<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.54.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.54.TEIP5:</urn>
<passage>الجن عند غير العرب من أمم الشرق والغرب طالعنا في مجلة المقتبس الغراء ما حاكت بروده وطرزت بوده يراعة صديقنا الأبر الفاضل الشيخ جمال الدين القاسمي بقية أعلام دمشق عن اعتقاد العرب في الجن وما ورد في أسفار الدين وأشعار النابغين وأقاصيص السلف من الأحكام والنوادر والآثار الحاكية عنهم على وصفهم وأحوالهم فراقنا منها حسن التبويب ودقة النقل وبراعة اللهجة ووضوح المنهاج وسعة الاستيعاب إلى غير ذلك مما لا يستثكر في جانب ما هو مشهود من فضل الشيخ أعزه الله وحدانا الإعجاب بما هنالك إلى تحبير مقالة موجزة تكون لها كالتكملة تأتي على ما عند غير العرب من أمم الشرق والغرب من أمثال هذا الاعتقاد. وهو موضوع بكر لم يتسور جداره فيما نظن مفترع قبل ولم يحو حوله قلم شرقي على ما اتصلت إليه مطالعاتنا حتى اليوم. ولقد بذلنا جهد المستطيع تنقيباً عن مواده المستترة في ثنايا الصحف والمبعثرة في زوايا المطولات وتخيراً للأصح من المصادر والأصدق من الروايات فجاءت مقالتنا — على ما نعهده بذاتنا من الضعف — طرفة يرغب فيها وأمنية يسعى إليها وما أحراها أن تكون مع رسالة الشيخ سفراً مستقلاًَ يرجع إليها عشاق الدراسة والاستبصار من ناشئة الوطن وأدبائه فإن أتيتم على هذه البغية كنتم من المحسنين. تمهيد كثر عداد من يزعمون أن العرب هم المتفردون دون سائر الناس في الاعتقاد بالجن اعتقاداً دينياً سنداً إلى ما ورد في كتابهم الموحى من صريح النصوص القائلة بوجودهم — كما في سورة الرحمن والأحقاف والجن — وتوارثاً لما ورد في أقاصيص الجاهلية مما دونه الثقات وأثبته المؤرخون وأتى على بيانه الشيخ بحيث لم يبق مجال لتفصيل وتعليل. وفي ذلك الزعم من الخطأ والوهم وا لا يحتاج إلى دليل فإنك لو رجعت إلى كتب الأمم القديمة من كل بيئة وجنس ومذهب لرأيت في تضاعيفها ما يؤيد كون الاعتقاد بالجن كان منتشراً بين البشر مستفيضاً في كل قبيلة وفصيلة وشعب ممن أهل بهم المعمور من الأرض شرقاً وغرباً شمالاً وجنوباً باديةً وحضراً لا يستثنى منه قوم ولا تبرأ منه أمة ولكن على تباين في الآراء واختلاف ببعض الفروع. فالظاهر أن الاعتراف بوجود أرواح يتوقع شرها كالإقرار بوجود آلهة يرجى خيرها إنما هو من مقتضيات هذا الكيان الإنساني لا محيد عنه لكل ذي لسان ناطق يرشده العقل إلى أنه من أهل الخلود وأنه ضيف مجتاز في حكم هذا الوجود وإلا فما بال الأمم على تباعد أنحائها واختلاف آرائها وتغاير مذاهبها وتناقض مشاربها تجمع على هذا الأمر اجتماعاً باتاً كأن أفرادها متواطئون عليه — منذ كانوا في عالم الغيب — فكلهم يقول بإله يثيب وشيطان يكيد وجن تخيف ونفس بين ذلك تتنازعها عوامل اليأس والرجاء ويبدو لها أنها بنت البقاء دون سائر ذوات الأرواح التي تقلها الغبراء وتظللها السماء وينعشها الهواء وإن كانت محاطة مثلهن بأسباب الزوال محكوماً على هيولاها المراكب بالانحلال وشخوصها المتحركة بالجمود ثم الفناء. على هذا نشأت الناس وعلى هذا اجتازت عالمهم برزخي الحياة والموت ألوفاً مؤلفة من السنين قال بعضهم أنها عشرات الألوف وقال آخرون أنها ملايين حتى