<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.57.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.57.TEIP5:</urn>
<passage>الدرر الكامنة ليس أحسن من تراجم الرجال للوقوف على حال السياسة والاجتماع في عصر من العصور ففي جملة ما طبع من كتب التراجم والطبقات كتاب خلاصة الأثر في تراجم أهل القرن الحادي عشر للمحبي المتوفى سنة ١١١١ وسلك الدرر في أعيان القرن الثاني عشر للمرادي المتوفى سنة ١٢٣٢ ولم تطبع تراجم أعيان القرن الثامن والتاسع والعاشر وإن كان مثل السبكي في طبقاته والصلاح الكتبي في وفياته قد تعرضا لبعض المترجمين في الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة لحافظ عصره قاضي القضاة شهاب الدين أحمد بن علي حجر الكناني العسقلاني الأصل المصري والضوء اللامع لأهل القرن التاسع لشمس الدين السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢ وإن لم يدركا من الرجال من جاء ممن ذكرهم صاحب الكواكب السائرة في أعيان المئة العاشرة النجم الغزي المتوفى سنة ١٠٦١ . وها نحن نتكلم عن الدرر الكامنة وسنعقبه في الجزئين التاليين بالكلام على الضوء اللامع والكواكب السائرة. جاء في كشف الظنون: الدرر الكامنة في أعيان المئة الثامنة لشهاب الدين أبي الفضل أحمد بن علي بن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ اثنتين وخمسين وثمانمائة مجلد ضخم أوله الحمد لله الذي يحيي ويم يت الخ جيمع فيه تراجم من كان في المائة الثامنة من الأعيان مرتباً على الحروف ذكر في آخره أنه فرغ منه في شهور سنة ٨٣٠ ثلاثين وثمانمائة ولم يكمل الغرض لبقايا من التراجم في الزوايا ثم اختصره جلال الدين السيوطي في مجلد ولابن المبرد أيضاً مختصره. أما الكتاب الذي نحن بصدده فمنه في دمشق مخطوط قديم بخط إبراهيم البقاعي مهمل غير معجم وتعسر في الحايين قراءته وهو في مجلد ضخم من القطع الكبير قال في مقدمته: أما بعد فهذا تعليق مفيد جمعت فيه تراجم من كان في المائة الثامنة من الهجرة النبوية من ابتداء سنة إحدى وسبعمائة إلى آخر سنة ثماني مائة من الأعيان والعلماء والملوك والأمراء والوزراء والأدباء والشعراء وعنيت فيه برواية الحديث النبوي فذكرت من اطلعت على حاله واشرت إلى بعض مروياته إذ الكثير منهم شيوخ شيوخي وبعضهم أدركته ولم القه وبعضهم لقيته ولم أسمع منه وبعضهم قد سمعت منه واستمددت فيب هذا الكتاب من أعيان العصر لأبي الصفا الصفدي ومجاني العصر لشيخ شيوخنا أبي حيان ومذهبه وذهبة العصر لشهاب الدين أبي الفضل وتاريخ مصر لشيخ شيوخنا الحافظ قطب الدين الحلبي وذيل سير النبلاء للحافظ شمس الدين الذهبي وذيل ذيل المرآة للحافظ علم الدين البرزالي والوفيات للعلامة تقي الدين ابن رافع والذيل عليه للعلامة شهاب الدين ابن جحى وما جمعنا صاحبنا تقي الدين المقريزي في أخبار الديار المصرية وخططها ومعاجم كثير من شيوخنا والوفيات للحافظ أبي الحسين بن أسد الدمياطي والذيل عليه لشيخنا الحافظ أبي الفضل بن الحسين العراقي وتاريخ غرناطة للعلامة لسان الدين ابن الخطيب والتاريخ للقاضي ولي الدين ابن خلدون المالكي إلى غير ذلك وبالله الكريم عوني وإياه أسأل عن الخطأ صوني إنه قريب مجيب. . وهذا المجلد في ٢٦٧ ورقة مرتبة على حروف المعجم يميل فيه المؤلف إلى الاختصار وفيه من تراجم المشاهير ترجمة أبي جعفر ابن الزبير والشهاب الأذرعي وشيخ الإسلام ابن تيمية وابن فضل الله العمري وعماد الدين ابن كثير وابن الوردي وابن الشهاب محمود وابن المطهر الشيعي والصلاح الصفدي والعلائي والطوفي وابن خطيب داريا وابن عقيل وابن القيم وبرهان الدين القيراطي وابن هشام وابن رجب وابن جماعة والتاج السبكي والأردبيلي والتقي السبكي والسلطان محمود غاران والحافظ البرزالي وابن الأكفاني والحافظ اله ١ بي وشيخ الربوة ولسان الدين ابن الخطيب والخطيب القزويني والكمال ابن الزملكاني وابن دقيق العيد والبدر البلقيني وابن الوكيل وابن سيد الناس وابن نباتة وابن الحاج وابن المكرم والشمس القونوي وأبو حيان الأندلسي وقطب الدين الشيرازي والحافظ المزي وغيرهم ممن كانوا غرة ذاك القرن. كما أن فيه من الخاملين ممن لا تسقط لهم على تراجم ولو مختصرة إلا في هذا السفر ومن أعظم ما يلفت نظرك في هذا الكتاب روح التعصب التي كانت مستحوذة في ذاك العصر أيام كان يقتل كل من يخالف الجمهور في فكر أو مذهب فتقرأ فيه صورة مكبرة من حال ذاك القرن الذي استولت فيه على هذه البلاد الجراكسة والتتار ممن أصبحوا ألعوبة في أيدي المتعصبة من رجال الدين هاك ما قاله في ترجمة إسمعيل بن سعيد الكردي المقري المصري تفقه وتمهر في القراآت والفقه والعربية وكان طلق العبارة سريع الجواب حسن التلاوة يدري الحاوي والحاجبية ويحفظ الكثير من التوراة والإنجيل رمي بالزندقة بسبب أنه كان كثير الهزل وحفظت منه كلمات قبيحة حتى صار يقال له إسمعيل الكافر وإسمعيل الزنديق وطلب إلى تقي الدين الأختاي وأدعي عليه فخلط في كلامه فسجن فجاءه شخص من الصالحين فأخبره أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في منامه فقال له قل: للأخناي يضرب رقبة إسمعيل فإنه سب أخي لوطاً فاستدعى به وأعد مجلساً وأقيمت عليه البينة بأمور معضلة فأمر به فقتل بحكم المالكي بين القصرين في السادس والعشرين من صفر سنة عشرين وسبعمائة نقلته من خط القطب وذكر أنه حضر ذلك وقال كان قد نظر في المنطق فدخل في كلام لا فائدة فيه فضبط عليه. وقرأت في تاريخ موسى بن محمد اليوسفي أنه كان مشهوراً بالعلم بين الفقهاء وله فضيلة مشهور في الأدب. . قلنا وأقبح بعصر يقتل فيه العالم عقيب رؤيا يراها أحد أرباب الخيال. وممن ضربوا على الزندقة ناصر بن أبي الفضل بن إسمعيل المقري الصالحي ولد سنة ٦٦٦ ونشأ جميلاً جداً وكان صوته مطرباً فكان يقرأ في الختم والترب وحفظ التنبيه ثم ركب الباجر يقي علي فصار يقع منه كلمات معضلة وسلك سبيل التزهد ودخل إلى بغداد مع ركب العراق فيقال أنهم نقموا عليه شيئاً وهموا به فتوجه إلى ماردين ثم فر منها إلى حلب فجرى على عادته في الشطح فأنكر عليه كمال الدين بن الزملكاني وهو يومئذ قاضي حلب فقبض عليه وأرسله مقيداً إلى دمشق فقامت عليه البينة عند القاضي شرف الدين المالكي فأعذر إليه فما أبدى عذراً بل تشهد وصلى ركعتين وجهر بتلاوة القرآن ثم ضربت عنقه وذلك في ربيع كالأول سنة ٧٢٦ ويقال أنه أنشد حين قدم ليقتل: إن كان سفك دمي اقصى مرادهم فما غلت نظرة منهم بسفك دمي وقال ابن الحبيب قلت فيه لما قتل: يا أيها الهيتي هيت إلى الردى كم تجتري بلسان خب هالك أرسلت من حلب لجلق موثقاً ونقلت بعد الشافعي لمالك وفي الحاشية بخط ابن حيان البقاعي: قال ابن كثير ضربت عنقه بسوق الخليل على كفره واستهتاره بآيات الله وشركه وصحبته الزنادقة كالنجم ابن خلكان والشمس محمد الباجريقي وابن العمار البغدادي قال الشيخ علم الدين: وحضر قتله العلماء والأكابر وأرباب الدولة وكان يوماً مشهوداً أعز الله فيه الإسلام (!) وأذل فيه الزنادقة وأهل البدع وقد شهد مهلكه وكان شيخنا ابن تيمية أيضاً حاضراً يومئذ وقن أنبه وقرعه على ما كان يصدر منه اهـ. . وقال في ترجمة السكاكيني ما نصه: محمد بن أبي بكر بن ابي القاسم الهمداني ثم الدمشقي السكاكيني الشيعي ولد سنة ٦٣٥ بدمشق طلب الحديث وتأدب وسمع وهو شاب ابن إسمعيل العراقي والرشيد بن مسلمة ومحمد بن علام في آخرين وتلا بالسبع روى عنه البرزالي والذهبي وآخروتن من آخرهم أبو بكر بن المحب وبالإجازة شيخنا برهان الدين التنوخي. وأقعد في صناعة السكاكين عند شيخ رافضي فافسد عقيدته فأخذ عن جماعة من الإمامية وله نظم وقصائد ورد على العفيف التلمساني في الاتحاد وأمَّ بقرية جسرين مدة وأمَّ بالمدينة النبوية وعند أميرها منصور بن جماز (؟) ولم يحفظ عنه سب في الصحابة بل له نظم في فضائلهم إلا أنه كان يناظر على القدر وينكر الجبر وعنده تعبد وسعة علم قال ابن تيمية: هو من يتسنن به الشيعي ويتشيع به السني. وقال الذهبي: كان حلو المجالسة ذكياً عالماً فيه اعتزال وينطوي على دين وإسلام وتعبد سمعنا منه وكان صديقاً لأبي وكان ينكر الجبر ويناظر على القدر ويقال أنه رجع في آخر عمره ونسخ صحيح البخاري ووجد بعد موته في سنة خمسين وسبعمائة بخط يشبه خطه كتاب يسمى الطرائف في معرفة الطوائف يتضمن الطعن على دين الإسلام وأورد فيه أحاديث مشكلة وتكلم على متونها تكلم عارف لما يقول إلا أن واضع الكتاب يدل على زندقة فيه وقال في آخره وكتبه مصنفة عبد الحميد بن داود المصري وشهد جماعة من أهل دمشق أنه خطه فأخذه تقي الدين السبكي عنده وقطعه في الليل وغسله بالماء ونسب إليه عماد الدين ابن كثير الأبيات التي أولها. أيا معشر الإسلام ذمي دينكم الأبيات ومات السكاكيني في صفر سنة ٧٣١ وفي الحاشية وجزم ابن كثير أن الكتاب الدال على الزندقة خطه وقال: إن فيه انتصاراً لليهود وأهل الأديان الفاسدة قال ولما مات لم يشهد دفنه القاضي شمس الدين بن مسلم ودفن بسفح قاسيون وقتل ابنه فيما بعد على قذف أمهات المؤمنين عائشة وغيرها رضي الله عنهما. وتراجم مثل السكاكيني تؤخذ على أمثال الحافظ الذهبي وكفاه فضلاً أن مثل الذهبي والبرزالي يعدان من مفاخرهما الأخذ عنه وآثار التعصب والحقيقة لا تخفى على قراء العبارة الأخيرة. وقال في ترجمة علي بن الحسن بن أبي الفضل بن جعفر بن محمد ابن كثير الحلبي الرافضي قدم دمشق وأقام بها سنوات فاتفق أنه شق الصفوف الناس في صلاة جنازة بالجامع الأموي وهو يعلن بسبب من ظلم آل محمد فنهره عماد الدين بن كثير وأغرى به العامة وقال أن هذا يسب الصحابة فحملوه إلى القاضي تقي الدين السبكي فاعترف بسب أبي بكر وعمر رضي الله عنهما فعقدوا له مجلساً فحكم نائب المالكي بضرب عنقه تعزيزاً وزجراً بعد أن كررت عليه التوبة ثلاثة أيام فأصر فضربت عنقه بسوق الخليل وحرق العوام جسده وذلك في جمادى الأولى سنة سبعمائة وخمس وخمسين. ومن أنعم النظر في تراجم من قتلوا يتضح له أنهم كانوا على جانب عظيم من العقل والعلم وأن أكثر ما روي عنهم متقول عليهم ليجدوا السبيل إلى إقناع العامة والحكام لإزهاق أرواجهم. وفي الدرر عدة تراجم من هذا القبيل تدل على انحطاط في ذاك العصر وأن الناس كانوا يعمدون للتشفي ممن يحبون إلى استفتاء القاضي المالكي لأن مذهب مالك يقضي بأن يكون التعزيز بالقتل أو بالحبس أو بالتشهير كما وقع لأحمد بن محمد مري البعلي الحنبلي من أشياع بان تيمية فرفعوا أمره إلى القاضي المالكي بالقاهرة فضربه ضرباً مبرحاً بحضرته حتى أدماه ثم شهره على حمار أركبه مقلوباً ثم نودي عليه هذا جزاءُ من يتكلم في حق رسول الله صلي الله عليه وسلم فكادت العامة تقتله ثم أعيد إلى السجن. ومثل ما وقع لأحمد بن محمد البققي المصري الأديب العالم فضربوا عنقه بأمر القاضي المالكي بالطبع لأنه بدت منه كما قيل أمور تنبئ بأنه مستهزئ بأمور الديانة وأنه منحل مستحل المحرمات. ومثل ما وقع لأحمد بن محمد بن إسمعيل الحلبي الأديب المتصوف فضبطت عليه ألفاظ موبقة فرفع أمره إلى الحاكم بحلب فحكم القاضي المالكي صدر الدين الدميري بسفك دمه فقتل وهو القائل: إذا نلت المنى بصديق صدق فكان وداده وفق المراد فحاذر أن تعامله بقرض فإن القرض مقراض الوداد ومثله إسمعيل الكردي وأحمد الروسي وعثمان الدكالي وفضل الله ابن اليهودي ومحمد الباجريقي وعلي بن الحسن الرافضي وغيرهم ممن ذهبوا شهداء قضاة المالكية والمتعصبة من العامة وبعضهم كانوا في مظهر علماءهم الذين أوصلوا الأمة إلى هذه الدرجة من الأفكار والتصور. ومن الغريب أنهم كانوا يخوفون حتى من كان على رأيهم من الفقهاء والعلماء فقد ذكر ابن حجر في ترجمة العلاء ابن العطار أن الشيخ شمس الدين النقيب وغيره تكلم فتاوى تصدر من أبي الحسن ابن العطر وادعوا أن فيها تخبيطاً ومخالفة لمذهب القاضي واجتمعوا عند بعض الحكام فبادروا جماعة من محبي الشيخ علاء الدين فقالوا له إنهم هيأوا شهادات يشهدون عليك بها فخارت قوته وبادر إلى الحنفي وصدرت عليه دعوى فحكم بإسلامه وحقن دمائه وبقاءُ جهاته علية!!! وها نحن أولاء ننقل ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية لأنها تصور لك مزية هذا الكتاب وهي خير ترجمة عثرنا عليها بل تصور لك ذاك العصر الذي كثر فيه تعذيب العلماء قال ابن حجر رحمه الله: أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن عبد الله ابن أبي القاسم ابن تيمية الحراني ثم الدمشقي الحنبلي تقي الدين أبو العباس بن شهاب الدين ابن مجد الدين ولد سنة ٦٦١ وتحول به أبوه من حران سنة ٦٧ فسمع من ابن أبي عبد الدائم والقاسم الأربلي والمسلم ابن علان وابن أبي عمر والفخر في آخرين وقرأ بنفسه ونسخ سنن أبي داود وحصل الأجزاء ونظر في الرجال والعلل وتفقه وتمهر وتميز وتقدم وصنف ودرس وأفتى وفاق الأقران وصار عجباً في سرعة الاستحضار وقوة الجنان والتوسع في المنقول والمعقول والاطلاع على مذاهب السلف والخلف. وأول ما أنكروا عليه في مقالاته في شهر ربيع الأول سنة ٦٩٨ فقام عليه جماعة من الفقهاء بسبب الفتوى الحموية وبحثوا معه ومنع من الكلام ثم حضر مع القاضي إمام الديون القزويني فانتصر له وقال هو وأخوه جلال الدين: من قال شيئاً عن الشيخ تقي الدين عزرناه. ثم طلب ثاني مرة سنة خمس وسبعمائة إلى مصر فتعصب عليه بيبرس الجاشنكير وانتصر له سلار ثم آل أمره إلى أن حبسفي خزانة البنود مدة ثم نقل في صفر سنة تسع إلى الإسكندرية ثم أفرج عنه وأعيد إلى القاهرة ثم أعيد إلى الإسكندرية. ثم حضر الناصر من الكرك فأطلقه ووصل إلى دمشق في آخر سنة ٧١٢ وكان السبب في هذه المحنة أن مرسوم السلطان ورد على النائب بامتحانه في معتقده لما وقع إليه من أمور تنكر في ذلك فعقد له مجلس في سابع رجب فسئل عن عقيدته فأملى منها شيئاً ثم أحضروا العقيدة التي تعرف بالواسطية فقريء منها وبحثوا في مواضع ثم اجتمعوا في ثاني عشره وقرروا الصفي الهندي يبحث معه ثم أخروه وقدموا الكمال الزملكاني ثم انفصل الأمر على أنه شهد على نفسه أنه شافعي المعتقد (كذا) فأشاع أتباعه أنه انتصر فغضب خصومه ورفع واحداً من أتباع ابن تيمية إلى الجلال القزويني نائب الحكم بالعادلية فعززه وكذا فعل الحنفي باثنين منهم. ثم في ثاني عشرين رجب قرأ المزيّ فصلاً من كتاب أفعال العباد للبخار يفي الجامع فسمعه بعض الشافعية فغصب وقال: نحن المقصودون بهذا ورفعه إلى القاضي فطلع إلى القلعة فوافاه ابن تيمية فتشاجرا بحضرة النائب فاشتظ اتبن تيمية على القاضي بكون نائبه جلال الدين آذى أصحابه في غيبة النائب فأمر النائب من ينادي: إن من تكلم في العقائد فعل به كذا. وقصد بذلك تسكين الفتنة. ثم عقد له مجلس في سلخ رجب وجرى فيه بين ابن الزملكاني وابن الوكيل مباحثة فقال: ابن الزملكاني لابن الوكيل ما جرى على الشافعية قليل حتى تكون أنت رئيسهم. فظن القاضي نجم الدين ابن صصري أنه عناه فعزل نفسه وقام فأعاده الأمراء وولاه النائب وحكم الحنفي بصحة الولاية ونفذها المالكي فرجع إلى منزله وعلم أن الولاية لم تصح فصمم على العزل فرسم النائب لنوائبه بالمباشرة إلى أن يرد أمر السلطان. ثم وصل بريدي في أواخر شعبان بعوده ثم وصل بريدي في خامس رمضان يطلب القاضي والشيخ وأن أرسلوا بصورة ما جرى للشيخ في سنة ٦٩٨ ثم وصل مملوك النائب وأخبر بأن الجاسنكير والقاضي المالكي قد قاما في الإنكار على الشيخ وأن الأمر اشتد بمصر على الحنابلة حتى صفع بعضهم ثم توجه القاضي والشيخ إلى القاهرة ومعهما جماعة فوصلا في العشر الأخير من رمضان وعقد مجلس في ثالث عشريه بعد صلاة الجمعة فادعى على ابن تيمية عند المالكي فقال: هذا عدوي ولم يجب عن الدعوى فكرر عليه فأصر فحكم المالكي بحبسه فأقيم في المجلس وحبس في برج ثم بلغ المالكي أن الناس تتردد إليه فقال: يجب التضييق عليه إن لم يقتل وإلا فقد ثبت كفره فنقلوه ليلة عيد الفطر إلى الجب وعاد القاضي الشافعي على ولايته ونودي بدمشق: من اعتقد عقيدة ابن تيمية حل دمه وماله خصوصاً الحنابلة. فنودي بذلك وقرئ المرسوم قرأه ابن الشهاب محمود في الجامع ثم جمعوا الحنابلة من الصالحية وغيرها وأشهدوا على أنفسهم أنهم على معتقد الإمام الشافعي (؟). وذكر ولد الشيخ جمال الدين ابن الظاهري في كتاب كتبه لبعض معارفه بدمشق أن جميع من بمصر من القضاة والشيوخ والفقراء والعلماء والعوام يحطون على ابن تيمية إلا الحنفي فإنه يتعصب له وإلا الشافعي فإنه ساكت عنه وكان من أعظم القائمين عليه الشيخ نصر المنبجي لأنه كان بلغ ابن تيمية أنه يتعصب لابن العربي فكتب إليه كتاباً يعاتبه على ذلك فما أعجبه لكونه بالغ في الحط على ابن العربي وتكفيره فصار هو يحط على ابن تيمية ويغري به بيبرس الجاشنكير. وكان بيبرس يفرط في محبة نصر ويعظمه. وقام القاضي زين الدين ابن مخلوف قاضي المالكية مع الشيخ نصر وبالغ في أذية الحنابلة. واتفق أن قاضي الحنابلة شرف الدين الحراني كان قليل البضاعة في العلم فبادر إلى إجابتهم في المعتقد وأسلموه خطه بذلك واتفق بأني قاضي الحنفية بدمشق وهو شمس الدين ابن الحريري انتصر لابن تيمية وكتب في خطه مخ ٠ تصراً بالثناء عليه بالعلم والفهم وكتب منه بخطه ثلاثة عشر سطراً من جملتها: منذ ثلثمائة سنة ما رأى الناس مثله فبلغ ذلك ابن مخلوف فسعى في عزل ابن الحريري فعزل وقرر عوضه شمس الدين الأذرعي ثم لم يلبث الأذرعي أن عزل في السنة المقبلة وتعصب سلار لابن تيمية وأحضر القضاة الثلاثة الشافعي والمالكي والحنفي وتكلم معهم في إخراجه فاتفقوا على أن يشترطون معه شرطاً وأن يرجع عن بعض العقيدة فأرسلوا إليه مرات فامتنع من الحضور إليهم واستمر. ولم يزل ابن تيمية في الجب إلى أن شفع فيه مهنا أمير آل فضل فأخرج في ربيع الأول في الثالث والعشرين منه وأحضر إلى القلعة ووقع البحث مع بعض الفقهاء وكتب عليه محضر بأنه قال: أنا أشعري ثم وجد خطه بما نصه: الذي اعتقد أن القرآن معنى قائم بذات الله وهو صفة من صفات ذاته القديم وهوليس مخلوق وليس بحرف ولا صوت وأن قوله الرحمن على العرش استوى ليس على ظاهره ولا أعلم كنه المراد بل لا يعلمه إلا الله والقول في النزول كالقول في الاستواء وكتبه أحمد ابن تيمية. ثم اشهدوا عليه أنه تاب مما ينافي ذلك مختاراً وذلك في خامس وعشرين ربيع الأول سنة سبع وسبعمائة وشهد عليه بذلك جمع جم من العلماء وغيرهم وسكن الحال وأفرج عنه وسكن القاهرة. ثم اجتمع جمع من الصوفية عند تاج الدين ابن عطاء فطلعوا في العشر الأوسط من شوال إلى القلعة وشكوا ابن تيمية أنه يتكلم في حق مشايخ الطريق وأنه قال لا يستغاث بالنبي صلى الله عليه وسلم فاقتضى الحال أن أمر بالمسير إلى الشام فتوجه على خيل البريد وكل ذلك والقاضي زيد الدين ابن مخلوف مشتغل بنفسه بالمرض وقد اشرف على الموت وقد بلغه سفر ابتن تيمية فراسل النائب فرده من بلبيس وادعى عليه عند ابن جماعة وشهد عليه شرف الدين ابن الصابوني وقيل ابن علاء الدين القونوي أيضاً شهد عليه فاعتقل بسجن حارة الديلم في ثامن عشر شوال إلى سلخ صفر سنة تسع وسبعين فنقل عنه أن جماعة يترددون إليه وأنه يتكلم في نحو ما تقدم فأمر بنقله إلى الإسكندرية فنقل إليها في سلخ صفر وكان سفره صحبة أمير مقدم لمك يمكن أحداً من جهته من السفر معه وحبس برج شرقي ثم توجه إليه بعض أصحابه فلم يمنعوا منه فتوجهت طائفة منهم بعد طائفة وكان موضعه فسيحاً فصار الناس يدخلون إليه ويقرأون عليه ويبحثون معه. قرأت ذلك في تاريخ البرزالي فلم يزل إلى أن عاد الناصر إلى السلطنة فشفع فيه عنده فأمر المالكي فاشترط المالكي أن لا يعود فقال له السلطان: قد تاب. وسكن بالقاهرة وتردد الناس إليه إلى أن توجه صحبة الناصر إلى الشام بنية الغزاة في سنة ١٢ وذلك في شوال فوصل دمشق في مستهل ذي القعدة فكانت مدة غيبته عنها أكثر من سبع سنين وتلقاه جمع كثير فرحاً بمقدمه وكانت والدته إذ ذاك في قيد الحياة. ثم قاموا عليه في شهر رمضان سنة ١٩ بسبب مسالة الطلاق وأكد عليه المنع من الفتيا ثم عقد له مجلس آخر في رجب ثم حبس بالقلعة ثم أخرج في عاشوراء سنة إحدى وعشرين ثم قاموا عليه مرة أخرى في شعبان سنة ٢٦ بسبب مسألة الزيارة واعتقل بالقلعة فلم يزل بها إلى أن مات في ليلة الاثنين العشرين من ذي القعدة سنة ٨٢٧ . قال الصلاح الصفدي: كان كثيراً ما ينشدني: تموت النفوس بأوصابها ولم يدر عوادها ما بها وما أنصفت مهجة تشتكي أذاها إلى غير أحبابها وكان ينشد كثيراً: من لم يقد ويدس في خيشومه رهج الخميس فلن يعود خميسا وأنشد له على لسان الفقراء: والله ما فرقنا اختيار وإنام فرقنا اضطرار جماعة كلنا كسالى واكلنا ما له عيار تسمع منا إذا اجتمعنا حقيقة كلها فشار وسرد أسماء تصانيفه في ثلاثة أوراق كبار وأورد فيه من أمداح أهل عصره كابن الزملكاني قبل أن ينحرف عنه وكأبي حيان كذلك وغيرهما قال ورثاه محمود بن علي الدقوقي ومجير الدين الخياط وصفي الدين عبد المؤمن البغدادي وجمال الدين ابن الأثير وتقي الدين محمد بن سليمان الجعبري وعلاء الدين ابن غانم وشهاب الدين ابن فضل الله وزين الدين ابن الوردي وجمع جم وأورد لنفسه فيه مرثية على قافية الضاد المعجمة. قال الذهبي ما ملخصه: كان يقضي منه العجب إذا ذكر مسألة من مسائل الخلاف واستدل ورجح وكان يحق له الاجتهاد لاجتماع شروطه فيه قال: وما رأيت أسرع انتزاعاً للآيات الدالة على المسألة التي يوردوها منه ولا أشد استحضاراً للمتون وعزوها منه كأن السنة نصب عينيه وعلى طرف لسانه بعبارة رشيقة وعين مفتوحة وكان ىية من آيات الله في التفسير والتوسع فيه وأما أصول الديانة ومعرفة أحوال المخالفين فكان لا يشق غباره فيه هذا مع ما كان عليه من المكارم والشجاعة والفراغ من ملاذ النفس ولعل فتاويه في النون وتبلغ ثلثمائة مجلد بل أكثر وكان قوالاً بالحق لا تأخذه في الله لومة لائم. قال: ولم أر مثله في ابتهاله واستغاثته بالله وكثرة توجهه وأنا لا أعتقد فيه عصمة بل أنا مخالف له في مسائل أصلية وفرعية فإنه كان مع سعة علمه وفرط شجاعته وسيلان ذهنه وتعظيمه لحرمات الدين بشراً من البشر تعتريه حدة في البحث وغضب وشظف للخصم تزرع له عداوة في النفوس وإلا لو لاطف خصومه لكان كلمة إجماع كان كبارهم خاضعين لعلومه معترفين بشفوفه مقرين بندور خطائه وأنه بحر لا ساحل له وكنز لا نظير له ولكن ينقمون عليه أخلاقاً وأفعالاً وكل واحد يؤخذ من قوله ويترك. قال: وكان محافظاً على الصلاة والصوم معظماً للشرائع ظاهراً وباطناً ولا يؤتى من سوء فهم فإن له الذكاء المفرط ولا من فقلة علمه فإنه بحر زخار ولا كان متلاعباً بالدين ولا ينفرد بمسائل بالتشهي ولا يطلق لسانه بما اتفق بل يحتج بالقرآن والحديث والقياس ويبرهن يناظر أسوة من تقدمه من الأئمة فله أجر على خطائه وأجران على إصابته إلى أن قال: تمرض أياماً بالقلعة تمرضاً جداً إلى أن مات لية الاثنين العشرين من ذي القعدة وصلي عليه بجامع دمشق وصار يضرب بكثرة من حضر جنازته وأقل ما قيل في عددهم أنهم خمسون ألفاً. قال الشهاب بن فضل الله لما قدم ابن تيمية على البريد إلى لاقاهرة في سنة سبعمائة نزل عند عمي شرف الدين وحض أهل المملكة على الجهاد وأغلظ القول للسلطان والأمراء ورتبوا له في مدة إقامته في كل يوم ديناراً ومخفقة طعام فلم يقبل من ذلك وأرسل له السلطان بقجة قماش فردها قال ثم حضر عنده شيخنا ابو حيان فقال ما رأت عيناي مثل هذا الرجل ثم مدحه بأبيات ذكر أنه نظمها بديهة وأنشده إياها: لما أتاني تقي الدين لاح لنا داع إلى الله فرد ماله وزر على محياه من سيما الأولى صحبوا خير البرية نور دونه القمر حبر تسربل منه دهره حبراً حبر تقاذف من أمواجه الدرر قام ابن تيمية في نصر شرعتنا قام سيد تيم غذ عصت مضر وأظهر الحق إذ آثاره اندرست وأخمد الشر إذ طالت له شرر كنا نحدث عن حبر يجيء فها أنت الإمام الذي قد كان ينتظر قال ثم دار بينهما كلام فجرى ذكر سيبويه فأغلط ابن تيمية القول في سيبويه فنافره أبو حيان وقطعه بسببه ثم عاد ذاماً له وصير ذلك ذنباً لا يغفر قال: وحج ابن المحب سنة ٧٣٤ فسمع من أبي حيان أناشيد فقرأ عليه هذه الأبيات فقال قد شتها من ديواني ولا أذكره فسأله عن السبب فقال: ناظرته في شيءٍ من العربية فذكرت له كلام سيبويه فقال ليس بشيءٍ قال أبو حيان: وهذا لا يستحق الخطاب وبقال أن ابن تيمية قال له ما كان سيبويه نبي النحو ولا كان معصوماً بل أخطأ في أكثر من أربعين موضعاً وما تفهمها أنت فكان ذلك سبب مقاطعته إياه وذكره في تفسيره البحر بكل سوءٍ وكذلك في مختصره النهر ورثاه شهاب الدين ابن فضل الله بقصيدة رئية مليحة وترجم له ترجمة هائلة تنقل من المسالك إن شاء الله تعالى. ورثاه زين الدين ابن الوردي بقصيدة لطيفة طائية قال كمال الدين السومري في أماليه: ومن عجائب ما وقع في الحفظ من أهل زماننا أن ابن تيمية كان يمر بالكتاب فيطالعه مرة فينتقش في ذهنه وينقله من مصنفاته بلفظه ومعناه. وقال الأقشهري في رحلته في حق ابن تيمية: بارع في الفقه والأصلين والفرائض والحساب وفنون أخرى وما من فن إلا وله فيه يد طولى وقلمه ولسانه متقاربان. قال الطوفي: سنعته يقول: من سألني مستفيداً حققت له ومن سألني متعنتاً ناقضته فلا يلبث أن ينقطع فأكفى مؤنته وذكر تصانيفه وقال في كتابه أبطال الحيل عظيم النفع: وكان يتكلم على المنبر على طريقة المفسرين مع الفقه والحديث ويورد في ساعة من الكتاب والسنة واللغة والنظر ما لا يقدر أحد على أن يورده في عدة مجالس كأن هذه العلوم بين عينيه فيأخذ منها ما يشاء ويذر. ومن ثم نسب أصحابه إلى الغلو فيه واقتضى له ذلك العجب بنفسه حتى زها على أبناء جنسه واستشعر بأنه مجتهد فصار يرد على صغير العلماء وكبيرهم قديمهم وحديثهم حتى انتهى إلى عمر فخطأه في شيءٍ فبلغ الشيخ إبراهيم الرقي فأنكر عليه فذهب إليه واعتذر واستغفر وقال في حق علي: أخطأ في سبعة عشر شيئاً ثم خالف فيها نص الكتاب منها اعتداد المتوفى عنها زوجها أطول الأجلين. وكان لتعصبه لمذهب الحنابلة يقع في الأشاعرة حتى أنه سب الغزالي فقام عليه قوم كادوا يقتلونه ولما قدم غازان بجيوش التتر إلى الشام خرج إليه وكلمه بكلام قوي فهمَّ بقتله ثم نجا واشتهر أمره من يومئذ. واتفق أن السيخ نصراً المنبجي كان قد تقدم في الدولة لاعتقاد بيبرس الجاشنكير فيه فبلغه أن ابن تيمية يقع في ابن العربي لأنه كان يعتقد بأنه مستقيم وأن الذي ينسب إليه من الاتحاد أو الإلحاد من قصور فهم من ينكر عليه فأرسل ينكر عليه فكتب إليه كتاباً طويلاً ونسبه وأصحابه إلى الاتحاد الذي هو حقيقة الإلحاد فعظم ذلك عليهم وأعانه عيله قوم آخرون ضبطوا عليه كلمات في العقائد منكرة (؟) وقعت منه في مواعيده وفتاويه فذكروا أنه ذكر حديث النزول فنزل عن المنبر درجتين فقال: كنزولي هذا. فنسب إلى التجسيم ورده على من توسل بالنبي صلى الله عليه وسلم واستغاث فاشخص من دمشق في رمضان سنة خمس (بعد السبعمائة) فجرى عليه ما جرى وحبس مراراً فأقام على ذلك نحو أربع سنين أو أكثر وهو مع ذلك يشتغل ويفتي إلى أن اتفق أن الشيخ نصراً قام على الشيخ كريم الدين الأيلي شيخ خانقاه سعيد السعداء فأخرجه من الخانقاه وعلى شمس الدين الحريري فأخرجه من تدريس الشريفية فيقال أن الأيلي دخل الخلوة بمصر أربعين يوماً فلم يخرج حتى زالت دولة بيبرس وخمل ذكر نصر وأطلق ابن تيمية إلى الشام. وافترق الناس فيه شيعاً فمنهم من نسبه إلى التجسيم لما ذكر في العقيدة الحموية والواسطية وغيرهما من ذلك كقوله أن اليد والقدم والساق والوجه صفات حقيقية لله وأنه مستوي على العرش بذاته فقيل له يلزم من ذلك التحيز والانقسام فقال أن لا أسلم أن التحيز والانقسام منة خواص الأجسام فألزم بأنه يقول ثبت (؟) التحيز في ذات الله تعالى. ومنهم من ينسبه إلى الزندقة لقوله أن النبي صلى الله عليه وسلم لا يستغاث له وأن في ذلك تنقيصاً ومنعاً من تعظيم رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان اشد الناس عليه في ذلك النور البكري فإنه لما عقد له المجلس بسبب ذلك قال بعض المحاضرين: يغزز فقال البكري لا معنى لهذا القول فإنه إن كان تنقيصاً يقتل وإن لم يكن لا يعزز. ومنهم من ينسبه إلى النفاق لقوله في علي ما تقدم ولقوله أنه كان مخذولاً حيث ما توجه وأنه حاول الخلافة مراراً فلم ينلها وإنما قاتل للرياسة لا للديانة ولقوله أنه كان يحب الرياسة وأن عثمان كان يحب المال ولقوله أبو بكر أسلم شيخاً لا يدري ما يقول وعلي اسلم صبياً والصبي لا يصح إسلامه على قول ولكلامه في قصة خطبة ابنة أبي جهل وما فيها من الثناء على. . . وقصة أبي العاص بن الربيع وما يوجد من مفهومها فإنه مشنع في ذلك فألزموه بالنفاق لقوله صلى الله عليه وسلم ولا يبغضك إلا منافق. ونسبه قوم إلى أنه يسعى في الإمامة الكبرى فإنه كان يلهج بذكر ابن تومرت ويطريه فكان ذلك مؤكداً لطول سجنه وله وقائع شهيرة وكان إذا حوقق وألزم يقول لم أرد هذا إنما أردت كذا فيذكر احتمالاً بعيداً قال: وكان من أذكياء العالم وله في ذلك أمور عظيمة منها أن محمد بن أبي بكر السكاكيني عمل أبياتاً على لسان ذمي في إنكار القدر وأولها: أيا علماء الدين ذمي دينكم تحير دلوه بأعظم حجة إذا ما قضى ربي بكفري بزعمكم ولم يرضه مني فما وجه حيلتي فوقف عليها ابن تيمية فثنى إحدى رجله على الأخرى وأجاب في مجلسه قبل أن يقوم بمائة واسعة عشر بيتاً أولها: سؤالك يا هذا سؤال معاند مخاصم رب العرش باري البرية وقال شيخ شيوخنا الحافظ ابن سيد الناس في ترجمة ابن تيمية وهو الذي حداني على رؤية الشيخ الإمام شيخ الإسلام تقي الدين قال: فألفيته ممن أدرك من العلوم حظاً، وكان يستوعب السنة والآثار حفظاً إن تكلم في التفسير فهو حامل رايته أو أفتى في الفقه فهو مدرك غايته أو ذاكر في الحديث فهو صاحب علمه وروايته، أو حاضر بالملل والنحل لم ير أوسع من نحلته في ذلك ولا أرفع من درايته، بزر في كل فن على أبناء جنسه، فلم تر عين من رآه مثله ولا رأت عينه مثل نفسه. كان يتكلم في التفسير، فيحضر مجلسه الجم الغفير، ويردون من بحره العذب النمير، ويرتعون ممن ربع فضله في روضة وغدير، إلى أن دب إليه من أهل بلده داء الحسد وألب أهل النظر منهم على ما ينتقد عليهم من أمور المعتقد، فحفظوا عنه في ذلك كلاماً، أوسعوه بسببه ملاماً، وفوقوا لتبديعه سهاماً، وزعموا أنه خالف طريقهم، وفرق فريقهم، فنازعهم ونازعوه، وقاطع بعضهم وقاطعوه، ثم نازعه طائفة أخرى ينسبون من الفقر إلى طريقه، ويزعمون أنه على أدق باطن منها وأجلى حقيقة، وكشف تلك الطرائق، وذكر لها مراغم وموابق، فآضت إلى الطائفة الأولى من منازعه، واستعانت بذوي الضغن عليه من مقاطعته، فأوصلوا إلى الأمراء أمره، وأعمل كل منهم في كفره فكره، فرتبوا المحاضر، وألهبوا الرويبضة (؟) للسعي بها عند الأكابر وسعوا في نقله إلى حاضرة المملكة بالديار المصرية فنقل، وأودع السجن ساعة حضوره واعتقل، وعقدوا لإراقة دمه مجالس، وحشدوا لذلك قوماً من عمار الزوايا وسكان المدارس، من عامل في المنازعة، مخاتل بالمخادعة مجاهر بالتكفير مبارز بالمقاطعة، يسومونه ريب المنون، وربك يعلم ما تكن صدورهم وما يعلنون، وليس بالمجاهر بكفره بأسوأ حالاً من المجامل وقد دبت إليه عقارب مكره، فرد الله كيد كل من نحره، ونجاه على يد من اصطفاه والله غالب على أمره، ثم لم يخل بعد ذلك من فتنة بعد فتنة، ولم ينتقل طول عمره من محنة إلا إلى محنة، إلى أن فوض أمره إلى بعض القضاة فتقلد ما تقلد من اعتقاله، ولم يزل بمحبسه ذلك إلى حيث ذهابه إلى رحمة الله تعالى وانتقاله والى الله ترجع الأمور، وهو المطلع على خائنة الأعين وما تخفي الصدور، وكان يومه مشهوداً ضاقت بجنازته الطريق، وانتابها المسلمون من كل فجٍ عميق، يتبركون بمشهده يوم تقوم الأشهاد، ويتمسكون بسريره حتى كسروا تلك الأعواد. وقال الذهبي مترجماً له في بعض الإجازات: قرأ القرآن والفقه وناظر واستدل وهو دون البلوغ وبرع في العلم والتفسير وأفتى ودرس وهو دون العشرين وصنف التصانيف وصار من كبار العلماء في حياة شيوخه وتصانيفه نحو أربعة آلاف كراسة وأكثر. وقال في موضع آخر وأما نقله للفقه ومذاهب الصحابة والتابعين فضلاً عن المذاهب الأربعة فليس له فيه نظير وفي موضع آخر وله باع طويل في معرفة أحوال السلف وقلَّ أن تذكر مسألة إلا ويذكر فيها المذاهب والأئمة وقد خالف الأئمة الأربعة في عدة مسائل صنف فيها واحتج لها بالكتاب والسنة ولما كان معتقلاً بالإسكندرية التمس منه صاحب سبتة أن يجيز له بعض مروياته فكتب له جملة من ذلك في عشرة أوراق بأسانيده ومن بحفظه بحيث يعجز أن يعمل بعضه أكبر من يكون وأقام عدة سنين لا يفتي بمذهب معين. وقال في موضع آخر: بصيراً بطريقة السلف واحتج له بأدلة وأمور لم يسبق إليها وأطلق عبارات أحج عنها غيره حتى قام عليه خلق من العلماء بالمصريين فبدعوه وناظروه وهو ثابت لا يداهن ولا يحابي بل يقول الحق اذا أداه إليه اجتهاده وحدة ذهنه وسعة دائرته فجرى بينهم حملات جزئية ووقعات شامية ومصرية ورموه عن قوس واحدة ثم نجاه الله سبحانه وتعالى وكان دائم الاشتغال كثير الاستغاثة قوي التوكل رابط الجأش له أوراد وأذكار يدمنها. وكتب الذهبي إلى السكبي يعاتبه بسبب كلام وقع منه في حق ابن تيمية فأجابه ومن جملة الجواب: وأما قول سيدي في الشيخ تقي الدين فالمملوك يتحقق كبير قدره وزخارة بحره وتوسعه في العلوم النقلية والعقلية وفرط ذكاءه واجتهاده وبلوغه في كل من ذلك المبلغ الذي يتجاوز الوصف والمملوك يقول ذلك دائماً وقدره في نفسي أكثر من ذلك وأجل مع ما جمعه الله له من الزهادة والورع والديانة ونصرة الحق والقيام فيه لا لغرض سواه وجريه على سنن السلف وأخذه من ذلك بالمأخذ الأوفى وغرابة مثله في هذا الزمان بل