<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.60.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.60.TEIP5:</urn>
<passage>فاتحة السنة السادسة يفتتح المقتبس سنته السادسة بحمده تعالى أن يسر له قطع شوط يصح عده شيئاً في عمر المجلات، ويغتبط اليوم أن يرى له موقعاً من نفوس العلماء والأدباء ومكانة من مجامعهم وأنديتهم وسبيلاً إلى الانتشار بين الخاصة في كل بلد يتكلم أهلها باللغة العربية أو يرغبون في تلقفها، ويعود فيعاهد قراءه على أن يتعاهدهم كل شهر كما عودهم بنشر الأبحاث النضيجة مشبعاً إياها درساً وتمحيصاً ما ساعدته بيئته ومادته فينقل للشرقيين ما تبرزه عقول الغربيين ويمثل للغربيين ما أنتجته قرائح الشرقيين من الأقدمين والمحدثين ويعنى من المباحث عناية خاصة بعلوم التربية والتعليم والاجتماع والاقتصاد واللغة والأدب والتاريخ والآثار وتدبير المنزل والصحة والكتب وحضارة العرب وحضارة الغرب ولا يتعرض للعلوم الأخرى إلا بقدر ماله علاقة بالموضوع ويتجافى عن مس العواطف الدينية والمنازع السياسية عملاً بالخطة التي رسمها في أول جزء صدر منه على ضفاف النيل. ولقد هيأ الزمان لهذه المجلة طائفة من العلماء الباحثين والكاتبين المفكرين أخذوا على أنفسهم كما فعلوا في السنين الغابرة أن يوافوها أثابهم الله الشهر بعد الشهر بخلاصة أبحاثهم ويعلموا الناس مما علموا وزكنوا وهذا مما يزيد الثقة بهذا العمل العلمي وعمل الجماعة أمتع وأنفع وعمل الفرد لا يخلو من ضعف وضؤولة، وهاك أسماءهم إقراراً بأفضالهم على العلوم والآداب: أحمد بك تيمور (القاهرة) أحمد بك زكي (القاهرة) أمين أفندي ريحاني (نيويورك) الشيخ جمال الدين القاسمي دمشق جرجي أفندي الحداد دمشق خليل أفندي رفعت دمشق خليل بك سعد بيروت رشيد أفندي بقدونس سلانيك رفيق بك العظم القاهرة زكي أفندي الخطيب سنجار صلاح الدين أفندي القاسمي دمشق ساتسنا بغداد سليم أفندي البخاري دمشق شكري أفندي العلي دمشق الشيخ طاهر الجزائري القاهرة الدكتور عبد الرحمن شهبندر دمشق عبد القادر أفندي المغربي طرابلس الشام عبد الله أفندي مخلص حيفا عبد الوهاب أفندي الإنكليزي الباب عيسى أفندي اسكندر المعلوف زحلة شكري بك العسلي دمشق فارس أفندي فياض دمشق محمود شكري أفندي الآلوسي بغداد يوسف أفندي جرجس زخم نبراسكا . كتاب البئر أخبرنا الشيخ الإمام أبو محمد عبد الله بن أحمد بن أحمد بن الخشاب النحوي قراءة عليها وأنا أسمع بجامع القصر من مدينة السلام يوم الجمعة ثالث عشري شهر الله الأصب من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، قال أخبرنا القاضي أبو الحسين محمد بن محمد بن الحسين الفراء قال أنبأنا الشيخ أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري، قال أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن حيويه الحزاز قراءة عليها في شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة. قال قرأ هذا الكتاب أبو الحسن الرزاز علي بن عبد الله محمد بن أحمد الحكيمي سنة أربع وثلاثين وثلاثمائة وأنا حاضر أسمع قال حدثنا أبو العباس أحمد كذا الاصل و في كتاب نزهة الالباء في طبقات الادبآء ابو العباس احمد بن يحيى بن زيد بن سيار الشيباني النحوي المعروف بثعلب كان امام الكوفيين في النحو واللغة في زمانه الى آخر ما قال يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي قال وقرأه الرزاز أيضاً على أبي عمر محمد بن عبد الواحد غلام ثعلب على معنى التصحيح قال: صفة البئر عن ابن الأعرابي. قال وأخبرني أيضاً الشيخ الإمام المهذب أبو الحسن علي بن عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الملك بن إبراهيم بن عبد الملك السلمي الرقي قراءة عليه بمدينة السلام في منزله في شعبان من سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وسمعته أيضاً من قراءته قال: أخبرنا الشيخ الحافظ أبو الفضل محمد بن الناصر بن محمد بن علي بن عمر السلامي والفقيه أبو الحسن سعد الخير بن محمد بن سهل الأنصار في قراءة عليهما في صفر سنة اثنتين وثلاثين وخمسمائة فأقر به قال: أخبرنا الشيخ أبو الحسين المبارك بن عبد الجبار الصيرفي قراءة عليه في يوم الجمعة خامس عشر صفر من سنة إحدى وتسعين وأربعمائة فأقر به قال: أخبرنا أبو محمد الحسن بن علي بن محمد الجوهري قراءة عليه وأنا أسمع في المحرم سنة إحدى وخمسين وأربعمائة قال: أخبرنا أبو عمر محمد بن العباس بن زكريا ابن حيويه الحزاز قراءة عليه في يوم الأربعاء النصف من شهر رمضان سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة قال: قرأ أبو الحسن الرزاز رحمة الله تعلى على أبي عبيد الله محمد ابن أحمد الحكيمي سنة أربع وثلاثين وأنا حاضر أسمع، قال: أخبرنا أبو العباس أحمد بن يحيى ثعلب عن ابن الأعرابي وقرأه الرزاز وأنا حاضر أسمع على أبي عمر محمد بن عبد الواحد غلام ثعلب على معنى التصحيح قال: صفة البئر عن ابن الأعرابي قراءة على أبي العباس أحمد بن يحيى النحوي عن أبي عبد الله محمد بن زياد الأعرابي قال: يقال للأرض إذا لم يكن فيها حفر فحفر فيها أرض مظلومة قال الشماخ: وأس رماد كالحمامة ماثل ونؤيان في مظلومتين كلاهما ويقال إذا حفر قعدة الرجل أو قعدتين قيل حفراوقة وفي القاموس الاوقة الجماعة وبالضم الركية مثل البالوعة في الارض أو اوفتين قال الشاعر: وانغمس الرامي لها بين الأوق الرجز لرؤبة وآخره في غيل قصباء وخيش مختلق قال أبو عمر: هو أوقة بالفتح وجمعها أوق كذا سماعي من ثعلب قال أبو العباس: الأوقة بئر الصائد التي يستتر فيها من الوحش فإذا ابتدأ حفر البئر فهي بدء فإذا حفر إلى أسفل قيل قد اعتمق وامتعق وحفر معيق وعميق وإذا أخذ جانبها قيل قد لجف قال الشاعر: إذا انتحى معتمقاً أو لجفا ويقال لجانب البئر الجال والجول وأنه لغير ذي جول أي أنه قليل العقل وأنه لغير متماسك الجول يقال ذلك للرجل إذا كان يحمق فغذا حفرها حتى يبلغ الماء قيل قد أنبطها والماء هو النبط وفطرها إذا كان هو ابتدأها واختصم إلى ابن عباس رضي الله عنهما رجلان في بئر فقال أحدهما بئري أنا فطرتها أي ابتدأتها واستخرجتها. فإذا أنفذتها في الجبل قيل بئر خسيف وهي التي خسف جبلها قال الشماخ: من الكلى في خسف رويات ويقال حفر حتى أعان وأعين أي حتى استخرج الماء وحفر حتى أصلد إذا وقع موضع صلب أو على حجر وكذلك اكدى قال أبو زبيد: يا عثم أدركني فإن ركيتي صلدت فأعيت أن تبض بمائها وحفر فاجبل وقع على جبل وأسهب وقع على رمل أو تراب يغلبه. ويقال لتراب البئر البغيثة والنبيثة والنثيلة والثلة والسفاة قال الهذلي: وقد أرسلوا فراطهم فتأثلوا قليبا سفاها كالاماء القواعد ويقال ماء نمير إذا كان يوافق الشاربة وينجع في جلودها وأجسامها عذبا كان أو غير ذلك قال حاتم: قد جعلت والحمد لله تقر من ماء عد في جلودها نمر قال أبو عمر: تقر تسكن من قولك وقر يقر إذا سكن ويقال ماء شريب عذب وشريب أيضاً ثقيل وماء مأج وقد مؤج يمؤج مؤجة ومياه مائجة. وأسماء البئر الركية والجمع ركايا، والقليب والجمع قلب، والفقير وهي التلي فقر جبلها فاتخذت حديثاً، والطوي والجمع أطواء، والبدني وهي الجديدة الحفر وهي الواسعة الرأس لأنها ربما تقوضت واتسع رأسها وربما كانت غير بعيدة القعر، والبدي حي تبتدأ وهي القريح وقال بعض الأعراب البدي يحفر للغرس يريد الغسيل والماتح يضع رجلاً على هذا الجانب ورجلاً على هذا الجانب الآخر. والبدي مربعة وهو يمنح منها بيده بغير قامة فإذا دور رأسها فهي القليب ويقال لفم البئر شحوتها وجرابها جوفها من أعلاها إلى أسفلها ويقال بئر شديدة الجراب إذا لم تحتج أن تطوى والبئر والركية انثيان والقليب والعلوي ذكران قال أبو عمر: القليب والطوي يذكران ويؤنثان والشطون من الركايا التي في جوانبها عوج لا يخرج دلوها إلا بحبلين. فإذا طويت بخشب فهي معروشة وقد عرشت تعرش عرشا والمزبيرة المطوية بالحجارة وغير الحجارة يقال زبرئها زبرا وضرستها اضرسها ضرسا طويتها بالحجارة وإذا استقي بالدلو من البئر باليد قيل بئر متوح وإذا كانت على بكرة بنزع باليد نزعا قيل نزوع ونشوط التي إنما حبلها نشطة واحدة وبئر أنشاط إذا خرج دلوها بجذبة واحدة قال أبو عمر: إنما هو أنشاط بالفتح جمع نشوط قال أبو محمد يوسف بن الحسن: روى الطوسي وغيره إنشاط بالكسر ويجوز أنشاط بالفتح جميعا ويقال ماء رفق وهو القريب الغشا القصير الرشا وماء عضوض بعيد القعر وأنشدنا: أبيت على الماء العضوض كأنني رقوب وما ذو سبعة برقوب ومآء مدرع قريب من المرعى قال أبو عمر: إنما هو مدرع بفتح الراء وباسط بعيد وماء مطلب إذا أبى أن يطلب وبئر نضوض وبروض ورشوح الأصل رشوج بالجيم قال أبو عمر إنما رشوخ بخاء معجمة ومكول هي التي يجتمع ماؤها قليلا يقال قد اجتمعت فيها مكلة وإذا كانت لا يؤخذ ماؤها إلا غرفاً فهي قدوح ويقال قدحتها أقدحها قدحا وإذا كانت بأتي ماؤها مرة ويذهب أخرى فهي الظنون وإذا كانت إذا استقي ماؤها جمت بماء آخر قيل بئر جموم وإذا كانت إذا قلت الأمطار قل ماؤها قيل بئر قطوع وأصابت الناس قطعة إذا غار ماؤهم واقطع الماء وهو مقطع وقاطع وقد قطع. وإذا كانت البئر حبلها عن لعوج في جرابها قيل بئر يون وبئر زوراء ودحول إذا كان في خلقها عوج وإذا كانت البئر إلى جنبها بئر أخرى تضر بها قيل بئر ضنيط وبئر مأطورة مثلها وبئر سك إذا كانت ضيقة وأنشدنا: صبحن من وشجى قليبا سكا قال أبو عمر: وشجى محركة ويقال بئر ذمة قليلة الماء وبئر فراط وهي التي من سبق إليها ليس لأحد أن يمنعه وبئر جموم سريعة رجوع الماء ويقال للماء إذا خرج من عيونه فارتفع في البئر جم يجم جما والماء نف الجم ويقال استق من جم بئرك وقال الغنوي: وسئل ما مالك فقال ساحات فيح وعين هزهز قريبة مرتكض المجم أي يجم ماؤها سريعاً وهزهز يهتز بالماء الصواب هزهز قال أبو عمر: سألت أبا العباس عن هذا الحرف مراراً فقال هزهز على لفظ هديد قال وإذا كان يغرف منها باليد قيل بئر غروف وإذا دام ماؤها في المطر والقيظ قيل بئر واتنة وقد وتنت تتن وتونا وإذا كانت كثيرة الماء قيل بئر قليذم وأنشد: إن لنا قليذما هموما يزيدها مخض الدلا جموما وإذا لم ينزح ماؤها قيل بحرها لا ينكف ولا ينكش ولا يوبى ولا يغضغض ولا يفرض ولا يفثخ وبئر سعبر والخضرم والعليم الغزيرة وبئر ماهة وبئر مئة كثيرة الماء وبئر نبط التي يخرج ماؤها من عرضها ويقال للبئر إذا قل ماؤها غار يغور غورا وغؤرا وقد نكزت أيضاً قال: فظلت بأعراف كأن عيونها إلى الشمس بل تدنو ركين واكز أنكزت تنكز نكوزاً وهي ناكز وإذا اندفنت ثم أخرج ترابها وليس بجديد قيل بئر نثول والجمع نثل وإذا اندفنت قيل بئر دفن ودفان وإذا عطلت حتى تخرب قيل بئر سدم والجمع اسدام فإذا كانت عادية فالتقطت والتقاطهم إياها وقوعهم عليها قيل بئر لقيط وبئر خفية مثلا وكانت قديمة لأمة من الأمم فالتقطت وعد ما كان نبضه من الأرض يجم عشر قيم إلى ثلاثين قامة وإذا كان في طي البئر حجر نادر فهو العقاب يقال لصلح عقاب بئرك فيخرج حجراً في الطي فيقدم ليقوم عليه قال والثعلبة أن يجذب الحيل عن حجر ناتئ في جانب البئر قال: لو أن سلمى شهدت ابصرت نسخة مطلي تمتح أو تدلج أو تعلي إذاً لراحت غير ذات دل وقال آخر: أكل يوم قائل أبن أبن دلوك عن حد الصفيح واللبن والثمت أن تكون كالبئر إلا أنه لا تكون من عيون إذا انقطع حفر ذراعان أو قامة فيخرج فيشرب أياماً ثم ينقطع والحسى دائم لا ينقطع والجمع ومنه سميت الاحسآء البلدة الشهيرة قرب البحرين لكون مياهها كذلك احسآء وحسآء، والحسى يسمى الكر وإذا تغير الماء في القليب قيل قد عرمض وسجس الماء في القليب وهو الصرى والصرى مقصوران يقال ماؤها صرى فاستق من غيرها ويقال أجن وأسن يأجن وبأسن اسنا واجونا وأسن أسنا وإذا علته جليدة من طول الترك قيل دوى يدوي تدوية وماء داو كما ترى فإذا علنها خضرة قيل قد طحلب وعرمض وغلفق ويقال بئر ذات طاق إذا كان فيها دور وهي حروف نادرة وعرش البئرة خثبلتها التي يستظل بها عليها يطرح الثمام قال الراجز: أكل يوم عرشها مقيلي حتى ترى المئزر ذا الفضول مثل جناح السيد الغسيل ويقال محشوشة وحشوا بئركم أي اكسوها وبئر مجهودة إذا نقيت حتى حمأتها ويظهر حر طينها فقد جهرت تجهر جهراً والاذاء حجر يجعل في مصب الدوا لئلا يخرق الماء الحوض وهو في بئر الماشية والإبل وفي بئر الذرع والقف والدعامة مقام الساقي في أعلى البئر وإنما سميت دعامة لأنه يدعم بها طي البئر فيضغطه وهما شجرتان يدعمان طي البئر قال الشاعر: لما رأيت أنها انه نسخة لإقامه واتني ساق على سامه جذبت جذبا نزعت نزعاً نسخة زعزع الدعامة والمثابة مقام الساقي أنشد أبو الجراح: يا عين بكي عامراً يوم النهل قام على مثابة زلج فزل والشجار خشبتان على جانبي البئر عليهما عارضة ودون العارضة بقدر ذراع أو ذراعين عارضة أخرى والنعامتان خشبتان فيما بين العارضتين في كل جنب واحدة فتانك النعامتان وفيها المحور والمحور مشدود بحبل إلى العارضة وأنشد: لولا الزمام اقتحم الاجاردا بالغرب أو دق النعام الساجدا وإذا كانت عارضتا البكرة وعضدها من حديد كان أو خشب الوالج فيها والبكرة إذا كانت على ركية جرود فهي محالة الإبل واذا قالوا تعوب فهو خشبة مدورة عظيمة لها أسنان فيها كأسنان الرحى قال الشاعر: كأن صوت نابه الاذب صريف خطاف بقعوقب ويقال للذي يجري عليه الحبل من البكرة الحرث واذا كان الشجاران من بناء طين أو حجارة فهما الزرنوقان والقرنان قال الشاعر: تأمل القرنين فانظر ماهما احجرا ام مدرا تراهما فإذا وقع الحبل من البكرة وعضد بها قيل مرس الحبل وامرسته انا فيقال امرسه اي أخرجه قال الشاعر: بئس مقام الشيخ امرس امرس اما علي قعو واما اقعلسس والمرس اسم الحبل قال أبو العباس امرسه القاه بين الخد والبكرة وامرسه اخرجه وقد مرس الحبل نفسه قال الشاعر: ولا تلمسوا لي الأرض فيا فإنني اخاف عليكم قامتى حين تمرس في نوادر ابن الأعرابي وليس من الكتاب: ولا يلمسوا لي الأرض فيا فإنني اخاف عليكم حيتي حين تلمس هذا آخر كتاب صفة البئر عن ابن الاعرابي في أرض الجليل من دمشق ركبنا قطار السكة الحجازية قاصدين إلى بلاد الجليل فاجتار بنا سهول حوران وجزءاً من وادي الأردن والغور ومعظم البلاد التي مررنا بها تبعث النفس على النظر والعين على التحديق والفكرة على التأمل لما جرى فيها من الوقائع والحوادث في سالف الأعصار. وإن أرضاً أخرجت رسولاً كالسيد المسي عليه الصلاة والسلام فكانت مهوى افئدة اهل النصرانية في العالم على اختلاف الأعصار والأقطار لحرية بأن تزار مهما شظت بقاصدها الديار فما بالك وهي الآن منا بضع ساعات في قطار البخار، وإن بلاداً مضى على أبناء إسرائيل ألوف من السنين وهم لم ييأسوا من استرجاعها لجديرة أن يخف إليها كل من يروم البحث في اجتماع الأمم وافتراقها. يحد بلاد الجليل شرقاً الأردن مرشد الطلاب الى جغرافية الكتاب للقس اسعد منصور وجنوباً الكرمل وجبال افرايم وغرباً بحر الروم وشمالاً فينيفية ولبنان وتسمى هذه البلاد جليل الأمم لكثرة الأمم فيها وفي الجليل تربى يسوع وفيها صرف أكثر مدة خدمته جهراً فدعي جليلياً وكان تلاميذه جليليين ماعدا يهوذا الاسخريوطي واشتهر الجليليون بشدة البأس فقال يوسيفوس المؤرخ اليهودي الذي كان هو نفسه جليلياً أنهم كانوا يتمرنون على استعمال كل أنواع الأسلحة منذ الصغر، وقد اشتهروا بشدة مقاومتهم للرومانيين وآل خراب اورشليم إلى نجاح الجليل فأصبحت دار العلوم اليهودية ونقل إليها السنهدريم مجمع الأمة العظيم فجعل اولا في اوشته وهي الآن خربة هوشته قرب شفا عمرو ثم نقل إلى شفرام وهي الآن شفا عمرو ثم إلى بيت شعرايم وصفوري وطبرية وكانت الجليل مقسومة إلى قسمين الجليل السفلى وطولها من طبرية إلى زبولون قرب عكا وعرضها من قرية كسالوت قرب تايور إلى بيرسبع (غير بير سبع في الجنوب) وكان فيها على رواية بوسيفوس ٢٤٠ قرية وفي أصغرها ١٥٠٠٠ من السكان والجليل العليا طولها من ميلون غرباً إلى طلة قرب الأردن شرقاً وعرضها من بير سبع جنوباً إلى بقعة على حدود أرض صور شمالاً. ومعنى الجليل بالعبرانية الدائرة أو المقاطعة دليل الارض المقدسة الجديد لمسترمانP. Barnabé Meistermann. Nouveau Guide de Terre Sainte 1907 وكانت تطلق خاصة على القطر الشمالي من أرض الموعد وفيها عشرون مدينة أعطاها سليمان إلى ملك صور لقاء خدمه في عمارة المعبد في القدس وكان يسكن هذه البلاد جمهور من الوثنيين ومن هنا اشتق اسمها جليل الأمم وكانت بلاد الجليل تمتد على عهد عيسو إلى ضفاف بحيرة طبرية ثم دخل فيها سهل يزرعيل مرج ابن عامر وعلى عهد السيد المسيح كانت عبارة عن أرض عازر ونفتالي وزبولون وازياخار وظلت مقتسمة إلى جليل أعلى وجليل أسفل الأول يمتد إلى شمالي الخط الممتد من عكا إلى كفر ناحوم والثاني يدخل فيه القسم الجنوبي. ويمكن على الجملة أن يقال أن أرض الجليل واقعة اليوم في الجهة الشمالية من بلاد فلسطين بين لواءي عكا ونابلس وفي الجهة الغربية من نهر الأردن ويدخل فيها قضاء صفد وقضاء طبرية وقضاء الناصرة وبعض قضاء جنين ومن أعمالها مرج ابن عامر وكانت أهم مدن الجليل بطلومايس التي أصبحت فيما بعد عكا معجم لاروس الجديد Nouveau Larousse illustré وصفورية والناصرة وكفركنة وبتولي وكفر ناحوم وسكانها كما هم الآن مزيج من أمم مختلفة وأهم عناصرهم اليهود والآشوريون وكان هذا الاقليم على عهد ظهور النصرانية عامراً جداً بالسكان غنياً مزهراً وله حياة سياسية كما له حياة دينية وجميع أنواع العبادات والمذاهب تجري فيه حرة مطلقة لا شيء ينغص عليها أمرها وتكثر فيه النباتات والزهور من كل نوع وفيه غابات كثيرة كان يستخرج منها خشب السفن. وعرف العرب أرض الجليل بجبل الجليل فقال ياقوت أن جبل الجليل في ساحل الشام ممتد إلى قرب حمص كذا كان معاوية يحبس في موضع منه من يظفر به ممن ينبز بقتل عثمان وقال ابن الفقيه وكان منزل نوح عليه السلام في جبل الجليل بالقرب من حمص في قرية تدعى سحر ويقال أن بها فار التنور قال وجبل الجليل بالقرب من دمشق أيضاً وهو جبل يقبل من الحجاز فما كان بفلسطين منه فهو جبل الحمل وما كان بالأردن فهو جبل الجليل وهو بدمشق لبنان وبحمص سنير، وهذا التعريف أقرب إلى الجلاء من غيره، وقال ابن عساكر أن جبل الجليل من أعمال صيداء وبيروت من ساحل دمشق، وهو تعريف حسن في الجملة قال أبو قيس بن الاسات: فلولا ربنا كنا يهوداً وما دين اليهود بذي شكول ولولا ربنا كنا نصارى مع الرهبان في جبل الجليل ولكنا خلقنا إذا خلقنا حنيف ديننا عن كل جيل قلنا إن أرض الجليل كانت معترك الأمم والأديان من قديم الزمان ولقد جاء عليها عهد أيام الرومان كانت فيه الأديار والبيع والمعابد مبثوثة في كل بقعة من بقاعه وقرية من قراه ولما فتحها المسلمون عاملوا أهلها بالرفق وأقروهم على عبادتهم شأنهم في فتوحاتهم ولكن دالت الدول وكرت الأعصار وجيشت ملوك أوروبا على الشرق جيوشها في القرون الوسطى وكانت الحرب الصليبية سجالا بين المسلمين والصليبيين في هذه الارض مدة قرنين فلا عجب إذا شهدنا أسوار المدن مهدمة وآثار البيع والاديار معفاة داثرة وأشجار ذاك الصقع وغاباته مدمرة وكثيراً من مدنه قرى صغيرة أو مزارع بائرة. خربت هذه الديار بأدوار اتت عليها كان القول الفصل في سياسة حكومات الأرض لرجال الدين وكان أهل الصليب من أمم أوروبا كلما أرادوا أن يرجعوا أدراجهم ويتخلوا عن هذه الأرض يحفز أرواحهم حافز من القساوسة والشمامسة ومن لف لفهم من حملة الدين فيلقون بأنفسهم في مآزق صعبة ويركبون إلى نيل اوطارهم كل ذلول وصعبة فتردهم جيوش المسلمين عن استباحة حمى الإسلام لأن فلسطين أوسورية إذا ملكها الافرنج يضيع الإسلام المسجد الاقصى ويوشك أن يكون الخطر محدقاً بالحرمين الشريفين مبعث الوحي والرسالة ومحج أهل الإسلام من العالمين ولذلك هاجم الصليبيون هذه الديار بسائق الدين ودافع عنها المسلمون بسائق الدنيا والدين فكتبت الغلبة لأهل هذه البلاد وقلما ظفر مهاجم ورجع الدخلاء عنها مدحورين ولكن بعد أن خرب العامر والغامر وأصبحت نفراء جرداء لا تجد فيها خضراء ولا غضراء. ولقد كانت طبرية عاصمة الجليل ولها شأن مذكور بين مدن تلك الأرباض أسست عام ١٧ للمسيح على يد هيرود انتيباس حاكم الجليل الذي جعلها عاصمته وسماها بالاسم الذي عرفت به إلى اليوم إكراماً لحاميه الامبراطور طيباريوس الروماني وكانت المدينة جنوبي موقع المدينة الحالية اولا اي حوالي الحمامات المعدنية ويسمى اليوم ذاك المكان بخربة الحمام وذلك لأنه اكتشفت مدافن وقبور في مكان المدينة القديمة فأبى اليهود أن يسكنوها لان خرق حرمة المدافن يعد عندهم من الكبائر، ولم يستطع هيرود أن يسكن طبرية لاول انشائها الا باناس من طبقة واطئة انعم عليهم بأنواع الاحسان وأغدق عليهم الأعطيات ترغيباً لهم ولما توفي عاملها عهد الامبراطور نيرون إلى اغريبا الفنى بالولاية عليها سنة ٤١ فلم يكن منه إلا أنه أسقط طبرية عن مكانتها واختار صفورية لتكون عاصمة الجليل. ولما انتفض اليهود على الرومانيين عهد إلى المؤرخ يوسيفوس أن يكون والياً على الجليل الاسفل والأعلى فحصن طبرية وكانت ينتابها ليؤيد نفوذ الدولة على الشاغرين من أهلها، واستسلم أهل طبرية لفباسيان وفتحوا له أبوابها لما داهم الجليل بجيشه فكان ذلك سبب أنعام الرومانيين عليهم بضروب الاحسان بعد خراب بيت المقدس. ولئن سحق الامبراطور ادريانوس الامة الاسرائيلية وأنشأ له معبداً في طبرية لعبادة الأوثان فقط ظل نفوذ اليهود مستحكماً بعده، وإن عد اليهود طبرية بموجب شريعة اسرائيل من المدن القذرة فإن لربانيين منهم اختاروها واتخذوها بلدهم المقدسة وجعلوها محجهم الجديد وفي أواخر القرن الثاني انتقل من صفورية إلى طبرية كبار رجال التلمود عندهم ونشأ منهم ربابنة عظماء يقدسونهم ويمجدونهم ومنهم الذين جمعوا المبعثر من شريعة اسرائيل ودخلت النصرانية في القرن الرابع إلى طبرية. فتحت طبريةمعجم البلدان على يد شرحبيل بن حسنة في سنة ٣١ هـ صلحاً على أنصاف منازلهم وكنائسهم وقيل أنه حاصرها أياماً ثم صالح أهلها عل انفسهم وأموالهم وكنائسهم إلا ما جلوا عنه وخلوه واستثنى لمسجد المسلمين موضعاً ثم نقضوا في خلافة عمر رضي الله عنه واجتمع إليهم قوم من شواذ الروم فير أبو عبيدة إليهم عمرو بن العاصي في اربعة آلاف وفتحها على مثل صلح شرحبيل وفتح جميع الأردن على مثل هذا الصلح بغير قتال قال ياقوت: وهي بليدة مطلة على البحيرة المعروفة ببحيرة طبرية وهي في طرف جبل وجبل الطور مطل عليها وهي من أعمال الأردن في طور الغور بينها وبين دمشق ثلاثة أيام وكذلك بينها وبين بيت المقدس وبينها وبين عكا يومان هي مستطيلة على البحيرة وعرضها قليل حتى تنتهي إلى جبل صغير فعنده آخر العمارة. ولما فتح الصليبيون بيت المقدس اقطع ملكها غود نرى دي بوليون ولاية الجليل إلى تنكر يد فجعل عاصمتها طبرية فأنشئت مدينة حديثة شمالي القديمة وهي الموجودة اليوم وفي سنة ١١٨٧ قبيل وقعة حطيندليل الارض المقدسة كان يملك طبرية ريمون الثالث كونت طرابلس فسقطت المدينة بيد صلاح الدين إلا القلعة وكان فيها امرأته وأولاده فطلبت الأمان من صلاح الدين فأمنها وانصرفت عنها تلحق بزوجها وغدت طبرية في سنة ١٢٣٩ ملكاً لاود دي مو بيلارد بموجب معاهدة عقدت بين الملك الصالح أيوب سلطان دمشق ضد ملك مصر فاستعادها هذا بعد خمس سنين وذبح الحامية والنصارى فيما يقول الافرنج وأخذت هذه المدينة بالانحطاط حتى أن الرحالة كارسيموس لما زارها سنة ١٦٢٠ لم يرقيها أحداً من اليهود ووجد سكانها كلهم من المسلمين. وحكم طبرية ظاهر العمر حاكم عكا وهو الذي بنى سورها المتهدم الحالي سنة ١٧٣٨ وجدده ابراهيم باشا المصري سنة ١٨٣٣ ولكن أصيبت بعد أربع سنين من هذا التاريخ بزلزال لم يبق منها ولم يذر هلك فيه سبعمائة شخص وقوضت أركان أبنيتها كافة وقل سكانها المسلمون ونزلها يهود من أطراف الأرض وهم اليوم أكثر من ثلاثة أرباع سكانها لا يقلون عن سبعة آلاف فيهم النمساوي والبولوني والروسي وغيرهم. وأهم ما في طبرية حماماتها وبحيرتها قال علي بن أبي بكر الهروي: أما حمامات