<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.58.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.58.TEIP5:</urn>
<passage>الضوءُ اللامع من كتب التراجم الممتعة التي تجمع بين الفائدة واللذة هذا التاريخ لمؤلفه محمد بن عبد الرحمن الملقب بشمس الدين السخاوي الأصل القاهري تكلم فيه على رجال عصره بما اعتقده فيهم وأطلق لقلمه العنان أيما إطلاق حتى لتظنه لا يعرف غير الهجاء مذهباً وكشف عورات أهل جيله وقبيله مشرباً. قال في كشف الظنون: الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع لشمس الدين محمد ابن عبد الرحمن السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ اثنتين وتسعين رتبه على الحروف وقد صنفه السيوطي في رده مقالة سماها الكاوي في تاريخ السخاوي وشنع عليه فيها وانتخبه الشيخ زين الدين عمر بن أحمد الشماع الحلبي المتوفى سنة ٩٣٦ ست وثلاثين وتسعمائة وسماه القبس الحاوي لغرر ضوء السخاوي والشهاب أحمد بن العز محمد الشهير بابن عبد السلام المتوفى سنة ٩٣١ إحدى وثلاثين وتسعمائة وسماه البدر الطالع من الضوء اللامع لأهل القرن التاسع واختصره الشيخ أحمد القسطلاني وسماه النور الساطع في مختصر الضوء اللامع. وفي المكتبة الظاهرية بدمشق نسخة صحيحة من هذا الكتاب ربما كانت أصح نسخة في سورية ومصر وهي في نحو ثلاثة آلاف صفحة كبيرة بخط وسط وقعت في خمس مجلدات ضخام. والمؤلف عالم من علماء الحديث وغيره وله مصنفات أخر وترجم نفسه Autobiographie في كتبه وقد جرت عادة كثير من الأعلام أن يترجموا أنفسهم من غير نكير فمما قاله أنه أخذ عمن درب ودرج وذلك لأنه ارتحل من القاهرة على عادة العلماء لأن الرحلة ولاسيما للمحدثين والمؤرخين من لوازمهم وحج فمر على الينبوع وعقبة أيلة رابغ خليص ثم ارتحل إلى حلب ماراً ببلبيس وقطيا وغزة والمجدل والرملة وبيت المقدس والخليل ونابلس ودمشق وصالحيتها والزبداني وبعلبك وحمص وحماة وسرمين وحلب ومرّ أيضاً بطرابلس وبرزة كفر بطنا والمزة وداريا وصالحية مصر. وله تصانيف كثيرة في الحديث ومنها تراجم من أخذ عنهم في ثلاثة مجلدات سماه بغية الراوي بمن أخذ عنه السخاوي وفهرست مروياته في أزيد من ثلاث مجلدات والتبر المسبوكفي الذيل على تاريخ المقريزي في نحو أربعة أسفار والضوء اللامع الذي نحن بصدد الكلام عليه ويكون ست مجلدات بحسب تقديره. والذيل على قضاة مصر نسخة في مجلدة والذيل على طبقات القراء لابن الجزري في مجلد على دول الإسلام للذهبي والوفيات في القرن التاسع وترجمة نفسه والتاريخ المحيط وهو في نحو ثلثمائة رزمة على حروف المعجم قال أنه لا يعلم من سبقه إليه. طبقات المالكية أربعة أسفار إلى غير ذلك من ال شروح والتلاخيص ولد سنة ٨٣١ وقد استغرقت ترجمته نفسه في كتابه هذا ١١ ورقة ونصف ورقة ولم نر فيه أكبر منها. وفي هذا الكتاب من المشاهير الناشري وإبراهيم بن ظهيرة والبقاعي والبرهان الطرابلسي وأحمد الكوراني وابن الهمام وابن الشحنة والمقريزي والحافظ ابن حجر وابن عربشاه وتيمورلنك والقاضي زكريا والحافظ العراقي وابن خلدون والجلال البلقيني والجلال السيوطي. وفيه من غير هذه الطبقة أيضاً طرف صالح جداً منهم من نسب إلى بلده ومسقط رأسه ومنهم من اشتهر بألقاب أخرى فتقع فيه على تراجم البعلبكي والعجلوني والطنبوني (نسبة لبلدة من إقليم المنوفية بمصر) والأدفوي والزنكلوني والمنوفي والأسنوي والقوصي والدمياطي والبوصيري والسمنودي والأسيوطي والسنباطي والشموني والملوي والمنفاوطي والفارسكوري والبنهاوي والبيجوري والمنشاوي والرشيدي والسكندري والأذرعي والعكاري والبقاعي والسقطي (من سقط الحنا في شرقية مصر أو سقط قليشا في البحيرة) والديروطي والفاقوسي والمحلي والدمنهوري والإخميني والأبشيهي والقليوبي والعاهري والمناوي والمحلاوي والكركي والشوبكي. والصعيدي والبلينائي والبلبيسي والبصروي والصيداوي والنووي والزفتاوي والبلقيني (نسبة لبلقينية في الغربية) والأسواني والجعبري (نسبة لقلعة جعبر من بلاد حلب) والحمصي والحموي وغير ذلك من الأعلام الذين نشأوا من قرى مصر والشام ومدنها في ذاك القرن. بل وتجد فيه ما هو أغرب وأعجب من تراجم أمراء الجراكسة والمقدمين في الحكومة تلك الأيام أمثال قتيباي أحد ملوك مصر ترجمة في ست ورقات وقشتمر وقطباي وقطليك وقطلعوبغا وقطج وقمرقاس وقراجا وقراسنقر وقرا بلوك وقرا يوسف وقراقجا وقاتباي وقان ويرد وقانصوه وقانيك وقانم وكانور وكمشبغاواق سنقر ولاجين ومنكلي وبغا والطنبغا وأمثالهم ممن لا تعثر لهم على ذكر في غير هذا السفر الحاوي. وترجم كثيراً من العامة وأرباب الأحوال والنساء وأورد بعض أشعارهن ومنها الجيد مثل شعر فاطمة ابنة القاضي كمال الدين محمد ابن شيرين الحنفي وقد كتبت إلى المؤلف بعد مجيء الخبر بموت أخويه من نظمها: قفا واسمعا مني حديث أحبتي فأوصاف معناهم عن الحسن جلت أناس أطاعوا الله نارت قلوبهم وأبصرت الأشياء من غير نبأة وقد كوشفوا عن كل ما أضمر الفتى ونارت قلوبهم منهم وبصيرة وهاك ما قاله السخاوي في مقدمة كتابه وفيها الغرض الذي يرمي إليه: الحمد لله جامع الشتات ورافع من شاء في الحياة وبعد الممات ومقيل المقبل على الإكثار من الطاعات من ذوي إلهيات من بعد ما عمله صدر عنه من الزلات وقابل التوبة من أخلص ورجع عما اقترف من البليات سيما الصادرات في الصبا الغالب معه ترك النظر في العاقبات فضلاً عمن نشأ في الطاعات إلى أن قال: وبعد فهذا كتاب من أهم ما به يعتنى جمعت فيه من علمته من هذا القرن الذي أوله سنة إحدى وثماني مائة ختم بالحسنى وسائر العلماء والقضاة والصلحاء والرواة والأدباء والشعراء والخلفاء والملوك والأمراء والمباشرين والوزراء مصرياً كان أو شامياً حجازياً أو يمانياً رومياً أو هندياً مشرقياص أو مغربياً بل ذكرت فيه بعض المذكورين بفضل ونحوه من أهل الذمة اقتفاء في أكثرهم (؟) لمن اضفتهم إليه في غزوه لأنه اجتمع لبي منهم الجم الغفير وارتفع عني اللبس في جمهورهم إلا اليسير مستوفياً من كان منهم في معجم شيخنا وأنباءه وتارخي العيني والمقريزي سيما في عوده الذي رتبها النجم ابن فهد مع أصله للفاسي والطبقات والوفيات المدونة والتراجم كشيوخ ابن فهد التقي وولده تخريجه وغيرها من المعاجم وما علقته من مجامع مفيدنا الزين رضوان أو رأيته في استدعاءات شيخنا ونحوه من الأعيان وسائر من ضبطته ممن أخذ عن شيخنا أو عني أو أخذت عنه ولو لم يكن خبيراً كبيراً عينا وربما أثبت لمن لا يذكر لبعض الأغراض التي لا يحسن معها الاعتراض وألحقت فغي إثباته كثيراً الموجودين رجاء انتفاع من لعله يسال عنهم من المستفيدين مع غلبة الظن الغني عن التوجيه ببقاء إن شاء الله منهم إلى القرن الذي يليه مرتباً له تسهيل الكشف على حروف المعجم الترتيب المعهود في الأسماء والآباء والأنساب والجدود مبتدءاص من الرجال بالأسماء ثم بالكنى ثم بالأنساب والألقاب وكذا المبهمات بعد الأبناء مراعياً في الترتيب لذلك كله حروف الكلمة المقصودة بحيث ابتدأ في الألف مثلاً بالهمزة الممدودة ثم بالهمزة التي بعدها موحدة وألف ثم بالتي بعدها على ما ألف مردوفاً ذلك بالنساء كذلك وكل ما أطلقت فيه شيخنا فمرادي به ابن حجر أستاذنا وكنت أردت إيراد شيءٍ مما لعله يكون عندي من حديث من نشاء الله من المترجمين فخشي التطويل سما أن حصل إيضاحه بالتبيين ولذا اقتصرت على الرضي والزكي والسراج والعضد والمحيوي ممن بلغت رضي الدين أو زكي الدين أو سراج الدين أو عضد الدين أو محي الدين ممن المصنف عليه محتوي أعرضت لذلك عن الإفصاح بالمعطوف عليه للعلم به فاقتصر على قولي مات سنة ثلاث مثلاً دون ثماني مائة وتوفي. . . . . . . ثم ليعلم أن الأغراض في الناس مختلفة والأعراض بدون التباس في المحظور مؤتلفة ولكنني لم آل في التحري جهداً ولا عدلت عن الاعتدال فيما أرجو قصداص ولذا لم يزل الأكابر يتلقون ما أبديه بالتسليم ويتوقون الاعتراض فضلاً عن الإعراض عما ألقيه والتأثيم حتى كان العز الحنبلي والبرهان بن ظهيرة المعتلي يقولان أنك منظور إليك في بما تقول مسطور كلامك المنعش للعقول وقال غير واحد ممن يعتقد بكلامه وتمتد إليه الأعناق في سفره ومقامه من زكيته فهو المعدل ومن مرضته فالضعيف المعلل إلى غيرها من الألفاظ الصادرة من الأئمة الإيقاظ بل كان بعض الفضلاء المعتبرين يصرح بتمني الموت في حياتي لأترجمه بما لعله يخفى عن الكثيرين نعم قد يشك من يعلم أنني لا أقيم له وزناً فمرق بل يختلف (كذا) ما يضمحل في وقته حساً ومعنى ويستفيد به التنبيه على نفسه فيتحقق منه ما كان حدساً أو ظناً والله أسأل أن يجنبنا الاعتساف المجانب للإنصاف وأن يرزقنا كلمة الحق في السخط والرضى ويصرفنا عما لا يرتضى ويقينا شر القضا وسميته الضوء اللامع لأهل القرن التاسع اهـ. هذا هو أقل ما يقال في الضوء اللامع والأمل معقود بأن يمثل للطبع عما قريب على يد إحدى جمعيات المستشرقين في أوربا ولذا اكتفينا بإيراد ترجمتين منه لفاضلين أحدهما دمشقي والآخر مصري وإن كان شامي الأصل وذلك إنموذجاً لأسلوب المؤلف وإنشائه قال في ترجمة العالم المؤرخ الكاتب المشهور ابن عربشاه: أحمد بن محمد بن عبد الله بن إبراهيم ابن أبي نصر محمد ابن عربشاه ابن أبي بكر الأستاذ الشهاب أبو محمد ابن الشمس الدمشقي الأصل الرومي الحنفي والد التاج عبد الوهاب ويعرف بالعجمي وبابن عربشاه وهو الأكثر وليس بقريب لداود وصالح ابني محمد عربشاه الهمدانيين كالأصل الدمشقيين الحنفيين أيضاً. ولد في ليلة الجمعة منتصف ذي القعدة سنة إحدى وتسعين وسبعمائة ونشأ بها فقرأ القرآن على الزين عمر بن اللبان المقري ثم تحول في سنة ثلاث وثمانمائة في زمن الفتنة مع أخوانه وأمهم وابن اخته عبد الرحمن بن إبراهيم بن خولان إلى سمرقند ثم بمفرده إلى بلاد الخطا وأقام ببلاد ما وراء النهر مديماً بالاشتغال والأخذ عمن هناك من الأستاذين فكان منهم السيد محمد الجرجاني وابن الجزري وهما نزيلا سمرقند الأول بمدرسة أيدكوتمور والثاني بباغ خدا وعبد الأول وكعصام الدين ابن العلامة عبد الملك وهام من ذرية صاحب الهداية وأحمد الترمذي الواعظ وأحمد القصير وحسام الدين الواعظ أمام مسجد السيد الإمام محمد بخارى الزاهر ولقى في سمرقند في سنة تسعة وثمانمائة الشيخ عربان الأدهمي الذي استفيض هناك أنه ابن ثلثمائة سنة فالله أعلم وبرع في فنون واستفاد اللسان الفارسي والخط الموغولي وأتقنهما وجمع في بلاد الموغول بالبرهان الأيدكاني والتاخي جلال الدين السيرامي وأخذ عنه وقرأ النحو على حاجي تلميذ السيد ثم توجه إلى خوارزم فأخذ عن نور الله وأحمد بن شمس الأئمة السيرافي الواعظ وكان يقال له ملك الكلام الفارسي والتركي والعربي ثم إلى بلاد الدشت وسراي وحاجي خان وبها (البحر) الزاخر مولانا حافظ الدين محمد بن ناصر الدين محمد البزازي الكردي فأقام عنده نحو أربع سنين وأخذ عنه الفقه وأصوله ومما قرأ عليه المنظومة إلى القرم واجتمع بأحمد بيرق وشرف الدين شارح المنار ومحمود البلغاري ومحمد اللب أبي (؟) وعبد المجيد الشاعر الأديب. ثم قطع بحر الروم إلى مملكة ابن عثمان فأقام بها نحو عشر سنين فترجم فيها للملك غياث الدين أبي الفتح محمد بن أبي يزيد ابن مراد بن عثمان كتاب جامع الحكايات ولامع الروايات من الفارسي إلى التركي في نحو (. .) مجلدات وتفسير أبي الليث السمرقندي القادري بالتركي نظماً وباشر عنده ديوان الإنشاء وكتب عنه إلى ملوك الأطراف عربياً وشامياً وتركياً فبالعجمي لقرا يوسف ونحوه بالتركي لآمر الدشت وسلطانها وبالموغولي لشاروخ وغيره وبالعربي للمؤيد الشيخ كل ذلك مع حرصه على الاستفادة بحيث قرأ المفتاح على البرهان حيدر الخوافي وأخذ عنه العربية أيضاً فلما مات ابن عثمان رجع إلى وطنه القديم فدخل حلب فأقام بها نحو ثلث سنة ثم الشام وكان دخوله لها في جمادى الآخرة سنة خمس وعشرين فجلس بحانوت مسجد القصب مع شهوده يسيراً ليكون معظم أوقاته الانعزال عن الناس وقرأ بها على القاضي شهاب الدين بن الحبال الحنبلي صحيح مسلم في سنة ثلاثين فلما قدم العلاء البخاري سنة اثنين وثلاثين مع الركب الشامي من الحجاز انقطع غليه ولازمه في الفقه والأصلين والمعاني والبيان والتصوف وغيرها وكان مما قرأ عليه الكافي في الفقه والبزدوي في أصوله وتقدم في غالب العلوم وأنشأ النظم الفائق والنثر الرائق وصنف نظماً ونثراً مرآة الأدب في علم المعاني والبيان والبديع وسلك فيه أسلوباً بديعاً في التلخيص وعمل قصائد غزلية في كل باب منه قصيدة مفردة على قافية أشار إليه شيخنا بقوله وأوقفني على منظومة في المعاني والبيان وأجاد نظمها وجعل كل باب قصيدة مستقلة غزلاً يؤخذ منه مقصد ذلك الباب انتهى. ومقدمته في النحو. ومقود لنصيحة. والرسالة المسماة بعقد الفريد في التوحيد. ونثراً تاريخ تيمورلنك سماه عجائب المقدور في نوائب تيمور. وفاكهة الخلفا ومفاكهة الظرفا. وخطاب الأهاب الناقب وجواب الشهاب الثاقب. والترجمان المترجم الأرب في لغة الترك والعجم والعرب. وأشير إليه بالتفنن حتى كان ممن يجله ويعترف له بالفضيلة شيخنا واثنى على نظمه التلخيص كما قدمته بل كتب عنه نظمه لدخله في البلدانيات فقال أنشدني بمنزلة برزة بالقرب من قرية القابون التحتاني في سابع رمضان سنة ست وثلاثين لنفسه: السيل يقلع ما يلقاه من شجر بين الجبال ومنه الأرض تنفطر حتى يوافي عباب البحر ينظره قد اضمحل فلا يبقى له أثرا مع حرص صاحب الترجمة حين كونه بالقاهرة على ملازمته والاستفادة منه بل امتدحه بقصيدة بديعة أتى فيها بالغار وتعامي وأهاجي وجناسات تلعب فيها بضروب الأدب أودعتها الجواهر والدرر سمعتها منه ومن لطيف أبياتها بيت جمع فيه حروف الهجاء وهو: خض بحر فظ حديثه تغش العلا وأجزم بصدقك ناطقاً إذ تسند وبيت عاطل هو العالم العالم الإمام لدى العلا العامل الحكم الهمام الأوحد وبيت شطره الأول مما يستحيل الانعكاس وشكره الثاني عاطل مع كونه مما لا يستحيل أيضاً فالأول مركب من آمن والثاني من أحمد وهو: نم آمناً من نمّ إنما آمن دم حامداً ما أمّ آدم أحمد وكثر اجتماعهما وطرح شيخنا عليه من الأسئلة التي فيها الفكاهة والمداعبة مما لا تعرف منه الملاءة والقدرة على التخلص منه ما أودعته منه أشياء في الجواهر عند الكلام على قدرة شيخنا في التفسير وغيره رحمهما الله. وكان أحد الأفراد في إجادة النظم باللغات الثلاث العربية والعجمية والتركية مجيد الخط جيد الإتقان والضبط عذب الكلام بديع المحاضرة مع كثرة التودد ومزيد التواضع وعظة النفس ووفور العقل والرزانة وحسن الثكالة والأبهة وسيماء الخير ولوائح الدين عليه ظاهرة وقد لقيته في القاهرة في الخانقاه الصلاحية سنة خمسين فكتبت عنه من نظمه أشياء وسمعت متن لفظه العقد الفريد وعقود النصيحة وكتبهما لي بخطه وبالغ في الأدب والتواضع ومات بالخانقاه المذكورة في يوم الاثنين منتصف رجب سنة أربع وخمسين ودفن بتربتها والناس مشغولون بالاستسقاء عند توقف النيل غريباً عن أهله ووطنه بعد أن امتحن على يد الظاهر جقمق وطلبه لشكوى حميد الدين عليه وأدخله سجن المجرمين فدام فيه خمسة أيام ثم أخرج واستمر مريضاً من القهر حتى مات بعد اثني عشر يوماً عوضه الله خيراً وترجمته محتملة للبسط فقد كان من محاسن الزمان وممن ترجمه المقريزي في عقوده ومما كتبه عنه لنفسه: قميص من القطن من حله وشربة ماءٍ قراح وقوت ينال به المرء ما يبتغي وهذا كثير على من يموت ومنه معمياً: وهك الزاهي كبدر فوق غصن طلعا واسمك الزاكي كمشكاة سناها لمعا في بيوت أذن لها الله أن ترفعا عكسها صحفه تلقى فيه الحسن (؟) أجمعا ومنه: فعش ما شئت في الدنيا وأدرك بها ما شئت من صيت وصوت فحبل العيش موصول بقطع وخيط العمر معقود بموت ومنه: وما الدهر إلا سلم بقدر ما يكون صعود المرء فيها هبوطه وهيهات ما في نزول وإنما شروط الذي يرقى إليه سقوطه فمن صار أعلى كان أوفى تهشماً وفاءً بما قامت عليه شروطه وترجمه بعضهم فقال: العلامة أحد أفراد الدهر في الفضل والسجع وعلم المعاني والبيان والبديع والنحو والصرف والنظم والنثر كان ممن أسرع مع اللنك (أي العرج تيبمورلنك) ونقل إلى سمرقند ثم خرج منها سنة إحدى عشرة وجال في بلاد الشرق ورجع إلى دمشق سنة خمس وعشرين وصنف عجائب المقدور في نوائب تيمور من ابتدائه إلى انتهائه أبان فيه عن فضل كبير وملكة للسجع وغزارة إطلاع بحيث لخصه المقريزي وترجم مؤلفه فقال: نثره سجعاً فعلا ورشحه بالأشعار فحلا. إلى أن قال: بأنه بحر بلاغة وفصاحة أنشدنا كثيراً من شعره وله معرفة بالفقه واللغة ولكن الغالب عليه الأدب وله نظم كثير منه مرآة الأدب يشتمل على المعاني والبيان والبديع وهو نظم بطريقة الغزل يكون نحو ألفي بيت وكتاب في علم النحو نظمه بطريقة الغزل أيضاً محو مائتي بيت وقصيدة غزلية في الصرف بديعة ماح بها بعض أعيان الدولة وقصيدة قي نحو مائتي بيت وشرحها في مجلد في مجلد وخضاب الأهاب الناقب وجواب الشهاب الثاقب بينه وبين البرهان الباعوني وحميد الدين القاضي أبان فيه عن حفظ كثير للغة وكثرة إطلاع وغزارة وفضل وسبب منعه أن الباعوني كتب له بستة أيام التزم فيها بانطا (؟) المسألة أولها: أأحمد لم تكن والله فظاً ولكن لا أرى لي منك حظاً واستوفى كثيراً من اللغة وكان قد وقع بينه وبين حميد الدين فحصل للشهاب سنة أخرى مثل نظره في كتاب اللغة وعملها في ستة أبيات التزم فيها الراء قبل الألف والراء بعدها: من مجيري من ظلوم منه أُبعدت مزارا واستوفى ما في الباب قال الشهاب فلم أجد له قافية فكتب على لسان حميد الدين قصيدة بغدادية أولها: أي خدانود عجعبو عن موالاة التناغي فلم يقدر على الجواب بمثلها وكتب إليه يقول: يا شهاب الدين يا أح مد يا ابن عربشاه واستوفى القافية فظفرت بأشياء ترككها فقلت: قد أتى الفضل عليه حلل اللطف موشاه فتعجب من سعة دائرته وكثرة اطلاعه ثم قال له أنا والله ما عرفتك إلا الآن قال فقلت له والى الآن ما عرفتني وطال الجواب بينهما على هذا المنوال حتى ألف ذلك مجلداً فمن ذلك ما كتب به البرهان: ابن عربشاه كف عني أو لا فخذ ما يجيك مني واعلم بأني خصم ألد الشر دابي والمكر فني خلفي رجال لهم مجال في الحرب لا يخلفون ظني إلى آخرها ومن جملة المراسلات أن البرهان أرسل عليه بعشرة أبيات التزم فيها الباء والياء واستوفى ما في الصحاح أولها: إن الذميم وأنت يا هذا ابن عين الخبير كذا واستوفى القوافي وظن أني لم أجد قافية فأجبته وآخر الأمر توجه عبد الحميد إلى مص ر وشكاهما إلى السلطان وقال لبه البرهان هجاني فلم يرد عليه إلا بقوله يكتب له من اليوم بكفه عن هجائه فلما خرج قال السلطان للشمس الكاتب أن الباعوني رجل جيد لولا أنه عرف منه شيءٌ ما قاله وألغز إليه أبو اللطف الحصكفي فأجابه بعد أن أجاب شعر القاهرة (؟) بغير المراد ثم ألغز هو إليه وأجابه بما لم أطل بإيراده هنا وشعره كثير جداً وتصنيفه الماضي فاكهة الخلفا ومفاكهة الظرفا في مجلد ضخم فيه عجائب وغرائب على لسان الحيوانات من أواخر ما ألف. ولما دخل مصر بعد الخمسين في الطاعون وجد غالب من ببيت الكمال ابن البزازي مات كزوجته وأخته فرثاهم بقصيدة طنانة على عدة قوافي وأظهر في مخالصها من كل قافية إلى الأخرى قوة كعجيبة وملكة للنظم لا ينهض غيره بشق غبارها من قافية اللام إلى قافية الألف إلى الهاء إلى غيرها تزيد عل سبعين بيتاً أولها: إلى مَ يردى بالكمال ويودي بالردى أهل الكمال اه. وقال في ترجمة العلامة المقريزي: أحمد بن علي بن عبد القادر بن محمد بن إبراهيم بن محمد بن تيميم بن عبد الصمد بن أبي الحسين ابن عبد الصمد ابن تميم ال ثقفي أبو العباس ابن العلا ابن المحيوي لحسيني العبيدي البعلي الأصلي القاهري سبط ابن الصائغ ويعرف بابن المقريزي وهي نسبة لحارة في بعلبك تعرف بحارة المقارزة وكان أصله من بعلبك وجده من كبار المحدثين فتحول ولده إلى القاهرة وولي بعض الوظائف المتعلقة بالقضاة وكتب التوقيع في ديوان الإنشاء وأنجب صاحب الترجمة وكان مولده حسبما كان يخبر به ويكتبه بخطه بعد الستين وقال شيخنا: إنه رأى بخطه ما يدل على تعينه سنة ست وستين وذلك بالقاهرة ونشأ بها نشأظة حسنة فحفظ القرآن وسمع من جده لأمه ابن الصائغ الحنفي والبرهان الآمدي والعز ابن الكويك والنجم ابن رزين والشمس ابن الخشاب والتنوخي وابن أبي شيخة وابن أبي المجد والبلقيني والعراقي والهتيمي والفرسيسي وغيرهم بل كان يزعم أنه سمع المتسلسل على العماد ابن كثير ولا يكاد يصح. وحج فسمع بمكة من النشاوري والأميوطي والشمس ابن سكر وأبي الفضل النويري القاضي وسعد الدين الإسفراييني وأبي العباس ابن عبد المعطي وجماعة أجاز له الأسنوي والأذرعي وأبو البقا السبكي وعلى ابن اليوسف الرريدي (؟) وآخرون ومن الشام الحافظ أبو يكر ابن المحب وأبو العباس ابن العز وناصر الدين محمد ابن محمد بن داود وطائفة واشتغل كثيراً وطاف على الشيوخ ولقي الكبار وجالس الأئمة فأخذ عنهم وتفقه حنفياً على مذهب جده لأمه وحفظ مختصراً فيه ثم لما ترعرع وذلك بعد موت والده في سنة ست وثمانين وهو حينئذ قد جاز العشرين تحول شافعياً واستقر عليه أمره لكنه كان مائلاً إلى الظاهر ولذلك قال شيخنا أنه أحب الحديث فواظب على ذلك وكان يتهم بمذهب ابن حزم ولكنه كان لا يعرفه انتهى هذا مع كون والده وجده حنبليين ونظر في عدة فنون وشار في الفضائل وكتب بخط الكثير وأنقى وقال الشعر والنثر وحصل وأفاد وناب في الحكم وكتب التوقيع وولي الحسبة بالقاهرة غير مرة أولها في سنة إحدى وثماني مائة والخطابة بجامع عمرو وبمدرسة حسن الإمامة بجامع الحاكم ونظره وقرأ الحديث بالمؤيدية عوضاً عن لمحب ابن نصر الله حين استقراره في تدريس الحنابلة بها وغير ذلك وحمدت سيرته في مباشراته وكان قد اتصل بالظاهر برقوق ودخل دمشق مع ولده الناصر في سنة عشر وعاد معه وعرض عليه قضاؤها مراراً فأبى وصحب بشبك الداودار وقتاً ونالته منه دنيا بل يقال أنه أودع عنده نقداً وحج غير مرة وجاور. وكذا دخل دمشق مراراً وتولى بها ونظر وقف القلانسي والبيمارستان النوري مع كون شرط نظره لقاضيها الشافعي وتدريس الأشرفية والإقبالية وغيرها ثم أعرض عن ذلك وأقام ببلده عاكفاً على الاشتغال بالتاريخ حتى اشتهر به ذكره وبعد فيه صيته وصارت له فيه جملة تصانيف كالخطط للقاهرة وهو مفيد كونه ظفر بمسودة الأوحدي كما سبق في ترجمته فأخذها وزادها زوائد غير طائلة ودرر العقود الفريدة في تراجم الأعيان المفيدة ذكر فيه من عاصره وإمتاع الأسماع بما للرسول من الأنباء والأحوال والحفدة والمتاع. وكان يجب أن يكتب بمكة ويحدث به فتيسر له ذلك. والمدخل له. وعقد جواهر الأسفاط في ملوك مصر والسفساط. والبيان والإعراب عما في أرض مصر من الأعراب. والإلمام في تأخر من بأرض الحبشة من ملوك الإسلام. والطرفة الغريبة في أخبار حضر موت العجيبة. ومعرفة ما يجب لآل البيت النبوي من الحق على من عداهم. وإيقاظ الحنفا بأخبار الأئمة الفاطميين والخلفا. والسلوك بمعرفة دول الملوك يشتمل على الحوادث إلى وفاته. والتاريخ الكبير المقفى وهو في ستة عشر مجلداً وكان يقول أنه لو كمل على ما يرومه لجاوز الثمانين. والأخبار عن الأعذار. والإشارة والكلام ببناء الكعبة البيت الحرام ومختصره وذكر من حج من الملوك والخلفاء والتخاصم بين بني أمية وبني هاشم وشذور العقود وضوء الساري في معرفة خبر تميم الداري والأوزان والأكيال الشرعية وإزالة العتب والعنا في معرفة الحال في العنا وحصول الأنعام والمير في سؤال خاتمة الخير. والمقاصد السنية في معرفة الأجسام المعدنية وتجريد التوحيد ومجمع الفرائد ومنبع الفوائد يشتمل على علمي العقل والنقل المحتوي على فني الجد والهزل بلغت مجلداته نحو المئة وما شاهده وسمعه مما لم ينقل في كتاب. وشاع النحاة الحق منها والإشارة والإيماء إلى حل لغز الماء وهو ظريف وغير ذلك وقرض سيرة المؤيد لابن ناهض وقد قرأت بخطه أن تصانيفه زادت على مائتي مجلدة كبار وإن شيوخه بلغت ستمائة نفس وكان حسن المذاكرة بالتاريخ لكنه قليل المعرفة بالمتقدمين ولذلك يكثر له فيهم وقوع التحريف والسقط وربما صحف في المتون. ومما رأيته في ذلك أن ابن بدر وهو بفتح الموحدة والدال المهملة فضبطه بخطه بالبدل وعلى ابن منصور الكرخي شيخ السلفي وهو بالجيم فضبطه بالخاء المعجمة وكثيراً ما يجعل عبد الله عبيد الله وعكسه بل وبلغني أنه جعل أبا طاهر ابن محمش راوي الحديث المسلسل بالأولية حين حدث به بالخاء المعجمة بدل المهملة وأما في المتأخرين فقد انفرد في تراجمهم بما لا يوافق عليه كقوله في ابن الملقن أنه كان يبني (؟) الصلاة جداً وكان مع ذلك يكثر الاعتماد عل من لا يوثق به من غير عزو إليه تى فعل ذلك في نسبه فإن مستنده يكون من العبيديين كونه دخل مع والده جامع الحاكم فقال له: يا ولدي هذا جامع جدك ولاسيما وما قاله ابن أرفع في نسبة عبد القادر جده أنصارياً يخدش في هذا وإن توقف صاحب الترجمة فيه لكنه مع ذلك لم يكن يتجاوز في تصانيفه في سياق نسبه عبد الصمد ابن تميم وإن أظهر زيادة على ذلك فلمن يثق به ثم رأيت ما يدل على أنه اعتمد في هذه النسبة العرياني لمشهور بالكذب فالله اعلم. ومن يصف من يكون كذلك بالحافظ مريداً الإصلاح فقد جازف وما أحسن قول بعضهم مما في بعضه توقف (كذا). وكان كثيرا الاستحضار للوقائع القديمة في الجاهلية وغيرها وأما الوقائع الإسلامية ومعرفة الرجال وأسمائهم والجرح والتعديل والراتب والسير وغير ذلك من أسرار التاريخ ومحاسنه فغير ماهر فيه وكانت له معرفة قليلة بالفقه والحديث والنحو وإطلاع على أقوال السلف وإلمام بمذاهب أهل الكتاب حتى كان يتردد إليه أفاضلهم للاستفادة منه مع حسن الخبق وكرم العهد وكثرة التواضع وعلو الهمة لمن يقصده والمحبة في المذاكرة والمداومة على التمجد والأدوار وحسن الصلاة ومزيد الطمأنينة لبيته حتى أن بعض الرؤساء فيما بلغني عتب على انقطاعه عنه أنسد قول غيره: قالت الأرنب للفوت كلاماً فيه ذكرى لتفهم الألباب إنا جرى من الكلاب ولكن خير يومي أن لا تراني الكلاب لكن أحسن و (له) الخبرة بالزايرجة والاصطرلاب والرمل والميقات بحيث أنه أخذ لابن خلدون طالعاً والتمس منه تعيين وقت ولا ينه فيقال أنه ين له يوماً فكان كذلك وعد من النوادر. كل ذلك مع تبجيل الأكابر له إما مداراة له خوفاً من قلمه أو لحسن مذاكرته وقد حدث ببعض تصانيفه ومروباته بمكة والقاهرة سمع منه الفضلاء وأخبر أنه سمع فضل الخير للدمياطي على أبي طلحة الحراوي مرتين فاعتدوا أخباره بذلك وقرئ مرة بل كتب بخطه من قبيل موته بسنة أنه لا يعلم من شاركه في روايته ورأيت بخط صاحبنا النجم ابن فهد أنه حضره في الرابعة علي الحراوي وما علمت مستنده في ذلك. وقد ترجمه شيخنا في معجمه بقوله وله النظم الفائق والنثر الرائق والتصانيف الباهرة خصوصاً في تاريخ القاهرة فإنه أحيا معالمها وأوضح مجاهلها وجدد مآثرها وترجم أعيانها ولكنه لم يبالغ في أنبائه لهذا الحد بل قال وأولع بالتاريخ فجمع منه شيئاً كثيراً وصنف فيه كتاباً وكان لكثرة ولعه به يحفظ كثيراً منه قال وكان حسن الصحبة حلو المحاضرة وقال العيني: كان مشتغلاً بكتابة التواريخ وبضرب الرمل وتولى الحسبة بالقاهرة في آخر أيام الظاهر يعني برقوق ثم عزل بمسطره ثم تولى مرة أخر في أيام الدوادار الكبير سودون ابن أخت الظاهر يعني برقوق عوضاً عن مسطره بحكم ابن مسطره وعزل نفسه بسبب ظلم سودون المذكور وقال ابن خطيب الناصرية في ترجمة جده وهو جد الإمام الفاضل المؤرخ تقي الدين وقال غيره: جمع كتاباً فيما شاهده وسمعه مما لم ينقله من كتاب ومن عجب ما فيه أنه كان في رمضان سنة إحدى وتسعين ماراً بين القصرين فسمع العوام يتحدثون أن الظاهر برقوق خرج من سجنه بالكرك واجتمع عليه الناس قال: فضبطت ذلك اليوم فكان كذلك ومن شعره في دمياط: سقى عهد دمياط وحياه من عهد فقد زادني ذكراه وجداً على وجدي ولا زالت الأنواء تسقي سحابها دياراً حكت من حبسها جنة الخلد وهي اكثر من عشرين بيتاً مات في عصر يوم الخميس سادس عشرى من رمضان سنة خمس وأربعين بالقاهرة بعد مرض طويل وذلك على ما قاله شيخنا بتكملة ثمانين من عمره ودفن يوم الجمعة قبل الصلاة بحوش الصوفية البيبرسية رحمه الله وإيانا اهـ. هذان نموذجان من الكتاب وكله فوائد جزيلة وهو مرآة صادقة لأحوال القرن التاسع وفيه دب الانحطاط على أشده في جسم الأمة الإسلامية. ميزان المقادير في تبيان التقادير اللهم صل على محمد وآل محمد وبعد فيقول المفتقر بجهله بالعلم اليقيني رضي الدين محمد القزويني. كثيراً ما وقعت في الشريعة الحقة المصطفوية عليه وعلى آله ألفُ ألف تحية. أحكام مبتنية على مقادير مخصوصة ومسائل مشتملة على أوزان وأكيال ومسافات منصوصة. وجليلاً ما اتفقت من المتدينين من أهل الحساب. طوبى لهم وحسن مآب ضوابط متقنة بتقديرات معينة. وقواعد محكمة بتجديدات مبينة فتصفحت فما وصلت إلى رسالة مفصلة. موضوعة لشأنها وتتبعت فما أطلعت على مقالة محصلة متكلفة ببيانها. غير أنها مسطورة في صحف منتشرة ضبطها محلها للقريحة. ومذكورة في كتب متفرقة حفظها مخل للطبيعة. مع أن أكثرها وقعت موقعاً لاختلاف الآراء. وأجلها وردت مورد الافتراق الأهواء. فها أنا ألقي عليك لبيانها في طي هذه الرسالة نوعاً من بسط الكلام وأهدي إليك لتبيانها في أثناء تلك المقالة ضرباً من توضيح المرام قاصداً فيها تسهيلاً على الطلاب. راجياً منها شيئاً من الثواب فإنه غير مقصورة على من أكثر العمل ووفرة. لكريمة فمن يعمل مثال ذرة خيراً يره. وسميتها ميزان المقادير في تبيان التقادير. فجعلتها تيمناً لها. وتزييناً إياها. هدية لخزانة كتب الدستور الأعظم ملجأ الكبار والأمم. حاوي الرياستين الدينية والدنيوية جامع الفضيلتين العلمية والعملية. مقدر أحوال الأنام. بالفكر الرزين. مد بر ممالك الإسلام بالعقل المتيني ملاذ أعاظم الفضلاء في الآفاق. سلطان أفاخم العلماء بالاستحقاق. معير نقود أنظار الأولين والآخرين. خازن مكتوم أسرار السابقين والاحقين. فخر السايدة والنجابة والفضيلة والكمال. عين العظمة وشوكة الجلالة والإقبال. اعتضاد الحضرة المقدسة السلطانية. اعتماد الدولة العلية العالية الخاقانية. أبد الله تعالى ظلال دولته إلى يوم الدين. بحرمه جده سيد المرسلين. وآباءه الأئمة الطاهرين المعصومين. فاعلم أن المقادير المذكورة على ثلاثة أقسام. إما مقلدة بالوزن. أو بالك يل. وإما بالمساحة. والبحث عنها إما يكون على وجه كشف حقائقها. أو على سوق يظهر دقائقها فانتظمت الرسالة بتفصيلات افتتاحاً. وبتتميمات اختتاماً. تفصيل فيه ذكر المقادير المقدرة بحسب الوزن هذه المقادير ينتهي أكثر تقديراتها بل كلها إلى وزن الحبة من الشعير المتوسطة لقلة الاختلاف فيها. وسهولة تحصيلها وشيوعها في الأمكنة والأوقات فوزنها بين الوزان كالواحد بين الأعداد فكما ثبت للواحد كسورهم فكذلك قدرت لها أجزاء فأسس البيان بذكرها فيقال لسدس الشعيرة الخردل. ولجزء من اثنين وسبعين جزءاً منها الفلس. فهو نصف سدس الخردل. ولجزء من أربعمائة واثنين وثلاثين جزءاً منها الفتيل يقال له الفتيلة أيضاً فهو سدس الفلس. ولجزء من ألفينيوخمسمائة وتسعين جزءاً منها النقير فهو أيضاً سدس الفتيل. ولجزء من عشرين ألفاً وسبعمائة وستة وثلاثين جزءاً منها القمطير فهو ثمن النقير. ولجزء من مائتينيوثمانية وأربعين ألفاً وثمانمائة واثنين وثلاثين جزءاً منها الذروة فهي نصف سدس القمطير. ولجزء من ألف ألف وسبعمائة وأربعين ألفاً وثمانمائة وأربعة وعشرين جزءاً منها الهباء فهو سبع