<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.59.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.59.TEIP5:</urn>
<passage>الكواكب السائرة من المخطوطات في التراجم التي تتصل بطبعها سلسلة تواريخ القرون كتاب الكواكب السائرة بمناقب أعيان المئة العاشرة للنجم الغزي ومنه نسخة جيدة في الخزانة الظاهرية بدمشق دخلت في ثلاثة أجزاء وبلغ عدد أوراقها ١٦٤ بالقطع الكامل وفي آخرها جزء رابع جعله المؤلف ذيلاً على كتابه هذا وهو خمسون ورقة قال فيه أنه ألفه لتمام سنة ثلاث وثلاثين بعد الألف وهي السنة التي جاءت بكل عجائب قال وسميته لطيف السمر وقطف الثمر من تراجم أعيان الطبقة الأولى من القرن الحادي عشر. وقد كتب الأصل والفرع في سنة اثنتين وستين ومئة وألف قال المؤلف بعد مقدمة طويلة: وإني طالما كنت أتشوق إلى تأليف كتاب يجمع التراجم المتأخرين من أهل المئة العاشرة من العلماء الأنجاب فلم أجد من تعرض لهذا المعنى أو دخل في هذا الباب غير أن الشيخ المحدث النحوي شمس الدين محمد بن طولون الحنفي ألف كتاباً جمع فيه تراجم أواخر المئة التاسعة وأوائل المئة العاشرة سماها بالتمتع بالأقران ولم اقف على مجموع هذا الكتاب وإنما وقفت على نحو كراسة منه فاستدللت بالصبابة على العباب ووقفت له أيضاً على الجزء الثاني من تاريخه الذي جعله لحوادث الزمان وسماه بمفاكهة الأخوان وأوله من مستهل سنة سبع وعشرين وتسعمائة إلى ختام سنة إحدى وخمسين فرأيته ذكر فيه وفيات من بلغه وفياتهم في تلك المدة لكنه لم يخرج فيه لتراجمه من عهده ذم وقفت بعد على الجزء الأول منه فرأيته ابتدأ فيه من أول سنة ثمانين وثمانمائة وهي سنة ميلاده وانتهى فيه إلى سنة ست وعشرين وتسعمائة وكنت قد وقفت قبل ذلك على قطعة من تاريخ كتاب الحافظ العلامة بدر الدين العلائي الحنفي في حوادث القاهرة من سنة سبع عشرة وتسعمائة إلى أواخر سنة أربع وثلاثين ثم وقفت على تعلقه بخط والده شخنا الشيخ الإمام الفقيه أبو الندى شرف الدين يونس العيثاوي الشافعي رحمه الله تعالى علق فيها وفيات شيوخه وبعض أقرانه وترجم أكثرهم فذكر من مآثرهم كل مترجم ما يليق بمقامه ومكانه ثم وقفت على قطعة صالحة من تاريخ العلامة شهاب الدين أحمد الحمصي الخطيب الشافعي الذي ضمنه من مهمات الحوادث والوفيات فإذا هو تاريخ عجيب فيه من تراجم القوم ما يغلو في السوم ويحسن له الانتخاب وتحريت فيه بقدر الطاقة والإمكان وجه الحق والصواب وسلكت بين طريقتي الإيجاز والأطناب لأنه أقرب لتناول المقتصدين وأنفع لمن يريد الكشف من أحوال المترجمين معتمداً فيما أنقله على خطوط هؤلاء المشايخ أو على خط من يوثق به من كل ذي قدر في العلم شامخ وقدم في الفضل راسخ أو على ما تلتقيه من أفواه المعتبرين وأخذته عن الفضلاء البارعين مما يدخل في تراجم الأعيان أو تاريخ مواليدهم أو وفياتهم بحسب الإمكان من أهل القرن المذكور من العلماء الأعلام بدمشق المحروسة وحلب وغيرها وبلاد الشام وعلماء القاهرة والحرمين الشريفين حسبما تيسر لنا مع التحري والاجتهاد في كل مقام وضممت إلى ذلك نبذة من تراجم أعيان التخت العثماني ووفيات أعيان الملك السلطاني ممن اتفقت وفياتهم فيما حدث من الزمان منتخباً لذلك من الشقائق النعمانية ومن رحلة والدي المسماة بالمطالع البدرية ومن غيرهما مما بلغني وتحققته وتلقيته عن الثقات وتلقنته وأضفت إلى ذلك أيضاً من تراجم سلاطين القرن المذكور وملوكه ليتم نظم الكتاب في قلائد عقاينه وسلوكه معتمداً في هذا النوع على كتاب الأعلام بما في مكة من الأعلام للشيخ العلامة المبرز عن الأقران القطب الحنفي المكي عرف بابن قاضي خان وعلى غيره أيضاً مما تيسر لنا الإطلاع عليه في هذا الشأن ثم اني وقفت بعد ذلك على تاريخ العلامة رضي الدين ابن الحنبلي الحلبي الحنفي المسمى بدر الحبيب في تاريخ أعيان حلب وهو كتاب مجلد ضخم ثخين مشتمل على الغث والسمين والتافه والثمين وربما فيه بعض التراجم بما لا يتعلق بالمرام وليس له بفن التاريخ التئام وربما أكمل الأسماء لئلا يخلو الحرف من التراجم بنقاش أو تاجر أو مغن أو مطنبر وعاشق أو معمار أو غيرهم من العوام فانتخبت منه تراجم بعض أعيان كتابه وضممتها إلى كتابي وأعرضت عما لم يقع اختياري عليه مما أتى به وليس في بابه حسبما قضى به تمييزي وانتخابي لأني وضعت هذا الكتاب على أسلوب أهل الحديث والإتقان ولم أرسمه كيف اتفق لا على أي وضع كان ثم وقفت على تاريخ مختصر للإمام المحدث المسند المعتبر ابي المفاخر عبد القادر المحيوي ابن النعيمي الشافعي سماه بالعنوان في ضبط مواليد ووفيات أهل الزمان وقد ذيل عليه ولده العلامة المحيوي محي الدين فانتقيت منه الأغنى لكتابنا عنه ثم وقفت على طبقات الأولياء الكبرى والوسطى وكلاهما للشيخ القدوة الشعراني عبد الوهاب فانتقيت منه ما دخل في شرط كتابي من تراجم الصالحين الأنجاب مع ذكر من ذكرهم الشيخ العلامة الولي المحدث شرف الدين الكناوي من الصالحين ممن يدخل في شروط من تراجم المتعينين في شرح منظومته التي جعلها في تقييد منظومته التي جعلها في تقييد أسماء مشاهير الأولياء والعارفين ومع ذكر تراجم أعيان من أخذ عن شيخ الإسلام الوالد على العلماء والصالحين والبارعين ممن يدخل في شرك الكتاب أيضاً ملخصاً لذلك من جزء له كتب فيه تراجم جماعة من طلبته والملازمين فكان كتاباً جامعاً لزبد هذه الأمهات ملخصاً لمقاصد جامعيها من العلماء الأثبات وكل ذلك مع توفير القرائن وتهيئة الأسباب وتيسر الجمع والتأليف من قبل الكريم الوهاب وسمته بالكواكب السائرة بمناقب أعيان المئة العاشرةوقد وقع الاختيار فيه بعد تقديم أسماء المحمديين على ترتيب حروف المعجم الواقعة في أوائل أسماء المترجمين وعلى تقسيمه إلى ثلاث طبقات الطبقة الأولى فيمن وقعت وفاته من أوائل القرن إلى ختام سنة ثلاث وثلاثين والطبقة الثانية فيمن وقعت وفاته من أول سنة أربع وثلاثين إلى ختام سنة ست وستين والطبقة الثالثة فيمن وقعت وفاته من أول سنة سبع وستين إلى نهاية سنة ألف اهـ. وترجم صاحب خلاصة الأثر في أعيان القرن الحادي عشر المؤلف الغزي في ست ورقات ويؤخذ منها أنه ولد سنة ٩٧٧ ونشأ على شيءٍ من الطلب وله مؤلفات منها هذا التاريخ ومنها شرحه على ألفية التصوف لجده وله كتاب في ترجمة والده. وله كتاب التنبيه في التشبيه قال فيه المحبي إنه كتاب بديع في سبع مجلدات لم يسبق إلى تأليفه وهو أن يذكر ما ينبغي للإنسان ما يتشبه به من أفعلا الأنبياء والملائكة والحيوانات المحمودة وما يتشبه من اجتناب ما يلزم فعله. وقال أنه خاتمة حفاظ الشام وكانت وفاته سنة ١٠٦١ عن ثلاث وثمانين سنة وعشرة أشهر وانتفع به أناس كثيرون وتلقوا العلم عنه. إليك زبدة ترجمة المؤلف وعصره كما ترى ليس من العصور الراقية في الإسلام ولذلك تراه على فضل فيه مأخوذاً بمؤثرات عصره يخلط الجيد بالرديء أو يشوب الجيد الكثير بهنات لا تليق بمن كان مثله ولكن هو المحيط يعمل في عقل المرء ما لا يعمله كل تعليم وإرشاد. خذ مثالاً لذلك ما رواه المؤلف في تراجم لأناس تستحي أن تعدهم من العامة لأن العامة أرقى منهم عقلاً وديناً ولعمري أي دخل لكتاب في تراجم أعيان قرن أن يدس في جملتهم أناس لأخلاق لهم خرقوا حدود الشريعة بدعواهم خرق العادات وعبثوا بعقول العامة فسرت بدعهم إلى الخاصة. قل لنا بأبيك أي داع للمؤلف أن يترجم أناساً من البله السخفاء أرباب الجذب مثل أبي بكر اليمني المجذوب وعبد الله الكردي المجذوب وشعبان المجذوب ومحمد المجذوب وعمر العقيبي المجذوب وابي بكر بن المجنون ومروان المجذوب وذي النون الكملاني المجذوب وأحمد أبو طاقية وفرج المصري المجذوب وخميس المجذوب وسويد ابن المجذوب وسويد المجذوب إلى غيرهم من المجاذيب والمجانين الذين هم أحرى بأن يجعلوا في دور المعتوهين من أن يحشروا في عداد العلماء العاملين أمثال شيخ الإسلام زكريا الأنصاري والشيخ حسن البوريني والجلال السيوطي والسيدة عائشة الباعونية وغيرهم ممن كانوا منار الأمة في ذاك القرن. تالله أن شيخ الإسلام زكريا والسيدة الباعونية لا يرضيان أن يذكر اسمهما مع أسماء أولئك الذين قضي عليهم باختلال تراكيب أدمغتهم وقضي على الأمة بصنع علماءها أن يقدسوهم ويتباركوا بهم فقابلوا ضعف العقول بضعف مثله والخلل بما هو أشد منه عاراً. ما نظن عاقلاً يرضى بأن يعد في الأولياء سويد المجذوب وهو بإقرار المؤلف يتناول الحشيش فيغيب ويهذي ومثله تلك الطبقة من المجاذيب والمجانين وشيخنا المؤلف يقول للناظرين في كتابه اعتقدوا كما اعتقد بهؤلاء السخفاء. وعلى ذلك فالكتاب ليس من الكتب المنقحة لأن المؤلف لم يشتغل بعلم التاريخ اشتغاله مثلاً بعلم الحديث ولذلك كان كحاطب ليل في بعض صفحات كتابه. وماذا تفيد الأمة ترجمة محمد بن مبارك القابوني مثلاً الذي ترجمه بأنه كان رئيساً في عمل الموالد! ندي الصوت حسنه بعيد النفس عارفاً بالموسيقى إلا أنه كان عامياً يلحن وكان أحد المؤذنين المشهورين بالجامع الأموي ورئيس المؤذنين بالدرويشية والسبائية. إن نفس القارئ ثلج إذا قرأت ترجمة علي بن ميمون مثلاً وكان بعض أهل عصره يعتقدون فيه الخير والصلاح وهو على جانب من العلم فماذا يصر مؤلفنا لو كان اقتصر التعريف بمثله وبغيره من العلماء وأطرح من عداهم ممن لا غناء فيهم إلا تكبير حجم الكتاب وتلويثه بتلك الهنات ربما لا يقع كلامنا هذا الموقع المقبول من قلوب بعض من يحبون أن يحسنوا ظنهم بعباد الله أما المؤرخ والاجتماعي فلا يقنعه من الخلق أن يذكروا كلهم بالحمدة على قاعدة التساوي فيختلط صالحهم بطالحهم وعاقلهم بمجنونهم بل لا يرضى إلا أن يقدر كل واحد وما يعمل فقد قيل في بعض الآثار اذكروا الفاسق بما فيه وقيمة كل امرئ ما يحسنه. إن ال قول بخرق العادة وتعدي نظام الطبيعة ليس هذا محل الجدال فيه وعلماء الإسلام أنفسهم على اختلاف بينهم فيه ومنهم من تكلم مجمجماً ومنهم من آثر السكوت والسكوت قد يضر في مثل هذا الموطن. أما كرامات الأولياء التي ينسبها بعض أحبابهم لهم وهم لا دعونها على الأغلب على نحو ما نسبوا أموراً للجيلي والرفاعي وغيرهما من العلماء فإنها تدخل في باب خرق العادة وهذه لا ينقل أخبارها إلا من يحملون بها في منامهم أو يقظتهم فإذا كان البشر نسبوا إلى أناس عرفت ترجمتهم على ما يجب أموراً لم يأتوا بها ولا قالوها أفما هم أحرياء أن يلبسوا مع ضعف المدارك على بعض الصالحين كرامات لم تخطر لهم في بال وهاك الآن ما قاله شيخ الإسلام ابن تيمية في هذا المعنى فهو أصرح ما قرأناه وعساه يقف عنده المعتقدون ولا يفوتهم أن كل من قرأ قوانين الوجود وزكن معنى خرق العادة يستحيل عليه أن يؤمن بما نفاه علماء الإسلام حتى في القرون الوسطى قال ابن تيمية: ومن أظهر الولاية وهو لا يؤدي الفرائض ولا يجتنب المحارم بل قد أتى بما يناقض ذلك لم يكن لأحد أن يقول هذا ولي الله فإن هذا إن لم يكن مجنوناً بل كان متولهاً من غير جنون أو كان يغيب عقله بالجنون تارةً ويفيق أخرى وهو لا يقوم بالفرائض بل يعتقد أنه لا يجب اتباع الرسول صلى الله عليه وسلم فهو كافر وإن كان مجنوناً باطناً وظاهراً قد ارتفع عنه القلم. وقال نقلاً عن الشيخ أبي سليمان الداراني أنه ليقع في قلبي النكتة من نكت القوم فلا أقبلها إلا بشاهدين الكتاب والسنة وقال أبي القاسم الجنيد علمنا هذا مقيد بالكتاب والسنة فمن لم يقرأ القرآن ويكتب الحديث لا يصلح له أن يتكلم في علمنا أو قال لا يقتدى به وقال أبو عثمان النيسابوري من أمر السنة على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالحكمة ومن أمر الهوى على نفسه قولاً وفعلاً نطق بالبدعة لأن الله تعالى يقول في كتابه القديم وإن تطيعوه تهتدوا. وقال: نجد كثيراً من هؤلاء عمدتهم في اعتقاد كونه ولياً لله أنه قد أصدر عنه مكاشفة في بعض الأمور أو بعض التصرفات الخارقة للعادة مثل أن يشير إلى شخص فيموت أو يطير في الهواء إلى مكة أو غيرها أو يمشي على الماء أحياناً أو يملأ إبريقاً من الهواء أو ينفق بعض الأوقات من الغيب أو أن يختفي أحياناً عن أعين الناس أو أن بعض الناس استغاث به وهو غائب أو ميت فرآه قد جاءه فقضى حاجته أو يخبر الناس بما سرق لهم أو بحال غائب لهم أو مريض أو نحو ذلك من الأمور وليس في شيءٍ من هذه الأمور ما يدل على أن صاحبها ولي لله بل قد اتفق أولياء الله على أن الرجل لو طار في الهواء أو مشى على الماء لم يغتر به حتى ينظر متابعته لرسول الله صلى الله عليه وسلم وموافقته لأمره ونهيه وكرامات أولياء الله تعالى أعظم من هذه الأمور الخارقة للعادة وإن كان قد يكون صاحبها ولياً لله فقد يكون عدواً لله فإن هذه الخوارق تكون لكثير من الكفار والمشركين وأهل الكتاب والمنافقين وتكون لأهل البدع وتكون من الشياطين فلا يجوز أن يظن أن كل من كان له شيءٌ من هذه الأمور أنه ولي لله أن يعتبر أولياء الله بصفاتهم وأفعالهم وأحوالهم التي دل عليها الكتاب والسنة ويعرفون بنور الإيمان والقرآن وبحقائق الإيمان الباطنة وشرائع الإسلام الظاهرة مثال ذلك أن هذه المذكورة وأمثالها قد توجد في أشخاص ويكون أحدهم لا يتوضأ ولا يصلي الصلوات المكتوبة بل يكون ملابساً للنجاسات معاشراًَ للكلاب يأوي إلى الحمامات والمقامين والمقابر والمزابل رائحته خبيثة لا يتطهر الطهارة الشرعية ولا يتنظف الخ. وبعد هذا ننقل للقارئ نموذجاً من ترجمة المؤلف لرجل جليل في عصره وهو علي بن ميمون دفين مجدل معوش من أعمال شوف لبنان نورده بدون تذييل عليه ليستنتج القارئ لنفسه أن تلك الكرامات التي ينسبها المؤلف للمترجم لم يقل هو بها بل ادعاه له أحبابه ومريديه ومعظمهم قد يكونون مأخوذين بحبه لا ينظرون إلى الواقع إلا من وجه واحد قالالمؤلف ما نصه: علي بن ميمون بن أبي بكر بن ميمون بن أبي بكر بن يوسف بن إسمعيل بن أبي بكر بن عطاء الله بن ميمون بن سليمان بن يحيى بن نصر بن يوسف بن عبد الحميد بن بلتززواز روق (؟) بن وسكرن بن عربه بن هلال بن محمد بن إدريس بن عبد الله ابن الحسن بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنهم كذا في باقي النسب لترجمته ابن طولون الشيخ المرشد المربي القدوة الحجة ولي الله تعالى العارف به السيد الشريف الحسيب النسيب أبو الحسن ابن ميمون الهاشمي القرشي المغربي الغماري الفاسي أصله كما قال ابن طولون من جبل غارا بالغين المعجمة في معاملة فاس. وقال الشيخ موسى الكنناوي أصله من غمارة وسكن مدينة فاس واشتغل بالعلم ودرس ثم تولى القضاء ثم ترك ذلك ولازم الغزو على السواحل وكان رأس العسكر ثم ترك ذاك أيضاً وصحب مشايخ الصوفية ومنهم الشيخ عرفة القيرواني فأرسل الشيخ عرفة إلى أبي العباس أحمد التوزي الدباسي بالتاء ومن عنده توجه إلى المشرق قال الشيخ موسى فدخل بيروت في أول القرن العاشر وكان اجتماع سيدي محمد بن عراق به أولاً هناك ولما دخل بيروت مكث ثلاثة أيام لم يأكل شيئاً فاتفق أن ابن عمران كان هناك وأتى بطعام فقال لبعض جماعته ادع