طبرية التي يقال أنها من عجائب الدنيا فليست هذه التي على باب طبرية على جانب البحيرة (المعروفة اليوم) فإن مثل هذه كثيراً ما رأينا في الدنيا وأما التي من عجائب الدنيا فهو موضع من أعمال طبرية شرقي قرية يقال لها الحسينية في واد وهي عمارة قديمة يقال أنها من عمارة سليمان بن داود وهو هيكل يخرج الماء من صدره وقد كان يخرج من اثنتي عشرة عيناً كل عين مخصوصة بمرض إذا اغتسل فيها صاحب ذلك المرض برئ بإذن الله تعالى والماء شديد الحرارة جداً صاف عذب طيب الرائحة ويقصده المرضى يستشفون به وعيون تصب في موضع كبير حر يسبح الناس فيه ومنفعته ظاهرة وما رأينا ما يشابهه إلا الشرميا. قلنا وإن ما يشير إليه من الحمامات بأنه في واد بعيد عن طبرية وهو من عجائب الدنيا يشير فيما نحب إلى الحمة الواقعة في وادي اليرموك على طريق الخط الحديدي عند الكيلومتر ٩٣ و ٩٥المقتبس م ٥ ص ٨٥ قال أبو القاسم في وصف حمة طبرية وفيها عيون ملحة حارة وقد بنيت عليها حمامات فهي لا تحتاج إلى الوقود تجري ليلا ونهاراً حارة وبقربها حمة يغتمس فيها الجرب وبها مما يلي الغور بينها وبين بيسان حمة سليمان بن داود عليه السلام ويزعمون أنها نافعة من كل داء. وهذه الحمة الأخيرة أي حمة سليمان لا تزال إلى اليوم معروفة بحمام سيدي سليمان وهي إحدى الحمامات الكائنة في جنوب طبرية على نحو كيلومترين منها ويجري الماء إلى الحمامات من أربع عيون حارة وأهمها ما بناه ابراهيم باشا وهو في الشمال ويعرف باسمه وهو عبارة عن حوض كبير تحيط به عمد قديمة من الرخام وعليه قبة عظمى وهي مثقوبة بثقوب اسطوانية يخرج منها البخار ودرجة حرارة الماء ٦٢ بالميزان المئوي وهو صاف براق في الجملة ملح الطعم مر مهوع وتنبعث منه رائحة شديدة من حامض الكبريت أو رائحة بيض فاسد، وهذه الحمات ملك الحكومة تؤجرها ممن تريد لقاء ألف ليرة في السنة وفيها مغاطس في مكان آخر قد يغير صاحب الحمام مياهها في الاحايين ولكنها كسائر أقسام الحمامات الأربعة غير صحية لان أناساً كثيرين من أرباب الأمراض المختلفة ينزلونها في وقت واحد ويخشى أن تسري جراثيم بعض الأمراض إلى جسم من كان منها سليماً فيخسر بانغماسه في هذا الماء من حيث يريد الربح ولو رتبت هذه الحمامات ترتيباً صحياً كما هو الحال في حمامات مارينباد في النمسا وبورصة في الاناضول وحلوان في مصر وأنشئت هناك كما هو رأي بعض المفكرين في عمران هذه الديار للانتفاع بخصائصها الطبيعية فنادق وحدائق وأماكن تتوفر فيها شروط الراحة ومرافق الحياة لجلبت المستحمين في هذه الحمة من اقطار الأرض كما تجلب حمامات بورصة وحلوان ومارينباد وباد. وموسم الاستحمام بهذه الحمامات من اول كانون الثاني إلى آخر حزيران تقويم (سالنامة) ولاية بيروت السنوي لسنة ١٣٢٦هـ وتختلف الحرارة في الصيف في طبرية من ٢٥ إلى ٤٢ ولكن الهواء حسن في الجملة فلا يؤثر في سكانها الأصليين كثيراً بقدر تأثيره في الغرباء ولذلك صدق ما قاله فيها أبو عبد الله ابن البناء: طبرية قصبة الأردن بلد وادي كنعان موضوعة بين الجبل والبحيرة فهي ضيقة كربة في الصيف وخمة وبئة وطولها نحو من فرسخ بلا عرض وسوقها من الدرب إلى الدرب والمقابر على الجبل بها ثمان حمامات بلا وقيد حارة الماء والجامع في السوق كبير حسن فرشه مرفوع بالحصى على اساطين حجارة موصولة ويقال أن أهل طبرية شهرين يرقصون من كثرة البراغيث وشهرين يلوكون يعني البق فإنه كثير عندهم وشهرين شاقفون يعني بإيديهم العصي يطردون الزنابير عن طعومهم وحلاوتهم وشهرين عراة يعني من شدة الحر وشهرين يزمرون يعني يمصون قصب السكر وشهرين يخوضون من كثرة الوحل في أرضهم قال وأسفل طبرية جسر عظيم عليه طريق دمشق وشربهم من البحيرة وحول البحيرة كله قرى متصلة ونخيل فيها سفن كثيرة وهي كثيرة الأسماك لا تطيب لغير أهلها والجبل مطل على البلد وماؤها عذب ليس بحلو. ويرى أطباء العصر أن مياه طبرية الحارة تنفع النساء في وظائفهن التناسلية وتشفي كل الشفاء من الأوجاع العصبية الحادة والمزمنة ومن أمراض الرثية الروماتيزم ومن ضعف المجموع العصبي ومن داء النقرس ومن البول السكري ومن المرة السوداء لابوخندريا ومن أمراض أعضاء التناسل ومن الأورام المفصلية التي هي في حال الوقوف كما قد تنفع في التهاب قصبة الرئة برونشيت المزمن وبعض أمراض الأنف والحنجرة المزمنة والأمراض الجلدية وعدم انتظام حركة سلسلة الفقار واختناق الرحم والبول الزلالي والتدرن الرئوي وغيرها. أما بحيرة طبرية فقد قال فيها واصفوها من الافرنج أنها الحوض الثاني الذي يملؤه نهر الأردن في طريقه عند انحداره من قيسارية إلى بحيرة لوط وسطح مائها على ٣٠٨ أمتار تحت سطح البحر المتوسط وعمق البحيرة ٤٥ متراً في وسطها ولكنه يبلغ ٢٥٠ متراً في اللجج المجاورة للشاطئ الجنوبي من البحيرة اي قرب سمخ التي يركب منها إلى طبرية في قارب في البحيرة ساعة أو يركب في مركبة على اليابسة ساعة ونصفاً. وطول البحيرة ٢١ كيلو متراً من الشمال إلى الجنوب وعرضها تسعة كيلومترات ونصف أي أن مساحتها السطحية ١٧٠ كيلومتراً مربعاً ومياهها قابلة للشرب في الفصول الأربعة وفيها كثير من السمك الجيد والجبال التي تحيط بالبحيرة في الجنوب الغربي تنفرج عنها في الشمال الغربي فيتالف منها نصف دائرة متسعة وفيها يكون سهل النويز Génésareth الخصيب وعلى ثمانمائة متر من البحيرة إلى الأعالي عدة قرى وبينها مدينة صفد القديمة وفي الشمال من البحيرة سهل مموش Olluvial يشعر بمصب الأردن وفوق السهل المتوج الذي يفصل بحيرة طبرية عن بحيرة الحولة أو مياه ميروم Les eaux des Mérom تنظر إلى قنن جبل حرمون (الشيخ) المكللة بالثلوج ويحد البحيرة من الشرق والجنوب الشرقي صخور عالية هائلة يبلغ علوها نحو ثلاثمائة متر وهي تحمل سطح الجولان Gaulanitide وفي الجنوب ينفرج الغور ثانية فيجتازه الأردن ويتلون فيؤلف أضواجاً Méandres عديدة. وكان اسم هذه البحيرة في القديم كنريت اشارة إلى شكلها البيضي الذي يشبه عود الطرب واسمه بالعبرانية كنور على أن هذا الشكل هو عام في جميع البحيرات التي تحيط بها الجبال ويجتازها نهر وكانت كنريت معروفة قبل العبرانيين من مدن الكنعانيين وبعد سبي بابل دعيت البحيرة بحيرة الغوير أخذاً من اسم السهل الخصيب الذي يصل إلى شواطئها من الشمال الغربي وسميت في العهد الجديد ببحيرة الجليل وببحيرة طبرية وهذا الاسم هو الذي أطلقه عليها العرب. ولم يخل هذا البلد على حرارته من رجال في الإسلام ولدوا ونشأوا وكانت لهم يد في خدمة المسلمين مثل الامام الحافظ سليمان بن أحمد بن أيوب بن مطير أبي القاسم الطبراني أحد الأئمة المعروفين والحفاظ المكثرين والطلاب الرحالين الجوالين والمشايخ المعمرين المصنفين المحدثين والثقات الاثبات المعدلين وغيرهم ممن يفنى الدهر والخلف يتناقل عن السلف أعمالهم. وكان الأردن على عهد الفتح الاسلامي أحد أجناد الشام الخمسة ياقوت الحموي وهي كورة واسعة منها الغور وطبرية وصور وعكا وما بين ذلك قال أحمد بن الطيب المرخسي الفيلسوف هما أردنان أردن الكبير وأردن الصغير فأما الكبير فهو نهر يصب إلى بحيرة طبرية بينه وبين طبرية لمن عبر البحيرة في زورق اثنا عشر ميلا تجتمع فيه المياه من جبال وعيون فتجري في هذا النهر فتسقي اكثر ضياع جند الاردن مما يلي ساحل الشام وطريق صور ثم تنصب تلك المياه إلى البحيرة التي عند طبرية وطبرية على طرف جبل يشرف على هذه البحيرة فهذا النهر في الأردن الكبير بينه وبين طبرية البحيرة وأنا الاردن الصغير فهو نهر يأخذ من بحيرة طبرية ويمر نحو الجنوب في وسط الغور فيسقي ضياع الغور وأكثر مستغلهم السكر ومنها يحمل إلى سائر بلاد الشرق وعليه قرى كثيرة منها بيسان وقرارا واريحا والعوجاء وغير ذلك وعلى هذا النهر قرب طبرية قنطرة عظيمة ذات طاقات كثيرة تزيد على العشرين ويجتمع هذا النهر ونهر اليرموك فيصيران نهراً واحداً فيسقي ضياع الغور وضياع البثنية ثم يمر حتى يصب في البحيرة المنتنة في طرف الغور الغربي وللأردن عدة كور منها كورة طبرية وكورة بيسان وكورة بيت رأس وكورة جدر وكورة عفورية وكورة صور وكورة عكا وغير ذلك، وقد فتح طبرية لما انتقضت عمرو بن العاص كما قلنا فتحها على مثل صلح شرحبيل وكذلك جميع مدن الأردن وحصونها ففتح بيسان وافيق وجرش وبيت رأس وقدس والجولان وعكا وصور وصفورية وغلب على سواد الأردن وجميع أرضها. في وادي الأردن بين قرية لوبية وطبرية في سهل قرية حطين وقعت الوقعة الهائلة بين جيوش الصليبيين وجيوش المسلمين ورأسهم صلاح الدين التي قال فيها مؤرخو الصليبيين أنها كانت في الرابع من تموز سنة ١١٨٧ م وكان جيش الافرنج مؤلفاً من ألفي فارس وخمسين ألف راجل اشتد بهم العطش لقلة الماء هناك وبرحت بهم تباريحه قبل الوقعة بيومين وهبت عليهم ريح شرقية وهي المعروفة بالخماسين فمن لم يسلم الروح ظلماً اسلمها للسيف وانهزم الكنت ريموند صاحب طرابلس فاستولى صلاح الدين على الاكمة وقتل من ملوكهم صاحب الكرك رنودي شاتليون الذي كان غزا الحجاز واحب فتح الحرمين فنذر صلاح الدين أن هو ظفر به أن يقتله بيده وكذلك كان واستسلمت سائر المواقع لإرادة الجيش الصلاحي. وكان صلاح الدين قد نازل طبرية ونقب بعض ابراجها ونهب المدينة وأحرقها فلما سمع الفرنج بذلك اجتمعوا للمشورة فأجمعوا على التقدم فركبوا واشتد القتال وصبر الفريقانالكامل لابن الاثير ورمي جاليشية المسلمين من النشاب ما كان كالجراد المنتشر والافرنج يقاتلون سائرين نحو طبرية لعلهم يردون الماء فلما علم صلاح الدين مقصدهم صدهم عنه وكان بعض المنطوعة قد ألقى في تلك الأرض ناراً وكان الحشيش كثيراً فاحترق وكانت الريح فحملت حر النار والدخان إليهم فاجتمع عليهم العطش وحر الزمان وحر النار والدخان وحر القتال فلما انهزم القمص (الكنت) سقط في أيديهم وكادوا يستسلمون ثم علموا انهم لا ينجيهم من الموت إلا الاقدام عليه فحملوا حملات متداركة كادوا يزيلون المسلمين على كثرتهم عن مواقفهم إلا أن الافرنج لا يحملون حملة فيرجعون لا وقد قتل منهم فوهنوا لذلك وهناً فارتفع من بقي منهم إلى تل بناحية حطين وأرادوا أن ينصبوا خيامهم هناك فاشتد القتال عليهم من سائر الجهات واخذ المسلمون صليبهم الأعظم الذي يسمونه صليب الصلبوت ويذكرون أن فيه قطعة من الخشب التي صلب عليها المسيح عليه السلام فيما يقال فكان أخذه من أعظم المصائب إلى أن أسر المسلمون من نجا من حد السيف وفيهم الملك وأخوه والبرنس ارنلط (ارنولد) صاحب الكرك ولم يكن في الفرنج أشد منه عداوة للمسلمين وأسروا أيضاً صاحب جبيل وابن هنفري ومقدم الداوية وكان من أعظم الفرنج شأناً وأسروا أيضاً جماعة من الداوية وجماعة من الاسبتارية (الاسبتالية) وكثر القتل والااسر فيهم فكان من يرى القتلى لا يظن أنهم أسروا واحداً ومن يرى الأسرى لا يظن أنهم قتلوا أحداً وما أصيب الفرنج منذ خرجوا إلى الساحل وهو سنة إحدى وتسعين واربعمائة إلى الآن ( ٥٨٣ ) بمثل هذه الوقعة قال ابن الأثير: ولقد اجتزت بموضع الوقعة بعدها بنحو سنة فرأيت الأرض ملأى من عظامهم تبين على البعد منها المجتمع بعضه على بعض ومنها المفترق هذا سوى ما جحفته السيول وأخذته السباع في تلك الآكام والوهاد. واختلفت الروايات في مقدار عسكر صلاح الدين والصحيح على أنه كان نحو جيش الصليبيين أي يزيد عن خمسين ألف مقاتل تاريخ سورية للمطران يوسف الدبس إلا أنه كان يزداد كل يوم حتى صار معه في طبرية ثمانون ألف مقاتل واجتمع عسكر الصليبيين في الجليل في صحراء صفورية أولاً إلى أن كانت هذه الوقعة التي لم تقم لهم بعدها قائمة وسقطت مدن الجليل بيد الجيش الصلاحي واحدة بعد أخرى مثل عكا والناصرة وقيسارية وحيفا وصفورية ومعليا والشقيف والفولة وغيرها من البلاد المجاورة لعكا قال العماد الاصفهارني:الفتح القسي في الفتح القدسي وكانت الفولة أحسن قلعة وأحصنها واملأها بالرجال والعدد واشحنها وهي للداويةلعلهم فرسان الههيكليين حصن حصين ومكان مكين وركن ركين ولهم بها منبع منيع ومربع مريع ومسند مشيد ومهاد مهيد وفيها مشتاهم ومصيفهم ومقراهم ومضيفهم ومربط خيولهم ومجر ذيولهم ومجرى سيولهم ومجمع اخوانهم ومشرع شياطينهم وموضع صلبانهم ومورد جمتهم وموقد جمرتهم فلما اتفق يوم المصاف خرجوا باجمعهم إلى مصرعهم واثقين بأن الكدر لا يتمكن من صفو مشرعهم فلما كسروا وأسروا وخسروا وتحسروا ظلت ظلول انفولة بحدود اهلها المفلولة ودماء داويتها المطلولة ولم يجتمع شمل غمودها بالسيوف المسلولة ولم يبق بها إلا رعايا رعاع وغلمان وأتباع واشياع شعاع فعدموا امكان حماية المكان ووجدوا امنهم في الاستئمان فسلموا الحصن بما فيه إلى السكان وكانت فيه اخاير الذخائر ونفائس الاعلاق فوثقوا بما أحكموه من الميثاق وخرجوا ناجين ودخلوا في الزمام لاجين وللسلامة راجين وتسلم جميع ما كان في تلك الناحية من البلاد مثل دبورية وجينين وزرعين والطور والمجون وبيسان والقيمون وجميع مالطبرية وعكا من الولايات والزيب ومعليا والبعنة واسكندرونة ومنوات. هذه هي عاصمة الجليل وهذا طرف من تاريخها وعمرانها في القديم أما اليوم فحالها حال قرية حقيرة لا نكاد تجد فيها شجرة مع اشتهارها قديماً بكثرة الاشجار بلا أن النخيل الذي كان يكثر فيها لا تجد له إلا أثراً ضئيلاً جداً كما كاد يفقد من أرض الجليل اللهم إلا بعض سواحل البحر ولذلك تجد طبرية باهتة مكمدة ولو حفت المراف البحيرة بالأشجار لطاب مناخها واعتدل هواؤها وراق للنواظر منظرها وأصبحت مصيفاً ومشتى على حد سواء ولكل الأهالي كالى والحكومة لا يهمها إلا أخذ ما تيسر من الضرائب والعثور. قال لنا أحد أصدقائنا من علماء دمشق في الاقتصاد والعمران زرت طبرية منذ اثنتين وخمسين سنة وزرتها منذ سنتين فلم أشهد فرقاً في عمرانها بل رأيتها جامدة لم تتحرك ولولا فندق لالماني ومستشفى للانكليز لرسمت لطبرية نفس تلك الصورة التي علقت في ذهني منذ نصف قرن ومع ما نشكه من بطء بلادنا في نهوضها وعمرانها نجد القرى في هذه الحقبة من الزمن قد تغيرت صورتها وانبسطت رقعتها وحسنت ولو بعض الشيء بقعتها أما طبرية فهي الجمود بعينه ولم يزدها الاجالية من يهود الغرب نزلوها مهاجرين فكان المسكن الذي ينزله خمسة أنفس يؤوي الآن عشرين فتضايق السكان وفسد الهواء واستوبل الماء وافتقر أهل البلاد الأصليين لأن لسان حال الاسرائيليين والصهيونيين خاصة مع جميع الشعوب كما قال ذلك السامري لامساس. كان من حق الناصرة أن يسبق الكلام عليها لانها اليوم أعمر بلاد الجليل ومهبط أفئدة أمم النصرانية ولكنها بلد حديث بالنسبة لبلاد الجليل بدأ مجدها بأنها كانت موطن مريم العذراء عليها السلام وفيها عاش المسيح إلى الثلاثين من عمره ولم ير لها ذكر في كلام قدماء المؤرخين ومعنى الناصرة الفرع أو الزهرة وهي على ثلاثة عشر ميلاً من طبرية ممتدة على شكل نصف دائرة في سفح دائرة من الآكام العالية وبيوتها بيضاء نظيفة تحيط بها أشجار الزيتون والتين والصبار وبذلك تألف منها صورة مليها لا تتعب العين من النظر إليها. قال رنان تاريخ المسيح تعريب فرح افندي انطون : كانت الناصرة بلدة صغيرة قائمة في طية أرض منبسطة على متن بعض الجبال أما سكانها فإنهم يبلغون اليوم أربعة آلاف نسمةهذا في زمن رنان فكأنها الناصرة القديمة لأن المؤرخ يوسيفوس يقول أن أصغر قرى الجليل كان عدد نفوسها خمسة آلاف نسمة وإن كان هذا القول لا يخلو من مبالغة، والبرد في الناصرة شديدة في زمن الشتاء ولكن الهواء جيد جداً وكانت الناصرة في ذلك الزمن شبيهة بكل قرى اليهود يومئذ أي أنها كانت مؤلفة من منازل مبنية من غير هندسة ولا نظام ومنظرها شبيه بمنظر القرى الآسيوية وربما لم تكن منازل الناصرة تختلف عن المنازل الحجرية المربعة القائمة في جهات لبنان العامرة والتي إذا أضيفت إليها أشجار الكرمة والتين المغروسة بجانبها كان لها منها منظر رائق. أما المكان الذي بنيت فيه الناصرة فإنه مكان شائق وليس في الدنيا كلها مكان أفضل منه للأمل في السعادة والراحة، ولا تزال هذه المدينة إلى اليوم مقاماً جميلاً، أما سكانها فهم قوم ألفوا اللطف والبشاشة وحدائقها باردة خضراء، وقد وصف انطونين مارتير الناصرة في أواخر القرن السادس عشر فشبه أرضها بأرض الجنة من فرط خصبها، ولا يزال في غربي المدينة أودية خصيبة ينطبق عليها وصفه. أما العين التي كانت مركز الحركة في هذه المدينة وكان حولها السرور شاملاً فقد هدمت ولا يجري الآن من نبعها سوى ماء كدر وأما جمال النساء الناصريات اللواتي يجتمعن حولها في المساء من ذلك الجمال الذي كان مشهوراً عنه في القرن السادس عشر أن هبة للناصريات من مريم العذراء فإنه لا يزال يترقرق في وجوههن فهناك الشكل السوري الجميل في أتم خلقه. ولا شبهة في أن العذراء كانت تقف في صباها بين أولئك النساء حول العين ومعها إناء الماء لتستقي منها، وقد قال انطونين مارتير أن نساء اليهود يكرمن المسيحيين في هذا المكان مع أنهن يكرهنهم كرهاً شديداً في غيره، فكأن هواء وطن السيد لطف أخلاقهن، وإذا نظرت في البغض الديني وجدته في هذا المكان أخف منه في سائر الأمكنة. وأما منظر الأفق من المدينة فإنه قصير ضيق ولكنك إذا صعدت إلى الآكام المشرفة عليها انبسط أمامك منظر جميل يسحر الألباب، فإنه من الجهة الغربية يظهر لك جبل الكرمل ممتداً إلى البحر وداخلاً فيه ويليه غيره من الجبال بينها وادي الأردن وسهول بيريا المرتفعة، أما في جهة الشمال فإنك ترى جبال صفد متجهة نحو البحر وهي تستر عنك عكا وتظهر لك خليج حيفا. مذ كان أفق يسوع، هذا كان في صباه المنظر الدائم أمام عينيه، هذا هو مهد ملكوت الله وسرير الديانة المسيحية، فإذا بقي العالم مسيحياً في مستقبل الزمان وصار أكثر احتراماً لأصول الدين وأشد رغبة في استبدال الأماكن المقدسة المشكوك فيها بأماكن حقيقية فما عليه إلا أن يبني كنيسة على هذه الآكام التي كان يسوع يجلس عليها ويشاهد العالم بها، هناك يجب أن تقام الكنيسة الكبرى التي يجب أن يحج إليها المسيحيون من جميع أقطار العالم، هناك حيث يرقد يوسف النجار وألوف من أبناء الناصرة المنسيين يحق للفيلسوف أن يقف ويتأمل في مجرى حوادث العالم ليعزي نفسه عما يصادفه الانسان في هذه الحياة من الفشل والخيبة في أعز ما يكون لديه ولكي يتحقق أن العالم سائر إلى غرض إلهي لا يصرفه شيء عنه مهما قام في سبيله من المصاعب والعثرات. هذا ماوصف به فيلسوف الفرنسيس الناصرة بلد يسوع الناصري كما كان يقال له والتي منها اشتق اسم النصارىياقوت في المعجم و مقريزي في الخطط وهو وصف ينطبق كل الانطباق على حالتها اللهم إلا ما جاء عفو الخاطر فكان أشبه بتشبيه شاعر مثل قوله في مكان الناصرة أنه ليس في الدنيا كلها مكان أفضل منه للتأمل في السعادة والراحة ونظن مثل هذا القول يصح إطلاقه على جبال سورية عامة بل جبال الأرض كافة فهي كلها تبعث الروح على التأمل لفراغ الذهن فيها من كدورات المدن وازدحام الأنفاس ولما تقع عليه العيون من المناظر الشائنة في هذا الوجود الغريب وكيف كانت الحال فالفيلسوف يعذر على ما قال لنشأته وتربيته التي قلما يتجرد منها إنسان مهما نزع ربقة القيود والتقاليد ولكن هذا الغلو لا يقدح في جمال هذا البلد الطيب وأي بلاد لا تطيب لأهلها. أما تاريخ الناصرة فله ارتباط كلي بتاريخ الجليل وبعد فلم تداهم جيوش كبرى وهولاكو وتيمور هذا الإقليم فلم من غاراتهم وتخريبهم ولقد قال بعض مؤرخي الافرنج أن التسامح الذي أسداه المسلمون للمسيحيين لم يدم زمنه طويلاً حتى أن ويلبالد لما وصل إلى الناصرة سنة ٧٢٥ م لم يجد فيها كنيسة قائمة ومع هذا ذكروا بأنه كان فيها سنة ٨٠٨ ثمانية عشر راهباً. وتغلب الامبراطور يوحنا سيميسيس على العرب واستولى على سورية وفلسطين واحتل طبرية عام ٩٧٥ م وجبل تابور والناصرة ولكن ادخل عليه خصيانه السم فعادت الولايات التي افتتحها فسقطت في أيدي العرب، وقد قال ساولف أن تنكرد لما فوضت إليه بعد فتح القدس بلاد الجليل سنة ١١٠٠ م كانت معاهد الناصرة قد خربها العرب ولم يبق إلا بعضها فأعاد الصليبيون بناءها واتخذوها كنيسة جامعة لهم، ولما سقطت أرض الجليل بيد صلاح الدين بعد وقعة حطين آضت الناصرة أيضاً إليها فعطف على أهلها وفي خلال هدنة العشر سنين المعقودة بين الصليبيين وصاحب مصر في ٢٠ شباط ١٢٢٩ أصبح فريدريك الثاني امبراطور ألمانيا الحاكم المتحكم بالطريق من عكا إلى الناصرة فرمم هذه المدينة على أنها ما كانت قط حصناً منيعاً. وفي شهر آذار ١٢٦٣ قدم من مصر في جيش هائل صحبها الظاهر بيبرس البندقداري وعسكر في منحدر جبل تابور وبعث كما قال القس مسترمان برجاله يخربون البيع والادبار واطلق الحرية للمسيحيين على أن يدينوا بالاسلام لكنهم أبوا ووقعت فيها وقعة هائلة قتلوا عن آخرهم، ولمؤرخي الادبار أخبار يتلونها وأحاديث يقصونها عما لقيها القسيسون والرهبان من المظالم إلى القرن الماضي أيام تنفس خناقهم بتولي الظاهر عمر امر الجليل فأصبحوا أحراراً في كنائسهم وعباداتهم آمنين من عيث البدو الذي وقع مرتين على الناصرة فغزوا أهلها في عقر دارهم. وتاريخ الناصرة هو في الحقيقة تاريخ الادبار والمعابد فيها وفد قوي سلطانها منذ جاءه بونابرت وحاصر عكا سنة ١٧٩٩ وبعث بأحد قواده يعسكر في الناصرة الاحسانات على الاديار من أمم النصرانية في الغرب على اختلاف لغاتهم ومذاهبهم وما منهم إلا من أنشأ بيعة حتى بلغت أربع عشرة بيعة وكنيسة ومعظمها من ضخامة البناء وحسن الهندام ما يذكر بقصور الملوك ومنازل المترفين والفرنسيسكان أقدم الرهينات وأرسخهم قدماً في الناصرة وكنيستهم مما يزار لبعض الآثار التاريخية فيها ويكفي أنها أثر من آثار الكنائس في القرون الوسطى. وفي الناصرة يشتد التنافس بين أهل المذاهب المختلفة من المسيحيين يعلمون الذكور والإناث ويلقنونهم ما يشاؤون ويطبون المرضى ويعطونهم العقاقير بلا مقابل من أي نحلة كانوا على شرط أن يستمعوا لبعض الواعظين ونصائح دعاة الدين ولذلك قل في هذه البلدة أميون وجاهلون، والقارئون الكاتبون من أهلها من الجنسين أكثر من كل بلد سواها في سورية يعيشون بصدقات المحسنين ويتمتعون بما تجود بهم أيدي أتقياء الغربيين ولو اتصلت الناصرة اليوم بالسكة الحديدية مع خط حيفا على الأقل أو لو مد منها خط إلى القدس لما حج حاج من النصارى إلا ونزل الناصرة يزور ويتبرك ولكان من ذلك للحكومة والأمة فائدة مادية مهمة فمن مدن سويسرا ما يعيش طول سننه مما ينفته الزوار في مصايفها أفلا يجدر ببلد السيد المسيح أن يعيش أهلها من ريع يأتيهم به عشرات الألوف من جمهور المؤمنين من المسيحيين. غابات سورية تشجير أراضي السلطنة من أهم المسائل الاقتصادية المهمة التي يجب أن تصرف لها عناية العثمانيين وحكومتهم فقد جهل الناس منافع الغابات ولم تعن الحكومة بالهيمنة عليها حتى أتى السكان أو كادوا في أكثر الأقاليم على ما لقى لهم الأجداد من الغابات الغبياء فكاد الخطر يحدق بحياة البلاد الاقتصادية ويوشك أن يستفحل الخطب لهذا الإهمال. قال العارفون أن في المحافظة على الغابات نجاح الزراعة والتجارة والمعامل والصناعات والملاحة البحرية والنهرية والمناجم وجميع أسباب الراحة في الحياة بل وحياتنا أيضاً، ودعا المحدثون من الاقتصاديين والمفكرين في الغرب إلى حفظ الغابات قائلين أن حفظها من أول مصالح المجتمعات وحفظها أول الواجبات على الحكومات وأثبتوا أنه كلما قطعت من بلد أشجاره يمسي فقيراً لأن في قطع الأشجار التي تغشى منحدرات الجبال وقتها ثلاثة مصائب لأبناء الأجيال المقبلة: قلة الوقود وقلة المياه واعداد البلاد الفيضانات المخربة فحياة البشر مناطة بالاشجار، والأمم التي تحب الغابات هي من الأمم العاملة التي تحسب للمستقبل حسابه وبقدر عراقة الأفراد في الأخلاق والتقاليد يجعلون لهم منها رؤوس أموال فيفلحون بها ويرتاشون. إبادة الأشجار جائحة من جوائح الانسان ونذير اضمحلال الأمم فالاحتفاظ بالغابات والآجام هو تطبيق لمبدأ الدين الاجتماعي وقانون التكافل الذي يربط الأجيال بعضها ببعض قال الوزير كولبر الفرنسوي ذات يوم وقد رأى قلة عناية أمته بغاباتها: أن فرنسا ستهلك من قلة الحراج. وليس معنى إبادة