الذرة. وبعد هذا التأسيس نفصل الوزان المشهورة المذكورة على الألسنة على ما وصل إلينا حسبما اقتضاها الترتيب. الطسوج وهو قدر حبتين من شعيرتين متوسطتين وهو مشهور وبه فسره أهل اللغة أيضاً ولم أجد فيه خلافاً. والقيراط وهو قيراطان قيراط الدرهم وقيراط الدينار. وهذا أيضاً مكي وعراقي فبالحقيقة ثلاثة أقسام: أما قيراط الدرهم فهو أربع شعيرات يبلغ طسوجين في القاموس في م ك ك لقيراط طسوجان والطسوج حبتان يني شعيرتين كذا في الصحاح. وقيل هو ست شعيرات فيبلغ ثلاثة أساطيج يعني قيراط الدرهم. وأما القيراط المكي للدينار فهو شعيرتان أو ستة أسباع شعيرة يبلغ سطوجاً وثلاثة أسباعه. وأما القيراط العراقي فهو ثلاث شعيرات وثلاثة أسباع شعيرة يبلغ طسوجاً وخمسة أسباعه في القاموس القيراط والقرّاط يختلف وزنه بحسب البلاد فبمكة ربع سدس دينار وبالعراق نصف عشره انتهى فالتقدير موافق لما قدرناهما به كما ستعرف وهذا العراقي هو المعتبر في باب زكوة الذهب. وأما القيراط الواقع في الحديث مع تفسيره بأنه مثل جبل أحد فمجاز. والدانق وهو إذا أطلق فالمراد دانق الدرهم وقدره ثماني شعيرات يبلغ قيراطي الدرهم في القاموس م ك ك. والدانق قيراطان والقراط طسوجان والطسوج حبتان والحبة سدس من ثمن الدرهم وهو جزء من ثمانية أربعين جزءاً من درهم وهو بعينه عبارة الصحاح وفي د ن ق فسره بسدس الدرهم وهو أيضاً قيراطان كما ستعرف. والدرهم وهو دراهم الدرهم البغلي وهو أربع وستون شعيرة يبلغ ثمانية دوانيق والدرهم الطبري وهو اثنتان وثلاثون شعيرة يبلغ أربعة دوانيق نصف البغلي في القاموس الطبري ثلثا الدرهم أراد به الدرهم الشرعي. والدرهم الشرعي وهو ثمان وأربعون شعيرة يبلغ ستة دوانيق متوسط بينهما وهذا الشرعي هو المعتبر في نصاب زكوة الفضة وأمثاله ويقال له الوربة أيضاً. قال العلامة في التحرير الدراهم في صدر الإسلام كان صنفين بغلية وهي السود كل درهم ثمانية دوانيق وطبرية كل درهم أربعة دوانيق فجمعا في الإسلام وجعلا درهمين متساويين وزن كل درهم ستة دوانيق فصار وزن كل عشرة دراهم. سبعة مثاقيل بمثقال الذهب وكل درهم نصف مثقال وخمسة وهو الدرهم الذي قدر به النبي من المقادير الشرعية في نصاب الزكوة والقطع ومقدار الديات والجزية وغير ذلك. والدانق ثماني حبات من أوسط حب الشعير انتهى. والمثقال هو مثقالان المثقال الشرعي وهو المعبر عنه بالدينار بلا خلاف لكن الدينار كثر استعماله في المسكوك من الذهب كما أن أكثر استعمال الدرهم في المسكوك في الفضة قدره ثمان وستون شعيرة وأربعة أسباع شعيرة يبلغ درهماً وثلاثة أسباعه بالشرعي. في الصحاح وكذا في القاموس المثقال الدرهم وثلاثة أسباع ردهم والدرهم ستة دوانيق والدانق قيراطان الخ. وهو المعتبر في الأحكام الشرعية بلا خلاف يظهر من تتبع كلام الفقهاء. وما وقع في الحديث من أن المثقال من أن المثقال أربعة وعشرون قيراطاً أصغرها مثل حبل واحد وأكبرها ما بين السماء والأرض فمجاز. والمثقال الصيرفي وهو المعروف في زماننا ستة أربع وخمسين ألف في أكثر بلاد العجم قدره أربعة وثمانون شعيرة على ما وزنا ورعينا في وزنه كمال الاحتياط. والتدقيق يبلغ درهماً وثلاثة أرباع درهم بالشرعي. والوافي وقدره ثمانون شعيرة يبلغ درهماً وثلثي درهم في القاموس الوافي درهم وأربعة دوانيق موافقاً لما قدرنا به. والإستار بالكسر وقدره ثلثمائة وثماني شعيرات وأربعة أسباع شعيرة قدره ستة دراهم وثلاثة أسباع درهم بالشرعي يبلغ مثاقيل ونصف مثقال بالشرعي كذا في الصحاح. والقاموس وقيل هو ستة دراهم وثلث درهم أو أربعة مثاقيل نقلهما الشيخ في أواخر كتاب القانون. والأوقية كالوقية بالضم وتشديد الياء وهي أوقيتان الأوقية الجديدة وهي على ما به فسرها الفقهاء. وجمهور أصحاب اللغة والأطباء خمسمائة وأربع عشرة وسبعان من الشعيرة قدر عشر دراهم وخمسة أسباع درهم يعني سبعة مثاقيل ونصفاً يبلغ إستاراً وثلثي إستار بالمعنى الأول. وعلى ما نقله الشيخ في أواخر القانون هي سبعة مثاقيل يكون عشرة دراهم وتبعة العلامة الشيرازي في شرح القانون وصاحب القانون في وق ي لكنه وافق في م ك ك الجمهور كما وافقهم صاحب الصحاح في الموضعين وصرح بأنها هي المعتبرة بين الأطباء وسننقل كلامه بعينه وعلى ما فسره بعض ما يعتد به هي اثنا عشر درهماً يعني ثمانية مثاقيل وخمسي مثقال فلها ثلاث تفسيرات والمعتمد المشهور هو الأول كما ذكرنا. والأوقية القديمة هي ألف وتسعمائة وعشرون شعيرة قدر أربعين درهماً يعني ثمانية وعشرين مثقالاً تبلغ ثمانية إساتير وثمانية أتساع إستار بالمعنى الأول في الصحاح تصريح به وبما سبق منه في موضع آخر كما مر بقوله الأوقية في الحديث أربعون درهماً وكذلك كان فيما مضى فأما اليوم فيما يتعارفها الناس ويقدر عليه الأطباء فالأوقية عندهم وزن عشرة دراهم وخمسة أسباع درهم وهو إستار وثلثا إستار انتهى وما وقع في الحديث من تفسير الأوقية بأعظم من جبل أحد فمجاز. والنتس بالتشديد وهو تسعمائة وستون شعيرة قدر عشرين درهماً يعنى أربعة عشر مثقالاً يبلغ نصف أوقية قديمة كذا في الصحاح والقاموس ورووا كان صداق أزواج النبي صلى الله عليه وعلى آله اثنتي عشرة أوقية ونشاً أتدرون ما النس هو نصف أوقية وعشرون درهماً انتهى ذكر هذه الرواية العلامة في منتهى المطلب للاستدلال على أن الأوقية كانت أربعين درهماً. والرطل هو أرطال الرطل العراقي ويقال له البغدادي أيضاً وهو المراد عند إطلاق الرطل في الأكثر وفي تفسيره خلاف فعند جمهور الخاصة والرافعي من العامة ستة آلاف ومائتاناوأربعون شعيرة تبلغ اثنتي عشرة أوقية وثلثي خمسة بالجديدة على المعنى الأول وبعبارتين أخريين أحد وتسعون مثقالاً بالشرعي ومائة وثلاثون درهماً به وعند جمهور العامة والعلامة من الخاصة ستة آلاف ومائة وأحد وسبعون شعيرة وثلاثة أسباع شعيرة يبلغ اثنتي عشرة أوقية بالمعنى المذكور بلا زيادة ولا نقصان. وبعبارتين أخريين تسعون مثقالاً ومائة وثمانية وعشرون درهماً وأربعة أسباع درهم وعلى هذا التفسير صاحب الصحاح والقاموس إذا فسراه باثنتي عشرة أوقية وهو الرطل المعتبر بين جمهور الأطباء أيضاً لكن على ما يظهر مما نقله الشيخ في أواخر القانون حيث فسره باثنتي عشرة أوقية والأوقية بسبعة مثاقيل كما مر يصير أربعة وثمانين مثقالاً ولم أجد من فسره به أصلاً والرطل المدني وهو رطل ونصف بالعراقي والرطل المكي وهو ضعف الرطل العراقي ويجري فيهما الاحتمالان الناشئان من تفسير الرطل العراقي ففي كل منهما مذهبان على النسبة المذكورة في الرطل العراقي. والمن ويقال له المنا مقصوراً أو المشهور منه منان المن المصري والإنطاليقي وهو ثمانية آلاف ومائتاناوثمانية وعشرون شعيرة قدر ست عشرة أوقية جديدة بالمعنى الأول يبلغ رطلاً وثلث رطل على تفسير العامة وفي القانون أيضاً ست عشرة أوقية والخلاف في تفسيرها كما مر. والمن الرومي وهو عشرة آلاف وثمانمائة وثماني شعيرات قدر إحدى وعشرين أوقية بالمعنى المذكور يبلغ رطلاً وثلاثة أرباع رطل وفي القانون عشرون أوقية يبلغ رطلاً وثلثي رطل بتفسيره. والمن الطبي وهو اثنا عشر ألفاً واثنان وأربعون شعيرة وستة أسباع شعيرة يبلغ رطلين وبعبارة أخرى أربع وعشرون أوقية ولا خلاف فيه إلا ما يقتضيه ما في القانون من تفسير الأوقية. والمن التبريزي وهو خمسون ألفاً وأربعمائة شعيرة يبلغ ستمائة مثقال صيرفي كما هو المتعارف في زماننا. والمن الشاهي وهو مائة ألف وثمانمائة شعيرة يبلغ ألفاً ومائتي مثقال صيرفي ضعف المن التبريزي. والكر بحسب الوزن إما المكيالي والمساحي منه فسيجيء تفسيرهما ويعتبر فيه كونه من الماء قدر بألف ومائتي رطل باتفاق فقهاءنا رضوان الله عليهم إلا القطب الراوندي وسنذكر ما ذهب إليه لكنهم اختلفوا في أن هذا الرطل هل هو مدني أو عراقي ذهب إلى الأول جماعة منهم ابن بابويه والسيد المرتضى رحمهما الله والى ال ثاني الشيخان والعلامة ومن تبعهم ففيه مذهبان يرجع بعد ملاحظة الاختلاف الواقع في قدر الرطل العراقي بين الجمهور والعلامة كما ذكرنا إلى ثلاثة مذاهب بحسب المآل فعلى مذهب ابن بابويه يصير مائتينيوأربعة وثلاثين ألف درهم شرعي وعلى مذهب الشيخين مائة وستة وخمسين ألف درهم وعلى مذهب العلامة مائة وأربعة وخمسين ألف درهم وعلى مذهب العلامة مائة وأربعة وخمسين ألفاً ومائة وخمسة وثمانين درهماً وخمسة أسباع درهم. ومما يلحق بالأوزان النواة وهي الأوقية من الذهب أو أربعة دنانير أو ما زنته خمسة دراهم أو ثلاثة ونصف من العدد عشرون أو عشرة هكذا في القاموس. والربوة بالكسر وهي عشرة آلاف درهم كما في القاموس. والبدرة وهي كيس فيه ألف أو عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار كما في القاموس وفي بعض كتب اللغة عشرة آلاف درهم أو سبعة آلاف دينار. والقنطار بالكسر قيل مائة وعشرون رطلاً وفي القاموس وزن أربعين أوقية من ذهب أو ألف ومائتا درهم أو مائة رطل من ذهب أو من فضة إلى ألف أو ملأ مسك ثور ذهباً أو فضة انتهى. وهذا الأخير هو الشائع وبعض المفسرين حمل ما في قوله تعالى (وآتيتم إحداهن قنطارا) وما وقع في الأحاديث مع تقديره في بعضها بألف ومائتي وقية والوقية بأعظم من جبل أحد وفي بعضها بخمسة عشر ألف مثقال من ذهب والمثقال بأربعة وعشرين قيراطاً أصغرها مثل جبل أحد وأكبرها ما بين السماء والأرض فمجاز. تفصيل فيه ذكر المقادير المقدرة بحسب الكيل هذه التقديرات ينتهي أكثرها إلى مكيال يقال له المد بالضم معياره تخميناً ملأ كف الإنسان المعتدل إذا ملأها ومد يده بهما قاله صاحب القاموس في م د د موافقاً لما نقله الدوادي بتقريب التفسير الصاع ثم قال وبه سمي مدا وقد جربت ذلك فوجدته صحيحاً انتهى ولتعسر ضبطه مع رجوع المقادير المكيلة إليه احتيج إلى تقديره بوزن معين سهولة للحفاظ وصوناً عن التغيير فقدر به فاختلفوا في قدره بحسب اختلاف الروايات عن المقدر فلا بد لنا مقدماً على سائر تلك المقادير تفسيره وتحقيق وزنه على ما وصل إلينا من المذاهب تأسيساً للأصل وتمهيداً للفصل فهذا القسم أيضاً في الحقيقة ينتهي في التقدير إلى أوسط حب الشعير وفي تقديره ستة أقوال الأول مائة واثنان وستون درهماً ونصف دورهم بالشرعي هو مائة وثلاثة عشر مثقالاً وثلاثة أرباع مثقال بالشرعي يبلغ رطلاً وربعاً بالعراقي على تفسير جمهور الخاصة وهذا أحد احتمالي مذهب أبي نصير البزنطي من المحدثين إذ فسر برطل وربع ومذهبه في قدر الرطل غير معلوم فإن وافق الخاصة فذاك وإلا فمائة وستون درهماً وخمسة أسباع درهم هو مائة واثنا عشر مثقالاً ونصف مثقال يبلغ رطلاً وربعاً على تفسير العامة فهو الاحتمال الآخر لمذهبه. والثاني مائة وأحد وسبعون درهماً وثلاثة أسباع درهم هو مائة وعشرون مثقالاً يبلغ رطلاً وثلثا على تفسير العامة وإليه ذهب النووي من العامة واختاره صاحب القاموس في تفسير الصاع ونسبه صاحب الصحاح إلى أهل الحجاز. والثالث مائة وثلاث وسبعون درهماً وثلث درهم هو مائة وأحد وعشرون مثقالاً وثلث مثقال يبلغ رطلاً وثلثاً على تفسير الخاصة وإليه ذهب الرافعي من العامة ومن تبعه. والرابع مائتاناوسبعة وخمسون درهماً وسبع درهم هو مائة وثمانون مثقالاً يبلغ رطلين على تفسير العامة نقله صاحب القاموس ونسبه صاحب الصحاح إلى أهل العراق. والخامس مائتاناوتسعة وثمانون درهماً وسبعا درهم هو اثنان ومائتا مثقال ونصف مثقال يبلغ رطلين وربعاً على تفسير العامة. وإليه ذهب العلامة من الخاصة رحمة الله عليه. والسادس مائتاناواثنان وتسعون درهماً ونصف درهم هو أربعة ومائتا مثقال وثلاثة أرباع مثقال يبلغ رطلين وربعاً على تفسير الخاصة وإليه ذهب جمهور فقهائنا رضوان اله عليهم أجمعين (والقسط) وهو مكيال يسع مدين بالمعنى الثاني على ما يستفاد من القاموس إذ فسره بما يسع نصف صاع والصاع بأربعة أمداد بذلك المعنى وقيل هو أربعة أرطال بتفسير العامة وحينئذ يبلغ مدين بالمعنى الرابع. ونقل الشيخ في أواخر القانون أن القسط عند الروم رطل ونصف وسدس فيكون عشرين أوقية والقسط الإنطاليقي رطل ونصف واعلم أنه قال يختلف باختلاف إضافته إلى بعض المائعات كما نقل الشيخ أيضاً عن بعضهم أن القسط من الزيت ثماني عشرة أوقية ومن الشراب ثمانون رطلاً ومن العسل مائة وثمانمائة أرطال ومن بعضهم أن قسط العسل رطلان ونصف وقد عرفت مراراً أن الرطل على ما نقله اثنتا عشرة أوقية كل منها سبعة مثاقيل وذكر بعضهم في تفسير قسط العسل رطلاً واحداً أيضاً (والصاع) وأعني به صاع النبي صلى الله عليه وآله وهو المدار عليه في زكوة الفطر وغيرها اتفقت أقوالهم على أن الصاع جميعاً على أن الصاع أربعة أمداد كيلا ولم أجد خلافاً فيه وأما بقديره بحسب الوزن فاختلفوا فيه بحسب اختلافهم في تقدير المد فمذهب كل في الصاع أربعة أمثال ما ذهب إليه في المد ففيه أيضاً ستة مذاهب وسبعة احتمالات فعلى أول احتمالي مذهب البزنطي هو خمسة أرطال على تفسير الخاصة وعلى آخر احتمالية خمسة أرطال على تفسير العامة وعلى مختار النووي وصاحب القاموس المنسوب إلى أهل الحجاز خمسة أرطال وثلث رطل على تفسير العامة وعلى مختار الرافعي خمسة أرطال وثلث رطل على تفسير الخاصة وعلى ما أنسب إلى أهل العراق ثمانية أرطال على تفسير العامة وعلى مختار العلامة رحمه الله تسعة أرطال على تفسير العامة وعلى مختار جمهور فقهائنا رضوان اللهم عليهم تسعة أرطال على تفسير الخاصة. والكيلجة وهي منّ وسبعة أثمان منّ بالطبي يبلغ ثلاثة أرطال وثلاثة أرباع رطل على تفسير العامة كذا في الصحاح والقاموس (والكوك) كتنور وهو كما في الصحاح ثلاث كيلجات يعني أحد عشر رطلاً وربع رطل كذا في القاموس. والويبة بتقديم الياء المثناة التحتانية وهي اثنان أو أربعة وعشرون مداً كذا في القاموس فيجري فيها المذهب الثاني والرابع اللذان نقلهما في المد ففيها أربعة احتمالات. والفرق وهو مكيال يسع ستة عشر رطلاً عراقياً على تفسير العامة كما في الصحاح يبلغ ثمانية أمنان وتفسيره بما يسع ثلاثة أصوع لا يغاير هذا التفسير إذا كان المختار عند المفسرين به أن الصاع خمسة أرطال وثلث فالترديد في تفسيره بين ما يسع ثلاثة أصوع وما يسع ستة عشر رطلاً من صاحب القاموس كأنه لاختلاف التعبير مع كونه بعيداً جداً. والقفيز المكيالي أما الأراضي منه فسيجيء تفسيره يختلف بحسب البلاد جداً والمنقول ثمانية مكاكيك أعني أربعة وعشرون كيلجة كذا في الصحاح والقاموس. والأردب بكسر الهمزة وتشديد الباء وهو ستة وتسعون مداً يبلغ أربعة وعشرين صاعاً نقله صاحب القاموس وقد عرفت مختاره في الصاع. الجريب المكيالي أما الأراضي منه فسيجيء تفسيره قال صاحب القاموس هو مكيال قدره أربعة أقفزة فيبلغ اثنين وثلاثين مكوكاً. والوسق هو المعتبر في نصاب زكوة الغلات وهو مائتاناوأربعون مداً يبلغ ستين صاعاً بالاتفاق نقله أهل اللغة وغيرهم ولم أجد خلافاً فيه فيختلف الآراء في وزنه بحسب اختلافها في المد والصاع ففيه أيضاً ستة مذاهب وسبعة احتمالات والتفريع ظاهر كما ذكرنا في المد والصاع. والكر لمكيالي وهو ثلاثة آلاف وثمانمائة وأربعون مداً يبلغ أربعين أردباً نقله صاحب القاموس وله معنيان آخران نقلهما أيضاً بقوله بالضم مكيال العراق وستة أوقار حمار وهو ستون قفيزاً. تفصيل فيه ذكر المقادير المقدرة بحسب المساحة ينتهي تقدير هذا القسم أيضاً إلى قدرة الشعيرة المتوسطة لكن لا من حيث الوزن كما مر بل من حيث المساحة أي قدر عرض السطح الصغير منها يعني أحد جنبيها وبعضهم لم يقفوا في التقدير على عرض الشعيرة وتجاوزوا عنها وقدروا عرض الشعيرة أيضاً بعرض شعر البرذون ذبه كما قال صاحب البهائية أو عرفه كما صرح به صاحب القسطاس وقيل عرض كل شعيرة ست شعيرات منه وقيل سبع شعيرات فبعد هذا التأسيس اعلم أن هذا القسم من المقادير