحل لأحد أن يقول في آية أو في خبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ثابت هذا منسوخ وهذا مخصوص في بعض ما يقتضيه ظاهر لفظه ولا أن لهذا النص تأويلاً غير مقتضى ظاهر لفظه ولا أن هذا الحكم غير واجب علينا من حين وروده إلا بنص آخر وارد بأن هذا النص كما ذكر أو بإجماع متيقن بأنه كما ذكر بضرورة حس موجبة أنه كما ذكر وإلا فهو كاذب انتهى. وقال العلامة أبو النصر القزاني القورصاوي في كتابه الإرشاد: إن الاعتصام بالكتاب والسنة أصل أصيل من أصول الدين والناس رفضوا هذا القطب حتى حسبوا أن الحديث الموجب للعمل مفقود، وأن السبيل دون الوصول إليه مسدود، ولما كانت هذه بدعة عم في الدين ضررها، واستطار في الخلق شررها، وجب كشف الغطاء (إلى أن قال) فيقال لهؤلاء المخترعين هذا القول الذي وصفناه هل تجدون هذا الذي قلتم عن أحد يلزم قوله وإلا فهلموا دليلاً على ما زعمتم. فإن ادعوا قول أحد من علماء السلف بما زعموا من كون الأخبار الثابتة بنقل الثقات حجة على المجتهدين لا على غيرهم طولبوا به، ولن يجدوا هم ولا غيرهم إلى إيجادهم سبيلاً. وإن ادعوا فيما زعموا دليلاً يحتج به يقال ما ذلك الدليل، فإن قالوا إن الحديث يحتمل الوضع يقال ليس الذي يقوم حجة خبر كل من نصب نفسه محدثاً بلا ما رواه وأسنده الأئمة المتقنون المعروفون بالصدق والأمانة والثقات الراسخون في العلم عن قوم مرضيين عندهم وصححوه مثل مالك بن أنس ومسلم بن الحجاج ومحمد بن اسماعيل البخاري ومحمد بن ادريس الشافعي وأحمد بن حنبل ومحمد بن عيسى الترمذي وسليمان بن أشعث السجستاني وغيرهم من الأئمة المعروفين، وكتبهم بأسانيدهم بين العلماء معتمدة مشهورة حتى قالوا إن الحديث إذا نسب إليهم فكأنه أسند إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنهم قد فرغوا من الإسناد وأغنونا عنه، ومن ثم لزم الأخذ بنص أحدهم على صحة السند أو الحديث أو ضعفه فكما أن المجتهد يعتمد على ثبوت الخبر على الإسناد من جهة الثقات فكذلك غيره، وكما أن خبر الواحد الثقة عن الواحد الثقة حجة يلزم به العمل على المجتهد وهو محجوج به فكذلك غيره، وكما يجب علينا الاتقاء من حديث لا يعرف صحة مخارجه والستارة في ناقليه فكذلك على المجتهد. وأيضاً إن الخبر يقين بأصله لأنه من حيث أنه قول الرسول عليه السلام لا يحتمل الخطأ وإنما الشبهة باعتبار النقل حيث يحتمل السهو والنسيان، وقول الفقيه يحتمل الخطأ بأصله إذ هو يجتهد فيخطئ ويصيب وإما باعتبار نقله فأكثره خال عن السند أصلاً فكما أن وضع الخبر محتمل وصحة الإسناد يدفعه فكذلك وضع الرواية محتمل ولا إسناد حتى يدفعه. والصحابة رضي الله عنهم كانوا متفقين على ترك الرأي بالسنة وهو حجة شرعية فكيف لا يترك التقليد بها وهو ليس بحجة أصلاً. فالواجب على من بلغه الحديث أن يعمل به هذا في فقهاء الصحابة رضي الله عنهم فكيف فيمن دونهم وقد صح عن الشافعي رضي الله عنه أنه قال: إذا صح الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم فاتركوا قولي فإنه مذهبي: وقال علي بن محمد القاري: وهذا مذهب كل مسلم. وأما قولهم: الحديث يحتمل النسخ والتأويل: قلنا إذا ظهر ناسخه فلا نزاع في سقوط العمل به وإن لم يظهر فلا يترك العمل بالدليل الثابت لاحتمال النسخ بل يعمل به حتى يظهر ناسخه، ولو صار الدليل متروكاً بكل احتمال لم يبق دليل معمولاً به إلا ترى إلى ما نقله أصحاب الأصول عن أبي حنيفة ومحمد وحسن بن زياد رضي الله عنهم أن الحديث وإن كان منسوخاً لا يكون أدنى درجة من الفتوى ما لم يبلغه النسخ، وأيضاً قد شاع عن الفقهاء الرجوع عن قول إلى قول فهذا القول الذي يخالف الخبر الصحيح يجوز أن يكون قولاً مرجوعاً عنه فيكون كلا قول فكيف يترك الحديث الثابت بإسناده لاحتمال النسخ ولا تترك الرواية الخالية عن السند لاحتمال رجوع قائلها بل الظاهر أنه لم يبلغه الحديث ولو بلغه لرجع إليه أو كان ذلك المروي مذهبه فبلغه الحديث وترك مذهبه بالحديث ورجع إليه إحساناً للظن به فإنه إن خالف الحديث لقلة المبالاة والتهاون به سقطت عدالته فلا تقبل روايته وفتواه. وكذلك قولهم: يترك النص لاحتمال كونه مؤولاً: قلنا احتمال التأويل إما أن يكون ناشئاً عن قرينة أو خفاءٍ فيه كما إذا كان مشتركاً أو مشكلاً أو مجملاً مثلاً أولا فإن كان الثاني فلا عبرة للاحتمال أصلاً إذ المراد من الكلام ظاهره عند خلوه عن قرينة تصرفه عنه والعقلاء لا يستعملون الكلام في خلاف الأصل عند عدم القرينة وإلا لبطل فائدة التخاطب، والفرار عن ظل جدار غير مائل لتوهم السقوط ينسب إلى السفه ولا كذلك إذا كان مائلاً، وإن كان الأول فإن قدر على ترجيح أحد المعاني المحتملة بالرأي فيعمل بما ترجح عنده وإن لم يقدر على الترجيح وكان جواب المسألة مما اشتهر وظهر وانجلى عن أصحابنا أرجو أن يسع الاعتماد عليه والعمل به إن شاء الله تعالى، ألا ترى إلى قول العلماء أن التمسك في الأصول بالكتاب والسنة وإجماع الأمة مع المجانبة عن الهوى والبدعة وفي الفروع بالمجمع عليه ثم بالأحوط ثم بالأوثق دليلاً ثم يقول من ظن أنه أعلم وأورع. وأيضاً كما أن التأويل محتمل في الحديث كذلك يحتمل في فتوى الفقيه فإن جاز فهم المراد من الفتوى لظهوره جاز فهم المراد من الحديث أيضاً لظهوره، وليس الفقيه بأقدر على الفهم من النبي صلى الله عليه وسلم، فهذا القول الذي أحدثوه وحكيناه عنهم من لزوم الأعراض عن سنن النبي وأحاديثه صلى الله عليه وسلم بالشبه التي وصفناها أحقر وأصغر من أن ينقل ويثار ذكره إذ هو قول محدث وكلام خلف يستنكره أهل العلم وحججهم داحضة عند العقلاء، وأما الحمقى فلا يلتفت إليهم فلا حاجة في رده بأكثر مما شرحنا إذ قدر المقالة وقائليها القدر الذي وصفناه والله المستعان على دفع ما خالف السنة ومذهب أهل السنة وعليه التكلان انتهى كلامه بحروفه. وجوب تحري المفتي من الأقوال أرجحها إن مما يدعو للنظر والتروي في الفتيا كثرة المذاهب والأقوال في المسألة فليس مذهب أحق من مذهب ولا قول أرجح من آخر إلا بالدليل والبرهان الذي يدعمه ويؤيدة ويبينه أجلى بيان. وقد اتفق الأصوليون كافة على وجوب اتباع المفتي الأقوى دليلاً والأقوم برهاناً من أي مذهب كان قال الإمام النووي في مقدمة شرح المهذب: ليس للمفتي ولا للعامل في مسألة القولين أن يعمل بما شاء منها بغير نظر بل عليه العمل بأرجحهما. وقال العلامة أبو النصر القزاني الحنفي في كتابه الإرشاد: وليس للمفتي الفتوى بأحد القولين أو الوجهين من غير نظر بل عليه العمل بالأرجح والجمهور من المحققين قالوا: إن العمل والفتوى بالمجمع عليه ثم بالأحوط ثم بالأوثق دليلاً ثم يقول من ظنه أعلم وأورع ولذلك ترى المنتسبين إلى مذهب يفتون بخلاف قول إمامهم كالحنفية يقلدون أبا حنيفة فيما لم يظهر على خلاف قوله دليل أقوى من دليله وإذا ظهر الدليل الراجح على دليله يفتون ويعملون على خلاف قوله ويقولون الفتوى على قول أبي يوسف أو على قول محمد أو على قول زفر مثلاً وينقلون قول أبي حنيفة رضي الله عنه في ظاهر الرواية على خلافه وكذلك أبو يوسف أو محمد مثلاً ممن ينتسبون لمذهب أبي حنيفة فإنهم يقلدونه فيما لا دليل عندهم وإذا قام الدليل على خلافه يفتون بغير قوله لأن الواجب متابعة الدليل الراجح عند قيامه والتقليد إنما يصار إليه عند الضرورة مقدرة بقدرها انتهى. وقال الإمام ابن هبيرة في الإيضاح: إذا خرج من خلاف الأئمة المجتهدين متوخياً مواطن الاتفاق ما أمكنه كان آخذاً بالحزم عاملاً بالأولى وكذلك إذا قصد في مواطن الخلاف توخي ما عليه الأكثر منهم والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد فإنه يأخذ بالحزم مع جواز عمله بقول الواحد إلا أنني أكره له أن يكون مقتصراً في حكمه على أتباع مذهب أبيه أو شيخه مثلاً فإذا حضر عنده خصمان وكان ما تشاجرا فيه مما يفتي الأئمة الثلاثة يحكمه نحو التوكيل بغير رضا الخصم وكان الحاكم حنفياً وعلم أن مالكاً والشافعي وأحمد اتفقوا على جواز هذا التوكيل وإن أبا حنيفة يمنعه فعدل عما اجتمع عليه هؤلاء الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة بمفرده من غير أن يثبت عنده بالدليل ما قاله ولا أداه إليه اجتهاده فإني أخاف عليه من الله عز وجل أن يكون اتبع في ذلك هواه ولم يكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه (وكذلك) إن كان القاضي مالكياً واختصم إليه اثنان في سؤر الكلب فقضى بطهارة مع علمه بأن الفقهاء كلهم قد قضوا بنجاسته (وكذلك) إن كان القاضي شافعياً واختصم إليه اثنان في متروك التسمية عمداً فقال أحدهما هذا منعني من بيع شاة مذكاة وقال آخر إنما منعته من بيع الميتة فقضي عليه بمذهبه وهو يعلم أن الأئمة الثلاثة على خلافه (وكذلك) إن كان القاضي حنبلياً فاختصم إليه اثنان فقال أحدهما لي عليه مال فقال الآخر كان له علي مال ولكن قضيته فقضى عليه بالبراءة مع علمه بأن الأئمة الثلاثة على خلافه، فهذا وأمثاله مما أرجو أن يكون أقرب إلى الخلاص وأرجح في العمل. وقال الإمام ابن عبد البر في جامع العلم: الواجب عند اختلاف العلماء طلب الدليل من الكتاب والسنة والإجماع والقياس على الأصول على الصواب منها وذلك لا يعدم فإن استوت الأدلة وجب الميل مع الأشبه بما ذكرنا بالكتاب والسنة فإذا لم يبن وجب التوقف ولم يجز القطع إلا بيقين فإن اضطر أحد إلى استعمال شيء من ذلك في خاصة نفسه جاز له ما يجوز للعامة من التقليد واستعمل عند إفراط التشابه والتشاكل وقيام الأدلة على كل قول بما يعضده قوله صلى الله عليه وسلم البر ما اطمأنت إليه النفس والإثم ما حاك في الصدر فدع ما يريبك إلى ما لا يريبك: هذا حال من لا يمعن النظر وهو حال العامة التي يجوز لها التقليد فيما نزل بها وأفتاها بذلك علماؤها. وأما المفتون فغير جائز عند أحد ممن ذكرنا قوله لا أن يفتي ولا يقضي حتى يتبين له وجه ما يفتي به من الكتاب أو السنة أو الإجماع أو ما كان في معنى هذه الأوجه انتهى وهو خلاصة الخلاصة ولباب اللباب وما ألطف قول الماوردي: يلزم الاجتهاد في كل حكم طريقه الاجتهاد انتهى والمجتهد فيه قال الغزالي هو كل حكم شرعي ليس فيه دليل قطعي وقد ذكر الإمام ابن القيم في أعلام الموقعين أن من أفتى بقول يعلم أن غيره أرجح منه أنه خائن لله ورسوله وللإسلام إذ الدين النصيحة (قال رحمه الله) وكثيراً ما ترد المسألة تعتقد فيها خلاف المذهب ولا يسعنا أن نفتي بخلاف ما نعتقده فنحكي المذهب ثم نحكي المذهب الراجح ونقول هذا هو الصواب وهو الأولى أن يؤخذ به. وههنا لا بد من التنبيه على أنه ليس كل ما يقال عنه ضعيف هو ضعيف حقيقة فقد سرى التقليد في كل شيء حتى في التضعيف وليس القول الضعيف ما ضعفه فقيه برأيه لتوهم مخالفة قاعدة عنده أو قياس أو نظير كلا أن الضعيف ما خالف دليلاً صحيحاً من نص أو قياس قويم وكم من قول مضعف هو صحيح برهاناً ونظراً وأوفق للمصلحة ولحكمة الشارع ويرحم الله القائل: وكم من عائب قولاً صحيحاً وآفته من الفهم السقيم فعلى المفتي أن يمحص الأقوال ولا يغتر بمجرد التضعيف بل يجري وراء الأسد برهاناً الأصلح عمراناً وقد قال تعالى: يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر الحذر من الفتاوى في تحسين البدع ووجوب الرجوع إلى مآخذها قال الإمام ابن الحاج المالكي رحمه الله في كتابه المدخل: وليحذر أن يغتر العالم أو يميل إلى بدعة لدليل قام عنده على إباحتها من أجل استئناس النفوس بالعوائد أو بفتوى مفت قد وهم أو نسي أو جرى عليه من الأعذار ما يجري على البشر وهو كثير بل إذا نقل إباحة شيءٍ من هذه الأمور عن أحد من العلماء فينبغي للعالم بل يجب عليه أن ينظر إلى مأخذ العالم المسألة وجوازه إياها من أين اخترعها وكيفية إجازته لها لأن هذا الدين والحمدلله محفوظ فلا يمكن أن أحداً يقول فيه قولاً بغير دليل ولوفعل ذلك لم يقبل منه وهو مردود عليه وتتمته نفيسة فليرجع إليه. وقال الإمام محمد البلاطنسي في خلال فتوى له: إن الواجب على الشخص أن يلزم طريق السنة ويجتنب سلوك البدعة ولا يغتر بكثرة الفاعلين لها ولا يكون العامل بها والمواظب عليها عالماً أو مرموقاً بعين الصلاح. وقال الإمام أبو شامة الدمشقي: وأكثر ما يؤتى الناس في البدع بهذا السبب يكون الرجل مرموقاً بالأعين فيتبعون أقواله وأفعاله فتفسد أمورهم مع تمادي العهد ونسيان أول هذا الأمر كيف كان وقال شيخنا البلاطنسي رحمه الله: إن أهل الزمان إنما أتوا من قبل أنهم يفتون في كل ما يسألون عنه ولا يدرون أصابوها أم أخطؤها والمناكر الفظيعة لا ينتبهون لها ولا ينكرونها سئل الإمام مالك رضي الله عنه عن ثماني وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري فالله المستعان على هؤلاء الذين شهواتهم غالبة على ديانتهم ويفتون بما ينقدح في أذهانهم ولا يقصرون أنفسهم عما لا يعرفونه وأكثرهم ينطبق عليه الحديث الذي في الصحيح من قوله صلى الله عليه وسلم: إن الله لا يقبض العلم انتزاعاً ينتزعه من الناس ولكن يقبض العلم يقبض العلماء حتى إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤساء جهالاً فسئلوا فأفتوا بغير علم فضلوا وأضلوا. (قال الإمام أبو بكر الطرطوشي) فتدبروا هذا الحديث فإنه يدل على أنه لا يؤتى الناس من قبل علمائهم فقط وإنما يؤتون من قبل أنه إذا مات علماؤهم أفتى من ليس بعالم فيؤتى الناس من قبله. قال وقد صرف عمر رضي الله عنه هذا المعنى تصريفاً فقال: ما خان أمين قط ولكنه اؤتمن غير أمين فخان (قال) ونحن نقول ما ابتدع عالم قط ولكنه استفتي من ليس بعالم فضل وأضل انتهى. استفتاء القلب روى الإمام أحمد والدارمي في مسنديهما عن وابصة بن معبد رضي الله عنه قال أتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال جئت تسأل عن البر قلت نعم قال: استفت قلبك البر ما اطمأنت عليه النفس واطمأن إليه القلب والإثم ما حاك في النفس وتردد في الصدر وإن أفتاك الناس وأفتوك يشير إلى التورع عما هو حلال في الفتوى بحسب ظاهر الحال ولكنه يجد حزازة في قلبه فكل من وجد حزازة وأقدم مع ما يجده في قلبه فذلك يضره لأنه مأخوذ في حق نفسه بينه وبين الله تعالى بفتوى قلبه وتفصيل ذلك في كتاب الحلال والحرام من إحياء علوم الدين. تغير الفتوى بتغير الأحوال والرد إلى المصالح عقد الإمام ابن القيم في أعلام الموقعين فصلا لتغير الفتوى واختلافها بحسب تغير الأزمنة والأمكنة والأحوال والنيات والعادات وقال هذا فصل عظيم النفع جداً وقع بسبب الجهل به غلط عظيم على الشريعة أوجب من الحرج والمشقة وتكليف مالا سبيل إليه ما يعلم أن الشريعة الباهرة التي في أعلى رتب المصالح لا تأتي به فإن الشريعة فبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها وصالح كلها وحكمة كلها فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة وعن الحكمة إلى العبث فليست من الشريعة في شيءٍ وإن أدخلت فيها بالتأويل الخ والبحث جدير بالمراجعة وللإمام نجم الدين الطوفي مبحث واف في المصالح المرسلة لا يستغني عن مراجعته مفت ولا حاكم. بحث قولهم في الفتوى هذا حكم الله أو فما حكم الله في كذا المستفتي إما أن يسأل عن حكم منصوص عليه أو مجتهد فيه ففي الأول لا خلاف في جواز قوله: فما حكم الله: وقول مفتيه هذا حكم الله: لأن حكم الله كما قال الغزالي في المستصفى خطاب مسموع أو مدلول عليه بدليل قاطع وفي الثاني أعني المجتهد فيه أن على رأي الجمهور إن لله فيه حكماً معيناً يتوجه إليه الطلب وقد يصيبه المجتهد وقد يخطئه فلا يسوغ أن يقال فما حكم الله ولا هذا حكم الله لأنه مغيب وهو مثل دفين يعثر عليه المجتهد بالاتفاق فلمن عثر عليه أجران ولمن أخطأه أجر واحد لأجل سعيه وطلبه وإن قلنا على رأي غيرهم أنه ليس في الواقعة التي لا نص فيها حكم معين بل الحكم يتبع الظن والفرض على كل مجتهد ما غلب على ظنه فله أن يقول ما حكم الله بمعنى ما شرعه وأذن فيه وذلك هو ما غلب على ظن المجتهد. وقد لخص هذه المسألة العلامة العضد في شرح مختصر المنتهى بقوله المسألة إما لا قاطع فيها من نص أو إجماع أو فيها قاطع أما التي لا قاطع فيها فقد اختلف فيها فقال القاضي - أبو بكر الباقلاني - والجبائي كل مجتهد مصيب بمعنى أنه لا حكم معيناً لله فيها وحكم الله فيها تابع لظن المجتهد فما ظنه فيها كل مجتهد فهو حكم الله فيها في حقه وحق مقلده وقد قيل لله فيها حكم والمصيب واحد وهو ما للجمهور. وقد استدل للجمهور بحديث بريدة قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أمر أميراً على جيش أوسرية أوصاه في خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيراً ثم قال له وإذا حاصرت أهل حصن فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله فلا تنزلهم على حكم الله ولكن أنزلهم على حكمك فإنك لا تدري أتصيب فيهم حكم الله أم لا قال المحد ابن تيمية وهو حجة في أن ليس كل مجتهد مصيباً بل الحق عند الله واحد. وكذلك بحديث إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران وأن أخطأ فله أجر فدل أن فيه خطأ وصواباً. وقد أجيب عن الحديث الأول بما حكاه العلامة الشوكاني في نيل الأوطار قال وقد قيل أن هذا الحديث لا ينتهض للاستدلال به على أن ليس كل مجتهد مصيباً لأن ذلك كان في زمن النبي والأحكام الشرعية إذ ذاك لا تزال تنزل وينسخ بعضها بعضاً ويخصص بعضها ببعض فلا يؤمن أن ينزل على النبي صلى الله عليه وسلم حكم خلاف الحكم الذي قد عرفه الناس: وأجاب الإمام الغزالي في المستصفى عن الحديث الثاني بقوله والجواب من وجهين الأول أن هذا هو القاطع على أن كل واحد مصيب إذ له أجر وإلا فالمخطئ الحاكم بغير حكم الله تعالى كيف يستحق الأجر (الثاني) هو أنا لا ننكر إطلاق اسم الخطأ على سبيل الإضافة إلى مطلوبه لا إلى ما وجب عليه فإن الحاكم يطلب رد المال إلى مستحقه وقد يخطئ ذلك فيكون مخطئاً فيما طلبه مصيباً فيما هو حكم الله تعالى عليه وهو اتباع ما غلب على ظنه من صدق الشهود وكذلك كل من اجتهد في القبلة يقال أخطأ أي أخطأ ما طلبه ولم يجب عليه الوصول إلى مطلوبه بل الواجب استقبال جهة يظن أن مطلوبه فيها (ثم قال) فإن قيل ولم كان للمصيب أجران وهما في التكليف وأداء ما كلفا سواء قلنا لقضاء الله تعالى وقدره وإرادته فإنه لو جعل للمخطئ أجرين لكان له ذلك وله أن يضاعف الأجر على أخف العملين لأن ذلك منه تفضل ثم السبب فيه أنه أدى ما كلف وحكم بالنص إذ بلغه والآخر حرم الحكم بالنص إذ لم يبلغه ولم يكلف إصابته لعجزه ففاته فضل التكليف والامتثال. والبحث جدير بالعناية وقد جوده حجة الإسلام الغزالي في المستصفى فارجع إليه الحذر من رد النص بالتأويل قال الإمام تقي الدين ابن دقيق العيد من أئمة الشافعية: إن الفقه في الدين منزلة لا يخفى شرفها وعلاها ولا تحتجب عن العقول طوالعها وأضواها وأرفعها بعد فهم كتاب الله المنزل البحث عن معاني حديث نبيه المرسل إذ بذاك تثبت القواعد ويستقر الأساس وعنه يقوم الإجماع ويصدر القياس لكن شرط ذلك عندنا أن يحفظ هذا النظام ويجعل الرأي هو المأموم والنص هو الإمام وترد المذاهب إليه وترد الآراء المنتشرة حتى تقف بين يديه. وأما أن يجعل الفرع أصلاً ويرد النص إليه بالتكلف والتحيل ويحمل على أبعد المحامل بلطافة الوهم وسعة التخيل ويرتكب في تقرير الآراء الصعب والذلول ويحتمل من التأويلات ما تنفر منه النفوس وتستنكره العقول فذلك عندنا من أردء مذهب وأسوء طريقة ولا نعتقد أنه يحصل معه النصيحة للدين على الحقيقة وكيف يقع أمر مع رجحان منافيه وأنى يصح الوزن بميزان مال أحد الجانبين فيه ومتى ينصف حاكم ملكته غضبة العصبية وأين يقع الحق من خاطر أخذته العزة بالحمية إلخ. الفتوى في أمر لم يقع قال الإمام أبو شامة رحمه الله في كتابه (المؤمل في الرد إلى الأمر الأول) ما مثاله: كان الصحابة إذا نزلت بهم النازلة بحثوا عن حكم الله تعالى فيها من كتاب الله وسنة نبيه وكانوا يتدافعون الفتوى ويود كل منهم لو كفاه إياه غيره وكان جماعة منهم يكرهون الكلام في مسألة لم تقع ويقولون للسائل عنها: أكان ذلك: فإن قال لا قالوا: دعه حتى يقع ثم نجتهد فيه: كل ذلك يفعلونه خوفاً من الهجوم على ما لا علم لهم به واشتغالاً بما هو الأهم فإذا وقعت الواقعة لم يكن بد من النظر فيها. قال الحافظ البيهقي: وقد كره بعض السلف للعوام المسألة عما لم يكن ولم يمض به كتاب ولا سنة وكرهوا للمسؤول الاجتهاد فيه قبل أن يقع لأن الاجتهاد إنما أبيح للضرورة ولا ضرورة قبل الواقعة وقد يتغير اجتهاده عند الواقعة فلا يغنيهم ما مضى من الاجتهاد واحتج في ذلك بما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم: من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه: انتهى. المواضع التي يجب فيها على المفتي المناظرة أو يستحب وشرح فوائدها قال حجة الإسلام الغزالي في المستصفى: المحصلون يعتقدون وجوب المناظرة لغرضين واستحبابها لسنة أغراض. (أما الوجوب) ففي موضعين (أحدهما) أنه يجوز أن يكون في المسألة دليل قاطع من نص أو ما في معنى النص أو دليل عقلي قاطع فيما يتنازع فيه في تحقيق مناط الحكم ولو عثر عليه لامتنع الظن والاجتهاد فعليه المباحثة والمناظرة حتى ينكشف انتفاء القاطع الذي يأثم ويعصى - المجتهد - بالغفلة عنه (الثاني) أن يتعارض عنده دليلان ويعسر عليه الترجيح فيستعين بالمباحثة على طلب الترجيح فإنا وإن قلنا على رأي أنه يتخير فإنما يتخير إذا حصل اليأس عن طلب الترجيح وإنما يحصل اليأس بكثرة المباحثة. (وأما الندب) ففي مواضع (الأول) أن يعتقد فيه أنه معاند فيما يقوله غير معتقد له وأنه إنما يخالف حسداً أوعناداً أو نكراً فيناظر ليزيل عنهم معصية سوء الظن ويبين أنه يقوله عن اعتقاد واجتهاد (الثاني) أن ينسب إلى الخطاء وأنه قد خالف دليلاً قاطعاً فيعلم جهلهم فيناظر ليزيل عنهم الجهل كما أزال في الأول معصية التهمة (الثالث) أن ينبه الخصم على طريقه في الاجتهاد حتى إذا فسد ما عنده لم يتوقف ولم يتخير وكان طريقه عند عتيداً يرجع إليه إذا فسد ما عنده وتغير فيه ظنه (الرابع) أن يعتقد أن مذهبه أثقل وأشد وهو لذلك أفضل وأجزل ثواباً فيسعى في استجرار الخصم من الفاضل إلى الأفضل ومن الحق إلى الأحق (الخامس) أنه يفيد المستمعين معرفة طرق الاجتهاد ويذلل لهم مسلكه ويحرك دواعيهم إلى نيل رتبة الاجتهاد ويهديهم إلى طريقه فيكون كالمعاونة على الطاعات والترغيب في القربات (السادس) وهو الأهم أن يستفيد هو وخصمه تذليل طرق النظر في الدليل حتى يترقى من الظنيات إلى ما الحق فيه واحد من الأصول فيحصل بالمناظرة نوع من الارتياض وتشحيذ الخاطر وتقوية المنة في طلب الحقائق ليترقى به إلى نظر هو فرض عينه إن لم يكن في البلد من يقوم به أو كان قد وقع الشك في أصل من الأصول أو إلى ما هو فرض على الكفاية إذ لا بد في كل بلد من عالم مليء بكشف معضلات أصول الدين وما لا يتوصل إلى الواجب إلا به فهو واجب متعين إن لم يكن إليه طريق سواه وإن كان إليه طريق سواه فيكون هو إحدى خصال الواجب فهذا في بعض الصور يلتحق بالمناظرة الواجبة. فهذه فوائد مناظرات المحصلين وهو من أحسن ما كتب فيها وبه يعلم أن الدخول في المناظرة إنما هو للمجتهد وقد صرح به حجة الإسلام عليه الرحمة أيضاً في بحث آداب المناظرة من كتاب العلم في الأحياء وأما المقلد فقد قال عليه الرحمة في كتابه فيصل التفرقة: إن شرط المقلد أن يسكت ويسكت عنه: في كلام بديع ينبغي مراجعته وما ألطف قول ابن سهل: فما أضيع البرهان عند المقلد والله أعلم. نموذج من فتاوى القرن السابع وتوقيع عدة مفتين على فتوى واحدة واقعة قرية موقوفة على شخصين على سبيل الإشاعة الوقف الصحيح الشرعي فوضع شخص يده على نصف الأرض واستغلها وبقي النصف الآخر في يد الشريك فهل يكون الحاصل من مغل النصف الباقي بين الشريكين أم لا. أجاب الشيخ شمس الدين عبد الرحمن ابن نوح المقدسي إذا كانت مشاعة غير مقسومة فالغصب واقع عليهما ومغل ما لم توضع عليه اليد بينهما لا يختص به الشريك الذي هو في يده. وصحح على جوابه عبد الكريم الأنصاري وكتب قاضي الحنفية الصدر سليمان: نعم يكون بينهما إلا أن يكون نماء ملكه وكتب بعض الحنابلة: نعم يكون ذلك بينهما على حسب شرط الواقف وفيها أيضاً ما مثاله حادثة وقعت لنقيب الأشراف بدمشق سنة ( ٦٦٦ ) كان قد حوسب فخرج عليه في الحساب ستة آلاف فقال: صرفتها في المداراة عن الوقف: فقال الأشراف: ما نعرف ما المداراة بين لنا ما أردت به: فقال: ما يلزمني ذلك شرعاً: فكتب في ذلك سؤال. فكتب تاج الدين: إن لم يكن المتولي حاكماً فعليه بيان جهة المداراة ويكون ضامناً أن أصر على الامتناع من البيان، وساعده النجم الموقاتي على ذلك وكتب البرهان المراغي: أنه لا يلزمه بيان المداراة: فما كان يوم الجمعة السادس والعشرون من شوال من السنة المذكورة عقد مجلس بالعادلية عند قاضي القضاة ابن خلكان وحضر النقيب وقال: أن الفقهاء أفتوا أنه لا يلزمه بيان المداراة: فناظره الشيخ في ذلك فرجعوا إلى قوله وهذا لأن المداراة من غير الحاكم لا بد من تفسيرها لأنها في مظنة الاجتهاد فإنه قد يعتقد مصلحة ما ليس مصلحة الخ. وفيها أيضاً ما صورته: واقعة  كان بدمشق شخص يعرف بناصر الدين ابن مجاور في سنة ( ٦٧٣ ) وقف غراسا على مغارة الدم بجبل قاسيون ظاهر دمشق وأشهدنا بالوقفية ولم يكتب كتاب وقف فلما توفي كان لبيت المال في ميراثه نصيب فنازع وكيل بيت المال في الغراس فكتب محضر مضمونه أن ابن مجاور وقف ذلك الغراس على مغارة الدم وعلى مصارفها وقفاً صحيحاً شرعياً فقال الوكيل المصارف مجهولة وكتب في ذلك سؤال. فكان الجواب أن المصارف الجهات المعينة في كتاب وقف مغارة الدم المتقدم على وقف هذا الغراس. ولما حضر الشهود عند القاضي كانت صورة شهادتهم: أنهم يشهدون على إقرار ابن مجاور أنه وقف ذاك الغراس على مغارة الدم: ولم يقولوا وعلى مصارفها فتوقف القاضي لذلك في الحكم ونازع الوكيل وقال: إن هذه الشهادة لا تقبل: فكتب في ذلك سؤال. أجاب تاج الدين فيه بأن هذه الشهادة يثبت بها الوقف ويحكم الحاكم بالوقف بها مستدلاً على ذلك بأنهما شهدا على إقراره بالوقف ومطلق الإقرار بالوقف محمول على الصحيح والصحيح ما اجتمع فيه الشرائط المعتبرة فيه. وساعده على ذلك البرهان المراغي والشيخ محي الدين النواوي وغيرهما. وفيها أيضاً ما نصه واقعة وقف وقفاً صحيحاً شرعياً على بعض جهات البر وحكم به حاكم من حكام المسلمين واستثنى الواقف النظر فيه لنفسه مدة حياته وله أن يفوض ذلك إلى من يرى في حياته وبعد وفاته وكذلك كل من آل إليه النظر في هذا الوقف له أن يفوضه إلى من يراه أهلاً لذلك في حياته وبعد وفاته ولم يجوز هذا الواقف لناظر من النظار في هذا الوقف أن يفوضه إلا إلى من يعلم عدالته وأمانته وصلاحه ويختار من هو على هذه الصفات من أقرب الناس إلى الواقف ثم الأقرب فالأقرب إلى الأعلى من نسله فإن لم يكن من عصبته أحد موصوف بهذه الصفات فعند ذلك يفوض إلى من هو على هذه الصفات من عشيرة هذا الواقف فإن لم يوجد منهم أحد فوضه إلى من هو على هذه الصفات من الأجانب على حسب ما يراه وإن كان إلا بعد على هذه الصفات والأقرب عارياً عنها فيقدم الموصوف بهذه الصفات على الأقرب ومتى عاد الأقرب إلى هذه الصفات واتصف بها عاد النظر إليه ومتى مات الناظر من غير وصية ولا تفويض كان النظر بعده مفوضاً إلى الأقرب فالأقرب إلى الواقف من الموصوفين بهذه الصفات على الشرط المذكور فإن مات الناظر ولم يفوض إلى أحد ولم يبق من عشيرة الواقف المذكور أحد موصوف بهذه الصفات كان النظر في الوقف مردوداً إلى كل حاكم يتولى الحكم بمدينة كذا فأسند الواقف النظر في ذلك إلى أخيه زيد ثم إن أخا الواقف أسند النظر إلى ولده عمرو إذ لم يكن للواقف أحد أقرب منه ثم إن عمراً أسند إلى ولده بكر مع وجود من هو أقرب إلى الواقف فهل يصح إسناد عمرو أم لا وإذا لم يصح فيكون النظر إلى أقرب الناس للواقف بشرط الوقف وإذا كان الأقرب إلى الواقف امرأة وهي موصوفة بالصفات المشروطة في النظر فهل يعود النظر إليها لكونها أقرب إلى الواقف أم لا. أجاب الزين ابن المنجا الحنبلي: لا يصح إسناد عمرو إلى ولده مع وجود من هو أقرب منه إلى الواقف وإذا مات عمرو ولم يجعل النظر إلى من له جعله كان النظر إلى الأقرب إلى الواقف الموصوف بما ذكر وإذا كان الأقرب امرأة موصوفة بما شرط وكان الوقف لا يتضرر بنظرها لقيامها بالواجب فيه إما بنفسها وإما بنائبها كان النظر إليها وكتب: كتبه ابن المنجا الحنبلي. وكذلك بعده ابراهيم بن أحمد بن عقبة الحنفي أجاب التقي ابن تيمية الحنبلي: لا يصح إسناد عمرو والحالة هذه بل يكون النظر إلى أقرب الموجودين إلى الواقف من المتصفين بالصفات المشروطة بمقتضى شرط الواقف إذ التفويض الفاسد كلا تفويض وسواء كان رجلاً أو امرأة لانتظام العموم لها وقد فوض عمر رضي الله عنه وقفه إلى حفصة وكتب: كتبه أحمد بن تيمية، ووافقه على ذلك الشرف المقدسي الشافعي هذه نموذجات من فتاوى القرن السابع وهكذا ما قبله فيرى الواقف أن الوقائع والنوازل والأقضية كانت تعرض على أنظار عدة من أولي العلم ليرى كل فيها ما يؤديه إليه اجتهاده وقد يدلي بعضهم بحجة أقوى وبرهان أقوم فيفيء إلى فتواه من أفتى بخلافه وقد رأيت في هذه الفتاوى - فتاوى الفزاري - من رجع بعد فتواه إلى ما كتبه مفت آخر في واقعة وعبارتها فيها: فلما أفتى الشيخ بذلك وكتب خطه رجع التقي ابن حياة إليه ورجع عما كان كتبه مع الجماعة واعتمد عليه انتهى وهكذا يكون العلم الصحيح والسعي وراء الحق في المسائل دون تعصب لإمام أو تقيد بمذهب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل. الكلمات الدخيلة منذ أخذت الصحف تصدر في العربية أي منذ زهاء ثمانين سنة شعر الكتاب والمترجمون بالحاجة إلى ترجمة بعض الألفاظ الافرنجية إلى العربية فبدأ بذلك الشيخ أحمد فارس الشدياق صاحب الجوائب ووضع بعض الألفاظ العربية لمدلولات افرنجية شاعت اليوم حتى عدت كأنها من متن اللغة الأصلي ثم تبعه من جاء بعده ولا سيما المترجمون في مصر وسورية ومن جملتهم الشيخ ابراهيم اليازجي صاحب الطبيب والبيان والضياء الذي عرَّب بعض الألفاظ وغيرهم من اللغويين المعاصرين. وفي سنة ١٣١٠ عقد في مصر مؤتمر لغوي مؤلف من بعض العلماء واللغويين تليت فيه بعض الكلمات لبعض الألفاظ الشائعة مثل مرحى لكلمة برافو وبرحى على النقيض من الأولى ومدره للمحامي والمسرة للتلفون وعم صباحاً لبونجور وعم مساء لبونسوار والبهو للصالون والقفاز للجوانتي أو الكفوف والنمرة للنومر والوشاح للكوردون والطنف للبالكون والحراقة لمركب التوربيد والجديلة للمودة والمرب للكلوب والحذاقة لشهادة البكالوريا والعاطف أو المعطف للبالطو وحصب الأرض بالحصباء للمكادام والمشجب للشماعة أو بورتمانتو. ثم انفرط عقد ذاك المجتمع وكان عبد الله أفندي البستاني من لغويي بيروت وضع لفظة (آنسة) لمداموازيل وعقيلة لمدام ثم وضع أحمد بك تيمور ثلاثين كلمة وهي ملة القلم المدة بضم أوله وهي ما يعلق بالقلم من المداد بعد غمسه في الدواة. بوية الجزم أو طلاء الأحذية اليزندج أو الأرندج بفتحتين وهو السواد يسود به الخف. صحبة الورد الطاقة وهي الحزمة من الريحان ونحوه ولعلها أقرب لفظة لمعنى الصحبة وقد اصطلح الكتاب على تسميتها بالباقة وهو خطأ لأن الباقة خاصة بحزمة البقل. نشان التعليم الدريئة بفتح فكسر وهي الحلقة يتعلم الرامي عليها. الكشك أصله بالفارسية كوشك وهو القصر الصغير وقد عربوه بالجوسق. العطفة الردب بفتح الراء وسكون الدال وهو الطريق الذي لا ينفذ. العديل السلف أو الظأب من المظآبة وهي أن يتزوج إنسان بامرأة ويتزوج آخر بأختها، أما التجاب بتشديد الباء من باب التفاعل فهو أن يتزوج كل من الرجلين بأخت الآخر. قشرة الجرح الجلبة بضم فسكون وهي القشرة تعلو الجرح عند البرء. الطاقية السكبة بفتح فسكون وهي خرقة تقور للرأس كالشبكة. ناظر العمارة أو مقدم الفعلة الوهين كامير وهو الرجل يكون مع الأجير يحثه على العمل. اليشمق اللفام بكسر أوله وهو النقاب يكون على طرف الأنف فإن كان على الفم فهواللثام. السردين الصير بكسر أوله وهو كما في القاموس السميكات المملوحة يعمل منها الصحناة وفسر الصحناة بأنه أدام يتخذ من السمك الصغار مشه مصلح للمعدة، فعلى هذا يجوز إطلاق الصحناة على كل ما يقدم أمام الطعام من المشهيات كالصير ونحوه المسمى عند الأعاجم يمكن أن يسمى السردين أيضاً بالطريخ كسكين وهو سمك صغار تعالج بالملح وتؤكل. العزبة كأنها محرفة عن العزوبة بالفتح وهي الأرض البعيدة المضرب إلى الكلأ وصوابها الضيعة أو هي الأرض المغلة وقد استعملت قديماً بمعنى: العزبة وأظنها مستعملة إلى الآن بهذ االمعنى بالبلاد الشامية. مضرب الكورة الطبطابة بفتح فسكون وهي خشبة عريضة يلعب بها بالكرة ويقال لها أيضاً الميجار بكسر أوله وهو كما في المخصص الصولجان الذي تضرب به الكرة. المزة النقل بالفتح أو بالتحريك وهو ما يعبث به الشارب أو يتنقل به على شرابه من فاكهة ونحوها، والعامة تقول نقل بضم فسكون وهو خطأ قديم نبه عليه أئمة اللغة. اللباس الرسمي السواد وهو لون اتخذه بنو العباس شعاراً لهم ثم أطلق عندهم على لباس أسود خاص بالأمراء والعلماء وذوي الأخطار وكان الرجل إذا أراد الذهاب إلى ديوانه أو مقابلة خليفته قال لغلامه عليّ بسوادي وسيفي. ثياب الحزن السلاب بكسر أوله وهي ثياب سود تلبسها النساء في المأتم واحدتها سلبة بفتحتين وتسلبت المرأة وسلبت بتشديد اللام إذا لبستها وهو مثل أحدت إلا أن الأحداد يكون على الزوج خاصة والتسلب على الزوج وغيره. الحبل الحاجز في الطريق عند إصلاحها أو في احتفال كبير، الماصر وهو كما في مختصر العين للزبيدي حبل على طريق أو نهر تحبس به السفن أو السابلة، واقتصر في اللسان على أنه الحبل يلقى في الماء لمنع السفن عن السير. المعدية المعبر كمنبر وهو المركب الذي يعبر به. عقدة وشنيطة الأنشوطة بضم فسكون وهي عقدة يسهل انحلالها إذا مددت بأحد طرفيها انحلت، وتقول نشطت الأنشوطة من باب نصر إذا عقدتها وأنشطتها إذا حللتها. الحصان البوني المكبون والأنثى المكبونة وهو الفرس القصير القوائم الرحيب الجوف الشخت العظام ولا يكون المكبون أقعس ومعنى الأقعس في الخيل المطمئن الصهوة المرتفع القطاة. الشال الطيلسان وقد فسره اللغويون بأنه ضرب من الأكسية واقتصروا على ذلك إلا أن الشيخ ابراهيم السجيني فسره في كتابه المسمى بالعمى الأكبر في عين من أنكر لبس الأصفر بأنه ثوب طويل عريض كالرداء يجعل على الرأس فوق نحو عمامة ويغطي أكثر الوجه ثم يدار طرفه تحت الحنك إلى أن يحيط بالرقبة ثم يلقى طرفاه على الكتفين وهو كما ترى قريب جداً من معنى الشال. رخو الكرباج الشيب بكسر أوله وهو سير السوط، وفي اللسان وشيبا السوط سيران في رأسه وشيب السوط معروف عربي فصيح. الجرسون أو السفرجي لم أقف على لفظ مفرد يدل دلالة تامة على الجرسون وقد ذكر اللغويون الندل بضمتين وفسره بخدم الدعوة قالوا سموا ندلا لأنهم ينقلون الطعام إلى من حضر الدعوة وأصله من ندل يندل إذا تناول، إلا أنهم لم يذكروا مفرده فأرجو ممن وقف على لفظة أخرى أو على مفرد الندل أن يتفضل بنشره إفادة للجمهور، على أني رأيت بهامش اللسان أن هذا اللفظ وجد مضبوطاً بخط الصاغاني بفتحتين وعليه فلا يبعد أن يكون اسم جمع لنادل كخادم وخدم إلا أن مثل هذا لا ينبغي الحكم فيه إلا بالنص الصريح. القطن الزهر اصطلح المصريون على تسمية القطن قبل حلجه بالزهر وعربيته الفصيحة المكمهل بصيغة اسم المفعول وهو كما في القاموس القطن ما دام في الحب والقطن الحليج كأمير هو ما استخرج حبه ويسميه المصريون بالشعر، أما شجرة القطن فتسمى الزعبل بفتح أوله وثالثه وسكون ثانيه. السنارة الشص بفتح أوله أو كسره وهي حديدة عقفاء يصاد بها السمك وأما الصنارة بكسر الصاد المهملة وتخفيف النون ومنع في اللسان تشديدها فهي الحديدة الدقيقة المقفة التي في رأس المغزل فاستعارتها العامة لمصيدة السمك وأبدلوا صادها سيناً ولا داعي للاستعارة متى وجدت الكلمة الموضوعة. الجاكيتة Jaquette اصطلح الكتاب على تسمية البالطو بالمعطف ومن المعلوم أن الجاكيتة كالبالطو الصغير فلا حرج إذا سميناها بالعطيف تصغير ترخيم للمعطف. البيرة السوداء البيرة خمر الشعير وعربيتها الجعة وزان هبة فيجوز أن يقال الجعة السوداء إلا أن العرب سمت الخمر السوداء بأم ليلى فما المانع من إطلاقها على هذا النوع من البيرة. عمود الغاز الماثلة وهي منارة المسرجة كما في القاموس البونية Coup de poing الجمع بضم فسكون وهو من الكف حين تقبضها قال طرفة بن العبد: بطيء عن الجلى سريع إلى الخنا ذلول بإجماع الرجال ملهد ويقال فيه أيضاً الصقب بفتح فسكون وصقبه أي ضربه بجمع كفه. وبقيت الحال على هذا المنوال تشتد الحاجة إلى مفردات عربية كلما كثر المترجمون وكان لبعض المجلات عمل مهم في هذا الشأن فوضع أربابها ومؤازروها ألفاظاً كثيرة منها ما شاع ومنها ما لم يرزق الحظوة من الشيوع بين الكتاب إلى أن قام في السنة الماضية أعضاء نادي دار العلوم في القاهرة وهم من الغيورين على خدمة اللغة لأن معظمهم ممن أحكموا كتابتها وقواعدها وبيانها أحكاماً يكاد لا يكون وراءه غاية وهم الحلقة الموصلة بين أهل التربية الحديثة وأهل التربية القديمة بل هم مثال التربية العربية العصرية فرأوا نفع الله بهم العربية أن يختاروا بعض الأكفاء منهم يؤلفون لجنة علمية تتوفر على هذا الغرض من وضع الألفاظ العربية للمفردات العامية أو الأجنبية التي سرت إلى لغتنا من لغات أوروبا أو من اللغتين الفارسية والتركية فوضعوا حتى الآن طائفة صالحة من هذه الألفاظ وها نحن نثبتها فيما يلي إيذاناً بفضل أولئك العاملين وبياناً للمشتغلين باللغة من أهل الأقطار العربية الأخرى عسى أن ينظروا فيها نظرة ثانية أو أن يقروا اللجنة على ما وضعت وإن كان المصريون هم في الحقيقة أئمة اللغة والقائمون على تعهدها أكثر من غيرهم من الشعوب. وهاك ما قررته اللجنة حتى الآن من الألفاظ: استمارة يرى أعضاء النادي استعمال استئمارة وقد وجدت هذه الكلمة في الكتب القديمة بلفظ استيمار بالتسهيل وحذف التاء ولكنهم رأوا إثبات التاء لالتزامها في الاستعمال الحاضر وعدم المانع منه والكلمة مرة من استأمر أي أخذ أمره. إنفيتياترو ترجمت بلفظ مدرج منذ زمان وقد كاد اختيار الأعضاء يجمع عليها. بلوك نوت تعريبها اضمامة ومعناها الأوراق منضمة. بويه نظرت اللجنة فيما يستعمل للتلوين فوجدته على نوعين: نوع يتخلل أجزاء الأجسام فاختارت له كلمة صبغ كصبغ الثياب والورق وما أشبه، ونوع يعلو السطوع فاختارت له كلمة طلاء كطلاء المباني والأواني وغير ذلك. تخته بوش وهو ما يسميه الافرنج وتعريبه نجيرة فقد جاء في لسان العرب أن النجيرة سقيفة من خشب ليس فيها نصب ولا غيره. تربيزه أو طاولة رأت اللجنة من هذا المسمى أنواعاً: فمنها ما هو للأكل وهذا خوان ويسمى حين وضع الأكل عليه مائدة، ومنها ما توضع عليه الأشياء المختلفة وهذا منضدة مشتقة من النضد وهو جعل المتاع بعضه فوق بعض ويخصصه بعض اللغويين بحر المتاع وخياره، ومنها ما هو للكتابة خاصة وهذا يطلق عليه كلمة مكتب المستعملة. ترسينه إن ما يخرج عن البناء منه ما هو مغطى وهذا يسمى كنه ومنه ما هو مكشوف وهذا طنف والكلمتان في العربية موضوعتان لما يخرج من الأجنحة في الدار، على أن هناك لفظة تؤدي المعنى وهي شرفة وقد كثر استعمالها وورد في الأغاني بهذا المعنى كلمة مستشرف جول اختارت لها اللجنة لفظة مرمى على أن كلمة محج الشائعة في سورية تؤدي نفس المعنى خارطة وصحيحها خريطة دوسيه تعريبها ملف شماعة أو تعليقة وجدت اللجنة لما تعلق عليه الملابس نوعين أولهما ذو عمود متوسط وشعبات بارزة فاختارت له كلمة غدان وهو في اللغة قضيب تعلق عليه الثياب والثاني يثبت في الحائط فاختارت له لفظة شجاب. طابور الكلمة عربية حرفت وصحيحها تابور  كارت فيزيت سبق اختيار بطاقة الزيارة ولا مانع من الاستغناء عن المضاف إليه فيقال بطاقة كما يقول الافرنج كارت. وقد رأت اللجنة أيضاً استبدال سينماتوغراف بكلمة خيالة وهي كل ما تراءى لك من الصور وفونغراف بالحاكي وميموغراف بمطبعة النضح تيب ريتر بمطبعة الأزرار لأنها اتخذت قاعدة عامة في قسمة المطابع وهي أن تستعمل كلمة مركبة من مطبعة مضافة إلى أكبر مميز لتلك المطبعة، على أن كلمة الآلة الكاتبة أو الكاتبة فقط أقرب من مطبعة الأزرار. اسبتالية قالت اللجنة: كان من الممكن أن نجاري المتقدمين في اختيارهم كلمة بيمارستان ولكن رأينا أن كلمة مستشفى مع أدائها المعنى تماماً أسهل نطقاً من الكلمة الأولى وأكثر دوراناً على الألسنة والأفلام. ونرى أن كلمة مستوصف أولى بالتعبير عن الكلينيك وبوفة Buffet اختارت اللجنة لهذا المعنى كلمة مقصف - وقد سبق استعمالها لأن معنى القصوف في اللغة الإقامة في الأكل والشرب وهذا هو معنى بوفه أما استعمال القصف في اللهو فغير عربي. أما خزانة الطعام والشراب فقد استعمل لها المتقدمون كلمة سكردان بريمة Tire-bouchon بزال ومعناه في اللغة: حديدة يفتح بها الدن وهو قريب من البريمة الحالية ففي هذا الإطلاق توسع. تلغراف استحسنت اللجنة الكلمة المستعملة برق ورسالة برقية تباشير الكلمة عربية محرفة وصحيحها طباشير ديبلوم شهادة عالية وقالت لم توافق اللجنة على الشهادة النهائية ولا على الشهادة العليا لأن الديبلوم ليست كذلك بل بعدها ما هو أعلى منها، أما شهادة الحذاقة التي أشار إليها أحمد تيمور بك فربما وضعت بعد لما هو أرقى من تلك الشهادة. عفارم اختارت اللجنة كلمة مرحى وهي كلمة تقولها العرب للإصابة في الرمي فيمكن التوسع فيها. قوميسون استنسبت كلمة لجنة المستعملة لأن معنى اللجنة الجماعة يجتمعون في الأمر ويرضونه وذلك معنى القوميسون. اتومبيل سيارة كلمة استعملت وتعارفها الكتاب فوافقت اللجنة على استعمالها. اكسبرس قطار سريع مع كثرة الاستعمال يستغني عن الموصوف ويكتفى بالسريع كالمعتاد، بدرة غمنة، في القاموس الغمنة الاسفيداج والغمرة تطلي بها المرأة وجهها وهو موافق لمسمى بدرة. بزرميط هجين، لمن أبوه خير من أمه، مقرف، لمن أمه خير من أبيه، مخلط، إذا لم تلاحظ الخيرية في إحدى الجهتين، بنطلون سروالة ترتوار طوار، في القاموس طوار الدار ويكسر ما كان ممتداً معها وهذا ممتد مع الشارع، تمرجي ممرض كلمة عربية مستعملة في معنى التمرجى تملي دائمى، جهجون جزاف استعملها الفقهاء للبيع من غير كيل أو وزن ولم تر اللجنة بأساً بالتوسع فيها، دونانمة أسطول، كلمة استعملها المتقدمون من المؤرخين في معنى الدونانمة، روماتيزم رثية في القاموس الرثية وجع المفاصل واليدين والرجلين. زنبلك دورة، في القاموس يقال لكل ما لم يتحرك ولم يدر دوارة وفوارة بفتحهما فإذا تحرك ودار فهو دوارة وفوارة والزنبلك متحرك فرأت اللجنة أن الدوارة أقرب الكلمات العربية إلى معنى الزنبلك، صالون بهو، استعمل الكتاب كلمة بهو في الصالون والمعنيان متقاربان، صندوق القمامة صندوق القمامة، قشلاق ثكنة، في القاموس الثكنة مركز الأجناد ومجتمعهم على لواء صاحبهم وإن لم يكن هناك لواء ولا علم جمعه ثكن كصرد، يمكخانة حواطه، لمحل الأكل، مطعم، للوكاندة الأكل، برجل دوارة، فرجار، بركار، في القاموس الدوارة الفرجار وقد ارتضتها اللجنة لأنها عربية محضة والكلمتان الأخريان من تعريب علماء الهندسة المتقدمين وقد استعملنا كثيراً في كتبهم فرأينا أن نبقي عليهما، كروكي رسم تقريبي، قد اختير ترجمة الكلمة غير العربية بما يؤدي معناها لعدم اتصال علم اللجنة لانها خاصة بما تجلى فيه العروس. (نوته) مذكرة، كناشة ج كناشات اشتق كلمة مذكرة من الفعل المقصود من هذا الاسم وهو التذكير وهذا ما اختارته اللجنة وأما كناشة فقد اختارها الأستاذ الشيخ حمزة وقد قال صاحب شرح القاموس ومنه الكناشة لأوراق تجعل كالدفتر يقيد فيها الفوائد والشوارد للضبط هكذا يستعمله المغاربة واستعمله شيخنا في حاشيته على هذا الكتاب كثيراً وترى اللجنة أنها تستعمل لما قاله صاحب شرح القاموس (أجنده) (قماش) نسيج أصل القماش ما على وجه الأرض من فتات الأشياء حتى يقال لرذاله قماش وليس هذا المعنى هو المراد بكلمة قماش وإنما يريدون بها المنسوجات فكلمة نسيج طبقه (قومندان) قائد أصل الكلمة أعجمية وكلمتها العربية قائد يقال قائد الجيش وقائد الفرقة وقائد الفرسان وقائد المشاة. (قواص) حاجب استعملت حاجب لتؤدي معنى قواص وهي موافقة، (طرحة) خمار الخمار النصيف وهي ما تغطي به المرأة رأسها وقد كانت الطرحة مستعملة قديماً في الطيلسان وقد يقولون الطراحة فالخمار أقرب إلى المعنى المقصود من الطرحة، (حزورة - فزورة) أحجية قال في القاموس كلمة محجبة مخالفة المعنى للفظ وهي الأحجية، (شنطة) عيبة قال في اللسان العيبة وعاء من آدم يكون فيها المتاع، شادوف شادوف جميع الكلمات التي وردت للجنة ليس فيها ما يدل على مسمى شادوف مع استعمالها في معان أخرى وهذه الكلمات هي دالية وهي المنجنون والناعورة والمنجنون الدولاب يستقى عليه أو المحالة يسنى عليها والمحالة البكرة العظيمة وكل هذا بعيد عن معنى الشادوف السانية وهي الغرب وأداته والناقة يسقى عليها والغرب الدلو العظيمة. لهذا رأت اللجنة أن تستقي كلمة شادوف بإزاء ذلك المعنى المعروف وخصوصاً أن الصيغة عربية كثيرة الورود وقال الأستاذ الشيخ حمزة أنها كلمة مصرية معروفة عند العرب، فنار منار المنار موضع النور ويظهران كلمة فنار مخلطة من الكلمة العربية منار والكلمة اليونانية فار، فرشة فرجون محسة من وضع الأستاذ الشيخ حمزة قال في القاموس: الفرجون كبرذون المحسة وقال في مادة خس: الحس نفض التراب عن الدابة بالمحسنة للفرجون (كماشة) كماشة قال في القاموس الكمش ضرب من صرار الإبل وصرار الإبل شد ضرعها صرها يصرها صراً وهو نوع من القبض الذي يراد به التمكن من الشيء فرأت اللجنة أن هذا من التجوز الذي يتسع مثله ولا حاجة بعد إلى تغيير كلمة مثل هذه والذهاب إلى الكلمات العامة مثل ملقط ومقبض وما شاكل ذلك. كالون قفل وغلق اختير الغلق لذلك الذي تسميه العامة كالون والقفل يستعمل عند العامة في مسمى معروف فيبقى دالاً على ذلك المسمى وهو المنفصل عن الباب ويستعمل له عروتان يربطهما القفل بلسانه، برميل برميل ورد للجنة تسع كلمات لم تر واحدة منها صالحة لأن تطلق على مسمى البرميل وهي ( ١ ) الزبيل ومعناها كما في القاموس القفة أو الجراب أو الوعاء والقفة والجراب مسماها مخالف لمسمى البرميل شكلاً ومادة والوعاء عام ( ٢ ) الزكرة زق للخمر والخل والزق السقاء أو جلد يجز ولا ينتف للشراب وغيره وليس معنى البرميل هذا ( ٣ ) فنطاس ومعناه حوض السفينة يجتمع فيه نشافة مائها وسقاية لها من الألواح يحمل فيها الماء العذب للشرب ولا تزال الكلمة مستعملة في معناها مع التوسع ( ٤ ) مخزن وهي عامة لكل ما يخزن فيه الشيء أي يحرز ( ٥ ) المقلد وهو الوعاء فهو عام ( ٦ ) العس وهو القدح العظيم ( ٧ ) الحب ومعناه الجرة والضخمة منها أو الخشبات الأربع توضع عليها الجرة ذات العروتين ( ٨ ) الدن وهو الراقود العظيم أو أطول من الحب أو أصغر وله عسعس لا يقعد إلا أن يحفر له وهو المعروف بالزلعة أو الخابية ( ٩ ) الراقود وهو مثل الدن. رأت اللجنة بعد نظرها هذه الكلمات أن تقر على استعمال كلمة برميل لأنها أدل على مسماها ولم يوجد من الكلم العربية أمامها ما يقوم مقامها وقد قال الأستاذ الشيخ حمزة أن برميلاً بكسر الباء عربية صحيحة، حرملة إتب ومئتبة حرملة، في القاموس الاتب والمئتبة كمكنسة برد يشق فتلبسه المرأة من غير جيب ولا كمين وهو قريب من معنى الحرملة، وقد بحثت اللجنة عن أصل هذه الكلمة وكيف استعملها الناس مع الطلاوة العربية فوجدت أن الحريملة شجرة تنشق جراؤها عن الين قطن ويحشى به مخاد الملوك لخفته ونعومته فلا يبعد أن هذه الحرملة كانت تحشى بهذا القطن للتدفئة فسميت باسم شجرتها وكبر اسمها ولذلك أبقتها اللجنة، البشاورة الطلاسة، في القاموس الطلاسة خرقة يمسح بها اللوح، شخير النائم غطيط، غط النائم صات. الدورة الليلية عسس، عس طاف بالليل وهو نفض الليل عن أهل الريبة وهو عاس جمعه عسس، الرغاوي الرغاوى - الزبد، وضعت اللجنة كلمة الزبد وقال الأستاذ الشيخ حمزة الرغاوى أي الرغوة أي الزبد والجمع رغاوى كل ذلك عربي صحيح، طازه طازج، طازج تعريب طازه وكان من عادة العرب في التعريب أن لحقوا بالكلمات المنتهية بمثل هذه الهاء جيماً كما قالوا فالوذج ونموذج وغير ذلك، الدش الرشاش، الرش نفض الماء والرشاش مشتق منه. عفش أثاث، الأثاث متاع البيت، (حجر الحمام) نسفة، في القاموس النسفة حجارة سود ذات نخاريب يحك بها الرجل سمى به لانتسافه الوسخ من الرجل. (طاولة اللعب) نرد، (عماص) غمص أن سال، رمص أن جمد، الغمص ما سال من الرمص غمصت العين كفرح فهو أغمص والرمص وسخ أبيض، يجتمع في الموق رمصت عينه كفرح فهو أرمص والتقييد من وضع الأستاذ الشيخ حمزة. عود الفرن محش، المحش حديدة تحش بها النار أي تحرك كالمحشة مصلحة الفرن المطردة، المطردة خرقة تبل ويمسح بها التنور ومثلها الطريدة. (هلب السفينة) انجر كلوب، الانجر مرساة السفينة وهو خشبات يفرغ بينها الرصاص المذاب فتصير كصخرة إذا رست معرب لنكر، والكلوب من وضع الأستاذ الشيخ حمزة قال في شرح القاموس ومن المجاز كلاليب الباز مخالبه جمع كلوب. (هلب البئر) حصرم، الحصرم الحديدة يخرج بها الدلو من البئر. (هباب اللمبة) سناج، السناج أثر دخان السراج في الحائط. (مضرب الكرة) طبطابة، الطبطابة خشبة عريضة يلعب بها الكرة. (فارة النجار) مسحج، المسحج المبراة يبرى بها الخشب، (تصبيرة) لمجة، اللمجة ما يتعلل به قبل الغداء، (أبعدية) ضيعة، الضيعة العقار والأرض المغلة. (قزان) مرجل، المرجل القدر من الحجارة والنحاس مذكر. (اضبش) غطمش، الغطمش الكليل البصر أما الضبش فلم نره، (الرمش) الهدب الهدب شعر أشفار العينين وهو ما تريده العامة برمش، (دوخة) دوار الدوار شبه الدوران يأخذ في الرأس، (فلينة - سداد الزجاجة) صمام صمام القارورة سدادها. (مصفاة نحو إبريق الشاي) فدام الفدام المصفاة وابريق مفدَّم عليه مصفاة. (البريثون) الثرب في القاموس الثرب شحم رقيق يغشى الكرش والأمعاء جمعه ثروب وأثرب وتعرفه العامة بهذا الاسم ولكنهم يبدلون الثاء تاء فيقولون ترب. (أوزي) حمل في القاموس من معاني الحمل الجذع من أولاد الضأن فما دونه والجمع حملان وأحمال، (قشرة البيض الخارجة) قيض في القاموس القيض القشرة العليا اليابسة على البيضة، (القشرة الداخلة) غرقيء في القاموس الغرقي القشرة الملتزقة ببياض البيض، (بياض البيض) الزلال، (صفار البيض) المح في القاموس من معاني المح صفرة البيض، (المضيفة) الثوي في القاموس الثوي كغني البيت المهيأ له أي للضيف، (شبشب) كوث في القاموس الكوث القفش الذي يلبس في الرجل والقفش الخف القصير، (موضة) بدع - بدئ في القاموس البدئ الأمر المبدع والبدع الأمر الذي يكون أولاً جمعه إبداع، (انتيكة) عادي في القاموس العادي الشيء القديم - كأنه منسوب إلى عاد، (خريطة البحر) راهنامج في القاموس الراهنامج كتاب الطريق وهو الكتاب يسلك به الربابنة البحر ويهتدون به في معرفة المراسي وغيرها (طقة واحدة) وجبة القاموس الوجبة الأكلة في اليوم والليلة أو أكلة في اليوم إلى مثلها من الغد، (وش الفرش) ظهارة الظهارة نقيض البطانة وظاهر بينهما طابق. (سيخ الشواء) سفود في القاموس السفود حديدة يشوى بها وتسفيد اللحم عظمه فيها. (مونة البناء) ملاط الملاط الطين يجعل بين ساقي البناء ويملط به الحائط أي يطلى والساف كل عرق من الحائط والعرق كل صف من اللبن والآجر في الحائط والساف المدماك، (تقاوي) بذر البذر ما عزل للزراعة من الحبوب جمعه بذور وبذار. (الوجاق) الوطيس الوطيس التنور، (الصنفرة) السفن من معاني السفن قطعة خشناء من جلد ضب أو سمكة يسحج بها القدح حتى تذهب عنه آثار المبراة. (الدربكة) الكوبة الكوبة الطبل الصغير المخصر، (الطهارة) الختان. (الاستراد) المنصة المنصة في الأصل ما ترفع عليه العروس واستعير لذلك المكان المرتفع الذي يصعد إليه بدرج لإلقاء درس مثلاً، (الدربزين) الدربزين ورد ذكر الدربزين في القاموس تفسيراً للجلفق واختيرت الكلمة لاستعمالها وغرابة الأخرى. (النجفة) الثريا أصل الثريا علم لمجموعة من النجوم متضامة استعيرت لهذا المعنى لما بينهما من التشابه في التضام والإنارة، (ضيان) متينيالمتانة الصلابة والكلمة العامية تستعمل في الشيء ذي الصلابة والتحمل فهو معنى متين، (النفير) البوق البوق بالضم الذي ينفخ فيه ويزمر، (سباطه) قنو القنو الكباسة جمعه أقناء وقنوان والكباسة بالكسر العذق والعذق هو ما تعبر عنه العامة بالسباطة أما معنى السباطة لغة فهي الكناسة تطرح بأفنية البيوت، (المقشة) المقشة قش الرجل أكل من ههنا وههنا ولف ما قدر عليه من الخوان والشيء جمعه وكله مناسب لما تصنعه تلك الأداة والقشيش والقشاش اللقاطة، (معية) حاشية الحاشية أصل الرجل وخاصته والأخير نص في المعنى المراد بمعية، (بدلة) حلة الحلة ما تركب من ثوبين إزار ورداء وكذلك البدلة دائماً. ياقة القميص زيق زيق القميص بالكسر ما حاط بالعنق منه، سواري فرسان، الأستيك النوط معلق كل شيء، (شلتة) حشية الحشية الفراش المحشو. كتاب المدهش الحافظ أبو الفرج ابن الجوزي هو محدث حافظ مفسر فقيه واعظ أديب قال فيه العليمي في طبقاته أنه أستاذ الأئمة حبر الأمة بحر العلوم سيد الحفاظ فارس المعاني والألفاظ فريد العصر قريع الدهر شيخ الإسلام قدوة الأنام علامة الزمان ترجمان القرآن قامع المبتدعين سلطان المتكلمين ولد سنة إحدى عشرة وخمسمائة لأنه وجد بخطه تصنيف له في الوعظ ذكر أنه صنفه سنة ثمان وعشرين وخمسمائة وقال (ولي من العمر سبع عشرة سنة وكان يحزر مجلسه في الوعظ على الدوام بعشرة آلاف أو خمسة عشر ألفاً قال علي المنبر في آخر عمري كتبت بإصبعي هاتين الفي مجلد وتاب على يدي مائة ألف وأسلم على يدي عشرون ألف يهودي ونصراني اجتمع فيه من العلوم ما لم يجتمع في غيره سئل عن عدد مصنفاته فقال زيادة على ثلثمائة وأربعين مصنفاً منها ما هو عشرون مجلداً ومنها ما هو كراس واحد ولم يترك فناً من الفنون إلا وله فيه مصنف. وقال بعضهم أنه كان يحضر مجلس وعظه مائة ألف أو يزيدون وهذا مبالغة لا يستطيع إنسان يوصل صوته إليهم ولا جامع أو ساحة أن تجمعهم والمقصود أنهم كانوا ألوفاً من المستمعين وقد قال عن نفسه أنه صنف وله من العمر ثلاث عشرة سنة وقيل عنه أنه كان يراعي حفظ صحته وتلطيف مزاجه وما يفيد عقله قوة وذهنه حدة وجل غذائه الفراريج والمزاوير ويعتاض عن الفاكهة بالأشربة والمعجونات ولباسه الأبيض الناعم المطيب. والمدهش من جملة كتبه ورد ذكره في قائمتها وهو في مجلدين مكتوب بخط مشرقيّ مشكول كله وقد دفعناه إلى صديقنا السيد عبد القادر المبارك فكتب عليه ما يلي: من المخطوطات القديمة لابن الجوزي كتاب المدهش قال كاتبه في خاتمته كان الفراغ من نسخه في العشر الأوسط من شهر ربيع الأول سنة تسع وأربعين وسبعمائة جاء في مقدمته بسم الله الرحمن الرحيم رب يسر يا كريم. قال شيخ الأمة وعلم الأئمة ناصر السنة جمال الدين فخر الإسلام زين الأنام أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد بن علي ابن الجوزي قدس الله روحه ونور ضريحه: الحمدلله الذي لا منتهى لعطاياه ومنحه حمداً يقوم بالواجب في شكره ومدحه وصلى الله على أشرف نبي وأفصحه وعلى آله وأصحابه وأزواجه ما أستن طرف في مرحه (أما بعد) فإني قمت بحمد الله في علم الوعظ بأصحه وأملحه وآثرت أن أنتقي في هذا الكتاب من ملحه والله الموفق في كل عمل لأصلحه وقد قسمته خمسة أبواب، الباب الأول في علوم القرآن وبيانه، الباب الثاني في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها، الباب الثالث في علوم الحديث، الباب الرابع في عيون التواريخ، الباب الخامس في ذكر المواعظ وهذا الباب ينقسم قسمين، قسم فيه ذكر القصص وقسم فيه المواعظ مطلقاً والله الموفق. وذكر في باب علوم القرآن وبيانه ستة فصول يقع كل فصل منها في نحو صفحة واحدة فذكر في الفصل الأول أقسام الخطاب في القرآن وفي الثاني ما ورد فيه من ضروب الأمثال وفي الثالث ما جاء فيه أخص وأحسن مما بمعناه من الكلمات التي تدور على الألسنة وفي الرابع ما اتحد من الآيات المتشابهة في المعنى واختلف في اللفظ وفي الخامس ما تغاير من الآيات بزيادة بعض الحروف والكلمات أو نقصانها وفي السادس ما تغاير من الآيات بتقديم أو تأخير. ثم ذكر بعد هذه الفصول أربعة وعشرين باباً سماها أبواباً منتخبة من الوجوه والنظائر ذكر فيها معاني هذه الكلمات: أو، أدنى، الإنزال، الأرض، الأمر، الإنسان، الباء، الحق، الخير، الدين، الذكر، الروح، الصلاة عن، الفتنة، في، القرية، كان، كلا، اللام، لولا، من، الواو، الهدى. ثم أتى على الباب الثاني في تصريف اللغة وموافقة القرآن لها وقسمه على ثلاثة عشر فصلاً قال في أول فصل منه: لما كانت اللغة تنقسم قسمين أحدهما الظاهر الذي لا يخفى على سامعيه ولا يحتمل غير ظاهره والثاني المشتمل على الكنايات والإشارات والتجوزات وكان هذا القسم هو المستحلى عند العرب نزل القرآن بالقسمين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله فكأنما قال عرضوه بأي القسمين شئتم ولو نزل كله واضحاً لقالوا هلا نزل بالقسم المستحلى عندنا ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية أو استعارة أو تعريض أو تشبيه كان أحلى وأحسن قال امرؤ القيس: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل فشبه النظر بالسهم فحلي عند السامع وقال أيضاً: فقلت له لما تمطى بجوزه وأردف أعجازاً