<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.55.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.55.TEIP5:</urn>
<passage>ظلامات عصر الظلمات كل منن ألقى نظرة إجمالية على تاريخ القرون الوسطى والقرون الحديثة في هذه البلاد يوقن بأن القرون الأخيرة أي القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر والثالث عشر كانت أشقى العصور على هذه البلاد لا حكم فيها إلا للقوة لا عدل يحييها ولا علم ينهضها وخصوصاً في الأيام التي سادت فيها حكومة الاقطاعات وساد معها جيش الإنكشارية (يكى جري) أو العسكر الجديد فكل ما تراه عينك في دمشق مثلاً من بيوت ضيقة متلاصقة وأرتجة واطئة وأحياء لا منفذ لها وقصور ومدارس في الضواحي خربة إنما نشأ من اعتداء هذا الجيش على أفراد الرعية المسكينة وما نجا من أيديهم يتناوله الظلمة من الحكام ويصادرونه ويستصفونه هنيئاً مريئاً لا وازع يزع ولا إدارة منظمة: أحكام في الدمار مسمطة وقواعد في السياسة معسلطة وآراء في جلب المصالح ودرء المفاسد مخلطة مغلطة. ولقد وقع غلينا مخطوط نافع أورد فيه مؤلفه بالعرض في جملة قصائده بعض ما شاهد في عصره من الكوائن فأحببنا نقلها إلى هذا المعنى دلالة على القضية التي قررناها آنفاً ولتكون متممة لتاريخ هذه الحاضرة. وهاك ما ورد في هذا المعنى بمناسبة مدحه لأحد حواشي سليمان باشا ابن المعظم (والي الشام إذ ذاك) قال: واتفق لهذا الممدوح قصة من غرائب القصص وهي أنه سعى في خلاص جماعة من أهل حيه وغيرهم من القتل وفداهم بنفسه ودافع عنهم عند والي الشام بما استطاع وسلموا من الهلاك بسبب مدافعته عنهم وفر قوم من دمشق خوفاً من واليها وأوقع الوالي القتل والنهب بقوم آخرين ظفر بهم في دمشق ثم أن الوالي خرج من دمشق أميراً بقافلة الحج وخرج معه هذا المذكور حاجاً ومؤدياً ما عليه من خدمة السلطان في طريق الحج فلما وصل الأمير والحاج إلى المزيريب رجع أولئك النفر الذين فروا من الوالي بعد أن أرسلوا مكاتبة إلى جيران هذا الذي سعى في خلاص أكثرهم من القتل تشتمل تلك المكاتبة على أنهم في ليلة كذا يرجعون ويدخلون دمشق بقصد انتهاب دار هذا المذكور وقتل من يظفرون به من أهاليه وقراباته فأجابهم كل من كاتبوه بذلك بالسمع والطاعة وأنهم سيكونون لهم عضداً وعوناً على ما يبيتوا عليه وأرادوه من السوء بهذا الأمر الذي عزموا على فعله فلما كانت الليلة الموعودة دخل أولئك النفر الفارون دمشق ومعهم نفر من النصارى والدروز والأشقياء أعداء الدين والمسلمين ولما وصلوا إلى القرب من الدار المقصودة بالسوء تلقاهم الناس بالترحيب وتحزب معهم غالب الناس من أهالي ذلك المحل حتى بلغوا العدد الكثير فلما قربوا من الحي ترفع أهله في منازلهم وفر من كان في الدار المقصودة من كبير وصغير طالبين للنجاة بأنفسهم فلما وصل أولئك النفر المغضوب (عليهم) ومن معهم من المنافقين الذين انضموا إليهم كسروا الأبواب وهجموا على الدار وانتبهوا وضربوا وأفسدوا إفساداً ما سمع بمثله وأصبحوا ماكثين في دمشق لا يهابون أحداً فخرج إليهم نائب الوالي والأعيان والموالي فتلقوهم بالحرب والضرب وقتل جماعة وجرح آخرون ورجع النائب ومن معه منهزمين ومكث أولئك النفر الأشقياء بدمشق ريثما بلغوا إربهم من سلب واغتصاب وتهكم وتحكم لا يردهم عن ذلك أحد ولا يهابون أحداً. . . . . قال: ولقد حقق الله تعالى جميع نما نطقت به هذه القصيدة من الظفر بأولئك النفر المفسدين والطافة المعتدين المارقين من الدين على يد والٍ آخر غير ذلك الوالي المذكور في ترجمة هذه القصة قد عينه السلطان وولاه دمشق لأجلهم بسبب فتنة أضرموا في الشام نارها وأثاروا غبارها وأفسدوا إفساداً فظيعاً فقتلوا وخربوا واستلبوا وانتهبوا وأحرقوا الدور والأماكن وحركوا من الشرور كل ساكن وتجاهروا بالفواحش وارتكبوا كل أمر مخالف للدين فاحش وأعلنوا الفطر في شهر رمضان على رؤوس الأشهاد وتعطلت الأسواق والمعاملات بسببهم في دمشق قريباً من سنة لا تقام جميع ولا يسمع أذان ولا يفتح جامع ولا يمكن أحد أن يخرج من منزله لحاجة ولا لغيرها لفسادهم وإفسادهم وتعديهم على الخاص والعام وإنما كان سبب تمكنهم من ذلك عدم وال في الشام فإن واليها كان قد خرج منها إلى الحج أميراً ففي رجوعه من الحج عارضه العربان في أثناء الطريق ففر منهزماً بعد أن أعجزوه وانتهبوا قافلة الحاج بأسرها بعد ن كانوا انتهبوا جردة الحاج وقتلوا من الجردة والحاج الجم الغفير. . . فهذا كان سبب تمكنهم من إقامة الشرور والفتن فجاءهم بعد ذلك هذا الوالي المذكور ثانياً وقتل منهم من قدر عليه وفر منهم من فر منهزماً وسلب دورهم ومتاعهم وأثاثهم ووجه أخبارهم وتركهم أذل من اليهود وأحقر من الذباب وأوهن من الكلاب ولحق دمشق وأهلها من ذلك الوالي وحاشيته وجنده أسوأ السوء بسبب قيامهم على أولئك الأشقياء وانتهبت غالب المنازل في دمشق وقتل خلق كثير من البراء وتوطن هذا الجند الكثير من دور الناس وأخرجوا أهلها منها عنفاً وجبراً وقسراً وظهر من أباع الوالي ما أنسى أهل دمشق ما كانوا فيه من الضنك والشدة قبل قدوم هذا الجند إليهم. . . وأعقب مجيء هذا الوالي إلى دمشق في دمشق ضيق وشدائد وشرور وظلم وجور وعسف وتعد واحتقار لأهل دمشق من شدة فظاظتهم وغلظتهم وكان فيهم من النصارى والرافضة ما لا يحصى عدده وختم ذلك بزلزال في دمشق ونواحيها ورجفات زعزعت الجبال وردمت الدور في غالب الأماكن وهدمت كثيراً من المساجد والمعابد والمنارات وعند كتابتي لهذا المحل كانت مكثت في دمشق خمسة وأربعين يوماً وقتل إذ ذاك تحت الردم خلق كثير وخرج غالب الناس من منازلهم وتركوها خالية وتوطنوا البساتين والجبانات. وقال في مكان آخر: قد تقدم في هذا الديوان ذكر بعض ما وقع في دمشق من الفتن والمحن والشرور والغلاء والظلم وغير ذلك مما مر وتقدم وكل ذلك قبل تاريخ سنة ألف ومائة وسبعين وها أنا أذكر ما وقع واتفق لدمشق وأهلها في سنة سبعين وما بعدها من العظائم والحوب والأزمات والزلازل والرجفات وما تأتى من ذلك من خراب الدور والمنارات والجوامع وما كان في تلك الأيام من ظلم وجور وعسف إلى أن تداخلت الدواهي والبلايا بعضها في إثر بعض حتى كان آخر ذلك الطاعون الذي أنسى ما كان قبله مما يفسد الأديان ويهلك الأبدان ويشيب الولدان. وهنا أورد المؤلف أرجوزة مطولة في وصف تلك المحن قال فيها: لما تقضت عشرة من صومنا محررة قامت طغاة فجرة في شامنا المطهرة وأضرموا نار الفتن وأظهروا خافي الإحن وأوقعونا في محن وكدروا منا الفطن ومذ رأيت الفتنا ثارت وقامت علنا وكل مكروه أنا وكل سوء وعنا ناديت رباً ذا منن بعد الفروض والسنن وجنح ليل قد سكن وفيه قد فر الوسن وقلت قول الملتجي وطالب للفرج وهارب من حرج يا من إليه ألتجي يا دافع البلاء يا عالم النداء يا سامع الدعاء يا كاشف اللأواء خلص أناساً ظلموا من بطش قوم ظلموا عن الرشاد قد عموا ومن سداد حرموا وعجل انتصاراً واهلك الأشرارا وأيد الأبرارا وسدد الأخيارا وهت ربوع الشام من زمرة طغام وعصبة لئام خذوا من الحرام وفرقة فجار طاغية أشرار قد أزعجوا الذراري بأقبح الضرار لم يرحموا صغيراً لم يستحوا كبيراً لم يتركوا نقيراً نهباً ولا قطميرا وأعلنوا الفسادا وأذهبوا العبادا وأخربوا البلادا وأحرموا الرقادا وحللوا الحراما وأهملوا الصياما وقهروا اليتامى وفضحوا الأيامى وأظهروا الإسرافا وقتلوا الأشرافا وضيعوا الإنصافا وأكثروا الخلافا وشتموا الإيمانا وكذبوا الأيمانا وهدموا الأوطانا وأورثوا الهوانا وضيعوا الأمانة وشهروا الخيانة وحرموا الديانة وفارقوا الصيانة وغلبوا الحكاما وأبطلوا الأحكاما وأكثروا الضراما وأفحشوا الكلاما مدوايد الفجائع سنوا مدى المواجع وقتلوا في الجامع لساجد وراكع وتابعوا الأذية وأعظموا الرزية وأوقعوا البلية وأقلقوا البرية وأغلقوا المساجدا وأقفلوا المعابدا وأكثروا المفاسدا فحرموا المحامدا وعطلوا المنابرا وحقروا الأكابرا ودمروا الأصاغرا واشتهروا المناكرا وقصدوا أذاناً وأسكتوا الآذانا وتابعوا الشيطانا وخالفوا السلطانا وبات كل حالم من جاهل وعالم وقاعد وقائم بالغم كالرمائم وكل سوق سكرا وقل بيع وشرا وقام سوق الإفترا ودام هذا أشهرا يسوء فينا مدة حكت ليالي الردة فلم تنزل في شدة ومحن ممتدة والأرجوزة طويلة وهي على هذا النمط وقعت في نحو خمس ورقات بالخط الدقيق المندمج قال في آخرها: وجميع هذه الشكاية إنما هي مما وقع من الشرور والفتن في سنة ألف ومائة وسبعين في دمشق وما جرى واتفق خارجها من نهاب الجردة في سنة إحدى وسبعين ثم ما وقع فيها من انتهاب الحج وما حصل إذ ذاك من الفساد والإفساد من طائفة الأعراب والأوغاد ولما انتهبت الجردة ثم مات أميرها ثم انتهب الحج وانهزم أميره ورجع إلى دمشق من سلم من القتل منهوباً من السلب وكانت نار الفتنة لم تزل ثائرة في دمشق بين طائفة القول وطائفة الينكشارية من مضي عشر ليال من شهر رمضان والقول إذ ذاك محاصرون في القلعة فلما أقبل المنتهبون من الحجاج إلى دمشق خرجت طائفة الينكشارية يتلقون المنهزمين والمنتهبين من الحجاج فكل من ظفروا به وكان من القول قتلوه وأخذوا ما يجدونه معه من متاع أو دابة أو غير ذلك حتى أنه قد بلغني أنهم ظفروا بأحد القول خارج دمشق فقتلوه شر قتلة وأخذوا ما كان معه ثم أحرقوه بالنار واستمرت الشرور والفتن قائمة في دمشق وهي إذ ذاك خالية من وال حيث أن أمير الحاج لما انهزم في أثناء الطريق استمر منهزماً ولم يدخل دمشق فبقيت بلا وال ولا حاكم. ولما بلغ السلطان مصطفى أخبار ما تقدم ذكره من انتهاب الجردة والحج وما في دمشق من الفتن والهرج وأن طائفة القول محاصرون في القلعة ساءه ذلك وعين عبد الله باشا الشتجي وأمره على دمشق وعلى الحج وأنه يستقصي الخارجين عن أمره والمتعصبين على القول ويقتلهم ويرسل برؤوسهم إلى الباب العالي وألزمه أن يباشر إصلاح طريق الحاج بما أمكنه فجاء عبد الله المذكور والياً على الشام وأعمالها وأميراً على الحاج ودخل دمشق في أوائل سنة إحدى وسبعين وجاء معه بجند الغالب منهم نصارى وأعاجم. فلما قرب من دمشق تحزبت الينكشارية وتجمعوا في جهة الميدان والقبيبات والحقلة ووقع منهم إساءة في الأدب في حق الوزير وجنده وانتهبوا من نزل منهم بالقرب من محلهم الذي تحصنوا فيه ثم بعد يومين من ذلك نزل من الينكشارية نفر إلى جهة باب الجابية وتلك النواحي فظفروا باثنين من الجند فبطشوا بهما فقتل أحدهما وجرح الآخر فبلغ الخبر إلى الوزير فأمر من عنده من الجند أن يذهبوا إلى المحل الذي فيه الينكشارية ويقتلوا من يقدرون عليه ويأسروا من قدروا على أسره فخرج الجند متوجهاً إلى جهة حارة الميدان وتلك الجهات فلما وصلوا إلى وجوه المطلوبين وتوجهوا فرت طائفة الينكشارية طالبين البراري والقفار فتبعهم نفر من الجند ساعة من نهار وقتلوا منهم عدداً قليلاً ورجعوا عنهم واستمر أولئك هاربين ثم أن الجند أخذوا في قتل من رأوه كائناً من كان وشرعوا في النهب والسلب فانتهبوا غالب المنازل والحوانيت من حدود الحقلة إلى باب الجابية واستمر ذلك من الضحوة الكبرى إلى وقت العصر والجند يأتون بالرؤوس إلى حضرة الوزير فقتل في ذلك اليوم من الرعايا العدد الكثير وانتهب المتاع والمال الغزير إلى أن دارك الله تعالى باللطف بعد أن أخذوا العدد الكثير من الرعايا البرآء وسجنوهم ووضعوا القيود والأغلال في أيديهم وأرجلهم وأعناقهم ولما بلغ الوزير أن هؤلاء النصارى والأعاجم حصل منهم التعدي في القتل والنهب خرج إليهم ولامهم على ذلك وأمرمهم بالكف عن ذلك وجمع ما قدر على جمعه مما انتهبوه ووضعه في المساجد وأرصد له من يحرسه وندب المنتهبين أن يأتوا وينظروا في الأمتعة فمن وجد شيئاً من متاعه أخذه ففعلوا ذلك فما حصلوا على عشر معشار ما انتهب من متاعهم وأموالهم وأطفأ الله تعالى نار الفتنة ثم أخذ النصارى والأعاجم الذين هم من جند هذا الوزير يتحكمون في أهل دمشق بالسلب والاستحلال والشتم والقذف والضرب والقتل حتى أشاعوا الفواحش وتجاهروا بالزنا وشرب الخمر وحتى تعدوا إلى أن يخرجوا أهل المنزل من منزلهم ويسكنون فيه وكان الإنسان في تلك الأزمان لا يأمن على نفسه إذا خرج من منزله بعد المغرب ومتى خرج أصيب بنفسه أو ماله. وهذا الذي ذكرته هنا هو الذي أشرت إليه في الأرجوزة المتقدمة من الشكاية مما وقع في دمشق من الرزايا سنة إحدى وسبعين بسبب ما وقع من طائفة القول والينكشارية من الفساد والإفساد ثم بسبب ما وقع بعده من طائفتي النصارى والأعاجم الذين هم من جند الوزير المذكور سلط الله تعالى الزلازل والرجفات فوقع الردم في المنازل والجوامع والمنارات ومات تحت الردم خلق كثير وقبل أن تسكن تلك الرجفات والزلازل أرسل الله عز وجل الطاعون فأخلى البيوت وفرق الجموع وشتت الشمل وكدر العيش. وقال بعد أن مدح عام اثنين وسبعين ومئة وألف: وقد كان أهل دمشق في غاية الوجل ونهاية الفرق والقلق من جهة الحاج من شر الأعراب الأشقياء قياساً على ما وقع منهم من الشر في العام الذي قبل هذا العام وكان الوجل الواقع من أهل دمشق في محله ٩ حيث أن العرب بالغوا في التعدي وفجروا واعتادوا سلب الأموال وتكدير الأحوال ولكن الله يؤيد بنصره من يشاء فإن أمير الحاج الذي هو عبد الله باشا المذكور ووقع بينه وبن الأعراب حرب شر من أجل مال الصر المرصود للعرب من جهة السلطان فتوعده باشر فاحتال عليهم وقتل أمراءهم وفر الأذناب منهم ومضى الأمير والحاج سالمين غانمين ولما رجع الأمير بالحاج رجع على طريق آخر بعد أن تجمعت العربان بين الحرمين بقصد المعارضة للحاج فخيب الله آمالهم ولطف سبحانه وتعالى بعباده المؤمنين وسلمهم من غوائل الأشقياء المجرمين وبلغنا ذلك كله بعد هلة عام اثنين وسبعين بأيام فلأجل ذلك خصصت هذا العام بالمدح أيضاً فقد كان الناس قبل هلته يشكون من قلة الغيث فلما استهل أغاث الله عز وجل العباد وأحيا البلاد وإلا فإن الدواهي الواقعة فيه وفي أيامه بدمشق وقراها لم يسمع مثلها بفساد الجند وإفساد العساكر وظلم رئيسهم وجور حواشيه وعسفهم. وعاد المؤلف فكرر أهوال ما وقع سنة سبعين وما بعدها وقد دام ما وقع من أذى الجند السابق والجند اللاحق الذي جاء مع الوالي الجديد من عشر ليال من شهر رمضان إلى جمادى الأولى والقول منحشرون في قلعة دمشق والينكشارية ومن تبعهم من الحشرات حول القلعة والحرب قائمة على ساق وقدم وقد أخرج الجند الجديد أوب عض الناس من دورهم وتوطنوها ومع اختاطفهم لبعض النساء والغلمان جهاراً من غير مدافع لذلك ولا ممانع حاكمين على جميع أهل الشام بالكفر وبأنهم قوم يزيد مصرحين بذلك. . هذه نموذجات من عصر الظلامات والظلمات والكتاب نسخة كتبت بقلم مؤلفه