ينقسم إلى ثلاثة أقسام إما أن يعتبر فيه المساحة الخطية. وإما أن يعتبر فيها المساحة السطحية. أي مربع الخط. وإما أن يعتبر فيها المساحة الجسمية أي مكعبه فالقسم الأول الذي يعتبر فيه المساحة الخطية (الإصبع) وهي قدرت بست شعيرات متلاصقات بالسطح الكبر بحيث يكون ظهر كل منهما على بطن الآخر وبها قدرها صاحب الجغميني. وقيل سبع وبها قدرها شارح اللمعة ففيها أيضاً مذهبان وفي كل مهما يجري احتمالاً تقدير أربعة. الأول كونها ست شعيرات والشعيرة ست شعرات. والثاني. كونها سبع شعيرات والشعيرة سبع شعيرات. والثالث. كونها ست شعيرات والشعيرة سبع شعرات. والرابع. كونها سبع شعيرات والشعيرة ست شعرات عكس الثالث فن قل الأول صاحب البهائية والقسطاس. ونقل الثاني والثالث الشهيد الثاني في شرحه على لمعة الفقه. ولم أطلع على نقل على الرابع لكنه متحد في المآل مع الثالث إذ حاصل ضرب الستة في سبعة وبالعكس واحد فالمذاهب الواقعة المختلفة في المآل في تقدير الإصبع ثلاثة موجب الأول أن يكون ستاً وثلاثين شعيرة والثاني أن يكون تشعاً وأربعين منها والثالث أن يكون اثنتين وأربعين منها فيجري هذا الاختلاف في جميع المقادير الآتية الراجع تقديرها إلى الإصبع فكل واحد من التقديرات التي تنتقل بعد على ذلك الوجه منفلق عن ثلاثة احتمالات بحسب المآل. والقبضة قدرت بأربع أصابع مضمومة يبلغ ثمان وعشرين أو أربع وعشرين شعيرة ينتهي إلى مائة وست وت سعين أو مائة وثمان وستين أو مائة وأربعين شعيرة. والشبر والمعتبر منه شبر المستوي خلقه وهو المقياس لاستعلام الكر من الماء يمكن تقديره تخميناً بالقبضة والإصبع بأن يقال هو ثلاث قبضات أو اثنتا عشرة إصبعاً ولكن لم يقدروه بشيءٍ اعتماداً على قلة تفاوته مع فقيد المستوي ومن أراد التحديد فيمكن أن ينضبط بما قدرناه ويكاد أن لا يختلف عند التتبع. والقدوم وهي المعتبرة في الظل وليس لها قدر معين قدرت بسبع القامة من أي شيءٍ كان من الشواخص سواء كان قامة الإنسان أو غيره فيختلف بحسب اختلاف اعتبار القامة. والخطوة والقامة من الإنسان والمعتبر منهما هو المتعارف الوسط ولم يقدرا بشيءٍ معين. والذراع وهي ثلاث الذراع الشرعية ويقال لها القائم وهي ذراع المحدثين وللأصل فيها من طرف المرفق إلى طرف الإصبع الوسطى أو الساعد قدرت بأربع وعشرين إصبعاً يبلغ ست قبضات والذراع الحديد ويقال لها السوداء قدرت بسبع وعشرين إصبعاً يبلغ سبع قبضات إلا إصبعاً والذراع الهاشمية وهي ذراع القدماء قدرت باثنين وثلاثين إصبعاً يبلغ ثماني قبضات هذه الثلاثة هي المنقول والأذرع المتداولة في زماننا بحسب البلاد في زماننا غير محدود. والقصبة وهي ست أذرع بالهما شمية وسبع وتسع بالحديد وثماني بالشرعية. والأشل بالتخفيف وهو عبارة عن حبل طوله ستون ذراعاً بالهاشمية يبلغ عشر قصبات. والميل وهو الميل الهاشمي والأصل فيه مدى البصر قدرت بستة وسبعين ألف إصبع يبلغ أربعة آلاف بالشرعية هذا هو المشهور في تقديره وروي ثلاثة آلاف وخمسمائة هذه الذراع نقله الشهيد الأول رحمه الله في البيان ففيه مذهبان. والفرسخ وهو ثلاثة أميال عند الأكثر فيختلف باختلاف تقدير الميل فهو إما اثنا عشر ألف ذراع بالشرعية يبلغ تسعة آلاف بالهاشمية ونقل صاحب القاموس في تفسيره شعرة آلاف أيضاً وظاهره الشرعي ففيه ثلاثة احتمالات وقول صاحب القاموس في الميل أنه ثلاثة أو أربعة آلاف ذراع بحسب اختلافهم في الفرسخ هل هو تسعة آلاف بذراع القدماء أو اثنا عشر ألف ذراع بذراع المحدثين انتهى إشارة إلى الأول إلى قولين مختلفين فيه وإن كانت عبارته موهمة لخلاف المراد معناها إنه إن اعتبرت في تقدير الفرسخ ذراع القدماء أي الهاشمية وقدر بتسعة آلاف منها فالميل ال ١ ي يكون ثلث الفرسخ عبارة عن ثلاثة آلاف بهذه الذراع وإن اعتبرت فيه ذراع المحدثين أي الشرعية وقدر باثني عشر ألف منها فالميل عبارة عن ثلاثة أيضاً يعني أربعة آلاف بتلك الذراع وإن اعتبرت فيه ذراع المحدثين أي الشرعية وقدر باثني عشر ألف منها فالميل عبارة عن ثلاثة أيضاً يعني أربعة آلاف بتلك الذراع ولا تفاوت بالتقدير إلا بالاعتبار كما أشار إليه المبيدي في حاشيته على شرح الجغميني بقوله هو ثلاثة أميال بالاتفاق وذراعان الميل أربعة آلاف كل اثنان وثلاثون عند المتقدمين وعلى التقديرين الميل ستة وتسعون ألف إصبع انتهى هذا ولكن دعوى الاتفاق في كون الفرسخ ثلاثة أميال مزيفة بما نقلناه عن صاحب القاموس في تفسيره يعني عشرة آلاف ذراع ولم ينقل أحد تفسير الميل بما يطابق ثلثه. والبريد وهو عبارة عن اثني عشرة ميلاً يبلغ أربعة فراسخ وهو المشهور ونقل صاحب القاموس في تقديره فرسخين ايضاً. والمسافة وهي التي شرع عند القصد إليها مع شروطه القصر في الصلوة والصوم اختلف فيها فقيل أربعة فراسخ يبلغ بريداً بالمعنى المشهور وقيل ثمانية فراسخ يبلغ بريدين بهذا المعنى ففيه مذهبان ويجري في كل واحد الاحتمالات المذكورة في الفرسخ ففيها ستة احتمالات يصير في المآل عند ملاحظة المذاهب الثلاثة في الإصبع ثمانية عشر احتمالاً. والقسم الثاني الذي يعتبر فيه المساحة السطحية سعة الدرهم البغلي وهي المعبرة في عفو الدم في الصلوة إذا كان ناقصاً أو مساوياً لها قدراً فقدره بعض فقهائنا ك ابن الجنيد رحمه الله بسعة عقد الإبهام الأعلى وبعضهم كابن إدريس رحمه الله بما يقرب من أخمص الراحة. والعشير وهو ست وثلاثون ذراعاً هاشمية مسطحة مضروب القصبة في نفسها ويقال لعشر كل شيءٍ أيضاً عشيراً وكأنه هنا أيضاً بذلك الاعتبار لكونه القفيز. والقفيز الأرضي وهو ثلاثمائة وستون بهذه الذراع حاصل ضرب القصبة في الأشل وقدره صاحب القاموس بمائة وأربعين ذراعاً. والجريب الأرضي وهو ثلاثة آلاف وستمائة ذراع بها مضروب الأشل في نفسه وما ذكرنا في القفيز والجريب هو المنقول وربما يختلف بحسب اختلاف اعتبارات البلاد. علماؤناوكيف ينشئون أبناءهم إن العالم الذي أصفه في مقالي هذا ليس مما أنبتته بلدتنا طرابلس الشام وحدها. بل يوشك أن يكون من مستنبتات كل بلدة من بلادنا الأخرى. قضى هذا الفاضل حياته في خدمة العلم وتحقيق مسائله والتأليف فيه. وقد ورث هذا الميل من آبائه فأحبّ أن يورثه أبناً له في السابعة عشرة من عمره فلم يفلح. وكلما ذكر علماء الطبيعيّات في كتبهم أن الأجسام أو المواد قسمان موصل ردي وموصل جيد يعنون بالأول ما تنتقل فيه الحرارة ببطء. وبالآخر ما تنتقل فيه بسرعة — كذلك الحال في بعض الأشخاص: فإن منهم من ينقل ملكات آبائه واستعدادهم العلمي إلى أبنائه ومنهم من لا ينقل. والأول يصح أن نسميه موصل جيد والثاني موصل ردي وصاحبنا الذي نحكي عنه هو على ما يبدو من قبيل القسم الأخير: فإنه مع ما أُوتيه من سعة العلم والرغبة في تحصيل فنونه — لم يورث ابنه هذا الميل والاستعداد. فكان كسولاً. فاتر الهمة. منطفئ نار العزيمة. وهل أن ضعف الميل في ذلك الفتى أمر جيليّ فيه أو أنه عرض له بسبب الأسلوب الذي جرى عليه أبوه في تربيته وتثقيفه؟ لا أعلم. وربما كان القارئ أشدّ علما مني به إذا أطال روحه وأصغى لإتمام الحديث: قيل للوالد: نراك توبّخ ابنك لأقل هفوة. وتنتهره على ملأ من الناس. وقد بلغ الشابّ فيحسن بك أن تخاطبه بما يخاطب به عادة من كان في مثل سنّه. فقال: انه يعرف هذا. ويعرف مبلغ تأثير التوبيخ العلني في تشويه أخلاق الناشئين. ولكن هناك ضرورة تستدعي العدول عن هذا الأصل في التربية أصل آخر أجلّ وأسمى. ولما استوضح الأمر منه قال: أنه كان يؤنّب ابنه على سوء عمله في السرّ. فكان لا يرعري ولا يزدجر. ثم أخذ يوبخه جهرة صار الولد يحاسب نفسه ويصلح سيرته. قالوا: ولكنك تشتمه لأمر تافه لا علاقة له بما تقول. فقد سمعناك توبخه مذ وضع الكرسيّ في غير الموضع الذي تريد أن يضعه فيه. وهذا لا يحسن بحال من الأحوال أن يوبّخ عليه. لاسيما وهو لا يعلم الغيب الذي وقر في نفسك من لزوم وضع الكرسيّ في هذا المكان دون ذاك. فتخلص الأستاذ من الجواب على هذا الاعتراض إلى وصف ذكاء ابنه. وصفاء ذهنه. وأنه يفهم ويحفظ ما يلقى عليه بسرعة. وقد حفظ مرة كتابا صغيرا في قواعد اللغة الفارسية وحذق جميع مسائله في وقت قصير. ثم قال: لكن ابني مع هذا الذكاء النادر كسول لا يهتم بحفظ دروسه. ولا يصبر على المطالعة. ولو فعل لكان من النابغين الأولين. وعد في مقدمة الطلاب الناجحين. ثم قال: وإنني لا أطيق أن أرى ابني جاهلا وأن أعيش أنا وإياه تحت سقف واحد. وقد أعيتني الحيلة في تعليمه. ويخطر لي أنه إذا وصل إلى سن العشرين وبقي على ما هو عليه من الكسل والجهل أسلمته إلى الجندية. وضننت بدفع البدل النقديّ عنه. أو أنني أرسله إلى مكاتب الأستانة. حيث يعفى التلامذة من الخدمة العسكرية. وأخذ يصف ما يقاسي من عناء هذا الأمر وأن ابنه نغّص عليه طيب عيشه. ولذيذ حياته. قال الراوي: فخشعت نفسي لقول الأستاذ. ورثيت لحاله. وقلت أرى يا سيدي أن حياتك أثمن من أن تكدر صفوها بمثل هذا. وأن ابنك إذا لم يكن فيه استعداد وميل لطلب العلم. فاختبر ميوله الأخرى لشؤون الحياة ودعه يشتغل في العمل الذي يحسنه ويميل إليه بطبعه. فإذا كان يميل إلى التجارة والكسب فنشّطه لسلوك هذا السبيل. وإذا رأيته يميل للدخول في سلك موظّفي الحكومة فليفعل. فإن ذلك أجدى من أن تحمّله ما لا طاقة له به من التحصيل. فارْبَدَّ وجه الأستاذ من سماع هذا الكلام. وقال: إن جميع ما تعلمه أنت أعلمه أنا وإنك للآن لم تدرك ما أقول: أما قلت لك أن ابني على جانب عظيم من الاستعداد والذكاء وإنه يحفظ ويفهم ما يلقى عليه بسهولة وإنه في ساعة واحدة حذق مسائل اللغة الفارسية التي لا يدركها غيره في بضعة أيام. قال الراوي: قلت بلى يا سيدي الأستاذ فهمت كل ما تقول ولكنك أنت لم تفهم بعضاً مما أقول: إن قوة الذكاء والفهم غير قوة الميل والرغبة. فما لم تتوفر في الطالب هاتان القوتان لا يقال عنه أنه مستعد للطلب. ولا ذو قابلية للعلم. وإن ابنك ذكي سريع الفهم. لكنه كسول ضعيف الميل. فهو إذن قد توفرت فيه قوة دون قوة. ألا ترى أن كثيرين من الطلاب هم على العكس من ابنك: ترى الواحد منهم كثير الرغبة والميل لتحصيل العلم متوفراً على الدرس والمطالعة جهده. لكنه ينقصه قوة الذكاء والفهم المتوفرة في ابنك. فيضيع عمره ولا يستفيد شيئاً من العلم. وإلا ليلق بمن كان كذلك — أي كان ذكياً لكنه كسول أو مجتهداً لكنه بليد — أن يدع طلب العلم ويأخذ عملاً آخر ينتفع به. فامتعض الأستاذ وقال: من أين أتيت بهذه الفلسفة؟ يريد أنني تكلمت بكلام غير مفهوم. وهو ما يريدون بكلمة الفلسفة أحياناً. ثم عاد الأستاذ فشرح ما أوتيه ابنه من ذكاء وقوة حافظة وغير ذلك من المواهب والمزايا. هذا ما قصه الراوي علينا. وموضع العبرة فيه أن الأستاذ قد درس على زعمه علوم الأولين والآخرين ولكنه نسي علماً واحداً لم يوفق لدرسه مع أنه في أشد الحاجة إليه. ذلك العلم الذي هو علم التربية الذي هو فرض عين على كل أب عائلة. ومعلم مدرسة. وإذا زعم الأستاذ أن هذا العلم درسه في جملة ما درس. نقول له ولكنك لم تكن ذا استعداد وقابلية للانتفاع به. فيرد علينا بأنه على استعداد وقابلية لأنه ذكي وسريع الفهم. فنضطرب حينئذ إلى السكوت والصبر. ومثل الأستاذ كثيرون يريدون أن يلزموا أولادهم بالتحصيل. ويكونون ضعيفي الميل والرغبة فلا يعتمون أن تمضي أعمارهم سبهللا. ويكون من جهة ثانية قد فات الوقت الذي يمكنهم فيه التدرب على الكسب وتوفير الثروة فيقضون حياتهم في البطالة والخمول وضيق ذات اليد. ولو فطن أولياؤهم لحالهم من أول الأمر لربأوا بهم عن مثل هذا الموقف. وتخطوا بهم ما لا يطيقون من العلم إلى ما يطيقون من العمل. وأعانوا على الانتفاع بميولهم الخاصة. واستثمار مواهبهم الفطرية. وأكثر ما يكون هذا الإغفال في بيوت العلم القديمة فإن الآباء فيها يحرصون على تنشئة بنيهم في العلم. وتعويدهم التحصيل منذ الطفولة. ويلزمونهم إياه بكل وسيلة. ولا يكون في كثير منهم ميل إليه. واستعداد له. فيقضون أعمارهم فيه. من غير أن يكون لهم نصيب منه. سوى القيافة الخاصة. عمامة وطيلسان. وجبة واسعة الأردان. وهناك سبب آخر يحمل الآخرين على الاشتغال بطلب العمر من دون أن تتوفر فيهم القابلية له فلا ينالون حظاً منه: أولئك يريدون الفرار من الخدمة العسكرية وتضيق ذات يدهم في الغالب عن البدل النقدي فيشتغلون في التحصيل لهذا الغرض. وقد ينبع بين هؤلاء أفراد يصبحون فخراً لقومهم. ونبراس هدى في وطنهم. أما الآخرون وهم معظم الطلاب فيحذقون من العلم القدر الذي ينجيهم من الخدمة العسكرية ثم لا يلبثون أن يستغلوا عنه فينسوه رويداً رويدا. ويكونون إلى سن صعب معها مزاولة عمل أو صناعة فيعيشون كلاً على أهليهم. يرمقون الرزق ترميقاً. ولو أنصف هؤلاء أن فسهم لما اشتغل بتحصيل العلم منهم إلا من أوتي نصيباً من ميل واستعداد للطلب. ورزقاً بكيفية مؤونة الحاجة. وإلا فخير للمرء منهم أن يتعاطى عملاً يرفه به عيشه. وينقذه من عار البطالة. ويمكنه من أداء البدل العسكري. أو أنه يقوم بهذه الوظيفة المقدسة. فإنها من أشرف الأعمال لاسيما في وقتنا هذا. وقد أصبحت الحكومة دستورية. والجندي فيها مرفه في معيشته. موفر الحرمة في أداء خدمته. ولو بلغ طلاب العلوم الإسلامية في إحدى المدن مائة طالب مثلاً لكان منهم عشرة يشغلون المناصب الدينية: مثل مفتي. وموظف محكمة. وكاتب صكوك. وعشرة آخرون أغنياء عن الكسب بغنى والديهم. وعشرة سواهم أقدموا على الكسب بقوة من أرادتهم وهمة من نفوسهم. أما السبعون الباقون فيغذون ويروحون في قومهم على غير الحالة اللائقة بحرمة العلم وكرامة أهله وقد تقود البطالة بعض هؤلاء إلى انتياب أماكن اللهو. وينزل الحال بآخرين إلى تناول الصدقات. والسقوط على طعام الأموات. وإنا لنود أن يكثر هذا العنصر فينا معشر المسلمين: عنصر الدين ولكنا نود لهم قبل كل شيء أن يكونوا موضع احترام العامة وإجلال الخاصة ليكون ذلك أدعى للانتفاع بهم. والتلقي عنهم. وأن يكون لهم من خزينة الأوقاف ومال الأمة رواتب تساعدهم على أداء وظائفهم. والظهور في مظهر التجمل بين أبناء قومهم. ثم يكون وراء ذلك من قبل الحكومة أو من قبل الرأي العام عيون تراقبهم. وتناقشهم لحساب أعمالهم. حتى إذا اقترف أحدهم ما لا يلاءم الآداب صنفه. وكرامة دينه. أكره على التجرد من زيه العلمي. ثم ليختر لنفسه صناعة أخرى أو يبقى متشرداً كما يريد. وإلا فإن ظهور أهل الدين في مظهر يزري بهم ويحط من قدرهم ويدعو إلى النفر منهم وترفع أبناء الخاصة عن الدخول في سلكهم. فلا يعود ينضم إليهم سوى الحثالة. من أهل الجهالة. وذوي البطالة. صحافتنا وصحافتهم يا أمتنا إذا أردت أن يكون لك حول وطول وكلمة عالية مسموعة ومنزلة مهمة عند دولتك وسائر دول الأرض فاقبلي على صحافتك الوطنية إقبال الشعب الأميركي على صحافته. صحافة الولايات المتحدة وصحافتنا يظهر من مطالعة هذا الجدول الذي جمعته بعد بذل الوقت الطويل أن نفادا أصغر ولاية في الولايات المتحدة الأمريكية بعدد سكانها. فهم يبلغون ٤٢٣٣٥ نفساً وعدد جرائدهم ومجلاتهم كما ترى يبلغ ٣٥ جريدة ومجلّة أي أنّه يصيب كل ١٢٠٩ أنفس منهم جريدة واحدة. هذا ما يرد عليهم من جرائد سائر الولايات المتحدة ومجلاتها وولاية الاسكا تجيء فوق نفادا في عدد السكان. دع عنك عدم استبحارها في الحضارة والعمران بداعي إقليمها البارد جدّا ومع تقصيرها بذرائع الرقيّ عن شقيقاتها تقرأ أن لسكانها البالغ عددهم ٦٣٥٩٢ نفساً ٤٥ جريدة ومجلّة أي أنه يصيب كل ١٤١٢ نفساً منهم جريدة وقس على نفادا والاسكا بقية الولايات وقابل بين عدد السكان كل منها وعدد جرائدها ومجلاتها ولاسيما أحطّ مقاطعة في الجمهورية بمعارفها وعلومها وأسباب تقدمها ألا وهي مقاطعة بقايا ذلك الشعب القديم شعب سكان أميركا الأصليين الهنود الذين ما زال أكثرهم عائشا عيشة الهمجية — قابل تجد أن لكل ٢٤٥١ نفساً منهم جريدة فعددهم ٣٩٢٠٦٠ نفساً وعدد جرائدهم ١٦٤ جريدة ومجلّة ثم قابل بين عدد سكان الجمهورية الأمريكية وعدد جرائدها وبين عدد سكان البلاد العثمانية وجرائدها وتأمّل في الفرق واعتبر وانج باللائمة على مسببّي تأخرنا وتقهقرنا صحافتنا لا أعلم وأنا سحيق الدار كم هو عدد صحافة ولاية سوريا. إلا أنني لا أخالها تتجاوز عدد الأصابع فقد اتصل بي أن غير جريدة منها دبت فيها الحياة ردحا من الزمن لمدعو بزمن الدستور ثم تمارضت أو مرضت ومضت لملاقاة ربها وأنه لم يبق غير المقتبسين والعصر الجديد والراوي وحط بالخرج في دمشق والإخاء في حماة وحمص في حمص واثنتان أو ثلاث لم أقف على أسمائها في أعظم مدن العربيّة في القرن العشرين الذي اتصلت فيه بلاد العالم بعضها ببعض اتصال شرايين الجسم واختلطت شعوبها اختلاط الحابل بالنابل — في القرن العشرين الذي قويت فيه شوكة العلم — في القرن الذي كثرت فيه الثّورات والنهضات وظهرت الاختراعات والاكتشافات ألا يوجد في أعظم مدينة في البلاد العربيّة — في مدينة من أعرق مدن الدنيا بقدمها — في بقعة من أفضل بقاع المعمورة بأرضها وسمائها وإقليمها وخيراتها — في دمشق أكثر من خمس أو ست جرائد تستحق أن تسمّى جرائد؟ كثرة قرّائهم وقلّة قرّائنا عدد سكان ولاية نفادا في أمريكا يقل عن سكان صالحيّة الشام على ما أرجح ولا يزيد كثيرا عن سكان حي نصارى دمشق ولأولئك ٣٥ جريدة وللدمشقيين البالغين ثلاثمائة ألف نفس ونيف خمس أو ست جرائد أو لكل ستين ألفا منهم جريدة وقراء الصحف منهم لا يزيدون عن خمسة بالألف على ما أقدّر وأظن أن تقديري هذا في محله. فالطامة الكبرى ليست فقط بقلة جرائد دمشق بل بقلّة عدد مشتركيها. فلجريدة حقيرة في الجمهورية الأمريكية العظمى مشتركون وقارئون أكثر من أكبر وأقدر وأشهر جريدة في دمشق مكانة المقتبس من جريدة أميركية كبرى تطبع ستين ألف نسخة يوميّا هذا المقتبس على شهرته الواسعة ومقدرة صاحبه المشهورة بين الناطقين بالضاد في مشرق الأرض ومغربها وبين الكثيرين من الأميركيين في غربي الولايات يقال أنه لا يطبع يوميا أكثر من ثلاثة آلاف نسخة يوزع منها ألفيني وخمسمائة نسخة على المشتركين والقارئين وخمسمائة نسخة على رصفائه ومكاتبيه في الجهات في حين أن مكانة المقتبس المعنوية لا تنقص مكانة عن مكانة صحيفة أميركية كبرى تطبع يوميا ستين ألف نسخة كبيرة. مقابلة وانتقاد في عاصمة نبراسكا البالغ عدد سكانها ٦٥ ألفا عدة جرائد ومجلات ناجحة منها جريدتان عظيمتان سبق ذكرهما تشغل كل منهما بناية عظيمة ومعدل ما تبعه إحداهما يوميا خمسون ألف نسخة وما تطبعه الأخرى أربعون ألف نسخة وبكل حريّة أقول معنويات تينك الجريدتين الخطيرتين لا تفوق معنويات المقتبس وإنما تفوق بما لا يقاس بكثرة القارئين والمشتركين وتعدد الصفحات وكبر الحجم وبشيء معنوي هو أنك تقرأ عنوانا لكل كتابة أو خبر في تينك الجريدتين تفهم منه ما يرمي إليه الكاتب قبل أن تطالع الكتابة أو المقالة أو الرسالة وترى الصور الكثيرة المهمة في كل عدد منهما كل يوم ولاسيما عدد الأحد الكبير البالغ أربعا وعشرين صفحة كبيرة تقرأ فيه مقالات مشاهير وشهيرات الكُتّاب والكاتبات في أوروبا وأميركا. وأما المقتبس فإنك لا تستطيع أن تفهم الكثير من مقالاته ورسائله وأخباره إلا بعد أن تقرأ الكتابة كلها وإذا كانت طويلة فنضطر أحيانا إلى قراءة العمود أو العمودين أو الثلاثة الأعمدة منه لتلم أو لتقف على مغزاه ومرماه ومن حين صدور أول عدد منه إلى يومنا هذا لم أر ولم ير غيري صورة فيه قطعيّاً. فإذا كان الداعي إلى ذلك هو قلّة واردات المقتبس الماديّة فيعذر وإذا كان الداعي هو أن الدين الإسلامي ينهي عن نشر الصور فهل لصاحب المقتبس أو لغيره من أئمّة الدين أن ينشروا بياناً شافياً بهذا الباب لعلنا نعذر ونقنع. إن الدين الإسلامي الكريم كتبت شرائعه ونشرت في زمان هو غير زمان القرن العشرين وما انطبق على ذلك الزمان لا ينطبق على هذا الزمان ولكل عصر حاجات لا توافق حاجات العصور التي سبقته وإذا كانت الصور من بقايا آثار الوثنية التي كانت في أوج مجدها وعزها في أول عهد ظهور الإسلام فعلم القرن العشرين قد محا تلك الآثار أو كاد وصار يفهم العالم والجاهل اليوم إن الغرض من نشر الصور هو للإفادة التي تتقاضاها اليوم حاجة عصر النور ولا للعبادة التي كانت تتقاضاها حاجة عصر الظلمة في القرون المتوسطة. صحف العرب في أميركا قراء الصحف العربية في ولايات الاتحاد معدودون ومحدودون فعدد الناطقين بلغة قريش فيها لا ينقصون عن مئة وخمسين ألف نفس ومع ذلك ترى صحافتهم أكثر عددا وأكبر حجما وأحسن تبويبا وأنظف ورقا من صحافة ولاية سورية بل أرق بمادياتها. وشاهدي أو دليلي على ذلك هو جريدة الهدى اليومية الصادرة في نيويورك فإنها مع كونها في بلاد غريبة نائية عن مواطن اللغة العربية فهي تطبع نحو خمسة آلاف نسخة كل يوم ذات ثماني صفحات كبيرة حافلة بالمقالات المحبرة والأخبار المهمة ومزينة بالرسوم الرامية إلى أغراض نافعة وإذا حققت وجدت أن ما تطبعه الهدى وحدها كل صباح لا يقل عما تطبعه جرائد ولاية سورية مجموعة. لرم وعتاب  لا أُريد أني أُنسب إلى أني أحرق الأُرّم وأُؤرث نيران المناظرة لغاية أو نكاية بين المستصغرين منزلة المهاجرين من المتخلفين والنابين عن حياض المهاجرين فلهؤلاء مكانة سامية أبدعها جدهم وكدهم ولأولئك بتعريضهم عيون لا تبصر وأجسام لا تشعر وأغراض كلها أمراض وإنما ألوم بل أعتب على ولاية رجالها ونساؤها وأولادها لا يقل عددهم عن مليون نفس هم عرب في عرب — على ولاية شرقها وجنوبها وشمالها وسماؤها وأرضها وأطوارها ووهادها وسهولها وهضابها وأشجارها وأثمارها وأنهارها عمرت بالعرب وتخص العرب وليس لهم أو لها على الأقل جريدة تطبع ما تطبعه جريدة عربية في ديار أعجمية. كيف يأتي الإصلاح الإصلاح جاء ويجيء وسيجيء من طريقين إما من طريق الحكومة وإما من طريق الشعب ومثال الأول جمهورية يابان ومثال الثاني الجمهورية الفرنسية والجمهورية الأميركية والانقلاب العثماني لم يأت من طريق الحكومة ولا من طريق الشعب من حيث مجموعه بل من طريق الجيش. أما والحكومة العثمانية منصرفة قواها جملة إلى حل مسائلها ومشاكلها وقد بدا حتى الآن أنها لا تكترث أو لا تريد أن تكترث بالعربية حييت أم ماتت فقد تحتم على أبنائها أنو يعلوا منارها ويحموا ذمارها ويحملوا لواءها وهذا لا يكون بالاحتفاظ فقط ببقايا تلك الكتب العتيقة الباحثة في مذاهب سيبويه ونفطويه وإضرابهما مثلا بل يكون في نشر الصحافة الحرة بكثرة في المدائن وفي القصبات وفي المديريات وفي الضواحي والنواحي فالصحافة الحرة الصادقة بلا مدافع أكبر كلية للدولة وأكبر مدرسة للأمة وأكبر جامعة للثورات الأدبية المحطمة قيود الجهل والظلم وللنهضات الجالبة رفعة القدر ووفرة الفخر ويقاس رقي الأمم برقي صحافتها فكل أمة لها صحافة راقية لها منزلة راقية في السياسة والاجتماع والآداب والعمران والعرفان صحافة هذا الدور هي غيرها في الماضي لم تكن الصحافة موجودة بعرفي في دور نيرون القرن العشرين. فتلك التي كان العبيد المستعبدون يدعونها صحافة لم يكن أكثرها إلا وريقات أو نشرات لنشر آيات التقديس والتدليس والتدنيس بل لإذاعة المين كل المين والتمويه كل التمويه والتجهيل كل التجهيل والتضليل كل التضليل وكان الاستذلال والاستعباد يقضيان بدفن الحقائق واستحياء المخارق. أما وقد أدت إلى الشعب بعض حقوقه المعطاة له من الله فمن الغضاضة على الصحافة أن تستر العيوب والعورات وكل صحافة لا تدل الدولة والأمة على حسناتهما وسيئاتهما لبك ما في كلمة الحرية من معنى الحرية لا تدعى صحافة ولا يرجى لأمتها وحكومتها صلاح وإصلاح. الذنب ذنب الشعب نعم إن مضمار الانتقاد أوسع في أميركا منه في الدولة العلية بداعي تقييد الصحافة العثمانية وإطلاق حرية أميركا غير أن الذنب على الشعب. فشعب أميركا مطالب وناهض وقائم والشعب العثماني قاعد وجامد ونائم. النواب هم الذين قيدوا حرية الصحافة وهم ضيقوا الخناق عليها والشعب هو الذي انتخب أولئك النواب وأرسلهم إلى عاصمته وهو الذي يدفع مرتباتهم ونفقاتهم فالشعب هو سيد النواب والنواب خدامه ولم أسمع ولم يسمع غيري أن ٢٥٠ خادما يستطيعون أن يستبدوا بثلاثين مليون (سيد) فيا أيها الشعب مر نوابك بتعديل قانون صحافتك واحملهم على تلبية أمرك فإن لبوه كان ما تريد وإلا فاقلب لهم ظهر المجن في الانتخاب المقبل وانتخب الأصلح فالأصلح حتى تبلغ ضالتك وتعمل عمل البلاد الشعبية. فهل من سامع أو مجيب لهذا الصوت الضعيف. (المقتبس) إن أعظم عائق يحول بيننا في هذه المجلة وفي جريدة المقتبس وبين وضع الصور القليلة اللازمة في بادئ الأمر هو عدم اضطلاعنا بهذا الأمر وعدم وجود مصور ماهر هنا يحسن حفظ صور على المناحي المطلوبة. والإسلام لا يمنع من التصوير إلا المجسم والمنع تحت شروط أيضا. ثم إن قلة روج بضاعة العلم والأدب من أكبر الدواعي في تخلف صحافتنا العلمية والسياسية كما قال صديقنا صاحب المقالة فمجلة المقتبس على شهرتها لا تطبع سوى ألف نسخة في الشهر وجريدة المقتبس على سعة انتشارها لا تبيع أكثر من ألفي نسخة في اليوم فمن لنا يوم تطبع فيه صحفنا عشرة آلاف فقط لنقلد الصحافة الغربية حذو القذة بالقذة ومكانة الجرائد بمكانة قرائها والمحيط العامل الأعظم في رقيها. عمران الكرك لم تكن الحال في حوران تستقر على ما يجب بعد أن أدبت الجملة العسكرية أشقياء الدروز في جبل حوران حتى أرادت الحكومة أن تحصي عدد سكان لواء الكرك كما أحصت عدد سكان لواء حوران فنشز السكان وانتقضوا على الحكومة وصادف أن قطعت مرتبات بدو بني صخر والخرشان وغيرهم ممن كانوا يتقاضون أنعاما من السلطنة منذ القديم لحراسة الطرق فتكونت هذه الأسباب وقام البدو الذين حرموا من رواتبهم وهي أربعة آلاف ليرة في السنة وسطوا على بعض المحطات من السكة الحديدية الحجازية واقعة على طولا زهاء مائتي كيلومتر في أراضي اللواء وخربوا بعض القضبان الحديدية ونهبوا أحد القطارات التي كانت قادمة من المدينة وسلبوا ما كان مع ركابها من مال ومتاع مما لا يقل ثمنه عم عشرين ألف ليرة وقتلوا وجرحوا بعض موظفي الخط الحديدي وكان ذلك على بضع ساعات من مركز لواء الكرك وقام الكركيون باديهم وحاضرهم وأطالوا يد الاعتداء على التجار والموظفين والحامية ولو لم يلجأ الموظفون إلى قلعة الكرك الحصينة وبقوا فيها عشرة أيام ريثما وافاهم المدد لقضت الثورة عليهم ولا يعلم إلى الآن عدد من هلك في الفتنة من التجار والضباط والموظفين والجند ممكن كانوا يتجولون في الأرباض لإتمام أعمالهم وقد حرقت نيران الفتنة الأماكن الأميرية كلها ونهبت نقود الخزينة ونقود إدارة حصر الدخان ونهبت دور الموظفين واحرق قسم منها وخرب قسم عظيم من المدينة بإطلاق القلعة المدافع عليها وقطع العصاة الأسلاك البرقية وهاموا على وجوههم في البراري والجنود بتأثرونهم الآن في السهل والوعر. وقد نوى أهالي الطفيلة وأهالي معان القيام بمثل هذه الفظائع في الوقت الذي قام فيه الكركيون بثورتهم ولم يؤثر عنهم شيء مضر. وإذا كان النزاع الآن قائما في ذلك الصقع بين الحكومة والسكان وبعبارة أخرى بين المدينة والهمجية رأينا أن نلم بعمرانه وتاريخه وجغرافيته واقتصاده واستعداده للارتقاء فنقول نقلا عن مصادر عربية وإفرنجية وتركية كثيرة: يمتد هذا اللواء من وراء قصر الزرقاء في الحد الجنوبيّ من لواء حوران إلى مدائن صالح جنوبا وهي مسافة يقطعها راكب المطايا في العادة في نحو خمسة عشر يوماً أما عرضه فمن الغرب نهر الأردن (الشريعة) وبحيرة لوط (البحيرة المنتنة أو البحر الميت) ووادي العاربة والوجه والعقبة الفاصلة بينه وبين فلسطين إلى بادية الشام شرقاً فالجوف فنجد وهذه المسافة لا تقل عن خمسة أيام وهي تبلغ أكثر إذا تجاوزنا البادية إلى وادي السرحان في الشرق. وأرضه سهلية جبلية وجباله لا ترتفع كثيرا عن سطح البحر وتدعى بأسماء البلاد التي بقربها الآن وأشهر أنهار اللواء وادي الزرقاء ينبع من رأس عمان قال ياقوت: الزرقاء موضع بالشام بناحية عمان وهو نهر عظيم في شعار ودحال كثيرة وهي أرض شبيب التبعي الحميري وفيه سباع كثيرة مذكورة بالضراوة وهو نهر يصب في الغور. ووادي الصلت وهو ينبجس من قصبة الصلت ووادي السير ينبعث من قرية وادي السير ووادي حسبان ينبض من محل اسمه حسبان ونهر زرقا معين ووادي الوالا ينبع بالقرب من أم الرصاص وينضم إليه وادي الموجب وهذا الوادي يتألف من اللجون الواقع في منتصف الطريق بين القطرانة والكرك وجميع هذه الأودية أو الأنهار تصب في نهر الأردن أو الشريعة ومن أنهار هذه البلاد وادي الكرك ينبع في قصبة الكرك ويصب في بحيرة لوط ووادي الحسا تجتمع إليه مياه الشراة ومياه وادي موسى وينابيع شتى فيصب في بحيرة لوط. وهذه الأنهار تفيض كعادة معظم الأنهار شتاءً بما ينهال إليها من السيول وتجف قليلا في الصيف. ومن الأنهار مالا يجري إلا في الشتاء مثل نهر الثمد ولا ينتفع بهذه المياه في السقيا حتى إن نهر الزرقاء الذي يعد من الأنهار المتوسطة لا يسقي أكثر الأراضي التي حفافيه بل هي تشرب بماء المطر وكذلك حال أراضي البلاد كلها ماخلا بعض الحدائق القليلة في وادي موسى والصلت. ووادي الموجب ووادي الحسا من أعمق أودية سورية قد ينزل الراكب من ذروتهما إلى قرارتهما في ساعة ونصف ويصعد إليهما في أكثر من ذلك. وفي هذا اللواء مناجم كثيرة فبالقرب من زرقا معين على ساعتين من مادبا جبال ملونة ففيها جبل أصفر وآخر أحمر وبالقرب من بحيرة لوط وحمة عفرة من أعمال الطفيلة معادن الكبريت والقصدير والبترول والنحاس. وزرقا معين هذه من الحمامات البخارية أشبه بحمام أبي رباح بالقرب من تدمر. وهي ثلاث حمامات يستحم المستحمون ببخارها ولا يجسر أحد أن يمد يده إليها. ويقصدها سياح الإفرنج كما يقصدون حمة عفرة من بحيرة لوط حتى إذا بلغوا شاطئها يركبون على الدواب ثلاث ساعات. وتقل الحراج في هذا اللواء وأهمها ما كان بالقرب من بلدة الصلت وفي أرض بني حميدة وهي تبعد عن قصبة الكرك خمس ساعات ويمتد هذا الحرج من الزرقاء قرب معين إلى وادي بني حماد وطوله نحو عشر ساعات وفي قضاء الطفيلة حراج واسعة يمشي الإنسان بظل لزابها وسنديانها طويلاً ولاسيما فيس جنوبه قرب قرية ضانا. وأكثر الأشجار المثمرة في اللواء التين والعنبي والزيتون وأكثره في الصلت والطفيلة والكرك والعراق وخنزيرة. وأهم الحبوب التي يستنبطونها الحنطة والشعير والذرة والعدس والحمص يصدرونها إلى فلسطين وإلى دمشق وتباع بعشرات الألوف من الليرات وقبل أن تخترق السكة الحجازية هذا اللواء كانت صادرات بلاد الكرك تباع في فلسطين أو تبقى في أراضيها لبعد المسافة بينها وبين دمشق وأقربها لا يقل عن خمسة أيام على الجمال. ومعظم سكان هذا اللواء بادية رحالة ولا تجد ساكنين في لبيوت إلا في الكرك والصلت والشوبك ومعان والطفيلة وعيمة وصتفحة وبصيرة وضانا وخنزيرة والعراق وكثرربة ومادبا وأم الرمان وعمان والفحيص ووادي السير وناعور وعين صويلح ورصيفة وياجوز وعيون الحمر ويادودة ولبن وأم العمد وزيزاء. ويخمن الناس نفوس الأهالي بمئة وخمسين ألفاً نحو خمسهم حضر والباقي بادية ينزلون في بيوت شعر عشائر وقبائل وأفخاذاً ولكل عشيرة موقع خربة يتخذون من الآبار أنابير يخزنون فيها حبوبهم وهم ينتجعون الكلأ. وفي قضاء اللواء أي الكرك ثلاثون ألف ساكن منهم أربعمائة بيت مسيحيون والباقي مسلمون وفي قصبة الصلت عشرة آلاف منهم ألفانامن المسيحيين وليس بين العرب الرحالة أناس من المسيحيين وأهل مادبا كلهم مسيحيون. قال القرماني في (معان) أنها مدينة صغيرة تقع على طريق