<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.56.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.56.TEIP5:</urn>
<passage>رسالة ابن القارحإلى أبي العلاء المعري (إلى القارئ مخطوطاً من أندر المخطوطات ظفرنا به في خزانة كتب أستاذانا الشيخ طاهر الجزائري كتبه أبو حسن علي بن منصور الحلبي المعروف بالقارح إلى أبي العلاء المعري فأجاب عنها هذا في رسالة خاصة سماها رسالة الغفران طبعت بمصر سنة ١٣٢١ _ ١٩٠٣ في مطبعة هندية. أما ابن القارح وكان يلقب بدوخلة فكان شيخاً من هل الأدب رواية للأخبار حافظاً لقطعة كبيرة من اللغة والأشعار قؤوماً بالنحو وكان ممن خدم أبا علي فارس في داره وهو صبي ثم لازمه وقرأ عليه وكانت معيشته التعليم بالشام ومصر. قال ابن عبد الرحيم وشعره يجري مجرى شعر المعلمين قليل الحلاوة خال من الطلاوة وكان آخر عهدي به بتكريت سنة إحدى وعشرين وأربعمائة فإنا كنا مقيمين بها واجتاز بنا وأقام عندنا مدة ثم توجه إلى الموصل فبلغتني وفاته من بعد وكان يذكر أن مولده بحلب سنة إحدى وخمسين وثلاثمائة. قال ياقوت وعلي بن منصور هذا يعرف بابن القارح وهو الذي كتب إلى أبي العلاء المعري الرسالة المعروفة برسالة ابن القارح فأجابه أبو العلاء برسالة الغفران وذكر اسمه فيها). استفتاحاً باسمه واستنتاجاً ببركته والحمد لله المبتدي بالنعم المنفرد بالقدم الذي جل عن شبه المخلوقين وصفات المحدثين ولي الحسنات المبرأ من السيئات العادل في أفعاله الصادق في أقواله خالق الخلق ومبديه ومبقيه ما شاء ومفنيه وصلواته عَلَى محمد وأبرار مترته وأهليه صلوة ترضيه وتقربه وتدنيه وتزنفه وتخطيه كتابي أطال الله بقائي مولاي الشيخ الجليل ومد مدته وأدام كفايته وسعادته وجعلني فداءه وقدمني قبله عَلَى الصحة والحقيقة وبعد القصد والعقيدة وليس عَلَى مجاز اللفظ ومجرى الكتابة ولا عَلَى تنقص وخلابة وتحبب ومسامحة كما قال بعضهم وقد عاد صديقاً له كيف تجدك جعلني الله فداك وهو يقصد تحبباً ويريد تملقاً ويظن أنه قد أسدى جميلاً يشكره صاحبه أن ينهض واستقل ويكافئه عليه إن أفاق وأيلَّ عن سلامة تمامها بحضور حضرته وعافية نظامها بالتشرف بشريف عزته وميمون نقيبته وطلعته ويسلم الله التكريم تقدست أسماؤه إني لو حننت إليه أدام الله تأييده حنين أواله إلى وكرها وذات الفرخ إلى وكرها والحمامة إلى إلفها أو الغزالة إلى خشفها لكان ذلك مما تغيره الليالي والأيام والعصور والأعوام لكنه حنين الظمآن إلى الماء والخائف إلى الأمن والسليم إلى السلامة والغريق إلى النجاة والقلق إلى السكون بل حنين نفسه النفيسة إلى الحمد والمجد فإني رأيت نزاعها إليهما نزاع الإستقسات إلى عناصرها والأركان إلى جواهرها فإن وهب الله لي ملأ من العمر يؤنسني برؤيته ويعلقني بحبل مودته مرت كساري الليل ألقى عصاه وأحمد مسراه وقر عيناً ونعم بالأوكان من لم يمسسه سوء ولم يتخوفه عدو ولا نهكه رواح ولا غدو وعسى الله أن يمن بذلك بيومه أو بثانيه وبه الثقة وأنا أسأل الله عَلَى التداني والنوى والبعاد إمتاعه بالفضل الذي استعلى عَلَى عاتقه وغاربه واستولى عَلَى مشارقه ومغاربه فمن مر عَلَى بحره الهياج ونظر في لألآء بدره الوهاج خليق بأن يكبو قلمه بأنامله وينبو طبعه عن رسائله إلى أن يلقي إليه بالمقاليد أو يستهويه إقليداً من الأقاليد فيكون منسوباً إليه ومحسوباً عليه ونازلاً في شعبه وأحد أصحابه وحزبه وشرارة تياره وقراضة ديناره وسمك بحره وثمد غمره وهيهات ضاق فتر عن مسير ليس التكحل في العينين كالكحل خلقوا أسخياء لا متساخين وليس السخي من يتساخى ولاسيما وأخلاق النفس تلزمها لزوم الألوان للأبدان لا يقدر الأبيض عَلَى السواد ولا الأسود عَلَى البياض ولا الشجاع عَلَى الجبن ولا الجبان عَلَى الشجاعة قال أبو بكر العزرمي: يفر جبان القوم عن أم رأسه ويحمي شجاع القوم من لا يناسبه ويرزق معروف الجواد عدوه ويحرم معروف البخيل أقاربه ومن لا يكف الجهل عمن يوده فسوف يكف الجهل عمن يواثبه ومن أين للضباب صوب السحاب وللغراب هدى العقاب وكيف وقد أصبح ذكره في مواسم الذكر أذاناً وعلى معالم الشكر لساناً فمن دافع العيان وكابر الأنس والجان واستبد بالأفك والبهتان كان كمن صالب بوقاحته الحجر وحاسن بقباحته القمر وهذي هذر وتعاطى فعقر وكان كمحموم بلسم فعفر ونادى عَلَى نفسه بالنقص في البدو والحضر وكان كمن قال من يعنيه ولا يشك فيه: كناطح صخرة يومأً ليفلقها فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل وروي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم وزاده شرفاً لديه قال لعن الله ذا الوجهين لعن الله ذا اللسانين لعن الله كل شقار لعن الله كل قتات. وردت حلب ظاهرة حماها الله تعإلى وحرسها بعد أن منيت بربضها بالدرخمين وأم حبركري والفتكرين بل رميت بآبدة ألاباد والداهية النآد فلما دخلتها وبعد لم تستقر بي الجار وقد نكرتها لفقدان معرفة وأنشدتها باكياً: إذا زرت أرضاً بعد طول اجتنابها فقدت حبيباً والبلاد كما هي كان ابو القطران المرار بن سعيد الفقعسي يهوى ابنه عمه بنجد واسمها وحشية فهتداها رجل شامي إلى بلده فغمه بعدها وساءه فراقها فقال من قصيدة: إذا تركت وحشية النجد لم يكن لعيني مما تبكيان طبيبا رأى نظرة منها فلم يملك البكا معاوز يربو تحتهن كثيب وكانت رياح الشام تكره مرة فقد جعلت تلك الرياح تطيب فحصلت من الرباح عَلَى الرياح كما حصل لابن قطران من حشية ثم وثم وثم وثم أجري ذكره أدام الله تاييده من غير سبب جره وغير مقتض اقتضاه فقال الشيخ بالنحو أعلم من سيبويه وباللغة والعروضمن الخليل فقلت والمجلس بأزز بلغني أنه أدام الله تأييده يصغر كبيره وينزر صغيره فيصير تصغيره تكبيراً وتحقيره تكثيراً وهكذا شاهدت ما شاهدت من العلماء رحمهم الله أجمعين وجعله وارث أطول أعمارهم وأمدها وأنضرها وأرغدها وما ثم له حلجة دعت إلى هذا قد تفتح النور وتوضح النور وإرضاء الصبح لدى عينين أبو الفرج الزهرجي كاتب حضرة نصر الدولة أدام الله حراسته كتب رسالة إليَّ أعطانيها ورسالة إليه أدام الله تأييده استودعنيها وسألني إيصالها إلى جليل حضرته وأكون نافثها لا باعثها ومعجلها لا مؤجلها فسرق عديلي رحلاً لي الرسالة فيه فكتبت هذه الرسالة أشكو أموري وأبث شقوري وأطلعه طلع عجري وبجري وما لقيت في سفري من أقيوام يدعون العلم والأدب والأدب أدب النفس لا أدب الدرس وهم إصغار منها جميعاً ولهم تصحيفات كنت إذا رددتها عليهم نسبوا التصحيف إلي وصاروا إلباً علي لقيت ابا الفرج الزهرجي بآمد ومعه خزانة كتبه فعرضها علي فقلت كتبك هذه يهودية قد برئت من الشريعة الحنيفية فأظهر من ذلك إعظاماً وإنكاراً فقلت له أنت عَلَى المجرب ومثلي لا يهرف ما لا يعرف وأبلغ تيقن فقرأ هو وولده وقال صغر الخبرِ الخبر وكتب إلي رسالة يقرظني فيها بطبع له كريم وخلق غير ذميم قال المتنبي: لأذم إلى هذا الزمان أهليه صغرهم تصغير تحقير غير تكبيل وتقليل غير تكثير فنفث مصدوراً وأظهر ضميراً مستوراً وهو سائغ في مجال الشعر وقائله غير ممنوع من النظم والنثر ولكنه وضعه غير موضعه وخاطب به غير مستحقه وما يستحق زمان ساعده بلقاء سيف الجولة أن يطلق عَلَى أهله الذم وكيف وهو القائل يخاطبه: أسير إلى أقطاع في ثيابه عَلَى طرفه من داره بحسامه وقد كان من حقه أن يجعلهم في خفارته إذا كانوا منسوبين إليه ومحسوبين عليه ولا يجب أن يشكو عاقلاً ناطقاً إلى غير ناطق إذ لزمات حركات الفلك إلا أن يكون ممن يعتقد أن الأفلاك تعقل وتعلم وتفهم وتدري بمواقع أفعالها بقصود واردات ويحمله هذا الاعتقاد عَلَى أن يقرب لها القرابين ويدخن الدخن فيكون مناقضاً لقوله: فتباً لدين عبيد النجو م ومن يدعي أنها تعقل أو أن يكون كما قال الله تعإلى في كتابه الكريم مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ويوشك أن تكون هذه صفته. حكى القطربلي وابن أبي الأزهر في تاريخ اجتمعا عَلَى تصنيفه وأهل بغداد وأهل مصر يزعمون أنه لم يصنف في معناه مثله لصغر حجمه وكبر علمه يحكيان فيه أن المتنبي أخرج ببغداد من الحبس إلى مجلس أبي الحسن علي بن عيسى الوزير رحمه الله فقال له: أنت أحمد المتنبي فقال أنا أحمد المتنبي وكشف عن بطنه فأراه سلعة فيه وقال هذا طابع نبوتي وعلامة رسالتي فأمر بقلع جمكه وصفعه به خمسين وأعاده إلى محبسه ويقول لسيف الدولة: وتغضبون عَلَى من نال رفدكم حتى يعاقبه التنغيص والمنن كذب والله لقد كان يتحرش بالمكارم ويتحكك بها ويحسد عليها أن تكون إلا منه وبه وهذا غير قادح في طلاوة شعره ورونق ديباجته ولكني أغتاظ عَلَى الزنادقة والملحدين الذين يتلاعبون بالدين ويرومون إدخال الشبه والشكوك عَلَى المسلمين ويستعذبون القدح في نبوة النبيين صلوات الله عليهم أجمعين ويتطرفون ويبتذئون إعجاباً بذلك المذهب تيه مغن وظرف زنديق. وقتل المهدي بشاراً عَلَى الزندقة ولما شهر بها وخاف دافع عن نفسه بقوله: يا ابن نهيا رأسي عَلَى ثقيل واحتمال الرأسين عبءٌ ثقيل فادعوا غيري إلى عبادة ربي ن فإني بواحد مشغول وأحضر ثالح بن القدوس وأحضر النطع والسياف فقال علام تقتلني قال عَلَى قولك: رب سر كتمته فكأني أخرس أو ثنى لسان عقل ولو إني أظهرت للناس ديني لم يكن لي في غير حبسي أكل يا عدي الله وعدي نفسه: الستر دون الفاحشات ولا يلقاك دون لخير من ستر فقال قد كنت زنديقاً وقد تبت عن الزندقة قال كيف وأنت القائل: والشيخ لا يترك عاداته حتى يوارى في ثرى رمسه إذا أرعوى عاد إلى غيه كذي الضنى عاد إلى نكسه وأخذ غفلته السياف فإذا رأسه يتدهدأ عَلَى النطع. زظهر في أيامه في بلد خلف بخارا وراء النهر رجل قصار أعور عمل له وجهاً من ذهب وخوطب برب العزة وعمل لهم قمراً فوق جبل ارتفاعه فراسخ فأنفذ المهدي إليه فأحيط به وبقلعته فحرق كل شيءٍ فيها وجمع كل من في البلد وسقاهم شراباً مسموماً فماتوا بأجمعهم وشرب فلحق بهم فعجل الله بروحه إلى النار. والصناديقي في اليمن فكانت جيوشه بالمديخرة وسفهنه وخوطب بالربوبية وكوتب بها فكانت له دار أفاضة يجمع إليها نساء البلدة كلها ويدخل الرجال عليهن ليلاً قال من يوثق بخبره دخلت إليها لأنظر فسمعت امرأة تقول يا بني فقال: يا أمه نريد أن نمضي أمر ولي الله فينا وكان يقول: إذا فعلتم هذا لم يتميز مال من مال ولا ولد من ولد فتكونون كنفس واحدة فغزاه الحسني من صنعاء فهزمه وتحصن منه في حصن هناك فأنفذ إليه الحسني طبيباً بمبضع مسموم ففصده به فقتله. والوليد بن يزيد أقام في الملك سنة وشهرين وأياماً وهو القائل: إذا مت يا أم الحنيكل فانكحي ولا تأملي بعد الفراق تلاقيا فإن الذي حدثته من لقائنا أحاديث طسم تترك العقل واهيا ورمى المصحف بالنشاب وخرقه وقال: إذا ما جئت ربك يوم حشر فقل يا رب خزقني الوليد  وأنفذ إلى مكة بناءاً مجوسياً ليبني له عَلَى الكعبة مشربة فمات قبل تمام ذلك فكان الحجاج يقولون: لبيك اللهم لبيك لبيك يا قاتل الوليد بن يزيد لبيك وأحضر بنايجة من الذهب وفيها جوهرة جليلة القدر وصورة رجل فسجد له وقبله وقال اسجد يا علج قلت ومن هذا قال هذا ماني شأنه كان عظيماً اضمحل أمره لطول المدة فقلت لا يجوز السجود إلا لله فقال قم عنا وكان يشرب عَلَى سطح وبين يديه باطية كبيرة بلور وفيها أقداح فقال لندماءه أين القمر الليلة فقال بعضهم: في الباطية فقال: صدقت أتيت عَلَى ما في نفسي والله لأشربن الهفتجة يعني شرب سبعة أسابيع متتابعة وكان بموضع حول دمشق يقال له البحرا فقال: تلعب بالنبوة هاشمي بلا وحي أتاه ولا كتاب فقتل بها ورأيت رأسه في الباطية التي أراد أن يهفتج بها وأبو عيسى بن الرشيد القائل: دهاني شهر الصوم لا كان من شهر ولا صمت شهراً بعده آخر الدهر ولو كان يعديني الإمام بقدرة عَلَى الشهر لاستعديت دهري عَلَى الشهر عرض له في وقته صرع فمات ولم يدرك شهراً غيره والحمد لله. والجنابي قتل بمكة ألوفاً وأخذ ستة وعشرين ألف جمل خفاً وضرب آلاتهم وأثقالهم بالنار واستملك من الغلمان والنساء والصبيان من ضاق بهم الفضاء كثرة ووفوراً وأخذ حجر الملتزم وظن أنها مغناطيس القلوب وأخذ الميزاب قال: وسمعت قائلاً يقول لغلام دحسمان طوال إنها في برديه وهو فوق الكعبة يا رحمة اقلعه وأسرع يعني ميزاب الكعبة فعلمت أن أصحاب الحديث صحفوه فقالوا يقلعه غلام اسمه رحمة كما صحفوا عَلَى علي رضي الله عنه قوله تهلك البصرة بالريح فهلكت بالزنج لأنه قتل علوي البصرة في موضع بها يقال له العقيق أربعة وعشرين ألفاً عدوهم بالقصب وحرقوا جامعها وقال في خطبته يخاطب الزنج لنكم قد أعنتم بقبح منظر فاشفعوه بقبح مخبر اجعلوا كل عامر قفراً وكل بيت قبراً. قال لي بدمشق أبو الحسين اليزيدي الوزيرين عَلَى نسب جدي دخل وإياه ادعى قال. أبو عبد الله محمد بن علي بن رزام الطائي الكوفي: كنت بمكة وسيف الجنابي قد أخذ الحاج ورأيت رجلاً منهم قد قتل جماعة وهو يقول يا كلاب أليس قال لكم محمد المكي ومن دخله كان آمناً أي أمن هنا فقلت له يا فتى العرب تؤمنني سيفك أفسر لك هذا قال: نعم قلت: فيها خمسة أجوبة الأول من دخله كان آمناً من عذابي يوم القيمة والثاني من فرض الذي فرضت عليه والثالث خرج مخرج الخبر وهو يريد الأمر كقوله والمطلقات يتربصن بِأنفسهن والرابع لا يقام عليه الحد فيه إذا حتى في الحل والخامس من الله عليهم بقوله إنا جعلنا حرماً آمنا ويتخطف الناس من حولهم فقال صدقت هذه اللحية إلى التوبة؟ فقلت: نعم فخلاني وذهب. والحسين بن المنصور الحلاج من نيسابور وقيل من مرو ويدعي كل علم وكان متهوراً جسوراً يروم إقلاب الدول ويدعي فيه أصحابه الإلهية ويقول بالحلول ويظهر مذاهب الشيعة للملوك ومذاهب الصوفية للعامة وفي تضاعيف ذلك يدعي أن الإلهية قد حلت فيه وناظره عيسى الوزير فوجده صفراً من العلوم وقال تعلمك لطهورك وفرضك أجدى عليك من رسائل أنت لا تدري ما تقول فيها كم تكتب إلى الناس تبارك ذو الغور الشعشعاني الذي يلمع بعد شعشعته ما أحوجك إلى أدب حدثني أبو علي الفارسي قال رأيت الحلاج واقفاً عَلَى حلقة أبي بكر الشبلي أنت بالله ستفسد خشبة فنفض كمه في وجهه وأنشد: يا سرسر يدق حتى يجل عن وصف كل حي وظاهراً باطناً تبدي من كل شيءٍ لكل شيء يا جملة الكل لست غيري فما اعتذاري إذاً إلي وهو يعتقد أن العارف بن الله بمنزلة شعاع الشمس منها بدا وإليها يعود ومنها يستمد ضوءه أنشدني الظاهر لنفسه: أرى جيل التصوف شر جيل فقل لهم واهون بالحلول أقال الله حين عشقتموه كلوا أكل البهائم وارقصوا لي وحرك يوماً يده فانثر عَلَى قول مسك وحرك مرة أخرى فانتثر دراهم فقال له بعض من حضر ممن يفهم أرني دراهم معروفة أؤمن بك وخلق معي أن أعطيتني درهماً عليه اسمك واسم أبيك فقال وكيف هذا وهذا لا يصنع قال من أحضر ما ليس بحاضر صنع ما ليس بمصنوع وكان في كتبه أني مفرق قوم نوح ومهلك قوم عاد وثمود فلما شاع أمره وعرف السلطان خبره عَلَى صحته وقع بضربه ألف سوط وقطع يديه ثم أحرقه بالنار في آخر سنة تسع وثلثمائة وقال لحامد ابن العباس: أنا أهلكك فقال حامد: الآن صح أنك تدعي ما قرفت به. وابن أبي العذافر أبو جعفر محمد بن علي الشلمغان أهله من قرية من قرى واسط تعرف بشلمغان وصورته صورة الحلاج ويدعي عنه قوم أنه إله وأن الله حل في آدم ثم في شيث ثم في واحدٍ واحد من الأنبياء والأوصياء والأئمة حتى حل في الحسن بن علي العسكري وأنه حل فيه وكان قد استغوى جماعة منهم ابن أبي عون صاحب كتاب التشبيه ومعه ضربت عنقه وكانوا يبيحونه حرمهم وأولادهم يتحكم فيهم وكان يتعاطى الكيمياء وله كتب معروفة. وكان أحمد بن يحيى الراوندي من أهل مرو الروز حسن الستر جميل المذهب ثم انسلخ عن ذلك كله بأسباب عرضت له ولأن علمه كان أكثر من عقله وكان مثله كما قال الشاعر: ومن يطيق مرداً عند صبوته ومن يقوم لمستور إذا خلعا صنف كتاب التاج يحتج فيه لقدم العالم فنقضه أبو الحسين الخياط. الزمرد يحتج فيه لإبطال الرسالة نقضه الخياط. نعت الحكمة سفه الله تعإلى في تكليف خلقه أمره. نقضه الخياط. الدامغ يطعن فيه عَلَى نظم القرآن. القضيب يثبت أن علم الله محدث وأنه كان غير عالم حتى خلق لتنفسه علماً نقضه الخياط. الفريد في الطعن عَلَى النبي عليه الصلوة والسلام. المرجان في اختلاف أهل الإسلام. علي بن العباس بن جريج الرومي قال أبو عثمان الناجم دخلت عليه في علته التي مات فيها وعند رأسه جام فيه ماء مثلوج وخنجر مجرد ولو ضرب به صدر خرج من ظهر فقلت: ما هذا قال: الماء ابل به حلقي فقلما يموت إنسان إلا وهو عطشان والخنجر إن زاد عليَّ الألم نحرت نفسي ثم قال: أقص عليك قصتي تستدل بها عَلَى حقيقة تلفي أردت الانتقال من الكرخ إلى باب البصرة فشاورت صديقنا أبا الفضل وهو مشتق من الأفضال فقال إذا جئت القنطرة فخذ عَلَى يمينك وهو مشتق من اليمن واذهب إلى سكة النعيمة وهو مشتق من النعيم فاسكن دار ابن المعافي وهو مشتق من العافية فخالفته لتعسي ونحسي فشاورت صديقنا جعفراً وهو مشتق من الجوع والفرار فقال: إذا جئت القنطرة فخذ عَلَى شمالك وهو مشتق من الشؤم واسكن دار ابن قلابة وهي هذه لا جرم قد انقلبت بي الدنيا وأضر ما علي العصافير