<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.6.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.6.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٦ بتاريخ: ٢٢ - ٧ - ١٩٠٦ صدور المشارقة والمغاربة كولريج ١٧٧٢ _ ١٨٣٤ الغالب أن الشعراء في كل أمة يتقلبون مع الأهواء فلا يثبتون على حال في مناحيهم ومنازعهم. ومن يعشق الخيال ويهيم بالطبيعة فيخاطب السماك والأسماء، ويهيم بنجوم الأرض كما يهيم بنجوم السماء، لابد أن يقلبه الدهر كل مقلب، وتختلف عليه الأطوار والأدوار، كاختلاف الطبيعة بين صيف وشتاء وليل ونهار. وصاحب الترجمة ما خرج عن هذا الخلق وخروج الشاعر عنه يعدُّ من الغرائب ولا عبرة بالشذوذ. هو من شعراء الإنكليز وفلاسفتهم ربي يتيماً منذ نعومة أظفاره فبعث به أهله إلى مدرسة متوسطة في لندن امتاز فيها بأخلاقه الساكنة وشعوره اللطيف وذوقه العجيب في علوم ما وراء الطبيعة والفلسفة. دخل كلية كامبردج وغادرها بعد سنتين وبعد أن انضم إلى سلك عصابة من سرية الدراغون سعى بعض أصحابه فأخرجوه منه. سافر إلى مدينة برستول لأول أمره فاتحد وشاعرين شابين مثله (روبرت لوفل وسوتني) وزعموا أنهم يريدون أن ينشئوا في ايلينوا من بلاد أميركا مستعمرة تكون أنموذج المستعمرات تحكمها قاعدة المساواة المطلقة والفضائل الاجتماعية كافة بيد أنهم ما عتموا أن عشقوا ثلاث أخوات فتزوجوا بهن وعدلوا عن أفكارهم الخيالية وجمهوريتهم الكمالية وتفرقوا تحت كل كوكب فراح صاحب الترجمة يؤازر في إحدى الصحف الحرة بلندن موجهاً أبداً كلامه إلى الأمة ولذا حازت مقالاته إقبالاً. ثم كتب رواية وكان نشر من قبل ديواناً من شعره وأنشأ جريدة سياسية أسبوعية لم يصدر منها غير عشرة أعداد فذهب تعبه فيها سدى. ثم عزفت نفسه عن السياسة واعتزل في إحدى بقاع سويرستهير الجميلة وأخذ ينظم فيها أشعاره ويخلد لهذه المدرة بأقواله ذكراً لا يحمى على الدهر وانكب على العمل والدرس أيما انكباب وهناك ألف أحسن قصائده الموشحات فنجحت كثيراً ولكنها لم تأته بربح يذكر. وزار ألمانيا وتمكن من إحكام آداب الألمانية ثم تقلبت به الأحوال فاعتزل واحد صاحبيه الاثنين المشار إليهما مدة ولم يلبث أن عاود المسائل السياسية والدينية فأصبح ملكياً وداعية إلى التثليث على ما كان يميل إليه من الحرية المفرطة. تخلى عن الشعر منذ ذاك العهد وأنشأ ينشئ في جريدة مورنن بوست مقالات يجادل بها خصومه أشد جدال في معنى الثورة مما دل على فكر متقلقل يذهب مذاهب الخيال بحس بالأحوال. وسعى أحد أصدقائه فأنقذه من تعاطي الأفيون تلك العادة الخبيثة الشائعة في الشرق فخلصه بذلك من الجنون وجاءت المنية على الأثر فاختطفته دون أن يتم أعماله العلمية فعهد إلى زوجه أن تنشرها بعده. وكان نفوذ هذا الشاعر الحكيم قوياً في إنكلترا لما عرف به من حب الحكمة وأثر عنه من الكتابات الدينية وجاء من حيث شعره مبشراً بالشاعر بيرون ومملياً على قلبه وروحه فقد استظهر بيرون قطعة صالحة من قصائده كانت له عوناً على الرسوخ في ملكة الشعر. يقول كتاب التراجم الناقدون لو كتب لكولريج أن يتخلى عن الدينيات والسياسيات لجاء منه أعظم شعراء عصره وكان أحد الأحدين غير مدافع وذلك لما خض به من الاقتدار العقلي وسعة التعبير ولطف الأداء. قالوا وكان حديثه مطرباً في الغاية حتى أن إحدى الحانات الغنية في لندن كانت تنقده مبلغاً جسيماً من المال ليحضر إليها ويتسامر وبعض المختلفين إليها. وشبهوا أعماله العلمية بقصر ناقص ترى كل ما فيه هائلاً جميلاً فخيماً ولكن لا تشهد فيه شيئاً قد تم على أصله. وسبب ذلك تلونه في مشربه ومذهبه. والثبات على مبدأ من أقوى عوامل الانتفاع بالرجال. النظامية والمستنصرية بلغت بغداد في الحضارة أعلى درجاتها إبان التمدن الإسلامي وكانت عاصمة العلم ومبعث أشعة الحكمة حتى في عصور تدنيها أيام ضعف سياستها وأصبح حكم العباسيين فيها اسمياً ولم تبرح تنفخ فيها روح النمو والرقي التي بثها فيها خلفاء القرن الثاني والثالث فكان العادة أو قوة الاستمرار حكمت أن لا يكون القرن الرابع والخامس والسادس والسابع دون ذينك القرنين إلا قليلاً. وظلت هذه العاصمة على علاتها أرقى من قرطبة والقيروان ومصر ودمشق وسمرقند وخراسان وغيرها من أمصار الحضارة وقواعد العمل على ما بذل زعماء تلك العواصم من العناية في مضاهاة دار السلام وقبة الإسلام. ولقد كانت المدارس إحدى العوامل الكبرى في ذاك الترقي ويكاد الفضل يرجع إلى بغداد في إحداثها على هذا الطرز المألوف وإن بقيت الأمة زمناً تتلقى علوم الدنيا والدين في حلقات المساجد والمجامع الخاصة. ولقد استاء علماء ما وراء النهر لما بلغهم توفر الخلفاء على بناء المدارس في بغداد وأقاموا للعلم مأتماً تفادياً من ابتذاله وخشية أن تصبح الغاية من الدراسة دنيوية محضة غايتها جر مغنم واجتلاب ديناً عريضة وأسفوا أن رأوا بعض رجال العلم أخذوا يتناولون رواتب لقاء دروس ينفعون بها الأمة وكانوا وأجدادهم من قبل يلقونها بلا عوض ولا عرض ينالونه. وكأن الله خص القرن الرابع بأن قامت فيه أعظم كليات المسلمين اليوم إلا وهو الأزهر في القاهرة الذي بناه القائد جوهر كما خص القرن الخامس بأن وفق نظام الملك وزير السلاجقة لتأسيس المدرسة النظامية سنة ٤٥٩ هـ ببغداد ووفق المستنصر بالله العباسي أيضاً أن أسس مدرسته المستنصرية في أوائل القرن السابع ببغداد. ولما كانت النظامية والمستنصرية عامرتين بضروب العلم غاصتين بالطلاب والأساتذة لم يكن الأزهر يذكر في جنبهما. ولكن دالت الأيام ودرست معالم هاتين الكليتين العظيمتين وكتب البقاء لهذه المدرسة المصرية. ولذلك أحصر الكلام فيهما الآن فأقول: أسس نظام الملك مدرسته النظامية وسط الجانب الشرقي من دجلة وقسمها إلى مقاصير كثيرة خص كل فرع من فروع العلوم الدينية والدنيوية ببعضها وجعل فيها غرفاً كثيرة يأوي إليها الطلبة والأساتذة هذا عدا ما هناك من أبهاء ومنتديات وقاعات وبستان فسيح ومصلى وأماكن للاستراحة وجميع ما يلزم لدار علم مثلها من سائر موافق الحياة كالمطبخ والحمام وغيرهما وكانت فيها خزانة كتب عظيمة كما في غيرها من المدارس الكبرى مسبلة على العالمين والمتعلمين فيها. وبنيت طبقتين وأقيمت في أطرافها أروقة وطاقات وجعلت فيها أنابير ومستودعات فيها كل حاجيات أهلها من طعام ولباس وفراش وكان المعلمون كالمتعلمين يكفون المؤونة فيها فينال كل واحد من أوقافها الدارة ما يسد به عوزه وربما ما يفيض عن حاجته. وليس فيما لدي من المواد شيء يصح الاستنباط منه لإصدار حكم صحيح على نظام الدروس والمدرسين والدارسين في تلك المدرسة وناهيك بأنه كان لها مفت يفتي أهلها في مصالحها على ما هناك من أساتذة هم فخر الإسلام والمسلمين في أعصارهم فقد كان الشيخ رضي الدين أبو داود سليمان بن المظفر بن غانم بن عبد الكريم الجيلي الشافعي مفتياً فيها. كما درس فيها جلة مثل أبي اسحق الشيرازي وأبي نصر بن الصباغ وحجة الإسلام أبي حامد الغزالي وأخيه أبي الفتوح أحمد وأبي الفتح بن برهان وأبي القاسم الدبوسي وأبي عبد الله الطبري وأبي محمد الشيرازي وضياء الدين السهروردي وأبي القاسم القشيري وأبي منصور الوزان وأبي الفتح أسعد المهيني وأبو النجيب عبد القاهر بن عبد الله شيخ العراق في وقته وأبو سعيد المتولي وكمال الدين النحوي وفخر الإسلام أبو بكر المستظهري وأبو بكر بن الدهان النحوي الضرير والشرف يوسف بن بندار الدمشقي وعشرات غيرهم ممن تخرج بهم مئات من الفقهاء والمحدثين والأصوليين والمتكلمين والمتأدبين وغيرهم. وشقيقة هذه المدرسة بل خليفتها المدرسة المستنصرية بناها سنة ٦٣١ المستنصر بالله في الرصافة على ضفة دجلة الشرقية وانفق في بنائها ما ينفقه الملوك في بناء إذا أرادوا به تخليد ذكرهم وإحياء مفاخرهم. وجعل فيها خزانة كتب حملت من الآفاق حملها مائة وستون حمالاً وفي رواية بعض المؤرخين أنها كانت مائتينيوتسعين حملاً عدا ما أضيف إليها بعد. قال الذهبي وأوقاف هذه المدرسة عظيمة غلت في بعض السنين سبعين ألف دينار قيل أن قيمة ما وقف عليها يساوي ألف ألف دينار. وقد جعلت على المذاهب الأربعة وأقيم فيها مستشفى وأطباء يدرسون الطب كما يدرس فيها علم الحيوان النبات والفلك والرياضيات على اختلاف ضروبها والآداب على أنواعها والجغرافية والتاريخ وعلوم الحديث والقرآن. وشرط بانيها أن يكون عدد الفقهاء فيها مائتينيوثمانية وأربعين فقيهاً يصيب أهل كل مذهب ربع هذا العدد يأخذون رواتب وجرايات كثيرة هذا ما عدا المحدثين والمقرئين ومشاهراتهم وعدا كتاب متصل بالمدرسة خص بثلاثين يتيماً يستظهرون فيه الكتاب العزيز ويكفون المؤونة وعدا المدرسة الطبية والمستشفى والصيدلية التي يدرس فيها الدارسون ويستشفى بها المرضى ويأخذون ما يقتضي لهم من المعاجين والأدوية. وأول من عهد إليه التدريس في تلك الكلية محي الدين أبو عبد الله ابن فضلان الشافعي ورشيد الدين أبو جعفر الفرغاني الحنفي والنيابة عنهما جمال الدين أبو الفرج بن الجوزي الحنبلي وأبو الحسن المغربي المالكي واشتهر من مدرسيها جمال الدين العاقولي. ووصف هذه المدرسة العالم محمود شكري الآلوسي في كتابه مساجد بغداد ومدارسها فقال أنه كان فيها مزملة للماء البارد وأن الداخل إليها اليوم من بابها الكبير الجنوبي يرى فسحة طولها نحو مائة متر وعرضها نصف ذلك وفي كل جهة منها إيوان رفيع السمك كأنه أعد كل واحد منها لمدرس من المذاهب الأربعة وأن الموظفين بها كانوا أقل من المشتغلين فإنهم في كل وقت كانوا