<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.61.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.61.TEIP5:</urn>
<passage>الفتوى في الإسلام هذا بحث علمي أدبي، تاريخي اجتماعي، يهم كل نبيه درايته، كما يجب على كل فقيه معرفته ودراسته، لا سيما من يتولى منصب القضاء، أو وظيفة الافتاء، فإن هذا البحث من أهم ما يحتاج إليه، وأعظم ما يضطر للوقوف عليه، كيف لا ومنه يعرف شعائر الحق في الأقضية والأحكام، ويتوصل به إلى فيصل الأمور بالعدل في نوازل الأنام، فهو على التحقيق لباب الفقه في الدين، وسر الأصعاد إلى ذروة الاجتهاد في مقاصد الشرع المتيني لا نريد أن نبحث في الفتوى من حيث يعرفها الناس أنها وظيفة من الوظائف ومنصب من المناصب يتولاه من يوظفه من الاستانة شيخ الإسلام، ليعول على فتواه عند توقف الحكام، لا نقصد هذا لأن سبيلها المذكور معروف معلوم، لا حاجة إلى أن يكتب فيه ما كان يكتب أيام استئجار العلوم، وإنما نروم الكشف عن منشأ الفتوى في الإسلام، وكيف كانت في القرون الثلاثة العظام، ثم فيما بعدها إلى العصور الوسطى ومن كان يتولاها أيام استفحال العلم واتساع مناحيه، ووفرة رجال الفضل وأئمة الاجتهاد فيه، ثم ما اشترط في أولي الفتوى وما ذكر من آدابهم وآدابها، وآداب من يستفتى ويرجع إلى أربابها. يتبع هذا مباحث منوعة ضافية الذيول، وافرة النقول، ربما يقل في سبرها مجلدات، ولا كثرة في العلم كما لا إسراف في الخيرات، بيد أنا نقتصر من هذا المبحث على اللباب، ليكون نموذجاً ومدخلاً لنجباء الطلاب. مما يدهش المنقب على أصول الفتوى ما بلغته من عناية الأئمة في مطالبها ومقاصدها وما تفننوا به من استنباط واجباتها واستثمار فوائدها، فيعجب مما كانت في العصور الأولى عليه وما آلت بعد إليه، ولئن كان لضعف العلم في القرون الأخيرة مدخل في هذا التباين إلا أن اليد العاملة فيه اختلاف سياسة الدول في الأخذ بالعلوم النافعة وإنهاض رجالها، ونشر التعليم المفيد والتهذيب وتوسيد الأمور إلى حكمائها وإبطالها، فقد تختلف السابقة عن اللاحقة في هذا المضمار، وتخلف أمة غيرها فتقودها بعاداتها وتأخذها بنظامها فتستلب منها الأفهام والأفكار، ويرجع هذا إلى فناء طريقة تائدة في طريقة طريفة، كما تفنى في أمة غالبة قوية أمة مغلوبة ضعيفة، فتدرس آثارها وعلومها، وتمحو عادتها ورسومها ولاختلاف الدول وتعاقبها على الممالك، مدخل عظيم في اختلاف قوانين العلم والعلماء في جميع المسالك. ما سنذكره من أحوال الفتوى لا يدريه إلا نقابة في التاريخ دراكة في علوم الاجتماع بصير بالماضي والحاضر، خبير بالحديث والغابر. ومن المؤسف أن تنبذ هذه المعارف ظهرياً، وتصبح في هذا الجيل نسياً منسياً، فكم في بحر الأوهام من غاد ورائج، ويزعم أن هذه الحالة هي في عهد السلف الصالح، فلا يدري شيئاً من تأثير الدول، ولا يعرف أمراً من آثار الأول. إن الباحث عن الموازنة بين السلف والخلف في شؤون الاجتماع وطبيعة العمران يعتوره من مصاعب التنقيب ومتاعب العمل وإجهاد الفكر ما لا يدريه إلا من عانى ما عاناه، وأنفق من دم قلبه وقوة عقله ما ماثله أو داناه، ولذا سيعد ما كتبناه في هذا البحث من أعظم الدروس التي ألقيت على عالم العلم في هذا العصر، يذكر ما سلف لهذا الموضوع من جليل الشأن في كل قطر ومصر. ويعرفهم ما ترك الأول للآخر، وما حفظته لنا من الكنوز ذخائر قدماء الأكابر، فرحمة الله على السلف الناصحين، وأيد الله من تبعهم بإحسان من المصلحين. ولنشرع في البحث مفصلاً ومبوباً، ومعنوناً جملاً جملا ومرتباً، والمستعان بالله ولا حول ولا قوة إلا بالله. أول من قام بمنصب الفتوى في الإسلام قال الإمام ابن القيم في أعلام الموقعين: لما كان التبليغ عن الله سبحانه يعتمد العلم بما يبلغ والصدق فيه لم تصلح مرتبة التبليغ بالرواية والفتيا إلا لمن اتصف بالعلم والصدق فيكون عالماً بما يبلغ صادقاً فيه ويكون مع ذلك حسن الطريقة مرضي السيرة عدلاً في أقواله وأفعاله متشابه السر والعلانية في مدخله ومخرجه وأحواله وإذا كان منصب التوقيع عن الملوك بالمخل الذي لا ينكر فضله ولا يجهل قدره وهو من أعلى المراتب السنيات فكيف بمنصب التوقيع عن رب الأرض والسماوات فحقيق بمن أقيم في هذا المنصب أن يعد له عدته وأن يتأهب له أهبته وأن يعلم قدر المقام الذي أقيم فيه ولا يكون في صدره حرج من قول الحق والصدع به فإن الله ناصره وهاديه وكيف لا وهو المنصب الذي تولاه بنفسه رب الأرباب فقال تعالى (ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن وما يتلى عليكم في الكتاب) وكفى بما تولاه الله بنفسه تعالى شرفاً وجلالة إذ يقول في كتابه يستفتونك قل الله يفتيكم في الكلالة وليعلم المفتي عمن ينوب في فتواه وليوقن أنه مسؤول غداً وموقوف بين يدي الله. وأول من قام بهذا المنصب الشريف سيد المرسلين وإمام المتقين وخاتم النبيين عبد الله ورسوله وأمينه على وحيه وسفيره بينه وبين عباده فكان يفتي عن الله بوحيه المبين وكان كما قال له أحكم الحاكمين قل ما أسألكم عليه من أجر وما أنا من المتكلفين فكانت فتاويه عليه السلام جوامع الأحكام ومشتملة على فصل الخطاب وهي في وجوب أتباعها وتحكيمها والتحاكم إليها ثانية الكتاب وليس لأحد من المسلمين العدول عنها ما وجد إليها سبيلاً وقد أمر الله عباده بالرد إليها حيث يقول فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا. كتابة الفتوى من العهد النبوي عن أبي هريرة قال: لما فتحت مكة قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكر الخطبة خطبة النبي صلى الله عليه وسلم قال فقام رجل من اليمن يقال له أبو شاه فقال يا رسول الله اكتبوا لي فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: اكتبوا لأبي شاه: يعني الخطبة، وعن أبي هريرة قال: لم يكن أحد من أصحاب محمد أكثر حديثاً مني إلا عبد الله بن عمرو فإنه كتب ولم أكتب، وعن عبد الله بن عمرو قال: كنت أكتب كل شيء أسمعه من رسول الله صلى الله عليه وسلم أريد حفظه فنهتني قريش وقالوا: أتكتب كل شيء تسمعه ورسول الله صلى الله عليه وسلم يتكلم في الرضا والغضب فأمسكت عن الكتاب فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم فأومأ بإصبعه إلى فيه وقال: اكتب فوالذي نفسي بيده ما يخرج منه إلا حق. أخرجها الحافظ ابن عبد البر في كتاب جامع العلم في باب الرخصة في كتاب العلم وعززها بآثار عدة منها عن سعد بن ابراهيم قال: أمرنا عمر بن عبد العزيز بجمع السنن فكتبناها دفتراً دفتراً فبعث إلى كل أرض له عليها سلطان دفتراً. المفتون من الصحابة وطبقاتهم في الفتيا قام بالفتوى بعد النبي صلى الله عليه وسلم علماء الصحابة رضوان الله عليهم قال ابن القيم: والذين حفظت عنهم الفتوى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة ونيف وثلاثون نفساً ما بين رجل وامرأة. وكان المكثرون منهم سبعة عمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وعبد الله بن مسعود، وعائشة أم المؤمنين، وزيد بن ثابت، وعبد الله بن عباس، وعبد الله بن عمر. قال أبو محمد بن حزم: ويمكن أن يجمع من فتوى كل واحد منهم سفر ضخم قال: وقد جمع أبو بكر محمد بن موسى بن يعقوب بن أمير المؤمنين المأمون فتيا عبد الله بن عباس رضي الله عنهما في عشرين كتاباً، وأبو بكر محمد المذكور أحد أئمة الإسلام في العلم والحديث. والمتوسطون منهم فيما روي عنهم من الفتيا أبو بكر الصديق، وأم سلمة، وأنس بن مالك، وأبو سعيد الخدري، وأبو هريرة، وعثمان بن عفان، وعبد الله بن عمرو بن العاص، وعبد الله بن الزبير، وأبو موسى الأشعري، وسعد بن أبي وقاص، وسلمان الفارسي، وجابر بن عبد الله، ومعاذ بن جبل، (قال ابن حزم) فهؤلاء ثلاثة عشر يمكن أن يجمع من فتيا كل واحد منهم جزء صغير جداً ويضاف إليهم طلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وعمران بن حصين، وأبو بكرة، وعبادة بن الصامت، ومعاوية بن أبي سفيان. والباقون منهم مقلون في الفتيا لا يروى عن الواحد منهم إلا المسألة والمسألتان والزيادة اليسيرة على ذلك، يمكن أن يجمع من فتيا جميعهم جزء صغير فقط بعد التقصي والبحث. حالة الفتوى في عهد التابعين وتابعيهم كان المرجع بعد الصحابة في الفتيا إلى كبار التابعين وكانوا منتشرين في البلاد التي عمرها المسلمون بفتوحاتهم، وقد عد الإمام ابن القيم في أوائل أعلام الموقعين عدداً عديداً منهم كما أن كثيراً من الحفاظ ألف في طبقاتهم أجزاء ومجلدات. وأما حالة الفتيا في عهدهم فقد نبه عليها ولي الله الدهلوي في الحجة البالغةفي باب الفرق بما مثاله: اعلم أنه كان من العلماء في عصر سعيد بن المسيب وابراهيم والزهري وفي عصر مالك وسفيان وبعد ذلك قوم يكرهون الخوض بالرأي ويهابون الفتيا والاستنباط إلا لضرورة لا يجدون منها بداً، وكان أكبر همهم رواية حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم سئل عبد الله بن مسعود عن شيء فقال: إني لأكره أن أحل لك شيئاً حرمه الله عليك أو أحرم ما أحله الله لك، وقال معاذ بن جبل: يا أيها الناس لا تعجلوا بالبلاء قبل نزوله فإنه لم ينفك المسلمون أن يكون فيهم من إذا سئل سرد، وروي نحو ذلك عن عمر وعلي وابن عباس وابن مسعود في كراهة التكلم فيما لم ينزل وقال ابن عمر لجابر بن زيد: إنك من فقهاء البصرة فلا تفت إلا بقرآن ناطق أو سنة ماضية فإنك إن فعلت غير ذلك هلكت وأهلكت. وقال الإمام الدهلوي أيضاًفي باب أسباب إختلاف بعد أن مهد ضروب الاختلاف بين الصحابة في بعض الفتاوى ما مثاله: فاختلفت مذاهب أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم وأخذ عنهم التابعون كذلك كل واحد ما تيسر له فحفظ ما سمع من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ومذاهب الصحابة وعقلها وجمع المختلف على ما تيسر له ورجع بعض الأقوال على بعض واضمحل في نظرهم بعض الأقوال فعند ذلك صار لكل عالم من علماء التابعين مذهب على حياله. فانتصب في كل بلد إمام مثل سعيد بن المسيب وسالم بن عبد الله بن عمر في المدينة وبعدهما الزهري والقاضي يحيى بن سعيد وربيعة بن عبد الرحمن فيها وعطاء بن أبي رباح بمكة وابراهيم النخعي والشعبي بالكوفة والحسن البصري بالبصرة وطاوس بن كيسان باليمن ومكحول بالشام فأظمأ الله أكباداً إلى علومهم فرغبوا فيها وأخذوا عنهم الحديث وفتاوى الصحابة وأقاويلهم ومذاهب هؤلاء العلماء وتحقيقاتهم من عند أنفسهم واستفتى منهم المستفتون ودارت المسائل بينهم ورفعت إليهم الأقضية. وكان سعيد بن المسيب وابراهيم وأمثالهما جمعوا أبواب الفقه أجمعها وكان لهم في كل باب أصول تلقوها من السلف: وللبحث تتمة بديعة فانظرها. وجل فتاوى الصحب والتابعين مروية في المواطآت والمسندات والسنن من كتب الحديث التي لم تشترط تخريج المرفوع وحده من الأحاديث النبوية عدا ما جمع على حدة منها. المفتون بالشام من التابعين قال الإمام ابن القيم في أعلام الموقعين: وكان من المفتين بالشام أبو ادريس الخولاني وشرحبيل بن السمط وعبد الله بن أبي زكريا الخزاعي وقبيصة بن ذؤيب الخزاعي وحبان بن أمية وسليمان بن حبيب المحاربي والحارث بن عميرة الزبيدي وخالد بن معدان وعبد الرحمن بن غنم الأشعري وجبير بن نفير ثم كان بعدهم عبد الرحمن بن جبير بن نفير ومكحول وعمر بن عبد العزيز ورجاء بن حيوة: وفيه استقصاء التابعين المفتين من معظم البلاد فانظره وقد استقرأت في كتابي (تعطير الشام بمآثر دمشق الشام) كل صحابي وتابعي نزل دمشق من المشاهير وآثرته عمن جمع في هذا الشأن من الحفاظ عليهم الرحمة وكثير منهم حفظ عنه أنه قال وأفتى مجتهداً برأيه وقائماً على الأصول فيما لم يجد فيه نصاً. حالة الناس في الفتيا قبل المائة الرابعة وبعدها قال الإمام ولي الله الدهلوي في الحجة البالغة تحت هذا العنوان ما مثاله: أعلم أن الناس كانوا قبل المائة الرابعة غير مجمعين على التقليد الخالص لمذهب واحد بعينه قال أبو طالب المكي في قوت القلوب: إن الكتب والمجموعات محدثة والقول بمقالات الناس والفتيا بمذهب الواحد من الناس واتخاذ قوله والحكاية له من كل شيء والتفقه على مذهبه لم يكن الناس قديماً على ذلك في القرنين الأول والثاني انتهى. قال الدهلوي وبعد القرنين حدث فيهم شيء من التخريج غير أن أهل المائة الرابعة لم يكونوا مجتمعين على التقليد الخالص على مذهب واحد والتفقه له والحكاية لقوله كما يظهر من التتبع بل كان فيهم العلماء والعامة. وكان من خبر العامة أنهم كانوا في المسائل الاجتماعية التي لا اختلاف فيها بين المسلمين أو جمهور المجتهدين لا يقلدون إلا صاحب الشرع وكانوا يتعلمون صفة الوضوء أو الغسل والصلاة والزكاة ونحو ذلك من آبائهم أو معلمي بلدانهم فيمشون حسب ذلك وإذا وقعت لهم واقعة استفتوا فيها أي مفت وجدوا من غير تعيين مذهب. وكان من خبر الخاصة أنه كان أهل الحديث منهم يشتغلون بالحديث فيخلص إليهم من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم وآثار الصحابة ما لا يحتاجون معه إلى شيء آخر في المسألة من حديث مستفيض أو صحيح قد عمل به بعض الفقهاء ولا عذر لتارك العمل به أو أقوال متظاهرة لجمهور الصحابة والتابعين مما لا يحسن مخالفتها. فإن لم يجد أحدهم في المسألة ما يطمئن به قلبه لتعارض النقل وعدم وضوح الترجيح ونحو ذلك رجع إلى كلام بعض من مضى من الفقهاء فإن وجد قولين اختار أوثقها سواء كان من أهل المدينة أو من أهل الكوفة. وكان أهل التخريج منهم يخرجون فيما لا يجدونه مصرحاً ويجتهدون في المذهب وكان هؤلاء ينسبون إلى مذهب أصحابهم فيقال فلان شافعي وفلان حنفي وكان صاحب الحديث قد ينسب أيضاً إلى أحد المذاهب لكثرة موافقته له كالنسائي والبيهقي ينسبان إلى الشافعي. فكان لا يتولى القضاء ولا الافتاء إلا مجتهد ولا يسمى الفقيه إلا مجتهداً. ثم بعد هذه القرون كان ناس آخرون ذهبوا يميناً وشمالاً وحدث فيهم أمور (منها) الجدل والخلاف في علم الفقه (ومنها) أنهم اطمأنوا بالتقليد ودب التقليد في صدورهم دبيب النمل وهم لا يشعرون وكان سبب ذلك تزاحم الفقهاء وتجادلهم فيما بينهم فإنهم لما وقعت فيهم المزاحمة في الفتوى كان كل من أفتى بشيء نوقض في فتواه ورد عليه فلم ينقطع الكلام إلا بمسير إلى تصريح رجل من المتقدمين في المسألة (وأيضاً) جور القضاة فإن القضاة لما جار أكثرهم ولم يكونوا أمناء لم يقبل منهم إلا ما لا يريب العامة فيه ويكون شيئاً قد قيل من قبل (وأيضاً) جهل رؤوس الناس واستفتاء الناس من لا علم له بالحديث ولا بطريق التخريج كما ترى ذلك ظاهراً في أكثر المتأخرين وقد نبه عليه ابن الهمام وغيره وفي ذلك الوقت يسمى غير المجتهد فقيهاً. (ومنها) أن أقبل أكثرهم على التعمقات في كل فن فمنهم من زعم أنه يؤسس علم أسماء الرجال ومعرفة مراتب الجرح والتعديل ثم خرج من ذلك إلى التاريخ قديمه وحديثه ومنهم من تفحص عن نوادر الأخبار وغرائبها وإن دخلت في حد الموضوع، ومنهم من كثر القيل والقال في أصول الفقه واستنبط كل لأصحابه قواعد جدلية فأورد فاستقصى، وأجاب وتقصى، وعرف وقسم فحرر، طول الكلام تارة وتارة أخرى اختصر ومنهم من ذهب إلى هذا بفرض الصور المستبعدة التي من حقها أن لا يتعرض لها عاقل وبفحص العمومات والإيماءات من كلام المخرجين فمن دونهم مما لا يرتضي استماعه عالم ولا جاهل. وفتنة هذا الجدل والخلاف والتعمق قريبة من الفتنة الأولى حين تشاجروا في الملك وانتصر كل رجل لصاحبه فكما أعقبت تلك ملكا عضوضاً ووقائع صماء عمياء، فكذلك #أعقبت هذه جهلاً واختلاطاً وشكوكاً ووهماً مالها من أرجاءقال الدهلوي . فنشأت بعدهم قرون على التقليد الصرف لا يميزون الحق من الباطل ولا الجدل عن الاستنباط فالفقيه يومئذ هو الثرثار المتشدق الذي حفظ أقوال الفقهاء قويها وضعيفها من غير تمييز وسردها بشقشقة شدقيه والمحدث من عد الأحاديث صحيحها وسقيمها وهذها كهذ الاسمار بقوة لحييه. ولا أقول ذلك كلياً مطرداً فإن لله طائفة من عباده لا يضرهم من خذلهم وهم حجة الله في أرضه وإن قلوا ولم يأت قرن بعد ذلك إلا وهو أكثر فتنة وأوفر تقليداً وأشد انتزاعاً للأمانة من صدور الرجال حتى اطمأنوا بترك الخوض في أمر الدين وبأن يقولوا إن وجدنا آباءنا على أمة وأنا على آثارهم مقتدون وإلى الله المشتكى وهو المستعان وبه الثقة وعليه التكلان انتهى كلام ولي الله الدهلوي. ماروي من تهيب السلف للفتيا قال الإمام النووي في مقدمة شرح المهذب: أعلم أن الإفتاء عظيم الخطر كبير الموقع كثير الفضل لأن المفتي وارث الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم وقائم بفرض الكفاية لكنه معرض للخطاء ولهذا قالوا: المفتي موقع عن الله تعالى: وروينا عن ابن المنكدر قال: العالم بين الله وخلقه فلينظر كيف يدخل بينهم. وروينا عن السلف وفضلاء الخلف من التوقف عن الفتيا أشياءً كثيرة معروفة نذكر منها أحرفاً روينا عن عبد الرحمن بن أبي ليلى قال: أدركت عشرين ومائة من الأنصار من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسأل أحدهم عن المسألة فيردها هذا إلى هذا وهذا إلى هذا حتى ترفع إلى الأول وفي رواية ما منهم من يحدث بحديث الآود أن أخاه كفاه إياه ولا يستفتى عن شيء الأود أن أخاه كفاه الفتيا وعن الشعبي والحسن وأبي حصين (بفتح الحاء) رحمهم الله قالوا: إن أحدكم ليفتي في المسألة ولو وردت على عمر بن الخطاب رضي الله عنه لجمع لها أهل بدر وعن سفيان بن عيينة وسحنون: اجسر الناس على الفتيا أقلهم علماً: وعن الشافعي رضي الله عنه وقد سئل عن مسألة فلم يجب فقيل له فقال حتى أدري أن الفضل في السكوت أو في الجواب وعن الأثرم سمعت أحمد بن حنبل رحمه الله يكثر أن يقول: لا أدري: وذلك مما عرف الأقاويل فيه وعن الهيثم بن جميل قال: شهدت مالكاً سئل عن ثماني وأربعين مسألة فقال في اثنتين وثلاثين منها لا أدري وعن مالك أيضاً رحمه الله: ربما كان يسأل عن خمسين مسألة فلا يجيب في واحدة منها وكان يقول: من أجاب فينبغي قبل الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار وكيف خلاصه ثم يجيب وقال أبو حنيفة رحمه الله: لولا الفرق من الله تعالى أن يضيع العلم ما افتيت يكون لهم المهنأ وعلي الوزر وأقوالهم في هذا كثيرة معروفة. وقال الصيمري والخطيب: قل من حرص على الفتيا وسابق إليها وثابر عليها إلا قل توفيقه واضطرب في أمره وإذا كان كارهاً لذلك غير مؤثر له ما وجد عنه مندوحة وأحال الأمر فيه على غيره كانت المعرفة له من الله أكثر والصلاح في جوابه أغلب واستدلا بقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: لا تسأل الأمارة فإنك إن أعطيتها عن مسألة وكلت إليها وإن أعطيتها عن غير مسألة أعنت عليها. معنى الفتوى اللغوي قال الراغب: الفتيا والفتوى الجواب عما يشكل من الأحكام ويقال استفتيت فأفتاني بكذا قال: ويستفتونك في النساء قل الله يفتيكم فيهن فاستفتهم افتوني في رؤياي. وفي (النهاية): يقال أفتاه في المسألة بفتيه إذا أجابه والاسم الفتوى، وفي الحديث: أن أربعة تفاتوا إليه عليه السلام: أي تحاكموا من الفتوى ومنه الحديث: الإثم ما حاك في صدرك وإن أفتاك الناس عنه وأفتوك: أي وإن جعلوا لك فيه رخصة وجوازاً. وفي (المصباح): الفتوى بالواو بفتح الفاء وبالياء فتضم اسم من أفتى العالم إذا بين الحكم ويقال أصله من الفتى وهو الشاب القوي والجمع الفتاوي بكسر الواو على الأصل وقيل يجوز الفتح للتخفيف انتهى وعبارته تفيد أن الفتوى بالفتح لا غير خلافاً لما يقتضيه كلام القاموس من جواز الضم والفتح فقد نوقش فيه ولذا قال شارحه العلامة الفاسي: المصرح به في أمهات اللغة وأكثر مصنفات الصرف أن الفتيا بالياء لا تكون إلا مضمومة وأن الفتوى بالواو لا تكون إلا مفتوحة: وفي (أساس البلاغة): وفلان من أهل الفتوى والفتيا وتعالوا ففاتونا وتفاتوا إليه تحاكموا قال الطرماح: هلم إلى قضاة الغوث فاسأل برهطك والبيان لدى القضاة انخ بفناء أشدق من عدي ومن جرم وهم أهل التفاتي وقال عمر بن أبي ربيعة: فبت أفاتيها فلا هي ترعوي بجود ولا تبدي إباءً فتبخلا أي أسائلها: وراثة المفتي للمقام النبوي قال الإمام أبو اسحق الشاطبيفي الموافقات المفتي قائم في الأمة مقام النبي صلى الله عليه وسلم والدليل على ذلك أمور (أحدها) النقل الشرعي في الحديث أن العلماء ورثة الأنبياء وأن الأنبياء لم يورثوا ديناراً ولا درهماً وإنما ورثوا العلم: وفي الصحيح: بينا أنا نائم أتيت بقدح من لبن فشربت حتى أن لأرى الري يخرج من أظفاري ثم أعطيت فضلي عمر بن الخطاب قالوا فما أولته يا رسول الله قال العلم: وهو في معنى الميراث وبعث النبي صلى الله عليه وسلم نذيراً لقوله تعالى: إنما أنت نذير وقال في العلماء: فلولا نفر من كل فرقة منهم طائفة ليتفقهوا في الدين ولينذروا قومهم الآية وأشباه ذلك (والثاني) أنه نائب عنه في تبليغ الأحكام لقوله: ألا ليبلغ الشاهد منكم الغائب: وقال بلغوا عني ولو آية وقال: تسمعون ويسمع منكم ويسمع ممن يسمع منكم: وإذا كان ذلك فهو معنى كونه قائماً مقام النبي (والثالث) أن المفتي شارع من وجه لأن ما يبلغه من الشريعة إما منقول عن صاحبها وإما مستنبط من المنقول فالأول يكون فيه مبلغاً والثاني يكون فيه قائماً مقامه في إنشاء الأحكام وإنشاء الأحكام إنما هو للشارع فإذا كان المجتهد إنشاء الأحكام بحسب نظره واجتهاده فهو من هذا الوجه شارع واجب إتباعه والعمل على وفق ما قاله وهذه هي الخلافة على التحقيق بل القسم الذي هو مبلغ فيه لا بد من نظره فيه من جهة فهم المعاني من الألفاظ الشرعية ومن جهة تحقيق مناطها وتنزيلها على الأحكام وكلا الأمرين راجع إليه فيها فقد قام مقام الشارع أيضاً في هذا المعنى وقد جاء في الحديث: أن من قرأ القرآن فقد أدرجت النبوة بين جنبيه: وعلى الجملة فالمفتي مخبر عن الله كالنبي وموقع للشريعة على أفعال المكلفين بحسب نظره كالنبي ونافذ أمره في الأمة بمنشور الخلافة كالنبي ولذلك سموا أولي الأمر وقرنت طاعتهم بطاعة الله ورسوله في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم والأدلة على هذا المعنى كثيرة. بيان أن المفتي والعالم والمجتهد والفقيه ألفاظ مترادفة في الأصول قال الشهاب ابن قاسم العبادي في شرح قول إمام الحرمين في الورقات: وصفة المفتي الخ: والمجتهد والمفتي واحد، وقال في شرح قوله: وليس للعالم أن يقلد أي المجتهد المطلق فإنه المراد من العالم كالمفتي حيث أطلق في الأصول. وقال أيضاً في شرح قول المحلي: والمفتي هو المجتهد: يحتمل إرادة اتحادهما مفهوماً وإرادة اتحادهما ما صدقا ولعل الثاني أقرب انتهى. وقال السبكي: في جمع الجوامع والمجتهد الفقيه: قال المحلي: كما قال فيما تقدم نقله عنه في أوائل الكتاب: والفقيه المجتهد لأن كلاً منهما يصدق على ما يصدق عليه الآخر، قال العطار أي فهو ليس من قبيل التعريف وإنما هو من قبيل بيان الما صدق فتساوى الأفراد واختلف المفهوم. وفي فتح القدير لابن الهمام: قد استقر رأي الأصوليين على أن المفتي هو المجتهد فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال المجتهد فليس بمفت والواجب عليه إذا سئل أن يذكر قول المجتهد على وجه الحكاية فعرف أن ما يكون في زماننا من فتوى الموجودين ليس بفتوى بل هو نقل كلام المفتي ليأخذ به المستفتي وطريق نقله لذلك عن المجتهد أحد أمرين إما أن يكون له فيه سند إليه أو يأخذه عن كتاب معروف تداولته الأيدي نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها لأنه بمنزلة الخبر المتواتر أو المشهور. ما اشترطه الأصوليون في المفتي قال الإمام الصيرفي: موضوع هذا الاسم يعني المفتي لمن قام للناس بأمر دينهم وعلم جمل عموم القرآن وخصوصه وناسخه ومنسوخه وكذلك السنن والاستنباط ولم يوضح لمن علم مسألة وأدرك حقيقتها فمن بلغ هذه