لي ذلك الفقير فقام السيد علي بن ميمون وأكل وقال ابن عراق لأصحابه قوموا بنا نزور الإمام الأوزاعي فصحبهم ابن ميمون لزيارته ففي أثناء الطريق لعب ابن العراق على جواده كعادة الفرسان فعاب عليه السيد علي ابن ميمون فقال له أتحسن لعب الخيل أكثر مني قال نعم فنزل ابن عراق عن فرسه فتقدم إليها سيدي علي فحل الحزام وشده كما يعرف وركب ولعب على الجواد فعرفوا مقداره في ذلك ثم انفتح الأمر بينهما إلى أن أشهر الله تعالى الشيخ علي بن ميمون وصار من أمره ما صار. قال الشيخ موسى كذا أخبرني علي الغرباني المغربي عن شيخه علي الكيزواني عن سيدي محمد بن عراق وقال في الشقائق أنه دخل القاهرة وحج مكنها ثم دخل البلاد الشامية وربى كثيراً من الناس ثم توطن بمدينة بروسا ثم رجع إلى البلاد الشامية وتوفي بها وقال كان لا يخالف السنة حتى نقل عنه أنه قال: لو أتاني السلطان أبو يزيد بن عثمان يفرش له جلدة شاة تعظيماً له وكان قوالاً بالحق لا يخاف في الله تعالى لومة لائم وكان له غضب شديد إذا رأى في المريدين منكراً يضربهم بالعصا قال وكان لا يقبل وظيفة ولا هدايا الأمراء والسلاطين وكان مع ذلك يطعم كل يوم عشرين نفساً من المريدين وله أحوال كثيرة ومناقب عظيمة انتهى. وكان من طريقته ما حكاه عنه سيدي محمد بن عراق في كتاب السفينة إنه لا يرى لبس الخرقة ولا إلباسها وذكر الشيخ علوان رضي الله تعالى عنه أنه كان لا يرى الخلوة ولا يقول بها وكان إذا بلغه أن أحداً سبه أو ذمه ونسبه إلى جهل أو فسق أو بدعة يتأول ما يتأول عنه وكان بقال عنه كناز وكيماوي فيقول: نعم أنا كناز وعندي كنز عظيم ولكن لا يطلبونه ولا يسألوني عنه وأنا كيماوي ولكن لا يطلبون مت عندي من الكيميا وأنا مطالبي وعند مطلب نفسي مزهود فيه ويشير إلى كنز العلم ومطلب المعرفة وكيمياء الحقيقة وكان كثيراً ما يقول جواب الزفوت السكوت. ومن وصاياه اجعل تسعة أعشارك صمتاً وعشرك كلاماً. وكان يقول الشيطان لأوحي وفيض فلا تغتروا بما يجري بنفوسكم وعلى ألسنتكم من الكلام في التوحيد والحقائق حتى تشهدوا من قلوبكم. وكان إذا أتاه متظلم من الحكام يقول: له أصلح حالك مع الله فمن أصلح ما بينه وبين الله أصلح الله ما بينه وبين خلقه وكان ينهى أصحابه عن الدخول بين العوام وبين الحكام ويقول ما رأيت لهم مثلاً إلا الفار والحيات فإن كلاً منهما مفسد في الأرض فالحيات مسلطة على الفار والفار مسلطة على الناس وكذلك العوام مسلط بعضهم على بعض فسلط الله تعالى الحكام عليهم وكما أنه لا بد أن يسلط على الحية قاتلاً يقتلها أو يأتيها أجلها سلط على الظالم ظلماً آخر وكان شديد الإنكار على علماء عصره وكان يسمي القضاة القصاة والمشايخ المسايخ والفقيه الفقيع من فقع اللبن إذا فسد. وكان من كلامه لا ينفع الدار إلا ما فيها وكان يقول أيضاً لا تشتغل بعد أموال التجار وأنت مفلس. وكان يقول اسلك ما سلكوا تدرك ما أدركوا. وكان يقول لا تخلطوا الحقائق ويستند بقوله تعالى ولا تلبسوا الحق بالباطل وكان يقول عجبت لمن كان يقع عليه نظر المفلح كيف لا يفلح. قلت وهو منقول عن سيدي أحمد بن الرفاعي رضي الله تعالى عنه. وكان يقول يبصر أحمدكم القذاة في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عينه قلت هو حديث رواه الإمام أحمد من طريق أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه يبصر أحدكم القذى في ين أخيه وينسى الجذع وكان يقول كنزك تحت جدارك وأنت تطلبه من عند جارك. وله كلام غير هذا وله من المؤلفات شرح الأجرومية على طريقة الصوفية وكتاب غرية الإسلام في مصر والشام وما والاهما من بلاد الروم والأعجام ورسائل عدة منها بيان فضل خيار الناس والكشف عن مكر الوسواس ورسالة الأخوان من أهل الفقه وحملة القرآن وكشف الإفادة في حق السيادة ومواهب الرحمن وكشف عورات الشيطان وتذكرة السالكين وتذكرة المنيب بأخلاق أصحاب الحبيب كذا في ترجمته لا بن طولون ومنها رسالة لطيفة سماها تنزيه الصديق عن وصف الزنديق ترجم فيها الشيخ محي الدين بن العربي وذكر في أولها أن سبب تأليفها أنه دخل دمشق في سنة أربع وتسعين وثمانمائة فسمع عن بعض أهلها استنقاص الشيخ محي الدين بعد أن زار الشيخ عبد القادر بن حبيب الصفدي بها في شعبان من هذه السنة وهوالذي عرفه بابن عربي ومقامه في الصالحية قال وكنت أسمع به في المغرب ولا أدري من حاله سوى أنه من أهل العلم والخير فقصدت زيارته فانتهيت إلى حمام يقال له حمام الجورة فسألت من الحمامي أن يفتح لي باب المقام فصعد من بعض جدرانه وفتح لي باب مقامه فوجدته ليس فيه أثر العواد وفيه عشب يابس يدل أن أحداً لا يأتيه إلى أن قال ثم قعدت عند قدميه الكريمتين كما ينبغي بل أقول قعدت على سوء الأدب إذ هو أن أقف خارج المقام بالكلية في مقام السائل المقتر لكن أخطأت واسأل الله تعالى بلطفه أن يتوب عليَّ من ذلك قال رأيت في مشهده قبره عند رأسه حجراً مكتوباً فيه قوله تعالى ادع إلى سبيل ربك الآية فعند ذلك قوي نور اعتقادي في الشيخ وتزايد نوراً على نور حتى ملأ ظاهري وباطني وكنت قصدت بلاد ابن عثمان رجاء الجواز من هناك إلى المغرب فدخلت برصة غرة المحرم سنة خمس وتسعين فلما كانت سنة تسع وتسعمائة خطر بنا إلى تقييد بعض كلمات في إظهار شيءٍ من محمود صفاته. ثم ذكر رحمه الله ترجمة الشيخ ابن العربي رضي الله عنه ودل هذا الكلام منه على أنه كلن له اعتقاد زائد في ابن العربي وهو ما عليه أعيان المتأخرين من العلماء المحققين والصوفية المتعمقين رضي الله تعالى عنهم أجمعين ودل هذا الكلام منه أيضاً أنه رضي الله تعالى عنه في كتاب السفينة أن سيدي علي بن ميمون دخل دمشق سنة أربع وتسعمائة وذكر ابن طولون في كتابه مفاكهة الأخوان أن سيدي علي بن ميمون أول ما دخل دمشق دخل في أواخر سنة اثنتي عشرة وتسعمائة فهرع الناس إليه للتبرك به ونزل بحارة السكة الصالحية وصار بعمل بها ميعاداً ويرشد الناس. وممن صعد إليه للأخذ عنه الشيخ عبد النبي شيخ المالكية والشيخ شمس الدين بن رمضان شيخ الحنفية وسلكا على يديه وخلف انتهى ولا تنافى بين هذا وبين ما تقدم لأن ما ذكره ابن طولون هو مبلغ علمه إذ لم يعلم بقدمة ابن ميمون الأولى والثانية حتى ذكر هذا الكلام وايضاً فإن سيدي علي بن ميمون لم يشتهر في بلاد المغرب بالعلم والمشيخة والإرشاد إلا بعد رجوعه من الروم إلى حماة سنة إحدى عشرة ومكث بهامدة طويلة ثم قدم منها إلى دمشق في سابع عشرى رجب سنة إحدى عشرة وتسعمائة كما ذكره سيدي محمد ابن عراق في سفيتنه وتقدم في ترجمة ابن عراق من هذا الكتاب. قال ابن عراق وأقام يعني شيخه ابن ميمون في قدمته هذه ثلاث سنوات وخمسة اشهر وأربعة عشر يوماً يربي ويرشد ويسلك ويدعو إلى الله تعالى (كذا) سيدي الشيخ عبد النبي مفتي المالكية وسيدي محمد بن رمضان مفتي الحنفية وسيدي أحمد بن سلطان كذلك وسيدي عبد الرحمن الحموي مفتي الشافعية وسيدي إسماعيل الدنابي خطيب جامع الحنابلة وأبو عبد الرحمن قيم الجامع وسيدي عيسى القباقبي المصري وسيدي أحمد بن الشيخ حسن وجاره حسن الصواف وسيدي الشيخ داود العجمي انتهى. قلت وكان ممن اصطحب منه شيخ الإسلام الجد رضي الله تعالى عنه وكان يحضر سيدي علي بن ميمون درسه ومجالسه فكان الجد رضي الله تعالى عنه يقول لا بن ميمون حين يحضر عنده يا سيدي علي أمسك لي قلبي أمسك لي قلبي. وممن اجتمع به شيخ الإسلام الوالد وكان يومئذ في سن الثمان أو التسع لكنني لم أتحقق عنه أنه أخذ شيئاً أو لم يأخذ عنه وكان شيخنا الشيخ حسن الصلتي المقري يذكر أنه رأى سيدي علي ابن ميمون وحضر مجالسه فعلى هذا يكون بحمد الله قد صحبنا في طريق الله تعالى من صحبه. ومن كراماته أنه حصلت بين رجلين من الفقراء المتجردين عنده منافرة فخرج أحدهما على وجهه فسمع الشيخ بذلك فقال لمن كان السبب في ذلك إما أن تأتي به وإما أن تذهب عني فلم يلبث يسيراً إلا والذي خرج على وجهه دخل على الشيخ وهو يبكي وذكر أن الشيخ تشكل له في صورة أسد وكان كلما توجه إلى طريق منعه من سلوكها. ومن كراماته أن المطر حبس في دمشق في سنة ثلاثة عشر وتسعمائة فكتب سيدي علي بخطه درجاً إلى نائب دمشق سيباي فحضر النائب بالدرج إلى الجامع الأموي في يوم الجمعة رابع رمضان فقرأه على مفتي دار العدل السيد كمال الدين بن حمزة وقضاة القضاة الثلاثة الشافعي ابن فرفور والمالكي خير الدين والحنبلي نجم الدين بن مفلح فإذا فيه آيات من القرآن العظيم وأحاديث من السنة في التحذير من الظلم ثم انتقل إلى الفقهاء والقضاة فحذرهم من أكل مال الأوقاف ثم حث على الاستغفار وذكر ما يتعلق بذلك ومن نقل ذلك من السلف بحيث أن سيباي ذرف دمعه فهم فغي أثناء قراءة الدرج وقع المطر وجاء الله تعالى بالغيث كذلك ذكر هذه الواقعة ابن طولون وأنا لا أشك في أنها كرامة ظاهرة وانتقد ابن طولون على الدرج المذكور أن صاحب الترجمة تعرض فيه لذكر الشيخ تقي الدين بن قاضي عجلون ولذكر غيره ولامهم فيه على ترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وأنا أقول لا انتقاد عليه في ذلك أصلاً فإنه أراد النتيجة فأعلن أن الفتنة التي وقعت بين التقوي ابن قاضي عجلون وابن أخته السيد كمال الدين وبقية أعيان دمشق بسب هدم التربة كما تقدم شرحها في ترجمة السيد وغيرها أيضاً إنما كانت بسبب توجه سيدي علي بن ميمون بقلبه عليهم وتكدر خاطره ويؤيد ذلك أن هدم التربة المذكورة كان في ثالث رمضان المذكور ثم استفتي الشيخ تقي الدين في هذه الأيام في هذه الوقعة وأفتى بعدم الهدم ثم هاجت الفتنة بعد ذلك وانتشر شرها وتطاير شررها حتى طلب الشيخ تقي الدين وابن أخته قاصرون إلى السلطان الغوري بمصر وصودر بأموال كثيرة ولا حول ولا قوة إلا بالله. ثم رأت ابن طولون ترجم سيدي علي بن ميمون في التمتع باقران وذكر من مصنفاته بيان فضل خيار الناس والكشف عن منكر الوسواس والرسالة الميمونية في توحيد الجرومية وبيان غربة الإسلام ورسالة الإخوان من أهل الفقه وحملة القرآن وكشف الإفادة في حسن السيادة ومواهب الرحمن في كشف عورات الشيطان وغير ذلك وقال قدم دمشق فلقاه الشيخ عبد النبي وأنزله حارة السكة بالصالحية وهرع الناس للسلام عليه طلبة العلم والفضلاء والعلماء والقضاة والأمراء وصار يسأل كلاً عن اسمه وينهاه عن ذكر اللقب إن ذكره ثم عن حرفته ويوصيه بتقوى الله تعالى ثم يوجه نفسه إلى القبلة ويرفع يديه إلى وجهه ويقرأ له الفاتحة ويدعو له ويصرفه وإن راى في ملبسه شيئاً منكراً ذكره. قال ثم عقد للتسليك مجلساً في منزله فتلمذ له خلق من المذاهب الأربعة كالشيخ عبد النبي من المالكية والشمس بن رمضان من الحنفية والشهاب ابن مفلح من الحنابلة والزين الحموري من الشافعية وآخر من تسلك على يديه منهم القاضي أبو عبد الله محمد بن عراق وشاع ذكره وبعد صيته وصار كلامه مسموعاً عند الأمراء خصوصاً نائب الشام سيباي ولهم فيه اعتقاد زائد. ثم قال ابن طولون اجتمعت به وسلمت عليه ثم ترددت إلى مجلسه فما رأت عيني أعظم شأناً منه لكنه كان يستنقص الناس وقال احياناً ما رأيت في هذه المملكة اعلم من ابن حبيب الصفدي قال وكان ابن حبيب مشهوراً بمحبة ابن العربي وتبجح بها انتهى. ومن كرامات ابن ميمون رضي الله تعالى عنه ما ذكره الشيخ علوان في شرح تائية ابن حبيب أن رجلاً من أعيان دمشق وفضلائها في العلم والتدريس قال بلغني أنه تفرس فيه أن لا يكون منه نتيجة وكان ذلك بعد أن تجرد ذلك الرجل وارتكب أنواعاً من الرياضة والمجاهدات وحكى السيد محمد بن سيدي علوان في تحفته قال أخبرني شفاهاً جمع ممن سكن قرية مجدل معوش التي هي قرية الشيخ وقبره فيها أنه كان في جوارهم وفي قريتهم كروم وقد يبست أغصانها وفسدت عروقها وتعطلت بالك لية فمذ دخل الشيخ المذكور تلك الأراضي عادت الأراضي المجدبة مخصبة وعادت أشجار العنب المذكورة أيضاً إلى أسحن ما يكون وأينعت ثمارها قال وهي مستمرة من ذلك إلى الآن إلى هذا الزمان ولم يعرف ذلك إلا من بركته. وذكر أيضاً أن بعض أهل العلم حكى له وقد توجه لزيارة قبر سيدي علي بن ميمون رضي الله تعالى عنه في سنة سبع وثلاثين وتسعمائة فقال أن من الغريب كرامات من أنتم متوجهون لزيارته ما شاهدته بعيني ذلك أن رجلاً من الأجناد أرسل كلباً قال أو صقراً على غزال فركضت الغزال حتى جاءت إلى الأرض التي هو مدفون فيها فدخلها واجتمعت في ظل الشيخ فقال للجندي دعها فإنها قد فعلت فعل العائذ بقبر الشيخ فلم يلتفت إلى مقالتهم وهي قائمة فلم تبرح من مكانها حتى أمسكها الجندي بيده وذبحها وأكل من لحمها فلما فرغ من أكله أخذه وجع في بطنه واستمر حتى مات من ليلته فلما غسل كان لحمه على المغسل مقطعاً قطعاً حتى كأنه أكل شيئاً مسموماً قالت فعلمت أنا وغيري أن ذلك كله من بركة الشيخ انتهى. وكان سبب انتقال سيدي علي بن ميمون من دمشق إلى مجدل معوش وهي قرية من معاملة بيروت أنه دخل عليه وهو بصالحية دمشق قبض واستمر ملازماً له حتى ترك مجلس التأديب وأخذ يستفسر عن الأماكن التي في بطون الأودية ورؤوس الجبال حتى ذكر له سيدي محمد بن عراق مجدل المعوش فهاجر إليها في ثاني عشر المحرم سنة سبع عشرة وتسعمائة قال سيدي محمد بن عراق ولم يصحب غيري والولد علي وكان سنه عشر سنين وشخصاً آخر عملاً بالسنة وأقمت معه خمسة أشهر وخمسة عشر يوماً وتوفي ليلة الاثنين حادي عشر جمادى الآخرة ودفن بها في أرض موات بشاهق جبل حسبما أوصى به قال ودفن بعده في خارج حضرته المشرفة رجلان وصبيان وامرأتان وأيضاً امرأتان وبنتان الرجلان محمد المكناسي وعمر الأندلسي والصبيان عبد الله وكان عمره ثلاث سنين وموسى بن عبد الله التركماني وامرأتان أم إبراهيم وابنتها عائشة زوجة الذعري والمرأتان الآخرتان مريم القدسية وفاطمة الحموية وسألته عند وفاته عن أمور منها أين أجعل دار هجرتي فقال: مكان يسلم فيه دينك ودنياك ثم تلا قوله تعالى إن الذين توفاهم الملائكة الآية وقال ابن طولون في حوادث سنة سبع عشرة وتسعمائة من تاريخه ويوم الجمعة تاسع عشريه يعني جمادى الآخرة بعد صلاتها بالجامع الأموي نودي بالسدة بالصلاة غائبة على الشيخ العالم السيد علاء الدين علي بن ميمون المغربي. قال وقد صح أنه توفي في ليلة الخميس حادي عشره بتل بالقرب من مجدل معوش وبه دفن انتهى. ولم يختلف قول سيدي محمد بن عراق في السفينة وقول ابن طولون والشيخ موسى الكناوي أن سيدي علي بن ميمون توفي في ليلة الحادي عشر من جمادى الآخرة غير أن في كلام ابن طولون أنه كان يوم الخميس وتقدم أنه كان يوم الاثنين وقول ابن طولون أصح لأنه أرخ وهو الحمصي وغيرهما مستهل جمادى المذكورة أنه كان يوم الاثنين فيكون حادي عشرة يوم الخميس بلا شك رحمه الله تعالى اهـ. ميزان المقادير في تبيان التقادير تتمة ما ورد في الجزء الماضي والقسم الثالث الذي يعتبر فيه المساحة الجسمية الكر المساحي من الماء فهو كام أنه مقدر بالوزن كا مر مقدر بالمساحة أيضاً وأقول فقهاءنا رضوان الله عليهم فيه الأربعة. الأول سبعة وعشرون