من الزمان. وقرأت بخط الحافظ صلاح الدين خليل العلائي في ثبت شيخ شيوخنا الحافظ بهاء الدين عبد الله بن محمد بن خليل ما نصه: وسمع بهاء الدين المذكور على الشيخين شيخنا وسيدنا وإمامنا فيمت بيننا وبين الله تعالى شيخ التحقيق السالك بمن اتبعه أحسن طريق ذي الفضائل المتكاثرة والحجج الباهرة التي أقرت الأمم كافة أن همها عن حصره قاصرة متعنا الله بعلومه الفاخرة ونفعنا به في الدنيا والآخرة وهو الشيخ الإمام العالي الرباني والحبر البحر القطب النوراني إمام الأئمة بركة الأمة علامة العلماء وارث الأنبياء آخر المجتهدين أوحد علماء الدين شيخ الإسلام حجة الأعلام تقي الدين. . . سيف المناظرين برح العلوم كنز المستفيدين ترجمان القرآن أعجوبة الزمان فريد العصر والأوان. . . حجة الله على العالمين اللاحق بالصالحين للماضين مفتي الفرق ناصر الحق علامة الهدى عمدة الحفاظ ركن الشريعة كنز المعاني والألفاظ ذي الفنون البديعة أبي العباس ابن تيمية اهـ. هذه ترجمة نابغة الإسلام وأعجوب علماء القرون الوسطى ولو لم يكن في هذا الكتاب سوى ترجمته لكان كافياً في طبعه والكتاب نسخة نفيسة نادرة في بابها لأن ناسخه عالم محقق ويعتاد الإنسان قراءة خطه على إعجامه بعد قراءة بضع صفحات منه وقد طمست بعض سطوره من أوائل بعض الصفحات لماء أو رطوبة ولكن يسهل إثبات الصحة ولو بمراجعة بعض المظان المطبوعة وغيرها. والكتاب كما تقدم بخط البرهان البقاعي المفسر قال في آخره: قال شيخنا شيخ الإسلام والحفاظ مصنفه ومن خطه نقلت النسخة التي نقلت منها هذه فرغ منه جامعه سوى ما ألحق فيه بعد تاريخ فراغه في شهور سنة ثلاثين وثماني مائة ثم ألحق فيه إلى سنة سبع وثلاثين ولم يكمل الغرض من الإلحاق لبقايا من تراجم في زوايا لم أستوعبها بعد أعان الله تعالى على استكمال ذلك بمنه وكرمه آمين. قلت (البقاعي) وكانت كتابتي فيه للنسخة الأولى في ربيع الآخر سنة ٨٥٥ وعسر عليَّ قراءة كثير من النظم الذي في التراجم وغير ذلك ثم نقلته كذلك إلى هنا والمرجو من فضل الله تعالى من تحرير ذلك ومقابلته جميعه على الأصل المنقول منه أن تيسر وتحرر ذلك من أصوله إن شاء الله تعالى وكان فراغي من هذه في ١٧ شوال سنة ٨٥٩ بمنزلي بحارة بهاء الدين في القاهرة اهـ. أما ابن حجر العسقلاني فهو شهاب الدين أحمد بن علي بن محمد بن حجر نسبة إلى حجر قوم تسكن الجنوب العسقلاني الأصل المصري المو لد والمنشأ والدار والوفاة ولد سنة سبعمائة وثلاث وسبعين وتوفي سنة ثمانمائة واثنين وخمسين والمؤلف هذا معدود من أئمة الشافعية وله غير ذلك من الكتب منها تاريخ مرتب على السنين سماه أنباء الغمر في أبناء العمر وفي المكتبة الظاهرية مسودته بخط مؤلفه وهي لا تكاد تقرأ لما فيها من سقم الحروف والشطب والتعليق قال في مقدمته: وبعد فيقول العبد الضعيف أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن علي بن أحمد بن محمود بن أحمد بن حجر العسقلاني الأصل المصري المولد القاهري الدار هذا تعليق جمعت فيه حواذث الزمان منذ مولدي سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة وهلم جرا مفصلاً كل سنة أحوال الدول ووفيات الأعيان مستوعباً لرواة الحديث خصوصاً من لقيته أو أجاز لي إلى أن قال وسميته أنباء الغمر في أبناء العمر. وهاك نموذجاً من تأليفه: سنة سبع وسبعين وسبع مائة: فيها في المحرم طهر السلطان أولاده وعمل لهم مهيا عظيماً أنفق فيه من الأموال ما لا يحصى وظهر فيه من الفواحش والقبائح ما لا مزيد عليه واستمر ذلك سبعة أيام. سنة أربع وسبعين وسبع مائة: وفيها كان الوباءُ بدمشق فدام مدة تسعة أشهر وبلغ العدد في كل يوم مائتي نفر. سنة أربع وتسعين وسبع مائة: هجم على النائب بدمشق خمسة أنفس فقتلوه وأخرجوا من الحبس من الميكاسه (؟) وهم نحو مائة نفر وملكوا القلعة لحاجبهم الحاجب في عسكر دمشق وضيق عليهم إلى أن غلبوا فأحرق عليهم الباب وأمسكوا الثائرين فلم يبقوا منهم إلا من هرب. وقال في أول الجزء الثاني وهو يبتدئ بأول القرن التاسع من الهجرة ما نصه: دخلت سنة إحدى وثماني مائة وسلطان مصر والشام والحجاز الملك الظاهر أبو سعيد برقوق وسلطان الروم أبو زيد عثمان وسلطان اليمن من نواحي تهامة الملك الأشرف ومن نواحي الجبال الإمام الزيدي الحسني وسلطان المغرب الأدنى أبو فارس عبد العزيز الحفصي وسلطان المغرب الأوسط المريني وسلطان المغرب الأدنى ابن الأحمر وصاحب البلاد الشرقية تيمور وكان المعروف باللنك وصاحب بغداد أحمد بن إدريس وأمير مكة حسن بن عجلان والخليفة العباسي أبو عبد الله المتوكل على الله ويدعى أمير المؤمنين وينازعه بهذا الاسم الإمام الزيدي وبع ملوك المغرب وصاحب اليمن. وقد امتد الكتاب إلى سنة خمسين وثمانمائة وبدئ بعد سنة ثلاث وسبعين وسبع مائة وقد ذكر صاحب كشف الظنون أذيلاً لأنباء الغمر فمن لنا بأن نظفر بالأصل والفرع ويطبعا كما يطبع الدرر الكامنة. وأما ناسخ الكتاب فهو برهان البقاعي صاحب المناسبات ترجم له الضوء اللامع ترجمة مطولة وكلها مطاعن لأنهما تدارسا العلم في سن الطلب واستفاد كل منهما من الآخر على عادة الطلبة فمما قاله فيه إنه إبراهيم بن عمر البقاعي برهان الدين وكنى نفسه أبا الحسن الخرباوي البقاعي صاحب تلك العجائب والنوائب والقلاقل والمسائل المتعارضة المتناقضة ولد فيما زعم تقريباً سنة تسع وثمانمائة بقرية يقال لها خربة روحا من عمل البقاع ونشأ بها ثم تحول إلى دمشق ثم فارقها ودخل بيت المقدس ثم القاهرة قال ووقائعه كثيرة وأحواله شهيرة ودعاويه مستفيضة أهلكه التيه والعجب وحب الشرف والسمعة بحيث زعم أنه قيم العصرين بكتاب الله وسنة رسوله إلى غير ذلك من المطاعن التي وجهها إليه وظهرت فيها نواجذ الشر والعداوة على أنه من أهل العلم المذكورين في عصره والمعدودين من محاسن دهره ولو لم يكن له إلا تفسيره في تناسب الآيات والسور الذي لم يؤلف في الإسلام مثله لكفاه فضلاً ورحل في آخر أمره إلى دمشق واتخذها موطناً وتوفي في رجب سنة ٨٨٥ ودفن في مقبرة الحمرية ظاهر الشويكة في دمشق الشام ويوجد في المكتبة الظاهرية من تفسيره المنوه به نسختان عورضت إحداهما على مؤلفها وبها خطه رحمه الله. المسلمون والبولونيون في الغرب من مملكة روسيا وفي الجنوب من بروسيا وفي الشمال من النمسا بلاد متنائية الأطراف وساعة البقاع مخصبة الرباع كثيرة الأنهار والغابات والمناجم اسمها بولونيا أي السهل باللغة الصقلبية وهي المعروفة في تواريخ الأتراك باسم لهستان قضى عليها نكد الطالع أن تفقد استقلالها لاختلاف كلمة أمرائها وأبنائها منذ نحو قرن ونصف فتقاسمتها روسيا والنمسا وألمانيا وتبلغ مساحة بولونيا الروسية وفيها عاصمة البلاد القديمة فارسوفيا ١٢٧.٣١٩ كيلومتراً مربعاً وسكانها ٩.٤٥٦.٠٠٠ واذا أضنا إليهم سكان بولونيا النمسوية وبولونيا الألمانية يبلغ عددهم نحو عشرين مليوناً بحسب تقدير الجغرافيات الحديثة من أهل أوربا يدين نحو نصفهم بالكثلكة وباقيهم إسرائيليون وبرتستانت ومسلمون تاتار. ومناخ هذه البلاد شديد ول كنه معتدل في الجملة اذا قيس بمناخ روسيا وهو حار في الصيف بارد جداً في الشتاء وتقل فيها الثلوج وتجمد فيها الأنهار في الشتاء من شهرين ونصف إلى ثلاثة أشهر ونصف وقد انتشرت فيها الصناعات لكثرة ما فيها من الفحم الحجري فأصبحت أهم أقاليم روسيا من هذه الوجهة أما التجارة فتاد تكون محصورة في أيدي الإسرائيليين. وتاريخ هذه الأمة قديم غامض أشبه بأساطير حتى القرن التاسع للميلاد وغاية ما يعلم أن هذه الأقطار الممتدة بين البحر الأسود وبحر البلطيق كان يسكنها في الأصل شعوب اسمها الأنتس والهنت والفاند ثم نزلها الصقالبة. وأول زعيم أنشأ مملكة بولونيا فلاح صالح اسمه بياست فحكمها إلى سنة ١٣٣٣ ودخلت النصرانية إلى بولونيا على يد ميسيسلاس الأول ( ٩٦٢ — ٩٢٢ ) وانضمت بلاد ليتوانيا إلى بولونيا في القرن الرابع عشر بزواج هدويج ابنة كازمير الأول ( ١٣٣٣ — ١٣٧٠ ) من لاديسلاس جاجلون. وفي أوائل القرن الخامس عشر أي وفي العهد الذي بدأت تنشأ في أوربا ممالك مطلقة الحكم مستبدة السلطان بدأ الفشل السياسي والفوضى الإدارية تدب في مملكة بولونيا مما عجل تقسيمها وحذفها من رقعة السياسة الأوربية وذلك لاختلاف مصالح البلادين ليتوانيا وبولونيا واختلاف لسانيهما فكانت مجالس النواب في الولايات متباينة المقاصد تعاكس الملك في أقل الأمور حتى في عزل الموظفين الذين كانوا يعينون بلا عزل مدة حياتهم وأقل صاحب رأي في الانتخاب يوقف عمل الأكثرية ويفسد عليها أمرها حتى انقلبت الحال بعهد أن كتب النصر لبولونيا على الهوسيين وفرسان حملة السيوف أن تبقى بلا حكومة ولا جيش ما خلا أيام أسرة جاجلون. وقد بدأ انحطاط بولونيا على عهد سيجسموند فازا سنة ١٦١٨ فأصبحت المملكة بدون مالية ولا بيت ملك وطني بل كان ينتقل الملك من فرنسوي يعينه مجلس النواب إلى مجري هذا وليس للبلاد حدود طبيعية تحميها من هجمات المهاجمين. ثم عادت إلى البلاد بعض حياتها على عهد يوحنا سوبيسكي ( ١٦٧٤ — ١٦٩٥ ) فأصبح لها بعض مجد بجيش لها نظمته فبالجيش البولوني أنقذت فيينا من أيدي العثمانيين الذين حاصروها ولكن لم تعد نجاة البولونيين للنمساويين بشيءٍ من الفائدة عليهم ولا على حكومتهم. وخلف المنتخب فريدرك أغطس في ساكس ملكها سوبيسكي فاستند إلى إمارته سكسونيا فاستقام له أمر بولونيا ثم خلع وتداخلت روسيا في أمره ثم نشأ خصام بين بيوت الملك في بولونيا يدعي كل منهم حق التملك على البلاد وفي سنة ١٧٦٤ قضت إرادة كاثرينا الثانية صاحبة روسيا بتأييد ساتنيسلاس بونيانوفسكي على عرش السلطنة البولونية وفي وسط ذاك الاضطرابات كثرت الانقسامات الداخلية وجاءت الفتن الدينية التي كانت هادئة هناك فانضمت إلى المنافسات السياسية وذلك بما تخلل الأمر من عبث الأصابع الأجنبية فاستصرخ الأروام كاثرينا الثانية إمبراطورة روسيا واستنجد البرتستانت ماري تريز ملكة النمسا وفريدرك الثاني. وكان لروسيا نفوذ في مجلس نواب سنة ١٧٦٦ فسعت إلى إطلاق حرية المذهب وألفت حرية الانتخاب فاستقام أمر الحكومة وكان الاضطراب عندما ألفت سنة ١٧٦٨ اتحاد بار يضمن احترام الاستقلال الوطني ولكن كان قد سبق السيف العذل فتقرر بين روسيا والنمسا سنة ١٧٧٢ تقسيم بولونيا ولم يقاوم في ذلك من الدول سوى الدولة العلية فتقاسمت النمسا وألمانيا وروسيا تلك المملكة العظمى وفي سنة ١٧٩٥ قسمت البلاد نهائياً فوقعت العاصمة أي فارسوفيا من حصة روسيا وكراكوفيا وفيها كلية بولونيا العظمى من حظ النمسا ونالت بروسية بقية المملكة ثم نظم جزء منها مملكة جديدة ولكنها انتفضت وثارت سنة ١٨٣٠ فدخل الروس إلى فارسوفيا بعد أن أبلى البولونيون بلاءً حسناً فانحلت مملكة فارسوفيا وأقفلت كلية فلينا البولونية وصادرت الأموال ونفت الرجال فأصبحت بولونيا ولاية روسية وقام البولونيون سنة ١٨٦٣ ثانية وحملهم على الانتفاض وما رأوه من اشتغال روسيا في حرب الشرق فألف البولونيون منهم عسكراً لا يبقي ولا يذر بالنظر لقلة عدده تمكنت روسيا من قمع جماح الفتنة بعد سنة من نشوبها وما فتئ منذ ذاك العهد حال بولونيا في الولايات الروسية آيلا إلى نزع لغتها وإبدالها باللغة الروسية وتدريب أهلها على المناحي الروسية وكذلك حال ولايات بروسيا آخذة بالصبغة الألمانية الجرمانية. هذا إجمال من تاريخ انقسام مملكة بولونيا أما حالتها الأدبية والعمرانية فإن لغتها من فروع اللغات السلافية الغربية وقريبة جداً من اللغة الكاسوبية واللغة البولابية. وفي بولونيا عدة لهجات وقد نشأ من كلية كراكوفيا التي أنشأها كازمير الأكبر عدة رجال في الفلسفة والعلم منهم كوبرنيك الفلكي ونجحت اللغة البولونية على عهد ملوكها من أسرة جاجلون وذلك بفضل دعاة المذهب البرتستانتي الذين اختاروا نشر تعاليمهم بلغة الشعب وعلى يوحنا كوشانوفسكي سلم ذوق اللغة وتألفت على القواعد العلمية المألوفة لليونان والرومان ودام ذلك إلى القرن السابع عشر والقرن الثامن عشر وهما قرنا الانحطاط لأن القوم شكغلوا بالفتن الداخلية فلم يعد أحد ينظر في الأدب وداهمت اللغة مفردات من اللغات الأجنبية. وقد نشأ للآداب البولونية شعراء وكتاب كبار ومؤلفون ووعاظ وأثريون ومؤرخون وجغرافيون وقصصيون ودخل الشعر البولوني عل عهد الثورة سنة ١٨٣٠ في طور جديد وأثر على عقول الناهضين من شبانهم أحوال الفتن وانطلقت ألسنتهم بالشعر الممزوج بعواطف النفوس المتألمة ودامت طبقة الشعر في ارتقاء إلى أواخر القرن التاسع عشر بما تنشأ لهم من الشعراء بل والشاعرات المجيدات الذين حركوا كوامن النفوس وهيأوها لمطلب الكمال والاستقلال وساعد القصصيون خاصة بما نشروه من الأساطير والروايات على ترقية اللغة البولونية وإدخال حياة جديدة فيها في العهد الأخير دع عنك من خرج من هذه الأمة من الفلاسفة والمؤرخين. وإن ما بقي من الآثار القليلة والعاديات في تلك البلاد ليدل دلالة واضحة على أن قدماء الصقالبة كانوا يحبون الصناعات والفنون وكذلك كانت الحال في القرون الوسطى في بولونيا فإن ملوكها حموا حمى الصنائع النفيسة فكانوا يأتون من إيطاليا بالبنائين والنقاشين المصورين حتى جاراهم البولونيون ونافسوهم في هذه الأعمال بعد. ولكن الفتن التي استطار شرارها في القرنين الأخيرين سلب من نفوس البولونيين قرارها فهاموا على وجوههم بعد فقد استقلالهم في طول أوربا وأميركا وعرضهما وكثر منهم المهاجرون ولاسيما إلى أميركا الشمالية حتى قيل أنهم بلغوا نحو مليوني بولوني يحافظون إلى اليوم على لغتهم وآدابهم وعاداتهم القومية. وللبولونيين غرام فائق في احتفاظهم بلغتهم وبتناغيمهم بتاريخهم فتراهم كلما طال المطال على تمزق ملكهم يحنون لاسترجاعه وتقوى عزائمهم على المطالبة به ولكن أوربا أو الساسة من أهلها قد قدت قلوبهم من حجر فلا تسمع لباك ولا تؤحم كل شاك. على أن البولونيين لم يعتمدوا بعد التجارب الكثيرة إلا على أنفسهم فكانوا وما زالوا يستعدون في بلادهم وخارجها للتربية الحربية حتى لا تزول منهم ملكة الكر والفر وقد أنشأوا لغرض الاستقلال جمعيات بثوا دعاتها في بلادهم وفي أوربا وأميركا يجمعون المال إلى أيام الشدة وهاذ المال يحفظونه في الغالب في فروع جمعياتهم في سويسرا وقد صرفوها كلها في الفتن الأخيرة التي ثارت في بولونيا الروسية عقيب حرب روسيا مع اليابان فكانت تأتينا أخبار فارسوفيا بفظائع البولونيين وشدة حكومة روسيا في قطع دابر الفتنة. وفي سويسرا أيضاً حفظ البولونيون تاج آخر ملكهم وصولجانه ونموذجاً من ألبستهم جعلوها في متحف خاص. ولما انتشر ت الحرية بعض الشيء في روسية تنفس خناق البولونيين وقاموا يعيدون أمجاد آبائهم بمدارسهم ولم تنل روسيا مأرباً من نزع لغتهم وتلقينهم لغتها بالقوة بل عادت اللغة البولونية أكثر انتشاراً مما كانت قبل انقسام بلادهم ومن الغريب أن التشتت الذي أصاب أهلها والسعي الحثيث في معاملة مدارسها بالشدة في ألمانيا وروسيا لم تسفر إلا عن اندماج كثير من اليهود الجرمانيين في الجنسية البولونية لأن البولونيين من أقدر الأمم على جلب غيرهم إليهم كأن من خواص شعبهم أن يأخذ ولا يعطي. كانت النمسا وما زالت أرفق الدول الثلاث الكبرى التي تقاسمت بينها بولونيا بهذه الأمة ولغتها وآدابها وعاداتها ولذلك كان إخلاص البولونيين لها أكثر من إخلاصهم للألمان والروس لأنمها ساوتهم بسائر عناصرها فلم يستثقلوا ظلها ولا تبرموا بإدارتها. ولكثرة اندماج الألمانيين والإسرائيليين بالبولونيين من حيث يشعرون ولا يشعرون زادت نفوس فارسوفيا زيادة هائلة حتى بلغت الآن ثمانمائة ألف وكانت أقل من خمسين ألفاً وعدت من عواصم بلاد أوربا وبالنظر لخصب البلاد وعراقتها في الصناعات والتجارات ونشاط أهلها أكثر مكن سائر العناصر السلافية بلغت مداخيل المصنوعات البولونية ٤٢٠ مليون روبل وكانت أقل من ثلاثين وبلغت قيمة الثروة العامة في بولونيا الألمانية نحو ألف وثلاثمائة مليون مارك وكانت نحو أربعمائة مليون. وهكذا تجد تجارتها واسعة باتساع غاباتها ومناجمها وخصب تربتها واقتدار أهلها على الصناعة والتقليد حتى حاكوا أعرق الأمم الغربية في الحضارة ويكفي أن كوري مخترع الراديوم هو وعقيلته من أهل بولونيا وإن فغي أهل أوربا كثير ممن نعرفهم الآن فرنسويون أو ألمانيين أو نمساويين أو إنكليزيين وهم في الحقيقة بولونيون لغة ومنشأ. وبعد فيجدر وقد اتصل بنا نفس الكلام في هذا المبحث إلى هذا الحد أن نلم بطرف من تاريخ هذه الأمة وعلاقتها بالمسلمين ولاسيما آل عثمان فقد بدأت الصلات المهمة بين بولونيا والأمم الإسلامية على عهد لاديسلاس جاجلون والسلطان مراد الثاني وحاكم بلاد المجر على ذلك العهد يوحنا هونياد وهو تابع لبولونيا وكانت تحدث على الدوام مشاكل بين جيشه وجيش السلطان وبعد حروب وفتن كتب فيها النصرة تارة للعثمانيين وأخرى للمجريين سئمت نفوس الطرفين القتال فطلب السلطان مراد التوسط بالصلح إلى صاحب بولونيا فوقع على صكه في ١٤ ربيع الآخر سنة ٨٤٨ هـ ( ١٤٤٤ ) لمدة عشر سنين على أن يعيد السلطان بلاد الصرب إلى ملكها وأن تضم بلاد الفلاخ إلى المجر ويفتدي السلطان صهره محمد الحلبي الذي أسر في وقعة كونوييرا بسبعين ألف دوكا ( ٨٠٥.