المرتبة سموه بهذا الاسم ومن استحقه أفتى فيما استفتي. وقال ابن السمعاني: المفتي من استكمل فيه ثلاث شرائط: الاجتهاد والعدالة والكف عن الترخيص والتساهلارشاد الفحول للشوكاني وقال الإمام الشاطبي: المفتي البالغ ذروة الدرجة هو الذي يحمل الناس على المعهود الوسط فيما يليق بالجمهور فلا يذهب بهم مذهب الشدة ولا يميل بهم إلى طرف الانحلال والدليل على هذا أنه الصراط المستقيم الذي جاءت به الشريعة ومقصد الشارع من المكلف الحمل على التوسط من غير إفراط ولا تفريط فإذا خرج عن ذلك في المستفتين خرج عن قصد الشارع ولذلك كان ما خرج عن المذهب الوسط مذموماً عند العلماء الراسخين وأيضاً فإن هذا المذهب كان المفهوم من شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه الأكرمين وقد رد عليه السلام التبتل وقال لمعاذ لما أطال بالناس في الصلاة: افتان أنت يا معاذ: وقال: إن منكم منفرين، وقال: عليكم من العمل ما تطيقون فإن الله لا يمل حتى تملوا، وقال أحب العمل إلى الله ما دام عليه صاحبه وإن قل ورد عليهم الوصال، وكثير من هذا وأيضاً فإن الخروج إلى الأطراف خارج عن العدل ولا تقوم به مصلحة الخلق أما في طرف التشديد فإنه مهلكة وأما في طرف الانحلال فكذلك أيضاً لأن المستفتي إذا ذهب به مذهب العنت والحرج بغض إليه الدين وأدى إلى الانقطاع عن سلوك طريق الآخرة وهو مشاهد وأما إذا ذهب به مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى والشهوة والشرع إنما جاء بالنهي عن الهوى واتباع الهوى مهلك والأدلة كثيرة. فعلى هذا يكون الميل إلى الرخص في الفتيا بإطلاق مضاداً للمشي على التوسط كما أن الميل إلى التشديد مضاد له أيضاً وربما فهم بعض الناس أن ترك الترخص تشديد فلا يجعل بينهما وسطاً وهذا غلط والوسط هو معظم الشريعة وأم الكتاب ومن تأمل موارد الأحكام بالاستقراء التام عرف ذلك وأكثر من هذا شأنه من أهل الانتماء إلى العلم يتعلق بالخلاف الوارد في المسائل العلمية بحيث يتحرى الفتوى بالقول الذي يوافق هوى المستفتي بناءً منه على أن الفتوى بالقول المخالف لهواه تشديد عليه وحرج في حقه وأن الخلاف إنما كان رحمة لهذا المعنى وليس بين التشديد والتخفيف واسطة وهذا قلب المعنى المقصود في الشريعة فإن أتباع الهوى ليس من المشقات التي يترخص بسببها وإن الخلاف إنما هو رحمة من جهة أخرى وإن الشريعة حمل على التوسط لأعلى مطلق التخفيف - والإلزام ارتفاع مطلق التكليف من حيث هو حرج ومخالف للهوى ولا على مطلق التشديد فليأخذ الموفق في هذا الموضع حذره فإنه مزلة قدم على وضوح الأمر فيه انتهى. وقال الإمام أبو اسحق الشيرازي في اللمعمن اهم كتب الاصول وقد طبع مع بعض تعليقاتنا في باب صفة المفتي والمستفتي، وينبغي أن يكون المفتي عارفاً بطرق الأحكام وهي الكتاب والذي يجب أن يعرف من ذلك ما يتعلق بذكر الأحكام والحلال والحرام دون ما فيه من القصص والأمثال والمواعظ والأخبار ويحيط بالسنن المروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في بيان الأحكام ويعرف الطرق التي يعرف بها ما يحتاج إليه من الكتاب والسنة من أحكام الخطاب وموارد الكلام ومصادره من الحقيقة والمجاز والعام والخاص والمجمل والمفصل والمطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم ويعرف من اللغة والنحو ما يعرف به مراد الله تعالى ومراد رسوله صلى الله عليه وسلم في خطابهما ويعرف أحكام أفعال رسول الله صلى الله عليه وسلم وما تقتضيه ويعرف الناسخ من ذلك والمنسوخ وأحكام النسخ وما يتعلق به ويعرف أجماع السلف وخلافهم ويعرف ما يعتد به من ذلك وما لا يعتد به ويعرف القياس والاجتهاد والأصول التي يجوز تعليلها وما لا يجوز والأوصاف التي يجوز أن يعلل بها وما لا يجوز وكيفية انتزاع العلل ويعرف ترتيب الأدلة بعضها على بعض وتقديم الأولى منها ووجوه الترجيح ويجب أن يكون ثقة مأمونا لا يتساهل في أمر الدين انتهى. وقال الإمام النووي في مقدمة شرح المهذب: وينبغي أن يكون المفتي ظاهر الورع مشهوراً بالديانة الظاهرة والصيانة الباهرة (ثم قال): شرط المفتي كونه ثقة مأموناً منزهاً عن الفسق وخوارم المروءة فقيه النفس سليم الذهن رصين الفكر صحيح النظر والاستنباط متيقظاً سواء فيه الحر والعبد والمرأة والأعمى والأخرس إذا كتب أو فهمت إشارته. قال الشيخ أبو عمرو بن الصلاح: وينبغي أن يكون كالراوي في أنه لا يؤثر فيه قرابة وعداوة وجر نفع ودفع ضر ولأن المفتي في حكم مخبر عن الشرع بما لا اختصاص له بشخص فكان كالراوي لا كالشاهد وفتواه لا يرتبط بها إلزام بخلاف حكم القاضي. (قال): وذكر صاحب الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتواه شخصاً معيناً صار خصماً معانداً فترد فتواه على من عاداه كما ترد شهادته عليه إذا وقت انتهى. فتوى الفاسق والمستور وأهل الأهواء والخوارج قال الإمام النووي في مقدمة شرح المهذب: نقل الخطيب البغدادي أجماع المسلمين على أن الفاسق لا تصح فتواه (لغيره) وأنه يجب عليه إذا وقعت له واقعة أن يعمل باجتهاد نفسه. وأما المستور وهو الذي ظاهره العدالة ولم تختبر عدالته باطناً ففيه وجهان أصحهما جواز فتواه لأن العدالة الباطنة يعتبر معرفتها على غير القضاة والثاني لا تجوز كالشهادة. قال الصميري: وتصح فتوى أهل الأهواء والخوارج ومن لا يكفر ببدعته ولا بفسقه. بحث الفتوى للقاضي قال الإمام النووي: والقاضي كغيره في جواز الفتيا بلا كراهة هذا هو الصحيح وقيل له الفتوى في العبادات وما لا يتعلق بالقضاء وفي القضاء وجهان لأصحابنا أحدهما الجواز لأنه أهل والثاني لا لأنه موضع تهمة وقال ابن المنذر تكره الفتوى في مسائل الأحكام وقال شريح أنا أقضي ولا أفتي. تقسيم المتأخرين المفتي إلى مستقل وغير مستقل  قال الإمام النووي قال أبو عمرو - ابن الصلاح - المفتون قسمان مستقل وغيره فالمستقل شرطه مع ما ذكرناه أن يكون فقيهاً بمعرفة أدلة الأحكام الشرعية من الكتاب والسنة والإجماع والقياس وما التحق بها على التفصيل وقد فصلت في كتب الفقه فيسرت وأن يكون عالماً بما يشترط في الأدلة ووجوه دلالتها وبكيفية اقتباس الأحكام منها وهذا مستفاد من أصول الفقه، وعارفاً من علوم القرآن والحديث والناسخ والمنسوخ والنحو واللغة والصرف واختلاف العلماء واتفاقهم بالقدر الذي يتمكن معه من الوفاء بشروط الأدلة والاقتباس منها، ذا دربة وارتياض في استعمال ذلك، عالماً بالفقه ضابطاً لأمهات مسائله وتفاريعه فمن جمع هذه الأوصاف فهو المفتي المطلق المستقل الذي يتأدى به فرض الكفاية وهو المجتهد المطلق المستقل لأنه يستقل بالأدلة بغير تقليد وتقيد بمذهب أحد. قال أبو عمرو: وما شرطناه من حفظه لمسائل الفقه لم يشترط في كثير من الكتب المشهورات لكونه ليس شرطاً لمنصب الاجتهاد لأن الفقه ثمرته فيتأخر عنه وشرط الشيء لا يتأخر عنه وشرطه الأستاذ أبو اسحق الاسفراييني وصاحبه أبو منصور البغدادي وغيرهما واشتراطه في المفتي الذي يتأدى به فرض الكفاية هو الصحيح وإن لم يكن كذلك في المجتهد المستقل. ثم لا يشترط أن تكون جميع الأحكام على ذهنه بل يكفيه كونه حافظاً لمعظمها متمكناً من إدراك الباقي على قرب. وهل يشترط أن يعرف من الحساب ما يصحح به المسائل الحسابية الفقهية حكى أبو اسحق وأبو منصور فيه خلافاً لأصحابنا والأصح اشتراطه. ثم إنما يشترط اجتماع العلوم المذكورة في مفت مطلق في جميع أبواب الشرع وأما مفت في باب خاص كالمناسك والفرائض فيكفيه معرفة ذلك الباب كذا قطع به الغزالي وصاحبه ابن برهان (بفتح الباء) وغيرهما ومنهم من منعه مطلقاً وأجازه ابن الصباغ في الفرائض خاصة والأصح جوازه مطلقاً. (القسم الثاني المفتي الذي ليس بمستقل) ومن دهر طويل عدم المفتي المستقل وصارت الفتوى إلى المنتسبين إلى أئمة المذاهب المتبوعة. وللمفتي المنتسب حالات إحداها أن لا يكون مقلداً لأمامه لا في المذهب ولا في دليله لاتصافه بصفة المستقل وإنما ينسب إليه لسلوكه طريقه في الاجتهاد وادعى أبو اسحق هذه الصفة لأصحابنا وحكي عن أصحاب مالك وأحمد وداود وأكثر الحنفية أنهم صاروا إلى مذاهب أئمتهم تقليداً لهم. والصحيح الذي ذهب إليه المحققون ما ذهب إليه أصحابنا وهو أنهم صاروا إلى مذهب الشافعي لا تقليداً له بل لما وجدوا طرقه في الاجتهاد والقياس أسد الطرق ولم يكن لهم بد من الاجتهاد سلكوا طريقه وطلبوا معرفة الأحكام بطريق الشافعي قال النووي قلت هذا موافق لما أمرهم به الشافعي ثم المزني في أول مختصره وغيره بقوله: مع إعلاميه نهيه عن تقليده وتقليد غيره. ثم فتوى المفتي في هذه الحالة كفتوى المستقل في العمل بها والاعتداد بها في الإجماع والخلاف. الحالة الثانية أن يكون مجتهداً مقلداً في مذهب إمامه مستقلاً بتقرير أصوله بالدليل غير أنه لا يتجاوز في أدائه أصول إمامة وقواعده وشرطه كونه عالماً بالفقه وأصوله وأدلة الأحكام تفصيلاً - بصيراً بمسالك الأقيسة والمعاني - تام الارتياض في التخريج والاستنباط قيما بإلحاق ما ليس منصوصاً عليه لإمامه بأصوله إلى أن قال النووي ثم ظاهر كلام الأصحاب أن من هذا حاله لا يتأدى به فرض الكفاية. ثم قد يستقل المقلد في مسألة أو باب خاص كما تقدم وله أن يفتي فيما لا نص فيه لإمامه بما يخرجه على أصوله وهو الذي عليه العمل وإليه يفزع المفتون من مدد طويلة ثم إذا أفتى بتخريجه فالمستفتي مقلد لإمامه لا له هكذا قطع به إمام الحرمين في كتابه الغياثي قال الشيخ أبو عمرو: ينبغي أن يخرج هذا على خلاف حكاه الشيخ أبو اسحق الشيرازي وغيره أن ما يخرجه أصحابنا هل يجوز نسبته إلى الشافعي رحمه الله والأصح أنه لا ينسب إليه. ثم ذكر النووي بقية حالات المفتي المنتسب أضربنا عنها لقلة جدواها ولأنها فرعت لزمن غير هذا الزمن. وقال العلامة الفناري في فصول البدائع في مسائل الفتاوي: يجوز الإفتاء للمجتهد اتفاقاً ولحاكي قول مجتهد حي سمعه منه مشافهة لأن علياً رضي الله عنه أخذ بقول المقداد عن النبي عليه السلام في المذي ولذا يجوز للمرأة أن تعمل في حيضها بنقل زوجها عن المفتي. أما - الإفتاء - لحاكي قول ميت فمنعه الأكثرون إذ لا قول للميت لانعقاد الإجماع مع خلافه وإنما صنفت كتب الفقه لاستفادة طرق الاجتهاد من تصرفهم ومعرفة المتفق عليه والمختلف فيه قال في المحصول: والأصح عند المتأخرين جوازه لوجهين الأول انعقاد الإجماع على جواز العمل بهذا النوع من الفتوى وله معنيان ١ أن أحكام الشريعة المحمدية باقية إلى آخر الزمان لكونه خاتم النبيين وكل من المجتهدين يثبت الحكم على أنه كذلك فهم وإن اختلفوا في تعيين الحكم مجمعون ضمناً على بقائه وجواز تقليد من بعدهم ٢ أن المجتهدين السابقين المختلفين أجمعوا صريحاً على أن من بعدهم إذا اضطروا إلى تقليد الميت لعدم الاجتهاد جاز لهم ذلك الثاني إذا كان المجتهد الميت ثقة عالماً والحاكي عنه ثقة فاهماً معنى كلامه حصل عند العامي ظن أن حكم الله تعالى ما حكاه والظن حجة حتى لو رجع إلى كتاب موثوق به جاز أيضاً كذا في التحصيل. قال في فتاوى العصر في أصول الفقه لأبي بكر الرازي رحمه الله فأما ما يوجد من كلام رجل ومذهبه في كتاب معروف به قد تداولته النسخ يجوز لمن نظر فيه أن يقول قال فلان كذا وإن لم يسمعه من أحد نحو كتب محمد بن الحسن وموطأ مالك لأن وجودها على هذا الوصف بمنزلة خبر المتواتر ولاستفاضة لا يحتاج مثله إلى إسناد. وتوفية الكلام فيه أن لغير المجتهد أن يفتي بمذهب مجتهد أن كان أهلاً للنظر والاستنباط مطلعاً على المآخذ في أقوال إمامه أي مجتهداً في ذلك المذهب ومعنى الإفتاء الاستنباط بمقتضى قواعده لا الحكاية وقيل يجوز مطلقاً ومعنى الإفتاء أعم من الاستنباط والحكاية وهو المنقول عن المحصول آنفاً وقال أبو الحسين لا يجوز مطلقاً لنا تكرر إفتاء العلماء غير المجتهدين في جميع الأعصار من غير إنكار للمجوز أنه ناقل فلا فرق فيه بين العالم وغيره كالأحاديث قلنا جواز النقل متفق عليه والنزاع فيما هو المعتاد من تخريجه على أنه مذهب أبي حنيفة أو الشافعي رحمه الله كذا في المختصر والمفهوم من غيره أن في الحاكي عن الميت خلافاً للمانع لو جاز لجاز للعامي لأنهما في النقل سواء قلنا الدليل هو الإجماع وقد يجوز للعائدون العامي والفارق علم المأخذ وأهلية النظر. ثم عن أصحابنا في ذلك روايات ذكر في التجنيس سئل محمد بن الحسن رحمه الله: متى كان للرجل أن يفتي: قال إذا كان صوابه أكثر من خطاءه وقال ظهير الدين التمرتاشي رحمه الله: لا يجوز للمفتي أن يفتي حتى يعلم من أين قلنا فقلنا هل يحتاج إلى هذا في زماننا أم يكفيه الحفظ قال يكفي الحفظ نقلاً عن الكتب المنقحة وقال نجم الأئمة البخاري رحمه الله: الحفظ لا يكفي ولا بد من ذلك الشرط. وفي عيون الفتاوى: قال عصام بن يوسف رحمه الله، كنت في مأتم قد اجتمع فيه أربعة من أصحاب أبي حنيفة زفر وأبو يوسف وعافية وقاسم بن معن فأجمعوا على أنه لا يحل لأحد أن يفتي بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا كلام الفناري. حكم المقلد يفتي بما هو مقلد فيه قال النووي: فإن قيل هل لمقلدان يفتي بما هو مقلد فيه قلنا قطع أبو عبد الله الحليمي وأبو محمد الجويني وأبو المحاسن الروياني وغيرهم بتحريمه وقال القفال المروزي يجوز: قال أبو عمرو: قول من منعه معناه لا يذكره على صورة من يقوله من عند نفسه. بل يضيفه إلى أمامه الذي قلده قال فعلى هذا من عددناه من المفتين المقلدين ليسوا بمفتين حقيقة لكن قاموا مقامهم وأدوا عنهم عدوا معهم وسبيلهم أن يقولوا مثلاً من مذهب الشافعي كذا ونحو هذا ومن ترك منهم الإضافة فهو اكتفاء بالمعلوم من الحال عن التصريح ولا بأس بذلك. وذكر صاحب الحاوي في الكافي: إذا عرف حكم حادثة بني على دليلها ثلاثة أوجه أحدها يجوز أن يفتي به ويجوز تقليده لأنه وصل إلى علمه كوصول العالم والثاني يجوز أن كان دليلها كتاباً أو سنة ولا يجوز أن كان غيرهما والثالث لا يجوز مطلقاً وهو الأصح هذا ما قاله أئمة الشافعية وتقدم وتقدم عن الفناري ما للحنفية. أحكام المفتين قال النووي: الإفتاء فرض كفاية فإذا استفتي وليس في الناحية غيره تعين عليه الجواب فإن كان فيها غيره وحضر فالجواب في حقهما فرض كفاية وإن لم يحضر غيره فوجهان أصحهما لا يتعين والثاني يتعين وهما كالوجهين في مثله في الشهادة ولو سأل عامي عما لم يجب - لم يجب جوابه. إذا أفتى بشيء ثم رجع عنه فإن أعلم المستفتي برجوعه ولم يكن عمل بالأول لم يجز العمل به وإن كان عمل قبل رجوعه فإن خالف دليلاً قاطعاً لزم المستفتي نقض عمله ذلك وإن كان في محل اجتهاد لم يلزمه نقضه لأن الاجتهاد لا ينقض بالاجتهاد وهذا التفصيل ذكره الصيمري والخطيب وأبو عمرو واتفقوا عليه ولا أعلم خلافه ويلزم المفتي إعلامه قبل العمل وكذا بعده حيث يجب النقض وإذا عمل بفتواه في إتلاف فبان خطؤه وأنه خالف القاطع فعن الاستاذ أبي اسحق أنه يضمن أن كان أهلاً للفتوى ولا يضمن إن لم يكن أهلاً لأن المستفتي قصر كذا حكاه الشيخ أبو عمرو وسكت عليه وهو مشكل وينبغي أن يخرج الضمان على قولي الغرور المعروفين في باب الغصب والنكاح وغيرهما أو يقطع بعدم الضمان إذ ليس في الفتيا إلزام ولا إلجاء. يحرم التساهل في الفتوى ومن عرف به حرم استفتاؤه فمن التساهل أن لا يتثبت ويشرع بالفتوى قبل استيفاء حقها من النظر والفكر فإن تقدمت معرفته بالمسؤول عنها فلا بأس بالمبادرة وعلى هذا يحمل ما نقل عن الماضين من مبادرة ومن التساهل أن تحمله الأغراض الفاسدة على تتبع الحيل المحرمة أو المكروهة طلباً للترخص لمن يروم نفعه أو التغليظ على من يريد ضره وأما من صح قصده فاحتسب في طلب حيلة لا شبهة فيها ليخلص من ورطة يمين ونحوها فذلك حسن جميل عليه يحمل ما جاء عن السلف من نحو هذا كقول سفيان (إنما العلم الرخصة من ثقة) وأما التشديد فيحسنه كل أحد ومن الحيل التي فيها شبهة ويذم فاعلها الحيلة في سد باب الطلاق. ينبغي أن لا يفتي في حال تغير خلقه وشغل قلبه بما يمنعه التأمل كغضب وجوع وحزن وفرح غالب ونعاس أو ملل أو حر مزعج أو مرض مؤلم أو مدافعة حدث وكل حال شغل فيه قلبه ويخرج عن حد الاعتدال فإن أفتى في بعض هذه الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب جاز وإن كان مخاطراً فيها. المختار للمتصدي للفتوى أن يتبرع بذلك ويجوز أن يأخذ عليه رزقاً من بيت المال إلا أن يتعين عليه وله كفاية فيحرم على الصحيح. ثم إن كان له رزق لم يجز أخذ أجرة وإن لم يكن له رزق فليس له أخذ أجرة من أعيان من يفتيه على الأصح كالحاكم. واحتال الشيخ أبو حاتم القزويني من أصحابنا فقال له أن يقول يلزمني أن أفتيك قولاً وأما كتابة الخط فلا فإن استأجره على كتابة الخط جاز. قال الصيمري: لو اتفق أهل البلد فجعلوا له رزقاً من أموالهم على أن يتفرغ لفتاويهم جاز. (وأما الهدبة) فقال أبو المظفر السمعاني له قبولها بخلاف الحاكم فإنه يلزمهم حكمه قال أبو عمرو: ينبغي أن يحرم قبولها إن كانت رشوة على أن يفتيه بما يريد كما في الحاكم وسائر ما لا يقابل بعوض. قال الخطيب: وعلى الإمام أن يفرض لمن نصب نفسه لتدريس الفقه والفتوى في الأحكام ما يغنيه عن الاحتراف ويكون ذلك من بيت المال ثم روى إسناده أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أعطى كل رجل ممن هذه صفته مائة دينار في السنة. لا يجوز أن يفتي في الإيمان والإقرار ونحوهما مما يتعلق بالألفاظ إلا أن يكون من أهل بلد اللافظ أو منزلاً منزلتهم في الخبرة بمرادهم من ألفاظهم وعرفهم فيها انتهى كلام النووي، وهكذا نقل ابن فرحون في التبصرة عن القرافي أنه ينبغي للمفتي إذا ورد عليه مستفت لا يعلم أنه من أهل البلد الذي فيه المفتي أن لا يفتيه بما عادته يفتي به حتى يسأله عن بلده وهل حدث لهم عرف في ذلك اللفظ اللغوي أم لا وإن كان اللفظ عرفياً فهل عرف ذلك البلد موافق لهذا البلد في عرفه أم لا وهذا أمر متيقن واجب لا يختلف فيه العلماء وأن العادتين متى كانتا في بلدين ليسا سواءً أن حكمهما ليس سواءً إنما اختلف العلماء في العرف واللغة هل يقدم العرف على اللغة أم لا والصحيح تقديمه لأنه ناسخ والناسخ مقدم على المنسوخ إجماعاً فكذا هنا انتهى.  لا يجوز لمن كان فتواه نقلاً لمذهب إمام إذا اعتمد الكتب أن يعتمد إلا على كتاب موثوق بصحته وبأنه مذهب ذلك الإمام فإن وثق بأن أصل التصنيف بهذه الصفة لكن لم يلق هذه النسخة معتمدة فليستظهر بنسخ منه متفقة. (قال النووي) قلت: لا يجوز لمفت إذا اعتمد النقل أن يكتفي بمصنف أو مصنفين ونحوهما من كتب المتقدمين وأكثر المتأخرين لكثرة الاختلاف بينهم في الجزم والتخريج. إذا أفتى في حادثة ثم حدث مثلها فإن ذكر الفتوى الأولى ودليلها بالنسبة إلى أصل الشرع أن كان مستقلاً أو إلى مذهبه منتسباً أفتى بذلك بلا نظر وإن ذكرها ولم يذكر دليلها ولا طرأ ما يوجب رجوعه فقيل له أن يفتي بذلك والأصح وجوب تجديد النظر ومثله القاضي إذا حكم بالاجتهاد ثم وقعت المسألة وكذا تجديد الطلب في التميم والاجتهاد في القبلة وفيهما الوجهان. قال القاضي أبو الطيب في تعليقه في آخر باب استقبال القبلة: وكذا العامي إذا وقعت له مسألة فسأل عنها ثم وقعت له فيلزمه السؤال ثانية - يعني على الأصح - إلا أن تكون مسألة يكثر وقوعها ويشق عليه إعادة السؤال عنها فلا يلزمه ذلك ويكفي السؤال الأول. ينبغي أن لا يقتصر على قوله في المسألة خلاف أو قولان أو وجهان أو روايتان أو ترجع إلى رأي القاضي أو نحو ذلك وهذا ليس بجواب ومقصود المستفتي بيان ما يعمل به فينبغي أن يجزم له بما هو الراجح فإن لم يعرفه توقف حتى يظهر أو يترك الفتيا كما كان جماعة من كبار أصحابنا يمتنعون عن الإفتاء. هذا ما نقله النووي في شرح المهذب. آداب الفتوى قال النووي: يلزم المفتي أن يبين الجواب بياناً يزيل الإشكال ثم له الاقتصار على الجواب شفاها فإن لم يعرف لسان المستفتي كفاه ترجمة ثقة واحد لأنه خبر وله الجواب كتابة وإن كانت الكتابة على خطر وكان القاضي أبو حامد كثير الهرب من الفتوى في الرقاع. قال الصيمري: وليس من الأدب كون السؤال بخط المفتي فإما بإملائه وتهذيبه فواقع وكان الشيخ أبو اسحق الشيرازي يكتب السؤال على ورق له ثم يكتب الجواب. وإذا كان في الرقعة مسائل فالأحسن ترتيب الجواب على ترتيب السؤال ولو ترك الترتيب فلا بأس. وإذا كان في المسألة تفصيل لم يطلق الجواب فإنه خطأ ثم له أن يستفصل السائل أن حضر ويكتب السؤال في رقعة أخرى ثم يجيب وهذا أولى واسلم وله أن يقتصر على جواب أحد الأقسام إذا علم أنه الواقع للسائل ثم يقول هذا إذا كان الأمر كذا وله أن يفصل الأقسام في جوابه ويذكر حكم كل قسم لكن هذا كرهه أبو الحسن القابسي من أئمة المالكية وغيره وقالوا: هذا تعليم للناس الفجور وإذا لم يجد المفتي من يسأله فصل الأقسام واجتهد في بيانها واستيعابها. ليس له أن يكتب الجواب على ما علمه من صورة الواقعة إذا لم يكن في الرقعة تعرض له بل يكتب جواب ما في الرقعة فإن أراد جواب ما ليس فيها فليقل إن كان الأمر كذا وكذا فجوابه كذا واستحب العلماء أن يزيد على ما في الرقعة بما له تعلق بها مما يحتاج إليه السائل لحديث: هو الطهور ماؤه الحل ميتته. إذا كان المستفتي بعيد الفهم فليرفق به ويصبر على تفهم سؤاله وتفهيم جوابه فإن ثوابه جزيل. ليتأمل الرقعة تأملاً شافياً وآخرها آكد فإن السؤال في آخرها وقد يتقيد الجميع بكلمة في آخرها ويغفل عنها. قال الصيمري: وقال بعض العلماء ينبغي أن يكون توقفه في المسألة السهلة كالصعبة ليعتاده وكان محمد بن الحسن يفعله. وإذا وجد كلمة مشبهة سأل المستفتي عنها ونقطها وشكلها وكذا أن وجد لحناً فاحشاً أو خطأ يحيل المعنى أصلحه وإن رأى بياضاً في أثناء السطر أو آخره خط عليه أو شغله لأنه ربما قصد المفتي بالإيذاء فكتب في البياض ما يفسدها كما يلي به القاضي أبو حامد المرزوي. يستحب أن يقرأها على حاضر به ممن هو أهل لذلك ويشاورهم ويباحثهم برفق وإنصاف وإن كانوا دونه وتلامذته للاقتداء بالسلف ورجاء ظهور ما قد يخفى عليه إلا أن يكون فيها ما يقبح إبداؤه أو يؤثر السائل كتمانه أو في إشاعته مفسدة. ليكتب الجواب بخط واضح وسط لا دقيق خاف ولا غليظ جاف ويتوسط في سطورها بين توسيعها وتضييقها وتكون عبارته واضحة صحيحة يفهمها العامة ولا يزدريها الخاصة واستحب بعضهم أن لا تختلف أقلامه وخطه خوفاً من التزوير ولئلا يشتبه خطه. قال الصيمري: وقل ما وجد التزوير عن المفتي لأن الله تعالى حرس أمر الدين وإذا كتب الجواب أعاد نظره فيه خوفاً من اختلال وقع فيه وإخلال ببعض المسئول عنه. إذا كان هو المبتدئ فالعادة قديماً وحديثاً أن يكتب في الناحية اليسرى من الورقة قال الصيمري وغيره: وإن كتب من وسط الرقعة أو من حاشيتها فلا عيب عليه ولا يكتب فوق البسملة بحال وأن يدعو إذا أراد الإفتاء وجاء عن مكحول ومالك رحمهما الله الاستعاذة من الشيطان ويسمي الله تعالى ويحمده ويصلي على النبي صلى الله عليه وسلم وليقل رب اشرح لي صدري الآية ونحو ذلك. قال الصيمري: وعادة كثيرين أن يبدؤوا فتاويهم: الجواب وبالله التوفيق، وحذف آخرون قال النووي المختار قول ذلك مطلقاً وأحسنه الابتداء بقوله الحمدلله لحديث: كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بالحمد لله فهو أجذم، وينبغي أن يقوله بلسانه ويكتبه. قال الصيمري: ولا يدع ختم جوابه بقوله وبالله التوفيق أو والله أعلم أو والله الموفق (قال) ولا يقبح قوله: الجواب عندنا أو الذي عندنا أو الذي نقول به أو نذهب إليه أو نراه كذا لأنه من أهل ذلك (قال) وإذا أغفل السائل الدعاء للمفتي أو الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم في آخر الفتوى الحق المفتي ذلك بخطه فإن العادة جارية به. قال النووي: وإذا ختم الجواب بقوله والله أعلم ونحوه مما سبق فليكتب بعده: كتبه فلان أو فلان بن فلان الفلاني