دون ألفي طالب على اختلاف طبقاتهم واستعدادهم وأما الموظفون فهم دون الألف وكانت التفرقة بين الأصناف والطبقات بألوان الطيالس فذوو الطيالسة الصفر صنف والبيض صنف والحمر صنف وهكذا. وكان في بابها ساعة عجيبة. هذا ملخص ما كانت عليه النظامية والمستنصرية من الإتقان العجيب ولم يبق للأولى من أثر اليوم غير قاعدة منارتها وهي مطبخ أحد الإسرائيليين وبقيت الثانية محفوظة من أيدي التخريب إلا قليلاً بيد أنها حولت إلى إدارة جمرك منذ بضع سنين وذهبت تلك الحضارة وما يتبعها جملة وراحت النظامية ولم نعد نسمع إلا بأخبارها وربما تتبعها المستنصرية تلك المدرسة التي بلغ من غرام بانيها بها كما قال ابن العبري أنه بنى بجانبها بستاناً خاصاً له وقلما يمضي يوم إلا ويركب في السيارة ويأتي البستان يتنزه فيه ويقرب من شباك مفتح في إيوان المدرسة ينظر إلى البستان وعليه ستر فيجلس وراء الستر وينظر إلى المدرسة ويشاهد أحوالها وأحوال الفقهاء ويشرف عليهم ويتفقد أحوالهم. فليت المستنصر يحيا اليوم فيرى ما فعلت الأيام بما شاده وشاده نظام الملك. البابليون المملكة الكلدانية - قامت مملكة آشورية جديدة مكان بلاد الكلدان القديمة الداثرة دعيت مملكة البابليين أو المملكة الكلدانية الثانية. وقد تكلم أحد أنبياء إسرائيل على لسان الرب فقال: أنا أحيي الكلدان تلك الأمة الظالمة وسرعان ما تطوف الأرض للاستيلاء على مساكن غيرها وأن خيولها لأخف سيراً من النمر وفرسانها لينشرون في الأطراف ويطيرون كالنسر ينقض على قنيصته وبالجملة فقد ألف الكلدانيون الفروسية والحرب والفتح وهم يماثلون الآشوريين كل المماثلة فاستولوا على بلاد الفرس والجزيرة وبلاد اليهود وسورية وكانت مدة حكمهم قصيرة فقد أنشئت المملكة البابلية سنة ٦٢٥ وأبادها الفرس سنة ٥٣٨ ق. م. بابل - كان بختنصر ( ٦٠٤ _ ٥٦١ ) من أقدر ملوكها وهو الذي خرب بيت المقدس وساق اليهود أسرى وأسس في بابل عاصمة بلاده كثيراً من المعابد والقصور. أقيمت هذه المعاهد بالآجر لقلة الحجر في سهل الفرات. ولما كتب عليها الدثور والعفاء لم يبق منها إلا كوم من التراب والأنقاض وقد عثر في المكان الذي كانت فيه بابل على بعض كتابات فعرفت هيئة المدينة. بيد أن هيرودتس اليوناني وصف مدينة بابل وصفاً مسهباً وكان زارها في القرن الخامس ق. م فإذا هي محاطة بسور مربع يشقه الفرات وكانت المدينة تشغل حيزاً من الأرض مساحته ٥١٣ كيلومتراً مربعاً (أي سبعة أضعاف مدينة باريس) ولم تكن كل هذه البقعة الفسيحة الأرجاء عامرة بالدور والمساكن بل كان يتخللها حقول مزروعة تقوم بأود السكان آونة الحصار. فكانت بابل من ثم أشبه بمعسكر حصين منها بمدينة. وفي جدرانها أبراج ولها مائة باب من النحاس الأصفر وكان سمكها صالحاً لمرور مركبة عليها وفي حيال السور خندق عريض عميق مليء ماء وسترت حافاته بالقرمد. وكانت دورها ذات ثلاث طبقات أو أربع والشوارع وسطها زوايا قائمة. وما أعجب بناء جسر الفرات وأرصفته والقصر الحصين والجنان المعلقة إحدى عجائب الدنيا السبع. وهذه الجنان سطوح مغروسة بالأشجار قائمة على عمد وقباب مصفوفة طبقات الأولى بعد الثانية. برج بابل - بنى بختنصر في طرف المدينة برج بابل وقال في إحدى كتاباته لقد جددت أعجوبة بورسيبا (من ضواحي بابل) ليعجب الناس منها وهو معبد السيارات السبع في الدنيا فأعدت تأسيسه على النحو الذي كان عليه في الأزمان السالفة. وهذا المعبد على شكل مربع مؤلف من سبعة أبراج بعضها على بعض وخص كل برج بإحدى السيارات السبع وصور باللون الذي أختاره الدين لتلك السيارة. وهذه الألوان إذا بدئ بها من أسفل فهي: زحل (سواد) والزهرة (بياض) والمشتري (أرجوان) وعطارد (أزرق) والمريخ (قرمزي) والقمر (فضي) والشمس (ذهبي). وكان في أعلى الأبراج مصلى ومنضدة من ذهب وفراش وثير تسكن إليه كاهنة. أخلاقهم وديانتهم أخلاقهم - لا نعرف هذه الشعوب إلا بمعاهدها ومعاهدها تكاد لا تتعدى أعمال ملوكها فلا ترى الآشوريين أبداً إلا وهم مصورون في حرب أو في صيد أو في احتفالات وما صور نساؤهم قط إذ كن حلس بيوتهن لا يخرجن للناس. وعلى العكس في الكلدان فإنهم كانوا أهل حراثة وتجارة ولكننا لا نعرف شيئاً عن حياتهم. يقول هيرودتس أن هذه الأمة كانت تجمع البنات في مدنها مرة واحدة في العام لتزويجهن فيبيعون الجميلات منهن ويؤخذ ثمنهن ليعطى جهازاً إلى مشوهات الخلقة. قال وعندي أن هذا القانون من أحكم ما وضع من القوانين والشرائع. ديانتهم - دين هاتين الأمتين واحد فالآشوريين تمذهبوا بمذهب الكلدانيين وقد التبس علينا هذا الدين لأنه نشأ كدين الشعب الكلداني من مزيج ديانات متباينة مشوشة كلها. فكان التورانيون يعتقدون على نحو ما تتوهمه قبائل سبيريا الصفر أن العالم غاص بالشياطين (مثل الطاعون والحمى والأشباح والعفاريت) دأبها تربص البشر بالشر والأخذ بمخنقهم ولذلك تراهم لا يلجأون إلى السحرة ليطردوا عنهم هاته الشياطين برقياتهم. وكان الكوشيون يعبدون ربين ذوي اقنومين الذكر وكان القوة بزعمهم والأنثى وهي المادة وكان الكهنة الكلدان وهم مجموع طوائف قوية من المنعة بحيث ساغ لهم أن يعنوا بتوحيد الدينين. الأرباب - الرب المتعال هو ايلو في بابل واسور في أشور وقلما يقيمون له معبداً ومنع يشتق ثلاثة أرباب وهم آنوا رب الظلمة وصورته صورة رجل وذنب نسر معصب رأسه برأس سمكة. وبعل ملك الأرواح مصور كالملك على عرشه. ونواح وهو العالم المنظور هيئته هيئة جبار ذي أربعة أجنحة منتشرة. ولكل من هذه الأرباب ربة أنثى إشارة إلى كثرة الأولاد والذراري. ثم ترد من أسفل صور القمر والشمس والسيارات الخمس والكواكب وفي هواء بلاد الكلدان الشفاف يضيء سناها إضاءة لم نعهدها فتتلألأ كالأرباب. وقد أقام الكلدانيون معابدهم باسم هذه الأرباب وما هي في الحقيقة إلا مراصد يتمكن منها المتعبد من مراقبة سير الأفلاك. علم التنجيم - ذهب الكهنة إلى أن هذه الكواكب أرباب عظيمة تعمل عملها في حياة الإنسان. فكل امرئ يولد في الدنيا في طالع كوكب من الكواكب فيتأتى التنبؤ بسعده إذا علم الكوكب الذي ولد في طالعه. ومن هنا نشأ علم التنجيم والفأل فما يحدث في السماء علامة على ما سيحدث على الأرض. فالنجمة المذنبة مثلاً تنبئ بحدوث ثورة. ويعتقد كهنة الكلدانيين أنهم إذا رصدوا القبة الزرقاء وسياراتها يتنبأون بالحوادث وهذا أصل التنجيم. علم السحر - للكلدان ضرب من الرقى والطلسمات يدمدمون بها لطرد الأرواح أو استحضارها. وهذه العادة من بقايا ديانة التورانيين وهي أصل السحر. نشأ علم السحر والتنجيم في بلاد الكلدانيين وانتشر في أفق المملكة الرومانية ثم تعداها إلى بلاد أوربا. عرف ذلك من تتبع القوانين السحرية في القرن السادس عشر وكان فيها إذ ذاك كلمات آشورية محرفة. العلوم - نشأت علوم النجوم في بلاد الكلدان فمنها عرفنا منطقة البروج وتألف الأسبوع من سبعة أيام إكراماً للسيارات السبع وتقسيم السنة إلى اثني عشر شهراً واليوم إلى أربعة وعشرين ساعة والساعة إلى ستين دقيقة والدقيقة إلى ستين ثانية. وعنهم أخذنا طريقة الأوزان والمكاييل محسوبة على مقياس الطول مما ألف بالاستعمال عند الشعوب القديمة كافة. الصنائع علم عقود الأبنية - لا نعرف صنائع الكلدانيين حق معرفتها إذ قد سجل العفاء على معاهدهم. وقد حذا أهل الصنائع من الآشوريين ممن رأينا صنائعهم حذو الكلدانيين فصح الحكم على المملكتين جملة واحدة. كان الآشوريون يبنون كالكلدانيين بآجر مجفف بالشمس ويغشون ظواهر الأبنية بالأحجار. القصور - أقام الكلدانيون قصورهم على آكام صناعية جعلوها واطئة مسطحة تشبه سطوحاً كبيرة واقتضى جعل العلالي والغرف ضيقة واطئة واكتفى بتطويلها كثيراً لأن الآجر لم يكن لينفع في بناء القباب المنبسطة العالية. فالقصر الآشوري يشبه سلسلة أروقة ودهاليز. والسقوف سطوح ممتدة ذات شرفات وفي الباب ثيران ضخمة مجنحة على هيئة الإنسان. والجدران مغشاة من الداخل تارة بروافد من الخشب النفيس وطوراً من الآجر المزين بالمينا وأخرى بصفائح من الرخام الأبيض المنقوش وآنات تزدان الغرف بالصور ويحلى الأثاث بالترصيع البديع. النقش - يعجب المرء من نقوش الصور الآشورية خاصة ومن المحقق أن التماثيل نادرة ولا إتقان فيها لان النحاتين يؤثرون نحت صفائح كبيرة من الرخام ونقوش ناتئة تشبه الصور ويرسمون مشاهد لا نظام فيها أحياناً وحروباً وصيوداً وحصارات مدن واحتفالات يخرج الملك بها في موكب حفل وهناك تتجلى التفاصيل الدقيقة. فترى بنات الخدام الموكلين بطعام الملك وزمر العملة يبنون له بلاطه والحدائق والحقول والغدران والأسماك في الماء والطيور ترفرف على وكناتها أو تتطاير من شجرة إلى أخرى. وترى صور الكبراء من جوانب وجوههم لان أهل الصناعة ما عرفوا تصويرها من الأمام. ولكنك تقرأ في سحناتهم الحياة والشرف. وتظهر الحيوانات في الأحايين وخصوصاً في الرسوم البارزة في الصيد وفي العادة أن تنقل نقلاً حقيقياً مدهشاً. وكان الآشوريون يتأملون الطبيعة ويرسمونها أصح رسم وبهذا تعرف قيمة صنائعهم حتى أن اليونان اقتدوا بمذهبهم في الصنائع بأن قلدوا النقوش الآشورية ففاقوا مقلديهم وليس في الأمم حتى ولا اليونان أنفسهم من أحسنوا تصوير الحيوانات كالآشوريين. حسنات القرن الماضي وسيئاته معربة عن الفرنسية من المعلوم أن حب البذخ قد وجد في كل عصر من عصور العالم وتواريخ الأمم القديمة طافحة بالأمثلة الكثيرة من ذلك ولكنه كان أبداً سبب الشقاء العام والخاص وتأثيره في هذه القرون الحديثة أدهى وأمر. فقد كان البذخ في القرون السالفة من شأن طبقات الأشراف الكبراء أما في القرن التاسع عشر فأصاب الطبقة الوسطى من الناس تلك الطبقة التي نالت ما نالت بفضل ما خولت من الامتيازات. وهذه الطبقة على كثرة عددها من أشد الطبقات قرباً من الطبقة السافلة وأكثرها بها اختلاطاً ولذلك أصاب هذه أيضاً من ذاك المرض شدة، وبرحت بها تباريح التفخل والتبرج. ومن الأسف أن آفة التظاهر باليسار مازالت يتفاقم شرها ويعظم ضرها من حين إلى آخر وهي من الجراحات الاجتماعية التي هاجمت الطبقات الميسورة والطبقات المعسورة معاً. فقد اعتدنا أن نتخذ من الظل نوراً ومن الظواهر حقائق حتى تضطر الحقيقة أن تكتسي بين أظهرنا في الأحايين رداءاً مموهاً من الكذب للوصول إلى الغاية تنشدها. وما دام العلم لم يعم سواد الشعوب وطبقة العملة لا تهديها المعارف إلى وجه مصالحها الحقيقية فالميدان رحب لأهل المطامع ممن يستخدمون البذخ آلة لإضلال الرأي العام فيعمدون إلى طرق غريبة في الكسب والانتفاع ومنها أشغال البورصة والمضاربات. وسرها قائم بالتأثير في أفكار الرجال بإيجاد الثقة وعدمها في بعض الأحوال على حسب أغراضهم وهم يسيئون استعمال الثقة العامة بإشاعات كاذبة يلفقونها ليغتنوا فيكونوا عالة على ما اقتصده ألوف من البيوت المسكينة وأنت عارف بنتائج أشغال البورصة في الآداب العامة فإن زيادة المالية على هذا النحو تضعف الإحساس وتصد الذكاء عن سننه وغايته الحقيقية وتقتل النشاط على العمل. ويسود أعظم نجاح باهر في الصناعات العادية في عيون أصحابها في جانب الوعود الخلابة التي يعدهم بها القائمون على هذه التجارة. ثم أن أمثال هذه الثروات السريعة الحصول تنبه طمع من كانوا يقنعون من قبل بثمرات أعمالهم أو أملاكهم فيأخذهم دوار الربح فيتدهورون في هذه المضاربة المخطرة فيؤدي ذلك إلى خراب ثروات عديدة وتجلب المصائب على أسرات كثيرة. وما ننس لا ننس الأزمات المالية التي وقعت منذ ثلاثين سنة في فينا وبرلين ولندرا وحدث عنها إفلاس عظيم في الطبقات العالية والوسطى مما يثبت نتائج البورصة السيئة وما هي إلا بنت البذخ والزهو الجنوني في عصرنا. ولقد حدت الحال بالأمم أن ترقي درجة التعليم العام بداعي الجهاد المستمر العظيم في معترك الحياة الحاضرة فأخذوا يملأون رؤوس التلامذة الذين يتأهلون للصناعات العلمية والأدبية بأنواع المعارف فتضيق عن استيعابها ولا تقوى أجسادهم على تحمل ما ينهال عليها ويصرف من دقائقها فيصابون بأمراض طبيعية وعقلية وتضعف تراكيبهم عن تتميم وظائفها وتضطرب تغذيتهم والمساعدات على تراكيبهم النامية. والأمم التي تزعم أنها في مقدمة الحضارة والقيمة على أسبابها هي التي تجتهد كل الجهاد في هذا المعنى فتنفق النفقات الطائلة لتزيد في ترقية الشبان وإنارة عقولهم وزيادة عدد المدارس وتحسين مواد التعليم العالي والوسط والابتدائي. ولا يفوتنا النظر زيادة على ما ذكر من القوانين الفيسيولوجية (المختصة بوظائف الأعضاء) أن نفوذ القوى العقلية متوقف على كمية الأكسجين التي يحملها الدم إلى الدماغ وعلى الهواء الصافي الذي توفرت فيه مادة الأكسجين يشاركهما على تحسين مجرى الرئة وهو السبب الضروري لسلامة الوظائف العقلية. فإذا بطل هذا الشرط وأضيف إليه تهييج القوى العصبية الناتج من شغل عقلي طويل وخصوصاً في بعض التراكيب والأعمار يضعف مجرى الدم ويؤدي بالتدريج إلى الفقر الدموي الدماغي وإلى إنهاك القوة الفكرية ويبدأ ذلك بضعف الذاكرة وعدم الإمكان في تحديق النظر في الموضوعات المهمة والشبان الذين يتعاطون العلم يصابون غالباً بسوس الأسنان وقد ثبت لأحد أطباء برلين من إحصاء خمس سنين أن ثمانين في المائة ممن تقدموا ليكونوا متطوعين في الجيش مدة سنة لم يكونوا صالحين للخدمة. والفتيات اللاتي ينصرفن إلى الأشغال العقلية يصبن أيضاً بما يصاب به الفتيان من ضعف الدم والأمراض العصبية المختلفة وخصوصاً في سن البلوغ لان حالة المجتمع الحديث أصبحت تقضي على الفتيات أن ينصرفن جملة إلى الكد وإنهاك القوى للتغلب على رنق الحياة ومنهن من لا يجتهدن على هذا النحو إلا مجاراة لرغائب والداتهن أو عملاً بما يقتضيه التقليد. وإذا كان معظمهن عائشات غالباً في المحال المزدحمة ولا تسمح لهن أحوالهن المالية بالعيش أبداً في أحياء معرضة للهواء وبيوت توفرت فيها شرط الصحة على بابها فقد أسفر ذلك عن انقطاع الحواس التنفسية عن بلوغ حدها الأعلى من الانبعاث لقلة التمرين الوظائفي مما يؤدي إلى بشاعة كثيرة ويفسد الأوضاع الجسدية ويفضي إلى الحسر (ضعف البصر) وانحراف العمود الفقري الشائعين بين الفتيان والفتيات في خلا سن البلوغ. وقصارى القول فقد أحدث القرن التاسع عشر تأثيراً في إصلاح الخيرات المادية والأدبية والعقلية في جميع طبقات المجتمع عامة وفي طبقات العملة خاصة فقلت قيمة ما أحدث وكلفت فوائده أهل الأجيال الحاضرة والمستقبلة كثيراً إذ لم يترك في الوجود غير كثير من المسائل الاجتماعية دون أن يحلها. وسيبقى الجهاد أبداً قائماً على ساق وقدم بين نصراء الطريقة القديمة والمجاهدين لتحقيق نياتهم في الارتقاء الحديث. بين رأس المال والعلم. بين حقوق المجموع وحقوق الأفراد. ومن الأسف أنا لا نزال في دور التجارب وإنا لنتطال إلى بلوغ عقل الإنسان مرتبة الكمال وهذا لا يتأتى إلا بالإنفاق من سائر التركيب النامي الذي يضعف فيعمل على الدماغ فتختلف الاضطرابات باختلاف القوى العصبية والأشغال العقلية والجنس والسن. وإفراط الشبان في الأشغال العقلية مضافاً إلى الاستكثار من ضروب الشهوات في سن الرجولية هو الداعي عند بعضهم إلى استنزاف مادة القوى ونفوذها العقلي ويؤثر في بعضهم من الجهاد في الحياة ومن مختلف ضروب الأطماع في نيل المراتب والمناصب الاجتماعية ويكون سببها عند بعضهم بذل قوى الأفراد الطبيعية والأدبية بأضعاف التركيب النامي بالاضطرابات والهيجان من كل ضرب. والحق يقال أن الإنسان قد تعلم بفضل ارتقاء الحضارة الحديثة طرق الوقاية من كثير من الأمراض بالعمل بالقوانين الفيسيولوجية أي بواسطة الأسباب الصحية في أعمال الحياة الخاصة والعامة. ولا يفوتنا أن تلك القواعد كانت في الأزمان الغابرة مجهولة فكان الضعفاء عرضة للهلاك بداعي قلة أسباب مدافعة العناصر العادية التي تتربص بهم الدوائر على حين فاز الأقوياء بما أرادوا من المنعة والوقاية وحيوا حياة طيبة عمروا فيها إلى أن تمتعوا بأولاد وبنين. هذا وقد توفرت اليوم دور الصحة للفقراء ومستشفيات السل والمصاح والملاجئ والبيمارستانات لليتامى والعميان والصم البكم والمعتوهين والبله. وبالجملة فإن المجتمع يؤوي في حجره الفقراء والمرضى والبله والضعفاء وكل من أعوزتهم القوة وخانتهم أسباب الجهاد. وقد صار من لم يعيشوا من قبل إلا أياماً في حالة حسنة يعيشون معها ويكبرون ويتبسطون في هذه البيئة الصناعية كالنبات يعيش في بيت من الزجاج بمأمن من الأحداث الجوية وربما ولدوا أولاداً ضعافاً مثلهم وإن كانوا على جانب من الذكاء ولكنهم حرموا من الحدة الطبيعية واحتاجوا للوسائط الصناعية لينجحوا وقد ورثوا الأجيال اللاحقة تلك المفسدات العضوية التي لا تؤهلهم لبلوغ الأجل الأوسط من الحياة البشرية أو تعدهم للأمراض المهلكة التي تشتد وطأتها على الجنس الإنساني وخصوصاً في مراكز السكان الكبرى. وغير خاف أن نماء التجارة والصناعة في النصف الأخير من هذا القرن لم ينشأ عنه فساد هواء المدن بازدحام الناس في أنحائها وبما ينبعث من قاذوراتهم وعفنهم بل قد نتج منه شقاء الطبقة النازلة وانتشار الفجور والفساد والجرائم. وما من أحد يجهل أن السوقه في المدن الكبرى يحتالون أبداً للانتفاع من المفاسد البشرية وأماكن اللهو مثل محال القهوة والمجتمعات ودور اللعب والحانات والمواخير حيث ينفق بعضهم في اللعب ما اقتصده وآخرون ينفقونه في معاقرة المشروبات الروحية وفريق منهم يأتون في ناديهم المنكر وهم لا يتناهون. وأنت ترى بهذا أن حياة العيال المحبوبة آخذة بالضعف من حين إلى آخر كما أن التعلق بالبؤرة (المسكن) الأهلية آخذ بالفتور والانحلال. ولم تحدث محال القهوة والمجتمعات العامة إلا لضرورة اجتماعية ولتكون معهداً يختلف إليه التاجر والأديب في الأحايين وينتابه العامل في آونة عطلته. وقد استعيض عن الأخلاق والصلات البسيطة التي عهدت في الأزمان السالفة بغيرها من الأخلاق والعادات ولكنها نكدة مخالفة للطبيعة وأجدر بها أن تكون مكسوة بالطلاء اللامع من الظواهر من أن تكون لها حقيقة لا شائبة فيها. حكم منتخبة من روايات شكسبير بارك الله في من يجعلون خيراً من الشرّ وأصدقاء من الأعداء الفاضلُ جسور والصالحُ لا يكون جباناً البتة كثيراً ما ننقض ما نصمم عليه فما القصد إلا عبد الذاكرة في مصائب الزمان امتحان ثابت للرجال لا يمكن أن نكون كلنا سادة ولا يمكن أن يطاع كل السادات طاعةً صادقة (إذا أردت أن تطاع فسل ما يستطاع) أنقى كنزٍ يأتي به هذا الدهر الزائل هو الصيت النقيُّ فإذا فقد لا يكون الإنسان إلا تراباً مطلياً بالذهب أو طيناً مصبوغاً الجبان يموت مرات كثيرة قبل أن يأتيه الموت وأما الباسل فلا يذوق الموت إلا مرة واحدة (وإذا لم يكن من الموت بدٌّ فمن العجز أن تموت جبانا) مما أوقن به أنه ليس للإنسان أن يقنط بتة بل عليه أن يجد وراء خير الأمور رغم ما يعارضه من أصعب الصعاب ما الحياة حتى نئن ولم هذا الضجيج هل أصابني جنون حتى أربي في نفسي ما ليس له من الثمر إلا المر وأني لأقلعنه من صدري ولو تأصل في قلبي الرجل الشريف يوثق به ثقةً تامة قيل أن الحبّ طفل لأنه كثيراً ما يخدع في ما ينتخبهُ لا يحتاج الحق إلى التلوين لان لونه ثابت ولا يحتاج الجمال إلى زينة الطلاء فإن الأحسن هو الأحسن بلا مزج أصلاً كن عظيماً في الإيمان وقوياً في الصبر على صروف الزمان إذا كنت أميناً يقاومك الأراذل بأجمعهم إذا كانت الأكذوبة محضة فمقابلتها ومقاومتها أمر سهل ولكن إذا كان فيها شيء من الصدق فقتالها عسر للذة والنقمة آذان صماء لا تسمع الحكم الصحيح الغلبة غلبتان إذا رجع الغالب وعدد جيشه وافر الموت أمر حقير ولكنه يفني ويل الحياة ما الخير والشر إلا ما يظنه الإنسان خيراً أو شراً إذا لم نستفد من مجرى الزمان ذهبت مساعينا ضياعاً يفوقنا أولادنا بحذقهم كما تجاوزنا نحن حذق آبائنا فإننا عرفنا شيئاً وغابت عنا أشياء الناس لا يعتقدون بتوبة أحدٍ وهذا الحكم مصيبٌ غالباً لا فرق إن كانت أكياسنا ملآنة أو أثوابنا حقيرة فإنما العقل هو الذي يغني (لا شيء عظيم في الدنيا إلا الإنسان ولا شيء أعظم في الإنسان إلا العقل) الرجاء الصحيح سريع الجري يطير بجناحي الخطاف ويصير الملوك آلهة وما دونهم من الناس ملوكاً إذا وثق الإنسان بنفسه ثقة كاملة وكانت النفس كفءً فذلك من الأعمال العظيمة الرجل يحب في شبابه من الطعام ما لا يطيقه في شيخوخته إن نفس الكتاب الذي كتبت فيه خطاياي هو نفسي يخسر الرجال شهرتهم إذا لم يراعوها على نحو ما تخسر الجواهر مجدها إذا أهملت أَعنِ الفقير وأعضد المسكين وكلما تقدمت الحياة زد إقداماً وإحساناً إذا عبس الجو توعد بهياج قريب الرجل الشريف مفطور على الصلاح والكرم والفضل والصفات الحسنة لا يعلم المرء ماذا تأتي به كلمةُ السوء من تسميم الحب الزهور الجميلة بطيئة الظهور والعشب البري سريع ما الجمال الأخير باطل مشتبه وضياء لامع سريع الزوال وزهرة تذبل وتموت أوصيك أن تطرح عنك حب الرياسة فقد سقط الملائكة بهذه الخطيئة مادامت الأمور مجهولة وجب أن نحسب حساً بالأفظع ما يمكن أن يصيبنا عارٌ على من يضرب ويقتل لذنوب هو يحبها ويفعلها (لا تنه عن خلق وتأتي مثله عار عليك إذا فعلت عظيمُ) كثيراً ما يقنع صمت البراءة النقية حيث يخيب الكلام أدعُ الله فإنهُ السميع المجيب وهو أقرب إليك من حبل الوريد الرجل الحكيم لا يجلس ويندب خسارته أبداً ولكنه يجدُّ بسرور في إصلاح ما ناله من الضرر الضربات الكثيرة ولو بفأس صغيرة تقطع أعظم الأشجار وتطرحها إلى الأرض إن نفس عيوننا كأحكامنا عمياء أحياناً قيمة العطايا برمتها تابعة لمقام المعطي من موجبات السرور أن يعمل الإنسان ما يجب متى سار في طريق مظلمة من الحكمة أن يعلم أشر الواقع إذا كنت معنياً بحياتك فاطرد الغفلة عنك وكن حذراً متيقظاً مهما كانت حالة الإنسان حسنة إذا لم يكن راضياً فحياته صائرة إلى غاية الشقاء (لكل شيء مدة وتنقضي ما غلب الأيام إلا من رضي) بادر إلى ما يتيسر من الوسائل ولا تهملها (ولا أوفر شغل اليوم عن كسل إلى غدٍ إن يوم العاجزين غد) شر الرياح ما لا خير فيه لأحد (مصائب قوم عند قوم فوائد) شبيبة عظيمين ملخصة عن الإنكليزية كان غليوم الثاني إمبراطور ألمانيا في صباه كما هو الآن خطيباً مصقعاً ولسنا مفوهاً لا تسنح له فرصة كلام إلا وتجد لسانه في النطق يسابق الكهرباء في السريان ولم يتخذ لمران قوة بيانه وفصاحة لسانه إلا أعقد المسائل السياسية وأهمها فلم يسمع منه في شبيبته سوى قراع الكتائب والسيف والمدفع وطبل الحرب وميدان الوغى. زادت حميته وقويت حجته وشكيمته في عهد أبيه المسكين الذي قضى أيام ملكه على فراش المرض وبين أيدي الطبيب والجراح ولقد نسي الابن إذ ذاك أباه ولم تأخذه عاطفة من عواطف حب الابن والده وتغلبت عليه شهوة الملك فكنت تراه في خلال مرض أبيه - وكان يقضي عليه أن يختفي عن الأنظار ويلازم فراشه في ساعاته الأخيرة ليخفف آلامه قبل أن يتجرع حمامه - لابساً ثياب الحرب ممتطياً صهوة جواده يطوف الطرق ويتنقل من بلد إلى آخر ويخطب القوم حتى قال فيه بعض كبار الساسة على ذاك العهد أن هذا الأمير كبعض الممثلين له شغف باللباس والكلام ولو كان من أبناء فرنسا لعذرناه على الطيش والحمق. ومن حسن حظ ألمانيا أن قيصرها لم يكن رجل قول بل كان الفعل أقرب إلى قلبه والعمل أسهل لديه من تحريك اللسان فلما تولى الملك استبدل الفتيان والصبيان بالشيوخ والكهول فجدد بذلك حياة الإمبراطورية وقيد اسمها في سجل الدول الكبرى التي يدير دفتها الشباب وتدبر أمورها الفتوة فكأنه قدَّ من حديد أو صيغ من فولاذ لا يستقر على حال يتجول في الأرض فكأنه ملك من ملوك القرون الوسطى تقمصت نفسه في نفس غليوم. أشتهر عن غليوم بأنه من رجال العمل ولكن شتان بين عمله وعمل غيره من الملوك وحسبنا على صدق هذا القول ما تكتبه الصحف عنه كقولها غليوم السائح وغليوم الخطيب وغليوم ينادي بأنه ملك ملوك الأرض وغليوم يؤنب أشراف مملكته ويمتدح جندها وإمبراطور ألمانيا يغير ثياب الجند وملابس رجال البلاط والقيصر غليوم يطرد بسمارك ويتفرد بالملك والسياسة وإمبراطور ألمانيا يضرب الأرض بأعدائه وإمبراطور ألمانيا الشاعر المصور المستعمر. وقد يعجز القلم عن ذكر ما للإمبراطور من الصفات الكريمة والسجايا الفاضلة التي تميز الملوك عن غيرهم ومن تلك الصفات شجاعة الإمبراطور وأمانته وإصلاحه ويحكى عنه في صباه أن معلماً أراد أن يتقرب إليه في شبابه ليقربه الأمير أيام ملكه فدنا منه وأسرَّ إليه بأن الفحص سيكون في باب كذا من كتاب كذا. هذا ليجدَّ الأمير الصغير في التحصيل ويفوز على أقرانه في حلبة الامتحان ولكن شجاعة غليوم وإخلاصه عكستا آمال المعلم المتملق فإن الفتى صبر حتى جاء وقت الامتحان وتقدم بقدم ثابتة وجأش ساكن إلى لوحة الكتابة وكتب عليها يكون الامتحان في كذا كما أسرَّ إليَّ المعلم. وكان روزفلت رئيس الولايات المتحدة في شبابه يحتقر أكثر المشتغلين معه في السياسة لعلمه بأنهم ثرثارون لا يؤثر عنهم عمل يذكروهم فئة تقول ما لا تفعل وتخاف التصريح بآرائها وأفكارها ولقد كتب في صباه كثيراً وكان أغلب ما كتبه في المسائل السياسية والحربية التي عرضت له في حياته وله بعض الكتب في التاريخ وفنون الصيد والرياضة البدنية وغيرها يصف فيها الحياة في غرب أميركا. وكتب زهاء عشرين كتاباً في أقل من عشرين سنة. وقد ظهر أول كتاب من قلمه سنة ١٨٨٢ ثم كمنت قوته الأدبية ست سنوات وأخرج بعدها في سنة ١٨٨٨ رسالة كبيرة مزج فيها العلم بالسياسة وحلل فيها نظام الحكومة الجمهورية تحليلاً دقيقاً وباح بآراء مهمة جعلت له مركزاً سامياً بين أقرانه سيما وقد أفرغ في تلك الرسالة كل ما مر عليه من تجارب في ثماني سنين قضاها في وظائف الحكومة السامية ومن كتبه كتاب سير الأبطال وحياة الفكر والعمل وحياة أوليفر كرومويل وتاريخ نيويورك وقد جمعت وطبعت كلها في خمسة عشر مجلداً وله غير هذه الكتب مقالات كثيرة نشرت في المجلات الإنكليزية والأميركية. وقد صرح روزفلت بجميع أفكاره الحرة في كتاب كبير اسمه منتهى الكمال ضمنه ما استطاع من الآراء السياسية والاجتماعية وحلَّ فيه كثيراً من المشكلات التي عرضت له في صباه وقد أظهر روزفلت بهذا الكتاب للملأ أنه هو الرجل الوحيد الذي يمكن لأمة كبيرة قوية أن تضع ثقتها فيه. ومن آرائه في هذا الكتاب أنه ليس المجرم الحقيقي هو الذي يسلب ويقتل ويكون هدفاً لسهام العقاب والقصاص إنما المجرم الحقيقي هو السياسي أو الصحافي الكبير الذي يثق به الناس وهو غادر منافق يسعى لمنفعته الخاصة والمجرم الحقيقي هو الغني الكبير الذي يلعب بالعدل ويعبث بالقانون ليموت ويترك بعده القناطير المقنطرة من الذهب للورثة الفاسدين. إن المجرمين الحقيقيين هم أرباب المال الذين يظلمون العمال الفقراء حقوقهم ويشربون دماءهم ويبذلون كل مرتخص وغال في سبيل الذهب ويسيرون إلى الأمام ولو فوق الجثث البشرية. وهاك شذرة من قلم الرئيس روزفلت يصف بها أرباب الملايين في أميركا قال: ليس في العالم أقبح خلقاً وإغراقاً في الدناءة وقلة الشرف من أرباب الملايين الذين ليس لهم عمل ولا غرض في الحياة يسعون إليه سوى جمع المال وحبسه عن المحتاجين والفقراء. ومن الأسف أنهم يجمعون تلك الأموال الطائلة ويحرزون ألوف الألوف من الذهب ليستعملوها في أغراض وغايات دنيئة فإن أحدهم يلعب بالأسهم المالية والشركات ويملك في يده زمام المضاربات فيفقر قوماً ويغني آخرين لمحض لذته وسروره أو يهب ابنه الجاهل مقداراً عظيماً من المال فيعيش الولد عيشة الكسل والخمول والفساد والفجور ويندفع في طلب الملاذ السافلة ويجري وراء شهواته الدنيئة أو يشتري لابنته زوجاً شريفاً فقيراً يلقب (بلورد) أو (دوق) لتكون (ليدي) أو (دوقة) وفي بعض الأحيان يؤسس مدرسة أو يجري رزقاً على كنيسة فينسى الناس ذنوبه الكبيرة بتلك الحسنة الصغيرة ويغضون الطرف عن عيوبه ويغفرون له خطاياه ويحسبون أن هذا العمل الحقير الخيري الذي تم على يده يبرر أعماله السابقة واللاحقة بأسرها. هذا الرجل هو الذي لا يحفل بالعمال الذين يموتون من أجله ويقتلون أنفسهم في معامله ومناجمه وهو يسلب حقوقهم ويهددهم بالطرد إذا شكوا إليه بثهم وهمهم وكلما أمكنه نقص من أجورهم وزاد ساعات عملهم وإذا سألته الحكومة في ذلك هزأ بها وسخر منها ومن دستورها وقوانينها. هذا الرجل خطر دائم على الحكومة والأمة لأنه يرى بعينه الفساد ولا يمد يده للإصلاح ويسمع بأذنه أخبار الرشوة المنتشرة بين الحكام والقضاة ولا يحرك لسانه بكلمة تعود بالنفع على وطنه الذي ينتمي إليه والجمهورية التي تحميه بل يجلس ويضحك كأنه من الدنيا في ملعب ولا يحس