وناء بكلكل من كميت أجادها طابخاها لم تمت كل موتها في القدور أراد بالطابخين الليل والنهار، فنزل القرآن على عادة العرب في كلامهم ومن عاداتهم التجوز، وفي القرآن فما ربحت تجارتهم، يريد أن ينقض، ومن عادتهم الكناية، ولكن لا تواعدوهن سراً، أو جاء أحد منكم من الغائط وأكثر الفصول الباقية ترجع إلى بيان سعة اللغة وفقهها على أسلوب فقه اللغة لأبي منصور الثعالبي. والباب الثالث في علوم الحديث وجله يتعلق ببيان أسماء المحدثين والمحدثات وتمييز ما يكثر فيه الالتباس وبيان المتفق والمفترق ويقال له أيضاً المؤتلف والمختلف ثم انتقل إلى الباب الرابع في عيون التواريخ أتى فيه على نبذ من أمهات المسائل التاريخية فمنها قوله: كان أول ملوك الأرض ملك فارس وملكهم دارا ملك نحو مائتي سنة ثم ملك بعده خمسة وعشرون ملكاً فيهم امرأتان وكان آخر القوم يزدجرد هلك في زمن عثمان رضي الله عنه فكان ملكهم خمسمائة سنة وكسراً وكان أظرهم ولاية ذو الأكتاف فإنه لا يعرف من ملك وهو في بطن أمه غيره لأن أباه كان قد مات ولا ولد له وإنما كان هذا حملاً فقال المنجمون هذا الحمل يملك الأرض فوضع التاج على بطن الأم وكتب إلى الآفاق وهو جنين وسمي سابورا وإنما سمي ذا الأكتاف لأنه حين ملك كان ينزع أكتاف مخالفيه وهو الذي بنى الإيوان وبنى نيسابور وسجستان والسوس وما زال الملك يتنقل بعده فيهم إلى أن ملك انوشروان وكان آخرهم وكان له اثنا عشر ألف امرأة وجارية وخمسون ألف دابة وألف فيل إلا واحداً وفي زمانه ولد النبي صلى الله عليه وسلم ومات لثمان مضين من مولد نبينا صلى الله عليه وسلم ولما دخل المسلمون المدائن أحرقوا ستر باب الايوان وأخرجوا منه ألف ألف مثقال ذهباً. قال ومن العجائب أنه ولد في ليلة السبت لاربع عشرة بقيت من شهر ربيع الأول سنة تسعين ومائة المأمون ومات الهادي واستخلف الرشيد وفيه أجدبت الأرض في سنة ثماني عشرة وكانت الريح تسفي ترباً كالرماد فسمي عام الرمادة وجعلت الوحوش تأوي إلى الأنس فآلى عمر رضي الله عنه أن لا يذوق سمناً ولا لبناً ولا لحماً حتى يحيي الناس واستسقى الناس بالعباس فسقوا وفيها كان طاعون عمواس مات فيه أبو عبيدة ومعاذ وأنس وفي سنة أربع وستين وقع طاعون بالبصرة وماتت أم أميرهم فما وجدوا من يحملها وفي سنة ست وتسعين كان طاعون الجارف هلك في ثلاثة أيام سبعون ألفاً ومات في لأنس ثمانون ولداً وكان يموت أهل الدار فيطبق عليهم الباب وفي سنة إحدى وثلاثين ومائة مات أول يوم في الطاعون سبعون ألفاً وفي اليوم الثاني سبعون ألفاً وفي اليوم الثالث خمدت الناس وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة ذبح الأطفال وأكلت الجيف وبيع العقار برغيفين واشترى لمعز الدولة كر دقيق بعشرين ألف درهم. وقد عقد المؤلف رحمه الله في الباب الرابع في عيون التواريخ فصلاً مستقلاً أفرده بذكر الزلازل والآيات المشتملة على دواعي العبر والمواعظ والزواجر وها هو ينص حروفه. زلزلت الأرض على عهد عمر رضي الله عنه في سنة عشرين، ودامت الزلازل في سنة أربع وتسعين أربعين يوماً فوقعت الأبنية الشاهقة وتهدمت أنطاكية، وفي سنة أربع وعشرين ومائتينيزلزلت فرغانة فمات منها خمسة عشر ألفاً، وفي السنة التي تليها رجفت الأهواز وتصدعت الجبال وهرب أهل البلد إلى البر والسفن ودامت ستة عشر يوماً، وفي السنة التي تليها مطر أهل تيماء مطراً وبرداً كالبيض فقتل بها ثلاثمائة وسبعون إنساناً وسمع في ذلك صوت يقول: ارحم عبادك اعف عن عبادك، ونظروا إلى أثر قدم طولها ذراع بلا أصابع وعرضها شبران والخطوة إلى الخطوة خمسة أذرع أو ست تبعوا الصوت فجعلوا يسمعون صوتاً ولا يرون شخصاً، وفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتينيرجفت دمشق رجفة انتفضت البيوت على سكانها فمات منهم خلق كثير وانكفأت قرية بالغوطة على أهلها فلم ينج منهم أحد إلا رجل واحد، وزلزلت أنطاكية فمات منها عشرون ألفاً، وفي السنة التي تليها هبت ريح شديدة لم يعهد مثلها فأقامت نيفاً وخمسين يوماً وشملت بغداد والبصرة والكوفة وواسط وعبادان والأهواز ثم ذهبت إلى همذان فأحرقت الزرع ثم ذهبت إلى الموصل فمنعت الناس من السعي فبطلت الأسواق وزلزلت هراة فوقعت الدور، وفي سنة ثمان وثلاثين ومائتينيوجه طاهر بن عبد عبد الله إلى المتوكل حجراً سقط بناحية طبرستان وزنه ثمانمائة وأربعون درهماً وفيه صدع وذكر أنه سمع لسقوطه هدة مسيرة أربعة فراسخ في مثلها وأنه ساخ في الأرض خمسة أذرع، وفي سنة أربعين ومائتينيخرجت ربح من بلاد الترك فمرت بمروَ فقتلت خلقاً كثيراً بالزكام ثم صارت إلى نيسابور وإلى الري ثم إلى همذان وإلى حلوان ثم إلى العراق فأصاب أهل بغداد (وسر من رأى) حمى وسعال وزكام وجاءت كتب من المغرب أن ثلاث عشرة قرية من قرى القيروان خسف بأهلها فلم ينج منهم إلا اثنان وأربعون رجلاً سود الوجوه فاتوا إلى القيروان فأخرجهم أهلها وقالوا لهم أنتم مسخوط عليكم فبنى لهم العامل حظيرة خارج المدينة فنزلوا فيها. وفي سنة إحدى وأربعين ماجت النجوم في السماء وجعلت تتطاير شرقاً وغرباً كالجراد من غروب الشمس إلى الفجر ولم يكن مثل هذا إلا عند ولادة رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفي السنة التي تليها رجمت قرية يقال لها السويداء بناحية مصر بخمسة أحجار فوقع حجر منها على خيمة أعرابي فأحرقها ووزن منها حجر فكانت زنته عشرة أرطال، وزلزلت الريُّ وجرجان وطبرستان ونيسابور وأصبهان وقم وقاشان كلها في وقت واحد، وزلزلت الدامغان فهلك من أهلها خمسة وعشرون ألفاً وتقطعت جبال ودنا بعضها من بعض وسمع للسماء والأرض أصوات عالية وسار جبل باليمن عليه مزارع حتى أتى مزارع قوم آخرين، ووقع طائر أبيض دون الرخمة وفوق الغراب على دلبة بحلب لسبع مضين من شهر رمضان فصاح يا معشر الناس اتقوا الله حتى صاح أربعين صوتاً ثم طار فجاء من الغد فصاح أربعين صوتاً وكتب صاحب البريد بذلك وأشهد خمسمائة إنسان سمعوه، ومات رجل في بعض كور الأهواز فسقط طائر أبيض على جنازته فصاح بالفارسية والخوزية: إن الله قد غفر لهذا الميت ولمن شهده، وفي سنة خمس وأربعين ومائتينيزلزلت أنطاكية فسقط منها ألف وخمسمائة دار ووقع من سورها نيف وتسعون برجاً وسمع أهلها أصواتاً هائلة من كوى المنازل، وسمع أهل تنيس صيحة هائلة دامت فمات منها خلق كثير وذهبت جبلة بأهلها، وفي سنة خمس وثمانين ومائتينيمطرت قرية حجارة بيضاً وسوداً، وفي سنة ثمان وثمانين زلزلت دنبل (كذا) فأصبحوا ولم يبق من المدينة إلا اليسير فأخرجوا من تحت الهدم خمسين ومائة ألف بيت، وفي سنة تسع عشرة وثلاثمائة عدل الحاج عن الجادة خوفاً من العرب فرأوا في البرية صور أناس من حجارة ورأوا امرأة قائمة على التنور وهي من حجارة والخبز الذي في التنور من حجارة، وفي سنة ثمان سبعين وثلاثمائة هبت ريح بفم الصلح شبهت بالتنين جرفت دجلة حتى ذكر أنه بانت أرضها وأهلكت خلقاً كثيراً واحتملت زورقاً منحدراً وفيه دواب فطرحته في أرض عوجا (كذا). وفي سنة عشرين وأربعمائة جاء برد هائل وقعت بردة حزرت ثمانية وخمسين رطلاً فكانت كالثور النائم، وفي سنة أربع وثلاثين زلزلت تبريز فهدم سورها وقلعتها وهلك تحت الهدم خمسون ألفاً، وفي سنة أربع وأربعين وأربعمائة كانت بارجان زلازل انقلعت منها الحيطان فحكى من يعتمد على قوله أنه كان قاعداً في ابوان داره فانفرج سقفه حتى رأى السماء من وسطه ثم عاد، وفي سنة ستين وأربعمائة كنت زلزلة بفلسطين هلك فيها خمسة عشر ألفاً وانشقت صخرة بيت المقدس ثم عادت فالتأمت وغاب البحر فساح في الأرض فدخل الناس يلتقطون فرجع عليهم فأهلك منهم خلقاً كثيراً، وفي سنة اثنتين وستين خسف بابلة، وفي سنة ست وخمسمائة سمع ببغداد هدة عظيمة في أقطار بغداد، قال شيخنا أبو بكر بن عبد الباقي: أنا سمعتها فظننت حائطاً قد وقع ولم يعلم ما ذلك ولم يكن في السماء غيم فيقال رعد، وفي السنة التي تليها وقعت زلزلة بناحية الشام فوقع من سور الرها ثلاثة عشر برجاً وخسف بسميساط وقلب بنصف القلعة، وفي سنة إحدى عشرة وخمسمائة زلزلت الأرض ببغداد يوم عرفة فكانت الحيطان تمر وتجيء، وفي سنة خمس عشرة وقع الثلج ببغداد فامتلأت منه الشوارع والدروب ولم يسمع قبله بمثله، وفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة كانت زلزلة بحيرة أتت على مائتي ألف وثلاثين ألفاً فأهلكتهم وكانت في مقدار عشرة فراسخ في مثلها، وفي السنة التي تليها خسف بحيرة وصار مكان البلد ماء أسود وقدم التجار من أهلها فلزموا المقابر يبكون على أهلهم، وزلزلت حلوان فقلع الجبل وأهلك خلقاً كثيراً، وفي سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة كانت زلازل بالشام في ثلاثة عشر بلداً من بلاد الإسلام فمنها ما هلك كله ومنها ما هلك بعضه. وهنا أنشأ المصنف رحمه الله الباب الخامس في ذكر المواعظ فبدأ في القسم الأول منه بقصة آدم وبناء الكعبة وقصة نوح وعاد وثمود والخليل والذبيح وذي القرنين ولوط ويوسف وأيوب وشعيب وموسى والخضر وبلعام وقارون وداود ومريم وعيسى وسليمان وزكريا ويحيى وأهل الكهف وبداية أمر نبينا محمد عليه وعلى جميع الأنبياء الصلاة والسلام وقصة الغار وأهل بدر وذكر أسماء من شهدها مرتبة على حروف المعجم ثم من يعرف بالكنية دون الاسم وختم هذا القسم من الوعظ بفصل ذكر فيه بناء علي بن أبي طالب بالسيدة البتول فاطمة الزهراء رضي الله عنهما وها أنا ذا أنقل للقراء أقصر قصة من تلك القصص الستة والعشرين لتكون انموذجاً يتعرف به أسلوبه الغريب في بابه قال في قصة ثمود ما نصه: لما أعرضت ثمود عن كل فعل صالح بعث إليهم للإصلاح صالح فنعنت عليه ناقة هو أهم بطلب ناقة فخرجت من صخرة صماء تقبقب ثم فصل عنها (أي خرج منها) فصيل يرغو فارتعت حول نهي (بكسر فسكون أي غدير ماء) نهيهم عنها في حمى حماية (ولا تمسوها بسوء) فاحتاجت إلى الماء وهو قليل عندهم فقال حاكم الوحي لها شرب ولكم شرب يوم معلوم وكانت يوم وردها تقضي دين الماء بماء درها فاجتمعوا في حلة الحيلة على شاطئ غدير الغرور فدار قدار ابن سالف عاقر ناقة صالح الذي هو أشقى ثمود حول عطن (فتعاطى فعقر) فصب عليهم صبيب صاعقة العذاب الهون فحين دنا ودندن دمغهم دمار (فدمدم عليهم ربهم بذنبهم) فأصبحت المنازل لهول ذلك النازل كان لم تغن بالأمس. والقسم الثاني يشتمل على مائة فصل كمقامات الزمخشري في أطواق الذهب وعبد المؤمن الأصفهاني في أطباق الذهب من حيث الموضوع والتفنن في الأساليب الناجعة المؤثرة في الموعوظ وهذا القسم يستوعب نحواً من خمسة أسداس الكتاب وقد أكثر فيه من الأشعار مستشهداً بها على حسب ما يقتضيه المعنى الذي يريد تصويره في مخيلة السامع وربما كان الشعر في هذا القسم مساوياً للنثر أو يزيد وكله أو جله من نظم غيره وإنما يذكره تمثلاً واستشهاداً. قال في الفصل السادس والسبعين: ذكر الأحباب والوطنا والصبا والألف والسكنا فبكى شجواً فحن له مدنف بالشجو حلف ضنى أبعدت مرمى يد رجمت من خراسان به اليمنا من لمشتاق تميل به ذات سجع ميلت فننا لم تعرض في الحنين بمن مسعد إلا وقلت أنا لك يا ورقاء أسوة من لم تذيقي طرفه الوسنا بك انسي مثل انسك بي فتعالي نبد ما كمنا نتشاكى ما يجن فإن نحت شجواص صحت واحزنا أنا لا أنت البعيد هوى أنا لا أنت الغريب هنا أنا فرد يا حمام وها أنت والألف القرين ثنا اسرحا رأد النهار معاً واسكنا جنح الدجى غصنا وابكيا يا جارتي لما لعبت أيدي الفراق بنا أين قلبي ما صنعت به ما أرى قلبي له سكنا كان يوم النفر وهو معي فأبى أن يصحب البدنا أنه حادي الفراق حدا أم له داعي الفراق عنى ومن قوله في بعض الفصول: ويحك اجتنب حلواء الشره فإنها سبب الحمى وخل خل البخل فإنه يؤذي عصب المروءة، إن عوجلت أمراضك فعولجت وإلا مللت وأمللت، لو احتميت عن الخطأ لم تحتج إلى طبيب، من ركب ظهر التفريط نزل به دار الندامة. ومن قوله في هذا الفصل: كان داود إذا أراد النياحة نادى مناديه في أندية المحزونين فيجتمعون في مأتم الندب فتزداد الحرق بالتعاون: يا بعيد الدار عن وطنه مفرداً يبكي على شجنه كلما جد النحيب به زادت الأسقام في بدنه ولقد زاد الفؤاد جوى هاتف يبكي على فننه شاقه ما شاقني فبكى كلنا يبكي على سكنه يا مذنبين مصيبتنا في التفريط واحدة وكل غريب للغريب نسيب، ومن قوله في فصل آخر: إخواني انتبهوا من رقدات الأغمار وانتبهوا لحظات الأعمار وقاطعوا الكسل فقد قطع الأعذار الأعذار واسمعوا زواجر الزمن فما داجى الدجى ولقد نهر النهار وخذوا بالحزم فقد شقي من رضي بشفا جرف هار، ومنه: وأعجبا يتأمل الحيوان البهيم العواقب وأنت لا ترى إلا الحاضر ما تكاد تهتم بمؤنة الشتاء حتى يقوى البرد ولا بمؤنة الصيف حتى يشتد الحر ومن هذه صفته في أمور الدنيا فهو في الآخرة أعمى وأضل سبيلاً. ومنه: ما دامت النفس حية تسعى فهي حية تسعى، أول فعل لها تمزيق العمر بكف التبذير كالخرقاء وجدت صوفاً، أخل بها في بيت الفكر ساعة وانظر هل هي معك أو عليك، نادها بلسان التذكرة يا نفس ذهب عرش بلقيس وبلي جمال شيرين وتمزق فرش بوران، وبقي ذلك رابعة. ومنه: يا صبيان التوبة طبيبكم متلطف تارة بالتشويق وتارة بالتخويف هذه الطير إذا انشق بيضها عن الفراخ علم الأب والأم أن حوصلة الفرخ لا تحتمل الغذاء فينفخان الريح في حلقه لتتسع الحوصلة ثم يعلمان أن الحوصلة تحتاج إلى دبغ وتقوية فيأكلان من صاروج الحيظان وهو شيء فيه ملوحة كالسبخ ثم يزقانه إياه فإذا اشتدت الحوصلة رقياه إلى الحب فإذا علما أنه قد أطاق اللقط منعاه بعض المنع فإذا جاع لقط فإذا راياه قد استقل باللقط ضرباه بالأجنحة إذا سألهما الزق فتأملوا تدبيري لكم في المواعظ، ومنه: الدنيا غرارة غدارة مكارة، تظن مقيمة وهي سيارة، ومصالحة وقد شنت الغارة نح عن نفسك القبيح وصنها وتوق الدنيا ولا تأتمنها لا تثق بالدنا فما أبقت الدن يا لحي وديعة لم تخنها إنما جئتها لتستقبل المو ت وأسكنتها لتخرج عنها تستحل الدنيا وما لك إلا ما تبلغت أو تزودت منها وسيبقى الحديث بعدك فانظر خير أحدوثة تكون فكنها ومن فصل آخر: يا ساعياً لنفسه في المهالك، دنا الرحيل ونضو النقلة بارك، متى تذكر وحشتك بعد إيناسك، متى تقتدي من ناسك بناسك، كأنك بك قد خرجت عن أهلك وولدك، وانفردت عن عددك وعددك، وقتلك سيف الندم ولم يدك (يدفع ديتك) ورحلت ولم تحصل من ندمك إلى على عض يدك: كأنك لم تسمع بأخبار من مضى ولم تر في الباقين ما يصنع الدهر فإن كنت لا تدري فتلك ديارهم محاها مجال الريح بعدك والقطر على ذاك مروا أجمعين وهكذا يمرون حتى ينشرنهم الحشر فحتام لا تصحو وقد قرب المدى وحتى مَ لا ينجاب عن قلبك السكر بلى سوف تصحو حين ينكشف الغطا وتذكر قولي حين لا ينفع الذكر ومن فصل آخر: كان محمد بن المنكدر كثير البكاء فسئل عن ذلك فقال آية من القرآن أبكتني: (وبدا لهم من الله ما لم يكونوا يحتسبون) كيف لا تذهب العيون من البكا وما تدري ماذا أعد لها سبقت السعادة لمحمد صلى الله عليه وسلم قبل كونه ومضت الشقاوة لأبي جهل قبل وجوده، وخوف العارفين من سوابق الأقدار قلقل الأرواح هيبة، لا تسل مع تحكم (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها) قوي قلق العلماء: أترى سئلوا لما رحلوا ماذا فعلوا أم من قتلوا أحليف النوم أقل اللوم فعندي اليوم لهم شغل أدنى جزعي لم يبق معي قلب فيعي منذ احتملوا جلدي سلبوا جسدي نهبوا كمدي وهبوا كبدي تبلوا هيهات أفيق اذليس تطيق هذا ايليق فما العذل لما ذرفت عين وقفت أترى عرفت ما بي الإبل ولحى اللاحي وهو الصاحي وهمو راحي وأنا الثمل ومن فصل آخر: يا تائهاً في ظلمة ظلمه، يا موغلا في مفازة تيهه، يا باحثاً عن مدية حتفه، يا حافراً زبية هلكه، يا معمقاً مهواة مصرعه بئسما اخترت لأحب الأنفس إليك، ويحك تطلب النجاة ولست على الطريق، هز الزمان بوعظه فماً فما سمعت: لينذر من كان حياً ومنه: إلى أي حين أنت في زي مجرم وحتى متى في شقوة والي كم وإلا تمت تحت السيوف مكرماً تمت وتلاقي الذل غير مكرم فثب واثقاً بالله وثبة ماجد ترى الموت في الهيجا جنى النحل في الفم ومن فصل آخر: تبني وتجمع والآثار تندرس وتأمل اللبث والأرواح تختلس ذا اللب فكر فما في الخلد من طمع لا بد ما ينتهي أمر وينعكس أين الملوك وأبناء الملوك ومن كانوا إذا الناس قاموا هيبة جلسوا ومن سيوفهمو في كل معترك تخشى ودونهم الحجاب والحرس اضحوا بمهلكة في وسط معركة صرعى وماشي الورى من فوقهم يطس وعمهم حدث أو ضمهم جدث باتوا وهم جثث في الرمس قد حبسوا كأنهم قط ما كانوا ولا خلقوا ومات ذكرهمو بين الورى ونسوا والله لو نظرت عيناك ما صنعت يد البلى بهمو والدود يفترس من أوجه ناضرات حار ناظرها في رونق الحسن منها كيف تنطمس وأعظم باليات ملبها رمق فليس نبقى وهذا وهي تنتهس وألسن ناطقات زانها أدب جفت وما شانها بالآفة الخرس لستهمو السن للدهر فاغرة فاها فآهاً لهم إذ بالردى وكسوا حتى م ياذا النهي لا ترعوي سفهاً ودمع عينك لا يهمي وينبجس ومن قوله في الفصل الأخير: هذه قصص النجاة قد أمليتها فعنونها وهذه جوارشات المواعظ قد جمعتها فاعجنها ثم قال في الختام لمن أصغي واصف، أفي عزمك أتباعي فأقف، الليل يضج من نومك، والنهار يستغيث من قبح فعلك. يا أيها الراقد كم ترقد قم ياخليلي قد دنا الموعد وخذ من الليل وساعاته حظاً إذا ما هجع الرقد من نام حتى ينقضي ليله لم يبلغ المنزل أو يجهد قل لذوي الألباب أهل التقى قنطرة العرض لكم موعد وكان بودي - لولا خشية الإملال من الإطالة وعدم اتساع نطاق المجلة - أن أستوفي نقل بعض فصول (هذا المدهش) برمتها لما تضمنته من محاسن البلاغة وأسلوب الحكيم وجودة المعنى والمبنى مما جمع بين اللذة والفائدة ودل على سمو مدارك المؤلف وسعة فضله وغزارة مادة علمه كما يظهر من ترجمته فعسى أن يقيض الله له من خدمة العلم وناشري الويته من يجيد طبعه ويستخرج للناس جواهر كنزه فيحظى بالربح عاجلاً وآجلاً مع تخليد الذكر الجميل والأثر الحسن والسلام. أخبار وأفكار العين الكهربائية اخترع الأستاذ روزنك الروسي آلة تكون بمثابة عين كهربائية تظهر بها اضطرابات المعدة وأسرار أعماق البحار وأسرار البراكين بجلاء ووضوح كما تتمثل لنا إذا كانت أمام العين مباشرة وقد بناه على الاكتشاف الحديث للأشعة الكاتوديكية فينطبع الموجود بمرآة من نوع الروتاتيف وتظهر الصورة بتأثير مجرى كهربائي، ويتأتى إنزال هذه الآلة إلى قعر البحر ووسط البركان والمعدة كما ينزل المسبار لسبر الأبعاد فيها فترى الأشياء في الظلمات كما ترى في النور بل ترى بها المعادن المدفونة في بطن الأرض إذا أريد أن ينظر فيما إذا كان ثمت خطر على العملة في المناجم ويفيد هذا الاختراع فوائد كلية في الأعمال الصناعية وفي الفنون الحربية والبحرية وفي غير ذلك وبهذه الآلة تتم عدة اختراعات كانت موقوفة على مثل هذه العين الكهربائية. تعقيم اللبن اخترع الدكتور هرنغ من فارسوفيا آلة لتعقيم اللبن تقتل بها الجراثيم الضارة بدون أن يفقد شيئاً من خاصيته وذلك بأن يغلى من ٦٥ إلى ٧٠ درجة ثم يبرد بواسطة هذه الآلة التي تعقم من ٢٠٠ إلى ٢٥٠ سنتمتراً مكعباً من اللبن والآلة المذكورة حوت الشروط اللازمة التي يحفظ بها اللبن خاصياته الطبيعية والكيماوية ولونه وطعمه ورائحته ومواده