فينسب إلى ما يعرف به من قبيلة أو بلدة أو صفة فإن كان مشهوراً بالاسم أو غيره فلا بأس بالاقتصار عليه. قال الصيمري وينبغي إذا تعلقت الفتوى بالسلطان أن يدعو له فيقول: وعلى ولي الأمر والسلطان أصلحه الله أو سدده أو قوى الله عزمه وأصلح به أو شد الله أزره ولا يقال أطال الله بقاءه فليست من ألفاظ السلف. (قال النووي): نقل أبو جعفر النحاس وغيره اتفاق العلماء على كراهة قول أطال الله بقاك وفي صحيح مسلم في حديث أم حبيبة رضي الله عنها إشارة إلى أن الأولى ترك نحو هذا من الدعاء بطول البقاء وأشباهه. ليختصر جوابه ويكون بحيث يفهمه العامة قال صاحب الحاوي: يقول يجوز أو لا يجوز أو حق أو باطل وحكى شيخه الصيمري عن شيخه القاضي أبي حامد أنه كان يختصر غاية ما يمكنه واستفتي في مسألة آخرها يجوز أم لا فكتب لا وبالله التوفيق انتهى. قلت استحباب الاختصار ليس على إطلاقه بل هو في أمر جلى لا حاجة إلى الإطناب فيه أو في جواب لعامي وهو ما تغلب فيه الفتاوي وإما الفتاوي في المسائل المهمة فلا يستكثر فيها مجلد إلا أن البحث هنا ليس في أمثالها. قال الصيمري والخطيب: إذا سئل عمن قال: أنا أصدق من محمد بن عبد الله أو الصلاة لعب وشبه ذلك: فلا يبادر بقوله: هذا حلال الدم أو عليه القتل بل يقول إن صح هذا بإقراراه أو بالبينة استنابه السلطان فإن تاب قبلت توبته وإن لم يتب فعل به كذا وكذا وبالغ في ذلك وأشبعه. (قال) وإن تكلم بشيء يحتمل وجوهاً يكفر ببعضها دون بعض قال يسأل هذا القائل فإن قال: أردت كذا فالجواب كذا. ينبغي إذا ضاق موضع الجواب أن لا يكتبه في رقعة أخرى خوفاً من الحيلة ولهذا قالوا يصل جوابه بآخر سطر ولا يدع فرجة لئلا يزيد السائل شيئاً يفسدها وإذا كان موضع الجواب ورقة ملصقة كتب على الإلصاق. إذا ظهر للمفتي أن الجواب خلاف غرض المستفتي وأنه لا يرضى بكتابته في ورقته فليقتصر على مشافهته بالجواب. وليحذر أن يميل في فتواه مع المستفتي أو خصمه ووجوه الميل كثيرة لا تخفى ومنها أن يكتب في جوابه ما هو له ويترك ما هو عليه. وليس له أن يبدأ في مسائل الدعوى والبينات بوجوه المخالص منها وإذا سأله أحدهم وقال: بأي شيء يندفع كذا وكذا لم يجبه كيلا يتوصل بذلك إلى إبطال حق وله أن يسأله عن حاله فيما ادعى عليه فإذا شرحه له عرفه بما فيه من دافع وغير دافع. (قال الصيمري): وينبغي للمفتي إذا رأى للسائل طريقاً يرشده إليه أو ينبهه عليه: يعني ما لم يضر غيره ضرراً بغير حق (قال) كمن حلف لا ينفق على زوجته شهراً يقول تعطيها من صداقها أو قرضاً أو بيعاً ثم تبرئها وكما حكي أن رجلاً قال لأبي حنيفة رحمه الله: حلفت أني أطأ امرأتي في شهر رمضان ولا أكفر ولا أعصي: فقال: سافر بها. قال الصيمري: إذا رأى المفتي المصلحة أن يفتي العامي بما فيه تغليظ وهو مما لا يعتقد ظاهره وله فيه تأويل جاز ذلك زجراً له ولا مثاله ممن قل دينه ومروءته. يجب على المفتي عند اجتماع الوقائع بحضرته أن يقدم الأسبق فالأسبق كما يفعله القاضي في الخصوم وهذا فيما يجب فيه الإفتاء فإن تساووا أو جهل السابق قدم بالقرعة والصحيح أنه يجوز تقديم المرأة والمسافر الذي شد رحله وفي تأخيره ضرر بتخلفه عن رفقته ونحو ذلك على من سبقهما إلا إذا كثر المسافرون والنساء بحيث يلحق غيرهم بتقديمهم ضرر كثير فيعود إلى التقديم بالسبق أو القرعة. قال الصيمري وأبو عمرو: إذا سئل عن ميراث فليست العادة أن يشترط في الورثة عدم الرق والكفر والقتل وغيرها من موانع الميراث بل المطلق محمول على ذلك بخلاف ما إذا أطلق الأخوة والأخوات والأعمام فلا بد أن يقول في الأخوات من أب وأم أو من أب أو من أم. وإذا كان في المذكورين في رقعة الاستفتاء من لا يرث أفصح بسقوطه فقال: وسقط فلان وإن كان سقوطه في حال دون حال قال وسقط فلان في هذه الصورة أو نحو ذلك لئلا يتوهم أنه لا يرث بحال. قال الصيمري وغيره: وحسن أن يقول: تقسم التركة بعد إخراج ما يجب تقديمه من دين أو وصية إن كانا. إذا رأى المفتي في رقعة الاستفتاء خط غيره ممن هو أهل للفتوى وخطه فيها صحيح موافق لما عنده قال الخطيب وغيره: كتب تحت خطه هذا جواب صحيح وبه أقول أو يكتب جوابي مثل هذا وإن شاء ذكر الحكم بعبارة الخص من عبارة الذي كتب وأما إذا رأى فيها خط من ليس أهلاً للفتوى فقال الصيمري: لا يفتي معه لأن في ذلك تقرير المنكر بل يضرب على ذلك بأمر صاحب الرقعة وله انتهار السائل وزجره وتعريفه قبح ما أتاه وأنه كان واجباً عليه البحث عن أهل الفتوى وطلب من هو أهل لذلك (قال) والأولى في هذا الموضع أن يشار على صاحبها بأبدالها فإن أبى ذلك أجابه شفاها (قال أبو عمرو): إذا خاف فتنة من الضرب على فتيا العادم الأهلية ولم تكن خطأ عدل إلى الامتناع من الفتيا معه فإن غلبت فتاويه لتغلبه على منصبها بجاه أو تلبيس أو غير ذلك بحيث صار امتناع الأهل من الفتيا ضاراً بالمستفتي فليفت فإن ذلك أهون الضررين وليتلطف مع ذلك في إظهار قصوره لمن يجهله. أما إذا وجد فتيا من أهل وهي خطأ مطلقاً لمخالفتها القاطع أو خطأ على مذهب من يفتي ذلك المفتي على مذهبه قطعاً فلا يجوز له الامتناع من الفتيا تاركاً للتنبيه على خطاءها إذا لم يلق ذلك غيره بل عليه الضرب عليها عند تيسره والإبدال أو تقطيع الرقعة بإذن صاحبها أو نحو ذلك وإذا تعذر ذلك وما يقوم مقامه كتب صواب جوابه عند ذلك الخطاء ثم إن كان المخطئ أهلاً للفتيا فحسن أن يعاد إليه بإذن صاحبها أما إذا وجد فيها فتيا أهل الفتوى وهي على خلاف ما يراه هو غير أنه لا يقطع بخطاءها فليقتصر على جواب نفسه ولا يتعرض لفتيا غيره بتخطئة ولا اعتراض قال صاحب الحاوي: لا يسوغ لمفت إذا استفتي أن يتعرض لجواب غيره برد ولا تخطئة ويجيب بما عنده من موافقة أو مخالفة. إذا لم يفهم المفتي السؤال أصلاً ولم يحضر صاحب الواقعة قال الصيمري كتب: يزاد في الشرح لنجيب عنه أو لم أفهم ما فيها فأجيب (قال) وقال بعضهم لا يكتب شيئاً أصلاً (قال) ورأيت بعضهم كتب في هذا يحضر السائل لنخاطبه شفاها. قال الخطيب: ينبغي له إذا لم يفهم الجواب أن يرشد المستفتي إلى مفت آخر أن كان وإلا فليمسك حتى يعلم الجواب. قال الصيمري: وإذا كان في رقعة الاستفتاء مسائل فهم بعضها دون بعض أو فهمها كله ولم يرد الجواب في بعضها أو احتاج في بعضها إلى تأمل أو مطالعة أجاب عما أراد وسكت عن الباقي. ليس ينكر أن يذكر المفتي في فتواه الحجة إذا كانت نصا واضحاً قال الصيمري: لا يذكر الحجة أن أفتى عامياً ويذكرها أن أفتى فقيهاً (قال) ولم تجر العادة أن يذكر في فتواه طريق الاجتهاد ووجه القياس والاستدلال إلا أن تتعلق الفتوى بقضاء قاض فيومئ فيها إلى طريق الاجتهاد ويلوح بالنكتة وكذا إذا أفتى غيره فيها بغلط فيفعل ذلك أو ينبه على ما ذهب إليه. وقد يحتاج المفتي في بعض الوقائع إلى أن يشدد ويبالغ فيقول: وهذا إجماع المسلمين أو لا أعلم في هذا خلافاً أو فمن خالف هذا فقد خالف الواجب وعدل عن الصواب أو فقد أثم وفسق أو وعلى ولي الأمر أن يأخذ بهذا ولا يهمل الأمر وما أشبه هذه الألفاظ على حسب ما تقتضيه المصلحة ويوجبه الحال. قال الشيخ أبو عمرو: ليس له إذا استفتي في شيء من المسائل الكلامية أن يفتى بالتفصيل بل يمنع مستفتيه وسائر العامة من الخوض في ذلك فإن كانت المسألة مما يؤمن في تفصيل جوابها من ضرر الخوض كان الجواب تفصيلاً وعلى هذا ونحوه يحمل ما جاء عن بعض السلف من الفتوى في بعض المسائل الكلامية وذكر إمام الحرمين في كتابه الغياثي أن الإمام يحرص ما أمكنه على جمع عامة الخلق على سلوك سبيل السلف في ذلك في أرض الجليل جبلان في هذا الصقع يقدسهما المسيحيون لما لهما من الشأن في تاريخ الدين وهما من أجمل الجبال يبعثان النفوس إلى عبادة الخالق تعالى وتوحيده ونعني بهما جبل الطور وجبل الكرمل، فالأول على مقربة من الناصرة قائم في الجو وسط سهل يزرعيل يعلو عنه خمسمائة متر ويعلو عن سطح البحر ٦٠٢ مترين وهو جميل المنظر ومحله عجيب في إنباته وروائه وتجد في منحدراته شجر السنديان والخروب والبطم والمصطكى وغير ذلك، وقد ذكر بعض سياح الافرنج الذين زاروا هذه الديار في القرن التاسع للميلاد أنه كان يصعد إلى قمة الجبل من سلم طوله ٤٣٤٠ درجة والطريق إلى القنة يدل على ذلك ومسطح القنة ١٢٠٠ متر طولاً و ٤٠٠ متر عرضاً وفي أحد سفوح الجبل آثار مدينة عبرانية قديمة تسمى الدبورة أو أبو عمود وكانت مطلة على الوادي الذي كان طريق الزوار والجيوش المصرية قديماً فموقعه من أحسن المواقع الحربية وفي سفح جبل تابور وفي سنة ٥٣ م حدثت ملحمة كبرى بين اسكندر بن اريستوبول وأوليسوس كابينوس أحد قواد بومبينوس الامبراطور الروماني وبعد قرن عندما انتقض اليهود على الرومانيين أحدث يوسفوس قلعة على قمة الجبل وكذلك فعل المسلمون في القرن الثالث عشر للميلاد فأقاموا حصناً منيعاً تجد اليوم بعض آثاره وقد تقاسم الروم واللاتين لعهدنا سطح الجبل وجعلوه أدياراً. كان جبل الطور ذا شأن عظيم على عهد الصليبيين لإشرافه على بلاد الأردن، قال ياقوت: والطور جبل بعينه مطل على طبرية الأردن بينهما أربعة فراسخ على رأسه بيعة واسعة محكمة البناء موثقة الأرجاء يجتمع في كل عام بحضرتها سوق ثم بنى هنالك الملك المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر بن أيوب قلعة حصينة وأنفق عليها الأموال الجمة وأحكمها غاية الإحكام فما كان في سنة ٦١٥ هـ وخرج الافرنج من وراء البحر طالبين للبيت المقدس أمر بخرابها حتى تركها كأمس الدابر. ويقول مؤرخو الصليبيين أن الذين خرجوا من وراء البحر من الافرنج طالبين للقدس سنة ١٢١٧ م كانوا اندراوس الثاني صاحب المجر وليوبولد دوق النمسا وغليوم كونت فلاندر ولويس البافاري ويوحنا دي بريان ملك القدس وهوج دي لوزنيان صاحب قبرص جاؤوا في خمسة عشر ألفاً من رجالهم وحاولوا مرتين فتح قلعة الطور فارتدوا عنها خائبين فرأى الملك العادل قطعاً لأطماعهم وحرصاً على السلام أن يدك ذاك الحصن بعد خمس سنين من بنائه وفي سنة ١٢٦٣ جاء الظاهر بيبرس البندقداري من مصر في جيش ضخم وعسكر في منحدر جبل الطور وخرب فيما قيل الأماكن الدينية التي كانت فيه وجعل عاليها سافلها وفي سنة ١٦٣١ نال قنصل دوقية طوسكانيا في صيدا من الأمير فخر الدين المعني رخصة تجيز لرهبنة الأخوات القاصرين أن يقيموا في جبل الطور ومنذ ذاك العهد أصبح هذا الجبيل معاهد للعبادة والنسك. هذه لمعة من تاريخ الطور ويقال له جبل التجلي كما يقال له جبل تابور، أما الكرمل فهو أيضاً من الحصون المهمة قال ياقوت: كرمل بالكسر ثم السكون وكسر الميم ولام هو حصن على الجبل المشرف على حيفا بسواحل بحر الشام وكان قديماً في الإسلام يعرف بمسجد سعد الدولة، ولذا يغلط الناس اليوم في فتحهم كاف الكرمل والصحيح كسرها وهذا الجبل أطول من الطور يمتد من الشمال الغربي إلى الجنوب الغربي على طول ٣٤ كيلو متراً ويختلف عرضه من ٥ إلى ٨ كيلومترات ولا يبلغ علوه في الشمال الغربي أكثر من ثلثمائة متر على حين يبلغ في الوسط ٥٤٠ متراً وهو مشرف عل البحر من جهة وعلى سهل يزرعيل الفسيح من جهة أخرى. ومعنى كرمل بالعبرانية الحديقة ورد ذكره في التوراة إشارة إلى الجمال والخصب وهو من أشهرجغرافية الكتاب جبال غربي الأردن يبتدئ من رأس قرب حيفا وينتهي بوادي الملح مقابل يتنعام طوله نحو ١٢ ميلاً وأعلى رؤوسه عند عسفيا نحو ١٧٢٩ ويعرف هذا الجبل بجبل النبي الياس لأنه أقام فيه وكان الكرمل في كل عصر موطن التفكر والعزوف عن الدنيا وذلك في أيام الوثنية والنصرانية حتى أن الفيلسوف فيثاغورس اليوناني كثيراً ما كان يذهب للتدبر والتفكر في الكرمل المقدس وفي عهد دارا بن يستاسب ملك الفرس ٥٢١ - ٤٨٥ ق. م كان يعبد في الكرمل كوكب المشتري وقال بعض مؤرخي الرومان أن الكرمل نفسه كان يعبد فلم يكن فيه معبد ولا هيكل بل ليس فيه إلا مذبح وعباد يتعبدون وكان في النصرانية معبداً لرجالها حتى نشأت في القرون الوسطى فيه رهبنة الكرمليين المشهورة في المشرق والمغرب وهو اليوم مقسم بين أهل المذاهب المختلفة من المسيحيين أقاموا فيه الأديار وغرسوه بأنواع الأشجار واستقلوا به حتى لا يطرقه طارق ألا بجعل أو إذن وهو مطل على حيفا وعكا ناظر إلى بلاد الجليل ولا سيما سهل يزرعيل أو مرج ابن عامر المعروف في التوراة ببقعة مجدو وبقعة مجدون ووادي يزرعيل وهو مرج واسع واقع بين جبال الجليل وجبال السامرة طوله من الشرق إلى الغرب ٢٤ ميلاً وعرضه من ميلين إلى ١٢ ميلاً وهو مثلث الشكل وقاعدة هذا المثلث ضلعه الشرقي وهو خط يمتد من جبل جلبوع والدحي وتابور إلى جبال الجليل أو الناصرة ومن هذه القاعدة يتفرع ثلاثة فروع نحو الشرق فرع بين جلبوع والدحي وفرع بين الدحي وتابور وهو الأخصب والأشهر وفرع بين تابور وجبال الناصرة وعند هذه القاعدة ترتفع الأرض فيتحول مجرى الماء إلى الشرق والغرب ويشق هذا السهل من الشرق إلى الغرب نهر قيشون المسمى الآن المقطع ومع كل ما هو عليه من الإهمال الآن لا يزال هذا السهل في غاية الخصب وكان أعظم ساحة حرب في هذه البلاد. نعم إن العناية بهذا السهل قليلة لأن أصحابه أغنياء كانوا ابتاعوه فيما بلغنا بحيلة ورشوة وذلك أن قراه كانت لا ناس من الفلاحين ضعاف أرادت الحكومة منذ نحو أربعين سنة أن تسجل قراهم للتقاضى منها ضرائب وكان الفلاح يرتعش من سماع الضرائب ويخاف أن يعرف بأنه مالك أرض فأبوا أن يسجلوها بأسمائهم تفادياً من الظلم الذي كان ينال الفلاح يومئذ فازمع والي سورية إذ ذاك أن يبيع تلك القرى أو سهل يزرعيل برمته باعتباره من الأراضي الأميرية المحلولة فما كان من أولئك الأغنياء إلا أن احتالوا لتباع كلها صفقة واحدة وهي ثماني عشرة قرية لا يقطعها الفارس في أقل من ثماني ساعات وذلك حتى لا يتيسر لأحد الأهالي أن يشتريها فرشوا الوالي فيما قبل بثلاثة آلاف ليرة وابتاعوها بأقل من خمسة عشر ألف ليرة وجلسوا يلعبون بالميسر مع الوالي في دارهم ولم يمض الهزيعان الأولان من الليل إلا وقد خرج الوالي كما دخل صفر اليدين من المال الذي ناله من طريق الرشوة فأضر بالأمة والدولة معاً لأن أولئك الأغنياء خسروه في القمار ليلاً ما كان ناله منهم رشوة في النهار، وهكذا حرم أصحاب هذه القرى الحقيقيون منها بجهلهم وسوء إدارة الحكومة إذ ذاك وتشتتوا في البلاد وبعضهم استخدموا إجراء في قرى الأغنياء وكانوا من قبل في نعمة ولكن من يأخذ البلاد بغير حرب يهون عليه تسليمها فإن أولئك المالكين زهدوا فيما ملكوا لأنهم بعيدون عنها والأرض لمن يقوم على تعهدها فهو هو مالكها الحقيقي لا من يكتفي من ريعها بما حصل، فأباع بعض أولاد أولئك الأغنياء ما ورثوه من آبائهم وأكثرها انتقلت إلى أيدي الجمعية الصهيونية ويوشك أن يباع ما بقي ولكن بمئات الألوف من الليرات لارتقاء الأسعار ولأن الصهيونيين آلوا على أنفسهم أن يملكوا فلسطين وأرض الميعاد، ويبذلوا فيها مهما كلفتهم. ولا بأس هنا من الإشارة إلى الجمعيات الاسرائيلية وما ترمي إليه من المقاصد فهي عدة جمعيات منها جمعية أحباء فلسطين وهي منتشرة في عامة الأطراف ومنها تتفرع جمعية معاونة فلاحي اليهود وصناعهم في فلسطين وسورية وهذه الجمعية روسية ولهاتين الجمعيتين فروع كثيرة في القدس ويافا وأعمالها وحيفا وأعمالها وصفد وبلاد بشارة وحوران وعبر الأردن ويقدر الخبيرون عدد أفرادها بمئة وخمسين ألف نسمة يزيد عددهم كثيراً بما ينضم إليهم كل شهر من إخوانهم الأوروبيين الذين يرحلون بدينهم من أوروبا إلى الأرض المقدسة، وعدا هاتين الجمعيتين فإن للإسرائيليين أناساً من مشهوري أغنيائهم مثل روتشيلد وبركم وفليرو وفتيفيوري وغيرهم ممن ابتاعوا الأراضي لابناء نحلتهم وأمدوهم بالمال ليتوفروا على استثمارها على نحو ما تشاهد في زمارين مما يدل بلسان حاله أن الصهيونيين سيعيدون مجد آبائهم في فلسطين ويستولون عليها وهاك ما يقوله العارفون بهذه المسألة التي يهتم لها كل من يعرف تاريخ السياسة ويغار على مصلحة البلاد فقد قال أحدهم أن آمال اليهود في استرداد فلسطين بلاد آبائهم وأجدادهم وإعادة مجدهم وملكهم إليها قديم يعود إلى عهد الرومان وتؤيده حروبهم العديدة مع المملكة الرومانية وفي كل واقعة منها في حروب اليهود ليوسيفوس آيات بينات على ذلك ولكن هذه الآمال غاضت بعد أن شتتهم في الأرض أدريانوس في القرن الثاني بعد المسيح وفرق جامعتهم وأبعدهم عن صهيون أو أورشليم أو القدس عاصمة مملكتهم القديمة ومدينة هيكلهم العظيم ولكنها ما لبثت أن ظهرت في صورة التمني في عهد قسطنطين الذي أذن لهم بالدنو مرة في السنة من أسوار بيت المقدس ليندبوا مجدهم الزائل وما زالوا إلى يومنا هذا يدنون من حائط الحرم الشريف الخارجي المسمى بالبراق ويتذكرون مجد ملوكهم وعظمة هيكلهم ومدينتهم ويطلبون من الله أن يعيد ما خسروه. ولكن رجال النهضة منهم لم يقفوا عند حد التمني فألف الدكتور هارتشل الجمعية الصهيونية التي جعلت همها الوحيد جمع المال وتوحيد كلمة اليهود على اختلاف لغاتهم وبلدانهم وجمعهم في بلد واحد أمين يحصنونه أعظم تحصين بحيث لا يستطيع أحد مهاجمتهم وفاوض الدكتور المذكور حكومة عبد الحميد في ذلك ولم ينجح فعهدت الجمعية الصهيونية إلى الايكا بالاستعمار التدريجي كما عهد إلى جمعية الاتحاد الاسرائيلي ( اليانس اسرائيليت ) بالتهذيب والتعليم وبقيت تعمل على جمع المال وتوحيد كلمة اليهود وإقناع رجال الحكومة الدستورية بحسن مقاصدها. نعم إن الجمعية الصهيونية اليهودية ورفيقاتها جمعيات ايكا وفاعوليم واليانس وغيرها ساعيات في استرجاع فلسطين التي وعدهم بها ربهم في الإصحاح الثاني والثلاثين من ارميا من الكتاب المقدس الباحث عن أسر بابل لليهود والذاكر وعد الرب برجوعهم إلى فلسطين بقوله في آخره: يشترون الحقول بفضة ويكتبون ذلك في صكوك ويختمون ويشهدون شهوداً في أرض بنيامين وحوالي أورشليم وفي مدن يهودا ومدن الجبل ومدن السهل مدن الجنوب لاني أرد سبيهم يقول الرب وذلك بعد ما سبتهم حكومة الكلدان على أنهم لم يستطيعوا البقاء من بعد ذلك لأنهم أصبحوا محل التنازع بين حكومة الرومان في مصر وحكومة الرومان في أنطاكية ثم انقرضوا ولم يبق لهم ملك ولا دولة والآن عملاً بهذه الآية يشترون الأراضي في فلسطين على حساب الفضة ويشرطون البيع على أن يكون الثمن فضة ويكتبون الصكوك ويشهدون وهكذا تراهم لا يفتررن طرفة عين وهم يتجسسون الأخبار عن الذين تأخرت حالتهم المالية من أهل هذه البلاد وهي عبارة عن لواء عكاء بأجمعه ولواء القدس ولواء نابلس وقسم من لواء الكرك وبعض من قضاء عجلون ويطمعون البائع بالثمن الفاحش ويكتبون الصكوك ويشهدون عليها ويسجلونها عند محرر المقاولات وعند بعض القنصليات وكانت الحكومة قبلاً منعت استعمارهم ولكن بما بذلوه من الدنانير التي تسحر الباب الخائنين من الحكام والمستخدمين استطاعوا أن يستولوا على ثلاثة أرباع قضاء طبرية ونصف قضاء صفد وأكثر من نصف قضاء يافا والقدس والقسم المهم من نفس حيفا وبعض قراها واليوم يسعون للدخول إلى قضاء الناصرة ليستولوا على سهل شارون ويزرعيل المذكور بالتوراة والمعروف اليوم بمرج بني عامر الذي يشقه الخط الحجازي من الغرب إلى الشرق وكل ذلك بأسماء العثمانيين وبدلالة سماسرتهم الخائنين الذين يعدون أنفسهم من سراة القوم وأمجاد البلاد وهكذا اشتروا الكثير من القرى واستولوا عليها وهم لا يخالطون العثمانيين ولا يشترون منهم شيئاً ولهم بنك أنغلو فلسطين بقرضهم بفائدة لا تتجاوز الواحد في المائة في السنة وقد جعلوا كل قرية إدارة فيها مدرسة وكل قضاء مديرية ولكل جهة مدير عام ولهم راية لونها أزرق وفي وسطها خاتم سليمان وتحته كلمة عبرانية معناها صهيون لأنه جاء في التوراة أن أورشليم ابنة صهيون ويرفعون هذا العلم مكان العلم العثماني في أعيادهم واجتماعاتهم ويترنمون بالنشيد الصهيوني وقد احتالوا على الحكومة فقيدوا أنفسهم عثمانيين في سجل النفوس كذباً وبهتاناً وهم لا يزالون حاملين الجوازات الأجنبية التي تحميهم وعندما يصيرون إلى المحاكم العثمانية يظهرون جوازاتهم ويدعون الحماية الأجنبية ويحلون دعاويهم واختلافاتهم فيما بينهم بمعرفة المدير ولا يراجعون الحكومة ويعلمون أبناءهم الرياضة البدنية واستعمال السلاح وترى بيوتهم طافحة بالأسلحة وفيها كثير من المارتين ولهم بريد خاص وطوابع خاصة وغير ذلك مما يبرهن على أنهم بدأوا بتأسيس مقاصدهم السياسية وتأليف حكومتهم الخيالية فإذا لم تضع الحكومة حداً لهذا السيل الجارف لا يمضي على فلسطين زمن إلا وتراها أصبحت ملكاً للجمعية الصهيونية ورفيقاتها أو شعبها المذكورة. إليك بعض ما يقال في الاستعمار الصهيوني وعواقبه الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وهو مضر باتفاق العقلاء المجردة نفوسهم عن الأغراض وهناك استعمار آخر في فلسطين والجليل وهو أقل منه خطراً ونعني به قدوم الجالية من الأوروبيين ليتخذوا هذه البلاد موطناً لهم على أن لا ينسوا مساقط رؤوسهم ويظلوا من تبعة دولهم كالألمان في يافا وحيفا مثلاً. فقد أتت عشرات من الأسرات الألمانية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر ونزلت في ذيلك البلدين فارة بدينها من ألمانيا إلى هذه الأرض المقدسة وهي من طائفة حرة اسمها شيعة الهيكليين أو أحباب أورشليم أنشئت سنة ١٨٦٢ في إمارة ورتمبرغ في ألمانيا عقيب الحركة الدينية التي أحدثها هوفمان الذي ذهب إلى أن الرأي الحالي في دين النصرانية لا يكون سبيلاً إلى أن يحيا المتدينون بها حياة مسيحية حقيقية فأخذ أشياعه على أنفسهم أن يقيموا ملكوت الله في الأرض بأن يبدؤوا بذلك من أرض الوعد ومنها ينبثون في أوروبا ليجددوا حياة الكنيسة والمجتمع وهم يفسرون نبوات العهد القديم تفسيراً حسناً فشرعوا سنة ١٨٦٨ بإنشاء مستعمرة في حيفا وفي الوقت نفسه أنشأوا مستعمرة لهم في يافا ولهذه الطائفة الآن أربع مستعمرات يناهز سكانها ١٣٠٠ وقد ساعدت على استعمار البلاد وفتحت للألمان باب التدخل في شؤوننا أحياناً. ولو عقل من يساكنون هؤلاء الألمان من أهل حيفا ويافا لقلدوهم في نشاطهم وتنظيم بيوتهم وحدائقهم، زر حي الألمان أو مستعمرتهم في الشمال الغربي من حيفا وألق عليها نظر المتدبر تجدهم لا يزيدون عن سبعمائة نسمة ولهم مدرستان ومعبدان، سرح رائد الطرف في تلك الطرق المعبدة المنسقة والبيوت القائمة على نظام واحد تحيط بها الحدائق الصغرى الغاصة بكل غض ويانع المستوفية شروط المرافق والمنافع وتعال معي بعدها ننظر إلى ما في جوارها من بيوت الوطنيين وأحيائهم فماذا تجد؟ تجدها بؤرة الأوساخ ومثال الخلل ونموذج الاتكال وراموز الجمود والخمود، طف واعتبر بيناتهم العاملات وبناتنا الخاملات ثم أنصفنا وأنصفهم منا، هل نرى رجالنا في اقتدارهم على مستوى بناتهم في تربيتهن ونشاطهن، أما التنظير بين رجالنا ورجالهم فهذا لا يقول به حتى أضيق الناس عقلاً. شرذمة من المطرودين من بلادهم نزلوا بلادنا فقراء معدمين لا يملكون غير مضائهم وبعض حرف يحسنونها فساعدهم بعض موسريهم على ابتياع عشرات من الأفدنة من أرض بلادنا فعمروها كما ترى على النسق الألماني ولم تمض بضع سنين حتى وفوا بنشاطهم ديونهم وأثروا ولا إثراء ابن البلاد الذي ورث مئات الأفدنة وأصبحوا يغبطون حتى من كبار أغنيائنا ونحن من أمرهم حائرون باهتون لا نعمل ولا نتحرك كأن الفتور قد كتب علينا والغرور مسجل في صحائف حياتنا وكأنهم خلقوا من طينة غير طينتنا وعقل يستحيل علينا أن نلحق شأوه. ولا ننس تلك الحديقة التي زرناها في المستعمرة الألمانية في حيفا وقد تجلى لنا فيها المضاء الغربي في أجلى مظاهره حتى لظننتنا في حديقة من حدائق فرنسا أو ألمانيا، حديقة لا تبلغ مساحتها فداناً دمشقياً وفيها معظم ما يجود في الأرض الحارة من صنوف البقول والأشجار جعلت مساكب وقسمت طرقاً وقد قيل لنا أن دخل صاحبها منها لا يقل عن خمسين ألف قرش في السنة فلم يسعنا إلا أن نقول سبحان الله السر في السكان لا في المكان، نعم السر في السكان ولا عجب إذا رأينا الألمان في مقدمة دول الأرض بعلومهم وصناعتهم وإحصائهم في الفنون وعندهم مثل هذا الشعب النشيط الذي يعلم بعمله أهل النشاط من الأمم دروساً سامية فما بالك به مع الخاملين. وعلى ذكر حيفا لا بأس بإيراد نبذة موجزة من تاريخها لنسلسله إلى حالتها اليوم فنقول: كانت حيفا قديماً تسمى قلمون وليس لها ذكر في التوراة وتاريخها القديم غامض لا شأن له، ولقد كان الساحل من نصيب قبيلة عازر ولما وصل الاسرائيليون إلى هذه البلاد لم يستطيعوا أن يستولوا على مدينة من المدن الساحلية ومن جملة الملوك الذين غلبهم جوزوي في شمالي فلسطين كان الملك جوشانان ملك الكرمل والكرمل كانت كما يقول المؤرخ بلين على الجبل المسمى باسمها وكان اسمها قديماً اكباتان وكان في جوار حيفا أو قلمون مدينة اسمها سيكامينوس أي مدينة الصبار لكثرة هذا الشجر في أرضها فكانت قلمون وسيكامينوس مدينتين متنافستين تعمر الأولى وتخرب الثانية وهكذا كانت المنافسة بينهما سجالاً إلى القرون الوسطى وقد زالت سيكامينوس من لوح الوجود أبد الدهر، فتاريخ المدينتين كما قال برنابه ميسترمان ممزوج بعضه في الآخر، ولقد روى التاريخ أن بطليموس لا يثر حاكم جزيرة قبرص بعد أن طردته أمه كليوباترا من مصر جاء سنة ١٠٤ ق. م لنجدة عكا وكان يحاصرها إذ ذاك اسكندر جانى ملك يهودا فأنزل جنده وكان ثلاثين ألفاً في مدينة سيكامينوس وفي أوائل التاريخ المسيحي لم تكن سيكامينوس ذات شأن هي وسائر المدن المجاورة لها وكانت مدينة عكا على رأي سترابون أرقى تلك البلاد وتجيء بعدها قيسارية. وكثيراً ما يذكر اسم الكرمل وبعض المدن مثل سيكامينوبوليس وبوكولوبوليس وكروكوديبوبوليس وغيرها وذكر المؤرخ بلين أموراً كهذه، وقد ازدهرت مدينة سيكامينوس ومدينة قلمون في القرن السادس للميلاد. ومعنى حيفا بالعبرانية الرأس أو الأرض الداخلة في البحر لأنها أنشئت في جوار الكرمل وهو لها معتصم وملجأ وحيفا القديمة كانت في مكان لا يبعد كثيراً عن حيفا الجديدة عرفت آثاره كما أن مدينة سيكامينوس تبين أنها على أربعة كيلومترات من حيفا القديمة وقد اكتشفت بعض آثارها وعادياتها وهي رومانية يونانية. ولقد كانت حيفا في الإسلام من جملة الحصون المشرفة على البحر الرومي لا سيما وأنها موازية لجزيرة قبرص ولم تزل في أيدي المسلمين إلى أن تغلب عليها كوفرى الذي ملك بيت المقدس سنة ٤٩٤ وبقيت في أيديهم إلى أن فتحها صلاح الدين يوسف بن أيوب في سنة ٥٧٣ ( ١١٨٧ ) وكانت حيفا من نصيب الملك تنكرد الذي أصبح أميراً على بلاد الجليل من طبرية إلى حيفا ولما سقطت عكا في أيدي الافرنج سنة ١١٩١ خرب صلاح الدين حيفا نكاية بالصليبيين حتى لا ينالهم منها إلى الخراب، ولكن هؤلاء جددوا بنيانها ولما غادروا سورية سنة ١٢٩٢ ظلت حيفا خاملة الذكر إلى أن كان القرن الثامن فاستولى عليها الشيخ ظاهر العمر كما استولى على أرض الجليل ودكها فجعل عليها سافلها ثم أعاد بناءها وبنى عليها سوراً وأنشأ له قصراً من جنوبها يطل عليها. والظاهر عمر هذا كان من أرة بدوية اسمها بني الزيادنة ورث من أبيه الحكم على مدينة صفد واستولى على طبرية سنة ١٧٣٨ وعلى عكا سنة ١٧٤٩ فأصبح شيخاً على أعمال الجليل كلها وكان يميل إلى العمران بحيث يشبه بأعماله الأمير فخر الدين المعني أمير الدروز في القرن الحادي عشر للهجرة وقد تقاتل الشيخ ظاهر العمر مع أبنائه أنفسهم ثم غدر به أحد رجاله أحمد باشا الجزار واستولى على الحكومة دونه، واستولى بونابرت على حيفا سنة ١٧٩٩ وبعد بضعة أيام ضربه الاسطول الانكليزي ضربة قاضية وفي سنة ١٨٣٧ احتلت عساكر ابراهيم باشا المصري مدينة حيفا وفي سنة ١٨٤٠ أصيبت حيفا ولا سيما حصنها بأضرار جسيمة من قذائف الأساطيل الانكليزية والنمساوية والعثمانية ومنذ غادرها الجيش المصري ظلت بلا حامية إلى المدة الأخيرة وقد جعلت قضاءً وأخذت بعض السفن التجارية ترسو فيها قليلاً فتنقل إليها البريد والبضائع وتحمل منها حبوب حوران وحاصلات الجليل وقد زادت مكانة بجعلها سنة ١٣٢٠ مبدأ للسكة الحديدية الحجازية فأنشئت في ضاحيتها محطة مهمة ومعامل وأنابير فأخذت المدينة تعمر بذلك حتى كادت بما بلغته تنسي ذكر الموانئ المجاورة لها، ويقدر سكانها الآن بنحو عشرين ألف نسمة نحو نصفهم اسرائيليون مهاجرون لم يقيدوا في دفاتر الحكومة سوى ستمائة منهم والباقون مسلمون ومسيحيون ويقف عليها مدى السنة زهاء ٣٠٠ باخرة و ٧٠٠ مركب ويحمل منها زهاء عشرين ألف طن من الحبوب والدرة والسمسم والزيت ويصدر إليها ما تبلغ حمولته عشرة آلاف طن من البضائع. وماء البلد من آبار فيه بعض الملوحة وقد كان يمكنها الاستقاء من ينابيع بقربها ولا سيما من نهر المقطع أو قاديشا الفاصل بين أرض الجليل وفينيقية أو بين أرضها وأرض عكا لو صحت العزيمة على ذلك، وهواؤها جيد ومناظرها الطبيعية رائقة ويكثر فيها النخيل. أما عكا وهي الآن مركز اللواء وقضاء طبرية وقضاء صفد وقضاء الناصرة من أعمالها وبعبارة ثانية هي قاعدة بلاد الجليل على ما أصابها من الانحطاط الشديد، ويؤخذ مما ورد في سفر القضاة أن عكو أي عكا لم تكن مدينة اسرائيلية ولم تصبح مستعمرة يهودية إلا بعد أزمان طويلة، وكان اليونان يربطون عكا بفلسطين ثم دعيت بعد باسم بطولمايس نسبة إلى أحد بطالسة مصر وربما كان بطليموس ابن لاغوس وذكر مؤلفو الرومان والنقود التي عثر عليها من عهدهم أن عكا كانت مستعمرة للامبراطور كلوديوس وكانت ذات منعة من حيث هي مدينة بحرية واستولى عليها العرب سنة ٦٣٨ ففقدت إذ ذاك اسمها اليوناني. قال ياقوت العكة الرملة حميت عليها الشمس وعكة اسم بلد على ساحل بحر الشام من عمل الأردن وهي من أحسن بلاد الساحل في أيامنا هذه وأعمرها قال أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر البناء البشاري: عكة مدينة حصينة كبيرة الجامع فيه غابة زيتون يقوم بسرجه وزيادة ولم تكن على هذه الحصانة حتى قدمها ابن طولون وكان قد رأى صور واستدارة الحائط على ميناها فأحب أن يتخذ لعكة مثل تلك المينا فجمع صناع الكور وعرض عليهم ذلك فقيل له لا يهتدي أحد إلى البناء في الماء في هذا الزمان ثم ذكر له جدنا أبو بكر البناء وقيل له أن كان عند أحد فيه علم فهو عنده فكتب إليه وأتي به من القدس وعرض عليه ذلك فاستهان به والتمس منهم احضار فلق من خشب الجميز غليظة فلما حضرت عمد يصفها على وجه الماء بقدر الحصن البري وضم بعضها إلى بعض وجعل لها باباً عظيماً من ناحية الغرب ثم بنى عليها الحجارة والشيد وجعل كلما بنى خمس دوامس ربطها بأعمدة غلاظ ليشتد البناء وجعلت الفلق كلما ثقلت نزلت حتى إذا علم أنها قد استقرت على الرمل تركها حولاً كاملاً حتى أخذت قرارها ثم عاد فبنى من حيث ترك وكلما بلغ البناء إلى الحائط الذي قبله أدخله فيه وحنطه به ثم جعل على الباب قنطرة والمراكب كل ليلة تدخل البناء وتجر سلسلة بينها وبين البحر الأعظم مثل صور قال فدفع إليه ألف دينار سوى الخلع والمركوب واسمه عليه مكتوب إلى اليوم قال وكان العدو قبل ذلك يغير على المراكب. وفتحت عكا في حدود سنة ١٥ على يد عمرو بن العاص ومعاوية بن أبي سفيان وكان لمعاوية في فتحها وفتح السواحل أثر جميل ولما ركب منها إلى غزوة قبرص رمها وأعاد ما تشعث منها وكذلك فعل بصور ثم خربت فجددها هشام بن عبد الملك وكانت فيها صناعة بلاد الأردن وهي محسوبة من حدود الأردن ثم نقل هشام الصناعة منها إلى صور فبقيت على ذلك إلى قرابة أيام الإمام المقتدر ثم اختلفت أيدي المتغلبين عليها وعمرت عكة أحسن عمارة وصارت بها الصناعة إلى يومنا ذا وهي للافرنج قال ياقوت: وكانت قديماً بيد المسلمين حتى أخذها الافرنج ومقدمهم بغدوين صاحب بيت المقدس من زهر الدولة بن أمير الجيوش منسوب إلى أمير الجيوش بدر الجمالي أو ابنه وكان فيها من قبل المصريين فقصدها الافرنج براً وبحراً في سنة ٤٩٧ فقاتلهم أهل عكة حتى عجزوا عنهم لقصور المادة بهم وكان اهل مصر لا يمدونهم بشيء فسلموها إليهم وقتلوا منها خلقاً كثيراً وسبوا جماعة أخرى حملوهم إلى خلف البحر وخرج زهر الدولة حتى وصل إلى دمشق ثم عاد إلى مصر ولم تزل في أيديهم حتى افتتحها صلاح الدين يوسف بن أيوب في جمادى الأول سنة ٥٨٣ وشحنها بالرجال والعدد والميرة فعاد الافرنج ونزلوا عليها وخندقوا دونهم خندقاً وجاءهم صلاح الدين ونزل دونهم وأقام حولهم ثلاث سنين حتى استعادها الافرنج من المسلمين عنوة في سابع جمادى الآخرة سنة ٥٨٧ وأحضروا أسارى المسلمين وكانوا نحو ثلاثة آلاف وحملوا عليهم حملة واحدة فقتلوهم عن آخرهم، والنسبة إليها عكي وقد نسب إليها قوم وقد رسمها عماد الدين الأصفهاني في الفتح القبسي بالألف المقصورة تارة عكا وبالألف الممدودة أخرى. وقد استولى بودوين الأول على عكا سنة ١١٠٤ م بمعونة اسطول جنوي له وجعلها الصليبيون ميناءً مهمة لا لإنزال جيوشهم بل ميناءً تجارية فكانت ترسو فيها سفن الجنويين والبنادقة والبيزانيين وبعد وقعة حطين سقطت عكا بيد صلاح الدين وفي سنة ١١٨٩ حاصرها من البر الملك كي دي لوزنيان ومن البحر اسطول بيزاني واستولى عليها ريشاردس قلب الأسد ملك الانكليز سنة ١١٩١ م فأصبحت من ذاك الحين الجادة العظمى للنصرانية في فلسطين وكانت معسكر الفرسان ودعوها باسم إحدى فرقهم وكانت تدعى القديس يوحنا فقالوا عنها وفي سنة ١٢٩١ استولى عليها الملك الأشرف بعد مقاومة شديدة فقضى بالاستيلاء عليها على سلطة الافرنج من هذه البلاد، فبقيت عكا أهم ميناء ينزل فيه حجاج الغربيين إلى الأرض المقدسة وفي حوالي منتصف القرن الثامن عشر استولى الشيخ ظاهر العمر على الجليل الأسفل وعلى جزء عظيم من الجليل الأعلى واتخذ عكا مقر إمارته فعادت إليها نضرتها وخلفه في الإمارة أحمد باشا الجزار الذي وسع حدود إمارته فامتدت شمالاً إلى نهر الكلب وبعلبك وجنوباً إلى قيسارية واشتهر بمبانيه التي جلب لها المواد من عسقلان وقيسارية وغيرهما، وبدأ الفرنسيس سنة ١٧٩٩ يحاصرون عكا وبعد ثماني وقائع سألت فيها الدماء إلى الأباطح اضطر نابوليون أن يرجع عنها واستولى ابراهيم باشا سنة ١٨٣٢ على المدينة فنهبت وخربت ولكنها عادت فنهضت من كبوتها وفي سنة ١٨٤٠ خربت الأساطيل الانكليزية والنمساوية ثغر عكا فخرب بذلك كل أثر من آثارها القديمة ثم تعاقب الخراب الاقتصادي عليها فكانت تجارتها رائجة لأنها كانت سوق الحبوب التي ترد إليها من الداخلية ولا سيما من حوران فسقطت من هذه الوجهة خصوصاً لما قامت بعد موانئ سورية مثل بيروت وطرابلس وحيفا ويافا تنازعها في مكانتها وأنشئت سكك حديدية ربطت معظم هذه الموانئ بالمدن الداخلية وبقيت عكا في نجوة من الأرض ضعيفة في تجارتها وهاجرها كثير من أهلها ومنهم أناس من كبار تجارها وأرباب الأملاك بها. وقفنا على سورها نطل على ثغر عكا الذي اهرقت في سبيل الاستيلاء عليها دماء غزيرة ذاك السور الذي أعجز بمناعته صلاح الدين وجيوشه وتدبيره فارتد عنها غير ما مرة وأهرق الصليبيون دماءهم في بسط أيديهم عليها ثم زحزحوا عنها بعد وقائع تشيب لهولها الرؤوس وهكذا طمح فيها الفاتحون لأنهم كانوا يعتبرونها مفتاح سورية، ولطالما كانت عكا ترمي من برها وبحرها بالقذائف والنيران وكانت مجزرة يهلك فيها الإنسان. وقفنا على أسوارها ننظر إلى المدينة التي أعجزت الملك الناصر والملك الظاهر بونابرت ونتأمل في أرباضها القاحلة اليوم وكم جثة دفنت فيها وفي بحرها وهو يحدجها بعينه الزرقاء كم ابتلع من أسطول بما فيه، وقفنا وفكرنا ملياً في حال البشر يقتتلون على بسط سلطانهم وتكبير رقعة بلدانهم ويرتكبون كل منكر في سبيل المجد والفخار رأيناهم في القديم يقتتلون بحجة دينية واليوم هم كذلك ولكن حجتهم مدنية وإنسانية وما المقصود في الواقع ونفس الأمر إلا الاستيلاء والتغلب وتوسيع نطاق الحكم والسلطان. فوقفنا على أسوار عكا نندب في نفسنا الضعف البشري وقد استولى على النفس جلال ذلك البلد وذكرنا أرواح الخلق تباع في كل عصر بيع السماح ولو أردنا أن نأتي هنا على لمعة من تاريخه لاقتضى له مجلد برأسه، وهاك الآن نموذجاً واحداً بما جرى لأجلها في القرون الوسطى قاله أبو الفدا حاضرها بنفسه: إن السلطان الملك الأشرف سار بالعساكر المصرية إلى عكا وأرسل إلى العساكر الشامية وأمرهم بالحضور وأن يحضروا صحبتهم المجانيق فتوجه الملك المظفر صاحب حماة وعمه الملك الأفضل وسائر عسكر حماة صحبته إلى حصن الأكراد وتسلمنا منه منجنيقاً عظيماً يسمى المنصوري حمل مائة عجلة ففرقت في العسكر الحموي وكان المسلم إلي منه عجلة واحدة لأني كنت إذ ذاك أمير عشرة وكان مسيرنا بالعجل في أواخر فصل الشتاء فاتفق وقوع الأمار والثلوج علينا بين حصن الأكراد ودمشق فقاسينا من ذلك بسبب جر العجل وضعف البقر وموتها بسبب البرد شدة عظيمة وسرنا بسبب العجل من حصن الأكراد إلى عكا شهراً وذلك مسير نحو ثمانية أيام للخيل على العادة وكذلك أمر السلطان الملك الأشرف بحر المجانيق الكبار والصغار ما لم يجتمع على غيرها واشتد عليها القتال ولم يغلق الافرنج غالب أبوابها بل كانت مفتحة وهم يقاتلون فيها وكان يحضر إلينا مراكب مقبية بالخشب الملبس جلود الجواميس وكانوا يرموننا بالنشاب والجروخ وما زالوا بها حتى فتحت وكان في داخل البلد عدة أبرجة عاصية بمنزلة قلاع دخلها عالم عظيم من الفرنج وتحصنوا بها وقتل المسلمون وغنموا من عكا شيئاً يفوق الحصر من كثرته ثم استنزل السلطان جميع من عصى بالأبرجة ولم يتأخر منهم أحد فأمر بهم فضربت أعناقهم عن آخرهم حول عكا ثم أمر بمدينة عكا فهدمت إلى الأرض ودكت دكا ومن عجائب الاتفاق أن الفرند استولوا على عكا وأخذوها من صلاح الدين ظهر يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة سنة سبع وثمانين وخمسمائة واستولوا على من بها من المسلمين ثم قتلوهم فقدر الله عز وجل في سابق عمله أنها تفتح في هذه السنة ( ٦٩٠ ) في يوم الجمعة سابع عشر جمادى الآخرة على يد السلطان الملك الأشرف صلاح الدين فكان فتوحها مثل اليوم الذي ملكها الفرنج فيه وكذلك لقب السلطانيين. وهذا القول ينبئك بمكانة عكا واغتباط المؤرخ باستخلاصها من الأعداء، ومن مدن الجليل صفد ولم يتيسر لنا زيارتها للأمطار المتهاطلة ولموقها في قمة جبل وهي ترى من طبرية وعلى بضع ساعات منها ومعظم سكانها يهود وبعض المسلمين من مهاجرة الجزائر وليس في أهلها العريق فيها للسبب الذي أورده أبو الفدا في حوادث سنة ٦٦٤ قال وفي هذه السنة خرج الملك الظاهر بعساكره المتوافرة من الديار المصرية وسار إلى الشام، وجهز عسكراً إلى ساحل طرابلس ففتحوا القليعات وحلبا وعرقا ونزل الملك الظاهر على صفد ثامن شعبان وضايقها بالزحف وآلات الحصار وقدم إليه وهو على صفد الملك المنصور صاحب حماة ولاصق الجند القلعة وكثر القتل والجراح في المسلمين وفتحها في تاسع عشر شعبان المذكور بالأمان ثم قتل أهلها عن آخرهم. ولقد كانت صفد في القرن السابع مملكة يقال لها مملكة صفد ومضافاتها وصفد حصن بقبة جبل كنعان في أرض الجرمق كان قرية فبني مكانها حصن سميت صفت ثم قيل صفد وهو حصن منيع وكان بها طائفة من الفرنج يقال لهم الداوية فحصرهم الملك الظاهر ركن الدين بيبرس الصالحي وفتحها وقتل كل من فيها على رأس تل بالقرب منها ثم رممها وبنى في وسطها برجاً مدوراً سماه قلة ارتفاعه في السماء مائة وعشرون ذراعاً وقطره سبعون ذراعاً وإلى سطحه طريقان يصعد في الطريق إلى أعلاه خمسة أفراس صفاً بلا درج في ممشى حلزوني وهو ثلاث طبقات أبنية ومنافع وقاعات ومخازن وتحته كله بئر للماء من الشتاء يكفي لأهل الحصن من الحول إلى الحول أشبه بمنارة اسكندرية وبهذا الحصن بئر تسمى الساقورة وعمقها مائة وعشرة أذرع في ستة أذرع بذراع النجار والدلاء التي لها بتاتي من الخشب تسع البتية نحو قلة من الماء وهم بتيتان في حبل واحد يسمى سرباق كغلظ زند الإنسان وكلما وصلت بتية إلى الماء وصلت الأخرى إلى رأس البئر وكلما وصلت واحدة إلى رأس البئر وصلت الأخرى إلى الماء وعلى رأس البئر ساعدان من حديد بكفين وأصابع تتعلق الأصابع في حافة البتية الملآنة وتجذبها الكفان فينصب الماء في حوض يجري فيه إلى مقر، فإذا انصب الماء من البتية حصل القصد والجاذب لهاتين البتيتين مرمة هندسية بقسي ودوائر وحركات ولا يزال ذلك السرباق راكباً على بكرته طرداً وعكساً يمنة ويسرة وحول المرمة بغال معلمات تدور بذلك فإذا سمع البغل الدائر خرير الماء وجر السلسلة انقلب راجعاً على عقبه ودار يمشي في مرتبته بخلاف ما كان يمشي إلى أن يسمع خرير الماء وجر السلسلة فينقلب دائراً على خلاف دورته كذلك وهي من أعاجيب الدنيا فإذا وقف واقف وتكلم كلمة واحدة في رأس البئر سمع رجع صوته بتلك الكلمة نازلاً نحو لحظة جيدة حتى يبلغ الماء ثم يعود إليه فيسمعه كما قالها فإن صاح وغلب سمع دوياً واضطراباً بذلك الصياح كالرعود لبعد الماء وعمقه، ومن أعمال صفد مرج عيون وأرض الجرمق وهي مدينة قديمة عادية كانت بها طائفة من العبرانية ينسبون إليها يقال لهم الجرامقة والكنعانيون بوادي كنعان ابن نوح ومن عملها جبل بقيعة وبه قرية يقال لها البقيعة لها أمواه جارية ولها سفرجل مليح وبه قرى كثيرة الزيتون والفواكه والكرم وجبل الزابود مشرف على صفد والزابود قرية وبها أيضاً قرى كثيرة. وفي بلاد الجليل أو عمل الأردن قرى دائرة ذكر بعضها ياقوت في معجمه مثل (كفرسبت) وهي قرية عند عقبة طبرية و (كفرعائب) وهي قرية على بحيرة طبرية من أعمال الأردن ذكرها المتنبي فقال: أتاني وعيد الأدعياء وإنهم أعدوا لي السودان في كفر عاقب ولو صدقوا في جدهم لحذرتهم فهل في حدي قولهم غير كاذب ومثل (كفرمندة) قرية بين عكا وطبرية بالأردن يقال لها مدين المذكورة في القرآن والمشهور أن مدين في شرقي الطور وفي كفرمندة قبر صفوراء زوجة موسى عليه السلام وبه الجب الذي قلع الصخرة من عليه وسقى لهما والصخرة باقية هناك إلى الآن (عصرياقوت) وفيه ولدان ليعقوب يقال لهما أشير ونفتالي و (دبورية) بليد قرب طبرية من أعمال الأردن قال أحمد بن منير لئن كنت في حلب ثاوياً فنجني الغبير بدبورية و (ديرالتجلي) على الطور زعموا أن عيسى عليه السلام علا عليهم فيه و (خيارة) قرية قرب طبرية من جهة عكا قرب حطين بها قبر شعيب النبي عليه السلام عن الكمال بن العجمي و (عفربلا) بلد بغور الأردن قرب بيسان وطبرية و (الصنبرة) موضع بالأردن مقابل لعقبة أفيق بينه وبين طبرية ثلاثة أميال كان معاوية يشتو بها و (أربد) بالفتح ثم السكون والباء الموحدة قرية بالأردن قرب طبرية عن يمين طريق المغرب بها قبر أم موسى بن عمران عليه السلام وقبور أربعة من أولاد يعقوب عليه السلام وهم وإن وايسا جار وزبولون وكاد فيما زعموا و (اسكندرونة) قال ياقوت وجدت في بعض تواريخ الشام أن اسكندرونة بين عكا وصور و (اكسال) قرية من قرى الأردن بينها وبين طبرية خمسة فراسخ من جهة الرملة ونهر أبي خطرس لها ذكر في بعض الأخبار كانت بها وقعة مشهورة بين أصحاب سيف الدولة بن حمدان وكافور الإخشيدي فقتل أصحاب سيف الدولة كل مقتلة و (معليا) من نواحي الأردن بالشام و (الزيب) قرية كبيرة على ساحل بحر الشام قرب عكا و (صفورية) كورة وبلدة من نواحي الأردن بالشام وهي قرب طبرية و (الأقحوانة) موضع بالأردن من أرض دمشق على شاطئ بحيرة طبرية حدث هشام بن الوليد عن أبيه قال خرج قوم من مكة نحو الشام وكنت قيمهم فبينما نحن نسير في بلاد الأردن من أرض الشام إذ رفع لنا قصر فقال بعضنا لبعض لو ملنا إلى هذا القصر فأقمنا بفنائه حتى نستريح ففعلنا فبينما نحن كذلك إذ انفتح باب القصر وانفرج عن امرأة مثل الغزال العطشان فرمقها كل منا بعين وامق وقلب عاشق فقالت: من أي القبائل أنتم ومن أي البلاد قلنا: نحن أضاميم من هنا وهناك فقالت أفيكم من أهل مكة قلنا: نعم، فأنشأت تقول: من كان يسأل عنا أين منزلنا فالأقحوانة منا منزل قمن وإن قصري هذا ما به وطني لكن بمكة أمسى الأهل والوطن إذ نلبس العيش صفواً ما يكدره قول الوشاة وما ينبو به الزمن من كان ذا شجن بالشام ينزله فبالأباطح أمسى الهم والحزن ثم شهقت شهقة وخرت مغشية عليها فخرجت عجوزة من القصر فنفخت الماء على وجهها وجعلت تقول في كل يوم لك مثل هذا مرات تالله للموت خير لك من الحياة فقلنا أيتها العجوز ما قصتها فقالت: كانت لرجل من أهل مكة فباعها فهي لا تزال تنزع إليه حنينا وشوقاً. هذا ما تيسر نقله مما تأثرت به النفس في رحلة قصيرة إلى تلك الكورة في الشهر الماضي، ولو وفق أهالي عكا إلى تحقيق ما يفكرون به ويلتمسونه من الحكومة من إلحاق لوائهم بولاية سورية لأصبحت مدينتهم أو حيفا ميناءً مهمة لدمشق ومورد التجارات من أوروبا ومصدر الغلات من بلادنا ولعاد لبلاد الجليل بهاؤها القديم ولما أضر ذلك بعمران بيروت وطرابلس ضرراً يذكر إذ كل بلد ينال إذ ذاك حظه من الرقي، وقد كان الفكر الشائع يوم بوشر بمد شعبة من السكة الحجازية من حيفا أن تسقط بيروت عن مكانتها التجارية فرأيناها بعد أن تم ذلك الخط قد زادت بيروت مكانة ولم يغادرها من التجار إلا أفراد قلائل وعمرت حيفا بعض الشيء وإذا جعلت لهذه ميناء ترسو فيها السفن آمنة كما هي الحال في بيروت ترتقي أيضاً زيادة ولا تضر بغيرها. والعمران كالثروة لا يحلو وينفع إلا إذا كان موزعا بين البلاد على التساوي وحبذا يوم يكون فيه لكل ميناء من موانئ سورية صغيرة كانت أو كبيرة مرفأ أمين للسفن وخط حديدي يصلها بالبلاد الداخلية ولو بخطوط زراعية ضيقة يومئذ يقال أن سورية دخلت في دور العمران. أخبار وأفكار اللبن الرائب كتب الأستاذ متشنكوف بحثاً في مجلة من المجلات الفرنسوية أبان فيه مزايا اللبن الرائب أو الحامض في معالجة بعض الأمراض افتتحها بقوله إن الناس كانوا يفزعون من الهواء الأصفر ويموتون منه ألوفاً أيام لم يكن كوخ قد اكتشف ميكروباته فلما اكتشفها سهلت على الناس الوقاية فصاروا يتخيرون المياه الجيدة فينجون منه ومن لم تساعدهم الحال على استجادة المياه كأهالي بطرسبرج عمدوا إلى غلي الماء فنجوا من فتكات هذا المرض الوبيل ومثل ذلك يقال في جراثيم الطاعون والحمى وغيرها من الأمراض فغنها لما ظهر السبب فيها بطل العجب وذكر أنه جرب وجرب كثيرون فوائد اللبن الرائب للمصابين ببعض أمراض المعدة فثبتت فائدتها كل الثبوت في المستشفيات والمصاح ونفع في الحمى التيفوئيدية أيضاً وقال أن في أحشائنا جراثيم سامة لا يقتلها إلا حامض اللبن وأنه جرب ذلك منذ ١٢ سنة في نفسه وكان في الثالثة والخمسين من عمره فامتنع عن جميع المشروبات الروحية واقتصر على الماء واللبن الرائب والشاي الخفيف والطعام المطبوخ وامتنع عن كل ما هو نيء فجادت صحته على كثرة مشاغله وبعدت همته بحيث يعمل ساعات طويلة عملاً متواصلاً بدون أن يعروه ملل بذلك فهو يوصي الشبان أن يجروا على طريقته في تناول الألبان الحامضة إذ تساعدهم سنهم على الانتفاع منها وربما أطالت حبل آجالهم كما وقع لحائك عمره مئة وثلاث سنين بحثوا عن معيشته فرأوه على اقتصاده في مأكله يتناول بكثرة الملفوف المختمر وفيه شيء من الحامض اللبني والخلاصة فإن الأستاذ المشار إليه يضرب منذ سنين على هذا الوتر من بيان منافع اللبن وقد وافقه الآن على رأيه بعد التجارب الطويلة كثير من أطباء الروس والبولونيين والألمانيين والفرنسويين وغيرهم ولا يبعد أن يؤثر صوته فيدخل اللبن الرائب على الطريقة العربية والتركية والمصرية والبلغارية إلى بلاد لم يكن يدخلها من قبل بفضل هذا التنويه به. الطباعة كانت البعثة الأثرية الإيطالية عثرت في جزيرة كريت منذ سنين على إطار من التراب مكتوب عليه كتابة مدورة فثبت لها أن تاريخها يرد إلى سنة ١٦٠٠ قبل المسيح وقد توصل العلماء الآن إلى حلها بعض الشيء فتبين لهم أنها تقرأ من