جاءنا الطبيعيون من متفلسفي هذا العصر — عصر الاكتشاف والاختراع — يجلسون على منصات القهارمة والأساطين وينشدون مع أبي نواس شاعر العباسيين: ما جاءنا أحد يخبر أنه في جنة من مات أو في نار ويقولون مع أبي العلاء: ومهما عشت في دنياي هذي فما تخليك من قمر وشمس تحطمنا الأيام حتى كأننا زجاج ولكن لا يعادله سبكُ وأتنه لا شيء في هذا الكون غير هذه المادة التي يتعاورها التركيب والتحليل ويتداولها الدثور والتمثيل — مع بقاءٍ في الكم وتغيير في الكيف — وأن القول بما وراء المادة من قوة تدير الحركات وهي علة الموجودات منها استمد الناس أرواحاً سرمدية إنما هو من أوهام الواهيمن وتخليط فما نحن وسائر من يتحرك بالإرادة إلا من ماءٍ وطين ولا يحيينا ويميتنا إلا الدهر!! فأين هذا من ذاك؟ وما هذا الانقلاب العجيب والانعكاس الغريب؟ وأية منفعة من قول جعل العامة من الناس — وهم تسعة أعشارهم بل يزيدون — في أودية من الحيرة يهيمون وفي ظلمات من التردد والشك يخبطون لا يرون لأنفسهم مما ألقوهم في مهاوية مخرجاً ولا هم يهتدون. رويدك أيها العصر عصر الحضارة والنور. وعلى رسلكم يا معاشر العلماء. أرباب الحصافة والذكاء. وحنانيكم يا من أكثروا من العمق والتبحر. واسترسلوا في الاستقراء والاستنتاج. وبحثوا في الجراثيم والذرات. وتكلموا عن الحويصلات والنقاعيات. وبرهنوا على كون السديم أصل الكائنات. والإنسان سليل من نوع القردة أو ما يشاكلها من ذوات الفقرات. ورحماكم يا أصحاب دارون وأولياء سبنسر وأشياع بخنر وتلامذة هكل وإن كان فيكم فيلسوف كفرشيما وحكيم وادي الفريكة ومتهوسو وادي النيل إننا أيم الله لسنا من يقف في سبيلكم فيما تستوحون أسراره من الأحكام والنواميس وتحاولون إجلاءه من الغوامض والمشكلات أخذاً عما تلقيه عليكم الطبيعة أمكم وأمنا من الدروس والأمثولات طبقاً لما تبعثكم إليه ميولكم وأهواؤكم. ولكن لنا كلمة نقولها الآن لكم بعد إذ كنا نتداولها بيننا همساً ونهجس بها سراً فإن أصختم إليها سمعاً واستوعيتم لها قلوباً وجربتم بمقتضاها بعد اليوم عددناكم كراماً وقلنا سلاماً وإلا فما على من استحكمت الأيبوخاندريا في معدته واستولت السوداء على دماغه من سبيل. ليس من ينكر أن المصلح العاقل من هدى بعلمه لا من ضل. ومن أراح لا من أتعب فيا حبذا — يا أصحابنا — الجهالة أنها خير من هذه المعرفة الناقصة التي تعجلتم بها إلى نقض الأديان وتقويض أركان العقائد وتمتين دعائم التعطيل والجحود قبل أن تنضج آراؤكم وتجمعوا على ما إليه ترمون وعليه تتهافتون من بث بذور الكفر في القلوب وتعبدكم للطبيعة التي أصبحتم لكثرة دراستكم لها ومزاولتكم علومها أعلق بها من جنود بونابرت بمدافعهم أولئك الذين كانوا لكثرة اصطحابهم لها وتهوسهم باستعمالها والاحتفاظ بها يسمونها بأحب السماء إليهم ويعانقونها ويقبلونها كأنها من الغانيات الفاتنات وكذلك أنتم الآن فإن توفركم على تلك الدراسة وانصرافكم إلى استحياء دقائق الهيولى مستحكين الصامت من قواها وعناصرها غير منكفين عن مناغاتها ومباغمتها أناء الليل وأطراف النهار وقد استهواكم واستدرجا بكم إلى تأليه هذه المادة الجامدة حتى صرتم تحسبونها كل شيء أو قبلها شيء بحيث لو أمكنكم أن تحذفوا مذ الآن من كل معاجم الأرض ما حوته من الألفاظ الدالة على الخلق والإبداع والصمدانية والقدرة والبعث والخلود لفعلتم. فيا أسفاً على الهمجية إذا كان مأتاكم هذا من نتاج المدنية ويا حسرة على الجهالة إن كان ذلك من مستلزمات العلم. أفتتركون ألفاً وستمائة مليون من الناس حائرين بائرين لا يدرون بم يعتقدون وأي جهة ينتحون فلا رأيكم تثبتون ولا عن قولكم ترجعون!!؟؟. تالله إننا معكم لفي صفقة مغبون وما أنتم إلا غادرون وإلا فما هذا التغرير الذي يجعل كلاً من أفراد هذا المجتمع القومي يحيا بلا ضمير يسرق مستتراً ويثلب متخفياً ويقتل متوارياً وينتحر قانطاً وما عليه من وجدانه قيم ولا من دينه زاجر ولا في الآخرة على زعمه من نكير!!! لعمرك أن العامي الذي لا يتوقع في الآخرة عن عمله حسابا ولا يرجو عن حسناته ثواباً ولا يخشى مهما تعددت سيئاته وتعاظمت كبائره عقاباً إلا إذا كانت مشهودة من الأنام مثبتة لدى الحكام ثم يحسب ذاته في هذه الحياة الدنيا كالنبات الفطري حتى إذا مات لم يعد شيئاً مذكوراً. لا يلبث أن يكون لعنة على الأرض وسخطاً من السماء لا يحفل بالمحظور والمباح ولا يبالي بالحلال والحرام بل يقضم الأخضر واليابس ويجتاح العامر والغامر وهو يقول على الدنيا السلام. فالعالم حريص على منفعة بني نوعه الدائب على خير قومه وبلاده من اشتغل بما يريد من أنواع العلم ما يشاء على ما يشاء وأن يعتقد لنفسه بنفسه ما أحب كيفما يحب لكن على شريطة أن ينشط لتمتين أوتاد العقائد وتأليف شوارد المذاهب مع تنزيهها عما لحقها من الزوائد ولصق ببعضها من الخرافات تاركاً للجاهل وازعاً من دينه يجنبه الموبقات ورادعاً من ضميره ينكبه المنكرات وما ضر العاقل أن يكون ذا دين مثله مادام الدين لا يكلفه الشطط ولا يعنته بكثرة التكاليف وقد أباحه من طريق الحلال كل ما منعه عن طريق الحرام فلا يقفل في وجوه ملاذه وأمانيه الأبواب ولا يطالبه بأكثر مما يتقاضاه العقل ويرضى به الصواب. إن صح قولكما فلست بخاسر أو صح قولي فالوبال عليكما أو على الأقل يترك الأديان وشأنها والعقائد وحالها يتحارسها زعماؤها ويصونها أئمتها وعلماؤها — فلا يتعرض لها ولهم في أقواله ومنشوراته بما يعبث باليقين ويولد الشكوك ويبعث على الحيرة أو المروق من نزعات ومعارض وترهات وأدلة وبراهين وأقاصيص لا قوام لها حتى اليوم إلا النزق والسفسطة ولا ركن إلا الخيال والهوس يراد بها التفرد بالشهرة فيما يخالف فيما أجمع عليه الناس وإن كان حقاً تواطأت على وجوبه العقول وإن كان صحيحاً غير مفكر بما ينجم عن أضاليله وسفاسفه من تشويه النظام وضياع الأحكام وانتشار الفوضى والعود بالعالم الإنساني إلى الزمن الذي كان آباؤنا يضارعون برابرة الأوقيانوس الهندي وأواسط أفريقية حالاً وقالاً وخلقاً وأوضاعاً. متصيداً بأحاييله الإبليسية وبهتانه المزخرف ما حقائب بعض من أوتوا مالاً ولم يرزقوا عقلاً من دينار مكنوز ثم ينفقه على تمثيل أسفار ورسائل يطبع منها الآلاف من النسخ ثم توزع على الناس — ولاسيما الناشئة الأدبية منهم — مجاناً قصد إشراب قلوبهم تلك المبادئ الفاسدة وإيداع نفوسهم تلك الحماقات السخيفة التماساً للشهرة على ما ألمعنا من طرق التعميم في الإذاعة والتوسع في الإبلاغ كما فعل بعض هؤلاء المفتونين — بحب الطبيعة — هذه الأيام ففعلت نفثاته السامة في أدمغة