الغابات حرمان بلادنا من أجمل حليها بل انضاب ينابيع الأنهار وإخلال نظامها إخلالا فيه الهلاك والتخريب والإضرار بالصحة العامة وتغيير وضع الأرض التي تحملنا فتتآكل التربة الصالحة منها على الزمن بهجوم المياه عليها دفعة واحدة وهو من أعظم الأخطار على التربة المنحدرة، ومتى عري الجبل من أشجاره يهلك الزرع والضرع معاً فتجري السيول على التربة الجرداء تحمل معها أولاً التربة الصالحة للزراعة ثم تفرج ما بين الصخور وتجعل الأحجار ركاماً مشرفاً على الأودية ويصبح النهر مسيلاً تكثر مياهه فتفيض أيام الأمطار وتنهال بدون نظام مودية بكل مافي طريقها وتتزايد زيادة هائلة فيفيض في السهل وهناك الفيضان والطوفان وتقطع الأمواج بتيارها الأشجار والصخور وتخرب السدود وتودي بالدور والقصور وتدك المدن من أسسها، تجري مياه الأمطار على الصخر القاحل كأنها تمشي على سطح دار وتخرب المراعي وتفيض الأنهار حاملة تربة الجبال وحصاها وأحجارها فتطفح بها مجاري المياه وتسد مصابها وبعد أن تفيض المسايل كثيراً تصبح ولا ماء فيها ويختل نظام الاهوية ويكون من ذلك خراب رعاة الجبل وزراع السهل وتجار الثغور والمدن وصناعها، من أجل هذا ساغ لنا أن نقول أنهم كلهم متضامنون في منع جرد الأشجار وتعرية الجبال. ولقد نشأت في كل عصر مضار كثيرة من جرد الجبال من أشجارها وغاباتها قال أحدهممجلة مطالعاتنا في بيوتنا: كانت صقلية وإفريقية الشمالية والمغرب الأقصى انبار رومية في القديم فأصبحت قاحلة ماحلة بما تواتر عليها من غارات الفندال والمغرب التي انتهت بتحطيم الغابات وكل ما يشاهد من الخرائب العظيمة في تونس والجزائر وبعض أعمال قسنطينة وفي غيرها شاهدة ناطقة بأن هذه الأقاليم القاحلة اليوم كانت زاهرة أمس وفيها المدن العامرة عراها السقوط كما عرا إسبانيا من إبادة أشجارها وكم من خرائب حفر فيها وهي رمال أو أنقاض فشوهدت تحتها مدن كانت عامرة بمياهها المطردة وحدائقها الغبياء وغاباتها الغناء فلم تؤت إلا من قطع غاباتها ونسفت الرياح الرمال على تلك المدن فأصبحت كأن لم تغن بالأمس. ولقد ثبت أن فقر البلاد ولا سيما الجبلية منها ناشئ من قطعها الأشجار خاصة وكلما توغل المرء في دراسة التاريخ يجد الشواهد الكثيرة على تأثير الغابات في تكثير السكان فقد كان لبلاد اليونان وهي اليوم فقيرة قليلة السكان غابات وأنهارجغرافية اليزة ركلوس بالفرنسوية وإن اجداب الحقول الرومانية وخرابها ناشئان من تجرد جبال الابنين من أشجارها، وجبال الابنين تقطع ايطاليا إلى شطرين، وقد ناب اسبانيا انحطاط سريع من هذا الشأن فبعد أن كانت في القرن السادس عشر على عهد شارلكان وفيليب الثاني عامرة غنية محترمة انحط عمرانها في القرن السابع عشر من دون أن يضربها عدو أو تستبيح حماها أمة غازية فلم يمض عليها قرن إلا وقد رأت جميع علامات الانحطاط وقل سكانها على صورة مدهشة فنزل سكان مدريد من أربعمائة ألف إلى مائتي ألف في أوائل القرن الثامن عشر والسبب في نزوح السكان تلك المجاعة التي حدثت من الجفاف الذي دعا إليه تعرية البلاد من غاباتها تعرية أخلت بنظام الري، حتى أن نهر المانزاريس كان في القرن السادس عشر قابلاً لسير السفن في على مقربة من مدريد فأصبح اليوم جافاً، وأنهم ليمزجون في إقليم اراغون الرمل بالخمر بدل الماء عندما يريدون أن يجبلوا الطين، فنفوس البلاد وعظمتها على نسبة غناها بغاباتها، وبلاد روسيا أكثر أوروبا غابات فإن أربعين في المئة من أراضيها مغشى بالأشجار و ١٦ في المئة من أرض فرنسا وأرض إيطاليا مغشاة بالأشجار و ٢٤ في المئة من ارض المانيا و ٦ في المئة من أرض البرتغال و ٥ في المئة من أرض فارس و ٣ في المئة من ارض إسبانيا وبلاد اليابان أكثر بلاد الدنيا غابات، وتبلغ مساحة الغابات في الولايات المتحدة خمسة أضعاف مساحة فرنسا ويحرق منها ي السنة نحو ثلثمائة هكتار وكثيراً ما يلتهم قسم من غابة فتبقى الأيام مشتعلة وربما حرقت فيها قرى بسكانها كما حدث في حريق البحيرة العالية وحدث هذه السنة فدام الحريق أياماً ذهبت فيه مئات الألوف من الليرات. ليس من جميع النباتات التي تنبتها الأرض ماعدا الحنطة التي هي أول المواد اللازمة لغذائنا نبات ضروري لنا كالغابات نافع يحمد اثره: فللشجرة منافع كثيرة وتأثير عظيم في الأنواء والحوادث الجوية في كل قطر فهي تصفي مياه الامطار وتعيدها ببطء إلى الينابيع والهواء وتحول بورقها وجذوعها دون جريتها سريعاً فالاشجار لا تمسك الماء فقط بل تجذبه ثم تنظم هطول الأمطار وتقلل من الفيضان وتبقى التربة في ظل الأشجار ندية خلال أيام القيظ، ونظام الغابات نظام للاهوية، فالشجرة تقي التربة من صدمات قطرات المطر والبرد فيكثر في الشتاء الثلج على قمم الجبال وتحول جذوع الأشجار وأغصانها دون سقوطها وتطيل مدتها وتذوب ببطء وتغسل القشرة الرقيقة تحت سطح الأرض وتمد الينابيع وتعطي مزروعات الأودية الرطوبة اللازمة لها، وإن جذوع الأشجار في العقاب والتلعات لتمسك التربة عن الانهيال وتقبض الصخور المفككة وتحول دون انهيار التراب. وكم من أشجار هي مأوى الماشية منذ قرون وحامية حياة الإنسان كما هي حامية الهوام والحيوان وكثيراً ما تنبت الرياحين والورود في أطرافها كما أن الأشجار تمسك الحميات وتمتص رطوبة المستنقعات وتطهر هواء الاقليم بفضل حفيفها المنبعث من اكتظاظ الصخور الشجراء، ولقد صدق من قال من عشاق الأشجار تأتينا الشجرة بالماء ومن الماء يصير مرج والمرج يغذي الماشية ومن الماشية ينشأ السماد ومن السماد الحنطة. لا جرم أن كل من جال جولة في أوروبا وأميركا يعرف مقدار حرص الفرنجة على الانتفاع بالغابات، فقد قامت الجرائد والجمعيات في فرنسا منذ مدة تدعو إلى تشجير الأراضي الوعرة أو غير الصالحة للمراعي وإلى تخضير الأراضي المنحدرة انحداراً قليلاً ولسان حالها ينادي أننا نرمي إلى إنقاذ أرض الوطن والمحافظة على ارث ثروتنا وبدائعنا الطبيعية ونريد تربية فكر الطفل منذ صغره على قدر حسنات الغابات قدرها فبهوائها يحسن الجو وتطرد مجاري الأنهار ويخضل العشب ويكثر غذاؤه للماشية والسائمة والجبال أجمل منظراً والسهول أكثر ابتساماً، وأقبلت الجمعيات وغيرها تنشر منشورات في فوائد التشجير وتوزعها على الفلاحين واشتغل مجلس النواب ومجلس الشيوخ بذلك مدة طويلة. وقامت انكلترا تريد تشجير كل ما يمكنها تشجيره من ارضها ولا سيما في السواحل البحرية التي تسطو عليها مياه البحر تريد بذلك أن تجد عملاً للبطالين وقدرت اللجنة التي عهد إليها النظر في سطح الأرض التي تعطي إذا شجرت أكثر مما تعطي الآن من الدخل فكانت ٣٦٠٠٠٠٠ هكتار من ثمانية ملايين بدون أن يمس السطح المغروس من الجزائر البريطانية وايرلاندا وتبين لهم أن غابات انكلترا أقل من غيرها من غابات البلاد الأوروبية وأن الحكومة لا تموت بتاتاً ولذلك يتيسر لها أن تكمل ما بدأت به من الأعمال إلى الغاية المطلوبة على خلاف الأفراد فإن الفرد يصعب عليه أن يصرف شيئاً ربما لا يأتيه في حياته فمن ثم كانت الحكومة أقدر على تشجير الغابات واستثمارها بعد سنين طويلة خصوصاً وأن بيع الأخشاب والأحطاب لا يصعب على حكومة وقد رأوا أن ما تصرفه الحكومة من المال وتنتظر الحصول عليه يأتيها من الواردات بفائدته مضاعفة وأنه ليس من العدل أن يصرف أبناء هذا الجيل ما يقتطف ثمرته أبناء الجيل القادم أي بعد ثمانين سنة وهي المدة التي لا يتأتى الانتفاع بالغابات في أقل منها فإذا شجرت الحكومة كل سنة ثلاثين ألف هكتار تدفع في السنة الأولى ١١٢٥٠٠٠ فرنك وتكثر النفقة سنة عن سنة حتى السنة الأربعين فيكون قد بلغ ما صرفته ٣٩ مليون فرنك وتعادل النفقات الدخل بعد هذه السنة إلى السنة السبعين وبعدها يزيد الدخل على الخرج فيبلغ الدخل الصافي نحو أربعة في المئة فتكون إذ ذاك ٢٤٨ مليون فرنك وتساوي أملاك الحكومة من الغابات ثمانية مليارات فرنك أي أنها تبلغ ملياراً ونصفاً زيادة على كلفتها، وكل هذه النفقات والمداخيل محسوبة بأسعارها الحاضرة ولم ينظر فيها إلى غلاء أجور العملة وارتفاع أسعار المحاصيل ورأوا أن ما يعرض للغابات من التخريب الناشئ عن الحريق والحشرات والثلج والعواصف وغير ذلك يعادل ما تربحه الحكومة من ارتفاع الأسعار لأن ما ينفق من الغابات يزيد على ما يخرج منها الآن في البلاد المتمدنة، وهذا التشجير يشغل تسعين ألف رجل طول السنة عدا من يستخدمهم من أرباب الحقول مؤقتاً. نعم إن تأثير الغابات في المناخ وأنباط المياه وتحسين الأرض وتطهيرها وجمالها وفائدتها الاقتصادية والوطنية لا ينكرها إلا أعمى البصر والبصيرة، ومما ذكروه من منافع الغابات للوطن إن غابة هو سنين وهي غابة صنوبر تمتد بين نهري الرين والفتول قد صدت كتائب الرومانيين عن التقدم، وهكذا حلت انكلترا مسألة الغابات وهي موطن الاستقلال الشخصي واحترام الأملاك الخاصة وتقسيم الادارة المركزية لعلمها بأن الأفراد في هذه المسائل لا صبر لهم بقدر الحكومة ولا عجب فهي الحكومة التي تغرس الغرسة اليوم وتنتظر جني ثمرها بعد قرن أو قرنين هذا في البلاد القاصية فما بالك بها في عقر دارها. إليك أقل ما يجب أن يقال في وصف منافع الغابات والتشجير ويدل على مبلغ عناية الافرنج بها وهم أعرف الخلق بالانتفاع من هذا الوجود، وأن من يطوف المعالم والمجاهل من بلاد سورية ليستنتج أن عناية أجدادنا بالغابات لم تكن دون عناية الغربيين بها اليوم وإن كانت البقية الباقية منها لا تسد خلة ولا تغني أهلها، وإذا كانت الحكومة في القرون الأخيرة لا تهتم إلا لتكثير الجباية والعشر ولو باستنزاف دماء الفلاحين وكان الأمن إذا ارتفعت أعلامه في بعض الأقاليم فإنما يرتفع بالقرب من الحواضر والقصبات والدساكر كانت الغابات في الغالب نهب الناهبين وغرضاً لاسنان القطعان وفؤوس الحطابين ولم تؤسس في الدولة نظارة للغابات إلا منذ سنين قليلة وكأنها لم تكن إلا لتأتي أيضاً على ما أبقته طوارق الحدثان من غاباتنا الجميلة لأن عمالها يساعدون على تقليلها وكان الواجب عليهم أن يساعدوا على تكثيرها. وكم من جبل في سورية اجرد امرد لا شجرة فيه كجبل قلمون الذي تمشي فيه ساعات ولا تجد أثراً للزرع ولا للشجر حتى قال أحد الأجانب ممن زاروه مؤخراً: كنت أتمنى في حياتي أن أشاهد جبلاً أجرد من الكلاء والشجر فيها قد قرت عيني في قلمون بمشاهدة ما كنت أريده من الجبال الجرداء. وأكثر جبال سورية غابات فيما احسب جبل لبنان ففيه من الأشجار غير المثمرة الزان والسنديان والسرو والأرز، والأرز أهمها ومنه غابة بالقرب من قرية بشري قديمة والغالب هي التي كان يحمل من خشبها أيام الفراعنة إلى مصر لبناء سفنها والمعابد وغيرها فيؤتى به إلى جبيل أو إلى طرابلس ومنهما يحمل في سفن شراعية، ولعل غابات دير القمر والباروك وعين زحلتا كانت تحمل إلى صيدا ومنها تقل في المراكب، قالوا أن الحكومة في لبنان كانت تحتكر أربعة أشكال من الشجر تستثمرها لخزينتها وهي السرو والعرعر والأرز والصنوبر وتسمح بقطع غيرها واحتطابه، وقلت الغابات في لبنان منذ نحو خمسة قرون لاحتياج السكان إلى الاحتطاب وأخذ القوم يقلعون الغابات ويغرسون بدلاً منها أشجار التوت والكرم، وشجر الأرز مما تفرد به جبل لبنان من دون سائر جبال سورية ولا وجود له إلا في أعالي سير ببلاد الضنية في وادي النجاص ففيه كثير من شجر الأرز وبين سير ونبع السكر وفي الغابة الواقعة خلف وادي جهنم ويسمى تنوب. ويكثر شجر الشوح في جرود الهرمل وعكار وهي في الغالب من الأملاك الأميرية ينتفع بها الأهلون خفية أو يدفعون ثمناً قليلاً للاحتطاب منها كما هو الحال في جبال عجلون، وفي جرود الهرمل وعكار صنوبر وسنديان وأنك لتمر في جبال طويلة عريضة لا ترى إلا السنديان وكذلك جرود الضنية وعكار من أعمال طرابلس كلها حراج تضمنها الحكومة. وعلى مسيرة يوم من شرقي حماة غابات من شجر البطم وهي الفستق البري بعينه تسمى الثومرية والبلعاس وهي منازل للعربان يقطعون منها ما شاؤوا ويرعون فيها ماشيتهم وقد أضيفت إلى الأراضي المدورة أي الأراضي السنية فما زادت إلا خراباً على خلاف بعض الأراضي التي ضمت إلى الأراضي المدورة في العهد الحميدي فكان من حظها أنها عمرت وارتفع فيها علم الأمن. وأخبرنا أحد أصحابنا أن في قرية حرمل من جبال النصيرية وسكانها تركمان غابة زرعها أهل تلك القرية منذ زهاء عشرين سنة فطالت كالرماح وحسن طلعها بعد ثلاث سنين من غرسها مما دل على أن جبال النصيرية كانت إلا قليلاً مغشاة بالغابات التي لم يبق منها اليوم إلا أثر ضئيل ورسم محيل، ولو توفرت عناية الأهلين في الجرود والجبال لغرسوا من الغابات ما يكون منه لأبنائهم وأحفادهم خير ثروة يخلفونها كما فعل أهالي الزبداني فغرسوا شجر البلوط في مكان يدعى قلعة السنديان في الجهة الغربية من الزبداني وإذا امتدت هذه الاغابات في سلسلة ذاك الجبل حتى تصل إلى نبع بردى تأتي منها فوائد كثيرة لوادي الزبداني ووادي بردى ثم لدمشق وغوطتها إذ تكثر بذلك الأمطار وتخزن المياه لنبع بردى المجاور لتلك الجبال ومن ورائها وادي القرن والحرير وفيها بعض الأشجار القليلة وهي ملك أصحابها لا الحكومة. وفي الجبل الشرقي أي في بلاد حاصيا وراشيا غابات قليلة كما أنه تقل الغابات في جبال فلسطين وفي بلاد الصلت غابات غير قليلة ما برحت إلى الانقراض ومنها غابة قرب القصبة اقتلعها الأهلون وغرسوا منها كرماً يأتيهم بالعنب الجيد بلا بر كعنب ازمير إلا أنه بقي أثر منها دلالة على عظمة تلك الغابة العظيمة، وتقل الغابات في بلاد حوران واحسنها ما كان في جبل الدروز ولذلك كثرت مياهه أكثر من غيره من الأقاليم ومثل ذلك يقال عن غابة عجلون التي تبلغ مساحة المستعمل منها خمس ساعات طولاً وثلاث ساعات عرضاً ولا يأتي عليها عشر سنين إلا وتنقرض عن آخرها. وبعد كتابة ما تقدم رأينا أن نأتي على ذكر الغابات من المصادر الرسمية فعلمنا أن غابات ولاية سورية كثيرة وأهمها في قضاء بعلبك وتبلغ مساحتها عشرين ألف جريب، والجريب يقرب من عشرة دونمات، وشجرة من السنديان والعرعر ويقل فيه الصنوبر وأشجاره غير صالحة للأخشاب وهي معرضة للاحتطاب منها على الدوام فلم تتيسر لإدارة الغابات حراسته على ما تقضي به المادة الخامسة من نظام الحراج لقلة الموظفين وصارت إلى حالة مؤلمة وبعض هذه الغابات تدعي الأهالي ملكيته وإدارة الغابات تدافعهم في دعواهم، وأهم هذه الغابات غابة حلبئا ووادي نيرة وما عداهما فمتسلسل منهما وليس في قضاء البقاع غابات مهمة بل أن الأهلين يحنبطون من غابات الهرمل التابعة لمتصرفية جبل لبنان وهناك بعض غابات مهمة بل أن الأهلين يحنبطون من غابات الهرمل التابعة لمتصرفية جبل لبنان وهناك بعض غابات في سفوح لبنان بعضها مشترك بين البقاعيين واللبنانيين. وحراج وادي العجم متفرقة وتبلغ مساحتها نحو ثلاثة آلاف هكتار وحراج اقضية حاصبيا وراشيا والقنيطرة مثل حراج بعلبك تسمى بأسماء القرى المجاورة لها وتقدر مساحتها بثلاثة آلاف جريب تكاد لا تكفي لاحتطاب السكان إلا على صورة ضئيلة، وليس في قضاء الزبداني حرج جدير بالذكر سوى حرج صغير أصيب بما أصيبت به سائر الحراج ولا سيما في وادي القرن ووادي الحرير فأصبح أكثره غير صالح للاحتطاب، وليس في قضاءي دوما والنبك ما يصح أن يسمى غابات سوى بعض أشجار من السنديان والبلوط متفرقة في الأودية والقمم من جبال قلمون هي ملك الأهالي يحتطبون منها فتقل سنة عن سنة. هذا في الاقضية التسعة التي هي من عمل الولاية أو لوائها وفي لواء حوران أهم غابات في ولاية سورية وهي من عمل قضاء عجلون طولها ٢٦ ساعة وعرضها ٢٣ ساعة وفيها ٢٣ قرية و ١٣٧٥ بيتاً ومزرعتان ومساحته من ٣٠ إلى ٤٠ ألف جريب ونصفها اليوم غير صالح للقطع يحتاج للحراسة كل الاحتياج والنصف الآخر يصلح للاحتطاب منه وعمل الفحم إلا أنه بعيد في نجاد وعرة ولقلة العملة الذين يتوفرون على عمل الفحم منه أصبح كأنه لم يمس، ومدينتنا دمشق يأتيها الفحم اللازم لدفئها ووقودها من غابات عجلون وإذا لم تبذل العناية بوقاية الغابات مما يلحقها من المضار توشك أن تحترم بعد سنتين من الفحم فيباع قنطاره الذي يباع الآن بمئة وخمسين في الشتاء بثلاثة أضعاف ثمنه، فبسوء إدارة الحكومة لزمت قطعة من هذه الغابات لا يقل المستخرج منها عن خمسين ألف قنطار بيعت بالوسائط على أنه ليس فيها سوى ستة آلاف قنطار، وأشجار هذه الغابة لا تصلح للخشب والدفء وإن كان الفلاحون هناك يعتمدون عليه في سقوف بيوتهم فمنها الصنوبر والسنديان القطلب وفي غابات عجلون نوع من شجر الزيتون البري، هذا في غرب إقليم حوران وفي شرقه أي في جبل الدروز غابات قليلة للأهالي ينتفعون بها في وقودهم. وفي لواء الكرك بعض الغابات وأهمها ما كان في الصلت ومساحتها نحو ستة آلاف جريب تحتاج للترك الآن والمحافظة عليها لكثرة ما لعبت فيها فأس الحطاب والفحام وفي قضاء الطفيلة غابات ولبعدها عن العمران لا يرغب في الاحتطاب منها فلا يستفيد منها القريبيون ولا البعيدون وجنسها من العرعر وفي بني حميدة من أعمال قضاء الكرك غابات جياد هي ملك بني حميدة. إليك ما في لواءي حوران والكرك على الجملة أما لواء حماة فليس في مركزه ولا في حمص حراج والأهالي يجلبون أحطابهم وفحومهم من حراج الهرمل في لبنان ومن غابات بعلبك ومن حراج البلعاس التي كانت من أملاك السلطان السابق فأصبحت علامة. وفي قضاء العمرانية حراج متفرقة تسمى بأسماء القرى المجاورة لها وكذلك الحال في غابات سلمية. وقد بلغت واردات الغابات الأميرية سنة ٣٢٢ شرقية ٤٨٤ ، ٤٨١ غرشاً صحيحاً وسنة ١٣٢٣ — ٧٠٠١٨٩ وسنة ١٣٢٤ — ٦٥٠٤٦٠ وسنة ١٣٢٥ — ٦٦٦٩٨٩ وبلغت سنة ١٣٢٦ إلى آخر شهر تشرين الثاني ٦٤٨ ، ٨٨١ غرشاً. هذا في ولاية سورية أما ولاية بيروت فالحراج موفورة في أكثر ألويتها وأقضيتها على ضيق مساحتها ففيها بعض الغابات الصغيرة وأكثرها فائدة في الانتفاع والاحتطاب ما كان منها داخل لواءي اللاذقية وطرابلس الشام ففي الجهة الجنوبية من مدينة بيروت في الرمل غابة من الصنوبر تقدر بألفي دونم وطول أشجارها نحو خمسة أو ستة أمتار ومحيطها من ٤٠ إلى ٥٠ سنتيماً ويعنى كل العناية بحفظها وقد ذكر التاريخ أن هذه الغابة غرست قبل سنة ٧٦٧ هـ — وقد خيف من انهيال الرمال على الأراضي الزراعية، وفي قضاءي صيدا ومرجعيون عدة غابات مبعثرة ينتفع بها السكان فقط. وعلى ثماني ساعات من صور غابات في وادي النصارى وساحل علما ووادي الخنازير وهي واسعة في الجملة وشجرها من السنديان ومحيط أكبرها متر واحد وطولها خمسة أمتار لا تكفي للبناء بل تنفع في الحطب والفحم وقد جرى أهلها في اقتطاعها على الأصول فلم تقل أنواعها وكذلك تجد في الجهة الجنوبية من القضا غابات في وادي كركر ووادي البالون ووادي التهور. وفي لواء عكا عدة غابات منها واحدة في الجهة الشمالية من ناحية شفا عمرو وهي على نحو خمس ساعات من المواني المجاورة وهي معروفة باسم الغربي ومرج وعاد والهوني والزيب وتقدر مساحتها بنحو أربعين ألف دونم وجميع أشجارها من السنديان ومعدل طولها من ٤ إلى ٦ أمتار ومعدل محيطها من خمسين سنتيمتراً إلى متر وإذ كانت هذه الأشجار لا تكفي الصناعات والبناء جعلها أهلها للاحتطاب وأخذوا يبعثون ببعضها إلى الخارج، وفي قضاء حيفا على أربعمائة أو خمسمائة متر عن سطح البحر غابات في جبل الكرمل ووادي العسل والعضامة والحاري والباخور تبلغ مساحة أرضها نحو ٤٢ ألف دونم وهي قصيرة الطول والجسامة وهي كغابات صيدا وصور لا تنفع لغير الاحتطاب. وأهم الغابات الموجودة في لواء طرابلس في عكار والضنية تقدر مساحتها بزهاء مئة وخمسين ألف دونم تمتد من قريتي غابات وتحفت إلى آخر حدود ناحية الضنية وهي منبثة على سطوح مائلة ويقدر معدل ارتفاعها بسبعة آلاف متر وأهمها القبايات وعنفت وارمون وعرض والحريق وروبر وجورديرين ووادي جهنم وقاطر وفريم والضنية وهذه الأشجار تنمو في سفوح الجبل والساحل وهي لا تطول وتنفع لخشب البناء وهي من نوع السنديان والصنوبر وشرابة الراعي والعرعر وعدا هذا تجد أشجار الصنوبر والشوح منبثة على خط مستقيم بين مسيل المياه والروابي تعلو من خمسة إلى عشرة أمتار ومحيطها من متر إلى متر ونصف وينتفع بأخشابها في جميع أنواع الصناعات وفي كل هكتار أي على حساب عشرة أمتار مكعبة تجد أشجاراً صالحة للبناء تعادل ١٣٦ ألف متر مكعب كما يوجد في كل هكتار من الأرض باعتبار عشرين متراً مكعباً وهي تعادل ٦٦٠ ألف متر مكعب من سائر الأشجار والخشب الذي يقطع من هذه الغابات يحمل إلى حماة وحمص وطرابلس وأعمالها من القرى والدساكر. والغابات الموجودة في لواء اللاذقية هي في أقضية جبلة والمرقب وصهيون وناحيتي باير وبوجاق وهي من الساحل على ساعة إلى إحدى عشرة ساعة وأهمها في باير وبوجاق وبوغده إلى نيقه وجبل حسن ايبت وجبل الملك وقزل حالتي وجورتلسم وبتالي ودربوي تبلغ مساحتها ١٧٠ ألف دونم والأشجار القريبة من الساحل يبلغ محيطها من ثلاثين سنتمتراً إلى متر وطولها من ثلاثة أمتار إلى أربعة ومنها يستخرج خشب للبناء ولصنع القوارب الصغيرة والصنوبر الأحمر والأبيض يستخدم في بعض المحال في الأبنية وأهم ما تقدم من الغابات غابات ناحيتي باير وبوجاق تقرب مساحتها من ٣٢ كيلومتراً مربعاً والقسم الأعظم من أشجارها أي ٩٠ في المئة منها يختلف محيطه بين ٣٠ إلى ٦٠ سنتمتراً وطولها أربعة أو خمسة أمتار، وندرت الادواح العظيمة وفي الاطراف والبلاد المجاورة تجد بعض الغابات يمكن تقديرها بثلاثة آلاف شجرة صنوبر أسود أكثرها يحتطب منه أهالي القرى ويحمل بعضه إلى بيروت وفي وسط هذه الغابات على تخوم اسكندرونة غابة اسمها قوز تحيط بها أشجار الصنوبر وتقدر مساحتها بألف هكتار من السنديان وقد بلغت مداخيل غابات ولاية بيروت ١٥٠٦٠٠ غرش بيع منها ١٩٠٠٠٠ اوقة من الفحم و ٩٠٠٠ اوقة من الخشب وأكثر ما بيع منها في بيروت وجوارها وسواحل مصر. هذا ما لقفناه من مصادر متنوعة ونختم هذا الفصل بتعريب ما كتبه شاكر بك مفتش غابات ولاية سورية السابق وقد سألناه أن ينشئ لنا شيئاً في حالتنا مع غاباتنا فكتب إلينا ما نعربه بما يأتي وهو يصدق على غابات سورية بأجمعها أي ولايات حلب وبيروت وسورية والوية القدس ولبنان والزور قال: الغابات إحدى منابع الثروة الطبيعية للدولة والأمة وربما كانت الأولى في بابها وما من ينكر استغناء أحد عما تأتي به من الحطب والفحم والخشب وغيره ولا سيما في ولاية سورية حيث تكثر حاجات الأهالي إلى الغابات أكثر من غيرها ومع هذا فلا نرى من يلتفت إلى هذا الشأن ويبحث في أسباب دفع هذه الحاجة مما يوجب الأسف الشديد. ليس من ينكر أن الغابات تنقي الهواء وتجلب الأمطار وتمنع التربة الواقعة في الحقول المسطحة من الانهيار وفيها من المنافع العامة ما ينفع في رعية الأغنام والمواشي وغيرها وكلنا نسلم بأننا نطبخ كل حين طعامنا ونغسل ثيابنا وندفئ غرفنا بالفحم والحطب. ولئن رأينا اليوم مواقد تحمى بالبترول ويستفاد منها بعض الشيء إلا أن هذا الطباخ لا يقوم في وقت من الأوقات بدل المنقل وكوانين المطبخ على الطرز القديم وذلك لأن الطعام إذا طبخ والغسيل متى غسل تطفأ تلك الموقدة وإذا فرضنا أننا أوقدناه مدة طويلة فمن البديهي أنه لا ينشر حرارة تشبه حرارة المنقل ولا الكانون بحال من الأحوال، ثم إن من وسائط التدفئة والتسخين أن نرى بعض المواقد التي يستعمل فيها زيت البترول وهذه لا تزيد الحرارة الطبيعية في الغرفة إلى أكثر من درجة إلى درجتين في الأكثر. أما أخشاب البناء فإنه يؤتى بها إلى هنا من غابات اطنه وقونيه وآيدين فتباع بثلاث ليرات وأحياناً بأكثر من ذلك في حين أنه من الممكن زرع شجر الصنوبر والسنديان في هذه الديار من أجود الأجناس وكل من يشتغل بالزراعة يوافق على هذا الرأي. ومع أن قنطار حطب الزيتون والمشمش يباع من خمسة وأربعين إلى خمسين قرشاً فقد كانت ترتفع أسعار قنطاره إلى نحو ليرة ونصف لو كان المعول في احماء الحمامات والأفران عليه. وهنا لا أرى حاجة لبيان فوائد الغابات بل أقول على سبيل المثال أن ما حرق من الفحم من جزء صغير من غابات عجلون قد بلغ سنة ١٣٢٤ (شرقية) ٤١٣٢٠٠٠ كيلو أخذ عنها رسم ٥١٤٢٠٤ غروش صحيحة أو ٦٧٢٣٢١ غرشاً بمعاملة دمشق الرائجة المتداولة . ولو عني الفلاحون وفقيرهم قد يملك من ثلاثين إلى أربعين دونماً من الأرض وهو يتلكأ معظم السنين في استثمارها كلها بحجة أن ليس لديه بقر أو سكة أو بذار ويترك قسماً منها بوراً لو عني بزرع شطر من أرضه أو على حدودها ومجاري المياه إليها أشجاراً وحراجاً لاظلته ومواشيه وأبناء السبيل بظلها واستخرج من أغصانها ومن اليابس منها حطباً لدفئه ولو أكثر منها زيادة لاستطاع أن تخرج له خشباً وفحماً فيغنى بها بعض الشيء، وبالجملة فإن كل امرئ إذا ربى غابة فكأنه أسس لنفسه مصرفاً (بنكاً) دائمياً لأن الغابات رأس مال لا ينفد في الحقيقة. بيد أن أهل القرى لا يفكرون في هذا الأمر ولا يلتفتون إلى ما ينصح لهم به من قطع الأشجار بل يقطعونها من أصولها وهناك الضرر الذي لا ينكره العقلاء. ولقد جرت المداولة بشأن الحراج والغابات في المجلس العمومي هذه السنة والتي قبلها وتعهدت الحكومة أن تأتي الفلاحين ببذور الغابات لمساعدتهم ولكن لم يراجعها أحد في هذا الشأن والحكومة متكفلة بالقيام بكل أنواع المعونات، ورجائي أن يعمد الاهاون بدلاً من تخريب الغابات واستئصالها إلى إحيائها وتعهدها وبذلك يحفظون منافعهم ويحفظون على حقوق الخزينة والله الموفق. النفس الانكليزية لم تبلغ أمة من الدهاء ما بلغه الانكليز فيه وكأنه خلق استحكم فيهم مع الزمن وتوارثه الاخلاف عن الاسلاف وتسلسل فيهم حتى أتى بالعجائب ومن درس تاريخ هذه الأمة يراها تصبر وتصابر لأول وهلة وقلما طاش لها سهم فإذا رأت الفرصة وثبت ومتى انفسح لها المجال جالت. تثبت هذه المقدمة من مسألتين تجلى فيهما دهاء الانكليز في التاريخ وهو أن الحروب الصليبية التي دامت في سورية نحو قرنين وأهرقت فيها الدماء سيولاً لم تنته وترجع دول النصرانية عن حرب دولة الإسلام إلا بتدخل ريشاردس قلب الأسد صاحب انكلترا إذ ذاك في الأمر فعرض سراً أن يزوج أخته من أبي بكر بن أيوب شقيق الملك الناصر صلاح الدين بن أيوب ولو رضي القوس لما تأخر صاحب انكلترا عن إجراء هذا العقد فانظر إلى دهاء هذا الرجل وهو في القرون الوسطى وفي صدد حرب دينية كيف يتسامح بزواج أخته من غير ابن نحلته حرصاً على مصلحته، قال أبو الفدا في حوادث سنة سبع وثمانين وخمسمائة: تراسل الفرنج والسلطان في الصلح على أن يتزوج الملك العادل أخو السلطان بأخت ملك الانكتار ويكون للملك العادل القدس ولامرأته عكا فحضر القسيسون وأنكروا عليها ذلك إلا أن ينتصر الملك العادل فلم يتفق بينهم حال. هذا هو الباب الأول الذي طرقه ملك الانكليز فلم يفلح لتعصب قومه وكان قد رأى أن ملك الألمان جاء عن طريق الاستانة براً إلى فلسطين في مئة ألف من رجاله فهلك معظمهم في بلاد الأرمن ولم يصل منهم على ما قال المؤرخون سوى ألف نسمة حتى أن ملكهم هلك غرقاً في نهر في الأناضول كان انغمس فيه ليستحم فأيقن ريشاردس أن أمر هذه الفتن يطول وأن الغنيمة التي دعا إليها بطرس الراهب أي استخلاص بيت المقدس من أيدي المسلمين لا توازي هذا القدر من العناء فطرق باباً ثانياً فجاء بعد أن شاهد جبل الصليبيين قد اضطرب وطلب الصلح بعد أن يئست الرسل في عقده وعجل بمخابرة صلاح الدين في معنى الصلح فبعث في إحدى تلك السفارات يقول لصلاح الدين لا يجوز لك أن تهلك المسلمين كلهم ولا يجوز لي أن أهلك الفرنج كلهم قال القاضي ابن شداد بعد أن ذكر ما عرضه ملكهم من شروط الصلح العجيبة: فانظر إلى هذه الصناعة في استخلاص الغرض باللين تارة وبالخشونة أخرى وكان مضطراً إلى الرواح وهذا عمله مع اضطراره والله المسؤول في أن يكفي المسلمين مكره فما بلوا بأعظم حيلة ولا أشد إقداماً منه، ولقد كان ملك انكلترا صادق جماعة من مماليك صلاح الدين ودخل معهم دخولا عظيماً بحيث كانوا يجتمعون به في أوقات متعددة وكان في كل هذا يخلط الجد بالهزل حتى يتوصل إلى مأربه ألا وهو استرجاع بيت المقدس الذي استخلصه صلاح الدين منهم. ثم تذرع ذاك الداهية إلى إنقاذ أهل نحلته من شر الفتنة كان المسلمون قد ضاقوا ذرعاً بمدافعتهم وزحزحتهم عن تلك الديار فبادر صاحب انكلترا إلى عقد الصلح سنة ٥٨٨ هـ — وسبب ذلك كما قال أبو الفدا أن ملك الانكليز مرض وطال عليه البيكار فكاتب الملك العادل يسأله الدخول على السلطان في الصلح فلم يجبهم السلطان إلى ذلك ثم اتفق رأي الأمراء على ذلك لطول البيطار وضجر العسكر ونفدت نفقاتهم فأجاب السلطان إلى ذلك واستقر أمر الهدنة ولم يحلف ملك الانكتار بل أخذوا يده وعاهدوه واعتذر بأن الملوك لا يحلفون وقنع السلطان بذلك وحلف الكندهري ابن أخيه وخليفته في الساحل وكذلك حلف غيره من عظماء الفرنج ووصل ابن الهنفري باليان إلى خدمة السلطان ومعهما جماعة من المقدمين وأخذوا يد السلطان على الصلح واستحلفوا الملك العادل أخا السلطان والملك الأفضل والظاهر ابني السلطان والملك المنصور صاحب حماة محمد بن تقي الدين عمر والملك المجاهد شيركوه بن محمد بن شيركوه صاحب حمص والملك الأمجد بهرام شاء ابن فرخشاه صاحب بعلبك والأمير بدر الدين بلدرم الياروقي صاحب تل باشر والأمير سابق الدين عثمان بن الداية صاحب شيزر والأمير سيف الدين علي بن أحمد المشطوب وغيرهم من المقدمين الكبار. هذه هي المسألة الأولى التي تجلى فيها الدهاء الانكليزي في أجلى مظاهره والمسألة الثانية وهي أحدث من الأولى عهداً ولكن يتخللها مئات من المسائل كلها سلسلة دهاء هي مسألة الاستعمار فإن الانكليز لم تفتح أمامهم مصارف جديدة للتجارة إلا لما اكتشف خريستوف كولمبس أميركا ولقد تقدمت البرتقال غيرها من الدول لاستعمار الأرض وتلتها اسبانيا ثم هولندة وقد بلغت هذه الدولات الثلاث أوج مجدهن الاستعماري في النصف الثاني من القرن السادس عشر أيام كانت انكلترا لم تظهر بعد على ملعب الاستعمار ثم جاءت فرنسا فانكلترا ولكن هذه الدولة بزت الدول الأربع الأول. وأثبتت أنها دولة بحرية عظمى في صلح اوترخت سنة ١٧١٣ وتطمح إلى الاستيلاء على البحار ولكن هذا الدهاء في تأخر الانكليز عن دخول معمعان الاستعمار قد هيأ لانكلترا الاستئثار بالاتجار مع أميركا. وانكلترا أقرب الدول إلى العالم الجديد وشطوطها وهي تمتد على مسافة ٧٩٠٠ كيلومتر أي ضعفي شطوط فرنسا وأكثر الدول البحرية الأربع قرباً إلى شطوط بحر الظلمات من سيفه الآخر فقبل سنة ١٦٠٠ ميلادية لم يكن لانكلترا مستعمرات خارج أوربا وبالدهاء السياسي افتتحت انكلترا الجديدة وفيرجينيا وأخذ شارلس الثاني سنة ١٦٦١ مملكة الهند وكانت سبب غنى انكلترا وعظمتها هيأ أخذها أناس من تجار الانكليز دخلوا مع الهنود دخول السل في جسم العليل وكان من أمرهم ما كان. وهكذا لو تقصينا التاريخ لشاهدنا أمثلة كثيرة في الدهاء الانكليزي الذي لا يشبهه دهاء في الأمم وأيقنا أن الثبات والصبر والتأني والسكون الذي خص به هذا العنصر هو الذي كان سبب نجاحه في أعماله فاشتهرت بجودتها على قلتها وندرتها وسياسته اشتهرت بحذقها على جفائها والتاريخ أعظم ترجم عن الأمراء والأمم وبه تكشف حقائق البشر وخصائص الشعوب. ولهذا الدهاء والتأني والصبر أسباب طبيعية وصنعية في انكلترا بحث فيها علماء الاجتماع ٨ والنفس فما قاله اميل بوتمي من كبار علماء فرنسا أن القوى الطبيعية هي من جملة الأسباب التي تؤثر في تربية الشعب وهذه القوى هي صورة الأرض الظاهرة وجبالها وأنهارها وبرها وبحرها وقسوة مناخها أو لطافته ووفرة ثمارها الأرضية أو ندرتها. فإن تأثيرها قديم كالإنسان ولا سبيل إلى أن نجد في التاريخ دوراً لم تؤثر هذه الحالات في البشر وإذا كان عرض للإنسان قلب وإبدال فذلك ناشئ من مجموع أسباب وهذه الأسباب هي التي سماها تين العالم الفرنسوي (المحيط) أو البيئة والعادات والقوانين المزبورة على الحجر والمذاهب الدينية والأشعار القصصية وغيرها كانت لأول الأمر نتيجة المحيط الطبيعي فأصبحت مع الزمن ذات تماسك وحياة خاصة وصارت تولد بذاتها شعوراً وتتسرب إلى الأسباب الطبيعية العظمى ولكن هذه الأسباب الرئيسة ما برحت تغشى هذه الجمعية البشرية التي كانت هي الباعثة إليها ولها اليوم تأثير كبير حتى أنها لتأتي على الأخلاق الراسخة والمواهب الإرثية فتغيرها وتفعل فيها ما فعلته في أهل الأجيال الأولى. انكلترا من بلاد الشمال ولها بين بلاد الشمال مركز امتازت به فليس لإقليمها ما يعادله بين الأقاليم لأنها تتمتع بمناخ يكاد لا يختلف طوره فلا ترى في الشتاء تبدلاً في الهواء من شمالي انكلترا إلى جنوبيها على مسافة تسعمائة كيلو متر فيستطيع سكان بريطانيا أن يتنقلوا من ناحية إلى أخرى بدون أن تتأثر أجسامهم من هذا التنقل وتختلف انكلترا عن سائر بلاد الشمال بتعرج شطوطها وخصب تربتها في حين يضعف الهواء المرء في أواسط بلاد روسيا أو في شمالي بروسيا فيكتفي الروسي بما حضر لديه من حاجاته ولذلك يقل فيه فكر الإقدام على الأعمال أما الطبيعة في بلاد الانكليز فتنادي ساكنها بقولها إنك يا هذا تهلك إذا تراخيت وتستمتع إذا جددت. فالهواء في بلاد الانكليز رطب ولكنه صحي وثقيل بحيث يكاد يصعب استنشاقه أحياناً والجسم يهزل فيه إذا لم يتغلب عليه بحركات كثيرة. وإن انكلترا لتطفح بطوال القامات ضخام الأجسام أشداء البنية وفيها من المعمرين الشيوخ أكثر من كل بلد من بلاد أوربا والأرض الانكليزية بما تترطب به من الضباب أو يغمرها من هطول الأمطار تحتاج على الدوام إلى التجفيف بالقساطر حتى لا تغدو بطائح أو غابات وهي بفضل تعهدها خصبة ممرعة. ومناخ انكلترا يحتاج إلى الغذاء الكثير ولاسيما اللحوم وأرضها مستعدة كل الاستعداد لتربية المائية والبحر بما ضم بطنه من الأسماك يدخل في مضايق إلى أرض بريطانيا العظمى فيصبح الصيد على طرف الثمام. وبالنظر لرطوبة الهواء على الدوام واصفرار الشمس بما يداهمها من الضباب الذي ينخل أشعة الشمس نخلا لا تزال الظلمة سائدة شطرا من النهار يضطر معه ابن تلك البلاد أن يحسن لباسه ومنامه ودفئه ويبحث عن الأعمال التي تحتاج إلى كدح وكد فهو في حاجة إلى جوخ لثيابه وإلى جدان غليظة لمسكنه فتراه يصرف حزما منهما من وقته في النسيج والتقطير واستخراج الفحم أو تراب النفط للوقيد خلافا لابن جنوبي أوربا فإنه لا يحتاج إلى مثل تلك العدة ليعيش والانكليزي إذا لم يجد عامة حاجاته في أرضه يجلبها من الخارج بواسطة المقايضة مع ما ضمته أحشاء بلاده من المعادن والمناجم ويسهل عليه تناول ذلك بما له من وسائل النقل السريعة الرخيصة الأجور. ولذا كانت الطبيعة الخارجية للأمة الانكليزية مدرسة إبداع ونشاط وحذر وتدبر فنشأت هذه الفضائل من أسباب جلب المصالح درء المضار وكانت من كماليات الأخلاق في هذا الجنس ودعا الجهاد للحياة وهو هنا أصعب منه في كل بقعة إلى أن ينسلخ عنه بالانتخاب الطبيعي كل من لم يرزقوا هذه الصفات اللازمة كالمرضى والجامدين والجبناء والعطلين ولم يبق من هذا العنصر غير الأقوياء أهل الدراية العاملين وتأصل ذوق العمل بنشاط دائم فعال في النفوس حتى صار كأنه ارثي فيها. قالوا إن الشعب الانكليزي شعب انتفاعي وهذا يصدق على كثير من الشعوب ولكن العامل الأكبر اليوم في هذه الأمة الهوى في العمل للعمل والميل إليه حبا به. وما الحياة السياسية في انكلترا إلا ناشئة من الميل إلى تمرين القوة والبذل منها بطائل وبدون طائل ومن يجتاز البلاد الانكليزية يشعر بحاجة الأمة إلى هذا التمرين وإلى هذا الصرف من القوة بما يراه من الحركة على السيارات واشتغال قوم بالألعاب الشاقة فيوقن بأن الرياضات البدنية الشديدة ليست في انكلترا مدعاة للتسلية بل هي ضرورية لدفع حاجة طبيعية لا تقل في مسيس الحاجة إليها عن الجوع والعطش. وكل من زار لندرا يشهد الرجال من الانكليز يركضون في الشوارع عدوا كأنهم في سبيل مهم جداً يوشك أن يذهب إذا أبطئوا عليه فيركضون نحوه بدون أن ينظروا ذات اليمين وذات الشمال للتخلية والتسلية فهم لا يضعون نصب أعينهم غير الغاية العملية التي هي هدفهم ومنتجعهم حتى إذا وصل العامل إلى مكتبه أو عمله ينصرف إليه بجملته ولا يدخل فيه غيره ولا يلتفت إلى ما يصده أو يخطر بباله في غير ما هون بسبيله فتراه لا ينقطع دقيقة عما هو مأخوذ به ولا يني في مهمته ولذلك كانت أجرة العامل الانكليزي أرقى من أجور عملة الأمم الأخرى لأنه لا يلهيه شيء أثناء العمل ويعمل نحو ضعف ما يعمله الايرلاندي أو الألماني مثلا. وهذا المزاج الخاص يولد في جميع الفروع عملا مدهشا. وإنك لترى نساء الانكليز لا يستنكفون من عمل يتعاطينه لتكون لحياتهن غاية فينصرفن إلى تأسيس جمعيات الإحسان ويخدمن في المستشفيات ويعملن أعمالاً قد تعدها بعض الأمم المتمدنة من الأعمال الوضيعة ولكنها تكون لخدمة الإنسانية ولذا دخل خمسون ألف امرأة في الحزب الحر في انكلترا وشاركن الرجال ومنهن المطالبات بحقوق الانتخاب والمؤمنون من الانكليز بالدين لا يؤمنون به وينصرفون عن كل شيء بل يعملون باسمين ويجتهدون في الحياة لا يصدهم ما أخذوا أنفسهم به من الغابة عن النظر في دنياهم. وبعد فإن الذوق واعتياد العمل يجب أن ينظر إليهما كأنهما خاصة جوهرية وصفة لازمة اختيارية لهذا الجنس فهما يصحبان الانكليزي حيث يذهب تشفعهما الأسباب المكتومة من نياته وهما مفتاح أسبابه وأن الدواعي التي أدخلت ضرورة العمل في هذه الجنس قد أضاعت اليوم من شأنها وذلك لأن كثرة الغنى العقلي والمادي قد زاد عدد الأغنياء وأضعف على التدريج في جزء من سواد الأمة الانكليزية الغريزة الإرثية التي بها يعترف الإنسان بقانون العمل ويقبل به. فأصبح الكسالى والضعاف في هذا المحيط الجديد أكثر حظاً في البقاء فتألف منهم عنصر خاص تحرص حكومته على جلب المنافع إليه وأهل السعة من الانكليز يبذلون الفضل من أموالهم له وكل هذا على الجملة لا يضر الصفات التي ورثها الانكليز وتأصلت فيهم مدة قرون. للإقليم في انكلترا تأثير مهم في الشعور والمدارك فهي البلاد التي يجف هواؤها وتكثر كهربائيتها التي تقوي الألياف وتمتن الأنسجة ويكون الإحساس في أهلها أسرع. ومثل الحس يكون التصور الطبيعي أي حاسة تمثل المحسوسات فإنها في الانكليزي تتأخر ولذلك نرى الأعمال الجراحية تكون أقرب إلى النجاح في الانكليزي منها في الايطالي مثلا لأن الأول قلما يضطرب كالثاني. وقد شاهد خصوم الانكليز من عسكرهم في حروب اسبانيا وواترلو وانكرمان عجبا إذ لم يكونوا يتأثرون للأعضاء تبتر والقذائف تنفجر والعظم بكسر وحشرجة الأرواح تتصاعد. إن أرض انكلترا على ما خصت به من العبوسة والأمطار الغزيرة والضباب المتواصل والطبيعة الساكنة قد أثرت في نفوس بنيها حتى لم يجدوا في الوجود ما يشغلهم ولذا شغلوا بخاصة أنفسهم وقل كلامهم كما قل شعورهم بما يأتيه من خارج والكلام كالشعور والفكر يرتقي ويصفو بالرفاهية وخضال العيش وهو أثر من آثار الثروة العامة والفراغ. ولقد وصف الفيلسوف تين الشعب البريطاني بقوله من السرور الذي يشفعه السكوت وهو من أعظم ما تطمح إليه نفس كل انكليزي أن يجاهد في أمر ويتحمل المشاق ولا يتنازل عما نوى. وقد أعرب شاعرهم تنسون عن مثل هذا الفكر شعرا جاء معناه: ما أعظم على النفوس أن تقف دون غاية وتجعل لقواها حدا وأن تصدأ كالسيف يعلق على الحائظ بدلًا من أن يلمع في يد حامله ويصفو بالاستعمال. ليس استنشاق الهواء هو الحياة بل إننا إذا فقدنا كثيرا فقد بقي علينا كثير فما كنا عليه ما برحنا فيه: قلوب أبطال شأنها التساوي بأنفسها أصبحت على الزمن وبيد القدر نهب الضعف ولكنها مسلحة بإرادة شديدة في مضائها وبحثها وإيجادها وأن لا تلين قناتها أبداً. تقل في العنصر الانكليزي على الجملة الكفاءة لتصور الأفكار العامة ويكره النظريات المجردة كما يكره المذاهب المقررة فليس للانكليزي شيء من المجردات يشغله بل تراه على الدوام مأخوذا بضرورة العمل أليس معنى هذا أن حاسة العموميات ضعيف تركيبها في انكلترا بل أن العقل عملي لا يقبل إلا ما يلزمه وينفعه يعرف كيف يضبط نفسه ويحدد حدوده حتى إذا سار بنفسه سار سيرا نافعا لا سيرا نكرا فعقله لا يشبه قائده في جيش يفكر في وضع خطط الهجوم والقتال بل عقله يشبه ضابطا يقود بعيدا عن معمعان الحرب قسما من الجند الاحتياطي المساعد فلا ترى في هذا الضابط قابلية لأن يكون في الطليعة ولكنه يجيد في اتخاذ مركز له في النقط التي تجاوزها الجيش المهاجم وينظم فيها المقاومة لا شيء يقع على عقل الانكليزي من الغرابة أكثر من إنكاره القوة الطبيعية والنظريات في الإلهيات والمعقولات بل يرى أن أجنحة الفكر لم تبرح في نمو ولذلك لم تستعد للطيران مسافات طويلة بل هي تساعده فقط على السير فإذا ارتفع هنيهة وحلق في الجو فذلك ليعود إلى الأرض بعد مدة قليلة وهذا ما دعاه يفكر في الأمور القريبة التي أكثر ما تكون مساسا به مباشرة وله من مشاغله في تحصيل ثروته وتحسين زراعته ما يصده عن الحق ولا يفرغ ذهنه إلى النظر إلى الأشباح الفارغة فهي بعيدة من الأرض جدا غريبة عن الحياة الدنيا غير ملتئمة مع شروطها وضرورياتها ولذا ترى الانكليزي في مسائل الدين لا يتعدى أفق العالم المدقق بأحوال الأنفس والأخلاقي الذي يبحث في المرئيات وليس هو صوفيا أو منكرا ولا موحدا وهو لا ينظر إلى القواعد الموضوعة والألفاظ بل ينظر إلى الغاية من التدين أكثر من الواسطة وهكذا هو في السياسة فلا تقوم حريته فقط على الدستور الذي يمنح الحرية على التقاليد الموروثة التي تحمي حمى الحرية القديمة المتأصلة فيه. من غريب حال الانكليز أن كثيرين من حملة العلم فيهم لم يتعلموا العلوم اللازمة للإلمام بالتربية العامة فهم أخصائيون لا تشوبهم شائبة وأن من يحاول في انكلترا أن يحدث احد علمائهم في العلم المجرد لا يجد من يستمع لكلامه فالعالم الطبيعي عندهم هو الذي يعرف كيف يصنع نموذجا ميكانيكيا يطبق فيه العلم على العمل فقط حتى إنك لا ترى في كتبهم في الكهربائية إلا حبالا مرسومة تعلق وتمتد ومواسير يقطر منها ماء وغيرها ينتفخ وآخر ينقبض وهكذا انكلترا في صناعاتها فلا يصدر منها إلا ما يقع تحت حسها ولا تقص في قصصها إلا ما يماثل حالتها الطبيعية وكذلك تاريخها ورواياتها التشخيصية وفلسفتها فإن فلسفة اوغست كونت الحية ومخترعها فرنسوي وجدت لها أعواناً في انكلترا أكثر مما وجدت في فرنسا لأنها صادفت هوى في أفئدة القوم. فهذا هو الشعب الذي قدر له أن ينشر البرتستانتية بثباته ويخرج من الكنيسة والكثلكة إذ كانت دين سلطة قادرة روحية تقنن وتحظر وتعاقب والناس معها مكرهون على القيام بتعاليمها أما المذهب البرتستنتي فهو دين الحكومة الذاتية الوجداني فالأول موجد النظام والقاعدة والآخر محافظ النشاط ومبدعه وهذا هو الدين الذي يناسب أمة خلقت لتعمل. إن تأخر سن البلوغ في شبان الانكليز وعفة النساء الانكليزيات وتعدد الأسر والبيوت كل ذلك من أخلاق الانكليزي الحديث كما كان قديما من خصائص أخلاق الجرمانيين سكان انكلترا الأصليين. وامتازت الأمة الانكليزية من بين الأمم بأنها ظلت متجانسة ولم تمتزج بغيرها فالانكليز وهم أهم عنصر تتألف منه انكلترا هم جرمانيون من بلاد الشمال ومن أجداد الجرمانيين انكليز وجوت وسكسونيون وكلهم من عنصر ألماني والذين جاؤوا بعد لاستيطان انكلترا مثل الدانيماركيين والنورمانديين هم فروع تشعبت من نفس تلك الدوحة وإن ما يرى من شدة بأس الانكليز وقوة عضلاتهم يذكرنا بما قاله اميرسون فيلسوف اميركا (قالت الطبيعة: قد أفنى الزمان الرومانيين ومحا اسمهم من سجل الوجود وإني أريد أن أؤسس مملكة جديدة وسأختار عنصرا شديد الشكيمة كلهم ذكور ولكنهم بأجمعهم ذوو قوة وحشية فمن ثم لا أعارض فيما أرى من المنافسة بين الذكور القساة المتبربرين الا فليدخل الجاموس قرنه في رأس الجاموس الآخر فيبقى المرعى لأكثرها قوة فأنا لي عمل أريد إتمامه يحتاج إلى إرادة وعضلات). وهؤلاء هم الانكليز الذين لا يمتزجون خارج بلادهم بغيرهم من الأمم ولكنهم في أرضهم أكثر الأمم حرية وأكثرها إكراماً وأيسرهم لقبول الغرباء ليست انكلترا جزيرة بل هي قارة فما من أمة اشتبهت في أفكار ومنازع تأتيها من أوربا نفسها سوى انكلترا ولطالما اقتدت بالبلاد الأخرى ولكن كان اقتداء موقتاً كأنه للتسلية أو هو سطحي كأنه زي من الأزياء أما سواد الشعب فلم يمس بشيء في منازغه بل ظل مخلصا لأخلاقه الأولية وبالجملة فقد كانت دواعي الاختلاط قليلة جداً بين الانكليز وغيرهم ولاسيما عامة الأمة فالانكليزي أشبه بساكن الولايات في أوربا وفكره كالشراب بقي زمنا في مأمن من الاهتزاز فخثر وكثف ولم تعد له تلك الميوعة التي تؤهله إلى الاختلاط بشراب آخر. وكان لهذه الصيغة الخاصة وقلة الرقة في الأخلاق الانكليزية نتيجة مهمة شوهدت في كيفية الاستعمار البريطاني ونتائجه. فما قط تمازج العنصر الانكليزي بغيره من العناصر في البلاد التي أخضعها لسلطانه فهو كالمعدن البعيد جداً عن نقطة التذويب فلا يتأتى أن يجعل منه أدنى مزج وما قط ساووا بأنفسهم تلك الشعوب التي افتتحوا بلادها وما تلطفوا في استمالة قلوبهم فلم يعرفوا إلا أن يظلموهم ويستنزفوا مادتهم ويدوسوهم أو يفنوهم. أبان الانكليز أيضا عن عدم كفاءة في فهم مناحي العناصر المنحطة وأن يتقربوا إليها ليأخذوا بأيديها ويقوموا ناهضين وإياها بما عاملوا به ايرلندا من المعاملة السوأى ومثل ذلك يتجلى في إدارتهم الهند ومصر. فالانكليز يأتون تلك الشعوب بثروة مادية ونظام وأمن وغنى فترى سلطتهم في بلاد الهند مثلا على أحسن طريقة ونظام مدقق قوامه الحشمة والأدب وهم فيها بعد قرن من الزمن لم يخرجوا عن كونهم أناساً جفاة لا يألفون ولا يؤلفون وكلما طال العهد عليهم تراهم في أرضها غرباء والأصوات تعلو للخلاص من ربقتهم. وإن يوماً يغادرون فيه البلاد المستعبدة لعزيز على نفوس أهليها ولو ذهبت بذهابهم الرفاهية والسلام. فحكم الانكليزي منهك لقوى العناصر المنحطة وهو استبدادي وكثيراً ما يكون قتالاً في البلاد التي يكون فيها للأهلين مجال معهم ولا يدانوهم بنشاطهم وإراداتهم لأن هؤلاء الفاتحين لم يرزقوا حظاً من تليين وصابتهم وتطبيقها على الصغار والضعاف بل لا يتمثلون ولا يعنون بغير إخوانهم والمساوين لهم. نعم الانكليزي أكثر الأمم إغراقاً في الابتعاد عن الناس والعزوف عن مجتمعاتهم فهو يشعر بأنه أقل من غيره علاقة بالمجتمع البشري وقلما يقتبس من صلاته مع غيره شيئاً يستفيد به في تركيب أخلاقه وقلما يبحث عما يفكرون به وإذا بحث فبحثه مجرد لا يدخل نتيجة في عواطفه وأعماله هو ناسك بعيد عن العالم وعن غيره من الأمم بل هو بعيد عن جاره الذي يساكنه في حي واحد والمحيط الذي يعيش فيه وما يشعر فيه بنفسه قلما يكون نسخة بسيطة مما يراه في الخارج فخلقه هو مثل ثمرة كبرت تحت القشرة في نوع من الصدف فهو لا يثمر كقشرة الخوخة وما يمر عليها من مجرى الشمس لا يزيدها اصفراراً ولا احمراراً. الانكليزي لا يشعر بأقل ضجر من العيش وحده ولا يجد حاجة أن يقص ما عمله على غيره ولا يسوقه سائق نفسي أن يقف على ما يعمله غيره فهو فيما خلا الشؤون التي تمسه مباشرة لا يهتم إلا بما له علاقة بالمسائل الوطنية العامة التي تمسه ولكن لا مباشرة بل من طريق وطنيته، يقول إميرسون: إنك تحسب الانكليزي إذا اجتمع مع الأجانب أخرس فهو لا يصافحك ولا يتركك تنظر ما في عينيه في الفندق ويلفظ اسمه بحيث لا يسمع فكل واحد من هؤلاء الجزائريين جزيرة بعينها ويقول مونتسكيو: يصعب على الفرنسيس أن يكون لهم أحباب في انكلترا وكيف يحب الانكليز الغرباء عنهم وهم لا يحبون أنفسهم وانى يعطوننا ما نأكل وهم لا يتواكلون، يجب أن نجري على خطتهم فلا نهتم بأحد ولا نحب أحداً ولا نعتمد على أحد. ومن الغريب أن هذه الأمة العازفة عن العشرة البعيدة عن الاختلاط تراها في أمورها الداخلية من أكثر الأمم ميلاً إلى الاشتراك وما حديث أنديتها ومجامعها وشركاتها المالية بخاف عن أحد، وقد شرح فولني العالم الفرنسوي سر نجاح الانكليز في الزراعة والتجارة والصناعة بقوله: إنهم بالسكوت يجمعون أفكارهم ويتفرغون إلى التدبير والتقدير على ما ينبغي ويحسبون دخلهم وخرجهم وبصفو فكرهم أكثر وينبعث كلامهم جلياً ومن هنا كان التدقيق والرواء رائد جميع أعمالهم العامة والخاصة وقال كارلايل الفيلسوف الانكليزي: الانكليز شعب أخرس، ثم شرح هذه العبارة بقوله: إن السكوت يزيد في علاقتهم