اليمين إلى الشمال وهي عبارة عن نشيد للصلاة وأنها أشبه بالخط الهيروغليفي أو المسند المصري وأنها أول أثر مطبوع ظفر به مما دل أن الطباعة في شواطئ البحر الرومي قديمة كما كانت في الصين. الرهبنات روت المجلة الباريزية أن عدد الرهبنات الدينية التي وقفت أنفسها على بذل الإحسان ومعاونة البائس من نوع الإنسان ما برحت آخذة بالانتشار في ألمانيا وقل عدد البرتستنتية منها فلرهبنة الدياكوني أو الشماسية ٨٤ ملجأ منها ٥٤ في ألمانيا والباقي في غيرها وهي مؤلفة من ٢٥٠٠ أخ و ٢٥٠٠٠ أخت إلا أنه قل في العهد الأخير انخراط النساء في هذا السلك لأنه قل الاعتماد عليهن في المستشفيات كما كان سابقاً ولكن يزيد عدد من يمرضن المرضى في بيوتهم عن ذي قبل والرهبنات الكاثوليكية تنمو أكثر من غيرها فقد كان في بروسيا منذ ٢٥ سنة ٧٤٦ ملجأ فيها ٧٠٠٠ أخ وأخت فغدت سنة ١٩٠٧ ٢١١٣ ملجأ أعضاؤها ثلاثون ألفاً منهم أربعة آلاف أخ وستة وعشرون ألف أخت أي أن الرهبنات الكاثوليكية قد زاد عددها أربعة أضعاف. قتلى الالكحول أعظم المسائل الاجتماعية التي يتعاورها أرباب البحث والنظر في الغرب مسألة انتشار الالكحول بين الجمهور حتى أنهم حسبوا ما عند فرنسا من أماكن لبيعها فبلغت ٤٧٧٠٠٠ يصيب كل ثمانين نسمة منها محل واحد أو محل لكل ثلاثين بالغاً ومعظمها من الخمور القتالة المزورة وكل يوم يفتح في فرنسا ستة أماكن للبيع بحيث تهلك هذه الأمة عما قريب إذا لم تنظر في أمرها وبذلك تشوهت الخلق وضعفت الأجسام حتى اضطرت الحكومة أن تترك كثيراً من الذين دعتهم لحمل السلاح لعدم اقتدارهم عليه وكثر عدد المنتحرين فزاد عددهم أربعة أضعاف ما كان عليه قبل أربعين سنة وكذلك عدد المجانين وزادت الجرائم حتى قدروا أن ثلثي المجرمين هم من السكيرين أو من أبناء السكيرين، والأمة هناك تحارب الالكحول كما تحارب الأعداء بماتتوفر على نشره من الكتب والرسائل والنشرات والمجلات والجرائد والمحاضرات والخطب ولا بد أن توفق إلى تقليل وطأتها كما وفقت سويسرا وغيرها من الممالك الصغرى. آثار مصرية اكتشفت بعثة ألمانية في مصر الوسطى في الحفريات التي قامت بها في مكان اسمه أبو صير الملك كثيراً من الأواني والمدى المعمولة من الصوان والعظام والعاج المنحوت وتاريخ هذه الذخائر يرد إلى زمن عرف فيه التاريخ أي سنة ٢٥٠٠ قبل الميلاد. الآداب الانكليزية منح أحد نبلاء بريطانيا عشرين ألف جنيه لكلية كمبردج في انكلترا لتؤسس بها درساً في الآداب الانكليزية تسميه درس الملك ادوارد السابع، وأنشأوا في انكلترا جمعية دخلها الناس في كل البلاد التي يتكلم فيها بالانكليزية غايتها إشراب القلوب حب الشعر إذ ثبت أن المدنية المادية الحالية لا تحلو إلا إذا احتفظ الناس فيها بالخيال في الحياة. معهد كارنيجي أفاد لسان البرق أن المستر كارنيجي الغني الأميركي الشهير قد تبرع بعشرة ملايين دولار أخرى للمعهد الذي أنشأه على اسمه في نيويورك فبلغ مجموع ما تبرع به من ماله خمسة وعشرين مليون ريال اميركي فأكرم بامة فيها مثل هذا الكريم وببلاد تخرج مثل هذا الغني الذي لا يكاد يصدقه ابن الشرق لولا صدوره عن قوم لا يتكلمون إلا عن عقل ولا يميلون لغير المحسوسات، أما هذا المعهد الذي احتفل مؤخراً بافتتاحه فليس له نظير في العالم وسيكون له شأن كالمجمع العلمي الذي أنشأه باستور على اسمه في مدينة باريز، ومعمل باستور يعني خاصة بعلم الجراثيم (بكتريولوجي) والمعالجة بالمصل Serothérapie والكيمياء الحيوية والأمراض السارية أما معهد كارنيجي فهو ضرب من ضروب المستشفيات العجيبة لا يقبل فيه إلا المرضى الذين تخلى عن طبهم الأطباء وقطعوا بأنهم أقرب إلى الموت منهم إلى الشفاء وهو قصر عظيم جداً يذكر بأعظم قصور ملوك الشرق الأقدمين وفيه من مظاهر الرفاهية والراحة والجمال أحسن ما أبرزته عقول الغربيين وهو يطل على نهر فتشرف النفوس من ورائه على مناظر تأخذ بمجامع القلوب وهو مؤلف من إحدى عشرة طبقة يصعد إليها بمصاعد وأدراج واسعة وفيها ردهات وغرف وحجر فسيحة، وليس طول الغرف الخاصة بالمرضى أكثر من ١٦ متراً وعرضها ٨ أمتار وفي كل واحدة منها سبع سرر فقط وليس للغرف زوايا وقرن بل هي أبنية مدورة ذات قباب وذلك حتى لا يعلق الغبار زواياها على أن العناية في النظافة ليس وراءها غاية فالبيوت تفتح من تلقاء نفسها بمجرد مس الذراع أو الرجل أو الركبة لها مساً خفيفاً وبذلك لا ينال الأيدي شيء من الجراثيم وهناك محل عظيم لمداواة المرضى بالماء البارد والتغير الجسماني Métabolisme وآخر للتصوير الشمسي ورابع للراديوم وللمستشفى خزانة كتب عظيمة جعلت تحت أمر أطباء المحل وتلامذتهم وله أناس موظفون للخدمة والإشراف على الأعمال وكلهم من خيرة القوم وسيأتي على هذا المعهد العلمي الإنساني يوم نسمع بالاختراعات والاكتشافات التي تتم فيه بفضل تلك العقول الراجحة التي اجتمعت تحته وانقطعت إلى خدمة الإنسانية فيه بفضل المحسن الأميركي وبيض أياديه. قراءة الدماغ بعد أن أتقن الغربيون علم قراءة الأفكار بالتنويم المغناطيسي قام اليوم أحد علماء الانكليز بعد البحث الطويل يكتشف تركيب الدماغ الانساني ومميزاته وذلك بقياس الذهن بطرق وحسابات لا تخطئ فيمكنه أن يعرف طبقة عمل الدماغ معرفة أكيدة بالوقوف على درجة المقاومة في المجرى العصبي وذلك في الجزء الأسفل من مجموع الدماغ. المداواة بالراديوم أكد أحد جراحي الانكليز أنه شفى بعنصر الراديوم الذي اكتشفت منذ اثنتي عشرة سنة بعض الأمراض مثل فالج الوجه والآلام العصبية والرثية وأمراض الجلد والسرطان والصلع، وادعى طبيبان من كلية كنغبسرغ أن الراديوم يشفي من الهواء الأصفر والخناق. وأكد أحد أطباء الروس أن الراديوم يشفي الأكمه والأعمى، وإذا تم ذلك فلا يبقى على العلم إلا اختراع دواء لإحياء الموتى تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. برابرة بوليفيا بوليفيا أو بيرو العليا إحدى جمهوريات أميركا الجنوبية بلاد واسعة البقاع تبلغ مساحتها ١٢٢٢٢٨٠ كيلومتراً مع أن سكانها لا يتجاوزون ٢١٥٩٠٠٠ وما برحت بعض أصقاعها على حالتها من الهمجية الأولى ومن السكان الذين رآهم الرحالة هرزوك في بوليفيا الشرقية وثبت له من أخلاقهم أنهم من عنصر واحد هم وكوارايوس قبائل السيريانوس فإن هؤلاء الهمج لم يرتقوا درجة واحدة في الحضارة منذ العصر الحجري فهم يستعملون الحديد وأدواتهم القاطعة هي من الصدف الذي تقذف به الشواطئ وبها يقطعون وينحتون يعيشون عيش البادية في الغابات وتمتد الأصقاع التي ينزلونها إلى ريوغراند وسان ميكل إلى الشرق مما وراء ريوبلانكو، وهم لا يلبسون ثياباً وزينتهم الوحيدة عبارة عن عقد يتخذونه من أسنان القرود ومن حبوب يسلكونها في أسلاك بدون أن يخرقوها بآلة ما، وأكواخهم وقلما يأوون إليها مؤلفة من أغصان النخيل وأوراقه يدعمها جذع من الشجر وليس لهم من السلاح غير أقواس من خشب النخل طولها متران وسهام منه أيضاً طولها ثلاثة أمتار ورأسها محدد، ولا يعرف أصل هذا الشعب معرفة أكيدة. ألمانيا وكلياتها كان للكليات في ألمانيا خلال النصف الأول من القرن الماضي عمل عظيم في حياة تلك الأمة العقلية والأخلاقية والسياسية ففي سنة ١٨١٠ رأى فريدريك غليوم الثالث صاحب بروسيا أن تستعيض ألمانيا عن القوى المادية التي أفقدها إياها نابوليون بقوى أدبية فأسس كلية برلين ليلقي في قلوب ناشئة الأمة فكراً علمياً سليماً وبعلمهم بالكلام والمثال أن يخصوا أرواحهم للعلم وقلوبهم للوطن، ومن مجتمعات الطلبة نشأت الدعوة إلى الوحدة الألمانية وكانت ألمانيا إلى ذاك العهد مقسمة إلى إمارات مشتتة الكلمة ضعيفة السلطان تفادى الطلاب في هذا السبيل بكل عزيز ولطالما جنحوا إلى الثورات وقتلوا وقتل منهم في سبيل تأييد دعوتهم، فمن الكليات نشأت الانقلابات الكبرى في الفلسفة والدين والعلم وكان الألمان إلى ذاك العهد أمة فكر وشعر يقولون في أنفسهم أنهم تركوا البر لجارتهم (فرنسا) تنصرف فيه على ما تشاء والبحر لأخرى (انكلترا) تعمل ما تريد ولم يبق لهم إلا الاحتفاظ بالسماء وهي منزل العقل، وهذه الوحدة السياسية التي كان يراها بعضهم من الخيال قد تحققت في العلم والعمل بفضل الكليات التي كانت مركز الحياة الوطنية، وأنا إذا صرفنا النظر عن أهل الأدب والصناعات نجد جميع كبار الرجال في ألمانيا من أساتذة تلك الكليات، ولما نضجت الأفكار على تلك الصورة قام بسمرك قبيل الحرب الألمانية الفرنسوية ووحد بين تلك الإمارات وعلم أولئك العاملين أن النشرات والدعوات تعمل إلى حد محدود ولا بد لتحقيق الغرض بعد ذلك من النار والبتار، انتهى عمل الكليات السياسي سنة ١٨٧٠ ولكنها ظلت صاحبة الحق في حفظ تراث الأجداد وقديم الأمجاد فهي التي تعلم الناس التجديد ولكن مع النظر إلى القديم أبداً. كان في أواخر القرن التاسع عشر ثلاثة أنواع من الكليات في أوروبا الكلية الانكليزية التي هي أصل الكلية الاميركية والكلية الفرنسوية والكلية الألمانية التي اقتبست أسلوبها بلاد السكندياويين أو الدنمارك وأسوج ونروج وروسيا إلا قليلاً. فالكلية الانكليزية تقرب من نسق القرون الوسطى لا علاقة لها مع الحكومة بل هي مستقلة في إدارة شؤونها ومداخيلها وأساتذتها وتقصد إلى التربية العلمية بل إلى التهذيب العام الذي يجب للمهذب Gentleman أن يكون له منه نصيب، أما الكلية الفرنسوية فهي تابعة للحكومة مباشرة على نحو ما أراد معدل نظامها نابوليون الأول وغايتها إعداد الطلبة لأن يتعلموا ما ينفعهم في ميدان الحياة الاستقلالية والكلية الألمانية نشأت بين الكليتين الانكليزية والفرنسوية فأخذت من هذه ومن تلك والغاية منها أن لا تخرج علماء صرفاً ولا رجال صناعات ممتازين بل أن تهذب طلابها تهذيباً يتيسر لهم معه أن يستعدوا لدخول المجتمع والتصدر فيه فليست الغاية إذاً أن تخرج تلك الكليات أساتذة وحكاماً ورجال دين للحكومة ولا أن تعد محامين وأطباء للأمة بل أن تعلمهم تعليماً علمياً وتلقنهم الخطة التي يجب عليهم أن يسيروا عليها وتطلعهم على أساليب البحث والنقد والتقوى فيهم أخلاق العلماء كالعفة وخلو الغرض وسعة الفكر وتلقنهم شيئاً من العلوم المساعدة وأن ينظروا نظرة إجمالية في الميدان الذي يجب عليهم أن يجروا فيه وبالجملة تؤهلهم إلى أن يتموا هم بأنفسهم ما بدأ به أسلافهم، فالطالب المتخرج من كلية ألمانية يتعلم ما هو العلم إذا اقترن بعلم خاص فلا يكتفي بشهادة ينالها فيحق له بها أن يقضي أو يشفي أو يعلم أو يلقن الذين لمواطنيه بل يقضى عليه أن يتمرن سنة في الفرع الذي يريد الإخصاء فيه ثم يقدم فحصاً بعد أن تكون المدرسة قد أعدته للنظر الإجمالي في الحياة العلمية، ولرجال الدين والأساتذة والمحامين والقضاة والموظفين والأطباء في ألمانيا الذين يتخرجون من الكليات طبقة خاصة ومنزلة سامية بين قومهم لا ينالها إلا الضباط لأسباب خاصة ولكن الصيارف والتجار وأرباب الصناعات والأملاك مهما بلغوا من الغنى والذكاء والاعتبار وخدموا المصلحة العامة فهم دون أولئك الذين تخرجوا من الكليات بمنزلتهم، وتناغي القوم في الأعمال الحرة علم طبقات الأمة الألمانية أن أرباب الصناعات والتجارات وغيرهم من طلاب المال والغنى لا يعيشون مهما بلغوا من الذكاء إلا للثروة ولذلك تكون منزلتهم في الأنظار دون العاملين بأفكارهم وعقولهم. يقولون أن العلم لا ينجح إلا بإطلاق الحرية للمتعلم يتعلم على ما يشاء وللمعلم يعلم كما يشاء وهذا موجود في الجملة في الكليات الألمانية فإن الأستاذ وإن كان أمر تعيينه يرجع إلى الحكومة وتتحكم هذه في اختيار من يعرضون عليها فهو لا يعيش من رواتب تؤديها إليه الحكومة بل أنها تدفع له جزءاً صغيراً والباقي يتكفل به الطلبة فيدفعون أجور الدروس التي يحضرونها والطلبة لا يفحصون آخر السنة بل هم أحرار وعمدة الكليات مستقلة تدبر شؤونها بذاتها وينظر في انتخاب الأستاذ إلى قيمة ما يحسنه من العلم لا إلى ما يمتاز به من صفات التعليم مثل جودة الإلقاء وسهولته والمعلم لا يتعب في إلقاء دروسه لأنه يعلم تلاميذه بالعلم أكثر من النظر. وفي ألمانيا طبقة من الأساتذة مستقلة عن الحكومة كل الاستقلال ولهم الحق أن يدرسوا في الكلية التي يريدونها ويقبضوا من طلبتهم أجور دروسهم ويختاروا موضوعات مسامراتهم ومحاضراتهم ويشرعون وينتهون من دروسهم في الأوقات التي يختارونها وترى الطالب في الكلية لا يحتاج لشيء سوى أن يدفع المخصص لها وسواء حضر أم لم يحضر تعلم أم لم يتعلم لا يسأل عن عمله ويكاد لا يفحص إلا في بعض المواد القليلة كما أنه حر في الدروس التي يختارها. يعلم الألمان أن إطلاق الحرية للطالب على هذا النحو لا يخلو من حمله على الكسل ولكن يرون أن لها فوائد أخرى فإن الطالب يكون قد قضى في المدارس الابتدائية والوسطى نحو عشر سنين تابعاً لنظامها المدقق حتى إذا بلغ العشرين أو نحوها كان حرياً في الحلية أن يتعلم كيف يعمل بنفسه ويحبب إليه عمله بدون سائق يسوقه وكيف يوجه وجهته ويحدد رغبته في التعلم فيعمل على ذوقه برضاه لا مدفوعاً بسائق فحص يجب عليه أن يتخطاه، فالكلية الألمانية تضمن للطالب فيها تهذيب العقل من جهة وتربية الإرادة والخلق من جهة أخرى وذلك بإطلاقها حرية طالبها فنعامله معاملة رجل حر عاقل له حق التصرف بأحواله ولسان حالها اعمل ما يروقك واعلم فقط أنك ستجني ما زرعت. كثير في الأغاني الألمانية ما يشير إلى أن حرية الطالب أثمن شيء وأنها من أوصافه الخاصة به فالفتى لا يحضر دروس الكلية للحصول على معارف تنفعه للقيام بحرفة ما في المستقبل وما هذا المطلب إلا ثانوي بل أن الغاية التي يسعى وراءها في سنيه الثلاث في الكلية هو أن يصبح رجلاً وتكون له شخصية، يعينه على ذلك أساتذته وأترابه ومن هنا نشأت فائدة جمعيات الطلبة لأن الطالب يتعلم فيها أمرين مهمين الطاعة واحترام الناس له، والطلبة المتقدمون يطبعون على ذلك الطلبة المتأخرين أو المحدثين بمحافظتهم على قواعد لهم يسنونها وبالمحافظة عليها ينبعث في الطالب شعور الشرف وعزة النفس في الحياة المشتركة وتقوى إرادته على الصدمات فهو إذا خلص من سلطته في منزله بين أبويه يكون لتلك الجمعيات عليه شيء من السلطة الأدبية فبالكلية لا يصبح رجلاً عالماً ومهذباً فقط بل صاحب أخلاق، ولقد صدق أحد من وصف الكليات في الغرب فقال أن الكليات الفرنسوية تنقصها الحرية والكليات الانكليزية يعوزها العلم وفي الكليات الألمانية لا ينقص هذا ولا ذاك. قام مجد ألمانيا قديماً بمن نبغ فيها من الفلاسفة ثم بمن نبغ فيها من القواد والجند ومجدها اليوم مناط إلا قليلا بأرباب الصناعة والتجارة من أبنائها، ومعلوم أن حاجة المدنية الحديثة ماسة للإخصاء في العلوم والتفرد في الصناعات وألمانيا لا تجهل أن قوتها في جهاد الأمم السلمي بمن لديها من الاخصائيين الكثيرين كثرة لا نظير لها عند الأمم الأخرى ولذا بذلت العناية للمدارس الفنية والاخصائية حيث يتعلم الشبان علوماً توجد لهم مراكز في الصناعة وإذ جعلوا في أواخر القرن الماضي من حق هذه المدارس أن تمنح لقب دكتور للمتخرج بها كما تمنح الكليات فقدت هذه بعض الإقبال عليها إن لم يزد كما هو المأمول. وبعد فما برح الأساتذة الذين أوجدوا في الكليات روح الوحدة الألمانية وربوا رجال الأمة تلك التربية السياسية المهمة يتوفرون على الاحتفاظ بهذه الوحدة حتى صح على الألمان ولا يزال صحيحاً ما كان قاله بسمرك وقد رأى جماهير الطلبة سنة ١٨٩٥ تجيء لتهنئته بعيده الثمانيني: منذ رأيت هذه البلوطات الألمانية الحديثة (ويعني بها الشبان الألمانيين) لم يبق عندي أقل قلق على مستقبل ألمانيا. صور تتغنى وتتكلم إن النجاح الذي صادفته الصور المتحركة بتمثيل الأشباح على الستار قد جعل المفكرين يدأبون لتتميم الفائدة بإضافة آلة الفوتوغراف أو الحاكي ليتهيأ لجمهور المشاهدين التمتع برؤية الأشباح وسماع أصوات ممثليها في آن واحد، وقد وفق مؤخراً الكابتن كواد الفرنساوي للجمع بين عرض صور الممثلين وأسماع الجمهور أصواتهم بحيث تأتي حركاتهم وأصواتهم طبقاً للمألوف من أصوات الممثلين الحقيقيين وحركاتهم. وطريقه ذلك أن يتكلم الممثل أولاً أو يغني ويؤثر أمام آلتي الفوتوغراف والتصوير فيأخذ الحاكي أصواته على حدة وترسم آلة التصوير حركاته الموافقة لأصواته ثم يوصل بين هاتين الآلتين بقضيب من حديد لتتم المواصلة الكهربائية بينهما، وتوضع آلة التصوير وراء الجمهور حسب المعتاد، ويوضع الحاكي بالقرب من الستار ويديرها معاً مجرى كهربائي فتتحرك الآلتان بسرعة واحدة فتتفق بذلك الأصوات التي تصدر من الحاكي مع الحركات التي تدير صورها آلة السينما توغراف أو الصور المتحركة، فيرى المشاهد أشخاصاً ترقص أو تمشي أو تركض أو تتحرك بحركات غير هذه ويسمع ما تفوه به من الأصوات المطابقة فيخالها أشخاصاً طبيعية لها قوة الحركة والنطق. قفل يفتح بصوت صاحبه في جملة الاختراعات الحديثة قفل للأبواب والصناديق له فوهة مثل فوهة آلة التلفون وله جهاز خاص فلا يفتح إلا إذا تكلم صاحب القفل أو غيره في الفوهة كلمة اصطلاحية يفتح بها القفل بمجرد دخول الصوت المركب من مقاطع تلك الكلمة، فإذا زادت المقاطع أو نقصت تغير فعل الصوت في آلة القفل فيمتنع على الفاتح. غير أن لهذا الاختراع عيوباً أخصها عدم انفتاح القف إذا كان الصوت ابح ولذلك فإذا أصيب صاحب القفل بزكام شديد فلا يبقى بإمكانه أن يفتح بابه أو صندوقه ما لم يطلع صديقاً له على كلمة السر ليلفظ بها في فوهة القفل وفي ذلك ما فيه من الإعنات وكشف السر. تلقيح التربة بالبكتيريا درس بعضهم خواص نوع من البكتيريا فوجد أن له خاصة امتصاص عنصر النيتروجين من الهواء وغيره وبثه في التربة التي يعيش فيها، وامتحن تلقيح الأرض بهذا النوع من البكتيريا فوجد أنه يزيدها خصباً وأنه يحسن غلتها خصوصاً إذا وضع في التربة شيء من المواد التي ينمو فيها هذا الميكروب من مثل البوتاس والحامض الفسفوريك والكلس، وسيكون لهذا الاكتشاف شأن عظيم في الزراعة. آلة لتطهير هواء المنازل اخترع الأستاذ شارل ريشه من باريس آلة تنقي هواء المنازل مما يكون فيه من الغبار والجراثيم الحيوية، وهذه الآلة تقذف قطرات صغيرة من الغليسرين يلصق بها الغبار فتحمله ساقطة به إلى الأرض، ولها مروحة تجذب الهواء إليها ليسهل رشه بالغليسرين فيتهافت جميع هواء البيت شيئاً فشيئاً إلى تجاه المروحة فيتطهر بهذه الطريقة السهلة. شعر الرأس يمكن شعرة عادية من شعر الرأس أن تحمل ثقلاً يزن ست اواق طبية، ويبلغ معدل شعر الرأس نحواً من ثلاثين ألف شعرة ويمكنه أن يحمل ثقلاً يزن عشرة قناطير وإذا فتل معاً فإنه يحمل هذا الثقل ومقدار ثلثه أيضاً، ولذلك فإن نساء قرطاجنة الحرائر كن يقدمن شعورهن الكثة عندما حاصر الرومانيون مدينتهن ليصنع منها حبال قوية تقذف بها الحجارة من المجانيق. بندقية بدون صوتتحشى ببارود بدون دخان اخترع المستر هيرام برسي مكسيم الأميركاني أنبوباً صغيراً يناط بفم البندقية فيضعف قوة صوت البارود حتى يكاد لا يسمع للبندقية صوت عند إطلاقها، وهذا الأنبوب عبارة عن قطعة مجوفة من الفولاذ قطرها نحو قيراط ونصف وطولها نحو خمسة قراريط ولها في جوفها حلقات معدنية لولبية ناتئة من جدرانها الداخلية تجعل الغاز الذي ينفلت من البارود عند إطلاقه يدور في هذه الحلقات قبلما يخرج إلى الفضاء، فيفقد بذلك قوته ويخرج من فم الأنبوب ضعيفاً لا قوة له على تمزيق الهواء وإحداث الصوت المعروف وذلك لأن صوت البنادق إنما يحدث من غاز البارود الذي ينفلت من فوهة البندقية حالما تخرج من الرصاصة فيحلق في الهواء أي أنه يخرج بهيئة حلقات لها شكل الفطر، فتدفع هذه الهواء دفعاً شديداً تمزقه فيها تمزيقاً فيسمع له الصوت الذي نعرفه. أما بواسطة هذا الأنبوب الذي يدخل فيه فم البندقية إدخالاً محكماً فيدور غاز البارود في الحلقات اللولبية في باطنه فيفقد قوته لأنه لا ينطلق تواً، فيخرج وله صوت يماثل صوت الغاز إذا أطلق من زجاجة كازوزة بعد أن تزحزح الفلينة قليلاً فينفلت ضعيف القوة بحيث لا يسمع له صوت إلا على بعد بضع خطوات لشدة ضعفه. وقد جرب المخترع اختراعه هذا فحشا عدة بنادق ببارود لا دخان له وأطلقها جميعاً على هدف بحضور جم غفير فكان رصاصها يخترق الهدف والمشاهدون لا يرون دخاناً ولا يسمعون صوتاً إلا صوت وقع الرصاص على الهدف، وإذ رأت الحكومة الأميركية خطورة هذا الاختراع وتعرض الناس بواسطته لاعتداء القتلة الأشرار إذا تمكنوا من التسليح بهذا السلاح الذي يأمنون معه افتضاح أمرهم عمدت إلى قانون تسنه منعاً لم اعساه أن يترتب على هذا الاختراع من الضرر والإخلال بالأمن العام. طبقات الهواء العليا وجد بالامتحان أن حرارة الهواء تقل كلما صعدنا في الجو حتى نبلغ علو نحو عشرة آلاف متر ( ٣٣ ألف قدم) ومن ثم تأخذ الحرارة بالازدياد قليلاً ازدياداً قانونياً، وقد وجد أن هذه الطبقة العليا السخنة تضم جميع الجهات فوق المناطق الاستوائية والمعتدلة والمتجمدة شمالاً وجنوباً، فهذا الانقلاب في حرارة أعالي الجو يدل على إمكان اختلاف تركيب طبقات الهواء السفلى عن طبقته العليا وقد ملأ بعض الكيميين زجاجات من الهواء من طبقاته المتعددة إلى علو يتجاوز ٤٦ ألف قدم وعدا ما ذكر فإن ركاب المناطيد قد كشفوا طبقة هادئة في أعالي الجو وسيكون من وراء درسها نفع في الأسفار الجوية. اللحم الأحمر واللحم الأبيض في جملة الحيوانات الحمراء لحم البقر والغنم والخيل والخنازير البرية والوعول والأرانب والحمام والبط والإوز وسمك سليمان أو السلطان ابراهيم، وقد يكون لحم بعض هذه الحيوانات داكناً، أم العجول والخنازير الداجنة والأرانب الأليفة وسمك الشبوط وأبو منقاد والكركند والسراطين فلحمها أبيض أو كفيء اللون، وأما الطيور فجاجئها أي صدورها بيضاء اللحم وما بقي منها أسمر اللون، وكثير من أصناف السمك كالحنكليس وغيره يجمع بين اللونين الأسمر والأبيض، وقد تبين من الأبحاث العلمية أن لهذه الألوان علاقة بالقوة والنشاط، فتكون العضلات الكفيئة اللون على الجملة أكثر نشاطاً من التي لونها أحمر أو أسمر لأنها تتقلص بسرعة ولكنها تكل قبل العضلات السمراء إذ أنها تفرز مقداراً أعظم من الحامض اللكتيك (أو اللبنيك) وهو نتيجة التعب والدليل عليه ولذلك فيمكننا أن نحكم على نشاط الحيوان وعلى مقدار ما يتحمله من التعب بالنسبة إلى غيره من لون لحم عضلاته، والقاعدة لذلك أن ما كان لحمه أبيض كان كثير الحركة والنشاط وما كان أحمر اللحم وأسمره كان أقل نشاطاً في حركته ولكنه أكثر تحملاً للأتعاب. تعجيل نمو النبات كانت الطريقة المعول عليها لإنماء النبات إنماءً صناعياً أن يعالج بالأثير فيسرع نموه وتنضج ثماره قبل أوانها، غير أن العلامة مولبش قد كشف طريقة أسهل من هذه وأقل نفقة وهي: أن يغمس ما يراد إنماؤه من النبات مقلوباً في ما تبلغ درجة حرارته بين ٣٠ و ٣٥ بمقياس سنتيغراد، ويبقى مغموساً مدة تسع ساعات إلى اثنتي عشرة ساعة وبعد ذلك ينقل إلى غرفة مظلمة رطبة حرارتها تبلغ درجة ٢٥ ويبقى هناك إلى أن تبتدئ الأوراق تظهر فينقل حينئذ إى مغرس زجاجي ويعامل معاملة النباتات التي تربى في المغارس الزجاجية الدافئة، وامتحن أحدهم هذه الطريقة في الزنابق فأزهرت بعد نحو أربعين يوماً مع أن ما غرس منها غرساً عادياً لم تظهر أوراقه في هذه المدة مما يدل على شدة تعجيل نمو النبات بهذه الطريقة السهلة الإجراء القليلة النفقة. ثمن الراديوم كان يمكن قبلاً أن يشرى الجزء من ألف من الغرام من الراديوم بعشرة فرنكات أما في سنة ١٩٠٩ وما بعدها فبلغ ثمن هذا الجزء خمساً وأربعين ضعفاً أي ٤٥٠ فرنكاً، وبما أن الراديوم يستخرج من الأتربة الزفتية فتراب الزفت في ضواحي معمل كورنش بالقرب من لندن يساوي ثمناً يفوق ثمن تراب الذهب والماس. شباك الصيد دل اختبار صيادي السمك في جهات متفرقة على تأثير لون الشباك بالأسماك فصار من