بأنه فرد من هيئة حية نامية عن الواجب الذي عليه نحوها قبل نفسه هذا هو المثري الأميركي الذي يحترمه الناس ويبجلونه ويشيرون إليه بأطراف البنان ويثنون عليه قائلين أنه من أرباب المال والأعمال. وإنك لترى في أميركا غير تلك العجول الذهبية وهم أكثر عدداً ولكنهم أقل خطراً وأعني بهم أصحاب الأفكار المادية المحضة الذين لا يمدون يدهم إلى عمل إلا إذا علموا أنهم ينالون منه كسباً ولا يستحسنون شيئاً إلا إذا عرفوا أنه مال ومن المال وإلى المال. ولا يعرفون أن شاعراً واحداً يفيد الأمة بعرائس أفكاره أكثر ألف مرة من صاحب معمل لسبك الفولاذ في الولايات المتحدة ولا يعرفون أنه مهما زادت التجارة وكثرت الأرزاق ولت الواردات عن الصادرات لا تعوقنا تلك الأمور شيئاً عن الفضيلة الضائعة ولا يمكننا بها أن نحل المسائل الاجتماعية الهائلة التي تشغل الآن جميع الأمم المتمدنة ويقولون بأن التجارة والأملاك أقدس جانباً وأغلى ثمناً من الحياة والشرف والمجد بما لا يقدر على أن هؤلاء معذورون لأنهم لا يحسون بعاطفة كبيرة ولا ينبض في جسمهم العرق الذي ينبض في أجسام أهل الفضل. القاهرة محمد لطفي جمعة تحية حبيب حي بلاد الشمال خلاق تلك المناظرْ يا ميُّ أين العهودُ هلا ولاك يعودُ=قد طال منكِ الصدودُ إني أسيرُ الغرام صريعُ لطف الحرائرْ بالله رقي لضعفي يا خيرُ محبوبَ واشفي=سقام مضنىً بطرفِ يخافُ وقعَ النبالِ ممن تفوق الجآذرْ إن جال يوماً بفكركْ خيالُ مضنىً بذكركْ=اسقيه من مسك سؤركْ نفسي أتتْ في خيالي زارتْ وعقلك فاكرْ إن كنتِ تمشين صبحاً بالروض والزهر أوحى=إليك معنى ونفحا فذا شعوري وحالي بدا بزي الأزاهرْ كمْ بتُّ أبكي لبعدي وما البكاء ليجدي=وكلما هاج وجدي من لطف أهل الدلال خشيت فضح السرائر كنا وكان اللقاء والشام فيها الدواء=حتى دهانا القضاء أيام صفو الليالي بالبين والكل ناكر لكن بعد الحبائب يهيج ما في الترائب=فالقلب يغدو يخاطب قلب المحب الموالي على ربوع الخواطر رودي مهب الجنوب فيه سلام الحبيب=ولن يخف نحيبي حتى أرى للوصال من الشمال البشائر عود الشباب كانت العقول في أوربا قبل انتشار العلوم والفنون بين خاصتها وعامتها أشبه بالعقول الآن في معظم البلاد العربية تستهويها الخرافات والخيالات، وتستغويها الأباطيل والترهات، فيتلقى المرء فكره عن أمه ومرضعته، أو عن خادمه وخادمته، أو عن محيطه وبيئته، وكلها عوامل جهل مركب، وأدوات إضلال وانحلال. ومن ذلك ما كان القوم يذهبون إليه من المذاهب في إطالة الأعمار ويتناولون من أجله الأشربة والمعاجين، ويعمدون إلى اتخاذه من أساليب تنتهي بالموت لا بالحياة. ولا يزال فينا قسم عظيم من أهل التخريف، يعتقدون هذا الاعتقاد السخيف، ويعملون بوصفات وردت في بعض كتب الطب القديم التي ما كانت قط عند الثقات معمولاً بها أو يذكرها العجائز والشيوخ وينقلونها خلفاً عن سلف. وقد بحث هذا الشهر أحد علماء الإفرنج في أسرار الشبيبة فقال ما تعريبه: غصت الأجيال القديمة بالأساليب الغريبة لحفظ الشبيبة وكان المفكرون يصرفون من ذكائهم وأعمالهم شطراً كبيراً إرادة تمديد حدود الحياة البشرية. وما من حكيم إلا واهتدى إلى مذاهب في هذا الباب. وقد حوى علم التنجيم والكيمياء والطب وما يتصرف عليها من أنواع هذه الأدوية ألواناً وضروباً. نشر أحد أطباء الألمان في القرن الثامن عشر كتاباً رأى فيه أن خير ما يبعد الهرم ويبقي على الشباب ما استعمله النبي داود في شيخوخته قائلاً أن الجسم المثقل بالأيام يستفيد من الاحتكاك بالجسم القريب العهد بالولادة أي الجسم الهرم البالي من الجسم الفتي الشديد. وقد عمد إلى استعمال هذا الدواء كثير من أهل الحكمة والفلسفة ومنهم غاليين في القديم وهو عالم التشريح اليوناني المناقض لأبقراط في مبادئه الطبية وممن قال به في العهد الحديث روجر باكون الراهب العالم الإنكليزي الكبير المتوفى سنة ١٢٩٤ . ذلك لأنهم زعموا أن ريح الشباب تعدي الشيوخ والأجسام السليمة الجيدة التركيب ولاسيما الغضة الإهاب تزيد الشيوخ والضعفاء قوة لما ينبعث منهم من الروائح الطيبة والأبخرة السليمة الشهية ولما فيهم من المزايا والقوة. وعندما بلغ داود على ما في الكتاب الأول من سفر الملوك السبعين من عمره اقترح عليه خدمته أن يتزوج فتاة فانتفع بذلك. وارتأى كثير من الأطباء ومنهم كوهزن أن نفس الفتاة من أنفع الأمور للشيخ الهمّ قائلاً أن نفس القوي يقوّي كما أن نفس المسلول يؤذي. وما على من شك في هذا إلا أن يذكر أن رائحة الزهور البلسمية تنعش منا الجسد وتحفنا بالصحة والبهجة. وتوسع كوهزن فذكر أمثلة كثيرة من رجال أوشكوا أن يقضوا نحبهم فأعيدوا إلى الحياة بما نفخ فيهم حاشيتهم من روحهم. وأورد بوريللي الفسيولوجي الطلياني المتوفى سنة ١٦٧٩ وتاكيوس وغيرهم أسماء من أشرفوا على الموت وردت إليهم قواهم بما نفخ أصحابهم الصحاح الأجسام في أفواههم. وكذلك الشأن في استنشاق عرق الفتاة. قال كوهزن حدث أن فتى تزوج بعجوزة فعاد إليها شبابها ورجعت إليها قوتها وصحتها على حين كان زوجها يذبل كل يوم كالزهرة ويقترب من الشيخوخة فتراً وشبراً. وهكذا بلغ كورجياس دي ليونتيوم المائة والثماني سنين واناف ايزوكراتس الفيلسوف الآثيني على المائة سنة. دع عنك الفيلسوف زينون وتيوفراست وغيرهما ممن أعجب معاصروهم بقوتهم ونضرة وجوههم وقد نسب لويز كورنارو الطبيب البندقي المشهور جودة صحته في شيخوخته إلى بطانته بيد أن الباحثين لم يهتدوا إلى ضرر أنفاس الناس شباباً كان أصحابها أو شيباً إلا بعد أن ثبت ذلك لطبيبين نطاسيين سنة ١٨٨٧ وأكدا أن الأنفاس سم ناقع وأن هناك طرقاً ثانية لعود الصحة الذاهبة والنشاط الضائع. ولقد كان لأطباء اليهود والرومانيين كافة طرق خاصة لإطالة الأعمار وكانت أدويتهم في هذا الشأن تختلف باختلاف الزمان والمكان كأن يحتوي بعضها على دهن الأسد وجلد الحرباء ودم الأطفال والبالغين ولكن هذه الأدوية لم يكن لها عمل في الأجسام غير إلقاء الحرارة فيها وبقي العمل بهذه الأدوية إلى القرن السابع عشر والثامن عشر أيام أخذ الطب والعلم يرتقيان وانقلب الطب ظهراً لبطن ولم يعد يقبل النسبة بين ماضيه وحاضره. وهناك أنواع كثيرة من المقويات والمنعشات وتكثير الحياة الذي كان يستعمله القدماء كالا كير الذي استعمله أحد أطباء السويد وبلغ به المائة والسبع سنين من عمره فأعتقد بنفعه كثيرون. والوسواس والإغراء ينفعان في مثل هذه الأحوال ولطالما أعانا أصحابهما على ما يريدون. نشر الكتاب في الغرب منذ تسعة قرون كتباً ورسائل في معنى إطالة الحياة وعددوا من انتفع بمقوياتهم ووصفاتهم من كبار الرجال ولم يعرف اليوم كيفية تحضير تلك المقويات وبقيت أخبار معظمهما مجردة لا مستند لها. ولقد مضى على تأصل هذه الأوهام عشرون قرناً ولا يزال إلى يوم الناس هذا من يعتقد بأن العود إلى الشباب ميسور وأن لتلك الأدوية أثراً في النفع وما برحت أندية العلم تشتغل وتبحث وكل سنة نسمع باختراع جديد لطول الحياة قد ينجع بعضها بعض الشيء وقد تكون فائدتها أقصر من عمر الكرام. وما ننس لا ننس تجارب المجمع العلمي في لندن واللائحة التي تلاها الدكتور فبير وأعمال الأستاذ متشنكوف التي نشرها مؤخراً وأعمال كثير من الفسيولوجيين والأطباء والبيولوجيين وكلها ترمي إلى إلغاء الشيخوخة من سجل الوجود. وقد نشر منذ حين أستاذان من شيكاغو بحثاً ادعيا فيه أنهما يعيدان الشباب بالحقن بمصل عجلة ولم يثق الناس بأقوالهما. وهنا نغفل الأسباب التي تنهك صحة الشباب وتسارع بالهرم إلى الجسم ويقف على الذرائع التي تنتج النتائج السيئة فنقول: حاول كثير من علماء منافع الأعضاء أن يعينوا المقدار الضروري من الغذاء للإنسان في أدوار حياته واختلفت مناحيهم في ذلك إلا أن معظمهم في الغالب قد قدروا ما يلزمه زيادة عن الحاجة. ومن رأي التواتير أنه يكفي البالغ أن يتناول كل يوم ١٢٣ غراماً من الزلال (البومين) و ١٢٥ من الدهن و ٤٠٠ من الهدروكربون (المواد التي تولد الحرارة). وقال رايك أنه يكفيه ١٠٠ و ١٠٠ و ٢٤٠ . وقال مولشخوت ١٣٠ و ٤٠ و ٣٤٠ . وقال فوستر ٦٣١ و ٦٨ و ٤٩٤ . وقال ارمند غوتيه أنه يكفيه ١٠٠ غرام من الزلال مضافة إلى ٦٥ من الدهن و ٤١٠ غرامات من الهدروكربون. واللحم يحتوي على ٢٠ في المائة من الزلال فيكفي الإنسان أقل من رطل (مصري) من اللحم في اليوم لإيجاد الزلال اللازم ولا ينبغي أن يستعمل مع اللحم شيء آخر من المغذيات كالبيض والجبن وغيرهما. وأنت ترى فيما تقدم غلواً وإسرافاً. وفي الأبحاث الأخيرة أنه لا يكفي الجسم ٤٠ غراماً من الزلال. وقال غيرهم من أكابر الأطباء المعاصرين أن ٥ إلى ٧ غرامات من الآزوت وهي توجد في ٣٠ إلى ٤٥ غراماً من الزلال تحفظ قوام الصحة وتقوم بحاجة أقوى الأجسام وهذه الكمية تتيسر بتناول بعض الأغذية النباتية وقد جرب أحد الأطباء فتناول كمية من الآزوت من ٦ إلى ٧ فكان من ذلك أن تحسنت صحته كثيراً وشفي من داء المفاصل الذي كان أصيب به منذ سنين كما ثبت نفع ذلك لغيره من أصدقائه بالفعل. وخفف ثمانية من طلبة كلية يال الجامعة في أميركا طعامهم فانتهت بهم الحال أن اقتصروا على ٥٠ غراماً من الزلال وهم ممن اعتادوا الرياضة البدنية العنيفة مثل ركوب الخيل والبحر والصيد وغيرها فجادت صحتهم أيما جودة. وارتأى أحد المتطببين في باريس أن إملاء المعدة بالطعام وهو مما عمت به البلوى بين الناس كلهم إجمالاً لا ينتج إلا الضرر فاختار لمن يطبهم الصيام - عملاً بالمأثور صوموا تصحوا - وقد جرب بنفسه فعل الامتناع عن الطعام مرات