في هذه السدرة تصيح سيق سيق فها أنا في السياق ثم أنشدني: أبا عثمان أنت قريع قومك وجودك للعشيرة دون لومك تمتع من أخيك ما أراه يراك ولا تراه بعد يومك وألح به البول فقلت له البول ملح بك فقال: غداً ينقطع البول ويأتي الوبل والعول إلا أن لقاء الله هو دونه الهول ومات من الغد فأرجو أن يكون هذا القول توبة له مما كان اعتقده من ذبحه لنفسه والرسول عليه الصلوة والسلام يقول من وجأ فسه بحديدة حشر يوم القيامة وحديدته بيده يجأ بها نفسه خالداً مخلداً في النار من تردى من شاهق حشر يوم القيامة يتردى عَلَى منخريه في النار خالداً مخلداً من تحسي سماً حشر يوم القيامة وسمه بيده يتحساه خالداً مخلداً في النار. قال الحسن بن رجاء الكاتب جاءني أبو تمام إلى خراسان فبلغني أنه لا يصلي فوكلت به من لازمه أياماً فلم يره صلى يوماً واحداً فعاتبته فقال: يا مولاي قطعت إلى حضرتك من بغداد فاحتملت المشقة وبعد الشقة ولم أره يقل علي فلو كنت أعلم أن الصلاة تنفعني وتركها يضر في ما تركتها فأردت قتله فخشيت أن يحمل عَلَى غير هذا. وفي تآريخ كثيرة أنه أحضر المازيار إلى المعتصم وقبل قدومه بيوم سخط عَلَى الإفشين لأن القاضي ابن أبي داود قال للمعتصم: اعزل ويطأ امرأة عربية وهو كاتب المازيار وزين له العصيان فأحضر كاتبه وتهدده المعتصم فأقرانه كتب إلى المازيار لم يكن في الأرض ولا في العصر بلية إلا أنا وأنت وبابك وقد كنت حريصاً عَلَى حقن دمه حتى كان من أمره ما كان ولم يبق غيري وغيرك وقد توجهت إليك عسكر من عساكر القوم فإن هزمته وثبت إنا بملكهم في قرار داره فظهر الدين الأبيض فأجاب المازيار جواب هو عنده سفط أحمر فجمع بين الإفشين والمازيار فاعترف المازيار بما حكي عنه وقيل لمعتصم أن وراء المازيار مالاص جليلاً فأنشد: إن الأسود أسود الغاب همتها يوم الكريهة في المسلوب لا السلب ذكروا أن اثنين قتلوا ثلاثة آلاف ألف وخمسمائة ذباح بالثياب الحمر والخناجر الطوال وأنهم وجدوا أسماؤهم في وقعة وقعة وفي بلد بلد وكانوا يأخذون من كل واحد خاتمه أو ثوبه أو منديله أو تكته أتى الوادي فطم عَلَى القرى. قد لقيت من يجادلني أن علياً رضي الله عنه وكذلك الحاكم وقد ظهر بالبصرة من يدعي أن جعفراً بن محمد عليهما السلام وأنه متصل به وروحه فيه ومتصلة به ولو استقصيت القول في هذا الفن لطال جداً ولكن: لا بد للمصدور أن منفثاً وللذي في الصدر أن يبعثا بل لو قلت كل ما أعلمه أكلت زادي في محبسي بل كنت أنشد: أحمل رأساً قد مملت حمله إلا فتى يحمل عني ثقله وأستريح إلى أن أنشد: ليس يشفي كلوم غير كلومي ما به ما به وما بي ما بي إن شكوت العصر وأحكامه وذممت صروفه وأيامه شكوت من لا يشكي أبداً وذممت من لا يرضي أحداً شيمته اصطفاء اللئام والتحامل عَلَى الكرام وهمته رفع الخامل الوضيع ووضع الفاضل الرفيع إذا سمح بالحياء فأبشر بوشك الاقتضاء وإذا أعار فأسحبه قد أغار فما بين أن يقبل عليك مستبشراً ويولي عنك متجهماً مستبشراً إلا كلمح البصر واستطارة الشرر لم يخترق ذكر الوفاء مسامعه ولم يمسس ماء الحياء مدامعه ظاهره يسر ويونس باطنه يسوء ويؤنس يخيب ظن راجيه ويكذب أمل عافيه لا يسمع الشكوى ويشمت بالبلوى قد ذممت سيئاً ووقعت فيه أنا كالغريق يطلب معلقاً والأسير يندب مطلقاً وأستحسن قول علي بن العباس ابن جريج الرومي: ألا ليس شيبك بالمنتزع فهل أنت عن غية مرتدع وهل أنت تارك شكوى الزما ن إذا شئت تشكو إلى مستمع نشيت أخي الشيب أمنية إذا ما تناهر إليها هلع كنت في حال الحداثة أقرب الناس إليَّ وأعز عليَّ وأقربهم عندي وأجلهم في نفسي مرتبة من قال لي نسأ الله في أجلك جعل الله لك أمد الأعمار وأطولها فلما بلغت عشر الثمانين جاء الجزع والهلع فمم ارتاع والتاع وأخلد إلى الأطماع وهو الذي كنت أتمنى ويتمنى لي أهل أمن صدوف الغواني عني فأنا والله عنهن أصدف وبهن أدوائهن أعرف إذ لست ممن ينشد تحسراً عليهن: للسود في السود آثار تركن بها لمعاً من البيض ثنتي أعين البيض وقول آخر: ولما رأيت النسر عز ابن داية وعشش في وكريه جاشت له نفسي ولا أنشد لأبي عبادة البحري: إن أيامه من البيض بيض ما رأين المغارق السود سودا وإذا المحل ثار ثاروا غيوثاً وإذا النقع قار ثاروا أسوداً بحسن الذكر عنهم والأحادي ث إذا حدث الحديد الحديدا بلدة تنبت المعالي فما يت غر الطفل فيهم أو يسودا وهذه صفة معرة النعمان أدام الله تأييده لأخلت منه ومن النعمة عليه وعنده فقد وجدت أهلها معترفين بعوارفه خلا أبي العباس أحمد بن خلق الممتع أدام الله عزه فأني وجدت آثار تفضله عليه ظاهرة ولسانه رطباً بشكره وذكره وقد ملأ السماء دعاء والأرض ثناء. قالت قريش للنبي عليه الصلوة والسلام أتباعك من هؤلاء الموالي كبلال وعمار وصهيب خير من قصي وكلاب وعبد مناف وهاشم وعبد شمس فقال نعم والله لئن كانوا قليلاً ليكثرن ولئن كانوا وضعاء ليشرفن حتى يصيروا نجوماً يهتدى بهم ويقتدى فيقال هذا قول فلان وذكر فلان فلا تفاخروني بآبائكم الذين موتوا في الجاهلية فلما يدهده الجعل بمنخره خير من آبائكم الذين موتوا فيها فاتبعوني أجعلكم أنساباً والذي نفسي بيده لتقتسمن كنوز كسرى وقيصر فقال له عمه أبو طالب أبقِ علي وعلى نفسك فظن عليه الصلوة والسلام أنه خاذله ومسلمه فقال يا عم والله لو وضعوا الشمس في يميني والقمر قي شمالي عَلَى أن أترك هذا الأمر حتى يظهره الله وأهلك فيه ما تركته ثم استعبر باكياً ثم قام فلما ولى ناداه اقبل يا ابن أخي فأقبل فقال اذهب وقل ما شئت فو الله لا أستلمك لسوء أبداً فكان عليه الصلاة والسلام يذكر يوماً ما لقي قومه من الجهد والشدة وقال لقد مكثت أياماً وصاحبي هذا يشير إلى أبي بكر بضع عشرة ليلة ما لنا طعام إلا البرير في شعب الجبال وكان عتبة بن غزوان وإن يقول إذ ذكر البلاء والشدة التي كانوا عليها بمكة لقد مكثنا زماناً ما لنا طعام إلا ورق البشام أكلناه حتى تقرحت أشداقنا ولقد وجدت يوماً تمرة فجعلتها بيني وبين سعد وما منا اليوم أحد إلا وهو أمير عَلَى كورة وكانوا فيمن وجد تمرة فقسمها بينه وبين صاحبه أن أسعد الرجلين من حصلت النواة في قسمه يلوكها يومه وليلته من عدم القوت وكذا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لقد رعيت غنيمات أهل مكة لهم بالقراريط وابتدأ أمره أنه وقف عَلَى الصفا ونادى يا صاباحاه فجاءوا يهرعون فقالوا: ما دهمك ما طرقك قال: بما تعرفونني قالوا محمد الأمين قال: أرأيتم أن قلت لكم أن خيلاً قد طرقتكم في الوادي وأن عسكراً قد غشيكم من الفج أكنتم تصدقوني قالوا: اللهم نعم ما جربنا عليك كذباً قط. قال: فإن الذي أنتم عليه ليس الله ولا من الله ولا يرضاه الله قولوا لا إله إلا الله وإني رسول واتبعوني تطعكم العرب وتملكون العجم وإن الله قال لي أستخرجهم كما استخرجوك وابعث جيشاً وابعث خمسة أمثاله وضمن لي أن ينصرني بقوم منكم وقال لي: قاتل بمن أطاعك من عصاك وضمن لي أن يغلب سلطاني سلطان كسرى وقيصر ثم أنه عليه الصلاة والسلام غزا تبوك في ثلاثين ألفاً وهذا من قبل الله الذي يجعل من لا شيء كل شيء ويجعل كل شيءٍ لا شيء يجمد المائعات ويميع الجامدات يجمد البحر ثم يفجر الصخر وما مثله في ذلك إلا كمثل من قال هذه الزجاجة الرقيقة السخيفة أحك بها هذه الجبال الصلدة الصلبة المنيفة فترضها وتفضها وهذه النملة الرقيقة اللطيفة تهزم العساكر الكثير المعدة وكذا حقيقة أمره عليه الصلاة والسلام حتى لقد قال عروة بن مسعود الثقفي لقريش وكان رسولهم إليه صلى الله عليه وسلم بالحديبية لقد وردت عَلَى النجاشي وكسرى وقيصر ورأيت جندهم وأتباعهم فما رأيت أطوع ولا أوقر ولا أهيب من أصحاب محمد لمحمد هم حوله كأن الطير عَلَى رؤوسهم فإن أشار بأمر بادروا إليه وإن توضأ اقتسموا وضوءه وإن تنخكم دكوا بالنخامة وجوههم ولحاهم وجلودهم وكانوا له بعد موته أطوع منهم في حياته حتى لقد قال بعض أصحابه لا تسبوا أصحاب محمد فإنهم اسلموا من خوف الله وأسلم الناس من خوف أسيافهم فتأمل كيف استنتج دعوته وهو ضعيف وحده بأن هذا سيكون فرآه العدو والولي وما كان مثله في ذلك إلا مثل من قال هذه الهباءة تعظم وتصير جبلاً يغطي الكعبة فدفعه عثمان بن طلحة العبدري فقال: لا تفعل يا عثمان فكأنك بمفتاحها بيدي استعين بعصمة الله وتوفيقه وأجعلهما معينتي عَلَى دفع شهواتي أشكو إليه عكوفي عَلَى الأماني وأسأله فهماً لمواعظ عبر الدنيا فقد عميت عن كلوم غيرها بما جشم عَلَى خواطري من الشعف ولست أجدر مني منصفاً لي ولا حاجزاً لرغبتي فيها عنها وأين ودائع العقول وخزائن الأفهاء يا أولي الأبصار صفحنا عن مساوئ الدنيا إغماضاً لعاجل موفق التنغيص وترمي إليه يد الزوال وتكمن له الآفات قال كثير: كأني أنادي صخرة حين أعرضت من الصم لو تحشي بها العصم زلت وأقول عَلَى مذهب كثير بادنيا في كل لحظة لطرفي منك عبرة وفي كل فكرة لي منك حسرة يا مرنقة الصفا ويا ناقضة عهد الوفا ما وفق لحظة من عرج ولا سعد من أثر المقام عَلَى حسن الظن بك هيهات يا معشر أبناء الدنيا لكم في الظاهر اسم الغني وفي الباطن أهل التقلل لهم نفس هذا المعنى كم من يوم لي أغر كثير الهلة قد أصحت سماؤه وامتد عليَّ ظله تمدني ساعاته بالمنى ويضحك لي عن كل ما أهوى حتى إذا اتصل بكل أسبابي وامتزج سروره بفرحي وروحي وأترابي نفست علي به الدنيا فسعت بالتشتيت إلى ألفته والنقص إلى مدته فكسفت بهجته كسوفاً وأرهقت نضرة وحشته الفراق وقطعتنا فرقاً في الآفاق بعد أن كنا كالأعضاء المؤتلفة والأغصان اللدنة المتعطفة وا حسرتي في يوم يجمع شرتي كفن ولحد. ضيعت ما لا بد منه بالذي لي منه بد وأنشد ابن الرومي: ألا ليس شيبك بالمنتزع فهل أنت عن غيه مرتدع فأقلق وابكي بكاءً غير نافع ولا ناجع ويجب أن ابكي عَلَى بكائي وأنشد: لساني يقول ولا أفعل وقلبي يريد ولا أعمل وأعرف رشدي ولا أهتدي وأعلم لكنني أجهل عرض عليَّ بعض الناس كأس خمر فامتنعت منها وقلت خلوني والمطبوخ عَلَى مذهب الشيخ الأوزاعي وقلت لهم عرض إبراهيم ابن المهدي عَلَى محمد بن حازم الخمرة فامتنع وأنشد: ابعد شيبي أصبو والشيب للجهل حرب سن وشيب وجهل أمر لعمرك صعب يا ابن إمام فألا أيام عودي رطب وإذ مشيبي قليل ومنهل الحب عذب وإذا شفاء الغواني مني حديث وقرب فالآن لما رأى بي العذال ما قد أحبوا وآنس الرشد مني قوم أعاب وأصبو آليت أشرب خمراً ما حج لله ركب وأبلت عَلَى نفسي مخاطباً لها ومعاتباً والخطاب لغيرها والمعنى لها لقد أمهلكم حتى كأنه أهملكم أما تستحيون من طول ما لا تستحيون فكن كالوليد تقلبه يد اللطف به عَلَى فراش العطف عليه تصرف إليه المنافع بغير طلب منه لصغره وتصرف عنه المضار بغير حذر منه لعجزه أما سمعت الرسول عليه الصلاة والسلام إذ يقول في دعائهم اللهم أكلأني كلأة الوليد الذي لا يدري ما يراد به ولا ما يريد إلا متعلق والإذلال أذيال دليله إلا معد معطية ورحلا ليوم رحيله يا هلاه الدلجة الدلجة أنه من يسبق إلى الماء يظمأ إنما منعتك ما تشتهي ضناً بك وغيرة عليك قال الرسول عليه الصلاة والسلام: إذا أحب الله عبداً حماه الدنيا وأنت تشكوني إذا حميتك وتكره صيانتي إذا صنتك إلا لائذ بفنائنا ليعز إلا فارٌ إلينا لا فار منا يا من له بد من كل شيءٍ ارحم من لا بد له منك عَلَى كل حال يغني بشيءٍ عن شيء فلهذا قال جبريل للخليل ألك حاجة قال: أما إليك فلا الله يستحق أن يسأل وإن أغنى لأنه لا يغنى بشيءٍ عنه أطعه لتطيعه ولا تطعه ليطيعك فتفر وتمل. من ترك تدبيره لتدبيرنا أرحناه جل من لوالب القلوب والهمم بيده وعزائم الأحكام والأقسام عنده: أنسيت ذكر أحبة ينسون ذنبك عند ذكرك وجفوتهم ولطالما كانوا خلافك طوع أمرك وصبرت عند فراقهم ما كان عذرك عند صبرك تترك من إذا جفوته ونسيت ذكره وتعديت حده تترك من إذا جفوته ونسيت ذكره وتعديت حده وتركت نهيه وضيعت أمره وتبت إليه وعولت في تفضله عليك عليه وقلت: يا رب قال: لك لبيك وإذا سألك عبادي عني فإني قريب وإذا كان الذباب بوجهك فاتهمك وإن قطعت أنا أعضاءك تتهمني أنت الذي إذا أعطيتك ما أملت تركتني وانصرفت وإذا أنعمنا عَلَى الإنسان أعرض ونأى بجانبه يا واقفاً بالتهم كم كم أليس يقول لك ما غرك بي تقول حلمك وإلا لو أرسلت عليَّ بقة لجمعتني عليك إذا أردت أن تجمعني: أمن بعد شربك كأن النهى وشمك ريحان أهل التقى عشقت فأصبحت في العاشقي ن أشهر من فرس أبلقا أدنياي من غمر بحر الهوى خذي بيدي قبل أن أغرقا أنا لك عبد فكوني كمن إذا سره عبده أعتقا كان ببغداد رجل كبير الرأس فيلي الأذنين اسمه فاذوه رأسه في الأزمنة الربعة مكشوف لا يتورع عن ركوب مخزية يقال له يا فاذوه ويلك تب إلى الله فيقول يا قوم لم تدخلون بيني وبين مولاي وهو الذي يقبل التوبة عن عباده فكان في بعض الشوارع يوماً ذاهباً والشارع قد اتسع أسفله وضاق أعلاه والتقت جناحان فيه فناولت جارة جارتها مهراساً انسل من يدها عَلَى رأس فاذوه فهرس رأسه وخلط كخلط الهريسة وأعجله عن التوبة وكان لنا واعظ صالح يقول لنا احذروا ميتة فاذوه. قال جبريل في حديثه خشيت أن يتم فرعون الشهادة والتوبة فأخذت قطعة من حال البحر فضربت بها وجهه يعني طينه والحال ينقسم ثمانية أقسام منها الطين فكيف يصنع من عنده أن التوبة لا تصح من ذنب مع الإقامة عَلَى آخر فلا حول ولا قوة بلغني عن مولاي الشيخ أدام الله تأييده أنه قال وقد ذكرت له أعرفه جزاً هو الذي هجا أبا القاسم علي ابن الحسين المغربي فذلك منه أدام الله عزه رائع لي خوفاً أن يستشر طبعي وأن يتصورني بصورة من يضع الكفر موضع الشكر وهو بتعريف التنكير عنده لجلالة قدره ودينه ونسكه وأنا أطلعه طلعه ليعرف خفضه ورفعه وفراداه وجمعه. كنت أدرس علي أبي عبد الله بن خالويه رحمه الله واختلف إلى دار أبي الحسين المغربي ولما مات ابن خالويه سافرت إلى بغداد ونزلت عَلَى أبي علي الفارسي وكنت أختلف إلى علماء بغداد إلى أبي سعيد السيرافي وعلي بن عيسى الرماني وأبي عبيد الله المزرباني وأبي حفص الكتاني صاحب أبي بكر بن مجاهد وكتبت حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم وبلغت نفسي أغراضها جهدي والجهد عاذر ثم سافرت منها إلى مصر ولقيت أبا الحسن المغربي فألزمني إن لزمته لزوم الظل وكنت منه مكان المثل في كثرة الإنصاف والحنو والتجاف فقال لي سراً أنا أخاف همة أبي القاسم أن تنزو به إلى أن يوردنا ورداً لا صدر عنه وإن كانت الأنفاس مما تحفظ وتكتب فأكتبها وأحفظها وطالعني بها فقال لي يوماً ما نرضى بالخمول الذي نحن فيه قلت وأي خمول هنا تأخذون من مولانا خلد الله ملكه في كل سنة ستة آلاف دينار وأبوك من شيوخ الجولة وهو معظم مكرم فقال: أريد أن تصار إلى أبوابنا الكتائب والمواكب والمقانب ولا أرضى أن يجرى علينا كالولدان والنسوان فأعدت ذلك عَلَى أبيه فقال: ما أخوفني أن يخصب أبو القاسم هذه من هذه وقبض عَلَى لحيته وهامته وعلم أبو القاسم بذلك فصارت بيني وبينه وقفة. وأنفذ إلي القائد أبو عبد الله الحسين بن جوهر فشرفني بشريف خدمته فرأيت الحاكم كلما قتل رئيساً أنفذ رأسه إليه وقال: هذا عدوي وعدوك يا حسين فقلت من ير يوماً ير به والدهر لا يغتر به وعلمت أنه كذا يفعل به فاستأذنته في الحج فأذن فخرجت في سنة سبع وتسعين وحججت خمسة أعوام وعدت إلى مصر وقد قتله فجاءني أولاده سراً يرمون إلى الرجوع إليهم فقلت لهم خير مالي ولكم الهرب ولأبيكم ببغداد خمسمائة ألف دينار فاهربوا وأهرب ففعلوا وفعلت وبلغني قتلهم بدمشق وأنا بطرابلس فدخلت إلى إنطاكية وخرجت منها إلى ملطية وبها المسايسطكرية خولة بنت سعد الدولة فأقمت عندها إلى أن ورد علي كتاب أبي القسم فسرت إلى ميافارقين فكان يسر حسواً في ارتغاءٍ قال لي يوماً من الأيام: ما رأيتك قلت: أَعرضت حاجة؟ قال: لا أردت أن ألعنك قلت فالعني غائباً قال: لا في وجهك أشفى قلت: ولم قال: لمخالفتك إياي فيما تعلم. وقلت له ونحن عَلَى أنس بيني وبينه لي حرمات ثلاث البلدية وتربية أبيه لي وتربيتي وتربيتي لإخوتي قال هذا حرم مهتكة البلدية نسب بين الجدران وتربية أبي لك منة لنا عليك وتربيتي لإخوتي بالخلع والدنانير أردت أن أقول له: استرحت من حيث تعب الكرام فخشيت جنون جنونه لأنه كان جنونه مجنوناً وأصح منه مجنون وأجن منه لا يكون وقد أنشد: جنونك مجنون ولست بواحد طبيباً يداوي من جنون جنون بل جن جنانه ورقص شيطانه: به جنت مجنونة غير أنها إذا حصلت منه ألب وأعقل وقال لي ليلة أريد أن أجمع أوصاف الشمعة السبعة في بيت واحد وليس يسنح لي ما أرضاه فقلت أنا أفعل من هذه الساعة قال أنت جذيلها المحك وعذيقها المرجب فأخذت القلم من دواته وكتبت بحضرته: لقد أشبهتني شمعة في صبابتي وفي هول ما ألقى وما أتوقع نحول وحرق في فناء ووحدة وتسهيد عين واصفرار وأدمع فقال كنت عملت هذا قبل هذا الوقت فقلت تمنعني سرعة الخاطر وتعطيني علم الغيب وقلت: أنت ذاكر قول أبيك لي ولك ولبتي الشاعر ولمحسن الدمشقي ونحن في الطارمه اعملوا قطعةً قطعة فمن جود جعلت جائزته كتبها فيها فقلت: بلغ السماء سمو به ت شيد في أعلى مكان بيت علا حتى تو ر في ذراه الفرقدان فأنعم به لا زلت من ريب الحوادث في أمان فاستجاد سرعتها وكتبها في الطارقة وخلع عَلَى وكان أبو القسم ملولا والملول ربما مل الملال وكان لا يمل أن يمل ويحقد حقد من لا تلين كبد ولا تنحل عقده وقال لي بعض الرؤساء معاتباً: أنت حقود ولم يكن حقوداً فقلت له أنت لا تعرف والله ما كان يحنى عوده ولا يرجى عوده وله رأي يزين له العقوق ويمقت إليه رعاية الحقوق بعيد من الطبع الذي هو للصد صدود وللتآلف ألوف ودود. كأنه من كبره قد ركب الفلك واستوى عَلَى ذات الحبك ولست ممن يرغب في راغب عن وصلته أو ينزع إلى نازع عن خلته فلما رأيته سارواً جارياً في قلة إنصافي عَلَى غلوائه محوت ذكره عن صفحة فؤادي واعتددت وده فيما سال به الوادي. ففي الناس إن رثت حبالك واصل وفي الأرض عن دار القلى متحول وأنشدت الرجل أبياتاً اعتذر بها في قطعي له: فلو كان منه الخير إذ كان شره عتيداً لقنا إن خيراً مع الشر ولو كان إذ لا خير ولا شر عنده صبرنا وقلنا لا يريش ولا يبري سبو لكنه شر ولا خير عنده وليس عَلَى شر إذا دام من صبر وبغضي له شهد الله حياً وميتاً أوجبه أخذه محاريب الكعبة الذهب والفضة وضربها دنانير ودراهم وسماها الكعيبة وأنهب العرب الرملة وخرب بغداد وكم دم سفك وحريم انتهك وحرة أرمل وصبي أيتم وأنا معتذر إلى الشيخ الجليل من تقريظه مع تقريظي فيه لأنه قد شاع فضله في جميع البشر وصار غرة عَلَى جبهة الشمس والقمر خلد ذلك فيه بدائع الأخبار وكتب بسواد الليل عَلَى بياض النهار وأنا في مكاتبة حضرته بمنظوم ومنثور كمن أمد النار بالشرر وأهدى الضوء إلى القمر وحب في البحر جرعة وأعار سير الفلك سرعة إذ كان لا يحل النقص بواديه ولا يطور السهو بناديه. ولقد سمعت من رسائله عقائل لفظ أن نعتها فقد عبتها وإن وصفتها فما أنصفتها وأطربتني يشهد الله إطراب السماع وبالله لو صدرت عن صدر من خزانته وكتبه حوله يقلب طرفه في هذا ويرجع إلى هذا فإن القلم لسان اليد وهو أحد البلاغتين لكان ذلك عجيباً صعباً شديداً ووالله لقد رأيت علماء منهم ابن خالويه إذ قرأت عليهم الكتب ولاسيما الكبار رجعوا إلى أصولهم كالمقابلين يتحفظون من سهو وتصحيف وغلط والعجب العجيب والنادر الغريب حفظه أدام الله تأييده لأسماء الرجال والمنثور كحفظ غيره من الأذكياء المبرزين المنظوم وهذا سهل بالقول صعب بالفعل من سمعه طمع فيه ومن رامه امتنعت عليه معانيه ومبانيه. حدثني أبو علي الصقلي بدمشق قال: كنت في مجلس ابن خالويه إذ وردت عليه من سيف الدولة مسائل تتعلق باللغة فاضطرب لها ودخل خزانته وأخرج كتب اللغة وفرقها عَلَى أصحابه يفتشونها ليجيب عنها وتركته وذهبت إلى أبي الطيب اللغوي وهو جالس وقد وردت عليه تلك المسائل بعينها وبيده قلم الحمرة فأجاب به ولم يغيره قدرة عَلَى الجواب وقال أبو الطيب: قرأت عَلَى أبي عمر الفصيح وإصلاح المنطق حفظاً وقال لي أبو عمر كنت أعلق اللغة عن ثعلب عَلَى خزف وأجلس عَلَى دجلة أحفظها وأرمي بها وأنا تعبت وحفظت نصف عمري ونسيت نصفه وذاك أني درست في بغداد وخرجت عنها وأنا طري الحفظ ومضيت إلى مصر فأمرجت نفسي في الأغراض البهيمية والأغراض المؤثمية وأردت بزعمي وخديعة الطبع المليم أن أذيقها حلاوة العيش كما صبرت في طلب العلم والأدب ونسيت أن العلم غذاء النفس الشريفة وصيقل الأفهام اللطيفة وكنت أكتب خمسين ورقة في اليوم وأدرس مائتينيفصرت الآن أكتب ورقة واحدة وتحكني عيناني حكاً مؤلماً وأدرس خمس أوراق وتكل ثم دفعت إلى أوقات ليس فيها من يرغب في علم ولا أدب بل في فضة وذهب فلو كنت إياساً صرت باقلاً وأضع كتاباً عن يميني وأطلبه عن شمالي وأريد مع ضعفي أن أرتاد لنفسي معاشاً يظهر غير ظهير بل كسير عقيل وصلب غير صليب إن جلست فهو كالدمل وإن مشيت فجملتي دماميل ومعي بقية نزرة يسيرة من جملة كثيرة لو وجدت ثقة أعطيته إياها ليعود علي بما أرفه به جسمي من الحركة وقلبي من الشغل وأنا أجد من أدفعها إليه وبقي أن يردها إلي. دفع رجل إلى صديق له جارية أودعها عنده وذهب في سفره فقال بعد أيام لمن أنس به وتسكن نفسه إليه: يا أخي ذهبت أمانات الناس أودعني صديق لي جارية في حسابه أنها بكر جربتها فإذا هي ثيب. ومن ظريف الأخبار أن ابنة أختي سرقت لي ثلاثة وثمانين ديناراً فلما هددها السلطان أطال الله بقاءه ومد مدته وأدام سموه ورفعته وأخرجت إليه بعضها قالت: والله لو علمت أن الأمر يجري كذا كنت قتلته فأعجبوا من هريستي وزبوني والله لولا ضعفي وعجزي عن السفر لخرجت إليه متشرفاً بمجالسته ومحاضرته فأما مذكراته فقد يئست منها لما قد استولى علي النسيان واحتوى عَلَى قلبي من الهموم والأحزان وإلى الله الشكوى لا منه وليس يحسن أن أشكو من يرحمني إلى من لا يرحمني وليس بحكيم من شكا رحيماً إلى غير رحيم وكان أبو بكر الشبلي يقول: ليس غير الله ولا عند غير الله خير. وقال يوماً: يا جواد ثم أمسك مفكراً ورفع رأسه ثم قال: ما أوقحني أقول لك يا جواد وقد قيل في بعض عبيدك: ولو لم يكن في كفه غير نفسه لجاد بها فليتق الله سائله وقد قيل في آخر: تراه إذا جئته متهللاً كأنك معطيه الذي أنت سائله ثم قال: بلى أقول يا جواد فاق كل جواد وبجوده جاد من جاد. ودخل ابن السماك على الرشيد فقال له عظني وفي يد الرشيد كوز ماء فقال: مهلاً يا أمير المؤمنين أرأيت أن أقدر الله عليك مقدراً فقال لن أمكنك من شربة إلا بنصف ملكك أكنت فاعلاً ذلك قال: نعم قال: اشرب هنأك الله فلما شرب قال: أرأيت يا أمير المؤمنين أن لو أسفت نفس هذا المقدر عليك فقال: لن أمكنك من إخراج هذا الكوز إلا بأن أستبد بملكك دونك أكنت فاعلاً ذلك قال: نعم قال: فاتق الله في ملكك لا يساوي الإبولة وكيف أشكو من قاتني وعالني نيفاً وسبعين سنة كان قميصي ذراعين فوكل بي والدين حدبين مشفقين يتناهيان في دقته ورقته وطيبه فلما صار اثني عشر ذراعاً تولاه هو وطعامي فما أجاعني قط ولا أعراني والذي هو يطعمني ويسقين خاطب ربه بالأدب فقال فإذا مرضت فهو يشفين فنسب المرض إلى نفسه لأنها تنفر من الأعراض والأمراض وكل شيءٍ يطرأ على الإنسان لا يقدر على دفعه مثل النوم واليقظة والضحك والبكاء والغم والسرور والخصب والجدب والغنى والفقر فهو منه تقدست أسماؤه ألا ترى أنه لا يتوعد على فعله ولا يعاقب عليه وما يقدر على دفعه فهو منه مثل أن يريد الكتابة فلا يقع منه البناء ويريد البناء فلا تقع منه الكتابة ومن به الرعشة لا يقدر على إمساك يد ومن ليست به يقدر على إمساكها. كنت بتنيس وبين يدي إنسان يقرأ ويحزن: يوفدون بالنذر ويخافون ويبكي فخطر لي خاطر فقلت أنا بضد هؤلاء القوم صلوات الله عليهم أنا لا أنذر ولا أفي ولا أخاف شقاء ولا عناء ولو كنت أخاف ما أصبحت محموماً وكنته وحدثني من أثق به ولا أتهمه عن أبيه وكان زاهداً قال: كنت مع أبي بكر الشبلي ببغداد في الجانب الشرقي بباب الطاق فرأينا شاوياً قد أخرج حملاً من التنور كأنه بسرة نضجاً وإلى جانبه قد عمل حلاوى فالوذجاً فوقف ينظر إليهما وهو ساه مفكر فقلت يا مولاي: دعني آخذ من هذا ورقاقاً وخبزاً ومنزلي قريب تشرفني بأن تجعل راحتك اليوم عندي فقال: يا هذا أظننت أني قد اشتهيتهما وإنما فكري في أن الحيوان كله لا يدخل النار إلا بعد الموت ونحن ندخلها أحياء. يا رب عفوك عن ذي شيبة وجل كأنه من حذار النار مجنون قد كان ذمم أفعالاً مذممة أيام ليس له عقل ولا دين تمت الرسالة والحمد لله ذي الأفضال وصلواته على محمد وخيرة الآل ما فرغت من هذه السوداء حتى ثارت بي السوداء وأنا أعتذر من خطل فيها أو زلل فإن الخطأ مع الاعتذار والاجتهاد والتحري موضوع عن المخطئ ومن ذا الذي يؤتى الكمال فيكمل. قال عمر بن الخطاب: رحم الله امرأ اهتدى إلى عيوبي وأسأله أدام الله عزه تشريفي بالجواب عنها فإن هذه الرسالة على ما بها قد استحسنت وكتبت عني وسمعت مني وشرفتها باسمه وطرزتها بذكره والرسالة التي كتبها الزهرجي إليَّ كانت أكبر الأسباب في دخولي إلى حلب وإذا جاء جواب هذه سيرتها بحلب وغيرها إن شاء الله وبه الثقة وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وسلم. الدين والدنياوأين يختلفان وكيف يتفقان ادخر لدنياك ادخار الراغب فيها وتزود من دينك زاد الراغب عنها. نسمع في الأرض اليوم صيحة تصم الآذان منشؤها اختلاف المذاهب والأديان. وهي على كثرة الصائحين فيها قد صارت أشبه شيءٍ بلغط زمرة من المغنين وقد علت أصواتهم واختلفت لهجاتهم وتباينت نغماتهم فيقف السامع الصحيح الأذن مبهوتاً من خلط هؤلاء المغنين كخلطنا بين الدنيا والدين. يريد بعض الناس أن يكون الدين كل شيء. وينظر غيرهم إلى الدين كأنه لا شيء. وبين هؤلاء وأولئك أفرادٌ وزمر يتشاحنون ويتجاذبون ويتخاذلون ويقتتلون تعصباً للدين ولكنهم في الحقيقة يسخطون رب العالمين الذي لو شاء لجعلها أمة واحدة ووحد لها السراط إلى عليين. في تعاليم كونفوشيوس المسالمة والإخاء أساس الدين. وفي الديانات الفتشية وهي أحط الأديان في نظر الراقين لما نحن فيه أن العداء بسبب اختلاف المعتقد بل كل منهم وما يعبد شرط الولاء للقبيلة وفي التوراة على لسان سليمان الحكيم من يعلم روح بني البشر هل هي تصعد إلى فوق وروح البهيمة هل هي تنزل إلى أسفل إلى الأرض. جامعة ص ٣ _ ٢١ فكأن سليمان يوعز إلى قومنا بأن يفتأوا من حدتهم في احتكار طريق السماء. وفي الإنجيل في بيت أبي منازل كثيرة. وإن الذين بلا شريعة فبغير الشريعة بدانون. وإن كل عمل خيراً مقبول عنده فعلى مَ التعصب. وفي القرآن الشريف من يعمل مثقال ذرة خيراً يره. ومن يعمل مثقال ذرة شراً يره. وإن الله رب العالمين ولم يقل رب النصارى ولا رب المسلمين. وفي حكم العقل أن الله تعإلى يجل عنه أن يخلق أمماً وشعوباً ليجعلها برمتها طعاماً للنار لأنها عملت بشريعة الضمير التي سنها هي لتكون شريعة عامة وتجاوزت بعض الأمور العرضية التي لم يتفق لها أن تقتنع بها لرسوخ غيرها في مكانها مما لا يضر بالإنسانية ولا يغضب رب البرية. وفي حكم الكتب المنزلة والعقل معاً أن إلهنا الرحوم الغفار. المحب الأب السماوي. لم يخلقنا ليظهر قوته وبطشه فينا فيرسل بعض أبناءه إلى بحيرة النار المتقدة لأنهم يسيرون إليه في طريق لا نراها نحن مواصلةً إليه إما لنقص في مداركنا وإنا لأنه تعإلى لم يشأ أن يوحي إلينا بكامل إرادته في خلقه. أو يعقل أن ننسب للإله الذي هذه صفاته محبة التلهي بمنظر لحوم أبناءه وهي تشوى في نار جهنم كأنه يسر بتعذيبنا وهو الرحيم الرحمن الغفار لجميع ذنوبنا إذا آمنا به كما نحن مؤمنون؟ إذاً فالموحدون جميعاً وجهتهم الإله الواحد وإليه يسيرون. فلماذا هذه القيامة القائمة على الأرض وهذا التعصب الذميم الذي يفرق الأخ عن أخيه والابن عن أبيه. أنزلت علينا آيات بينات بكره كل من خالف معتقدنا وبإثارة حرب عوان على إخواننا في الدين من الموحدين. بل مالنا وللكفرة الملحدين والله رقيب عليهم وإن شاء عذبهم وإن شاء غفر لهم لأنه على كل شيءٍ قدير. نعلم أن جميع الأديان توصي بمحبة الناس بعضهم لبعض وبمنع الاعتداء. وبالمسالمة. والإخاء. فضلاً عن شريعة الضمير ووصية كنفوشيوس والسيد المسيح معاً القائلة مهما تريدون أن يفعل الناس بكم فافعلوا هكذا أنتم أيضاً بهم. فأين حكم العقل والضمير وهذه التعاليم السامية من سير البعض منا ممن يتصافحون بالخناجر ويسلمون بالمسدسات لا لسبب سوى كون الفئة الواحدة تسير إلى خالقها في طريق موازية لما تسير فيها الأخرى: أهكذا تكون مقدمات الأمم التي تريد الرقي في عمرانها. أم نظن أن الله يرضى عن مثل هذه الأفعال التي ما أنزل بها من سلطان. بقي أن منبت التعصب ليس في الدين نفسه بل في ما أدخل عليه من التقاليد والشروحات والتفاسير المضلة التي قد سمت عقول العامة حتى صاروا ينظرون بعضهم إلى بعض نظر العدو الألد على الرغم كونهم أبناء وطن واحد تجمعهم جوامع اللغة والقومية والوطنية ووحدة المعتقد بربهم أجمعين. حقاً إن حالتنا في الشرق لما تذرف لها الدموع السخينة. لأننا تركنا الجوهر وتمسكنا بالعرض تركنا العبادة الحقيقية بالروح أو الحق وصرنا ننظر إلى الأسماء لا إلى المسميات. فمن كان اسمه محمداً أو بطرس أو هرون أو حمزة أو مارون أو نقولا صار كأنه يحمل في عنقه علامة ليقتله كل من يجده من أخوانه في الإنسانية وأشقاءه في الوطنية. فإلى مَ يا قومنا على هذه الحالة المحزنة نخط الدين بالدنيا في معاملاتنا وصلواتنا ووظائفنا وخدمنا الوطنية وواجباتنا القومية. ألا يدري رؤساؤنا الروحيون أن كلمة منهم تتغير مبادئ العامة أكثر من مجلد يكتبه غيرهم من الناس. فلماذا لا يتكلمون ويزيلون الوحشة بل الغلطة من قلب الرعايا مع بقاء المعتقدات على أصلها مجردة عن الزيادات. هو ذا بعض المفكرين من أخواننا المسلمين في وادي النيل قد جاهروا بوجوب الإصلاح الديني ودعوا الراسخين في العلم إلى مجتمع يبحثون فيه لتنقية الدين مما طرأ على محيطه من الشوائب التفسيرية والعادات التقليدية التي لا تتفق مع جوهر الدين. فلماذا لا نحذو نحن حذوهم فنعمم نفعهم وننزع عن الدين صبغة التعصب التي شوهته بها العصور الوسطى ولا تزال عليه إلى الآن. يظهر مما تقدم أن الدين والدنيا يتفقان إذا نزعنا عن الدين ما ألصقه به المتعصبون من الزوائد الضارة وهو يزداد اختلافاً كلما زدنا تفننا في تفسير التعصب وتخرجه إغراء للسذج ببقائهم على ما هم عليه من الجهل المطبق. ديننا_لا تخف يا أخي التقي فإن لا قوة بشرية تقدر على اختطاف دينك منك ولا على زعزعة أركانه إذا كان مؤسساً كما تعتقد على الصخر. فدع الزوابع تهب وافرح بعدم اقتدارها على هزه. أما إذا كنت حذراً خائفاً على دينك فتحيطه بسور لئلا تسفيه الريح فثقتك إذاً بصاحبه قليل، ولذلك تحاول أنت أن تملأ نقص هذه الثقة. ألا تعلم أن الحق يعلو ولا يعلى عليه وأن الصحيح لا يتحول إلى فاسد باختلاطه بالأمور الدنيوية بل يطفو كالزيت فوق عكر الماء وتظهر شوائبه لأقل نظرة كما ظهرت الشوائب التي أدخلت فيه إلى الآن. كلمة إلى حضرة رؤساء الأديان_جاء في الأسفار الدينية رئيس شعبك لا تقل فيه سوء. فأنت رؤساء الشعب الروحيون ولذلك فإننا نجل مقامكم ونحترمكم ونضمن لكم حفظ الرئاسة الدينية على شرط أن تفصلوا الدين عن الدنيا لأنكم لستم رؤساء فيها ور يجوز أن تكونوا لئلا يلتوي عليكم الأمر في سياستنا التي تحتاجون معها إلى توحيد القوى العقلية. وبعد هذا نرجوكم أن تفهموا الفلاح والصانع والتاجر والواعظ والكاتب وغيرهم أن يحترف كل منهم حرفته العالمية مجردة عن كل صبغة دينية. وإذا جاءكم طلاب الوظائف وأرباب الدعاوي واحتلموهم إلى المراكز الدنيوية وبثثتم فيهم روح الدين الصحيح القاضي باعتبار جميع الناس إخواناً في الدنيا. وإذا جاهرتم بمبدأ الإخاء من على المنابر. وإذا نزعتم من قلوب الشعب أشواك الجهل الديني_وهو التعصب الذميم. وإذا أعطيتمونا قدوة نتبعها في هذا السبيل. فإنكم إذا فعلتم جميع ذلك تخدمون الدين والإنسانية معاً وحينئذ تروننا نزيد مقامكم رفعة ونجل جميعاً رئاستكم شاكرين لأنكم بذلك تسكتون السنة المتذمرين. هذه الطريقة المثلى لفصل الدين عن الدنيا ولتعزيز المراكز الدينية العليا لأن بها يستوفي العمران نصيبه ويحافظ الدين على حقه. فمن لنا من سادتنا الروحيين بمن يبدأ بالمجاهرة بهذا التساهل وهذا التسامح فنسطرها له باكورة للإصلاح الديني في القرن العشرين. دنيانا_علينا في دنيانا واجبات كثيرة لا بد من قضائها من التعاون والتعاضد بقطع النظر عن الدين. هو ذا البلاد في حاجة إلى الشركات الوطنية وتوحيد الكلمة القومية في الدفاع عن الوطن وفي تعميره بما حسن من الحضارة الحديثة. فمن يقوم بهذه الأعمال ومتى يتم لنا النجاح إذا بقي الدين حاجزاً بين أبناء المذاهب المتفرقة. أو كيف يمكن أن ننهض معاً ونحن ينظر بعضنا إلى بعض شرراً كنظر القريب إلى الغريب المعتدي. أن نكذب على أنفسنا وعلى الله بقولنا أن الدستور قد وحد فينا المبادئ القومية وما قومنا للآن إلا المذاهب متجسمة والضغائن كامنة تكاد أن تظهر من تحت الرماد في كل ملة ومذهب. هذه هي الحقيقة وأدلتها تحيط بها إحاطة الهالة بالقمر. والحقيقة أولى أن تقال لئلا يذهب بنا الوهم إلى الاعتقاد بأننا قد صرنا كما أظهرنا في بدء حياتنا الدستورية. أجل إن فينا العدد العظيم ممن يريدون الإخاء وينادون به بألسنتهم جرائدهم وأعمالهم ولكن لا يزال في البلاد كثيرون من نصراء الدور السابق ممن يلقون الشقاق في كل ملة ويثنون الناس عن سيرهم في دنياهم متآخين. فأعمال هؤلاء لا يكشفها سوى حملة الأقلام المناط بهم الدفاع عن الجامعة القومية. ولقد كان لجرائدنا على اختلاف نزعاتها الفضل العظيم في إمالة الخواطر وتحويل الرأي العام عن التعصب إلى الحرية والمساواة والإخاء ولا نزال نطمع من زملائنا بإعادة الكرة المرة بعد المرة على كل خالط للدين بالدنيا. وإنا لنعجب من استحكام هذا الشر في بلادنا الشرقية حيث الذكاء يتدفق من العقول في حين أننا لا نرى عند غيرنا عشر معشار ما نحن فيه من الشقاق. أسبب ذلك كون أرضنا مهبط الوحي ومحتد الصالحين؟ أنكون أول من قصد الله بنا خيراً فحولناه بجهلنا إلى شر عظيم؟ أهكذا كانت غاية محمد وموسى وعيسى عليهم السلام أجمعين أن يزرعوا في قلوبنا العداوة إلى أبد الآبدين؟ أقصد هؤلاء الداعون الناس إلى طاعة ربهم أن يعلموا الشقاق في دنياهم بواسطة الدين؟ كلا. ثم ألف كلا_إننا نحن السبب في ذلك كله لأن نفوسنا جانحة إلى الشر والله لا يغر قوماً إلى الحسنى قسراً إذا هم أبوا أن يغيروا ما بأنفسهم. لأن الإنسان حر في أفعاله ليكون لكل نفس ما أكسبت وعليها ما اكتسبت. وخلاصة ما نقول في هذا الشأن أننا قد شبعنا من العداء وقد كلت خناجرنا من الطعن ومسدساتنا من خطف الأرواح فهي تضرع إلينا بلسان حالها قائلة استبدلوني بالنظرات الأخوية والمصافحة السلمية والقبلات القلبية. ألقوني في اليم وسيروا بلا خوف ولا عداء وتضافروا في أعمالكم وتعاونوا في خدمة وطنكم. انسوا ذكري وأهملوا أمري وتسلحوا بالغيرة الوطنية والمحبة الأخوية. لقد آن الوقت للاختلاط في الخدمة والأعمال المالية والإندغام في الدفاع والسعي وراء المصلحة القومية. ولا يتم لكم ذلك إلا بترك الشقاق فتتركوني ولا يزول الشقاق إلا بفصل الدنيا عن الدين وبذلك تريحوني وتخدمون دنياكم وتكسبون رضى رب العالمين. وفي الختام إننا نبتهل إليه تعإلى لينظر إلينا بعين الرضى وينزع من قلوبنا شوك الشقاق ويلهمنا رحمة منه إلى التوفيق بن مساعينا الدنيوية مع تمسكنا بأصول الدين مجردة عن الدخيل. وهو حسبنا ونعم الوكيل. غرف التجارة تتمة ما ورد في الجزء الماضي ذكرت قبلاً بعض ما تمتاز به الغرفة الباريزية على غيرها من الغرف الفرنسوية من الامتيازات وقد مضى عليها مائة وسبعة أعوام وهي ذات مقام سام خاص بها ولها خمس لجان علمي استشارية الأولى تبحث في المسائل الاقتصادية كما شأنها تتوغل بتحقيق مسائل الرسوم الجمركية والإدخالية (الأوكتروا) والثانية تشتغل بمسائل الوسائط النقلية والثالثة بالمسائل التجارية والصناعية والرابعة بمسائل الصادرات وتعنى الخامسة بالدروس ولها أيضاً تسع لجان إدارية تشتغل بدور البورصة ومدارس التجارية والمكتبات. . . . ولها ديوان يتولى كتابة تقاريرها الأسبوعية وقد نظمت هذه الغرفة خلال سنتي ١٩٠١ و ١٩٠٢ ستة وسبعين ومائة تقرير في مسائل شتى واتحدت مع عدة لجان أُلفت في النظارات وأوفدت منها أعضاء إلى المؤتمرات الأجنبية. وتنفق كل عام أربعة وخمسين ألف فرنك على الدائرة الوطنية للتجارة الخارجية وستة وستين ألفاً على مدرسة التجارة ومئة وعشرين ألفاً على مدرسة التجارة العالية وخمسة وثلاثين ألفاً على الدروس الليلية وأربعين على دور البورصة وثلاثين ألفاً على الأوضاع والأعمال المفيدة للتجارة. وتتولى غرفة التجارة الباريزية إدارة كل من مدرسة العلوم التجارية العالية التي أنشئت سنة ١٨٨١ وموازنتها ٥٢٧ ألف فرنك ومدرسة التجارة العالية التي أنشئت سنة ١٨٢٠ وموازنتها ( ٥١٠ ) آلاف فرنك ومدرسة التجارة التي أسست عام ١٨٦٣ وموازنتها ٢٣٥ ألف فرنك وتحت حماية غرفة تجارة باريز الجمعية التجارية لتعليم الألسنة الأجنبية وجمعية الترغيب في إصدار الأموال التجارية الفرنسوية وقد أسستا عام ١٨٨١ . ذكرنا أوضاع الغرف الفرنسوية عامة والغرفة الباريزية خاصة ونبحث الآن في أوضاع الغرف التجارية في البلاد العثمانية وإليك البيان: قضى القرار الصادر في العام ١٢٩٣ بتأليف جمعيات زراعية وتجارية مؤلفة من أربعة وعشرين عضواً في القسطنطينية واثني عشر عضواً في حواضر الولايات وثمانية أعضاء في مراكز المتصرفيات وأربعة أعضاء في مراكز الأقضية ومن الشروط الأساسية النظامية أن يكون الأعضاء الذين يتوظفون في القسم التجاري من التجار والأعضاء الذين يتوظفون في القسم الزراعي من الزراع وأن تكون الغرف مرتبطة وملحقة بعضها ببعض وأن تكون غرف الولايات تابعة لنظارة التجارة مباشرة. وكانت الغاية من كل هذا تنسيق الغرف تنسيقاً إدارياً بحيث تكون مرتبطة بالحكومة ارتباطاً موثوقاً غير أن هذا التنسيق الذي لم ينظر في وضعه إلى الوسط والأحوال لم يثمر قط الثمرة المطلوبة. وفي اليوم السادس من صفر عام ١٢٩٧ أي بعد أربعة أعوام أعلن النظام الأساسي لغرفة القسطنطينية وفي العشرين من رمضان عام ١٢٩٨ الموافق لليوم الثالث من آب ١٢٩٨ أعلن النظام الداخلي لغرفة التجارة وأصدر في هذا التاريخ قوانين تقضي بتأسيس غرف صناعية وتجارية على حدة. وكان إعلان النظام الأساسي لغرف التجارة باسم النظام الأساسي لغرفة دار السعادة التجارية ولم تسن الحكومة نظاماً خاصاً بغرف الولايات التجارية. ولم يعلم سر نسبة هذا النظام إلى غرفة القسطنطينية على أنه لم يكن مستحيلاً درج الحكام والمواد المتعلقة بغرفة القسطنطينية التجارية في النظام العام للغرف التجارية. ولم تمنع هذه الحال تأسيس الغرف في الولايات بل أن هذه حذت حذو اسطنبول وأنشأت غرفاً قياساً على غرفة العاصمة. وقرر شورى الدولة أن تطبق غرف الملحقات وضعها وإعمالها على غرفة الآستانة وأن يراقب موظفو الملكية الغرف ويلاحظوا ما يكفل حسن إدارتها وبقائها وأنه أنيط بالولاة إنشاء الغرف في أوقاتها لإيجاد الأسباب التي تؤول إلى ترقية التجارة الأهلية وأنها (الغرف التجارية) مرتبطة بنظارة التجارة وأن لها الحق بمراجعة النظارة إذا دعت الحاجة وأبلغ كل هذا إلى محل الإيجاب واتخذ أيضاً بعض قرارات بما ستجري على غرف الولايات والأقضية من الامتيازات. ولقد تأسست غرف زراعية في بعض الجهات ولم تؤسس في أكثرها ولم يؤسس غرف صناعية مطلقاً ولذلك طلبت نظارة التجارة أن تقوم غرف التجارة بأعمال الغرف الزراعية والصناعية وواجباتها. وقرر مجلس الوكلاء قبول هذا الطلب واقترن بإرادة سنية في السابع والعشرين من جمادى الآخرة لعام ١٣٠٦ وعلى إثر إلغاء غرف الزراعة والعدول عن تأسيس الغرف الصناعية دعيت الغرفة التجارية (غرف التجارة والزراعة والصناعة) ولكن من اللازم اللازب إحداث غرف زراعية على حدة لأن العنصر الحيوي في بلادنا هو ولا شك الزراعة. ويتيسر للغر فالتجارية أن تقوم بأعمال غرف الصناعات ولا بأس بتوحيدهما لأن الصناعات في بلادنا أقرب إلى العدم منها إلى الحياة. يقضي النظام الأساسي لغرف القسطنطينية التجارية أن تكون مؤلفة من أربعة وعشرين عضواً. وشروط العضوية أولاً أن يكون المنتخب (بفتح الخاء) بالغاً الثلاثين من عمره ثانياً أن يكون ممن قضوا في التجارة لا أقل من خمس سنين غير متهم بجنحة أو جناية ولا مفلس (إلا إذا استرجع اعتباره بعد الإفلاس) وأن يكون من ذوي الشرف والاستقامة. وتجري الانتخابات بالأكثرية الخفية. وعند تساوي الآراء يرجح الأكبر سناً ولا يجوز انتخاب عضوين من شركة واحدة. ولجنة الانتخاب تتألف من عشرين منتخب أول (بفتح الخاء) تنتخبهم نظارة التجارة والزراعة (الآن نظارة التجارة والنافعة) وعشرة ينتخبهم التجار فيجتمعون تحت رئاسة ناظر التجارة (في الولايات تحت رئاسة الوالي والألوية تحت رئاسة المتصرفين وفي الأقضية تحت رئاسة القائم مقامين). وأعضاء الغرفة ينتخبون من بينهم رئيساً أول ورئيساً ثانياً بالأكثرية المطلقة ويعرضون هذا الانتخاب على النظارة لتجيزه. مدة العضوية (ولقد استعمل القانون في هذا المقام لقلة وظيفة الأعضاء على أن عضوية غرفة التجارة ليست وظيفة من الوظائف) ثلاثة أعوام ولم يكن يجوز إلى تاريخ ١ كانون الثاني لعام ٣٠٥ تجديد انتخاب العضو قبل مرور سنة على انقضاء عضويته السابقة ولكن المادة المعدلة في هذا التاريخ جوزت تجديد انتخاب العضو غب انقضاء المدة. ومن لا يحضر الجلسات مدة سنة أشهر يعتبر مستقيلاً وإذا توفى أحد الأعضاء أو استقال أو حكمة عليه بجناية أو جنحة تنتخب لجنة الانتخاب غيره عند حلول أول اجتماعها ويتم العضو الجديد المدة الباقية لسلفه. وإليك واجبات الغرفة التي ذكرها النظام الأساسي وهي إبلاغ المواد الآتية رأساً وتحريراً إلى نظارة الزراعة والتجارة: ( ١ ) وسائل ترقية الصناعة. ( ٢ ) ما يجب على النظارة القيام به من الإصلاح والتحوير. ( ٣ ) الأمور التي من شأنها ترقية التجارة: تعارف الجمارك، والأشغال العامة (الأمور العمرانية والنافعة)، المراسي، الملاحة في الأنهر، أسلاك البرق، السكك الحديدية، فتح الطرق والشوارع، تأسيس دور البورصة، إصدار الجرائد التجارية. وفي النظام صراحة بأن الغرف مطالبة بإحداث سجلات وقيود منتظمة لكل ما له علاقة بالأعمال التجارية من أموال والمسكوكات والإسهام ومما يقضي به نص القانون إلزام الغرف بالإجابة على أسئلة النظارة مؤيدة أجوبتها بهذه السجلات والقيود موقعة عليها بختم الغرفة. ولغرفة التجارة الحق في وضع نظامها الداخلي كما هو مصرح في إحدى مواد نظامها الداخلي المترجم عن نظارة عام ١٨٣١ الفرنسوي وقد عملت بموجب هذا الحق وسنت نظامها الداخلي إلا أنها دفعته إلى الدوائر الإيجابية ثم قرنته بإدارة سنية بلا ضرورة نظامية. يعبر النظام الداخلي غرفة التجارة مصدر الأخبار التي تتصل بنظارة التجارة عن التجارة والتجار ولصلة بين الحكومة والتجار في الأعمال التي تجري بينهما. والواجبات الأساسية على الغرفة هي البحث والتنقيب عن المصالح التجارية والصناعية والوسائل التي تؤول إلى ترقية الصناعة والتجارة والتذرع بها وعن العوائق التي تحول دون تقدمها وإبلاغ الحكومة ما تعثر عليه الغرف من نتائج البحث والتحقيق للغرف الحق بإجراء الأمور الآتية عدا عن الواجبات التي سبق ذكرها آنفاً والتي ذكرت في النظام الأساسي: قضت المواد المؤرخة في ٧ المحرم لعام ١٢٩٩ أو ١٨ تشرين الثاني لعام ١٢٩٧ المذيلة للنظام الداخلي للغرف التجارية بأن تنظم الغرف التجارية أوراق الشهادات بالكفالات التي تقدم إلى الدوائر الرسمية والمحاكم التجارية والحقوقية باسم التجار وأن ترسل إلى محل المزايدة مأموراً تنتدبه ليحضر الحجز والمزايدة للأموال وتقدير القيم من قبل الخبراء إذا كان ذلك بقرار من المحكمة. ومن جملة ما تقتضيه المواد المذكورة إلزام الدلالين والوسطاء (سماسرة التجار) بتسجيل أسماءهم في الغرفة التجارية وأن يأخذوا منها تذاكر بإجراء صناعتهم وأن لا يقبل في المزايدات والمناقصات للدوائر الأميرية إلا التجار والدلالون الذين بيدهم شهادات بأنهم مسجلون في دفاتر الغرف التجارية وأن يكون تسطير صحائف دفاتر التجار ووضع إشارة (صح) عليها من قبل الغرف_وقد أعيد بعد ذلك حق كتابة صحائف دفاتر التجار ووضع إشارة (صح) إلى محرر المقاولات كما في السابق. والمنع الذي ذكر قبل المادة الأخيرة لم يراع إلا قليلاً. سبق أن أعضاء غرفة التجارة الإستنبولية أربعة وعشرون وذلك بمقتضى النظام الأساسي. وأما تأليف غرف التجارة في الولايات من اثني عشر عضواً وفي الألوية من سنة أعضاء والأقضية من ثلاثة فهو من أحكام المقررات وأعضاء الغرف يجب أن يكونوا من تجار أحد الطبقتين: الأولى والثانية المسجلة أسماؤهم في دفتر الغرفة هم أصحاب المصارف وهؤلاء يدفعون للغرف خمس ليرات كل سنة. والصنف الثاني من التجار المسجلة أسماؤهم في الغرفة هم الذين يؤدون ثلاث ليرات سنوياً والصنف الثالث منهم يدفعون ليرتين والرابع ليرة واحدة عن بدلات الاشتراك والشركاء الذين لهم توقيع واحد يعتبرون تاجراً واحداً. والتجار يسجلون أولاً أسماؤهم في دفتر الغرفة ثم يعتبرون من أحد الأصناف الأربعة بقرار من الأعضاء ويحق للأعضاء المسجلة أسماؤهم في الصنفين الأول والثاني أن ينتخبوا أعضاء لغرفة التجارة كما أن الأعضاء الموقتين في المحاكم التجارية والخبراء والمميزين لبعض الدعاوى والأشخاص الذين يفحصون الدفاتر التجارية يجب أن يكونوا من الصنفين المذكورين. (المواد المذبلة) تجتمع أعضاء الغرف التجارية في الأسبوع وإذا اقتضت الحال يعقدون اجتماعات غير عادية بدعوة من الرئيس أو بطلب كتابي من ستة أعضاء وبعد نصب الرئيسين الأول والثاني ينتخب الأعضاء من بينهم بأكثرية الأصوات مشاورين أولاً وثانياً لسنة وأميناً عاماً للصندوق. وما عدا هذا يجوز أن يكون للغرفة أمين صندوق بكفالة وكتبة للتركية والفرنسوية وسواهم من الموظفين والمستخدمين وتجري مذاكرات الغرفة بحسب ما تقتضيه أعمالها اليومية وقبل ارفضاض الجلسات تنظم الغرفة يومية المذاكرات عن الاجتماع القادم. وعلى الرئيس إعلام الأعضاء كتابة بأيام الاجتماع. ولا تبرم القرارات إلا إذا حضر الجلسات اثنا عشر عضواً ولكن تجوز المذاكرات إذا اجتمع أقل من ذلك وتكتب الآراء والملاحظات التي يذكرها الأعضاء في أوراق الدعوة للجلسة القادمة والأعضاء الذين لا يحضرون ثانياً أن يقبلوا رأياً من هذه الآراء ويبلغوه إلى الغرفة كتابة وإما أن يحضروا الجلسة المعينة في أوراق الدعوة ويعربوا عن آرائهم الذاتية وإذا خالفوا في أجوبتهم الكتابية آراء الأعضاء ولم يحضروا أو أنهم لم يجيبوا الدعوة كتابة ولم يحضروا الجلسة بتاتاً تعرض الغرفة عن آرائهم ويبرم القرار ولو لم يبلغ الأعضاء المقدار المعين. وللغرفة حق في تعيين لجان مؤلفة من غير الأعضاء للنظر في بعض المسائل ولا يجوز أن يتجاوز عدد أعضاء هذه اللجان الستة وتنتدب الغرفة أحد أعضائها لينضم إلى اللجنة ويقوم بوضع لائحة تتضمن نتائج البحث عن المادة المحولة إلى اللجنة. وللرئيس الحق في تأليف لجنة للبحث في المواد الجديرة بالقبول المبلغة إلى الرئيس تؤلف من ثلاثة رجال ينتخبهن الأعضاء ويقضي النظام الأساسي بأن تكون مداخيل الغرف التجارية عبارة عن بدلات الاشتراكات التي يدفعها التجار وبعض الرسوم (ولم يذكر صاحب المقالة هذه الرسوم) وما زاد على نفقات الغرفة من المداخيل يجوز إنفاقه بقرار الغرفة وإذن الحكومة معاً على إنشاء مدارس وجرائد تجارية: ولكن يرصد منه مبلغ لا يقل عن مئتي ليرة لأحوال طارئة. والغرفة مكلفة بتنظيم ميزانيتها لأخر كل سنة. وهذا تعريب نص إحدى المواد الانتهائية: (تعرض الغرفة التجارية على أنظار مراحم (؟!) الحكومة الجوائز لذوي الاختراعات الصناعية التي ينجم عنها منافع عامة. إن النظامين الأساسي والداخلي لغرفة التجارة المعدلين بمقررات من شورى الدولة لاستحالة تطبيق موادهما على الولايات محتاجان إلى تعديل مهم يجب إدخاله عليهما: أولاً: إن النظام الأساسي لغرف التجارة مختصر كثيراً وخاص بالعاصمة وثانياً إن كثيراً من مواد النظام الداخلي يجب إدخالها في النظام الأساسي ولذلك يجب مزج لنظامين المذكورين ومراجعة آراء الغرف التجارية في العاصمة والولايات وتدقيق النظامات الأوربية ثم بعد ذلك يجب على نظارة التجارة سن لائحة قانونية لتعرض على مجلس الأمة في اجتماعه القادم. ولا شك أن الفوائد التي تنجم عن إنشاء الغرف التجارية على أسس حقوقية والواجبات وتنسيقها بحيث تكون ممثلة للتجار ونائبة عنهم تكون عظيمة. وبعد قبول مجلسي الأمة والأعيان اللائحة المذكورة واقترانها بإرادة سنية يجب الشروع بالعمل بها دون تأخير ومن الضروري إعطاء حق وضع النظام الداخلي للغرف نفسها بشرط أن لا يكون مناقضاً للنظام الأساسي ويجب أن تسجله الغرفة في نظارة التجارة. إن تعريف الغرف التجارية المذكور في النظام الداخلي ليس بتعريف يضمن كرامتها ولذلك من الضروري إدخال قيد يتضمن للغرف المذكورة حق الدفاع عن المصالح التجارية وصيانتها وبذلك فقط تعلو مكانة هذه الأوضاع. ويجب تأسيس غرف تجارية في كل حاضرة من حواضر الولايات كما هي الحال في فرنسا وأن يكون تأسيسها في مراكز الألوية والأقضية غير محتم وإذا ارتأى التجار أو الحكومة تأسيسها في الألوية أو الأقضية يجب أن يكون ذلك بعد موافقة المحاكم التجارية في مراكز الولايات والألوية والأقضية أو موافقة الغرف التجارية في مراكز الولايات والألوية. يجب إعطاء الرخصة بتأسيس الغرفة من قبل الولاية وإعلام نظارة التجارة بواقعة الحال. ولا حاجة بحسب النظام الحالي لتصديق انتخاب الأعضاء من قبل الحكومة ويجب أن تبقى الحال كما هي اليوم ولا أرى أيضاً أن يتوقف انتخاب الرئيس على إجازة الولاة والمتصرفين والقيم مقامين بل يشترط على الرئيس الذي ينتخب أن يكون من الوطنيين. وللأعضاء المراسلين في بلادنا أيضاً شأن كبير ولذلك يجب أن يكون للغرفة أعضاء مراسلون من البلدة التي أسست فيها الغرفة وهي تنتخبهم ويجب أن يحضروا الجلسات ويستضاء بآرائهم في بعض المسائل كما أنه من الضروري أن يكون للغرفة أعضاء مراسلون في الولايات والبلاد الأجنبية. ويجب أيضاً توسيع حق الانتخاب وإعطاؤه لكثير من التجار والصناع الذين يؤدون رسوم التمتع وعملاً بهذا المبدأ يجب العدول عن القاعدة التي تقضي بأن يكون تعين النصف من أعضاء لجنة الانتخاب من قبل الحكومة والنصف الآخر من قبل التجار وأن يكون حق الانتخاب للعضوية مشروطاً بالأحوال الآتية. أن يكون المرشح للانتخاب مقيماً منذ مدة معينة في البلدة التي تقام فيها الغرفة مشتغلاً هذه المدة بصناعة أو تجارة (بكل ما تشتمل هاتين الكلمتين من ضروب الأعمال) ومن الذين يؤدون ضريبة التمتع ومن ذوي الأشراف والاستقامة. أما مسألة الجنسية العثمانية فقد سبق أن هذا الشرط غير مصرح به في القانون الفرنسوي ولكنه مرعي في الانتخابات وأما عندنا فلم تشترط التابعية العثمانية على الأعضاء فمنهم الأجنبي ومنهم العثماني على السواء. ويجب أن تظل الغرف على هذه الحال إلى حين ولاسيما وأن التجار الأجانب المقيمين في بلادنا منذ مدة طويلة قد درسوا