شبراً مكعباً حاصل ضرب ثلاثة عرضاً في ثلاثة طولاً في ثلاثة عمقاً وإليه ذهب الصدوقان وباقي القميين وهو ظاهر بن طاوس وصريح العلامة في المختلف وإليه مال بعض المتأخرين أيضاً كالشيخ علي رحمه الله في حاشية المختلف والثاني اثنان وأربعون شبراً وسبعة أثمان شبر حاصل ضرب ثلاثة ونصف عرضاً في ثلاثة ونصف طولاً في ثلاثة ونصف عمقاً وإليه ذهب الأكثر وهو المشهور والثالث نحو مائة شبر وإليه ذهب ابن الجنيد والمراد في هذه الثلاثة بلوغه المقادير المذكورة إذا ضرب بعض الأبعاد في بعض ومثلوا بالمكعب لتسهيل الفهم والرابع ما بلغ مجموع أبعاده عشراً ونصفاً. وليس المراد الضرب وإليه ذهب القطب الراوندي وعلى هذا القول ليس له قدر معين لا بحسب المساحة ولا بحسب الوزن ويكون له أفراد مختلفة غير متناهية بعضها منطبقة على بعض المذاهب الباقية وزناً أو مساحة ونسبوا إلى القولين الأخيرين في تكرير الكر الشذوذ ولزم على الأخيرين في تقدير الكر الشذوذ ولزم على الأخير أن يكون كف من الماء بل أقل إذا انبسط فيما يبلغ طوله وعرضه عشرة أشبار ونصف زائداً على الكر. وحوض مربع كل من أبعاده ثلاثة أشبار ناقصاً عنه وهذا بعيد جداً هذا ما أردنا إيراده من التفصيلات والآن نسوق الكلام في التتمات وبالله التوفيق. (تتميم) اعلم أن الشيخ في آخر القانون ذكر بعض الأكيال والأوزان المعروفة في اليونانية ناقلاً بعضها من كناش ساهر وبعضها من كناش ابن سرابيون وقد نقلنا عنه في هذه الرسالة ما يحتاج إليه في الجملة حسب اقتضاه التعريف وطرحنا أكثرها لوجوه الأول أنها كانت على اللغة اليونانية الغير معروفة في هذه الأزمان ولا فائدة من تطويل الرسالة بذكرها إلا لفهم بعض ما في الكتب الطيبة مما نقل بعينه عن اليونانية وكذا بالفصل الذي ذكره في آخر القانون لتلك الفائدة ومعه لا يكون لذكرها في تلك الرسالة كثير فائدة والثاني أن نسخ القانون كانت مختلفة في أكثرها وفي تحقيق اللغات اليونانية مفيد. الثالث أم بعضها مما ذكره تأصيلاً متناقضة وفروع كثيراً منها على ذلك البعض فصارت أكثرها مضطربة غير محصلة وكان الشيخ نقلها من أصلها من غير تأمل وحساب فعرى كلها عن الفائدة لعدم الاعتماد. ومن جملة الشواهد على ما ذكرنا أنه قال في موضع القسط الإنطاليقي رطل ونصف الرطل اثنتا عشرة أوقية انتهى في موضع آخر بعده بسطر والمن يكون أربعين أستاراً والرطل عشرين أستاراً. والأستار ستة دراهم ودانقان أو أربعة مثاقيل انتهى ففسر الرطل أولاً باثنتي عشرة أوقية في موضعها بسبعة مثاقيل فبلغ الرطل أربعة وثمانين مثقالاً. وفسره ثانياً بعشرين أستاراً أما بستة دراهم ودانقين فبلغ ثمانية وثمانين مثقالاً وكسراً وأما أربعة مثاقيل فيبلغ ثمانين مثقالاً فيضطرب قدر الرطل في كلامه بين كونه أربعة وثمانين مثقالاً وكونه ثمانية وثمانين مثقالاً وكسراً ومع ذلك لا ينطبق شيء من هذه الثلاثة على شيءٍ من تفاسيره المشهورة على ما ذكرنا في موضعه. تتميم قد عرفت مما تقدم أن الدانق حقيقة هو سدس الدرهم الشرعي الذي هو عبارة عن شعيرتين فاعرف الآن أن الدانق والطسوج يطلقان مجازاً على سدس كل شيءٍ وربع سدسه مما اعتبر فيه الوزن أم لا كما هو المتعارف الشائع في زماننا فعلى هذا لما كان المثقال المعبر عنه بالدينار بارتفاق عبارة عن ثماني وستين شعيرة وأربعة أسباع شعيرة فيجب أن يكون دانقه هو سدسه الذي عبارة عن إحدى عشرة شعيرة وثلاثة أسباع شعيرة وطسوجه هو ربع هذا السدس الذي هو عبارة عن شعيرتين وستة أسباع شعيرة فتبين خطأ من قال أن الدانق المثقال اثنتا عشرة حبة وطسوجه ثلاث حبات إذا يلزم أن يكون المثقال اثنتين وسبعين شعيرة وقد عرفت أنه ثماني وستون شعيرة وأربع أسباعهم اللهم إلا أن يكون في المثقال اصطلاح آخر لم ينقل إلينا وكذلك تبين خطأ صاحب الشمسية في الحساب حيث توهم أن طسوج الدينار أربع شعيرات. وقال يجب أن يعلم أن الدوانيق مخرجها من الدينار ستة والطساسج مخرجها من الدوانق أربعة ثم بسط الكلام في المثال وتحوير الكسر من مخرج إلى مخرج على هذا الحساب وهذا فاحش جداً إذا يلزم حينئذ أن يكون الدينار ستار وتسعين شعيرة ضعف الدرهم الشرعي وحكاية كون الدينار درهماً وثلاثة أسباع درهم وكون عشرة دراهم سبعة دنانير أشهر وأشيع من أن يحتاج إلى نقل الأسناد وتفصيل عبارات الأقوام وقد مر بعضها وكأن هذا الغلط صار مغلطة ليعض الحسابين أيضاً كصاحب قسطاس المستقيم حيث وافقه في ذلك واقتفى أثره بعض الناظمين أيضاً حيث نظم في بيان أجزاء الدينار شعراً: هست شش دانك قدر ديناري ليك هردانك إذ طوسج جهار هو طوسجي جهار جوهرجو شش خردل بود بوقت شمار مع أن هذا الناظم قد نظم ما هو الحق أيضاً في بيان وزن الأستار وأجزائه فقال: جار مثقال ونيم أسنادي هفت مثقال وده درم أي يار درهمي وسه سبع بكمثقال حامش أكنون كه شد سخن بسيار ولا يتوهم أن مناط ذلك الاختلاف ربما يكون قدر الدرهم ولعل فيه خلافاً تفرغ عليه ما وقعوا فيه إذ لا مجال لذلك التوهم لمن تتبع الآثار والأخبار وشيوع كونه ثماني وأربعين شعيرة قد جاوز حد التواتر حتى نظم ذلك النظم أيضاً ونقله صاحب القسطاس: شش دان بود قدر درم يادت باد دانكيست دو قيراط جنين كفت أستار قيراط وطسوج جه جون دانستي هربك ونها بعد يود بادت باد وقد أخطأت أيضاً صاحب البهائية في الحساب هنا من جهة أخرى وزعم أن الدينار ستون حبة حيث قال في تعليل حفظ نسبة الستين لكون الدينار ستين حبة وكون الدرجة ستين دقيقة وكون الكرستين قفيزاً وكون الدرهم ستين عشيراً انتهى ثم كان مراده بالعشير عشر الدانق من حيث إطلاقه على عشر كل شيءٍ كما مر وإلا لم ينقل تفسير العشير بخصوص ذلك وظني أن منشأ هذه الأغلاط قلة تتبع الآثار والكسل في تصفح الأخبار والأخذ بكلام مجهول والاعتماد على خبر غير منقول. تتميم قد ذكرنا أن الدراهم المشهورة المنقولة هي الدراهم الثلاثة البغلي والشرعي والطبري وذكرنا أن مورد الأحكام الشرعية منها هو الشرعي الذي وزنه ستة دوانيق وهو المدار عليه في باب زكوة الفضة وغيره المضبوط بالقراريط والطساسيج فكل ما وقعت من الدراهم المختلفة المغايرة له وزناً بحسب الأزمنة يقاس عليه بالحساب فأول نصاب زكوة الفضة مائتانا من تلك الدراهم التي واحدها ستة دوانيق وزكاتها خمسة منها قد ربع عشرها الذي عبارة عن ثلاثين دانقاً فإذا فرض وزن الدرهم في ثلاثين دانقاً إلى ستة منها وإذا فرض في زمان أربعة دوانيق وسبعا دانق مثلاً يصير أول مراتب الزكوة حينئذ سبعة منها وهو ظاهر مما قلنا وعلى هذا القياس وكأنه قد كانت الدراهم في بعض الأزمنة السابقة على هذين القدرين اللذين ذكرناهما تمثيلاً يستفاد مما رو ى الشيخ الجليل رحمه الله في الكافي في باب العلة في وضع الزكوة على ما وضع على حبيب الخثعمي قال أبو جعفر المنصور إلى محمد ابن خالد وكان عامله على المدينة أن يسأل أهل المدينة عن الخمسة في الزكوة من المائتينيكيف صارت وزن سبعة ولم يكن هذا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمره أن يسأل فيمن يسأل عبد الله بن الحسن وجعفر بن محمد عليهما السلام قال فسال أهل المدينة فقالوا أدركنا من قال قبلنا على هذا فبعث إلى أبي عبد الله بن الحسن فقال كما قال المستفتون من أهل المدينة قال: فقال ما تقول يا أبا عبد الله فقال: إن رسول الله صلى الله علبيه وعلى آله جعل في كل أربعين أوقية أوقيةً فإذا حسبت كل ذلك على سبعة وقد كان وزن ستة كانت الدراهم خمسة دوانيق قال حبيب: حسبناه فوجدناه كما قال فأقبل عليه عبد الله بن الحسن فقال: من أين أخذت هذا فقال: قرأت في كتاب أمك فاطمة عليها السلام قال: ثم انصرفت فبعث إليه محمد بن خالد ابعث لي بكتاب فاطمة عليها السلام فأرسل إليه أبو عبد الله عليه السلام إني إنما أخبرتك أني قرأته ولم خبرك أنه عندي قال حبيب فجعل محمد بن خالد يقول لي أرأيت قط مثل ذلك الحديث. توضيحه أن السائل توهم أن المعبر في الزكوة هو العدد لا الوزن لما رأى من كثرة إطلاق الدرهم على المسكوك من الفضة من حيث العدد كما مر وهذا توهم شائع نقله العلامة في منتهى الطلب واستدل على خلافه بقوله وحكى عن بعض أهل الظاهر اعتبار العدد وهو خطأ للإجماع ولما روى أبو سعيد عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليس فيما دون خمس أواق من الوزن صدقة انتهى فبعثه هذا التوهم إلى أن يفتش عن كيفية شيوع سبعة دراهم في زمانه لأول مراتب الزكوة مع أنه في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم كان خمسة دراهم غافلاً لا عن أن المعتبر في الزكوة هو الوزن لا العدد وأن دراهم زمانه مختلفة وزناً بالنسبة إلى دراهم رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم فأجابه أبو عبيد جعفر بن محمد عليهما السلام بأن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم جعل في كل أربعين أوقية يعني أن المعتبر في الزكوة ربع العشر بحسب الوزن لا بحسب العدد وذكر الأوقية تنصيصاً على ذلك إذ هي صريحة في الوزن لا يجري فيها توهم العدد فقال عليه السلام فإذا حسبت ذلك كان على وزن سبعة أي إذا اعتبرت ربع الشعر من حيث الوزن فيصير أول مراتب الزكوة وزن سبعة من دراهم هذا الزمان التي وزنها أربعة دوانيق وسبعا دانق ثم أوضح عليه السلام ذلك بنظير له من الدراهم التي كانت قبل زمانه فقال: وقد كانت وزن ستة دراهم خمسة دوانيق يعني وعلى هذا الحساب يصير أول مراتب الزكوة وزن ستة دراهم منذ كانت الدراهم خمسة دوانيق بحسب الوزن فلا اعتبار بالعدد والمعتبر هو الوزن فعدد الدراهم على أي وزن كان يحسب ويقاس على ما جعل رسول الله صلى الله وعلى آله وسلم أصلاً في ذلك أي الدرهم التي كانت وزنها ستة دوانيق فأفهم. تتميم من الأوزان الشائعة في زماننا المرجعة للباقية المثقال الصيرفي الذي عليه مدار المسكوكتين المحمدية والعباسية الرائجتين في هذه الأيام ينسب إليه المحمدية بخمسة دوانيق والعباسية التي ضعفها بمثله وثلثي مثله وعليه أيضاً مدار المنين التبريزي والشاهي المشهورين بين الأنام يكون التبريزي في زماننا ستمائة منه والشاهي الذي ضعفه ألفاً ومائتينيوهذا المثقال مع أنه في هذا الزمان مرجع المقادير المذكورة ومقياس الأوزان المشهورة لم يضبط بالشعيرة وأمثالها ضبطاً مشاراً إليه ولم يحفظ حفظاً مداراً عليه فبعضهم كالعلامة رحمه الله كأنه ضبط بمائة وثلث شعيرة وألفيني وثمانمائة وخمسة وثمانين جزءاً من خمسة وخمسة آلاف أجزءا شعيرة يستفاد من ضبطه الصاع صريحاً بخمسمائة وست وثلاثين مثقالاً وربع مثقال بالصيرفي فالرطل العراقي الذي يكون عنده وعند الجمهور من الخاصة تسعا من الصاع مضبوطاً حينئذ بتسعة وخمسين مثقالاً ونصف مثقال وثلث وربع مثقال. ومعلوم مما مر أن الرطل العراقي عنده عبارة عن تسعين مثقالاً شرعياً ينتهي إلى ستة آلاف ومائة وإحدى وسبعين شعيرة وثلث سبع شعيرة فوجب أن تكون المثاقيل الصيرفية المذكورة التي ضبط بها ضبط الرطل عبارة عن تلك العشيرات فبالنسبة مثقال واحد صيرفي يلزم أن يكون عنده مائة وثلث شعيرة وألفينيوثمانمائة وخمسة وثمانين جزءاً من خمسة وخمسة آلاف أجزاء شعيرة كما قررنا وبعضهم كالشيخ علي رحمه الله كأنه ضبط بمائة وأربع شعيرات وخمسمائة وخمسة وسبعين جزءاً من سبعمائة وسبعين جزءاً من شعيرة يستفاد من ضبطه الصاع والرطل صريحاً بمثل ما ضبط به العلامة مع تصريح بأن الرطل عبارة عن إحدى وتسعين مثقالاً شرعياً موافقاً الجمهور فينتهي إلى ستة آلاف ومائتينيوأربعين شعيرة زائدة على عدد شعيرات رطل العلامة بثمانية وستين شعيرة وأربعة أسباعها قدر مثقال واحد شرعي هو تفاوت ما بين الرطلين فحينئذ وجب أن تكون المثاقيل الصيرفية التي بها ضبط الرطل عبارة عن هذه الشعيرات الزائدة على شعيرات رطل العلامة بما ذكرنا فبالنسبة مثقال واحد صيرفي يلزم أن يكون عبارة عن هذه الشعيرات الزائدة على شعيرات رطل العلامة بما ذكرنا فبالنسبة مثقال واحد صيرفي يلزم أن يكون عنده عبارة عن مائة وأربع شعيرات وخمسمائة وخمسة وسبعين جزءاً من سبعمائة وسبعين جزءاً من شعيرة كما قلنا ثم لا يخفى أن الشيخ رحمه الله أن لم يقتف في ذلك أثر العلامة وضبط ما صح عند فاتفاقهما صورة في قدر الصاع والرطل بالنسبة إلى المثقال الصيرفي مع ذلك الاختلاف معنى من غرائب الاتفاقات وأغرب من ذلك أن اقتفى أثره واعتمد على تصحيحه وظن نفسه متبعاً موافقاً له في ذلك وغفل عن تلك الدقيقة الموجبة للاختلاف وعدم الموافقة وبعضهم من فضلاء العصر ضبطه صريحاً بست وتسعين شعيرة وبعضهم ضبطه بخلاف هذه المذكورات مما يوجب نقل التطويل. وبالجملة لما رأيت هذه الاختلافات حاولت أن اضبطه بنظر دقيق وقصدت أن أحفظه بتأمل حقيق فتحقق عندي بتصحيحات قويمة وتفتيشات مستقيمة أن المثقال الصيرفي المتعارف في زماننا عبارة عن أربع وثمانين شعيرة قدر درهم وثلاثة أرباع درهم بالشرعي ولا تظنني مخطئاً إياهم ومصوباً رأيي أن في بعض الظن إثم حاشا أن أكون أهلاً لذلك ولكن اثبت ما ثبت لدى همة فكري القاصر وأديت ما وجب على ذمة ذهني الفاتر هذا مع أنه يجوز أن يكون في زمن العلامة والشيخ علي رحمهما الله قدر المثقال الصيرفي زائداً على قدره في زماننا بمقدار التفاوت الواقع في الضبطين وذكا الكلام في التفاوت القليل الواقع بينهما رحمهما الله بحسب زمانيهما وأمثال ذلك قد يكون متفاوتة في الأزمنة والأعصار ويؤيد ما قلت التفاوت الواقع في المن التبريزي في الزمانين حيث ضبط الشيخ علي رحمه الله المن التبريزي بخمسمائة مثقال صيرفي واليوم ولا شك ستمائة منه ويمكن أن يكون هذا التفاوت الواقع في المن بعينه مناطاً للتفاوت في المثقال بحسب الزمانين إذ خمسمائة من المثقال الذي ضبطه الشيخ قريب جداً من ستمائة من مثقال زماننا وحسبما ضبطناه وما يبقى من التفاوت قليل يمكن استناده إلى الميزان أو الشعير أو التسامح أو أمثالها. تتميم اعلم أن أنواع الأجسام كما كانت المتساوية فيها وزناً قد تخالفت حيزاً فرطل من الماء مثلارً لا يملاً نصف مكان رطل من الشعير كذلك المتساوية منها بحسب الحيز تكون مختلفة بحسب الوزن فوزن صاع من الشعير مثلاً لا يبلغ نصف وزن صاع الماء وعلى هذا القياس سائر الأجسام حسبما اقتضت صورته النوعية من التخلخل والتكاثف والخفة والثقل وتحقيقه كما تقرر في موضعه أن نسبة وزن الخفيف إلى وزن الثقيل يكون كنسبة مكان الثقيل إلى مكان الخفيف بل قد يكون نوع واحد من الأجسام يختلف أشخاصه في ذلك بحسب المكنة والعوارض المختلفة كما لا يخفى فإن تقدير كل معين بوزن معين لا يتصور إلا بنوع من التخمين وضرب من التسامح فما قاله العلامة رحمه الله في التحرير الوسق ستون صاعاً بصاع النبي صلى الله عليه وسلم أربعة أمداد والمد رطلان وربع بالعراقي إلى قوله وهذا التقدير تحقيق لا تقريب انتهى محل تأمل إذ تقدير المد عبارة عن كيل مخصوص بالرطل الذي هو وزن مخصوص لا يمكن بدون تقريب إلا أن يحمل على أن ما كانت هذه التقادير مستندة