كثيرة فأسفر عن نجاح بين وثبتت لمرضاه فائدة الإقلال من الطعام بل الامتناع عنه في الأحيان. وكذلك كان مذهب الدكتور باردت في رأيه الذي عرضه على جمعية مداواة الأمراض الباريسية وأثبت خطأ قدماء الأطباء في كمية الغذاء المقتضي بزعمهم وقال بأن حواسنا تسمم بالإكثار من الغذاء ذاك الإكثار الذي يجلب لا محالة أمراضاً عضالة وأوصاباً كثيرة. ألا وإن الإفراط في تعاطي المشروبات والغذاء ليسبب عدة أمراض يكون من مجموعها سرعة الشيخوخة والهرم. ويا ما أشد هول الشره على الأجسام فهو خطيئة أصلية ينبغي تطهير الأرض منها وقلما نفكر معاشر البشر فيه على أن الطبيعة تعاقبنا من أجله عقوبات شديدة وتكافئنا فيه فلا نرعوي. متى جاء اليوم الذي يقتنع فيه الناس ببلغة من العيش وسداد من عوز ويقتصرون من الطعام على ما ينفع ولا يثقل المعد بشر الصحة والشباب بالقوة. ولقد أبان كثير من نطس الأطباء في كلية باريس الطبية أمثال هذه الملاحظات وأبان بعضهم الأضرار التي تنبعث من إكراه الأطفال على إطعامهم كثيراً. وحال الجسم في إثقاله بالأطعمة والزلال كحال آلة تجعل فيها كمتة من الزيت تفيض عن حاجتها فإنها تنتهي بالوقوف عن الجري على قانونها المعتاد وكذلك جسم الإنسان إذا أفضت عليه ما لا يحتمله ويكفيه أقل منه. وبعد فقد أصيبت اليوم الطبقة النازلة من الناس بنقمة الأشربة الروحية بحيث يموت عشرهم منها كما أصيب أهل الطبقة العالية بالنهم والشره والإكثار من المواد الزلالية وكلتا الطبقتين الغنية والشقية تلتقيان في طريق الآلام والأوصاب ومهما يكن من الأمر فإن الحرمان من الطعام أقل ضرراً من الإفراط فيه والجوع خير من الشبع. وإني لأرى أن يكف المكثرون من الأطعمة عن تناول أكثر من اللازم ويتركوا الفائض عن حاجتهم لأولئك المعوزين المحاويج فيحفظون بذلك سلامتهم فينتفع بذلك الأغنياء والفقراء معاً. فإن التكافل نافع على كل حال وقد أبان علم إطالة الأعمار فوائد الغيرية الاجتماعية وبعبارة ثانية الإيثار على النفس وفائدة الإقلال والاعتدال والامتناع عن الإكثار والإقلاع عن المضار. من ملاهي الأندلسيين ذكر الشقندي في رسالته تفضيل الأندلس على بر العدوة في آثارها وحضارتها وفيما خصت به كل بلد من المزايا الطبيعية والصناعية مما يشبه فرنسا لهذا العهد أنه سمع ما في اشبيلية من أصناف أدوات الطرب كالخيال والكريج والعود والروطة والرباب والقانون والمؤنس والكثيرة والفنار والزلامي والشقرة والنورة وهما مزماران الواحد غليظ الصوت والآخر رقيقه والبوق وإن كان جميع هذا موجوداً في غيرها من بلاد الأندلس فإنه فيها أكثر وأوجد قال وبابدة من أصناف الملاهي والرواقص المشهورات بحسن الانطباع والصنعة فإنهن أحذق خلق الله تعالى باللعب بالسيوف والدك وإخراج القرى والمرابط والمتوجه. (كذا). صحف منسية شذرات حكمية سئل أبو سليمان المنطقي لِمَ لم يصف التوحيد في الشريعة من شوائب الظنون وأمثلة الألفاظ كما صفا ذلك في الفلسفة فقال: إنا لا نظن أن كل من كان في زمان الفلاسفة بلغ غاية أفاضلهم، وعرف حقيقة أقوال متقدميهم، بل كان في القوم من رأى رأي العامة وحط إلى ما حطت إليه ولم يبن منهم كثير شيء مع قدم الزمان ولقاء المحققين الفاضلين وهذا إذا حل لا يكون قادحاً فيما نصصناه من القول في حقائق التوحيد الذي ظفر به خلصان الحكمة، وفرسان الصناعة، على أن الترجمة من لغة يونان إلى العبرانية ومن العبرانية إلى السريانية ومن السريانية إلى العربية قد أخلت بخواص المعاني في أبدان الحقائق إخلالاً لا يخفى على أحد ولو كانت معاني يونان تهجس في أنفس العرب مع بيانها الرائع، وتصرفها الواسع، وافتنانها المعجز، وسعتها المشهورة، لكانت الحكمة تصل إلينا صافية بلا شوب، وكاملة بلا نقص، ولو كنا نفقه عن الأوائل أغراضهم بلغتهم كان ذلك أيضاً ناقعاً للغليل وناهجاً للسبيل ومبلغاً إلى الحد المطلوب ولكن لابد في كل علم وعمل من بقايا لا يقدر الإنسان عليها وخفايا لا يهتدي أحد من البشر إليها وذلك للعجز الموروث عن الهيولى، والضعف الثابت في الطينة الأولى، وهذا لكي يكون الله تعالى ملاذاً للخلق ومعاذاً للعالم. قال أبو حيان لأبي سليمان ما الفرق بين طريقة المتكلمين وبين طريقة الفلاسفة فقال ما هو ظاهر لكل ذي تمييز وعقل وفهم طريقتهم مؤسسة على مكايل اللفظ باللفظ وموازنة الشيء بالشيء إما بشهادة من العقل مدخولة وإما بغير شهادة منه البتة والاعتماد على الجدل وعلى ما يسبق إلى الحس أو يحكم به العيان أو على ما يسنح به الخاطر المركب من الحس والوهم والتخيل مع الألف والعادة والمنشأ وسائر الأعراض الذي يطول إحصاؤها ويشق الإتيان عليها وكل ذلك يتعلق بالمغالطة والتدافع وإسكات الخصم بما اتفق وإتمام القول الذي لا محصول فيه ولا مرجوع له مع بوادر لا تليق بالعلم ومع سوء أدب كثير نعم ومع قلة تأله، وسوء ديانة، وفساد دخلة، ورفض الورع بتحمله، والفلسفة أدام الله توفيقك محدودة بحدود ستة كلها تدلك على أنها بحث عن جميعها في العالم من ظهر للعين وباطن للعقل ومركب بينهما ومائل إلى حد طرفيهما على ما هو عليه واستفادة اعتبار الحق من جملته وتفصيله ومسموعه ومرئيه وموجوده ومعدومه من غير هوى يمال به على العقل ولا ألف تغتفر معه جناية التقليد مع أحكام العقل الاختياري وترتيب العقل الطبيعي وتحصيل ما ندَّ وانقلب من غير أن يكون أوائل ذلك موجودة حساً وعياناً وكانت محققة عقلاً وبياناً ومع أخلاق الهيئة واختيارات علوية وسياسات عقلية ومع أشياء كثيرة يطول ذكرها وتعدادها ولا تبلغ أقصى ما لها من حقها في شرفها. ثم قال وكان شيخنا يحيى بن عدي يقول أني لأعجب كثيراً من قول أصحابنا إذا ضمنا وإياهم مجلس نحن المتكلمون ونحن أرباب الكلام والكلام لنا بنا كثر وانتشر، وصح وظهر، كأن سائر الناس لا يتكلمون أو ليسوا أهل الكلام لعلهم عند المتكلمين خرس وسكوت. أما يتكلم يا قوم الفقيه والنحوي والطبيب والمهندس والمنطقي والمنجم والطبيعي والإلهي والحديثي والصوفي قال وكان يلهج بهذا وكان يعلم أن القوم قد أحدثوا لأنفسهم أصولاً، وجعلوا ما يدعونه محمولاً عليها ومسؤولاً من عرفها وإن كانت المغالطات تجري عليهم ومن جهتهم بقصدهم مرة وبغير قصدهم أخرى قال وكان يصل هذا كثيراً بقوله والدليل على أن النحو والشعر واللغة ليس بعلم أنك لو لقيت في البادية شيخاً بدوياً قحاً محرماً لم ير حضرياً، ولا جاور أعجمياً، ولم يفارق رعية الإبل، وانتياب المناهل، وهو على قبح هيئته التي لا يشق غباره فيها أحد منا وإن كلف (كذا) فقلت له هل عندك علم قال لا: هذا وهو يسير المثل، ويقرض الشعر، ويسجع السجع البديع، ويأتي بما لو سمعه واحد من الحاضرة وعاه واتخذه أدباً، ورواه وجعله حجة، وكان يقول هذه الآداب والعلوم هي قشور الحكمة وما انتثر منها على فائت الزمان لأن القياس المقصود في هذه المواضع والدليل المدعى في هذه الأبواب معها ظل يسير من البرهان المنطقي والرمز الإلهي والإقناع الفلسفي. قال أبو حيان رويت لأبي سليمان كلاماً لبعض المتصوفة فلم يفكه ولم يهش عنده وقال لو قلت أنا في هذه الطريقة شيئاً لقلت: الحواس مهالك، والأوهام مسالك، والعقول ممالك، فمن خلص نفسه من المهالك، قوي على المسالك، ومن قوي على المسالك، أشرف على المهالك، شرفاً يوصله المالك، قال أبو الخطاب الكاتب الشيخ هذا والله أحسن من كل ما سمع منهم فلو زدتنا منه فقال: الحواس مضلة، والأوهام مزلة، والعقل مدلة، فمن اهتدى في الأول وثبت في الثاني أدرك في الثالث ومن أدرك في الثالث فقد أفلح ومن ضل في الأول وزل في الثاني خاف ومن خاف في الثالث فهو من الهمج واستزاده مظهر الكاتب البغدادي فاستعفى قال: هذا حديث قوم أباعد منا على بعض المشاكهة. قلنا وما قلناه كاف فيما قصدنا فإن استتب خفت العار، واستحليت الغار، (كذا) ولكل أفق يقطفون منه، ولولا هذه اللطائف التي هي شعلة النفوس الوافرة والناقصة، لكانت الصدور تتقرح بأساً، والعقول تتحير يأساً، والأرواح تزهق كمداً، والأكباد تتفتت صمداً، فسبحان من له القدرة وهذه الخليقة، وهذه الأسرار في هذه الطريقة. مطبوعات ومخطوطات  المقابسات في المؤلفين ناس رزقوا الحظ في مؤلفاتهم فانتشرت في حياتهم وبعد مماتهم انتشاراً وأي انتشار ومن هؤلاء الغزالي والماوردي وابن جرير وابن تميمية ومنهم من بقيت تواليفهم مستورة عن الأعين أحياء وأمواتاً ولم ينالوا الحظوة فيها كأن يكون من تلامذتهم أو أولادهم أو أصدقائهم من يحتفظ بما كتبوه وينشره في كل أفق على نحو ما فعل ابن الرومية ونشر في المشرق كتب ابن حزم ولولاه لما أبقى منها التعصب باقية. والغالب أن أبا حيان التوحيدي صاحب كتاب المقابسات هو من أهل الفئة الثانية إذ لم أر واحداً في العشرة من الخاصة من سمع باسمه دع عنك من قرأ له رسالة أو فصلاً مع أنه من أمراء الإنشاء وجهابذة الحكماء والعلماء. نشأ المؤلف في زمن خدمه السعد وحف بالبركة بفضل قوة الاستمرار وما كان في العصرين الزاهرين قبله من علية العلماء وجلتهم والعلم لا يذكو إلا بالأمن والراحة ولا يغني غناءه إلا إذا تسلسل في أجيال عدة حتى صار لهم ملكة راسخة وسنة متبعة. والتوحيدي علي بن محمد نسبة لنوع من التمر ببغداد يقال له التوحيد قال ابن قاضي شهبة وإنما قيل له التوحيدي لأن أباه كان يبيع التوحيد ببغداد وعليه حمل بعض من شرح ديوان المتنبي قوله: يترشفن من فمي رشفت هنَّ فيه أحلى من التوحيد قال ابن خلكان إن أبا حيان كان قد وضع كتاباً سماه مثالب الوزيرين ضمنه معايب أبي الفضل ابن العميد