البعض ما لا يتوقع العاقل قيامه إلا قيام دولة الشهوات وانثلال عروش الآداب وتقويض أركان الديانات وانتشار الإباحية والعدمية إلى غير ذلك من بواعث الهلكة والانقراض والبوار لولا أن يأبى الله إلى أن يعيد كيده إلى نحره بأن قيض له من أهل التبصر والاعتبار والعلم الصحيح من يكشف بصائر أهل الغرور بما يريهم عياناً زيف درهمه وزغل ديناره فإن ألحق أبلج وضاح. والباطل لجلج فضاح وإن كره الماكرون. يقول المتعنتون من هؤلاء الملاحدة المتحذلقون — سنداً على ما سجله التاريخ من أنباء حروب وفتن واضطهادات كان منشئها الظاهري التباين في المذاهب والاختلاف في الدين. إن الديانات ألقت بيننا إحناً وعلمتنا أفانين العداوات فالدين إذن عدو النظام لا نصيره بغيض السلام لا ظهيره!!! نحن لا ننكر أن كثيراً من المشاغبات والفتن والثورات والحروب والغارات أثيرت باسم الدين ونشبت على حساب الدين ولكن من سبر غور الحقيقة بمسبار النزاهة والإخلاص وتوفرت له سلامة الذوق وصحة الاستنتاج وأصالة الرأي وعدالة الحكم علم — بعد الاستقراء — علم اليقين أن الدين لم يكن المصدر الحقيقي لتلك الموبقات بل أن الباعث عليها في الأصل والمؤدي إليها بالفعل — ما خلا الشاذ — إنما هو شهوات الملوك ولبانات أولي الحكومات ونزوات أرباب السلطات والزعامات الذين من دأبهم — ولاسيما في تلك العصور المظلمات — التذرع بأي وسيلة كانت — حتى التغاير الديني أو المذهبي — لإثارة الفتن وإصلاء الحروب إرادة أن يتهيأ لهم من جرائها تمتين السلطة والتوسع في البسطة والاستفحال في الملك لدواعي أطماعهم اللانهائية وإشباعاً لنهمات أميالهم النفسانية. فالمرء لا تنقضي آرابه أبداً إذا انقضى أرب يصبو إلى أرب ومن ذا الذي يتجرأ أن يقول ما ينشأ عن سوء استعمال الدين إنما هو الدين؟؟؟ لا جرم أن للحروب والفتن أسباباً جمة قد يكون سوء استعمال الدين أو التذرع بالدين إحداها وقد لا يكون وما أرباب السيادة من خدمة الدين وغيرهم إلا بشر مثلنا قد يسيئون في أمورهم المعاشية وسياستهم الإدارية وقد يحسنون: فما بالنا نلصق بالدين — الذي هو من الله — ما ينجم به وعلى حسابه من مساوئ الناس؟ أفلا تفقهون!! أجل: إن مطامع أصحاب العروش وتخالف العناصر وتباين الأجناس وطموح المم التي توفرت لها القوى إلى التغلب على المستضعفين ونزوعها إلى التكاثر والاستزادة سواء كان عن طريق الفتوح أو الاستعمار أو الدين هي هي لعمر الحق — في كل آن وزمان — مصدر الفتن ومبعث الإحن وعلة العدوان ومنشأ الحروب التي ما برحت مرافقة حيوة بني الإنسان منذ أصبحوا دولاً وأمماً وجماعات حتى الآن وهي لا تبرح ولن تبرح ملازمة لهم — ولكن على تباين بالكم والكيف — عملاً بناموس تنازع البقاء إلى منتهى الدوران. ومن ماراني في ذلك أتيته من أقوال قهارمة التاريخ وأقطاب العمران وفلاسفة طبائع البشر بما شاء من دليل وحجة وبرهان. لنسلم جدلاً — ولو بالباطل — أن في عصور التعصب والغباوة والجهل كانت الديانات جرثومة العداوات وأرومة الحروب والثورات ولولاها كان الناس في نعيم مقيم وأمن مكين!! لا بأس عليهم ولا هم يحزنون!!! ثم تعالوا بنا إلى هذا العصر الحديث عصر التساهل والكياسة والعلم عصر الحضارة والتمدن والنور وعصر الحرية والمساواة والإخاء ولنقف متسائلين هل خلت أممه الأعرق حضارة والأعلى في مدنية كعباً من فتن تثار وحروب تصلى وأطماع تسود وأشرار تتفاقم؟؟ أم هل علاقة للأديان بحرب بروسيا مع النمسا (سنة ١٨٦٦ ) أو حرب ألمانيا مع فرنسا (سنة ١٨٧٠ ) أو حرب الإنكليز مع الترنسفال واليابان مع الصين وروسيا مع اليابان والبلغار مع الصرب في خواتم القرن التاسع عشر وفواتح القرن العشرين؟؟ كلا ثم كلا. فليصمت إذن أولئك الذين يتظلمون بتلك السفاسف والترهات تغريراً بالسذج وتمويهاً على الأغبياء وليعلموا أن الاعتقاد بمبدع حكيم يجزي ويثيب مع الاحتفاظ بقاعدة صن دينك واحترم دين سواك هو عماد السلام وركن التهذيب ومصدر الآداب ومصدر الوئام والتحاب: فكيف لا يتقي الله أولوا الألباب!!! أجل إن في تسود العقائد المبنية على التنزيل والوحي وسلامتها من الشوائب والحشو وتنزهها عن الخرافيات واللغو وترفع أولياءها عن التشيع الشائن والتعصب الضار والتحامل الذميم يستتب الظلام ويسود السلام وتسعد الأنام لا بقول المعري: أأترك ها هنا الصهباء عمداً لما وعدوه من عسل وخمر فموت ثم بعث ثم حشر حديث خرافة يا أم عمرو وقوله: اثنان من أهل الأرض ذو عقل بلا دين وآخرٌ دين لا عقل له فإن هذا الفيلسوف الشاعر الضرير رهين الحبسين — حبس العمى وحبس البيت — بعد أن أوحى إليه خياله الواسع ما أوحى فباح بما هذر وجاهر بأنه كفر مطاوعة لما يستولي على أمثاله من أعراض السوداء عاد إليه بض رشده فاستحوذ عليه الشك وخامره التردد والريب فقال متوجساً لعقباه حاسباً حساب أخراه. في القدس قامت ضجةٌ ما بين أحمد والمسيح هذا بناقوس يدق وذا بمأذنة يصيح كل يؤيد دينه يا ليت شعري ما الصحيح ثم لم يمت إلا على دين آبائه كما حقق الثقات من معاصريه خلافاً لمن يتخذون أقواله حجة يؤيدون بها مذاهب التعطيل ويذيعونها بين الناطقين بالضاد هداهم الله. ذلك ما رأينا إثباته استطراداً في هذا التمهيد كبحاً لجماح من ملئوا الدنيا زياطلاً تشيعاً لأصحاب تلك الأضاليل ممن يتوهمون السراب شراباً والحبة قبة وما أهون ما تخدعهم الزخارف والأباطيل إن ربك بالمرصاد وهيهات أن يفلح حزب الفساد مادام للصلاح فئة من أعلام يعملون هم في الظلمات مشكاة وفي المجاهل والمعاثر هداة وما على منفق جهده من جناح ولا إلى تأنيبه من سبيل. عود على بدءٍ قلنا أن الاعتقاد بالجان قلما خلت منه أمة في غابر الأزمان ومصداقاً لذلك نقول الآن. ورد في ميثولوجيا الهنود أن أرواحاً شريرة اسمها رقشاشة ومعنى هذا الاسم الجبابرة خلقت قبل الجو والحيوانات وهي ترصد الآجام والمقابر وتتلهى بإثارة الموتى من أجداثهم والتحرش بهم. تأكل لحوم الأحياء من البشر وتشرب دماءهم وتتخذ لها صوراً مختلفة وأشكالاً متباينة ثم هي لا تزال حاضرة عند تقدمة القرابين وذبح الضحايا للآلهة لكي تفسد على الناس شعائرهم وتغري المعبودات على تلك القرابين ورذل مدميها: من أجل ذلك يعد الهنود أشد ضرراً على البشر من سائر الجن. وقد ذكر في الكتب السانسكريتية القديمة المحفوظة في هياكل الصين وكوريا وسيلان وسائر أمهات المدن المنتشرة في الشرق الأقصى الغاصة بأتباع برهما وبوذة من ذوي الجنس الأصفر أن النساك وخدمة الدين طالما استنجدوا القوى العلوية للنجاة من شرور هذا الصنف الغادر من الجن الكثير العدد وهو مع ذلك لا