الدهنية وغيرها وبها يتأتى إبقاؤه ثمانية أيام بدون أن يحمض. برزخ جديد عمدت روسيا أن تفتح برزخاً يصل بحر البلطيق بالبحر الأسود وطول هذا البرزخ ٢١٥٠ كيلومتراً ويقدر ما ينبغي لذلك من النفقات ٤٥٠ مليون فرنك تكون السهام للروسيين فقط كما تكون جميع الأدوات اللازمة لهذا العمل روسية محضة ويقول القائمون به أنه يرجى أن يكون دخل هذا الخليج ٨٠ مليون فرنك كل سنة. صرعى الكتب يذكر القراء اسم المسيو البرسيم مؤلف الكتاب (المقتبس م ٣ ص ٣٧٧ و ٤٥٧ و ٧٣٥ ) الباحث العلامة الذي أثبت بأن عمرو بن العاص لم يحرق مكتبة الاسكندرية في الفتح بأمر عمر بن الخطاب على ما يتهمهما بعضهم بذلك ظلما وقد كتب المؤلف الآن مبحثاً في المجلة الافرنسية قال فيه ما حاصله: شدد (جول فالي) في كتابه الأخير في كلامه على تأثيرات الكتاب السيئة فقال أنه طالما آذى قارئه بما ينبعث منه من الأفكار وخصوصاً كتب الأقاصيص والسير والغرام فلا تجد منتحراً إلا وقد سبقت له مطالعة أساليب الانتحار في كتاب ولا امرأة غادرت بيتها متهتكة إلا لأنها تلت القصص الغرامية ولا قاتلاً إلا سهلت له ما هو بسبيله مطالعة الكتب وكم أثرت الكتب في كبار الرجال فكانوا صرعاها في الحقيقة أمثال مورجة وموسه وبالزاك وساند، قال سيم أما الكتاب على التحقيق فهو كاللسان كما قال ازوب في الخير والشر هو رابطة الحياة المدنية ومفتاح العلوم به تعمر المدن وتنظم وبه يعلم الناس ويقنعون ويحكم الحاكمون والمسيطرون وبه تتم أول الفروض على المرء من حمد الله كما أنه اشر ما في العالم وأصل كل خصام وبلاء ومولد القضايا ومبعث الشقاق والحروب فإذا قيل أنه لسان حال الحق فهو أيضاً لسان حال الضلال بل النميمة والغيبة. فالمؤلف إذاً قد غالى في وصف سيئات الكتاب فنظر إليه من وجه وترك الوجه الآخر وهو وجه الحسنات وفاته الخير الذي يسد به والعلم الذي ينشره والعزاء الذي تتعزى به النفوس والغذاء الذي تتغذى به الأرواح فقد قال سلفستردي ساسي: ما قط عراني ألم من الآلام التي تداهم القلب إلا وعالجته فزال بمطالعة ساعة وقد قال الفيلسوف شيلر يخاطب قريحته: ماذا أكون أولاك أني أجهله ولكنني أرتعش عندما أرى مئات وألوفاً من الناس حرموا منك، ولذا أتوخى هنا أن ألقي نظرة فيمن أحبوا الكتب وأولعوا بها وجعلوا فيها لذتهم بل سمرهم بحيث خصوا بها كل شيء وصرعوا بها مختارين راضين. وكم من مولع بالكتب طال عمره كأن الكتب مما يطيل حبل الأجل فلو تتبعت سير الرجال منذ عهد ايراتوستين ( ٢٧٦ - ١٩٥ ق. م) إلى دانيال هوية ( ١٦٣٠ - ١٧٢١ ) لوجدت كثيرين من المعمرين المولعين بل المتجننين يحب الكتب ومنهم كيتي الفيلسوف والعالم تيرس والعالم كيزو واللغوي لتره والعالم ارنست لوكوفيه وغيرهم من المعمرين من أهل القرن الماضي والذي قبله وما منهم من قصرت سنه عن السبعين ومنهم من بلغ المئة وأكثر، وشيخ رجال الأدب اليوم في فرنسا المغرم بالكتب المشهور فرنسوا فرتيول بلغ السابعة والتسعين من عمره ولا يزال إلى اليوم في صحة ونشاط بين كتبه الكثيرة وأحبابه الموالين له. وأقدم صرعى الكتب ايراتوستين الفيلسوف الجغرافي الرياضي اليوناني من أهل القرن الثالث قبل المسيح دعاه بطليموس من آثينة إلى الاسكندرية ليفوض إليه إدارة المكتبة التي أنشأها فيها وإذ كف بصره في آخر عمره آثر الموت على أن يحرم من مطالعة الكتب ويحرم من دروسه المعتادة فانتحر جوعاً، وأحدث صرعى الكتب شارل ديديه ( ٨٠٥ - ١٨٦٤ ) مؤلف رحلات كثيرة على الشرق كف بصره فآثر الانتحار على العيش بدون تلاوة وهذا فعل، ومثله ستانيسلاس كويارد ( ١٨٤٦ - ١٨٨٤ ) العالم المستشرق استاذ اللغة العربية في كوليج دي فرانس فإنه لما استحكم منه المرض فضل الانتحار على أن يعيش في راحة اضطرارية منقطعاً عن عمله، ومثله الطبيعي الباحث الألماني اميل بسلس ( ١٨٤٧ - ١٨٨٧ ) أضاع في غرق مجموعاته الثمينة وسطت النار بعد سنين على مكتبته وجميع مخطوطاته فرأى الانتحار أفضل من تحمل ألم تلك الرزية التي أصابته. ومات بريان الأميركاني حزناً على كتبه الثمينة وكان أعطاها في حال غفلة لإحدى المكاتب ومات كوجه الافرنسي لأنه رأى عشرة آلاف من كتبه تنتقل إلى يد غير يده وكذلك اللغوي ريشارد برونك مات لأن الحالة المالية اضطرته أن يخرج عن ملكه بعض كتبه العزيزة، ومن الناس من حزنوا وهلكوا لما رأوا مجموعاتهم تنهب أو تعطل وكم من علماء وأدباء وخازني كتب قضوا بما وقع فوق رؤوسهم من الكتب والأسفار الثمينة الثقيلة أو وقعوا من سلم وهم بصدد وضع كتاب في بيته أو رفه أو إخراجه منه وكم من عالم أحرق كتبه بإهماله وذلك بشمعة سرى لهيبها إلى ورق أو أحرق نفسه بشمعة كما فعل تيودورمومسن المؤرخ الألماني الذي نقل النار إلى شعره الطويل الأبيض فمات من أثر حروق وكم من مولع بالكتب مثل بولارد ( ١٧٥٤ - ١٨٢٥ ) الذي جمع مكتبة فيها ستمائة ألف مجلد ملأ بها تسعة بيوت وأنهكه التعب في جمعها ونقلها فكانت سبب هلاكه. ومن الناس من قضوا على أنفسهم بصنعهم وانصرافهم إلى المطالعة والاستغراق في الكتب ومن هذه الطبقة انكتيل دوبورون ( ١٧٣١ - ١٨٠٥ ) المستشرق المشهور ناقل كتاب الزاند افستا الفارمي إلى الافرنجية وموجد الدروس الآسيوية في أوروبا وعارف لغاتها كلها كان مقتراً في مأكله وملبسه مستغرقاً فيما أخذ به نفسه حتى أنه لقلة هندامه ونظافته كان يظن أنه شحاذ فيعطيه بعض المارة دارهم متصدقين عليه فقضى عقيب أنهاك قوته في العمل ومن غرائبه أنه عين عضواً في المجمع العلمي ولما كان زاهداً في التشريفات ولا يغنى بغير المطالعة من أمور الحياة اضطر إلى الاستقالة، وكم من رجل حرم نفسه الطعام والأدام بل الدفء والثياب ليقتني بدريهمات يدخرها كتاباً ومنهم انطون ماكليابشي ( ١٦٣٣ - ١٧١٤ ) العالم الفلورنسي المولع بالكتب كان يعيش أحقر عيشة وأمامه كنوز من المال أنفقها على خزانة كتبه في فلورنسا وكذلك يوسف اندراوس زالوسكي أسقف مدينة كيف في بولونيا ١٧٠١ - ١٧٧٤ حصر كل وقته وقواه حتى جمع خزانة كتب حوت مائتي ألف مجلد فنهبها الروس سنة ١٧٩٥ ومن المولعين بالكتب ومطالعتها من كانوا يكرهون أنفسهم على عدم النوم ويغسلون أرجلهم بالماء البارد وهم في أبرد الأقاليم لئلا يناموا ثم يضعون المنبه على أوقات يعينونها ومن المولعين بالكتب ومطالعتها من كانوا يكرهون أنفسهم على عدم النوم ويغسلون أرجلهم بالماء البارد وهم في أبرد الأقاليم لئلا يناموا ثم يضعون المنبه على أوقات يعينونها ومن المولعين بالكتب نابليون الأول حرم نفسه أنواع الراحة لأول أمره حتى اقتنى بعض الكتب وعلم أخاه في المدرسة ومنهم يواكيم لوول ١٧٨٦ - ١٨٦١ المؤرخ البولوني العالم بالكتب والنقود نفته حكومته فنزل بروكسل عاصمة البلجيك وكان عزيز النفس لا يقبل معونة أحد وهو في فقر مدقع والفصل شتاء وهو لا مال له يبتاع به وقوداً يصطلي عليه في البرد القارس فاحتال بعض إخوانه أن يكتروا بجانب غرفته غرفة ويدخلوا أنبوب الموقدة من غرفته بعد أن أخذوا رأيه وأظهروا له أن غرفتهم لا تدفأ إلا على هذه الصورة فقال لهم اعملوا ما شئتم وهكذا توصلوا إلى تدفئته بدون أن يشعر ويدفع درهماً. وكثير من الناس من ماتوا فوق كتبهم أو أمامها حتف أنفهم ومنهم بترارك الأديب الكبير ( ١٣٠٤ - ١٣٧٤ ) والفيلسوف الصقلي أنطون فلامينو من أهل القرن السادس عشر ومنهم سوليه الفرنسوي الذي آثر الوحدة على كل اجتماع وكانت حياته مثال العامل المجد وكتب بيتين لتحفرا على قبره معناهما: ولدت يتيماً وعشت وحدي في شبيبتي وكذلك في شيخوختي وهاءنذا وحدي هنا في القبر إلى اليوم سلك بحري تقول المجلات العلمية أن السلك البحري الذي سينجز هذا الشهر بين ألمانيا وأميركا الجنوبية قد بلغ طوله ١١٢٠٠٠٠٠ كيلو متر آخذاً من أمدان إلى تنريف فمونرونيا على شاطئ إفريقية الغربي ومن هناك إلى ليبيريا آخذاً إلى برنامبوكو فالبرازيل أما الفرع الثالث الذي يصل بين إفريقية والعالم الجديد فطوله ٤٥٠٠ كيلومتر. لحم الكلاب انتشر أكل لحم الكلاب في ألمانيا ولا سيما في إمارة ساكس ولحمها أغلى من لحم الخيل ويذبحون سبعة آلاف كلب كل سنة في تلك الإمارة لتناول لحومها. سكان الولايات المتحدة لم يكن للولايات المتحدة إحصاء معروف حتى سنة ١٨٢٠ يدل على سكانها وحركة الهجرة إليها وقد تبين بالإحصاء أنه دخل من ذاك العهد سنة ١٩١٠ ٢٠ مليوناً من المهاجرين أكثرهم من الطليان والعناصر النمساوية المجرية، وليس الانكليز والايرلنديون والسكانداولون والألمان قلائل بعدهم، وكان سكان أميركا إلى حرب الاستقلال من أصل انكليزي خاصة وفيهم كثير من الايكوسيين والايرلنديين هربوا من بلادهم تخلصاً من ظلم الحكومة الانكليزية ثم جاء الألمان فالهو كنوت الفرنسويين والايكوسيون وزادت الهجرة عندما اشتد غلاء البطاطا في ايرلندا سنة ١٣٤٧ وفي ثورة ألمانيا وكان الشمال الغربي من بلاد أوروبا أولاً هو الذي يهاجر منه المهاجرون بكثرة إلى الولايات المتحدة ثم سرت هذه البدعة إلى سكان جنوبي أوروبا وهم اليوم أكثر الأوروبيين هجرة، ومن الغريب أن البلغاريين والرومانيين والصربيين لم يهاجروا كما هاجر غيرهم من سكان أوروبا مع أنه هاجر كثيرون من أهل البوسنة وبولونيا وغاليسيا كما أخذ يهاجر اليوم كثير من أهل الممالك العثمانية ولا سيما أهل سورية وأرمينية. انكلترا والسلام ظهر من إحصاء حديث أن انكلترا على الرغم مما تسعى إليه في حفظ السلام قد أنفقت في القرن التاسع عشر ثلاثين مليار فرنك على حرب نابوليون والقريم وجنوبي إفريقية وخسرت سبعمائة ألف من رجالها وقد أفقدتها الهجرة منذ سنة ١٨٢٠ ثمانية ملايين من الأنفس هاجروا إلى أميركا وكان في الولايات المتحدة وحدها سنة ١٩٠٠ ٢٨٠٠٠٠٠ انكليزي أي أكثر من مجموع ما في أوستراليا وإفريقية الجنوبية وكندا من الانكليز. أمة السواب في بلاد المجر مستعمرة من السواب نزلتها منذ سنة ١٧١٦ وهو عهد تحرير الأمير اوجين لتلك البلاد من حكم العثمانيين ويبلغ عددهم اليوم مليون نسمة ويجتمعون في إقليم بانات وأسماء بلدانهم ألمانية ولكنهم قلما يتعلقون ببلادهم الأصلية وهم كالسكسونيين في ترنسلفانيا بأميركا قد أنشأوا لأنفسهم استقلالاً جديداً رقوه بنشاطهم في كل فرع من فروعه وليس لهم إلى الآن مقام رفيع في ميدان الأعمال العقلية ويكاد لا يوجد لديهم أكثر من خمسة عشر مؤلفاً وهم يفاخرون بأنه كان من شعرائهم القدماء شاعر اسمه نيقولا لونو ولهجة لغتهم كلهجة ذاك الإقليم وتآليفهم أشبه بالقصص التي كان يتلذذ بها الناس في ألمانيا منذ مئة سنة. السويد والشرق عثروا في السويد أثناء الحفر على كثير من الأمتعة والاعلاق يستدل من صورتها أنها شرقية أو جعلت على مثال شرقي واستنتج علماء الآثار من ذلك أنه كانت من القرن التاسع إلى القرن الحادي عشر للميلاد صلات منظمة بين السويد والعالم الإسلامي وربما مع الصين أيضاً فإن البلاد الواقعة في جنوبي السويد مملوءة بهذه النفائس والعاديات فقد عثروا فيها على ٣٠ ألف قطعة من النقود العربية من نقود القرن الثامن إلى القرن العاشر ضربت في فارس وبين النهرين وفي غيرها من البلاد الواقعة شرقي بحر الخزر مثل المخ وسمرقند وعثروا على آثار منها الفارسي ومنها الصيني ومن جملتها كأس من الفخار مزين بالمينا استخرجوه من مدفن في غوتلاندا يشبه كأساً من القلز كتبت عليه كتابات عربية بحروف كوفية عثر عليه في سوركوت من أعمال سيبيريا. قالت المجلة الآسيوية وجميع هذه المكتشفات ينجلى بها كلام مؤرخي العرب والروم البيزنطيين والايسلنديين الذين ذكروا مكانة التجارة السكانداوية في روسيا والمملكة البيزنطية وبلاد الإسلام وبما ظفر الباحثون في روسيا وسيبيريا بمثل هذه الذخائر وبها تسهل معرفة الطرق التجارية التي كان سلكها التجار بين السويد والشرق وإن ما عثر ما عليه أيضاً في جنزوف من الأسلحة والأدوات وأنواع الحلي ليدل على أنها سويدية الشكل ممزوجة بأصل عربي أو رومي ويرى المسيو ارن أن نهري الفولغا ودنيبر كانا هما الطريقين الأعظمين الواصلين بين بلاد السويد وفنلندا من جهة وبينها وبين بلاد الشرق من أخرى فكان يتيسر لتجار السويد أن يجتازوا الفولغا إلى حد بحر الخزر مما يوافق عليه مؤلفو العرب فقد قالوا أن الاجتماع كان في جنوبي هذا البحر فيصادفون في طريقهم في بلغار جنوبي قازان وفي اتيل جنوبي استرخان تجاراً قدموا من فارس وتركستان ليقايضوا معهم بضائعهم وكان سكان السويد يسيرون في نهر دنيبر حتى يبلغوا المملكة البيزنطية، وقد سرت التأثيرات الإسلامية إلى أعالي نهر دنيبر إذ قد ظفر الباحثون بالقرب من مدينة كيف بعقود سلكت في عدة أسلاك وهي من الصناعة الإسلامية، قلنا ولا عجب إذا عثروا هناك على آثار للعرب فقد ذكر المرحوم حسن أفندي توفيق من رجال النهضة العلمية المصرية في كتابه رسائل البشرى أنه وجد نقلاً في بعض الكتب عن القزويني في كتاب له يسمى آثار البلاد ما يستدل منه أن أبا بكر محمد الأندلسي الطرطوشي المعروف بابن أبي رندقة المتوفى في الاسكندرية سنة ٥٢٠ قد ساح في أرض ألمانيا ووصف بعضاً من بلادها فوصف مدينة مينس وسماها مغناجه ووصف بعضاً من بلادها فوصف مدينة شليزفيك وسماها شلشويق وذكر لنا الأستاذ المرحوم أن أحد علماء الجغرافيا من الألمان ذكر له أنه عثر في معجم ياقوت على ذكر مدن في حدود اسكاندينافيا من شمالي أوروبا فإذا صح الأمر وكان ياقوت ذكر بعض هذه البلاد استفاد من ذلك الباحثون من أهل السويد أن طريق التجارة كان أيضاً من البحر قاصدين إلى ألمانيا فجنوبي شرقي أوروبا حتى يقاضوا تجار العرب والروم بتجاراتهم ويستدل من كلام ابن رندقة أن السياحة كانت ميسورة في ألمانيا في القرن الخامس والسادس للهجرة وهو غريب فتأمل. يابان الحديثة اختلفت الروايات في تقدير رقي يابان في مادياتها وقد كتب أحد العلماء في مجلة العالمين الباريزية مقالة في هذا الصدد جاء فيها أن قليلاً في الشعوب من سارت سير اليابان في رقيها بسرعة فقد أثبتت قوة بحريتها وبريتها في حربين عظيمتين خرجت منهما ظافرة وبلغت الدرجة الرابعة ببحريتها بين الدول وعادلت تجارتها الخارجية تجارة أوستراليا وكندا وأحسنت بالانتفاع جد الانتفاع من مناجمها وصناعاتها، وسككها الحديدية وأسلاكها البرقية والتلفونية كما لدولة عظمى، وتقدر ثروتها بسبعين مليار فرنك وبفضل الإدارة المنظمة بلغت ميزانيتها ملياراً ونصف مليار فرنك ولم يكن لحكومتها سنة ١٨٦٨ إلى ١٨٨٥ أهم الصناعات الحديثة في بلاها لتضاهي بها أهل الغرب في مدينتهم، يقولون أن آسيا متأخرة بمدنيتها خمسين سنة عن أوروبا أما المدنية في يابان فإنها أرقى من كثير من ممالك أوروبا نفسها. التعليم في رومانيا رومانيا مملكة من ممالك البلقان كانت تؤدي الجزية للدولة العلية من سنة ١٣٩٢ إلى سنة ١٧١٦ ثم حكمتها مباشرة واستقلت نهائياً سنة ١٨٧٨ منفصلة عن العثمانية في مؤتمر برلين وهي مؤلفة من إمارتي مولدافيا والفلاخ ومساحتها السطحية ١٣٩٥٤٧ كيلومتراً وقد نشرت نظارة معارفها مؤخراً إحصاء بعدد الأميين والمتعلمين من أبنائها عن سنة ١٩٠٩ أي لمرور ٤٨ سنة على جعل رومانيا مملكة تبين منه أن أولاد رومانيا يجب عليهم أن يدخلوا المدرسة الابتدائية العامة من السنة السابعة إلى الرابعة عشرة وإذا رأت إدارة معارفها ضرورة تكره أولياء الأولاد أن يعلموا أطفالهم في مدارس إعدادية خاصة من سن السادسة إلى السابعة وإذا جاوز الولد الرابعة عشرة من سنه ولم يدخل مدرسة يضطر إلى دخولها ويمكث فيها سنة زيادة أما من تعلموا ما يجب تعلمه قبل أن يبلغوا الرابعة عشرة فيقضى عليهم إذا كانوا من أبناء القرى أن يواظبوا على مدارس للمراجعة، ولأولياء الأولاد أن يعلموا أولادهم في بيوتهم أو في مدارس خاصة تعترف بها الحكومة وإذا قدر لبعض الأولاد أن أخفقوا في امتحان سنتين من فحوص السنة المدرسية تقيد أسماؤهم في مدارس الحكومة على سبيل المعونة وقد بلغ عدد الأولاد الذين هم في سن الدراسة ٨٢٧٨٨٣ طفلاً وطفلة في القرى و ١١٠٥٧٣ في المدن وعدد مدارس القرى ٤٦٩٥ فيها ٦٤٦٠ معلماً وعدد طلابها وطالباتها ٥٠٤٢٩٧ منهم ٣٣٣٣٧٨ صبياً و ٧٠٩١٩ ابنة وبلغ عدد مدارس المدن ٣٧٨ فيها ١٣٢٤ معلماً و ٨٠٦٥٤ تلميذاً منهم ٤٦٢٧٦ ذكراً وفي رومانيا ٢٦٠ مدرسة خاصة فيها ٢٤٧٢٧ تلميذاً و ٨٨ ملجأ معظمها للاسرائيليين تؤوي ٣١٢٦ ولداً سنهم دون السابعة. قالت مجلة الاقتصاديين بعد إيراد بعض ما تقدم ونفقات المعلمين في هذه المدارس تؤديها الحكومة خاصة وقد كانت سنة ١٩١٠ - ١٣ مليون فرنك ٢٩٧٢٧١ فرنكاً ويؤخذ من إحصاء سنة ١٩٠١ أن أهالي رومانيا بلغوا ٤٧٦٣٦٩٩ ذكوراً وإناثاً سنهم أكثر من سبع سنين منهم ١٨٠٩٤٣١ يقرأون ويكتبون و ٢٩٥٤٢٦٨ أمياً ومعدل الأميين في المدن ٢٦ في المئة في الرجال و ٤٨ في المئة من النساء فيها و ٢١٠٥٦٠٥ من هؤلاء الأميين تجاوزت سنهم الحادية والعشرين فنجوا من قانون المعارف الذي يقضي بتعليم الأولاد إلى هذه السن و ٨٥٠٠٠٠ أمي تختلف سنهم بين السابعة والحادية والعشرين وقد بذلت العناية من وراء الغاية منذ عشر سنين لنشر المعارف بين غير المتعلمين من الرومانيين ولكن الأمر صعب والتغلب عليه بعد الآن، قلنا أما المملكة العثمانية فلا تعرف حتى الآن عدد أمييها من متعلميها بل لا تعرف عدد سكانها لأن كل شيء فيها موكول إلى التوكل والبركة لا إلى الحساب والتقدير. احتكار المجلات شاعت في الولايات المتحدة إشاعة أحدثت ضجيجاً وقلقاً في عالم الصحافة وذلك أن النقابة المالية التي يرأسها المثري الشهير مورغان تريد أن تحتكر المجلات الكبرى في تلك الديار لأن أحد أعضاء هذه النقابة قد ثبت أنه ابتاع عدة مجلات وهو مدير شكرة كرول التي لها ثلاث مجلات عظمى يبلغ ما تطبعه ١٧٠٠٠٠٠ نسخة وقد اشترى مورغان سهاماً كثيرة من شركة أخرى يريد ضمها إلى شركة كرول ويخشى مديرو المجلات أن لا يكون هذا الاحتكار داعياً يضطرهم لا نزال أجور الإعلانات، والذي نعجب منه في الأكثر أن المطبوع من ثلاث مجلات هو هذا القدر من العدد. سكان الهند أفاد لسان البرق أنه بلغ سكان الهند في الإحصاء الأخير ٣١٥ مليوناً وهو نمو هائل دل على استتباب أعلام الأمن وتوفر مرافق الحياة والصحة والثروة في تلك الأقطار الواسعة. المرأة والرجل اقترحت مجلة أدلة الترقي الفرنسوية على أرباب الأفكار وحملة العلم والأدب في فرنسا أن يكتبوا لها آراءهم في طلب المرأة التساوي بالرجل في حقوق الانتخاب وهو المطلب الذي اشتد النساء في ألمانيا وانكلترا والنمسا وفرنسا في المطالبة به في العهد الأخير لما ظهر من اقتدارهن ومسابقتهن الرجال إلى ورود حياض العلوم والمعارف فكتب لها الكاتبون وبعض الكاتبات الشهيرات بآرائهم فكانت في الأكثر مجمعة على وجوب تساوي النساء بالرجال في هذا الشأن وأن إشراكهن الرجل في الانتخاب حسن وربما كانت آراؤهن أميز من آراء الرجال في كثير من الأحوال. كارنيجي والسلام بعد أن دفع المثري الأميركي كارنيجي عشرة ملايين دولار للسعي في إبطال الحروب من الأرض وتعهد بأداء أربعين مليوناً آخر قوي الأمل بأن يرفع السلام أعلامه على الأرض وقد ألفت حكومة واشنطون لجنة من ٢٤ رجلاً من كبار ساسة الأميركان للنظر في هذا الأمر، قال كارنيجي في كتابه إلى هذه اللجنة إني أودع إليكم مبلغ عشرة ملايين دولار لتستعملوه