ونظامهم مع ما يبين عنه اللسان، الانكليزي يميل إلى الاختفاء ولا يهمه الظهور يهمه تجويد العمل من حيث هو عمل نافع ولذلك ترى جرائد انكلترا لا يوقع كتابها على مقالاتها وهي مع هذا أرقى من جرائد فرنسا التي يوقع كتابها على مقالاتهم ليقال عنهم أنهم كتبوا ومن آثر الاختفاء من هؤلاء لا يلبث أن يظهر اسمه بصنعه. إن كان من خلق الانكليزي الإقدام على العظائم فإن حب الجديد والذوق في المجهول ليس فيه إلا على ضعف أيضاً فالانكليزي يبقى انكليزياً ويعيش عيشاً انكليزياً حيثما ينزل، والانكليزي أقل من الفرنساوي والايطالي في اليأس من النجاح وأكثر منهما هزؤاً بالمتاعب والمخاطر لعلمه بأن لها حداً تقف عنده ولا بد من حل مشكلاتها وقلما تراه يحسب حساباً لنكد الطالع فترى الشاب يتزوج من فتاة وهو في مقتبل العمر ولا يطالبها ببائنة (دوطة) بل يقترن بها بلا مهر ويقدم على تأسيس أسرة فيزيد نفقاته ثلاثة أضعاف ماكانت عليه والصانع يقدم على إدخال إصلاح في عمله بجرأة ويتخذ وسائط النجح وهو يعلم أنه لا يلبث أن يتم إصلاح مصنعه حتى يقوم صانع آخر ينافسه ولكنه يكون استفاد من الفترة بين إصلاحه وإصلاح منافسه وترى المهاجر منهم لا سبد له ولا لبد ومع هذا ينزح ويرزح تحت أثقال المتاعب وهناك سبب آخر وأعني به الهوى في العمل أوالتجنن فيه وفي الحركة والذوق في العمل من أجل أنه عمل وكل ذلك مما تقتضيه حالته الطبيعية، وإنا لنرى المرسلين منهم يتغربون في الأرض ولا يخافون بل يتعزون بما يتم على أيديهم في الأقاصي وينامون ملء جفونهم شاكرين ويعملون أعمالاً في السر ابتغاء وجه الله. ومن خلق الانكليزي أنه متشدد في الاحتفاظ بالحالة الحاضرة فأرباب العقول الغربية في تصورها كثيرون ولكنك لا ترى فيهم أحداً يميل إلى الثورة وقد اشتهرت انكلترا بأنها بلد التقليد المستعصية حتى على التبديل اللازم وثلاثة أرباع سكانها لا يشعرون بالحاجة إلى إدخال تعديل في القوانين والأخلاق والربع الآخر يقبل بالتبديل في بعض أحوال مخصوصة ويتعلق بها ويلاحقها بنشاط ولذا رأينا الشعب الانكليزي قد جالد لأول وهلة ريثما أدخلت عليه أساليب الارتقاء حتى المادي منه فلما دخله صار في لحمه وعظمه وهكذا شأن الأمة العظيمة تتشدد في تقاليدها وتستنكف في الغالب عن قبول كل جديد إلا إذا ثبت لها ما ينقضه ثبوت الشمس والقمر. مهما بلغ من انحطاط مكانة الرجل الانكليزي في المجتمع ومهما بلغت حرفته من الامتهان لا يحسد من كان أعلى منه منزلة وله من عمله الذي يستمتع بمدافعه أعظم سلوى ولذلك قل إن مالت الطبقة العاملة في انكلترا إلى تغيير نظام الإشراف في المجتمع وذلك لاعتقادها بأن الأعمال مقسمة لأن الحظوط متباينة، وبينا ترى فرنسا تقول للوزير كن فكان مهما كان وضيعاً وللنائب كن نائباً فكان مهما كان منحطاً في أصله وللشريف كن شريفاً فيكون تجد انكلترا لا تسمح لوضيع أن يعد في جملة العظماء إلا بعد ثلاثة أجيال وذلك على نظام وترتيب تدريجي لعلم القوم بأن الطبيعة في انكلترا لتأخر في كل شيء ولذلك اقتضى أن يكون ارتقاء الناس كذلك. من خصائص الانكليزي أنه يشبه ميكانيكياً تعلم علم الحيل (الميكانيك) بالتجربة لا بالنظر فتراه مهتماً أن ينتج بما له من آلة ما أمكن من النتائج ولا يحرص على تبديل محركها وأدواتها لعلمه بأنه إذا فعل ذلك اقتضى عليه أن يوقف العمل وأن يبذل بلا نتيجة وقتاً واهتماماً من رأس ماله المحدود وهو يدرك بأنه إذا حدث للآلة ما يضر سيرها تقف حيناً وتنقطع فائدته وفائدتها ولذلك يجد من نفسه داعياً إلى القبول بتعديل آلة على أن يغير أدواتها القديمة بأدوات جديدة ولكن بدون أن يوقف الآلة ويقلل من مغلها. يعتقد الانكليز بالضعف البشري ويشعرون بضرورة أخذ الأمور بالتدريج والبداءة بها من الصغير للوصول إلى الكبير حتى لا تقف القاطرة في هذا الجهاد وتتهور في منحدر لا تقوم منه فهم في شرائعهم يكتفون بتعديلها وإصلاحها مع الزمن وما قط حدثتهم أنفسهم أن يضربوا بما لديهم عرض الحائط ويضعوا غيرها من عند أنفسهم، ولكن الانكليزي مع هذا إذا رأى الخير في تعديل قانونه يصر عليه فقد رأينا أصحاب الصحف على عهد الإصلاح البرلماني الكبير قد صعب عليهم أن يصدروا منشوراتهم النفعة لأنه قضي عليهم أن يدفعوا عن كل نشرة طابعاً فاجمعوا أمرهم على أن يصدروها بدون طوابع فغرمتهم الحكومة وحبستهم ولكن جرائدهم ومنشوراتهم ظلت تصدر على عادتها بدون طوابع وأصروا الا برفعها فمضت أربع سنين على هذه المسألة وقد حبس لأجلها زهاء خمسمائة رجل ثم اضطرت دار الندوة أن تجيب الطلب وإن كانت الحكومة تضررت من هذا القسم المهم في الميزانية. يعمل الانكليزي حباً بالعمل نفسه على حين يعمل غيره من الأمم لإحراز الثمرة التي تعقب الشرف أو الراحة أو الرفاهية والدليل على ذلك ما نراه في أهل الطبقة العالية منهم ممن لهم من ثروتهم ما يعفيهم من تعاطي أي عمل كان، نراهم يصرفون نصف أيامهم في الألعاب الرياضية الشديدة ولا يبالون فكأن الرياضيات لهم كالفطرة المستحكمة كما كانت الألعاب الأولمبية في يونان أيام عزهم ثم إنك لا تجد غنياً لا يصرف شطراً من وقته في النظر في شؤون مقاطعته وابرشيته وكثيراً ما يهلك قواه في هذا السبيل على حين تجد ابنه في استراليا أو مانيتوبا يعيش مع رعاة الغنم في تلك البلاد القاصية المنفردة وابنه الآخر من المرسلين في جنوبي إفريقية يعمل شاق الأعمال. وبينما نرى الانكليزي أكثر الأمم تحاشياً مما فيه عبودية واحرص الناس على التناغي بالحرية الشخصية والحرية المدنية كحرية الاجتماع وحرية التكلم وحرية القول نراه في نظام أسرته قد احتفظ حتى الآن بنظام الحكم المطلق فنرى الابنة تأتي زوجها بدون أن يعطيها والدها بائنة لأن العادة جرت بين الأغنياء وأرباب اليسار أن يحفظوا لبكر الأولاد العقارات ويقسموا الأشياء المنقولة بينه وبين أخيه الأصغر منه سناً وتنال الابنة حصة من ذلك ويكون في الأغلب دخلاً قليلاً تناله من واردات أبيها، حرمت من ذلك حتى لا تجيء دار زوجها بما يرفع رأسها عليه لأن الرجال يريدون أن تكون لهم السلطة التامة في بيوتهم حتى أنه إذا اتفق أن أزواجهم جاؤهن بشيء من المال يضيفونه إلى ثروتهم ويحرمونهن حتى من الوصاية على أولادهن ومن التصرف بأموالهن. عادات قديمة ورثوها فحافظوا عليها وإذ كان أبطال القرون الوسطى في أوروبا قد لطفوا من شأن المرأة لأن من عادتهم الأخذ بأيدي الضعفاء والعاثرين فإن انكلترا لم يدخل عليها هذا التلطف والزوجة مع زوجها وما يختار لا ما تختار هي، وترى الوالد والوالدة يربيان ابنهما بعيداً عنهما ولا تأخذهما شفقة في ذلك والولد إذا غاب عن والديه ينساهن وإذا مثل بين أيديهما يحترمهما. هذه بعض صفات الانكليز ومنها انبعث ارتقاؤهم المادي والمعنوي فسبحان المعز المذل القابض الباسط رافع الأمم وخافضها ومشقيها ومسعدها. الأمة تحبو نريد بالأمة هنا الأمة العربية أو الشعوب العربية وإن كان لكل قطر بل لكل كورة من أقطار بلادها وكورها حالة خاصة بها وفلسفة روحية تختلف عن جارتها وتستدعي بحثاً على حدثها ولكن ما يتعذر على التفصيل يجدر أن يذكر على الاجمال، ننظر نظرة عامة في حال العرب ليتجلى لنا أن كانوا ناهضين نحو الرقي أم هم يسرون سيراً متثاقلاً لا يعرفون الغاية ولا يهتدون إلى وجد الحق سبيلاً. إذا بدأنا بمراكش وهي أقصى حدود البلاد العربية نجدها لم تبرح على ما يبلغنا من أمرها أمة أمية كما كانت في أواخر القرون الوسطى وهي على استقلالها وقربها من أوروبا لم تتأثر بالمدينة الغربية وما فتئ أهلها يعيشون في حال التنبت يأكل كبيرهم صغيرهم ويعبث خاصتهم بعامتهم يرون السعادة كل السعادة ما هم فيه ولا تحدثهم أنفسهم أن يغيروا منه بأن يبحثوا عن سر تفاشلهم وتقاتلهم وجاهليتهم. فأهل مراكش في تقاليد مدينتهم كالذين ينتحلون الفتشية أي عبادة الأصنام في إفريقية بالنسبة لأهل الأديان السماوية الراقية ما زالوا على الفطرة الأصلية وليس عندهم من دواعي البقاء إلا ما لا غنية عنه لكل قبيل مهما انحطت درجة مجتمعه وهيهات أن تتوحد كلمة المراكشيين على تباين أقطارهم وأمصارهم ما دامت القبائل تتعادى والحكومة كل يوم في شأن وليس بين قبائل البربر في القاصية وبين أهل فاس وطنجة صلة كأنهم من عالم آخر، أما من يسوغ أن يقال عنهم بأن لهم شيئاً مما يطلق عليه اسم مدينة من باب التجوز وهم سكان الأمصار فالخاصة منهم لا يعرفون إلا بعض المسائل الدينية والتاريخية وتقف معارفهم عند هذا الحد ومن المتعذر جداً أن ترى مراكشياً قلد الغربيين في ملبسه وعيشه ومناحيه وتصور معنى المدينة الفاضلة. وهكذا إذا جئت تبحث في حال بوادي المغرب الأوسط أي الجزائر ولولا مبادئ من الافرنسية يلقنها بعض الجزائريين طوعاً أو كرهاً لما رأيتهم الاكبادية مراكش حذو القذة بالقذة، أما مدن الجزائر فسائرة نحو التطبع بطابع المدنية الغربية على تشدد السكان الأصليين واستنكافهم من الأخذ بها والتحامي من الايغال في تلقف ما يضر بكيانهم من قبول تلك المدنية التي تنتهي إذا فتحت لها السبل كلها بصيرورتهم فرنسيساً كما هي إرادة الحكومة والقوم مهما أبدوا من المتانة في مجافاة الأوضاع الافرنسية تضطرهم بقوة ولو بعد نصف قرن أن يقبلوا بكل ما تعرضه حكومتهم عليهم من الأوضاع والمنازع التي لا ترى لها ولهم سعادة بدونها، والجزائريون لا يستطيعون على تلك الحال أن يدرسوا وحكمهم استعماري حتى ولا مبادئ لغتهم لما يحول دون أمانيهم من العوائق على ما يقال، وكأنا بالجزائر إذا دام أمر المسلمين فيها في تراجع وقد أصبحت فرنسوية في كل حال من أحوالها وأنك لترى بعض أهلها يهاجرون منذ سنين ويتخلون بطبيعة الهجرة عن عروضهم وعقارهم وينزل مكانهم أناس من الفرنسيس والطليان والإسبان وغيرهم يستعمرون الأرض ويتملكون الدور والعقار ويقبضون على أزمة التجارة، وقسم من الأهلين يقلد الافرنج فيتعلم على طريقتهم ويحسن لغتهم وينسى لغته وتضعف وطنيته وجنسيته وعقيدته فهذا وأولاده من بعده يصبحون إفرنجاً صرفاً إن لم يكن في الجيل الثاني ففي الثالث والقسم الآخر من السكان وهو المهم الآن وفيه كثير من أرباب الغنى والفكر يجمعون إلا قليلاً بين الأخذ بمذاهب المدنية الحديثة مع المحافظة على تقاليدهم وأوضاعهم وهؤلاء خير طبقة يرجى منها النفع الآجل والعاجل وهناك قسم آخر يجرفهم سيل المدنية الحديثة فيقبلونها رضوا أم لم يرضوا. وإنا إذا حسبنا من تعلموا الافرنسية اليوم من الجزائريين ولم يتعلموا لغتهم مائتي ألف نسمة من أصل نحو خمسة ملايين بعد أن حكمت فرنسا هذا القطر زهاء سبعين سنة فسنرى عددهم يربو على ذلك أضعافاً بعد نصف هذه الحقبة من الزمن، إذ أن الدعوات الدينية والمدنية تكون ضئيلة في الغالب لأول أمرها ثم تقوى كالنار أصلها من شرارة ثم يمتد لهيبها ولتهم البعيد والقريب منها، ويخشى أن يكون حال الجزائر مع من يهاجرونها من أبنائها حال الجو في إنكلترا مع سكانها فقضى بقاعدة الانتخاب الطبيعي وقانون الوراثة على العاجزين والخاملين وبقي الشعب على الجملة من الأقوياء الأشداء العاملين الناهضين، نعم نحاذر أن تقذف الجزائر بالخاملين الذين سدت في وجوههم مذاهب المعاش وأن تستعيض عنهم بالعاملين من الغربيين أو من الجزائر بين أنفسهم الآخذين بمذاهب الحياة أخذ الأوروبيين. من أجل هذا ساغ لنا أن نقول أن مستقبل الجزائر إن دام على هذا المنوال مظلم محزن ومثلها تونس وإن كان الأمل بنهوض هذا القطر أقرب من بعض الوجوه لأن طرز حكومة الحماية يختلف بعض الشيء عن طرز حكومة المستعمرة لوجود حاكم من أبناء البلاد في الصورة ولأن بعض المنورين من أهلها لم يسعهم بعد طول الروية إلا التشبث إلى الرقي بأسبابه المنتجة ولو بعد زمن طويل ونعني بذلك التعلم على المناحي الأوروبية وعدم إغفال التعاليم القومية والمذهبية، وهذه البزرة على صغرها لا بد أن يأتي يوم عليها تكبر فيه دوحتها وتثمر في أرض قرطاجنة. أما إقليم برقة أو ولاية طرابلس الغرب فشأنها على اتساع رقعتها وكثرة سكانها شأن البلاد المتأخرة جداً وجمودها في الأخذ بمذاهب الحضارة جمود المغاربة المراكشيين وبلادهم حتى الحواضر منها بادية أكثر منها متحضرة وقلما تجد نهوضاً إلى التعلم الحقيقي فيهم والنبهاء منهم يرون الاكتفاء بأن يتلقوا مبادئ العلوم في مدارس الحكومة للتوظف في خدمتها أما سائر مذاهب المدنية فقد أغفلوه ولذلك يصعب أن نقول عنهم أنهم كالطفل يقوم ويقعد أو يحبو ويدب. جئنا إلى مصر ومصر معقد الآمال في مستقبل هذه الأمة لأن توسطها من الأقطار العربية ومركزها التجاري المهم الداعي إلى اختلاطها بالأمم الأخرى كثيراً وخصب تربتها وغناها وكثرة سكانها كثرة قلما يتأتى لواد كوادي النيل أن يحوي مثله نفوساً يوفر لهم مرافق العيش وانتظام حكومتها بعد الإسلام على اختلاف الدول التي حكمتها ومدنيتها القديمة ونظامها الذي عم أريافها كما عم أمصارها وتسلسل الميل في أبنائها للأخذ بمذاهب الحضارة الغربية وتأسيس أوضاعها والعناية بما يبقي عليها جنسيتها ونحلتها كل هذا مما يرجى منه أن يكون حضارة عربية غربية تأخذ إن شاء الله من الحضارتين أطايبهما على نحو ما فعلت يابان يوم عزمت أن تنشأ نشأة راقية تضاهي بها دول المنعة والمدنية الحديثة فلم تتخل عن شعائرها ولم تتناول كل ما وقعت أبصارها عليه من أسباب الحضارة الغربية فجاءت بمدنية لا شرقية ولا غربية يكاد سنا ضوئها يأخذ بالأبصار. ولقد خط الزمان لمصر خطة منظمة في الارتقاء وفيها الذين قلدوا الراقين من الغربيين بعيشهم ومناحيهم وإدلالهم بوطنيتهم وأرومتهم وعندها ما يلزم لأمة من أدوات الرقي على أتمه إلا قليلا، وإذا نشأت لبعض أبنائها رغبة في تلقف العلوم الطبيعية والصناعية كما أولعوا بالعلوم الأدبية والسياسية تصبح بعد بضع وعشرين سنة كأمة أوروبية راقية وربما فاقت الآن وهي بعلمها وارتقائها في قارة إفريقية بمنزلة ألمانيا وفرنسا في قارة أوروبا كثيراً من الشعوب المنحطة في جنوبي أوروبا. أما سورية فقد أنشأت لها مدنية خاصة إن صح أن نسميها كذلك ولكنها متلونة بتلون مصادرها مختلفة اختلاف اهويتها وعناصر سكانها فالأتراك يلقنونها لغتهم منذ استيلاء الدولة العلية عليها ولكنهم لم يوقنوا إلا بتعليم أفراد في بعض البلاد قضت عليهم مصلحتها التجارية كأهل حلب وما جاورها مثلاً بتعلمها أو غرامهم بالوظائف العلمية والعسكرية والملكية كأهل دمشق وطرابلس وبيروت أن يتلقفونها أما الذين تأثروا من أبنائها بالمدنية الغربية المنبعثة من المدارس الفرنسوية والاميركانية والانكليزية والروسية وغيرها فأوفر عدداً وإن لم تكن المدارس أقدم زمناً وأرسخ قدماً في كل الأقطار فهي في فلسطين أي في جنوبي سورية أقوى منها في شماليها وفي غربيها أكثر مما هي في شرقيها فنجد الناشئة الجديدة على المناحي الغربية في القدس ويافا وحيفا وعكا والناصرة وصور وصيدا وبيروت ولبنان وطرابلس والاسكندرونة أكثر مما تجد منهم في نابلس وصفد ودمشق وحمص وحماة وحلب واللاذقية، وكلما كثر في بلد سواد المسلمين كان البعد عن الأخذ بمدينة الغرب أكثر من غيره من المدن المحنسة بأديانها وتباين أغراض المعلمين فيها. وعندنا أن الحكومة تحسن صنعاً إذا نشطت في هذا القطر اللغة العربية أكثر من اللغة التركية أو على الأقل جعلتها مثلها ليكون لها من أبنائها أكفاء في صد تيار المدارس الأجنبية التي تعد الناس للهجرة أكثر من تحبيب بلادهم في أعينهم أما السعي في تتريك العرب في سورية وفي غيرها من الأقاليم العربية كاليمن والحجاز والعراق والجزيرة فسعي باطل ليس في خير للبلاد ولا للدولة لأن تعليمهم بغير لسانهم يطول معه زمان نهوضهم الحقيقي والأتراك ليسوا بمدنيتهم على مستوى الفرنسيس والانكليز في الرقي ومعرفة المدخل والمخرج مثلاً حتى يفيضوا من عملهم على العناصر الأخرى ولذلك كان عمل الحكومة عقيماً في نشر التركية فقط في البلاد العربية والدليل على ذلك أن الولايات التركية أحط بكثير من الولايات العربية فولايتا سورية وبيروت أرقى ولا شك من ادرنة وبورصة كما يؤكد ذلك من طافوا هذه الولايات الأربع وخبروا قراها كما خبروا مدنها أما درجة التهذيب والتعليم في سورية فأرقى من بلاد الأكراد وأرمينية وولايات آسيا الصغرى أي الأناضول ولذلك جاز لنا هنا أن ندعي أن السوريين كالطفل بدأ يحبو نحو المدنية إلا أنه لم يعين له خطة معينة حتى الآن وحالته مناط بفناء نوابه بل نواب العرب وكفاءتهم في مجلس النواب وإذا حسنوا النيابة نالت هذه البلاد حقوقها الإدارية والعلمية والعمرانية وإلا فتبقى في حالة التذبذب. أما سائر الأقطار العربية فلا يسوغ لنا أن نقول أنها أخذت تحبو ما دامت الفتن تنهك قواها وذلك مثل بعض أنحاء العراق ونجد واليمن فإن الأمن لم يكد يتقرر في نصابه في قطر من أقطارها مدة طويلة ومنذ نحو أربعين سنة لا تخلو سنة إلا وتنتشر الفتن في بقعة من بقاع اليمن وكذلك جنوبي سورية ونجد والعراق ولولا بقايا مدنية تقذفها الهند على خليج فارس فينال منها البصرة وبغداد شيء قليل أو تلك الآثار الضئيلة التي يلقيها الراحلون إلى الشرق من أهل الغرب على بعض موانئ البحر من جهة الجزيرة العربية لقلنا أن هذه لم تختلف حالتها عن بضعة قرون إلا ما كان من خلل الأمن فيها. وبعد فإن حال هؤلاء الملايين في اليمن والحجاز والبصرة وبغداد والجزيرة والشام وطرابلس الغرب يدل على أن الانتفاع من قليل منظم خير من كثير مشتت وأن أهل سويسرا وهم ليسوا سوى جزء من عشرين جزءاً من العرب المنبعثين من شواطئ بح الظلمات إلى شواطئ المحيط الهندي أكثر أثراً في المدينة من العرب اليوم وهم لا يقلون عن ستين مليوناً وما ذلك إلا لبعد أقطارهم واختلاف الأغراض في حكوماتهم فتجدها إما إلى اليقظة الغربية أو إلى الإهمال المدهش، إفراط أو تفريط وكلا هذين إن زاد قتل. أما سائر البلاد العربية كزنجبار والسودان وأواسط إفريقية فحالها تبع للأقدار وهي أقرب إلى الانصباغ بصبغة الحاكمين عليها لأن أهلها على الأغلب ليست لهم في الأصل مدنية راقية زالت ثم بدأت تعود ولأن أقاليمهم الحارة تفعل في عقولهم فتخملها كما تفعل الأقاليم الباردة في عقول الساكنين فيها فتنشطها وتبعث منهم قوة الإرادة والثبات وتطلب منهم مطالب كثيرة تضطرهم إلى تنويع أساليب العمل. وبعد فليس كمصر بين البلاد في رقيها فهي أم الأقطار العربية وسوف تعلم غيرها كما تعلمت فترسل أشعة أنوارها إلى الأقطار ولا سيما إذا نالت استقلالها الإداري وأصبحت ذات دستور يحل شؤونها ونهوض البلاد بحسب طبائع الحكومات التي تتولاها. والمدنية كتيار قوي لا تقف في وجهه سدود الحكومات، مهما ضغطت، ورابطة اللغة والدين أقوى الروابط لا تنزعها القوانين اليوم مهما جارت والأمة الآن تحبو وتوشك أن تمشي مشية الشاب القوي العضلات التام الأدوات والصفات، خصوصاً إذا تعاطفت وتعارفت أكثر مما تتعاطف الآن وتتعارف وعندنا أن الصلات الاقتصادية أي التجارية إذا قويت بين هذه البلاد أكثر مما هي الآن ورحل التاجر الراقي من العراق إلى تونس وجاء المراكشي إلى الشام ونهض اليماني نحو مصر وكثرت الصلات والمواصلات واشتركت المنافع واتحدت يتأتى أن نقول ولو بعد قرن أو قرنين — والقرن والقرنان لا يعدان شيئاً في حياة الأمم — أن هناك أمة عربية ذات كيان يذكر لا يقل عن كيان الطليان والألمان واليابان والأميركان والعصر عصر تكوين الوطنيات باللغات وإحياء ما اندثر من القوات بضم شملها بعد الشتات ولا سبيل إلى النهوض إلا بإحياء اللغة والآداب وتذكير الأبناء بما فعل الآباء وإلا فتبقى هذه الأمة الكثيرة الحصا الوافرة البقاع والأصقاع أمام المدنية الغربية أقرب إلى الاضمحلال منها إلى البقاء ومتى أزمن مرضها يتعذر برؤها، سبحان من يحيي العظام وهي رميم. العفة وتمدح العرب بها العفة خلق يعصم صاحبه عن تناول ما لا يحل: فإذا عرض له ملذوذ محرم، أو سنحت له شهوة محظورة حال هذا الخلق الكريم بينه وبين التلوث بها، وقد غلب استعمال كلمة العفة في تجنب قاذورة الزنا، ومن أكرم نفسه عن هذه القاذورة كان في منجاة من خزي الدنيا، وعذاب الآخرة، ويكفي الزاني خزياً في دنياه أن يكون محتقراً في ذويه معرضاً للعاهات والأمراض الخبيثة، وأن يصبح قدوة سيئة لأهله وولده في سلوك هذا الطريق المشؤوم، وإني أعرف رجلاً ابتلي بهذه الرذيلة فكان له في كل يوم خليلة يختلف إليها، وينفق من رزق عياله عليها، وكان له زوجة وأولاد: فلم يكن أمره ليخفى عليهم مهما بالغ في التكتم، ولما بلغ أكبر أولاده من الرشد مال إلى هذا المنكر ونما في نفسه حب الفاحشة، فجعل يسافر من بلد إلى بلد في تطلب الفتيات، وتصيبهن، والإنفاق عليهن وكيف يكون موقف الأب إزاء عمل ابنه هذا؟ أتراه يقدر على كبح جماحه وإرجاعه عن غيه، وإقناعه بأن ما هو فيه يؤدي إلى قبح الأحدوثة، وضياع الشرف، وخسارة الصحة وعذاب الآخرة فإذا نصح له أبوه بمثل هذا القول ماذا يكون جواب ابنه له يا ترى؟ وفي مثل هذه القصة قال الشاعر في المثل السائر: إذا كان رب البيت بالطبل ضارباً فلا تلم الصبيان فيه على الرقص وقديماً ما تمدح العرب بالتخلق بالعفة، والابتعاد عن التلوث بقاذورة العهر، بل تجنب كل ما يلحق بهم ريبة، أو يدعو إلى سوء ظنه، فكان أحدهم لا يزور امرأة جاره في غيبة زوجها تأثماً وتكرماً. وإذا كان جواداً مثل حاتم الطائي، وكان له جار بادي الخصاصة، احتال في إرفاد زوجته أثناء غيبته من دون أن يلم بها، أو يدخل بيتها وقد دل حاتم على خلقه هذا في قوله: وما تشتكيني جارتي غير أنني إذا غاب عنها بعلها لا أزورها سيبلغها خيري ويرجع بعلها إليها ولم تسبل علي ستورها قوله وما (وماتشتكيني) أي لا يمكنها أن تشكوني إلى نساء الحي فتقول: إن حاتماً بخل علي، ومنع عني معروفه، في غياب زوجي، لا تقول ذلك لما أني كنت لا أقصر في فعل كل ماينعم عيشها، ويكفي حاجتها، إلا الزيارة فإني كنت أدعها مدة غياب زوجها، وقوله (سيبلغها خيري) أي يصل إليها معروفي ورفدي وأزال كذلك حتى يرجع زوجها من دون أن أدخل خدرها وتسبل علي سترها. وقال حاتم أيضاً في هذا المعنى: ناري ونار الجار واحدة وإليه قبلي تنزل القدر يقول أن جاري لا يضرم ناراً لنفسه وإنما تكون ناري له ناراً فيأكل هو وعائلته مما يطبخ عليها، بل إن القدر تنزل عن النار وتقدم إليه ليتناول منها حاجته قبلي ما ضرني جارا جاوره أن لا يكون لبابه ستر لا أبالي أن لا تكون ستارة على باب بيت جاري، وذلك لأني عفيف العين فلا أخشى على نفسي التطلع إلى داخل البيت، والنظر إلى النساء اللائي فيه. أعشو إذا ما جارتي برزت حتى يواري جارتي الخدر هذا البيت كأنه جواب لسؤال يوجه إلى حاتم: فيقال له أحسنت إذ لم ترسل نظراتك الخائنة من خلال الستور إلى نساء جارك ولكن كيف تصنع إذا برزت الجارة من خدرها وتمشت بين المضارب والبيوت، فقال إني إذ ذاك (أعشو) أي أغض عيني وأغمضهما فلا أعود أبصرها حتى تدخل خدرها، وتتوارى فيه، واصل (العشى) مقصور من دون همزة، أن يضعف بصر المرء فلا يعود يبصر في الليل، وإن كان يقدر على الإبصار في النهار، والوصف منه أعشى، وبه سمي الشاعر المشهور والناقة العشواء التي لا تبصر أمامها فهي تخبط بيديها كل شيء يعترضها، وتعتسف الطرق على غير هدى، ومنه المثل فلان يخبط خبط عشواء. وقد تجوز حاتم فاستعمل العشى هنا بمعنى غض العين، أو تخزير الجفن بحيث لا يعود يبصر إلا كما يبصر الأعشى الضعيف البصر. وقد أعطانا هذا العربي الكريم في شعره درساً جليلاً في الأخلاق وفي آداب معاملة النساء يجدر بنا أن نحفظه، ونحتذي مثاله، فلا نتعرض إلى النساء الأجنبيات، ولا نسارقهن النظرات الخائنات. وقد افتخر حميد بن ثور الهلالي بما افتخر به حاتم فقال: وإني لعف عن زيارة جارتي وإني لمشنوء إلي اغتيالها (مشنوء) مبغض مكروه، يقول أنه يكره أن يزورها لئلا يساء به الظن فيهان، كما يكره أن يغتابها لئلا يقال أنه تنزل لمنافسة النسوان. إذا غاب عنها بعلها لم أكن لها زواراً ولم تنبح علي كلابها زوار على وزن غراب بمعنى كثير الزيارة ومن مادة الزيارة سمي الرجل الذي يكثر من زيارة النساء وغشيانهن ومجالستهن زير وبه سمي المهلهل أخو كليب الزير ويقال فلان زير نساء إذا كان مولعاً بمجالستهن وتصبيهن. وما أنا بالداري أحاديث بيتها ولا عالم من أي حوك ثيابها حوك مصدر حاك الثوب حياكة وزير النساء يعمل على تعرف أحوالهن وتسقط أخبارهن فيدري إذا جرى بينها وبين جارتها أو خادمتها وماذا رأت أو سمعت في العرس أو المأتم الذي ذهبت إليه، وقد يستخبر منها عن نسيج ثوبها، ومن أي صنف أو جنس هو، ومن أين اشترته، وعند أي خياطة خاطته كل هذه الأسئلة لأجل أن يكون له مادة للحديث يشغلها به حينما يزورها أو يصادفها، فشاعرنا العربي لم يقصر في درس طباع هؤلاء الأزيار جمع زير ومعرفة غريب حيلهم، فهو ينفي عن نفسه أن يكون فاسقاً مثلهم أو يشتغل بالنساء اشتغالهم. ومثله في ذلك عقيل بن علفة المري الذي يقول من أبيات: ولست بسائل جارات بيتي أغياب رجالك أم حضور (غياب) جمع غائب، وقوله (رجالك) أصله (رجالكن) بالنون لأن الخطاب للجارات وهن جمع، قالوا إن هذا الحذف أو الخطاب بالمفرد جائز في الشعر فقط: يقول: إنه لا يسألهن هذا السؤال ليتوصل به إلى محادثتهن، أو أنه لا يسألهن إياه إرادة الدخول عليهن، وقضاء لبانة منهن. ولست بصادر عن بيت جاري صدور العير غمره الورود (العير) حمار الوحش ووروده مجيئه الماء يريد الشرب وصدوره رجوعه عنه بعد شربه منه، و (غمره) بتشديد الميم من التغمير، وهو أن يرد حمار الوحش الماء فيشرب أول الشرب ثم يحس بالصائد الكامن له على الماء فيرجع نافراً غير متلبث وبه إلى الماء حاجة ونفسه تدعوه إلى العودة. فالشاعر يقول إني لا أدخل بيت جاري ابتغاء الريبة، وارده كما يرد عير الوحش منهل الماء، حتى إذا علمت بأن الجار في البيت صدرت ورجعت مسرعاً كما يفعل عير الوحش متى أحس بالصائد القانص إذ ينقلب عن المنهل مغمراً وتغميراً، وهو شديد الظمأ إليه. ولا ملق لذي الودعات سوطي ألاعبه وربته أريد (ذو الودعات) هو الصبي الصغير الذي يعلقون عليه الودع خشية العين ومسيس الجن، وقوله (ربته) تأنيث (رب) وضميره يرجع لذي الودعات، ويعني بربته أمه: لأنها تربيه وتملك أمره وتصلح من شأنه، حتى يبلغ كماله، والتربية مأخوذة من هذه المادة. وقد زاد الشاعر هنا معنى لم يقله زميله الشاعر السابق: فهو يقول أنه ليس بالوقح الذي يتوصل إلى مغازلة النساء ومحادثتهن بمناغاة أطفالهن وملاعبتهم، فإذا رأى طفلاً مع امرأة حسناء أو خادمة وسيمة ألقى إلى طفلها سوطه أو سبحته أو فم سيكارته يظهر من نفسه الرحمة بالأطفال وشدة العطف عليهم، والأمر ليس كذلك وإنما هو فاسق يريد صاحبة الطفل، ويبغي بها السوء. وأسلوب هذه الأبيات يعطي أن قائلها يريد التعريض بعدو منافس له: كأنه يقول أني لا أتنزل لأمثال هذه الشناعات وإنما ذاك خصمي فلان هو الذي اعتاد فعل ذلك. ومثل قوله الأخير قول الآخر: لا آخذ الصبيان ألثمهم والأمر قد يغزى به الأمر (يغزى) من غزا قصد، ومن غزو العدو، لأن الغازي يقصدهم في موضعهم، ومنه أيضاً (مغزى) الكلام، و (مغزى) القصة أي المعنى المقصود منها، فلثم الصبيان هنا ليس مقصوداً لذاته وإنما هو أمر قصد به أمر آخر، وهو تجميش المرأة والتفكه بحسنها وجمالها، وشكلها ودلالها. ولا أريد بالشكل هنا الهيئة والصورة وإنما هو بمعنى الغنج والدلال وشينها تفتح وتكسر، شكلت المرأة كفرحت فهي شكلة. أما التجميش فلا أبيح لنفسي التصريح بأصل اشتقاقه، وإنما أكتفي بتفسيره بالمغازلة. وخطر لي الآن أن المغازلة، ويراد بها محادثة النساء بكلام الحب، مشتقة من غزل القطن والصوف، وإنما سميت هذه المحادثة بهذا الاسم، لأن الزير يجلس إلى المرأة وهي تغزل فقد يساعدها بالغزل أو يحل الخيوط المعقدة أو يسألها عن غزلها وما تريد أن تنسج به مثلاً ويكون الزير بصنيعه هذا كأنه شاركها في الغزل، ولذلك جاء فعله (مغازلة) على بناء المشاركة، ثم يتوصل الزير بهذه المشاركة إلى أحاديث أخرى يعلمها الأزيار، ومن لطائف المتأخرين قول بعضهم: وزان بحب الزنا مغرم اماط رادء الحيا واطرح يقبل أولادهن الصغا ر ومن عشق الدن باس القدح أخبار وأفكار الجمعية الخلدونية في الشام ومصر وتونس جمعيات إسلامية كثيرة غايتها تعليم ناشئة الأمة وبث روح العلم والفضيلة في النفوس وأهما فيما نرى جمعية مآثر التربية والمقاصد الخيرية في بيروت والجمعية الخيرية في القاهرة وجمعية العروة الوثقى في الاسكندرية والجمعية الخلدونية في تونس، وأمامنا الآن الخطاب السنوي لرئيس الخلدونية ألقاه في الاجتماع السنوي لانتخاب رئيس وأحد عشر عضواً كما يقضي بذلك نظامها قال فيه أنه لا تسمو كلمة الأمة ولا يتقدم لها شأن إلا باشتراكها في السعي والعمل والقول والفكر وأنه من أجل هذا تألفت في العالم المتمدن الشركات والجمعيات الأدبية والعلمية واتحدت أفراداً أعلى شعوراً وإحساساً، فالرغبة في الحصول على هذه الغاية الشريفة سعى نخبة من فضلاء الأمة التونسية فوقفوا لتأسيس الجمعية الخلدونية العلمية التي مضى عليها الآن مدة تناهز أربعة عشر عاماً لم تزل في غضونها دائبة على القيام بوظيفتها من توسيع نطاق المعارف ونشر العلوم العصرية بين الشبيبة التونسية عامة وتلامذة الجامع الأعظم خاصة لاعتبار هذا المعهد العلمي كفرع للكلية الزيتونية. ومع قيامها بتلك الوظيفة السامية لم تزل أيضاً تبحث عن الوسائل الموصلة لاستكمال ذلك وترتب الدروس في الفنون غير المزاولة بالجامع الأعظم زيادة على التاريخ والجغرافيا والحساب والهندسة من بقية العلوم الرياضية والطبيعية التي لا يحسن الجهل بها في الأوقات الحالية. وقال: إن مادة بقاء الجمعية هي إعانة المشتركين من ذوي الغيرة والمروءة الذين قدروا المشروع حق قدره واستمروا على مساعدته بمالهم وعملهم، وعناية أعضاء لجنة إدارتها ورؤسائها الفضلاء السابقين الذين يحق للجمعية أن تفتخر بحزمهم وسعيهم في ترقية الجمعية وتصييرها من أرقى الجمعيات العلمية في شمالي إفريقية وخص من بينهم بالذكر سيدي محمد الاصرم الذي بذل جهده في هذا السبيل وأنفق وقتاً ثميناً من حياته لتحسين تراتيبها وأساليب تعليمها، ثم اهتمام السادة المدرسين الذين قاموا بما نيط بهم أحسن قيام وساعدوا الجمعية على نشر العلوم التي كانت مفقودة في تونس وترجمتها من اللغات الأجنبية إلى لغتنا العربية ونذكر في مقدمتهم سيدي البشير صفر والسيد حسن عبد الوهاب والسيد صادق التلاتلي والسيد عبد الرزاق الغطاس وغيرهم. وقال: إن أهم نتيجة لعمل اللجنة في السنة السالفة مضاعفة الإعانة المالية المخصصة للجمعية من إدارة الأوقاف وما قررته بموافقة الجلسة العامة من تغيير مدة التعليم وتصييرها عامين بعد أن كانت عاماً واحداً حرصاً على أن يكون المتخرجون من مدرسة الجمعية أكثر علماً وأوفر استعداداً لتلقي الدروس العالية أو مباشرة الخدم المعاشية ومن تنظيم نظام التعليم بما يشمل بعض فنون عصرية كالحكمة والكيمياء وحياة الحيوان والإنشاء العربي ومبادئ اللغة الفرنسوية الخ. هذا أهم ما ورد في خطاب الرئيس ولعل بعض قرائنا يودون الاطلاع على الغرض الحقيقي من تأسيس هذه الجمعية الراقية فنقول لهم نقلاً عن تقريرها سنة ١٩٥٦ وهو يصدر باللغة الافرنسية أن أول من اقترح تأسيسها المسيو ريبيليه الملحق العسكري بالمقيم العام في تونس وكان من المتبحرين في المسائل الإسلامية والواقفين على حركة النهضة المصرية فوقع في نفسه أن في مكنة شبان تونس المتعلمين في المدارس الفرنسوية أن ينشروا في القطر التونسي الأساليب الحديثة المتبعة في بعض بلاد الشرق ويصلحوا جامع الزيتونة على ما يناسب حال النهضة العلمية الحديثة فإذا صلحت حال هذا الجامع الأعظم يصبح كما كان مبعثاً للنور في العالم الإسلامي ولا سيما في شمالي إفريقية، وهكذا سعى إلى تأسيس هذه الجمعية فأنشأها زمرة من الفضلاء والمفكرين ودعوها بالخلدونية نسبة إلى ابن خلدون المؤرخ الفيلسوف الذي وضع في مقدمته أصول التعليم والإصلاح العلمي. ومن نظامها فتح دروس وإلقاء محاضرات في التاريخ والجغرافيا واللغة الافرنسية والاقتصاد السياسي وحفظ الصحة والطبيعة والكيمياء خاصة وأن تسهل على من فيهم استعداد لسلوك سبل الارتقاء في العلم وتنشط على أحداث خزائن كتب وأن تنشئ مجلة بالعربية والافرنسية تعرف العرب بالمدنية الفرنسوية والفرنسيس بالحضارة العربية. وبعد تأسيسها بمدة أعطيت مدرسة من المدارس القديمة جعلتها محلاً لصفوفها ومسامراتها ومكتبتها التي كانت تحتوي سنة ١٩٠٦ على ٦٩٠ مصنفاً بالعربية والافرنسية وقعت في ١١٥٣ مجلداً وفيها الامهات الممتعة ولا سيما ما يتعلق بتاريخ تونس وعمرانها ومدنية الإسلام. وقد لقي هذا المشروع معاكسات قوية بادئ بدء وكثرت فيه الظنون والتخرصات على نحو ما يلقى في العادة كل مشروع في الشرق ولكن عرف القوم بعد حين سلامة قصد القائمين وسكتت الألسن عن تناول الخلدونيين بسوء خصوصاً لما يرون من حماية سمو الباي والدولة المستعمرة لجمعيتهم ولأن المتخرجين في مدرستها إذا كانت بأيديهم شهادة يفضلون على غيرهم في الوظائف. والدروس والمحاضرات التي تلقى في تلك المدرسة هي الحساب والهندسة والتاريخ والجغرافيا والطبيعة والكيمياء وقد أقاموا معملاً كيماوياً في مكتبة المدرسة ليطبقوا العلم على العمل ثم أضافوا إلى هذه الدروس علم المساحة ورسم الأراضي (الطبوغرافيا) والرسم والجبر، وأهم ما تدور عليه المحاضرات تدبير الصحة العلمية والنظام القضائي في تونس وقانون العقارات وعلم الحقوق الإسلامي والفرنسوي والاقتصاد السياسي والاقتصاد الزراعي يلقيها في الغالب أعضاء الجمعية وفيهم العلماء والكاتبون والباحثون باللغة العربية وكان المستمعون قلائل جداً بادئ الرأي قلما ثبتت الجمعية ارتقوا من العشرات إلى المئة والمئتينيوكانت واردات الجمعية سنة ١٩٠٦ — ٦٨٨٩ فرنكاً ونفقاتها كذلك ولا شك أنها زادت الآن بحسب حاجة العصر وارتقاء مدارك أهله، وقد انتخب لرئاسة الخلدونيين هذه السنة السيد عبد الجليل الزاوش من علماء تونس وأرباب الأفكار فيها. الجمعية الخيرية الاسلامية بمصر بلغ مجموع إيراد هذه الجمعية الخيرية في سنة ١٩١٠ — ٢٢٣٤٠ جنيهاً و ٧٦ مليماً منها ٩٩٧ ج و ٢٠٠ م اشتراكات و ٧١٧٢ ج ٢٢٥ م إيجار أطيان و ٢٩١٧ ج و ٨٩١ م للاحتفال السنوي منه مبلغ ٢٢٣٧ ج و ٣٧٦ م لسنة ١٩٠٩ و ٥٢٤ ج و ٦٧٢ م تبرعات و ٢٠٣ ج إيجار مباني الجمعية بيتي مزار وطنطا و ٧٥ ج مرتبات خيرية وجنيه ومائة مليم إيرادات متنوعة عمومية و ٦٧٧٣ ج و ٥٠٠ م أجور تعليم و ١٣٧٨ ج و ٥٦١ م ثمن كتب وأدوات مبيعة و ١٤٥٠ ج مرتبات خيرية و ٨٢ ج و ٣٧٥ م إيراد وقف المرحوم أحمد أفندي شاكر و ٦٦٣ ج ٧٨ م تبرعات و ٤٥ ج جائزتا المرحوم علي باشا مبارك وحضرة عبد الرحمن بك رضا ٥٥ ج و ٧٦٥ مليماً، وبلغ إجمالي المصروفات ١٨٥٥٢ ج و ٦٤٨ م وبلغ الباقي بعد نفقات سنة ١٩١٠ وهي نفقات التعليم والإعانة والصدقة الخصوصية والنفقات العامة ١١٠٣٤ جنيهاً و ٣٢٨ مليماً. التعليم الدنيوي نشر المسيو كومبايري من علماء الفرنسيس مقالة في مجلة المجلات الباريزية بشأن التعليم الدنيوي (العلماني) في فرنسا وحاضره ومستقبله جاء فيها أن حكومة الجمهورية تصرف كل سنة ١٢٠ مليون فرنك على المعلمين والمعلمات عدا ما تنفقه على بناء البيوت لمعلمي المدارس ومعلماتها وأن عددهم يبلغ ٥٣٢٧٦ معلماً و ٥٩٣١٥ معلمة بحسب إحصاء سنة ١٩٠٥ يتخرجون ويتخرجن من ١٧٥ داراً للمعلمين يتقنون فيها ما يلزمهم تخريج الصبيان والبنات وكان عدد المتعلمين سنة ١٩٠٧ في مدارس الحكومة الدنيوية ٤ ، ٥٤٢ ، ٦٣١ فتى وفتاة ما عدا ٥٢٢٩٤٧ ولداً في مدارس الأمهات العامة و ٨١١٢٣١ تلميذاً في المدارس الخاصة و ٢٢٨٢١٣ في مدارس الرهبنات وهكذا زادت فرنسا مدارسها في الثلاثين سنة الأخيرة فكثرت فيها كما كثرت كنائسها في القرون الوسطى وانتشرت المدارس حتى في القرى البعيدة فكان عدد مدارس القرى أو مدارس الشعب سنة ١٨٤٣ بلغت ٣٨٠٠ مدرسة فأصبحت سنة ١٩٠٧ — ٦٨١٢٨ مدرسة. ومع ما بذل من العناية لم توفق فرنسا إلى إخراج الأمة كلها من ظلمات الأمية فكان عدد الأميين من الجنود الذين كانوا تحت السلاح سنة ١٩٠٨ — ٩٨٥٣ لا يقرأون ولا يكتبون و ٤١٧٥ يقرأون فقط على حين كان في الجند العامل سنة ١٨٧٢ — ٥٦٠٠٠ أمي وفرنسا مع كل ذلك لم تبلغ مبلغ جاراتها في قلة عدد الأميين في أبنائها، فإن في الجيش السويسري العامل وقدره ٢٨ ألفاً عشرين أمياً فقط وفي الجيش الألماني واحد في الألف يعد في الأميين والسبب في كثرة الأميين في فرنسا بالنسبة لغيرها جهل بعض الآباء وإهمال الأولاد على كثرة تشديد المعارف والبلديات على أولياء الأولاد الذين يهملون إرسال أولادهم إلى المدارس الابتدائية يتعلمون ثلاث سنين ما يخرجهم عن حد الأمية، والسبب الاجتماعي الذي يدعو في الغالب إلى تخلف الأولاد عن دخول المدارس قلة ذات أيدي آبائهم فلا يستطيعون أن يظهروا في بزة تناسب حالهم بين أترابهم ولكن الحكومة تداركت الأمر وأنشأت منذ مدة صناديق للمدارس يضع فيها المحسنون صدقاتهم ومنها ينفق على الأولاد المحاويج ما يلزمهم من كسوة وطعام مغذ في الشتاء ولكن لم تعم هذه الطريقة أقطار فرنسا كلها وبلغ عدد الصناديق المدرسية ١٧ ألف صندوق ٣٧١ ألف مديرية أو مقاطعة. وبعد أن قال أن الفقر هو من الدواعي الكبرى التي تحول بين أولاد الفلاحين والاختلاف إلى المدارس ذكر أن بعض الذكور يحتاجون أن يعملوا ليطعموا بعض أسرتهم ومن الإناث من يقمن على تربية أخواتهن وإخوتهن مدة تغيب والداتهن في الحقول وإن أولاد الفلاحين ينقطعون عن المدرسة لأنك تراهم معظم السنة يشتغلون بحش الحشيش أو الزرع أو الحصاد أو قطف الكروم. ومن أعظم ما يحول دون تعميم المدارس الدنيوية طغمة رجال الدين فإنهم حرموا في فرنسا من يختلف إلى مدارس الحكومة لأنها لا تعلم الدين وطردوا أولاداً لم يرقهم أمرهم ومنعوا تلاوة كتب لم تؤلف على هواهم فالتعليم الدنيوي لم ينجح على ما يجب بعد لضعف الوازع الأخلاقي ولأنه من الصعب أن تعلم أمة بأسرها تعاليم العقل وتطبق نفسها على نظامه وإشراب التعليم الأخلاقي الآن لفتيان صغار في عقولهم لا يتأتى لهم أن يقدروا نتائجها حق قدرها. ومن الطرق التي ارتآها بعض الأساتذة في إصلاح هذا الحال أن يعلم الكبار الذين لم يسعدهم الحظ بدخول المدرسة في صغرهم كما تفعل ألمانيا في تعليم جندها الأمي حتى يكون القرن العشرون قرن العناية بالشبان كما كان القرن التاسع عشر عصر العطف على الأطفال. ويرون أن خطط الدروس الابتدائية كثيرة المواد يختلط بها ذهن التلميذ فالأولى الإقلال منها ما أمكن وطبع صورة إجمالية في ذهن التلميذ تعده فقط لمادئ طفيفة لا يتعب بها ذهنه وتكون برزخاً له إلى الانتقال إلى تعلم الصناعات المفيدة والتعليم الثانوي فالعالي. وقد نصح الكاتب للأساتذة أن لا يدخلوا غمار السياسة ولا يسمعوا لكلام من ساءهم فصل الحكومة عن الكنيسة ويطمحون إلى أن ترفع الحكومة يدها من التعليم وتمنح المعارف استقلالاً حتى تكون للأمة مباشرة يريدون بذلك أن يجعلوا حكومة في حكومة فقال لهم ما قاله جول فري مؤسس التعليم الدنيوي لبعض الأساتذة: إياكم أن تأملوا أن يكون منكم رجال سياسة فخير لكم أن تنشئوا عشرين وطنياً صالحاً من أن تساعدوا على انتخاب نائب في مجلس الأمة. وليس معنى المدارس الدنيوية أنها ضد الأديان بل معناه أنها على الحيدة لا يحب القائمون بأمر الأمة أن يلقي المعلم في المدرسة رأياً خاصاً له أو رأياً من الآراء التي تروج في الشوارع والأزقة بل تريده على أن يترك من وكل إليه تعليمهم أن يفكروا كما يشاؤون فإذا خالف ذلك وأورد لهم مبدأ دينياً يخون وطنه وأمته فالمدارس الدنيوية ليست مدارس الحاد فإذا كانت لا يذكر فيها اسم الله فليس الغرض منها أنها تخالف الله. البعثة العلمانية أصدرت البعثة العلمانية أو الدنيوية في بيروت مجلة يكون لسان حالها باللغات الثلاث العربية والتركية والافرنسية سمتها الرابطة وكل قسم من أقسامها منفصل عن الآخر فقرأنا فيها مطالب هذه البعثة في الشرق وقد أسست لتنفيذها مدارس في القاهرة والاسكندرية وسلانيك وبيروت وغيرها من البلاد والحواضر، وهي ترجو أن تتعدد في هذه البلاد التي فرقها التعصب دهراً طويلاً المدارس العلمانية مدارس التساهل والاتحاد والسلم التي يجتمع على مقاعدها الموسوي والعيسوي والمحمدي جنباً إلى جنب فيتعلمون كيف يحب بعضهم بعضاً ويخادع بعضهم بعضاً ويتضارسون؟! وقد جاء في هذه النشرة أن البعثة العلمانية الافرنسية أنشئت لنشر التعليم اللاديني في غير فرنسا سنة ١٩٠٢ وعدد أعضائها من الفرنسيس اليوم نحو عشرة آلاف يقسمون إلى عدة فروع منهم من يدفع فرنكين في السنة ومنهم من يدفع خمسة ومنهم من يدفع عشرة ومنهم عشرين والغرض من ذلك بث التساهل لا الطعن بالأديان وتعلم الحضارة الافرنسية والحضارة الشرقية بحسب حالة البلاد وأن عملها إنساني تقصد به تحسين حالة الناشئة في الماديات والمعنويات وتكميل الإنسانية في المعقولات والاجتماعيات، وذكرت كلاماً للفيلسوف ادغار كينه ( ١٨٠٣ — ١٨٧٤ ) أحد المبشرين الأول بالتعليم العلماني قال في الجمعية العلمانية: أنها تعيش بمبدأ حب الوطنيين بعضهم بعضاً بقطع النظر عن معتقداتهم فعسى أن تكون كما قال وأكده مئات بعده من أنصار الجمهورية وأحباب الاستعمار وبث الأفكار. فلسفة أديسون خالف هذه المرة أديسون الأميركاني مخترع الكهربائية جميع الفلاسفة الإلهيين في الاعتقاد بخلود النفس فصرح ولم يجمجم باعتقاده المادي وأنكر الخلود محاولاً أن يورد حجة على دعواه في حوار له مع أحدهم فقال: ليس الإنسان إنساناً بذاته بل هو بالخلايا التي فيه فالدماغ الإنساني هو كآلة فلا سبيل لنا من ثم إلى الاعتقاد بخلود الروح كما لا سبيل إلى الاعتقاد بخلود اسطوانة من اسطوانات آلتي الفوتوغرافية على أننا لم نجد حتى الآن أحداً قال بخلود الاسطوانة فلماذا نطالب به للأدمغة أو للقوة التي فيها، لا جرم أن ذلك ناشئ من كوننا لا نعرف هذه القوة التي نعتقد بخلودها إذاً فلنحكم بأن الكهربائية خالدة أيضاً لأنها قوة نجهلها. هذا ما قاله الفيلسوف بالحرف وقد أحدثت تصريحاته اضطراباً شديداً في الولايات المتحدة وانطلقت الألسن في شرح أقواله في الأندية وقد صرح أديسون في خلال مقالاته أن خصومه يعثرون على حجج تؤيد ما ادعاه في كتاب من تأليف الدكتور طومسون اسمه الدماغ والشخصية إلا أن مصنف هذا الكتاب نفسه سئل عن رأيه في هذا الشأن فأجاب جواباً لم يكن ينتظر منه فقال: إن آراء أديسون مخالفة للعلم فالأمة التي لا تعتقد بخلود النفس يختل أمرها وقد رد بعض القسيسين على أديسون في معنى الخلود بقولهم إذا كان الإنسان كما يدعي أديسون مجموع مواد مختلفة متلاحمة من الخلايا فلا يكون أديسون مخترع الفوتوغراف بل مجموع خلايا فقط. الفقراء في ألمانيا نشأ عن كثرة الولادات وقلة الوفيات في ألمانيا أن كانت هذه الامبراطورية سنة ١٨٧٠ أربعين مليوناً فأصبحت الآن أربعة وستين مليوناً وتزيد الولادات عن الوفيات تسعمائة ألف في السنة ولذلك نرى الفقراء كثاراً فيها وكذلك الاشتراكيون لأن معامل البلاد وصناعاتها وزراعتها لا تعول سوى أربعين مليوناً فقط ولذا يتوسل الألمان بجميع مالهم من الأسباب أن يقللوا من الشقاء في المدن والقرى فما تقوم به ألمانيا في برلين مثلاً لتخفيف شقاء الفقراء إنها افتتحت أربعة أسواق لا تباع فيها اللحوم إلا من الفقراء ويحظر رجال الشرطة والصحة دخولها على غيرهم من أهل السعة، والسبب في هذا الحظر هو أن اللحوم كلها سواء كانت لحم بقر أو عجل أو خروف أو خنزير لا تخلو من شبهة ولذلك لا يسمح ببيعها من الفقراء إلا إذا جعلت في معمل كيماوي يعقمها التعقيم العلمي فيقتل منها الجراثيم الضارة، وهذه الرخصة بالسماح ببيع اللحوم الملوثة قد لا يسمح بها في البلاد الراقية ولكن الألمان بالعلم أقسموا أن ينتفعوا حتى مما يضر ولا يطرحون شيئاً مهما بلغ من تفاهته وبذلك ينتفع جماهير المحاويج بتناول اللحوم اللازمة لهم في جهاد الحياة هناك. تعلم اللغات أقرب طريقة لدرس لغة من اللغات أن يتلقفها الطالب من أفواه أبنائها أو ممن يحسنها كأحدهم ولما كان هذا متعذراً على بعض الأشخاص ممن لم يسعفهم الحظ بوجود معلم ليدرسهم اللغة التي يطلبونها في بلدهم اخترع أحد الأميركيين آلة على نسق الحاكي يستطيع أن يدرس ابن أميركا اللغة الافرنسية والألمانية والإسبانية والإيطالية بواسطتها مع قليل من الكتب دون أن يتكبد نفقات الأستاذ أو عناء السفر إلى تلك البلاد ليدرس لغاتها. أصل التصوير الشمسي اخترع روجر باكون سنة ١٢٩٧ م الغرفة السوداء المستعملة للتصوير الشمسي وفي سنة ١٥٥٦ لاحظة بعض الكيماويين تأثير النور في الفضة وقام بروغام بعد حين وادعى إمكان حصول التأثير في العاج الحساس وذلك بمحلول الفضة. والذي اخترع اكتشاف التصوير الشمسي في الحقيقة هما رجلان فرنسويان اسمهما نيبس وداكرونالا جائزة من حكومة فرنسا جزاء نشرهما طريقتهما وأقدم الصور الفوتوغرافية محفوظ في متحف شالون سورسون في فرنسا مسقط رأس نيبس وكان دوروتي درابر أول شخص رسم بالتصوير الشمسي وكذلك شقيقه رسم سنة ١٨٢٩ ، وظل التصوير الشمسي يرتقي إلى أيامنا هذه حتى أعلنوا مؤخراً اختراع طريقتين جديدتين للتصوير البارز الناتئ وأنهما نجحتا وأعلنوا خبر اختراع التصوير الملون وهكذا لا ينتهي الاكتشاف والاختراع ما دام العقل البشري يعمل ويفكر. أسباب الهجرة النبوية خطبة لرفيق بك العظم القاها في حفلة الاحتفال برأس السنة الهجرية في القاهرة كلمتي إليكم اليوم في أسباب الهجرة النبوية ونتائجها الأدبية تعلمون أن كل مصلح قام في العالم سواء كان من الأنبياء الكرام أو العلماء الأعلام ناله من قومه اضطهاد ولاقت دعوته في بادئ الأمر صداً وإعراضاً والكتب الإلهية والتواريخ الاجتماعية شاهد حق على ما نقول. إن أمام المصلحين وخاتم النبيين الذي نحتفل بعيد هجرته الشريفة اليوم لاقى كذلك فوق ما يلاقيه كل مصلح للهيئة الاجتماعية وعانى من أهل الحسد والبغضاء من بني عمه وغيرهم ما لم يعانيه نبي من قبل ومع هذا فقد كان منذ بعث إلى أن هاجر صابراً على الأذى لا يفتأ يدعو قومه إلى الإسلام ويعرض نفسه على قبائل العرب في مواسم الحج ويدعوهم إلى دينه وحمايته من حسد قومه ليتمكن بعد المنعة من بث الدعوة ونشر دين الهدى والحق ووضع قواعد الترقي الاجتماعي على أساس مكين. لكن الذين يريدون الحقيقة نفسها ويقبلون الحق لأنه حق قليلون في البشر لا سيما في ذلك العصر وفي قوم حالهم من الجهالة معروف لذا لم تصادف دعوته قبولاً إلا من جماعة قليلين من قريش وغيرهم إلا أنه كان فيمن اتبعه من قريش مفر من وجوههم وأهل المكانة والعقل فيهم مثل أبي بكر وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان وعلي بن أبي طالب وأشباههم من السابقين الأولين وصناديد قريش الذين أيدوا الدعوة المحمدية ورفعوا بعد ذلك شأن الأمة العربية بل شأن الشرق كله على وجه بهر أنظار العالم وقلب نظام الاجتماع في كثير من أنحاء الأرض على ما تعلمون. كان في إسلام هؤلاء ما يكفي أن يثير غيظ قريش وغضبهم وخوفهم على أوثانهم فاشتدوا في اضطهاد النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابه فألجأوه في نهاية الأمر للهجرة إلى المدينة مع ذلك النفر من المؤمنين. وذلك بعد أن دعا جماعة من الأوس والخزرج من سكان المدينة إلى الإسلام في أحد المواسم سنة عشر للبعثة وجاءه في السنة القابلة والتي بعدها جماعة منهم ببيعة قومهم فبايعوه بيعة العقبة الثالثة وقيل هي الثانية واستوثق له منهم عمه العباس بن عبد المطلب فأقسموا على نصرته وعاهدوه على تأييد دعوته ثم نصروه بالقول والفعل وسموا بعد ذلك أنصاراً ونعم هذا الاسم وحبذا الفخر بنصرة الحق والحقيقة والعدل. أمر بعد ذلك أصحابه بالهجرة إلى المدينة فأخذوا يهاجرون ارسالا إلى جماعات مستخفين إلا بطل قريش وأشجع شجعانهم المهاجر بدعوة الحق رغماً عن أنوف المكابرين فخر الأمة الإسلامية بل فخر التاريخ عامة عمر بن الخطاب فإنه أعلن هجرته وخرج مهاجراً على ملاء جبابرة قريش فلم يسعهم منعه أو الوصول إليه بسوء. اتصل بعد ذلك بالنبي خبر تآمر قريش على قتله فاتفق مع صاحبه أبي بكر على الخروج في نفس تلك الليلة التي عينوها لقتله وترك على فراشه علياً ابن عمه وخرج والقوم يرصدونه فزاغت أبصارهم عنه وأنقذه الله منهم رحمة بالإنسانية وإنقاذاً لكثير من الأمم من ظلمات الشرور. وكان خروجه عليه السلام في مثل هذا اليوم المبارك ومن جميل المصادفات أنه كان يوم الاثنين كيومنا هذا الذي نحتفل فيه وذلك سنة ثلاث عشرة للبعثة فسلمه الله وصاحبه من كيدهم وبلغ مأمنه بسلام في قصة طويلة معروفة في التاريخ. هذه أسباب الهجرة فما هي نتائجها الأدبية؟ عجيب أيها السادة أمر هذا الإنسان القوي الضعيف بينما يتطال أحياناً إلى أن يتناول بمداركه كل ما تحت السماء ينحط حيناً حيناً آخر إلى حضيض الغبراء، فمحمد صلى الله عليه وسلم إنما كان يريد حياة هؤلاء القوم ولكنهم كانوا يريدون قتله فما هذا التباين العظيم وكيف بلغت بهم قوة التمييز من الضعف هذا الحد؟ أريد حياته ويريد قتلي ولو علم الحقيقة ما أرادا نعم جهلوا حقيقة النبي لا لنقص في ذكائهم الفطري واستعدادهم لقبول الفضيلة لأن ما ظهر منهم بعد بضع سنين من ذلك التاريخ يؤيد أنهم كانوا أذكى الشعوب وأعظمها قابلية للخير والفضيلة لكن الانصراف لعبادة الأوثان يدعو من طبعه للانصراف عن التفكر في خالق الوجود ويوجد الكمال في الطبيعة فيقف بالفكر عند حد محدود من التصور ويصده عن درك كثير من الحقائق عند عرضها عليه أو مفاجأته بما لم يألفه منها وهكذا كان شأن قريش والعرب عامة مع النبي صلى الله عليه وسلم في بادئ الأمر. ولقد تحقق بعد لقريش وللعرب والناس كافة أن سلامة النبي من غائلة قريش في ذلك اليوم واستقرار الدعوة في مدينة يثرب هو مبدأ سعادة قريش أنفسها وسعادة مئات الملايين من البشر ونهاية القضاء في قسم عظيم من الأرض على عبادة الأوثان وعلى سلطة أفراد من سدنة الهياكل وكهنتها، سلطة لا حد لها لا على النفوس فقط بل على الضمائر والعقول أيضاً، أقول على الضمائر والعقول لأن احتكار العلم الذي يراد به احتكار السيادة الدينية ما عرف إلا بين جدران الهياكل حيث كانت تقيم طائفة من الناس تزعم أنها وارثة ايزيس واوزيريس وبعل وجوبيتر واللات والعزى وما لا يعد من الآلهة تسحر هذه الطائفة بما احتكرته من العلم عقول الشعب فتقوده حيث تشاء ولا تعطيه منه إلا بمقدار ما يستطيع مئات الألوف من البشر أن يبنوا هيكلاً للشمس أو قبراً لابن الشمس مكرهين مسخرين. إن أطلال تلك الهياكل الفخمة وبقايا تلك القبور الهائلة الماثلة إلى اليوم تدل على أن ذلك النور الضئيل الذي كان ينبعث من وراء جدران الهياكل إنما كان من أجل الهياكل لا من أجل الشعب ولا أبالغ إن قلت أن بعض المدنيات القديمة للأمم البائدة احر بها أن تسمى مدنيات الهياكل بفضل أولئك السدنة الذين كانوا يحجبون عن العقول نور العلم الصحيح ونور الحقيقة الإلهية استعباداً للنفوس والأرواح وقد أخبرتنا الكتب المقدسة وأخبرنا التاريخ من أحاديث أولئك الطائفة من الناس بما يغني عن طول الشرح. هذا هو السر في أن قريشاً وهي سدنة البيت العتيق اهتزت أعصابها واستشعرت الخطر على سيادتها الدينية لأول دعاء دعا به النبي وهو التوحيد أي قول لا إله إلا الله ولا عبودية لأحد سواه فأظهروا له العداوة والبغضاء وما زالوا به حتى ألجأوه وأتباعه إلى الهجرة عنهم ولو علموا أن هذه الدعوة مخبوء لهم تحتها فوق ما يزعمون من السيادة الوهمية وهي سيادة العلم والمدنية والسلطان العظيم في الأرض بما سيكون إليهم من ميراث الأمم لما فعلوا معه ما فعلوه ولكن أكثر الناس أعداء ما جهلوه. ومهما كان الحال فقد كانت هجرته الشريفة خيراً لقريش وللعرب والانسانية جمعاء إذ تمكن بعد امتناعه بالأنصار من جمع كلمة العرب ووضع قواعد شريعته الغراء التي قيدت قيود عبودية البشر للبشر وفسحت للعقل مجال النظر في الكائنات فجعلت العلم مشاعاً بين بني الإنسان من الطبقات فندبت عامة الناس إلى تعلم العلم وتعلم اللغات والاستفادة من قواميس الكون وأسرار الطبيعة وجعلت قاعدة التفاضل بين المسلمين التقوى والعلم فلا يفضل عالم جاهلاً إلا بعمله، ولا يفضل تقي شقياً إلا بعمله. فكان من هذا نذير عظيم بالتبدل العتيد لشكل المدنية القديمة والعلم الناقص انتفض له جسم الإنسانية الهامد تحت ضغط الخرافات الوثنية التي شيبت به علوم الأقدمين ونشطت النفوس إلى تناول حقها الطبيعي من هذا الوجود بما قرره الإسلام من مبادئ الاشتراكية العامة الصحيحة التي مبناها أن العقل رأس مال كل فرد فمن حق كل فرد أن يتناول من العلم ما استطاع ليتساوى مع أخيه في الاشتراك بمرافق الحياة. وهذا هو السر في أن المدنية العربية كانت أرقى مدنية سبقتها وأن العرب فعلوا في قرنين ما لم يفعله غيرهم في قرون وكانوا أسرع الأمم سيراً في سبيل المدنية وتبسطا في الحضارة فما لبثوا بفضل الإسلام جيلاً وبعض جيل آخر حتى نشروا سيادتهم ودينهم ولغتهم في أحسن أجزاء المعمور ولما توطدت لهم دعائم على عهد الدولتين دولة الخلفاء الراشدين ودولة الأمويين وقبضوا على زمام السيادة السياسية في معظم الممالك القديمة صرفوا عنايتهم للأخذ بأزمة السيادة العلمية فلم يكفهم ما كتبوه واشتغلوا به من علوم الشريعة والأدب واللغة والتاريخ وسائر فنون العربية بل اهتموا بترجمة كتب اليونان في الفلسفة والفلك والهندسة والكيمياء والطبيعة وغيرها فكان اهتمام عامتهم بنقل هذه العلوم إلى اللغة العربية كاهتمام خاصتهم وخلفائهم ووزرائهم فكما كان الخليفة المأمون يعطي حنين بن اسحق المترجم عن كل كتاب ينقله إلى العربية زنته ذهباً مثلاً بمثل ما كان بنو موسى بن شاكر المهندسون وهم من عامة الشعب يعطونه كل شهر خمسمائة دينار من أجل الترجمة هذا فضلاً عما كانوا ينفقونه من الأموال على الكتب التي كانوا ينفذون في طلبها من بلاد الروم والأصقاع البعيدة بالثمن الباهظ. وكما كان كذلك محمد بن عبد الملك الزيات الوزير ينفق على المترجمين من ماله الخاص نحو ألفي دينار في الشهر وكثيرون غير هؤلاء من الخلفاء والوزراء والعلماء من كانوا ينفقون على استحضار كتب العلم وترجمتها. لم يقف بهم الأمر عند هذا الحد من تعلم العلم وتعليمه ونشره عملاً بأوامر صاحب الهجرة وواضع أساس المدنية الصحيحة عليه الصلاة والسلام بل عمدوا إلى تأسيس المدارس فأنشأ العباسيون أول كلية جامعة في بغداد على عهد الرشيد والمأمون سميت دار الحكمة وكانت تدرس فيها سائر العلوم الحكمية كالفلسفة والطب والكيمياء والهندسة والفلك وغيره ثم المدرسة النظامية ثم المستنصرية في بغداد أيضاً وحذا حذوهم في ذلك الأمويون في الأندلس والفاطميون في مصر حتى وصلوا سلسلة المدنية المنقطعة من عهد سقوط دولة الرومان بحلقة من المدنية العربية كان لها الفضل العظيم على العالم المتمدن لهذا العهد لأنها كانت الصلة المتممة لترقي الإنسان وترقي المدنية بما مهدته لعلماء أوروبا من سبل المدنية الحديثة. عجيب أمر هذه الأمة أيها السادة ولقد يكاد يظن القارئ لإخبارها أن رقيها السريع من الخوارق وما هو كذلك بل هو نتيجة الإفراج عن العلم وإخراجه من بين أسوار الهياكل وجعله مشاعاً مشتركاً بين الناس يتناول عقل كل فرد نصيبه منه وحقه أن يتناول ذلك ما دام العلم ثمرة من ثمرات العقل. عرف المسلمون في إبان مجدهم ومدنيتهم هذه القاعدة وحرصوا على مبدأ الاشتراكية العامة فلكي لا يكون العلم محتكراً لطائفة أو قاصراً على فريق دون فريق تغالوا في إنشاء المدارس المتنوعة بتنوع المشارب والعلوم تغالياً لم تجارهم في أمة من قبل فجعلوا مدارس لتلقي علم الحديث سموها دور الحديث ومدارس لفروع الشريعة على عدد المذاهب فمدارس الشافعية غير مدارس الحنفية ومدارس المالكية غير مدارس الحنابلة ثم مدارس الحكمة التي يدرس فيها الطب والفلسفة والرياضيات والفلك وغيره من العلوم الحكمية وكانت أكثر هذه المدارس داخلية ذات غرف يأوي إليها الطلبة ولم يكن التعليم فيها مجاناً فقط بل كان للطلبة فوق ذلك جرايات ومرتبات تغنيهم عن العمل لغير العلم. ومن أدلة تغالي هذه الأمة في إنشاء أمثال هذه المدارس كتاب خطي موجود في مكتبتي اليوم في نحو ألف صفحة وهو خاص بمدارس دمشق وحدها من القرن الخامس إلى التاسع وفيه تاريخ مائتي مدرسة أو تزيد على ذلك منها ثلاث مدارس طبية أنشئت في عصر واحد في مدينة واحدة من المدن الكبرى الإسلامية كحلب والموصل وبغداد وسمرقند والقاهرة وتونس ومراكش وطليطلة وإشبيلية وغرناطة وغيرها من المدن الشهيرة التي كانت تفيض أنوار العلم والمدنية على الشرق والغرب. أما تأثير هذه المدارس وعلوم العرب وآدابهم التي كانت تدرس فيها في أهل الغرب وعلوم المدنية الحديثة فمما لا يتسع لذكره هذا المقام ويكفي فيه شهادة علماء الافرنج أنفسهم فإذا سمحتم لي أتلو عليكم شيئاً من شهادة عالم محقق كبير من علماء أوروبا فيما للعرب من الفضل على المدنية وهو العلامة سديو صاحب تاريخ العرب. قال هذا النصف المحقق في مقدمة كتابه المذكور بعد أن أثنى على أخلاق نبينا وعمله الجليل في جمع كلمة العرب: وأما تواريخ الخلفاء الراشدين وكذا الأموية في دمشق وقرطبة والعباسية في بغداد والفاطمية في مصر ووصف تمزيق الممالك الإسلامية التي أغار عليها المغول فدونها الافرنج تدويناً حسناً وأضفنا إليها ما تركوه من أصولها وهو وصف المدنية العربية التي تمكنت أصولها في آفاق الدنيا القديمة أقوى تمكن ولا نزال إلى الآن نرى آثاره حين نبحث عن مستمد مبادئ ما نحن عليه من المعارف الأوروبية فإن العرب في غاية القرن الثامن من الميلاد تركوا صفاتهم الحربية وشغفوا بنيل المعارف حتى أخذت عما قليل مدائن قرطبة وطليطلة والقاهرة وفاس ومراكش والرقة وأصفهان وسمرقند تفاخر بغداد في حيازة العلوم والمعارف وقرئ ما ترجم إلى العربية من كتب اليونان في المدارس الإسلامية وبذل العرب همتهم في الاشتغال بجميع ما ابتكرته الافهام البشرية من العلوم والفنون، وشهروا في غالب البلاد خصوصاً البلاد النصرانية من أوروبا ابتكارات تدل على أنهم أئمتنا في المعارف. ولنا شاهداً صدق على علو شأنهم الذي يجهله الافرنج من أزمان مديدة الأول ما أثر عنهم من تواريخ القرون المتوسطة وأخبار الرحل والأسفار والقواميس ما اشتهر من الأمكنة والرجال والمجاميع الشاملة لكثير من الفنون الفاخرة، والثاني ما كان لديهم من الصناعات الفائقة والمباني الفاخرة والاستكشافات المهمة في الفنون وما أوسعوا دائرته من علوم الطب والتاريخ الطبيعي والكيمياء الصحيحة والفلاحة والعلوم الصحية التي مارسوها بغاية النشاط من القرن التاسع إلى القرن الخامس عشر من الميلاد أي من القرن الثالث إلى القرن العاشر الهجري. إلى أن قال بعد تخطئة بعض علماء الافرنج الذين قالوا أن الهنود والصينيين أعلم من العرب: وأما المدرسة البغدادية المدونة للعلوم التمدنية في الفترة التي بين عصر يونان الاسكندرية والأعصر الأخيرة فكانت مساعدة على استيقاظ أهل أوروبا من رقدة الجهالة ونشر أنوار المعارف في جميع ممالك آسيا. وبعد أن ذكر كيفية انتقال العلوم من العرب أو بواسطتهم إلى ممالك آسيا، الصين، والهند، والتركستان وغيرها قال: ثم اطلع أهل الغرب من أوروبا على أسرار تلك العلوم فأخذوا يشتغلون بها حتى جددوا في البلاد الافرنجية المدنية واللغة العربية وفنونها الأدبية التي أخذت كل يوم في زيادة الانتشار بين الافرنج وما زلنا إلى الآن نستكشف أموراً مهمة (يريد من القضايا العلمية) من الكتب العربية القديمة وأن عزي ابتكارها زوراً إلى بعض المتأخرين من الإفرنج. هذه شهادة عالم أجنبي عن أوطاننا ولغتنا وديننا تشعر أن المدنية العربية وآدابها عمت منافعها الشرق والغرب وأن العرب كانوا أساتذة العالم بلا نزاع وبالتالي كان لهم الفضل على العالم أجمع وقد شهد كثير من علماء أوروبا ومحققيها مثل هذه الشهادة كالعالم دساسي والعالم دربي والعالم كوستاف ليون وغيرهم ولمن كان الفضل في هذا كله؟ كان لصاحب الشريعة الإسلامية الذي نحتفل بعيد هجرته اليوم ولأمته النجيبة التي خدمت العلم والمدنية والإنسانية جمعاء خدمة لا ينكرها إلا العوام الجاهلون الذين في قلوبهم مرض وعلى أبصارهم غشاوة فهم لا يبصرون. فسلام على يثرب وسلام على ساكنها العظيم وسلام على أمته النجيبة وعليكم أجمعين. رأس السنة الهجرية لخليل أفندي مطران من كبار شعراءِ سورية نزلاءِ مصر قالها في رأْس هذه السنة الهجرية والاحتفال بها هل الهلال فحيوا طالع العيد حيوا البشير بتحقيق المواعيد يا حرف شك ستلقانا على ثقة وقد عقدنا المنى في نون توكيد كأن حسنك هذا وهو رائعنا حسن لبكر من الأقمار مولود لله في الخلق آيات وأعجبها تجديد روعتها في كل تجديد فتيان مصر وما ادعو بدعوتكم سوى مجيبين أحرار مناجيد سوى الأهلة من علم ومن أدب مؤملين لفضل غير مجحود المستسر شعار المقتدين به العاملين بمغزى منه مقصود في العين رمز لميقات يحد به وفي النهى رمز جد غير محدود ما زال من مبدأ الدنيا ينبئنا أن التمام بمسعاة ومجهود فإن تسيروا إلى الغايات سيرته إلى الكمال فقد فزتم بمنشود اليوم عيد به معنى السرور لكم ولم يكن بدؤه يوماً لتعييد رسالة الله لا تنهى بلا نصب يشقى الأمين وتغريب وتنكيد رسالة الله لو حلت على جبل لاندك منها وأضحى بطن أخدود ولو تحملها بحر لشب لظى وجف وانهال فيه كل جلمود فليس بدعاً إذا ناء الصفي بها وبات في ألم منها وتسهيد ينوي الترحل عن أهل وعن وطن جاراً عليه بقلب منه مكمود يكاد يمكث لولا أن تداركه أمر الإله لأمر منه موعود فإذا غلا القوم في إيذائه خطلا وشردوا تابعيه كل تشريد دعا الموالين إزماعاً لهجرته فلم يجبه سوى الرهط الصناديد مضى هو البدء والصديق يصحبه يغامر الحزن في قفراء صيخود مولياً وجهه شطر المدينة في ليل أغر على الأدهار مشهود حتى إذا اتخذ الغار الأمين حمى ونام بين صفاء نوم مجهود حنا عليه فما مثواه منه سوى مثوى الجنين من البكرية الرود ياللعقيدة والصديق في سهر تؤذيه أفعى ويبكي غير منجود إن العقيدة إن صحت ولزلزها مفني القرى فهي حصن غير مهدود أما الذين بقوا من صحبه فتلوا سارين في كل مسرى غير مرصود ماجند قيصرا وكسرى إذا افتخروا كهؤلاء الأعزاء المطاريد كأنهم في الدجى والنجم شاهدهم فرسان رؤيا لشأن غير معهود في حيطة الله ما شعت اسنتهم فوق الظلال على المهرية القود عانى محمد ما عانى بهجرته لمأرب في سبيل الله محمود وكم غزاة وكم حرب تجشمها حتى يعود بتمكين وتأييد كذا الحياة جهاد والجهاد على قدر الحياة ومن فادى بها فودي أدنى الكفاح كفاح المرء عن سفه للاحتفاظ بعمر رهن تحديد  وضل زاعم سوء لا اضطلاع له فالمجد إذ قال من يخلق فقد عودي ليغنم العيش طلقاً كل مقتحم وليبغ في الأرض شقا كل رعديد ومن عدا الأجل المحتوم مطلبه عدا الفناء بذكر غير ملحود لقد علمتم وما مثلي ينبئكم لكن صوتي فيكم صوت ترديد ما أنتجت هجرة الهادي لأمته من صالحات أعدتها لتخليد وسودتها على الدنيا بأجمعها طوال ما خلقت فيها بتسويد بدا وللشرك أشياع توطده في كل مسرح باد كل توطيد والجاهليون لا يرضون خالقهم إلا كعبد لهم في شكل معبود مؤلهون عليهم من صنائعهم بعض المعادن أو بعض الجلاميد مستكبرون أباة الضيم غر حجى ثقال بطش لدان كالأماليد لا ينزل الرأي منهم في تمزقهم إلا منازل تشتيت وتبديد ولا يضم دعاءً من اوابدهم إلا كما صيح في عقر ابابيد ولا يطيقون حكماً غير ما عقدوا للذي لواء على الأهواء معقود بأي حلم مبيد الجهل مرهقه وأي عزم مذل القادة الصيد أعاد ذاك الفتى الأمي أمته شملاً جميعاً من الغر الأماجيد لتلك تالية الفرقان في عجب بل آية الحق إذ يبغي بتأكيد صعبان راضهما توحيد معشرهم وأخذهم بعد إشراك بتوحيد وزاد في الأرض تمهيداً لدعوته بعهده للمسيحيين واليهود وبدئه الحكم بالشورى يتم به ماشاءه الله عن عدل وعن جود هذا هو الحق والإجماع أيده فمن بفنده أولى بتفنيد أي مسلمي مصر دين الجد دينكم وبئس ما قيل شعب غير مجدود طال التقاعس والأعوام عاجلة والعام ليس إذا ولى بمردود هبوا إلى عمل يجدي البلاد فما يفيدها قائل يا أمتي سودي سعياً وحزماً فود العدل ودكم وإن رأى العدل قوم غير مودود لا تتعبوا لا تملوا إن ظمأتم إلى غدير من الأقوام مورود تعلموا كل علم وانبغوا وخذوا بكل خلق نبيه أخذ تشديد فكوا العقول من التصفيد تنطلقوا وما تبالون اقداماً بتصفيد مصر الفؤاد فإن تبغوا سلامتها فالشرق ليث وقد صحت بمفؤد الشرق نصف من الدنيا بلا عمل سوى المتاع بما يضني وما يودي الغرب يرقى وما بالشرق من همم سوى التفات إلى الماضي وتعديد تشكو الحضارة من جسم أشل به شطر بعد وشطر غير معدود أبناء مصر عليكم واجب جلل لبعث مجد قديم العهد مفقود فليرجع الشرق مرفوع المقام بكم ولتزه مصر بكم مرفوعة الجيد ما أجمل الدهر إذ يأتي وأربعنا حقيقة الفعل والذكرى بتمجيد والشرق والغرب معوانان قد خلصوا من حاسد كائد كيداً لمحسود صنوان بران في علم وفي عمل حران من كل تقييد وتعبيد لا فعل يخطئ فيه الخير بعضهما إلا تداركه الثاني بتسديد ولا خصومة إلا في استباقهما لما يعم بنفع كل موجود هذي الثمار التي يرجو الأنام لها من روضكم كل نام ناضر العود لمصر والشرق بل للخافقين معاً دع زعم كل عدو الحق مريد جوزوا على بركات الله عامكم فقد تبدل منحوس بمسعود رجاؤكم أبداً ملء النفوس فما ينفى بحسنى ولا يوهى بتهديد بدا الفلاح وفي هذا الهلال لكم بشرى التمام لوقت غير ممدود غداً نرى البدر في طرس السماء محا بخاتم النور زلات الدجى السود الصيد في انكلترا لا يخفى ما في الصيد من المنافع الاقتصادية فإن بعض الأقطار تتوقف حياتها على الإكثار منه فإن في إنكلترا مثلاً ٤٥٦ سرب كلاب وتكلف النفقة على كل واحد منها ٢٥ ألف فرنك في السنة وبقدر ما يصطادون من المرات في الأسبوع، فإذا صادوا أربع مرات في الأسبوع مثلاً يكلف في السنة مئة ألف فرنك كل سرب من الكلاب ومجموع ما تنفقه إنكلترا على كلابها ١٨ ، ٢٥٠ ، ٠٠٠ فرنك ويلزمها مائتا ألف حصان للصيد وثمن كل واحد منها تعدل قيمته بألف وخمسمائة فرنك فمجموع قيمتها إذاً اثنا عشر مليون فرنك وتكلف نفقة كل حصان في السنة ألف فرنك أي ثمانية ملايين فرنك من حيث المجموع ويقدرون ما يأتي من أرباح الصيد في إنكلترا للتجار وأرباب المزارع وغيرها بخمسين مليون فرنك يستفيد منها الفلاحون وتجار الخيل والسياس والسروجيون والخياطون وسكك الحديد والحوذيون وأرباب الفنادق والقصابون والحراس وغيرهم وإذا بطل الصيد يفقد هؤلاء ملايين من الفرنكات ينتفعون بها لقوام حياتهم. طلبة السوريين بلغ عدد طلاب سورية الذين يتلقون العلوم المختلفة في مدارس أوروبا ولا سيما في فرنسا خمسين طالباً أكثرهم من دمشق وبيروت. تبدل الاهوية لا يزال الشيوخ في بلاد الشام يذكرون أن الأمطار والثلوج كانت تتصل سلسلتها منذ خمسين عاماً أياماً وليالي تمنع الناس عن الخروج في الأسواق في المدن والفلاحين عن تعهد حقولهم وحدائقهم في القرى مدة طويلة وقد بطل ذلك اليوم فتبدلت تلك الثلوج والأمطار الغزيرة ببرد وجليد يدوم أسابيع فيهلك الزرع والضرع كما حدث في الشهر الماضي فدام الجليد المضني زهاء شهر ونزلت درجة الحرارة إلى سبعة تحت الصفر في المحال المعتدلة كدمشق مثلاً وذلك بالميزان المئوي وهلك نحو ثلث الماشية في بعض أنحاء سورية لقلة المراعي وتضررت المزروعات الشتوية والأشجار المثمرة بالجليد المتصل وقلة الأمطار المنعشة وإذا دام الحال في احتطاب الغابات على هذا المنوال تصبح سورية جرداء مرداء على ما ورد في مبحث غابات سورية من هذا الجزء، وهناك الضرر العظيم في قلة المياه في الصيف فتجف الجداول والأنهار وتصبح أكثر الأصقاع المخصبة قاحلة كل هذا والحكام غافلون أو متغافلون والسكان جاهلون أو متجاهلون. شجرة الماء  بحث بعض العلماء في أميركا هذه الآونة في شجرة الماء التي يكثر وجودها في الأصقاع القطبية من أميركا وذكرها كثير من أرباب الرحلات في سياحتهم وهي شجر كالصبار يحتوي جذعه كمية مهمة من الماء الذي يشرب وأشهر هذه الأشجار شجرة البيزناكا وفيها عصير مائي بكثرة ويستخرج الماء منها بأداة حادة من مدية أو فأس تقطع بها رأس الشجرة وإذا لم يجد السائح أداة قاطعة بكسر الأشواك منها ثم يحطم رأسها بحجر كبير وبهذا ترفع طبقة غلظها من ١٥ إلى ٢٠ سنتمتراً فينزع لباً مغشى في ثقب يحوي نحو عشرة لترات من الماء فيسحقون اللب باليدين فيخرج منه سائل لذيذ يروي الظمأ وهو أرق من الهواء، وفي كل صبارة لتراً إلى ثلاثة لترات من الماء ويتخذ هنود أميركا من هذا الشجر ما يروون به ظمأهم بعض أشهر السنة ويفضلون ماءها على كل ماء ويستعملونه لطبخ البط وغيره من الطيور التي يصيدونها في تنقلاتهم، ومن هذا الشجر نوع اسمه ساكوارو له مثل خاصية الشجر المتقدم ذكره ولكن يمازج ماءه شيء من المواد المرة، قالت المجلة التي ننقل عنها وقد دلت التجارب أن السياح لو كان معهم إنبيق أو آلة للتقطير لما صادفوا في سبيلهم صعوبة في اختيار الماء الجيد وقد صنع أحدهم آلة تحمل مع السائح تفي بهذا الغرض فيقطر بها في الحال من ثلاثين إلى أربعين لتراً من الماء المقطر السالم من مضار الماء الملوث في مثل هذه الواحات. هجرة الأوروبيين الظاهر أن قد اكتفت الولايات المتحدة الأميركية بمن نزلها من الأوربيين مهاجرين إليها منذ قرن إذ قد خف معدل قاصديها من أهم الممالك الأوربية، فقد كان عدد من هاجر إليها من النمسا والمجر سنة ١٩٠٧ — ٣٠٠ ألف فأصبح سنة ١٩٠٩ — ١٧٠ ألفاً وكان عدد المهاجرين من إيطاليا ٢٨٥ ألفاً تلك السنة فنزل إلى ١٨٣ ألفاً وكان المهاجرون الروسيون ٢٥٨ ألفاً فتناقص إلى ١٣٠ ألفاً والانكليز من ٥٦ ألفاً إلى ٣٢ والفرنسيس من ٩٧٠٠ إلى ٦٧٠٠ وسكان جنوبي أوروبا يقصدون في الغالب الجمهورية الفضية في جنوبي أميركا ففي تلك الجمهورية نصف مليون من الاسبانيول وثمانمائة ألف من الطليان في حين أن سكانها لا يتجاوزون السبعة ملايين منهم خمسة ملايين من الأهالي الأصليين. مدرسة الفنادق  عزمت باريزان تنشئ لها مدرسة لتعليم أرباب الفنادق وليست باريز هي التي ابتكرت هذا الفكر بل سبقتها إليه سويسرا وألمانيا وإيطاليا يعلمونهم كيف يرفهون السائحين والنازلين ويستجمعون صفات الراحة والهناء وفيها تلقى دروس نظرية وعملية يفهمها كل سامع فيتعلم فيها الطلبة علم سرعة الاستملاء والحساب والجغرافيا الوصيفية وبعد دراسة ثمانية أشهر يطبقون ما تعلمونه بالنظر على العمل تحت نظارة العارفين والفاضلين. البساط المدفئ اخترعوا بساطاً من نسيج أسلاك الحديد أشبه بشعرية معدنية ذات حلق مسردة يمد على أرض الغرفة التي يراد تدفئة أرجل الجلوس فيها خصوصاً الزوار الذين يدخلون مخدع الضيوف وأرجلهم ترتجف من البرد، وهذا البساط يمس المجرى الكهربائي بوساطة آلات التنوير أو الجرس الكهربائي، وهذه الآلة مغشاة بنسيج ملطف يمنع المعدن مما يضربه، ونفقة هذا البساط في الساعة لا تتجاوز الخمسة سنتيمات، وهكذا لم يكتف أهل الغرب بما لديهم من أدوات الدفء من المواقد المنوعة ومنها بالكهرباء وأخرى بالغاز وبعضها بالبترول وأخرى بالفحم الحجري أو بالحطب بل رأوا أن تدفأ الأرجل أيضاً في الحال وما ندري ماذا يهديهم إليه البحث بعد ذلك للرفاهية والراحة. المعارف في يابان بلغ عدد المدارس الابتدائية في يابان ٢٨ ألف مدرسة وعدد مدارس المعلمين للقسم الابتدائي ٦٤ وعدد المدارس الثانوية ٣٧٠ و ٣ مدارس عالية لتخريج معلمي المدارس الابتدائية والثانوية و ٨ مدارس عالية للطلبة الذين لا يريدون الدخول إلى كليتي طوكيو وكيوتو اللتين تحتويان على ١٢ مدرسة عالية، هذا عدا ٤٩ مدرسة عالية للبحرية والحربية والطب والصناعات المختلفة، وعدد المدرسين في هذه المدارس كلها ١٢٥ ألف مدرس وعدد الطلبة ٥ ، ٥٦٥ ، ٤٩٥ طالباً منهم ٥ ، ١٤٤ ، ٠٠٠ في المدارس الابتدائية الإجبارية، ولا يعلم الدين في مدارس الحكومة. تدبير الغذاء الصحة هي الثروة الأولى التي يجب الدفاع عنها ولا سبيل إلى ذلك إلا بالتدقيق في تدبيرها بالتغذية المعقولة والسير في العمل والراحة على ما يقتضيه تركيبنا وما خص به الخالق بني البشر من القوى الطبيعية والعقلية، فنحن لا نحسن استنشاق الهواء ولا السير على الأقدام ولا المنام للراحة ونهمل أمر عضلاتنا ونسيء استعمال أعصابنا فنفتح بصنعنا الباب للجراثيم الضارة فتهاجمنا وتحيط بنا خصوصاً وهي مستعدة إلى التسرب على