إلى الشارع فتكون بمنزلة التحقيق وإلا فمعلوم أن المد المعتبر في الوضوء لا يوافق المد في أجناس أخر كالحنطة والشعير وأمثالها المعتبر في الكفارات بحسب الوزن حتى يقدرا بشيءٍ واحد تحقيقاً فكأنه أراد الشارع توسعة وجعل ذلك الكيل المخصوص والوزن المخصوص في تلك الأحكام بمنزلة الواجبات التخييرية بأيهما أخذ المكلف برئ ذمته وإن اختلفا فاحشاً وإليه قول بعض الفقهاء في قدر زكوة الفطر هي بالكيل صاع وبالوزن ألف ومائة وسبعون درهماً انتهى. فأشكاله بعد ذلك في صورة بلوغه كيلاً لا وزناً أو بالعكس للخفة والثقل كأنه مبني على الاحتياط هذا مع أن الروايات في التقادير مختلفة لا تأبى الجمع بينها بحمل كل منها عل جنس مناسب لكن لم ينقل من الفقهاء هذه الطريقة بل جمعوها من جهات أخر أو طرحوا بعضها لضعف السند وغيره على حسب اقتضاء قواعد الأصول حتى انتهى إلى الاختلافات بينهم متفرعاً على اختلافات أصولهم فاتخذ كل مذهب كما قلنا عنهم في التفصيلات. تتميم المقادير الموزونة والمكيلة التي قدمناها مفصلة على قسمين قسم معتبر بخصوصه في الشرع مذكور في الأحاديث دائر على ألسنة الفقهاء وقسم ليس كذلك بل متداول بين الحسابين وعامة الناس والقسم الأول أيضاً على قسمين قسم معتبر عندهم على سبيل الأصالة كونه متعلق للأحكام وقسم ليس كذلك بل مذكور على سبيل التبعية وكونه مقياساً لشيءٍ آخر ومحدداً له فبالحقيقة ينتهي إلى ثلاثة أقسام. ولما كان القسم الأول منها أي المعتبر في الشرع أصالة مما اشتد \ ت حاجة المكلفين إليه من حيث ابتناء فتاوى فقهاءنا رضوان الله عليهم حولنا تسهيلاً عليهم تقويم ضابطة لبيان تلك المقادير خاصة متضمنة لكيفية نسبتها واحداً واحدا من الأوزان المعروفة في زماننا أعني المن التبريزي والمثقال الصيرفي والشعيرة وأجزاءها على ما وصفناه قبل فوضعنا جدولاً وأثبتنا فيه المقادير المعتبرة المذكورة وبينا أن كلاً منها كم يكون من المن ثم ما نقص عنه من المثقال ثم ما كسر عنه من الشعيرة وعلى هذا المقياس. وعلمان ما كان مجاوزاً عن بعض بعلامة البياض. وما كان مطفراًِ وغير بالغ إلى البعض بعلامة الصفر إيضاحاً للمقصود. تتميم بظهر مما مر من التفصيلات إن الاختلافات الواقعة بين فقهاءنا رضوان الله عليهم قدر المد والصاع والوسق كلها مبنية على خلافين أحدهما قد قدر الرطل العراقي هل هو تسعون مثقالاً أو واحد وتسعون مثقالاً وهذا الخلاف قائم بين العلامة والجمهور وثانيهما هل في قدر المد هل رطل وربع أو رطلان وربع بالعراقي وهذا الخلاف قائم بين أبي نصر البزنطي وغيره من الفقهاء وهم يسندون إلى قوله الضعف والشذوذ قال العلاء: في التحرير وقول ابي نصر المد رطل وربع تعويل على رواية ضعيفة انتهى وقال الشهيد في البيان وشذ قول البزنطي أن المد رطل وربع فكون المد رطلين وربعاً بالعراقي هو رطل ونصف بالمدني مجملاً مع قطع النظر عن الاختلاف الواقع كالمجمع عليه بين فقهاءنا والروايات متضافرة على هذا المعنى دالة أكثرها أيضاً على ما ذهب إليه الجمهور في قدر الرطل روى الصدوق رحمه الله فيما لا يحضره الفقيه في باب الزكوة عن السكوني وليس على الحنطة والشعير شيء حتى يبلغ خمسمائة أوساق والصاع أربعة أمداد الاستبصار في أنه وزن مائتينيواثنين وتسعين درهماً ونصف وروى الشيخح رحمه الله في الاستبصار في بابا ما هي زكوة الفطر عن إبراهيم ابن محمد الهمذاني اختلفت الروايات في الفطرة فكتبت إلى أبي الحسن صاحب العسكر عليه السلام أساله عن ذلك فكتب أن الفطرة صاع من قوت بلدك الخ وفي آخر الحديث ترفعه وزناً ستة أرطال برطل المدينة والرطل مائة وخمسة وتسعون درهماً ويكون الفطرة ألف ومائة وسبعين درهماً الحديث في باب مقدار الصاع فيه عن جعفر بن إبراهيم بن محمد الهمذاني قال كتبت إلى أبي الحسن عليه السلام على يدي أبي جعلت فداك أن أصحابنا اختلفوا في الصاع بعضهم يقول الفطرة بصاع المدني وبعضهم يقول بالعراقي فقال كتبت إلى الصاع ستة أرطال بالمدني وتسعة أرطال بالعراقي قال وأخبرني أن يكون بالوزن ألف ومائة وسبعون وزنة عن علي بن بلال في هذا الباب قال كتبت إلى الرجل اسأله عن الفطرة وكم يدفع قال فكتبت ستة أرطال من تمر بالمدني وذلك تسعة أرطال بالبغدادي. وفي باب مقدار الماء الذي يجري في غسل الجنابة والوضوء عن زرارة عن أبي جعفر عليه السلام قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ بمد ويغتسل بصاع والمد رطل ونصف والصاع ستة أرطال وأما ما روي في هذا الباب من روايتين ظاهر هما خلاف ما ظهر من هذه الروايات فقد ذكر الشيخ رحمه الله هنالك مجه التوفيق فيهما فالأولى عن سليمان بن حفص المروزي قال قال أبو الحسن عليه السلام الغسل بصاعٍ من ماء وصاع النبي صلى الله عليه وعلى آله خمسة أمداد والمد مائتاناوثمانون درهماً والدرهم ستة دوانيق والدانق وزن ست حبات والحبة وزن حبة شعير مكن أوساط الحب لا من صغاره ولا من كباره والثانية عن سماعه قال: سألته عن الذي يجزى من الماء للغسل فقال اغتسل رسول الله صلى الله عليه وسلم بصاع وتوضأ بمد وكان الصاع على عهده خمسة أمداد وكان المد قدر رطل وثلاث أواق الحديث فقال الشيخ رحمه الله (الله لا يرحمو) في وجه التوفيق قوله في هذا الخبر الصاع خمسة أمداد وتفسير المد برطل وثلاث أواق مطابق للخبر الذي رواه زرارة لأنه فسر برطل ونصف فالصاع يكون ستة أرطال وذلك مطابق لذلك القدر فأما تفسير سليمان المزوري المد بمائتين وثمانين درهماً فمطابق للخبرين لأنه يكون مقداره ستة أرطال بالمدني ويكون قوله خمسة أمداد وهما من الراوي لأن المشهور من هذه الرواية الرابعة أمداد ويجوز أن يكون ذلك أخباراً عما كان يفعله النبي صلى الله عليه وآله اذا شارك في الاغتسال بعض أزواجه يدل على ذلك ما رواه محمد بن مسلم عن أحدهما قال سألته عن وقت غسل الجنابة كم يجزى من الماء قال كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يغتسل بخمسة أمداد بينه وبين صاحبته ويغتسلان جميعاً من إناء واحد انتهى فتوضيح توفيق الرواية الأولى على ما ذكره رحمه الله أنه في هذه الرواية الصاع خمسة أمداد على وهم الراوي لأن المشهور منها أربعة بدل خمسة فاذا كان الخمسة . السوريون في أميركا لا يصح إطلاق اسم المهاجرين على السوريين الذين سافروا من بلادهم إلى أميركا لكونهم لم يهاجروا ديارهم كما هو المفهوم في معنى الهجرة وإنما يصح إطلاق لسم المسافرين عليهم لأنهم سافروا إلى أميركا للتجارة ولا للإقامة أو لمغادرة أوطانهم بتاتاً أو لجعل أميركا وطناً جديداً لهم أبداً. وجعلهم طريق أميركا طريقهم المطروق ذهاباً وإياباً مما يثبت ذلك. وسل أياً كان من السوريين في أميركا الشمالية والجنوبية هل هجرت سورية. يقل كلا ما هجرتها إما غادرتها إلى حين — نزحت عنها طلباً للاكتساب وللإتجار ومتى نجحت ووصلت إلى غرضي عدت إلى وطني. وأما أولئك الذين اشتروا الدور والأملاك في أميركا الشمالية فلم يشتروها لكي يقيموا في أميركا وإنما اشتروها ليتجروا بها ويكسبوا فالاتجار في الأراضي والعقار كثيراً ما يفيض على صاحبه ينابيع اللجين والنضار. وسل أياً كان من الملاكين السوريين في أميركا ألا تريد أن ترجع إلى أرض آبائك وأجدادك إذا تمكنت من بيع أملاكك بالربح يقل بلى أريد من قلبي ولكن دور العودة لم يأن بعد. وما يقوله الملاكون بهذا الباب يقول التجار والعمال والأطباء والصحافيون السوريون في أميركا. وحجتهم على ذلك هي هذه الأمور ( ١ ) قلة العلة في الوطن ( ٢ ) عدم المساواة ( ٣ ) شدة التضييق والضغط ( ٤ ) عدم وجود الأمن في أراضي سورية المهجورة وغير المهجورة ( ٥ ) عدم وجود المعامل المهمة وقلة أبواب الرزق ( ٦ ) كثيرة التثبيط وقلة التنشيط ( ٧ ) كثرة القول وقلة العمل ( ٨ ) الإبطاء الطويل والمماطلة في المعاملات. هذه هي حججهم الرئيسية وحقهم أن يحتجوا بها. فإذا كانوا قاسوا مشاق الأخطار والأسفار حتى وصلوا إلى ديار اتسعت أبواب رزقها وكسبها وكثر عدلها وساد أمنها وعمت مساواتها وحريتها وسبق عملها قولها وكثير تنشيطها وقل تثبيطها — إذا كانت هذه حالة البلاد التي وطئتها قدم السوريين فحري بعقلائهم أن يغتنموا فرصة الانتفاع منها والعاقل العاقل من وجد الفرص فانتهزها والجاهل الجاهل من أظفرته بنفسها ولم يغتنمها. السوريون المتخلفون منقسمون إلى أربع طوائف في هذا الموضوع. طائفة راضية عن سوريي أميركا. وطائفة غير مبالية بهم. وطائفة غير راضية عنهم وهي غير مخلصة. وطائفة غير راضية إلا أنها مخلصة. أما الأولى فهي عامة الشعب وهي الأكثر عدداً وأما الثانية فهي التي لا يهمها عمرت البلاد أو خربت وأما الثالثة فهي التي يليق بها بأن تسمى بالطائفة المتعنتة لأنه لا يرضيها شيءٌ فهي أبداً تتذمر وتتأفف وتتفاخر وتباهي بأقدارها وتستصغر أقدار سواها كأنها خلقت من طينة سماوية وغيرها خلق من طينة أرضية. وأما الرابعة فهي الطائفة المخلصة الغيورة على وطنها وهي القائلة بضرر سفر المهاجرين إلى أميركا بعرفي أو بضرر مهاجرتهم بعرفها، وعرف يرها. والطائفة القائلة بفائدته هي عامة الأمة السورية فأيتهما أحق بقولها دعواها أتلك أم هذه؟ لا جرم أن دعوى الطائفة الراضية هي الأظهر والأحق وإليك البراهين. غادر السوريون نزلاء أميركا اليوم القطر السوري جاهلين القراءة والكتابة فصاروا في أميركا يقرأون ويكتبون. غادروها جاهلين كثيراً من آداب السلوك فصاروا في أميركا في آداب سلوكهم من الطبقة الأولى. غادروها جاهلين السياسة الوطنية والأجنبية فصاروا في أميركا من أهل الإلمام بها وصاروا يفهمون معناها ومبناها ومغزاها ومرماها. غادروها عديمي المعارف العمومية تقريباً فصاروا في أميركا ملمين بكثير من تلك المعارف. غادروها جاهلين بأساليب التجارة فصاروا في أميركا من أهل التجارة. غادروها جاهلين الصناعات العصرية فصاروا في أميركا عاملين بكثير منها. غادروها جامدين خاملين فصاروا في أميركا ناهضين. غادروها ونفوسهم صغيرة فصاروا في أميركا من أهل النفوس الكبيرة. غادروها أذلاء فصاروا في أميركا أعزاء. غادروها منقادين لأهل الاستبداد انقياداً أعمى فصاروا في أميركا منورين من دعاة الاستقلال الشخصي. غادروها ولا صحافة لهم فصارت صحافتهم في أميركا أرقى الصحافات العربية في العالم العربي. غادروها فقراء فصاروا في أميركا من أهل اليسار. غادروها ولا مقام لهم فصاروا في أميركا من أهل المقامات. غادروها ضعفاء العمة والعزيمة فصاروا في أميركا من أهل العزائم والهمم. وهذا ليس ما كانوا عليه في سورية وبعض ما صاروا إليه في أميركا وأما ما أرسلوه من المال إلى سورية فهو أكثر من عشرة ملايين دولار أو مليوني ليرة إنكليزية ومن كان مشككاً بذلك فعليه بمراجعة مصرف لندن والمصرف العثماني في بيروت على الأخص. منذ عامين سألت أحد العمال في مصرف أوهاما نبرسكا الأول وهو المستر نيسي الذي لا يزال حياً يرزق عن قيمة الدراهم التي أرسلها سوريو ولاية نبراسكا إلى سورية على يده من ذلك المصرف فقال: إن ما أرسلوه في شهر واحد بلغ ستين ألف دولار أميركي أي اثنتي عشرة ألف ليرة إنكليزية. فإذا كان هذا أرسله فريق من سوريي ولاية نبراسكا في شهر واحد فكم هي قيمة المبالغ التي أرسلها ويرسلها في غيره ولايات؟ وآثار ذلك المبلغ الكبير بادية لذي عينين في لبنان وغير ولايات سورية. لما كنت في سورية كنت أرى بأم عيني المبالغ التي كانت ترد على أهالي راشيا الوادي وقراها فكانت تلك المبالغ وحدها تختلف في كل أسبوع بين الخمسمائة ليرة والألف بيرة حتى كثر المال في ذلك القضاء بين الأيدي وكثر الأخذ والعطاء وصار ربا الليرة في الشهر عشر بارات وعشرين بارة بعد أن كان قبل عهد السفر إلى أميركا لا يقل عن غرشين أو ثلاثة غروش. والدور الجميلة التي يشاهدها الناس اليوم في الأقاليم والولايات والألوية والمديريات والأقضية التي لها علاقة بسوريي أميركا قد بنيت بمال هؤلاء ولولا هذا المال لبقيت بلدان وضياعكثيرة أقرب إلى الخراب منه إلى العمران ولولاه لما كانت قدرت الرعية على تأدية الأموال الأميرية لأن البلاد السورية ولاسيما في العقد الأخير من القرن التاسع عشر والعقد الأول من القرن العشرين كانت بحاجة شديدة إلى المال. فالأشغال في ذلك العهد المظلم أمست في خبر كان. وكان الحكام والموظفون وأهل السلطة والسيادة قد اغتصبوا البقية الباقية من مال الأمة. ولم يبقوا لها إلا الموت ذلاً وفقراً وجوعاً وقهراً. وأما دعوى القائلين بأن ما ربحته سورية مالياً من طريق أميركا لا يوازي عشر معشار ما خسرته من شبانها ورجالها الذين ذهبوا فدية الغربة فأقول لهم أنه من البديهي أن من يموت في سورية يموت في أميركا. فالموت موجود في هذه الأمور كما هو موجود في تلك خلّ عنك أنه أقل بطشاً منه في سورية بدليل وفرة الوسائط الصحية في أميركا وقلتها في سورية والسوريون في أميركا محافظون عل صحة أجسامهم أكثر بكثير من محافظتهم عليها في سورية. وأما القول بأن المال الذي فارق السوريون آباءهم وأمهاتهم وأقرانهم من أله لا يساوي لوعة أم على فراقة فلذة كبدها فهو قول أعده من تلك الأقوال العتيقة البالية التي كانت ومازالت من أسباب انحطاط الشرق والشرقيين. اجتماع الولد بأمه وأبيه وأهله دائماً حسن وجميل ولكن هذا الاجتماع لا يصيّر الولد رجلاً ولهذا ترى رجال الشرق الذين يصح أن يقال فيهم أنهم رجال قلائل جداً بل لهذا السبب أصيب الشرق بقحط الرجال. الأميركي يربي ولده ويعلمه وحينما يبلغ رشده يقول له واذهب إلى العالم وعاركه ودعه يعاركك وأما الشرقي فلا يعلم ولده ويلا يربيه تربية الأميركي ولا يعلمه تعليمه وإنما يخاف عليه إذا فارق بيته ولو إلى بضعة أميال وهو يعتقد بأن بعمله هذا يحبه ويغار على مصلحته وخير مستقبله وإن هذا هو أهم ما يطلب منه ولكن قد فاته أن هذا الخوف وعدم هذا الخوف يتوقف سقوط أمم وارتفاع أمم وإذا لم ينتفع سوريو أميركا غير هذا من أميركا فكفيهم لأنهم على هذا المبدأ يستطيعون أن يشيدوا بناء أمة عالية. وأما الذاهبون إلى أن بقاعاً جمة من بقاع سورية قد خربت بسبب مهاجرة سوريي أميركا وأنهم لو ظلوا في بلادهم يتعهدون زرعها وضرعها وتعميرها لكانت درت عليهم وعلى سورية أنهار الثروة وكانت هذه الثروة أكبر بكثير من ثروتهم التي حصلوها في أميركا ولكانت تلك البقاع زاهية بالحضارة زاهرة بالعمران فهو مذهب فاسد من وجوه جمة. هو مذهب فاسد لأن الطور الذي زايلوا فيه وطنهم كان طور الخراب. فكانت سماؤه وأرضه خرباً في خراب وجهاته الأربع خراباً بخراب ولم يستطع في أيامه سوريو أميركا وغير سوريي أميركا أن يثروا ولا أن يعيشوا على الأقل عيشة خالية من ضغط الظالمين وجورهم وتعدي الحاكمين واستبدادهم ولا أن ينسبوا كلمة في الإصلاح والعمران. أما كان الفلاح يهجر أرضه ويقطع غرسه ويهمل ضرعه تخلصاً من الظلم؟ أما كان يترك داره تنعي من بناها كرهاً لا طوعاً لأن صبره قد عيل في تلك الأيام السوداء ولم يبق في وسعه أن يحتمل فوق ما احتمل بصعوبة لا يستطيع وحش بشري ولا وحش بري أن يطيقهما. لما هجرتم أوطانكم وخلانكم وأخدانكم وأخوانكم وأعز الناس لديكم وأحبهم إليكم يا أيها الأحرار؟ أهو لكونكم لم تقدروا على إطاقة ما لا يطاق أم لا؟ كنا نتوقع أن تكونوا عادلين في كتاباتكم عنا في أرض غربتنا. كنا ننتظر إنصافاً لا إجحافاً ولكن شئتم ومرؤتهم وغيرتهم كبار الآمال بل قضت الأقدار أن يظلمان حتى حماة العدل وكماة الفضل إلا أن الأيام بيننا وبينهم ولكل عصر أحكام. والخلاصة أن سوريي أميركا لم يخربوا وإنما عمروا ودواعي الخراب المشهور في سورية عائدة إلى تلك الحكومة المشهورة أمرها وإن صح أن الذنب كله أو جله راجع على سوريي أميركا فلماذا فررتم أنتم من وجه الحكومة الجائرة قبل سوريي أميركا أو بعدهم ولم تبقوا في سورية لتصلحوا ما أفسده سواكم أو لتعمروا لا لتساعدوا على ازدياد الخراب. أشاع والي بيروت وكثيرون غيره إشاعات عن سوريي أميركا لم نسمع بها إلا منه ومنهم ولعل الغيرة على مصلحة الدولة دعتهم إلى تلك الإشاعات. فإذا افترضنا وجود افتقار بعض السوريين في أميركا إلى القوت الضروري فإنه من المؤكد والمحقق وجود كثيرين من السوريين الغير (بضم الغين والياء) الذي يعنون بذلك البعض ويطمعونه ويسدون حاجاته وإن افترضنا أن السوريين لم يكترثوا بأخيهم الجائع فحكومات هذه البلاد الرحومة الشفوقة تعنى به وإن افترضنا أنها لا تعنى به فهناك جمعيات في كل ناحية من نواحي هذه الديار غرضها الاعتناء بالفقراء والمعوزين على أنني لم أسمع ولم يسمع غيري أن سورياً مات جوعاً من أول عهد السفر حتى يومنا هذا وكيف يموت السوري جوعاً وقلما فرغ كيسه من المال مهما تكن حالته وحرفته من أرض غربته. وأما القول بأن هذه الإشاعات هي نتيجة تقارير معتمدي الدولة العثمانية في أميركا فإننا لا ندري كيف أن هؤلاء المعتمدين يبعثون بتلك التقارير وهم لا يعرفون عن سوريي أميركا من حيث مجموعهم شيئاً تقريباً ولا يعرف السوريون عنهم سوى وجودهم في أميركا. أنا أكتب عهن السوريين لا عن سواهم من العثمانيين في أميركا وإذا كان هنالك جمهور من مهاجري أتراك سلانيك وأزمير وسواهما لم يفهموا كيفية التماس الرزق في أميركا من أبوابه وكان معتمدو الدولة في أميركا يعنون بإخوانهم الأتراك المهاجرين (؟) لأنهم أتراك ويهملون سواهم نهم غير أتراك ويرسلون في أحوالهم التقارير حباً بمصلحتهم وغيرة عليهم — فليس المعنى أن السوريين العرب في أميركا صاروا أتراكاً حتى يصح عليهم ما أذاعه عنهم والي بيروت اعتماداً على ما أرسله معتمدو الدولة في أميركا بهذا الباب.  مقابرمحاضرة القاها احمد بك كمال العالم الاثري المصري في اواخر ذي الحجة سنة ١٣٢٨ في نادي المدارس العليا المصريين وجنائزهم في المقابر المنفية ابتدأت المقابر بلحود تحت الثرى تدفن فيها الأموات بعد درجها في لفائف الأكفان إما مباشرة في جوف الأرض أو في جرار كبيرة من الخزف ويظن أنه سرى لهم ذلك اقتداءً بقابيل حين قتل أخاه هابيل وعجز عن مواراة سوأته فبعث الله غراباً لبرية كيف يواري سوأة أخيه ففعلوا مثله. وأقدم الجثث ما وجد مقرفصاً على الهيئة التي خلقت بها في أحشاء الأمهات سولا الرأس فإنه يبقى منتصباً لا منطوياً بين الرجلين وقد وجد منها العدد الكثير في وادي القطار بجوار أطفيح من الجهة القبلية الشرقية وفي جهة أبي صير التابعة لمديرية الفيوم وفي نقاده والكوامل وأم الجعاب وجبل السلسلة. ثم استعمرت اللحود لدفن الفقراء على تمادي الزمن وكان للموميات في بادئ الأمر ثلاثة أحوال: الحالة الأولى — يكون هيكل المومية مجتمعاً فترى فيه الركب منضمة إلى الصدر وموضوعة فوق الوجه وتلحد في القبر على جنبها الأيسر متجهة حو الجهة القبلية. الحالة الثانية — يجمعون عظام الميت بعد تجريدها عن اللحم ويفصلون الرأس عن العنق بتحنيط الرأس وحفظه سليماً وذلك في بعض الموميات. الحالة الثالثة — حرق بعض شيءٍ من الجثة أو حرقها كلها مع بعض الأثاث الذي يتهيأ لوضعه في القبر معها ثم يؤخذ رماد ذلك المحروق ويوضع في قدر. وقد خالف الفقراء في صناعة اللحود ولو الثروة والأعيان فاتخذوا مقابرهم منحوتة في صميم الجبال وعلى الأخص في جبل لويه كالمقابر التي نراها الآن في جوار الأهرام في مديرية الجيزة فإنها آبار تبتدئ فوق صخر الجبل ثم بعد عمق يختلف بعداً وطولاً حسبما يشاؤن تنتهي بمنامة مستطيلة يوضع فيها تابوت الميت فهي بهذه الصفة لا تختلف عن مقابرنا الآن إلا بعمق الآبار وقد تكون البئر شبه منزل للمنامة غير ضيق فينحتوها في سفح الجبل ويتركون وجهتها الغربية عالية ويجعلون في آخرها منامة مربعة لدفن الميت فيها ويصورون في الجزء الأعلى الذي ترك فوق السطح على حافة البئر صورة الميت وبجانبه باب وهمي لإرشاد الروح (كما كانوا يعتقدون) عند نزولها من السماء إلى جثتها حيث ترى شبه صاحبها أمامها وباباً معداً لها فلا تضل الوصول إليها ويجعلون تحت هذا الباب الصوري مائدة من الحجر ينصب بجانبها مسلتان صغيرتان وقد كان يوضع فوقها الخبز المقدس والشراب ولحم الطيور مما هو مبين بقلم النقش على جدران القبر. وإن كان الميت من أعيان الدولة أو من سراة القوم شادوا له مسطبة وهي بناء جسيم مرتفع كالهرم الناقص شكلاً أو كالهرم لمدرج الناقص ويجعلون فيها بئراً منحوتة في صخر الجبل يوصل إلى سرداب طويل يفضي إلى منامة معدة لمواراة جثة الميت فتكون المسطبة عبارة عن تركيب القبر ثم يرسمون في طول وجهتها من الأعلى نقوشاً تتضمن عنوان صاحب القبر ويكون تحت هذه النقوش المستطيلة عنوان باب المكقبرة محلى بالنقوش والصور الدالة على الميت وعلى أهله وذويه وتكسى ظاهر تلك المصاطب بنحيت الأحجار أو يبيتونها باللبن — وفي بعض الأحيان يجعلون لبعض المقابر المنحوتة في صخور الجبال قاعات بطرق متواصلة وعلى جدرانها دعوات وصلوات وصور مرسومة بالألوان كما ترى في مقابر سقارة فيستدل من تلك النقوش والصور على عقائدهم الدينية وعلى نسب الميت وسلسله حسب مرتبته في ألواح ترتيباً حسناً من قبيل الحلية والزينة للمكان وفي بعض الأحيان يجعلون أمام القبر أيماناً يعمل فيه مدخل يفضي فيه إلى المنامة — وأما الملوك فإنهم ميزوا مدافنهم عن مدافن الرعية بأن جعلوا تحتها أو في حجمها الأماكن اللازمة للجثة أو للأثاث والقرابين والصلوات وشحنوا في بعض الأحيان جداران هذه الأماكن الداخلية بالنقوش الدينية الصعبة المعنى وإليها الآن وجه الأثريون مباحثهم ورعايتهم لإيضاحها وحل مغمضاتها — وتبنى الأهرام بطريقة بسيطة جداً وهي أنهم يتفقون أولاً على الرسم المراد إيجاده من البيوت الداخلية وعلى ارتفاع الهرم وطول قاعدته وعرضها ثم يسلمون هذا الرسم الظاهر البيان إلى المهندس المعماري وهو يقوم بالعمل بقاً للأوامر الصادرة إليه فإذا أنجز الأشغال اللازمة في صخر الجبل من نحت وتفريغ شرع في البناء فيكسوا الأماكن الداخلية المراد كتابتها بالأحجار الملساء ثم يرتفع فوقها البناء فإذا ما علا فوق الأرض جعل البناء على هيئة المسطبة المائلة الأجناب أو المستقيم بحيث يجعلها ناقصة عن المقياس المطلوب بمقدار الكسوة الظاهرة التي يغطي بها الهرم بعد بناءه ومتى أتم المصطبة الأولى وأراد الشروع في الارتفاع بنى مسطبة ثانية فوقها أقل حجماً منها بحيث يجعل في الفضاء الذي ترك في المسطبة الأولى زلاقة للعمال توصل إلى المسطبة الثانية وهذه الزلاقة تقام بدون مونة وتملأ بالرمل والحصا ويستمر العمل من الزلاقة التي فوق الأرض إلى الزلاقة الثانية التي فوق المسطبة الأولى حتى تنتهي المسطبة الثانية ثم يشرعون في المسطبة الثالثة يجعلونها أقل حجماً من الثانية ويقيمون لها زلاقة بالكيفية السابقة وهكذا يستمر البناء في إقامة مسطبة بعد أخرى حتى ينتهي العمل بأخر مسطبة فتكون المساطب مدرجة بعضها فوق بعض ثم يهرمون المسطبة العليا ثم الثانية لها وهكذا يستمرون في ملئ الفوارغ الموجودة بين المساطب وبعضها متتبعين وضع الكسوة الحجرية من القمة إلى القاعدة حتى يتم الهرم أما الأهرام الباقية المقامة باللبن فإنها كالأهرام المقامة بالأحجار من حيث الوضع والرسم والأماكن السفلى ولا تختلف عنها إلا بالمادة لأنها تقام بوضع اللبن المصنوع بالطين وخلط القش بهيئة مدامك بعضها فوق بعض ويكون بين المدماك والآخر طبقة خفيفة من الرمل في مقام المونة لتثبيت اللبن فلا تدركه زلازل الأرض ولا تزعزعه الزوابع العواصف. مقابر طيبة هذه المقابر منحوتة في جوانب الجبل بوادي يعرف الآن ببيبان الملوك وبآخر يعرف ببيبان الحريم وغالب هذه المقابر يشتمل على طرقات وبيوت بعمد وفيها نقوش بألوان وبدون حفر تتضمن تقديم القرابين وإقامة الصلوات بناءً على ما هو مدون في كتاب الموتى المنقوش صورته على حيطان الأهرام. ولا بد لكل قبر من الباب الوهمي لكونه يقوم مقام الإيوان الذي شاد أمام المقابر مشحوناً بالرسوم والنقوش وينقشون على هذا الباب توسلاً إلى أسوريس أو إلى (خونومو) أو مينو أو أمون أو بيتاح أو أتومو أو (رع) أي إلى معبودات منف وعين شمس التي عمت عبادتها في المدن والقرى في بعض الأقسام بعد أن كانت معبودات للحاضرات الشهيرة تلك هي أوصاف المقابر على وجه عام. تشييع الجنازة إذا حضر أحدهم الموت جهزوه مدة سبعين يوماً وهي المقررة عندهم للتحنيط ثم وضعوه فوق سرير جميل كالموجود منه بعض نماذج في المتحف المصري ووضعوا تحت هذا السرير أربعة قدور فيها أحشاؤه التي نزعت من جوفه وقت التحنيط ولكل قدر غطاء له صورة مخطوطة إما كرأس إنسان أو كرأس ابن آوى أو كرأس الباشق أو كرأس القود أي أنها تمثل أولاد حوريس الأربعة وهم (حور) و (أسيت) و (قبح سنو) و (ديوموتف) لمعهود لهم حفظ الأحشاء الضرورية للحياة وفي هذه الأثناء يكون القبر قد تهيأ واستعد للميت ويكون نعيه قد بلغ أحبابه ومعارفه حتى إذا أصبح الصباح وحان الوقت (أخفا رأسه في وادي الموتى واجتماعه بالأرض) حسب تعريفهم هنالك تحضر وفود الناس ويرفعون النعش فتقوم زوجته وخادماتها ويتعلقن بالنعش ويمنعن خروجه من البيت وتأخذهن عبرات الحزن فيبكين وينحن ويولولن فتجتهد الرجال في خلاص النعش ويخرجونه عنوة من باب داره ثم يسيرون به إلى القبر فتبتدئ الجنازة بطائفة من العبيد والخدم ومعهم القرابين وهي فطير وأزهار وجرار ماء وقارورات فيها شراب ونوافح عطر وطيور مجهزة فوق سلال وعجل يسحبه رجل ليضحي بكفارة للميت وعلب في بعضها مأكولات وفي بعض تماثيل صغيرة لازمة لروح الميت — ومعهم أيضاً صوان فيها صحاف فيها فاكهة حولها جريدة النخل الأخضر. والطائفة الثانية تحمل الأثاث المعتاد كصناديق الملابس والأرائك التي تفتح وتغلق أو ذات المخادع والسرر الجميلة اللازمة للميت تليهم خدمة الإصطبل يقلون ربة كاملة الأدوات فيها الجعب والسهام ثم المبراخور يقود عربة يسحبها اثنان متن جياد الخيل. والطائفة الثالثة وهي أكثر عدداً من الطائفتين الأولى والثانية تقل القناني وصندوقاً لقدور الأحشاء ثم قدور الأحشاء نفسها فالوجه المستعار المصنوع من القوى والمصبوغ باللون الأزرق والمموه بالذهب ثم الأسلحة والقضبان وعصي الإدارة والقلائد والعجلان والنسور المبسوطة الأجنحة على هيئة الدائرة لوضعها فوق صدر الميت من قبيل الزينة ايام الأعياد ثم السلال والتماثيل الصغيرة وباشقاً برأس إنسان يرمز إلى الروح وقد يكون بعض هذه الأشياء من الذهب المصبوب والبعض الآخر مموه بالذهب حتى أن كل من رآها مارة أمامه أخذت ببصره لكثرة بهجها وبريقها. والطائفة الرابعة فيهن النائحات يسرن بضجة وغواش وعبد يصب فوق الأرض من وقت لآخر بعض نقط من اللبن كأنه يشير إلى إرقاد التراب الثائرة ثم يعقبه قسيس متشح بجلد النمر ينثر بملعقة من الذهب العطر على جموع الخلق — ومن خلفه يأتي النعش وهو على شكل سفينة أسورس فيها نائحتا أسيس ونفتيس وفي مقعدها المحكم الوضع قد وضعت جثة الميت محجوبة عن العيون وحولها زوجته وأولاده يليهم أحبابه بأفخر الملابس وبيد كل واحد عصا يتوكأ عليها ثم يأتي جيران الميت سائرين بدون نظام وعلى هذا الترتيب تمر الجنازة في الطرقات المعوجة بنظام تام وفيها سفينة النعش فوق السحافة تسحبها الثيران وتسير الهوينا مستمرة على ذلك مدة ساعات. فيما يحصل أثناء تشييع الجنازة متى خرج النعش من بيت الميت كثر البكاء والنحيب وضجت النائحات المأجورة بالصراخ فيصحن ويقطعن شعورهن ويبدين من الأمور ما استوجب الزافرات والحسرات والأسف الزائد وهذا خلاف ما يحصل من أهل الميت وأحبابه فتراهم في صراخ وأنين وبكاء وعويل بالنساء نهم يتناوبن الرثاء والتأبين طائفة بعد أخرى ويقلن ما معناه: إلى المغرب مسكن أسوريس. إلى المغرب أنت الذي كنت أحسن الناس وكنت تبغض الرياء فتجبن النائحات ويقلن المعبودات نفسها تنعيك لأنك ذاهب أيها الرئيس إلى المغرب. هذا ما يحصل من طوائف النساء وأما ما يحصل من سائق الثيران التي تسحب النعش فوق الأرض فإنه يحث هذه الثيران ويقول لها: إلى المغرب أيها الثيران السابحة للنعش إلى المغرب (إلا ثرى) أن سيدكم آت خلفكم فتجيبه الأحباب قائلين: لقد أفل طالع الرجل العظيم الذي طالما أحب الصدق وكره الكذب اهـ. ثم تستمر الجنازة بعد ذلك في سكوت تام برهة من الزمن وبعدها تصيح إحدى النائحات بالرثاء والندب فيجيبها النسوة بما يناسب ندبها وهكذا تسير الجنازة بين نعي ونحيب كما هو حاصل الآن في الجنازة وعلى الخصوص في الوجه القبلي وكل من سمع بالجنازة وجب عليه الإسراع بها مراعاة لخاطر أهل الميت ووفاءً بما تقضيه عادات البلاد وكذا كل من حضر قدم واجب التعزية والسلوان قائلاً إلى المغرب مضيفاً إليها — بعض عبارات تشف عن حسن خصال الميت وفضائله ومحاسن أعماله المبرورة وعما ناله من الرقي والشرف في دار دنياه. وقد يدرجون في تعازيهم ما يشير إلى فناء هذه الدنيا والى بقاء الآخرة والى التحفظ والوقاية من هول يوم القيامة. ومتى أقبلت الجنازة على شاطئ النيل نزلت حملة القرابين في السفن المعدة لهم ونزلت النائحات وعائلة الميت في سفن أخرى ويضعون النعش في مقعد السفينة بعد كساء ظاهره إما بالأنسجة المزركشة المدبجة بأنواع الألوان أو بستار من الجلد المصبوغ بالألوان والمصنوعة صناعة جميلة تشهد لصانعها بالفضل والذوقالسليم وفي أثناء جواز النيل يكون الناس وقوفاً في السفن ووجوههم نحو النعش وفيما أسلفنا القول أن هذا النعش صنع على النمط الفلكي السري الذي أعد للمعبود أسوريس وأقيمت له عبادة في مدينة العرابة ويعرف عندهم باسم نشميت أي مبرقش بنقط سود ونقط بيض أو المرفوع الذكر. وهو رقيق الجسم خفيفة وشكله مستطيل وفي مقدمته ومؤخره زينته من المعدن على هيئة زهرة اللوتس وكلاهما مائلاً ميلاً خفيفاً إلى الأمام يخالهما الرائي أنهما ينوءان لثقل ما في السفينة وما في وسط هذا الفلك مقعد مزين بباقات من جريدة التنخل الأخضر فتطوف حوله زوجة المتوفى وأولادها نائمة ويكون معها قسيسان عليهما لباس وعصابات كزي المعبودتين لاسيس وتفتيس ومحلهما خل ف النعش لوقايته