في الإسراع بإبطال الحرب الدولية هذه الوصمة القذرة في وجه المدنية الحديثة وقد وصف أحد الألمان كارنيجي الأميركي وقال أنه رآه في السنة الماضية وهو في السن الثالثة والسبعين فرحاً مسروراً كأنه في الأربعين وقوة جسمه ناشئة من رياضته وهو حسن الظن في الأمور قوي الثقة بالمستقبل شعاره: كل شيء صائر إلى خير لأن كل أمر في تحسن اليوم بعد اليوم في هذه الدنيا وكيف لا يقول هذا وثروته تبلغ عشرة مليارات من الفرنكات هو ابن نساج ايكوسي (انكليزي) فقير جاء أميركا يبحث له عن عمل ولا تسل عن سروره يوم جاء إلى أبيه بستة فرنكات اكتسبها لأول مرة من عمله في أسبوع وهو لا يزال يذكر تلك اللذة وأن ربح بعد ذلك الملايين والمليارات ومن جملة حسنات كارنيجي أنه أسس ألفي مكتبة لأمته سبلها على المطالعة والمراجعة. أصل المصريين ألقى الأستاذ اليوت سميث محاضرة في مدينة مانشستر من بلاد الانكليز في أصل المصريين قال فيها: إن معرفة أصل قدماء المصريين كان موضوع بحث الكثيرين من زمن اليونان والرومان الذين دهشوا من أعمال الأمة المصرية الهائلة وعاداتها الغريبة، وقد بدأت الاكتشافات الدالة على أصل المصريين في سنة ١٨٩٤ باكتشاف الأستاذ بترى مقابر بين البلاص ونقاده في شمال مدينة طيبة كان داخلها أجسام وأشياء تاريخها سابق لتاريخ الأسرات التي حكمت مصر، وقد دل ذلك الاكتشاف على أن الأجسام التي وجدت قبل ذلك لم تكن مصرية بحتة بل كانت خليطاً من أجناس مختلفة، وأخذ كثير من المؤرخين يضعون نظريات بنوها على ما عثر عليه أناس لا علم لهم بالآثار بطريقة غير منظمة وهم على غير علم بما تدل عليه من الآثار التاريخية والفوائد الخطيرة العلمية قال إن من حسن حظه أنه بدأ في بحثه في مصر من سنة ١٩٠٠ وهو الوقت الذي ثبت في تمام الثبوت أن مقابر نقاده كان مدفوناً فيها أجسام من قبل بدء التاريخ وأمكن كذلك معرفة أعمار هذه المقابر معرفة تامة ومن سنة ١٩٠٠ تم كثير من أعمال الحفر والتنقيب اطلع عليها بأجمعها وبحث فيها بحثاً دقيقاً، وقد دلت البراهين الثابتة على أن المدنية المصرية قبل تدوين التاريخ كانت منتشرة في أعالي فروع نهر النيل إلى بلاد الحبشة ومن هناك إلى شاطئ البحر الأحمر. وكان من عادة المصريين قبل حكم الأسرات التي حكمتهم أن يدفنوا موتاهم واضعين رؤوسهم نحو الجنوب ولما أتت الأسرة الرابعة حدث اختلاط في الأجناس في الوجه البحري وبدأت الموتى تدفن ورؤوسها نحو الشمال، وكان المصريون يعتبرون سكان شاطئ البحر الأحمر أجدادهم ويقدسونهم ويسمونهم (بنطا) أي أنهم من دم واحد ومواطنيهم. وقبل بناء الأهرام أخذ المصريون في الاختلاط التام بالأجناس الأخرى وقبل أن بدأ تاريخ الأسرات المالكة كان المصريون قد اكتشفوا معدن النحاس فصنعوا منه أسلحة فتحوا بها الوجه البحري ولما اتحد الوجهان (القبلي والبحري) ظهرت الأسرة المالكة الأولى وفي هذا الوقت افتتح المصريون شبه جزيرة سينا وسواحل سورية إلى أن وصلوا إلى جبل لبنان وأدخلوا في غرب آسيا فوائد النحاس واستعماله وكان هذا الاختلاط بالأمم الأخرى باعثاً على تقدم المدنية المصرية فتقدموا في ذلك العصر تقدماً باهراً، وكانوا يعبدون آله الشمس (رع) على الدوام ولم تأت الأسرة الخامسة حتى انتشرت عبادة هذا الآله انتشاراً كبيراً وربما كان ذلك راجعاً إلى تأثير فتح البلاد السورية. وفي آخر العصر الحجري أتى إلى أوروبا أناس عن طريق آسيا الصغرى وكانوا يستعملون القلز ولهم عادات مختلفة في دفن موتاهم وقد تعقبت بقايا هذا الجنس فوجدت أنها تتصل بنفس المكان في سورية الذي كان يأتي منه المهاجرون إلى مصر في عهد بناء الهرم الأول حيث تعلموا استعمال النحاس من المصريين وكانو عبورهم من مضيق البوسفور إلى أوروبا قبل الميلاد بثلاثة آلاف سنة ثم اختلطوا من ذلك الوقت بمن كانوا عائشين في العصر الحجري وعلى ذلك فالجنس المسمى بالألبيين نسبة إلى الألب هم من نسل هؤلاء الأقوام الآسيويين ولما أتت الأسرة المالكة الخامسة ظهرت دلائل وجودهم في مصر الوسطى ثم في طيبة ثم أخذت تقاطيع المصريين وسحنهم تتغير تدريجياً. وكان من عادة الأجانب في مصر أن يطلقوا شواربهم وقد اكتشفوا أجساماً من آخر الأسوة المالكة الثالثة إلى السادسة مدفونة في الجيزة وسقارة وميدوم من هذا النوع وفحصت جماجمهم والخلاصة أن قدماء المصريين قبل بدء الأسرات المالكة والجنس الذي كان على شواطئ البحر الأبيض في القسم الحديث من العصر الحجري المسمى (Mediterranean Neolithic race) من دم واحد، وفي حكم الأسرة الرابعة امتزج المصريون والأجانب بسبب الحركة الكبرى التي كانت في غرب آسيا وترقوا في ذلك العهد رقياً كبيراً. لغة الاسبرانتو اخترع طبيب العيون الروسي الدكتور زامنهوف من فارسوفيا منذ سنة ١٨٨٧ لغة مساعدة دولية سماها الاسبرانتو وأقبل بعض الناس في العالم المدني على تعلمها إقبالاً جاوز حد المأمول فانتشرت في روسيا وفرنسا وألمانيا ثم تعدت إلى سائر الممالك وتجاوزت بحر الظلمات إلى أميركا وعقدت لها مؤتمرات في سنين مختلفة وعواصم مختلفة أهمها مؤتمر درسد وكان فيه ٤٢ نائباً عن ٤٢ أمة مختلفة لغتها عن لغة جارتها، وهذه اللغة مؤلفة من حروف لاتينية اختار لها مخترعها أبسط التراكيب وسهل التلفظ بها بحيث يتأتى لابن الغرب أن يدرسها في بضعة أسابيع وهي من أنفع ما يكون لتسهيل الصلات بين أبناء الحرفة الواحدة من مختلفي اللغات فبلغة الاسبرانتو يتفاهم الأطباء والأساتذة والمهندسون والعلماء والتجار من أي أمة كانوا وقد صار لهذه اللغة الآن مئة جريدة منها ما يكتب بها فقط ومنها ما يكتب بها وبلغة البلاد التي تصدر فيها وينشرون بها مجلة علمية تبحث في علم الإنسان والحيوان والاجتماع والنبات والطب والرياضيات ولها مجلات أخرى أدبية فنية وقد بلغ عدد جمعياتها في أميركا ٢٨٠ وفي آسيا ٣١ وفي أوروبا ١٢٠٣ وفي إفريقية وأوستراليا ٣٩ منها ٢٢٢ جمعية في ألمانيا فقط وناهيك بإقبال الألمان على كل ما يفيد وتأنيهم في الأخذ من الجديد، وقد قال من كتب عن لغة الاسبرانتو مؤخراً أنها ليست واسطة للمعاملات اليومية بين البشر بل هي الواسطة الوحيدة للقضاء على ألوف من المشكلات تنجم في الغالب من اختلاف اللغات وهي تبدو عياناً عند ما يراد الاتحاد مع أجنبي غريب في أي عمل كان فلغة الاسبرانتو لا تضر باللغات الموجودة بل أصبحت لغة ثانية لكل مدني من الناس وهذا نافع جداً للأفراد والإنسانية. اللغة المؤقتة تألفت في باريز جمعية عامة من الأساتذة بعثت إلى رئيس الجمهورية محضراً تصف فيه فضائل اللغة المؤقتة التي ألفتها قالت فيه أن هذه اللغة ساذجة عملية لا تكلف معانيها كبير درس وعناء وبها يتيسر لجميع سكان الأرض أن يلفظوا ويقرأوا ويكتبوا ويستمهلوا ويطبعوا ويخابروا بالبرق والتلفون بدون سابق درس في كل اللغات واللهجات مهما كانت منحطة (كلغة الجركس والداغستان مثلاً) وأن يفهموها أحسن فهم وأسرعه واكثر مما يتأتى لهم بالأساليب المعتادة، وقد ذهب هؤلاء الأساتذة إلى أن أصعب ما في اللغات التلفظ بها وإملاؤها فرأوا أن يكتب الإنسان كما يقرأ وأن يدل بحرف واحد على كل كلمة وأن كل صوت يعبر عنه بالحرف نفسه في كل اللغات التي يقع فيها ولذلك اخترعوا ألف باء مؤلفة من ٤٥ حرفاً منها ذو علائم وإشارات وتسهيلاً لتعلم هذه اللغة اخترعوا دفاتر يشرحون في الصفحة الأولى منها قواعد تلك اللغة وأصولها وقد تركوا الثانية بيضاء لتطبيق هذه اللغة على العمل والتمرن فيها ووضعوا ملايين من هذه الدفاتر في المطاعم والفنادق ومكاتب البريد والمخازن والمحطات والمدارس ليصبو كل إنسان أن يجرب بنفسه تعلم هذه الطريقة وبذلك تتم بث دعوتها وتنتشر بين الناس أقصى الانتشار ويقول مخترعو هذه اللغة أن حسناتها إذا أضيفت إلى لغة الاسبرانتو تزيح الجهل الذي هو مبعث الحروب والثورات والشقاء الخاص والبلاء العام وأن لغتهم أداة صلة معقولة بين مطبعة غوتمبرغ مخترع الطباعة وآلة أديسون مخترع الفوتوغراف أي بين العالمين القديم والجديد. الانكليزية الفرنسية اخترع أحد الأساتذة لغة جديدة مزج بها اللغتين الانكليزية والافرنسية وهي نوع من لغة الاسبرانتو تنفع أبناء هاتين اللغتين فقط وقد وزع كراسة بمنافع لغته أباعها من الجمهور، فقالت عنه المجلات أن هذه هي النتيجة الأولى لاختراعه واستضحك منها كل من تلاها وهذه نتيجة ثانية، وقالوا أن هذه اللغة أشبه باللهجة الفلامندية المعقدة المعروفة في بلاد البلجيك. التثاؤب كثيراً ما كان الأطباء يقولون بشناعة التثاؤب حتى قال أبقراط أن التثاؤب كالشهقة بشع من صاحبه كما هو ضار في غيره وأن أحسن علاج للتوقي من التثاؤب أن يطيل المتثائب نفسه، وقد قام في العهد الأخير طبيبان في أوروبا يريان أن لا بأس بالتثاؤب وأنه نافع لأمراض الحلق ومن يحسن التثاؤب جادت رئتاه وجميع مجاري تنفسه ولكن الواجب أن يتمرن المرء على التثاؤب كما يتمرن على تنفس الهواء فيجب أن تشتغل بالتثاؤب أعصاب الصدر والحلق معاً وأن يكون عميقاً ملياً ما أمكن وأن يتثاءب المتثائب وذراعاه مبسوطتان بحيث يبدل الهواء الذي يجري في الدماغ والقلب والأحشاء كل التبدل ويكثر من إخراج النفس وبذلك قد يسهل البلع على من لا يستطيعه وتقل اضطرابات السمع على المصابين بها وهي تكون مصاحبة لزكام الحلق أما طريقة التثاؤب فسهلة للغاية وهي عبارة عن أن يتثاءب المرء ست أو ثماني مرات متوالية بالعاً ريقه بعد كل مرة قالت المجلة التي نعرب بها وإذ كان التثاؤب مما تنفر منه طباع الحضور في مجلس وقد يؤدي إلى أن يحذو حذوه غيره فالواجب على الإنسان كما قال الأخلاقي لابرو يبران يتثاءب في بيته لئلا يزعج غيره بما يكره. غابة تحت الأرض اكتشفت في ساندي هوك في ولاية نيوجرسي من أعمال الولايات المتحدة غابة تحت الأرض على بعد ١٣٠ متراً عمقاً بينا كانوا يحفرون آباراً ارتوازية وأشجارها عظيمة جداً قطر الواحدة نحو سبعة أمتار، والغالب أن هذه الغابة قد انهالت عليها الرمال فطمتها ويؤملون أن يعثروا في هذا المكان على كميات وافرة من العنبر الأصفر. أجور المنازل اشتدت وطأة الغلاء في أجور المنازل في عواصم العالم المدني فباتت فوق طاقة العاملين والمحترفين ففي إحصاء أخير أن في مدينة برلين ٥٢٠٤٤١ مسكناً منها ثمانون في المئة مؤلفة من غرفتين ومطبخ وهذا مما يضر بصحة من يسكنون في مثل هذه المحال في بلد يتجاوز سكانه المليونين أي أن تسعين في المئة يسكنون في مثل هذه المساكن المتلاصقة وقد كان الرجل يسكن منذ قرن ونصف بإنفاق خمسة في المئة من دخله وارتقت الأجور سنة ١٨٥٠ إلى عشرة في المئة واليوم لا يستطيع السكنى بأقل من ١٥ إلى ٢٠ في المئة وربما اضطر بعض الأساتذة أن ينفقوا نحو ربع مشاهراتهم ليسكنوا بيوتاً لائقة بهم في الجملة والسبب في زيادة الأجور بدعة المضاربات في أراضي البناء في المدن، والناس في الغرب يطلبون تدخل الحكومات في مسائل الأجور وأن تنشأ لجان لتفتش المساكن. لغة الفرنسيس عقد مؤتمر في بروكسل للنظر في اختيار لغة دولية تقوم بالغرض المطلوب لدول أوروبا من كل وجه فكان القائلون بتفضيل اللغة الافرنسية أكثر من غيرهم وقد كان للقائمين بهذا الأمر عضد قوي من رجال الكليات في العالم ماخلا ألمانيا فإنه لم تسبق دعوتها إلى هذا الغرض أما المتأدبون والعالمون وأرباب الأعمال العقلية فقد فضلوا كلهم لغة هوغو وراسين على غيرها من لغات أوروبا. الأولاد والكسب نشر مجلس الصحة في كليفورنيا من الولايات المتحدة نشرة قال فيها أن تعليم الولد إلى سن العشرين يكلف في كليفورنيا ٤١٥٠ دولاراً أي نحو ألف ليرة عثمانية وأن قيمة الولد في تلك السن تساوي ٤٠٠٠ دولار وبذلك يمكن أن يثمن الشاب في سن الثلاثين ب - ١٦ ألف دولار على التعديل المتوسط أي أنه يربح منه ١٢ ألف دولار في عشر سنين ويكون قد كلف ١٠١٥٠ دولاراً فيبقى الربح الصافي ٥٨٥٠ دولاراً ومعدل ما يكلف الولد في المدارس في الولايات المتحدة ٢٩٠٠ ريال فإذا حسب العاملون الدارسون من أهل كلفورنيا بلغت قيمتهم ٦٨٩٥٠٠٠٠٠٠ ريال أو نحو ضعفي سائر موارد الثروة والحكومة تفقد كل سنة مئة مليون ريال في تلك الولاية بالأمراض والموت الفجائي الذي يمكن تلافيه لو حسنت العناية بالصحة أكثر من ذلك، هذا ما يساويه سكان ولاية واحدة هناك فكم يساوي سكان ثلاثين ولاية عثمانية. الاشتراك والبلديات  كتب صاحب مجلة أدلة الترقي مقالة في الحركة الاجتماعية وتأثير اشتراك البلديات في أوروبا قال فيها أن ارتقاء الصناعات وإنشاء المعامل دعا إلى تباعد المسافات بين دور العملة ومحال أعمالهم فاستدعى ذلك تنظيم التراموايات ومدها إلى الأماكن البعيدة وإضاءة الشوارع بالأنوار الكهربائية أو الغازية ولكن رأت بعض البلديات أن التراموايات هي لشركات لا تنظر إلا إلى ربحها فابتاعتها منها ناظرة في استثمارها كما فعلت بلدية فينا إلى مصلحة الأهلين أولاً فنتجت من ذلك نتائج حسنة وهكذا نظرت المجالس البلدية في المدن الكبرى وبعض الصغرى إلى حالة المساكن فأنشأت بعضها مساكن صحية للعملة بأجور زهيدة وكانت مدينة زوريخ متقدمة على المدن عامة فخربت ربع المدينة القديمة وبنت مكانها مساكن منظمة على هندسة وشوارع حسنة وحدائق عامة وخاصة وأنشأت إدارة ترسل مقداراً من النور في السنة لكل بيت وماء سخناً للحمامات كل يوم وإذ كانت مسائل اللحم والخبز واللبن من المسائل المشكلة على الفقير أيضاً مثل مسائل البيوت الصحية الرخيصة رأت بعض بلديات ألمانيا أن تفتح على نفقتها مسالخ ومخازن لبيع اللحوم بأثمان معتدلة فتخلص العملة بذلك من احتكار القصابين وكذلك فعلت بلدية بودابست وأنشأت مخبزاً تبيع منه الخبز للعملة بأثمان حسنة بالنسبة لسائر الخبازين حتى اضطروا أن يجاروها ويرحموا الفقير، ومنحت بلدية رومية نصف مليون ليرة لإنشاء بيوت للعملة رخيصة صحية وأنشأت بلدية ميلان صيدلية ارتقت ارتقاء مدهشاً وبها انحل عقد المحتكرين من الصيادلة وتراجع أمرهم وأنشأت بلديات بعض مدن انكلترا معامل لتعقيم اللبن وبيعه من المواضع وغيرهم تبيعهم لبناً خالصاً لا غش فيه وكذلك فعلت بعض البلديات في ألمانيا وأخذت على نفسها بعض البلديات تجهيز الموتى بأثمان بخسة لإنقاذ الفقراء من مخالب الدافنين والمكفنين واشتطاطهم في الأجور وأنشأت بعض البلديات صناديق للتوفير للعملة أتت بنتائج حسنة كما أن جميع هذه الأعمال التي قامت وتقوم بها البلديات قد نفعتها مادياً كما نفعت الطبقة البائسة والمتوسطة بها وكل هذه الأعمال يقصد بها قيام الجماعة منظمين أمرهم بنظام المجالس البلدية ليدفعوا عن الفقير والعاجز بل عن مجموع أممهم غوائل احتكار الأفراد للمصالح العامة والحاجيات الضرورية ويعملوا على ما فيه مصلحة الناس عامة لا مصلحة أناس مخصوصين، وكانت انكلترا أول من فكر في مثل هذه الأعمال النافعة فعسى أن نكون نحن آخر من يفكرون في احتذاء ذاك المثال النافع والهدي الرافع. لغة دولية مزدوجة عرض جماعة من العلماء سنة ١٩٠٠ مشروعاً نافعاً في ربط عهود الوفاق بين كل من فرنسا وانكلترا والولايات المتحدة الأميركية وهو أن تتداول حكومات هذه الممالك في عقد عهد تضطر بها كل منها أمتها أن تتعلم لغة الأخرى إجبارياً في المدارس فكما يتعلم الانكليزي والأميركي اللغة الانكليزية في مدارس بلاده يتعلم اللغة الافرنسية كذلك وكما يتعلم الافرنسي لغته في مدارسه يتعلم معها الانكليزية مضطر أيضاً وقد قال أبو عذر هذا الفكر المسيو بول شابليه أن انتشار اللغة الانكليزية قليل في قارة أوروبا اللهم إلا في بعض السواحل القليلة وهكذا في إفريقية الشمالية، والانكليزية منتشرة في أميركا الشمالية والجنوبية وشرقي آسيا ولكل لغة من هاتين اللغتين منطقة انتشرت فيها ولم تنازعها فيه الأخرى فإذا جرى وفاق من هذا القبيل تقوى كل من اللغتين قوة هائلة خصوصاً وأن لكل لغة من تينك اللغتين أناساً بل أمماً ترغب في تلقفها وتفهمها فللتجارة اللغة الانكليزية وللسياسة والسياحة والمجالس اللغة الافرنسية، ولكن جاء هذا الاقتراح في غير أوانه إذ كانت على ذاك العهد توترت العلائق بين فرنسا وانكلترا وأخرجت الثانية الأولى من فاشودة وكانت انكلترا مهتمة بحرب البوير فلما صفا جو الصلات اليوم بين الدولتين قام صاحب هذا الفكر بعرضه على الأنظار فوفق إلى إقناع أحد كبار الأغنياء في أميركا فتعهد أن ينفق على تحقيق هذه الأمنية كل ما يلزمها من المال ويقول العارفون أن هذا التدبير أفضل من اختراع اللغات الصناعية وستنتج منه نتائج كبرى عملية لتلك الأمم الثلاث من حيث الماديات والمعنويات، ونحن نقول أن هذا الفكر نافع جداً في المملكة العثمانية أيضاً ولا سبيل إلى ترقيتها إلا إذا تعلم الأتراك لغة العرب وتعلم العرب لغة الترك وبذلك يحصل التفاهم ويزول كل خلاف وهذا رأي كبار عقلاء الدولة وقد سئل عن معنى سوء التفاهم الواقع بين العرب والترك فقال لا سبيل إلى إزالته إلا إذا ترّكنا العرب وعرّبنا الأتراك. حفظ الأسماك اخترعوا في باريز آلة تخرج ثلجاً كالثلج الطبيعي حذو القذة بالقذة والنعل بالنعل وهذه الآلة نافعة في حفظ الأسماك إذ قد ثبت أن بعض الأسماك في البحيرات والأنهار يهلك كثير منها لأن الثلوج والجليد تنقطع عنها فجأة وبهذه الآلة الجديدة ينزل الإنسان الثلج على الأماكن التي يريدها ويحفظ السمك بطعمه ولذته في الأبعاد الشاسعة وعلى متن البواخر التي تشق العباب بين قارات الأرض الخمس أياماً وليالي وباستعمالها اقتصاد عشرين في المئة من أدوات الثلج الصناعي أو الجليد المعروف في هذه الديار. مدارس الشعب في انكلترا نشرت مجلة التربية لمحة لأحد قدماء مديري المدارس الانكليزية في ترقي مدارس الشعب (Public schools) هناك منذ خمسين سنة جاء فيها أن مدارس الشعب في انكلترا تقسم إلى قسمين قسم يدعى في العادة الابتدائي والآخر الثانوي، ولفظة ثانوي مأخوذة من الافرنسية وربما كان كوندورسه هو أول من استعملها سنة ١٧٩٢ فالمدارس الابتدائية يتعلم فيها أبناء العملة منذ صغرهم حتى سن الخامسة عشرة ولا يعلم فيها غالباً غير اللغة الانكليزية وهي أشبه بمدارس اختيارية أنشأتها الكنيسة وهي تنفق عليها ويرد تاريخها إلى بضعة قرون، أما برنامج دروسها فهو منظم الآن على طريقة واحدة تحت إدارة مجلس المعارف والحكومة تنفق عليها وتراقبها وتكره القوم على تعليم أولادهم فيها. وليس لهذه المدارس مثيل في وحدتها في المدارس الثانوية أو في المدارس العالية، وقد جمعت طريقة التعليم فيها بين الطريقةالقديمة والطريقة الحديثة إذ فعلت فيها المؤثرات السياسية والاجتماعية والدينية والتعليمية واضطرت أن تخرج طلبة ينتقلون منها إلى كليتي اكسفورد وكمبردج. يبدو لك التعليم الثانوي في انكلترا لأول وهلة مرتبكاً فله مدارس قديمة وأخرى جديدة ومدارس تنال رواتب من الحكومة وأخرى ليس لها رواتب ومدارس دينية وأخرى مدنية فقط ومدارس لها مجلس إدارة وأخرى ليس لها ذلك ومدارس تقبل أعطيات الحكومة وأخرى تستنكف من قبولها ومنها المحتفظة بالطرق القديمة في تدريسها ومنها من أتت على القديم فدكته واستعاضت عنه بالجديد من الأصول وقصارى القول أنك تجد مدارس من جميع الطبقات والدرجات والصفات ومدارس الشعب هي في الجملة التي لها مجلس إدارة وليست ملكاً لأحد وتبقي تلامذتها إلى أن يبلغوا التاسعة عشرة من