المقرر أن من يستعمل شبكة زرقاء اللون يصيد أكثر كثيراً ممن يستخدم الشباك العادية السمراء اللون، وذلك لأن لون الشبكة الزرقاء يماثل لون ماء البحر فينتفي بذلك خوف السمك من الدنو منها. آلة جديدة للحلاقة اخترعت في أميركا آلة جديدة تحلق شعر الوجه بموسى مجهزة بآلة كهربائية بدون أن تمسها يد إنسان، وللموسى واق من المطاط وغيره يقي الحد من الجرح، ولا نظن أن هذا الاختراع يسر الحلاقين عندنا إذا تهافت الناس على شراء هذه الآلة وصاروا يحلقون لحاهم بواسطة الكهربائية ويأمنون شر جراح المواسي التي قد تنقل العدوى من مصاب بمرض جلدي في وجهه إلى الأصحاء. عضو جديد للحس اكتشف فرتر في الهرة عضواً خاصاً للحس مؤلفاً من بضع شويكات نابتة في الجلد بجانب رسغي قائمتيها الأماميتين، وكانت هذه الشويكات قد وجدت في حيوانات عديدة غير الهرة من مثل القواضم والحيوانات الدرداء (التي لا أسنان لها) والمفترسة وذوات الأربع السافلة في سلم الأحياء، وتوجد هذه الحاسة خاصة في الحيوانات التي تتلقف طعامها بأكفها والتي تزحف أو تتسلق الأشجار، ولكنها لا توجد في القردة لأنها تعتاض عنها بما لها من الامتياز في استعمال ايديها وللآن لم يمكن الاستدلال على وجود هذه الحاسة في الكلاب. سفينة لرصد المغنطيسية عزم بعض محبي العلم في اميركا على السياحة في جهات القطبة الجنوبية وغيرها لرصد مغنطيسية الأرض فابتنوا سفينة خالية من الحديد والفولاذ، فصنعت جدرانها ومساميرها وسائر ما فيها من الخشب منعاً لتأثير ما قد يكون فيها من المواد المعدنية في المغنطيسية التي تقاس بآلات خاصة في السفينة طنين الآذان تختلف الاهتزازات التي يسمعها المصابون بالصمم أو بطنين الآذان فيطنون تارة أنهم يسمعون صفيراً حاداً وأخرى أنهم يسمعون جلبة مثل صوت الزيز والصرصور والجرادة وطوراً يسمعون صوت أنغام من جوقة موسيقية فيها الطبل والطنبور والجلاجل والصنوج أو رنة اجراس وتغريد طيور شديدة بحيث يتراءى للسامع بأنه في بيت حمام وقد تمر الشهور والمصاب بالصمم أو طنين الاذن يسمع هذه الأصوات فتحول دون سماعه الأصوات الخارجية، والمصابون بالصمم والخرس معاً ليسوا عرضة لهذا المرض بل أن جميع المصابين بالتهابات الشرايين هم على الجملة مصابون به وتختلف درجاته فيهم، وقد بحث الدكتور ما راج الفرنسوي في أسباب هذا المرض فقال أن أكثرها ناشئة من اختلال وضع سلسلة الكعب وإن التغميز (التمسيد) نافع في أكثر حالات هذا المرض. تعليم الجغرافيا الجغرافيا كلمة يونانية معناها رسم الأرض أو صورة الأرض عرفها العرب بتقويم البلدان أو رسم الأرض وكان لها شأن من عنايتهم ونبغ فيها مشاهير خدموها خدمة جلى في القرون الوسطى وعدم عناية من يشتغلون بالعلوم الإسلامية بها في القرون الأخيرة نشأت منه أمور مضرة ومنها ما يضحك حتى أن كثيراً من جرائدنا العربية بل ومجلاتنا تغلط في إيراد أسماء البلدان والأنهار والجبال والأقطار وكثير منها لا يعرف جغرافية مملكته بل قلّ جداً من خاصتنا اليوم من يحسن جغرافية قطره فالسوري مثلاً لا يستطيع أن يحدد لك بلاد فينيقية ولا جبال سنير والجليل وموآب واللكام ولا يعرف كم في سورية من بحيرات أو من مدن عامرة وكذلك المصري فلما يعرف مركز الوجه البحري من الوجه القبلي وأي بلاد الأقاليم أعمر وفي أيها يجود القطن أو تجد أثراً للصناعات وهكذا الحال في ابن العراف وابن تونس وابن الحجاز وابن اليمن دع عنك ما يلزم العثماني خاصة معرفته من أحوال الولايات العثمانية كلها حتى أن من ألغوا في الجغرافية من الأتراك خلطوا في أسماء الأعلام خلطاً يكاد يرفع الثقة من كل ما كتبوه وكذلك الحال فبمن كتبوا من المصريين وأطلعنا عليه من كتبهم وأن من الأسف أن يرد في إحدى مجلاتنا المعتبرة أن سورية هي من آسيا الصغرى كما من الأسف أن تقول بعض جرائدنا أن بلاد نجد خضعت لأحكام الدولة العلية مع أن نجداً قطر عظيم له أميران الآن ابن سعود وابن الرشيد فخلطه الكاتب مع لواء اسمه نجد من أعمال البصرة وقالت إحدى جرائدنا أن ولاية من الولايات القريبة من الاستانة مثلاً بورصة مع أن واناً هي في أقصى تخوم الولايات العثمانية على الحدود الفارسية والروسية وقالت أخرى أنهم انشأوا خط تلفون بين غلطة واشقودرة فعربت باشقودرة مع أنها اسكدرا إحدى أحياء الاستانة ويا بعد ما بين اشقودرة والاستانة وقالت إحدى جرائد الاستانة الكبرى أن والي بيروت زار جبلة مركز جبل الدروز مع أن جبلة على الساحل من أعمال بيروت وجبل الدروز في داخلية سورية لا علاقة لها مع والي بيروت إلى غير ذلك مما يقع أمثاله لصحافتنا كل يوم وهم يبحثون في بلادهم فما بالك بهم إذا تجاوزوهما إلى الصين والهند واوستراليا واميركا وأوروبا وأفريقية، وربما لا يخبط بعضهم عند كلامه على جغرافية الولايات المتحدة أو فرنسا أو انكلترا مثلاً بقدر ما يخبط في كلامه على ولايته نفسها إذ يكون قد درس جغرافيتها في مدارس الفرنسيس والأميركان والإنكليز حق الدراسة في كتب جيدة ونظر إلى كرة الأرض أو المصورات فطبق ما قرأه في الكتاب على المشاهد. ولكن علماء الجغرافيا في أوربا اليوم يرون تعليم هذا الفن على تلك الصورة متعباَ للذهن لا يلبث الطالب أن ينساه متى خرج من المدرسة وإذا ذكر منه فلا بذكر إلا اجماليات لا تغني من التفصيل شيئاً فقالوا أي فائدة للطالب أن تذكر له أن في المقاطعة الفلانية كذا من الأنهار والرؤوس وشبه الجزر والجبال والمدن والدساكر وهو يعتقد بأن ما يتناوله من هذا العلم هو من الكماليات لاغناء منه إلا بقدر ما في حسن الخط والرياضة الجسمية وكم من عالم رديء الخط ومن أديب لا يحسن اللعب على الحبل ولا يقفز مترين ولا يستطيع السير على قدميه ساعة أو التصعيد في جبل. يبد ان فن الجغرافية نافع في التربية نفع الرياضيات فهو علم تعقل وتدير هو علم صلات الأرض بالانسان ولذلك كان له شأن في تثقيف العقل فيه يدرسك المرء جسامة البحر المحيط وعظم غابات اميركا وأخلاق زنوج افريقية ويعودنا النظر إلى البلاد التي نعيش فيها ولا نعرف من امورها الطبيعية شيئاَ فلا نقدر ابعادها ولا قممها واوديتها ومضايقها رجوفها ولا لمَ كانت الأشجار الفلانية تجود في الساحل ولا تجود في الداخلية كل ذلك مما تعلمه الجغرافيا اليوم فيها نعرف تركيب طبقات الأرض واشكال النواتيء والمناخ وكيف تنبعث المياه واشكال ما يعيش فيها من الحيوانات والنباتات والانسان، وتدل كيف أن المرء مستعبد لقوى العالم واسير في الأرض وأنى له أن يجاهدها ويتغلب عليها ويبين الصلة المتبادلة بين الأرض والإنسان. وفي القرن الماضي بدت الجغرافيا في مظهر جديد بما توفر لها من علوم طبقات الأرض والطبيعة وأصول الشعوب وعلم قياس البحار وعلم الأحداث الجوية والحيوان والنبات والاقتصاد السياسي ورحلات من وصفوا الأمم وصفاً مجرداً ووصفوا بلادهم وصفاً مدققاً وتمت لها اكتشافاتها ولم يبق إلا شيء يسير من الأرض يحاول العلماء اليوم أن يكتشفوه ونعني به القطب الشمالي والقطب الجنوبي، وكم ذهب في هذا السبيل من رجال وصرفت فيه من أموال. فغدا هذا العلم يبحث في مختصراته ومطولاته عن الحوادث الكبرى في الجغرافيا الطبيعية والجغرافية الاقتصادية ولكن علماء الجغرافيا ينتقدون اليوم تلك الطريقة التي كانت مثل الرجوع بعد تلاوة الكتاب إلى المصورات أو رسمها كما هو الحال في بعض مدارس الشرق النظامية قائلين أن الجغرافيا لا تعلم في قاعة الدرس وهي مقفلة على هذه الصورة وأن أحسن الطرق في تلقينها ما تعلمه الطالب في الأرض التي يتعلم جغرافيتها فيطوف فيها مع استاذه ويريه سهولها وجبالها وبحيراتها وأنهارها وخلجانها وبركانها وقالوا أن تبعة تدريس الجغرافيا على هذا النحول عظيمة لأنها في الغالب تضطر الاستاذ أن يصحب معه ثلاثين أو اربعين طالباً إلى اماكن وعرة ولكنها جميلة وقد جرب بعضهم هذه الطريقة في التدريس فكانت طريقته انجع في الاستظهار وتطبيق التعلم على الحس اكثر من تلاوة كتاب والنظر إلى مصور فيحيط الطالب بالصقع وكل ما فيه من ظواهر الطبيعية أكثر ممن يسيحون وهم في القطارات لا يعرفون من البلاد إلا ما يكتب لهم أن يطلعوا عليه من نوافذ مركبتهم، والاساتذة الذين يمثلون صقعاً لتلاميذهم بالتصوير الشمسي أو رسم المسطحات أو الطواف في الضواحي يغرسون فيهم ذوق النظر والتشبيه ويضمنون لهم الفرح الكبير فإذا عملت الجغرافيا على هذه الصورة ولا سيما ما كان منها مختصاً بمملكة المتعلم يكون لها شأن عظيم في تربية قوى المتعلمين فلا تدخل في عقولهم مبادئ مهمة فقط بل تعلمهم النظر والتدبر فيكون منها مجموعة تتكون منها أحسن اداة في التربية العامة واقوى عامل في التعليم العملي فيتلقى الطالب من تعليمها على هذه الصورة اصولاً ينتفع بها في حياته يوم خروجه من المدرسة. انتشار الألمان  قالت احدى المجلات الانكليزية المعتبرة: اخذت المانيا ترمي جهاراً إلى تكبير بلادها في الشرق والغرب فإن المحالفة الألمانية النمساوية تقوى كل يوم وتقترب روسيا منها بابتعادها عن انكلترا ويزيد الألمان في مداخلتهم في البلاد كلها بأنهم يؤسسون فيها المدارس والجرائد ويمثلون الروايات ويقيمون الحفلات الموسيقية ويحتكرون التجارة بالتدريج وقد فتحوا حديثاً في مدريد مدرسة نجحت نجاحاً كثيراً وللألمان في البلاد العثمانية صحافة خاصة وألمانيا تتقدم من جهة تخومها الغربية بخطا سريعة ولكنها ثابتة متينة وكأنا بالبلجيك وقد اصحبت عما قريب جزءاَ متمماً لاجزاء المملكة الجرمانية وسيكون شأنها شأن امارتي بافيرا وسكستونيا وقد كادت مدينة انفرس وهي سوقها الكبرى تصبح جرمانية بمشاريعها ورؤوس اموالها ونفوذها وتنظر المانيا جهاراً إلى بلاد القاع (هولاندة) والمستعمرات الهولاندية تريد أن تضمها إليها وأن المانيا على ما يتراءى من حالها قد اختطت لها خطة ستضم بها إليها اراضي جديدة وسيكون ذلك في اول فرصة متى حدث بينها وبين فرنسا أو انكلترا مشكل. النسر عند السوريين في مجلة تاريخ الأديان الفرنسوية أن الناظر في النواويس والقبور في سورية القديمة يجد صورة نسر وغراب وتاج محفورة في الحجر، وأحياناً لا يشاهد صورة غراب أو تاج ولكن قلما شوهد ناووس مهم إلا وقد زبرت عليه صورة نسر تارة منفرداً وحده وجناحاه مبسوطان وأخرى بين ذراعين إشارة إلى الصلاة وطوراً يحمل الميت على ظهره بكل ما في جناحيه الواسعين من قوة، وأنا لنشاهد هذا النسر على القبور الرومانية في عصر الامبراطورية بحيث يدعو ذلك إلى الظن بأن النسر السوري قد نقل على هذا الوجه إلى المدافن الرومانية ومنها نشأ الرمز الامبراطوري أي علم النسر الذي تحمله الكتائب، أما وجود النسر في القديم فذلك لأنه يعتبر في بعض الأديان السامية خادماً للشمس وهو الذي يحمل إليها الأرواح التي انفصلت عن الأجسام المستعبدة على الأرض، وانتقل هذا المعتقد السوري إلى رومية حيث كانوا يذهبون إلى أن النسر يحمل الامبراطرة إلى السماء، والنسر هو الحيوان المقدس للرب المشتري دام هذا الاعتقاد طويلاً وقد عثر على مسلة من القرن الرابع تمثل صورة امبراطور يسير في النعش وأمامه نسران يدلانه على الطريق وكانت هذه الحالة امتيازاً للقياصرة يمتازون به عن الشعب، وهكذا نرى نفوذ الأديان السامية الأولى مؤثراً في معتقدات العالم الروماني. الحركة التجارية في روسيا يؤخذ من بيانات سنة ١٩١٠ في روسيا أن روحاً جديدة أخذت تدب في التجارة ففي تقرير إدارة الرسومات عن ستة الأشهر الأولى من السنة المذكورة أنه بلغت الزيادة في أثمان البضائع الداخلة إلى البلاد ما يربو على ١٢٥ مليون ريال، والأصناف التي زاد ورودها بكثرة هي الحديد والخشب وزادت صادرات الجلود ٢٥ بالمائة عما كانت عليه، والمعلوم أن زيادة طلب الحديد دليل على حركة صناعية تجارية فالقسم الأوفر من الحديد هو لمد خطوط حديدية ففي سنة ١٩٠٨ زيد إلى مجموع ما عند روسيا من الخطوط الحديدية ٢١٥ ميلاً وفي سنة ١٩٠٩ زيد ١٣٧ ميلاً وأما في الستة الأشهر الأولى من سنة ١٩١٠ فقد زيد إلى مجموع ما عندها من السكك الحديدية ٢٧٥ ميلاً وهي عازمة الآن على بناء ٣٠٠٠ ميل. الانتفاع بالكلاب بعد التربية الكلاب من جملة الوسائل التي تتخذها جمعية الصليب الأحمر لتخليص الجرحى من ساحة الحرب ولفرع الجمعية في فرنسا إدارة خاصة بتربيتها لهذه الغاية فهم يعلمونها أن تفتش عن الجرحى في الليل أو أثناء النهار فإذا حظي أحد هذه الكلاب بجريح يأتي إما ببندقيته أو قبعته إلى حيث يقيم الراهبات فعندها يرشد جماعة منهن إلى مكان الجريح وقد اتخذ المدربون لتلك الكلاب الوسائل الفعالة في تمرينها حتى لا تنبح عندما تظفر بجريح لئلا تزعجه بنباحها وأما في ألمانيا فهم يمرنون الكلاب على أن تقيم بجانب الجريح عندما تظفر به وتنبح إلى أن يأتي من يأخذه من جماعة الراهبات. ساعة من الزهور زار حديثاً الموسيو فالير رئيس جمهورية فرنسا مدينة بيرن من أعمال سويسرا وهي من أشهر المدن في العالم لصنع الساعات فقدمت إليه ساعة مصنوعة من الزهور الطبيعية قطر دائرتها ٦ أقدام وهي معمولة من البنفسج والشقائق وعقاربها من زهور مختلف لونها عن لون دائرتها والأرقام من زهور يختلف لونها عن الجميع والزهور كلها مغروسة في أصاصي علب صغيرة وقد أحكم صانعها ضبط حركتها إلى درجة أنها لا تقل في ضبط الوقت عن أحكم الساعات. إزالة الثلج البخار أحدث طريقة لإزالة الثلج عن الخطوط الحديدية وذلك بتوليد البخار في المحطة يسحب في أنبوبين من حديد يمر كل واحد منهما تحت أحد قضيبي السكة فإذا نزل الثلج يذوب لحماوة الحديد. الموسيقى عن بعد وفق حديثاً أحد سكان سان فرنسيسكو قاعدة ولاية كليفورنيا من الولايات المتحدة لأن ينقل صوت الفونوغراف بواسطة التلفون إلى مسافة ٥٠٠ ميل وقد جرب ذلك جماعة من الخبيرين بفن الكهرباء فكان الكل يسمعون صوت الفونوغراف عن بعد يخرج الألحان بكل وضوح. أكبر مزرعة حمام في العالم أكبر مزرعة لتربية الحمام في العالم هي في ولاية كليفورنيا وهذه المزرعة مؤلفة من ثمانية أفدنة من الأرض شيدت عليها حظائر الحمام، وقد بلغ عدد ما تنتجه من الحمام ٤٥٠٠٠٠ طير في السنة لا يقل عدد المفرخين منها عن ١٠٠٠٠٠ طير ومعدل الثمن الذي يباع فيه ذلك الحمام من ريالين إلى أربعة ريالات ومع ذلك فلم تعد بفائدة عظيمة على صاحبه لكثرة ما يتكبده من النفقات فهي كل يوم تأكل ٦٠٠٠ اوقية انكليزية من الحبوب عدا أجور المستخدمين الذين يقومون بخدمتها ويحافظون عليها وعلى صغارها من الجرذان والفيران والطيور الجوارح. الأفيون قالت مجلة الاجتماع الاميركية: بلغ ثمن ما صدر من الأفيون من الهند الانكليزية إلى الصين من سنة ١٨٥٥ إلى سنة ١٩٠٤ ما قيمته ٨٥٢٢٠ مليون روبية أي أكثر من ١٠٠ مليون روبية كل سنة وكان كل ما ربحته بلاد الهند من الأفيون الصادر إلى آسيا الشرقية عامة من سنة ١٧٧٣ إلى سنة ١٩٠٦ ٤٣٦٠٠٠٠٠٠ جنيه وابتدأت تجارة الأفيون في الصين سنة ١٧٦٧ فصادفت مقاومة شديدة من الحكومة والشعب الصيني معاً ولكن الحكومة الانكليزية أرغمت الجميع على قبول دخول الأفيون إلى بلادهم. المواشي والمراعي اشتهرت أستراليا بتربية الماشية وكثر عددها في تلك البلاد حتى أصبح الكلأ غير كاف لإطعامها فعمد الأستراليون إلى سقي الأراضي لتنبت عشباً يفي بالمطلوب ولما كان ماء الأنهر لا يمكنه إرواء كثير من الأرض حفروا آباراً ارتوازية فأصبحت الأرض التي تسقي من ماء تلك الآبار ٣٠٠٠٠٠٠ فدان. أموال الانكليز بلغت الأموال التي أقرضها الانكليز إلى غيرهم من الأمم حتى آخر السنة الماضية ٢٦٩٣٧٣٨٠٠٠ جنيه ودخلهم منها ١٣٩٧٩١٠٠٠ وقد أقرضوا في السنين الثلاث الأخيرة ما بلغ مجموعه زيادة على المجموع السابق ٥١٦ مليون ليرة انكليزية فبلغ ما أقرضه الانكليز لسكان الولايات المتحدة ٦٨٨ مليون جنيه وما أقرضوه للجمهورية الفضية ٢٦٩ مليوناً وللمكسيك ٨٧ مليوناً وللبرازيل ٩٤ مليوناً ولشيلي ٤٦ مليوناً ولأوراغي ٣٥ مليوناً ولبيرو ٣٢ مليوناً ولسائر جمهوريات جنوبي أميركا ٢٣ مليوناً ولمصر ٤٤ مليوناً ولروسيا ٣٨ مليوناً وللدولة العلية ١٨ مليوناً ولإسبانيا ١٩ مليوناً ولإيطاليا ١١ مليوناً ونصفاً وللبرتغال ٨ ملايين ولفرنسا ٧٠٧١٠٠٠ ج ولألمانيا ٦٠٦١٠٠٠ ومجموع ما يدينه الانكليز من أموالهم للبلاد الخارجية ١٦٣٨٠٠٠ ج. وللمستعمرات والهند ١٥٥٤١٥٢٠٠٠ ج، أو ثمانون مليار فرنك هذا مع أن المشهور بأن فرنسا أكثر الدول غنى وأوسع الأمم في بسط يدها بالدين لمن يريد مع أن ديونها لا تبلغ سوى أربعين مليار فرنك أقرضتها لغيرها في البلاد الخارجية. الجرذان لا شك في أن الجرذان تسبب كثيراً من الأمراض الوافدة كالطاعون فقد فكر الكثير في طريقة لمحوها مع أن البوم يفتك في عدد وافر منها كل سنة ومع الأسف أن الصيادين في أميركا يقتلون كل ما عثر الواحد منهم عليه ففي فرنسا وألمانيا حموا هذا الطير عدو الجرذان الطبيعي فبرهنت التجربة فائدته للزارعين والصيادين معاً. أكبر مرساة أكبر مرساة في العالم وزنها ١٥ طناً ووزن سلسلتها ١٠٠ طن وهي لأكبر باخرة في العالم عرضت في معرض الهندسة والميكانيكيات في لوندرا. مطاعم الأولاد الصغار لا شك في أن الأولاد الصغار أحوج من غيرهم إلى الأطعمة الوافرة الغذاء ولكن هذا لا يتيسر وقت الظهر لأغلب أولاد المدارس العمومية في المدائن الكبرى لعدم استطاعة الأولاد الذهاب إلى بيوتهم لتناول الفطور وجلهم من أسرات فقيرة لا تستطع أن تطعمهم في المطاعم قرب المدرسة شيئاً من الطبيخ لغلاء أثمان الطعام فيها فهم يعطون أولادهم بضعة دريهمات يبتاعون بها شيئاً من الكعك والشاي والقهوة والشوكولاته ليسدوا بها رمقهم ففكرت الآنسة مابيل كتير من الشهيرات بفن تدبير المنزل العملي في حال أولئك الأولاد وأن هذا الطعام لا يقوم بما فيه من الغذاء بحاجة أجسامهم فطلبت إلى لجنة المعارف في مدينة نيورك بأن تجرب مطعماً في إحدى المدارس العامة يتناول فيه الأولاد فطورهم من الخبز مع البطاطا أو البندورة أو المعكرونة مع البندورة أو ما تيسر من أنواع الخضر مطبوخاً مع اللحم لقاء ثلاث (سنات) يدفعها كل طفل فرخصت لها لجنة المعارف وأعدت لها غرفة ومطبخاً في إحدى المدارس فابتدأت تلك الآنسة بعملها وكانت تحسب النفقة والدخل بكل دقة فكانت النتيجة أنها لم تكلف إدارة المعارف سوى عطلة المحل ومصروف الغاز والماء وفحصت إدارة الصحة العامة بعد ثلاثة أشهر من ابتداء العمل أجسام الأولاد الذين كانوا يأكلون في هذا المطعم وأجسام الأولاد الذين كانوا يكتفون من الفطور بشيء من الكعك والشاي أو الشوكولاته فوجدت أن صحة الأولين أحسن من الآخرين وزاد معدل وزن الآخرين بنسبة عشرة إلى خمسة إلى زيادة وزن أجسام الآخرين، فطلبت إدارة المعار إلى الآنسة المذكورة بأن تؤلف لجنة تحت إدارتها وتوسع نطاق عملها إلى عدة مدارس وخصصت لها في ميزانية المعارف ١٥٠ ريالاً كل سنة على كل مدرسة تؤسس فيها مطعماً لتقوم بالعجز ملخصاً عن مجلة الآورلوك. ثروة الأمم نشرت إحدى المحلات الإيطالية مبحثاً في ثروة يابان وقاستها بأمم الحضارة اليوم فتبين منها أنها أفقر الدول الكبرى بأسرها فإذا حسبنا مجموع ثروة يابان نجد أنها إذا ملكت مئة فإن إيطاليا تملك ٢٦٩ والنمسا ٣٨٤ وروسيا ٥٥١ وألمانيا ٦٨٣ وفرنسا ٧٤٣ وانكلترا ١٠٠٨ والولايات المتحدة ١٣٩٧ وما من دولة كثرت ديونها مثل مملكة الشمس المشرقة فإنها تبلغ ٢٢ في المئة من مجموع ما تملك على حين يبلغ دين إيطاليا ١٢ في المئة وروسيا ١٤ وفرنسا ١٤ وألمانيا ١٠ والنمسا ٧ وإنكلترا ٧ والولايات المتحدة ١ وإذا كان الفرد الياباني يملك ١٠ يانات مثلاً فإن الإيطالي يملك ٢٣ والنمساوي ٢٨ والألماني ٤٢ والفرنساوي ٤٢ والانكليزي ٥٢ والأميركاني ٧٣ ، وما من بلد في الأرض تكثر فيه الضرائب على الرعايا (ماخلا البلاد العثمانية) مثل يابان فإن الفرد فيها يدفع ١٢ في المئة من إيراده أما الإيطالي فإنه يدفع ١٢ أو ٢ في المئة والنمساوي ١١ و ٣ والفرنساوي ٩ و ٧٠ والانكليزي ٨ و ٨٠ والألماني ٦ و ٣٠ والأميركي ٣ و ٣٠ . الجهر بالقراءة من محاضرة للمسيو إميل بوترواحد شيوخ العلم في فرنسا في هذا الموضوع ما تعريبه: من أنجع الوسائط المختلفة في التعليم والتربية على ما أرى القراءة بصوت عال، ولطالما ذكرت تلك المطالبات التي كان يتلوها على مسامعنا في صبانا أحد الأساتذة الماهرين في التلاوة آونة الفراغ، وتأثير البيان كل يوم في نفوس الناس مشاهد محسوس فإذا تركنا التمثيل جانباً الآن ألا نرى أن إلقاء الخطيب لخطابه يزيد في تأثيره في القلوب، ألا تلاحظون كيف يعنى الأستاذ عند إيراده جملة من الكلام البليغ يذكره بالصورة التي تلي بها. فلقد أدرك القائمون على التربية في كل زمن مكانة الجهر بالتلاوة فكان في آثينة أول معلم يتولى تربية الطفل رجلاً يعرف قليلاً من النحو كانت مهمته الأولى أن يدرسه أقوال الشعراء فكان يترقى بالتدريج في إنشاد جملة بعد جملة من كلام هوميروس أو أزيودوس والتلامذة يرددون ما يقول وكانت تلاوة الأسفار المقدسة في الكنائس المسيحية بصوت جهوري من أهم الأجزاء الجوهرية في العبادة في كل زمن، ونرى اليوم علماء التربية قد أقروا على فائدة التلاوة الجهرية، واتفق لي أن تأكدت ما لهذا التمرين من الشأن في المدارس الألمانية فإن له ولا سيما في مدارس البنات الشأن الأول فيقصدون أن ينبهوا في العقول الشعور الوطني بتأثير النطق والمهارة في انتقاء الكلام وتنبيه الأفكار إلى الشعور بالجمال وبيان مكانة المؤلفين من الذكاء. وما برح عندنا (فرنسا) أجل رجال الإدارة والتعليم والصحافة يعنون كل العناية ببعث النفوس في المدارس على حب القراءة فقبلت وعملت في هذا السبيل أمور جميلة من العبث أن تحدثوا بها واكتفي في هذه المسامرة أن أبين تأثير القراءة الجهرية وكيف ينبغي للقارئ أن يقرأ حتى يتجلى هذا التأثير فأقول: إن القراءة تبعث في الخطاب روحاً، وفي هذه الكلمة جواب سؤالنا الأول ولكن ما هو سر هذه الحياة وأي معنى لهذه الاستعارة؟ فقد شبه أفلاطون الخطاب بالتصوير في قوله: إن الحال في الكتابة كما هو في التصوير فإن الصورة تتراءى للأنظار حية ولكن إذا سألتها لا تحير جواباً وهكذا الحال في الخطب المكتوبة فإذا سمعتها تظن أنها تفكر ولكن إذا سألتها بعض إيضاح عن الموضوع الذي تخوض عبابه تجبك جواباً واحداً أبداً، وإن خطاباً إذا أهين واحتقر ظلماً يحتاج على الدوام لمعونة من أبي عذره أما هو فعاجز عن الدفاع عن نفسه. ومعنى ذلك أن المؤلف إذا لم يكن مستصحباً لكلامه لا فائدة من تصوراته فهو إذا تلا كلامه يحفظ في ذهنه حوادث وأفكاراً وأحكاماً وتجارب وتحقيقات أدت به إلى تلك النتائج ولذلك تحف حول كل فكر عبر عنه بالكتابة مواكب غير مرئية من الأفكار التي تشرح الكلام وهي من توابعه، والخطاب المكتوب وحده لا يقوم بالإفصاح عن تلك المعاني المستترة وصوت الإنسان هو الكفيل بإثارة فكر الحضور على الانتباه لما فيه من الدقائق فإن ألوفاً من صور الكلام ليست سوى شروح تعين على إدراك القصد من الأفكار والصلات بينها وتعارض الأشكال وتقاربها والصورة الخاصة بالأشياء والغاية التي ينتهي إليها الفكر بل هو العمل بذاته الذي انصرف إليه الكاتب الذي يتجدد في فكر القارئ والمستمع بل هو الذكاء الراقد في غشائه المادي يتنبه ويحيي النفس، هذا هو التأثير الأول من الجهر بالتلاوة وهو من آكد الطرق وأفعلها في تفهيم الكلام بجلاء والتعمق بأسراره. لا أدري ما في الصوت البشري من سر يرسل إلى الإنسان فيبلغ شغاف قلبه، هذا السر أشبه بما يسمى في الطبيعيات الاهتزازات الحادثة في آن واحد، فترى القارئ والسامعين يهتزون معاً واضطراب الأول يفعل في الآخرين وبالعكس وبتأثير العقل الذي يذكرون صنعه تنشأ هذه الظاهرة فهو الذي يحيا فيهم وحبه للحقيقة والجمال وهما أصل المكتوم من أفكاره ينبعث في روح أحبابه، وهكذا لا يفهم القارئ غيره بل يحبب المؤلف إلى سامعي كلامه فبسماع صوته يضيع اللسان المكتوب ماله من الكثافة والمادة ويغدو رمزاً خالصاً ويتسرب بالتدريج إلى النفوس الباحثة ويصبح كالصلة والعائد بين تلك الأرواح نفسها، وبينا تترنح الأعطاف تنفتح أبواب النفس على ما ينبغي ويشرع العقل يخاطب عقلاً آخر مثله. وعلى هذا فإن التلاوة بصوت جهوري تعلم وتشعر بنشاط غريب، وما الفهم والشعور بقوة إلا باعث على الإرادة إلا قليلا ومن صحت إرادته كان حرياً بأن يبدأ بالعمل، فمن تلاوة المصنفات الجليلة تنشأ أفكار سامية يكون من أثرها أن نرقى نحن إلى مستواها ونتفهم مغازيها فتفعل في أفكارنا وأفعالنا. أما كيفية القراءة فقد قال لي رجل مشهور بالتفنن والرياضات أن أحسن الطرق لإجادة القراءة هو أن يتلفظ الإنسان على وجه الصحة محافظاً على المخارج بحسب ما يعطيه الكلام والخطاب يفعل في النفوس كما تشاء ويفكر فيه الذهن بذاته وأن من يحاول أن يشرح فكر المصنف يحشر نفسه بينه وبين المؤلف حشراً على غير داع، ولمثل هذا الفكر أنشأ بعض نوابغ الشعراء منذ بضع سنين تمثيل روايات اللعب المعروفة بMarionette حرصاً منهم على سلامة هذا الفن وممثلو هذه القصص لا يحاولون على الأقل أن يقوموا مقام المؤلف. ومن المحقق أن الواجب أن يقرأ ما في النص وأن لايحاد عما فيه فإن بعضهم يحرفون ما يجدونه مسطوراً أمام أعينهم خفة منهم أو عادة لهم الفوها أن يكتفوا بما حصل أو لقلة لين في ملكتهم أو لاهتمامهم بالموضوع تاركين ما تقضي به الأمانة للتأثير في فكر السامع بقدر ما يعطيه الكلام. وانه ليحرم على المربي أن يزيد وينقص من عنده ليلفت بذلك النظر إلى نفسه كما بفعل بعض الممثلين فيزيدون من عندهم قحة منهم واعند ليحوزوا استحسان الحضور لهم، ولن ينجح مرب يقصد من تلاوته على تلاميذه أن يعجبوا بقريحته وكذلك لا تكون تلاته لتسلية سامعيه كما يفعل بعض العامة فان الافكار العالية واللهجة الجميلة ليست من اداوات السرور والحظ بل يتوخى فيها ان يشترك سامعها بالحياة العالية المنبعثة من فكر قائلها، وليس للقارئ ان يتطلب اعجاب السامعين به فيصفقوا له ويشكروه بل عليه ان يفنى امام من ينقل قوله بلسانه فيكون لسان حاله الامين فقط وهو وسامعوه على مستوى واحد من هذه الوجهة فليس له إلا أن ينكر نفسه وبذلك يضمن له النجاح. ولا تتأنى للقارئ افادة سامعه إلاه إذا شعر بما يقرؤه واحبه ليحببه إلى النفوس اما التصنع من المربي فهو اسلوب مضر متى فاجأه فيه تلاميذه تفقد منه الثقة والالفة اللتان هما شرط في نفوذه عليهم وليس اجدر من السير مع الفطرة والطبع في التلاوة وان يتحد بروح المؤلف وذاته وجوهره. بنظر في كلام المؤلفين إلى العصور التي قالوها فيها ليعلم انهم ثمرة تلك القرون التي عاشوا فيها فلا يأبى عليهم القارئ ذلك لئلا يخدعهم وبغشهم ولكن كلام الاعاظم نافع في كل زمن لانهم يكتبون كتابة تنفع على غابر الدهر يكتبون والمستقبل نصب اعينهم متوخين الكمال المطلق وعلى هذا فعلى القارئ أ، لا يكتفي بابلاغ احساسه الخاص بل ان يظهر الامور التي يذهب الكاتب على جليتها ولا يتيسر له ان يستعبد سامعيه إلا إذا خاطب حواسهم كما يخاطب قلوبهم واهانهم وان يبهجهم بثقة لسانه ولا يفوته أن الالسن خلقت لتتكلم فقد كتب البشر اللغة المحكية قبل ان ينطقوا باللغة المكتوبة. ولجودة الصوت شأن عظيم في التلاوة فالواجب ان تخرج الكلمات على ايسر وجه ورنين واطلاق وان يتلو الانسان منتصباً على رجليه ما امكن أو مستنداً على مؤخر كرسيه وان يفخم الكلام بقدر ما يعطي من دون اكراء ويكون جرسه صريحاً غنياً لطيفاً رخيماً، وغريب كم للطف الصوت من تأثير في مجامع قولب السامعين واعدادهم لتلقي الافكار فان من اهم الاجزاء الجوهرية في الالقاء جردة التنفس فالواجب ان يكون التنفس حراً لا قليلاً ولا كثيراً لطيفاً لا يشعر به. ثم تجب العناية بالتلفظ ومعلوم كم هو ينفع ويضر، ورب خطاب جميل اضر به فساد اللفظ ولاختلاف التلفظ في علائق الناس نفوذ حقيقي كثيراً مالا يقبل النسبة مع قدر هذا الخلق العقلي، والتلفظ على وجه عام يدل على المحيط الذي عاش فيه الانسان والقدر من التربية التي بلغها فهو نمام ينم عليك لمن لم يعرفك، إذاً فينبغي صرف الجهدان يكون اللفظ صريحاً صحيحاً ظريفاً، واهم جزء في هذا الباب اخراج الحروف من مخارجها وهناك امر له دخل في احسان التلاوة وهو الجمال اللائق بالكلام واظهاره في مظهر متناسب مع سائر اجزاء الخطاب فيجب اولاً ان يضم ما يجب ضمه ويفصل ما يمثل من الجمل افكاراً متخالفة فيتردد التالي بين الوصل والقطع في العبارات فالوقف المهم ينم عليه اللفظ، قال كوت ان الوقف واخراج الحروف من مخارجها هما من اهم الشروط الاساسية في جودة القراءة، وكم من وقف يقوم مقام وصل ففي اللفظة الواحدة تنجذب المخارج المختلفة إلى واحد منها وتنقطع الجملة بعد كلمة أو بضع كلمات والقطعة بعد جملة والخطاب بعد ايراد بعض افكار عامة، وتجب اجادة النغمة وتنويعها على ما يليق بنظام وقلة تكلف ويعمد في الاحيان إلى السذاجة في النطق على الترتيل والتلحين وان يتأنى في الإلقاء لئلا يطيل المرء الخطاب على السامعين من حيث يريد اختصاره، ويزن الكلام فيبدأ بعد الوقف بسكون ثم يجهر رويداً رويداً فان الوزن قانون الحياة إذا وقع تطبيقه في الخطاب يملك صاحبه نفوس المخاطبين ويستهويهم ويدب الروح فيما يعرضه على مسامعهم وينتج من هذه الملاحظات سواء كانت عملية أو عامة أنه لا تتأنى القراءة بصوت عال بدون ان يعد القارئ ما يريد تلاوته فإن الارتجال في القراءة كما قال كوت لتلاميذه هي الليالي القمراء في الخطاب أي أن نورها مكوك فيه لا تظهر كل حين ولا يجب ان يستعد القارئ فقط بل ان يعد سامعيه أيضاً فيبدؤه باعطاء ما يلزم من الشروح ثم يتلو بلا انقطاع فان الشرح اثناء الإلقاء ينقص من بهجة الكلام، ويستدل القارئ على نجاحه في تلاوته من السكوت وقلة الحركة بين الجمع المستمع فإذا سادا فهناك الاستحسان وإلا فإن الجلبة والحركة لا تنشآن إلا من توزع النشاط الذي لا سبيل إليه بين اناس متنبهين حقيقة. تطهير الغرف جربوا في إحدى المدارس بانكلترا طريقة لتطهير الغرف وذلك أنهم يبلون كمية من نشارة الخشب بسائل مضاد للعدوى فتنثر تلك النشارة في ارض الغرفة مساءً وعند الصباح تكنس فكانت النتيجة أن صحة التلامذة والمعلمين تحسنت عما كانت عليه. الفقر في انكلترا ذكر بعض علماء الاحصاء ان انكلترا قد نهضت منذ اربعين سنة كما نهضت البلاد الأخرى في العلم والصناعة والتربية وتدبير الصحة والاسعافات والمعونات فهي وحدها تنفق على التربية والصحة واعانة البائسين اربعين مليون جنيه بالنسبة لسنة ١٨٧١ وكان يرجى أن تخفف هذه النفقات الشقاء ولكن الامر زاد تفاقماً على العكس فكانت انكلترا تنفق سنة ١٧٧٦ - ١ ، ٥٥٧ ، ٠٠٠ جنيه في السنة على الفقراء فصارت تنفق سنة ١٩٠٦ - ١٤ ، ٧٨٦ ، ٠٠٠ وهي اليوم تعول ١ ، ٧٠٠ ، ٠٠٠ من السكان منهم ٥٣٨ ، ٠٠٠ تعولهم مدى حياتهم و ٥٣٠ ، ٠٠٠ تعولهم مدة طوية و ٦٤٠ ألفاً تعولهم من شهر إلى سنة، وأن البالغين من الرجال منذ السنة السادسة عشرة إلى الخامسة والستين المحتاجين للمعونة ليزيد عددهم اكثر من النساء ومن الدواعي إلى ذلك كثرة انهيال الناس من القرى إلى المدن، ويرى الكاتب ان انكلترا تساعد على انتشار البؤس بما تمده إلى أهله من المعونات فيكسلون ويرتكبون المحرمات على أنها إذا سنت قانوناً للشيوخ تقل في بلادها بواعث الشقاء بالتدريج. الحسبة في الإسلام نشرت المجلة التونسية الفرنسوية مقالة في الحسبة جاء في خاتمتها أن العرب باختلاطهم مع الرومانيين والبيزنطيين والفرس والهنود صفت اذهانهم واقتبسوا الصناعات والفنون وهكذا جلبت إلى أفريقية انواع القرميد الملون والاقمشة الحريرية والجوخ الدقيق والألبسة الجميلة ونقل العبيديون إلى القيروان وتونس صناعات مصر، وجاء بعدهم ملوك الصنهاجيين ولا سيما الأمير أبو الحسن بن علي بن تميم المعز بن باديس وبعد أن عقدوا هدنة مع ملوك النصارى في صقلية أخذوا يتبادلون الهدايا والاعلاق النفيسة وذلك سنة ٥٢٩ . وأنشأ بنو حفص في تونس أبنية جميلة ونشروا العلوم والصناعات وملأوا خزائن الكتب بالأسفار الكثيرة فوهب أبو زكريا الحفصي ٣٦ ألف مجلد من كتبه وانشأ المدارس ومنها مدرسة الشماعين ومسجد القصبة ومنارته الحالية حيث لا يزال اسمه منقوشاً على حائطها إلى اليوم وهو الذي انشأ الأسواق الموجودة إلى عهدنا في تونس والمتآفقة الشهرة فانشأ سوق العطارين والشوسة أي سوق الحفصي ومات سنة ٦١٤ في غنى ونعمة. وفي أيامه نزح إلى تونس أناس من الأندلسيين ممن طردوا من إسبانيا فاكرم عثمان باي وفادتهم ومد المحتسب لهم يد المعونة فجعل فقراءهم عند أناس من أهل البلاد يعملون لهم واذن لغيرهم أن يسكنوا حيث أرادوا فابتاع اولئك النازحون أملاكاً واسعة وأراضي ذات ينابيع غزيرة وانشأوا فيها أبراجاً وتناسلوا ونزل معظمهم مدينة تونس بحيث يسوغ لنا أن نقول أنهم مدنوا أهلها بما حملوه إليهم من مدنيتهم وصناعاتهم، بل قد أسسوا مدناً مهمة مثل سليمان وبالي ونيانو وقرومباليا وتوركي وجديداً وزغوان وطوبورية وجريش الواد ومجاز الباب وتاستور وسلوقية والعالية وقلعة الأندلس وغرسوا الزيتون والتين وانشأوا الحدائق وعمروا الطرق ودمثوها بما اتوا به من بلادهم الأصلية من محادل (ملاسة) وما برح هؤلاء المهاجرون إلى اليوم يمتازون عن غيرهم وهم في تونس طبقة الأحرار. وقد انتهت الحال بأن جعلت بعض أعمال المحتسب في تونس بيد مجلس العشرة الأعيان وكلهم ينتخبون من أهل تونس ومن أصل أندلسي ماحلا إثنين يكون أحدهما من صفاقس والثاني من جربة ويجب أن يكونوا كلهم من أهل المذهب المالكي ومن معلمي الشواشية أي صناع الطرابيش ماخلا الجربي والصفاقسي وإليهم يرجع الأمر في فصل قضايا التزوير في الشواشية والإشراف على عملها أن يكون صباغها جيداً وكان نقيب حرفة الشواشية تحت أمرهم. وكان من خصائص مجلس العشرة النظر في غش البضائع وهو يحكم على الجيد منها والعاطل فيما إذا حدث اختلاف بين البائع والمشتري وذلك بوساطة أمين التجار ولم يكن أعضاء هذا المجلس يقبضون راتباً ولا يحضر عضو جربة وصفاقس في مجلس العشرة إلا إذا عرضت مسائل تجارية، وكان لأعضاء هذا المجلس امتيازات خاصة كأن يكون لهم حق التصدر على سائر التجار ويجلسون في بعض الأحوال بالقرب من الباي، وقد تولت محكمة العرف اليوم ما كان يتولاه مجلس العشرة سابقاً من أمور الاحتساب يحكمون فيما يعرض من المسائل كما يحكم أهل الخبرة وهذه المحكمة مؤلفة من أمين التجار وعشرة معاونين، وقد أخذ شيخ المدينة ينظر في بعض الأعمال التي كان يتولاها المحتسب سابقاً فهو يرأس نقباء الحرف وحكمه لا يقبل النقض والإبرام فيما يحدث من الاختلافات في مسائل الصناعات وهو المكلف بحجز أموال المفلسين وبيعها في تونس وتوزيع ما حصل من أثمانها على أرباب الديون على اختلاف تابعيهم وهو يبيع الأملاك التي رهنها بعض التونسيين ومشايخ الحارات هم اليوم مضطرون إلى أن يقدموا بياناً مطبوعاً بمن يولد ويتوفى في أحيائهم من الوطنيين وهؤلاء المشايخ اليوم صورة مصغرة من المحتسبين أمس. الإنسان والمدنية نشرت مجلة الاقتصاد الانكليزية مقالة جاء فيها أنه يستدل من الإحصاءات بأن معدل تولد البشر أقل في الأغنياء مما هو بين الفقراء وأنقص بين أرباب الأشغال العقلية مما هو بين الأميين أرباب الصناعات والعملة بحيث يسوغ لنا أن نقول على الجملة بأن بين كثرة النفوس والمدنية عداوة حتى أن الحضارة يوم تبلغ أوجها لا يبقى على الأرض أحد يستمتع بها، وقد أوردت المجلة أرقاماً لإثبات حجة هذه الدعوى فقالت أن الأمراض التناسلية هي في الأغنياء أكثر منها في الفقراء وفي المدن ولا سيما الكبرى أكثر منها في الأرياف حتى أنه ليتعذر من أجلها على النساء أن يلدن كثيراً أو أن يكتفين بولد واحد. وكذلك يحدث مثل هذا التأثير من الأمراض العصبية والعقلية التي هي تابعة لارتقاء المدنية كما يتبع الظل الجسم، والسبب الرئيسي في قلة الولادات قلة الرغبة في أن يرزق الناس أولاداً لأن المدنية كلما تقدمت ينظر إلى الأولاد بأنهم حمل وضيق على أبويهم. طعام الأقوياء قل من المسائل التي تضاربت فيها الآراء تضاربها في تعيين كميات الطعام وكيفيته على ما يليق بالإنسان وأدت الأبحاث الحديثة إلى أن طعام الإنسان يختلف باختلاف الجنس والمهنة والمناخ ولكن الدكتور سيبرت قد اجتاز هذا الحد وهو يؤكد بعد مشاهداته الشخصية مدة خمسين سنة لأشهر مصارعي أميركا أن كل إنسان يحتاج إلى طعام خاص به فقد قال من مقالة له أن أقوى رجل عرفه هو المصارع الشهير سيجفريج أتى إلى محلي - لأن الدكتور المذكور مؤسس محل يأتي إليه المصارعون ويعيشون تحت نظارته - وهو في العشرين م نعمره وبعد أن تمرن مدة ثلاثة أشهر زادت قوته زيادة عظيمة وكان الطعام الذي يختاره لنفسه أغلب ما يكون من الخضر والحليب والخبز مع قليل من اللحم وكان عشاؤه قليلاً من الحليب مع شيء من السكر وقطعة من الخبز مدهونة بزبدة وعلى هذا الطعام أصبح على شيء من القوة في أطرافه وظهره جعلته من أشهر المصارعين مع قلة اشتهاره بالحذق وخفة الحركة وكثيرون ممن أعرفهم أرادوا أن يحذوا حذوه في طعامهم فكان أغلبهم يصابون بسوء الهضم وهكذا المصارع بيتروس باريوثر كان في صباه ولداً منبوذاً لا يأكل في أغلب الأوقات سوى شيء من الخبز الناشف لفقره وبعد أن قضى مدة الخدمة العسكرية اتخذ الصراع مهنة وفي السابعة والعشرين من عمره أثبت أنه أقوى رجل من وزنه فهو يرفع وزنه من الأثقال إلى فوق رأسه سواء كان بيده اليمنى أو اليسرى وهو معتدل في أكله يفضل الأطعمة البسيطة، وقد شاهدت كثيراً ممن يأكلون أكثر من هذين الرجلين ويتناولون اللحم بكثرة وهم دونهما بمراحل في القوى واحتمال التعب، معرباً عن مجلة العلم الأميركانية. تواريخالمكتشف والمستعمر من البلاد والجزر في العالم اكتشف كولمبس أميركا في ١١ تشرين الأول سنة ١٤٩٢ ، اكتشفت جزائر (أندرينوفزي) بين آسيا وأميركا سنة ١٧٦٠ ، استعمر البرتغاليون أنغولا سنة ١٤٨٢ ثم استعمرتها إنكلترا سنة ١٦٥٠ ، أدخلت إنكلترا غرس الشجر إلى (أنغولا سنة ١٦٥٠ )، استعمرت إنكلترا أنتيفو سنة ١٦٣٢ ، إكتشف المكان المعروف بممر رئيس الملائكة سنة ١٤١٩ ، استعمرت هولاندا جزيرة (اريوبا) سنة ١٦٣٤ ، اكتشفت مملكة البرتغال جزيرة (أزوس) سنة ١٤١٩ ، اكتشف خليج (يافن) سنة ١٦٢٢ اكتشفت جزائر (باهاما) سنة ١٦٥٩ واستحوذت عليها انكلترا سنة ١٧١٨ ، اكتشفت (تبربروس) واستعمرت سنة ١٦١٤ ، استعمرت انكلترا جزيرة (بربودا) سنة ١٦٢٨ ، اكتشفت جزيرة (بارينفتن) في حزيران سنة ١٧٩٣ ، حصنت هولاندا مدينة باتافيا جزيرة في جاوه سنة ١٦١٨ ، اكتشفت جزير (برمودا) واستعمرت سنة ١٦١٢ ، بدأ باستعمار بوسطن (ماس) في الولايات المتحدة سنة ١٦٣٠ مرت مراكب الانكليز في خليج (باي) لأول مرة في ٢١ آذار سنة ١٧٨٧ ، عمرت فرنسا جزيرة (يوربون) سنة ١٦٧٢ ، اكتشفت برازيل سنة ١٤٨٦ وعمرها السبانيول سنة ١٥١٥ ، ثم استعمرتها هولاندا سنة ١٦٢٤ ، ثم تولتها برتغال سنة ١٦٥٤ ، اكتشفت جزيرة بريطانيا نحو سنة ٩٠ للمسيح، عمرت (كالدونية) في أميركا سنة ١٦٩٩ ، اكتشفت كلفرنيا في أميركا نسة ١٥٤٣ ، اكتشفت (قابون) كندا سنة ١٤٩٩ ، ثم اكتشفتها فرنسا سنة ١٥٠٨ ، اكتشفت جزائر كاناريا سنة ١٣٤٤ واهديت إلى اسبانيا سنة ١٣٩٣ ، اكتشف رأس بلانكو في أفريقية سنة ١٤٤١ ، اكتشفت بريطانيا رأس بريطانيا سنة ١٥٨٤ ثم استحوذت عليه فرنسا سنة ١٦٣٢ ثم استرجعته انكلترا سنة ١٧٤٥ ثم استرجعته فرنسا سنة ١٧٤٨ ثم استردته انكلترا سنة ١٧٥٨ ، اكتشف رأس جزائر (دي فرد) سنة ١٤٤٧ ، اكتشف رأس الرجآء الصالح سنة ١٤٨٧ واستعمرته هولاندا سنة ١٦٥١ ، طافت السفن حول رأس (هورن) لأول مرة سنة ١٦١٦ ، اكتشفت (كارولينيا) إحدى الولايات المتحدة سنة ١٤٩٧ واستعمرت سنة ١٦٢٩ ، اكتشفت جزائر (كريبني) سنة ١٥٩٥ ، اكتشف كولمبس جزيرة (الهررة) في سنة ١٤٩٢ ، استعمرت فرنسا جزيرة سابيني سنة ١٦٣٥ ، اكتشفت جزيرة سيلان سنة ١٥٠٦ ، اكتشفت جزيرة (خاتام) في حزيران سنة ١٧٩٣ ، اكتشفت اسبانيا (شيلي) في أميركا سنة ١٥١٨ وغزاها الإسبانيون سنة ١٥٤٠ ، يمم البرتغاليون الصين لأول مرة سنة ١٥١٧ وحكم في سنة ١٥٩٥ وعمرتها انكلترا سنة ١٦٢٦ ، اكتشفت مملكة الكونغو سنة ١٤٨٢ واستعمرتها برتغال سنة ١٤٨٦ ، استعمرت هولاندا (كوركوا) سنة ١٦٣٤ ، استعمرت (دربيني) سنة ١٧٠٠ ، اكتشف مضيق (دفس) سنة ١٥١٢ ، اكتشف كولمبس جزيرة (ديسيدا) سنة ١٤١٩ ، اكتشفت جزيرة القديس (دومينكو) سنة ١٤٩٢ ، اكتشف كولمبس دومينيكا في سنة ١٤٩٣ ، اكتشفت جزيرة الشرق سنة ١٧٢٢ ، اكتشف البرتغاليون شرقي الهند سنة ١٤٩٧ وأمها الإنكليز في سنة ١٥٩١ ثم الهولانديون في سنة ١٥٩٥ ثم رهط من انكلترا سنة ١٦٠١ ورهط من فرنسا في السنة نفسها ثم رهط من الدينمرك في سنة ١٦١٢ ، اكتشفت جزائر (فولك لاندا) في سنة ١٥٩٢ ، اكتشف القبطان قابون فلوريدا في أميركا سنة ١٥٠٠ واستعمرت سنة ١٧٦٣ اكتشف مضيق مرو بشير سنة ١٥٥٨ اكتشفت جزيرة الثعالب في شمالي المحيط الباسيفكي سنة ١٧٦٠ اكتشفت جزائر كالاباغوس سنة ١٧٠٠ أسس القائد (أوغلترب) مستعمرة جورجيا الولايات المتحدة سنة ١٧٣٩ ، استعمرت هولاندا جزيرة كوري سنة ١٦١٧ ، استعمرت فرنسا جزيرة غرنادا سنة ١٦٥٢ اكتشفت (غرنيلاندا) في سنة ١٥٨٥ واستعمرت في عامي ١٧٢١ و ١٧٣١ ، اكتشف كولمبس جزيرة (غودلوب) سنة ١٤٩٣ واستعمرتها فرنسا سنة ١٦٥٣ اكتشف البرتغاليون شاطئ غينيا سنة ١٤٨٢ وباشر القبطان هوكن في انفلشمن من نواحي ذلك الشاطئ بتجارة الدقيق سنة ١٥٦٣ اكتشفت جزيرة القديسة هيلانة سنة ١٥٠٢ وملكتها انكلترا سنة ١٦٠٠ وعمرتها سنة ١٦٥١ اكتشفت جزيرة هودو في المحيط الباسيفيكي في حزيران سنة ١٧٩٣ اكتشف القبطان هدسن خليج هدسن المسمى باسم مكتشفه سنة ١٦٠٧ اكتشف أيسلاندا أحد قطاع السبل من الدنيماركيين سنة ١٨٦١ اكتشف كولمبس جاميكا سنة ١٤٩٤ واستعمرها الإسبانيون سنة ١٥٠٩ اكتشفت يابان سنة ١٥٤٢ وزارها جماعة من الإنكليز سنة ١٦١٢ اكتشف الفرنسيس بوزيانا في الولايات المتحدة غربي نهر مسسبي العظيم سنة ١٦٣٣ واستعمروها سنة ١٧١٨ وسلموها إلى الولايات المتحدة أو تنازلوا عنها سنة ١٨٠١ اكتشف البرتغاليون مدغسكر سنة ١٥٠٦ اكتشفت جزيرة (مديريا) في سنتي ١٣٤٤ و ١٤١٨ اكتشفت فعلان سنة ١٥٢٠ اكتشفت جزيرة مرغلانته سنة ١٤٩٣ استعمر اللورد بلتيمور مركندا سنة ١٦٣٣ وبلغت نفقات استعماره ٤٠٠٠٠ ليرة إنكليزية اكتشفت جزيرة موريتوس سنة ١٥٩٨ واستعمرت سنة ١٧٢١ حكم الإسبانيون المكسيك سنة ١٥١٩ . . . . ١٥٢١ اكتشف منتريال كندا سنة ١٥٣٤ واستعمرت سنة ١٦٢٩ اكتشف كولمبس مونترست في غربي بلاد الهند سنة ١٤٩٣ واستعمرتها انكلترا سنة ١٦٣٢ استعمرت إنكلترا نيفس سنة ١٦٢٨ اكتشفت كلدونية الجديدة سنة ١٧٧٤ استعمرت انكلترا الجديدة سنة ١٦٢٠ اكتشف قابون فونلندا الجديدة سنة ١٤٩٧ واستعمرت سنة ١٦١٤ اكتشفت غيونيه سنة ١٦٩٩ اكتشف الهولنديون هولندا الجديدة سنة ١٦٢٧ واستعمرتها انكلترا سنة ١٧٨٧ استعمر الاسوجيون نيوجرمي في الولايات المتحدة سنة ١٦٣٧ اكتشفت إسبانيا المكسيك سنة ١٥١٨ اكتشفت زيلاندا الجديدة في سنة ١٦٦٠ ثم في سنة ١٧٦٩ ، بنيت بليموث واستعمرت سنة ١٦٢٠ استعمرت نيويورك في الولايات المتحدة سنة ١٦٦٤ اكتشف الممر الشمالي الشرقي إلى روسيا سنة ١٥٥٣ استعمرت نوفا سقوثية سنة ١٦٢٢ اكتشفت نوفازمبية سنة ١٥٥٣ اكتشفت جزائر جورجيا الثلاث في ١٨ حزيران سنة ١٧٦٥ اكتشفت جزيرة هاي ها حيث قتل القبطان كوك سنة ١٧٧٨ اكتشف خرائب مدينة النخل في صحراء سورية سنة ١٦٧٨ استعمرت باناما سنة ١٥١٦ اكتشفت بارغواي سنة ١٥٢٥ استعمرت بنسلفانيا الولايات المتحدة سنة ١٦٨٠ اكتشفت بيرو سنة ١٥١٨ اكتشف الإسبانيون جزائر فلبين سنة ١٥٢١ اكتشف مضيق بث في غربي الهند في ٣٠ نيسان سنة ١٧٦٠ اكتشف بورتوريكو سنة ١٤٩٧ استعمرت هولندا سابا سنة ١٦٤٠ استعمرت سالم ماس في الولايات المتحدة سنة ١٦٢٨ اكتشفت جزائر سندويش في المحيط الباسيفكي سنة ١٧٧٨ استعمرت سفانا سنة ١٧٣٢ اكتشف شاطئ سيراليون سنة ١٤٦٠ اكتشفت جزائر سوشى في المحيط الباسيفكي سنة ١٧٦٥ اكتشفت جزيرة سليمان في أميركا سنة ١٥٢٧ اكتشفت جزائر سومور سنة ١٥٢٧ اكتشفت هولندا جزيرة القديس يوستينس سنة ١٦٣٢ اكتشف نهر سانت لورانس واستعمره الفرنسيس سنة ١٥٠٨ اكتشفت جزائر سوفولك سنة ١٧٦٤ استعمرت انكلترا سورثيم سنة ١٧٦٤ واستعمرت (سورت) سنة ١٦٠٣ اكتشفت جزائر ثاثي شرقي الهند في ٢٩ حزيران سنة ١٧٩٥ استعمر الهولنديون توباغو سنة ١٦٤٢ اكتشف الإسبانيون جزائر بترقارس سنة ١٥٨٣ استعمر الإسبانيون بترافيرمه سنة ١٥٢٤ اكتشفت جزيرة ترانيداد سنة ١٤٩٨ استعمرت روسيا برقرثي سنة ١٧٥٢ اكتشف السر والتر فرجينيا سنة ١٥٨٤ اكتشف كولمبس غربي الهند سنة ١٤٩٢ . تفنن العرب صرح أحمد بك زكي في المؤتمر الدولي الذي عقد في الشهر الماضي بمصر لتحسين حالة العميان أن علماء العرب قد سبقوا الأوروبيين إلى اختراع طريقة الكتابة بالحروف البارزة الخاصة بالعميان فلخص كتاب نكت الهميان في نكت العميان لصلاح الدين الصفدي وقال أنه يرجع إلى ابن الشرق الفخر في وضع طريقة الكتابة البارزة للعميان وإذا كان المسيح عليه السلام يقول أعطوا ما لقيصر لقيصر فيجب أن نعترف بأن أول مخترع لطريقة الكتابة بالحروف البارزة هو شرقي عربي هو علي بن أحمد بن يوسف بن الخضر المشهور بزين الدين الآمدي الذي فقد بصره في أول عمره وشرح طريقة معرفته لأثمان جميع الكتب التي كانت في مكتبته بأنه كان كلما اشترى كتاباً لف ورقة على شكل حرف من الحروف ولصقها في الكتاب وكانت هذه الحروف هي التي يستعين بلمسها على معرفة ثمن الكتاب واستطرد إلى القول بأن زين الدين الآمدي المتوفى سنة ٧١٢ هجرية أو ١٣١٢ ميلادية سبق برايل إلى اختراع طريقة الكتابة بنحو ستمائة سنة لأن برايل الفرنسي لم يخترع طريقته إلا منذ ستين عاماً فقط. قلنا وعجيب تفاني المصريين في إحياء المدنية العربية فإذا أثبت صديقنا أحمد زكي بك أن العرب اخترعوا طريقة الحروف البارزة فقد أثبت في السنة الماضية صديقنا أحمد تيمور بك أن العرب سبقوا الأوروبيين في الطيران فقال: مهما نسينا أو تناسينا فلن ينسى التاريخ أبا القاسم عباس بن فرناس حكيم الأندلس كلما ذكر زبلن وسنجر وإضرابهما فإن من يرجع البصر في صفحاته يجد بين من خصهم الله بمواهب في استخراج العلوم واستنباطها اسم هذا الحكيم مقروناً بالغرائب والمدهشات فهو أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة وصنع الآلة التي تعرف بها الأوقات على غير رسم ومثال ومثل في بيته السماء بنجومها وغيومها وبروقها ورعودها تمثيلا يخيل للناظر أنه حقيقة فقال مؤمن بن سعيد الشاعر يداعبه: سماء عباس الأديب أبي القا سم ناهيك حسن رائقها من أبيات تركت ذكرها لقذاعة هجوها، وهو الذي احتال في تطيير جثمانه فكما نفسه الريش ومد له جناحين طار بهما في الجو مسافة بعيدة ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه فتأذى في ظهره لأنه لم يعمل له ذنباً ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه وفيه يقول الشاعر المتقدم ذكره من أبيات: يطم على العنقاء في طيرانها إذا ما كان جثمانه ريش قشعم فنرى من ذلك أن الرجل كان من أسبق الفائزين بالطيران من بني الإنسان ولا يغض من اختراعه تقصيره عن الشأو البعيد فيه فذلك شأن كل مشروع في بداءته وحسبنا أن منتحلي هذه الصناعة مع ما مر عليهم من القرون لم يزالوا دون الغاية المطلوبة منها إلى اليوم أفلا يكون من الإنصاف التنويه بذكر هذا المخترع. طول الحياة ثبت أن مدة الحياة البشرية آخذة بالازدياد فقد كان معدلها في أوروبا خلال القرن السادس عشر للميلاد لا يتجاوز العشرين سنة فبلغ الآن ٤٠ وربما ٤٤ سنة ولذلك رأى معظم شركات ضمان الحياة أن يعيدوا النظر في قوانينهم ويتساهلوا في ضمانة النفوس وسبب هذه الزيادة في الأعمار ما بلغته العلوم الطبية في الخمس والعشرين سنة الأخيرة من الارتقاء فتغلبت على الأمراض السارية، فالغشاء الذي كان يصيب حنجرة الطفل المصاب بالخناق كان فيما مضى يودي بحياته وهو اليوم لا يزعج الجراح لما فيه من وسائط الشفاء العاجل بفضل الحقن تحت الجلد بمصل الخناق وغير ذلك من التدابير ويقل اليوم المصابون بالحمى التيفوئيدية والقرمزية وذات الجنب أكثر من الزمن السالف والسل يعالج بوسائط تظهر نتائجها الحسنة اليوم بعد اليوم والتهاب السحايا الدماغي الشوكي La méningite cérébro spinal قد قل عدد الهالكين من المصابين به عن خمس أو ست سنين إلى ثلاثة أرباع، وقد تغلبت الوسائط التحفظية والطبيعية في مقاومتها لأنواع الفساد البكتيري فظهرت بها نتائج مؤثرة بحيث تمكنت بالتدريج لإفراز السميات المرضية المسببة للحمى. ومع هذا فإن بعض المتشائمين من الأميركيين قد نشروا هذه الأيام مفكرة تبعث على القلق حسبوا فيها معدل عدد الوفيات في الولايات المتحدة وغيرها من بلاد العالم الجديد والقديم وحققوا أسباب الوفاة فصرحوا بأن الأرقام التي يستشهد بها في دعوى طول الحياة ليست صحيحة إذ يقتصر فيها على إحصائيات الأولاد فقط لأن هؤلاء يبلغون في الواقع سن الفتوة ولكن الاضطرابات التي تبدو في تراكيبهم في سن الشباب تظهر مؤثراتها في الحال، فالمشاهد يدل الآن على أن الأولاد تقل الوفيات فيهم ولكن من بلغوا من الرجال سن الشيخوخة قلائل. ومن رأي الأستاذ فيشر في نيويورك أنه يندر وجود أشخاص هم في مأمن من الأوجاع المهلكة مثل النقرس والرثية الروماتيزم وسوء الهضم والبول السكري ومرض برايت والزائدة الدودية قال أن الرجال والنساء عرضة لعوادي الأعداء المستترين على اختلاف في الدرجات فالحياة بالنسبة إلى كل واحد منهم ليست في الحقيقة طويلة بل هي متسعة ومعنى ذلك أن الرفاهية التي تحيط بالحياة تقصر حبلها، ومن جملة تلك السعة في الرفاهية التغيير الذي طرأ على الطعام فإن الناس بالغوا في التأنق فيه حتى أنهم ليقتلون أنفسهم وهم لا يشعرون، وقد بلغ من هذه التبدلات أنك لا تجد امرءاً حتى في العيال المستورة يقنع بالإقلال من الطعام على النحو الذي كانوا عليه فيما غبر، فنشأ من هذا التفنن في الطعام اضطرابات عضوية لا يحتاط لها بل يسعى الناس إلى زيادة شرورها مختارين، فالناس يكثرون من تناول الأطعمة وكثيراً ما يفرطون ويبحثون عن الأطعمة المحضرة أنواع التحضير اللذيذ وكثيراً ما يشفعونها بالمقبلات والأشربة الكحولية ويتعرضون لما ينجم عنها من المضار بل يستقبلون عن رضى الأمراض المعدية وما يتبعها من الأوصاب. بالمقبلات والأشربة الكحولية ويتعرضون لما ينجم عنها من المضار بل يستقبلون عن رضى الأمراض المعدية وما يتبعها من الأوصاب. ولقد أفحشوا في التأنق فتراهم يعنون كل العناية بالولد فيحظرون عليه كل ما يضر به حتى إذا نجا من أخطار الطفولية وأصبح رجلاً يلقي بنفسه كل يوم مختاراً في هذه المهالك وهو لا يبالي، الناس كلهم يطمعون في الحياة ما خلا بعض شذوذ ولكنهم لا يهتمون بما يجب القيام به لإطالة حبل الحياة. وبعد فإن فيشر وجمهور علماء الصحة يعلقون شأناً عظيماً على مجموع التراكيب التي تؤثر في حركة الطعام في التركيب النامي لتجعله صالحاً للقيام بجميع الوظائف اللازمة لإنقاذ الحياة ونشؤها بل إطالتها، متى ازدردت الأطعمة على ما ينبغي ووزعت في الأقنية والأحشاء على النحو الذي يوجبه علم منافع الأعضاء فالتدبير الغذائي يجري على نظام راسخ فلا يحدث أدنى عارض ويظل الجسم سالماً يقاوم الطوارئ فتمضي السنون وهو صحيح وتكون الشيخوخة قليلة المزعجات على صاحبها، أما إذا تمت حركة الطعام على طريقة معتلة رائدها الإهمال وقائدها الاختلال ولا سيما فيما يختص بعمل الآلة الهاضمة فتنشأ من ذلك أوجاع لا تلبث أن تكون مزمنة تضعف تركيب الجسم وتسلمه إلى الأمراض الباطنية. لا يكفي المرء أن يأكل ليعيش بل الواجب لحماية الحياة وجعلها مقبولة وإطالة حبلها أن يعلم كيف يقوم بعلم الأكل ولا يعد هذا فناً فقط بل هو علم وهوراس فننشر الأميركاني هو رأس الدعاة إلى هذه الطريقة في عدم الإسراف في الطعام وتجويد القضم والخضم ليجود الهضم فقد كان هو نفسه مستخدماً في بيت تجاري في شنغاي وكان كمواطنيه من الأميركان يحب الرياضات البدنية وله صحة جيدة قوي العضلات ينصرف إلى الشاق من الرياضات في الهواء الطلق مثل المشي والركض والقفز والعراك وغيرها من الألعاب وهو يلين أعصابه، وكان من نتائج نشاطه ومعرفته أن جمع ثروة مهمة فحدثته نفسه أن يغير طرز حياته ويذوق من جميع اللذات التي يسمح له بها كيسه فمال إلى تخير الأطعمة الفاخرة وآثر القصف على القصد فأخذ يطعم على خوانه كل يوم من الألوان المتبلة واللحم الغريض الحنيد والخمور الجيدة ما ساءت باستعماله معدته وكان يقضي الليالي في التدخين وتعاطي الأشربة فظهر الأثر السيء في هذه الطريقة من استعاضته عن المشي على الأقدام بالركوب في العجلات فسمن سمناً مفرطاً حتى لم يمض إلا قليل من الزمن إلا وقد أنكره أصحابه فكثر دمه وتورمت خدوده وثخنت رقبته وأخذت تظهر على سحنته أعراض الاستعداد لداء الصرع. وفي ذات يوم أصيب عقيب أكلة أكلها بفتور في جسمه دعاه إلى التفكر في صحته فأزمع بما فيه من عزيمة أن يعدل عن طريقته في التغذية ويختار غيرها تكون أشد في الانتظام وأن يتخلص من السمن والربالة لما ينشأ عنهما من الضرر وطفق يسير بجسمه إلى نظام مضمون ذاهباً إلى أن الجسم لا تغذيه كمية الغذاء ولا كيفيته بل شروط الهضم فيه وبين له أن ذلك مناط بلوك الطعام فمن هذه القاعدة وهي: على من يريد أن يعمر طويلاً أن يلوك طعامه كثيراً، هدته التجارب إلى هذه الطريقة التي نسبت إليه فسميت الطريقة الفلتشرية وهي عبارة عن خمس نصائح ١ أن ينتظر المرء الشهوة للطعام ٢ أن تستشار الشهوة للطعام في اختيار الأطعمة ٣ أن يمضغ الطعام بحيث تستخرج منه جميع المادة المغذية وتترك اللقمة تسوغ إلى المعدة من نفسها ٤ أن يخصص للطعام ما يقتضي له من الوقت ولا يعجل في ازدراده وأن يذكر الإنسان أبداً أنه في صدد تناول طعامه فيصرف ذهنه إلى ما هو بسبيله على وتيرة منظمة ويطرد عن نفسه كل ما يلقيها في اضطراب ٥ أن يقتنع أن كل وجبة هي عمل واجب في الحياة وأن يحسن القيام به بحيث يتوفر له الوفاء بهذه الغاية. بالغ فلتشر بذاته في التدقيق بهذه القاعدة فلم تمض إلا بضعة أسابيع إلا وتغير تركيبه، وعاد فأزهر شبابه ولطف قوامه وخف ثقله فأمسى ٨٠ كيلوغراماً بعد أن كان ١٨٠ ثم ما عتم أن عاد إليه بعودة قوته الطبيعية نشاطه العقلي، وزال ذاك التعب الذي كان يشعر به أيام كان سميناً مشحماً وشعر بضرورة المشي على الأقدام وأن يعود إلى ما كان أخذ نفسه به من أنواع الرياضات في شنغاي، فظهر له أن قد تغير كيانه وعادت قواه إلى نشاطها في صباه وصفا ذهنه ورأى من نفسه استعداداً إلى العمل وبالجملة شعر كأنه رجع عشرين سنة في عمره إلى الوراء وأنه سيعمر طويلاً بعد، كل هذا نشأ من تدقيقه في تلك القواعد الخمس التي سنها ومبالغته في الاحتفاظ بها والجري عليها وأخذ يقلل من كمية غذائه بدون أن يقتصر منها على ما يسهل هضمه وخضمه كما يفعل بعض من يمتنعون عن اللحوم ويكتفون بالبقول وأن يمتنع عن المشروبات الروحية امتناع الزهاد بل كان ينتفع بما يدخل جوفه ويتخذ أسباب حسن الهضم فيما يأكل ويشرب فلا يدخل في بلعومه غذاءً إلا إذا أجاد لوكه جيداً، ولم يكتف فلتشر بما وصل إليه من هذه التجارب الصحية النافعة بل أراد أن يعم استعمال هذه الطريقة فكتب ما جرى له في الجرائد والمجلات ونشره في كراريس وزعها بلا ثمن على قومه فضحكوا منها بادئ الرأي إلا أن علماء الصحة اضطروا بعد حين إلى إمعان النظر فيما أتاه الرجل وجربوا بأنفسهم طريقته فأسفرت لهم عن نجاح وأوصى الناس بها حتى صار أشياع المذهب الفلتشري اليوم يعدون بالملايين في الغرب. وقد تبع فلتشر في طريقته الأستاذ باولو الروسي منذ سبع سنين فتبين له أن التغذية الحسنة متوقفة على الشهوة إلى الطعام وهذه هي الباعث الأقوى على هضمه والانتفاع به في الجسم فالجوع يحبب إلى النفوس الأطعمة على اختلاف ضروبها والأطعمة لا تفيد إلا إذا رغبت فيها النفس، ولا يحسن ما على المائدة من الصحاف وينفع المتناول منها إلا إذا كان هذا في فراغ من الذهن يمكنه من تقدير الألوان حق قدرها، فسرور المواكلين وطيب الأحاديث من العوامل النافعة في الهضم، والسرور على الخوان لا ينشأ من إجادة الطبخ والتنطع في اختيار الألوان بل بما يبدو على وجوه المجتمعين على الطعام من الابتسام. ومعلوم أنه يقتضي للجسم لتجديد الأنسجة وتوليد الحرارة الحيوانية اللازمة كل يوم لحفظ مرونته والقيام بوظائفه التنفسية كمية محدودة من المواد الدهنية والزلالية وعلماء الصحة والأجسام والأعضاء على اختلاف منهم في ذلك فمنهم من يقول بالإقلال من تناول اللحوم والاقتصار على البقول والألبان والثمار والبيض والأرز والزبدة ومنهم من يرى تناول اللحوم ضرورية لكل عامل يعمل بعضلاته والحقيقة أن التوسط في الأمر خير وأبقى، فالإكثار من اللحوم يسمم الجسم وربما حدثت منه في كثير من الأحوال مضار في الصحة منبهة القوة العصبية ومنهكة قوى الكبد والكلى وعلى العكس في تناول البقول فإن الاقتصار عليها يؤدي إلى اضطرابات هاضمة من شأنها أن تحدث ضرراً في المعدة وعليها فأكل اللحم لا يؤذي بقدر ما يتوهمه بعضهم بل لا يؤذي إلا عدم الوقوف عند حد في تناوله. وقد رأى أحد علماء منافع الأعضاء من الألمان أنه يكفي لغذاء الفرد كل يوم ١١٨ غراماً من اللحم وغيره من المواد الدهنية وقال لا بأس يجعلها ١٤٥ غراماً لمن يعمل بيديه قال غيره لا حرج من إبلاغها إلى ١٥٠ غراماً، وأكد أحد علماء انكلترا بأن من عمد إلى استعمال طريقة فلتشر في الاقتصاد في الطعام وإجادة مضغه يتأتى له أن ينقص نحو الثلث مما يأكل وتجود صحته. وقد جرب أساتذة من أميركا طريقة تنقيص وجبات الأكل فتخلصوا من أمراض كانت تؤلمهم مثل أوجاع الرثية الروماتيزم والشقيقة والمرة السوداء فعادت إليهم صحتهم ونشاطهم ومنهم من كان أصيب بالسل في الدرجة الأولى فاتخذ طريقة فلتشر فنجا من الموت وأصبح يستطيع أن يتعاطى أعماله العقلية ساعة أو ساعتين متواليتين بدون عناء. وقصارى القول أنه قد ذكر من اعتمدنا عليه من الافرنج في نقل هذا البحث أن الحياة هي عمل مجموع الوظائف التي تقاوم الموت، وأحسن طريقة في تأثير هذه المقاومة هي أن يتعلم الإنسان علم الأكل والقيام عليه، فالحياة هي علم معرفة التغذية، فمن لنا بشيوع طريقة فلتشر في بلادنا فيزيد الممتعون بصحتهم ويكثر النشاط على الأعمال البدنية والعقلية ويستغنى عن الطب إلا في الأمراض التي يستحيل الآن زوالها من العالم. إن لتعليم الناس تدبير الصحة أثراً معروفاً عند الأمم في نهوضها وهو من شأن الصحف والمدارس فالصحافة في هذه الديار قائمة على قدر الإمكان بما يفرض عليها في هذا الشأن ولو سار التعليم الابتدائي في الشرق على نحو ما هو عليه في الغرب لا تنفع الناس بما يتلى عليهم ويكتب لهم أكثر مما ينتفعون ولا سبيل إلى ذلك إلا بتلقين المدارس مثل هذه القواعد فعلى أساتذة مدارسنا ومديريها أن يلقوا على الأولاد مثل هذه القواعد فتتشر بها نفوسهم منذ الصغر لتنفعهم وتدفع عيالهم في الكبر. مخطوطات ومطبوعات ذيلعلى طبقة الحنابلة اطلعت في الجزء الأول من المجلد السادس من مجلة المقتبس على ما كتبتموه عن (المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد) فسرتني عنايتكم بالحنابلة كما تعنون بغيرهم لما آلت إليه حالهم في هذه العصور الأخيرة من قلة رجالهم وندرة كتبهم وانطماس أخبارهم بعد أن أزهرت بهم مدارس بغداد ومصر والشام وغيرها وأفعمت بتآليفهم خزائن الكتب المشهورة وصدعت بأحكامهم أركان البدع المنتشرة على ما يلاقونه من الفتن والمحن (إلى يومنا هذا) قال أبو الوفا ابن عقيل البغدادي المتوفى سنة ٥١٣ وهو ما هو وقد سئل عن الحنابلة (هم قوم خشن تقلصت أخلاقهم عن المخالطة وغلظت طباعهم عن المداخلة وغلب عليهم الجد وقلَّ عندهم الهزل وعزت نفوسهم عن ذل المراياة وفزعوا عن الآراء إلى الروايات وتمسكوا بالظاهر تحرجاً عن التأويل وغلبت عليهم الأعمال الصالحة فلم يدققوا في العلوم الغامضة بل دققوا في الورع وأخذوا ما ظهر من العلوم وما وراء ذلك قالوا الله أعلم ولم احفظ على أحد منهم تشبيهاً إنما غلب عليهم (الشناعة لإيمانهم بظواهر الآي والأخبار من غير تأويل ولا إنكار) والله يعلم أني لا أعتقد في الإسلام طائفة محقة خالية من البدع سوى من سلك هذا الطريق والسلام. هذا وقد رأيت أن أكتب إليكم عن ذيل صنف بعد الكتاب المنوء به للسيد محمد كمال الدين الغزي مفتي الشافعية بدمشق المتوفى سنة ١٢١٤ في نسخة خطية عندي ذكر في مقدمته سبق أبي الحسين محمد ابن القاضي الكبير أبي يعلى الفرا إلى وضع طبقات الحنابلة واختصار شمس الدين محمد بن عبد القادر النابلسي المقدسي له (ولم نره كذيل الجمال يوسف بن عبد الهادي المقدسي وذيل تقي الدين بن مفلح) وتذييل الحافظ زين الدين بن رجب عليه وجمع العليمي كل ذلك في المنهج الأحمد طبقاته المذكورة ثم ابتدأ الغزي ذيله من أول القرن العاشر حيث وقف سلفه العليمي حتى وصل إلى آخر القرن الثاني عشر في ١٨٠ صفحة فجاء في من رجال العلم والدين أمثال جمال الدين يوسف بن عبد الهادي المقدسي صاحب المؤلفات الحديثة والطبية والتاريخية المدهشة المتوفى سنة ٩٠٩ وشرف الدين موسى الحجاوي مفتي الحنابلة بدمشق وصاحب متن الإقناع المتوفى في حدود سنة ٩٦٠ والشيخ مرعي الكرمي المقدسي ثم المصري صاحب التآليف في كل فن المتوفى سنة ١٠٣٣ وأبي الفلاح عبد الحي العكري الدمشقي صاحب شذرات الذهب في أخبار من ذهب الذي بدأه من الهجرة إلى سنة ألف منها وبني مفلح وبني الشويكي وبني الرجيمي وبني البلباني وبني الجراعي وبني المواهبي وأعلام من الديار النجدية والنابلسية رحمهم الله تعالى. وقد وقع في نفسي أن أجمع تراجم رجالنا في هذه المائة سنة الأخيرة وصلاً لهذه السلسلة البديعة فوفقت ولله الحمد لجمعها في ٤٦ صفحة. وحبذا لو صحت الأحلام بطبع طبقات العليمي فذيله المنوه به غير أنه بالنظر لعظم هذا المشروع الذي يحتاج فيه إلى التعاون على نفقات الطبع الباهظة وقلة الحنابلة في دمشق بحيث لا يتجاوزون أصابع الكف أرى من الواجب على من عرف تاريخهم ووقف على سيرهم أن يشتركوا بسهام الطبع لا كون أو لهم إقداماً وأعظمهم سهماً وأشكرهم.  مجموعة المحررات السياسية والمفاوضات الدولية عن سورية ولبنان تعريب الشيخين فليب وفريد الخازن بمطبعة الصبر في جونية من لبنان سنة ١٩١٠ و١٩١١ المجلد الأول ص ٤٦٢ والثاني ٤٨٠ أجاد المعربان الفاضلان في نقل هذه المفاوضات والرسائل السياسية من الإفرنجية إلى اللغة العربية لأنها مادة تاريخة مهمة وأدلة يصح بها نقل الناقل ورواية الراوي وكلام المتكلم خصوصاً وقد قلت الكتب السياسية التاريخية التي وقع فيها ذكر سورية. والمجلدان وإن كان أكثر ما يدور عليه محورهما له مسيس شديد بسياسة لبنان إلا أن سائر أقطار سورية لها علاقة قوية بذلك خصوصاً وادي التيم والبقاع ودمشق وغيرها من البلاد التي نشبت فيها تلك الفتنة المشؤومة المعروفة بفتنة الستين ١٨٦٠ م التي انتهت بمنح لبنان استقلالاً إدارياً بمساعدة فرنسا وانكلترا، ومعلوم أن السياسيين لا يجوز لهم أن ينشروا أموراً تتعلق مباشرة بسياسة دولهم إلا إذا مضى عليها خمسون سنة ولذلك ساغ لإخلاف أولئك السياسيين الأجانب الذين كان لهم دخل في سياسة سورية على ذاك العهد أن ينشروا ما كتب في هذا الشأن ليكون تاريخاً، فالشكر كل الشكر لناشري هذا السفر النافع ومعربيه وعسى أن يترجم العارفون باللغات كل ما له مساس بحالة هذا القطر لتعم به الفائدة ونعرف ماذا يقول فينا خصومنا أو أولياؤنا لنا أو علينا.  فصل القضاء في الفرق بين الضاء والظاء تأليف احمد عزت افندي طبعت في مطبعة الشابندر ببغداد سنة ١٣٢٨ (ص ١٦٨ ) جمع واضع هذه الرسالة نحو ١٨٥٠ لفظة عربية قد يشتبه التفريق بينهما فيما إذا كانت تكتب بالضاد أو الظاء مرتباً لها على حروف المعجم مترجماً لها إلى اللغتين العثمانية والفارسية وقد قال في المقدمة أن جمعاً من العلماء الأعلام صنفوا في هذا الشأن كالإمام ابن مالك والحريري وابن سهل النحوي وغيرهم لكنهم لم يرتبوا ما صنفوه على حروف الهجاء فصعب استخراج المقصود على من يعتني بهذا الغرض، فنشكر المؤلف عنايته بسد هذه الثلمة ونرجو أن يحذو حذوه في التأليف كل من أوتوا طرفاً من العلم وشدوا شيئاً من الأدب.  سيرة الفاتح تأليف نامق كمال بك و تعريب عبد الله أفندي مخلص طبع في مطبعة الكرمل بحيفا ص ١٣٢ أجاد صديقنا بتعريب هذه السيرة لرجل العثمانيين العظيم فاتح القسطنطينية وحبذا لو توفر على تعريب غير ذلك من الآثار التاريخية عن اللغة التركية خاصة لأنه كاتب مجيد باللغتين، وهذه اللغة قليلة النقل عن التركية كما أن هذه قليلتها عن العربية، والأمم لا تتعارف إلا إذا تعاورت النقل إحداها عن الأخرى، وعلى كل فنشكر المعرب ونرجو له التوفيق إلى إتمام خدمته العلمية.  الجاذبية وتعليلها لجميل صدقي افندي الزهاوي طبعت بمطبعة السلام في بغداد سنة ١٣٢٦ش و ١٩١٠ م ص ٧١ اعتاد الأستاذ صاحب هذا الكتاب أن يأتي الحين بعد الآخر بمبتكرات من أفكاره تدل على طول باع وذكاء جنان كما فعل في كتابه الكائنات وفي مقالاته التي أراد بها تغيير الخط العربي وإبداله بحروف له اخترعها وإسقاط القوافي من الشعر العربي وجعل كل بيت من القصيدة ذا قافية واحدة وآخر كتبه هذه الرسالة اللطيفة في الجاذبية خالف فيها أهل هذا الفن في الغرب وقال أن الجاذبية في الحقيقة هي دافعية تنشأ من دفع الأجسام بعضها لبعض وأن ما يتراءى للناس أنه جذب إنما هو في الحقيقة تغلب قوة دافعة على قوة دافعة أضعف منها فالحجر يسقط على الأرض لأن الأجرام التي في السماء تدفعه إلى جهتها والأرض تمنع بحيلولتها دفع السماء من الجهة المقابلة، وهذه الرسالة وإن حوت ما لا يقره عليه أهل الفن فإنها دلت على أن المؤلف ضرب في العلوم المادية بسهم وأنه جريء في كل إصلاح يحاوله، والشجاعة الأدبية مما ينقص كثيراً من الكاتبين فله منا الشكر على هديته ومن العربية الثناء على خدمتها في الفنون كما يخدمها في الآداب. أبحاث واقتراحات في التشريع المصري الحالي ألف اميل أفندي بولاد أحد رجال المحاماة في القاهرة رسالة في إصلاح المجالس الحسبية وتناقض الأحكام الأهلية ولزوم إنشاء محكمة نقض وإبرام مدنية وضوابط صحيفة الاستئناف بالقانون الأهلي والدعوى العمومية والصلح الجنائي القضائي وغير القضائي وقانون النفي الإداري وأخطار تطبيقه وكل هذه المباحث تهم ابن وادي النيل أكثر من غيره لأن قضاءه وإن كان ممزوجاً بالقضاء الإسلامي والقضاء الفرنسوي إلا أنه خاص بأمة لها اصطلاح خاص وعادات خاصة فنشكر لوطنينا المحامي غيرته على الحق والبلاد التي يسكنها. دليل السلام أصدرت إدارة جريدة السلام في بونس آيرس عاصمة الجمهورية الفضية هذه السنة أيضاً دليلها هذا وهو يحتوي على عناوين التجار السوريين في الارجنتين والارغواي والبرازيل وتشيلي وكثير من الفوائد التجارية والإحصائية بعضه بالعربية وأكثره بلغة تلك البلاد.  حديقة الجنان في تاريخ لبنان تأليف الخوري اسطفان ضو طبع بالمطبعة الجامعة في البترون (لبنان) سنة ١٩١١ ص ١٤٤ لم يخدم جبل من جبال المملكة العثمانية بتاريخه وجغرافيته وعمرانه يمثل ما خدم به جبل لبنان فلأهله غرام بذلك وعادة بالتوفر على إظهار محاسنه ومن الكتب الجديدة في هذا الشأن كتاب حديقة الجنان (؟) وهو مختصر في تاريخ الجبل وما وقع فيه من الحوادث وطرأ عليه من اختلاف الأحكام والحكام السابقين منذ سنة ٦٠٠ إلى تاريخ بلادهم وأصقاعهم ما أمكن لما بقي مكان مجهول حاله في هذه الديار فإنا نرى أناساً دونوا وقائع طرابلس وآخرون عنوا بتاريخ حماه وغيرهم سطروا تاريخ حمص وبعضهم ذكروا لبنان فليت أهل كل بلد يدونون ما يجب عليهم لبلدهم من هذا القبيل وإذا فعلوا يخدمون التاريخ العام.  دروس الصرف والنحو تأليف الشيخ محي الدين الخياط يشتمل عَلىَ اوليات الصرف واوليات النحو طبغ بمطبعة العصرية في بيروت ص ١٠٤ اقتضت طبيعة النهضة في سورية أن تؤلف لها الكتب المدرسية بحسب ذوق العصر حسنة التنسيق والتبويب وممن يتوفرون على هذا الشأن مؤلف هذا الكتاب أحد فضلاء بيروت وفيه تمارين عملية يفهمها الطالب الصغير فشكراً له على هذه العناية ووفق إلى إتمام هذه الأقسام لنفع طلاب الآداب.  وجوب الحمية عن مضار الرقية تأليف السيد ابي بكر بن عبد الرحمن بن شهاب الدين العلوي الحسني الحضرمي الاستاذ بمدرسة دار العلوم في حيدراباد دكن بالهند طبع بمطبعة الاما في سنقافورا سنة ١٣٢٨ ص ١١٢ كان السيد محمد بن عقيل من أفاضل الحضارمة في سنقافورا ألف كتاباً سماه النصائح الكافية لمن يتولى معاوية أتى فيه بالبرهان التاريخي والديني أموراً أقره عليه بعض العلماء وأنكرها عليه بعضهم وممن ألف في الانتصار له الأستاذ أبو بكر المشار إليه ففند ما قاله بعضهم ممن رموا السيد ابن عقيل بالتشيع وقال أن المسألة مسألة تاريخية دينية لا تقدح بمذهب من يقول الصريح فيها وأورد لذلك نصوص المؤرخين وغيرهم بعبارات رشيقة وإنا لنرجو أن تكون هذه الرسالة آخر ما يؤلف في موضوع فرغ منه أو كاد وأن تصرف تلك القرائح فيما ينهض بالأمة من عثارها اليوم، ومعاوية أن توليناه أو لم نتوله فقد لقي حسابه وجزاءه.  لباب الخيار في سيرة المختار تأليف الشيخ مصطفى الغلابيني طبعة ثانية فيها زيادات وفوائد طبعت على نفقة المكتبة الاهلية في بيروت ص ١٣٦ نشر المؤلف هذا الكتاب لتعليم ناشئة المسلمين سيرة صاحب شريعتهم عليه الصلاة والسلام وقد صدره بإجمال عن العرب قبل الإسلام ووصف بلاد العرب وأخلاقهم وعاداتهم وجميع ما يتعلق بسيرة صاحب الرسالة وآدابه وغزواته ونشر دعوته، ونسقه على عادته تنسيقاً يجب تلاوته إلى القارئ بعبارة سهلة جزلة وقد قدر المؤلف مساحة جزيرة العرب بمليون ومئة ألف ميل مربع أو ٣١٥٦٥٥٨ كيلومتراً مربعاً أو ١٢٦ ألف فرسخ مربع وعمل حسابها بالميل والكيلومتر والفرسخ فجاء الحساب متقارباً وقدر نفوسها باثني عشر مليوناً وقيل عشرة ملايين، والكتاب لا يستغني عنه طلاب المختصرات ولذلك عولت المدارس الإسلامية على تدريسه ونعما فعلت.  العادات لخليل افندي سركيس طبع بالمطبعة الادبية سنة ١٩١١ ص ١٦٠ صاحب هذا الكتاب هو مؤسس جريدة لسان الحال البيروتية وصاحب المطبعة الأدبية خدم الطباعة العربية زمناً وهو اليوم بكتابه هذا يريد أن يخدم العادات العربية بوضعه لها مختصراً في مصطلحات الزيارات والولائم والأعراس، المآتم وآداب المحافل وغيرها مما هو جار عند الشعوب المتمدنة كتبه لطبقة خاصة من الأمة العربية بل أخص من الخاصة لأن معظم ما فيه من العادات يتعذر القيام به إلا على من الفوه من أهل الطبقة الراقية في الغرب فما أورده من هذا القول لا يتأتى تطبيقه الآن على المرأة المسلمة مثلاً لأن الشرط الأول مفقود عندها وهو اختلاط الرجال بالنساء ويتعذر كل التعذر العمل به عند غير المسلمين إذ يجب أن يكون لهم محيط يساعد عليه ومال يتوسعون في البذل منه وكنا نود لو قال المؤلف أن هذا كتاب في عادات الغربيين فطبقوا منها ما يمكن تطبيقه، على أن ما كتبه يحتوي على فوائد مهمة لا يستغني عنها إنسان في مجتمع مهما انحطت مكانته وقلت نعمته ومدنيته.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_61.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.61.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