وي قف القسيس المترئس على الجنازة أمام النعش وبيده مبخرة يحرق فيها البخور وتكون سفينة النائحات خلف سفينة النعش. أما باقي السفن فإنها تسبح على مقربة منها بقوة المجاديف وقوة الرجال وهذا التشييع يعرف عندهم بالرحلة أو الانتقال إلى الدار الاخرة فإذا ما رسا النعش على الشاطئ استقبله جموع الناس بالتبجيل والإكرام مودعين له قائلين: لقد حان لك الدخول بسلام في القبر فعليك منا السلام فاذهب بسلام إلى العرابة واهبط بسلام نحوها ونحو الغرب اهـ ولقد لكان لجواز النيل عندهم شأن عظيم لأن الانتقال من هذه الدنيا إلى دار الآخرة تختلف أحواله عند الأمم أما المصريون فقد عرفوا المكان الذي تذهب منه الأرواح لدخولها في دار البقاء وهو عبارة عن فجوة في الجبل الواقع غربي العرابة المدفونة ولا يتأتى للأرواح العبور منه في سفينة أسوريس ومن ثم كان عبور الميت للنيل هو استعاد روحه وتأهبها لتوجهها نحو الفجوة الآنفة الذكر وهناك تترقب مجيء الشمس في سفينتها فمتى أقبلت بما فيها من طائفة المعبودات نزلت فيها وسبحت في السماء مخترقة باللجة السماوية برسومها في أثناء ذلك أما حالة في جثتها ومحلاة بملابسها المعتادة كأنها حية في دار دنياها أو يجعلها نائمة في نعش حوله النائحات والقسوس ومن خلفها سفن مشحونة بالقرابين ولقد ذهب اليونان بناءً على ما بلغهم من الروايات إلى أن أغنياء المصريين كانوا يفضلون دفنهم في العرابة بجانب أسوريس هي البقعة المباركة عندهم ولكن علمنا من بعض جثث أولئك الأعيان الذين قيل بدفنهم في العرابة أنهم ملحودون في مقابرهم التي أقاموها في ثمنف أو في بني حسن أو في طبيعة فاتضح أن الرحلة المنصوص عنها في النقوش المصرية القديمة سهي للروح لا للجسد - ولنرجع إلى أمر الجنازة فنقول أن جموع العالم تصيح أثناء تشييع الجنازة وتقول: إلى المغرب إلى المغرب دار الحق لقد نعاك وبكاك الملكان الذي كنت تهواه وتقول النائحات بسلام بسلام اذهب بسلام أيها الممدوح إلى المغرب سنراك إن شاء الله يوم الحشر لأنك ستذهب الآن إلى الأرض التي تمزج الناس بعضها ببعض. ثم تصيح الزوجة قائلة يا بعلي يا أخي يا حبيبي قف واستقر في مكانك ولا تبتعد عن المكان الدنيوي الذي انت فيه واوجيعتاه مالي أراك ذاهباً إلى السفينة لتجتاز النهر - يا أيها الملاحون لا تسرعوا به بل دعوه لأنكم ستعودون إلى منازلكم أما هو فراحل إلى دار الخلود — لماذا أتي أيتها السفينة الأسورسية ونزعت مني هذا الذي يفارقني؟؟ أما الرملاحون فلا يعبأون بهذه العبارات المحزنة ولا يعيرون لها أذناً واعية بل يقولون كن ثابتاً فوق سطح السفينة لأنا اقتربنا إلى الشاطئ. ومتى أقبلت السفينة المقلة للنعش بقوة وتصادمت بالشاطئ ربما يقع منها بعض الرجال في النهر وذلك لما تأتي باقي السفن وترسو بجانبها يتساقط منها في لجة النيل بعض القرابين لشدة تلاطمها بالشاطئ لكن لا يفلت أحد لذلك بل يستمر الأحباب في تأبينهم ورثائهم قائلين ما أسعد هذا الممدوح حيث ساعده الحظ فتوجه إلى الراحة في قبره الذي أعده لنسه وسينال من المعبود الرحمة الواسعة فيسمح له بالذهاب إلى المغرب محفوفاً بالخدم من جيل لآخر — وهذا الرثاء لا يمنعه عن البكاء والعويل. ثم إنهم يخرجون الموميا من السفينة ويضعونها ثانياً فوق السحافة وتنتظم الجنازة في سلكها الأول وتسير في هذا النظام إلى سفح الجبل وهناك يتعذر على الثيران سحب النعش فتحمله الرجال فوق أعناقهم ويسيرون به الهوينا إلى باب بالقبر المعد لدفنه حيث يجدون هناك نوع مسطبة يوضع النعش عليها فينصبون صندوق الميت فوق كثيب من الرمل ويجعلون وجهه نو جموع العالم كأنه حلبيته الجديد صحبة أحبابه وكبأنه قد تأهب لوداعهم للدخول في سكنه الجديد هنالك يتجدد البكاء والعويل وتعلو الأصوات بالنحيب والأنين ويرتفع الصياح والصراخ ويأتي أهل الميت بالأزهار فيضعونها فوق صندوقه ثم يعانقونه ويوعونه فتقول الزوجة: أنا أختك أيها العظيم فلا تتركني فهل تقصد حقيقة أيها الأب العزيز أن أتباعد عنك؟ متى فارقتك صرت وحيداً فهل لك من أنيس يرافقك - أنا أخاطبك أنت الذي كنت تود المزاح معي مالي أراك ساكبتاً لا تتكلم اهـ تكون جاريها في هذا الوقت جاثية خلفها فتقول: ها قد أخذ سيدي مني وترك خدمه ثم تقول النائحات بعدها نوحوا عليه نوحوا وابكوه بلا انقطاع وصيحوا بأعلى أصواتكم (وقولوا) أيها الحالة العظيم المتوجه إلى أرض الخلود لقد نزعت منا فالآن نخاطبك أنت الذي كنت تحب حراك رجليك للمشي مالنا نراك مغلولاً مقيداً مكفناً أنت الذي كان لك الكثير من الملابس الفاخرة وكنت تحب القماش الأبيض مالنا نراك الآن راقداً في ثيابك (التي كانت عليك) بالأمس لقد أصبح الذي يبكيك (كأنه) يتيم الإمام والقلب محترقاً عليك لما أصابه من الحزن وحائماً حول جثتك وفي أثناءالبكاء والعويل على الميت يحرق القسيس البخور ويهرق التراب ويقول (هذا) لجثتك أيها المتوفى فلان الصادق القول لدى بالمعبود العظيم عند ذلك تختف الموميا في جدثها وتستقر في ظلمات القبر إلى دهر الداهرين ولما كان القبر مسكناً للميت كمساكن الدنيا للأحياء رأوا أن يجعلوا سفيه أماكن للزينة ومصلى يأتي فيها أهل الميت بالقرابين والضحايا في كل يوم عيد وفيه أماكن خصوصية لا يدخلها سوى جثة الميت ويزينون داخل تلك الأماكن بالرسوم والكتابة بعد تمليطها ملاطاً لطيفاً يظهر محاسنها ويجعلون تلك الرسوم ألواحاً متعاقبة يعلو بعضها بعضاً بهندام ونظام حتى تصل إلى السقف فيصورون حرث الأرض والزراعة والحصيد وتخزين الغلال وتربية الحيوانات وصيد البر والبحر ومعامل النجارين وصناع العربات والنقاشين والصناعة والزجاجين والخبازين وتحضير الطعام واستعاد الموائد مرفقة بالأغاني ورقص العوالم ول ذلك طلاسم يعتقدون أنها تتحول إلى حقائق بسر صيغ يتلونها ليتمتع به الميت في قبره فإن اشتهى شيئاً يتغذى فما عليه إلا أن يختار ما شاء من الأبقار أو الأشياء الأخرى المرسومة في قبره ومتى وقع نظره عليها تحولت إلى حقيقة وتلذذ بها كما كان يتلذذ في دار دنياه تلك هي عقائدهم التي ساقتهم إلى زخرف المقابر ولذلك ترى في رسومهم صورة صاحب القبر قد أخذت فخذ الثور من يد خادمها وتغذت منه هذا بما تفعله أموات فقرائهم. أما أموات الأغنياء وأرباب المظاهر فإنهم لا يحتاجون غالب الأحيان في أوائل موتهم إلى شيء من المرسوم على جدران القبور لأن أهلهم وذويهم يقدمون لهم في المواسم وغيرها ما تشتهيه أنفسهم من المآكل والمشارب فيذبحون الضحايا من بقر وإوز ويقدمون بالنبيذ والجعة وغيرهما إلى أمون أو سوريس أو فتاح أوخونسو فيأخذ المعبود شيئاً منها لنفسه ويرسل الباقي إلى الميت المراد تلك القرابين ومن ثم وجدت الأوقاف على الموات وبنوها على شروط كانوا يبرمونها مع قسوس المعابد هؤلاء يقدمون ما هو موقوف للقبر من الأشياء ويقومون بالصلوات والدعوات في الأوقات المعينة وعليه كانت العنابية بإحياء ذكر الأموات من الأمور المهمة عندهم لكن مع وجود هذه العناية ومرور المدد الطويلة على الأوقاف كان ينتهي أمرها بالانقطاع إما لانقراض العائلة واندراسها أو تبديد الأوقاف عقب الانقلابات الكبيرة وبذلك ينقطع الوارد عن الميت فعندئذٍ لا يجد أمامه إلا ما هو مرسوم فوق جدران قبره لكن كيف يتسنى للميت لقيام والقعود واستمرار الحركة مع أن الموت أفقد ذلك والتبصير حول جثته إلى جسم حراك له ولا قدرة فلا يستطيع المشي ولا بالتكلم ولا النظر ولا تأدية شيء من الوظائف التي عليها مدار الوجود فلأجل خلاص الجثة من هذه المقيدات المعطلة لعامة حركات الجسم أوجدوا طريق يسمونها (فتح الفم) وهي أن رئيس القسوس وأعوانه وهم أولاد حوربس يوقفون الجثة المحنطة فوق كثيب من الرمل في آخر المصلى المعدة لها ويقرأون عليها الصيغة المقدسة السرية التي تلاها حوريس على جثة أسوريس ثم يطهرونها بالماء القراح وبالماء الأحمر ويبخرون الجنوب وبالشب الوارد من الوجه البحري كما يفعل لتمايل المعبودات عند الشروع في تقديم الضحايا لهم ثم يعملون له العمل اللازم لإيقاظه من السبات والأمانة ولخلاصه من لفائف الأكفان ويرجعون له الظل الذي تقلص منه وقت خروج روحه ويبردون إليه جميع حركاته فيصير جسمه المحنط حياً في عقيدتهم فيتغذى ويتنعم في ديار دنياه فإذا كان الجزارون يذبحون ثور الجنوب ويقطعونه بعد دفن الميت أسرع القسيس بتناول فخذ الثور وبتقديمه لفم الوجه المستعار الموضوع فوق رأس الجثة المحنطة لاعتقاده أنها حية وأنها تتناول شيئاً من ذلك ولما يجد عدم الفائدة يأخذ ألة من خشب لها أنصال من حديد ويشير بها على فمخ الجثة مريداً بذلك فتح فمها ثم يتلو صيغة على الموميا فيصبح في استطاعتها حسب عقيدتهم الذهاب والإياب والسمع والكلام وتناول شيءٍ من القرابين التي تقدم لها بل تستطيع أن تدعو كل من رافقها في يوم الجنازة إلى أول وليمة تقدم لها في قبرها بعد الدفن وذلك أنهم متى وضعوا تابوت الجثة في منامتها أتت العبيد بالقرابين وبالقدور الأربعة التي فيها أحشاء الميت والصناديق والأثاث والمأكولات التي أحضروها مع الجنازة فيتلو عليها القسيس صلاة معلومة عندهم بعد وضعها في القبر ثم يخرج من عندها ويقيم عليها البناؤون سداً محكماً في نور المشاعل وبعد تنجيز هذا العمل تقدم العبيد مائدة للحاضرين أمام القبر أو في المص لى فيحضر في هذه الوليمة تمثال الميت المرسوم رسماً بارزاً في آخر القاعة الثانية ويتوهمون أنه يتناول ما يخصه من هذه الوليمة حسب عقيدتهم القاضية بأن للأشياء روحاً وشبحاً كما للإنسان والحيوان فمتى ذهبت الموميا إلى قبرها تلبسها الحياة وتتمتع بفضائلها كما كانت في دار دنياها فالشيخ الموهوم للكرسي أو للسرير هو كرسي وسرير حقيقي لجثة الإنسان المدفونة فيتمتع بهما ويتلذذ بما يقدم من الشراب واللحوم لعالم الجنازة كما كأنها حية معهم وبينما يكونون مغمورين في ملاذ المطاعم تشتغل النساء بالرقص والقصف ويشرن في أغانيبهن تارة إلى الميت وطوراً إلى الأحياء مع مراعاة السجع فيقلن: اكتسب حظ يومك ما الحياة إلا لحظة اكتسب حظ يومك لأنك متى دخلت قبرك مكثت فيه مكوثاً أزلياً إلى دهر الداهرين. فإذا انقضت هذه الوليمة تأهب الجموع للرحيل فعندئذ يقوم العواد أمام بيت التمثال وبيده العود ويشرع في نشيد الأغاني القديمة فيقول ما معناه: الدنيا دار انقلاب وتجدد مستمر إذ الأمر الذي قضى به أسوريس المعبود الكبير من الغرابة بمكان وهو أنه من حسن القضاء (والقدر) إنه كلما فني جسم وانقضى حل غيره مكانه وهذا معروف من قديم الزمان (كيف لا) وأن الفراعنة الأول الذين كانوا يعبدون ودفنوا في أهرامهم ودفنوا معهم في تلك الأهرام جثثهم وأشباحهم تركوا ما كان لهم من مقاعد القصور التي شيدوها فانقضى نحبهم فلا تيأس (أيها الحي) بل اتبع شهواتك وسرورك قدر ما تستطيع وطول ما تعيش في هذه الدنيا فلا تضني نفسك إلى أن يأتيك اليوم الذي يتوسل فيه الإنسان إلى أسوريس صاحب القلب الثابت فلا يسمع له — كل بكاء الناس لا يفيد الميت الذي في قبره فاكتسب حظ يومك ولا تهمل ما فيه مسرتك فلم يستطع أحد أخذ شيءٍ من أمواله إلى دار آخرته ولا أحد ذهب إليها وعاد اهـ. أما اعتقادهم في الجثة فبعضوهم يقول أنها تبقى في القبر مرتابة الوجود قليلة التحمس بنفسها فلا تبرحه إلا إذا انقطع عنها وارد المؤونة أي القرابين التي تقدم لها من لدن أهلها واعتراها الجوع ويحكون نهم يرونها هائمة في القرى وتلقي بنفسها بشراهة على البقايا الموجودة فوق الأرض وعلى أقبح القاذورات ويحدث عندها القحط عوامل الغيظ وحب الانتقام من الأحياء الذين أهملوا أمرها فتهجم عليهم وتعنفهم وتجدد فيهم الأمراض — ويحكون أيضاً أن بعض الجثث أو أشباحها مع تقديم القرابين لها والقيام بما يلزمها فإنها شرسة الطبع فتحملها شراستها على اضطهاد أقرب أهلها فقد جاء عنهم في الآثار أن رجلاً أحسن معاشرة زوجته واقام لها جنازة فاخرة يوم وفاتها وأوقف لها أشياء كثيرة إلا أنها تقصده بالأذى فكانت تأتيه كل يوم بهيئات فظيعة ولم يتيسر له الخلاص من سوء أعمالها فلما فرغت جعبة صبره ولم يستطع تكبد هذا التعنيف المستمر كتب لها جواباً ذكر لها فيها حسن المعاشرة والتودد الذي كان بينهما وسألها عن الأسباب التي دعتها إلى هذه الأعمال السيئة فقال لها ما تعريبه: منذ صرت زوجاً لك إلى هذا اليوم ما الذي فعلته نكاية فيك وأخفيه عنك ماذا تفعلين حينما أعترف (أمام الرب) بما فعلته لك يوم عرضنا عليه أمام مجلسه حينما أدافع بنفسي عن مظلمتي أمام معبودات الآخرة ويحكم عليك بناء على ما أحرره لهم في مظلمتي من مساويك (أخبريني) ماذا تفعلين اهـ. ثم أنه علق هذه الكتابة في تمثال من خشب على هيئة المرأة ووضعه في قبر زوجته فلما وصلها هذا الجواب خافت من لقاء ربها ومحاسبتها أراحته من تعنيفها — وكثير منهم يقول أن الروح تغادر قبرها وتهاجر إلى أرض أخرى كائنة خلف الفجوة الآنفة الذكر وهي الواقعة في جبل العرابة وفي تلك الأرض ممالك حقيقية للأموات كل مملكة تحت رعاية معبود مثل خنتامنمتي وبتاح سكري وأسوريس وهذه المعبودات تقتبل أرواح المصريين الذين عبودهم في دار دنياهم فكل من توسل مثلاً إلى أسوريس كان تابعاً له وفي ملكته وكل من انتمى إلى بتاح سكري كان من أتباعه وفي مملكته وسمى وميق أسوريس أو وميق ختيامتي — وأمر تلك الممالك وأكثرها سكاناً مملكة أسوريس وهي عبارة عن جملة جزر نرى من هذه الدنيا أكتافها الظاهرة فجهتها البحرية الشرقية السماء ووجهتها الشرقية المجرة وزهي الشهيرة بآم النجوم. ولا يمكن الوصول إليها إلا بعد سفر دونه مشاق وأخطار فمتى غادرت الروح جدثها جعلت ظهرها نحو الوادي وزجت بكل جسارة وجرأة في أغوار الصحراء فتصادفها إحدى الجميزات الباسقات هناك في وسط الرمال وتعرف عند فلاحيهم بالشجرة المسحورة فتشاهد بين أفنانها أما المعبودة (نيت) أو (حاتحور) أو (نوت) فتقدم لها هذه المعبودة صفحة بها خبز وأخرى بها ماء فكل روح قبلت هذه العطية كانت من أتباع هذه المعبودة ولا يمكنها الخروج من مملكتها إلا بإذنها ورضاها ويوجد فيما وراء الجميزة بلاد محفوف بالمخاوف مشحونة بالثعابين والحيوانات الضارية وفيها سهول فيها حميم وأباطح تسكنها نسانيس كبيرة تصطاد \ الرواح بالحبائل يحكون أن كثيراً من الأرواح وقعت في تلك المخاطر فهلكت أما ما يكون منها محصناً بالتمامئم والتعاويذ متوقياً بسر الطلاسم السحرية القوية فإنها تقتحم الأخطار وتنجو منها حتى تصل إلى شاطئ بحيرة تسمى (خا) فتشاهد هناك الجزائر السعيدة فيأتيها بحوت على شكل طائر أبيس المعروف (بأبي نحس) ويأخذها على جناحه أو يأتيها الملاح المقدس ويأخذها في سفينته إلى أن يأتي بها إلى أسوريس فيسألها هذا المعبود أمام أعضاءه وهم اثنان وأربعون قاضياً عن أعمالها في دار دنياها ويناقشها الحساب ويزن قلبها تحوت في كفة ميزانه وحينئذ تأتيها معبودة يقال لها (معيت) أي العدالة فتلقنها الاعترافات السلبية لتتبرأ كم كل تهمة توجهت إليها ثم تدخل بعدئذ في