أعمارهم وتبعث بقسم من قدمائهم إلى كليتي أكسفورد وكمبردج، فتخرج بهذا التعريف المدارس الخصوصية والاستعدادية والمدارس الصغرى والمدارس التجارية والصناعية والمدارس التي لا تعلم اللاتينية واليونانية والمدارس الثانوية التي أنشئت حديثاً تحت حماية الحكومة ويقصد منها أن تعم التربية العامة في الطبقات الوسطى وتعليمها تعليماً تجارياً أو صناعياً أو تخريج أساتذة للمدارس الابتدائية. وبين مدارس الشعب والمدارس الثانوية في انكلترا اختلاف حقيقي فالأولى تكون على الأكثر داخلية وأساتذتها ممن تخرجوا في الكليات العظمى وتلامذتها يأتون من بيوت آبائهم مباشرة أو يكونون متخرجين في المدارس الاستعدادية وأجور التعليم فيها غالية ويعلمون فيها اللاتينية واليونانية ولها ارتباط كلي مع الكليات أما المدارس الثانوية فتلامذتها خارجيون والسواد الأعظم منهم يتخرجون قبل في المدارس الابتدائية وأجورها خفيفة ولا يعلمون فيها إلا قليلاً من اللاتينية ولا أثر لتعليم اليونانية فيها وقلما يبقى التلامذة فيها بعد سن السادسة عشرة أو السابعة عشرة وهي تحت نظارة إدارة التربية والحكومة المحلية، وبعد فقد نشأت مدارس الشعب كما قلنا على صور شتى فمنها ما أنشأته الأديار والبيع ومنها ما أنشأه الملوك أوالأفراد أو شركات أو جمع لها المال بالاكتتاب العام فهي تسد حاجة أبناء من يديرون شؤون البلاد وقوائم دروسها تنفع من يريدون التدرج والترقي منها إلى الكليات أو إلى الجيش ويعملون الأعمال الحرة ويستخدمون في الوظائف الملكية في العاصمة والمستعمرات والهند أو في الفروع العالية التجارية والصناعية وفي هذه المدارس نحو ثلاثين ألف طالب وربما كان في المدارس التي تعد الطلبة للدخول فيها بعد نحو عشرة آلاف. والسبب الأعظم في كون مدارس الشعب واقفة في أصولها عند حد محدود ارتباطها بالكليات ولأن مديري شؤونها وأساتذتها وتلامذتها هم من أرباب الأملاك أو الذين يتعاطون الصناعات الحرة، وأهل هذه الطبقة في انكلترا هم من المحافظين في السياسة والتربية وربما كان لهذه المدارس من قدمها مادة لبقائها حتى الآن ولذا فإن شركاتها أو جمعياتها تدعو فيها إلى التعلق بأذيال الماضي، ولشهرة المدرسة وتقاليدها وأسلوبها شأن أعظم من شأنها في التربية العملية أو التعليم الراقي. ويعيش تلامذة هذه المدارس داخليين لا في بيت واحد متسع بل في بيوت منفصلة بعضها عن بعض يوسد أمر النظر فيها إلى أساتذة ويختلف عدد المتعلمين في كل مدرسة منها بين ١٢ إلى ٥٠ وربما زاد عن هذا القدر يعيشون عيشة اجتماعية ودية ويتحابون على نحو ما يتحاب الأتراب ويتعاطفون تعاطف الأخوة ولجميع هذه المدارس الكبرى معابد يصلون فيها على وتيرة دائمة إن لم تكن متصلة بكنيسة، وللدين فيها تأثير شديد، والعامل الرئيسي في نجاح معلم في المدارس الابتدائية طريقته وأسلوبه وفي أستاذ الكلية سعة عمله وفي مدارس الشعب أخلاقه ولذلك تجد المعلمين والمتعلمين في هذه المدارس الأخيرة مرتبطين بحب مدارسهم والإخلاص لها ارتباطاً ينم عن سير المدرسة وأخلاقها وتقاليدها ومن مبادئ هذه المدارس أن تمنح تلامذتها ثقة كبرى وقد فوضت قسماً مهماً من المراقبة والنظام في بيوت المدرسة ومحال اللعب للمسنين منهم وللرياضات شأن عظيم جداً في حياة المدرسة وفي تربية الأخلاق. وقد وصف اللورد بيكو نسفيلد هذه المدارس بقوله: إن ما يعجبني في مدارس الشعب هو أن طلبتها يعيشون في الهواء الطلق ويبرعون في جميع الألعاب الرياضية ولا يتكلمون إلا بلسان واحد وقلما يقرؤون، حقاً إن هذه الطريقة في التربية غير تامة ولكنها لم يسبق لها نظير منذ عهد اليونان. وقال أحد علماء التربية أن مدارس الشعب كانت تنجح كثيراً في تخريج الرجال، وعلى ما دخل هذه المدارس من الإصلاحات لا تزال تنظر إليها نظراً ثانوياً ولا ترمي إلا إلى غاية واحدة وهي أن تخرج رجالاً أكفاء أمناء وطنيين مسيحيين وبعبارة ثانية أعضاء نافعين في الكنيسة والحكومة. وإن ما دخل من الإصلاح على هذه المدارس منذ خمسين سنة وما يرجى إدخاله لا يتأتى فهمه على حقيقته إلا بالرجوع إلى تاريخها فإنا نراها إلى اليوم تدرس اللغتين الميتتين اللاتينية واليونانية بل قد جعلتهما المادة الجوهرية في التعليم الحر ويكفي أن نقول إن السبب في دخول هاتين اللغتين إلى التعليم العالي في الغرب المسيحي هو أن الكنائس كانت بجوهرها في القرون الثلاثة الأولى يونانية الأصل وكذلك اللغة والنظام والفلسفة، وباللغة اليونانية بلغت الآداب على اختلاف فروعها ما عدا الفقه أوج اكتمالها، وأصبحت اللاتينية في خلال القرون اللاحقة في جميع غربي أوروبا لغة المستنيرين من الناس وفي القرون الوسطى جعلت الكنيسة وكانت إذ ذاك القوة المريبة الوحيدة في أوروبا اللغة اللاتينية لغة عامة، وعلى عهد النهضة انتشرت الآداب واللغات الأولى انتشاراً عظيماً في إيطاليا ثم تلتها حركة الإصلاح المهمة في مدارس ألمانيا بقيام ستورم وملانكتون وكان يدافع عن اللغات الأصلية دعاة متحمسون لا مثل ايراسم فقط من رجال الأدب بل مثل لوثيروس من رجال الإصلاح الديني فإن هذا دعا رؤساء الحكام في جميع مدن ألمانيا إلى تأسيس مدارس تدرس تلك اللغات القديمة حتى قال بعضهم: يجب علينا أن نرتبط بحب اللغات ارتباطاً رائده الثبات كما ارتبطنا عن رضى بالانجيل فإنا إذا لم نحتفظ باللغات لن نحتفظ بالانجيل ولقد أثرت بانكلترا مثل هذه العوامل فكانت بعد عهد الاصلاح تعد اللغة اللاتينية لغة الكنيسة ولغة من تطمح نفسه إلى المناصب الرسمية وظلت اللاتينية لغة العلم والسياسة إلى سنة ١٦٦٠ ولكن مدارس الشعب لم ترجع عن طريقتها في التعليم إلا بعد أن قامت ألمانيا وفرنسا وعنيت بإصلاح التعليم العالي لما له من الشأن في تكوين الوطنية وهذا لم يتم إلا في أوائل منتصف القرن الماضي وإلى ذاك العهد كان تلامذة تلك المدارس يكتبون باللغةاللاتينة وينظمون بها ولا يدرسون الافرنسية إلا قليلاً أما الألمانية فكانوا يجهلونها كما يجهلون العربية وكانوا يعنون عناية خاصة بتلقين مبادئ الرياضيات ولا سيما الهندسة الوصفية وكان الأساتذة يجيدون في تعلم اللاتينية واليونانية والعلوم الرياضية وهم شيوخ يدرسون هذه المواد منذ أربعين سنة أكثر من المحدثين لأن خواتيم من يمارسونها أحسن من مباديها والحال ليس كذلك في مدرسي التاريخ والأدب والعلوم والاقتصاد السياسي فإن هذه الموضوعات تضعف كلما قيلت وتنوقلت فأدرك رجال العلم إذ ذاك أن هذه المواد لا تنبه ذهن التلاميذ ولا تلتئم مع مصلحتهم لأن ليس فيها نفع عام. دام ذلك حتى أخذت بعض الكليات بعد سنة ١٨٦٧ تنفق من حسابها لتعليم بعض التلامذة فعندها اضطرت معظم مدارس الشعب إلى تقسيم تعليمها فمن التلامذة من اختاروا طريقة التعليم الحديثة بدون تعلم اليونانية وتعمقوا باللغة الافرنسية والألمانية والتاريخ وأصبحت مواد كثيرة اختيارية لمن يريد أن يتعلمها ومنهم من أخذ يميل إلى الاخصاء أي التخصص بعلم واحد ولا سيما في المدارس المهمة. وها قد أصبحت هذه المدارس اليوم ولها معامل كيماوية ومراصد فلكية وخزائن كتب ورقي فيها تعليم الآداب الانكليزية واللغتين الافرنسية والألمانية وعدلت فيها الكتب وصرفت العناية إلى تعليم العلوم ومنها علم التربية وأصبح تعليم الموسيقى من المواد المهمة في التدريس وطلبة هذه المدارس يدخلون في مسائل اجتماعية مهمة من مثيل معاونتهم للفقراء والأخذ بناصر الضعفاء في الأحياء الفقيرة من المدن الكبرى ويتعلمون التعليم الوطني أو واجبات الوطني في المدارس المهمة ومعظم كبار الطلاب يتعلمون التعليم العسكري ليستعدوا به إلى نيل رتب الضباط في الجيش البري وكثير منهم يتعلم صناعة يدوية كالنجارة مثلاً، كل هذا والغرض اليوم من هذه المدارس لم يفت القائمين بها وهي أن تربي الأخلاق وترقي المدارك ولكنها لم تبلغ في الأمر الثاني درجة عالية وذلك ناشئ من تأخر نمو العقل في أبناء الانكليز فيظن الأساتذة أن عقول طلابهم كسلانة لا تعمل وقد قال أميرسون الفيلسوف الأميركاني: إن التربية هي ما يبقى في أطوارنا وعقولنا عندما ننسى ما علمتنا المدرسة إياه وقال الأستاذ سدلر: تشتد القوة الحيوية في التربية إلى قوة الثقة بالنفس والإخلاص في المعتقد فإذا لم يكن للمربي رسالة يريد تلقينها لعقل من يربيه وإبلاغها لروحه يتعذر وصوله إلى وضع أسس الشخصية الأدبية وهي المصادر التي هي أحسن ما في الحياة الشخصية والحياة الوطنية، فمبدأ التربية أيضاً منبعث من هذه الرسالة الروحية التي يبلغها الأستاذ وبدونها تضمحل قوتها الحيوية. هذا ما عربناه من كلام الأستاذ الانكليزي وقد أمل لهذه المدارس نجاحاً أوكد في هذه الخمسين سنة التالية لما يعتورها من الإصلاح التدريجي فماذا يقول ابن هذه البلاد عندما يذكر ما يكتبه عنا علماء التربية والاجتماع فقد قال أحد الألمان ممن قضوا عشرين سنة في العراق أن الأمة العربية تموت الموت التدريجي لفساد طريقة التعليم فيها فاللهم قبض لمدارسنا الأهلية والرسمية والدينية من يصلحها الإصلاح الحقيقي ويعوضها من أصول التعليم المطول الممل بأصول حديثة ترقي الخلق والعقل ومن الخطط (البرنامج) المطولة التي هي طلاء ظاهر بخطط مختصرة ظاهرها كباطنها. التربية في سويسرا نشر الأستاذ ستودر الانكليزي مبحثاً له في التربية السويسرية وإذ كان ممن تربوا في مدارسها قديماً غدا كلامه جديراً بالثقة والنقل قال ما نعربه عن إحدى مجلات التربية الباريزية: التعليم في سويسرا على ثلاث درجات ابتدائي أو موجز وثانوي وعال وكلها ذات صبغة ديمقراطية يجلس على مقاعدها أبناء جميع طبقات المجتمع كتفاً إلى كتف وقد قضى قانون الاتحاد السويسري منذ سنة ١٨٧٤ أن يكون التعليم الابتدائي إجبارياً مجانياً وتراعى حرية الوجدان فيه بيد أن تطبيق هذه القاعدة تختلف باختلاف الأقاليم فترى مدة الدروس لا تتشابه في كل إقليم وكذلك التعليم الديني يختلف بحسب البلاد، ومن أقاليم سويسرا ما يكره فيها الولد على البقاء في المدرسة من السنة السادسة إلى الرابعة عشرة ومنها ما تكون مدة الإجبار من السابعة إلى الخامسة عشرة ومنها ما يسمح للولد أن يخرج من المدرسة في الثالثة عشرة بعد أن يؤدي امتحاناً وعلى كل تلميذ أن يحمل دفتراً ينبئ بهويته، وكذلك الحال في قائمة الدروس فإنها تختلف كل الاختلاف لأن الأقاليم والبلديات لها مطلق الحرية أن توفق الدروس على حسب الأحوال المحلية بحيث يقال أن أعضاء المجالس البلدية في كل قرية لهم اليد العليا على كل ما يتعلق بالتعليم فيحددون بحسب إرادتهم أوقات العطلة ومدتها ويختارون المعلمين ويوافقون على إحداث مدارس أو أبنية جديدة ويتعهدون بالاهتمام بأنفسهم شؤون مدارسهم وتفتيش صفوفها في مدد معينة والنظر في راحة الأساتذة والتلامذة، وما من مجلس من هذه المجالس يتوقف في بذل أقصى العناية بأمور التعليم، والحكومة تؤدي نفقات المدارس الابتدائية وفي بعض الأماكن تعطي للأولاد الكتب ولوازمهم المدرسية من المدرسة كما تعلمهم مجاناً وفي أيام الشتاء يقدم للأولاد طعام الغداء بثمن زهيد جداً وأحياناً بدون ثمن. تكاد تكون جميع المدارس من أملاك الحكومة وليس معنى ذلك بأن ليس ثمت بعض مدارس أهلية خاصة فإن بعض المدارس تتوخى في تعليمها غاية مخصوصة وبعضها تسعى إلى منافسة المدارس العامة ولكنها خاضعة لشروط فجميع الأولاد الذين يقرؤون في مدينة نوفشاتل على أساتذة خاصة أو يختلفون إلى مدارس خاصة يمتحنون كل سنة أمام لجنة من المحكمين وتجبرهم الحكومة على دخول مدرسة عامة إذا رأت أن نجاحهم في دروسهم غير مرض، وعلى كل أستاذ يعلم لنفسه تعليماً حراً أن يكون حاملاً شهادة أو يمتحن امتحاناً خاصاً في المواد التي تعادل ما يدرس في مدارس الحكومة، والمدارس الخاصة في كل طرف من أطراف سويسرا خاضعة لتفتيش الحكومة. والتعليم الثانوي مجاني أيضاً في معظم الأقاليم ويعطى التلميذ في بعضها لوازمه من كتب وغيرها بلا عوض أما في التعليم العالي فإن التلامذة يدفعون أجوراً ولكنها طفيفة جداً والتلميذ الفقير المدقع يتعلم مجاناً إذا أراد مهما كان استعداده، وليس للكليات موارد خاصة ما خلا كلية بال وكلية أو كليتين قديمتين. ولا يطلب من المعلم في التعليم الابتدائي أن يميز بعض التلامذة إذا رأى فيهم نبوغاً إذ ينظر إلى الأولاد كلهم نظراً واحداً ولا تفادى بمصلحة السواد الأعظم من أجل مصلحة طبقة مختارة لأن الأمة تتألف خاصة من أرباب العقول المتوسطة لا من النوابغ. المدارس الداخلية غير معروفة في سويسرا وما خلا بعض مدارس المعلمين فالحكومة ليس لها إلا مدارس خارجية لأن عمل الأبوين في تربية الأولاد مما لا يقبل المناقشة في سويسرا على أن الحكومة قد جعلت من حقها مراقبة الأبوين اللذين يقضى عليهما أن يطعما أولادهما ويلبساهم على ما ينبغي ومن حقها أيضاً أن تقتص من الآباء المتساهلين في العناية بأولادهم وتكرههم أن يؤدوا عنهم ما يقوم بكفايتهم من الرزق. وكانت العناية بالرياضات قليلة في مدارس سويسرا ويهتم المعلمون اهتماماً شديداً بذاكرة الولد لأنهم ينظرون إلى التعليم بأنه غاية لا واسطة أما اليوم فقد أدخلوا الألعاب الرياضية والتمارين اليدوية والحمامات المدرسية والأعمال الزراعية وقللوا مدة الدروس. عدلوا بعض قوانين التعليم في سويسرا منذ بضع سنين ناظرين فيها إلى ترقية الأخلاق باعتبارها الغاية الرئيسية في التربية ورأوا أن التعليم الديني هو العامل الأعظم في تهذيب الأخلاق وإذ كان من الواجب مراعاة حرية الوجدان عملاً بالدستور السويسري رأت بعض الأقاليم أن تجعل التوراة أساس التعليم أو تدريس الأخلاق الطبيعية وخصصت ساعات معينة لدرس المعتقدات الدينية، ورأى المصلحون في الأيام الأخيرة أن يرفع من التعليم تعلم الدساتير والقواعد والحقائق المجردة التي كان يقضى على التلميذ استظهارها ويعمد إلى إرادة الطفل وبحثه الخاص فقط، وقد جعلت ولاية تسين أول بند من قانونها المدرسي أن الغاية من التربية أن يخرج الطفل إنساناً يفكر ويعمل وعليه تبعة ما يعمل، تريد بذلك إبعاد الطفل عن درس الأساليب التي تبعد الذهن عن التصور النافع أو التي لا غاية لها لأن استظهار كمية من الألفاظ لا علاقة بينها وبين الاختبار الشخصي فيقوم مقامها ألفاظ تطلب معاونة الولد وتخوله حريته في العمل والتصور، فسويسرا لا تكتفي بأن تعلم أبناءها القراءة والكتابة والحساب بل هي تنظر إلى التعليم نظراً أبعد تريد تربية الصحة والأخلاق وأن تبعد عن المتعلم كل ما يضر بخلقه وتهذيبه. وقد كثرت في سويسرا منذ بضع سنين مدارس الزراعة والتجارة والصناعة على اختلاف ضروبها وأنشئت مدارس لتدبير المنزل يتعلم فيها البنات إدارة شؤون البيوت والخياطة والطبخ والكي والغسيل وغير ذلك، وجميع هذه المدارس هي عبء ثقيل على الحكومة ومع هذا فإن الحكومة لم تغفل عن التعليم العالي فلسويسرا سبع كليات عامرة والأجور فيها زهيدة للغاية لأن القوم أيقنوا أن الطبقة الراقية في حكومة ديمقراطية يجب أن تكون من أقوى عناصر الأمة وأكثرها ذكاء وهذه قد تكون فقيرة. والظاهر أن غاية ما ترمي إليه التربية في سويسرا سعادة الأمة عامة والفرد خاصة وذلك ببذر كل البذور الصالحة وتعهدها بما ينميها والإشراف على القوى النافعة وكل ما في المرء من الميول الشريفة، وينظر في هذه التربية أيضاً إلى إصلاح كل ما سفل وتبدل من أخلاق الطفل والأخذ بيد كل وطني ليكون منه إنسان مستقل كثير الثقة بنفسه مسؤولاً عن حقوقه وخصائصه راغباً في القيام بكل واجباته نحو بلاده والناس أجمعين، وكيفما كان الحال في نقص الأساليب المتبعة في سويسرا على قلة المعلمين فالواجب أن يعترف بأنها لم تكتف بالألفاظ اللطيفة في معنى التربية فهي على ضيق مواردها قد بذلت عن سعة في سبيل تهذيب الشعب وفادت بكل ما لديها من المال والقوة لخدمة غرض تراه مرتبطاً كل الارتباط بنجاح الأمة وبقائها. درس في الصحة لا يكفي التعقل في تناول الغذاء على نظام خاص لحفظ الصحة بل الواجب الجري على قوانينها، فكن يا هذا مغرماً بالنظافة وحب الماء والاغتسال كما تحب أعز الأشياء عليك فمن غسل أطراف جسمه واعتاد الوضوء في الأوقات المعينة ضمن لجلده الرشح المنشط والمرونة النافعة فالماء البارد يشد المسام والحار يمددها والأفضل في كثير من الأحوال الاعتماد على الماء الفاتر فحمامات المياه الباردة تقوي الجسم وتنشطه والحمامات الفاترة تسكن هياج الأعصاب وتزيل التعب والحمامات الشديدة الحرارة تحط البدن وتضعفه. دع على الدوام نوافذ مسكنك مفتحة ليدخله النور والهواء على ما يجب سواء كان في الصيف أو الشتاء ولا تخف الهواء يتخلل منافذ أبوابك فإنك إذا قللت من الإنفاق على التدفئة تنجو من أمراض كثيرة والغرف التي لا يدخلها هواء هي بؤرة أمراض دائمة كالزكام وذات الجنب وأمراض الحلق والصدر والوفدة النازلة، دع الهواء - كما قال أحدهم - يجري إلى غرفتك حتى في فصل البرد فإنه يحمل في جناحيه غذاء لرئتيك ومطهراً لبيتك. تعلم جودة التنفس فإن الناس يجهلون إلا قليلاً هذا العلم الواجب تعلمه والعمل به، فبالهواء يتجدد دمنا وتحمل الحياة إلى جميع حواسنا وهو الذي يعين وظائفنا الطبيعية والنفسية على البقاء والاعتدال ومن أنفع الأمور في جودة الصحة أن يطيل المرء تنفسه في ساعات معينة ويتنفس بملء رئتيه وأن تكون الثياب واسعة لا تضيق على الصدر يتنفس بأن يعد من الأعداد من الواحد إلى الستة ويكون تنفسه من أنفه وفمه مغلق وتدوم هذه الرياضة عشر دقائق ومن الغد تمكث ثماني ثوان في تنفسك وثماني في حبس النفس وثماني في إخراج النفس من الرئة وهكذا تطيل كل يوم مدة التنفس وتجعله بنظام وتأن بحيث ينفذ الهواء إلى أدنى طيات رئتيك ويملأ دمك بالأوكسجين مبعث الحياة للراحة والصحة، وأحسن رياضة في التنفس ما كانت في الخلاء وأنت متمدد على العشب بالقرب من الأشجار أو أنت سائر بخطا معينة في طريق يحمل إليه الريح أرج المروج والغابات ومن واظب على مثل هذه الرياضة زاد نشاطه واستطاع قمع نفسه. اغتنم أوقات فراغك واصرف كل يوم ساعتين من وقتك للسير على قدميك فالمشي أحسن أنواع الرياضات يزيل كما يقول الافرنج صدأ الأعضاء وهو وقاء من الهزال وتصلب البدن وشفاء للجسم به يخف ويزيد مرونة وتنتظم حركاته، إذا فعلت هذا تنجو من السمن والربالة الضارة وتبقى أعصابك حافظة مرونتها ونشاطها إلى أيام الشيخوخة. فكما أن المشي ينفع من حيث الطبيعة ينفع أيضاً من حيث الأخلاق لأنه يصفي النفس ويطهر الروح وينظم الفكر ويطرد الأبخرة ويأتي على الأحقاد فيطفئها ويوحي إلى النفس المطالب الحسنة الشريفة والواجب أن تكون الخطا في المشي كبيرة لا تقل عن نحو ٧٠ سنتيمتراً وأن تمس رؤوس الأصابع الأرض أكثر من العقب وأن يتعاقب اهتزاز الذراعين. والراحة مطلوبة عقيب العمل وخير الراحة ما كان منقطعاً بمعنى أن راحة ربع ساعة بعد ساعة من العمل أفضل من راحة ساعة عقيب أربع ساعات في العمل، وإذا اقتضى للمرء أن يواصل عمله ساعات فعليه متى فرغ منه أن يعمد لأسباب الراحة كلها كأن يستلقي على كرسي طويل وينزع ثيابه التي تضغط على صدره ويمدد ساقيه وذراعيه ويبطل حركة أعصابه ويطبق جفنيه ويطرد عنه اهتمام النفس ويجلب إليها من الصور ما يضحكها فيذكرها ببقعة جميلة من الأرض وبمنتزه حسن للرياضة فتمر به اللحظات