وشعره متوسط حسن بالنسبة لعصره عصر الانحطاط في كل شيءٍ كتبها في ذي القعدة سنة ألف ومائة وثلاث وسبعين. الألفاظ السريانية في العربية العامية اللغة السريانية من أمهات اللغات السامية وهي من أصول اللغة العربية ولو بحثت في أصول الألفاظ العربية لرأيت بعضها سريانيا في الأصل كما دخل إليها ألفاظ كثيرة من العبرانية والحبشية والفارسية على نحو ما حققه المحققون من الباحثين في أصل اللغات. كان للسريانية شأن عظيم حتى قال بعضهم أن السريانية كانت لسان آدم أبو البشر وتعدى بعضهم فادعى أن لسان أهل الجنة السريانية وذهبت عصابة من العلماء إلى أن السريانية أصل لغات الآدميين بدليل ما وقع في أسفار موسى من تسميات تقرب كل القرب من الألفاظ السريانية معنى ومبنى وعلى كل فهي بكر لغات النوع الإنساني وهي من أعرقهن في القدم وأول من انطلق لسانه على ما نعهد آرام بن سام فتناقلها الآراميون أخلافه ممن أطلق اسمهم حيناً من الدهر على السوريين أو السريان الذين عمروا بلاد كلدان وأشور وسورية والمراد بالسوريين غير الأثوريين النازلين من صلب آثور أو آسور بن سام من كانوا يسكنون عبر الفرات ولما دوخ ملوك أشور سورية عدَّ الأشوريون والسوريون شعباً واحداً ولما اقتسموا الملك عرف من أقام عبر الفرات بالأشوريين وقد تكلم بهذه اللغة السريانية سكان أورشليم بعد السبي البابلي وأكثر نصارى البطريركية الإنطاكية والموارنة وأما أشهر فروعها فأولها البابلي وهو أفصحها وأوضحها وأبقاها كتبت به أسفار العهد القديم من الكتاب المقدس وثانيها الأورشليمي الذي تكلم به اليهود بعد جلائهم من بابل فتناسوا العبرانية وتلقفوا الكلدانية فشابوها ببعض ألفاظ من لغتهم وسميت لغتهم العبرانية لأن اليهود كتبوها بالعبرية وهي كلدانية سريانية والثالثة السريانية الإنطاكية وبها كتبت تب الدين عند الموارنة وكانت شائعة في البلاد العربية والحبشة وقسم من بلاد الأرمن وما بين النهرين وسورية ولبنان وفينيقية وأنطاكية. والى اليوم لا يزال أثر ضئيل للسريانية أثناء المفردات العربية في كلام أهالي شمالي لبنان كما أن أهل بشراي وحصرون وبعض القرى المجاورة لهما كانت تتكلم بالسريانية في أواخر القرن السابع عشر ولا يزال إلى اليوم أهل معلولا من جبل قلمون يتكلمون باللغة السريانية مع اللغة العربية وقريتان بجوارهما. وهاك الآن أسماء بعض قرى الشام التي هي سريانية الأصل: (داريا) الدور. (بيتما) بيت اليتيم. (بيت لهيا) بين الآلهة. (زملكا) سلاح الملك. (كفر مشكا) قرية الجلود. (كفرسوسة) قرية الفرس. (كفر قوق) قرية الأكواز. (معربا) المغرب. (المعرة) المغارة. (راشيا) الرؤوس. (البقاع) السهول. وإليك أسماء بعض قرى لبنان وأكثر أسمائها سريانية: (بكفيا) الموجودة بين الحجارة. (بسرين) الحومات. (حبرمون) رفيق من أنت. (مزمورا) الترنيمة أو الأنشودة. (عينات) عين أبي. (رمحالا) الرمل العالي. (رشميا) رأس المياه أي أعذبها. (شرتون) صدقتموني. (شوريت) العرق. (بيت مرى) دار سادتي. (البتير) المسكن. (بسكنتا) محل العدل. (بلعشمية) قرية السماء. (برمانا) ابن من أنت. (بتغرين) سوق التجار. (بتعلين) مأوى الثعالب. (عينطورا) عين الجبل. (الشوير) سور. (عين عار) عين الغار. (قرنابل) قرن الأيل. (العاقورة) العين الباردة. (بجة) الجنة البستان. (جعيته) الصادحة. (درعون) الذراع. (حدشيت) أحد الستة. (عين جوبا) عين الحب. (عاليتا) العالية. (عمشيت) مع الستة. (ميروبا) المياه الغزيرة. (راسكيفا) رأس الحجر. (رشعين) رأس العين. (شمسطار) شمس الجبل. (أيطو) القيظ. (بتحلين) بيت الحلوين. (أسيا) الطبيب. (بشتودار) مكان الشر. (إهدن) الجنة. (حردين) انظر إذاً. (حدتون) الجديدة. (مجدليا) البرج. (راشانا) سيد المان. (ياريتا) الوارث. (نيحا) الهادئ. (عين تورين) عين الجبال. (رام) العالي. (شاتين) الستون. (شبطين) القضبان. (تنورين) التنانير. (زغرتا) الصغيرة. (الدوق) المنظر. (قزحيا) كنز الحياء. (كفرحى) مكان الحي. (كفرزيتا) حقل محل القضاء. (كفرتعلا) حقل الثعلب. (مليتا) الملآنة. (ريحات) الأكام. (بطرام) بيت العالي. (بطرومين) بيت السادة. (كفرحانا) الحقل الجديد. (كفرعقا) حقل العقد. (عابا) الحصن. هذه نموذجات من أسماء القرى وهناك كثير من الألفاظ الشائعة في اللغة الدارجة في سورية وهي من أصل سرياني وتجد أكثر هذه اللفظات في لغة أهل جبل لبنان فمن ذلك قول الم لولدها ردعاً له وتخويفاً من أن يمس شيئاً يؤذيه (أوواوا) وهي كلمة وعيد. و (واوا) ويل ويل والمعنى إن مسست ذلك الشيء المؤذي فويل ثم الويل لك. وقولهم (الشكارة) للدلالة عَلَى النذر اليسير وهي في الأصل السرياني تدل عَلَى البقعة من الأرض فيقولون مثلاً: فلان عنده شكارة كرم وفلان مربي شكارة دود حرير وزرع له شكارة قمح. ويقولون عمن يتروى في أموره (فلان يتبحر في أموره) أي يتفحص. ويقولون (بحش الأرض) حفرها ويقولون أيضاً بحوش بمعنى نبش وحفر. ومنه قولهم (الولد يبعط) وهي لبط. ومنه (جهجه الضوء) أي انبلج الصبح. ومنه (كعيت) أي عجزت. ومنه (عمل له كعرة أيما كعرة) أي صاح به وانتهره زاجراً. ومنه (جرجره) أي جره. ومن ذلك (زرع دليل) أي متفرق هنا سنبلة وهناك أخرى. (دلف بيتنا) أي وكف وقطر. (دندل) دلى. (دقر الباب) أوصده. (دحيناهم) محقناهم وأفنيناهم. (طلعت هبلة الماء) أي بخاره. (يزعق الولد) يصرخ ويصيح. (زفر ثيابه) وسخها ودنسها. (زرب الماء أو زرزب أو ذرف) نضح وانهرق. (انقطع حيله) قوته وحوله. (رحيص الدابة) شدها وربطها. وينعتون الرجل الداهية الشديد المكر بكلمة (حرح) أي المكار المحتال الذي لا يؤخذ من وجه. وربما قال بعضهم أن بعض هذه الألفاظ من مفردات العربية الفصحى ولكن لها في بعض التعابير من المعاني مل يحمل عَلَى أن يقطع المرءُ بأنها سريانية المبنى المعنى والوضع والمولد. ومن ذلك طرطوع من يخلط في كلامه لخفة عقله. (طرش ثيابه) أي لوثها وقذرها. (أطرشوه ماءً) رشحوه وأنضحوه. ومنه يطرشون بيوتهم بالكلس أو بالحوارى وهي سريانية (يما ويما وجد) ويما البحر أو اليم ما يشيرون إليه يضارع أمواج البحر غزارة. كبس العجل روّضه. كوّش أو كوش الزبالة جمعها وكومها. وتقول العجوز لجارتها تغزل صوفاً وغيره إذا ما تكدرت منها خرب الله كوشتك تريد أحل الله ما تكوم من خيوط ساق مغزلك. تلوش العجين تعجنه وتعركه. ومن صلواتهم الميامر واحدها ميمر قطعة حسنة ينشدون بعضها خلال القداس بلحن. ومنه دعاءٌ لموتاهم الله ينيحهم والله ينيح نفوسهم أي يريحهم ويمتعهم بالراحة. ومن دواثر لغتهم قولهم قلبي سايف أي فإن وتالف. الساعور المفتقد والزائر والعائد. عقوس الزنبور الحمة وإبرة الزنبور التي يلسع بها فيقولون عقسة الزنبورأي لسعته. العتيد الآتي والمقبل. داء الفالج من شق وشطر والفالج يصيب عادة شطراً من الجسم فيقطعه عن الحركة أو يأخذ منه الاسترخاء. الدم يفلفلك يلوثك ويمرغك كأن يقال قتلك الله وضرجك بدمائك. فرط الثمر نثره. فرم اللحم والتبغ هبره وقطعه إرباً إربا. فرافيط الخبز فتاته. فرشخ وسع ما بين رجليه. ومثله فشخ. ومن دواثر لغتهم قولهم إن هذا الشيء يقاوي كثيراً يصبر عَلَى عوادي الدهر. هو قافط أو قامط معبس. قرقش الحمص صرَّ أسنانه عليها فظهرت بها متانتها. القسيس الشيخ والمسن. يرصون الزيتون يرضونه. يرشمون البيدر يضعون علامة عليه ومنه. الرشم للطابع المنقوش الذي يسمونه البيدر. شبشول الذرة ما تدلى منها دعوها كذلك لاسترسالها كاسترسال أغصان الجفنة. يشفون أشجارهم يلقمونها. أشحط الأولاد أطردهم. شحرك الله سودك. تشطح عَلَى الحصيرة تمدد وتسطح. ريح الشلوق وتسمى الشلهوبة أي اللهبة والضرم. شلح متاعه أي أرسله ورمى به بعيداً. وشلح تعرى. الشلفة الفأس الصغيرة يقتطعون بها الحطب. شمط له أذنيه اقتلعهما شمط خطف. شغف أو شغف الرغيف والحجارة من كسر جزأ. الشربوكة الشرك والأحبولة. انشطرت انخزق وانخرق. شرم الأذن قطعها. شرشت الشجرة أوشلشلت تأصلت وضربت عروقها في الأرض ومنها الشروش. شرش أرضك اقطع عروقها. الشماس والإشبين للمعروفين عند النصارى. شتل بستانه نصبه. الطغمة الزمرة. ضربه وتوكه عطبه. تكتك هذر وثرثر. تف الطعام قاءه ومجه والتف البصاف غير السائل. ويصفون الرجل الداهية بكلمة بهموت وهو الغول عند السريان كالسعلاة عند العرب. بح يا ولدي جف ونفذ. نوص القنديل من برض العشب إذا بان أولاً فأولا. ويقولون فو عليك أي أف عليه كلمة تكره. شخط حلده أي خزق. كش الدجاج وغيره من الطائر زجره. تحمط له أو عليه اغتاظ وغضب. تروحن انفرج ونفس كربه. البكير واللقيس للمطر الموسمي والولي. ويقول من يتورط في أمر صعب يتشكى قائلاً ما هذه البلشة أي الضر. بقعه أي رفسه برجله وركله في بطنه. يرعط الولد من تبرعص في الماء أي اختلج فيه. الغوغا الصخب والجلبة جم الكرم إذا اقتضبها من أسفل جذعها لتنبت من جديد. الجملون وهو سقف من خشب محدب كسنام الجمل مستطيل وهو تصغير الجمل في اللغة السريانية. جعر الفدان والجمل من عج الثور والجمل. غف الطائر فريسته إذا حام حولها أو وثب بشدة. الدجال وهو إلى السريانية أقرب منه إلى العربية. ويقولون عمن يموت برداً دنق أي تعذب وتألم لما يأخذه من نوافح البرد. حركش من حرش بين القوم وأغرى. يطيب أرضه يجعلها صالحة لإلقاء البذار فيها. الطربون الغصن الصغير أو المورق. كدن الفدان من قرن الثورين أي شدهما إلى نير واحدة. ويقولون للشيخ المسن اختيار أو ختيار أي شيخ. ماسورة الحائك وهي لفافة من الخيوط يلفها عَلَى عقدة قصب مجوفة. ولو أردنا استقصاء الكلمات الدخيلة في اللغة العربية العامية بل واللغة الفصحى الدخيلة من الألفاظ السريانية لطال بنا المطال. وهنا نكتفي بما تقدم مضيفين إليه سكر الباب سرد الغربال عكشه الثور نطحه عرم التراب كومه وكدسه عرم الإناء والكيل بالجوامد أطفحه فرطش مناخيره فركش الولد فقع تمزع غيظاً فاش عَلَى وجه الماء فشار المهذار صمد دراهم صمد العروس صنة الإبط نتنه. قبع الحجر أصله في الركز فاستعمل في القلع قرمة الشجر جذعها قن الدجاج جلد فلان مقشب أي شارث متشقق الشوب الحر الشموط الكبة من الصوف الشقيف الصخر العظيم شقل الحجر رفعه الشرنقة البيت الذي تنسجه دودة الحرير لنفسها طبش الإناء كسره. وكذلك الناسوت والجبروت والكهنوت والملكوت وبراً وجواً وباخ الثوب. غرف التجارة أيقنت الأمم التي كانت تحرص في أوائل القرن التاسع عشر عَلَى الانتصار في ميدان الهيجاء إن المصالح الاقتصادية أهم المصالح وأكثرها نفعاً فأخذت تعمل لتوسيع نطاق تجارتها وأعرضت عن توسيع مساحة بلادها. ولا مشاحة في أن تقدم الأمم ونجاحها في حالتي السلم والحرب ومضاء حكمها ونفوذها في البلاد الابتدائية لا يكون إلا بالمال وما يقوم به من الأعمال التجارية والصناعية. تقحمت الدول في القرن العشرين حرباً ضروساً لفتح مصادر جديدة لمحاصيلها المتزايدة يوماً فيوماً في جميع أنحاء المعمورة بفضل الصناعات الكبرى أعني الصنائع التي تكون بالألوف المؤلفة من رؤوس الأموال وتضم الألوف من العمال تحت سقوف المعامل الفخمة وهكذا أخذ أرباب الصناعة والمستثمرون يبحثون البحث الدقيق عن أسواق البلاد في كل قطر ومصر. وكان النصر في حلبة هذه الحرب حليف الفئة التي أعدت السلاح الأقوى والأسباب المؤثرة فنشأت من ذلك لأمتهم مكانة اقتصادية بين الأمم لم تكن لتحلم بها قبل عشرين عاماً أو ثلاثين. إن أميركا التي كانت تستحصل دون أن تعنى بتصريف محاصيلها وبيعها إلى عهد غير بعيد أحست بلزوم الحيد عن سياستها القاضية بسد أبواب التجارة حتى أن أحد المفرطين في التشديد بأصول حماية الصناعة والتجارة صرح لأمته في خطبة ألقاها قبل وفاته ببضعة أيام أنه لا بد من توسيع نطاق التجارة وعقد العهود مع بعض الدول توصلاً لهذه الغاية وفتح خلات في أبواب الجمارك المسدودة. وليست أمة الأميركان وحدها في حاجة إلى المبادلة التجارية بل جميع أمم الأرض المنتجة مضطرة لمبادلة محاصيلها زراعية كانت أو صناعية. وليس الاستحصال غاية وإنما هو واسطة والمستحصلون لا يستحصلون لأنفسهم بل للانتفاع بما هوز أحوج إليه من ثمرات أعمال غيرهم عن طريق المبادلة ومكانتها ورواجها متناسبان مع مكانة المصادر ووفرتها وتحقيق ذلك من واجبات التجار مباشرة وأما الحكومة فلا ينتظر منها إلا إبلاغ التجار ما يتصل بها من الأخبار بواسطة قناصلها والذب عن حقوق رعاياها في البلاد الأجنبية وأن لا تمس قوانين وأنظمة تمس حرية التجارة وأن تقيم قوتها مقام قوى الأفراد حيث تكون الأمة متأخرة في العلم والتجارة وأن تكون لهم خير دليل فيما يمكن أن تكون. ولكن التجار في البلاد الراقية لا يعتمدون في ترقية التجارة الوطنية إلا عَلَى أنفسهم ولا يستغني تجار الأمم النازلة عن هذا العضد عَلَى أن موظفي الحكومة لا يعلمون حق العلم ولا يستطيعون أن يعلموا كنه التجارة وسير أعمالها. فكيف يصح ن يقودوا التجار وهم أحوج إلى قيادتهم وآراءهم المؤيدة بالاختبار الصحيح والتجارب المتواصلة. وقصارى القول فلا يجد بالحكومة أن تعين وجهة سير التجارة بين بلادها والبلاد الأجنبية وإن فعلت لا تصلح خطأ أوجبه تداخلها حتى تقع في مثله ومن المحتم عَلَى الحكومة أن تشاور من هم أحق بالمشورة في شن الشرائع والأنظمة الداخلية وتعيين خطتاه في المشاريع العمرانية ووضع الضرائب التي لها علاقة بالتجارة والقيام بكل ما له مساس بالمصالح الاقتصادية وألا تقع في حيص بيص فلا تنطبق شرائعها عَلَى حاجيات الأمة ولا تلاءم الأحوال الاقتصادية وتحول دون ارتقاء البلاد من حيث العمران وتخنق الروح التجارية بالتعديل الذي تحدثه في أصول الضرائب. وبعد فإن المعهد الذي يهدي الحكومة إلى المحجة المثلى في مجرى أعمالها ويقوم بكثير من الواجبات التي ترتفع بها مكانة التجارة الوطنية هي الغرفة التجارية. أخذت الطبقات الاقتصادية في الأمم التي نالت حريتها السياسية واحتفظت هي ونوابها بحق التشريع تسعى لترقية الأوضاع التي يؤلفها المنتخبون بالفتح من بينهم ليدافعوا عن منافع الطبقات الاقتصادية وكان لهذه الحركة الاقتصادية ثمرات عظيمة تعود عَلَى الأفراد والأمة بالنفع العميم ولما كان أعضاء هذه الأوضاع غرف التجارة والزراعة والصناعة يمثلون الطبقات الاقتصادية عامة أصبحت كلمتهم نافذة عن وكليهم والحكومة تحترم آراءهم وأقوالهم وتصيخ إلى مطاليبهم لأنهم أمناء الزراع والصناع والتجار وعمدتهم ولهم اطلاع عَلَى حاجات البلاد مهما تنوعت وتضاربت فيؤلفون بينها ويجمعونها حول مركز واحد. ومن المسلم أنه لا تعتمد في الشؤون الحيوية إلا عَلَى ذوي العلاقات بالمناهج الحيوية ولذلك يستفاد من آراء أرباب الصناعات في الصناعة ومن التجار في آرائهم في التجارة. ولما كان الرجوع في كل مسألة إلى عامة التجار والصناع متعذراً اقتضت الحال أن تعتبر هذه الغرف والأندية التي حاز أعضاؤها الثقة العامة مرجعاً وآراء هذه الأندية تعتبر كآراء عامة أفراد الطبقات الاقتصادية. والحكومة تعلم حق العلم أن موكلي رجال هذه الأوضاع قوة عظيمة اجتماعية في البلاد وأن الأيدي لا تجسر أن تتلاعب بهذه القوة. أقيمت غرف التجارة لمصلحة يجب الدفاع عنها ولا يرجى اقتطاف الثمرات من هذه المصلحة بمجرد أعمال الحكومة وتدابيرها ولبذلك لا ينكر أحد إلى الداعي إلى تأسيس الغرف التجارية ولكن هل هذه الغرف أسست عَلَى طراز واحد في كل قطر ومصر؟ الفرق تنقسم من حيث تأليفها قسمان: ١ — الغرف المؤسسة عَلَى القاعدة الفرنسوية تؤسسها الحكومة ويحضر جلساتها من تنيبهم الحكومة عنها وحق انتخاب أعضاءها محصور بالتجار المقيدين في سجل الغرف التجارية أو من يدفع منهم مبلغاً معيناً من ضريبة الباتنت والحقيقة أن هذا الشكل من الغرف عبارة عن نقابات إلزامية ومداخيلها من الضرائب الموضوعة لها. والغرف التجارية في ألمانيا وهولندة والنمسا وإيطاليا والبرازيل ورومانيا من هذا القسم. والغرف الصناعية والتجارية في النمسا توفد نواباً إلى مجلس الأمة ولذلك فإن لها هناك فروضاً سياسية تقوم بها. وغرف التجارة الألمانية رسمية أيضاً ولكل من عرف الحكومات الألمانية التجارية قوانين خاصة بها. ولها واجبات خاصة عدا واجباتها العامة تتعلق بالأمور العدلية إذ تنتخب مرشحين من التجار يناط بهم أمر القضاء في محاكم الدعاوي التجارية وتعرض أسماؤهم عَلَى الأمير. والغرف التجارية في إيطاليا تابعة لقانون ١٨٦٢ وغرف التجارة الرومانية تابعة لقانون ٧ أيار ١٨٨٦ أما الغرف التجارية العثمانية فهي عَلَى الجملة من الغرف المؤسسة عَلَى القاعدة الفرنسوية. ٢ — الغرف المؤسسة عَلَى القاعدة الإنكليزية عبارة عن نقابات تجارية حرة ليست لها صفة رسمية قط. ومداخيلها من رواتب الأعضاء وهذه الغرف التي يمكن أن ينتظم في سلكها جمهور صنوف التجار أشبه بنقابات الصناعات المتحدة المؤلفة من رؤساء الصناعة بتلك النقابات المنتشرة في الأقطار الأوربية كافة. تلتئم الغرف التجارية كل عام في إنكلترا وتؤلف مؤتمراً عامً وكذلك في أميركا وللقرارات التي تبرم في مؤتمر أميركا وإنكلترا شأن عظيم. والغرف التجارية في البلجيك وأميركا والبرتقال واليابان من هذا النوع. تنشئ الغرف التجارية الإنكليزية الثغور وتتعهد بمحافظتها وتستوفي في مقابل ذلك ضرائب معينة من السفن. ولهذه النقابات الغرف التجارية الإنكليزية التي تؤلف قوة عظيمة في مملكة بريطانيا العظمى تأثير كلي في كثير من الإصلاحات القانونية. وقد كانت غرف التجارة في البلجيك إلى تاريخ ١٨٧٥ من نوع الغرف الفرنسوية ثم نزعت بضم النون عنها الصفة الرسمية وسمح القانون من ذلك العهد بتأسيس غرف حرة. أما روسيا فلها أشكال من الغرف خاصة بها: أولاً في كل بروص لجان تنتخبها التجار والصناع عَلَى اختلاف ضروبهم ولهذه اللجان اجتماعية متوالية. ثانياً إن لكل من صنوف التجار والصناع مجامع ينتخب أعضاؤها جمهور الصنف الذي ينتسب المجمع إليه وأهم هذه المجامع مجمع معدني روسيا الجنوبية وتلتئم هذه المجامع مرتين في الخريف والربيع من كل عام وتمتد اجتماعاتها خمسة عشر يوماً أو عشرين وقد تتجاوز الاجتماعات هذه المدة. ثالثاً إن في نظارة التجارة الروسية مجلساً صناعياً تجارياً تعين الحكومة النصف من أعضاءه وتنتخب الصناع والتجار سائر الأعضاء وبتجدد انتخاب هؤلاء الأعضاء المنتخبون مرة كل ثلاث أعوام. فتمر اللوائح القانونية التي لها علاقة بالتجارة أو الصناعات كافة من لجان دور البورص والمجامع والمجلس الصناعي التجاري في نظارة التجارة الروسية وكل من هذه الأوضاع يؤخذ رأيه في اللوائح المذكورة. هل الغرف التجارية المؤسسة عَلَى الصول الإنكليزية أنفع أن المؤسسة منها عَلَى الأصول الفرنسوية؟ ليس من جواب قطعي لهذا السؤال لأن شكل الغرف كونها رسمية أو حرة تابعة لأخلاق الأمة وآدابها وعاداتها ونوع تربيتها. فحيث تكون فكرة الاشتراك بالأعمال والإقدام والجرأة عَلَى القيام بالمشاريع غزيرة في النفوس يقوم التجار بتأسيس غرف حرة يرغبون وبالشروط التي يستحسنونها فتصان بذلك المصالح التجارية وحيثما فقد هذا الشعور الحي والمبادئ لا يسهل إنشاء هذه الأوضاع ولا بد للقيام بهذه المشاريع من إشراف القانون عليها. ولم يقتصر الأوربيون عَلَى تأسيس غرف تجارية في بلادهم بل أسسوا مثلها في البلدان التي يتجرون معها فإن لفرنسا خمساً وعشرين غرفة تجارية وفي لندن ونابولي ورومية ونيويورك وأمستردام وغيرها وللإنكليز والنمسا والمجر والبلجيك وأميركا وإيطاليا وإسبانيا غرف تجارية في باريز وقد نجم عن هذه الغرف فوائد كثيرة لتجار البلاد التي تنتسب إليها وذلك لأنهم يأخذون عنها الأخبار المفيدة ويدركون حاجيات البلاد التي أسست فيها وميول سكانها وأذواقهم وبذلك تساعدهم عَلَى إيجاد المصادر وتوسيعها. وتكون رئاسة الشرف لهذه الغرف التي تؤسس في البلاد الأجنبية في عهدة القناصل عَلَى الأغلب. والحكومات تخصص مبالغ من وارداتها تدفعها إلى غرف التجارة المؤسسة في البلاد الأجنبية لسد العجز في ميزانيتها لما لها من الفوائد والاعتماد وليس لهذه الغرف صفة رسمية عند الحكومة تنتسب إليها ولا عند الحكومة التي أسست في بلادها ونظارة التجارة الفرنسوية المؤسسة خارج فرنسا وهذه تخابر الحكومة الفرنسوية رأساً. وقبل أن نتبين تأليف الغرف التجارية وقوانينها في فرنسا والبلاد العثمانية نأتي هنا عَلَى التعريف بوظائف الغرف التجارية في حياة التجارة العامة لكل مملكة: ١ — الغرف التجارية تعنى حق العناية بالتربية الاقتصادية للبنين وتتلقى مسألة التعليم التجاري بما يجدر بها من الشأن فتشيد المدارس التجارية وتستميل الشبيبة إلى التجارة والسياحة وتحيي في نفوسهم فكرة الإقدام والجرأة وتنظم للمدارس الخطط المفيدة التي تقوي إرادة التلاميذ وتؤسس المكاتب ليألف الشبان والطلاب مطالعة التآليف والمصنفات المحررة بأقلام السياح وتدعوا أهل العلم لإلقاء المحاضرات وتمنح الجوائز للمقيمين في الممالك الأجنبية وتعلم في مدارسها لغات البلاد التي تكون ميداناً فسيحاً لحركتها التجارية وعل الجملة تنشئ شبيبة يقظى جريئة عَلَى الدخول في الحياة التجارية تدخل هذه الحياة وأعمالها مكللة بالنجاح. ومن متممات التربية الاقتصادية الدروس الليلية والمتاحف التجارية ودور الأنباء والاستعلامات وكل هذه متممة لفوائد التدريس والتعليم. ٦ — إذا كانت دائرة الغرفة ضيقة النطاق لا تقتصر في أبحاثها وتتبعاتها عَلَى هذه الدائرة وتطالب بالإصلاحات التي تنفع عامة أنحاء المملكة وتنتخب كل ما يمكنها من الوسائل التي تؤدي إلى التقدم والرقي. وفي المراكز التجارية الأوربية كافة أندية تقوم بهذه الوظائف أحسن قيام وأعضاؤها من الرجال الذين قضوا أربعين أو خمسين حجة من حياتهم في التجارة واشتهروا في خلالها بالعلم والعمل ومكارم الأخلاق. وإذا شئت أن تعلم كم لأعمال أولئك الرجال، رجال العلم والعمل ومباحثاتهم من الفوائد فهذه آراؤهم في المسائل التي لها مساس بحياة بلادهم الاقتصادية والمالية ومطاليبهم التي يعرضونها عَلَى حكوماتهم وآثارهم المفيدة كلها شواهد وحجج دامغة. اقتبست قوانين غرفنا التجارية من اغرف الفرنسوية ولذلك سنبحث هنا عن ماضي هذه وحاضرها لنعلم منشأ تلك. أول غرفة تجارية فرنسوية تأسست غرفة مرسيليا التجارية التي كان تأسيسها في أواخر القرن السادس عشر وأنشئ أيضاً في أوائل القرن السابع عشر الغرف التجارية في تسع مدائن فرنسوية محافظة عَلَى المصالح التجارية. ولكل واحدة من هذه الغرف شخص خاص ومع ذلك فإن لها أوصافاً عامة مشتركة بينهن فأعضاء الغرف الطبيعيون هم أعضاء محاكم التجارة والأعضاء المنتخبون بفتح الخاء يؤخذون من صنوف التجار والقدماء منهم أو من أعضاء محكمة التجارة السابقة. وكانت الغرف مكلفة بإبداء آراءها ومطاليبها في ما يتعلق بالمصالح التجارية وعرض المذكرات التي يدفعها التجار إليها إلى المراجع العليا. يقول مؤرخو الفرنسيس لم تؤثر هذه البلاد في سياسة البلاد الاقتصادية تأثيراً مهماً ولم يكن لها سلطة تذكر إلا أن غرة التجارة المرسيلية لم تكن كذلك لامتيازها الطبيعي ولأن قنصليات الشرق كانت ملحقة بها ولما لها عَلَى التجار من الحقوق والواجبات المؤيدة بالقانون وكانت تسمح لإقامة الفرنسويين في مرسيليا وكان لها أسطول لمناهضة اللصوصية في البحر القرصان. ومن جملة أعمالها أنها كانت تشتري الأسرى وتقدم الهدايا إلى الملك وتغيث السفن المنكوبة وقد بلغت نفقاتها الاعتيادية مليوناً واحداً عام ١٧٨٩ . ولما ألغي أكثر أوضاع الدور السابق عقب الثورة الفرنسوية الكبرى ألغيت الغرف التجارية في الجملة وبعد ثمانية أو عشرة أعوام أسست في اثنتين وعشرين بلدة غرف تجارية مقيدة بقيود نظامية ضيقة النطاق غير أن هذا الشكل لم يثمر قط ولم يمنح وقتئذ حق انتخاب الأعضاء إلا لأربعين أو لخمسين تاجراً كان ينتخبهم الوالي وقضى الأمر المؤرخ سنة ١٨٣٢ بإحداث لجان منتخبة مؤلفة من أعضاء محكمة التجارة وأعضاء مجلس الصلح وجماعة من التجار يبلغ عددهم عدد أعضاء ذينك المجلسين ومنحت ثورة عام ١٨٤٨ حق انتخاب الأعضاء لغرفة التجارة التجار الذين يؤدون ضريبة الباتنت عامة. ولما عادت الإدارة السابقة أمر الإمبراطور أن يكون تأليف لجنة الانتخاب من قبل الوالي والقاعدة المرعية اليوم في انتخاب الأعضاء وضعت عام ١٨٧٢ . وآخر نظام يتعلق بالغرف التجارية وضع عام ١٨٩٨ . والغرف التجارية في نظر القانون الفرنسوي هي واسطة الدفاع أمام الحكومة عن المصالح التجارية في أصقاعها المعينة. ولا توجد الغرف التجارية في الجهات العامة وإنما يطلب ناظر التجارة والصناعة تأسيسها حيث يرجى النفع ثم يؤخذ رأي مجلس الناحية التي طلب الناظر تأسيس الغرفة فيها ورأي مجلس الولاية العام والغرف التجارية فيها وبعد كل ذلك تفتح بإدارة خاصة. وفي القانون صراحة أنه لا بد من وجود غرفة تجارية واحدة في كل ولاية عَلَى الأقل وإذا دعت المصالح الاقتصادية إلى تأسيس أكثر من غرفة يجوز وعندئذ يذكر في الإدارة الصادرة بتأسيس كل غرفة في حدود القطعة التي يتعلق بالغرفة الدفاع عن مصالحها التجارية. وفي بعض الولايات تسع غرف تجارية. وللغرف التجارية أعضاء أصليون أو عاملون وأعضاء مخابرون. وسأعود إلى بيان كيفية انتخاب الأعضاء الأصليين أما المراسلون فتنتخبهم الغرف رأساً ولهم الحق في حضور الجلسات ويستضاء بآرائهم ولا يجوز أن يكونوا أكثر عدداً من الأعضاء الأصليين. والأعضاء المراسلون أحسن صلة بين الغرف والتجار وبوجودهم في هذه العضوية يتهيئون للانتظام في المستقبل في العضوية الأصلية التي لا شك أنها أكثر مكانة من الأولى ولا يغرب عن القارئ الكريم ما ينجم عن هذه الأصول من الفوائد. وعدد الأعضاء العاملين يختلف بين ٩ و ٢١ ويجوز إبلاغ عددهم إلى ( ٣٦ ) في غرفة التجارة الباريزية فقط ويجب التصريح بعدد أعضاء كل غرفة في الإدارة القاضية بتأسيسها وإذا قضت الأحوال يجوز تعديل هذا العدد بالإدارات التي تصدر بعد التأسيس. وإليك الآن أصول انتخاب الأعضاء الأصليين. ينتخب كل من محكمة التجارة وغرفة التجارة ومجلس الصلح والمجلس العام بعض أعضاء مجلسه فتتألف من هؤلاء المتخبين بفتح الخاء ورؤساء المجالس المذكورة عضأعضاء بةيمبتنيمحكمة التجارة والغرفة التجارية ومجلس الصلح والمجلس العام لجنة تعنى بتنظيم دفتر بأسماء المنتخبين بكسر الخاء ولا يجوز أن يكون عددهم أقل من خمسين ولا أكثر من ألف إلا في باريز فيجوز أن يكون عدد المنتخبين ثلاثة آلاف وأن يكون معادلاً لعدد عشر التجار المكلفين بتأدية ضريبة الباتنت وبعد إتمام هذا الدفتر يدفعون به إلى الوالي ليعلنه. ثم تلتئم لجنة الانتخاب تحت رئاسة مدير الناحية وتشرع بالانتخاب وشروط الانتخاب للعضوية أن يكون المرشح مكلفاً بتأدية ضريبة الباتنت منذ خمس سنين ومقيماً خلال هذه المدة داخل حدود الإقليم الذي تنتسب الغرفة إليه وبالغاً الثلاثين من عمره وأن يكون أيضاً إما تاجراً أو دلالاً في البورصة أو من مديري شركات الأنونيم أو باناً لإحدى السفن ذات الأسفار البعيدة ولم يصرح القانون بشروط اللجنة غير أنه معتبر ضمناً لما لأعمال الفرق ومقاصدها من الشأن الوطني. وتجري الانتخابات بالرأي الخفي والأكثرية المطلقة عن المرشحين المسطرة أسماؤهم عَلَى قائمة خاصة وإذا تساوت الآراء ينظر إلى الأكثرية الإضافية وإذا تكرر التساوي يرجح الأكبر سناً ثم يكتبون محضراً بصورة الانتخاب ويدفعونه إلى الوالي وهذا يرسله إلى ناظر التجارة. وللناظر حق مطلق في رفض عضوية أي شخص كان من المنتخبين (بفتح الخاء) ولو لم يكن ثمة أسباب قانونية. وبعد إجازة انتخاب الأعضاء وتصديقه من قبل الناظر يؤسس الوالي الغرفة بالفعل. ومدة العضوية ست سنوات ويتجدد انتخاب ثلث الأعضاء مرة كل عامين بطريقة الاقتراع ويجوز إعادة انتخاب أي عضو كان بعد انقضاء مدته مهما تكرر انتخابه للعضوية والعضو الذي يتغيب عن الغرفة ستة أشهر بلا معذرة يطلب الناظر رأي الغرفة في شأنه ثم بعد أخذ رأي الغرفة يعلن أنه اعتبر مستقيلاً من عضوية الغرفة وينتخب (بفتح الخاء) سواه في أول انتخاب (من الانتخابات الجزئية) التي تتخلل الست سنوات. ظهر للقارئ الكريم أن الانتخاب لا يشمل التجار كافة ولقد تكرر الطلب في مجلسي الأمة والأعيان لتوسيع هذا الحق ولم يسعف المجلسان هذا الطلب. وبعد أن تتألف الغرفة من الأعضاء يجتمع أعضاؤها وينتخبون لهم رئيساً أول ورئيساً ثانياً أو رئيسين ثانويين وكاتباً وأميناً للصندوق ولغرفة التجارة الباريزية وحدها الحق في انتخاب عدة رؤساء ثانويين وكاتبين ويتجدد انتخاب الرؤساء والكاتب وأمين الصندوق مرة في كل عامين ولا بأس بتجديد انتخابهم لهذه الوظائف نفسها وللولاة والمتصرفين الحق في حضور الجلسات وآراؤهم استشارية وكانوا قبلاً من الأعضاء الطبيعية يرأسون الجلسات التي يحضرونها. وإذا فقدت الغرفة ربع أعضاءها بأي سبب من الأسباب يجب انتخاب غيرهم في مدة شهرين وتدعى هذه الانتخابات بالانتخابات المتممة. إلا إذا كانت السنة التي حدث فيها هذا النقص في مجموع الأعضاء سنة الانتخابات الجزئية فيجب حينئذ التربص ريثما تجري هذه الانتخابات. ولا يجوز هذا التأخر إلى حلول وقت الانتخابات الجزئية إذا فقدت الغرفة نصف أعضاءها فأكثر. ومن حاز الأصوات في الانتخابات المتممة تنتهي مدته بانقضاء مدة العضو الذي انتخب عنه. ولا تجري المفاوضة عن أمر ما في الغرفة إلا إذا حضر أكثر من نصف