والصاحب بن عباد وتحامل عليهما وعدد نقائصهما وسلبهما ما اشتهر عنهما من الفضائل والأفضال وبالغ في التعصب عليهما وما أنصفهما قال وكان أبو حيان فاضلاً مصنفاً له من الكتب المشهورة الإمتاع والمؤنسة في مجلدين وكتاب البصائر والذخائر وكتاب الصديق والصداقة. وتوفي أبو حيان على رأس الأربعمائة. وكلام المرء أحفل ترجمة تعرب عن صفاته ومناقبه. ولأبي حيان من الكتب كتاب المقابسات وهو صغير الجرم كبير الفائدة ذكر فيه وأكثره من محفوظه بعض ما وقع له من مفاوضات علماء عصره في بغداد وكانوا يجتمعون في دار أبي سليمان المنطقي وعنه أكثر مروياته فيتذاكرون في موضوعات شتى في الفلسفة والأدب. وأكثرها على طريق السؤال والجواب لرجال جمعت بينهم كلمة العلم والحكمة وهذبت نفوسهم الآداب الحقيقية ولم يفرق بينهم اختلاف نحلهم ومذاهبهم. والعلم أعظم دين جامع بين عباد الله. المقابسات اقتبسها أبو حيان من مساجلات إخوانه في الحكمة مثل أبي سليمان المنطقي وهو محمد بن طاهر بن بهرام السجستاني وأبي زكريا الصيمرى وأبي الفتح البوشجاني وأبي محمد المقدسي العروضي وأبي بكر القومسي ويحيى بن عدي وعيسى بن ثقيف الرومي وابن مقداد وأبي القاسم الانطاكي وكان يعرف بالمجتبى وأبي محمد الأندلسي النحوي وأبي اسحق الصابي والخوارزمي الكاتب ووهب بن يعيش الرقي وابن سوار وماني المجوسي وأبي الحسن محمد بن يوسف العامري وعبيد الكاتب والبديهي وأبي اسحق النصيبي وأبي علي عيسى بن زرعة المنطقي ومظهر الكاتب وأبي الخطاب الكاتب وغيرهم من كل من هو واحد في شأنه وفرد في صناعته. والغالب أن مذهبهم في الفلسفة كان مذهب أرسطاطاليس شأن معظم المتأخرين من فلاسفة الإسلام كما قال الشهرستاني في الملل والنحل مثل يعقوب بن اسحق وحنين بن اسحق ويحيى النحوي وأبي الفرج المفسر وأبي سليمان السنجري وأبي سليمان محمد المقدسي وأبي بكر ثابت بن قرة وأبي تمام يوسف بن محمد النيسابوري وأبي زيد أحمد بن سهل البلخي وأبي محارب الحسن بن سهل بن محارب القمي وأحمد بن الطيب السرخسي وطلحة ابن محمد النسفي وابن حامد أحمد بن محمد الاسفزاري وعيسى بن علي الوزير وأبي علي أحمد بن مسكويه وأبي زكريا يحيى بن عدي الصيمري وأبي الحسن العامري وأبي نصر محمد بن محمد بن طرخان الفارابي وغيرهم وإنما علامة القوم أبو علي الحسين بن عبد الله بن سينا قد سلكوا كلهم طريقة أرسطاطاليس في جميع ما ذهب إليه وانفرد به سوى كلمات يسيرة ربما رأوا فيها رأي أفلاطن والمتقدمين. وقد عرف أهل الهند فائدة هذا الكتاب فطبعوه فيما أعلم مرتين والغالب أن النسخة الأصلية يغلب التحريف عليها كثيراً حتى يكاد المعنى لا يفهم. وقد نقلنا منه شذرات في باب الصحف المنسية. وفي الكتاب دليل على حرية ذاك العصر وانطلاق الأفكار فيه ولطالما كان العلماء الذين أخذ عنهم أبو حيان يقولون في مجالسهم عند احتكاك الأفكار وظهور بوارق الحق: يا حسرة الطبيب والمهندس والمنجم والموسيقار والمنطقي والكلامي وجميع أصحاب النظر والقياس على أنهم ما عرفوا التشنيع على علم لا يعلمونه بل كانوا يجلون أقدار أصحاب الصناعات والأفكار على اختلاف طبقاتهم وجمعية أصحاب المقابسات كانت من الجمعيات المرتقية في الإسلام وكان لها أمثال وكل أفرادها من أهل الأخصاء. وللمؤلف كتاب اسمه الإشارات الإلهية في التصوف أطلعت على الجزء الأول منه في خزانة الكتب الظاهرية بدمشق.  طبقات الشافعية الكبرى شرع حضرة الشريف مولاي أحمد القادري المغربي بطبع هذا الكتاب بمصر لمؤلفه تاج الدين أبي نصر عبد الوهاب ابن تقي الدين السبكي وهو في ستة مجلدات جاء الأول منه في ثلاثمائة صحيفة وليس هو مقصوراً على تراجم رجال المذهب بل هو كما قال مؤلفه كتاب حديث وفقه وتاريخ وأدب. وقد قسم حفاظ الشريعة لعهده إلى عشرين طبقة وترجم أصحابها على طريقة الفقهاء لا طريقة المؤرخين. واستفدنا منه أن أول من صنف في الطبقات أبو حفص عمر بن علي المطوعي المحدث الأديب صنف لأبي الطيب سهل الصعلوكي كتاباً سماه المذهب في ذكر شيوخ المذهب ثم القاضي أبي الطيب الطبري وأبي عاصم البغدادي وأبي اسحق الشيرازي وأبي محمد الجرجاني وأبي محمد عبد الوهاب الشيرازي وأبي حسن البيهقي المعروف بفندق وأبي النجيب السهروردي وابن الصالح وأبي زكريا النووي والحافظ المزي وعماد الدين بن باطيش. وقد جعله الطابع بالاشتراك فجعل من يدفع الاشتراك دفعة واحدة خمسين قرشاً ومن يدفعه بعد تمام الطبع ثمانين مع أجرة البريد. يخابر بذلك محل الحاج محمد ساسي بالقاهرة. وسنتكلم على هذا الكتاب بعد مطولاً. فنشكر للطابع عنايته ونرجو له حسن التوفيق إلى إنجازه.  آراء المدينة الفاضلة أهدانا الأديب الفاضل الشيخ مصطفى القباني نسخة من هذا الكتاب تأليف المعلم الثاني أبي نصر الفارابي من فلاسفة الإسلام وقد قدم له ترجمة لطيفة للمؤلف. والكتاب على أسلوب متدين عاقل ومما طربنا له القول في خصال رئيس المدينة الفاضلة ومضادات المدينة الفاضلة وآراء أهل المدن الجاهلة والضالة. وهذا الكتاب مما يقرأوه المطالع ويعيد مطالعته لجمعه بين الفائدة واللذة وجودة تنسيقه وتأليفه. فنثني على ناشره أجمل ثناء وهو يباع في محله بخان الخليلي بمصر.  البيان وافانا العدد الأول من السنة الخامسة لهذه المجلة النافعة وهي تصدر بالعربية والأوردية في مدينة لكنأو من بلاد الهند لمنشئها الفاضل المولى عبد الله العمادي وتحت إدارة الفاضل الشيخ عبد العلي المدراسي وقد أخذت تصدر مرتين في الشهر بعد أن كانت تصدر مرة ساعية في تهذيب حال الأمة الإسلامية في عوائدها وأخلاقها متوخية إظهار الحقائق العلمية وإبداء الآراء الحكمية والإلمام بسيرة رجل عظيم أثر بعض الأثر في المجتمع الإنساني وأندية العلم وحلقات الأدب وقيمة اشتراكها ١٥ شليناً خارج بلاد الهند فنرجو لها الإقبال الذي تستحقه ويستحقه منشئها الأديب. تدبير الصحة أوان المسكرات نشر الدكتور شارل دانا أستاذ النرولوجيا في كلية كورنل من ايتاكا في أميركا نتيجة أبحاثه في المشروبات الروحية فثبت لديه من حوادث كثيرة أن أوان إدمان المسكرات يبتدئ قبل سن العشرين وأن قليلاً من الناس يتعاطونها بعد سن الأربعين. ومن رأيه إذا أرادت الحكومات أن تفلح في مقاومة المسكرات أن تحظر مبيع الكحول إلى كل ولد أو شاب قاصر بعقوبات شديدة تجري أحكامها على من يخالف ذلك من المتجرين بها وهذه أنجع واسطة لإقلال عدد من اعتادوا هذه العادة السيئة في إدمان الخمور. قال أن جمعيات الامتناع عن المسكرات في إنكلترا وخصوصاً في ايرلندا تمنح جوائز من المال لمن يمتنعون كل الامتناع عن تناول الكحول إلى الخامسة والعشرين من سنهم وهذه الطريقة جيدة لأن كثيراً من الشبان لا ينقضون يميناً أقسموه في هذا المعنى خيفة أن لا يقبضوا ما وعدوا به من الدراهم ولو جرت بعض البلاد التي تضعف أبنائها إرادة النفوس على قانون تضعه في عقاب بائعي المسكرات من تغريمهم وحبسهم مثلاً لأتى ذلك بفوائد جمة. ويظن هذا العالم أن هذه الطريقة تؤثر في سير المسكرات تأثيراً محسوساً في بضع سنين بمعنى أنها لا تزيل أثرها بل تقلل من عدد من يتعاطونها ويقل سواد من تضر بهم. وقد عمدت إنكلترا إلى اتخاذ مثل هذا التدبير ولكن المسكرات ما برحت في بلادها تخرب الأجسام وتزيد الأسقام. وقد جاء في إحصاء أخير إن عدد الممتنعين عن المسكرات في إنكلترا ثلاثة ملايين وعدد الأولاد ممن سنهم دون الخامسة عشرة أربعة عشر مليوناً فبذلك كان عدد من يتعاطون المسكرات في إنكلترا أربعة وعشرين مليوناً يصرف كل منهم في السنة ما قيمته ١٣٥ فرنكاً من المشروبات الروحية. ويقدرون أن كثيراً من أسرات العملة في إنكلترا تنفق سدس ما لها على المسكرات وأن ما ينفق على المسكرات في إنكلترا كل سنة يعادل ما أنفقته حكومتها على حرب البوير. هكذا يبحث علماء أمم لا حظر في أديانها على المشروبات الروحية فما هو حال شعوب أصبحت تتعاطاها من غير حرج ولا نكير من دون ما حاجة إليها إلا تقليد الغربيين على أن ديانتهم تحظرها وعاداتهم تنكرها وأصقاعهم لا تحتملها. السياحة والصحة كان البشر منذ عرف التاريخ يسيحون في الأرض إلا أن سياحاتهم الأولى كانت للغارة والفتح فلما ارتقوا قليلاً في سلم التمدن صارت السياحات للعلم والاتجار ولما أوغلوا في المدنية صارت أكثر الرحلات لحفظ الصحة. ومنذ تسلط الإنسان على المملكة الحيوانية بعد أن كان في عهده الأول يألف البحيرات ويسكن المغاور والغابات مازال معروفاً بميله إلى الرحلة ونزوعه إلى التنقل فطرة فيه يتنقل كما تتنقل بعض الحيوانات والطيور ثم تعود أدراجها إلى كهوفها وأوكارها محافظة على طريقها الأول. ولم تكن السياحة في هذا القطر مثلاً ضرورية لأبنائه ونزلائه قبل ثلاثين سنة كما هي اليوم وقد زادت مرافق الحياة واتخذت أسباب تحسين الهواء وأقيمت المعالم النافعة لأن مشاغل الحياة ومتاعب المجتمع كانت أقل من الآن وأطعمة تلك الأيام وأشربتها كانت إلى البساطة أقرب وطرق العيش كانت إلى السلامة. فالعيش اليوم في مصر أشبه بالعيش في لندن وباريس مع أن الطريقة القديمة كانت ملائمة لهواء البلاد أكثر. وشتان بين طبيعة غربي أوربا وشرقي إفريقية. وقد ارتأى أحد أطباء الإفرنج في هذه العاصمة أن خير طريقة يلجأ إليها من لا يستطيعون مغادرة هذه البلاد في الصيف أن لا يفرطوا في شيء أصلاً ويعيشوا هادئين ويخففوا من العمل ومن الطعام فيتناول المرء في الصباح والمساء طعاماً لطيفاً ولا يأكل عند الظهر ما تتعب المعدة بهضمه بل يتناول قدحاً من الشاي وشيئاً مما يقال له التملق (عصرونية) وأن يعتدل جداً في تناول الأشربة الروحية أو يمتنع عنها كل الامتناع وهو الأسلم ويستحم في النهار والليل بالماء البارد مرتين أو ثلاثة ولاسيما في منتصف الليل ليستريح الجسم من وعثاء التعب وبرحاء القيظ والحر. قال والسياحة ضرورية لمن لم يولد في هذه البلاد ريثما يكون من أبناء أبنائه من يألفون إقليم البلاد أما المصري فإن السياحة تكسبه صحة وتجعل فيه قوة ومضاء وتفيد من حيث الاطلاع على معالم الحضارة وآثار العلم والتهذيب. طول الأعمار شغل هذا الموضوع بال الباحثين من العلماء ومن رأي أحد حذاق الأطباء العارفين بعلم الحياة أن العمر يطول مدة تبلغ ست أو سبع مرات من المدة التي يقضيها الحيوان ليستكمل نموه ويبلغ أشده فالقط ينمو في ١٨ شهراً ولذلك كان معدل حياته من ١٠ إلى ١٢ سنة والكلب يكبر في سنتين فيعيش من ١٣ إلى ١٤ سنة والخيل تنمو في خمس سنين فمعدل حياتها من ١٥ إلى ٣٠ سنة فنتج من ذلك أن الإنسان لما كان ينمو في عشرين سنة فمعدل عمره من ١٢٠ إلى ١٤٠ سنة وقد أورد على ذلك برهاناً أن هنري جانكين الإنكليزي عاش ١٦٩ سنة وانه مات في بلاد المجر في العهد الأخير بطرس سكورتان وعمره ١٨٥ سنة وانه كان في مستشفى بروسيا رجل بلغ المائتي سنة وبيده جواز أعطيه سنة ١٧٦٣ وكان في سن الستين وهو أيم منذ ١٢٣ سنة ومات ابنه سنة ١٨٢٤ في التسعين من عمره. وقد ارتأى أن اللبن والملح والخبز الجيد والإقلاع عن المشروبات الروحية أعظم باعث على طول الأعمار. سير العلم خطوط الناس في الغرب فريق كبير يقولون بمعرفة الرجال من النظر إلى خطوطهم ويدعى هذا العلم بالغرافولوجيا فيدعون أن خط المرء صورة منعكسة عن روحه كما أن كتابته تشعر بصفاته. وقد ارتأى أحد الأطباء مؤخراً أن هذا العلم ينفع في تشخيص الأمراض فلا يسأل الطبيب مريضه عن حاله وما أتاه من الأعمال ويسمع من فيه ما تلقيه عليه المخيلة أو توحي إليه به السوداء بل يتقدم إلى مريضه ويستكتبه أسطراً يتعرف بها لأول وهلة حالة صحته فإذا حروفه مائلة بعض الميل ثابتة الأواخر دلت على ظرف صاحبها وإذا كانت على العكس من ذلك رخوة لا إشباع فيها دلت على قلة إحساسه وهكذا جعل لكل خط صورة تنبئ عن كاتبه وربما يعرف بها مزاجه وكرازة يديه وبسطها في دفع أجرة الطبيب. قالت الصحيفة التي ننقل عنها ولاشك أن أشياع هذا المذهب يتكاثرون بعد. سبر الأغوار هي آلة اخترعها مخترع نروجي وسماها (بانيمتر) يتأتى بواسطتها سبر غور البحار بالضبط وهي كما جاء في إحدى المجلات العلمية مصنوعة على مبدأ رجوع الأمواج الداوية التي تعود إذا انبعثت إلى النقطة التي خرجت منها بعد أن تلطم أسفل المحيط وبعبارة ثانية هذه الآلة قائمة على مبدأ الصدى وهي كناية عن آلة ناقلة وآخذة ومقيدة. ضباب البحار اخترع أحد الألمان آلة يهتدي بها ربان السفينة في الضباب الكثيف إلى السفينة القريبة منه ويعرف المسافة التي بقي عليه أن يجتازها ليكون منها قاب قوسين أو أدنى وذلك فيما إذا حال الضباب فلم تنتبه تلك السفينة إلى رفع الإشارة البحرية المتعارفة اليوم وبذلك لا تصطدم باخرة مع أخرى. عشرون سنة على أميركا زار أحد أعضاء دار الندوة الإنكليزية بلاد الولايات المتحدة سنة ١٨٨٥ وعاد فزارها هذه السنة فدهش من ارتقاء تلك البلاد بمادياتها في العشرين سنة الأخيرة قال ويظهر أن كل طبقة من طبقات المجتمع هناك أغنى من الطبقة التي تقابلها في أوربا. ومما وقع في نفسه موقع الاستغراب ارتقاء التعليم العالي إذ ترى اليوم في تلك البلاد من ١٥ إلى ٢٠ كلية جامعة تجاري أشهر كليات أوربا وكل سنة يتضاعف عدد طلبتها ففي كلية يال من التلامذة ما يربو عددهم على طلبة كلية اكسفورد الإنكليزية وفي خمس كليات في شرقي أميركا من الطلبة ما يزيد على عدد طلاب الكليات في إنكلترا بأسرها. قال أن الذوق العام والشعور الأدبي قد بلغا عند الأمريكان اليوم مبلغ الكمال وعيش الطبقة العالية منهم خير من عيش الطبقة التي تقابلها في إنكلترا وأحسن سبيلاً وقد بقي في أميركا الآن ثلاثة أمور لم يدخلها قلب ولا إبدال ألا وهي الحياة السياسية والإدارات البلدية ومسألة العبيد وهذه المسالة لا تزال على ما كانت عليه منذ عشرين سنة. الانتقاد الأدبي رأى أحد علماء فرنسا أن يجعل للنقد طريقة أنجع من طريقته المتبعة الآن وذلك بأن لا تنقد إلا الكتب أو الروايات التي وافقت على استحسانها جمعية مطالعة مؤلفة من طبقة عالية من الصحافيين والمؤلفين ويرى أن هذه الطريقة مما يزيد به انتشار الكتاب ويبعث القراء والمبتاعين على مطالعته وابتياعه. مقالات المجلات  طبقات الناس في مجلة فرنسية بحث في أنه من المتعذر علمياً جعل الناس في طبقة واحدة من المسؤولية وعدمها وانه ليس من العدل تقسيمهم إلى طبقتين غير مسؤولة وهي المجانين ومسؤولة وهي العقلاء بل ينبغي تقسيمهم إلى ثلاث العقلاء المسؤولون والمجانين غير المسؤولين ونصف المجانين نصف مسؤولين.  التعليم في يابان تناقلت المجلات العلمية ما هو موضوع البحث بين المجلات اليابانية اليوم من إنشاء مدارس جديدة وقد اختلفت آراء اليابانيين في طريقة التعليم فبعضهم يريدون أن تتعدد الدروس والفنون في المدارس وبعضهم يودون الإقلال منها لئلا تشغلهم النظريات عن العمليات. ورأى بعضهم أن التعليم على ما هو عليه عندهم الآن في معظم المدارس ناقص الجهاز عقيم الأسلوب إذ أن التلامذة يتعلمون اللغات الأجنبية ولا يتقنونها ولا يكتبون فيها ولا يقرأون فيجيدون وقد حسدوا أهل الغرب على أنهم يكثرون من مواد التعليم في مدارسهم الابتدائية والوسطى والعالية ليعدوا عقول التلامذة للاكتشاف والاختراع.  مناجاة الأرواح المقتطف - إن انخداع الناس بما يرونه ويسمعونه أكثر مما يظن لأول وهلة فقد اتفق مراراً أن شاهدنا بعض المدعين مناجاة الأرواح نحن وجماعة من الأدباء فخيل لهم أنهم رأوا وسمعوا ما لم نره نحن ولا سمعناه وزاد الفرق بيننا وبينهم حينما تكلم كل منا عما رآه وسمعه فإن الوهم صور لهم الأمور على غير حقيقتها حتى صرنا نرتاب في كل ما نسمعه من غرائب التنويم ومناجاة الأرواح. فإن كانت روح الميت تبقى في هذه الدنيا حول الأحياء تناجيهم وتؤثر فيهم وتسمع كلامهم وتجيب طلبهم فعلى ما لا تفعل أهم شيء يزول به الأشكال وهو أن تقول للأحياء أنا روح العالم فلان جئتكم لأثبت لكم ما كنت أنكره. إن أشهر من ادعوا مناجاة الأرواح اعترفوا أخيراً أنهم كانوا يستعملون الحيل لخداع الناس. إن الأرواح التي يزعم مستحضروها إنها أرواح الموتى لا تفعل إلا أسخف الأعمال وأحقرها فلا تكشف سراً في كشفه فائدة لأحد ولا تسيء بأمر من الأنباء به نفع ما مع أن مستحضريها يدعون أنها تفعل ما هو أقرب من ذلك ومن يصدقون بمناجاة الأرواح ويمارسون ذلك تضعف قواهم العصبية رويداً رويداً وينتهي أمرهم إلى الجنون ومن كانت أعصابه كذلك لا يركن إلى أحكامه وتصوراته. ثم إن مدعي استحضار الأرواح مشعوذون كلهم ماهرون في تحويل انتباه الذين أمامهم عن الأمور الجوهرية في حيلهم أي ما لا علاقة له بها. والمكان والزمان لا يصلحان للبحث والتنقيب فيتعذر على الرائي أن يكتشف الحيل لاسيما وهو غير معتاد على ذلك.  الطوتمية الهلال - الطوتم لفظ دخل اللغات الإفرنجية في أواخر القرن الثامن عشر من لغة أوجيبي من هنود أميركا ويراد به كائنات تحترمها بعض القبائل المتوحشة ويعتقد كل فرد من أفراد القبيلة بعلاقة نسب بينه وبين واحد منها يسميه طوتمه وقد يكون الطوتم حيواناً أو نباتاً أو غير ذلك وهو يحمي صاحبه وصاحبه يحترمه ويقدسه أو يعبده وإذا كان حيواناً لا يقدم على قتله أو نباتاً فلا يقطعه أو يأكله وتختلف الطوتمية عن عبادة الحيوانات والنباتات الشائعة عند بعض القبائل المعبر عنها بالديانة الفتشيه أن هذه عبادة صنم بصورة حيوان وتلك تقديس نوع من أنواع الحيوان أو النبات أو عبادته. والطوتمية الآن منتشرة في العالم المتوحش فهي عامة بين قبائل أوستراليا وكثيرة الانتشار في شمالي أميركا وفي بناما. والطوتم الشائع هناك الببغاء ولا تخلو أميركا الجنوبية من آثار الطوتمية على حدود كولومبيا وفنزويلا وفي جيانا وبسيرو. وللطوتمية شأن كبير في إفريقية فإنها شائعة في سينغمبيا وبين قبائل البقالي على خط الاستواء وعلى شاطئ الذهب والاشانتي وبين الدامارية والبكوانية في جنوبي إفريقية وفي أماكن كثيرة من تلك القارة المظلمة ولها آثار في مدغسكر وبعض جزر ملقا أما في آسيا فلها أثر في أواسط الهند بين بعض قبائل البنغال غير الآريين وفي سبيريا وبعض جهات الصين وجزائر المحيط. لا جديد تحت الشمس مما رواه صاحب نفح الطيب من ذكاء أهل الأندلس في استخراج العلوم واستنباطها أن أبا القاسم عباس بن فرناس حكيم الأندلس هو أول من استنبط بالأندلس صناعة الزجاج من الحجارة وأول من فك بها كتاب العروض للخليل وأول من فك الموسيقى وصنع الآلة المعروفة بالمثقال ليعرف الأوقات على غير رسم ومثال واحتال في تطيير جثمانه وكسا نفسه الريش ومد له جناحين وطار في الجو مسافة بعيدة ولكنه لم يحسن الاحتيال في وقوعه فتأذى في مؤخره ولم يدر أن الطائر إنما يقع على زمكه ولم يعمل له ذنباً وفيه قال مؤمن بن سعيد الشاعر من أبيات: يطم على العنقاء في طيرانها إذا ما كسا جثمانه ريح قشعم وصنع في بيته هيئة السماء وخيل للناظر فيها النجوم والغيوم والبروق والرعود.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_6.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.6.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