كما يمر الماء المنعش ويغوص الفكر في سحاب سلام كأنه نصف نائم، وإياك أن تعزف نفسك عن صرف ثلاثين دقيقة في هذا السكون فإنك بها تستعيد قواك وتعوض الآلة العاملة ما يلزم لها من الزيت لتعمل عملها. إذا عرفت أن الإكثار من كل شيء ضار فإياك والإكثار من الراحة أيضاً فإذا كان استعمالها معوضاً للصحة ما فقدته فالإكثار منها يجلب الأمراض لا محالة لأن قلة الحركة والكسل تغيران الصحة أكثر مما يغيرها التعب، والإكثار من العمل ولا الإقلال منه. المسافة قريبة بين الراحة والاغفاء فخير النوم ما كان متناسباً مع سن الإنسان فقد قالوا أن ابن ٣ إلى ٤ سنين يقتضي له من النوم ١٢ ساعة ومن سن الرابعة إلى السابعة ١١ ومن السابعة إلى السادسة عشرة ١٠ ومن السادسة عشرة إلى الحادية والعشرين ٩ ويقتضي للبالغين ثماني ساعات، وقلة النوم داعية إلى الأمراض لأن فقر الدم وتعب الأعصاب والضعف تنشأ على الأغلب من قلة النوم. ثم على الأقل بعد ساعتين من الطعام ويجب أن تكون غرفتك مفتحة النوافذ بعض الشيء إذا كان الفصل غير شتاء وتكتفي بوضع ستارة عليها حتى لا يدخل الهواء مباشرة إلى وجهك واضطجع على الجانب الأيمن حتى لا تتأثر حركات القلب وعود نفسك التنفس من أنفك لتنجو من يبوسة الحلق والغطيط وتناسى ما وقع لك من أعمال النهار وكن كأنك لا تفكر والنوم موافيك من ذاته لا محالة. وعلى أصحاب المزاج الدموي أن يستعملوا الوسادة تحت رؤوسهم حتى لا يهجم الدم عليها أما أصحاب الأمزجة الضعيفة والذين ابتلوا بفقر الدم فينامون ورؤوسهم واطئة ما أمكن. يجب أن يكون الفراش في وسط الغرفة لا في زاوية ضيقة منها وأن يكون غير محاط بالستور لئلا يمنع نفوذ الهواء إليه، والنوم على فراش الريش مضر، وخير الفرش ما كان الفراش الأسفل محشواً بالقش والأعلى بالصوف وفراشان يكفيان للراحة، والواجب إطفاء النور في غرفة النوم لأن النور يتعب العيون ويأخذ كمية من الأوكسجين لا تستيقظ في الصباح بعجلة فتقفز من سريرك على حين فجأة بل دع حواسك تستعيد قواها ورأسك يطرد سحب النوم عن الجفون ولا بأس بأن تكسل بضع دقائق ثم تنهض من فراشك لأن الهبوب من النوم فجأة والدم محتقن والأعصاب غير مستوفزة يحدث شيئاً من الاضطراب قد لا تكون نافعة. للبرد تأثير كبير في أمراضنا فإنا في حال الصحة نحمل في أحشائنا ورئاتنا ولعابنا جراثيم ذات الرئة والخناق والنزلات فبأدنى سبب تهجم على أنسجتنا وتلقي الاضطراب فيها كأن نتعرض لبرد أو لمطر طويل أو نلبس جوارب رقيقة ترشح ماءً ولذلك وجب التوقي من هذه الأمور واختيار ألبسة تدفئ ولا ينفذ منها ماء إلى البدن أو الأطراف، وأن ثوبين خفيفين محكمين يمسكان حرارة الجسم أكثر من ثوب واحد غليظ، وأحسن ما يدفئ في البلاد الباردة في صميم صبارة القر تلك الأدثرة التي يحشونها بالفرو ويلبسونها في الغرب وبعض بلاد الشرق، والعناية كل العناية بتدفئة الرجلين، وإذا خرج المرء من غرفة حارة فعليه أن يمسك منديله ويضعه على فمه ومنخريه حتى لا يدخل الهواء البارد من الخارج إلى الرئة إلا ببطء وكذلك الحال في الأماكن الحارة جداً فإنها ضارة تحقن الدم كالأماكن الباردة كثيراً والواجب في شهري تموز وآب أن يمتنع المرء عن تناول المثلجات مهما حدثته نفسه من تناولها وأن لا يتعرض للشمس وأن يستعمل المظلة كل من كان دموياً. وخير الطرق لاستمتاع المرء بشبابه وأن تكون أيام حياته طويلة وكلها ربيعاً أن يطرد عنه الخوف والتألم والغم والاضطرابات على اختلاف أنواعها ويحسن ظنه في المستقبل فلا يستدعي بنفسه الشيخوخة ففناء الجسم موقوف على عمل المرء نفسه لا على الأيام التي مضت عليه فكم من شيخ حفظ صحته بتعهدها ودفعه عنها كل ما يضر بها وكم من شاب ظن نفسه مقبلاً على ورود حياض الموت لوسواس أصابه وهموم وغموم دعاها تستولي عليها وإن علماء الصحة ليقولون إن الحياة قد تطول إلى أكثر من مئة سنة إذا لم يطرأ عليه طارئ غير منتظر فعلى من يحب حياته أن لا ينقصها بصنعه بل يعمل لغذائها ومنامها ولباسها وعملها كل ما يجعلها بهجة مفرحة. لغة الولد نشر أحد أساتذة انكلترا في مجلة المدرسة مقالاً في المكانة المعلقة على لغة الأم فقال أن التلامذة من أبناء التاسعة إلى الرابعة عشرة يجب أن يخصصوا عشر ساعات في الأسبوع لدراسة لغتهم الأصلية، فمن الوهم الفاضح أن يذهب بعضهم إلى أنه من الممكن تعليم الأولاد معنى الإنشاء والذوق الأدبي إذا لم يكونوا متمكنين كل التمكن من لغتهم، وباطل اعتقاد من يعتقد بغناء اللغات الأجنبية في التربية، بل أن تعلم لغة غريبة قبل إحكام المرء لغته الأصلية إحكاماً راسخاً وتبريزه في أساليبها ضار لا بلغته وملكتها فقط بل في تربية عقل التلميذ أيضاً. أما الجمهور وعامة الناس فيذهبون إلى غير هذا المذهب فقد قال اللورد الفرستون في جريدة التربية يوم افتتاح مدرسة ما طالما قاله غيره وهو أن الواجب على الأبناء أن يتعلموا لغة أجنبية في صباهم حق تعلمها لأن ما يتعلمونه منها في سن الحداثة في بضعة أشهر يرسخ في نفوسهم أكثر مما يتعلمونه في سنين متى كبروا، نعم إن الحواس الصوتية هي في الطفل ألين منها في غيره ولكن الحبال الصوتية ليست هي كل ما يلزم لتعلم لغة فإن من المجرب أن الطفل الذي تعلم اللغة الهندستانية ينساها بعد سنين، قال الكاتب أما نحن فإننا نؤمن على كلام جريدة التربية ومجلة المدرسة وهو أن تزداد الساعات المخصصة لدرس اللغة الأصلية وأن تؤخر ما أمكن دراسة اللغات الأجنبية أو القديمة ريثما يستتم التلميذ ملكة لغته وأن يتجرد التعليم الابتدائي من دراسة اللغات الحية وفي ذلك من الغناء والنفع من كل وجه ما لا ينكر لبيب محله، هذا ما عربناه ويا ليت نظارة المعارف العثمانية تنظر فيه نظر تدبر فإن التعليم في مدارسها بالبلاد العربية أصبح من العقم بحيث أمسى عدمه خيراً من وجوده لأنها قضت أن لا يعلم التلاميذ حتى في المدارس الابتدائية شيئاً من لغتهم العربية واكتفت بتلقينهم فقط اللغة العثمانية وياليتها تحسن تعليمها فيخرج التلامذة بعد الدراسة لم يتعلموا لغتهم ولا لغة حرصت نظارة المعارف على نشرها كالعقعق أراد أن يمشي كالحجل فنسي ممشاه ولم يمش مثله. العمل اليدوي من الغريب أن البلاد التي قل أميوها هي التي جعلت أساس التعليم فيها الأعمال اليدوية واعتبرت التهذيب العلمي ثانوياً فقد جرت بلاد الدانمارك والسويد ونروج على طريقة تربي فيها ملكة الصناعات قبل الاشتغال بالمعقولات والمنقولات وجعلت غاية المدارس هناك أن تعد ابن الشعب لاكتساب رزقه فهو يجتهد في حرفة له يختارها ليبرع فيها ولا يجبر على العمل إجباراً بل تجعل له مكافآت مالية يتناولها بحسب تجويده عمله وفي خلال تلك المدة يتعلم الولد ما ينبغي له من التربية اللازمة لعامل وإذا نبغ من بينهم نابغ ونبه منهم نابه يخرج من بين تلك الصفوف بطبيعة الحال، وقد جربت إيطاليا هذه الطريقة في تعليم الصناعات وتهذيب الأولاد الذين ارتكبوا جرائم فحبسوا واستعاضت عن تلعيبهم بأعمال صغيرة سهلة مثل طي المقوى والحبك وعمل السلال مما يعمله المرء في العادة وهو يغني أو يتحدث مع غيره فراقت هذه الأعمال الأولاد السجناء خصوصاً وأنهم يتقاضون عن أعمالهم أجوراً وإن كانت طفيفة لكنها تغرس فيهم ملكة الحذر والاحتياط ولذا قل فيهم من يحيد أثناء هذه الأعمال عما يقضي به النظام وجاء منهم وطنيون نافعون لا حانقون على الدهر لا يدرون كيف يسيرون. رعب الأولاد وضع المسيو فاراندونك سؤالين على تلامذة بعض مدارس بلجيكا وهما: من أي شيء تخاف أكثر وما السبب؟ ومن أي شيء زاد خوفك كثيراً يوم كنت طفلاً وعلى أي سبب تعلقه؟ فأتاه ألف وخمسمائة جواب نشرها واستخرج منها ما استنتجته في مجلة علم النفس فتبين له أن الصبيان أكثر من البنات خوفاً من الأسد ورجال الشرطة ومن آبائهم وأمهاتهم ومن الوحدة والماء والأشباح والمستقبل والبنات يرعبن في الأكثر من الحيوانات ولا سيما من الذئب والدب والجراذين والفيران ويخشين أكثر من الصبيان الآلام الطبيعية والرجال والمركبات على أنواعها والظلمة والرعد والبرق، وأن الداعي لخوف الولد ناشئ من عدم مماشاته لمحيطه لأن إرادته لا دخل لها في هذا الشأن بتاتاً بل أن تخلفه عن السير مع محيطه ناشئ من ضعفه ومعظم الرعب في الأطفال ينشأ لهم من حواليهم وحدث ما شئت أن تحدث عن الرعب الذي يستولي حتى على الكبار في السن لأن الأوهام غرست فيهم منذ الطفولة، قال ومن أنواع الخوف ما ينفع الجنس الإنساني والولد أيضاً وهو الخوف النافع في الأحايين أي من الجبناء وهم في الأغلب العاقلون قد ينجون بحياتهم في أحوال كثيرة. الأوائل من الموضوعات التي اشتغلت فيها في دار غربتي موضوع الأوائل، فقد بحثت حتى جمعت فيه مجموعة كبرى أخذت معظمها عن اللغة الانكليزية، وهي تشغل أكثر من أربعمائة صفحة من صفحات مجلة المقتبس. وغرضي من جمعها أن أضع في هذا الموضوع كتاباً خاصاً ذهاباً إلى أن العربية مفتقرة إليه ولا سيما أن المغاربة قد عنوا به عناية خاصة لمكانته ولا يضر المشارقة أن يحذوا حذوهم. ولقد سرني ما عرفته من أن عيسى أفندي اسكندر المعلوف الباحث المعروف قد عني بهذا الموضوع، ولا ريب عندي في أنه متى وقف على عنايتي به أيضاً سيسر لأن غرضه وغرضي يرميان إلى مساعدة المشتغلين بالكتابة على جعل العربية غنية بالمباحث التي يفاخرنا بها أهل الغرب. وهذا بعض ما عربته بهذا الباب وأضفت إليه بعض الحواشي لزيادة الفائدة. حدائق الأطفال ومدارسهم كتبت إحدى المعلمات الفرنسويات مقالة في أحسن الطرق لتربية الأولاد قالت فيها أن البداءة بتعليم الطفل تكون على الغالب بتعليمه مبادئ القراءة خاصة والظاهر أن القراءة هي الواسطة الوحيدة لتنبيه جميع حواسه على حين فجأة، وقد شغل هذا الموضوع بال كثير من أرباب العقول وقام في سويسرا منذ نحو مئة سنة اثنان من رجال التربية الثقات أحدهما بستالوزي في مدينة زوريخ والآخر الاب جيرارد في مدينة فريبورغ ووضعا موضع العمل طريقة جديدة من شأنها أن تزكي عقل الطفل على أيسر وجه منذ إدراكه قال فنيلون الأخلاقي الفرنسوي أن ذكاء الطفل كلهيب شمعة يحركها الريح وهي أبداً في اهتزاز فالغاية إذاً من التربية هو أن يمد ذاك اللهيب بالمادة اللازمة بأن يدفع هبة خفيفة لتساعده على الانبعاث على خطة مستقيمة عالية متوخين أن لا نطفئها بحركة سريعة منا بل الواجب كما قال بستالوزي أن نحسن تسليك الطفل ونعفيه من النظر إليهم إلى المدارك الصريحة وإذ كانت بالحواس تحدث التأثرات اقتضى أن نقرب بين الطفل وبين الأمور التي يقضى عليه دراستها يعلم معنى الألفاظ التي يتكلم بها على ما يجب ويضاف إلى تعليم عقله تعليم عملي باليد وتعليمه هذا التعليم بين السادسة والعاشرة وقال غيره يجب أن يعنى بالطفل لتنبيه إحساسه منذ أول إدراكه لأن الولد ليس هو في الحقيقة إلا رجلاً ولكنه صغير، وقال آخر أن الولد أب الرجل وأفضل الطرق في تعليمه كما قال فريبل أن يقرب من الطبيعة فيدرك رحمة الله ويتعلم قدرته وصنعه في الوجود ويحترم كل ما له حياة وذلك بأن يعلم تربية بعض النباتات والنظر إلى ما حوله فيعلم نفسه بنفسه كأن يعطى الولد كرات ومكعبات وعصياً وأشكالاً ورسوماً وأشياء يثنيها ويفتلها ولا سيما ما كان منها طبيعياً يعطى منها بحسب المواسم فيتناول زهراً في الربيع مثلاً وتفاحة في الخريف أو الشتاء أو غير ذلك مما تنبت الأرض في المواسم الأربعة فإذا كان تفاحاً يستصحب الولد إلى السوق وتبتاع ويشرح له كيف نمت وكبرت وتوصف له الأشجار وجذوعها والأوراق والأرض ثم ترسم له تلك التفاحات وتقطع وتنقى ويجعل له منها مربى أو تشوى له في الفرن ثم يذكر كيف يصنع العصير ويصفون له المركبة والحصان والسوط وغير هذا كل ذلك يرسم له على اللوح والولد يقلده ويشفع ذلك باغان وأشعار متعلقة بالموضوع وتتوسع المربية في شرح ذلك للطفل بدون أن تحيد عن الغاية الأصلية المطلوبة وبذلك يعمل عقل الطفل ويقلد في عمله فيجمع إلى التربية العلمية والأدبية التربية العملية لمعاناة الفنون والصناعات، وقد انتشرت طريقة فريبل في التربية على هذا النحو في سويسرا وألمانيا والبلجيك وهولاندة والسويد وانكلترا وفرنسا وأميركا ودخلت خصوصاً في دور اللقطاء والبائسين وأنشئت في باريز مدرسة على هذا النمط أنشأتها آنسة متعلمة وأخذت تربي الأطفال هذه التربية المعقولة جاعلة مع حدائق الأولاد دروساً تلقى عليهم بالعمل في حفظ الصحة وعلم النفس والكيمياء والنبات وتدبير المنزل فجعلت محيط تلك المدرسة متناسياً مع ما يراه الطفل في بيت أبيه ليس فيه ما في صنوف المدارس من المناظر المدهشة مثل القماطر السود والمقاعد العالية بل فيها صور ونقوش وأزهار وطيور وأثاثها مناضد وكراسي صغيرة تناسب طول الطفل ومن الأولاد من يبقى طول النهار في المدرسة فيتيسر لإدارتها أن تعلمه أموراً كثيرة في تدبير المنزل وتغرس فيه أصول النظام والنظافة وذلك بأن تتركه مثلاً يعمل طعامه بنفسه حتى إذا رجع في المساء إلى بيته وعمره في الخامسة على الغالب يلاحظ على والدته أن لا تطرح قشر البطاطا أو قشر البيض بل أن تحفظها لتنظيف القناني والزجاجات وآخر يطلب إلى والده أن يضع كل يوم بيومه أجرة المدرسة على حدة حتى تتجمع في آخر الأسبوع مخافة أن يجيء يوم الدفع ولا يكون في البيت درهم لأداء قسط المدرسة وهكذا يتعلم الطفل تدبير البيت والاقتصاد المنزلي منذ يعي على نفسه ويغرسون فيه فكر الإحسان والعدل وحسن العشرة والألفة حتى لا يستوحش من الناس كما هي عادة الأطفال وهي عادة ضارة شائعة ويعلم قدر الصناعات وفكر الأسرة فتتنبه فيه عزة النفس فلا يقول لشيء لا أستطيع عمله ومنذ السنة الخامسة يرفض أن يلبسه ثيابه أحد أو يسرح شعره ويمشطه ويهندمه أحد فيكون مسؤولاً عن عمله وتنمو فيه قوة الإرادة والشعور بالنظر كما ينمو فيه الإحساس الديني والكمالي والاحترام والحشمة وبالجملة ترتقي فيه التربية قبل أن يهتم بالتعليم. فإذا خرج الطفل من هذه المدرسة ويدخلها وهو بعد الثانية من سنه في الغالب ويخرج منها بعد السابعة يحسن أن ينظم أموره لأنه تعلم منذ نعومة أظفاره الطاعة والنصيحة فلا يصعب عليه متى دخل المدرسة أن يتلقى بقبول حسن ما يلقيه عليه معلمه أو يفزع إذا جاء من بيته إلى المدرسة الابتدائية مباشرة بل يكون بحسب سنه قد ألف البحث والتفكر والنظر والتأمل في الأشياء ويجمع معلوماته ويصل بينها برباط وأحد وربما كانت بهذه الطريقة أفكاره قليلة ولكنها إلى الجلاء والوضوح أميل وفيها تسلسل معقول. ويحسن الولد التفكر وحصر ذهنه وهو ما ينفعه عندما يجيء دور تعليمه القراءة فلا يستصعبها ويمل منها بل تكون له ميسورة سهلة سريعة ويحصر الذهن في موضوع يتعلم الولد الاهتمام بالأشياء المحيطة به أو التي تمسه مباشرة فهو يعرف الوجود ويحبه ويقدر نعمه قدرها ويذكر صانعها وتكون قد تنبهت حواسه وترقت وكذلك رغبته في النظر والمعرفة وبهذه الطريقة تقوى إرادته وتمهر يده وبما يتعلمه من الهندسة الابتدائية العملية يقدر بذهنه الأبعاد والخطوط ويسهل عليه النسب وبالرسم يتعلم نقل الصور المستعملة في البيت ويدرك بنفسه أنه لا يستطيع أن ينقلها كما هي ويبحث عن طريقة توصله إلى نقلها كما هي ويتعلم ملاحظة الأشكال وتقليدها وبذلك تتربى عينه ويده في آن واحد، ولا تسل عما تحدث هذه الطريقة عندما يجيء وقت الكتابة إذ تكون يده أعادت رسم الأشكال وما الحروف إلا أشكال ولكنها لا تنطق كالرسوم وعينه تساعد يده وكم ولد يرسم الحروف والكلمات التي يراها وهو يتعلم على هذه الطريقة بدون أن يفهم معناها، وتعلم الكتابة لا يتعب به عقله ولا جسمه بل يتعلمه كأنه يلعب ويرسم. قالت الكاتبة فمدرسة حديقة الأطفال هي مدرسة التربية وعليها يصدق هذا التعريف: التربية هواء وقانون وحياة. قرطاجنة والعرب بعث المسيو برتولون من المشتغلين بعلم تاريخ الإنسان Anthropologie إلى المجمع العلمي القرطاجني في تونس بمبحث بين فيه الفروق بين جماجم القرطاجنيين منذ ٢٤٠٠ سنة وجماجم التونسيين المعاصرين جاء فيه أن علماء الإنسان يتوصلون إلى درس الأخلاق الرئيسة لمعرفة مميزات عنصر من العناصر بالنظر أولاً إلى قامات أهله فمن أجناس الأمم من يغلب عليها طول القامات مثل الايكوسيين والسويديين ومنهم من يكونون قصارها مثل اللايونيين والسارديين والصقليين ثم ينظر إلى ألوان البشرة والعيون والشعور وحجم الجماجم والأنف والعيون والوجه فيقدرون المقياس الأعلى بمئة ومن بلغ طول رأسه من ٧٠ إلى ٨٦ كان معدوداً في طوال الوجوه ثم يقاس الطول مع العرض وتجري النسبة بينهما وقد قاس في تونس مئة جمجمة قديمة جداً يظن أنها من جماجم القرطاجنيين من القرن الرابع قبل الميلاد و ٢٣ جمجمة حديثة من جماجم التونسيين فاستبان أن نساء القدماء يشبهن بتقاطيعهن نساء المحدثين إلا قليلاً وأن الاختلاف محسوس بين رجال اليوم ورجال أمس وأن العقول كانت واحدة في القرطاجنيين والتونسيين وكان كثيرون من القرطاجنيين طوال القامات ومميزاتهم كمميزات قبائل الغرب العظمى المعروفة في التاريخ باسم النوميديين وثبت له أن سكان ضواحي تونس يشبهون أولئك القدماء في قاماتهم وأن سكان قرطاجنة وتونس ظلوا متشابهين منذ القديم إلى يومنا هذا على ما طرأ عليهم من الطوارئ السياسية وبعيد أن يكون قدماء القرطاجنيين من فينيقية لأن الفينيقيين عرفوا بضيق جبهاتهم وكانت أواسط رؤوسهم منبسطة واستدل من حفريات مدافن صيدا ومن قياس هيكل عظام الملك ثابنيت بن اشمونازار الذي وجد في إحدى النواويس الصيداوية أن القرطاجنيين لم يشبهوا الفينيقيين بجنسهم وأن القرطاجنيين اختلطوا بأهل عنصر طويلة رؤوسهم وكذلك الحال في عيون الصيداويين أنها كانت أكثر استدارة من عيون القرطاجنيين وأنوف الفينيقيين أصغر من أنوف القرطاجنيين وبذلك ظهر أن سكان قرطاجنة (المستعمرة الفينيقية) في القرن الرابع لم يكونوا من عنصر يشبه العنصر الفينيقي وأن سكان قرطاجنة من أصل العنصر الذي أنشأ المدنية في بحر ايجيه (الارخبيل) أي أجداد المدنية اليونانية كما استدل الباحثون في أصول مدنية شواطئ البحر الأبيض أن هؤلاء الإفريقيين القرطاجنيين قد فني فيهم الطوارئ من الفينيقيين الذين حلوا ديارهم فكان أهل قرطاجنة فينيقيين ثم رومانيين ثم عرباً قال: وعلى فرنسا أن تنظر إلى ما تم في هذا السبيل من صبغة التونسيين لنعيدهم إلى صبغتها لأن حكم العرب قد أتاهم بقانون سنه رعاة لرعيان فصعب تطبيق هذه الشريعة على مجتمعات ممدنة كالمجتمع القرطاجني ولذا انحط أي انحطاط عما كان عليه زمن الفتح الروماني، قال وإن مبادئ التنظيم الذي بقيت آثاره إلى اليوم في تونس مثل البلديات والصناعات وصناعة الخزف والبناء والهندسة ليست من اختراع العرب كما يقال بل هي بقايا من المدنية القديمة السابقة للإسلام فسدت على عهد الفاتحين وأعمالهم العقيمة، قلنا وبمثل هذا المتعصب الفرنسوي ممن يمدون أقلامهم بالسم الزعاف ليكتبوا عن العرب جهلاً منهم أو تجاهلاً ما برح استعمار فرنسا متأخراً عن غيره من الأمم وسيتراجع عمرانها كلما قويت شأفة الممحاكين والسفسطائيين من أبنائها.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_62.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.62.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