الأعضاء ولا يبرم أمر إلا بأكثرية الأصوات المطلقة وإذا تساوت الأصوات فالأرجحية في جانب الرئيس. ولا يتقاضى الرئيس والأعضاء رواتب عن وظائفهم هذه ولرئيس محكمة التجارة حق التقدم عَلَى رئيس غرفة التجارة في التشريفات كما أن لأعضاء هذه المحكمة نفس الحق عَلَى أعضاء الغرفة التجارية. وللغرف التجارية استقلال تام في الأمور الداخلية وهي تسن نظامها الداخلي وتعدله كما شاءت ولها الحق المخابرة رأساً مع ناظر التجارة وغيره من النظار. والقانون صريح في أن للغرف أن تنشر محاضرات جلساتها وأكثر الغرف تستفيد من هذا الحق. وليس لأعضاء غرف التجارة صفة الموظفين ولا تعتبر أعمالهم من أعمال القوة الإجرائية بتاتاً. وإليك الواجبات الرئيسية التي يجب أن تقوم بها غرف التجارة باعتبارها شخصاً أدبياً ذا استقلال له كما عليه حقوق وواجبات:  فالبند الأول والبند الثاني من واجبات الغرف الاستشارية والثالث من حقوقها الإدارية. والغرف التجارية تؤسس مخازن عامة ومستودعات تجارية ودوراً للبورصة ومدارس تجارية وكذلك تشتري امتيازات بعض المشاريع النافعة. ولا بأس بمنح الغرف هذه الامتيازات إذا رغبت هي فيها بشرط أن لا تثبط مساعي الأفراد أو تضعف فيهم قوة الإقدام للقيام بهذه الأعمال والمشاريع. والأمور التي يرجح فيها لرأي الغرف هي كل ما له مساس بالنظامات والعادات التجارية وإنشاء غرف تجارية جديدة ودور للبورصة ومحاكم تجارية ومراكز لسماسرة البورصة والدلالين وبيان أسعار الأموال وتصديقها عند الحاجة وما له علاقة بتعريفة الدلالة وأنظمتها وتعاريف الجمارك وأصول الرسوم الجمركية وتعارف النقليات وقوانينها والضرائب التي تؤخذ لتنفق في محلها للمشاريع النافعة والعمرانية وتأسيس مصارف بنوك جديدة أو فروع للمصرف الفرنسوي ومخازن عامة وإحداث أماكن للبيع بالمزايدة. والغرف التجارية مكلفة بدفع ضريبة الباتنت عن الشغال التجارية التي تتعاطاها برخصة خاصة أو امتياز بشرط أن يكون لها من ريع صاف وأما إذا توازنت النفقات والمداخيل فلا تدفع شيئاً. ومن حقوق الغرف المهمة حق المخابرة بعضها مع بعض والاتحاد لصيانة المصالح العامة المشتركة وتنكيد بعض النفقات المشتركة أيضاً. فالمخابرة سهلت المفاوضة بين الغرف وبالاشتراك سهل القيام بالمشاريع التي لها علاقة بأكثر من ولاية. تنقسم مداخيل الغرف إلى ثلاثة أقسام: ( ١ ) ضريبة الباتنت التي تستوفى من التجار بحسب طبقاتهم ومكلفيتهم والهبات والوصايا ( ٢ ) المداخيل الغير الاعتيادية وهي الضميمة التي تضاف إلى ضريبة الباتنت والتخصيصات التي تأخذها من الحكومة وما يرد عَلَى الغرف من مبيع العقارات والقروض ( ٣ ) المداخيل الصافية التي تأخذها الغرف المذكورة من الأعمال والمشاريع النافعة والتجارية التي تقوم بها. وتنقسم نفقات الغرف أيضاً إلى ثلاثة أقسام ١ النفقات العادية ٢ النفقات غير العادية ٣ النفقات الخاصة. النفقات الأولى ما تنفقه الغرف لإدارتها السنوية. الثانية ما تنفقه الغرف لشراء أراضي وعقارات أو بنائها أو المخصصات غير العادية. والثالثة وهي النفقات الخاصة ما تنفقه الغرف عَلَى الأوضاع التي لها أو تعهدت هي بإدارتها. والقانون الفرنسوي الأخير سمح للغرف التجارية بتأليف ذخر احتياطي وهي مكلفة بتنظيم موازنة منتظمة تجيزها نظارة التجارة ولها أن تعقد قروضاً باسمها ولكن لا بد من اقترانها بإدارة رئيس الحكومة. هذه خلاصة كيفية تأسيس غرف التجارة الفرنسوية ويظهر مما سبق أنها ليست حرة تماماً وبينها وبين الحكومة صلات وارتباط. نهضة سورية لم يبق مجال للشك بأن بلاد الشام ناهضة نحو الترقي ثابتة وعزم أكيد فقد بدأت تباشير النهضة من بيروت بُعيد حوادث سنة الستين التي انتهت بمنهج الاستقلال الإداري لجبل لبنان وضعف أمرها في أواخر مدة السلطان المخلوع عدو المعارف اللدود ثم سرت نفحة من تلك الروح الطيبة بعد إعلان الحرية إذ أيقن بعض الأهالي أن العهد عهد كفاءات لا عهد شفاعات والدور دور نشاط وإقدام لا دور جمود وإحجام وأن من لا يعهد للدهر عدته يهلكه الدهر ولا من يرحمه. ولقد نال من نعمة الدستور في السلطنة كل بلد بقدر استعداد أهله وكان من توفرت لهم ذرائع التعلم أكثر ركوضاً إلى ورود مناهل العلم وليس في سورية مدينة استقام لها أمر التعليم كثغر بيروت الذي حمل إليه الإفرنج ولا يزالون يحملون علمهم وأموالهم ليربوا بها ناشئة الشرق ويخرجوهم عَلَى المنازع الغربية مازجين إلى تلقين المدنية تلقين النصرانية وقد وفقوا إلى ما قصدوا إليه منذ نحو نصف قرن. ولكن أهل البلاد انتبهوا إلى ما يلحقهم من الغضاضة إذ لوا عيالاً عَلَى ما أسسه لهم الإفرنج من المدارس فبدؤوا بتأسيس مدارس طائفية أهلية سبق إليها المسيحيون أولاً في بيروت وبعض المدن السورية ثم حذا حذوهم المسلمون في بيروت فدمشق فغيرهما ولكن البيروتيين عَلَى قلة عددهم وغناهم بالنسبة للدمشقيين فاقوا جيرانهم هؤلاء لأن اعتمادهم كان عَلَى أنفسهم واعتبروا حق الاعتبار بما حمله إليهم المرسلون من الأميركان والألمان والروس والفرنسيس وقدروا المبادئ والخواتيم فرأوا أنه لا ينقذهم من سوء المصير إلا العمل لتثقيف عقول أبناءهم عَلَى الطرق الوطنية الحديثة. أما الدمشقيون فقد استمروا وظائف الحكومة فكانوا ولم يزالوا إذا تعلموا شيئاً لا يقدرون له من الفوائد إلا بقدر ما يقربهم زلفى من الحكام ويوليهم التصدر في دست الرئاسة ولذا يرجح أن يكون مستقبل البيروتيين أكثر ثماراً جنيه في مستقبل جيرانهم اللهم إلا إذا اعتمد الدمشقيون عَلَى أنفسهم وحسبوا التوظف ثانوياً وقللوا من توقيره في نفوسهم. هذا مثال ضربناه أما سائر مدن سورية كالقدس وحيفا ويافا وصيدا وعكا وطرابلس واللاذقية وحمص وحماة وحلب واسكندرونة وزحلة وغيرها فقد هبت للتعلم بقدر ما تساعدها أسبابها ومن كان أقرب للاختلاط بالغربيين كانت نهضته أقوى وأرقى كما هو المشاهد في حال حمص إذا قيست بغيرها بالنظر لموقعها وحالها وكثرة المهاجرين منها إلى مصر وأميركا فإنا نراها آخذة نحو الرقي وهي لا تتجاوز الخمسين ألف نسمة أكثر من حلب التي تربو عَلَى مائتينيوشتان بين مركز قضاء من أعماله عشرات من القرى والمزارع وبين قاعدة ولاية عظمى من بعض عمالاتها إنطاكية والرها ومرعش بل ألوف من القرى والمزارع العامرة الغنية وتجارة واسعة تمتد إلى بغداد وإلى ولايات الأناضول كافة بل كانت فيما مضى دار ملك بني حمدان. ولكن الحلبيين ابتلوا بما ابتليت به من قبل بعض الحواضر والعواصم كالآستانة التي يعول أهلها عَلَى الحكومة في ترقيتهم وكاد بعضهم يتناسون لسانهم ليتعلموا اللسان الرسمي فيتسنى لهم به أن يتوسد إليهم الوظائف التي تتلمظ بحلوائها شفاه كل وكلة تكلة يحب أن يعيش كالحلمات الطفيلية بامتصاص دم غيره. أمام الأمة اليوم طرق ثلاث تسلكها أو أحدها للخلاص من ربقة الجهل ومصافحة أنامل الحضارة عَلَى ما يجب وبقدر ما يجب وهي إما أن تضع جميع أمانيها بالحكومة وتنتظر الفرج يأتيها عَلَى يد نظارة معارفها وهو بعيد الحصول قليل الثمرة مهما برقشه المبرقشون وزينه السائسون والحاكمون. فنظارة المعارف العثمانية قد سنت نظام التعليم الابتدائي والثانوي والعالي بحيث يلاءم الآستانة وبعض ولايات الأناضول التي يتكلم أهلها بالتركية ولم تسنه بحيث لم ينطبق مع حاجة ابن قوصوه ويانيا ومناستر وأشقوردة مع حاجة ابن وان وأرضروم وتبليس ومعمورة العزيز أو سورية وبيروت وطرابلس الغرب واليمن. فالذين سنوا قانون المعارف كانوا متأثرين بعوامل حب قوميتهم ولسانهم فلم ينظروا إلى الأثر النافع الواجب إعطاؤه لأهل كل إقليم بحسب محيطهم ومزاجهم بل سنوه وأكثرهم لا يعرف من حال الولايات إلا النزر اليسير الذي لا يخول صاحبه حق التشريع لأنة مختلفة اللهجات والحاجات. وبعد فإنا لا نعرف كيف نعلل إجبار ابن جبل عجلون عَلَى دراسة التركية قبل أن ينال حظاً من لغته. فإذا حملناه عَلَى تلقف لغة أجنبية قبل أن يحكم أصول لغته هل يكون فائدة منه لأمته ووطنه يا ترى؟ وهل بدراسة مختلة الأسلوب يتيسر لنا أن نترّك هذا العجلوني مادام لا غنية له عن بلاده وقد لا يخرج منها إلا لقضاء الخدمة في الجندية ثم يعود لمحراثه وسكته وثوره وجمله وحماره. أليس الأولى له أن يتعلم من لغته القدر اللازم من كتابة وقراءة وبعض العلوم العملية الضرورية؟ وكيف يتيسر عن غريب عن لغة لا يعاينها ولا يسمع لهجتها ولا يقرأ آدابها أن يستطيع بها التعبير عن مقاصده في مثل هذه المدة القصيرة من دراستها. أما هو أنفع للدولة والأمة إذا تعلم هذا الفلاح باللغة التي هي أقرب إليه وانصرف إلى أرضه وزرعه أكثر من تعليمه لغة صعبة عليه لا تنفعه إلا إذا طمح للاستخدام في الوظائف الإدارية والعسكرية ومن يبقى عند ذلك يا ترى للتوفر عَلَى إخراج ثروة البلاد والإنفاق عَلَى هذا الجيش الكثير العدد والعدد وسائر ما يشترك العثمانيون في تسديده في ميزانيتهم من النفقات. إن معنى الوقوف بالعجلونيين عند حد تلقين مبادئ التركية هو أن الحكومة تريد أن تجعل من جمهور الأمة حكاماً وأمراءَ وضباطاً حتى تكون مادة حياة البلاد آخذة بالدثور ويصبح الناس كلهم كمسلمي الآستانة لا يحلمون بغير الوظائف ولا يرون السعادة إلا من طريقها. هذا مات كان من إصلاح نظارة المعارف في البلاد العربية أما مدارس الأجانب فلا تخلو أيضاً من مضار لأن معظمها يأتينا باسم النصرانية ليلقنها الموافق والمخالف وينشر آداب لغته وحب بلاده فترى التلميذ يتخرج من تلك المدارس وهي أرقى من المدارس العالية في الآستانة أيضاً ملماً بلغته ولكنه محكماً اللغة التي تلقى مبادئ العلوم وجاهلاً كل الجهل بما ينفع بلاده وقد لا يعرف من تاريخها وعمرانها واجتماعها أكثر مما يعرف عامة الطليان والأسبان عنا فلا يلبث وقد زينوا له حال الغرب أن ينقلب إليها مهاجراً فكأن هذه المدارس برزخ تنقل الدارسين فيها من وطنهم لتعدهم خدمة لأوطان أخرى وبفضل تلك المدارس هاجر من سورية زهاء ثلثمائة ألف نسمة وبعضهم من المتعلمين يطلبون الرزق في جمهوريات الشمال والجنوب من أميركا ومستعمرات أفريقية فخربت بذهابهم بلادهم وهم لم يستفيدوا بقدر ما فادوا به. ومن ثم لم يبق لنا سوى الأمر الثالث الذي يجب علينا الاعتماد عليه الآن لنهوضنا ونعني به المدارس الأهلية والسعي في تحسين حالتها المادية والأدبية فهذا النوع من المدارس هو هو معقد آمالنا ومنه تنبعث شعلة نور الحق وتأييد كلمة الوطنية وتحيا اللغة العربية فلو أنشئت مثلاً في كل بلدة وقرية مدرسة أهلية كالمدرسة العثمانية والمدرسة العلمية في دمشق والمدرسة العثمانية ودار العلوم في بيروت مثلاً ووسد التدريس فيها إلى خيرة رجال العلم والأدب يثقفون العقول عَلَى منازع الفضيلة وحب الوطن والسعي إلى الكمال العقلي لنشأ لنا منها بعد زمن وإن كانت بدرجتها أدنى من المدارس الثانوية وأرقى من الابتدائية ناشئة تستطيع أن تعمل كل عمل وتستعد إلى التبريز فيه لأنها تكون عارفة بتاريخ بلادها وعظمة أمتها ومنزلة لغتها من لغات الشرق والغرب تنفع بما تعلمته العامة قبل الخاصة. شاهدنا غير واحد من أهل هذه البلاد ممن درسوا في مدراس الأجانب العالية فأحكموا لغة أوربية أو درسوا في مدارس الحكومة العالية فأحكموا اللغة التركية فما رأيناهم إلا قاصرين غير نافعين لأنهم ضعفاء في التعبير عن مقاصدهم بلغتهم وشاهدنا من عانوا لغتهم وشدوا شيئاً من آدابها فاقتدروا عَلَى الكتابة والخطابة فيها مع ما أحكموه من اللغات الأجنبية والعلوم الحديثة وأصبح العلم الذي درسوه ملكاً لهمم لا ملكاً لهم يصورونه متى شاؤا في المظهر اللائق به فينتقلون من أسباب المدنية ما يطبقونه عَلَى مصلحة بلادهم لأنهم يعرفون داءها ودواءها ويشعرون بالواجب عليهم لها. رأينا أكثر من أحكموا اللغات الأعجمية الأجنبية إحكام أبنائها لها إذا قضي عليهم أن يبقوا في أرضهم بعد سن الدراسة صماً بكماً في المجالس عمياً عن مصالح الأمة والبلاد لا يحسنون المدخل والمخرج دأبهم التأفف من أهل بلدهم لأنهم لا يفهمونهم وما ذلك إلا لأن تلك اللغة التي أحكموها وزهدوا في لغة آبائهم قد نقلتهم إلى عداد أهل تلك اللغة فكثروا سواد العرفين بها ولو تعلموا العلوم بلغتهم لنقلوها إليها فزادوها قوة بدلاً من أن تزيد بضعفهم ضعفاً. وأحسن واسطة لإرضاء العناصر العثمانية التي لا تقل عن اثني عشر عنصراً تتكلم باثنتي عشرة لغة مختلفة أن تترك حرية التعلم لكل عنصر يتعلم لغته وبعض ما يبدو غناؤه من اللغات الأخرى والعلوم وبذلك يسهل إشراب القلوب محبة الوطنية وتحضير العامة عَلَى أسرع صورة مقبولة وربطهم برباط الوحدة العثمانية ومن أحب الاستخدام يدخل المدارس الثانوية فيحكم التركية ومن أحب الاتجار والتمحض للعلم يحكم لغة راقية من لغات أوربا مشفوعة بالعلم الذي يلزمه الإخصاءُ فيه فإن الفلاخي والبلغاري والرومي والأرناؤدي والأرمني واللازي والجركسي والتركي والكردي والبشناقي والإسرائيلي والعربي يصعب جداً تحضيرهم في قرون كما صعب عَلَى النمسا أن تربط الجرماني بالمجري بالتشيكي بالبوهيمي بالبوشناقي بالكرواسي بالبولوني إلا بعد أن أطلقت لأهلها حرية أن يتعلموا بلغتهم وبدون ذلك لا تنهض البلاد. سير العلم والاجتماع المدارس الصناعية في ألمانيا كتب أحد رجال الفرنسيس كتاباً سماه ألمانيا العاملة جاء في بعض فصوله ما تعريبه: إن السائح الذي يجتاز ألمانيا يدهش في العادة من أنه لا يرى بيتاً قائماً وحده في الأراضي الزراعية بل أن جميع المساكن في الحقول منضمة بعضها إلى بعض بحيث يتألف منها أحياناً مدن وهذا مما يدل عَلَى فكر الاشتراك المتأصل في العنصر الجرماني الذي يستغرب حال شخص يريد الابتعاد عن أخيه وهناك شيءٌ آخر وهو أن معظم حكومات ألمانيا تحظر إنشاء المساكن بعيدة عن مراكز القرى حتى لا يحرم الأولاد من الاختلاف إلى المدرسة في الأيام الممطرة العاصفة وهناك يسأل الوالدان عن ولد تأخر عن المدرسة فإذا تخلف أحدهم يجب عَلَى أقربائه أن يبينوا معذرته وإلا فيجازون أشد الجزاء. وعلى رؤساء المعامل الذين يستخدمون في الخلاء عملة أو موظفين أن يضمنوا لأولادهم حملهم كل يوم إلى مدرسة القرية القريبة وإذا كثر العملة في بقعة بعيدة وزاد سودهم تؤسس في الحال مدرسة عامة وتكون في العادة بإعانة من صاحب المعمل. وكان من أثر هذه العناية أن قل عدد الأميين في ألمانيا بحيث لا تجد واحداً في الألف عَلَى أنهم لم يكتفوا بتعليم مبادئ فقط بل إنك لا تدخل قرية ولا معملاً ولا بيتاً إلا وترى الجرائد والكتب في الأيدي تتدلى ويستفاد منها وذلك بين جميع طبقات الألمان. للتعليم الابتدائي والأوسط في ألمانيا ميزتان لا نظير لهما في سائر الممالك وهي أنه لا يبعد