٠٠٠ فرنك). واذا صادف أن السلطان مراد تنازل عن عرش الملك لابنه محمد طمعت أوربا في السلطنة ورأت الفرصة مناسبة للنيل منها وعلى عرش فتى لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره فطلب إلى صاحب بولونيا أن يشارك الدول في تحالفهن على العثمانيين فأبي للعهد الذي عقده مع سلطان العثمانيين فأرسل البابا إليه أوجين الرابع يصرح بنه لا خشية في بعض الأحوال من الحنث بالأيمان ومثل له بنفسه إذ أنه جهز ثماني سفن على نفقته وسمى نفسه رئيس العصبة فاضطر صاحب بولونيا أن يسير على الخطة التي رسمها إمام الأحبار فأنفذ بعوثه إلى إقليم تراسيا واشتبك القتال بين المجريين والبولونيين والفلاخيين من جهة والعثمانيين من جهة أخرى ونزل السلطان مراد بنفسه إلى ساحة الوغى بدل ابنه الذي خلفه فقتل أحد شيوخ العسكر العثماني واسمه خوجه خير ملك ملك بولونيا فدب الفشل في الجيش المتحزب كله وذلك في رجب سنة ٨٤٨ هـ ( ١٤٤٤ ). قال المؤرخ ليونارد شودزوكو: قال السلطان مراد بينا هو يطوف ساحة الوغى مع أمين سره أريب بك لما رأى صرعى الحرب من أعدائه: أليس من الغريب أن يكون كل هذا الجيش مؤلفاً من شبان وليس فيه شيخ واحد فأجابه أريب بك: لو كان فيه شيخ واحد لما ألقى بنفسه في مثل هذه الورطة المجنونة وقد فقد جيوش المحاربين في تلك الوقعة أشياء ثمينة ومنها سجلات ملك بولونيا فقدت مع ما فقد عند مصرعه وهي خسارة كبرى. وفي سنة ١٤٤٧ كان التاتار في بلاد القريم في حروب دائمة فأجمع رأيهم على أن يحكموا كازمير جاجلون ملك بولونيا ودوق ليتوانيا فيما شجر بينهم فنزل بعض المنكوبين من التاتار بلاد ليتوانيا على الرحب والسعة وأعطاهم صاحب بولونيا أراضي يتوفرون على زراعتها وأخلصوا له ودافعوا في مواقف القتال عن حوزة بلاده وأطلق لهم حريتهم الدينية حتى استمال بذلك قلوبهم وجاء الملك لاديسلاس الرابع وأيد امتيازاتهم فأنشأوا لهم جوامع ومنارات وبعد أن كانوا بادية رحالة أصبحوا مزارعين ساكنين وادعين وفي سنة ١٤٩٤ جمع يوحنا البر ملك بولونيا بعض أمراء النصرانية في جواره وتحالفوا على قتال العثمانيين فساق السلطان بايزيد جيشاً مؤلفاً من أربعين ألف جندي اجتازوا نهر الطونة وانضموا إلى الفلاخيين وهجموا سنة ١٨٩٤ على بلاد بولونيا وكان صدر الأمر السلطاني إلى والي سيلسترا على بعض مواقعها في وقعتين ظفروا فيهما ولكن داهم الجيش العثماني برد قارس وثلج وأعاصير فهلك منه لأربعون ألفاً ولم يسلم سوى عشرة آلاف جندي عادوا أدراجهم يجتازون نهر الطونة. وإذ تحالف ملك بولونيا مع ملك المجر وملك ليتوانيا اضطر السلطان بايزيد أن يبعث إلى كراكوفيا سفراء لعقد الصلح. وفي سنة ١٥٢١ أرسل السلطان سليمان الأول إلى بلاد المجر سفيراً لم يجبه المجريون إلا بخنق سفيره فساق السلطان على المجر قوة من جيشه غلب بها المجر ولئن أمدهم صاحب بولونيا بستة آلاف جندي لكن قوة الدولة العلية كانت أعظم وعاد السلطان سليمان في ربيع سنة ١٥٢٦ أيضاً في قوة من رجاله على بلاد المجر فأمد ملك بولونيا قوة الدولة العثمانية تغلبت فكتب النصر لأعلامها وهلك في المعركة لويز الثاني ملك المجر في خمسة وعشرين ألفاً من رجاله. ثم سار سليمان إلى جهات المجر وأرجع البلاد إلى ملكها الشرعي وانقلبت الحال فتحالف سلطان العثمانيين مع ملكي بولونيا وفرنسا وتزوج السلطان سليمان بروكسلان من سبايا البولونيات فشغفته حباً واتخذها سلطانة شرعية وسماها خرّما وكانت على غاية من الجمال والأدب والذكاء ولكنها صرفت ذكاءها إلى الخبث فكانت القاضية على السلطان أن يعامل ابنه معاملة بربرية شهدت لها تواريخ العثمانيين فقتله بدسائسها. وفي سنة ١٥٧٢ أعانت بولونيا الدولة العلية عندما تداخلت هذه لإقرار الأمن في نصابه في إقليم مولادافيا وسعت الدولة العلية كل السعي أن يبقى التحالف مستحكماً بينها وبين فرنسا وبولونيا عوادي النمسا ولكن حكم بولونيا ملوك لم يعدوا لهذا الأمر عدته. وفي سنة ١٥٧٦ تحالف السلطان مراد الثالث مع أتين باتوري أمير ترانسلفانيا وملك بولونيا وجددت المعاهدة سنة ١٦١٩ . ولكن أمير ترانسلفانيا واسمه بتلم كابور كان يطمع في الاستيلاء على المجر فحرض العثمانيين والتاتار على البولونيين فوقعت بين صاحبي بولونيا والعثمانية وقعة أخرى سنة ١٦٢٠ كسر فيها البولونيون وفي سنة ١٦٢١ قام السلطان عثمان الثاني في مئة ألف من جنده قاصداً إلى بولونيا فدحر جيشه ولما رأى أنه فقد منه ستون ألفاً اضطر يوم ٢٣ ذي القعدة ١٠٣٠ إلى عقد صلح صدق عليه في الأستانة سنة ١٦٢٣ سفير بولونيا. ثم أن روسيا أهاجت خاطر السلطان مراد الرابع على بولونيا ولكن حكمة صاحب بولونيا قضت بحقن الدماء وإن كان أزمع السلطان العثماني أن يملأ بجيوشه السهل والوعر في بولونيا لكون السفير البولوني تلطف في السفارة وأغضى عما سمع من السلطان من إرادة هذا أن تدين بولونيا بالإسلام وتدك حصونها وتؤدي إليه الجزية فعقدت بين الدولة العثمانية وبولونيا معاهدة سنة ١٦٣٤ كانت نافعة للبولونيين. وفي تلك السنة بدأت روسيا بحجة الدفاع عن مسيحيي الشرق تدس الدسائس. خدم نالي بك وهو بولوني واسمه الأصلي بوبوفسكي الباب العالي أعظم خدمة في القرن السابع عشر كما خدم البولونيين والليتوانيين فقد عينته الدولة مترجماً في الباب العالي وكان يحسن سبع عشرة لغة. وفي سنة ١٦٧٢ زادت الأخطار التي كانت تهدد بولونيا منذ سنة ١٦٥٢ فكان قيصر الروس يدس الدسائس بين القوزاق والتاتار والأتراك ليحملهم على النيل من البولونيين حتى كان من السلطان محمد الرابع أن أعلن عليهم الحرب في نيسان سنة ١٦٧٢ فاستولى على كاميليك بودولسكي وليوبول وعلى أهم المواقع الحصينة من إقليم روتينيا غاليسيا. فطلب صاحب بولونيا الصلح من السلطان وتخلت بولونيا للباب العالي عن بودولي وأوكرين وأن تدفع إليه جزية سنوية قدرها ٢٢٠ ألف دوكا إلا أن الأمة البولونية لم ترض أن تدفع مثل هذه الجزية لما رأت فيها من العار عليها وآثرت أن تعود إلى الحرب تموت في ساحاتها من أن تقبل بشروط ارتضاها ملك لها مأفون الرأي ضعيف الحول والطول فعاد السلطان محمد الرابع إلى القتال وهاجم سوبيسكي جيوش العثمانيين في شوسيم على نهر دنيستر واستولى على المدينة ورجع العثمانيون على أعقابهم إلى بابا سوبيسكي إلى فارسوفيا للاشتراك في انتخاب ملك لبولونيا فقدر انتخابه ملكاً لها مكافأة له على الخدمة التي قدمها لأمته وعاد إلى قتال العثمانيين فهزمهم في بودوليا وأوكرانيا وفي ١٩ شعبان ١٠٨٧ هـ عقد الصلح على أن لا تدفع بولونيا شيئاً ويبقى لها قسم من إقليم بودوليا ويحتفظ العثمانيون بكاميليك وأن تكون مفاتيح الأماكن المقدسة بيد بولونيا لأنها دولة تسامح لا تتعصب لكاثوليكي ولا لرومي ولا لبرتستانتي ولا لغيرهم من أهل الأديان وذلك على الرم من إرادة روسيا فصفت العلائق بين الدولة العثمانية وحكومة بولونيا. ولما ساقت الدولة العثمانية على فينا مائة وخمسين ألف رجل وكادت تستولي عليها أنجد صاحب بولونيا صاحب النمسا فارتد العثمانيون عن عاصمة النمسا ثم اقتتل الجيش العثماني مع الجيش النمساوي سنة ١٦٩١ في سالانكم على نهر الطونة فغلب العثمانيون أولاً ثم انهزموا فاقدين ثلاثين ألفاً من رجالهم وفي سنة ١٦٩٤ رد البولونيون العثمانيين من كامينيك برودولسكي. ونال العثمانيون على عهد مصطفى الثاني عدة نصرات على جمهورية البنادقة واستولوا على الهرسك وأمدوها بالذخائر وجاز السلطان في جيشه الطونة ماراً بآق بنار (كارلسبرج) وتمسوار ولاغوس وقاتل النمساويين فقتل زعيمهم وقتل العثمانيون من الروس في أزوف ثلاثين ألفاً ثم فشل العثمانيون في غرة صفر ١١٠٨ في تسيا على يد النمساويين وكان العثمانيون يريدون إنقاذ بلاد المجر من النمسويين. وفي خلال ذلك اجتمع ملوك أوربا للمرة الأولى لحل الاختلافات التي كانت بين الدولة العلية العثمانية وبين سبع دول من دول أوربا وبموجب ما تم من هذا الاجتماع أجعت الدلة العلية إلى بولونيا كامينيك وبودوليا وأوكرانيا وتخلت الأولى للثانية عن الخراج الذي كانت تتقاضاه منها ومنذ ذاك العهد تصافت بولونيا والعثمانية لأنهما أيقنا بدسائس حكومات أوربا التي يقصد بها إضعاف الفريقين فكانت أوربا تترك روسيا تعتدي على العثمانية وبولونيا والسويد بدون أن تطالبها بإحكام العدل والإنصاف ومراعاة حق الجوار نعم كانت تغضي عن روسيا لتنال قسطها من الأرض العثمانية والبولونية والسويدية. نشبت حرب هائلة على عهد السلطان أحمد الثالث بين السويد وروسيا وبولونيا وسكسونيا دامت منذ سنة ١٧٠٠ إلى ١٧٠٩ فانهزم السويديون والبولونيون ولجئوا إلى الأرض العثمانية فنزلوا في بندر من إقليم بسرابيا فأكرمت العثمانية مثواهم إلا أن روسيا لحقت بالمنهزمين إلى الأرض العثمانية وفي خلال ذلك دخل الأسطول الروسي إلى الأستانة فاغتاظ السلطان وأعلن الحرب عاهداً بقيادتها العامة إلى الصدر محمد باشا البلطجي وحمي وطيس القتال بين عساكر الدولة يعضدها أنا من البولونيين وبين الروس في سهول هوسكب فأركب الله القائد العثماني أكتاف العدو ولكن على القائد العثماني عاد فارتشي من كاترينا الأولى ملكة روسيا وعقد بين دولته وبين الإمبراطورية الروسية معاهدة أجحفت بحقوق أمته فعزل السلطان ونفاه إلى جزيرة لمنوس وقتل خنقاً من ارتشوا معه من رجال الدولة إذ ذاك مثل وزير الداخلية ورئيس الكتاب وغيرهما وأعلن السلطان أن هذه المعاهدة بين الدولة العلية وروسية لاغية وعاد إلى إعلان الحرب على العدو سنة ١٧١١ بقيادة يوسف باشا الصدر الأعظم فأوقفت الحرب بسعي الروس في الأستانة وعقدت معاهدة جديدة بين المتحاربين فوقع رجال روسيا على عهد الصلح ليشغلوا الدولة ويغنموا الوقت فلما أبلغوا مضمون المعاهدة للقيصر أبى الإقرار عليها فأعلن السلطان الحرب في شوال سنة ١١٢٤ ولم يظفر الروس في هذه الوقعة بالعثمانيين إلا أن وزارتي لندرا والهاي كوانتا تعضدانه على العثمانية وبولونيا والسويد وبمسعاهما أوقفت الدولة العلية الحروب ووقعت في أدرنة يوم ١٣ حزيران ١٧١٣ على معاهدة صلح إلى خمس وعشرين سنة ولم تراع فيها مصالح الدولة العلية وعادت روسيا فعقدت معاهدة أخرى مع الدولة العلية سنة ١٧٢٠ من مقتضاها أنه يحق لها التدخل في شؤون بولونيا. توفي السلطان أحمد الثالث سنة ١١٤٩ هـ وخلفه السلطان محمود الأول فحارب الفرس واضطر إلى التخلي عن تبريز وفي سنة ١١٤٩ وقع الفرس والعثمانيون على هدنة للتفرغ الدولة العثمانية لمقاومة اعتداء روسيا والنمسا. وأزمعت روسيا أن تجتاز بجيوشها بلاد بولونيا لتداهم الأرض العثمانية فاغتاظ لذلك السلطان محمود لأنه مخالف للعهد الموقع عليها ولم يسمع الروس لاحتجاج العثمانية فحاصروا مدينة أزوف واضطرت الحكومة العثمانية أن تسوق جيشاً في ٦ صفر ١١٤٩ هـ ( ١٧٣٦ ) وكانت قد سقطت المدينة قبل أن ينجدها الجيش العثماني واستولت روسيا على أوتشاكوف وكنبورن وعلى كوزلوف وبغجة وسراي وآق مسجد من بلاد القريم وأتى الروس من الفظائع في هذه الوقائع ما سطره لهم التاريخ بأحرف من نار حتى كتب المسيو كاستلنو في تاريخه الذي قدمه إلى القيصر اسكندر الأول بشأن هذه الوقائع ما تعريبه: إن الحملة لم تولي روسيا شرفاً فإن بلاد القريم أخرقت ودمرت وربما كان مثل هذا العمل يغتفر على عهد البربر لما فطروا عليه من الجهل ولكن إحراق المدن في القرن الثامن عشر وتخريب أهم المصانع والآثار وتدمير المعابد وإبادة المدارس العامة وإدخال الظلام على العقول بإحراق خزائن كتب الأمة التي تريد الانتفاع بها في إنارة أفكارها وإلقاء الشيوخ والنساء والأولاد طعمة للنيران لا يقصد منه الحرب بل إهلاك شعب عن بكرة أبيه. وتحالفت روسيا والنمسا محالفة دفاعية هجومية واحتالت الثانية لعقد مؤتمر مؤلف من مندوبها ومندوبي روسيا والدولة العثمانية فرأى الروس بموجب المعاهدة المبرمة أنم تلغى جميع المحالفات التي كانت أبرمت بين الدولة العلية وإمبراطورية روسيا وأن تسلم إلى هذه بلاد القريم وكوبان وجميع البلاد التي نزلها التتار ويغترف لمولدافيا وفلاخيا بأنهما إمارتان مستقلتان تحت رعاية روسيا ويعترف بأن ملوك الروس هم قياصرة وأن تدخل السفن الروسية حرة إلى البحر الأبيض بين خليجي البوسفور والدرندنيل فلم ترض الدولة بهذه الشروط المجحفة وعادت النمسا فاستجمعت قواها وحمي الوطيس في بلاد البلقان وهزم العثمانيون العدو حتى اضطر الروس إلى أن يحرقوا بأنفسهم أسطولهم في بحر أزوف لئلا يسقط في أيدي العثمانيين. وفي سنة ١٧٣٩ عقد الصلح بواسطة فرنسا بين الدولة العثمانية من جهة ودولتي روسيا والنمسا من أخرى وأعادت النمسا بلغراد وساباكزا وسونا وغيرها وأصبح نهر الطونة والساف تخوماً بينها وبين الدولة العثمانية وقضت المعاهدة الأخيرة على روسيا أن تهدم حصون أزوف وتاكانروج وتسحب سفنها من بحر أزوف والبحر الأسود ولا تتجر إلا على السفن الأجنبية وأن تظل القريم مستقلة وتنال لقاء ذلك حرية المذهب الأرثوذكسي في المملكة العثمانية وأن تقيم لها سفيراً دائماً في الأستانة ووعد السلطان أن يمنح لقب إمبراطورة للقيصرة حنة إيفانوفنا. ولم يجر في هذه المحالفة أي ذكر لبولونيا. وكان من نتائج هذه المعاهدة أن عرف الأرثوذكس على عهد السلطان عثمان الثالث سنة ١٧٥٧ بأن روسيا تعضدهم في البلاد العثمانية فكان أول عمل لهم أن ينهبوا دير الكاثوليك في يافا وهجموا على الفرنسيسكانيين وغيرهم من الباباويين حتى في كنيسة القبر المقدس وكسروا المصابيح والآثار وغيرها وجردوا الرهبان مما كان لهم. ولما أبى أغسطس الثالث ملك بولونيا أن يدخل مع أعداء الدولة العلية في محالفة ضدها اعترف به الباب العالي ملكاً وأرسل من قبله إلى فارسوفيا عاصمة البولونيين مندوباً سنة ١٧٣٧ وذلك على عهد السلطان عثمان الثالث وكذلك أبلغ السلطان مصطفى الثالث بعد ثلاث سنين صاحب بولونيا بجلوسه على العرش وبدأت العلائق الحسنة بين الدولة العلية وحكومة بولونيا حتى كانت الدولة تصدر أوامرها المرة بعد المرة إلى عمالها في شوسيم وبندر والى خان القريم أن لا يكدروا صفو الصلات ينهم وبين بولونيا واذا نشأ على التخوم خلاف يحلونه بالحسنى. وأدخلت روسيا في غضون ذلك جنداً لها إلى أرض بولونيا فاعترض الباب العالي عليها فأجابته بأنها تنوي إطفاء فتنة داخلية وأن العهود تقضي بأن لا تتدخل الدولة العثمانية في الشؤون البولونية ومع هذا أصر الباب العالي فاضطرت بولونيا أن تحسم الخلاف الذي حدث بين الشعب بداعي انتخاب ملك جديد فاتحدت بولونيا على أمر بينها تحت حماية الدولة العلية حتى أن السلطان مصطفى الثالث لما ذهب إلى جامع أيوب ليتقلد سيف عثمان الأول على العادة قدم له الجند كأس مشروب على نحو ما جرت العادة فأجابهم أنه يرجو في الربيع القادم أن يشرب معهم على أسوار بندر وضفاف دينبر. ولقد كان جل رغائب روسيا في ذاك العهد أن تقسم بلاد السويد والدولة العثمانية وبولونيا فكانت تسعى إلى ذلك بكل حيلة وتحيد عن كل محالفة كما فعلت سنة ١٧٦٧ بالاتفاق سراً مع ملك بروسيا وأدخلت جيوشها إلى بولونيا فاغتاظت الدولة العلية لذلك إذ عدت هذه مقدمة إلى جلب الدب الأكبر إلى جوارها وأعلن السلطان مصطفى الثالث الحرب على كاترينة الثانية سنة ١١٨٢ هـ. وفي سنة ١٧٦٩ أو ١٧٧٠ حدثت بين الدولة العلية وروسيا وقائع كتب فيها الظفر للروس ولاسيما في الحرب البحرية التي هاجم فيها الأسطول الروسي الأسطول العثماني في نافارين وأحرق السفن العثمانية بقيادة ربان إنكليزي وأحرقت مدينة تشسما بالقرب من أزمير وسمع صوت القذائف إلى بعد خمسين فرسخاً إلى أزمير على بعد ستة فراسخ ودام الحريق من الساعة الواحدة والنصف بعد نصف الليل إلى الساعة السادسة صباحاً وكان ذلك في ٣ ربيع الأول سنة ١١٨٣ هـ فخسر العثمانيون خمسة عشر سفينة في كل منها ٧٤ إلى ١٠٠ مدفع وتسع سفن في كل واحدة منها من ١٥ إلى ٣٠ وعدة مراكب واستاق الروس سفينة فيها ستون مدفعاً وخمسة زوارق ودامت الحرب بين لدولتين سنة ١٧٧١ و ١٧٧٢ واستولى الروس على القريم وأحبوا عقد الصلح إلا أن السلطان نشر في المحرم ١١٨٧ ( ١٧٧٣ ) منشوراً يعلن فيه الحرب على روسيا فظفر الجيش العثماني عدة وقائع في سنتي ١٧٧٣ و ١٧٧٤ وردوا الروس عن تجاوز نهر الطونة والى ما وراء سيلستر وبينا النصر كان حليف أعلامهم توفي السلطان مصطفى الثالث وكان قبيل وفاته أخذ منشوراً من حكومات بروسيا والنمسا وروسيا باتفاقهن على تقسيم بولونيا تقسيماً أولياً وذلك في سنة ١٧٧٢ . وخلف عبد الحميد الأول أخاه مصطفى الثالث وفي أيامه اتفقت روسيا والنمسا على حرب الدولة العثمانية