الركب الشامي وهي على عشر مراحل من دمشق كان غالب ألها نصارى. والآن ليس فيها أحد منهم ولقد نظمت الحكومة إدارة هذه البلاد سنة ١٣١٠ على الحساب الهجري وكانت حكومتها من قبل بيد المشايخ والزعماء فجعلت الكرك مركز اللواء وسمت سائر اللواء باسمه وقسمته إلى أربعة أقضية وهي قضاء المركز وقضاء الصلت وقضاء الطفيلة وقضاء معان وإلى سبع نواح وهي عمان وديبان ومادبا وزيزاء (جيزة) وتبوك وخنزيرة والشوبك. وديبان هي شمالي ضفة أرنون (الموجب) على نحو ٤ أميال من مصبه في بحيرة لوط و ١٦ ميلا شمالي الكرك وهي المعروفة في الكتب المقدسة باسم ديبون وأديمون وكانت إحدى منازل بني إسرائيل واشتهرت ديبان بالحجر الموآبي الذي وجد فيها سنة ١٨٦٨ وهو حجر أسود طوله أكثر من ثلاثة أقدام عرضه نحو قدمين وسمكه نحو قدم وفيه ٣٤ سطراً من الكتابة الفينيقية العبرانية قرئت كلها وهي من ميشع بن خموسا ملك موآب ملخصها أنه بنى هذا المقدس لكموش لأنه خلصه معتد وجعله ينظر بازدراء إلى أعدائه كلهم قال قد ضايق ملك إسرائيل موآب أياماً عديدة. ملك أرض ميدبا وسكن هناك هو وابنه ٤٠ سنة اهلكه كموش على عهدي حينئذ بنيت بعل معون ورممت قريتايم. بنى ملك إسرائيل عطاروت فهاجمت المدينة وأخذتها وقتلت كل سكانها قال لي كموش اذهب خذ كموش من إسرائيل فذهبت وحاربتها من الفجر إلى نصف النهار فأخذتها وقتلت سبعة آلاف رجل وجررت آنية يهوه على الأرض أمام كموش وأقام ملك إسرائيل مدة حربه معي في ياهط فطرده كموش من أمامي. أنا هو الذي بنى عر وعير (عراعر) وعمل طريق أرنون أنا هو الذي بنى بيت باموت التي أُخربت أنا هو الذي بنى نبوسوروديبون وبيت دبلتايم وبيت بعل معون وقال لي انزل وحارب حور ونايم وخذها أه. أما مدينة ميدبا ويقال لها الآن مادبا فقد تعاقبت عليها بنو إسرائيل وموآب وعمون مراراً وهي على مسافة ٦ أميال من حشبون بين الشرق والجنوب الشرقي و ١٤ ميلا شرقي بحر لوط وكانت في القرون الأولى مركزا مهما للدين المسيحي ومن آثارها الآن كنيسة قديمة قيل هي من القرن الخامس وقد وجدت بها سنة ١٨٩٧ خارطة الأرض المقدسة مرسومة بالفسيفساء رسماً متقناً يظهر فيه نهر الأردن وكثير من المدن الرئيسية وكانت مادبا في الأصل مدينة ويؤخذ من الكتابة التي أُثرت من الملك ميزا من القرن الحادي عشر ق م أنها أعيدت إلى الموآبيين لتصير بعد ذلك تحت حكم النبطيين أي العرب وكانت على عهد المكابيين قلعة مهمة استولى عليها هيركان وأصبحت على عهد الرومان جزءا من العربية الصخرية. والخارطة تنزل في خريطة الروم هناك. وعمان كما قال القرماني مدينة قديمة خربت قبل الإسلام ولها ذكر في تاريخ الإسرائيليين وهي رسم كبير ويمر بجنبها نهر الزرقاء الذي على طريق الحاج الشامي وهي من أعمال البلقاء وهي من بناء لوط. وأخصب أرض في هذا اللواء هي أرض البلقاء وهي واقعة بين الأردن والبرية ووادي الموجب والزرقاء وتمتد من الصلت إلى مادبا على مسيرة تسع ساعات وهي تزرع في الجملة قال القرماني: البلقاء كورة بين الشام ووادي القرى بها قرية الجبارين ومدينة الشراة وبها الرقيم المذكور في القرآن فيما زعم بعضهم وفيها مدن عظيمة وقرى كثيرة إلا أنها دثرت وخربت فليس فيها ديار ولا نافخ نار. والقرماني كتب في القرن الحادي عشر وأرض الصلت وهي عبارة عن مركزه وناحيتي عمان ومادبا هي كما قال القرماني بلدة هي من أعمال الأردن بها قلعة يسكنها من يحفظها من قبل ملوك العثمانية وينبع من تحت قلعتها عيون كثيرة وتدخل البلد وبها بساتين كثيرة يجلب منها حب الرمان إلى البلاد. ومن أراضي اللواء البائرة الجيدة التربة الشاغرة أرض الشراة المشهورة قديماً وهي تمتد من حصن الشوبك إلى وادي موسى وفيها كلها مياه غزيرة وهي ذات تربة حسنة وكلها خراب اليوم. والشوبك على ١٩ ساعة عن الكرك كما أن وادي موسى على ٢٥ ساعة عن الكرك. ولهذه البلاد تاريخ مجيد قبل الإسلام وبعده ويكفي أن من أعمالها وادي موسى — على ٦٤ ميلا من جنوبي الكرك و ٥٤ ميلا عن الجنوب الشرقي من بحيرة لوط — المعروف عند الإفرنج ببترا أي العربية الصخرية أو سلع ومن أعمالها بلاد مآب (موآب) المشهورة في تاريخ النصرانية والظاهر أن سلع هي غير بترا وليست مرادفة لها ولا يعرف اليوم اسم بترا الأصليّ ولا تاريخها كما ينبغي ويظهر من النواويس القديمة فيها أن تاريخها يرد إلى القرن السادس ق. م ولم يجر ذكر للنبطيين أي العرب الذين استولوا على البلاد بعد الأدوميين إلا في سنة ٣١٢ ق. م أي أيام أرسل الملك أنتيغونس قائده أتني ثم جاء القائد ديمتربوس ليستولي على بترا عاصمة البلاد فأخفق القائدان في فتحها وكانت المدينة في الغالب صغيرة وهي حيث وجدت النواويس القديمة ومعظمها على أكمة هناك لا تمتد إلى الوادي. حازت هذه المدينة مكانة كبرى لحصانتها ومناعتها أمام غارات سكان البادية فكانت مخزن القوافل النبطية لوقوعها على طريق على طريق البحر الأحمر أي القلزم ومصر وغزة ودمشق وتدمر. وأول أمير نبطي ذكره التاريخ اسمه ارتياس الأول. وامتد سلطان النبط على عهد المكابيين الأولين إلى شرقي الأردن ولما ضعفت دولة البلاطة والسلوقيين عاد النبط فقوي سلطانهم بسرعة في القرن الثاني قبل الميلاد. وكانت حدود هذه الملكة على عهد ارتياس الثالث نحو سنة ٨٥ تمتد إلى دمشق ولقب ملكها إذ ذاك عجب اليونان ويستدل على أن المدينة اليونانية كانت قد استحكمت أواصرها في أرض النبط من المصانع والنواويس التي عثرت عليها وهي تنم بأجلى بيان عن مدينة يونان وفي أيام هذا الملك حدث المصاف الأول بينه وبين الرومان فاضطر أرتياس أن يؤدي الجزية إليهم. واضطر النبطيون على عهد الإمبراطور بومبي وأخلافه أن يقدموا منهم الحين بعد الآخر جنوداً مساعدين للرومانيين ولكن ظلت مملكتهم حرة قوية وانضمت على عهد أرتياس الرابع إلى مملكة دمشق. وفي سنة ١٠٦ للميلاد جعلت بترا وأعمالها كلها أي العربية الصخرية ولاية رومانية وقد أنشأ الإمبراطور تراجان طريقا عظيما وصل فيه بين سورية والبحر الأحمر. وبعد ذلك انقسمت هذه الولاية. وفي نحو ٣٥٨ اصبحت بترا ولاية مستقلة برأسها تحت اسم مملكة فلسطين أو فلسطين المسالمة. وإن المصانع والعاديات الرومانية التي لم تبرح محفوظة إلى اليوم لتدل بأن بترا كانت على عهد الحكم الروماني قد بلغت شوطا عاليا من العظمة والارتقاء ولم تبدأ بالسقوط عن مكانتها إلا في نحو منتصف القرن الثالث للمسيح لارتقاء مملكة فارس ومملكة تدمر اللتين نازعتاها في التجارة بل لان الفرس وفقوا إلى تحويل التجارة عن مصارفها القديمة إلى أصقاع الفرات والخليج الفارسي. ولما فتح العرب هذه البلاد كان قد محي اسم بترا أو كاد. وزعم الصليبيون لما جاؤوا سورية فاتحين أن جبل هارون على مقربة من بترا هو جبل طورسينا فأنشأوا فيها قصرا فخما في ذروته المقدسة ومنذ ذال العهد سقطت المدينة في تيه العدم إلى أن كان القرن التاسع عشر وقد اكتشف سياح الإفرنج ما فيها من العاديات وفيها ٧٥٠ ناووسا مهما وهي أهم تلك المصانع ومن العاديات هنا ما يعد من أغرب ما صنع خزانة فرعون وهي هيكل علوّه ٨٥ قدماً وأسفله دار مربعة قطرها ٣٦ قدم وعلوها ٢٥ . وقال مؤرخو الفرنجة أن معنى سلع في اللغة العبرانية صخر فدعا اليونان والرومان هذه البلاد بترا أي صخراً ودعاها العرب الحجر وقالوا أنها مدينة ثمود وأن الفرجة الصخرية الواقعة فيها المدينة هي صدع الصخرة الذي خرجت منه ناقة صالح. والحقيقة أن سلع بفتح السين وكسرها والجمع السلوع اسم عربي ومعناه الشقوق في الجبال قال أبو زياد الأسلاع طرق في الجبال يسمى الواحد منها سلعاً وهو أن يصعد الإنسان فقي الشعب وهو بين الجبلين يبلغ أعلى الوادي ثم يمضي فيسند في الجبل حتى يطلع فيشرف على واد آخر يفصل بينهما هذا المسند الذي سند فيه ثم ينحدر حينئذٍ في الوادي الآخر حتى يخرج من الجبل منحدرا في فضاء الأرض فذاك الرأس الذي أشرف من الواديين السلع ولا يعلوه إلا راجل. قال ياقوت: وسلع حصن بوادي موسى بقرب بيت المقدس وبهذا لا يصح أن يطلع سلع على وادي موسى بأجمعه كما توهمك بعضهم. والحجر كما قال ياقوت. اسم ديار ثمود بوادي القرى بين المدينة والشام قال الاصطخري: الحجر قرية صغيرة قليلة السكان وهو بوادي القرى على يوم بين جبال وبها كانت منازل ثمود. قال تعالى (وتنحتون من الجبال بيوتاً فارهين) قال ورأيتها بيوتاً مثل بيوتنا في أضعاف جبال وتسمى تلك الجبال الأثالث وهي جبال إذا رآها الرائي ظنها متصلة فإذا توسطها رآها كل قطعة منها منفردة بنفسها يطوف بكل قطعة منها الطائف وحواليها الرمل لا يكاد يرتقي كل قطعة منها قائمة بنفسها لا يصعدها أحد إلا بمشقة شديدة وبها بئر ثمود التي قال الله فيها وفي الناقة لها شرب ولكم شرب يوم معلوم قال جميل: أقول لداعي الحب والحجر بيننا ووادي القرى لبيك لما دعانيا فما أحدث النأي المفرق بيننا سلواً ولا أطول اجتماع تقاليا أما بلاد موآب أو مآب فهي جزء من العربية السعيدة أو الصخرية بين بحيرة لوط فيما وراء عبر الأردن والبادية على ضفتي نهر أرنون وكانت عاصمة الموآبيين قلعة رباط موآب. والموآبيين هم أبناء لوط لا يعلم من تاريخهم إلا أنهم كانوا أولي بأس شديد يخاف اليهود عاديتهم لغزوهم إياهم الحين بعد الآخر واستولى الموآبيون على الإسرائيليين ثماني عشرة سنة ( ١٣٣٢ ـــ ١٣١٤ ) على عهد حكومة القضاة وقد غلب شارول (جالوت) الموآبيين وخضعوا لسلطان داود مؤقتاً ثم استعبدهم الفرس فالمصريون فالسوريون فالاسكندر فالرومانيون وعلى عهد العرب امتزجوا بهم وفنوا فيهم كما فنيت شعوب كثيرة في الفاتحين مع الزمن وآثروا الانضمام إليهم بسائق الدين والمصلحة الدنيوية. أما مدينة الكرك فكانت هي عاصمة الموآبيين على ما يقول بعض الجغرافيين وكان اسمها كرك موآب. وكان مقام الموآبيين جنوبي أرنون وامتدوا جنوبا إلى أدوم وهم من نسل لوط اتحدوا على إخوتهم بني عمون وطردوا الرفائيين وسكنوا مكانهم حاربهم شاول وانتصر بهم بحسب رواية التوراة وعند ملك موآب أودع داود ولديه من وجه شاول وقيل أن ملك موآب قتلهما فقتل داود منهم ثلاثين ألفا ووضع الباقين تحت الجزية وقد ساعدوا بخننصر في حصار أورشليم واسترجعوا بعد السبي أملاكهم القديمة. وعدّ ياقوت بلاد مآب مدينة واحدة فقال وهي على طرف الشام من نواحي البلقاء قال أحمد بن محمد بن جابر توّجه أبو عبيدة بن الجراح في خلافة أبي بكر في سنة ١٣ بعد فتح بصرى بالشام إلى مآب من أرض البلقاء وبها جمع العدد فافتتحها على مثل صلح بصرى وقيل أن فتح مآب قبل فتح بصرى وينسب إليها الخمر قال حاتم طي: سقى الله رب الناس سحاً وديمة جنوب الشراة من مآب إلى زغر بلاد امريء لا يعرف الذم بيته له المشرب الصافي ولا يعرف الكدر وقال عبد الله بن رواحة الأنصاريّ: فلا وأبي مآب لنأتينها وإن كانت بها عرب وروم ولم يقل ياقوت أن الكرك عاصمة بلاد مآب بل قال أنها قلعة حصينة جدا في طرف الشام من نواحي البلقاء في جبالها بين أيلة وبحر القلزم والبيت المقدس وهي على سن جبل عال تحيط به أودية إلا من جهة الربض. وفي المرآة الوضية وإلى جنوبي نهر الزرقاء إلى نهر الموجب البلقاء وشماليها جبل الصلت وليس فيهما موضع مسكون إلا قرية الصلت ومن مواضعها القديمة جلعاد وعمون وهي الآن عمان وحشبون وهي الآن حسبان والعال ونبا وماعين وعراعر وديبان وفي جنوب هذه المقاطعة كانت قديما أرض بني عمون وإلى جنوبي النهر الموجب وهو نهر أرنون أيضا وإلى الإحساء أرض الكرك وهي أرض موآب أو أرض قوم لوط ومن قراها الكرك وهي كير موآب وربة هي رابة موآب وزعراء ويقال أنها صاغر التي هرب إليها لوط لما نجا من سادوم. وقال ياقوت أن البلقاء كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى قصبتها عمان وفيها قرى كثيرة ومزارع واسعة وبجودة حنطتها يضرب المثل ومن البلقاء قرية الجبارين التي أرادها الله تعالى بقوله: إن فيها قوما جبارين والبلقاء مدينة الشراة شراة الشام وهي أرض معروفة ونبس إليها عدد من الرواة والنسبة إليها بلقاوي. وقال أن الشراة صقع بالشام بين دمشق ومدينة الرسول صلى الله عليه وسلم ومن بعض نواحيه القرية المعروفة بالحميمة التي كان يسكنها ولد علي بن عبد الله بن عباس بن عبد المطلب في أيام بني مروان ونبس إليها بعض الشراة والنسبة إليها شروي. وذكر ياقوت أيضا أن عمان بلد في طرف الشام وكانت قصبة أرض البلقاء وروى عن أبي عبد الله محمد بن أحمد البشاري عمان على سيف البادية ذات قرى ومزارع ورستاقها البلقاء وهي معدن الحبوب والأنعام بها عدة أنهار وأرحية يديرها الماء ولها جامع ظريف في طرف السوق مسقف الصحن شبيه مكة وقصر جالوت على جبل يطل عليها وبها قبر أورياء النبي عليه السلام وعليه مسجد وملعب سليمان بن داود عليه السلام وهي رخيصة الأسعار كثيرة الفواكه غير أن أهلها جهال والطريق إليها صعبة قال الأحوض بن محمد الأنصاري: أقول بعمان وهل طربي به إلى أهل سلع أن تشوقت نافع أصاح ألم يحزنك ريح مريضة وبرق تلالا بالعقيقين لامع وأن غريب الدار مما يشوقه نسيم الرياح والبروق اللوامع وكيف اشتياق المرء يبكي صبابة إلى من نأى عن داره وهو طامع وقد كنت أخشى والنوى مطمئنة بنا وبكم من علم ما الله صانع أريد لأنسى ذكرها فيشوقني رفاق إلى أرض الحجاز رواجع وقال الخطيم العكلي اللص يذكر عمان (بفتح العين) أعوذ بربي أن أرى الشام بعدها وعمان ما غنى الحمام وغرد فذاك الذي استنكرت يا أم مالك فأصبحت منه شاحب اللون أسودا وأن لماضي العزم لو تعلمينه وركاب أهوال يخاف بها الردى ونسب إليها بعض الرواة والنسبة عماني. هذا ما قاله صاحب معجم البلدان وفي كلامه على بلاد مآب والبلقان وأي المدائن كانت عاصمة تلك الكورة كلام لا يمكن للمرء أن يجزم بأن البلدة الفلانية كانت قاعدة البلاد والغالب أن الحكومة الإسلامية كانت تنتقل في هذه المدن فتارة في عمان وأخرى في الكرك والمفهوم من النصوص الآنفة الذكر أن تلك البلاد كانت قبيل الإسلام وبعده بقرون عامرة بالسكان وفيها قرى ومزارع كثيرة. وتاريخ هذه البلاد مبعثر جدا قبل الإسلام وبعده وليس لدينا من النصوص التي من الممكن أن يستأنس بها إلا ما رواه ياقوت في معجمه من أسماء قرى كانت في وادي موسى وموآب والبلقاء قال: (مؤتة) قرية من قرى البلقاء في حدود الشام وقيل موتة من مشارف الشام وبها كانت تطبع السيوف وإليها تنسب المشرفية من السيوف قال ابن السكيت في تفسير قول كثير إذا الناس ساموكم من الأمر خطة لها خطة فيها السهام الممثل أبى الله للشم الأنوف كأنهم صوارم يجولها بمؤتة صيقل قال المهلبي مآب وإذرح مدينتنا الشراة على اثني عشر ميلا من إذرح ضيعة تعرف بمؤتة بها قبر جعفر بن أبي طالب بعث النبي صلى الله عليه وسلم إليها جيشاً في سنة ثمان وأمر عليهم زيد بن حارثة مولاه وقال أن أصيب زيد فجعفر بن أبي طالب الأمير وأن أصيب جعفر فعبد الله بن رواحة فساروا حتى إذا كانوا بتخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها مشارف ثم دنا العدوّ وانحاز المسلمون إلى قرية يقال لها موتة فالتقى الناس عندها فلقيتهم الروم في جمع عظيم فقاتل زيد حتى قتل فأخذ الراية جعفر فقاتل حتى قتل فأخذ الراية عبد الله بن روحة فكانت تلك حاله فاجتمع المسلمون إلى خالد بن الوليد فانحاز بهم حتى قدم المدينة فجعل الصبيان يحثون عليهم التراب ويقولون يا فرار فررتم في سبيل الله فقال النبي صلى الله عليه وسلم: ليسوا بفرار لكنهم الكرار إن شاء الله وقال حسان بن ثابت: فلا يعدن الله قتلى تتابعوا بموته منهم ذو الجناحين جعفر وزيد وعبد الله هم خير عصبة تواصوا وأسباب المنية تنظر وقال: (الموجب) بلد بالشام بين المقدس والبلقاء وقال: في (أبنى) بالضم ثم السكون وفتح النون والقصر بوزن حبلى موضع الشام من جهة البلقاء