المتعلم عن العيشة البيتية بين ذويه وهو سلم للتعليم الصناعي الذي تختلف درجاته وتراه نظرياً وعملياً في آن واحد. وماذا أقول في دروس الأشياء والمجاميع النفسية التي تراها في المدارس الألمانية والتعليم بالنظر والذهن والعمل والنزهات المفيدة وغير ذلك من أنواع التربية. وما من ألماني إلا ويتعلم شيئاً من التعليم الصناعي ففي هذه البلاد التي يكاد الناس كلهم يعملون قد وقع في النفوس أنه لا يجوز لأحد أن يتعاطى صناعة من الصنائع المقررة قبل أن يتعلمها بالنظر والعمل وهذا ما أدى إلى إنشاء كثير من المعاهد الملوكية والإمبراطورية والبلدية والخصوصية تقصدها الأمة فتستقي من مواردها قوتها المنتجة والعقلية. وأعظم هذه المعاهد وأقدمها وأشهرها هي كلياتها وعددها اثنتان وعشرون كلية وكانت كل إمارة من الإمارات الألمانية فيما مضى تحاول أن تكون لها كلية فأقدمها كلية هايدلبرغ أنشئت سنة ١٣٨٦ وأحدثها كلية بون أسست سنة ١٨١٨ . وقدم الكلية عنوان شرف لها وقد بقيت كلية هايدلبرغ أكثر الكليات محافظة عَلَى منزلتها السامية أما كلية برلين التي أنشئت سنة ١٨٠٩ فطلابها أكثر. ومن أشهر كليات ألمانيا كلية ليبسك أنشئت سنة ١٤٠٩ وهي تفاخر بأنه كان من جملة أساتذتها الفيلسوف لايبنتز ومن جملة طلابها كيتي وريتشارد فانير. ولئن كانت الكليات في ألمانيا مستقلة حرة عَلَى صورة لم تحصل عليها كليات فرنسا فهي منظمة بنظام واحد فالكليات مهما كانت وجهتها في تعليمها نظرية أو عملية لا تتنافس في إعداد المهندسين وصناع والمباحث التي يستفيد منها أمثالهم لا يظفرون بها إلا في المجامع الكيماوية والطبيعية في المدارس الصناعية هي التي يتخرج فيها أرباب الهندسة والصناعات وهذه المدارس تابعة لكل إمارة وهي في بلادها تدير شؤونها وتعطي الدارسين فيها شهاداتهم بعد دراسة أربع سنين وعددها اثنتا عشرة مدرسة وهي في مدن إكس لاشبل برلين برنسويك كارلسروح درامستاد درسد هانوفر مونيخ ستوتكار دانزيكبرسلو فريبورغ في هذه المدارس زهاء اثني عشر ألف طالب فيخرج منهم كل سنة ثلاثة آلاف مهندس عدا من يتخرجون من المدارس الثانوية الصناعية. وقد كانت الكليات هي التي تمنح لقب دكتور أشرف الألقاب وأعلاها في ألمانيا وبعد جدال طويل في مجلس النواب تقرر أن من حق تلك المدارس الصناعية أن تمنح هذا اللقب وبذلك خرجت ألمانيا عن تقاليدها القديمة بعض الشيء ولا تسل كيف ينظر أولئك الفلاسفة واللاهوتيون واللغويون أخلاف الفلاسفة هيكل وكانت وليسنغ لمن نالوا شهاداتهم عَلَى طريقة أميركا الشمالية لأنهم أتقنوا صناعة من الصناعات. والألمان أحرص الأمم عَلَى لقب دكتور حتى أنك إذا لم تطلق هذا اللقب الشريف عَلَى من ناله عد ذلك منك سخرية وفي ذلك دليل كبير لميل هذا الشعب للعلم والتلقب بألقابه وقد كان للإمبراطور غليوم الثاني يد طولى في إعطاء المدارس الصناعية حق إعطاء هذا اللقب الشريف حتى قال في خطاب له ألقاه عَلَى تلامذة المدرسة الصناعية قرب برلين: إنني أغتبط لأنني استطعت أن أمنح للمدارس الصناعية العالية لقب دكتور أنتم تعلمون أنني تحملت مقاومات شديدة في هذا السبيل أما اليوم فقد اضمحلت وقد أردت أن أجعل للمدارس الصناعية المقام الأول لما لها من المنزلة السامية لا من حيث العلم العملي بل من حيث الوجهة الاجتماعية. ونظام هذه المدارس واحد وتعليمها واحد اللهم أن بعضها تبذل العناية في فروع تمس حاجة أقطارها لها مثل مدرسة أكس لاشبل التي تعنى بتعدين المناجم كل العناية ومدرسة دانزيك التي تعنى ببناء السفن. وكان من ظفر هذه المدارس بإعطاء لقب دكتور أكبر دليل عَلَى غلبة الحديث عَلَى القديم. ومدة الدراسة في المدارس الصناعية أربع سنين يدخلها من بيده من الوطنيين أو الأجانب شهادة من مدرسة ثانوية وفيها يتجلى ميل الألمان للإخصاء فيعلمون ما يعلمه غيرهم من الأمم فرداً واحداً لخمسة أفراد قائلين أن الذهن لا يتسع لإكثار المواد عليه ففي مدرسة هانوفر مثلاً أناس يتعلمون فن البناء وآخرون الهندسة وغيرهم علم الحيل (الميكانيك) وغيرهم الكيمياء الصرفة وآخرون الكيمياء الكهربائية وغيرهم إجماليات وفيهم ٩٠٨ تلامذة و ١٩٤ تلميذة و ١٥٥ مستمعاً وبين الجميع ٥٩ أجنبياً من أمم مختلفة والدروس عملية أكثر منها نظرية وهذه المدرسة خارجية يتناول التلامذة طعامهم قبل الدخول إليها وينقطعون عن العمل بعد ظهر السبت إلى صباح الاثنين كل أسبوع والألمان لا يحرصون عَلَى تعليم الهندسة لأذكى أذكيائهم بل يريدون أن يجعلوها قريبة المنال من كل أحد وهم يستعملون كل الطرق التي يرونها نافعة لئلا يتعبوا الفكر غير طائل بإغراقه مدة ساعات في قراءة صورة لذلك ترى الأساتذة يأخذون تلامذتهم إلى معامل خاصة وكثيراً ما تكون بعيدة عن المدرسة ليطلعوهم بالعمل عَلَى ما ينبغي لهم الاطلاع عليه من الآلات والأدوات كل معامل المدرسة وغرفها وحجر كتبها وصفوفها منارة بالكهربائية أو الغاز عَلَى صورة لا تضر بصحة عيون الطلبة حتى أنه ليقل جداً عدد الحسر بين الألمان لشدة العناية بصحة العيون. ومثل ذلك يقال عن مدرسة دانزيك وهي خاصة بأعمال الهندسة للعمارات البحرية وأعمال الري والمرافئ ومجاري الماء وهي كسائر مدارس الصنائع الكبرى أشبه بقصور الملوك منها بالمدارس لما حوت من المرافق والردهات والمماشي والساحات والأدوات وهذه المدرسة قد كلف بناؤها فقط سبعة ملايين فرنك ويكفي أن يتصور القارئ عظمتها إذا قلنا له أن فيها ٩٤ ألف متر من الأسلاك الكهربائية و ٢٠٤٥٠ متراً من اللوالب و ٢٩٠٥ مصابيح بيضاء متأججة و ٣٧٢ مصباحاً ذات قوس قوتها ٢٨٥٨٥٠ شمعة. وقصارى القول أنك لا تمر بقرية ولا قصبة ولا مدينة ولا عاصمة في ألمانيا ولا تجد فيها مدارس صناعية كبرى وصغرى عَلَى نفقة الحكومة أو البلديات تعلم الصناعات المختلفة بحيث فاض عددهم عن حاجة البلاد وذلك لأن الشعب الألماني موقن بأن الواجب أن يسلح كل ولد في الوطن الألماني بالأسلحة الضرورية في الجهاد الاقتصادي. مخطوطات نادرة في المدرسة الأحمدية في حلب خزانة كتب عربية مخطوطة نجت من عوادي الدهر فكانت أحفل مكاتب الشهباء. وإلى القارئ المخطوطات التي لها علاقة بموضوع هذه المجلة ننقلها من فهرست سليم أفندي البخاري من علماء دمشق منذ بضع عشرين سنة كتب الأدب والدواوين: كتب التاريخ: كتب منوعة: ذهب المصارف أغنى مصارف العالم بنقوده مصارف فرنسا ولذلك تهرع إليه كل دولة تريد أن تعقد قرضاً فقد بلغ ما في خزائنه من الذهب سنة ١٩١٠ — ١٣٤.٨١٨.٠٠٠ جنيه وما في مصرف روسيا ١٢٢.٣٢٠.٠٠٠ جنيه وما في مصرف النمسا والمجر ٥٥.٤٥٦.٠٠٠ وما في مصرف إيطاليا ٤٨.٣٢٠.٠٠٠ وما في مصرف إنكلترا ٣٧.٣٤٨.٧٤٠ وما في مصرف ألمانيا ٣٢.٢٥٠.٣٥٠ وما في مصرف إسبانيا ١٦.٧٦٠.٠٠٠ وما في مصرف هولندة ١٠.٠٦٧.٣٣٠ هذا في أرقى ممالك أوربا وقد بقيت البلجيك والبرتقال وسويسرا والدانيمرك واسوج ونروج والصرب وبلغاريا ورومانيا والجبل السود فكم تبلغ النقود الموجودة في المصارف العثمانية يا ترى؟ أمالي تاريخية المعتصم سمي المثمن ذكر أبو الفرج: أن المعتصم لخليفة العباسي المتوفى سنة ٢٢٧ هـ ٨٤١ م كان يسمى لأنه كان الثامن في إحدى عشر أمراً أولها أنه ثامن ولد العباس والثاني أنه ثامن خلفائهم والثالث أنه ولي الخلافة سنة ٢١٨ هـ ( ٨٣٣ م) وكانت مدة خلافته ثماني سنين وثمانية أشهر وثمانية أيام. وولد له ثمانية بنين وثماني بنات وكان عمره عند وفاته ٤٨ سنة وكان مولده في شهر شعبان ثامن الشهر من السنة. ابن مقلة المثلث من غري ما روى المؤرخون أن ابن مقلة الخطاط الشهير تولى الوزارة ثلاث مرات لثلاثة خلفاء المقتدر والقاهر والراضي وسافر ثلاث مرات ودفن ثلاث مرات لأنه دفن أولاً بموضع فجاء أهله ونبشوه ودفنوه في موضع آخر ثم نبش ثالثة ودفن في موضع ثالث. الخليفة الراضي بالله من غريب ما نقله المؤرخون أن الخليفة الراضي بالله العباسي المتوفى سنة ٣٢٩ هـ ٩٤٠ م ختم الخلفاء في أمور منها أنه آخر خليفة كان له شعر يدون. وآخر خليفة خطب كثيراً (وأما من بعده فخطبوه نادراً). وآخر خليفة جالس الجلساء ووصل إليه الندماء. وآخر خليفة كانت له نفقته وجوائزه وعطاياه وجراياته وخزائنه ومطابخه ومجالسه وخدمه وحجابه وأموره عَلَى ترتيب الخلفاء المتقدمين. المرأة اليابانية كتب عالم ألماني في تربية النساء في يابان فقال: لم تكن المرأة اليابانية إلى أواسط القرن التاسع عشر غير سجينة بيتها وأسرتها فكان اليابانيون يعتقدونها من عنصر أحط من عنصر الرجال ولما أرادت يابان أن تدخل مضمار الترقي حقيقة تغيرت وجهة الأفكار بسرعة في التربية كما تغيرت في السياسة وفي سنة ١٩٠٢ كان في يابان ٧٠ مدرسة عالية للفتيات وكان عدد الطالبات في مدرسة المعلمات ٣٢١ ألف طالبة سنة ١٩٠٣ . وبعد أن ساح الأستاذ ناروس سياحة علمية في أميركا عاد إلى يابان فعضده أناس من كبرائها مثل الكونت أوكوما والبرنس إيتو فأنشأ سنة ١٩٠١ أول مدرسة كلية للنساء التي أصبح المتعلمات فيها والمستمعات بعد ثلاث سنين ألف امرأة. والذي يزيد في العجب من هذا الإصلاح السريع هو أن يابان لم تغفل في تربية النساء عن الوجهة العملية فالفتيات يدرسن دروساً عالية ولا يفوتهن استعدادهن لوظيفة الزوجة والأم وهن يعشن عيشة أسرة واحدة وليس في المدرسة تعليم ديني بل يعلم فيها التسامح وخفض الجانب!. مدارس الغابات كان الأولاد في كل زمان ومكان يهربون من المدرسة والكتاب لأن منهم من لا يقدرون أن يخالفوا ما ركز في غرائزهم من تطلب الهواء الطلق والحركة وذلك لرداءة بناء مدارسهم ولأن وضعها غير طبيعي ونظامها مختل معتل وقد أخذ علماء التربية والتعليم في أوربا يدركون كل الإدراك أن من مدارسهم ما يجلب السقم ويميت الهمم وكان السابق إلى ذلك أناس في ألمانيا وإنكلترا وسويسرا فقاموا يطبقون بين الضروريات الطبيعية ومطالب المدنية الحديثة حتى يحولوا دون الأولاد والهرب من الكتاتيب والمدارس فيتمتعوا في مدارسهم بما تتطلبه أجسامهم من الهواء والنور ويسرحون ويمرحون تحت غابات الصنوبر والزان. قالت مجلة التربية ونشأت هذه الفكرة في برلين لأن هذه المدينة القديمة ضيقة النطاق فاسدة الهواء لما فيها من تراكم الأنفاس حتى أن خمسة عشر ألف نسمة من أهلها يعيشون في أقبية تكون دافئة في الشتاء ورطبة بعض الشيء في الصيف فمدينة شارلوتنبرغ الملاصقة لبرلين هي التي منها نشأت هذه الفكرة لأن أبناءها كانوا بضعفهم الناشئ من رداءة هوائهم لا يستطيعون أن يسيرون مع أقرانهم عَلَى حين أن مدينتهم هي أم التعليم وفيها أعظم كلية صناعية فلم يستطيعوا أن يجاروا أقرانهم فرأى أحباب الإنسانية هناك أن يتنقلوا أولئك الأولاد إلى مدارس في الغابات تكون لهم بمثابة مصاح أو مصيف عَلَى سواحل البحار فإذا قويت أجسامهم يقوى ذكاؤهم والعقل السليم بالجسم السليم. رأوا أن أبناء هذه المدينة اضعف من غيرهم بذكائهم وما سبب ذلك إلا ضيق حاراتهم وفساد أهويتهم وأن الأولى نقلهم من المدن إلى الفلاة وها قد أصبحوا الآن يبعثون بالأولاد ممن ليسوا مرضى حقيقة وهم مصابون بالهزال أو ضعف الرئتين والقلب أو ظهرت عليهم أعراض داءِ الخنازير أو غيره من مفسدات الدم — يبعثون بهم إلى مدرسة الغابات بدلاً من أن يذهبوا إلى المدارس الخاصة بالتلامذة المتأخرين فالمدارس الجديدة ليست للمرضى الذين يعدي بعضهم بعضاً ومعاملتهم من أقسى ما يكون من الشدة بل هي مدارس المرشحين للسل وغيرها من الأمراض كما يقول الأطباء فتداوي فيها صحتهم وينقذون مما يتهددهم بدون أن يحولوا بينهم وبين دروسهم أو يضيعوا عليهم سنة كاملة. قام الشارعون بهذا العمل وهم يتخوفون الفشل والناس في ألمانيا لا ينظرون في الأعمال الجديدة إلا إلى ثمراتها الأولية وساعدهم البنك الألماني في مشروعهم بأن ابتاع لهم أرضاً وأعطاهم إياها بلا ربا والأرض واقعة في غابة عَلَى بضعة كيلومترات من شارلوتنبرغ يسير بينها وبين الغابة ترمواي كهربائي يصل بين المدينة وأول الغابة في عشرين دقيقة ثم يسير الإنسان من المحطة إلى المدرسة عشرين دقيقة عَلَى قدمه وسط الغابة وهواؤها عليل أكثر من المدينة وصاف للغاية. ومن أهم ما فيها انبعاث رائحة القطران والصمغ من الصنوبر والرتينج وليس في هذه المدرسة أكثر من مئة طفل وطفلة جعلوهم في أكواخ من خشب سدوها من الداخل بقماش ولم ينفق عليها كثيراً بل بل بذلت العناية للتوقي فيها من الضباب والمطر وهناك بنايتان من الخشب وهما عبارة عن صفين يفصل بينهما غرفة للمعلم أو المعلمة وفي الجدران بعض المصورات الجغرافية والألواح وموقدة من القاشاني لا من الحديد المصبوب لأن الحديد مضر باتفاق علماء الصحة وهناك تجري الدروس ففي المطر تقام الصفوف بين هاتين البنايتين عَلَى أن تترك النوافذ مفتحة ما أمكن وفي أوقات الصحو تقام الدروس في وسط الغابات تحت أغصان شجر الصنوبر القديمة والأولاد جلوس عَلَى العشب وعلى المروج اللينة وعلى مقربة من غرف المدارس أنشئوا سقيفات مفتحة من أطرافها الأربعة لأنها إذا كانت مفتحة من جهة واحدة تكون معرضة لمجرى الهواء وتكون سطوح هذه السقيفات متينة تقاوم الأعاصير والأمطار ويكون من تحتها بمأمن من الرطوبات والرطوبات هي عدوة مدارس الخلاء. وهناك أيضاً بعض سقيفات اخف من الأولى وأصغر وبجانبها سقيفة واسعة طولها ٢٧ متراً وعرضها ٦ مفتحة نحو الجنوب ويمكن أن تؤوي ٢٠٠ إلى ٢٥٠ طفلاً. فتحت هذه السقيفات البرية المبثوثة في الغابة يتسلى الأولاد عندما يتعذر عليهم أن يخرجوا من المطر إلى تحت السماء وهناك يستريحون فيجلسون عَلَى الكراسي المستطيلة كلما حالت الرطوبة دون تنزههم تحت الأشجار ولكن تصل إلى عيونهم ورؤوسهم رائحة الصنوبر وبعض أشعة الشمس. وفي إحدى السقيفات مناضد مستطيلة ودكات جعلت بيتاً للغذاء وفيها صحاف وكؤوس منمرة عَلَى نظام تام يجلس إليها الأولاد أوقات الطعام كل واحد في مكانه الخاص به وفي وسط هذه البنايات الخفيفة أنشئت بناية أكثر متانة وهي من خشب أيضاً قسموها أقساماً فمنها قسم للمديرة وآخر للمطبخ وثالث لحفظ الطعام ورابع قبو وحمام أو حمامان للذكور وآخر للإناث أما الحمام فعلى غاية من النظافة. وعلى هذا كان الماء الحار والماء البارد والحركة والرائحة والهواء والشمس مساعدة عَلَى تقوية تركيب الأولاد. وفي هذه المدرسة مستشفى صغير موقت لما قد يطرأ من الأمراض والعوارض عَلَى الأولاد. وليس لهذه المدارس وفيها ٢٥٠ ولداً سوى المديرة وإليها يعود أمر التربية والصحة وملاحظة الخادمات والمطبخ وستة معلمين وثلاث معلمات. تبدأ هذه المدرسة بالدروس عندما تعود الحياة إلى الغابات والخضرة في الربيع أي بعد عيد الفصح وتدوم بحسب مساعدة الجو وربما دامت إلى النصف الأخير