الدوام إلى خلايانا لتعبث بها وتعيث، ولكن إذا أحسنا الغذاء والعمل والراحة والنزهة والنوم وكانت لنا إرادة قوية يكون لنا من الصحة ما نتغلب به في معترك هذه الحياة الاجتماعية. فقد قال الحكيم اليوناني: اعرف نفسك فإذا عرفت نفسك وعرفت مزاجك تضع لها تدبيراً صحياً من الغذاء والرياضة ينفعها، ومعلوم أن أمزجة الناس أربعة المزاج اللمفاوي أو البلغمي والمزاج الدموي والمزاج العصبي والمزاج الصفراوي، ومن النادر أن يخرج الإنسان عن أحد هذه الأمزجة الأربعة بل يكون مزاجه مؤلفاً من اثنين أو ثلاثة منها ويكون أحدهما متغلباً على الآخر وهذا هو الذي تجب مراعاته في تدبير الغذاء والأعمال، والجهل بالمادة الغذائية من كل طعام من الأمور التي لا تحتقر ومعرفتها أهم في قوام البنية مما يتوهم بعض العامة وذلك من الوجهتين الصحية والمنزلية. وما المعدة إلا بيت نار وقوده الأطعمة وعملها الكيماوي مع استنشاق الهواء يحدث الحرارة اللازمة لبقاء الجسم وتحويل ما يدخل فيه وما يخرج منه بقدر ما يتناوله من الغذاء، وقد حسب علماء منافع الأعضاء هذه الحرارة بحساب الكالوري فهم يقدرون معدل ما يلزم لرجل بالغ أشده من ٢٨٠٠ إلى ٣٠٠٠ من الكالوري أو قياس الحرارة، وإليك الآن كميات الكالوري التي تنشأ من الطعام الأكثر استعمالاً وهي مقدرة بمئة غرام أي أنك إذا تناولت ١٠٠ غرام من السمك تحصل على ١١٣ من الكالوري: ففي السلطة ١٢ من الكالوري وفي الملفوف ٢٧ وفي الثمار اليابسة ٣١ وفي البقول الخضرة ٣٧ وفي اللبن (الحليب) ٦٢ وفي البطاطا ٨٣ وفي اللحم ٩٤ وفي البيض ١٥٣ وفي الخبز ٢٥٥ وفي الأرز ٣٤٥ وفي البقول اليابسة ٣٦٢ وفي السكر ٣٨٠ وفي الشوكولاتا ٤١٥ وفي الجبن ٤٦٦ وفي الزبدة ٧٥١ . فلك أن تحصل على ٢٨٠٠ من الكالوري إذا تناولت ٦٠٠ غرام من الخبز والمعجنات يكون منها ( ١٥٣٠ ) من الكالوري و ٢٨٠ غراماً من اللحم منها ٣٦٣ و ٥٠ غراماً من السمك و ٣٠ من البيض و ٢٠٠ من البقول الطرية و ٥٠ من البطاطا و ٤٠ من البقول النشوية و ٤٠ من الثمار و ٢٠ من الزبدة و ١٠ من الجبن و ٢٠ من السكر الخ أي نحو كيلوغرامين من الغذاء كل يوم وهو ما يلزم المرء في الأربع وعشرين ساعة. ويستثنى من هذا التدبير من يعمل وهو جالس فإن تناول هذا القدر ضار به بل يلزمه ٣٥٠ غراماً من الخبز و ١٥٠ من اللحم و ١٠٠ من البقول الطرية و ٢٠٠ من البطاطا و ٢٥٠ من اللبن و ٤٠ من السكر و ٢٥ من الزبدة و ١٥ من الأرز و ١٠٠ من الثمار أي ما يكون منه ٢١٠٠ كالوري وعلى العكس فمن يعمل أعمالاً تحتاج إلى أتعاب الجسم فإنه يحتاج أن يرفع درجة الكالوري من ٣٢٠٠ إلى ٣٦٠٠ لا بزيادة ما يتناوله من اللحم فإنه لا يحصل منه سوى عشرة في المئة مما يجب لقوام بنيتنا من الدهن والكربون والزلال بل يتناول الخبز واللبن والبيض واللوبياء والعدس والفواكه والسكر وفيها ٢٣ في المئة مما يجب لنا، وإن كيلوغراماً واحداً من البقول كالباقلاء واللوبيا والعدس والحمص لتساوي ثلاث لبرات ونصفاً من اللحم واللبرة خمسمائة غرام. ويحتوي الخبز واللبن والبيض على جميع المواد اللازمة للتغذية في غذاء تام ثم يجيء الأرز واللحم على اختلاف أنواعه والبقول الطرية وهي أقل في التغذية من الأصناف الثلاثة الأولى والسكر غذاء العامل ومولد القوة والمعوض عما فقده الجسم من التعب والسمك نافع في التغذية لما فيه من الفوسفور وللفوسفور دخل في تركيب بنيتنا وأعصابنا فمن كانت أشغالهم عقلية أو من كانوا في سن الطفولة من الأولاد ينبغي لهم أن يتناولوا من السمك أكثر من غيرهم ليساعد ذلك على نموهم، ويقول الدكتور متشنكوف الشهير أن من يشرب مصل الحليب كل يوم يطول عمره ولا يهرم بالشيخوخة لأن فيه باشلساً أو جراثيم صغيرة تهلك الجراثيم المضرة التي يعيش منها ملايين في الأحشاء. والحرشف (الأرضي شوكي) تكثر فيه المادة القابضة وهو مقو يمنع الإسهال ومدر للبول، والملفوف صعب الهضم لا يلائم المعد الضعيفة، والسبانخ ملين للبطن ويسميه الافرنج مكسنة الأحشاء ومن خصائصه هو والكراث أنهما يصفيان اللون، والبقلة الحامضة (الحميض) تسهل الهضم ومن كان فيهم استعداد لمرض الحصاة ينبغي لهم الامتناع عنها بالكلية، والبندورة مقبلة ومرطبة وعلى المصابين بالنقرس والحصاة والرثية (داء المفاصل) أن يمتنعوا عن تناولها، والكرفس النيء عسر الهضم والأخذ منه باعتدال يقوي من ضعفت أعصابهم وإذا تناول منه المصاب بالنقرس يكون له كالتوابل اللطيفة، والهليون مدر للبول ويجب تناوله طرياً، والبطاطا نافعة لأرباب المعد القوية وأرباب المعد المتعبة ينبغي لهم تناولها ممروثة، والخس مرطب ونافع لالتهاب الأحشاء وأمراض الكلى، والبقدونس فهو مهيج معرق مدر للبول قاتل للديدان دافع للحمى يقوي الشهوة للطعام ويسهل الهضم، وإياك أن تسلق البقول بالماء الغالي جداً لئلا تفقد أملاحها وموادها الآزوتية المركبة منها وفي التوت الافرنجي (الفريز) كمية من حامض الساليسيليك ينفع المصابين بضعف المجموع العصبي وداء المفاصل، ومنقوع التوت الافرنجي من أحسن المقويات للأعصاب وهو من أفيد ما يكون لمن أنهكتهم الأشغال العقلية، والتوت الشوكي كالتوت الافرنجي وهو أيسر على الهضم، والكرز نافع للمصابين بالسويداء (هيستيريا) ومقاوم للرثية، والخوخ نافع للمصابين بالبول السكري وللمصابين بقروح بالمعدة، والتفاح نافع في تشنج الأعصاب ومعرق، ويكثر في التين الأصل المهضم (الببسين pepsine) وهو نافع للمصدورين والإجاص تغلب عليه البرودة فيضر ببعض المعد، والليمون يقي من الحمى وإذا أضيف للقهوة ينفع كما تنفع الكينا، وهو أحسن علاج لفساد الدم، والبرتقال أخف الفواكه على المعدة، واللوز اليابس مغذ جداً وهو غذاء طبيعي نادر المثال، ويرى الدكتور اوندرهيل أن لب العنب يؤكل وحده إذا كانت صحة المرء حسنة فوهو أحسن علاج لفساد الدم، والبرتقال أخف الفواكه على المعدة، واللوز اليابس مغذ جداً وهو غذاء طبيعي نادر المثال، ويرى الدكتور اوندرهيل أن لب العنب يؤكل وحده إذا كانت صحة المرء حسنة فإذا كان في البطن اطلاق يؤخذ اللب مع القشر ويطرح البزر وإذا كانت المعدة منقبضة ويراد به تسهيل الطبيعة يتناول اللب والبزر ويطرح القشر وبهذه الواسطة يكون العنب دواء وفاكهة لا نظير لها. والقهوة تورث الجسم قوة فهي من مضادات السموم ومقوية للقلب والشاي في الصباح يقوي ويورث نشاطاً ويسهل التنفس وإذا شرب بعد المشي أو عمل متعب يورث راحة سريعة وينبه النشاط والأقدام، وأرباب الأمزجة البلغمية يتطلبون مواد مقوية تصلح أجسامهم فعليهم بلحم البقر والغنم مشوياً ولحوم الأرانب والحمل والتدرج (الديك البري) وأن يتناولوا الخبز ناضجاً جداً بكمية وافرة وبقولاً مرة مسهلة ويقللون من المواد النشائية وتضر بهم الأطعمة غير الناضجة والخس والهندباء والسبانخ والجزر وجميع البقول المرطبة والمسهلة. وعلى أرباب الأمزجة الدموية أن يعتدلوا في مآكلهم ويتقشفوا بحيث لا يزيدون الكريات الحمراء في دمهم ويتناولون من اللحوم لحم العجل والفراخ والأرنب واللبن ويكثرون من البقول والثمار المرة وتنفعهم القهوة الخفيفة ويتخلون عن الأبازير والتوابل، وكل ما يورث الحرارة في الجسم وإذا كانوا مستعبدين للعرق فالأولى أن لا يأتوا عملاً من شأته منعه. وعلى أرباب الأمزجة العصبية أن يستعملوا المواد اللطيفة اللذيذة لغذائهم مثل البيض والفراخ واللبن المطبوخ وأسماك الأنهار ويمتنعوا عن المهيجات مثل القهوة والشاي وغيرهما والخس والكرفس من أنفع البقول لهم فإن في عصير الخس مسكناً لأعصابهم وفي الكرفس النيء وقاية لهم من الاضطرابات فهو يقوي الأعصاب وربما نفع في ضربات القلب، وعليهم أن يقللوا من تناول الطعام أي يعتدلون جداً ولا يأخذون ما لا يوافق أذواقهم من الطعام بتة. وعلى أرباب الأمزجة الصفراوية أن يفضلوا الأطعمة الغليظة ويمتنعوا عن المواد الدهنية والنشائية ويتناولوا من البقول والأرز ولا يتناولون القهوة، والثمار الناضجة اللذيذة توافق أمزجتهم، والخس والبندورة نافعان لهم والبندورة محسنة الكبد. والأجدر بسكان البلاد الحارة أن يكثروا من البقول وبسكان البلاد الباردة أن يكثروا من اللحوم والمواد الدسمة نافعة لهم أيضاً. والخبز الطري غير نافع للصحة لأنه لا يجود علكه فيعسر على المعدة هضمه وربما أحدث مع الزمن اضطراباً في الدورة الدموية أو أوجاعاً في الرأس وآلاماً في المعدة وسوء هضم، والخبز السخن الذي يتناوله بعضهم في الصباح وعليه شيء من الزبدة سم ناقع. ومن المشهيات للطعام الثريد البارد الخالي من الدهن يتناول قبل الأكل بساعة فيكثر به سيلان اللعاب في المعدة فتستدعي الطعام ورأى بعض العلماء أن أحسن مقبل ما يعمل من منقوع ملعقتين من بزر الجزر في نصف لتر من الماء الغالي يؤخذ بين الطعام والطعام محلى بالعسل فيجود الهضم وتزيد الشهوة للطعام. وإذا ساء الهضم معك فخير دواء سريع قريب أن تشرب شراباً حاراً، فقد قالت إحدى المجلات الطبية أن من خصائص المشروبات الحارة أن تسكن الغشاء المخاطي في المعدة وتعدل أحياناً التأثيرات المؤلمة التي يشعر بها بعد الأكل فهي تقوي الوظائف المعدية، والظاهر أن اليابانيين بلغوا ما يبلغوه من الصبر وجودة الصحة باستعمالهم الأشربة الحارة لأنهم يتناولون في كل المواسم ماءً حاراً أو شراباً حاراً ويقولون أن الماء البارد يشد الأطراف والرعامى (فص الكبد) والرئة ويحدث السعال ويطفئ الحرارة الطبيعية التي تديم الحياة. وعليك يا هذا أن تنظم أوقات طعامك فبذلك يسهل على الحواس أن تأخذ حظها من الطعام والهضم وتعمل عملها وتستعد لقبول غيره إذا وقت لها وقتاً وعليك أن لا تسرع في هضم طعامك وقضمه بل أن تمضغ كثيراً حتى لا تضطر المعدة أن تعمل ما كان من شأن أسنانك أن تعمله من طحن الطعام، ومن الضروري أن تقلب أسنانك على اللقمة عشرين مرة وكل طعام علك جيداً كان أكثر في التغذية من طعام ازدرد ازدراداً سريعاً فقد ورد في الأمثال الافرنجية من تأنى في أكله طال عمره وهاك الآن معدل الساعات اللازمة لهضم أنواع الطعام الأكثر استعمالاً. ولحم الصيد ماعدا الطيور ثقيل على الهضم يحتاج من ٤ إلى ٥ ساعات، هذا ما لقفناه من أقوال أحدث علماء الصحة من الغربيين وعلى المرء أن يكون حكيم نفسه في تحميل معدته ومزاجه ما يطيق وأن يراقب خروج الطبيعة مراقبة تامة فإن أمراض التهاب الكلى وسوء الهضم والتهاب الأمعاء والزائدة الدودية كلها تنشأ من القبض وإذا رأى الخروج قد أبطأ في الصباح فعليه أن يستعمل التمسيد قبل أن يقوم من سريره وذلك بأن يضع رجليه تحت ظهره ويضغط بيده على بطنه فيبدأ بغمز الموضع القريب من السرة ثم يصل إلى الحالب فيمر يده على صورة قوس حتى ينتهي إلى الحالب الأيسر. وهنا أمر يجب التنبه له لأنه داخل في صحة الجسم وهو أن المسكرات على اختلاف أنواعها ضارة بالصحة بحسب رأي علماء أوروبا أنفسهم يضل قليلها وكثيرها خلافاً لمن يهرفون بما لا يعرفون ويقلدون على العميا وهم جاهلون ولا سيما في هذه البلاد المعتدلة الجيدة المياه القليلة الغش في المأكولات على الجملة. مخطوطات ومطبوعات المنهج الأحمد ألف العرب يوم كان علماؤهم يحسنون التأليف طبقات لرجال كل فن وعلم ذكر منهم صاحب كشف الظنون طبقات الأدباء (مطبوع) لابن الأنباري المتوفى سنة ٥٧٧ وطبقات الاصبهانية لابن حيان البستي ( ٣٥٤ ) وطبقات الأصوليين للسيوطي ( ٩١١ ) وطبقات الأطباء (مطبوع) لابن أبي أصيبعة ( ٦٦٨ ) وطبقات الأمم لصاعد ولابن سعيد المغربي وطبقات الأولياء لابن الملقن ( ٨٠٤ ) وطبقات البيانيين للسيوطي وطبقات التابعين لابن النجار ( ٦٤٣ ) وطبقات الثعلبي الموسوي والطبقات الجلالية للجلال الدواني ( ٩٠٨ ) وطبقات الجنان وطبقات الحفاظ (مطبوع) للذهبي ( ٧٤٨ ) وطبقات الحكماء لابن صاعد ( ٥٤٨ ) وطبقات الحكماء (مطبوع) للقفطي ( ٦٤٦ ) وطبقات الحنبلية وذيولها وطبقات الحنفية وذيولها وطبقات الخطاطين للسيوطي وطبقات الخواص للزبيدي ( ٧٩٣ ) وطبقات الرواة خليفة بن خياط ومسلم بن حجاج والطبقات السنية في تراجم الحنفية للتميمي الغزي ( ١٠٠٥ ) وطبقات الشافعية للسبكي (طبع) وذيوله وطبقات الشافعية للخيضري ( ٨٩٤ ) وطبقات الشعراء لابن قتيبة ( ٢٩٦ ) ويدخل فيها كتب كثيرة مثل شعراء الزمان وقلائد العقيان (مطبوع) وعقود الجمان والإشارة والإماء الشواعر وكتاب النساء الشواعر وأصداف الأوصاف وطرف الأدباء ومروج الزمان والباهر والنموذج الشعراء وجنى الجنان والغرة الطالعة والدرر الناصعة ومعجم الشعراء وشعراء الأندلس والكتب المؤلفة في الشعراء كثيرة منها يتيمة الدهر (مطبوع) للثعالبي ودمية القصر (مطبوع) للباخرزي وزينة الدهر في لطائف شعراء العصر للخيضري وفريدة القصر للأصفهاني والملح العصرية لابن القطاع والانموذج في شعراء القيروان لابن رشيق والحديقة لأبي الصلت أمية بن عبد العزيز وسر السرور للغزنوي وكتاب عمارة اليمني في شعراء عصره والمختار في النظم والنثر لابن بشرون الصقلي وطبقات الشعراء بالأندلس لابن ربيعة ( ٣١٠ ) والبارع واليتيمة والخريدة ومتعلقاتها وخبايا الزوايا والباهر وفحول الشعراء والدرر والغرر والحديقة وطبقات الصحابة والتابعين للبصري ( ٢٣٠ ) وطبقاتهم لابن مندة ( ٣٩٥ ) وأسد الغابة (مطبوع) وطبقات ابن سعد (مطبوع) والطبقات الصدرية وطبقات الصوفية للنيسابوري ( ٤١٢ ) وطبقات الطالبين للحسيني ( ٥٨٨ ) وطبقات العلماء لابن الحميدة ( ٦٣٠ ) وطبقات العلوم للأبيوردي ( ٥٠٧ ) وطبقات عماد الدين بن كثير ٧٧٤ وطبقات الفرسان لابن مثنى ٢١٠ وطبقات الفرضيين للسيوطي وطبقات الفقهاء للهمداني ٥٢١ ومثله لابن حبيب المالكي ٢٤٠ وطبقات الفقهاء والمحدثين للهيثم بن عدي ٢٠٧ وطبقات فقهاء ورؤساء الزمن لابن سمرة الجعدي ٥٨٦ وطبقات القراء للداني ٤٤٤ وصنف فيها الجزري ٧٣٣ أجمع كتاب في هذا النوع والذهبي ٧٤٨ وذيله غيرهم وطبقات الكتاب للسيوطي وطبقات اللغويين والنحاة له مطبوع وآخر للإشبيلي ٣٧٩ وطبقات الفقيه للسكسكي وطبقات القاضي وطبقات المالكية لابن فرحون مطبوع ٧٩٩ وطبقات المتكلمين لابن فورك ٤٠٦ وللقاضي عياض بن موسى اليحصبي سماه ترتيب المدارك وللمرزباني أخبار المتكلمين وطبقات المجتهدين لابن كمال باشا ٩٤٠ وطبقات المحدثين لابن الملقن ٤٠٨ وطبقات المعبرين لابن الخلال وطبقات المعتزلة طبقت قطعة منه للقاضي عبد الجبار وطبقات المفسرين للسيوطي وغيره وطبقات النحاة للمبرد ٢٨٤ وطبقات النسابين للحسيني ٥٨٨ وطبقات النساك لابن الأعرابي ٣٤٠ وطبقات همدان لابن الأنماطي وغير ذلك مما هو مطبوع مثل وفيات الأعيان لابن خلكان وذيله للصلاح الكتبي. وفي خزانة الكتب الظاهرية بدمشق كتاب طبقات الحنابلة لابن رجب قال كاتب حلبي: طبقات الحنبلية لأبي الحسين محمد بن محمد بن الحسين أبي يعلى الحنبلي الفراء الشهيد سنة ٥١٦ صاحب المجرد في مناقب الإمام أحمد وقد جعل هذه الطبقات على سير الطبقات الأولى والثانية على حرف المعجم وما بعدهما على تقديم العمر والوفاة وانتهى فيه إلى سنة ٥١٢ ثم ذيله الشيخ زين الدين عبد الرحمن بن أحمد المعروف بابن رجب الحنبلي المتوفى سنة ٧٩٥ وصل فيه إلى سنة ٧٥٠ ثم ذيله العلامة يوسف بن حسن بن أحمد الحنبلي المقدسي مرتباً على الحروف فرغ من تأليف سنة ٨٧١ وذيله أيضاً الشيخ تقي الدين مفلح. والغالب أن عبد الرحمن بن محمد العمري العليمي الحنبلي من أهل القرن العاشر ذيل على ما ذيله ابن مفلح في مجلد ضخم سماه المنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد ونحن الآن نتكلم عليه وسنتكلم في فرصة أخرى على طبقات ابن رجب، قال العليمي في مقدمة كتابه بعد البسملة والحمدلة: أما بعد فهذا مختصر استخرت الله تعالى في جمعه وترتيبه وسألته المعونة لي بفضله وتهذيبه يتضمن نبذة من ترجمة أمامنا المبجل والحبر المفضل الرباني أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل الشيباني أمام أهل السنة، وآخر المجتهدين من الأئمة رضي الله عنه وأرضاه وجعل الجنة منقلبه ومثواه وأحواله ومناقبه وذكرمحنته وتاريخ مولده ووفاته وتراجم أصحابه رحمة الله عليهم فاذكر أولاً ما تيسر من مناقب الإمام رضي الله عنه ثم اذكر أصحابه الذين عاصروه فأبتدئ بذكر من توفي منهم قبله ثم اذكر من توفي بعده ثم اذكر من لم تؤرخ وفاته وعند انتهاء أسماء الأصحاب من الطبقة الأولى أبين منهم من اشتهر من أعيان أصحابه من الفقهاء الذين كانوا على مذهبه في الأصول والفروع ونقلوا عنه الفقه ونقل عنهم إلى من بعدهم إلى أن وصل إلينا وأسرد أسماءهم متوالية ليتميزوا عن غيرهم من أصحابه الذين قرؤوا عليه الحديث وغيره ورووا عنه من غير المشهورين بالتمذهب بمذهبه في فروع الفقه ثم ذكر أسماء الأصحاب من بعد الطبقة الأولى مرتباً على الطبقات والوفيات ومن لم اطلع على تاريخ وفاته ذكرت اسمه وما وقفت عليه من ترجمته والعصر الذي كان موجوداً فيه أن علمته وأوجزت لفظه حسب الإمكان وحذفت الأسانيد مما رويته فيه من الأحاديث الشريفة في بعض التراجم طلباً للاختصار وسميته بالمنهج الأحمد في تراجم أصحاب الإمام أحمد. وقد وقع هذا الكتاب في زهاء ٨٥٠ صفحة من قطع الوسط وكان الفراغ من نسخة سنة ١١٩٥ على يد عبد الفتاح شطي البغدادي، وعليه خطوط بعض بني الشطي وقد قال المؤلف في آخره: وهذا آخر ما تيسر ذكره من فقهاء الحنابلة رحمة الله تعالى عليهم أجمعين ولم أترك ذكر أحد ممن يصلح أن يذكر في الطبقات إلا من لم اطلع على أمره فقد ذكرت في هذا المختصر جماعة من المتقدمين لم يذكرهم القاضي أبو الحسين وجماعة من المتوسطين لم يذكرهم الحافظ ابن رجب وجماعة من المتأخرين لم يذكرهم قاضي القضاة برهان الدين بن مفلح. وهذا الكتاب مجموعة نفيسة لعلماء هذا المذهب في ألف سنة وفيه تراجم كثير من المشاهير ففيه عدا ترجمة الإمام أحمد ترجمة ابن الجوزي وابن قيم الجوزية وابن تيمية والقاضي أبي يعلي والقاضي يحيى بن أكثم والوزير ابن هبيرة وعشرات غيرهم ممن كانوا مخفر فقه أحمد بن حنبل وعنوان التقى والعلم وسعة التأليف والوعظ والإرشاد، وتراجم من لقوا الألاقي في سبيل تأييد مذهبهم ولا سيما في الامتناع عن القول بخلق القرآن وهي المسألة المختلف فيها بين العلماء على عهد المأمون الخليفة العباسي ومن بعده وذلك مثل أحمد بن نصر الذي قتل في خلافة الواثق لامتناعه عن القول بخلق القرآن أخذه الواثق فقال له ما تقول في القرآن قال: كلام الله قال: افترى ربك في القيامة، قال: كذا جاءت الرواية وأغلظ على الواثق في الخطاب وقال له: مه يا صبي، فدعا الواثق بالصمصامة وقال: إذا قمت إليه فلا يقومن أحد معي فإني أحتسب خطاي إلى هذا الكافر الذي يعبد رباً ولا نعبده ولا نعرفه بالصفة التي وصفه بها ثم أمر بالنطع فاجلس عليه وهو مقيد وأمر بشد رأسه بحبل وأمرهم أن يمدوه ومشى إليه حتى ضربت عنقه وأمر بحمل رأسه إلى بغداد فنصب في الجانب الشرقي أياماً وفي الجانب الغربي أياماً. وفيه أمثلة من الشدة عومل بها الحنابلة وعاملوا بها في قرون مختلفة ولا سيما في القرون التي أثار ثائرها التعصب المذهبي وأمثلة من معتقد رؤساء المترجمين في المسائل المختلف فيها مثل قول أبي بكر بن أبي داود السجستاني من قصيدة: وقل غير مخوق كلام مليكنا بذلك دان الأتقياء وافصحوا ولا تغل في القرآن بالوقف قائلاً كما قال أتباع لهم واسجحوا إلى من يقول بعد إيراد ما يجب الاعتقاد به ولا تكفرن أهل الصلاة وإن عصوا فكلهم يعصي وذو العرش يصفح ولا تعتقد رأي الخوارج أنه مقال لمن يهواه يردي ويفضح ولا تك مرجياً لعوباً بدينه إلا أنما المرجي بالدين يمرح ومثل ذلك قول ابي الخطيب البغدادي في هذا المعنى من قصيدة وان كتاب الله ليس بمحدث عَلَى السن تتلو وفي الصدر يجمع وما كتب الحافظ في كل مصخف كذلك ان بصرت او كنت تسمع ومثل ذلك قول أبي الخطاب الكلواذني من قصيدة: قالوا فهل لله عندك مشبه قلت المشبه في الجحيم الموصد قالوا فهل هو في الأماكن كلها قلت الأماكن لا تحيط بسيدي قالوا فتزعم إن على العرش استوى قلت الصواب كذاك خبر سيدي قالوا فما معنى استواه ابن لنا فأجبتهم هذا سؤال المعتدي قالوا فأنت تراه جسماً قل لنا قلت المجسم عندنا كالملحد وممن أطال في ترجمتهم الوزير ابن هبيرة العالم الذي صنف في وزارته كتاباً في ذكر مسائل الفقه المتفق عليها والمختلف فيها بين الأئمة الأربعة المشهورين وجمع عليه أئمة المذاهب وأوفدهم من البلدان إليه لأجله بحيث أنه أنفق على ذلك مائة ألف دينار وثلاثة عشر ألف دينار وحدث به فجمع الخلق العظيم لسماعه عليه وكتب به نسخة لخزانة المستنجد وبعث ملوك الأطراف ووزراؤها وعلماؤها فاستنسخوه نسخاً ونقلوها إليهم حتى السلطان نور الدين الشهيد واشتغل به الفقهاء في ذلك الزمان على اختلاف مذاهبهم يدرسون منه في المدارس والمساجد. هذا بعض ما حواه الكتاب من الفوائد وحبذا لو صحت همة الحنابلة على طبعه بعد أن طبع الشافعية والمالكية والحنفية والإمامية طبقات رجالهم فكتب الطبقات مفيدة من عدة وجوه وليس أحسن في تصور حال زمن من الرجوع إلى سير رجاله وما قالوه وفعلوه وحدث لهم وأحدثوه. عبر الأردن ظهرت في عالم المطبوعات في ألمانيا ثلاث مجلدات للرحالتين الألمانيين برونو ودمانسكي في وصف أصقاع عبر الأردن فجاءت متممة للرحلات التي كتبها الأوروبيون على فلسطين وما والاها وقد وصفا الصقع الواقع في لواء الكرك اليوم وهو من نهر الزرقا إلى بترا أي وادي موسى وصفاً جغرافياً مدققاً والطريق الروماني من مادبا إلى وادي موسى والطرق المتشعبة منه ووصفا وادي موسى وإذرح والطريق الروماني من اذرح إلى عين صدقة والعقبة، ومن الخرائب الرومانية واليونانية والعربية والنبطية مالم يشر إليه السائحون في تلك الأرباض من قبل، ومن الآثار التي وصفت مع صورها محطة الحج وهو حصن روماني قديم وكثر ربة وذات رأس وطوان واذرح وفي هذه معسكر روماني وكنيسة يونانية وقد استغرق الكلام على وصف وادي موسى زهاء ثلثمائة صفحة وفي المناظر التي أوردها السائحان في كتابهما تتمثل للقارئ الأربع صخور الرئيسة المطلة على الوادي ثم وصفا أشكال النواويس المحفورة في الصخر وصفاً تاريخياً والأبراج المحفورة هناك في بيوت كان يسكنها سكان وادي موسى، ومعظم القبور التي حفرت على مثال قبور الحجر يرد عهدها إلى الملك أرتياس الرابع (أي ٩ و ٣٠ سنة قبل المسيح وبعده) وليس في وادي موسى أعمدة من قبل الحكم الروماني عليها، ووصفا قصر فرعون وخزنة فرعون ورجحا بما رأياه من صور أبي الهول وإيزيس ورؤوس الحملان أن تلك البلاد تأثرت بالمدنية المصرية والمسلتان الموجودتان في النجر تمثلان ربي النبطيين دوزارس واللات ويستدل منها أنها كانت مركز عبادة النبط قبل العهد اليوناني بستة قرون على الأقل، وقد دخلت المدينة اليونانية إلى وادي موسى على عهد البطالة وبذلك يستدل على اختلاط العنصرين المصري والسوري، ولم تستقل مملكة النبط هذه إلا في أواخر القرن الثاني عندما انحطت دولة البطالة والسلوقيين وظل القول الفصل فيها للمدنية اليونانية إلى عهد أرتياس الرابع ( ٨٥ — ٦٠ ق م) ولما تجزأت المملكة النبطية إلى ولايات رومانية بقيت محتفظة بمكانتها، وفي أواخر القرن الثالث للمسيح عاد إلى وادي موسى استقلاله، والغالب أن غارات الساسانيين الفرس على هذه البلاد اضطر بترا أن تنقطع عن إنشاء القبور وصك النقود، وقد وصف المؤلفان ٨٥١ مصنعاً من مصانع بترا من مثل القبور والمعابد والمذابح وأجادا في وصف جبل هرون ووادي صبرة والحدود الشرقية من هذه الولاية العربية من معان في الجنوب الشرقي من بترا إلى بصرى وأطلقا عنان القلم لوصف ما وقعت أنظارهما عليه من العاديات والمصانع ووصفا بلاد حوران ولا سيما درعا والسويداء واتيل وقنوات وقرى اللجاة وما فيها من الآثار مع بيان المسافات وطبائع البلاد ورسمها وتقاويمها بالصور والمصورات وشفعا كتابهما ببيان تخوم البلاد العربية وتقسيم مدن سورية وفلسطين وفينيقية والعربية كما كانت في عصور مختلفة كل ذلك مع أسماء الملوك الأقدمين الذين حكموا البلاد.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_60.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.60.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