رياض يقال له (سخيت أيالو) في زمرة الأرواح السعيدة وهي أراض طيبة الخصوبة يعلو فيها القمح إلى سبعة أذرع بما في ذلك السنابل التي تبلغ ارتفاع الواحدة منها ذراعين. والموتى هم المكلفون بزراعته وجمع محصولاته وتخزين الغلال وقد ينوب عنهم في هذا العمل الشاق تماثيل صغيرة توضع بجانب جثثهم في القبور ويقال لها (شبتى) أي المجيبة وقت نداء صاحبها لمباشرة أعمال الفلاحة في حقل (أيالو) المذكور في الأوقات المعينة أما باقي أوقاتها فتكون في ولائم مستمرة وفي أغاني ومسامرات ومسرات لا نهاية لها. وكثير منهم يقول ببطلان هذه العقيدة وفسادها لما فيها من الخشونة والفظاعة وهؤلاء كانوا يجتهدون في الوقوف على الحقائق وينسبون للأرواح درجة أشرف وأرقى من ذلك. وكان لكهنته (أمونرع) مذاهب في حقيقة ما تؤول إليه الروح وكلها ضروب من تخمين اللاهوتيين لا دخل لأفراد الشعب فيها ومضمونها أن الإنسان سيبعث بعد موته ولا يعلم سر ذلك إلا الله الخفي اهـ. الرأي الصريحفي مقالة الفصيح العامي والعامي الفصيح قرأت في الجزء العاشر من مجلة المقتبس مقالاً بعنوان الفصيح العامي والعامي الفصيح لحضرة الفاضل نعوم أفندي مكرزل صاحب جريدة الهدى التي تصدر في نيويورك. قرأته بلهف شديد لأني أميل بسائق من طبعي إلى المباحث اللغوية نقد كلام البلغاء وتميز القول الفصيح من الغث الركيك. ليكون لي من ذلك مادة استعين بها. وقاعدة أحتذي مثالها: أقدمت على تصفح هذه المقالة وأنا معجب بأولئك النفر من أخواننا العرب المسيحيين الذين هاجروا وطنهم ولكنهم لم يهجروا لغتهم. ولم يذلوها في غربتها. بل رفعوا شأنها وحفظوا كرامتها. بما نشروه من الجرائد. وبجوه من الرسائل والكتابات المفيدة. وحضرة نعوم أفند=ي من هؤلاء الأفاضل الذين خدموا لغتنا العربية بما نشروه في جريدة (الهدى) التي لم أك من قراءها وإنما كنت أقرأ أحياناً نبذاً منها في صحافتنا العربية أما مقال (الفصيح العامي) الذي قرأته أخيراص في مجلة المقتبس فقد رأيته أقل قدراً من أن يعزى إلى صاحب جريدة (الهدى). ولاحظت فيه ركاكة في التعبير. وضعفاً في الأسلوب. ومواضع للنقد والمناقشة بلغت من الكثرة مبلغاً جعلتني استبعد أن تكون فرطت من قلم كاتب المقالة وإنما هو الذهول غلب على مصحح أصولها في إدارة المقتبس فجاءت هذا مشوهة المحاسن. طامسة المعالم. وإن لم يكن الأمر كما ذكرت فيكون الوسط الأعجمي الذي يعيش فيه أخواننا المهاجرون أثرت رطانته في صراحة لغتهم. وبدلت عجمته من عروبة ألسنتهم. وإلا فكيف قرأ مقالاً لواحد من أشهر كتابهم في نقد لغة الكتاب وتعداد أغلاطهم في أساليبهم وتراكيب كلامهم. وإرشادهم إلى الطريقة المثلى في التعبير والتحبير. ثم بعد هذا كله نسمع في المقال نفسه من الركاكة والغموض والعسلطة ما لا يتفق وجوده في عشرات المقالات. ألا يكون هذا من الغرائب؟ لو اقتصر الكاتب على الموضوع الأهم من مقالته: وهو سرد الكلمات العامية التي يحتسبها الكتاب دخيلة وهي عربية فصيحة ثم حضهم على استعمالها لكان أجاد وأفاد. لكنه ذهب في أفانين القول كل مذهب وتعرض لنصح المنشئين والزراية عليهم والإنشاء العالي فسقط في هذا التعرض من عل وأتى بأشد مما نهاهم عنه. وحذرهم منه. ولامهم عليه. ولا يكون من الإنصاف بعد هذا أن لا نذكر نموذجاً مما نؤاخذ الكاتب فيه. ثم نلفت أنظار القارئ إلى: أول ما يؤخذ عليه قوله في العنوان (الفصيح العامي والعامي الفصيح) فإنه تكرار لأحسن فيه. ولا داعي له: إن كلمتي (العامي) و (الفصيح) في هذا التركيب وقعتا صفة لمحذوف كأنه يقول (اللفظ الفصيح في أصله العامي في استعماله) ولما عكس وضع الكلمتين كان المعنى (اللفظ العامي في استعماله الفصيح في أصله) وه نفس المعنى المستفاد من التركيب الأول فكان ذكره زيادة مستغنى عنها. وليس تغليب الكلمتين هنا كما هو في قلوهم (كلام الملوك ملوك الكلام) فإن هذا القول له معنى خاص لا يستفاد إلا بمجموع التركيبين وقد حمل أحدهما على الآخر. أي أن لكلام الملوك ميزة على سائر كلام الناس كما أن للملوك ميزة على الناس أنفسهم. فالمعنى المستفاد من الموضوع والمحمول حسن في ذاته. وزاده حسناً قلب التركيب وعكس الألفاظ حتى استحق بذلك أن يعد في جملة أنواع البديع. ثم بعد هذا العنوان أراد الكاتب أن يبين مبلغ حاجتنا إلى معجم لغوي يجري في تحليل الألفاظ مجرى معاجم اللغات الأوربية فافتتح الكلام بقوله: (ليس في اللغة العربية معجم واحد يستحق أن يدعى نجعة الرائد يوفر الشواهد وكثرة الفوائد وضبط الشوارد ولا في غير اللفظة ما يدل على إزالة الإبهام الخ) فقوله (ولا في غير اللفظة) غامض في اتصاله بما قبله مبهم في تعيين المراد منه. ثم قال: (فترى أكثر الكتاب يتخرصون فيما لا يعذرون عليه ويتوهمون أن البيان في الدخيل والحوشي والبلاغة في العقيم والوحشي وأن كل من هرف عرف). الكاتب الذي خط قلمه هذه العبارة هو الذي قال بعد سطرين (قد تهتأ ثوب اللغة حتى كاد يسقط من تقطعه فترى كل من تحيف بيانه عجمة وجدل عن ادعاء ومكابرة يتحف الفصيح ويستلب البليغ ويحرك خشاشه غضباً على كل ملك من اللغة عناناً وضبط لها بياناً ويكون لا يدري من أي الدهداء هو الخ) إذا سالت معاجم اللغة عن معنى ما ورد في هذه الجملة قد تجد أن معنى (تهتأ) تقطع وبلى. لكنك إذا سالت نفسك عما فهمته منها تجدها لا تحير جواباً. ولا تملك خطاباً. وإذا ألحقت عليها بالسؤال تقول لك يلوح لي أن الكاتب الفاضل يريد أن يوبخ أدعياء اللغة والإنشاء الذين ينتقصون غيرهم. ويعمون عن عيوب أنفسهم. إذا قلنا أن المصحح سها عن تصحيح كلمتين أو ثلاث فهل يعقل أن يكون ركبه السهو في كل جمل المقالة فحرفها تلعب بها. ودونك هذه الجملة الأخرى: وقليل من البحث يرجعها — أي الكلمات العامية — إلى أصلها. ويقيم مكن اللسان مناداه. على ما وقع من نحو خمسين عاماً إلى اليوم إذ توكف المجتهدون أثر بلغاء العربية الأقدمين وتنشطوا للبحث والتنقيب وأقبلوا على التدقيق والتحقيق وقد ترجع مثابرتهم اللغة إلى رونقها الأول بعد خمسين عاماً تأتي الجملة بمجموعها ركيكة ظاهر عليها التكلف. ولعله يريد بقوله توكف المجتهدون أثر البلغاء — تتبعوا. فيقال فلان توكف لآل فلان اذا تعهدهم بالصلات والعطايا. وفلان يتوكف للأمير أي يتعرض لها حتى يلقاه. وقوله: مثابرة اللغة وصوابه على اللغة لأن لمثابرة معناها المواظبة. وهما يتعديان بعلى يقال: ثابرت على الأمر وواظبت عليه. على أن المعهود في مثل ما يريده الكاتب أن يقال المثابرة على خدمة اللغة أو دراسة اللغة لا المثابرة على اللغة. ثم انحنى الكاتب باللائمة على المدارس الأجنبية التي توجب على تلاميذها التخاطب بلغتها وقال وبذلك بتسرب العقوق وشيءٍ من البله إلى قلوب وعقول هؤلاء الأولاد المساكين قد نجد لتسرب العقوق إلى العقول معنى لكننا لا نجد أبداً لتسرب البله إلى عقولهم معنى ولا شبه معنى بسبب التخاطب باللغات الأجنبية. ثم قال الكاتب إن البلاء ليس في الإدعاء وحده بل في اختزال كل منا برأيه. والتصرع والتصاغر للأجنبي والتمرؤ الظاهر تكلفه والتفوق البادي تحيفه مع الوطني وريح التخاذل حتى في اللغة تنجف كل ذروة باقثية في جرفها وتحتمل كل درة كنا نعرفها قبل عصفها. ولله في تدابيره شؤون. . وأغرب من ذلك أن حضرة الكاتب أراد أن يذكر عيوباً للغة فقد منها عيباً يعده قوم مزية من مزايا اللغة ويحسبه الآخرون أمراً طبيعياً لا تخلو منه لغة من اللغات. فقد قال: (ومن عيوب العربية إيراد جموع لا مفرد لها وأفعال لا مصدر ولا ماضي لأحدها. فهل تقبل فلسفة اللغة شيئاً من هذا؟ وهل يعقل أن واضعي اللغة ينو كلاً من غير أجزءا؟ إننا لا ننسب هذا الخلل إلا إلى المدعي المحافظة على سلامة اللغة أو يكونون يحافظون على قديم عقيم لا يسلم به عقل سليم). لا نرى علاقة بين فلسفة اللغة وبين أن يكون في العربية موع لا مفرد لها: عدد أهل اللغة طائفة من الجموع لم يعرف منها مفرد: مثل محاسن ومذاكير وتجاليد. فذهب بعضهم إلى أنها لا مفرد لها. وحقق آخرون أن لها مفردات أهملت في الاستعمال. وربما كان المراد من قول الأولين (لا مفرد لها) أي في الاستعمال لا الوضع فلا يكون بين الفريقين خلاف. ولا بد من داع دعا أهل اللغة إلى إهمال تلك المفردات. وقد قالوا أن جمع كلمة (لب) (ألباب) لكنهم لما رأوا الجمع أرشق في اللفظ وأخف على السمع أكثروا من استعمال الجمع وإهمال مفرده وهكذا كان دأب القرآن الكريم في استعمال الجمع دون المفرد. ومثل هذا يقال في الفعل الذي لم يستعمل مصدره أو لم يستعمل ماضيه. فليست المسألة إذن من مسائل الفلسفة. وإنما هي مسائل تخير أرشق كلمات اللغة للتخاطب والتفاهم. وفلسفة اللغة لا يصح أن يكون التعمق فيها مدعاة للإجادة في المنظوم والمنثور. كما كرره الكاتب في مقاله: فإن تلك الفلسفة علم نظري أكثر مما هو عملي. وله ثمرة خاصة به غير تجويد الإنشاء وتحبير الكلام الذي يتوقف على استظهار كثير من كلام البلغاء وإطالة النظر في أساليبهم والتفطن لمناحي كلامهم. هذا هو الطريق لتحصيل ملكة الإنشاء. أما فلسفة اللغة فلا يكون من أثرها ذلك بل كان ربما للاشتغال بها اسوا الأثر في ضعف تلك الملكة والعجز عن تحدي الكلام البليغ. وقد غلا حضرة الكاتب في الرفع من شأن فلسفة اللغة والحط من قدر زملاءه الكتاب الذين لم ينالوا حظاً من تلك الفلسفة حتى قال: (نحن ابعد أبناء اللغات الحية عن وضع الكلام في مواضعه وإقامته في مواضعه لأننا لا ندرس فلسفة اللغة بل لأن أكثر أصحاب الجرائد والمجلات والمترجمين والمؤلفين من غير الأكفاء إلا بالتبجح والادعاء. أو أن اللغة أمست واسطة للكسب والارتزاق حتى بالعبث والنفاق). فقد جعل حضرته علة تقصير أخوانه في وضع الكلام مواضعه جهلهم فلسفة اللغة. فهل هذا حق؟. ومما انتقده الكاتب قولهم (دام بقاؤه) فقال (إن طلب الدوام. حماقة وحرام) وأنهم في مثل هذا القول قد طلبوا (البقاء في دار الفناء وخلود من أعدت لهم اللحود). وذا ذهول من حضرة الكاتب: لأن أصل الدوام في اللغة السكون ومنه (ماء دائم). ويستعمل أيضاً في طول البقاء وامتداد المدة. ومنه (ديمة) للمطر الذي يستمر تهطاله بضعة أيام. ومنه أيضاً استعمال (مادام): فاذا قلت اجتمع بك مادمت في هذه البلدة كان المعنى مدة بقائك فيها. فقول الكاتب دام بقاؤه في الدعاء بمثابة أطال الله بقاءه. نعم قد يرد بالدوام والخلود كما في القرآن الكريم (أكلها دائم وظلها) والضمير يرجع إلى الجنة كما أن الخلود نفسه يراد به طول المدة أحياناً كما ورد في القرآن الكريم عن أناس لا يكونون كافرين ومع هذا خبر عنهم بأنهم يدخلون النار خالدين فيها ففسروا الخلود بأنه طول المكث لا المكث الأبدي. ومما انتقده أيضاً عليه فيه قولهم (همى الدمع من عيونها) قال كم من عيون لها يشير إلى أن صوابه أن يقال من عينيها. لكن أهل اللغة يجوزون استعمال صيغة المثنى في الجمع والجمع في المثنى بل يجوزون أحياناً استعمال المفرد في الجمع والجمع في المفرد. ومثلوا لكل ذلك. وذكروا له أسباباً معتبرة عند أصحاب اللغة. ففي القرآن الكريم فقد صغت قلوبكما. كان الظاهر أن يقال قلبا كما لأن المخاطبين اثنان. ولهما قلبان لا قلوب. لكنهم هرعوا اجتماع علامتي تثنية في لفظ واحد. أما مثل همى الدمع من عيونها فيؤولونه بإرادة المبالغة وأن المرأة كانت كأنها تبكي بعيون كثيرة. لفرط ما استبلته من الدموع الغزيرة. وأكبر ما يؤاخذ به الكاتب أنه عاب أخوانه الصحافيين في أمر تكاد ترى مثله ماثلاً أمام عينيك وملموساً تحت يديك في كل جملة من جمل مقاله. مثال ذلك أنه آخذهم في قولهم أرسلت له وصوابه أرسلت إليه. وانتقاده صحيح ولكن الرصفاء لا يستحقون عليه كل هذا الأزراء والتوبيخ فقد قال في هذا الصدد: (أصعب ما في اللغة على الدارسين أنفسهم استعمال حروف الجر وكل مدقق يتناول الجرائد والمجلات إلا العدد القليل منهن يضحك من كثرة السقطات التي لا يعذر منشئ عليها وفي مقدرته شراء معجم أو في رأسه قوة تميز بين هذا وذاك المعنى الخ). ولكن هل تحسب حضرة الكاتب في منجاة من كل ما تنقص به زملاءه. وهل تراه أحسن استعمال حروف الجر ووضعها مواضعها اللائقة بها؟ قال في هجو أولئك الزملاء المساكين: (فترى أكثر الكتاب يتخرصون فيما لا يعذرون عليه) أخطأ الكاتب في استعمال الحرفين — في وعلى في جملة واحدة قصيرة. يقال تخرص عليه أي كذب وافترى. ولا يقال تخرص فيه. ويقال عذره في فعله. ولا يقال عذره على فعله: فكان الواجب على الكاتب أن يقول (يتخرصون على ما لا يعذرون فيه). على أن هذه الجملة برمتها لا معنى لها أو لا معنى لاستعمال التخرص في هذا المقام. ومما قاله في صدد التهكم بالكتاب والمنشئين: ولماذا لا نكتب ونكاتب بفهم وسهولة وبساطة وسلامة وحقاً إن حضرته أشفق على القراء مكن أذى ما ينالهم من كد الذهن اذا قرأوا كثيراً مما يخطه الكاتبون لكنه لم شفق هو عليهم في مقاله هذا بل ضربهم بثالثة الأثافي مذ قال في خامتة المقال. وإنا لمعيدوه على أسماع القراء وإن طال: ثم ما هي فائدة الحركات في اللغة اذا كنا لا نريد أن نصرف عن جعل الواو الثقيلة الد؟ في أولى وعمرو وحيوة وصلوة بجحة التمييز وإزالة اللبس وهلا يوجد غير هذه الكلمات في العربية بحاجة إلى الضبط؟ ثم ما هي فائدة الحركات اذا كنا نكتب إله ولا يجوز لنا أن نكتب مؤنثه إلهة؟ ثم كيف يعقل أن تكون جموع لا مفرد لها مثل شلقة ومخاطر ومحاسن وشماطيط وما جمعه الثعالبي وغيره وهل كان كل ما لا يكون سمعه بالجامع لا يكون وضعه الواضع جرياً على القياس؟ وكيف يمكن أن تكون المطاوعة في فعل ولا تكون في آخر مثله تماماً؟ وكيف تكون صيغة أفعل التفضيل في ما لا فعل له كقولهم هو اقلط منه؟ أو كيف يكون مضارع لا ماضي له كقولهم لم يذر؟ أو مزيد لا مجرد له. والأمثلة متوفرة. وثمت منابت العربية بعد أن كانت مستحلسة. وتفاصح كل من لم يكن فصيحاً ولن يكون متفصحاً. فوجب أن يرجع الناس إلى فقه اللغة الذي لا أعني به كتاب أبي منصور الثعالبي بل فلسفة اللغة حتى لا يرسل كل من اغتر بقدرته الكلام على عواهنه ويحسب أن من جمع كلمة إلى كلمة كان شاعراً أو ناثراً أو إماماً وثقة يجب الإقلال من الترديد والمبهم الذي لا يزيد إلا اعتكالاً والاعتدال في تعليم القواعد بحسب كل مذهب التوثق في معاني البليغ من المنظوم والمنثور والاستكثار من حفظ الجيد ولاسيما ما يدعى السهل الممتنع ويجب أن تكون مجلاتنا وجرائدنا المدارس الحقيقية فترفض كل كتاب عليلة بالمعاني وينبه المغرور والشعرور إلى ما يفسد الذوق ويدعو إلى الهزأ ومن فقه اللغة أن نصطلح على ما يذلل لنا صعاب اللفظ عند الترجمة والاستشهاد أي أن يكون لنا ما نستطيع معه نقل الكلمة الأعجمية من نكرة وعلم إلى معناها الأصلي. وقد كان للعرب روم وأشمام فليكن لنا زيادة على مثالهما والله ولي التوفيق اهـ. هذا ما نؤاخذه أو نعاتب به الكاتب الفاضل. ولم نقدم عليه إلا عندما آنسنا منه في مقاله غراماً في اللغة العربية. ورغبة في أن تكون مصونة من عبث العابثين بها. وكيد العاملين على أمانتها: فقد أعرب حفظه الله في غير ما موضع من مقاله المذكور عن غيرة شديدة. وعزمه في إصلاح اللغة أكيدة. من ذلك قوله: ولو أن الحكومة تقيم الأئمة لإقامة الكلام واللفظ لكانت تخدم البلاد والعباد ومازالت مدارستنا توجب على التلاميذ التخاطب بلغة أجنبية ولا توجب عليهم التخاطب — ولو ساعة — بفصيح لغتهم كأن التخاطب بفصيح العربية عار وبفصيح اللغات الأخرى فخار فلا جرم أن هذه الغيرة من حضرته منقبة يحمد عليها ومأثرة يجب علينا أن نقتدي به فيها.  