من كانون الأول ولكن من العادة أن تطول مدة الدرس إلى آخر شهر تشرين الأول في شمالي ألمانيا وإلى منتصف تشرين الثاني في جنوبيها فيأتي الأولاد نحو الساعة السادسة ونصف صباحاً فتطوف بهم إدارة المدرسة فقي الغابات إلى الساعة الثامنة راكبين في ترمواي معد لهذا الغرض وفي تلك الساعة تبدأ الدروس وفي العادة ألا تطول مدة كل صف أكثر من ٢٥ دقيقة فبعد الصف الأول يعطى التلميذ خمس دقائق للراحة والنزهة وبعد الصف الثاني عشر دقائق. والأطفال الصغار ومن بعدهم لا يدرسون في اليوم أكثر من ساعتين والأكبر منهم سناً يدرسون ساعة زائدة. والصف لا يتألف من أكثر من عشرين تلميذاً ليتيسر للمعلم أن يعنى بكل واحد من المتعلمين عناية خاصة ويدير شؤونهم وأعمالهم. وقد رأت إدارة المدرسة أن أربعة دروس يدوم كل واحد خمسة وعشرين دقيقة أفضل من دروس يدوم كل واحد منها ٥٥ دقيقة وفيها ٤٠ إلى ٥٠ تلميذاً وإن الأحرى ترك التلميذ يسرح ويمرح في الغاب لا أن يقعد عَلَى الدكة يستمع ٣٥ من أترابه يسمعون دروسهم مما لا يزيده إلا ثلم حاسة الانتباه فيه ويدخل عَلَى نفسه الاشمئزاز من الدرس مهما كان جذاباً أما الدروس التي يدرسونها في هذه المدرسة فهي دروس المدارس الابتدائية في ألمانيا ومختصر اللغة المحلية الألمانية وتاريخ ألمانيا ومختصر التاريخ العام والجغرافيا والحساب والتاريخ الطبيعي والغناء والرسم ودروس الأشياء وقليل من اللغة الإفرنسية لبعض الطلبة ويعنون عناية خاصة بتدريس اللغة الألمانية والتاريخ والجغرافيا والغناء. وإن كان الغناء من دروس التسلية أكثر من الدروس الجدية. والتاريخ الطبيعي والنبات والغناء والرسم في الغابة غالباً وفي جوار المدرسة بالعمل ومعلوماتهم أكثر بخلاف عقول من يتربون من الأولاد عَلَى هذه الطريقة أثقب ومعلوماتهم بخلاف عقول من يتربون في المدن وما يحصلونه. وقد جعلت الألعاب بحيث تقوي نشاط الأولاد وتلقيفي نفوسهم فكرة الإبداع والاختراع فترى المدرسة قد خصت صغار الأولاد بقطعة من الأراضي مرملة يلعبون فيها ويحفرون ويطمون ويبنون بأغصان الخلاف جسوراً أو حصوناً وأنفاقاً ومجاري وكثيراً ما تستحيل هذه المسليات إلى صورة درس في الجغرافيا أو الطبوغرافيا فيرسمون بعض أنهار بلادهم وما عَلَى حفافيها من الأراضي والمصايف والحصون. وكبار الأولاد يدربون صغارهم عَلَى هذه الألعاب كما أن المعلمين يلاعبون كبار الطلبة بدون أن يظهروا بأنهم في صدد درس بل أنهم في لعب ونزهة. ولطالما لاحظ علماء التربية أن جهاد المرء إذا صرف إلى غاية نافعة يكون عليها في نفس الطفل لذة زائدة فتؤثر في تربيته أكثر مما تؤثر الأعمال التي لا نتيجة لها فقد قال أرسطو أن كل حي يحب نشاطه. فإذا كان العمل فرحاً فهو كذلك عَلَى شرط أن يتم لا بالإكراه بل بحرية أي أن يتم بإرادة المرء مدفوعاً إليه بغايته الطبيعية وهي الإيجاد والإيلاد والإحداث. ولذا اختصت المدرسة كل تلميذ بقطعة صغيرة من الأرض حديقة يزرعها ويستنبتها ما يريد فهو مالك هذه الروضة الذي لأراد لحكمه وله ريعها زهوراً كان أو ثماراً فترى أحدهم يزرع قرنفلاً أو ورداً ليقدم منها باقة لكبار أسرته وآخر يميل إلى العمليات فيزرع فجلاً أو بقولاً وبقوة الماء والعناية يستخرج من تلك الأرض الرملية المحرقة غلات نافعة حتى إذا تقدم في السن يدرك كم بذل الفلاح من العناية حتى أتاه بخبز عمل من الجاودار وصفحة من البقول. وهناك طفل آخر مولع بالنبات فيربي في روضته نباتات نادرة من الغابة ويدرس كيفية نشوءها. وهكذا أُشرب أخلاق كل واحد من هؤلاء المتعلمين وكلهم يفكرون فيما يستنبتون أن يقدموا من أول غلة لأقربائهم وأبويهم دليلاً عَلَى مهارتهم وحذقهم. ولا تسل عما يبذله أولئك الأطفال من الهمم ليدخلوا الشرور عَلَى قلوب غيرهم وكم لها من الشأن والقيمة الأدبية التي لا تضاهى. أما الطعام الذي يتناوله فقد اختارته المدرسة من أقلها نفقة وأكثرها تغذية لأن المقرر الذي يدفعه التلامذة وأكثرهم من الفقراء لا يكفي لتقديم المأكولات الثمينة. وطعام الغذاء الذي يقدم الساعة الثانية عشرة ونصف وقت الظهر هو أكبر طعام وما عداه فالأولاد يأكلون كل يوم أربع وجبات الأولى الساعة السابعة يقدمون له كأساً من اللبن الحليب وقطعة خبز ومربيات لأنهم يعتبرون السكر مادة من مواد الغذاء ومقوياً. وفي الساعة العاشرة يقدمون أكلة خفيفة أيضاً وعند الظهر طعام مغذ مؤلف من ثريد ولحم لا يقل عن مئة غرام لكل ولد وبقول معدلها من ١٥٠ إلى ٢٠٠ غرام وفاكهة أو حلويات أو مربيات. وفي الساعة الرابعة يعمونهم لبناً حليباً وخبزاً بالزبدة وفي الساعة الخامسة والربع يطعمونهم قطعة من الخبز وشيئاً من اللوز الهندي (كاكاو). وأنت ترى أن اللبن والخبز أكثر الأطعمة تغذية واقلها تكلفة. ولقد كان من نتائج هذه التربية والحياة المدرسية أن كان الأولاد يأتونها ضعاف الأجسام تقرأ في وجوههم عبوسة وفي نفوسهم انقباضاً وفي أرواحهم ذلة وصغاراً لا تميل أنفسهم إلى شيء ولا تنبسط شهواتهم لشيءٍ وبعضهم لا يعرفون كيف يلعبون أيضاً فيهم خليط من أبناء الأحياء القذرة لا يعرفون الزهور ولا المروج ولا تغريد الأطيار في الأشجار ولا الحبوب ولا كيف تغيب الشمس فتسحر بمنظرها ولا كيف تشرق فيبهج النفس مرآها ولا كيف تسرح الحيوانات في الغابات ولا كيف تطن الهوام والحشرات في الشمس أو تعبث بالأوراق وها قد أصبحوا منذ أول دخولهم المدرسة وأفكارهم منتبهة ونشاطهم موفوراً وكل شيءٍ جديد لديهم كأنهم في عالم جديد يهتز منهم من لا يهتز لأمر من قبل وينبه أكثرهم رخاوة ويعود غليهم الذوق في الحياة فلا يجدون في العمل سخرة مملة عقيمة وكلما زادت قواهم الطبيعية يعود ذكاؤهم العادي إلى حالته الطبيعية. وقد أخذ وزن أجسام الأولاد يزيد من أسبوع إلى أسبوع فكان الواحد يزيد نصف لبرة وكثير منهم زاد ثقلهم من ٩ إلى ١٠ لبرات في خلال ثلاثة عشر أسبوعاً وكما أخذت المدرسة تراقب وزن التلامذة أنشأت تراقب كمية الدم فيهم فظهرت لها نتائج حسنة وأخذوا يشفون من الأمراض وتتحسن صحتهم تحسناً ظاهراً عَلَى اختلاف أسقامهم فثبت أن المقام في تلك الغابة نفع في أكثر المصابين بداء الخنازير وفقر الدم والمستعدين للسل. هذه هي النتائج الخارجية ويصعب تعيين ما حدث للأولاد من النمو في إرادتهم ومقدرتهم عَلَى العمل وحسن خلقهم وفرحتهم بالحياة وهذا من القوى أو النتائج الأدبية لم يتيسر لأداة أن تضبط عَلَى التحقيق نموها وضعفها ومع هذا فإن لها تأثيراً كبيراً لا في صحة الأخلاق بل في الصحة الطبيعية. فالمحيط الجديد الذي انتقل إليه الأولاد وتأثير الطبيعة في نفوسهم والسكون والعمل المعقول والجهاد الحر النافع كل هذا يفعل أحسن فعل في الأعصاب التي هي كثيراً ما تهيج من هواء المدينة وضوضائها أو تضعف لقلة الهواء النقي. فمدار الغابات هي أشبه بأسرة كبرى كل امرئ سعيد أن يكون منها وكل واحد من أبنائها يحرص عَلَى أن لا يسوئ سمعتها وفي هذه الدار يتجلى للأنظار ما للعناية النسائية بالأطفال لأنهم يبوحون للمديرة التي تحنو عليهم حنو المرضعات عَلَى الفطيم بذات أنفسهم ونياتهم وأعمالهم فترشدهم وتنشطهم وتحاول أن تجعل منهم أهل حشمة من الرجال وجد من الفتيات. وإدارة المدرسة تفكر في أن تجعل مدرستها داخلية لأن الهواء النقي ينفع في حالة النوم ضعفي نفعه في حالة الإغفاء بالنسبة لهواء المدن القذرة فقد ثبت أن الطفل أثناء عودته في المساء إلى دار أبويه يفقد أحياناً ما ادخره من القوى لرداءة الغذاء أو الهواء ولانحطاط المحيط في الأخلاق والتربية أو لأسباب أخر من أسباب انفعال النفس. هذا وإن يكن الألمان أميل إلى أن يجعلوا أولادهم في مدارس خارجية أكثر من الداخلية وقد اشتهر أمر هذه المدرسة في بلاد الألمان وأخذت كثير من المدن الصناعية تحذوا حذوها كما فعلت مدينة البرفلد وكيل ولوبك ومومنيخ ومولهوس وغيرها وعمدت كلها إلى اقتصار الدرس والدروس وإشباع المواد فيها ودوام الراحة وتكثير وجبات الأكل المغذي وأجمل مدرسة تحت الغابات في ألمانيا — وكلها غابات جميلة — مدرسة غلادباش. وذلك أرسل الإنكليز أناساً من رجال التربية عندهم ودرسوا طريقة هذه المدارس وأخذوا يقلدونها لأن طريقتها أشبه بطرائقهم في التربية والاعتماد عَلَى رياضة النفس فيها أكثر من الإكثار من الدرس فلم يحبوا أن يكون الأطفال في الارتياض اقل عناية بأمرهم من الفتيات في كليتي أكسفورد وكامبريدج حتى أن بلدية لندن نفسها أنشئت ثلاث مدارس من هذا النوع وكذلك فعلت مدينتا برادفورد وهاليفاكس واختيرت أماكن نزهة فيها الأشجار الهائلة وصرف بعض الإنكليز في هذا السبيل عن سخاء. ومتى قصر الإنكليز في بذل الجنيهات كالمطر إذا كانت نتيجتها تربية القوى الطبيعية في الأطفال؟ ولقد أخذت هذه المدارس تعلم الرسم في الطبيعة والطبوغرافية عَلَى شواطئ السواقي والحساب بقياس الأشجار الضخمة وتقدير حجم جذوعها بالمتر المربع والجغرافيا بخط خطوط في الرمل ناتئة. وللاستحمام بالمضخات وغيرها المقام الأول في هذه المدارس. وللشغال العملية مكانة كبرى فالبنات يتعلمن غسل الثياب وترقيعها والعناية بالأولاد. ومن مبدأ هذه المدارس أن الواجب أن يعرف كل ولد كيف يعمل عملاً بأصابعه العشرة ولهذا من الشأن العظيم من حيث الأخلاق وتقوية العقل أكثر مما يتوهم المتوهمون. وكانت نتيجة هذه المدارس باعثة علة الرضى إذ قد ثبت أن تسعة أعشار تلامذتها زادوا زيادة محسوسة في وزنهم ونشاطهم. ولئن كان نمو القوى الطبيعية سهلاً تحقيقه بواسطة الدينامومتر ودل البحث عَلَى أن الأولاد لم يزيدوا وزناً مثل مدرسة شارلوتنبرغ الألمانية فذلك لأن الجنس الإنكليزي في الغالب غير مستعد للسمن كالعنصر الألماني وكان من التلامذة الضعاف في عقولهم أن أخذت تنشط من عقالها كلما زاد نشاط أجسامهم. وقد اغتبط الإنكليز بما تم من النجاح عَلَى أيدي مدارس الغابات ولا تلبث كل مدينة في إنكلترا أن يكون لها مدرسة من نوعها كما أن أناساً من رجال المال في أميركا قد أحدثوا في سان فرانسيسكو وغيرها أندية للأولاد تضمن لضعاف الحال والصحة السفر لاستنشاق الهواء الطلق وربما كان ذلك مقدمة لاحتذاء أميركا حذو ألمانيا وإنكلترا في إنشاء مدارس في الهواء الطلق بين أشجار الغابات. وقد أخذت سويسرا وفرنسا تفكر في إنشاء مدارس من هذا النوع لأن العناية بالصحة هيب فوق كل عناية حتى قال ديكارت الفيلسوف أنه مقتنع كل الاقتناع بأنه إذا كان ثمة واسطة لجعل البشر أذكى وأنبه مما هو فليس غير الطب يجب أن يعض عليه بالنواجذ ويلتمس منه الشفاء. عقول الأطفال في مجلة الأقرباء الإنكليزية ثلاث مقالات في إعداد عقل الطفل. الأولى في الجور الذي يجيء عَلَى الطفل من سن ١٨ شهراً حتى يبلغ ثلاث سنين وهي سن تعلمه الكلام ومقدرته عَلَى التقليد وغريزته في البحث عما لا يعلم وتكون قواه في التصور والتعقل في مبدأها وإرادته جرثومة تبدو في صورة عناد وبعد سن الثالثة تتأصل فيه قوة التعقل بمظهر أكبر وهذه هي السن التي يكون للتفكر فيها شأن رئيسي وتظهر الإرادة في مظهر أجلى ويأخذ الولد في تقرير أمور بدون أن تحمله إليها ضرورة لاحقة ولا يتيسر لهذا النشوء في عقل الطفل أن يتم عَلَى أصوله إلا بإجادة تغذيته ونومه فلطول رقاده شأن مهم في هذا السن. أما من حيث الأخلاق فالذي يجب عَلَى الوالدين هو أن يعطيهما بدون خشية لأن للخشية نتائج سيئة في مستقبله وعلى الوالدين أن يوقنا بأن عقل الطفل صغير كجسمه وأن الواجب عليهما أشياء كثيرة وهو لا يسأل معهما عن شيءٍ. والمقالة الثانية في تهذيب الطفل جاء فيها أن المهذب الحقيقي هو الذي يعلم قليلاً من كل موضوع وكثيراً في موضوع واحد. وتكون تربية الطفل تربية حرة بأن لا يغفل عما يعلمهم من الاهتمام بكل الموضوعات الكبرى والصغرى مثل القصص والرحلات والتواريخ في الحيوانات والنباتات ويجب أن تؤثر الكتب التي لها قيمة أدبية فإن الذوق يتكون منذ الطفولية كالمفردات التي يستعين بها المرء أن يعبر بعد عن أفكاره. ويجب ألا يعتقد بأن الفضيلة تحبب إلى النفس بالتنفير من الرذيلة بل بتحبيب الفضيلة نفسها وما فيها من الخيرات فإن الأبطال الذين أحببناهم وأعجبنا بهم وحاولنا تقليدهم في شبيبتنا يظلون أصدقاءنا يوم نبلغ أشدنا. وبالجملة فالواجب أن يذكر أن القراءة تعلم الأولاد وتسليهم وأن لا يكثر عليهم من الكتب المعلمة ويترك لهم اختيار ما يروقهم منها عَلَى شرط أن تكون لها قيمة أدبية أو أخلاقية أو علمية. والمقالة الثالثة في تعليم الطفل بالحديث والحوار لأنهما تؤثران في تربيته ولكتن لا مباشرة فإن الدائرة التي يلعبون فيها ويدرسون وبدائع الصنائع التي تلقنهم الجمال والنظام لا اثر لها في إمداد نفوسهم وأذواقهم بقدر حديثهم فإذا تركوا وشأنهم في حديثهم يصبحون وحديثهم نسقاً واحداً غير لائق فعلى المعلم أن يعنى بحديثهم بحيث يكون عاماً أحسن الأحاديث ما كان بحضور النساء لأن بعض مدارس إنكلترا جربت هذه الطريقة فنشأت منها خيرات كثيرة في تربية عقل الطفل. الأخلاق والعادات يرى بعضهم اختلافاً في تعيين معنى الطبيعة والعادة وأن الطبيعة والمزاج أو الأخلاق لا تؤثر فيها التربية أو أن التربية إذا استطاعت تغيير الإنسان فلا تعمل إلا عَلَى إبطاله وتلاشيه وعلماء الأخلاق عَلَى اختلاف بينهم في هذا الشأن فقد قال روسو أن التربية ليست سوى العادة لا طائل تحتها وهي عاجزة عن التأثير في المرء لأنها تجد أمامها سدوداً من مقاومات الطبيعة فلا تستطيع تغيير الميل والاستعداد ولا تقف عثرة في سبيل النشوء فليس في مقدرتها إلا أن تنير المرء وتهيئ له سبيل للانبعاث والعمل أو أنها تنشئ للمرء طبيعة ثانية وتبيد الأولى وتشحذ العقول وتعجن الأرواح وتحث الإرادات وتقويها. فقد اعتاد من يقول بأن الإنسان غير قابل للتربية أن يحتج بأن الشر مغروس في فطرته وهذه هي الحاكمة المتحكمة في تكوين أخلاقه ولكن هذا الزعم فاسد لأن الدلالة عَلَى تأثير التربية وفعلها في تغيير الطباع أمر لا ينكره مفكر. قالوا أن العادة طبيعة ثانية ومن المحقق منه أنه إذا كانت للمرء طبيعة وهذه الطبيعة متحولة بالعادة فهو من بين سائر الحيوانات خاضعة للتأثيرات الخارجية الكثيرة المنوعة التي لها الفعل الأكثر في هذه الأسباب والتخلق بها واحتذاء مثالها فإن الحس الحي اللطيف وتركيب المرء اللدن المرن المستعد بدون عناءٍ لجمع أنواع التكون وقوة الحافظة التي هي طبيعية في المرء وبها يعتاد العادات عَلَى أيسر وجه كل هذا يجتمع ليكون أخلاقاً ومظاهر في المرء متشابهة لما يحيط به من الأخلاق والأشكال وما يحفه من الأجسام. وهذا هو جملة القوى العظمى في التربية الطبيعية ومنها تنشأ في الحال التربية الأخلاقية