جاء ذكره في قول النبي صلى الله عليه وسلم لأسامة بن زيد حيث أمره بالمسير إلى الشام وشهر الغارة على أبنى وفي كتاب نصر أبنى قرية بمؤتة. وقال: (اذرح) أهم بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحي البلقاء وعمان مجاورة لأرض الحجاز. وبين اذرح والجرباء ثلاثة أيام وقيل ميل واحد (والثاني أصحّ) وأقل لأن الواقف في هذه ينظر هذه (والجرباء) موضع من أعمال معان بالبلقاء من أرض الشام قرب جبل الشراة من ناحية الحجاز وهي قرية من اذرح وبينهما كان أمر الحكمين بين عمرو بن العاص وأبو موسى الأشعري. وقال: (زيزاء) من قرى البلقاء كبيرة يطوءها الحاج ويقام بها لهم سوق وفيها بركة عظيمة واصلة في اللغة المكان المرتفع ولذلك قال ذو الرمة: تحدر عن زيزائه القف وارتقى عن الرمل وانقادت إليه الموارد وقال مليح: تذكرت ليلى يوم أصبحت قافلا بزيزاء والذكرى تشوق وتشغف غداة ترد الدمع عين مريضة بليلى وتارات تفيض وتذرف ومن دون ذكراها التي مطرت لنا بشرقي عمان الشرى والمعرف وأعملت من طود الحجاز جنوده إلى الغور ما اجتاز الفقير ولفلف وقال: (السواد) نواحي قرب البلقاء وسميت بذلك لسواد حجارتها فيما احسب وقال: (شتار) نقب شتار بكسر الشين نقب من جبل من جبال الشراة بين أرض البلقاء والمدينة على شرقي طريق الحاج يفضي إلى أرض واسعة معشبة يشرف عليها جبال فاران وهي في قبلي الكرك. وقال: (صرفة) قرية من نواحي مآب قرب البلقاء يقال بها فبر يوشع بن نون. وقال: (الصمان) من نواحي الشام بظاهر البلقاء قال حسان بن ثابت: لمن الدار أقفرت بمعان بين شاطي اليرموك فالصمان فالقريات من بلاس فدا ريا فسكاء فالقصور الدواني وقال: (علعال) جبل بالشام مشرف على البثينة بين الغور وجبال الشراة. وقال: (طفيل) تصغير طفل وادي طفيل بين تهامة واليمن عن نصر وبوادي موسى قرب البيت المقدس قلعة يقال لها طفيل عرندل قرية من أرض الشراة من الشام فتحت في أيام عمر بن الخطاب بعد اليرموك. وقال: (جادية) قرية من عمل البلقاء من أرض الشام عن أبي سعيد الضرير وإليها ينسب الجادي وهو الزعفران قال: ويشرق جادي بهن مديف. أي مدوف. وقال: (جبال) من قرى وادي موسى من جبال الشراة قرب الكرك بالشام منها يوسف بن إبراهيم بن مرزوق بن حمدان أبو يعقوب الصهيبي الحبالي والحافظ أبو القاسم. وقال: (الرّبة) بلفظ واحدة الرباب عين الربة قرية في طرف الغور بين أرض الأردن والبلقاء. وقال: (زغر) قرية بمشارف الشام وإياها عنى أبو دؤاد الايادي حيث قال: ككتابة الزغري زي نها من الذهب الدلامص قال وقيل زغر سام بنت لوط عليه السلام نزلت بهذه القرية فسميت باسمها وقال حاتم الطائيّ: سقى الله رب الناس سحا وديمة جنوب الشراة من مآب إلى زغر بلاد امرئ لا يعرف الذم بيته له المشرب الصافي ولا يطعم الكدر وقال: (المشارف) جمع مشرف قرى قرب حوران منها بصرى من الشام ثم من دمشق إليها تنسب السيوف المشرفية رد إلى واحده ثم نسب إليه. وفي مغازي ابن إسحاق في حديث موته ثم مضى الناس حتى إذا كانوا في تخوم البلقاء لقيتهم جموع هرقل من الروم والعرب بقرية من قرى البلقاء يقال لها المشارف. وقال: (معان) بالفتح وآخره نون والمحدثون يقولون بالضم وإياه عنى أهل اللغة منهم الحسن بن علي بن عيسى أبو عبيد المعني الأزدي المعاني من أهل معان البلقاء والمعان المنزل يقال الكوفة معاني أي منزلي قال الأزهري: وميمه ميم مفعل وهي مدينة في طرف بادية الشام تلقاء الحجاز من نواحي البلقاء وكان النبي صلى الله عليه وسلم بعث جيشاً إلى موتة فيه زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة فساروا حتى بلغوا معان فأقاموا بها وأرادوا أن يكتبوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم عمن تجمع من الجيوش وقيل قد اجتمع من الروم والعرب نحو مائتي ألف فنهاهم عبد الله بن رواحة وقال إنما هي الشهادة أو الظعن ثم قال: جلبنا الخيل من أجاءٍ وفرع تغر من الحشيش لها العكوم حذوناهم من الصوان سبتاً أزل كأن صفحته أديم أقامت ليلتين من معان فأعقب بعد فترتها جموم فرحنا والجياد مومسات تنفس من مناخرها السموم فلا وأبي مآب لأتينها وإن كانت بها عرب وروم فعبأنا أعنتها فجاءت عوابس والغبار لها بريم بذي لجب كأن البيض فيها إذا برزت قوانسها النجوم وروى يا قوت عن أبي محمد الأعرابي في قول الزاجر: يا عمرو قارب بينها تقرب وارفع لها صوت قوي صلب واعص عليها بالقطيع تغضب ألا ترى ما حال دون المقرب من نعف فلا فدباب المعتب قال — فلا — من دون الشام والمعتب واد من مآب بالشام ومآب كورة من كور الشام ودباب ثنايا يأخذها الطريق. وقال: (تنهج) اسم قرية فيها حصن من مشارف البلقاء من أرض دمشق سكنها شاعر يقال له خالد بن عباد ويعرف بابن أبي سفيان ذكره الحافظ أبو القاسم. وقال: (التيه) الموضع الذي صل فيه موسى بن عمران عليه السلام وقومه وهي أرض بين أيلة ومصر وبحر القلزم وجبال الشراة من ارض الشام يقال أنها أربعون فرسخاً في مثلها وقيل اثنا عشر فرسخاً في ثمانية فراسخ وإياه أراد المتنبي بقوله: ضربت بها التيه ضرب القما ر أما لهذا وإما لذا وقال: (الحميمة) بلد من أرض الشراة من أعمال عمان في أطراف الشام كان منزل بني العباس. وقال: (نقنس) بكسر أوله وثانيه ونونه مشددة من قرى البلقاء من أرض الشام كانت لأبي سفيان بن حرب أيام كان يتجر إلى الشام ثم كانت لولده وبعده. وقال: (النقيب) بالضم وهو تصغير نقب وهو معروف موضع في بلادهم بالشام بين تبوك ومعان على طريق حاج الشام. وقال: (وسادة) موضع في طريق المدينة من الشام آخر جبال حوران ما بين يرفع وقراقر. وقال: (الوعيرة) كأنه تصغير الوعرة حصن من جبال الشراة قرب وادي موسى. هذا ما تيسر تلقفه من معجم البلدان وليس من أسماء هذه البلاد شيءٌ يعرف الآن فيما نحسب إلا قرية أو قريتان مثل عمان ومعان وما عدا ذلك فقد دثر وأصبح خراباً يباباً تدل آثاره عليه وقد بدأ الخراب الحقيقي في هذه البلاد على عهد الصليبيين وكان أشهر حصونها الكرك والشوبك فقد أخذ بغودين من ملوك الصليبيين الشوبك وعمره في سنة تسع وخمسمائة وكان قد خرب من تقادم السنين والشوبك هي في رواية مسريقة وقال القرماني: شوبك بلدة صغيرة كثيرة البساتين من أعمال الشام غالب أهلها نصارى وهي شرقي الغور على طرف الشام من جهة الحجاز وينبع من تحت قلعتها عينان وقلعتها على تل مرتفع مطل على الغور. وفي الأنس الجليل أن السلطان صلاح الدين لما كان في بلاد أنطاكية ولم يزل الحصار على الكرك وكان أخوه الملك العادل عين معه على حفظ البلاد وكان صهره سعد الدين كمشه بالكرك موكلاً بحصاره فراسل الإفرنج الملك العادل في الأمان فامتنع ثم صالحهم وسلموا الحصن. ولم يكن للكر ك شأن كبير قبيل الحروب الصليبية ثم غدت عاصمة مملكة يعرف صاحبها بملك الكرك أو صاحب الكرك على عهد صلاح الدين ومن بعده عهد الجراكسة والغالب أن موقعها الحربي المهم وتوسطها تقريباً بين مصر والشام وكان إذ ذاك حكومتهما واحدة هيأ لها ذلك. قال القرماني: كرك بليدة مشهورة وبها حصن عال على قلعة جبل يقال أنه كان دير الروم وجعله المسلمون حصناً فيها قبر جعفر الطيار وأصحابه وفي أسفله وادٍ في حمام وبساتين كثيرة وكان من دأب ملوك الترك والجراكسة كلما خلعوا سلطاناً أرسلوه إلى الكرك. أما الكرك أو قلعتها فهي كانت وما زالت من أعظم حصون سورية ولذلكم احتلها الصليبيون وحرص صلاح الدين وأسرته أن يسترجعوها منهم لأنها مفتاح القطرين بل القطر المصري والشامي والحجازي ولذلك تجد ذكرها يتردد كثيراً في التاريخ منذ استولى على الإفرنج إلى أن انقضت دولة الجراكسة في مصر والشام على يد السلطان سليم العثماني سنة ٩٢٢ هـ. ولطالما كانت الكرك موعداً للقاء وميداناً لإرهاق الدماء وتكافح الناس في جوارها على امتلاكها كفاحاً وأي كفاح بيعت فيه إلى الأرواح والأشباح بيع السماح وهاك الآن مثالاً من صحف التاريخ المنسية تعتبر بها وتزدجر. قال أبو الفدا في حوادث سنة ثمان وستين وخمسمائة وفيها سار صلاح الدين من مصر إلى الكرك وحصرها وكان قد واعد نور الدين أن يجتمعا على الكرك وسار نور الدين من دمشق إلى أن وصل إلى الرقيم وهو بالقرب من الكرك. والرقيم هو كما قال ياقوت أيضاً بقرب البلقاء من أطراف الشام عنها كثيراً بقوله وكان يزيد بن عبد الملك ينزله وقد ذكره الشعراء: أمير المؤمنين إليك نهوي على البخت الصلادم والعجوم إذا اتخذت وجوه القوم نصباً أجيج الواهجات من السموم فكم غادرن دونك من جهيض ومن نعل طرحة جذيم يزرن على تنائيه يزيداً بأكناف الموقر والرقيم تهنئة الوفود إذا أتوه بنصر الله والملك العظيم والموقر حصن بالبلقاء قال فيه ياقوت أنه اسم موضع بنواحي البلقاء من نواحي دمشق وكان يزيد بن عبد الملك ينزله قال جرير: ما شاعت قريش للفرزدق خزية وتلك الوفود الناديون الموقرا عشية لاقى القين قين مجاشع هزيراً أبا شبلين في الفيل قسوراً وقال كثير: سقى الله حياً بالموقر دارهم إلى قسطل البلقاء ذات المحارب وقد نشأ من الموقر جملة من المحدثين والنسبة إليها موقري وصرح الشاعر بأن الموقر من أرض الشام فقال: أذنت علي اليوم إذ قلت أنني أحب من أهل الشام أهل الموقر بها ليل شم عصمة الناس كلهم إذا الناس جالوا جولة المتحير وقال كثير عزة: أقول إذا الحيان كعب وعامر تلاقوا ولقتنا هناك المناسك جزى الله حياً بالموقر نضرة وجادت عليه الرائحات الهواتك يكل حثيث الوبل زهر غمامه له درر بالقسطلين مواشك وفي حوادث سنة ثمان وسبعين وخمسمائة أن البرنس صاحب الكرك عمل أسطولاً في بحر أيلة (وهي مدينة على ساحل بحر القلزم أو الأحمر مما يلي الشام) وساروا في البحر فرقتين فرقة أقامت على حصن ايلة يحصرونه وفقة نحو عيذاب يفسدون في السواحل ويفنون المسلمين في تلك النواحي فإنهم لم يعهدوا بهذا البحر فرنجاً قط فعمر الملك العادل أبو بكر أيوب أسطولاً في بحر عيذاب وأرسله مع حسام الدين الحاجب لؤلؤ وهو متولي الأسطول بديار مصر فأوقع الذين يحاصرون أيلة فقتلهم وأسرهم ثم سار في طلب الفرقة الثانية وكانوا قد عزموا على الدخول إلى الحجاز ومكة والمدينة وسار لؤلؤ يقفوا أثرهم فبلغ رابغ فأدركهم بساحل الحورا وتقاتلوا أشد قتال فظفر بهم وقتل أكثرهم وأخذ الباقين أسرى وأرسل بعضهم إلى منى لينحروا بها وعاد بالباقين إلى مصر فقتلوا عن آخرهم. وفي السنة التالية سار السلطان صلاح الدين من دمشق للغزوة وكتب إلى مصر فسارت عساكرها إليه ونازل الكرك وحصره وضيق على من به ملك ربض الكرك وبقيت القلعة وليس بينها وبين الربض غير خندق خشب وقصد السلطان صلاح الدين طمه فلم يقدر لكثرة المقاتلة فجمعت الفرنج فارسها وراجلها فقصدوه فلم يكن للسلطان إلا الرحيل فرحل عن الكرك وسار إليهم فأقام في أماكن وعرة وأقام السلطان قبالتهم وسار من الفرنج جماعة ودخلوا الكرك فعلم بامتناعه عليه فرحل عنه. وبعد وقعة حطين كان السلطان صلاح الدين بعد أن سار إلى البلاد الشمالية قد جعل على الكرك وغيرها من يحصرها وخلى أخاه الملك العادل في تلك الجهات يباشر ذلك فأرسل أهل الكرك يطلبون الأمان فأمر الملك العادل المباشرين بحصارها بتسلمها فتسلموا الكرك والشوبك وما بتلك الجهات من البلاد. قال ياقوت في الشوبك إنها قلعة حصينة في أطراف الشام بين عمان وإيلة والقلزم قرب الكرك وذكر يحيى بن علي التنوخي في تاريخه أن يقدور الذي ملك الفرس سار في سنة ٩٠٥ إلى بلاد ربيعة من طيء وهي باق والشراة والبلقاء والجبال ووادي موسى ونزل على حصن قديم خراب يعرف بالشوبك بقرب وادي موسى فعمره ورتب فيه رجاله وبطل السفر من مصر إلى الشام بطريق البرية مع العرب بعمارة هذا الحصن. وبعد وفاة صلاح الدين ظلت الكرك والشوبك والبلاد الشرقية بيد الملك العادل سيف الدين أبو بكر ابن أيوب. تقدم أن حصن الشوبك كان من جلة الحصون التي يتنافس فيها الفاتحون في هذه الديار وهو على ١٩ ساعة من الكرك يؤيد ذلك ما رواه أبو الفدا في حوادث سنة ٦٢٥ هـ من أن الملك الكامل صاحب مصر أرسل بطلب ابن أخيه الملك الناصر داود ابن الملك المعظم صاحب دمشق حصن الشوبك فلم يعطه إياه ولا أجابه إليه فسار الملك الكامل من مصر إلى الشام بقصد استخلاص الشوبك وغيره. وفي حوادث سنة ٦٢٩ إن الملك الكامل سار من دمشق إلى الشوبك واحتفل له الملك الناصر داود بن المعظم عيسى بن الملك العادل أبي بكر ابن أيوب احتفالاً عظيماً بالضيافات والإقامات والتقادم وحصل بينهما الاتحاد العام وكان نزول الملك الكامل باللجون قرب الكرك وهي منزلة الحجاج. وفي سنة ٦٣٣ فترت العلائق بين الملك الناصر داود صاحب الكرك وبين عمه الملك الكامل صاحب مصر فسار الأول إلى بغداد ملتجئاً إلى الخليفة المستنصر لما حصل عنده من الخوف فأصلح الخليفة بينهما وعاد الناصر إلى الكرك وفي سنة ٦٣٥ جرى بين الملك الناصر داود صاحب الكرك وبين الملك الجواد يونس المتولي على دمشق مصاف بين جنين ونابلس انتصر فيه الملك الجواد يونس وانهزم الملك الناصر هزيمة قبيحة ونهب عسكره وأثقاله وللناصر هذا وقائع مع أسرته وغيرهم ولكن بني أيوب ومن بعدهم على تنافسهم في الملك كانوا يداً واحدة على أعدائهم الصليبيين حين الحاجة لأن هؤلاء لم تكن انقطعت شأفتهم كلها من بلاد الشام. وفي سنة ٦٤٤ سار الأمير فخر الدين يوسف ابن الشيخ من قبل الملك الصالح إلى حرب الملك الناصر داود صاحب الكرك فاستولى على جميع بلاد الملك الناصر وولي عليها وسار إلى الكرك وحاصرها وخرب ضياعها وضعف الملك الناصر ضعفاً بالغاً ولم يبق بيده غير الكرك وحدها. وفي سنة ٦٤٧ استولى لملك الصالح أيوب صاحب الديار المصرية على الكرك وفي السنة التالية ملك القلعتين الكرك والشوبك الملك المغيث فتح الدين وكان اعتقله الملك المعظم تورانشاه في الشوبك فلما قتل هذا بادر النائب عليهما وهو بدر الدين الصوابي الصالحي فأفرج عن الملك المغيث وملك الحصنين وفي سنة ٦٥٦ انضمت البحرية إلى المغيث صاحب الكرك والتتر مع عسكر مصر في غزة فكانت الكسرة على المغيث ومن معه فولى منهزماً إلى الكرك في أسوء حال ونهبت أثقاله ودهليزه. وفي سنة ٦٥٧ حاصر الملك الناصر يوسف صاحب دمشق والملك المنصور صاحب حماة الملك المغيث صاحب الكرك بسبب حمايته البحرية وأقاموا على بركة زيزاء (التي يحرفها العامة بجيزة اليوم) ما يزيد على شهرين وفي سنة ٦٦٠ قتل الملك المغيث صاحب الكرك قتله الملك الظاهر بيبرس صاحب مصر لأنه كتب أجوبة على مكاتبات من التتر إلى الملك المغيث في أطماعهم في ملك مصر والشام ورتب الظاهر أمور الكرك وعاد إلى مصر. وفي سنة ٦٨٠ استقر الصلح بين السلطان الملك المنصور قلاوون وبين الملك خضر ابن الملك الظاهر بيبرس صاحب الكرك. وفي سنة ٧٠٨ سار الملك الناصر محمد بن قلاوون من الديار المصرية متوجهاً إلى الحجاز فسار إلى الكرك وكان النائب بها جمال الدين أقوش الأشرفي فعمل سماطاً واحتفل بع وعبر السلطان إلى المدينة ثم إلى القلعة ولما عبر السلطان على الجسر إلى القلعة والأمراء ماشون بين يديه والمماليك حول فرسه وخلفه سقط بهم جسر قلعة الكرك وقد حصلت يد فرس السلطان وهو راكبه داخل عتبة الباب فلما أحس الفرس بسقوط الجسر أسرع حتى كاد أن يدوس الأمراء الماشين بين يدزيه وسقط من مماليك السلطان خمسة وثلاثون إلى الخندق وسقط غيرهم من أهل الكرك ولم يهلك من المماليك غير شخص واحد لم يكن من الخواص ونزل في الوقت السلطان عند الباب وأحضر الجنوبات والحبال ورفع الذين وقعوا عن آخرهم وأمر بمداواتهم وعادوا إلى ما كانوا عليه وكان ارتفاع الجسر الذي سقطوا منه إلى الخندق يقارب خمسين ذراعاً. ولما تولى الملك الناصر أحمد بن الملك الناصر بن محمد بن قلاوون في الكرك أقام فيها أياماً في لهو ولعب فأنكروا عليه أموراً لا تليق بالسلطنة فاتفق أهل الشام على