فاستوليا على أوتشاكوف سنة ١٧٨٨ وفي خلال ذلك كانت ألمانيا تحاصر بلغراد فحزن السلطان لما نال ملكه حتى مات قهراً سنة ١٧٨٩ وظل خلفه سليم الثالث يحارب تينك الدولتين ولكن ردت الجيوش العثمانية على أعقابها واستولى الظافرون على بندر وغيرها واستولى النمسويون على بلغراد وسائر مدن الطونة وفي خلال ذلك أحبت إنكلترا وبروسيا والنمسا أن تحمل روسيا على توقيف الحرب على العثمانيين لاشتغالهن بثورة فرنسا الأولى ولكن كاترينا صاحبة روسيا رأت الفرصة مناسبة لدوام الحرب وإتمام رغائبها بشأن العثمانية وبولونية إلا أن جيوش العثمانيين ظفروا في عدة مواقع بالجيش الروسي وذلك في البحر الأسود بالقرب من يكي قوله ثم بالقرب من آق ير (سباستبول) وانهزم أمير البحر الروسي في ١٨ أيلول سنة ١٧٩٠ وتبدد أسطوله بعد خمس وستين سنة في ٨ أيلول أي سنة ١٨٥٥ سقطت سباستبول أيضاً وفي خلال ذلك حدثت لروسيا ما شغلها ببولونيا فعقدت الصلح مع الدولة العلية وفي سنة ١٧٩٣ قسمت بولونيا تقسيماً ثانياً وفي سنة ١٧٩٥ قسمت تقسماً ثالثاً بين الدول الثلاث ولم تفه دولة من الدول ببنت شفة في الاعتراض على هذا العمل إلا الدولة العلية التي اعترضت على نزع استقلال بولونيا بالقول والفعل ولكتن قدر فكان واستولت روسيا وبروسيا والنم سا على بلاد البولونيين بعد مذابح يبعث فيها الأرواح بيع المجان. ولقد عزمت حكومات أوربا سنة ١٨١٥ أن تقيم في فينا مؤتمرا دولياً لتقرير حال السياسة وسعت روسيا أن لا يقبل مندوب من الدولة العلية فنجحت في مسعاها وكان من إثر ذلك أن أخذت روسيا تحرض اليونان والصرب والبلغار من رعايا الدولة العلية على نزع أيديهم من حكومتهم فقضي في دسائسها ألوف من هذه العناصر ومن المسلمين أيضاً. وحدثت بين سنتي ١٨٤٠ و ١٨٤٨ عدة فتن داخلية في البلاد العثمانية وكذلك في بلاد الفلاخ والمجر وتدخل الباب العالي في شؤون ولايات الطونة وأهم ذلك فتنة المجر ولو جرت الدولة العلية على تحالفها مع بولونيا والمجر وعنصراها من العناصر التي تحب العثمانيين كثيراً لنجحت هي وهم من غوائل سياسية كثيرة. قلنا أن الجولة العلية ناهضت لحفظ استقلال بولونيا بالقول والفعل وذلك على عهد مصطفى الثالث الذي أعلن الحرب على كاترينا الثانية لمجرد الدفاع عن بولونيا فبعثت الدولة الصدر محمد أمين باشا إلى تخوم نهر الطونة ودنيستر سنة ١٧٦٨ فحاولت كاترينا أن تدخل إليه السم فاكتشف المكيدة وشنق الأطباء ولكان عاد الصدر فتناول رشوة من روسيا هو وأمير موالدافيا وترجمان الباب العالي فلما اكتشف السلطان أمرهم أمر بإعدامهم في آب سنة ١٧٦٩ وأرسل الباب العالي قائداً آخر ودام القتال بين البولونيين والعثمانيين من جهة وبين الروس من جهة أخرى إلى سنة ١٧٧٠ وانتهى على ما مر بك آنفاً بتدمير الأسطول العثماني في تلك الوقعة المشؤومة. فالمسلمون والبولونيون أصدقاء منذ عرفوا ما يكيد لهم أعداؤهم حتى أن بولونيا لم ترسل بجيش منها مع جيوش الصليبيين لما قام هؤلاء باستخلاص بيت المقدس من أيدي المسلمين. ويكفي في عناية الدولة بالبولونيين وعنايتها بالمجريين أيضاً أنها فتحت صدر بلادها لقبول المنكوبين منهم والعاملين على إنهاض بلادهم واسترجاع سلطانهم فأنزلت في أرضها على الرحب والسعة ووسدت إلى بعضهم المناصب واستعانت بهم على تقوية كلمتها الجندية والسياسية حتى أن الدولة لما أرسلت إلى مؤتمر بكرش الدولة مندوباً من قبلها في أوائل النصف الثاني من القرن التاسع عشر أعلنت بأن دول أوربا اذا رضيت بأن تعيد مملكة بولونيا إلى حالتها يعد الباب العالي علناً عن امتلاك ولاية الطونة ولذلك رأى عقلاء البولونيين أن تؤلف كتائب بولونية سنة ١٨٥٤ تحت رعاية العثمانية فتألف عسكر القوزاق وكان من كتائب الدراغون التي جاءت إلى سورية أيام فتنة ١٨٦٠ في جبل لبنان. وكان من كتائب البولونيين في حرب القريم أن أبلوا مع العثمانيين بلاءاً حسناً ولما انتهت الحرب اقتطعتهم الدولة بعض القرى في ضواحي بروسة وأسسوا لهم بلدة في ضواحي الأستانة لا تزال إلى اليوم وقد دان بعض قوادهم بالإسلام مثل ميخائيل ساجوفسكي الذي سمي بعد محمد صادق باشا ولوبورد زاكي الذي لقب بمحمد حلمي وغيرهما من رجال البولونيين الذين أخلصوا الخدمة للدولة العثمانية. وابن محمد صادق باشا المشار إليه هو مظفر باشا متصرف جبل لبنان السابق. وهكذا كان الأتراك والبولونيين يتحابان كلما طال المدى خصوصاً والعثمانيون يعلمون حسن معاملة البولونيين ايام استقلالهم للتار المسلمين النازلين في بلادهم ليتوانيا منذ سنة ١٤٠١ وكيف كانوا يعتمدون عليهم في الدفاع ويؤلفون منهم كتائب تغني غناءها في رد هجمات المهاجمين على بلادهم وكانت لهم حريتهم المذهبية والشخصية حتى كانت تسمح لرجالهم أن يتزوجوا من النساء البولونيات لقلة النساء عند التتار وأن يتبعن مذهب رجالهن وما قط تزوجت مسلمة من بولوني كما أنه لم يتزوج تتاري من يهودية. وكانت بلاد بولونيا قديماً الطريق التجاري لبلاد الشرق إلى أوربا لأن بولونيا كانت أول بلاد المسلمين ولذلك ترى العادات والأذواق واحدة في البولونيين وأكثر العثمانيين وبين البلادين من لصلات التجارية شيءٌ كبير ولاسيما بعد أن زادت مدنية البولونيين ونما عددهم الذي بلغ كما قال مؤلف الكتاب الذي اعتمدنا عليه في تعريب هذه النبذة ثلاثين مليوناً وهم نازلون بحر البلطيق إلى البحر الأسود ومن نهر أودر إلى داوينا إلى دنيبر. ذهب استقلال بولونيا منذ نحو قرن ونصف ودعاة استقلالها مازالوا منبثين في البلاد لم يدخل اليأس على نفوسهم والأب يلقن أباه والأم تلقن ولدها التناغي بالاستقلال ويعلمون أبناءهم تاريخ بلادهم وعظمتها وبطش الحكومات التي تقاسمتهم ولاسيما روسيا ويذكرون لها مذابحها وأفاعيلها فيهم فهل يوفق أولئك الدعاة الغيورون إلى ما قصدوا إليه ذات يوم أن يخضعون على الدهر لمن استصفوا أرضهم وديارهم. إن انقضاء القرون في حياة الشعوب لا شأن له بقدر كر السنين في حياة الأفراد وما المئة سنة بالشيء الكثير على أمة تطلب التجديد ونزع ربقتها ممن يظلمها ولذلك يرجى الاستقلال لكل أمة كان لها ففقدته كالمصريين والجزائريين والهنديين وغيرهم ممن استعمرت بلادهم وأقرب الأمم باستقلال البولونيون الليتوانيون. الفصيح والعامي والعامي الفصيح ليس في اللغة العربية معجم واحد يستحق أن يدعى نجعة الرائد يوفر الشواهد وكثرة الفوائد وضبط الشوارد ولا في غير اللفظة ما يدل على إزالة الإبهام وكشف الغامض بإيراد أبيات فحول الشعراء وعبارات بلغاء المنشئين على صحة الكلمة والعبارة كما نرى في وبستر في الإنكليزية وليتره في الفرنساوية فترى أكثر الكتاب يتخرصون في ما لا يعذرون عليه ويتوهمون أن البيان في الدخيل والحوشيّ والبلاغة في العقيم والوحشيّ وأن كل من هرف عرف. افللغة في حاجة إلى معجم تقام على كل حرف منه شواهد شعرية ون ثرية يسلم معها الذوق ويستقيم ويرد الكلام المدعو عامياً إلى أصله الفصيح ويعدل عن التقعر إلى السهل المقبول. قد تهتأ ثوب اللغة حتى كاد يسقط من تقطعه فترى كل من تحيف بيانه عجمة وجدل عن ادعاء ومكابرة يتحف الفصيح ويستلب البليغ ويحرك خشاشه غضباً على كل من ملك من اللغة عناناً وضبط لها بياناً ويكون لا يدري من أي الدهداء هو ولا يعرف له في عالم الأدب أصل أو فصل ولكنه يتوهم أن كل كلمة يقرأها ولا يفهم معناها تكون من الحوشيّ والوحشيّ!. وإن كل ما تداولته السنة العامة ساقط ي \ جب الترفع عنه وتكون الكلمة التي لا يفهمها من ابلغ ما جرت به أقلام المنشئين والشعراء إلا أنه لم يطالع ليعلم ولا تحرى ليفهم ويكون بعض ما تداولته السنة العامة من بقايا فصح اللغات العربية التي اعتورها التصحيف والتحريف وقليل من البحث يرجعها إلى أصلها ويقيم من اللسان مناداه على ما وقع من نحو خمسين عاماً أو اليوم إذ توكف المجتهدون أثر بلغاء العربية الأقدمين وتنشطوا للبحث والتنقيب وأقبلوا على التدقيق والتحقيق وقد ترجع مثابرتهم اللغة إلى رونقها الأول بعد خمسين عاماً تأتي. وليس لنا حتى في مدارسنا الوطنية أثر للوطنية فترى في كل مدرسة سورية قد أوجبت على تلامذتها التخاطب بلغة غريبة عنهم حتى عند أول دخولهم بابها فيتسرب العقوق وشيءٌ من البله إلى قلوب وعقول هؤلاء الأولاد المساكين ويكون القائمون على تهذيبهم وتدريبهم من خونة الوطنية ومجرمي الآداب إذ كيف يعقل أن طالباً لا يفهم من الفرنساوية أو الإنكليزية أو الروسية أو الجرمنية كلمة يكلم رفيقه بإحداهن قبل انقضاء الأعوام عليه وكيف يقبل السوريون مثل هذه الشريعة الشريعة المدرسية الظالمة التي تكم فم التلميذ وتعوده الخيانة اضطراراً لقضاء حاجاته الضرورية وتنشئه على حب لغة غير لغته ووطن غير وطنه ولو أن المدارس السورية توجب التخاطب بلغة أجنبية في ساعة واحدة معينة للتلاميذ لكان إيجابها معذوراً وإن لم يكن له مثيل في أي مدارس أوروبا وأميركا وإنما هو الاحتقار يركب الطلاب! والمدرسة التي لا تصان فيها اللغة الوطنية تكون عدوة الشعب ولو كان منشؤها من الصرحاء. إن البلاء ليس في الادعاء وحده بل في اختزال كل منا رأيه والتصرع والتصاغر للأجنبي والتمروء الظاهر تكلفه والتفوق البادي تحيفه مع الوطني وريح التخاذل حتى في اللغة تنجف كل ذروة باقية في جرفها وتحتمل كل درة كنا نعرفها قبل عصفها ولله في تدابيره شؤون. وهناك آفة جديدة على اللغة من إهمال معاجمها المعروفة وعدم تنقيحها وتصحيحها وإدخال الموضوعات الحديثة إليها ففي أي معجم نرى تفسيراً عصرياً للمجهر والندي والرعاد والمنطاد مثلاً أو جمعاً لشتات ما أجمع على صحته المحققون أو توسعاً في الاشتقاق والنحت والقلب والإبدال والتركيب والإدغام مما لا غنى عنه في لغة حية بل نرى أن كل معجم يطبع حديثاً يجرد من الكثير من أصوله بدوى حفظ آداب الناشئة وصون أخلاقها. فليكن ذلك. ولكن بعد بذل شيءٍ من العناية لزيادة الضروري للكبار كإنقاص الضروري للصغار. الفيلسوف اللغوي يجد في كل معجم لغوي حديث زيادة جديدة وشروحاً مفيدة إلا في العربية الباقية كالرسوم الدوارس مع تعداد المدارس. وترى المثقفين والمهذبين ينشرون صفحات الحريري والبديع ومجمع البحرين وأمثالهما لإشراب الطلبة روح المخادعة والمصانعة والجبانة والخيانة والحيلة والرذيلة على غير قصد منهم أو بقصد استظهار الشوارد والأوابد ويطوون صفحات كل كتاب يكون أفيد وأعود وأنفع وأرفع لأنهم لا يزالون كالفلاحين الشرقيين محافظين على المحاريث القديمة. ومن عيوب العربية إيراد جموع لا مفرد لها وأفعال لا مصدر ولا ماضي لأحدها. فهل تقبل فلسفة اللغة شيئاً من هذا؟ وهل يعقل أن واضعي اللغة ينو كلاً من غير أجزءا؟ إننا لا ننسب هذا الخلل إلا إلى المدعي المحافظة على سلامة اللغة أو يكونون يحافظون على قديم عقيم لا يسلم به عقل سليم. وفي اللغة عيوب كثيرة ألصقها بها غير الراسخين ونظن أنها أوان النهضة الأدبية قد آن وأنه يجب أن يعلن دستور اللغة كما أعلن دستور الحكومة. أنا مورد الآن ما وردني من العامي الفصيح للغاية التي بسطتها في التوطئة: تواً — اسأل عجوزاً أو شيخاً أن يدلك على بيت أو طريق في لبنان فيقول لك اذهب تواً ويشير بإصبعه والكلمة فصيحة من قولهم جاء تواً أي قاصداً لا يعرجه شيء. بربص — يقال بربص الأرض إذا أرسل فيها الماء لتجود أو بقرها أو سقاها سقياً روياً وهو المعنى الذي تستعمل العامة كالكلمة له في بعض السواحل والقرى الغزيرة المياه أما في سائر لبنان فيفهمون البربصة رش الماء أمام البيوت والحوانيت وليس في المعنى شذوذ. دعث — الدعث هو تدقيق الرجل التراب على وجه الأرض بالقدم. ودعس — وقريب مه دعس الشيء إذا وطئه شديداً والغريب أن أكثر الصحافيين يعتبرون دعس عامية وأن الكتاب لا يستعملونها لزعمهم أن المعنى العامي غير تام أما دعث فلا يذكرها أحد منهم مع أن القرويين يستعملونها للرص ويقولون عن الأرض المدوسة مدعوثة وعن السطح التي تكف: يجب دعسها أو دعثها. فليتأمل القارئ. دعك — كلمة فصيحة ويقال دعك: الثوب إذا ألان خشنته إلا أن متفرنجي اللغة لا يرون في الكلمة فصاحة فيستملون أخلق وهي لا تدل على شيءٍ من الدعك بل على البذ والإرثاث. دعر — يقول العرب: عود دعر نخر للرديء الكثير الدخان ويفهمون الدعارة (بتشديد الراء) سوء الخلق ويقولون دعر العود إذا دخن ولم يتقد وتقول العامة رجل دعر إذا كان متصلباً جافياً وهو من المجاز الذي لا غنى عنه إلا من الناس من لا يريد أن يمتد نظره إلى أبعد من أرنبة أنفه. دغري — في محيط المحيط أن الدغري تحريف الطوغري بالتركية ومعناه الصحيح والمستقيم فلماذا لا يرجع إلى الاشتقاق العربي فيكون معناه الاقتحام من غير تثبت وهو المعنى الذي يريده أكثر العامة إذ يقولون: اذهب دغري وذهب دغري إلى البيت وإذا وجد اختلاف فمما لا يعتد له. الثغرة — يلفظ أكثر اللبنانيين الثاء بين لفظها الأصلي ولفظ التاء أو الطاء فيقولون انثغرت الثغرة ويستعملون الكلام الفصيح في المواضع التي لا يحسن كثير من الكتاب هذه الأيام استعماله فيها ولا عبرة باللفظ الذي يفسد المعنى — لو كان اللفظ يفسد معنى الكلمة لكانت اللغة الإنكليزية فاسدة في أكثر كلامها بين اللفظ الإنكليزي والأميركي والكندياني والأسترالي. الثلم — خط المحراث ويريد البعض جعله غير فصيح من طريقة لفظه التي أشرنا إليها في الثغرة. أحزك الحمل — شده جيداً والمكارون يستعملون هذه الكلمة الفصيحة التي لا ترضي البعض مع أن معنى حزكه عصبه وضغطه واحتزك بالثوب واحتزم. بلصقي — اللبناني يقول: بلصقي أي بجنبي ولا يوجد أصح من هذا التعبير للمعنى المراد إلا أن استعمال العامة له جعله عند بعض الناس غير عربي كما جعل بعض الفضائل مستحى بها إلا أن أصحابنا هؤلاء ينظرون إلى الكلام نظرهم إلى المصنوعات الوطنية التي ليس لأنفسها وأدقها قيمة عندهم ولو استطاعوا أن يعاضوا عن هواء سورية العليل بهواء معل بشرط أن لا يكون وطنياً لما ترددوا. مزعه — مزقه والكلمة عربية وعلى لسان كل لبناني. شلخه — هبره بالسيف وجريمة العامة أنها تستعمل الشلخ للمدية والمنجل إلا أن المنتشرين على أطراف الجبل والمضطرين إلى منازلة ومقاتلة المغيرين والغزاة يقولون شلخه بالسيف. حزّ — وعلى ذكر الشلخ نقول أن نصيب حز من (المتعصرين — ونريد بهم الذين يدعون نفوسهم عصريين بلغتنا العامية) ليس أفضل من نصيب شلخ. بقال: حز الشيء قطعه وفي فقه اللغة للثعالبي أنه خاص بالحمم إلا أن العرب تقول حز الخشبة فرضها والعامة تقول: حزز المنشار جعل فيه أشراً ونقول أيضاً الحز للقطع والحز للقطعة ولا نرى ما يعاب به الاشتقاق. حش — قطع الحشيش أو طلبه وجمعه والكتاب يؤثرون استعمال قطع الحشيش على حشه مع أن الكلمة الأصلية لا يصح غيرها لمعناها. القلت — النقرة في الصخر يجتمع فيها الماء واصلها لنقرة الجبل يستنقع فيها الماء ويستعملها الأولاد من العامة صحيحة دون أكثر الكتاب. غطغط — غلب النوم عليه هذا هو المعنى الأعم عند العامة ويأتي بعده معنى غليان القدر فلو قام منشئ بليغ واستعمل الكلمة لقال المنعصرون عنه أنه يأتي بالوحشي والحوشي أو أن الكلمة دخيلة لأنهم هكذا يريدون أو هكذا يفهمون. زلق — زلقت قدمه زلت. والزلقة الصخرة الملساء وبها سميت قرية في ساحل بيروت وفي التسمية دلالة على أن اللسان العربي كان في بلادنا فصيحاً ولا تزال الآثار تشهد له إلا أن من نكد الدنيا عليه أن عار فيه — بروحه لا بلفظه — غير كثار وأن جاهلية مع الإدعاء بمعرفته جيش جرار. زحل — عن مكانه تنحى وتباعد. زحلقه — دحرجة ومنه تزحلق الأولاد في مطاوعه. شخر — صات من حلقه أو أنفه ولا نريب ما يجعل الكلمة غير فصيحة في استعمالها للغطيط. قفقف — في معاجم اللغة: قفقف الرجل ارتعد من البرد وغيره واضطرب حنكاه واصطكت أسنانه وهو المعنى الذي تستعمله العامة له تماماً إلا أن هناك م عنى آخر لم نعثر عليه في المتون وإنما ورد رواية وإسناداً في لسان العرب: قفقت الدجاجة على بيضها حضنته واستعمال الكلمة شائع في لبنان للمعنيين فهل أغرب من هذا النقص في معاجم اللغة. وخش — الشيء كان وخشاً أي رديئاً وهذا هو لمعنى الذي تريده العامة من الوخش ضد الناعم لأنهم لا يحصون الأشياء فقط به بل يتنازلون بمعناه رذائل الناس وخشارتهم ويصيبون بكل فصاحة. طم=بالتراب دفن وغطى. كب=أفرغ. طرقه — طريق. من الحاضر — من الجاهز. بتكه قطعه تشديد للمبالغة. بت — الأمر أمضاه. بربر=صاح وأجلب وتكلم بألفاظ وحشية. قرقر=شقشق (حاجي تقرقر وتبربر). وكل كلمة مما مر واجبة الاستعمال في موقعها إذ ليس ما يسد مسدها. القز=في محيط المحيط إن العامة تستعمل القز لما غزل من الفيالج المبيضة فهل هي تستعملها إلا لما استعملها الشاعر القائل: يرفلن في سرق الحرير وقزه؟. راز وروز=يقال رازه جربه وامتحونه وقدره وراز الرجل اختبره قال الحريري: لا تسال المر من أبوه ورز خلاله ثم صله أو فأصرم وروز كرمه روأ في تقديره وترتيبه فمات قول المتفرنجين! نتش — نتش اللحم جذبه قرصاً والشعر نتفه. النتفة=ما تنتفه بأصابعك والفعل نتف بمعى نزع. يرى المتروي أن معنى العامة في محله وإن أنكر المنكرون وعلى هذا المثال ثفل وثفل. نش=الغدير أخذ ماؤه في النضوب وهو المعنى المستعمل له النش عند العامة أكثر من الحلب والنز. والنز من العامي الفصيح وهو النجل أو الماء المتحلب من الأرض. بقبق — من من السوريين لم يسع هذه الكلمة؟ تقول العامة فلان بقبق أي يهذر وفي المعاجم أن البقبقة تفريغ الكلام على الناس وربما كانت فلسفة الكلمة في المعنى العامي الذي يتناول معنى الهذر والشقشقة والغموض. وهم يقولون أيضاً عند إنزالهم الجرة في حوض أو الدلو في بئر أن الماء يبقبق فليطلب الأدباء الأصل لتثبت لهم فصاحة الكلمة. قرفة — يقال بنو فلان قرفتي أي هم الذين أظن عندهم طلبتي وسل بني فلان عن ناقتك فإنهم قرفة أي تجد خبرها عندهم والعامة تستعمل الكلمة كالقراف والمقارفة مصدري قارف أي قارب. وقراف من لا يستفيق دعارة يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب إلا أن أصل المقارفة للأشياء الدنيئة وما لا شك فيه أن التعميم الذي جرت عليه العامة ناتج عن المخالطة المفسدة للغة إلا أن غرضي الآن هو إثبات صراحة أكثر الكلمات الدارجة وإذا وجد في بعضها خلل فذلك من جهل المدعين فوق ما هو من مخالطة الأعاجم أما ترون كيف تستدرك العامة المعنى بقولها: مقارفة التاجر الفلاني حسنة والآخر رديئة فروح اللغة لا تزال فيهم وهم أفيد لها من الذين لا يفهمون ولا يريدون تفهم معنى الكلام. قرف — تقول العامة قرف قمعة الشجرة أي انتزعها والأصل القشر. تـ هذا مثل التف عندي مثل وسخ وقد لا تكون العامة تفهم أن التف هو وسخ الظفر إلا أنها أنها شيءٌ لا يعبأ به وتستعمل الكلمة فصيحة. تفه — أصل هذه الكلمة تفه وفساد لفظها لا يفسد معناها فهي فصيحة يجب استعمالها على حد ما تستعملها العامة بعد إقامة اللفظ فهي تقول: شيء تفه وأمر تفه وكلام تفه وقولها صحيح فصحى. هبط — لازم متعد يقال هبط بمعنى سقط وهبطه بمعنى إنزاله وأكثر استعمال العامة للفظ مشدوداً فهم يقولون هبط الحائط فأين المأخذ؟ مسماك — المسماك عود يكون في الخباء يمسك به البيت أي يرفعه قال ذو الرمة الثقفي: كأن رجليه مسماكان من عشر صقبان لم تتقسم عنهما النجب والكلمة مستعملة عند القرويين بمعناها الوضعي إلا أنهم يستعملونها لرفع الكرم أيضاً ويظن البعض أنها لا تعود فصيحة فعلى هذا المذهب الغريب لا يجوز لنا أن نضع للجامحين شكيمة ولا أن نلقي إلى الأكفاء مقاليد الأمور. إن بلية اللغة في أبناءها المقيدين لأنهم مقيدون ولما كنا نبحث في المسماك فلا بأس في استعمال الكلمة العامية الفصيحة من أن كل من لا يكون لطيفاً يكون بالطبع سميكاً. هبج — هبجه بالعصا ضربه وهبجه ورمه وتهبج تورم وبما أن العامة تستعمل الفعل بمجرد ومزيده لم يعد عند المنشئين فصيحاً. هبش وهمش — لينظر العارفون إذا كان معنى الجمع والالتقاط تاماً أو لا. جرس — المنشئون يستعملون شهر والعامة تستعمل جرس للتسميع بالناس وإشهار عيوبهم ونوقائصهم والكلمة العامية أصح وأوقع. ما هذه الجرسة!. هاش — لا تلفت يا قارئي إلى هوش الكلاب وتهويشهم فإن أبناء العربية آخذون بخناقها وإنما نذكر قول العامة: الناس هائشون وقولهم: هم في هوشة وكانوا يتهاوشون للدلالة على الهرج والهيج والفتنة والفساد والاختلاط وتذكر في الوقت نفسه أن الكلمة عربية فصيحة وأن الهوش والبوش من فصيح اللغة أيضاً وإنه لا ينقصنا إلا التحقيق والتدقيق. الكلمات التالية كلها من فصيح العربية المحسوبة عامية الشلشلة القطران والانتشار — التمشير للرفع والتقليص — قش الشيء جمعه والأولاد والنساء في لبنان يقولون: نحن ذاهبون إلى الحقل أو الحرج نقش الوقود — هارش واثب وخارش للناس والكلاب والشيء بالشيء يذكر فالعامة تقول رجل هرش للشيخ ولنا فعل هرش الرجل يهرش إذا ساء خلقه فإذا كانت كلمة هرش عربية فهرش مصحفة وهل أقدر الأئمة لا يلحنون؟ — لازق لاصق — ولصقي ولصق بيتي بجانبي وجانبه — الهتيكة الفضيحة وهي في لسان العرب دون الفروز ىبادي ومحيط المحيط — حاص حوله أي حام — نعر صوت بخيشومه وصاح: كفى تنعر وفلان ينعر — رزه غرزه والشيء في الشيء أثبته: رز الوتد ورز العدل والمد والجراب. صول الحنطة والكلس — عزوة الرجل — نتفةٌ ونتَفه ونتَّفه — الولفْ — خارت قوته أي ضعف — عزره لأمه ووبخه — الولودية الصغر — خنخن لم يبين ك لامه أي أبدى خنه أو غنه في خياشيمه — خنفس على القوم. كرههم وعدل عنهم ومنه فلان مختنفس والولد مخنفس. تفاصح تكلف الفصاحة — فلتة لسان وفلت لسانه — السحت الكسب من مال الحرام — نكس رأسه طأطأه — تعوق تأخر وتريث — يسرها الله: سهلها — طعمه مز: فيه مزازة أو طعم بين الحلاوة والحموضة قال الحريري: لا أبالي من أي كاس تفوق م ت ولا ما حلاوة من مزازة همدت النار: ذهبت حرارتها أطفأت البتة — نصت وتنصت: سكت مستمعاً وتسمع — خبص الشيء بالشيء خلطه وخبصه للمبالغة — الخبتة: التواضع والخشوع — تزنتر: تبختر وهي فصيحة إلا أن العامة تكره التزنتر والتبختر. حت: حك وقشر — خبطه: ضربه ضرباً شديداً. تبقط — تقول العامة: فلان يتبقط والمعنى انه يتناول الشيء قليلاً قليلا أو شيئاً شيئا إلا أن استهزاء جهلة المتعلمين بالعامة يجعل الكلام الفصيح غير فصيح عند الأغبياء دون سواهم. قرفص — من اين اتت القرفصاء التي هي أنت يجلس الرجل على إليته وبلزق فخذيه ببطنه ويحتبي بيديه إذا كان لا يوجد لها فعل بمعناها فإن قول العامة قرفص يدل على القرفصاء إلا أن المعاجم تنكر هذا المعنى مع وضوحه. أنشد أبو المهدي: لو امطخت وبراً وضبتا ولم تنل غير الجمال كسبا ثم جلست القرفصاء منكباً تحكي أعاريب فلاة هلبا ثم اتخذت اللات فينا ربا ما كنت إلا نبطياً قلبا إلا أن العربية في حاجة إلى التحقيق والتدقيق. انظر إلى فرع آخر من هذا الأصل فإنهم يدعون اللصوص المتجاهرين قرافصة لأنهم يقرفصون الأسير أي يشدون يديه تحت رجليه إلا أنهم لم يذكروا يا أخي للجمع مفرداً والجموع التي لا مفرد لها غير قليلة فهل هذا معقول؟!. نبر — من معواني نبر المعنى الذي اتخذته العامة لرفع الصوت. أنشد اللحياني: إني لأسمكع نبرة من قولها فيكاد أن يفغشى علي سرورا فلماذا لا تكون الكلمة فصيحة. لا ندري!. نهر — بالله يا ابناء العربية ما هذه الفوضى! تقولون نهر السائل وانتهره زجره والعامة تستعمل المعنى نفسه إلا بعضها للنداء عن توسع وما يثبت وجود معنى الزجر في نهر العامة أنها لا تستعمل الكلمة إلا عند الحدة والشدة فمفسدو اللغة هم اكثر حملة الأقلام لا العامة التي لا تزال محافظة على ما لا يحافظ عليه أكثر الدارسين. وقريب من نهر نده. تحوج — متى ذهب الناس في طلب الحاجات يقولون نحن ذاهبون نتحوج وكذلك يقولون عند شراء حوائج العروس ومع ذلك تعتبر هذه الكلمة عامية عن غير تروِ إذ ما هي بضاعة التاجر غير حاجته وجهاز العروس غير حاجتها؟ خش — أهلاً وسهلاً خش. أي ادخل وخشت الحية في الحائط دخلت والكلمة من الفصيح. هتَّ — بماذا هتني تعيرني وتحط مرتبتي ومنزلتي. مقمق — يجب أن يكون لنا من معنى التكلم بأقصى الحلق هذا الفعل بدليل وجود اسم فاعل منه وهو المقامق إلا أن معاجم اللغة لا تشير إلى شيء من هذا أو أن النقص الظاهر فيها تكمله العامة بقولها: فلان يشقشق ويمقمق فليزجع المنقبون إلى المتون ويعتبروا. طاح — ذهب وتاه في الأرض ومنه الطائح عند العامة لفار من وجه الحكومة ولا يوجد كلمة أدل على المعنى فيجب استعمالها. أنثم الجسم — قلنا أن بعض لفظ العامة غير صحيح إلا أن كلامهم فصيح ومن الشواهد أنثم الجسم أي ذاب وضعف وبعض الدروز في لبنان لا يزالون يلفظون الكلمة على حقها ولا يبدلون الثاء سيناً وشيء من العناية يرجع إلى اللغة رونقها ولو أن الحكومة تقيم الأئمة لإقامة الكلام واللفظ لكانت تخدم البلاد والعباد مازالت مدارسنا توجب على التلاميذ التخاطب بلغة أجنبية ولا توجب عليهم التخاطب ولو لساعة بفصيح لغتهم كأن التخاطب بفصيح العربية عار وبفصيح سائر اللغات فخار. وقوق — من فصيح اللغة أن الوقواق المكثار الوقواقة المهذارة. قال أبو البدر المسلمي: إن ابن ترنى أمته وقوافه تأتي تقول البوق والحماقة إلا أن المعاجم لا تذكر الفعل إلا لنباح الكلب واخلاط صوت الطير وعندي أن الكلمة على ما تستعملها العامة صحيحة فصيحة إذ كيف يقولون وقواق ووقواقة ولا يقولون وقوق بمعناهما ثم أن العامة تستعمل القوقة في التهكم كأنها تقول أن فلاناً يخلط ويلت فإذا رفض اللغويون إلا التقيد بسلاسل التقليد البليد فلا أقل من التسليم بصحة المجاز. لت — ثم أن اللت هو الخلط فلماذا يجوز لنا الخلط واعتبراه فصيحاً ولا يجوز لنا استعمال اللت وهو بمعناه. فكم أنت مظلومة ايتها العامة. فقع — مات من شدة الحر والعامة تقول فقع ومات مع تخصيص المعنى بالهم والغم إلا أن المراد ظاهر حوادث الفقع في حمارة الصيف كثيرة في أمهات مدن الولايات ويجب استعمال الكلمة إلا من مفاقيع اللغة. تصيع الرجل=ضل. من تصيع الماء اضطرب على وزجهه وفي الحرب معنى التفرق بتردد وتحير فلماذا لا نتوسع في اللغة كما توسع العرب قبلنا. المداس=الحذاء الحذاء الذي يلبس في الرجل والمتفرنجون يفضلون الستيك والصباط والجزمة لأن المداس ستعمل من العامة فكأنهم يحاولون إظهار تفوقهم بنبذ أصح الكلمات العربية لا لحجة إلا أن الكلمة من غير زيهم الحديث. حبك فلاناً=دلك حنكه والغريب أن الكلمة تعد عامية متى استعملت لدلك القابلة حلق الطفل قبل أن يرضع فإذا كان معنى الدلك موجوداً فأين العامية في الكلمة وهي على فصاحتها. ابعط في كلامه: لم يرسله على وجهه قال رؤبة: وقلت أقوال امرئء لم يبعط أعرض عن الناس ولا تسخط وأبعط في السوم تباعد وتجاوز القدر قال حسان: ونجى أراهط ابعطوا ولو أنهم ثبتوا لما رجعوا إذاً بسلام سفق — سفقه بالكف: لطمه قال أبو منصور سفقت الباب واسفقته أجفته وسفق وجه الرجل لطمه فاستعمال العامىة لسفق في محله. دمشق — الشيء زينه. قال أبو نخيلة: دمشق ذاك الصخر المصخر وهذا هو المعنى العامة: شاب مدمشق وقام مدمشقاً. دلق — تروى في المعاني التالية، تد \ لق السيل عليه واندلق هجم واندفع — اندلق الشيء خرج من مكانه وكل ما ندر خارجاً فقد اندلق ويقال: طعنه فاندلقت اقناب بطنه أي خرجت أمعاءه ودلق وأدلق السيف أخرجه فأي جريمة لغوية في استعمال العامة للدلق والاندلاق بمعنى الصب والانصباب. عثر — زل ومثر ساقط وزال والعامة تلفظ الثاء تاء. خثر — جمد وتماسك ومخثر مجمد. لز — الشيء شده والصقه والقوم اجتمعوا وتضاسيقوا والشيء بالشيء ألزمه به فليعتبر اللغويون. زمك — عن ابن الأعرابي زمكت القربى وزمجتها إذا ملأتها والزمك إدخال الشيء بعضه في بعض والعامة تستعمل المجرد والمشدد استعمالاً صحيحاً. زرك — زرك الغلام ساء خقهز هذا عند اللغويين فصيح ولكن ألا يجوز لنا أن نعامل زرك معاملة سئم فنقول اسأم وسأم وأزرك وزرك ولماذا؟! قد تكون العامة على صواب. دعقه — في لسان العرب الدعق الدق ومحيط المحيط لا يذكر هذا المعنى الذي هو معنى العامة تماماً إلا إذا كان لا يجوز لنا استعمال الصب للبترول لأنه لم يكون عند العرب ولا لسائل آخر غير الماء والخمر. حوشه — جمعه وانحاش عنه تقبض ونفر والحواشة ما يستحيا منه والعامة تستعمل كل ذلك دون حملة الأقلام. لقلاق بقباق — مهذار كثير الكلام واللقلقة تقطيع الصوت والجلبة ولقلق وقلقل بمعنى واحد للتحريك والهز. لاط — لاطه خلطه وعجنه وقد وردت في كلام الإمام علي. الحدو — الحدو عند الموت من الفصيح. سن — سن الأرض ملسها قال الشاعر: ثم خاصرتها إلى القبة الخض راء ونمشي في مرمر مسنون وهو المعنى الذي تستعمله القروية اللبنانية بعد أن تطين بيتها أو تمرحه وتسنه وتسن الحجرية. شرم — شق وقطع فهو مشروم بكل فصاحة. استملح — الشيء عده مليحاً. سبرك سبري — تريد العامة بذلك أن عليك ما علي لأن أصلك كأصلي وهيئتك كهيئتي وليس من مغمز. تعنفص — كان ذا صلف وخفة وخيلاء وادعى بما ليس فيه ولا يريد أن يكون له رباعي. تغنجت: شكلت وتدللت. تغجل: فلان على فلان بغى عليه وظلمه فو مغلج. ثخنها: غلظها وصلبها. حزر: الشيء قدره وضمنه وحزره القى عليه ما يحزره. أقلعت الباخرة=في الجرائد والمجلات والكتب نقرأ هذه العبارة الواجب الإقلاع عنها — كانوا يقولون أقلعت السفينة أي نشرت شراعها أو قلوعها لتمخر شاقة الماء ولم يكن أيام كانوا يستعملون العبارة بخار أما اليوم فلا يجوز أن نقول أقلعت الباخرة بل مخرت أو جرت إلا إذا كان المركب غير بخاري وفي مثل هذه العبارة يظهر فضل اللغة العربية ويثبت لهؤلاء الذين لا يعرفون شيئاً منها أننا بغنى عن تحدي الفرنجة الذين يقولون أقلعت الباخرة لفقر لغاتهم. ضربت بكلامه عرض الحائط=مهما التمس المجازيون الأعذار لا أجد هذا التعبير عربياً فإننا لا نضرب عرض الحائط بالكلام لنهمله ونسقطه ونطرحه ونرميه. نحن نقول في العربية جاءني كتاب فلان فضربت به عرض الحائط وإنما لا نقول مثل هذا القول عن الكلام نفسه. حررت له وارسلت له=أصعب ما في اللغة على الدارسين أنفسهم إحسان استعمال أحرف الجر وكا مدقق يتناول الجرائد والمجلات إلا العدد القليل منهن يضحك من كثرة السقطات التي لا يعذر منشئ عليها وفي مقدرته شراء معجم أو في رأسه قوة تمييز بين هذا وذاك المعنى فأنت لا تكتب لأحد إلا إذا استكتبك ولا ترسل له إلا إذا كلفك الإرسال أما إذا أردت أن تقول أنك تخاطب أحداً بالكتابة فيجب أن تستعمل إلى لا اللام وهكذا في الإرسال ثم التحرير ليس الكتابة ولا الكتاب أو الرسالة بل انقاذهما من عبودية السقط والخلل والغريب جداً أن منشئي الجرائد والمجلات يدعون الكاتب محرراً وهم يريدون المنشئ لا المصحح ولا المصلح ولا المهذب ليعذروا والأغرب من ذلك أن بعض جامعي بعض المعاجم العربية سقطوا فيما سقط فيه غير المتمكنين والمدققين وقالوا عن الكتاب والرسالة تحرير فأودوا ولم يقوموا. غب افتقاد شريف الخاطر العاطر=هل على مثل البلادة في الإنشاء بلادة! كل كلمة بنفسها فصيحة إلا أن مجموعها لا معنى له المسؤولية الحقيقية على المدارس والساتذة الذين يسقطون إلى الجاهلين ولا يرفعونهم إليهم بل إن الجري عل الطرائق القديمة يجعل أكثر الكتابات سقيمة عقيمة خالية من المعنى ولكن تفرقع. إبقاء القديم على قدمه يجب أن يرجع على عهد بلغاء العربية لا إلى العهد المتأخر الذي اعتور اللغة فيه الخلل والفساد فما معنى العاطر والفاخر والشريف مع الخاطر ولماذا لا نكتب ونكاتب بفهم وسهولة وبساطة وسلامة؟ دام بقاؤه=طلب الدوام حماقة وحرام. أي بقاء يدوم! تدوم المادة بعد استحالة ولكن الذين يطلبون دوام البقاء أو يدجعون للناس به لا يريدون المادة بل البقاء في دار الفناء وخلود من أعدت لهم اللحود. همى الدمع من عيونها — كم من العيون للمرأة وإن تكن العيون عليها كثيرة. الملاحة الجوية — في طعم هذا الاصطلاح ملح فإنه من غير روح العربية ومن غير فقهها فإذا كنا نحن اصحاب الجرائد اليومية نلتمس الأعذار لضيق أوقاتنا عندما نلجأ إلى الحواضر فما هو عذر أساتذة المعاني في المدارس والكليات وما هو عذر أصحاب المجلات — المطير اصلح من الملاحة وإنما لا بد من اخيار كلمة اصلح. الملظم والعامر — خرج من عالم الخرافة المظلم إلى بلاد الحرية العامرة. الجرح يدمي — الجرح لا يدمي وإنما يدمى. خذ أي كتاب أو مجلة أو جريدة واعتبر فلسفة كاتبها دون الألفاظ والمعاني دون المباني. تجد أننا — إلا عدداً قليللاً من حملبة الأقلام — نتعسف ونتكلف ولا نراعي المعاني والبيان لأن أكثر المنشئين متطفلون. نحن ابعد أبناء اللغات الحية عن وضع الكلام في مواضعه وإقامته في مواقع لأننا لا ندرس فلسفة اللغة بل لأن أكثر أصحاب الجرائد والمجلات والمترجمين والمؤلفين من غير الأكفاء إلا بالتبجح والادعاء أو أن اللغة أمست واسطة للكسب والارتزاق حتى يعبث والنفاق وإليك بعض ما يخطر في خاطري الآن أجئ به وأكل إليك الحكم. طارت نفسه شعاعاً — تخرصات اتلأوهام — يغيظه من النظام — هل يعتمد كلام السقيم في طعم الماء — رفع الابن باسطاً يديه إلى والدته — سقط عليه بالضرب حتى جلد به الأرض. الجالية والطارئة: دون تمييز بين الاستيطان والعود=يسير ويسري دون فرق بين سفر النهار والليل — رحلوا في القطار إلى المدينة والولاية الفلانية. زاره أخوه فأحسن قراه=ظعنوا من أصحابهم إلى واشنطون=شخص البياع إلى بوسطن=كانم الخواجا فلان يتدفق في خطابه كالسيل المنهمر إلا أنه اعتذر أنه غير خطيب وشكر الناس وجل دون أن يتكلم!. ثم ما هي فائدة الحركات في اللغة إذا كنا لا نريد أن نصرف عن جعل الواو الثقيلة الد؟ في أولى وعمرو وحيوة وصلوة بجحة التمييز وإزالة اللبس وهلا يوجد غير هذه الكلمات في العربية بحاجة إلى الضبط؟ ثم ما هي فائدة الحركات إذا كنا نكتب إله ولا يجوز لنا أن نكتب مؤنثه إلهة؟ ثم كيف يعقل أن تكون جموع لا مفرد لها مثل شلقة ومخاطر ومحاسن وشماطيط وما جمعه الثعالبي وغيره وهل كان كل ما لا يكون سمعه بالجامع لا يكون وضعه الواضع جرياً على القياس؟ وكيف يمكن أن تكون المطاوعة في فعل ولا تكون في آخر مثله تماماً؟ وكيف تكون صيغة أفعل التفضيل في ما لا فعل له كقولهم هو اقلط منه؟ أو كيف يكون مضارع لا ماضي له كقولهم لم يذر؟ أو مزيد لا مجرد له. والأمثلة متوفرة. وثمت منابت العربية بعد أن كانت مستحلسة. وتفاصح كل من لم يكن فصيحاً ولن يكون متفصحاً. فوجب أن يرجع الناس إلى فقه اللغة الذي لا أعني به كتاب أبي منصور الثعالبي بل فلسفة اللغة حتى لا يرسل كل من اغتر بقدرته الكلام على عواهنه ويحسب أن من جمع كلمة إلى كلمة كان شاعراً أو ناثراً أو إماماً وثقة يجب الإقلال من الترديد والمبهم الذي لا يزيد إلا اعتكالاً والاعتدال في تعليم القواعد بحسب كل مذهب التوثق في معاني البليغ من المنظوم والمنثور والاستكثار من حفظ الجيد ولاسيما ما يدعى السهل الممتنع ويجب أن تكون مجلاتنا وجرائدنا المدارس الحقيقية فترفض كل كتاب عليلة بالمعاني وينبه المغرور والشعرور إلى ما يفسد الذوق ويدعو إلى الهزأ ومن فقه اللغة أن نصطلح على ما يذلل لنا صعاب اللفظ عند الترجمة والاستشهاد أي أن يكون لنا ما نستطيع معه نقل الكلمة الأعجمية من نكرة وعلم إلى معناها الأصلي. وقد كان للعرب روم وأشمام فليكن لنا زيادة على مثالهما والله ولي التوفيق. تولستوي فقدت الحكمة عضواً عاملاص من دعاتها وعمدة ثقة من أعز أنصارها ورعاتها وإنساناً كاملاً خدم الإنسانية بأفعاله وأقواله وأدهش اربا ابتقاليد بحسن مثاله وراع قلوب أهل السلطة بحظوته وإقباله ونعني به فيلسوف روسيا وأحد رجال الأخلاق في هذا العصر الكنت ليون نيكولايفتش تولستوي الذي هز نعيه أرجاء العالم المدني وأكبر رجال الإصلاح هول المصاب به. ولد هذا الحكيم في اياسيانا بوليانا من أعمال ولاية تولا الروسية سنة ١٨٢٨ فيتم منأمه وهو ابن سنة ونصف وفقد أباه في العشرة وهو من بيت وجاهة وغنى وكان جده سيء الإداترة يميل البى البذخ والإسراف ففقد ثروته حتى اضطر إلى التوظف فعينته روسيا والياً لقازان وجاء ابنه والد تولستوي ولم يكن على شيءٍ من العفاف حتى العشرين من سنه. ورزق ابناً من خادمة زوجه منها أهله ثم تخلى عن الوظائف وتزوج بوالدة تولستوي وكانت غنية تحسن الروسية كتابة وقراءة كما تحسن الإنكليزية والألمانية والإفرنسية والإيطالية والفنون والضرب على البيانو وكانت على جانب من حرية الفكر وسلامة الوجدان والسذاجة. واشتغل والد تولستوي بالزراعة في الأملاك الواسعة التي ورثها عن أبيه واتصلت إليه من زوجه وكان يحب المطالعة واقتنى مكتبة فيها شيء كثير من آداب الفرنسيس وكان من عادته أن لا يقتني بكتاباً قبل أن يأتي على مطالعة ما اقتناه من قبل فنشأ ليون تولستوي على اللغة الإفرنسية وكان يفهم كتب الفيلسوفين الفرنسيين روسو وفولتير كم يفهم شعر بوشكين شاعر الروس وأخذ الإفرنسية عن أستاذ فرنساوي اسمه سان توما ولم يبلغ الخامسة عشرة حتى كان متشبعاً بآدابها. ربي في المذهب الأرثوذكسي ولكن لم يكد يبلغ التاسعة عشرة من عمره حتى تجرد عن الاعتقاد بالكنيسة ولكنه عمد إلى التقية فلم يكن يظهر ما يضمر وكان وهو طالب يقوم بالفروض والواجبات وغادر سنة ١٨٤٧ الكلية التي كان يدرس فيها ليلتحق بالفلاحين ويحسن إليهم إلا أنه لم يفلح وفي سنة ١٨٥١ سافر إلى قفقاسيا حيث عين ضابطاً في المدفعية واشتهر ببسالته في حصار سواستبول فعين قائد فرقة وكان خلال تلك المدة قد نشر باكورة كتبه موقعة بالحروف الأولى من اسمه واسم أسرته ثم أقام في بطرسبرج مدة فكتب عدة مصنفات وقصص له وساح سنة ١٨٥٨ في ألمانيا وسويسرا وفرنسا وعاد إلى روسيا بعد تحرير الفلاحين فأنشضأ في بلده مدرسة نموذجية للفلاحين ومجلة في التربية والتعليم وعين قاضي صلح. وفي سنة ١٨٦٢ تزوج وطابت نفسه وحسن سلوكه ولم يكن من قبل كما قال عن نفسه على حالة حسنة في آدابه وكانت كتبه التي كتبها لأول عهد زواجه أحسن ما خطته يده وأسلمها فكراً وفي سنة ١٨٧٤ أخذ يتساءل عن مصير الحياة فصارت تبذر بوادر ذلك على أسلة قلمه ولسانه حتى إذا كانت سنة ١٨٨٣ تعرف على فلاحين كانا أنشأ لهما مذهبين دينيين من مقتضاهما تر جيح العهد القديم على العد الجديد وأن إصلاح العالم لا يتم إلا بالعمل اليدوي والشخصي وبعد أن جاهد تولستوي نفسه تخلى في رواية عن بعض أملاكه فوزعها على الفلاحين وترك جزءاً منها لأسرته كان يعمل فيه بنفسه على نحو ما يعمل صغار الفلاحين بأيديهم ومنذ ذاك الحين لم يترك بلده وطفق يحرث الأرض كما يحرث الآداب ويبث الفضيلة وصار قصره مجمع العلماء والفضلاء وفي ٢٤ شباط ١٩٠١ حرم المجحمع المقدسي الروسي تولتسوي لإلحاده وخروجه عن ربقة التقاليد الأرثوذكسية وتخوفت الحكومة الروسية عادية أفكاره فصارت تراقبه حتى كادت تنفيه مع ألوف من كانت تنفيهم إلى سيبيريا لولا أن لطف الله به ونفس خناق الحرية عن أمته بإنشاء مجلس الأمة. ويعتب رتولستوي بأنه من أقجدر القصصيبن الذين نبغوا في النصف الثاني من القرن التاسع عشر وقد أجاد في ذكر الماضي من حياة أمته ووصف الروح الروسية والأخلاق الروسية بحسن مأتاه وجودة اختياره وتفصيله وتصويره فكان بما رزق من هذه الهبة يصور ابطاله كأنهم أحياء بل يصور الأشخاص من الدرجة الثانية والجمهور. وهو قليل العناية بإنشاءه ولذلك لا نقرأ عليه مسحة التفنن وإذ قد نشأ تولستوي لاهوتياً تراه يحاول يقترب مما يراه بأنه النصرانية الأصلية. وتتطالبه الفلسفة الطبيعية بأنه أحد دعاتها والنمافخون في ضرامها وأن تولستوي ليبحث في كل مكان عن الطبيعة. والجوهر في قاعد حياته هي الطبيعة الصوفية وللأخلاق عنده المقام الأول وجماع القول في فلسفته أن لا يقاوم الشر بالشر. وقد ظهرت كتبه كلها باللغة الروسية في ثمانية عشر مجلداً وترجم معظمها إلى لغات أوربا الراقية وترجم بعضها إلى العربية ولاسيما قصصه. وهذا الدور الأخير في حياته هو الذي تمنى أن يموت عليه قال في ترجمته نفسه: لما ذكرت ما أوتيت منن خير وما تم على يدي من شر رايتني أقسم أدوار حياتي الطويلة بأسرها إلى أربعة أدوار: أولها ذاك الدور العجيب خصوصاص إذا قيس بالدور الذي يليه — البار البهج الشعري واعني به دور الطفولية. ثم الدور الثاني عشرون سنة كان فيه من الغشاء الغليظ والخدمة والطمع بالمعالي وخصوصاً في المكاسب ما كان. ثم جاء الدور الثالث وهو ثماني عشرة سنة أي منذ تزوجت إلى نشور الروح وهوالدور الذي يحق أن يدعى في نظر العالم دور الأخلاق بمعنى اني عشت في هذه البثماني عشرة سنة كما تعيش الأسرة بالاحشمة والنظام غير مستسلم لمفسدة ينبذها الناس ولكن جميع مصالحي كانت مقصورة على عنايتي عناية مقرونة بحب الذات ممزوجة بالأنانية وعلى زيادة ثروتي وعلى نجاحي الأدبي وعلى مختلف حظوظ تنالها نفسي والدور الرابع يرد إلى عشرين سنة التي أنا فيها الآن وأود أن أموت عليها وبها يتمثل لي ما فغي الحياة الماضية من عظيم الخطر وهو الدور الذي لا ابغي سواه ما خلا اعتيادي الشر الذي اندمج في روحي في الأدوار الأخيرة. هذا مجمل من طفولية تولستوي وشبابه وكهولته وشيخوخته وقد نشأ فيه القيام على الظالمين ومجاهدة المستبدين من الرؤساء الدينيين والدنيويين مما ثقفه عن حالته تاتيانا ألكسندروفنا وكانت من نساء المتهذبات وعلمته الحب والميل إلى الوحدة والتأثر من المظالم كما علمه روسو وفولتير نزع ربقة التقاليد الموروثة. ولكن تولستوي لم يتحرر كل التحرير من رق العبودية للمحيط والمنشأ وبقيت فلسفته تربح من صبابات النصرانية ومدارها لا تقابل الشر بالشر. ولو سارت أوربا على هذه الفلسفة لما قام عمرانها وانبسط سلطانها على ما نرى. فلسان حال الغرب وجزاء سيئة سيئة مثلها فحكمة تولستوي ليست كحكمة معظم أنصار الحكمة في الغرب اليوم مادية صرفة بل هي روحية ممزوجة بطرف من آداب النصرانية تتخللها عقائد اشتراكية متطرفة فهو لا يرى أن يملك الأرض أحد لأنها لله بل تترك وشانها ينتفع بها عباها ويرى أن لا يعاقب المجرمون بالسجن بل أن يصفح عنهم الصفح الجميل ولا يعتقد بألوهية المسيح بل يرى أنه إنسان ذو مذهب هو خير المذاهب للناس ومن أفكاره الاشتراكية بل الفوضوية أن أحسن الطرق في الخلاص من ظلمك الحكومات أن يمتنع الناس عن الخدمة العسكرية وعن أداء الضرائب وبذلك تضطر الحكومات إلى إصلاح أمرها. ومن تعاليم تولستوي الأدبية أن يبتعد المرء عن مغازلة النساء ويتحد بزوجه قلباص وقالباً لأن هجرها مفسدة واي مفسدة وأن الواجب أن لا يفرق افنسان بين مواطنيه والغرباء لأن الناس ابناء أب واحد وأم واحدة ويسعى كل امرء بإزالة عدم المساواة بين البشر حتى يعيشوا بسلام. وله آراء في المعاد بعضها مما لا يقرها عليه رجال الدين. ولقد ضاق صدر تولستوي قبيل وفاته من شؤون بيته ويقال إن ما نشأ ذلك من مقاومة أسرته له في أمر خيري كان يريد أن يختم به حياته وهو أن يجعل ريع كتبه مادام الدهر وقفاً على أمته فلم يوافقه على هذا الفكر أهل بيته ولاسيما زوجته المشهورة ببخلها فقام تولستوي ذات يوم ورافق طبيبه على نية الهرب من بيته وركب في الدرجة الثالثة من القطار ليساوي الفقراء ولكن كانت المركبة مكتظة بالركاب حتى لم يكن فيها محل يجلس فيه الشيخ الحكيم فعرض موظف السكة الحديدية عليه أن ينتقل إلى الدرجة الأولى أو الثانية فأبى ونزل في إحدى المحطات وهي إسكابوفا وبصق دماً وزادت حرارته ثم اسلم الروح في غرفة مدير المحطة ويقال أن الفيلسوف كان ينوي أن يلحق بأحد الأديار لينضم إلى من فيه يعبد الله على مناحيهم وأنه قابل ابنة له راهبة في طريقه وفاوضها بضع ساعات كما خلا ساعات برئيس دار ثان. والأقرب إلى الذهن أن تولستوي عزفت نفسه عن الدنيا وأحب التجرد عنها وعن الملاذ وعن الأبهة في قصره وعن عيشة المحفوف بالخدم والحشم شاء أم أبى وأراد أن يفعل الخير بوقفه مداخيل كتبه على المدة فعاكسته زوجته وكان منه أن هام على وجهه لا يدر يكيف يسير فوافاه حمامه وشق نعيه على أمته البالغة مئة وخمسين مليوناً من البشر وعلى كل من اطلع على طرف من أفكاره وفلسفته العملية من منوري الأرض ولا عجب إذا عدته أمته مفخراً من مفاخرها جاد به الزمان وعده أهل الأخلاق الحكمة والإصلاح من أعظم من عملوا لأب النفس وإصلاح المجتمع الإنساني. سير العلم والاجتماع الصناعة في مصر ألقى علي بك ثروت خط بة في الصناعة في المؤيمر الوطكني المصري جاء فيها ما ملخصه: لم يخطئ من قال أن الصناعة أثر الذكاء الإنساني في استخدام وتصغير أشكالها والتأليف بين قواها المختلفة ولذلك كانت أقوى الأمم من بنى هيلك قوتها على أساس مكين من الصناعة. وقد كانت أمتنا المصرية راقية في صنائعها منذ القدم. ولا تزال الآثار التاريخية شاهداً حياً على مبلغ رقيها الصناعي. وكفى بالدلالة عليه أن البلاد المصرية هي التي ثبتت فيها قوى الفراعنة ومدنيتهم وحفظت معها مدنية العرب. وكان حظها من الصناعة في التاريخ الحديث وا فراً فإنه لما ولي محمد علي باشا والكبير الأريكة الخديوية افرغ جهده في الصناعة الأهلية وجلب لها من الخارج ما ينقصها من فنون الصناعة الأجنبية. نظر إلى البلاد المصرية نظر حكيم فرأى أنها بطبيعة تكوينا زراعية صناعية فشمر عن ساعد الجد واخذ ينشئ المصانع المختلفة في كثير من بلاد الوجهين البحري والقبلي. أعانه على ذلك علماء فرنسا وبعض أساطين الصناعة فيها. ساعد أيضاً كثير من الإيطاليين والنمسويين. وقد جاوز عدد لمصانع المختلفة التي أنشأها مائة وخمسة وسبعين مصنعاً يصنع فيها الخزف والزجاج والجلد والجوخ والأنسجة المتنوعة والخيط بأنواعه والطرابيش والألبسة والأسلحة والبارود والمعادن والمدافع والسفن الحربية وجميع ما له بالمعيشة. فكان المصري يلبس ملابس أهلية تصنع في بلاده وكانت المدن الكبيرة والصغيرة والثغور وسائر البلاد العابرة حافلة بهذه المصانع والمعامل المتنوعة. أرسل الإرساليات العديدة إلى كثير من العواصم الأوربية لإتقان الصناعة حتى إذا عادوا إلى بلادهم بعد ذلك آبوا واقفين على أسرار الفنون محيطين بدقائق الصناعات فحلوا محل أولئك المعلمين في المصانع المصرية. أنشأ محمد علي مصانع أخرى لصنع الشمع وأحواضاً لصنع لوازم المراكب الحربية وداراً لضرب النقود في القلعة فكانت مصر في ذلك العهد أرقى كثيراًَ من اليابان. أخذت الصناعة تنمو وتزدهر حتى بلغت من الانتشار والرقي مبلغاً عظيماً وبقيت كذلك حتى عهد الخديوي سعيد وقد أسس معملاً كبيراً كان يديره إفرنسي كبير هو أنجلو بك. ثم أخذت الصناعة الأوربية تفد على مصر وعلى الأخص بعد إنشاء السكك الحديدية المصرية فألح قناصل الدول على سعيد باشا أن يبطل جميع المعامل فأبطلها ما عدا معامل الحربية فإنه أبقاها كما أنه أنشأ مدرسة الفنون والصنائع وقصر التعليم فيها على تعليم الرسم وفن العمارة وغيرها من الفنون الجميلة. وقد وفدت على مصر في عهد الخديوي سعيد بعثة إفرنسية من المهندسين الجيولوجيين للبحث عن المعادن في بلادنا فأذن لهم الخديوي أن يعملوا وفي أثناء عملهم عثروا في السودان على صنف الفحم الحجري وحملوا منه كمية إلى مصر لتجربتها فجربت ووجدت نافعة وأقر على نفعها أنجلو بك ولكن قنصل إنكلترا في ذلك العهد لح على الخديوي أن لا يعنى بهذا المر بدعوى أنه يكلف الحكومة المصرية نفقات طائلة فضلاً عن أن الفحم من صنف غير جيد فأطاع الخديوي وفقدت مصر بذلك مرفقاً تجارياً مهماً. وقد أنشئت في أوائل عهد إسماعيل مدرسة العمليات لكبرى في بولاق وكانت هذه المدرسة قائمة على نموذج مدارس الصنائع بفرنسا عين لها جيجيون بك الفرنسي ناظراً. قد بلغت من الرقي مبلغاً مدهشاً فكان المتخرجون فيها يؤدون عمل المهندس الميكانيكي والمهندس الرياضي معاً. وفي ذلك الوقت أنشئت المطبعة الأميرية في بولاق وأنشئ بجوارها معمل لعمل الورق على اختلاف أصنافه وأشكاله وكان ما يخرجه هذه المعمل كافياً لحاجة مصر. وقد بقيت على تلك الحال حتى هبط الاحتلال بلادها. وكذلك أنشئ الخديوي إسماعيل معامل السكر في الوجه القبلي والمدارس الصناعية في كل بلد من بلاد القطر فكان عهده من هذه الوجهة عهد حياة في الصناعة والصناع. قضت سلطة الاحتلال سنة ١٨٨٤ أن يلغي معدن المدافع النحاسية وتباع عددها الكبيرة فبيعت هذه العدد من شركة إنكليزية بثمن بخس كما قضى ببيع عدد ضرب النقود إلى شركة إنكليزية أخرى وكان من هذه العدد ما لم يستعمل بعد وما لم تفتح صناديقه إلا أيدي رجال هذه الشركة وصدر الأمر ببيع جميع عدد آلات مصنع الورق وذلك في سنة ١٨٨٥ وفي هذه السنة أيضاً باعوا آلات وعدد الورشة الكبرى التي كانت الخاصة الخديوية قد أنشأتها حين اشترت سراي الجيزة. وفي سنة ١٨٨٧ بيعت العدد والآلات التي كانت تدار بها مغازل اقطن وبيعت ورش القطن في الأقاليم واحدة بعد أخرى. وفي عام ١٨٩٨ بيعت جميع آلات دار الصناعة الترسانة الكبرى بالإسكندرية وبركت مراكب البوسنة الخديوية وأحواضها لشركة إنكليزية بمائة وخمسين ألف جنيه وهو لا يعادل نصف ثمن حوض واحد والأحواض كثيرة والمراكب أكثر أما مراكب بولاق وترسانتها فإن جزءاً عظيماً منها قد بيع. أنشأ المرحوم علي باشا مبارك ناظر المعارف الأسبق مدرستين صناعيتين إحداهما في المنصورة الثانية في أسيوط ليكون منهما أبر ملجأ للتلاميذ الذين فصلوا من المدارس التجهيزية التي كانت في المديريات فألغاها الاحتلال أما مدرسة المنصورة فلم تبق طويلاً لأن الورشتين اللتين يملكهما بعض الإنكليز في تلك المدينة قضتا على حياتها. حتى إذا كانت سنة ١٨٩٣ عادت إلى حالتها السابقة وأصبحت الآن ورشة بسيطة لا يتعلم فيها الطلاب إلا مبادئ القراءة والكتابة والهندسة والحساب والرسم العملي بعد أن كانت تعلم فيها العلوم الهندسية والميكانيكية العالية. وليس ثمة دليل على عظيم الخطأ في رقي الصناعة في مصر أقطع ولا أنصع من الأقوال السديدة التي ذكرها المسيو (ليوبولد جوليين) المهندس الزراعي وأحد واضعي تقرير لجنة القطن الأخير فقد قال: إن كل أمة يكثر فيها وجود المواد الأولية الضرورية للحياة يكثر فيها كذلك وجود المعامل لصنع تلك المواد فيها ومن أهمها القطن فإن كل الأمم التي تزرعه تنشئ بجواره معامل لغزله ونسجه والانتفاع به عدا مصر فإنها لا تزال فقيرة في معاملها خلواً على الأخص من هذا الصنف. سعى الساعون في تأسيس معملين في نسج المنسوجات القطنية في سنة ١٨٩٩ أحدهما في القاهرة والآخر في الإسكندرية. أما معمل القاهرة فقد أغلق. ولا يزال الآخر باقياً وفيه ثلاثون ألف مشط وأربعمائة نول. ولقد لقي مؤسسوه صعاباً جمة في تأسيسه أهمها وضع الحكومة المصرية على منسوجاته ضريبة قدرها ثمانية في المائة. ثم رأت أن تنزل هذه الضريبة إلى ثلاثة في المائة لمدة خمس سنوات. فعسى