وبذلك يكون المرء قابلاً للكمال إلى ما لانهاية له ويستطيع القيام بكل أمر. ويعتدل النظام الحيواني بالعادة خاصة فهي بطول الزمن تؤثر التأثيرات النافعة والتأثيرات الضارة. فتركيب الإنسان خاصة يستعد أن يظهر في كل من المظاهر. والمرء يستطيع أن يألف تناول السم وربما صعب عليه الإقلاع بعد من عادة كان ألفها بالتمرس بها والرجوع من القبيح إلى الأحسن فسكان البلاد الرديئة الهواء قد لا تجود صحتهم أبداً في بلاد أجود بهوائها فالمصابون بالربو (ضيق التنفس) الذين تناسبهم الأماكن الشاهقة في العادة قد يرون حاجتهم ماسة إلى هواء كثيف ثقيل كانوا اعتادوه أيام صحتهم والهواء الشديد قد يزيد أوجاعهم ويحدث لهم اختناقاً مدهشاً ولقد رأينا سجناء خرجوا من محابسهم ومطابقهم العفنة أقوياء أشداء بعد أن قضوا مدة طويلة مسجونين بجرائمهم ثم ضعفوا وهزلت أجسامهم من الهواء الطلق ولم تعد إليهم صحتهم إلا بعد أن ارتكبوا جنايات أخرى أعاداتهم إلى مطابقهم الأولى التي أصبحت لهم كأنها مساقط رؤوسهم. وهكذا ففي الواسع أن تدخل عَلَى الطبيعة تعديلات أصلية كثيرة ويمكن تجديدها وقلبها والأخذ بها في طريق غير طريقها وذلك بالعادة. ثم أن الطبيعة خاضعة لجميع المؤثرات وقابلة لاعتياد أنواع العادات فهي — خلافاً لما يقال — مرنة قابلة للتحول لا تظل عَلَى حال واحدة بل تفعل فيها الأخلاق والتقاليد ومؤثرات المحيط والعادات الشخصية. وقد قال أحد علماء التربية أن للمرء مزاجين طبيعي أو أصلي وكسبي فالأول ينشأ من مزاج الإنسان فلا يؤثر فيه إلا إذا تكرر عليه غيره وعندئذ يظهر المزاج الآخر أي أن المزاج الأصلي يؤخذ بالمزاج الكسبي وهذا الذي يعتبر كأنه مزاج الأهواء الطبيعية والعادات المكتسبة التي يقضى علينا أن نلاحظها فقط فالمزاج الطبيعي يعرف ويظن ويغلط وهو مفترض مثل شروط التربية ولكن المزاج الكسبي هو نتيجة التربية نعرفه ونثبته فهو عمل من أعمال التجارب الثابتة. فالمزاج الكسبي هو عبارة عن التبدلات التي تفعل في المزاج بحكم الوراثة — وإن كان يمكن اعتبار الوراثة جزأ من المزاج الطبيعي — ومن التبدلات الطبيعة الخاصة المشتركة بين جميع الناس وهي تنشأ من السن ومن الانقلاب الذي يحدث في الإنسان عند البلوغ مثلاً ثم من مجموع التبدلات العارضة التي تترك آثاراً باقية كنمو المرض أو الأسباب المنتظمة الثابتة كالمناخ وأصول المعيشة والأعمال العادية من جسدية وعقلية. وقد أدمجنا في جملة أسباب المزاج الكسبي المرض والمانخ وذلك لأنهما يعدلان طبيعتنا وإن كان في اليد تعديلهما لأنه في استطاعة المرء أن يقاوم المرض ويتوقاه بمراعاة قواعد الصحة ويضعفه أو يشفيه بالعرج الخاص به كما أنه يصلح أو يخفف تأثيرات المناخ أو يجعله بحيث يناسبه وإن كان ي الأكثر عرضة لتأثيراته. والمرض بغير تركيبه ويقطع الموازنة بين الأعصاب الحاسة والمحركة وتغلب الأول عَلَى الثاني وهكذا تجد في الأولاد والمعرضين للأمراض حساً رقيقاً وشعوراً قبل أوانه وذكاءً حسناً ويتحول المزاج أيضاً بحسب المناخ فترى في البلاد الباردة القوى العصبية عاملة قوية والقوى الحسية مخدرة ضعيفة وبالعكس ترى أهل البلاد الحارة أما البلاد الرطبة العفنة فالمزاج فيها بلغمي. ومهما كان من تأثير الأسباب الطبيعية في طبيعتنا فالتربية لها مدخل كبير في إعداد الرجال بل إنها هي المادة والعامل فإنا نجد فيما يستبعدنا سبباً لتحرير رقنا فمن ثم كانت التربية العامل الأكبر في طبيعتنا وإذا كان للمرض والإقليم تأثير فذلك يشعر بأن طبيعتنا قابلة للتحول. فالحرية ليست سوى اسم أطلق عَلَى مرونة تركيبنا الطبيعية والأخلاقي. وفي مكنتنا أن نعارض بين مختلف التأثيرات التي نخضع لنظامها ونكون لها سادة ونطبعها وننجو من تأثيراتها المضرة ونحرر نفوسنا من قيودها. يكاد يكون تأثير طراز المعيشة كتأثير الإقليم وأحدهما يتغلب عَلَى الآخر فإنك تجد في عرض واحد من الكرة أناساً مختلفين في طبائعهم من مثل اليابانيين والصينيين واليونان والأتراك. لا جرم أن ينسب ذلك إلى اختلاف العناصر وربما كان لأسلوب المعيشة دخل كبير أيضاً لا تقوم إلا بعض التدابير والذرائع وما قط ازدهرت إلا بين الشعوب المعتدلة. فالعادة الشائعة باستعمال الأفيون في البلاد العثمانية والصين والهند قد أثرت كالمناخ أو أكثر بل ساعدت كالحكومة أو أشد في تلك البلاد عَلَى توحيش سكانها وجعلهم غير صالحين للمدنية. واستعمال الألكحول هو أيضاً عند أمم أوربا مسألة حياة وموت. وبلسان أعم إن ضرره يلحق بالصحة عن اختياره وكل خطيئة طبيعية لها نتائج أخلاقية واجتماعية. قال سبنسر: قلائل في الناس من يظهر أنهم يفهمون في العالم شيئاً يمكن أن يسمى الخلق الطبيعي. والظاهر أن الناس يعتقدون عَلَى الجملة بأنه يباح لهم بأن يعالجوا أجسامهم عَلَى نحو ما تدرك عقولهم. وأنت ترى الفلاح طماعاً شديداً يقتل نفسه في العمل ويستعمل القسوة مع امرأته وأولاده فستنفد قواهم ويخرب صحتهم كما نرى العامل يضع كسبه في الحانة ويخل بأصول قواعد الصحة في مأكله ومسكنه بل إن عامة الطبقات في البشر تسرف عَلَى نفسها وتبذر في قواها وتعجل الخلل والهرم والعقر إليها وهكذا ضربت المدنية ضربة شديدة بأيدي السواد الأعظم الذين لا يقدرون حق قدرها واختل نظامها المادي بل إن التقدم المادي هو شرط ظاهر في التقدم المعنوي يبعث في الحقيقة من التربية والأخلاق حتى أن الأمم كإنكلترا التي تحترم الرفاهية الحديثة وتتعبد بها وتقصد من ذلك عنايتها بأمور الصحة كعنايتها بالرفاهية نراها تكاد تكون وحدها سائرة في طريق المدنية بقدم راسخة أحسن من الأمم التي لها أفكار خيالية في الحضارة. فخير ما ينظر إليه في التربية أن يلاحظ ما انطوت عليه جوانحنا ومزاجنا وأن نبني نظامنا عَلَى أساس الحياة الطبيعية. للمزاج تربية أو لا بد له من تربية وقد شوهد بأن المزاج غير ثابت من فطرته لأنه نتيجة المرض والإقليم والنظام الصحي. يثبت ذلك أن المزاج قابل للتحول غير راسخ ما نراه من تحويله لا بوسائط طبيعية بل اجتماعية كالصناعات مثلاً. فالصنعة تروض الإنسان بأجمعه وتتحكم في أذواقه وأفكاره وتقوده في سلوكه بل تعمل في تركيبه الطبيعي. ومن البديهي أن ليس الحداد والمطرز متوحدين في القوة العضلية كما ليس لهما مزاج واحد وأمراضهما ليست متشاكلة والاختلاف بين ابن الأدب الفلاح والأول ينهك عقله والآخر يتعب عضلاته يختلفان بتركيبهما الطبيعي كالاختلاف المشاهد بين فرنسوي وألماني وإنكليزي وهولاندي وربما كان أكثر. إذاً فما هو المزاج؟ الظاهر أنه يصعب ضبطه وتحديده ولا يتأتى تعيينه إلا بالفكر فيحدد لا بما هو فيه بل بما يمكن أن يستحيل إليه. ولقد نظر المشرعون والحكماء في القديم إلى التربية بأنها تدريب منظم تام لا تختل قواعده ولا يضل قاصده وعلى أيدي القدماء تحققت الأعاجيب التي تنشأ من التربية كالجندي والوطني والإنسان الذي يقصد إلى غاية كالدفاع والعظمة ومجد البلاد ولا يعيش الطامح إليها إلا لأجلها ولا يستنشق الهواء إلا لتحقيق أمنيته منها وبلوغ أربه. ولقد كان المثال البديع الذي ظهر من تربية الجندي الإسبارطي خير مثال تحدثه الأمم فأعجب تدربه القدماء والمحدثون وحق لهم أن يعجبوا لا لما تم عَلَى يديه بل لما بدا فيه من تأثير التربية أو تدريب الإنسان بالإنسان وهكذا دربت رومية رجال شحنتها. وفي إسبارطة ورومية يجب عَلَى الأخلاقي أن يفكر في تأثير التربية لأن هذه التربية لم تظهر قط بأعظم من مظاهرها في تينك العاصمتين ولم يمتد سلطانها حتى ولا في عهد اليسوعيين الذين كانوا يعجبون بما يتم عَلَى أيديهم من جعل أعضاء رهبنتهم عبيداً خاضعين وأدوات تامة. نعم فعلت التربية فعلها حتى أخرجت المرء عن طبيعته الأصلية وعدلت في مزاجه حتى اشتهى الفيلسوف ميستر ذات يوم أن يرى الإنسان في نفسه أو عَلَى فطرته فقال أنه رأى فرنسياً وإنكليزياً وإيطاليين وروسيين ولكنه لم يوفق إلى رؤية الإنسان المجرد العام بل رأى الإنسان بحسب المحيط والتعليم والتربية المكتسبة والمزاج ولكن إذا كان الإنسان الحقيقي هو محصول التربية ومجموع العادات وإذا كان أبداً ابن الأحوال الطارئة عليه والعادات والمناخ والقوانين ألا يجب أن يقال بأنه ليس له خلق خاص وأن شخصيته تضمحل بما يعدو عليها. فالظاهر أننا لا ننظر للشخصية إلا عند مقاومتها للتربية ونراها مباينة بتعريفها للمؤثرات التي تؤثر فيها. ترجع التربية إلى العادة وهنا انقسم علماء التربية إلى قسمين فمن قائل بتأثير العادة ومن قائل بعدمها. فزعم روسو بأن للتربية دخلاً قليلاً في إعداد الإنسان قائلاً أن التربية استعباد له وأن خير عادة يعودها الطفل أن لا يعود أمراً ما حتى ولا الأكل والشرب ولا النوم في ساعات معينة بل أن يعد للاستمتاع بحريته وأنت تلاحظه من بعيد كما تلاحظه في استعمال قواه تاركاً لجسمه العادة الطبيعية وأن يكون أبداً مالك قياد نفسه وأن ترى إرادته عندما يكون مالكاً لها قال والعادة الوحيدة النافعة للأولاد هو أن يستعبدوا لضرورة الأشياء بدون عناء والعادة الوحيدة النافعة للرجال هو الاستعباد للعقل بدون كبير أمر. ومثل لذلك بالنبات الذي تثنيه وتكرهه عَلَى ميل خاص فلا يلبث أن يعود إلى أصله إذا أطرحته من يدك. وقواعده هذه تنطبق عَلَى التربية بل هي قواعد التربية بذاتها إذ لا فرق بين التربية والعادة وما التربية إلا العادة فمن ثم كانت التربية تربيتين تربية ظاهرة مؤقتة وتربية حقيقية دائمة فالأولى هي التي تقاوم الطبيعة والثانية هي التي توحي إليها الطبيعة ولا تعمل إلا عَلَى ترقيتها وموافقة قانونها ولذا قال روسو أن من النسا من ينسبون تربيتهم أو يضيعونها ومنهم من يحتفظون بها. عَلَى أن الابتعاد عن الفطرة ما ينافي العقل فالحكمة تقضي بأن نعمل مع الطبيعة ولأجلها وكل تربية لا تجري عَلَى هذا النظام لا تكون عبئاً ثقيلاً فقط بل تكون عبثاً لا نتيجة لها. ومن الباطل أن نعتقد أن مخالفة الطبيعة في التربية تعني غناءها وما هي إلا ظواهر فإن معظم العادات كما قال روسو التي تعتقد أنك تلقنها الأولاد ليست عادات حقيقية لأنهم أخذوا بها بالعنف وجروا عليها عَلَى غير إرادتهم فهم يتوقعون الفرص لينزعوا ربقتها. وقوله هذا صحيح لا غبار عليه فإن بدريتو الذي أخذ وهو طفل من محيطه المتوحش وربي التربية الأوربية الدقيقة تخلى يوم خلا له الجو ونجا من أيدي مدبريه عن عيش الرفاهية الظريف وراح يعود بين أهله إلى عيش الكسل والعطالة والشقاء التي قادته إليها ميوله الإرثية ولم يعد قط إلى حالته الثانية. وكذلك كان من حال الصيني الذي تزوج من امرأة فرنسوية وأخذه معها إلى بلاده فلما بلغها أخذ ينظر إلى زوجه بأنها غير مساوية له وانقطع عن معاملتها معاملة متمدنة. وبهذا تبين أن التربية ليست غالباً إلا طلاء يزول لأقل عارض. وقد قال الفيلسوف ريبو أيضاً أن الطبيعة لا تعاند وإن للإرث والميول الطبيعية دخلاً كبيراً في التربية. ومن رأي روسو أن العادة لا يمكن إلا أن تكون منطبقة عَلَى الطبيعة. وقالت العقيلة نكرسوسور التي ناقضت روسو في نظرياته وجعلت للعادات في التربية الشأن الذي أراد روسو أن يسلخه عنها أن الولد ليس إلا كائناً لدناً رخيصاً قابلاً للتحول مستعداً إلى التطبع بالعادات يتناول ذلك عَلَى أيسر وجه بدون نكير وليس في العادات عائق عادي يخدر قواه بل إن الاتفاق يتم أبداً بين الخلق والعادات وكلما كان الولد فتياً في السن انبعثت عاداته من أخلاقه ومن نفسه. وبالجملة فإنه يحصل للولد ذوق في العادات التي يعتادها فيقع استحسانه عَلَى ما يراه. قالت إنها رأت طفلاً في الشهر التاسع من عمره يبكي بكاءً شديداً ويأبى أن يتناول غذاؤه لأن الفنجان والصحفة الملعقة لم تكن موضوعة في محلها التي جرت العادة أن توضع فيه. فاستدلت بذلك عَلَى أن ذوق النظام كان بذرة في الطفل فالواجب عَلَى المربي أن يربيه ويقويه وهكذا تجد ذوق النظافة والحياة فطرية في الإنسان قالت إنها شاهدة طفلة في الشهر الثامن عشر من سنها تبكي إذا مس أحد مقطف مربيتها في النزهة وقد رأت هذه الطفلة امرأة مجهولة دخلت ذات يوم وسرقت من البيت قفطان والدتها فأخت تصيح صياحاً هائلاً. ومن هذا يستنتج أن العادة ليست في الأصل عارضية دخيلة فينا بل إنها تدخل وتنساب في حياتنا بقدر ما تصادف من الائتلاف وتنبهه فينا من الشعور ويتفق مع إرادتنا وهكذا هي مادة من شخصيتنا ولكن تلك العادات لا يجب أن تخرج عن الطبيعية فلا تتمازج وإياها كما يتمازج قلبان كأنهما تراضعا لبناً واحداً ويتعلق المرء بالعادة مختاراً لا مضطراً فتظل عاداتنا كما كانت في الأصل بهجة وظرفاً لا سلسلة وقيداً ليكون لسان حال كل امرئٍ أن عبوديتي حلوة وعبئي غير ثقيل. نعم يعتاد الأمور وهي محببة إليه ولا يعتادها متكارهاً. ولقد كان القدماء ينظرون إلى التربية بأنها تدريب مدقق شديد أو تجريب عَلَى أسلوب تام ولنهم يشفعون تربية الجسم بتربية الروح فلم يكونوا يكتفون بتربية العضلات بل كانوا يلقنون المربى العبادة واحترام القوة ويرون أن التدريب أو العادة ليس بشيء إذا لم تظهر بأنها ترجمان للروح. قال الكاتب الفرنسوي الذي احتذينا عن مبحث له هذه النبذة: وطريقتنا في التربية هو أن لا ننظر إلى العادة والخلق موجودة بذاتها ومستقلة بنفسها بل أن نعتبرها بأن أحدهما يقوم بصاحبه وهو متمم له. إصلاح حوران تمت لسورية أمنيتها التي لطالما نشدتها من إدخال حوران ولاسيما جبل الدروز في الطاعة وإصلاحه إصلاحاً إدارياً ليسعه بعد الآن ما يسع عامة الأقاليم العثمانية. فوفق القائد العام في الحملة عَلَى جبل الدروز سامي باشا الفاروقي الذي انتدبته الدولة لتأديب العصاة بالنظر لمعرفته اللغة العربية ولأنه استعان عَلَى تحقيق رغائبه بقواد من أبناء هذه الديار أو ممن سكنوها زمناً وعرفوا أحوالها وساعد عَلَى ذلك انتظام الجندية في العهد الأخير انتظاماً يغبطنا عليه المحب فقابل الدروز العسكر بإطلاق الرصاص بالقرب من السويداء قاعدة الجبل كما قابلوهم في قنوات والكفر وما والاهما فاستولت الحملة عَلَى تلك البلاد وأحرقت بعضها لما بدا من أهلها من المقاومة ومن سلم للحملة عومل بالرفق والعدل ولما أيقن الدروز بأنهم كانوا عَلَى ضلال في مقاومة الدولة استسلموا كلهم ودخلت بلادهم في الطاعة وعادوا إلى أعمالهم الزراعية فجمعت الحملة أسلحتهم وأحصت نفوسهم وساقت إلى الجندية نحو ألف من شبانهم كما اعتقلت من ثبت كل الثبوت اشتراكه في الفتنة الأخيرة وعصيانه وربما حكمت عَلَى عشرات منهم بأحكام مختلفة بما أقامته في السويداء من الديوان العرفي ولا يعرف بالتحقيق عدد من هلك من الدروز في هذه الوقائع لأن من عادتهم أن ينقلوا جرحاهم وقتلاهم في