شؤون بلادنا حق الدراسة وإذا أضفنا إلى ذلك مقدرتهم العلمية وسعة إطلاعهم ووفرة بحثهم تبين لنا أنه يستفاد منهم إذا كانوا بين أعضاء غرفنا التجارية إنما يشترط على أولئك الأعضاء الأجانب إقامتهم في بلادنا مدة لا تقل عن عشر سنين مشتغلين خلالها بالتجارة. جاء في نظام غرف التجارة أن لها الحق في إنشاء مدارس وجرائد تجارية ويجب أن يكون لها الحق أيضاً بتأسيس غير ذلك من الأوضاع التجارية وأن تتعهد (إذا رغبت) القيام بالأمور العمرانية على طريق الامتياز ولكن الواجب أن تكون خاضعة للشروط التي تشترط على غيرها من أصحاب الامتيازات. ولا يمكن لغرفنا التجارية أن تقوم بالأعمال التي تؤول إلى ترقية تجارتنا ما لم تتوفر في ميزانيتها المداخيل وإلا فإن محافظة الحالة الحاضرة تقضي بأن تظل مداخيلها تكاد لا تساوي النفقات الجارية السنوية مما لا يجوز البقاء عليه أبداً. فيجب تقسيم الشركات الأنونيم على درجات معينة وإلزامها بتأدية مقادير مقررة سنوية تعين بحسب هذه الدرجات. ويجب أن تقرر درجات التجار بدر ما يدفعون من ضرائب التمتع لا بمجرد رأي الغرف وتقديرها. ومن اللازم اللازب تسجيل التجار أصحاب هذه الدرجات كافة وإلزامهم بتأدية الضرائب السنوية. لم يتصل بأحد إلى هذا العهد أن الغرف التجارية قامت منذ تأسيسها بمشروع يرفع مكانة التجارة في هذه البلاد. ولقد غابت هذه الغرف حيناً من الزمن ثم عادت تظهر في مظهر الحياة ثم أفلت بعد الشروق أفولاً لا طلوع بعده أو عاد بعضها بعد طول الغروب ولم تكن أعمالها في الغالب إلا عبارة عن تسويد القرطاس أو إبداء بعض الآراء التي لم يلتفت إليها. ولم تلتفت الغرف التجارية إلى إنشاء مدارس أو صحف تجارية البتة. ولا تلقى تبعة هذا الإهمال على الغرف التجارية بل على الحكومة السابقة. ولقد سبق أن بعض الغرف التجارية طلبت مرات عديدة إصلاح الأصول الرسومية وتسهيل المصالح التجارية دون أن تتجاوز إلى طلب إنشاء أوضاع جديدة ولم تثمر هذه المراجعات قط. ولما يئس التجار من الاستفادة من الغرف التجارية تخلو عنها ولم يعودوا يؤمون أبوابها وقطعوا عنها رواتبهم السنوية ومما يدلنا على درجة ارتباط التجار بغرفهم هذه مداخيل غرفة القسطنطينية قبل عشر سنين فإنها كانت في ذلك الحين ضعفي مداخيلها اليوم. هذه الأحوال من جهة وكون انتخاب الأعضاء لغرفة التجارة في العاصمة لم يكن كما وضعه القانون بل كان بيد نظارة النافعة تمنح العضوية من تشاء على نحو ما كانت تجري القاعدة في الإحسان بالرتب والمناصب من جهة أخرى كل هذا وذاك ليس من الأمور التي ترتاح إليها نفوس التجار أو تطمئن بسببها قلوبهم إلى للغرفة التجارية. التجار أكثر وأسرع من جماع طبقات الأمة معرفة وشعوراً بالانقلاب الكبير الذي يسري إلى شؤوننا العامة. ومع ذلك فإن حياة حرية التجارة قائمة بتوطيد دعائم الأمن ومتى اطمأن جمهور التجار إلى أن مصالحهم الأصلية مصونة يجدر بنا الاعتماد عليهم بحيث لا يغادرون مثقال ذرة من واجباتهم ومن الواجب على الغرف أن تطلب من الحكومة بجد ومضاء تحديد نظام الغرف وتعديله وأن البحث بحثاً مدققاً في ضروريات التجارة ونواقصها في المحال التي تنتسب إليها وتدفع بآرائها وملاحظاتها إلى نظارة التجارة وأن توجه همتها إلى إنشاء المدارس والصحف التجارية والدروس الليلية التي تكفل توسيع دائرة العلم بين أرباب التجارة. كل ذلك حقيق بالمفاداة ولا شك أن الأعمال المعروفة في هذا السبيل تكلل بالنجاح. ويجب أن تكون غرفة القسطنطينية التجارية نموذجاً لسائر الغرف وأن تدفن العنعنات الماضية فتجعلها نسياً منسياً: يجب أن تتقدم هذه الغرفة بفتية الأفكار وتدخل الإصلاح الحقيقي إلى مجلتها المدرسية وغير منكر أن هذه الصحيفة التجارية الوحيدة في البلاد العثمانية لا تفي بالحاجة بمقالاتها التي لا تتجاوز العمودين وفقراتها المترجمة بل يجب على غرفة القسطنطينية أن تتخذ مجلة غرفة التجارة الفرنسوية مثالاً وتنحو نحوها فتنشئ على منوالها صحيفة تجارية جامعة لأخبار التجارة الداخلية والخارجية الجدية المفيدة والموضوعات الأساسية فإذا لم تقم غرفة القسطنطينية بهذه الأعمال ولم تأت بالآثار الدالة على رقي صحيح لا تنال مكانة أرفع من مكانتها في دورها السابق. أما التجار المسجلة أسماؤهم في دفتر غرفة القسطنطينية فهم ( ٤٧ ) من الصنف الأول و ( ١٠٧ ) من الثاني و ( ٢٤٠ ) من الثالث و ( ٥٠ ) من الرابع وقد يوجد بين تجار الصنفين الثالث والرابع من يجب أن ينتظموا بين تجار الصنفين الأول والثاني وبين التجار الذين لم يسجلوا أسماءهم في الغرفة كثير يجدر بهم الانتظام في إحدى الدرجات الأربع. والأمل وطيد بترقي مداخيل الغرفة ولو بقيت على أصول تصنيف درجات التجار على حالتها الحاضرة. وتبلغ مداخيل غرفة القسطنطينية وحدها (ما عدا مداخيل جريدتها ونفقاتها) ١٧٥ . ٣٢٦ قرشاً صحيحاً تنفق في مقابلة ذلك ٤٣٥٣٢ قرشاً على رواتب موظفيها و ٢١٧٣٩ قرشاً على النفقات المتفرقة و ٢١٦٠٠٠ على أجور داره ونحوه. فالنفقات الإدارية وحدها تتجاوز دخل الغرفة ولا ينفق على المشاريع النافعة من مداخيلها بارة واحدة وما حالة غرف التجارة في الولايات بأشفى للصدور وأوفى للأماني من غرفة القسطنطينية ولقد رغبت أن أعرف عدد غرف التجارة في الولايات والألوية والأقضية من القيود الرسمية فماذا رأيت؟. . رأيتني أمام كمية تستحق العجب: في بلادنا مئة وخمسون غرفة تجارية على أن عامة غرف التجارة في فرنسا لا تتجاوز المئة والعشرين. وبما أنني أعتبر الغالب من هذه الغرفة المقيدة في الدفاتر حبراً على ورق ولا أصدق أن الفهرس الذي أنقل منه متقارناً للصحة. وللأجانب في بعض المراكز التجارية العثمانية غرف تجارية ففي القسطنطينية غرف تجارية إنكليزية وإفرنسية وطليانية ونمسوية وألمانية ويونانية ولكل واحدة منها نظام داخلي وللغرفتين الإنكليزية والفرنسوية مجلتان بلسان قومهما. اسست غرفة التجارة الإنكليزية في سنة ١٨٨٧ ولها رئيس وثمان أعضاء وعضوان خارجيان وعضوا شرف وكاتب وأمين صندوق وأربعة كتبة شرف في سلانيك وأزمير ومنشستر ولندن ولهذه الغرفة مراسلون في سلانيك وأزمير ومنشستر ولندن والولايات العثمانية. ولها مجلة يبلغ حجمها ستاً وثلاثين صفحة كبرى جامعة لمقالات في التجارة الإنكليزية العثمانية والأخبار والإحصاء. وفي أزمير أيضاً غرفة تجارية إنكليزية. ويشترط في عضوية الغرف التجارية الإنكليزية الاشتغال بالتجارة أو بالصناعة أو الشؤون المالية ويشترط على العضو أن يكون إنكليزياً أو من وكلاء المعامل الإنكليزية في البلاد العثمانية. ورئيس الشرف لغرفة التجارة الفرنسوية هو قنصل فرنسا لعام ولها لجنة إدارية مؤلفة من تسع أشخاص في جناق قلعة ولجنة أخرى مؤلفة من تسعة عشر شخصاً في بورصة ولها مراسلون في سبعين بلداً داخل البلاد وفي الخارج لها من يخابرها في روسيا وفارس ورومانيا والصرب واليونان. وتصدر هذه الغرفة شهرياً مجلة في سبعين أو ثمانين صفحة منذ اثنين وعشرين حجة بلا انفصال. وتدعى هذه المجلة مجلة الشرق التجارية. وهيب جامعة للأخبار والمقالات المفيدة للغاية وإني أتمنى أن تعلو مكانة غرفتنا التجارية إلى منزلة غرفتي التجارة الفرنسوية والإنكليزية وأن تتقدم جريدتها تقدم الجرائد اليومية. آلاسكا واللاسكاويون آلاسكا جزيرة تنيف مساحتها على مساحة فرنسا ثلاثة مرات أصبحت الآن معتركاً حيوياً جديداً لبني البشر إلا أن وعورة المسالك واختلاف الهواء بها ترك أربعة أخماس من أرضها في عداد المجاهل. وقد كانت هذه البلاد الواقعة في أقصى الغرب الشمالي من أميركا الشمالية والمنفصلة عن قارة آسيا بخليج بهرنغ مستعمرة للدولة الروسية فباعتها من حكومة أميركا. إن البحث لم يهتد إلى شيءٍ مهم فيما يتعلق بالسكان الأصليين من وجهة علم الأنساب بل ظل أكثره إن لم نقل كله ناقصاً مبهماً. فالشعوب النازلة سواحل البحر قد تمكن بعض المرسلين من درس أحوالها أما المتوغلة في الداخل فاكتفى العلم بأخذ روايات من ارتادوها من الذين ضربوا في عرضها للتنقيب عن معادن الذهب أو لصيد بعض الحيوانات التي ينتفع من جلودها للفراء الثمينة. وكلا الفريقان مما لا يعول على قولهما ولا يرجى أن يفيا البحث العلمي حقه أو بعض حقه. ويستدل من آخر إحصاء لسكان هاتيك البلاد الذي جرى سنة ١٩٠٠ للميلاد أن عددهم ( ٢٩٥٣٦ ) نسمة يدخل فيهم الأسكيمو ولكن ذلك مما لا يصح الاعتماد عليه لأسباب جمة أهمها أن أغلب تلك الشعوب من الرحل ولم يتيسر الوصول إلى بعضها لوعورة المسالك كما ذكر. أضف إلى ذلك ما دفعته إليهم المدنية الأوربية من آفاتها كالجدري والسل والزهري وداء السكر بعد اكتشاف مناجم كلوندبك الذهبية فإن هذه الأمراض الفتاكة فعلت وما زالت تفعل في الأهلين ما لا يفعله الأسل حتى أن كثيراً من القرى خوت على عروشها وأصبحت قاعاً صفصفاً قب انتشار داء الجدري انتشاراً مريعاً من وراء الغابة. ولهذا يتراءى لي أن عدد السكان تنازل إلى الخمسة والعشرين ألفاً وهم يقسمون إلى فريقين فالأول يضم إليه شعوب شيلكا وياكوتا وهايداج وأباعوت وأوك الذين يتفقون في الجنس والنسل. والثاني شعب واحد يدعى دنا ويختلف عن الأول باعتبار علم أصل الشعوب وسلائلهم وهو ينزل البلاد الواسعة التي تمتد من خليج الهودسون إلى قلب ألاسكا على أن هذا التقسيم المبني على علم ناقص لا يلتفت إليه ولا يعمل به إلى أن يقوم علماء الإنسان بالتتبع العلمية والبحث الكافي ويتفقوا على ذلك شأنهم في سكان أميركا الأصليين. والذي يزيد المستطلع إشكالاً في أمرهم مشاكلتهم بعضهم بعضاً حتى أنك لتخالطهم من عنصر واحد لاتفاق أزيائهم وأخلاقهم ومهما كان النقابة دقيق الفكر بعيد النزر لا يتمكن من النقد الصحيح والتمييز المصيب فلنحسبهم الآن قوماً واحداً وندرس أحوالهم الاجتماعية. يجد القائلون بأن سكان أميركا الصليين من المغوليين الذين هبطوا أميركا عن طريق خليج بهرنغ وصخور الأووسيك من الوثائق ما يقوي حجتهم وبرهانهم. لا جرم أن جولف استرايت الذي وصل إلى سواحل ألاسكا بعد اجتيازه جزر اليابان هو الذي نفخ في الساحلين من شرقي آسيا روح الجرأة والإقدام على ارتياد هذه البلاد حتى أصبح أمر إحدى السفن الشراعية اليابانية التي جرفها التيار الحار سنة ١٨٣٣ ميلادية ودفعها إلى ساحل ألاسكا مشهوراً لأن البرابرة وفي الأصل اليام يام جعلوا منها مائدة كانت عيداً لأولهم وآخرهم. أما الآن فقد وضع الحق وظهر ما كان باطناً من أن ألاسكا كانت مأهولة بالسكان في أزمنة ما قبل التاريخ كسائر أخوانها من البلاد الأفريقية ويثبت هذه الحجة ما تراه الآن في عادات الأسكاويين وأخلاقهم وطبائعهم ولغتهم فإن كل هذه لم تكن عليها مسحة تدل على أنها آسيوية. ونحن نتوخى في عجالتنا هذه البحث عن حالتهم الأصلية قبل أن يمازجها ما اكتسبوه من الاحتكاك بالأوربيين فنقول أن هؤلاء قد اجتازوا دور التكامل البدائي للبشر وتباعدوا ما أمكن عن الهمجية حتى صاروا أقرب إلى البداوة منهم إلى التوحش قبل أن تطأها أقدام المكتشفين الروس. وترى لهم في البلاد الساحلية الآن البيوت الواسعة القوراء وبعض المصايف والقصور التي أقيمت على منوال الأوربيين وبالإجمال فهم أرقى علماً وأوسع مدارك من شعوب البوروج الذين ما زالوا يلبسون جلود البهائم. والغريب في أمر هاته البيوت الفطرية أنها على اتساعها وقد يختلف طولها بين المائتي متر وعرضها بين الخمسة عشر والعشرين متراص تكفي لإيواء عائلات كثيرة معاً ومع هذا لا ترى فيها نافذة خلا بعض الثقوب في سقوفها لانبعاث الدخان المتصاعد من المواقد واجتذاب نور الشمس إلى الداخل ولم يكن فيها ما يصلح في الخارج سوى بعض الأبواب كما أن سطوحها لم تكن مائلة من طرفيها كما هو الحال في غير بنايات بل لها ميل قليل يكفي لتسليط مياه المطر على الخارج وتنفع هذه السطوح خطباء القوم فيرتقونها ويتخذونها منبراً عند الحاجة. وتنبنى هذه اليبيوت من عيدان الحطب التي لم تصقل ويقتطعونها بمقاطع خشبية لأن الحديد الذي فيه البأس الشديد والمنافع الجمة للناس لم يعرفوا به بعد. ويعتاضون عن الحديد بقرون نوع من الحيوان يسمى عندهم وايثي أو بقواطع من شجر البابل وفي الشتاء حيث يهجم الثلج بخيله ورجله يضيفون إلى البنايات الداخلية طبقة من رفيع القصب وبمثل ذلك أيضاً يفرقون البيت أيضاً عن أخيه فيكون دساً بين العائلات التي تأوي إليه. أما أثاث هذا البيت البدائي فهو موافق له كل الموافقة فلا تجد فيه من الرياش ما يضيق معه الرحب بل هو في منتهى البساطة وهناك مقاعد خشبية تحت الفراش أو هي أسرة النوم على طول جدار البيت والفراش هو من السل قش الحصر وقد زيد في نشجه عند موضع الرأس حتى أشبه بالوسادة كما أن غطاءهم أو لحافهم من جلود الغزلان المدبوغة أو نوع من الكلاب المجعدة الشعر وقد أوشك نسلها بالانقراض بينهم. لهؤلاء البائسين الذين يطلق عليهم اسم همج بعض صناعات لو أنصف المطلعون عليها لقالوا بكبر عقولهم ورقة شعورهم وقد ترى بعض الصناديق من صنعهم على حين لا يعرفون المسمار ولا رأوا آلات النجارة. والحدادة غاية في الضبط وآية في الدقة وطول هذه الصناديق متر وعرضها ستون أو سبعون سنتيمتراً وعمقها سبعون أو ثمانون سنتيمتراً. وصف أحد المراسلين صناعتهم هذه بقوله أنهم يأتون بخشبة من شجر الأرز ويشقونها على أربعة وجوه ثم يصقلونها ما أمكن ويلفونها جيداً فيتكون منها زوايا الصندوق الثلاث ثم يخيطون طرفا الخشبة الداخليين بخيطان قوية من جلود الوعل يدخلونها بالمسلة الإبرة المصنوعة من قرون نوع آخر من الوعل فتحصل معهم الزاوية الرابعة أما أسفله فإنهم يجعلونه من قطعة واحدة من الخشب وله حافة تتصل أطرافها بالزوايا الأربع فيخاط كذلك بدقة غريبة حتى أنك لا تجد فيه عوجاً ولا أمتاً. ويكون غطاء الصندوق من قطعة واحدة أيضاً يمدونها على شقوق الزوايا المتناظرة فيتم الصندوق الذي يعد من بدائع الإبداع. وبعد أن يحفروا على الغطاء شارة العائلة أو الفريق ويدهنونه بلون مناسب يضعون فيه الملابس القيمة والفراء الثمينة التي تلبس في الأعياد والمناسبات. ويبلغ الشتاء أشده ويقرص البرد في بعض بلادهم فيتقون بأسهما بحفر مستديرة يفتحونها في بطن الأرض على سعة متر أو مترين كبيوت الأسكيمو وهنالك يختبئ العشرون أو الثلاثون منهم مجتمعين فيحصل الدفء بينهم. وتعلو هذه الحفر أكواخ حقيرة ليس لها من النوافذ إلا واحدة في رأسها هي للجيئة والذهاب والهواء والنور أما سبيلهم إلى هذه الأنفاق فهو عمود من خشب نقروه حتى نتأت منه أرجل أشبه بالسلم. وقد اتفق الأسكاويون على عادة غريبة جرى عليها أغلب الأقوام الفطريين وبينهم هنود أميركا الوسطى والجنوبية وهي عزل البنات اللواتي يبلغن أشدهن والنساء اللائي في المحيض في أكواخ خاصة بهن حتى يطهرن ولو جردنا صناعة السلال الدقيقة التي يصنعونها من رفيع القصب نجد كل صناعاتهم ساذجة للغاية. نعم إنهم يحيكون بعض الأقمشة المتينة من خيوط خاصة يستخرجونها من ألياف شجر الأرز ويخلطونها بأصواف وعول صيغين وكندا وأصواف الكلاب التي مر ذكرها فيتكون عندهم منها نسيج متينييفي بحاجتهم إلا أن ذلك مما لا يعد صناعة نافعة. وهذه الكلاب هي من الحيوانات الداجنة التي يمكن أن يقال عنها أنها وحيدة هذا القوم فهم ينتفعون من جلودها وأصوافها وتفيدهم في صيدهم وجر عجلاتهم على الجليد ولكنها ويا للأسف قد أوشكت تنقرض كما ذكرنا وقل نسلها قلة يخشى من ورائها. وللسلال التي أشرنا إليها شهرة واسع عند أهل الإخصاء في جميع شتات الآثار ورائع الصنائع وهي أهل لأن تكون كذلك لأن عملها جميل متقن وعلى الرغم من أنها لم تطل بطبقة صمغية فقد تجدهم يستخدمونها في امتياح المياه من الآبار ونقلها ولا يرشح الماء من هذا السجل الدلو أو السلة أبداً. والأغرب من هذا أن النبات الذي يستعمل في صنع هذه السلال يختلف باختلاف الشعوب إلا أن أرقها وأدقها ما كان من ألياف شجر الأرز ويوجد من هذه السلال ما أربى عمره على خمسين عاماً تتداولها الأيدي صباح مساء أما صانعوها فإنهم من النساء على الأعم. وللنساء ولع خاص بالزينة والتبرج فيذهبن مذهب الماديين حتى أن المقارنة النسلية بينهن على هذه الوتيرة. وتلقى ذلك ظاهراًَ كل الظهور في بعض الشعوب فترى الأب لا يهمين على ابنه أوسبطه إلا حين تزوجه من امرأة بينا يكون للشاب الخيار بقبول الابنة التي انتخبها له والده أو رفضها. أما ما يتعلق بوجود القرابة بين المرأة وزوجها فلم يكن لها من قاعدة مألوفة أو خطة مرسومة بل ترك ذلك لاجتهاد كل فريق منهم. فقد ترى لدجى بعضهم جوازاً بزواج أبناء العم بينا تلقى زواج فتى وفتاة خاضعين لزعيم واحد من المحظورات عند آخرين فالأولين لم تمنعهم لحمة النسب من الزواج والآخرين منعتهم صلة التبعية فقط. وتجد الزواج عند بعضهم كأنه اتفاق وقتي أو هو أقرب إلى الاستمتاع منه إلى الزواج والأنكى من كل ذلك أن شرعتهم قد تركت جبل الرجال على غواربهم وأحلت لهم افتراس أية امرأة في حيهم. نعم إنهم اشترطوا في ذلك أن يتبارز الشاب الطالب مع زوج المرأة المطلوبة برزاً لا يتخلله سفك دم لأن لا سلاح لديهم فإذا ما غلب الأول الثاني على أمره وطرحه أرضاً جاز له التصريف الملق في امرأته. ولكن ماذا يفيد هذا الشرط وهل يغني عن الحق شيئاً ما دامت الغلبة للقوة؟ وإذا كانو الزوج الأول ممن يعتقدون قوة خصمه ويستنكف عن مبارزته فيحق حينئذ لذلك الخصم أن يذهب إلى بيت الأول ويدعو امرأته إلى اللحاق به وهنالك لا يسع صاحبتنا إلا الجري وراء زوجها الجديد البطل والدخول في داره وحرمه ويظل الأول منزوياً في إحدى زوايا بيته ينظر إلى هذه العادة الغريبة شرراً وقد اعتراه اليأس وأشبه الهرة التي كسرت إناء الحليب. ويقيم الزوجان على أن يملك كل منهما ماله من أثاث البيت ورياشه إن كان هناك ما يقال له أثاث ورياش ولا يجوز لهما أن يشتركا في كل شيءٍ من أنواع القنيات ومتى توفى الزوج الرجل يسترد ذوو قرباه ما كان له في الدار من مال ومتاع أما إذا سبقت المرأة زوجها إلى الموت فلا يكتفي أهلها بأخذ ما لها في البيت فقط بل هم يضطرون الزوج إلى إعطاء هدية ذات قيمة لتكون عزاءً وسلواناً لهم على فقد ابنتهم. ومتى فاجأ الحامل المخاض يدخلها بعض النسوة العجائز الحاضرات غرفة خاصة وبعد ولادتها يغسلن الطفل بالماء الفاتر ويرششن على جسمه مسحوق شجر الأرز ثم يضعونه في سلة على شكل سرر الأطفال ويعلقونها في دعامة البيت الخشبية أو غصن من أغصان الشجر وهذه السلال أو السرر مصنوعة بحيث يتسنى للأم أن تحملها على ظهرها أثناء مشيها. ويخرج الطفل من سريره مرتين في اليوم على الأكثر لأخذ إفرازاته وتبقى هذه السلة عشاً له إلى أن يدرك حد الفطام والوالدات يرضعن أولادهن حولين كاملين ومتى أتممنها يدرج الطفل من عشه أو سجنه وتذهب الأم في ذلك السرير إلى جهة نائية من الحرج فتعلقه في إحدى الأغصان تقدمه إلى الملك الموكل بحفظ ذلك الوليد طول حياته. وهنالك بدعة سيئة يجري عليها بعض الشعوب في أطفالهم. فهم يلفعون رؤوسهم عقب اليوم الثالث من ولادتهم بعمامة من قشور الشجر وهذه العادة القبيحة التي تغير من شكل عظم الرأس وتهصره وتشوه الخلقة هي في عرفهم علامة خاصة بالنبلاء. ثم يتلو ذلك التلفيع يوم خاص يجتمع فيه لفيف الأسرة أو يقيمون حفلة حافلة بتسمية اسم الوليد وبعدها تبدأ دروس التربية الجسمانية وبعد انقضاء السنة الرابعة عن ولادة الصبيان يجهزون عليهم بالضرب بعضي رفيعة صباح كل يوم صيفاً كان أو شتاءً ربيعاً كان أو خريفاً ليزيدوا حسن جلودهم على زعمهم وفوق ذلك فهم يرغمونهم على الاغتسال بالماء البارد في الأنهار الجارية. ومتى بلغوا العاشرة من حياتهم يدفعونهم من أكواخهم إلى الخارج حفاة عراة ليقضوا ليلهم نياماً يفترشون الغبراء ويلتحفون السماء أو أنهم يمضونه وأيديهم قيد ماء الجليد على ضفاف البحيرات ولا يجوز لهم رفعها إلا بعد أن تشرق الشمس عليهم فتحل عقال هؤلاء المحكوم عليهم بظلم العقول السخيفة. وعندما يأزف زمان تكاثر الأسماك في الماء وتطفو عليها طبقات من السمك المنتن يبعثون بأولادهم تحت جنح الليل ليستنشقوا تلك الروائح الكريهة ويعتادوها ويمارسوا الفروسية تحت رعاية ملك الحفظ. أما من حيث المعتقد فهم بعيدون جداً عن الاعتراف بإله قادر قائلون بتعدد الأرواح التي ملأت السهل والجبل وعلى رأيهم أن لكل منهم عملاً خاصاً به حتى أن العجماوات والشجر وآلات الصيد وكل ما يقع عليه نظرهم في هذا الكائن الهائل من جماد ونبات وحيوان له ملك موكل به ولذلك تراهم أبداً مشتغلين بالمراسم والعبادات ليرضوا هذه الآلهة الكثيرة وينعموا بالاً في هذه الحياة الدنيا. مثال ذلك أن أفراد الشعوب التي تقتات من الصيد لا يتيسر لها أكل لحم الوعل الذي يصيدونه بهناء بل أنهم يحتفظون بالدماء والأمعاء لئلا تقع تحت يد وحش ضار فيأكلها وذلك لاعتقادهم أن الملك الموكل بذلك يطلع بقية الوعول على جلية الأمر ويريهم النقص الذي حصل من الصائدين في سبيل احترام رفيقهم فلا يعودون يجودون بأنفسهم ليصطادوا بل يلجئون إلى الجبال التي تناطح السحاب ويشكل على الملقين في العناية بهم أمر الصيد. ثم أنهم عندما يأتون بصيد الوعل إلى بيوتهم لا يجوزون به الأبواب التي وطئتها أقدام النساء وفي عرفهم أن ظباء النساء وظباء الوعل أعداء متشاكسون. وعندما يزمع أحدهم صيد الدب الأبيض يطلب إلى روح ذلك الحيوان أن تتمثل أمامه كحيوان مستسلم ولا تمسه بسوءٍ فإن ساعده ووفق إلى صيده يدهن وجهه على وجه الإنسان بألوان مختلفة علامة شكره على نجاحه ويبدأ بتلاوة قصيدة رثاءٍ يمدح فيها خلال الفقيد العزيز وسجاياه الغرّ (!). ومن غريب عاداتهم في مباشرة طعام لحم الدب أنهم يبدؤون برأسه على أن يكون وجوه حاضري الوليمة مصبوغاً بالألوان وأن يعلق على رأس الدب في أعلى غصن من شجرة باسقة بحيث يراه أبناء جلدته عزيز الجانب رفيع الجناب في الحياة وبعد الممات. يقولون وبعد هذا لا يأنف الحيوان مقابلة الصيادين والتعرض لأسنة حرابهم وأخشابهم. ولا يقتصر هذا الاحترام على نوع الدب فقط بل يكاد يكون عاماً في جميع الحيوانات. وعندما يتجاذب الأهلون حديث الصيد ويخصون بالذكر الحيوان الذي يبغون قتله أو صيده بالفخاخ يمازج حديثهم أخشنة والأدب فيخفتون من أصواتهم لئلا يقرع مسامع الأرواح الموكلة بتلك الحيوانات كما أنه يكون منسجماً متناسقاً كقولهم: رفاقنا. لعل أولياء نعمتنا يتكرمون علينا برؤية أحدهم فيكون نصيباً منهم وعلاً أو غزالاً أو دباً إلى غير ذلك. ولو اكتفوا بهذه التعاليم والتقاليد فقط لكان لهم فيه بعض العذر ولكنهم شملوا به الفاكهة أيضاً فحالما يبادرون بجنسي الثمار يكون لديهم راهب أو ساحر يتلو عليهم جهاراً دعاءً يليق بالمقام ويرضى به الملائكة الموكلة لتتم البركة ويحصل الخير. وبينا الراهب يتلو الأدعية والإذكار يقف زعماء الشعب وفي أيديهم العصي يراقبون أعمال الشبان حتى إذا ما رأوا أحداً فتح عينيه قبل ختام الدعاء أوسعوه ضرباً ولكماً. على أن كل ما ذكر لا يعادل الحفلات التي يقيمونها عند حلول موسم صيد نوع من السمك فعندما تقع سمكة في يد الصياد في أول الموسم يرفعها على ساعدين لأنه محظور عليه أن تمسها يده فيأتي بكل وقار إلى رئيس الرهبان الذي يتقبلها منه بقبول حسن ويرفعها إلى مكان خص بها وهيئ لها من غصون الصنوبر. ثم يقترح على شيخ جليل من الحضور تكون له الوجاهة والرجاحة في قومه أن يصف حول السمكة العصي التي تشير كل منها إلى أسرة من البيوت الكريمة بحسب درجاتها ثم يتناول الرئيس الراهب العصي واحدة بعد واحدة ويمس بها مسيح السمكة الأمامي الذي يعتدونه بيدها اليمنى ويخاطبها بقوله: لي الشرف أن أقدم لكريم مقامك الأسرة الفلانية التي حضرت إلى رحابك الواسع وأطلب إليك أن تسمحي لها بأن تكون موطئ قدمك إلى غير ذلك من ضروب الإطراء وصنوف المديح. وبعد إتمام هذه المراسم يضع السمكة في قدر جديد ويسلقونها على النار بين النشيد والترتيل ثم توزع بين زعماء القوم وتليها الأسماك التي تشرفت بالعيد بعدها وتطبخ هذه أيضاً ثم تعطى إلى من لم يكن حرم عليه أكل السمك شرعاً. لرؤساء الدين عند هذه الطوائف شأن كبير لأنهم يعتقدون فيهم أنهم وسطاء بينهم وبين الملائكة أو الرواح الموكلة وتنتقل الرهبنة من الآباء إلى الأبناء وتتعاطى هؤلاء الرهبان بعض مواد تخدر الجسم في حين يعنون كل العناية بالاعتكاف والانقطاع عن الناس فيكون فيهم من وراء ذلك شيءٌ من الجمود والسكينة. ومما يدعو إلى الانتباه الأنصاب القائمة في مداخل البلدان وقبالة البيوت وقد زعم المكتشفون من الروس أنها تماثيل تعبد والحقيقة أن هذه شارات خاصة لكل أسرة منها شارة فمنها ما يكون كالطير ومنها ما يكون كالسمك وأشباههما من الحيوان على أن هذه تخدم في تفريق البيوت بعضها عن بعض لأنها كلها مبنية على نسق واحد لا يمكن التمييز بينها إلا بمييزات خاصة وهذه التماثيل تفي بالغرض المطلوب. ولهم نوع من السحرة يطبون المرضى ولكتن بإخراج الأرواح الشريرة منهم لا بالعلاج النافع الذي لا يعرفونه. ثم هم يدعون أن كل أسرة منهم من نسل أحد الأرواح الموكلة ويعتقدون أن لهم صلة بالسماء كالصينيين أبناءِ ماءِ السماءِ ولله في خلقه شؤون. قانون الجمعيات الفصل الأول المادة الأولى الجمعية هي الهيئة المؤلفة من أشخاص عديدين غايتهم توحيد معارفهم أو مساعيهم دون أن يقصدوا اقتسام الربح. المادة الثانية لا تضطر الجمعية إلى نيل الرخصة قبل تأليفها إلا أنها يقضى عليها عقيب تأسيسها إخبار الحكومة طبقاً للمادة السادسة. المادة الثالثة لا يجوز تأليف الجمعية المستندة على أساس غير مشروع مغاير لأحكام القوانين والآداب العامة أو مخل بالأمن في المملكة وتمام ملكية الدولة وتغيير شكل الحكومة الحاضرة والتفريق سياسة بين العناصر العثمانية المختلفة. المادة الرابعة محظور تأليف جمعيات سياسية أساسها وعنوانها القومية والجنسية. المادة الخامسة يشترط في أعضاء الجمعيات أن لا تكون سنهم أقل من عشرين غير محكوم عليهم بجناية أو محرومين من الحقوق المدنية. المادة السادسة ممنوع كل المنع تأليف الجمعيات السرية. فإذا أنشئت جمعية تقدم بياناً في الأستانة لنظارة الداخلية وفي الولايات لأكبر موظف ملكي يوقع عليه مؤسسو الجمعية ويختمونه فيبينون فيه عنوان الجمعية ومقصها ومركز إدارتها وأسماء المكلفين بإدارتها وصفتهم وملح إقامتهم. ويعطى علم خبر مقابل هذا البيان. ويربط بالبيان المذكور نسختان على نظام الجمعية الأساسية المصدق عليهما بطابع (ختم) الجمعية الرسمي. وبعد أخذ العلم والخبر يعلن المؤسسين الكيفية على أن الجمعيات مضطرة أن تخبر الحكومة حالاً بالتعديلات والتبديلات التي تجريها سواء في نظامها الأساسي أو في هيئة الإدارة ومحال الإقامة وهذه التعديلات والتبدلات يعمل بها في يوم إخبار الحكومة وتقيد في سجل خاص يبرز في كل وقت تطلبه العدلية والملكية. المادة السابعة لمركز كل جمعية مجلس إدارة يؤلف من شخصين على الأقل وإذا كان للجمعية فروع يجب أن يكون لكل واحد منها مجلس إدارة مربوط بالمركز ويشترط على المجالس أن يكون لها أولاً سجل تبين فيه هوية الأعضاء وتاريخ دخولهم ثانياً سجل للمقررات والمفاوضات والتبليغات ثالثاً سجل فيه مقدار دخل الجمعية ونفقاتها بأنواعها ومفرداتها وتبرز هذه السجلات الملكية والعدلية في أي وقت تطلبها. المادة الثامنة كل جمعية تعطي بياناً بموجب المادة السادسة تكون بالواسطة مدعية ومدعى عليها في المحاكم كما هو مبين في المادة التاسعة ولها الحق بأن تنصرف وتدير ما عدا الإعانات التي تكلف بها الدولة أولاً الحصص النقدية التي يعطيها أعضاؤها على أن تتجاوز سنوياً الأربع والعشرين ليرة ثانياً المحل المخصص لاجتماع أعضاء الجمعية وإدارتها ثالثاً الأموال غير المنقولة اللازمة للوصول إلى المقصد الذي اتخذته وفقاً لنظامها الخاص. ومحظور على الجمعيات أن تتصرف بغير ذلك من العقارات. المادة التاسعة تكون المراجعات والمطالبات باسم الجمعيات لمأموري الحكومة والمحاكم والمجالس الرسمية بعرائض عليها طوابع يوقع عليها الكتاب العموميون والمديرون بتوقيعهم وطابعهم الذاتي ولا تجري غير ذلك من الوسائط. وإن أمثال هؤلاء الأشخاص الذين يقومون بالمعاملات باسم الجمعية تبين هويتهم في نظام الجمعية الأساسي. المادة العاشرة يمكن لأعضاء الجمعيات أن ينفصلوا عنها في أي وقت يريدون ولو اشترط في نظاماتها الأساسية عكس ذلك بعد أن يؤدوا ما عليهم من الحصص النقدية التي حان استيفاؤها وتختص بالسنة الحالية. المادة الحادية عشرة محظور إدخال الأسلحة النارية والجارحة إلى المكان الذي تجتمع فيه الجمعية كما أنه يحظر حفظها فيه إلا أنه يمكن أن يوجد أسلحة بقدر اللزوم في الأندية المختصة بتعليم الصيد والقنص ولعب السيف على أن تكون للضابطة علم بذلك. المادة الثانية عشرة تمنع الحكومة كل جمعية لم تعط بياناً للحكومة ولم تخبر ولم تعلن عن نفسها حسب المادة الثانية والسادسة ويعاقب بالغرامة النقدية من خمس ليرات إلى خمس وعشرين ليرة مؤسسوها ومجلس إدارتها وصاحب محل اجتماعها أو مستأجره على أن يحكم بجزاء آخر إذا كانت أمثال هذه الجمعية مؤلفة لمقصد مضر من المقاصد المسطورة في المادة الثالثة والمبينة في قانون الجزاء كما يقضي به القانون المذكور. المادة الثالثة عشرة يؤخذ جزاء نقدي من ليرتين إلى عشر ليرات من الذين يأتون أعمالاً تخالف باقي أحكام المادة السادسة ما عدا الأخبار والإعلان وأحكام المادة الرابعة والخامسة والسابعة والتاسعة. ويغرم أعضاء الجمعيات التي تمنع بموجب المادة الثانية عشرة وتبقى مخالفة لهذا القانون أو تؤسس من جديد بالجزاء النقدي من عشر ليرات إلى خمسين ليرة وبالسجن من شهرين إلى سنة ويجازى وبعين الجزاء من يعطون محالهم لاجتماع أعضاء جمعية منعت. المادة الرابعة عشرة إذا كان نظام الجمعية التي تحل برضا أعضاءها واختيارهم أو بموجب نظامها الداخلي أو تمنعها الحكومة صريحاً يعمل بموجب الأموال العائدة إليها وإلا تعامل على حسب ما تقرره هيئة الجمعية العمومية. أما إذا كانت الجمعية قد منعت لتألفها لأحد الأسباب المضرة المبينة في المادة الثالثة فإن الحكومة تأخذ أموالها وتضبطها. المادة الخامسة عشرة الندية هي من قبيل الجمعيات المدرجة في هذا الفصل. المادة السادسة عشرة الجمعيات الموجودة اليوم مضطرة أن تقدم بياناً وتعلن كما تقضي بذلك المادة الثانية والسادسة وأن توفق معاملتها على باقي مواد هذا القانون خلال شهرين اعتباراً من إعلان هذا القانون. الفصل الثاني المادة السابعة عشرة إن اعتبار الجمعية خادمة للمبادئ العامة متوقف على تصديق الحكومة بقرار من شورى الدولة. وهذه الجمعيات يمكن القيام المعاملات الحقوقية كافة التي لا تمنع منها نظاماتها الأساسية ولا بد للأسهم والسندات التي تعود إلى حاملها أن تقيد وتحول باسم الجمعية ولا يمكن للجمعية أن تقبل هبة أو وصية إلا بإذن خاص من الحكومة وتباع أموال الهبة أو الوصية الغير منقولة إذا لم تنفع الجمعية في مقصدها ويصرح في قرار البيع بالمدة التي يجب أن تباع في خلالها ويسلم بدل العقار المباع إلى صندوق الجمعية. المادة الثامنة عشرة للضابطة حق تفتيش الجمعيات والأندية فتفتح هذه أبواب محال اجتماعها لمأموري الضابطة في كل وقت. يجب أن يكون مع موظفي الضابطة كي يثبتوا أنهم دخلوا محال الاجتماع مستندين على لزوم حقيقي أمر أو إذن رسمي يضطرون إلى إبرازه ويكون صادراً إليهم من ناظر الضابطة في الأستانة ومن أكبر مأمور ملكي أو وكيله في الولايات. المادة التاسعة عشرة_على ناظري الداخلية والعدلية تنفيذ هذا القانون. سير العلم والاجتماع سعة التأليف ومؤلفو الشيعة كتبت رصيفتنا العرفان تتمة لما كتبناه في الجزء الأول من المقتبس الخامس في سعة التأليف في الإسلام ذوكرت المكثرين من التأليف عند الشيعة فقالت: لم نجد بين رجال القرن الأول من له ثلاثون مصنفاً لعدم انتشار التأليف آنئذ وغلبة الأمة ويكفي بأن تثبت للشيعة مؤلفين على حين أنه لم يكن لغيرهم تأليف في ذلك القرن فقد ألف أمير المؤمنين علي عليه السلام صحيفة في الديات وألف سلمان الفارسي وأبو ذر الغفاري في الأخبار والسير وألف أبو الأسود الدؤلي في النحو الأدب وألف كثيرون غيرهم ممن يطول الشرح في تعدادهم. ومن المؤلفين المكثرين من رجال الشيعة في القرن الثاني لوط بن يحيى أو محنف المؤرخ المشهور الذي يروي عنه الطبري وغيره من المؤرخين قال النجاشي له كتب كثيرة وعد منها نحو ثلاثين كتاباً كلها في التاريخ والسير. وهشام بن الحكم عدد له النجاشي نحو ثلاثين كتاباً أكثر في الكلام والفلسفة الإلهية. ومن رجال الشيعة في القرن الثالث إبراهيم بن محمد الثقفي قال النجاشي له كتب كثيرة والتي اتصل بنا منها ثم عددها نحو أربعين كتاباً. والحسن بن موسى أبو محمد النوبختي قال النجاشي له على الأوائل؟ كتب كثيرة منها كتاب الآراء والديانات وحجج طبيعية مستخرجة من كتب أرسطاطاليس في الرد على من زعم أن الفلك حي ناطق وكتاب في المرايا وجهة الرؤية فيها وعدد له نحو أربعين كتاباً. وسعد بن عبد الله أبو القاسم القمي عدد له ما ينيف عن ثلاثين كتاباً. وعبد العزيز بن يحيى الجلودي ذكر النجاشي كتبه في أربع صفحات وقد بلغت مائة وأربعة وثمانين كتاباً في جملة فنون وأغلبها تاريخ وأخبار وفقه. وعلي بن محمد العدوي الشمشاطي كقال النجاشي له كتب كثيرة عدد منها ما يقرب من أربعين كتاباً ومما يلفت النظر منها كتب الأنوار والثمار قال النجاشي قال سلامة بن دكا أن هذا الكتاب ألفانا وخمسمائة ورقة يشتمل على ذكر ما قيل في الأنوار والثمار من الشعر وكتاب النزه والابتهاج قالَ قال لي سلامة بن دكا أنه نحو ألفاتن وخمسمائة ورقة يذكر فيه آداباً وأخباراً ومن جملة كتبه مختصر تاريخ الطبري وأغلب كتبه ضخمة. والفضل بن شاذان أبو محمد الأزدي النيسابوري قال النجاشي: ذكر الكحي أنه صنف مائة وثمانين كتاباً وقع إلينا منها وعدد نحو خمسين كتاباً. ومحمد بن ارومه أبو جعفر القمي قال النجاشي: ذكر القميون وغمزوا عليه ورموه بالغلو حتى دس عليه من يفتك به فوجدوه يصلي من أول الليل إلى آخره فتوقفوا عنه وقد عدد له نحو ثلاثين كتاباً ومن العجيب أن بينها كتاباً في الرد على الغلاة وكل كتبه دينية. ومحمد بن جعفر بن أحمد بن بطه المؤدب أبو جعفر القمي قال النجاشي: كبير المنزلة بقم كثير الأدب والفضل والعلم يتساهل في الحديث ويعلق الأسانيد بالإجازات وفي فهرست ما رواه غلط كثير وقد عدد له أكثر من خمسين كتاباً أكثر كتبه مسماة بأسماء الأعداد فله كتاب الواحد والاثنين إلى التسعة والأربعين. ومحمد بن أحمد أبو الفضل الجعفي الكوفي المعروف بالصابوني عدد له النجاشي نحو سبعين كتاباً وقد كان زيدياً فصار اثني عشرياً. وهشام بن محمد السايب قال النجاشي: كان له كتب كثيرة وعدد له منها خمسين كتاباً في الأنساب والتاريخ والسير. ويونس بن عبد الرحمن قال النجاشي: وكانت له تصانيف كثيرة وعدد منها أكثر من ثلاثين كتاباً. ومن رجال الشيعة المشهورين في سعة التأليف في القرن الرابع أحمد بن محمد بن دول القمي قال النجاشي: له مائة كتاب وعدد منها جانباً. وعلي بن أحمد أبو القاسم قال النجاشي: كان يقول بأنه من آل أبي طالب وغلا في آخر أمره وفسد مذهبه وصنف كتباً كثيرة أكثرها على الفساد وقد عدد له نحو خمسين كتاباً أغلبه ردود وبها رد على أرسطاطاليس وكتاب في تفسير القرآن وكتاب في النفس. ومحمد بن يعقوب الكليني عدد له النجاشي أربعين كتاباً وقال: صنف الكتاب الكبير المعروف بالكليني يشمى الكافي في عشرين سنة ومات سنة ٣٢٩ سنة تناثر النجوم. ومحمد بن أحمد بن الجنيد المكاتب أبو علي الإسكافي عدد له النجاشي ما يقرب على مائة وثمانين كتاباً كلها دينية فقه وسير وكلام. ومحمد بن بابويه القمي المشتهر بالشيخ الصدوق عدد له النجاشي نحو مائة كتاب. وموسى بن الحسن أبو الحسن الأشعري القمي قال النجاشي: صنف ثلاثين كتاباً عدد منها اثني عشر كتاباً. ومن المؤلفين في هذا القرن إسماعيل الصاحب بن عباد وأبو الفرج الأصفهاني صاحب كتاب الأغاني وهما وإن لم تبلغ تآليف كل منهما الثلاثين فإنها تناهز العشرين فضلاً عن تعدد مجلداتها وغزير فائدتها. ومن المكثرين من التأليف في القرن الخامس علي بن الحسين أبو القاسم السيد المرتضى الشهير فقد عدد له النجاشي أربعين كتاباً ويقال بأن له ثمانين كتاباً وهو صاحب أمالي المرتضى الذي طبع في مصر. ومحمد بن محمد بن النعمان المشهور بالشيخ المفيد عدد له النجاشي نحو مائة وستين كتاباً. أما في القرن السادس فيوجد من الشيعة عدة مؤلفين بيد أنهم غير مكثرين. ومن المكثرين من التأليف في القرن السابع السيد أحمد بن طاووس قال في الروضات وصنف اثنين وثمانين كتاباً في فنون من العلم وعد منها طرفاً صالحاً. والحسن بن المطهر الحلي المشهور بالعلامة عدد له صاحب الروضات سبعين مصنفاً ورأيت على الحواشي بعض مصنفاته بأن له ثلاثمائة مصنف. والسيد علي بن طاووس عدد له صاحب الروضات نقلاً عن كتب كثيرة أكثر من ثلاثين مصنفاً كل كتاب منها عدة مجلدات. ومحمد الخواجة نصير الدين الطوسي الحكيم المعروف عدد له صاحب الروضات نحو ثلاثين كتاباً في فنون مختلفة. ومن المكثرين من التأليف في القرن الثامن محمد بن معية النسابة وهو وإن لم يتجاوز ما عدد له صاحب الروضات خمسة عشر كتاباً فهي تبلغ الستين مجلداً منها كتاب أخبار الأمم فإنه قال صاحب الروضات خرج منه أحد وعشرون مجلداً وكان يقدر إتمامه في مائة مجلد كل مجلد أربعمائة ورقة. ومحمد بن مكي العاملي المعروف بالشهيد الأول فهو وإن لم يذكر صاحب أمل الآمل إلا نحو خمسة عشر كتاباً فمن المشهور أن له تآليف جمة في فنون مختلفة جزيلة الفائدة. ومحمد بن مكرم الأنصاري الإفريقي صاحب كتاب لسان العرب المعجم المعروف له كتب كثيرة ويقال أن مختصراته خمسمائة مجلد. أما في القرن التاسع فلم نعثر على مؤلفين مكثرين بين رجال الشيعة وإن كان يوجد بينهم عدة مؤلفين مقلين. وممن اشتهر في القرن العاشر بكثرة التأليف زيد الدين الشهيد الثاني العاملي ثم الجبعي عدد له تلميذه العودي من المؤلفات المتنوعة ما ينيف عن ستين مؤلفاً. وممن اكثر في التأليف في القرن الحادي عشر سعيد بن هبة الله بن الحسن الراوندي عدد له صاحب الروضات نحو أربعين مصنفاً وبها الكتب التي وقعت في عشر مجلدات. وصدر الدين محمد بن إبراهيم الشيرازي المشتهر بالملا صدرا عدد له صاحب الروضات نحو ثلاثين كتاباً أكثرها في الحكمة الإلهية. ومحمد بن الحسن بن علي بن محمد المعروف بالشيخ الحر العاملي صاحب كتاب الوسائل في الحديث وأمل الآمل فغي علماء جبل عامل في التراجم وقد ترجم نفسه به وعدد مصنفاته كما نقله صاحب الروضات فإذا هي تنيف عن أربعين كتاباص ورسالة. ومن المؤلفين المكثرين في القرن الثاني عشر إسماعيل المازندراني قال صاحب الروضات بعد أن عدد له أربعة عشر كتاباً ورسالة إلى غير ذلك من السائل والمؤلفات الكثيرة التي تبلغ نحو مائة وخمسين مؤلفاً متيناً في فنون شتى من العلوم والحكم والمعارف. ومحمد باقر المشهور بالمجلسي عدد له صاحب الروضات نحو خمسين مؤلفاً عربيا ً وخمسين مؤلفاً فارسياً وبعد الفراغ من تعدادها قال: وعدد أبيات جميع ما ذكر من العربي والفارسي ألف ألف بيت واثنين وأربعمائة لف بيت وسبعمائة وإذا وزعت على أيام عمره التي هي ثلث وسبعون سنة من غير زيادة ولانقصان يكون قسمة كل سنة تسعة عشر ألف بيت ومائتينيوخمسة عشر بيتاً وخمسة عشر حرفاً وهكذا بالترتيب اهـ. والسيد خلف عدد له صاحب الروضات نقلاً عن أمل الآمل وغيره من كتب التراجم نحو ثلاثين مؤلفاً. وسليمان البحراني عدد له صاحب الروضات أمثر من خمسين مؤلفاً أكثرها رسائل. وعبد الله بن جمعة السماهيجي البحراني عدد له صاحب الروضات نقلاً عن بعض إجازاته أكثر من ثلاثين كتاباً ورسالة. والسيد هاشم البحراني عدد له صاحب الروضات أكثر من ثلاثين كتاباً وفيها المجلدات الضخمة. ومن المكثرين في التأليف في القرن الثالث عشر من الشيعة الشيخ أحمد الإحسائي فقد قال صاحب الروضات بعد ما عدد له ثلاثين مؤلفاً إلى تمام مائة رسالة وكتاب. ومحمد الباقر البهبهاني قال صاحب الروضات نقلاً عن صاحب المنتهى له ستون مؤلفاً ثم عدد أكثرها. وملا جعفر الاستربادي عدد له صاحب الروضات نحو أربعين مؤلفاً في علوم مختلفة أكثرها مجلدات ضخمة. وأبو القاسم الميرزا القمي صاحب كتاب القوانين في الأصول عدد له صاحب الروضات عد كتب كلها مجلدات ضخمة وقال وجد بخطه ما يؤدي بأنه كتب ألف رسالة في مسائل مخصوصة من العلوم. ومحمد بن عبد النبي المعروف بميرزا محمد الأخباري نقل صاحب الروضات بأنه كتب كتاباً في الرجال ترجم به نفسه وعدد مؤلفاته وهي ثمانون مؤلفاً في فنون عقلية ونقلية وشهودية وجلها أو كلها مجلدات كبيرة ومنها ما وقع في عدة مجلدات اهـ. مدرسة الاستقلال ذكرت مجلة العلم الاجتماعي أن مدرسة دي روش في فرنسا احتفلت بمرور عشر سنين على تأسيسها فذكر رئيسها في هذه المناسبة ما قامت به المدرسة منذ إنشائها في تربية العقول ونزع حب الاتكال من النفوس وتحبيب الاستقلال إليها قال أن هذه المدرسة أنشأها أديمون ديمولانس (صاحب كتاب سر تقدم الإنكليز والسكسونيين) وغرضها أن تقصد إلى القضاء على الأساليب والعادات المتبعة في المدارس الداخلية الفرنسوية فهي تعاكس الظلم الناشئ من التدريب المبالغ فيه وتقاوم إنهاك القوى في عامة أشكاله وطريقة اتباع الخطط في الدروس ورخاوة التربية الطبيعية وقلة كفاية التربية الصحية وفقدان التربية العملية ونزع الأساليب المتبعة في تربية الأخلاق وتلقين الأديان. وقد ذكرت المجلة أن غاية ما توخته هذه المدرسة أن توفق بين النمو العقلي في الطفل وعنيت أن تبين للأولاد لماذا يعلمون الشيء الفلاني وإن تشوقهم إلى تعلمه لحل المسألة الفلانية بحيث يهتمون بنتائجها وكان ممن تخرجوا في تلك المدرسة منذ سنة ١٩٠٥ أن تقدموا للمسابقة فأحرز قصب السبق منهم ٥٦ من ٦٧ وأبانوا عن كفاءة مدهشة في المواد التي لا تسألهم عنها المدارس مثل الرياضات البدنية واللغات الحية والموسيقى والمعلومات العلمية وتربية الأخلاق. وأحسن ثمرات التعليم الاستقلالي أنه لم يعمد إلى البطالة فرد من المتخرجين على أسلوبه بل أنم ٢٦ منهم دخلوا في التجارة والصرافة وكثيرون قصدوا البلاد الخارجية وثلاثة دخلوا المدارس التجارية و ١١ في الصناعة وقلما يرغب تلامذة هذه المدرسة في التوظف والأعمال الحرة بل يختارون الصناعات العلمية الحرة فلم يدخل منهم حتى الآن سوى واحد في معمعان السياسة وواحد آثر التوظيف. مؤتمر العناصر ومن أول مظاهر الإخاء بين البشر المؤتمر الذي سيعقد في لندرا في شهر تموز ١٩١١ فهو أول مؤتمر عام للعناصر يساعد على تبادل الاحترام بين عناصر الشرق والغرب وستتلى فيه مفكرات غريبة يتلوها أناس من أرقى الرجال من أهل العالمين القديم والحديث وسيكون بينهم خمسة وعشرون رئيساً في مجالس النواب وأربعون أسقفاً ومئة وثلاثون أستاذاً في الحقوق الدولية وغير ذلك سيكون لهذا المؤتمر شأن عظيم في مستقبل العناصر البيضاء وغيرها. استعمار الإسلام قالت مجلة الاقتصاد الدولية إننا قد أيقظنا اليابان والصين من سباتهما وها قد أصبحنا ولاسيما الأميركان منا نعض الأنامل ندماً على ما قدمناه بين يدي تينك الأمتين وقد أخذ المسلمون ينهضون وينتبهون أيضاً بحسب رأي المسيو لشاتليه (المقتبس م ٥ ص ٢٧٦ ) كما يفهم من الأرقام التي أتى بها للدلالة على انتباه المسلمين قال أن الصحف الإسلامية تكون الرأي العام الإسلامي على أن تكون منافع الجمارك والأراضي والغابات والمعادن والنقل والاحتكارات والامتيازات وكل ثمرات الأرض إسلامية خاصة بالمسلمين يقول لسان حالها الإسلام للمسلمين وقد علقت المجلة على ما تقدم بهذه الجملة الغريبة وهاكها بنصها معربة: إننا نعد أنفسنا سعداء إذا اكتفى المؤمنون بهذا ولم يأتوا فيستعمروننا على الطريقة التي عمدنا إليها معهم. ضعاف المدارك نقلت مجلة الاقتصاديين الباريزية عن إحدى المجلات الإنكليزية مبحثاً لأحد أطباء إنكلترا جاء فيه أن بين عامة الناس والبله الثابتة بلاهتهم في بريطانيا العظمى طبقة كبرى ضعيفة في مداركها وهي عالة على أسرها والمجتمع وعددها لا يقل عن خمسين ألفاً قال أن ضعف العقل أرثى وأصحابه يشتد غرامهم ويكثر أولادهم على حين يقل أولاد الأذكياء وبذلك ينتج ضعف الأخلاق والعقل في المجتمع وذلك لأتن ضعاف العقول يأتون بالجرائم والمفاسد أكثر من غيرهم وضعيفات العقل من البنات أقرب بنات جنسهن إلى الإغواء. وقد حسبوا جميع سكان ورخوس فكان خمسهم أو ربعهم ضعاف العقول فالواجب إذن تقوية هذه المدارك الضئيلة والمدارس التي أقيمت لغرض تقوية الضعاف في عقولهم لم تثمر الثمرة المطلوبة لأنه لم ينجح واحد في الخمسين ممن دخلوها لأنها أنشئت على مبدأ مدارس أقوياء العقول أي على طريقة مدرسية صرفة لا شأن فيها للصناعات. قالت المجلة فإن ادعى صاحب هذا الفكر بأن هذا خطر عظيم على المجتمع أجيب بأنه كان منذ كان البشر ولكنه لم يكن محسوساً كما هو الآن لأن الملاجئ والأديار تؤوي أمثال هؤلاء وكانوا من قبل مشتتين فالخطر وإن كان واقعياً إلا أنه ليس بالدرجة التي يظنها الطبيب المشار إليه نعم إن الأولاد كلهم يصاغون صياغة واحدة من سن السادسة إلى الثانية عشرة بمعنى أنهم يتعلمون القراءة والكتابة وما تعلم القراءة والكتابة بالأمر السهل كما يظهر بل هو من شاق الأعمال التي لا نقدرها حق قدرها فإن المستخدم إحدى المكاتب يملي ثلاثين كلمة في الدقيقة أي ما يعادل طول خمسة أمتار فتكون هذه الخطوط ثلثمائة متر في الساعة أو ألف كيلو متر في ثلثمائة يوم من أيم السنة وهي أيام العمل. ولأجل كتابة ١٣٠ كلمة يدور رأس القلم ٤٨٠ دورة في الدقيقة و ٢٨.٨٠٠ دورة في الساعة دع عنك ما يتبع ذلك من التعاريج مما لا يقل طوله كله عن مئة ألف كيلومتر في السنة ولولا العادة ما سهلت الكتابة وخففت من تعب الأعصاب وهذا هو العمل الذي يقضي على الأولاد أن يعملوه فهل يستغرب إذا رأينا بعضهم ينوؤن بهذا العبء الثقيل وأن ما يطلبه الطبيب لضعاف العقول من تعليمهم الصناعات هو أحق به أن يطلب لجميع المتعلمين إذا أردنا أن يكون لهم عقل سليم فقي جسم سليم. تربية الحس كتب بول غوتليه من علماء التربية في فرنسا مقالة في نقص تربية الحس في مجلة التربية جاء فيها: لا أرى في التربية أكثر إهمالاً في العادة من تربية الحس فإنه متروك وشأنه ينمو كما يشاء وعلى النحو الذي يشاء فيأخذ بالاتفاق ذات اليمين أو ذات الشمال في المدرسة والأشرة وترى الآباء والأمهات والمعلمين والمعلمات يعنون بما في جهدهم بتلقين العلوم ولا يلتفتون إلى تربية القلب في حين أن الحس أصل القوى كلها ومبدأ كل حياة ولا أثر للذكاء والإرادة بدونه على ما أبان ذلك الفلاسفة المحدثون أمثال ريبو وفوليه وبرجسون. فالفكر الذي لا يقتبس من حرارته عار عن القوة. فبه تعرف مطويات الضمائر وعناوين الأمزجة وغاية الجهد بل هو الصورة لما في الأفراد من مزايا الإبداع. قال روسكين (من علماءؤ الاجتماع الإنكليز): إننا نشكو من قلة الحس أكثر من كثرته فقلته أدت ببعض الأرواح إلى الابتذال فمن آثار قلته عادات وأعمال تخالف الإنسانية لا خوف يزعجها ولا فرح ولا شرف ولا تقوى يهزها فإذا تثاقلت يد المرء في تعاطي العمل وجف قلبه وساءت عاداته وجمد فؤاده يصبح مبتذلاً على قلة عواطفه وسرعة ذكائه وجودة مأتاه ومنزعه فالعقل لا يعرف غير الحق فهو الإنسانية الربانية تستحكم من القلوب فتدرك الإلهيات وصالح الأعمال. فالحس يقرب بين الشخصيات ويسيطر على العواطف فيجمع الناس في أفراجهم ويشكرهم بعضهم مع بعض في أتراحهم بل هو السلسلة التي تربط كلاً منا بالعالم كله فهو الموزع الجوهري بين الشخصيات. والأفكار والأعمال نتيجة لازمة عنه وهو كذلك الصلات بين الأفكار. إذا نقص فلا شيء يحدو نحو الوكمال بل أن الكمال يفقد جملة ويجف معين العلم والصناعات والفضائل ويتعذر العلو وتفقد العشرة وتنحل ربط الاجتماع فلا إحساس ولا شفقة. إذا فقد الحس تضعف الإرادة ويبقى العلم ظلاً زائلاً ويفنى الذكاء. ولطالما رأينا علماء وهم مغفلون لو استقرت أحوالهم تجد لا فرق بينهم وبين حمر الخلائق لأن العلم لم يرق فيه الحس الرقيق الذي يمكنهم من معرفة ما لا يقع مباشرة تحت حواسهم وهو قلما يتعلم كتاب فالحس من ثم هو الحد الفاصل بين أن يجعل الرجل في كبار الرجال أو في طبقة ضعاف المغفلين. وإذا حيد باستعداد الطفل عن الجادة منذ صغره لا يلبث أن يكون استعداده مبعث كثير من المفاسد وأصل جم من الخطايا يرسل بأحسن ما فيه عن مائية إلى الأغصان الشرهة الطفيلية فتهولك الأغصان النافعة وتقوى دواعي الهوى والشهوات فقد قال بول بورجه: تكاد تكون معظم الأمراض العصبية ناشئة من اضطراب العشق ومبدأ كل هذا الاضطراب من رداءة التدبير الصحي الأخلاقي زمان البلوغ فمن الحس تنشأ المطالب العالية والمطالب الدنيئة وهذه القوة أو هذا الأساس في كل قوة شواءٌ كان في الخير أو في الشر ينبغي أن لا يترك وشأنه في الولد على حين هو لدن رخيص إلى الغاية فإذا هب على ما يجب يكون منه أبطال وقديسون وإلا فلا أقل من أهل حشمة ووقار. وأكثر ما يكون مربياً للحس بيت العائلة والتربية الأصلية هي التي تجعل الولد على استقامة لا ينالها من تربية أخرى وفي حب الوالدة ولدها معنى من معاني الظرف تصحب المرء إلى قبره ولكم كانت عناية الأم أكبر مخرج للرجال الأعاظم حتى قالت العقيلة نيكر دي سوسور إن الحنان هو الحرارة الضرورية لتنمية الجراثيم السعيدة. والمدارس الداخلية مضرة وهي لصغار السن جريمة ويتضرر البنات وهن سيصبحن ملائكة البيت بدخولهن المدارس الداخلية إذ يبتعدن عن الأسرة بل عن العالم ويفطم الولد من الحب ولا يعرف غير جفاء النظام والعذاب والمجرد وقلة مبالاة الإدارة بأمره. يتعذب وما من أحد يعنى به عناية حقيقية أو يعرف ذوقه وميوله ولا يجد حوله من يبوح إليه بذات نفسه فهو وحيد محروم من الهواء وإحساسه يذبل إذا لم نقل يفسد ولذلك كانت المدارس الداخلية في فرنسا لا تخلو من مفاسد تلحق الأخلاق. وقد انتبه الإنكليز لذلك فلم يعودوا يرسلون بناتهم إلى المدارس الداخلية بل يجعلونهن في بيوت معلماتهن على أخلاقهن وينجون من إدارة تسير على هواها كإدارة الحبس فأفضل اختيار البيت لتربية الأولاد فيه فليس كالأسرة التي يخرجنا منها وازع يحف طفولتنا بعنايته ويعلمنا الظرف واللطف والطهارة التي كتب فيها رينان الفيلسوف يقول: أينم يتعلم الطفل أو الفتى الطهر وصفاء السريرة اللذين هما أساس كل أدب راسخ ويدرك زهرة العواطف التي تكون ذات يوم بهجة للمرء ودقة الفكر التي هي ذات أشكال لا تدرك بالتصور؟ أيتعلمها في الكتب وفي الدروس التي تلقى على مسامعه فيصغي إليها أو في رسائل يستظهرها؟ كلا إنه لا تعلمها في شيءٍ من ذلك بل يتعلم في الهواء الذي يعيش فيه والمحيط الاجتماعي الذي يصير إليه يتعلمها بحياته في أسرته ليس إلا. . فالحنان الآخذ بعنان الأسرة بما فيه من الانتباه والحب هو الذي يربي حسن الطفل من نفسه بعيداً عن قلة الاهتمام والعدوى والحسد بعيداً منذ نعومة أظفاره عما يعبث به. ويجب أن لا يدفع الأولاد للخدامين والخدامات فإنهم يفسدونهم بضعف عقولهم وقلة عنايتهم حتى أن ولداً في الثالثة عشرة أصبح أبله بصنع خادمة ارادت تسكيته فوضعته في غرفة وأقفلت عليه الباب بضع دقائق حتى إذا فتحت الغرفة وجدته متخشباً وقد عولج الولد فشفي إلا أنه بقي أبله طوال حياته. فصح فينا ما قاله بلوتارك في القديم: من الغريب أننا نرى الواحد منا يستخدم خادماً له في حرث أرضه وآخر لتنظيم داره وغيره لإدارة نفقته فإذا كان له خادم سكير لا يستطيع عملاً يعهد إليه بتربية ولده ونحن كم عندنا من معلم ومعلمة خانهم الدهر فعمدوا إلى اتخاذ التعليم حرفة وهم ليسوا على شيءٍ من الأخلاق التي تطلب منهم لتربية خلق المتعلم فيرث الأولاد عنهم نقائصهم وأحياناً مفاسدهم بل يقتبسون دناءة النفس فيتجردون عن المطالب العالية النضيحة قبل أن يبلغوا السن اللازمة. ولذلك وجب على الوالدين أنم لا يتخلوا لأحد عن ملاحظة أولادهم ففي الطفولية يتولون ذلك بأنفسهم وأثناء الدراسة يشرفون إشرافاً عليهم ولا يدفعونهم إلا لمعلمين أكفاء على أن دلال الولد وملاطفته على الدوام قلما تنشئ رجالاً أو نساء أحرياء بالاعتبار لأن رخاوة الحس على هذه الصورة تبعد بالولد عن تحمل المكاره والإفراط بالعناية به تعده إلى أن لا يتوقع إلا الدلال فالشاب يتطلب من الزوجة رفيقة لا أماً والشابة تنتظر أن تكون لعبة لا ملكاً. وهذه العيوب تلحق الولد الوحيد في الغالب لأن والديه يبالغان في دلاله. وأضر ما يكون على طفل الإغراق في قضاء رغائبه وإعطاؤه من اللعب ما لا تشتد حاجته إليه بل أن يكون من شأنه أن يعوده على الإسراف والبذخ وخير من ذلك أن يعود الولد الحرمان والتقشف لأن الشدة القليلة في التربية تدعو المربى إلى الشجاعة. وعرف الإسبارطيون ذلك حق المعرفة وهذا هو السبب في أن الإنكليز مازالوا محافظين على أنواع الرياضات العنيفة وضرب السياط في المدرسة. لا جرم أن ذلك يمنع رقة القلب الكاذبة ويبعد من التأنث مما هو من العيوب حتى في النساء. وينبغي أن لا نكتم شيئاً عن الأولاد يطلبون السؤال عنه وإذا كان ثمة ما لا يسوغ لهم إبداؤه نعدهم بأن نفصح عنه بعد حين فالجهل فيها ليس من الخير في شيءٍ لأنم الجهل خطر كل حين وقد كتب المسيو نيكولاي يقول: إن الأخلاق عبارة عن تعلم مجاهدة الشر لا أن يعقد الأمل الخيالي بأن يكبر الولد في سذاجة تامة في حين هو يعيش في العواء الفاسد الذي نستنشقه. فلتربية الحس القوي الذي يقاوم الصدمات يجب أن نجعلها تمس الحياة عند بداءة ظهورها والمدرسة مفيدة في هذا الباب لأن الأخلاق تتحاك فيها ولا بأس بأن يغادر الولد البيت ويسيح في الخارج فإن ذلك مما يقوي فيه الإرادة ويشد عزمه على العيش في لهواء الطلق في هذه الحياة. يجب أن يكون للحس نظام فقد كان علماء التربية حتى الآن يعتبرون الصناعات واسطة للتسلية لا نتيجة لها أو ألاعيب الصبيان وهي في الحقيقة أحسن تعويذة لأن في مكنتها أن تجعل أبداً في الإحساس مساوقة ونظاماً وتحيله إلى أجب غض إذا صح أن الاعتدال هو القصد لا في المأكل والمشرب بل في الفكر والعواطف هو أساس كل فضيلة فقد قال روسكين: إنم معرفة الجميل هو الطريق الحقيقي بل هو الدرجة الأولى لمعرفة حقيقة الأشياء الجميلة فإن الحياة والسرور بالجمال في عالم المادة هما من القسم الدائمة المقدسة في أعمال الخالق كما الفضيلة في عالم الأفكار. فمن الواجب كل الوجوب أن يجعل شعور الطفل منذ نعومة أظفاره يحتك بالجمال بوجه عام والفنون بوجه خاص وذلك لا في كتب يدرسها بل فيما يحيط به يحف حوله وأن يوقى النظر إلى البشع كما يوقى النظر إلى ما ينافي الأدب. يجب ألا ينشأ الطفل ويتطلع حواليه إلا ويجد الجمال في المسكن والجمال في المناظر فمن سيئات التمدن الحديث إن حرم أبناءه السكنى في بيوت وسط الغابات والأشجار وجعل مساكنهم متصلة بعضها ببعض بحيث لا تفتح النافذة إلا لترى واجهة البناء المحاذي لك ولا يفتح الطفل عينيه إلا ما على هو منحط وبشع على حين يسهل أن نزين مسكننا فليس الجمال هو البذخ بل إن النظافة النظام المدقق وانتقاء الأثاث والزهور وبعض النفائس والأعلاق في البيت تكفي في حمل الجمال إلى مسكننا ولأن تفتح لحياتنا اليومية على الدوام باباً يطل على عالم الخيال. والواجب أن يعنى بلباس الطفل على ما ينبغي على أسلوب لا ينافي الاقتصاد ولا الظرف. نحن لا نقول كما يقول الفيلسوف كارلايل أن اللباس يوجد النفس الإنسانية بل نقول بأنه يرتبها وينظمها. وعليه فالأحسن أن ينظر أيضاً في اختيار اللعب للطفل حتى لا يكون ممن تتقزز له النفس والأولى أن يعهد بصنع ألعاب الأطفال إلى أناس من أرباب الذوق والتفنن على ما كانت عليه الحال في القرن السابع عشر والثامن عشر. ويجب ألا تحرم المدرسة من مظاهر الجمال لأن الطفل يقضي فيها شطراً مهماً من أوقاته وغذ كان معظم الوالدين لا يستطيعون أن يجعلوا لأولادهم بيوتاً في الخلاء فالأجدر بالمدارس الثانوية أن تقيم مدارسها في الضواحي ليتيسر للأولاد أن يعودوا في المساء ليبيتوا في دور آبائهم. فقد كتب روسو أن البشر لم يخلقوا ليتجمعوا كما يتجمع النمل في القرية بل لينتشروا في الأرض التي يحرثونها فنفس الإنسان قتال لإخوانه. وهذه الحقيقة لا مجاز والمدن هوة الجنس البشري فعليك أن تبعث بالأولاد يجددون حياتهم بأنفسهم وينشطون قواهم وسط الحقول ويستعيضون عن تلك القوى التي يضيعونها في الهواء القذر من الأماكن المأهولة كثيراً. وهكذا يجب أن تكون المدارس الابتدائية في القرى والمدن في أماكن يتخللها الهواء والنور وأن يستعاض عن الدهان التي تطلى بها جداران المدارس بالسواد عادة بألوان زاهية تزيل الوحشة عن قلب الطفل فيستفيد من ذلك عقله وقلبه. وأحر بأن تكون جدران المدرسة مزينة بمجاميع نفيسة ومفروشة حجرها أحسن فرش بحيث يكون الجمال عن إيمان الطفل وشماله وقدامه ووراءه ومن أجل هذا اختار بعض علماء التربية أن يربى الأطفال في حدائق خاصة بهم لينشئوا على التأمل في الكون والنظر في أسراره وبدائعه فالسماء تتعلم بالنظر فيها ولكنها لا تفيدنا بقدر ما نتعلم من الصغر والتأمل في عظمتها. يقتضي أن يطلع الطفل منذ صغره على إبداع ما نقشه النقاشون وصاغه الصائغون وبناه البناءون وأن نبتعد عن تدريسه تاريخ الصناعة لأنهم لا يفهم منه شيئاً فيدخل الملل إلى قلبه بل الأولى أن نشرح له الجمال فقط ونشعره بوجوده. فعلم الطفل أن يكون هو متفنناً ى أن يكون كما قال روسكين أكثر خجلاً إذا لم يحسن الغناء مما إذا كان لا يعرف القراءة والكتابة لأنه من الممكن كل الإمكان أن يعيش المرء عيشة سعيدة ظريفة بدون كتب ولا حبر ولكن قلما يتأتى أن لا تميل النفس إلى الغناء إذا كان في يوم سعده. ولقد رأى اليونان هذا الرأي فكانوا يزعمون بأن تعليم الطفل الغناء يمدونه طول حياته بزاد ثمين من الحكمة والسرور دع عنك أن الغناء بالاشتراك مع الأصحاب هو آكد الطرق إلى تعلم التضامن. ثمك أنه من النافع تعويد الطفل أن يرسم بقلم الرصاص أو المنقش الأشكال والألوان الطبيعية فيتعلم بها الممارسة اللازمة للصناعات النفيسة ويعتاد النظام والتدقيق الذي يقود عواطفه بالطبع إلى التنسيق والذوق فإذا ربى الحس على هذا الطرز يستعد للتخلق بالفضائل بتقوية الإرادة وبدونها لا يتأتى قيام شيءٍ في عالم الفضيلة لأن الإرادة لا توجد الميول والرغائب تتخير منها وهذا الميل ناشئٌ مثل كثير من الميول عن الحس الذي يعمل كل العمل فمن اللازم اللازب تقوية ميول الطفل الحسنة بتثقيف إرادته بدون أن يشعر. القدوة هي المربية في هذا الباب فهي تسلط على الرجال فما أجدرها أن تكون كذلك للأولاد يسيرون في أعمالهم بسيرتها وينهجون على الدهر نهجها فقد ذكروا أن فتاة أخذت في الشهر الخامس عشر من عمرها تقلد أباها في تقطيب حاجبه وتعتاد عادته في الغضب ولهجته في رفع صوته ثم تعلمت ألفاه في قلة الصبر والغضب وهكذا أصبحت تردد أفعال أبيها كلها بعد السنة الثالثة. وقانون القدوة الذي هو عمل من أعمال الاقتداء والمحيط يعمل عمله في الحس كما يعمل في الذكاء فقد قال مونتسكيو: من العادة أن يعلم الأب أولاده ما يعلم كما أن من العادة أن يورثهم شهواته. . ولذا كان على الوالدين أن يراقبوا أنفسهم في كل ما يصدر عنهما بين أسرتهما وأمام أولادهما ويبتعدا عن كل ما شأنه أن يحدث في الولد تأثيراً سيئاً فيلا الأفعال والأقوال ونرى الناس لا يبالون أن يأتوا أمام الطفل ما يفسد أفعاله ومقاله ويعلمه الفاسد كلها قبل أن يعرف ماهيتها. فالغضب وكلمات الكبر والعجب واللذات الشهوانية والوقيعة والكذب تعرض كل يوم أمام عيني الطفل وأذنيه فتشوه حسه وتفسد نفسه ويعتذر الأبوان بأن ابنهما لا يأتيان أمامه وهو يدرك العيوب التي تتمثل أمامه على هذه الصورة ويتوهم بأن الواجب يقضي بذلك ويوشك أن يسوء نظره على الدهر. ويا سعد من لم يره أبواه لأنه في الأكثر يدللانه دلالاً يفسده فلا ينتهرانه لتربية نفسه خوفاً من بكاءه أو أن يفقدوا ابتسامة مؤقتة فتسوء تربية الطفل والطفلة بصنع أبويهما وإنالتهما كل رغائبهما وماذا يظنه الولد في نفسه متى رأى حواليه أناساً على أهبة تامة لسماع ما يقوله والإعجاب به وتدليله واستحسان كل ما يصدر من فمه أو يصفقون تصفيق السرور لكل ما يقوله مما يخالف الأدب. فلو كان رجلاً لما وسع عقله كل هذا التصفيق والاستحسان فما بالكح به وهو طفل. ومن النسا من يسيرون على عكس هذه الخطة فيناكدون الطفل في أقواله وأفعاله ويغضبونه في عامة أحواله ويعلمونه الحسد بما يستعملونه معه من ضروب التهديد الشديد الدائم الذي يروقهم تكراره وهذا من مفاسد التربية أيضاً. فعلى الوالدين أن يباعدا عن الطفل ما يرتكبه من المضرات في تربيته فلا يشتدان عليه ولا يرخيان له العنان بل تكون تربيتهما إلى القصد فلا يمنعانه من لذائذه بكل ما يطلب ويجيبانه من رغائبه إلى كل ما يشتهي فقد قيل من يحب كثيراً يعاقب كثيراً فتأنيب الطفل من أهم فروض الوالدين وأكبر مظهر من مظاهر عنايتهما. والأولاد كالأمم يعزون الصرامة ولا يحبون إلا ما يحترمون. كل هذا بدون أن يخلو ساعة من سرور ابنهما حتى يعيش ويكون تجليه سروراً طوال حياته. قلنا أن الوالدين ينبغي أن يكونا خير قدوة لابنهما فهو لا يتأثر بالفضيلة إلا إذا رآها بالفعل مائلة أمامه منذ نعومة أظفاره وكم من الناس لا يتطالون إلى هذه الغاية لأنهم عاشوا في وسط غير متمدن ومنهم من يحفظون حطة نفس ينم علبيها تبذل أخلاقهم ومعلوم أن لهذه تأثير في القلب وهكذا الحال في كل الفضائل فإذا شاهدها الطفل اليوم بعد الآخر يتشربها وتطمح نفسه إلى أن يأتيها بذاته. فمن أبوين حرين ينشا طفل مخلص ومن أب محتشم يكون الولد عفيفاً ومن أسرة طاهرة يخلق الولد تقياً نقياًَ. فالعدوى في هذا الباب أشد فعلاً في الطفل من قانون الوراثة وإن للحركات والسكنات أفعالاً في خلقة الطفل وخلقته ولذلك وجب أن تصدر عن النفس دائمة لا متقطعة. وكما يقضى على الأبوين أن يكونا خيبر قدوة لابنهما يجب عليهما أن يبذرا في نفسه البذور الصالحة وذلك بأن ينميا فيه حب الذات أو الإعجاب بأحسن ما فيه فليس أحسن في التربية من أن يشعر المربى من نفسه بخجل عما أتاه فليس الأولى البعد عن مكافحة حب الذات بل المناسب تنميته على النحو اللائق وتسييره إلى وجه الكمال فمن دواعي التربية وضع الثقة في نفس من تربيه فالأديان تدعو منتحليها إلى الإيمان فمن الضروري كما يقول بعض علماء الأخلاق أن يؤمن المرء بقوته الخاصة بمعزل عن معونة خارجية فأقل شك يطرأ علينا يبتلينا بالعقم وينضب مادتنا ويحول دون انبجاس إرادتنا القوية. وكما تحافظ على حرمة الولد عليك أن تربيه على حرمة غيره وأن تعرفه بها بأن تضرب على العرق الحساس فيه إذا أحببت أن تلقنه معنى الإحساس فأعرض عليه مصائب الناس وقارنها بما يشعر به من هذا القبيل. وبغلط الوالدان اللذان يخفيان عن ابنهما شقاءهما كأنه رذيلة من الرذائل مع أن الفقر أحسن مدرسة لتعليم الطفل الذي ولد في الرفاهية حتى لا يعتبرها بأنها واجبة أو مضمونة وتنبه فيه الشعور بالشفقة. فمن النافع أن يعرف منذ طفوليته أن من الناس من خانهم سوء الطالع ليعتاد التحنن عليهم والإسراع إلى إغاثتهم. وتحتاج في تربية الحس ليأتي بثمرات جنية إلى أن توقد جذوته بالتحميس ليعمل الأعمال العظيمة فالواجب أن يلقن الطفل بين العاشرة والحادية عشرة من سنة الولوع بغاية سامية أرقى مما يقع تحت نظره كل يوم وبذلك تتغذى روحه وينتفع بما لديه من القوى والمواد. وخير ما ينفع في هذا الشأن النظر في أنواع التعليم كالعلوم وتاريخ الفنون والآداب فالتعليم أعظم مهماز يربي ميول الطفل ويعده لأن يكون من كبار الرجال ويربأ به عن الانغماس في حمأة المصالح المبتذلة. فالتعليم لا يقوم بوظيفته إذا لم يكن فيه ما يوسع معارفنا بل يوقد شعلتها بتوجيهها نحو الحق والجمال والخير وأساس ذلك التحمس في الإنسان. ولا يكتفى في تاريخ تعلم الصناعات والآداب بعرضها وتحليلها بل الواجب أن يعلمها الطفل في اللوحات وإليها كل والمصانع والشعر والقصص والخطب فهي لا تأخذ مكاناً من قلبه ويتحمس بها إلا بذلك. يعرض عليه ذلك بالعمل ويشرحه للمعلم فالتعليم الأدبي والصناعي مهما بلغ من غنائه لا يتيسر تلقينه بدون قطع تشرح السر فيه كالتشريح لا يستفيد منه المتعلم إذا لم يكن أمامه جثة. فعلينا أن نبتعد عن التحليلات التي لا مستند لها من الحقيقة لأنها بقطع النظر عما فيها من الضرر اللاحق بالذهن تعود المرء على العمل بالفارغ وهي خالية من تأثير في الحس فمن واجب الأستاذ أن يطلع تلميذه على مقاصد المؤلفين ويشرح لهم عواطفهم على صورة تتمثل فيها الحياة والشعور وتبعث في روحه احتذاء مثالهم وبذلك لا يكون من تعليم الفنون والآداب فتح السبل التي يفيض منها حس المتعلم بل إن حسه إذا تجمع على هذا النحو تزيد قوته وصفاؤه وتنبع منه ينابيع لا تجف طوال الحياة. يقول بعضهم أن التربية العلمية الصرفة تجعل الذوق قاحلاً ولطكن ربما كان العلم يتطلب قوة في التحمس كما تتطلب الفنون والآداب من الصانع والكاتب فالبحث عن الحقيقة يستدعي إخلاصاً شديداً كالنظر في الجمال. والمرء كما يقول باسكال اقل سكراً باستحصال تركيب الطبيعة وما فيه من اللانهاية منه في إيجاد شيءٍ من تصوره. فالذين يصرفون حياتهم في البحث ليسوا أقل قوة ممن يخترعون أفكاراً من نفوسهم. قال كلود برنارد: إن الرغبة الشديدة في المعرفة هي الباعث الوحيد الذي يجذب الباحث ويعضده في أعماله وهذه المعرفة هي التي يمسكها فتفر أمامه على الدوام وتكون في الوقت نفسه عذابه الوحيد وسعادته الوحيدة فمن لا يعرف كيف يقاسي المرء العذاب من أجل الحصول على مجهول لا يعرف الأفراح التي تصيبه عند اكتشاف الجديد وهي أفراح لا يدانيها شيءٌ في العالم للحقيقة كما للجمال بهاءٌ وجلال ولذلك كم فائدة تكون للحس ولارتقاء العلوم في المستقبل أن يكشف عنها القناع أمام أعين من يعلمهم إلا أنه يجب لإشراك التلامذة في البحث أن تكرر لهم تلك الحقائق ويطلب منهم أن يبحثوا بأنفسهم وأن يوفر لهم قسطهم من السرور باكتشافها فيطلعون على مقدمات العلوم والاكتشافات العظيمة ويشوقهم إلى احتذاء مثال من جاهدوا جهاد الأبطال امام قوى الطبيعة حتى تبطنوا أسرارها فإذا حمى وطيس البحث ينشأ فيهم حب الغاية المنشودة كما أن من يبدأ باللعب ويكون ضعيفاًُ لأول أمره لا يلبث أن تنبعث له همته ويزيد لبلوغ الغاية غرامه. وهذا يستدعي لتعليم الاداب أنم يجعل التلميذ مع اتصال بالحقيقة والطبيعة التي هي ميدان درس العالم بدلاً من حصره في مآزق تبعث نفسه على المقس والتأفف في حين كان يجب أن تذكي فيها شعلة حب العلم فقد قال الفيلسوف رنان: إننا نشبه بالقديسين والأبطال وكبار الرجال في كل عصر وجيل أهل الأخلاق العلمية الذين وقفوا أنفسهم خاصة للبحث عن الحقيقة غير مبالين بالملل بل ربما فاخروا بفقرهم وبسموا لما يقدم إليهم من التكريم وتساوى في نظرهم المدح والقدح وهم على ثقة فيما يعملون سعداء لأن لهم الحقيقة ولا سبيل إلى نشر ما تعبت به عقول نوابغ الأرض في العلم والآداب والصناعات إلا على أيدي أساتذة جهابذة وبغير ذلك لا يرتقي الحس. والتعليم الديني نافع جداً في تربية الحس فقد قال جبرائيل كومبايري: باعد عن الجنس البشري الاعتقاد بعالم أخروي أرقى مما هو فيه فإنك تسلبه بطبيعة الحال جزءاً من القوى اللازمة للتخلق بالفضيلة فإذا لم يكن هذا العالم إلا خلاءً واسعاً يضيع فيه صوت الإنسانية في الفراغ بدون أدنى قوة عاملة تضمن للعدل نصرة أبدية فالإنسانية معرضة للسقوط في حياة سافلة لاستهوائها وافتتانها بالمفاسد وما يتسرب إليها من مغريات الملاذ المادية وسواء علم الناس التعليم الديني أو لم يعلموه فمن الثابت أن الخرافات تقوى بضعف الأديان ولقلة العناية يفسد الدين ولكنه لا يضمحل فالواجب تلقين الطفل لباب الدين لا الحشو ولا اللغو ليشب على المعقول والتشبث بأذيال الجوهر بعيداً عن التعصب وصغر العقل فقد قال فكتور هوغو: إن ما يخفف الألم ويغرس التقوى والقوة والعقل والصبر والطهر والحرية في الإنسان هو أن ينظر على الدوام على عالم أحسن مما هو فيه يلمع من خلال ظلمات هذه الحياة.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_56.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.56.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