خلعه وأرسلوا إلى المصريين في ذلك فأجابوهم وسلطنوا أخاه الصالح إسماعيل ووردت المراسيم إلى جميع ولايات الأعمال الشامية بتجريد العشرات وغيرهم إلى الكرك وعينوا على معاملتي صيداء وبيروت خمسماءة راجل فذهبوا إليها سنة ٧٤٣ ووجدوا في القلعة ومع السلطان أحمد خلقاً كثيراً وقد نصبوا على القلعة في أعلاها خمسة مجانيق ومدافع كثيرة وكان الكركيون يظهرون من باب القلعة ويقاتلون أحياناً كثيرة وكان الحصار والزحف مستمراً ونصب المحاصرن على القلعة منجنيقاً يرمي بحجارة وزنها خمسة وثلاثون رطلاً. وكان يحكى عن السلطان أحمد أنه كان شاباً حسن الشكل عبل البدن وكان يلبس ملبوس العرب ووسع أكمامه على زي الكركيين وكان يظهر لهم أنه لبس هذا الزي محبة فيهم. وكان يجلس كل يوم بين شراريف القلعة ويرمي سبعة سهام صيغت لها نصولها من فضة موشاة بذهب كانت تدل على قوة قوسه وكان إذا أراد أن يرمي السهم رفع يده التي فيها القوس فيسقط كمه من سعته إلى كتفه حتى يبان شعر إبطه وكان غليظ الذراع أبيض اللون ورأوا له سهماً في حصار الكرك وقد نقش عليه هذان البيتان: ومن جودنا نرمي العداة بأسهم من الذهب الإبريز صيغت نصولها يداوي بها المجروح منها جراحه ويشري بها الأكفان منها قتيلها وهما للأمين بن هرون الرشيد وكان لما حضره عبد الله بن طاهر في بغداد بعساكر أخيه المأمون صنع نصول النشاب من خالص الذهب ونقش عليها هذين البيتين. ولما دخلت سنة أربع وأربعين ضعفت حالة السلطان أحمد والكركيين وكان زرعهم قد رعي رعاه التركمان والعربان وكان أكثر دورابهم قد نهبت وانقطع عنهم الجلب وحالهم في ضعف وأخذت قلعة الكرك سنة خمس وأربعين وسبعمائة وأخذ سلطانها وقتل وذلك بعد أن تجمعت عساكر الشام على حصارها زهاء سنتين. وبعد فليس في التاريخ ولاسيما من بعد دخول الدولة العلية إلى هذه البلاد شيءٌ ينقل ليفيد في حالة بلاد الكرك اللهم ما كان من انتقاض أهالي هذه البلاد على إبراهيم باشا المصري لما فتحها أيام دخوله إلى سورية في أوائل القرن الماضي ونظم إدارتها وجعل لها حامية من جنده فلم يمض إلا قليل حتى تمرد السكان وقاموا فذبحوا الحامية والموظفين عن بكرة أبيهم حتى أنهم قتلوا كتيبة من جنده كانت آيبة إلى مصر فضللوها في الطريق وأهلكوها إلا قليلاً كما ارتكبوا مثل هذا المنكر هذه المرة ولم يفلحوا. ويؤخذ بالقرينة أن معظم البلاد أصبحت بادية بعد هذه الوقعة لغلبة الجهل واختلال الإدارة وظلم العمال وكذلك حال القرى يعرف ذلك كل من طاف في أقضية اللواء الأربعة فإنه يشاهد خرباً ومياهاً سائبة فقد كان في قضاء الصلت وارض بني صخر وأرض بني صخر نحو ثلثمائة قرية وعدة مدن عامرة وليس فيها اليوم سوى خمس عشرة قرية عامرة بعض الشيء. وبعض الخرب في اللواء بيد العرب المزارعين وبعضها شاغرة ملك للحكومة. وبدو الكرك كثيرون فمنهم في قضاء الصلت الدعجة والأيديات وأبي نعيم والشوايكة والأبووندي والعجارمة والميطرون والحرافيش وأراسفة والمشالخة والفاعور والربيع وبنو صخر وهم يقسمون إلى الزبن والهكيش والحفير والقبعين والفايز ومجموع بيوتهم نحو ٤٥٠٠ بيت وأشهرها بنو صخر وهي ٧٠٠ بيت والعدوان وهي ٥٠٠ والعباد ٨٠٠ والأرض التي تنزلها هذه القبائل شرقي نهر الشريعة وغربي البادية وشمالاً وادي الوالا ووادي الثمد وجنوباً ماء الزرقاء والحدود الفاصلة بين عجلون والصلت وسكان القضاء كله نحو أربعين ألفاً وهو أعمر أقضية الكرك. وفي قضاء الطفيلة نحو عشرين ألفاً من النفوس وهذه أسماء عشائرهم: الحميدات وهي أعظمها مؤلفة من خمسمائة بيت وعبيدين ثقرب نفوسها من الحميدات والبحارات مثلها أيضاً والكلالدة والوهيبات والهلالات وعشيرة المناعين وهي رحالة تقضي أكثر أيامها في الجوف بالقرب من نجد وتنزل القضاء بعد اشهر بين محطة الجروف ومدينة الطفيلة وفي هذه المدينة ١٢ ألفاً من السكان الحضر. وفي قضاء معان عشائر وأفخاذ وأهمها الحويطات ومنها الدمانية وأبوتاية والمطالقة ومنها البدول والشوبك والنعيمات والدبابات والعمامرة والمراعية والدرواشة والعطون والزوايدة والطقاطقة والعمارين والرشايدة والسعيديين والراجفة. وفي قضاء معان أيضاً ينزل بنو عطية وهم يقسمون سبعة أقسام منهم المزايدة والخضرة والشبوت والهرامسة ومنازلهم من المدورة إلى تبوك. أما عشائر قضاء الكرك فكثيرة وهي أغوات. اللصايمة. بنو حميدة. بياضة. جلامدة. حباشنة. خرشة. خنزيرة. دنيبات. كفاوين. ضمور. حجايا. سليط. شمايلة. صرايرة. صعوب. طراونة. العمرو. عراق. عكشة وحجازين. غور الصافي. غور المزرعة. فقرا. قطاونة. قضاء. كثر ربة. معايطة. مجالي. مبيضين. مصاروة. مدانات. بقاعين. نوايسة. نعيمات. هلسة. هذه فرق عشائر الكرك وأهمها وأكثرها عدداً بنو حميدة. سليط. حجايا حباشنة. ضمور. صرايرة. طراونة. كثرربة. معايطة. وتقسم عشيرة بني حميدة إلى ثلاث فرق (حمولات) وهي أبو بريز وابن طريف وأبو ربيحة. وينقسم ابو بريز إلى فرقتين وهما الفواصلة والتوايهة. وكل منها يقسم إلى أربع جماعات لكل جماعة شيخ. وتنقسم عشيرة ابن طريف إلى ست فرق وهي ابن طريف. رواحلنة. الحيصة. الضرابعة. الشخامية. شقور وحمادين. بصيرة وتنقسم عغشيرة أبي ربيحة إلى اربع فرق. وهي الشراونة وحواتمة. هواوشة. اللوانسي. قواسمة. وتنقسم عشيرة سليط إلى فرقتين بحارات ورجيلات. وتتألف عشيرة الحباشنة من العرود والجعافرة. وتتألف الضمور من محمود وسحميات والطراونة من عيال جبرين وعيال جبران. ومجامعة وعيال عودة. أما كثرربة فهي قرية يسكنها فرقتان وهما القراللة والرماضنة. ويتألف القراللة من زعيسلات سالم وزعيلات سعيد وسلامات ومهاينة ومخاترة. ويتألف الرماضنة من الرواشدة والخثاتنة وشواورة وكساسبة ومطارنة وجوازنة. وتتألف عشيرة المعايطة من فرقة ساهر ويوسف. ويتألف النعيمات من العبادلة والجعافرة والأحامدة ويتألف الحجايا من محموديين وهدايات وهؤلاء الحجايا لا يزرعون ولا يفلحون بل هم بادية. والعشائر التي لها شأن عند الحكومة هي. المجالي. طراونة. ضمور. معايطة. صرايرة. مدانات. هلسة. أما العشائر التي لها نفوذ على العشائر نفسها فهي المجالي. سليط. حجايا. طراونة. بنو حميدة. هذه اسماء العشائر وفرقها ومكانتها أما أماكن نزولها فإن فرق أبي ربيحة. أبي بريز. شخامية. الحيصة. الرواحنة من عشيرة بني حميدة وسليط وكعابنة والفقراء كلهم ينزلون تحت الخيام في ناحية ديبان من أعمال مركز اللواء. وحدود بيان هذه من القبلة نهو الموجب ومن الشمال اللب ومن الغرب بحر لوط ومن الشرق أم الرصاص في بقعة من الأرض سهلية جبلية يبلغ عرضها أربع ساعات وطولها سبع ساعات. ولا تجد شرقي أم الرصاص أرضاً تزرع ومركز ناحية ديبان وادي الوالا وهو على أحد عشرة ساعة عن مركز اللواء. إليك على جملة أسماء العشائر المزارعة وهي معدودة بادية رحالة في هذا اللواء والحكومة تستوفي منها إلى اليوم عشراً مقطوعاً وخراجاً مقطوعاً وودياً (تعداد الجمال وتعداد الغنم) مقطوعاً أي أنها تفرض على كل حمولة أو عشيرة قدراً من المال وتطالب به من وجدتهم منهم فيكون بذلك مجال لظلم الضعاف من هذه القبائل يرهقهم مشايخهم منزله وقد يأخذونه بجريرة جاره أو أخيه فإن بعض أولئك البدو قد يهربون في بعض سني المحل أو لغرض آخر فلا يلبث عمال الدولة أن يستوفوا من أبناء تلك القبيلة ما هو في ذمة الهاربين وكثيراً ما تقاضت الحكومة من واحد يفرض على خمسة من عشيرته. مثال ذلك أن العمامرة من الحويطات كانوا أغنياء على عهد تأسيس اللواء أي منذ سبع عشرة سنة فلم تمض بضع سنين حتى أصبحوا أفقر الفقراء يتلك القاعدة السخيفة في الإدارة وتفرقوا تحت كل كوكب ومنهم من انقلب إلى حسمه وغزة أو أوغل في البادية إلى نجد والشرق. نعم إن الحكومة حتى الآن لم تعمل لعمران اللواء من شأنه رفع الحيف وكشف الظلامات لتعمر البلاد بل على العكس أتت ما خرب به عمرانها وابذعرّ سكانها فبدلاً من أن ترسل لهم واعظاً يعلمونهم بلغتهم بعثوا إليهم في الدور البائد تسعة من الأتراك تحت اسم وعاظ لا يعلمون العربية فاشتغلوا سنين بالتجسس وبث المفاسد وبهذا تأصلت النفرة في قلوب القوم بدلاً من تأليف شاردهم وساعد على ذلك في الأكثر انحطاط طبقة اكثر الموظفين الذين يعينون في أمور الإدارة وبذلك زاد الأهلون مراناًَ على الاحتيال تخلصاً بزعمهم من فساد الحال وركنوا إلى شيخوهم على ظلم فيهم أكثر من حكومتهم التي تريد الخير بهم على الجملة وإن كانت لم تهتد إلى الطريق حتى الآن في اختيار الجياد من العمال. كان الرجاء معقوداً بتأسيس حكومة الكرك أن تغدو عمالتها كلها بعد هذينم العقدين من السنين جنة لما خصتها به الفطرة من المواهب وتنقلب تلك الخيام السوداء كما قال أحد العرافين دوراً قوراء فأصبحت بسوء الإدارة بيوت ارزاء ولأواء. كاد أولئك البادية يضعون ثقتهم بالحكومة يوم تولى أمرهم إداري يقيم نصاب العدل ويرفع عن عاتقهم عدوان زعمائهم الجاهلين ولكن جرى الأمر على عكس ذلك فأخذ السكان يستضعفون حكومتهم خصوصاً بعد أن قاموا منذ زهاء سنتين وهجموا على دار الحكومة وكان بلغهم أنها تريد إحصاء نفوسهم والحقيقة أنها كانت في صدد انتخاب نائب منهم يمثلهم في مجلس الأمة. ولو أحسن متصرفهم إذ ذاك التصرف صحت عزيمة الحكومة على إنزال العقوبة الشديدة بمن شقوا عصا الطاعة لما حدث اليوم أحدث فخرب العامر والغامر وتضرر الحاكم والمحكوم عليه. فإن يوماً في فتنة يخرب ما لا يعمر في سنين. وعدل ساعة يحيي الأرض أكثر من كل قوة في غير محلها. فوا أسفاه لبلاد مثل هذه تؤوي الملايين من البشر يعيشون من تربتها سعداء وهي اليوم لا ينولها سوى ألوف لا يستفيدون منها ولا يفيدون وها قد زادت اليوم فوق خرابها خراباً. وكانت بالأمس مملكة ذات منعة وهي الآن بما تحيفها من الدمار عبرة لمن اعتبر فسبحان من يشقي ويسعد ويغني ويفقر. رثاء تولستوي (تولستوي) تجري آية العلم دمعها عليك ويبكي بائس وفقير وشعب ضعيف الركن زال نصيره وما كل يوم للضعيف نصير ويندب فلاحون أنت منارهم وأنت سراج غيبوه منير يعانون في الأكواخ ظلماً وظلمة ولا يملكون البث وهو يسير تطوف كعيسى بالحنان وبالرضى عليهم وتغشي دورهم وتزور ويأسى عليك الدين إذ لك لبه وللخادميه الناقمين قشور أيكفر بالإنجيل من تلك كتبه أناجيل منها نذر وبشير وتبكيك ألف فوق (ليلى) ندامة غداة مشى (بالعامري) سرير تناول ناعيك البلاد كأنه يراع له في راحتيك صرير وقيل تولى (الشيخ) في الأرض هائماً وقيل (بدير) الراهبات أسير وقيل قضى لم يغن عنه طبيبه وللطب من بطش القضاء عذير إذا أنت جاورت (المعريّ) في الثرى وجاور (رضوى) في التراب (ثبير) أو أقبل جميع الخالدين عليكما وغالى بمقدار النظير نظير جماجم تحت الأرض عطرنها شذى جناهن مسك فوقها وعبير بهن تباهى بطن (حواء) واحتوى عليهن بطن الأرض فهو فخور فقل يا حكيم الدهر حدث عن البلى فأنت عليم بالأمور خبير أحطت من الموتى قديماً وحادثاً بما لم يحصل منكر ونكير طوانا الذي يطوي السموات في غد وينشر بعد الطي وهو قدير تقادم عهدانا على الموت واستوى طويل زمان في البلى وقصير كأن لم تضق بالأمس عني كنيسة ولم يؤوني دير هناك طهور أرى راحة بين الجنادل والحصى وكل فراش قد أراح وثير نظرنا بنور الموت كل حقيقة وكنا كلانا في الحياة ضرير إليك اعترافي لا لقس وكاهن ونجواي بعد الله وهو غفور فزهدك لم ينكره في الأرض عارف ولا متعال في السماء كبير بيان يشم الوحي من نفحاته وعلم كعلم الأنبياء غزير سلكت سبيل المترفين ولذني بنون ومال والحياة غرور أداة شتائي الدفء في ظل شاهقداة شتائي الدفء أ وعدة صيفي جنة وغدير ومتعت بالدنيا ثمانين حجة ونضر أيامي غني وحبور وذكر كضوء الشمس في كل بلدة ولا حظَّ مثل الشمس حين تسير فما راعني إلا عذارى أجرنني ورب ضعيف تحتمي فيجبر أردت جوار الله والعمر منقض وجاورته في العمر وهو نضير صباً ونعيم بين أهل وموطن ولذات دنيا كل ذاك نذور بهن وما يدرين ما الذنب خشية ومن عجب تخشى الخطيئة حور أوانس في داج من الدير موحش ولله أنس في القلوب ونور وأشبه طهر في النساء بمريم فتاة على نهج المسيح تسير تسائلني هل غير الناس ما بهم وهل حدثت غير الأمور أمورا وهل آثر الإحسان الرفق عالم دواعي الأذى والشر فيه كثير وهل سلكوا سبل المحبة بينهم كما يتصافى أسرة وعشير وهل آن من أهل الكتاب تسامح خليق بآداب الكتاب جدير وهل عالج الأحياء بؤساً وشقوة وقل فساد بينهم وشرور قم انظر وأنت مالئ الأرض حكمة أأجدى نظيم أم أفاد تثير أناس كما تدري ودنيا بحالها ودهر رخيٌّ تارة وعسير وأحوال خلق غابر متجدد تشابه فيها أول وأخير تمر تباعاً في الحياة كأنها ملاعب لا ترخى لهن ستور وحرص على الدنيا وميل مع الهوى وغش وأفك في الحياة وزور وقام مقام الفرد في كل أمة على الحكم جم يستبد غفير وحوّر قول الناس مولى وعبده إلى قولهم مستأجر وأجير وأضحى نفاذ المال لا أمر في الورى ولا نهي إلا ما يرى ويشير نساس حكومات به وممالك ويذعن أقيال له وصدور وعصر بنوه في السلاح وحرصه على السلم يجري ذكرها ويدير ومن عجب في ظلها وهو وارف يصادف شعباً آمناً فيغير ويأخذ من قوت الفقير وكسبه ويؤوي جيوشاً كالحصى ويمير ولما استقل البر والبحر مذهباً تعلق أسباب السماء يطير رثاك أمير الشعر في الشرق وانبرى لمدحك من كتاب مصر كبير ولست أبالي حين أرثيك بعده إذا قيل عني قد رثاه صغير فقد كنت عوناً للضعيف وأنني ضعيف وما لي في الحياة نصير ولست أبالي حين أبكيك للورى حوتك جنان أو حواك سعير فإني أحب النابغين لعلمهم وأعشق روض الفكر وهو نضير دعوت إلى عيسى فضجت كنائس وهز لها عرش وماد لها سرير وقال أناس إنه قول ملحد وقال أناس إنه لبشير ولولا حطا لرد عنك كيادهم لضقت به ذرعاً وساء مصير ولكن حماك العلم والرأي والحجى ومال إذ جد النزال وفير إذا زرت رهن المحبسين بحفرة بها الزهد ثاو والذكاء ستير وأبصرت أنس الزهد في وحشة البلى وشاهدت وجه الشيخ وهو منير وأيقنت أن الدين لله وحده وأن قبور الزاهدين قصور فقف ثم سلم واحتشم إن شيخنا مهيب على رغم الفناء وقور وسائله عما غاب عنك فأنه عليم بأسرار الحياة بصير يخبرك الأعمى وإن كنت مبصراً بما لم تخبر أحرف وسطور كأني بسمع الغيب أسمع كل ما يجيب به أستاذنا ويحير يناديك أهلاً بالذي عاش عيشنا ومات ولم يدرج إليه غرور قضيت حياة ملؤها البر والتقى فأنت بأجر المتقين جدير وسموك فيهم فيلسوفاً وأمسكوا وما أنت إلا محسن ومجير وما أنت إلا زاهد صاح صيحة يرن صداها ساعة ويطير سلوت عن الدنيا ولكنهم صبوا إليها بما تعطيهم وتمير حياة الورى حرب أنت تريدها سلام وأسباب الكفاح كثير أبت سنة العمران إلا تناحراً وكدحاً ولو أن البقاء يسير تحاول رفع الشر والشر واقع وتطلب محض الخير وهو عسير ولولا امتزج الشر بالخير لم يقم دليل على أن الإله قدير ولم يبعث الله النبيين للهدى ولم يتطلع للسرير أمير ولم يعشق العلياء حر ولم يسد كريم ولم يرجو الثراء فقير ولو كنت الخير فينا محضاً ما دعا إلى الله داع أن تبلج نور ولا قيل هذا فيلسوف موفق ولا قيل هذا عالم وخبير فكم من طريق الشر خير ونعمة وكم في طريق الطيبات شرور ألم تر أني قمت قبلك داعياً إلى الزهد لا يأوي إليَّ ظهير أطاعوا أبيكيراً وسقراط قبله وخولفت فيما أرتئي وأشير ومت وماتت مطامع طامع عليها ولا ألقى القياد ضمير إذا هدمت للظلم دور تشيدت له فوق أكتاف الكواكب دور أفاض كلانا في النصيحة جاهداً ومات كلانا والقلوب صخور فكم قيل عن كهف المساكين باطل وكم قيل عن شيخ المعرة زور وما صدر عن فعل الأذى قول مرسل ولا راع مفتون الحياة نذير</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_58.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.58.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