ساحة النزال مهما كانت النيران متهاطلة عَلَى الرؤوس عَلَى أن الأخبار الرسمية ترجح أنه قتل منهم نحو ألف كما استشهد من الجنود ٥٧ بينهم ضابط وجرح نحو مائة بينهم أربعة ضباط وبلغ عدد الجيش الزاحف نحو عشرين ألف جندي. وقد دعم الإصلاح لواء حوران بهذه الواسطة وخيم الأمن عَلَى تلك الربوع فأحصيت نفوس سكان السهول منه وسكان جبل عجلون كما أحصيت نفوس جبل الدروز ويقال أن من يدخلون الجندية من شبان حوران هذه المرة وكانوا لا يخدمونها من قبل نحو أربعة آلاف جندي وستربح الدولة من هذه الحملة أموراً كثيرة أولها انتشار الأمن في سورية كافة وثانيها زيادة الأعشار والأموال والضرائب من هذا اللواء الخصيب فيزيد دخل هذه الولاية لحكومة فقط زهاء مائتي ألف ليرة مسانهة. سكان الولايات العثمانيةنقله تقويم البشير عن تقويم غوتا التربية الجديدة لا ينبغي للمدرسة أن تكتفي بالتعليم بل أن تعد رجالاً عاملين للحياة ولذا قامت إنكلترا وفرنسا وألمانيا وسويسرا وإيطاليا والولايات المتحدة بإنشاء مدارس جديدة تريد أن تتناول من التلميذ حياته بأنجعها لا أن تربي عقله فقط تريد أن لا تكون المدرسة دار تعلم بل دار احتذاءٍ تهمها الحياة قبل التعليم. وقد وضع فروبل أعظم باحث بالتربية في العصر الماضي قاعدة من شأنها أن الواجب التعلم مع العمل فالمدارس الجديدة وجدت لتطبق هذا الفكر وتدفعه إلى نتيجته الطبيعية وهي أن الواجب التعلم مع الحياة فيقتضي من ثم للإنسان الكامل الذي يحب أن يعمل عملاً مثمراً ويجد السعادة في علاقاته الشخصية ويصبح وطنياً صالحاً — يقتضي له جسد سليم وذكاءٌ شديد وصفات لازمة له في ضروريات الحياة. وهذه القوة والمقدرة الطبيعية والصفات الأخلاقية لا يتأتى الحصول عليها إلا بالعمل فيجب أن يعيش الولد حياة الصحة الجسدية والجهاد العقلي والأخلاقي حتى إذا دخل في سن الرجولية تكون له قدرة واعتياد عَلَى استخدامها في الغايات الحسنة. وقد كان ينظر حتى الآن إلى المدرسة بأنها جعلت لترقية العقل وأن سائر شؤون الحياة هي في الطفل من عمل الأسرة ولكن أسباب الحياة قد تبدلت في العصر الأخير حتى لم يعد في طاقة الأسرة أن تجهز الطفل بجهاز من الصفات اللازمة في جهاد الحياة فاقتضى من ثم للمدرسة أن تقوم بهذا الواجب فتنشئ عادات صالحة وتعلم الأسباب إليها ولا غنية في تلقين هذه التربية الآن فلا يجد فيها ما يخالف الغرض الذي يرمي إليه بخلاف من يقضي شطراً من حياته الأولى في البيت وقد يكون هذا في الأكثر جارياً عَلَى غير سنة المدرسة في الآداب وهناك فوائد أخرى في التربية المدرسية وهي أنها تساعد الأولاد عَلَى أن يكبروا في الفلاة ويتعاطوا الأعمال المطلوبة منهم ويفهموا فائدتها ويعيشوا في ظل الطبيعة خلال السنين التي تتأثر الروح بالانطباع بطابعها. ومنذ أمد طويل عرفت التربية الطبيعية في أحسن المدارس الإنكليزية مكانة. فإنكلترا هي بلد الرياضات والحياة في الفلاة والبراري ومن هذه المدارس نشأ في الإنكليز حب اللعب في الهواء الطلق فينظم الأولاد لأنفسهم ألعابهم دون أن تتدخل في شؤونهم إدارة المدرسة حتى أصبحت الألعاب والرياضات أهم جزء من التربية في المدارس الثانوية في البلاد التي يتكلم بها باللغة الإنكليزية وفي غيرها أيضاً. وبعد فإن النزهات (الفسح) في الفلاة والحمامات في الهواء الطلق ولعب الرماية والهدف والشغل اليدوي عَلَى اختلاف أنواعه واختيار الغرف المعرضة للتهوية عَلَى الدوام واستعمال اللباس الساذج المعقول والطعام اللطيف الصحي ومراعاة قواعد الصحة في استعمال الوظائف الجسدية كل هذا مما يجب أن يعم أمره في المدارس كما تعم الألعاب وهي لازمة لبقاء الصحة ولاسيما لإيجاد عادات راسخة متى زالت سلطة المدرسة عن رأس التلميذ وتلقي في نفس الأولاد حب الحياة السليمة النشيطة فينبغي لنا محيط يسمح بكل ما تقدم عَلَى أن يترك شيءٌ منه للمصادفات فالمدرسة التي لا تضع في قوانينها ما عددناه تخل ولا جرم بواجبها الأول. قال العالم الإنكليزي الذي ننقل كلامه هنا عن مجلة التربية الفرنسوية وليس أحسن ذخيرة عقلية يحملها الفتى من المدرسة هي مجموعة معلومات علمية وإنشاء جميل بل القدرة عَلَى التفكر بنفسه فيكون له إرادة عَلَى الابتكار ويستعد لأن يقوى عَلَى حل المشكلات كلما عرضت. وهذه القوة لا يحصل عليها بالبحث في الكتب بل بأن يعمل الولد الشيء بذاته عَلَى اختلاف ضروبه والواجب أن يتسع خطط المدارس فتكون دروسها منوعة وتولي كفاءة كل امرئ حرية أوسع. فدماغ الولد لا يقوى بالقراءة بقدر ما يقوى بالعمل والدماغ في الأصل لم يبحث عن عادات اليد بل أن اليد علمت العادات للدماغ وهكذا يجب العمل عَلَى تنشئة الطفل ليكون رجلاً فيجب أن يكون لنا في خطط الدروس أعمال يدوية منوعة كثيرة لا لأنها أساس العلوم والفنون التي توصلنا إليها بل لأنها في حد ذاتها أدوات ثمينة في التربية. ففي الأعمال العلمية والأعمال الكتابية ينبغي لنا ميدان نشاط وروس لنكون عَلَى بصيرة من بلوغ القوى والمصالح الحقيقية في الطفل ونكشف استعداده الشخصي. يجب أن لا ننسى أن القيمة الرئيسية في عمل ما ليست بنتائجها المادية بل بطريقة إنتاجها في طريقتها وإن أهم نتيجة وأدومها هي العادة العقلية التي ساعدت عَلَى الإنتاج. يجب للمدرسة والمعمل عمل شخصي وأن يعطى للتلميذ مسائل ليحلها بالاختبار أكثر مما يحلها بالتعقل فتحصيل العلم يجب أن يعتبر بأنه سياحة اكتشاف أكثر مما ينظر إليه بأنه تعلم ما اكتشفه الغير فلا يجب أن يطلب من التلميذ أن يتعلم لينتفع بعد بمعارفه إذا سنحت لها لفرص بل أن يعلم ضرورة العلم بالعمل السريع الذي يرى نفسه مضطرة أن تقوم به. فالتربية الجديدة لا ترمي إلى تنشئة رجال ونساء ذوي كفاءة وقدرة بل تريد إعداد وطنيين صالحين ينتفعون بخصائصهم لا لينالوا منها فوائد خاصة لهم بل ليعاونوا الناس ويساعدوهم. يعود الأولاد أن يقدروا أنفسهم بأنفسهم وأن تهيأ لهم أسباب العمل فلا يكفي أن يتعلم ما هو صالح إذا لم تقو الإرادة وتتأصل عادة عمل الخير في المرء بالفعل فقد كان سقراط يقول أن المرء لا يختار عمل الشر من نفسه وبذلك نتج أن معرفة الخير هي ضرورية فقط ونحن نتعلم دروس الحياة كلما عشنا. نلقن الولد أن يعمل ونساعده أن يرى بنفسه ضرورة الوقوف عند حد والاعتراف بقيمة سلوكه. وهذا خير من استعمال الضعف في التلقين ويفرض علينا أن نمتع الولد بحريته لأنه إذا لم ينشأ وهو يختار الخير لا ينمو في الأخلاق نمواً حقيقياً وإذا خالفنا ذلك نصوغ من الطفل أداة مدهشة لا رجلاً عاملاً ولا يتأتى ذلك إلا بتبادل الثقة بين المتعلمين فيخلص الأولاد بعضهم لبعض ويخلص المعلمون في مراعاة حرية من يعلمونهم. سيجب عَلَى الأساتذة أن يقتنعوا كل الاقتناع بأن الأولاد يرون من شمم نفوسهم أن يكونوا أحرياء بالثقة عندما يشاهدون أنه يوثق بهم وأن يدربوا من دون عنف وقسوة ولا ينظر لهم كمن ينظر إلى من يشك في حاله. قال وأرى أننا في حاجة إلى نفوذ المرأة حيثما وجد أولاد وذلك لا في السنين الأولى للطفولية بل في خلال مدة التربية وإذا صح كما نعتقد بأننا لا نستطيع أن نتعلم إلا إذا عشنا فنحن في حاجة في المدرسة إلى جميع العوامل والمؤثرات الرئيسية في الحياة فليس تجديد الحياة المدرسية وقصرها عَلَى جنس واحد إلا عبارة عن خنقها وفلجها منذ بدايتها فتربية البنين مع البنات ضرورية والمدارس التي سرت عَلَى الأسلوب الجديد في التربية تقوم بهذا المطلب من عدة وجوه بحسب حالتها واعتقادها وعاداتها القومية ويترك للتلميذ أن يعتقد ما يشاء من دين آبائه ولا يبحث في الأديان بل يبحث في إعداد رجال على أنه يعلم نفع التدين كما يعلم الأجنبي عنا احترام وطنية الغير لا تقديس وطنيتنا فقط. مخطوطات ومطبوعات  مباهج الفكر ومناهج العبر وقفت في الصيف الماضي (سنة ١٩٠٩ م) عَلَى هذا المخطوط النفيس في المكتبة المارونية بمدينة حلب ويسمى أيضاً (نزهة العيون في أربعة فنون) لمؤلفه جمال الدين أبي عبد الله محمد الكتبي الملقب بالوطواط المتوفى سنة ٧١٨ هـ ( ١٣١٨ م) وهو عَلَى شكل دائرة معارف في الطبيعيات والعلوم والجغرافية. متقن الخط مذهب الصفحات في ٥١٨ صفحة مخروم من آخره قليلاً وضعه مؤلفه عَلَى أربعة فنون الأول في العوالم العلوية والثاني في الأرض والثالث في الحيوان والرابع في النبات وكسر كل من الفنون الأربعة عَلَى تسعة موضوعات. والذي يفهم من بعض تعاليق عَلَى الكتاب أن مؤلفه أندلسي الأصل مصري المنشأ. وأن هذه النسخة حصلها من إسبانيا المطران جرمانوس فرحات الحلبي الماروني. وقد رصع مؤلف هذا الكتاب كلامه بنثر بليغ وشعر رشيق ومن منتخبات أشعاره الفلكية قول ابن رشيق القيرواني في ترتيب السيارات: بالذي شرف كي وان بحظ من دهائك وأعار المشتري حل مك مع حسن اهتدائك وانتضى المريخ سي فاً لك يمضي بمضائك والذي ألقى عَلَى الش مس رداءً من بهائك وكسا الزهرة أخ لاقك مع حسن ثنائك ثم أعطى كاتب الش مس نصيباً من ذكائك وأقام القمر ال فريد بريداً لارتبائك أنجز الوعد لعبد ماله غير رجائك وقول هبة الله بن صاعد بن التلميذ المسيحي يذكر عقوق ولد له: أشكو إلى الله صاحباً شكساً تسعفه النفس وهو يسعفها فنحن كالشمس والهلال معاً تكسبه نورها ويكسفها وقول آخر في المجرة: وعلى المجرة أنجم نظمت مثل الفقار يلوح في الظهر هذا حباب فوق صفحتها طاف وهذا جدول يجري وقول ابن أبي ظافر المصري من أرجوزة في وصف الشمس: والشمس قد مالت لنحو المغرب فموهت لجينه بالذهب وفتحت في ساعة الأصيل وردتها في خدها الأسيل وقول هاشم بن إلياس ف وصف الجوزاء: وكأنما جوزاؤه في غربها بيضاء سابحة ببركة زئبق وكأنما أومت ثلاث أنامل منها تقول إلى ثلاث نلتقي وقول الآخر في اقتران الشمس بالقمر: يقابل الشمس فيه بدر دجى يأخذ من نورها ويمتار كصيرفي يروج منتقداً في كفه درهم ودينار وهناك وصاف الإنسان كقول ابن الرومي في الترك إذا ثبتوا فسد من حديد تظل عيوننا فيهم تحار أسود الحرب أنفسهم كبار إذا لوقوا وأعينهم صغار وأوصاف الحيوان كقول بعضهم في الفهد: رقدت قلبي ومقتلي يق ظانٌ يحسن الأمور حساً شديدا يحمد النوم في الجواد كما لا يمنع الفهد نومه أن يصيدا وقول أبي محمد اليزيدي في رثاء القنفذ من أبيات: عجبت له من شيهم متحصن بنبل من السرد المضاعف يمرق وإنى اهتدى سهم المنية نحوه وفي كل عضو منه سهم مفوق ولو كان كف الدهر يستحسن الردى لكان بكف الدهر لا يتعلق وقول آخر في وصف الخطاف: أهلاً بخطاف أتانا زائراً يذكر عهداً بالزمان الباسم لبست سرابيل الصباح بطونه وظهوره ثوب الظلام القاتم وقول بعض الحكماء (ابن التلميذ وابن صفية) في النمل: وإذا أنبت المهيمن للن مل جناحاً أعدها للتردي ولكل امرئ من الناس حد وملاك الفتى جواز الحد وأوصاف النبات كقول آخر في البطيخ: ثلاث هن في البطيخ زين وفي الإنسان منقصه وذله خشونة لمسه والثقل فيه وصغرة لونه من غير عله وقول بعضهم في الثوم: الثوم مثل اللوز إن قشرته لولا روائحه وطعم مذاقه كالنذل غرك منظراً فإذا دعي لفضيلة ينمى إلى عرقه وأوصاف الجمادات كالأهرام والمباني والبلدان والحوادث كقول أبي سعيد نصر ابن يعقوب يصف زلزلة: اسقني كأساً كلون الذهب وامزج الريق بماء العنب فقد ارتجت بنا الأرض ضحى كارتجاج الزئبق المنسرب فكأن الأرض في أرجوحة وكأنا فوقها في لولب وعلى هوامشه حواش فيها فوائد كثيرة منها ما ينسب إلى السلطان سليمان القانوني لما مر عَلَى وادي حماة وهو في حلب سنة ٩٦١ هـ ١٥٥٢ يصف نواعيرها: نواعير في وادي حماة إذا بكت تهيج منا بالبكا مدمعاً قاصي فإني عَلَى نفسي لأجدر بالبكا إذا كانت الأخشاب تبكي عَلَى العاصي وفيه مباحث تاريخية في وصف العواصم والأجناد والمواقع مثل موقعة دمياط بين المسلمين والصليبيين وكثيراً ما يستشهد بابن الأثير وبالمسيحي وغيرهما من المؤرخين. وفي صفحة ١٨ منه وصف كسرى للفلك ذكره حمزة بن الحسين الأصفهاني في كتاب التشبيهات. وهو عَلَى الجملة من الكتب النادرة الجديرة بالنشر ولمؤلفه كثير من المصنفات تدل عَلَى سعة اطلاعه مثل الدرر الغرر في شعراء الأندلس وغرر الخصائص الواضحة وعرر النقائص الفاضحة وغيرها.  إرشاد الفحولإلى تحقيق الحق من علم الأصول للإمام المجتهد الذي طار صيته في الأقطار القاضي محمد بن علي بن محمد الشوكاني المتوفى سنة ١٢٥٥ طبع ب مطبعة السعادة ب مصر سنة ١٣٢٧ عَلَى نفقة مصطفى أفندي المكاوي . لا حاجة بنا إلى الإسهاب في ترجمة المؤلف — الشوكاني — لسهولة الوقوف عليها في مواضع عدة في مقدمة كتاب نيل الأوطار المطبوع وفي كتاب التاج المكلل لناشر علمه وآثاره الإمام صديق حسن خان وغيرهما. أما آثاره عليه الرحمة فكلها مما يتنافس فيها ويتسابق إليها ومعظمها في القطر اليماني وما نشر منها بالنسبة إلى ما لم ينشر كالقطرة في جانب البحر ولقد كان من حسنات هذه الأيام الاهتمام بطبع كتابه هذا بمصر لما هبط إليها من اليمن فلطالما تشوقت إليه نفوس الفضلاء وتاقت لمراجعته قلوب المحققين لشهرة مؤلفه بتجويد المباحث واستقلال الفكر وقد جمعه أحسن وجميع وهذبه أبلغ تهذيب وتوسع في كثير من المباحث بما يزيد المجتهد قوة في البحث وبصراً في الاستنباط وبصيرة في حصول المأمول، ومما انفرد به عن الكتب المؤلفة في ذلك — عدا عن كثير من نوادره — تحقيقات أتى عَلَى أنها نهاية ما يمكن أن يقال عنها في مباحث الإجماع والاجتهاد والتقليد فقد أورد عشرين بحثاً وخاتمة في الإجماع وتسع مسائل في الاجتهاد وستاً في التقليد، في مطاويها من بدائع التحقيقات ما لم يسبق إليه كما يعرفه من أوزان بينه وما بين الأيادي من أسفار هذا الفن. أما مكانة علم الأصول فأسمى من أن تعرف ويكفي أنه — كما قال المؤلف — عماد فسطاط الاجتهاد وأساه الذي تقوم عليه أركان بنائه وأنه العلم الذي يأوي إليه الأعلام والملجأ الذي يلجأ إليه عند تقرير المسائل وتحرير الدلائل في غالب الأحكام.  مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن جردنا من هذه المجلة ما نشره في هذا المبحثالشيخ جمال الدين القاسمي أحد العلماء العاملين في دمشق لتتداوله الأيدي فجاء في ٥٠ صفحة وتطلب منه ومن إدارة المقتبس. ولا حاجة للكلام عليها فالقراء عرفوا دقة أبحاثها ووفرة فوائدها وأدركوا كيف حلت هذه المعضلة القديمة. تصحيح أعلام برتقالية تفضل صديقنا أحمد بك زكي في القاهرة فأرجع لنا الأعلام البرتقالية التي ورجت في مقالة جمهورية البرتقال في الجزء السادس من هذه السنة إلى أصلها فقال:</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_55.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.55.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