سير العلم والاجتماع الآداب العربية وفق أحمد بك زكي بعد عناية عشرين سنة إلى جمع طائفة من مخطوطات السلف في علوم مختلفة فعرض على حكومة مصر أن تساعده على تمثيلها بالطبع فعنيت لذلك ألف جنيه في ميزانيتهم هذه السنة ووقفت المال الاحتياطي الموجود في دار الكتب المصرية لطبع ما يجب طبعه وإليك المجموعة النفيسة التي جمعها صديقنا العالم ويشرع بطبع الكتابين الأولين منها قبل كل شيءٍ وهي بشرى بل بشريان للأمة العربية بل ولكل من تهمه مدنية العرب الراقية: الموسوعات أدب وبلاغة وإنشاء حديث آداب الملوك التراجم التاريخ النسب الجغرافيا علوم طبيعية وميكانيكية رحلة علم حفظ الصحة علم الحيوانات علم المعادن علم الفلك علم الموسيقى علم الحرب ديانات قديمة فنون متنوعة بسط الشرق من أهم ما لفت أنظار الغربيين في معرض الصناعات الإسلامية في مونيخ في العهد الأخير قسم البسط والسجادات الشرقية فقد قدروا ما فيها من الكمال المدهش من حيث الألوان والنقوش والتراكيب وهيهات أن تعبر الألفاظ عن جمال تقطيعها وظرفها وتنوع وضعها وجماع صنعها وانضمام أشكالها وترصيعها وتوزيع زينتها السالمة من كل خلل. قالت إحدى المجلات العلمية ومن أهم هذه القطع سجادة اسمها ربيع كسرى يرد عهدها إلى الدولة الساسانية التي قضت عليها دولة العرب في القرن السابع للميلاد وقد تمازج فيها الذهب بالأحجار الكريمة وفيها صور ينابيع وأشجار وأطيار وأصقاع بديعة تأخذ بمجامع القلب. ولقد نسج البسط بسطاًَ من هذا النوع المسماة ببسط الحدائق قبل قيام دولة الأكاسرة بألف سنة فكانوا يصورون فيها غدراناً فيها أسماك وأشجار اللوز مثمرة تتسلق عليها الهوام. ولم تكن تجعل هذه السجادات التي لا تجوس عليها الأرجل إلا متلطفة على الجدر كما هو الحال في اوربا اليوم بل كانت تبسط على الأرض. وهي من عهد ارتقاء الصناعات الفارسية أي من القرن السادس عشر وكانت تباع منذ عشرين سنة ببضع مئات من الفرنكات أما اليوم فتباع بما يوازي ثقلها ذهباً. ومما عرض في هذا المعرض بساط اسمه بساط الصيد وهو ملك بلاط النمسا ولم يكن إمبراطورها فرنسيس يوسف عارفاً بقيمة هذا الكنز الذي يحويه في قصره من قبل وهو معمول في القرن السادس عشر أيضاً وفيه صورة وعلة يصطادها أسد وهذه الصورة في بلاد الصين رمز إلى طول الحياة وكثيراً ما كانت الصناعة الفارسية تنقل عن الصين وتقلدها في مناحيها. معجم إنكليزي بدأت إحدى بيوت المطابع في أكسفورد من بلاد الإنكليز بطبع معجم للغة الإنكليزية منذ سبع وعشرين سنة برئاسة السير جايمس موري وهو أرقى بموضوعه من المعاجم الكبرى في اللغة الإفرنسية مثل لتره والإنكليزية مثل وبستر والألمانية مثل كريم. فيذكر هذا المعجم تاريخ كل مفردة وما توالى عليها من النشوء مع إيراد الشواهد لذلك ويقوم بتأليف ألف ومائتا لغوي انتخبوا من مشاهير علماء اللغة الإنكليزية. وقد بلغ مجموع عناوين الكتب في مكتبة تأليفه عدة ملايين تتألف منها خزانة هائلة اقتضت أن ينشئوا لها بناية من الحديد مخافة أن تسري إليها النيران وهذا المعجم يصدر في أوقات غير معينة وقد بلغوا إلى حرف ت. ويقدرون بأنه ينتهي سنة ١٩١٣ أما ثمنه فغال ولكن نفقاته قد جمعت مقدماً باشتراك بعض الكتبة به. فأنعم وأكرم بأمة فيها هذا القدر من العلماء في لغتها على من لم يقع عليهم الاختيار وببلاد يطبع فيها مثل هذا المعجم الهائل الذي ربما تجاوز ثلاثين مجلداً وشركته تربح به من أول يوم. بردي قديم أوصى أحد المحسنين للقسم المصري في المتحف البريطاني بأعظم ورقة من ورق البردي عرفت حتى الآن طولها ٤١ سنتيمتراً وعرضها ٥٠ سنتيمتراً وقد حفظ ت حروفها ورسومها سالمة من كل سوءٍ. ويرد تاريخها إلى ما قبل ٣٠ قرناً وهي عبارة عن صورة ثيبية من كتاب الأموات مشفوعة بابتهال إلى الرب عمون أهم معبود في ثيبية وقد كتبت هذه الورقة قبل ألف سنة من التاريخ المسيحي لابنة الملك نيزي حانسو هي ذات شأن عظيم في تاريخ الأديان. صناعات الأمراء تناقلت الصحف أن السلطان عبد الحميد سجين قصر الأتيني في سلانيك يصرف بعض أوقاته في النجارة بعد أن أنزل عن عرش السلطنة. والعادة في الملوك والأمراء أن يعنوا بصناعة من الصناعات النفيسة في الغالب أو عمل من الأعمال اليدوية يرضون بها أنفسهم وحواسهم وكانت هذه العادة شائعة كل الشيوع في فارس وبخارى وأفغانستان وبلوخستان وغيرها من الأصقاع الواقعة في النصف الشرقي من قارة آسيا ولكن ما كان من مميزات الآسياويين أيام حضاراتهم أصبح الآن من مميزات الأوربيين في استبحار عمرانهم فمن أمرائهم من ينصرف إلى علم أو فن أو صناعة يدوية وقد يصرفون فيها شطراً صالحاً من أوقاتهم خصوصاً أولئك الذين ليس لهم عمل حقيقي من الأمراء والملوك. فقد كان الدوق كارل تيودور البافاري عالماً بطب العيون وممتازاً فيه. وكانت الملكة إيملي ملكة البرتقال منصرفة إلى دراسة السل الرئوي. وسجل الأمير هنري دي بروس الألماني اكتشافه طريقة لتنظيف زجاج السيارات. وعرف ملك بلغاريا بامتيازه في علم الحيل (الميكانيك) وهو الذي يسوق قاطرة القطار الملكي بنفسه. ويخصص ملك نابولي شطراً مهماً من وقته في عمل المعادن. واخترع دوق دولاندبورغ آلة دافعة جديدة للسفن. وأخصى الأمير جواشيم في الحدادة. وكان الأمير فريدريك سيجموند معلماً في النجارة. أما إمبراطور ألمانيا غليوم الثاني فقريحته متسعة فهو شاعر ومؤلف قصص فاجعات ومصور بل هو يتوفر أيضاً على تربية المواشي والنباتات وصنع الخزف والفخار. وملكة رومانيا كاتبة من الطراز الأول. والأمير أوجين السويدي مصور المناظر الطبيعية. ودوقة دارجيل ناقشة ماهرة. وكان الملك إدوارد السابع يصرف جزءاً عظيماً من وقته في تربية الحيوانات. أعظم البوارج أنشأت شركة ويت ستار الإنكليزية بارجتين للسفر بين سوسامبتون إحدى مواني إنكلترا ونيويورك في أميركا وهي أضخم ما عرف حتى الآن دعتهما (أولمبيك) و (تيتانيك) وقد أنزلت الأولى إلى البحر وقريباً تنزل الثانية وطول كل واحدة منهما ٢٥٩ متراً وعمقها ٢٨ متراً و ٢١ سنتمتراً ومحمولها خمسون ألف طن ولها ثلاث آلات دافعة وتقطع ٢١ عقدة في السعة وهي بقوة ٤٦ ألف حصان. حكم إفرنجية اذا تولى بعض المناصب يؤثرون أن يعملوا أعمالاً سخيفة على أن يبقوا بلا عمل (أرسين هوساي). للمرء بعض الآمال الخيالية التي قد يتعذر الحصول عليها والتعلق بأهداب المحال وطلب الأبلق العقوق أو الصعود إلى العيوق (عمانويل أرين). لا تعمل الحكمة شيئاً مع إحساس الضمير العام (كيزو). الاقتناع هو الإرادة الإنسانية البالغة أبعد مراقيها (بالزاك). أبداً يظل المرء غير راضٍ عن حالته اذا قاسه بأحس منه (لافيس). إياك والتساهل في النفقات الصغيرة فإن ثقباً صغيراً يجري فيه الماء تغرق منه سفينة كبرى فرانكلين. إن العلائم الظاهرة للحزن الكبير تأتي على الأحياء كما تكون القباب بلية على الأموات فإنها كثيراً ما تكون علامة الكبرياء أكثر مما تكون علامة الحزن والفضيلة شاتوبريان. كلنا محكوم علينا ن نموت وما الولادة إلا مبدأ الموت غوتيه. إن الإكثار من الكلمات للتعبير عن أثر مشهور أشبه بقطعة من ذهب تبدلها بنقود زائفة بومارشيه. الأموات غير مرئيين ولكنهم غير غائبين هوغو. للقلب عقل لا يعرفه العقل نفسه باسكال. اذا سار المرء على خطأٍ يستحيل أن يصل إلى الحقيقة جوي. لا يجني خريف الحياة إلا ما غرسه كل يوم منها كراتري. الإنسانية تأمرني أن أظن خيراً أكثر مما أظن شراً بوسويه. من عاقب وهو في حال الغضب فلا يريد من عاقبه الإصلاح بل الانتقام مونتين. إن مما يصعب علينا أن لا نكون على اتفاق مع حبنا ذاتنا أسيل. كلما وقع في نفس الإنسان إن ليس شيءٌ مستحيلاً يقوم بأعمال أكبر مما كان يظن مالريب. من الأمراض أن يتطلب الموت وأعظم منها مرضاً أن يخاف الموت. الشهوات كأنواع الأطعمة أبسطها هي التي لا تقزز منها النفس. على المرء أن يطيل النظر في نفسه قبل أن يفكر في الحكم عليه. الطاعة أعظم فرحة للمرأة بعد الحب. على المرء أن يجيب بنفسه لأن البشر لا يعدلون إلا مع من يحبون. كانت الضرورات في المجتمعات القديمة هي الزوائد أما في المجتمعات الحديثة فإن الزوائد هي الضرورية. اذا أردت أن يظن بك خيراً فلا تذكر أنت ذلك (باسكال). نحب العدل كثيراً وقلما نحب العادلين. الواجب عليَّ أن أقوم بما تفرضه عليَّ الحياة من الواجبات على أي صورة وكيفية ولكن الواجب القيام بها. الكسلان الصحيح الجسم أردأ من المريض لأنه يأكل ضعفين ولا يعمل عملاً. إن من يهتمون أبداً لصحتهم هم كالبخلاء يجمعون الكنوز بدون أن يستمتعوا بها. إن قلباً مفطوراً على الاستقامة التامة لا يرضى عن الترقيع في الأخلاق كالأذن الصحيحة السمع لا ترضى عن الموسيقى الرديئة. إن من يعتقدون من أنفسهم الذكاء أكثر من غيرهم هم أقرب إلى الانخداع غالباً. الديانة أم يتخلى عنها الإنسان عندما ينادي داعي سعده وهي تنتظرك يوم تصيبك البوائق (دي ليفي). إن إصلاح نفوس أغلب الناس عبارة عن إدخال القلب والإبدال عن رذائلهم. الأفكار رأس مال لا تأتي بفائدة إلا في ايدي من رزقوا القرائح والعقول. تأتي على المرء أحوال يكثر فيها غمه أكثر من الباكين ويتمنى الدموع أن تجري في مآفيه فلا يجدها. السكك العثمانية أصدر المسيو ألكسيس راي كتابه الرابع عشر في إحصاءات السكك الحديدية العثمانية وحساباتها في السنة الماضية جاء فيه أن دخل السكك الحديدية في آسيا كان متوسطاً أما مجموع الدخل في السلطنة فقد زاد عن السنة السابقة اذا حسبنا ما نقص من سكة الرومللي من جهة بلغاريا منذ أعلنت استقلالها وقدر النقص بـ ٣١٠ كيلومترات. وقد نقصت الضمانات الكيلومترية في السلطنة ٥٧٩ ألف وتنقص كثيراً في ميزانية ١٩١٠ . أما السكة الحجازية فقد بلغ طولها ١٥٠٠ كيلومتر ودخلها ٣ ملايين و ٨٠٠ ألف فرنك. وهاك ما أعطته الحكومة العثمانية من الامتيازات الجديدة: ١ ً تمديد سكة بغداد يقدر بخط يبلغ طوله ٨٢٠ كيلومتراً وقد بدأت الأشغال في نقط مختلفة منه ومما تقرر أيضاً مد هذا الخط إلى حلب. ٢ ً تمديد خط حمص — طرابلس وطوله ١٠٢ كيلومتراً وصار على أهبة النجاز ٣ ً امتياز فرع من باندرما إلى صوما وطوله ١٩٠ كيلومتراً ويتصل بأزمير وبحر مرمرة وبذلك تقرب المسافة بين أزمير والأستانة. ٤ ً امتياز فرع من بابا إلى إسكي كليسا وطوله ٤٠ كيلومتراً وهو لشركة الرومللي والخطوط الثلاثة الخيرة لا ضمانة كيلومترية لها ومجموع الخطوط الأربعة الجاري العمل بها يبلغ طولها ١١٥٢ كيلومتراً منها ١١١٢ كيلومتراً في ىسيا و ٤٠ في اوربا وهذا بيان توزيعها على الأمم. ٨٢٠ كيلومتراً للألمان و ٢٩٣ للفرنسيين و ٤٠ للنمساويين. وهذا بيان ما تستثمره الأمم حالاً من السكك جمعاء في السلطنة. ١٦٩٧ كيلومتراً للفرنسيين و ١٥١٩ للألمان و ١٥٠٠ للعثمانيين و ٩٥٥ للنمسويين و ٩٠٩ للإنكليز و ٤١ لأمم مختلفة. ويتبين من ذلك أن الألمان اذا أتموا مد الخطوط المعهودة إليهم يصبحون في مقدمة الجميع إذ يبلغ مجموع خطوطهم ٢٣٣٩ كيلومتراً ويتلوهم الفرنسيون بخطوط مجموعها ١٩٨٩ كيلومتراً. مخطوطات ومطبوعات الدروس العربيةتأليف الشيخ مصطفى الغلاييني طبع بالمطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٨ ص ٨٨ اعتاد صديقنا صاحب هذا الكتاب أن ينشر من قلمه كل ما فيه تصحيح الأفكار وبث اللغة وشفره هذا في النحو من سلسلة كتب في النحو والصرف وفنون البلاغة والإنشاء وقرظ الشعر والأدبيات واللغة كتبه بعبارة سهلة يفهمها التلميذ وشفعه بتمارين نثرية وشعرية تفيد في إحكام ملكة الإعراب فنشكره على غيرته على الآداب ونرجو له إتمام هذه السلسلة. الطريقة القدسية أو طريقة جديدة للقيودات المزدوجة لواضعها إلياس بك القدسي طبع بالمطبعةالبطريركية الأرثوذكسية بدمشق ص ٣٢. أجاد صديقنا في وضع هذا الكتاب في علم الدوبيا أو طريقة القيود المزدوجة وقد قال في مقدمته أن الإيطاليين كانوا أسبق الأمم إلى استعمال تلك الطريقة في منتصف القرن الرابع عشر وكان أول كتاب ظهر في إنكلترا من نوعه سنة ١٥٦٩ سماه مؤلفه فن الحسابات التجار الطليان أو مسك الدفاتر بالقيودات المزدوجة وقد وجد في مدينة جنوة سجل أمين صندوق البلدية مؤرخاً في سنة ١٣٤٨ وفيه الحسابات المدونة على هذه الكيفية ولكن هذه الطريقة لم تشع في أوربا إلا في القرن السابع عشر والثامن عشر قال ولم تدخل هذه الطريقة إلى بلادنا إلا نحو سنة ١٨٦٥ إذ قام المعلم سليم غالية الدمشقي وطبع كتابه البدر المنير في أصول الزنجير وألف بعده المعلم ظاهر خير الله الشويري كتابه لمحة الناظر في مسك الدفاتر ورسالة ترويض المباشر في مسك الدفاتر وتبعه آخرون وضعوا كتاباً على الطريقة الإيطالية وقد شرح المؤلف طريقته الجديدة المبتكرة أحسن شرح يفهمه طالب هذا العلم النافع فله منا الثناء على غيرته وفضله. ديوان سلام بن جندل رواية أبي سعيد الأصمعي نشره الأب لويس شيخو طبع في المطبعة الكاثوليكية في بيروت سنة ١٩١٠ ص ٤٩ . نشر هذا الديوان في مجلة الشرق أولاً عن نسختي الأستانة والإسكندرية وعلق عليها منشئها الباحث ملحوظات واصطلاحات وعد سلامة في شعراء النصرانية بالطبع. وشعر العرب العرباء كله مما يقتنى فللناشر الأديب الشكر على عنايته بنشر آثار العرب في أي مظهر إظهار كتب متفرقة مجلتان جديدتان خاتمة السنة الخامسة نحمدك اللهم أنك يسرت لنا ختام هذه السنة من المقتبس على النحو الذي نحوناه منذ أول تأسيسه. وبعد فقد اضطرتنا الحال إلى التعجل في إصدار أجزاء هذه السنة لتعود إلى اعتبار المحرم أول سنة المجلة ونجبر المدة التي انقطعت فيها عن الصدور أشهراً في العام الفائت فأصدرنا أجزاء اثنتي عشر شهراً في نحو ستة أشهر وألفناها كذلك حتى جاء بفضل الله وبيض أيادي مؤازرينا من أهل البحث والعلم لا تقل في تجويد الموضوعات عن السنين السالفة إن لم نقل أنها أحسن على كثرة ما انتاب مجرى العمل من العوارض. وفي مأمولنا أن تبدو هذه الصحيفة في سنتها السادسة في مظهر أرقى يكون لائقاً بشأن العصر ونهوض البلاد بكثرة سواد الراغبين في العلم والتعلم اليوم بعد اليوم والله نسأل هدايتنا وتسديدنا والتجاوز عن هفواتنا وسيئاتنا وهذا جهد المقل وما على من يبذل جهده من حرج والسلام.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_59.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.59.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