أن تجعل الحكومة هذا الإعفاء دائماً حتى يتيسر لمروجي هذه الصناعة أن ينشروها في كل مكان. على أن في البلاد المصرية نحو ستة آلاف وثلاثمائة نول للنسج وكلها للوطنيين وهي تستورد خيوط الغزل من الممالك الأوربية وقد استوردت في سنة ١٩٠٨ من هذه الخيوط ما قيمته ٢٢٩٠٠٠ ج. على أن ما تستهلكه البلاد المصرية في عام من المنسوجات الأوربية بلغت فقيمته في عام ١٩٠٨ ٤٠٠٠٠٠٠ ج ولو كانت مصر تنسج منسوجاتها في معامل لحسابها لبقيت هذه الملايين في خزانتها ولم تنقل إلى خزائن المعامل الأوربية. وقد فكر بعض ذوي النفوس العالية في الحال وفي مقدمتهم المرحوم مصطفى كامل باشا الذي اقترح على الأمة في سنة ١٩٠٢ إنشاء معهد صناعي كبير يكون بمثابة تذكار لمرور مائة عام على تولية محمد باشا الكبير مؤسس البيت الخديوي فلبت جمعية العروة الوثقى بمدينة الإسكندرية نداؤه وأخذت في الاكتتاب لتأسيس مدرسة محمد علي الصناعية فوجدت من نفوس الأمة ارتياحاً وأقبل على الاكتتاب كثيرون وفي مقدمتهم الخديوي وأعضاء الأسرة الخديوية وكرماء الأوربيين القاطنين في مصر. وما جاءت سنة ١٩٠٨ حتى كان بناؤها عالياً ووضعها محكماً وهي اليوم تقدم للثغر أحسن الأعمال وتكفي الكثير من أبناءه ثم نحى أهل الخير هذا النحو فتأسست مدرسة أسيوط بهمة محمود باشا سليمان أحد كبار الأعيان وتأسست مدرسة في بني سويف وثالثة في الفيوم. وقد عني الأمير حسين كامل باشا بالاكتتاب لمدرسة كبرى صناعية لمديرية البحيرة فلبى دعوته كثير من الأعيان الأغنياء وبلغ الاكتتاب نحو ٣٠٠٠٠ جنيه وظهرت هذه المدرسة في أجمل مظهر وهي تعمل الآن أعمالاً مفيدة. وكذلك عنيت بطريركية الأقباط وأسست مدرسة صناعية كبرى في بولاق اكتتب لها كثير من أبناء هذه الطائفة بمبالغ طائلة وكذلك مدرسة طوخ الصناعية فإنها شيدت في هذه الأيام الأخيرة على أحسن طراز وغير ذلك من الورش الصغيرة. وأخيراً فكر يوسف كمال بك في أن يخدم أمته من طريق العلم والصناعة فأسس مدرسة لتعليم الفنون الجميلة ووقف عليها عقاراً يقدر بخمسين ألف جنيه وأخذ في تشييد دار كبيرة لها واختار لها مديراً إفرنسياً هو المسيو ليلاني النحات النابغة الشهير ووكيلاً هو فؤاد أفندي حسيب واختار أساتذتها من الأوربيين والمصريين المشهود لهم بعلو الكعب والتفوق في هذه الفنون الجليلة. فأعاد الأمير بإنشاء هذه المدرسة إلى مصر روح النحت والنقش والظل وفن العمارة وغير ذلك من الفنون الجميلة الكبيرة التي تعود على مصر لا محالة بجليل الفوائد. لحوم البشر إن عادة أكل اللحوم البشرية غير محصور في مكان ففي الكتب اليونانية القديمة أشارت إليها والإيرلنديون الأقدمون كانوا يأكلون موتاهم وفي مكسيكو وبيرو قبل فتوح إسبانيا كانت تشهر الحروب ليستحصلوا ذبائح من البشر لأعيادهم وولائمهم. لكن بولنزيا لم تزل محافظة على هذه العادة إلى عصرنا الحاضر ومبتدعو تلك العادة في تلك الجزائر هم سكان جزائر الفيجي وهي عندهم من الفروض الدينية وهم مولعون بطعم لحوم البشر إلى درجة أن أحدهم كان يعيش مع امرأة له عيشة راضية فلا يكون منه إلا أن يقتلها ويقتات بلحمها كما رواه وليام في كتابه عن سكان الفيجي وهم لا يفضلون لحم الطفل على لحم الرجل والمرأة المسنة بل يأكلون ما تيسر بعد شيه. من أفظع العقوبات عندهم أنهم يبترون أطراف المجرم وهو ينظر إليها تشوى وتؤكل. ومن أفظع ما يروى أن رجلاً من أهل هذه الجزيرة كان يفاخر بأنه أكل مدة حياته ٩٠٠ إنسان ومع ذلك يقري الضيف وليس عنده من الشراسة أكثر من باقي سكان الجزيرة ممن لم يأكلوا لحم بشر مدة حياتهم. ويروى أن شيكا زعيم إحدى جزائر الفيجي أسر في ساحة الحرب ما يربو على مائتي مقاتل من عسكر العدو وفي صباح ذلك اليوم أولم وليمة دعا أهل الجزيرة إلى حضورها مشاركته بالتمتع بلحم الأسرى. وفي غينا الجديدة عندما يشيخ الرجل ويصبح غير قادر على العمل يأخذه أهله ويربطونه إلى غصن شجرة ويجتمعون حوله ويرقصون ويغنون بقولهم الثمرة قد نضجت الثمرة قد نضجت ثم يهزون الغصن فيقع الشيخ على الأرض فيأكلونه. وفي جزائر الهبرويز الجديدة يفضلون أكل لحوم السود على لحوم البيض وهذه العادة منتشرة أيضاً بين سكان كلدونيا الجديدة. يقول المستر تيلور عن زيلندا الجديدة أن الطريقة المتبعة هي أنهم يرسلون سللاً مملوءة بلحوم البشر من طرف الزعيم إلى أعوانه فمن قبلها منهم يأتي إلى الموعد المضروب بجموعه للمساعدة وهم يعدون من لا يذهب إلى الحرب ويأكل من لحوم البشر غير مهذب وبعد انتهاء المعركة تجتمع جثث القتلى وتنزع لحومها عن العظا وترسل إلى بيوت الأنصار والحلفاء. والمزبة الوحيدة في تلك العادة أن الذين يتولون تقطيع الفريسة وتعريق لحمها يصبحون على شيء من المعرفة في تركيب أعضاء الإنسان لذلك تراهم مرنين في رد خلع المفاصل. هذا وقد أخذت تخف وطأة هذه العادة منذ أخذت المدنية الحديثة تدخل إلى تلك الجزائر اهـ. ملخصاً عن مجلة الأثري الأميركي. الصور السمائية تكلم أحمد بك زكي في محاضرته التي نشرتها مجلة المقتبس في الجزء السادس من المجلد الخامس تحت عنوان (الكتابة والكتب ودورها) على كتاب (الصور السيمائية) لعبد الرحمن ابن عمر بن محمد بن سهل الصوفي فقال عنه: وإذا بحثتم في أرض مصر من الشلالات إلى الأشاتيم ومن بادية العرب إلى صحراء لوبيا لا تجدون سوى الترجمة الفرنسوية وسوى الترجمة الفارسية في الدار الخديوية أما الأصل العربي فقد لبس طاقية الاختفاء وتطاير في الفضاء وهجر ديارنا ووصال غيرنا فيما وراء البحار ورحل عن أرض أهله هين بها إلى بلاد ظهرت قيمته بين أهلها بحيث أن العرب الذين صدر الكتاب بلغتهم إذا احتاجوا الآن لمراجعته واجب عليهم أن يتلقنو لإحدى هاتين اللغتين الفرنسية أو الفارسية أو أن يذهبوا إلى بطرسبرج وإن استبعدوها فإلى باريس وهنالك تجدون منه خمس نسخ استغفر الله بل ستاً لأن السادسة هي التي سأتكلم عليها الخ. وسينما تلوت هذه العبارة هذه العبارة تذكرت أني رأيت هذا الكتاب منذ حو خمس سنين في المكتبة الأحمدية التي نوهت مجلة المقتبس في ذك الجزء بذكرها وذكرت بعضاً من نفائس كتبها فدعاني ذلك أن أستفتح المكتبة وأعيد النظر إلى هذا الكتاب وأكتب شيئاً عنه تبشيراً لعشاق العلم في هذه البلاد بلغة الناطقين بالضاد لعلهم يسعون في طبعه وتقتبسون من غر فوائده. أوله بعد البسملة. قال عبد الرحمن بن عمر المعروف بأبي الحسن الصوفي بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلى على رسوله المصطفى وآله (أما بعد) فأني رأيت كثيراً من الناس يخوضون في طلب معرفة الكواكب الثابتة في مواضعها من الفلك وصورها ووجدتهم على فرقتين إحداهما تسلك طريقة المنجمين ومعولها على كرات مصورة من عمل من لم يعرف الكواكب بأعينها وإنما عولوا على ما وجدوا في الكتب من أطوالها وعروضها فرسموها في الكرة من غير معرفة خطئها وصوابها فإذا تأمل بعض من يعرف فيها وجد بعضها مخالف ف النظم والتأليف لما في السماء أو على ما وجد من الزيجات وادعى المؤلف أنهم قد رصدوها ورفوا مواضعها وإنما عمدوا إلى الكواكب المشهورة التي يعرفها كثير من الخاص والعام مثل عين الثور وقلب الأسد والسماك الأعزل والثلثة التي في جبهة العقرب وقلب العقرب وهذه الكواكب هي التي ذكرها بطليموس أنه رصدها بأطوالها وعروضها وأثبتها في كتابه المعروف بالمجسطي لقربها من منطقة فلك البروج فرصدوها وأثبتوا مواضعها في وقت أرصادهم ثم قال بعد كلام طويل: وأما الفرقة الأخرى فقد سلكت طريقة العرب في معرفة الأنواء ومنازل القمر ومعولهم على ما وجدت في الكتب المؤلفة في هذا المعنى ووجدناه في الأنواء كتباً كثيرة أتمها وأكملها في فنه كتاب أبي حنيفة الدينوري فإنه يدل على معرفة تامة بالأخبار الواردة عن العرب في ذلك وأشعارها وأسجاعها فوق معرفة غير ممن ألفوا الكتب في هذا ال فن ولا أدري كيف كانت معرفته بالكواكب على مذهب العرب عياناً فإنه يحكى عن ابن الإعرابي وابن كنانة وغيرهما أشياء كثيرة من أمر الكواكب يدل على قلة معرفتهم بها وأن أبا حنيفة لو عرف الكواكب لم يسند الخطأ إليهم ثم كل من عرف من الفرقتين إحدى الطريقتين لم يعرف الأخرى وألف في كتابه أشياء من غير الفن الي أخذ فيه نادى على نفسه بها بالخطأ وخفة البضاعة فيه منهم أبو حنيفة فإنه ذكر في كتابه أن البروج الاثنا عشر لم تسم بهذه الأسماء إلا لأن نظم كواكبها مشاكلة للصورة المسماة باسمها وأن الكواكب تنتقل عن أماكنها وأسماء البروج غير زائلة وإن زال نظم الكواكب ولم يعلم أن نظمها لا يزول ولا يتغير (إلى أن قال) وقد كنت أظن بأبي حنيفة أن له رياضة بعلم الهيئة والرصد فقد كنت بالدينور في سنة خمس وثلثين وثلثمائة من سني الهجرة في صحبة الأستاذ أبي الفضل محمد بن الحسين نازلاً في حجرته وحكى لي جماعة من المشايخ أنه كان رصد الكواكب على سطح هذه الحجرة سنين كثيرة فلما ظهر تأليفه وتأملت ما أودعه كتابه علمت أن الذي كان يراعيه إنما كان طلب الظاهر المشهور من الكواكب وما كان يجده في كتب الأنواء من ذكر المنازل وما أشبهها والناس كلهم متفقون على أن لهذه الكواكب حركة في توالي الأبراج. ثم قال بعده كلام طويل: ولما رأيت هؤلاء القوم مع ذكرهم في الآفاق وتقدمهم في الصناعة واقتداء الناس بهم واستعمالهم مؤلفاتهم قد \ تبع كل واحد منهم في تقدمه من غير تأمل لخطئه وصوابه بالعيان وبالنظر حتى ظن كل من نظر فغي مؤلفاتهم أن ذلك عن معرفة الكواكب ومواقعها ووجدت في كتبهم من التخلف ولاسيما في كتب الأنواء من حكاياتهم عن العرب والرواية عنهم اشياء من أمر المنازل وسائر الكواكب الظاهرة الفساد لو ذكرتها طال الكتاب بلا فائدة عزمت مرات كثيرة على إظهار ذلك وكشفه وكان يعتريني فتور في حال واشغال تصدني عن المراد في أخرى إلى أن شرفني الله بخدمة الملك عضد الدولة أبي شجاع بن ركن الدولة رحمه الله تعالى وأنعم الله عليَّ بإدخالي في جملة خو له وحشمه ووجدته من فنون العلم متمكناً وفي المعرفة بها منبسطاً وعلى عامة العلماء مقبلاً والى جميعهم محسناً ورأيته كثير الذكر لأحوال الكواكب مائلاً إلى امتحانها والوقوف على مواقعها من الصور ومواضعها من البروج والدرج بالرصد والعيان ولم أجد بحضرته من المنجمين من يعرف شيئاً من الصور الثماني والأربعين التي ذكرها بطليموس في كتابه المعروف بالمجسطي على حقيقتها ولا شيء من الكواكب التي في الصور على مذهب المنجمين ولا على مذهب العرب إلا اليسير الظاهر المشهور الذي يعرفه الخاص والعام ولم أجد لم تقدمني من العلماء أيضاً كتاب في أحد الفنين يوثق بمعرفة مؤلفه إلا كما تقدم ذكره ولا يمكن الرصد إلا بمعرفة الصور وكواكب كل صورة بالنظر والعيان فرايت أن أتقرب إليه بتأليف كتاب جامع يشتمل على وصف الصور الثماني والأربعين وعلى كواكب كل صورة منها وعددها ومواقعها من الصور ومواضعها من فلك البروج بأطوالها وعروضها وعدد كواكب الفلك كلها المرصودة التي من الصور والتي حوالى الصور وليست منها. وبعد كلام طويل أخذ المؤلف يتكلم على الصور الثماني والأربعين صورة فصورة مع إثبات نفس الصورة ونقشها بحروف وأرقام عند موضع كل كوكب غير أن أربع عشرة صورة منها لبس على شيء من الحروف والأرقام وخالية من الإشارات إلى مواضع الكاوكب. وبعد أن ينتهي من الكلام على كل صورة يذيله بجدول فيه أسماء الكواكب تلك الصورة وأرقام تدل على مواضع تلك الكواكب فيها والكتاب في ١٢٧ صفحة بقطع قريب من الكامل قال ناسخه في آخره: وافق الفراغ من كتابة هذه النسخة المباركة المسامة بكواكب الصوفي في الرابع والعشرين من شهر ربيع الآخر سنة خمس بعد الألف وتحت ذلك ثلاثة أسطر أخر لم يقرأ منها سوى (المقري الموقت يومئذ بجامع حلب الشهباء الكبير عمره الله تعالى) المعادن المذخورة نشر المؤتمر الجيولوجي الدولي الحادي عشر الذي التأم في استوكهلم خلاصة التقاير التي طلبها من علماء طبقات الأرض والمهندسين في مناجم العالم على اختلاف الأصقاع والديار بشأن مناجم الحديد في العالم بأسره وتقسمها فتبين منها ما يعرف الآن من المناجم في الدنيا يحوي على عشرة مليارات طن وربما لا يقل المذخور في بطون تلك المناجم عن خمسين ألف طن وما ينبغي للعام اليوم هو ستون ألف طن وكان يكتفى سنة ١٨٧١ بثلاثة عشر مليون طن وسنة ١٨٩١ بستة وعشرين مليون طن وسنة ١٩٠١ بأحد وأربعين مليون طن وإذا قدرنا ما يلزم العالم من الحديد اليوم وما يعرف من مناجمه المذخورة فلا يكفي الحديد سوى قرنين آخرين وإذا لم تتدارك الحال بالبحث عن مناجم جديدة يختل المعدل وإليك جدولاً بما هو مذخور من الحديد في القارات الخمس ومنه ما عرف ومنه ما يقدر تقديراً وهو بحساب مليون طن: وجاء في جدول ىخر ذكرت فيه المناجم المعروفة والتي يرجى كشفها في كل مملكة على حدتها من ممالك أوربا فكانت المملكة العثمانية كثيرة جداً بمناجمها إلا أنه لا يعرف مقدارها الآن وتبين أن فرنسا أكثر ممالك أوربا بمناجمها المعروفة. مخطوطات ومطبوعات بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع للإمام علاء الدين أبي بكر بن مسعود الكاساني الحنفي المتوفى سنة ٥٨٧ هـ طبع بمصر سنة ١٣٢٨ اعتاد محمد أمين أفندي الخانجي صاحب المكتبة المشهورة في القاهرة والأستانة أن يطبع للأمة كل نافع من آثار السلف الصالح فأحيا بإقدامه مدة أمهات ومنها ذا الكتاب في الفقه الحنفي تعرض فيه مؤلفه الملقب بمالك العلماء لأقسام المسائل وفصولها وتخريجها على قواعدها وأصولها ليكن أسرع فهماً وأسهل ضبطاً وأيسر حفظاً وقد جمع جملاً من الفقه مر تبة بالترتيب الصناعي والتأليف الحكمي مع إيراد الدلائل الجلية والنكت القوية وهو في سبعة أجزاء تم الأول والثاني والخامس والسادس والسابع منها ويتم الجزءان الآخران وقد وقع في نحو ٢٥٠٠ صفحة بالقطع الكامل على ورق جيد وحروف مصرية ولا شك أن المشتغلين بفقه الإمام الأعظم يحلون هذا الكتاب محله من الاعتبار كما أحل المالكية المدونة الكبرى المنسوبة للإمام مالك والشافعية كتاب الأم للشافعي فيعد عندهم مرجعاً واسعاً. الجولة الإسلامية أو ماضي الشرق وحاضره تأليف الشيخ أحمد الصابوني الحموي طبع الجزء الأول في مطبعة حماة سنة ١٣٢٨ ص ٢٠ كان الفاضل صاحب هذا الكتاب نشره مقالات متسلسلة في جريدته لسان الشرق فاستحسنها قراءها فأعاد طبعها مع زيادات على هذه الصورة فجاءت شاهدة بفضله وبعد نظره وكتابة التاريخ على هذا الأسلوب أوقع في النفوس وأعلق في الأذهان لأنها عبارة عن التدبر في أعمال الرجال. فقد تكلم على طائفة من الخلفاء الراشدين والملوك الأمويين والعباسيين فكان كلامه فلسفة على تاريخهم وبيان الحكمة من أعمالهم. ومما رواه المؤلف نقلاً عن ابن ربه أن عثمان حينما كبر وتقدم في السن شد أسنانه بالذهب وقال غيره أنه وضع سناً من الذهب ومعلوم أن تركيب السن من الذهب لا يكون إلا بمهارة في الصناعة وعلم بها عظيم. وعبارة المؤلف منسجمة وعساه يوفق إلى نشر بقية الأجزاء ليعم نفعه. الاسكا وكلونديك تأليف جبرائيل أفندي عساف مرعي من دوما (لبنان) طبع بمطبعة الحضارة بطرابلس الشام سنة ١٩٠٩ ص ٢٢٨ مؤلف هذا الكتاب ممن أقاموا زمناً طويلاً في بلاد الأسكا كلونديك بلاد الذهب فعنَّ له ون عماً فعل أن يكتب ما عرفه عن هذه البلاد وغناها ومدنها ومناجمها وركازها وزرعها وضرعها وصيدها وسكانها وحكوماتها وإدارتها وحالتها الطبيعية وما يتعلق بتلك البلاد من الفوائد الاجتماعية والاقتصادية التي تفيد الجالية العربية إلى تلك البلاد وأبناء العربية كافة في الاطلاع على عجائب صنع الله في أرضه وهذه البقعة الصغرى منها التي بلغت مساحتاه بحسب الإحصاء الأخير ٥٩٠٨٤٤ ميلاً مربعاً أي نحو خمس مساحة الولايات المتحدة ويناهز طول سواحلها البحرية ٢٦ ألف ميل وهي كما قال المؤلف سعة بالغة تزيد عن محيط الأرض عند خط الاستواء. وبالجملة فإن هذا السفر نافع في بابه ويا حبذا لو تصدى كل من ينزل منا قطراً شاسعاً من أقطار الأرض فيصفه بما ينبغي من خدمة العلم ورجال المال والأعمال لنذكر لهم على الدهر مقرونة بالثناء الطيب والذكر العطر. تقويم البشير تقويم البشير ظهر هذا التقويم الذي تصدره مطبعة الآباء اليسوعيين كل سنة وهذه هي السنة الرابعة والثلاثون لظهوره وهو تأليف الأب لويس معلوف وفيه حساب السنن على اختلاف أنواعها من شمسية وهجرية وقبطية وإسرائيلية وأعياد المسيحيين وأصوامهم وأسماء الرؤساء الروحيين فيها ومراكزهم من الدولة العثمانية والتقسيمات الإدارية في الدولة العثمانية ولاسيما في سورية وأسماء الجرائد والمجلات والمطابع في بيروت ولبنان وفيها نحو ٥٧ جريدة ومجلة وبعض وصايا وفوائد علمية وبيتية ولطائف في ١٧٦ صفحة جيدة الطبع والحرف.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_57.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.57.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