يزال يزيد نمواً وانتشاراً بزيادة عداد من يموتون من الأثمة أصحاب الكبائر لأن أرواح هؤلاء تكون إلى زمن من نوع الرقشاشة وأشهر هذه الفئة الباغية المنقسمة إلى فرق ومراتب إنما هي رافانا. وليتك تدري ما رافانا إنما هي روج شرير زائد القحة والجرأة كثير المطامع والشهوات حتى أنه زين له في بعض الأزمنة أن يخضع الأرض وما عليها والهاوية ومن فيها والسماوات ومن فوقها إلى حكمه وسلطانه ويجعل الكيان المطلق عبداً خادماً لرغائبه ومآربه ونزعاته فتمادى جوراً وعسفاً وزاد بغياً وطغياناً حتى أنت من حيفه الأرض وشكت ظلمه الأفلاك واستولى الرعب على قلوب المعبودات في أخدارها والملوك في عروشهم وكان موطن هذا الجني الخبيث في ذلك الزمان لافكا عاصمة جزيرة سيلان. فساء وشنو العظيم هذا الأمر الجلل ورأى أن يتجسد ثانية لينقذ الأكوان ومعبوداتها من شر هذا الطاغية ويرد إلى المخلوقات طمأنينتها وسلامها فتجسد في الجهة المقابلة في الهند في صورة راما تشندر ابن داسرتا ملك أبوذيا من امرأته كالسيا وبعد أن اتحد مع سوغريفا ملك طائفة القرود على الإيقاع برافانا مضيا إلى الأرخبيل الفاصل بين جزيرة سيلان والبر والتقيا هناك جسراً من الصخر اجتازاه إلى الجزيرة ثم باشرا القتال مع رافانا فلم يلبث الخبيث أمام المعبود المتجسد وحليفه!!! فسقط بين أيديهما هالكاً غير مأسوف عليه. والرومانيون يقولون أنه يوجد عذراء من الجن كانت تقيم في غابة اسمها أريسيا على مقربة من رومية عاصمة الرومان وتدعى تلك العذراء إيجيريا وأن أحد ملوكهم توما بومبيليوس اتخذها له زوجة فكانت تساعده على قهر الأمم المتوحشة وإدخالها في ربقة الطاعة له والانضواء على عرشه وتشاركه في حل ما أعضل عليه من المشكلات. فلما مات زوجها جزعت عليه أشد الجزع ولجأت إلى تلك الغابة معتزلة حيث كانت تجلس في حضيض جبل ذارفة دموعاً سخية بلا انقطاع فأحزن حالها ديانا إلهة الصيد فرأت أن تحولها إلى عين ماء نضاخة لا ينضب ينبوعها فسميت عندئذ عذراء العيون وشيد بجوارها هياكل للعبادة كانت النساء الرومانيات يقصدونها بنذورهن الثمينة في مواسم معلومة متخذات لها أعياداً يحتفلن بها احتفالاً كبيراً لأنها كانت تحفظهن عند الولادات ويصون مواليدهن من سائر الجن. ولمدينة رومية جني خاص أقام له قدماء الرومانيين تمثالاً من ذهب. والجرمانيون ومنهم البروسيون وسائر الألمان وكثيرون من التابعين للعرش النمساوي يزعمون أن للمياه جناً يطلق عليه اسم اليفنة ويدعوها الإنكليز مرميده وأهل شمالي أوربا نكسن. قال سكان سواحل البلطيك أنها تظهر على شكل الخيل على مقربة من ثغور البحار وتداعب من يخرجون القمراء للنزهة والسمر في تلك الشواطئ وكثيراً ما أخافتهم. أما الألمانيون فيقولون أنها تقيم في نهر البي وأنها أظرف من جن بحر البلطيق وقد تخرج أحياناً من الماء في ليالي الشتاء وتقصد النار التي يتركها رعاة المواشي لتستدفئ بها. وقد طالما نظرت هناك بهيئة نساء جميلات مستترات بشبه براقع لهن وجوه زهر وشعور شقر تسترسل على أكتافهن. وقد يعشق بعضهن الرجال فيخلصن الحب لمن كان وفياً منهم ويساعدنه في ميادين الحرب ويقين شخصه بنفوسهن من سهام العدو ولا تنفك إحداهن مولعة بمن تهوى مرافقة له ساهرة على مصلحته وراحته متحملة معه ما يكابده من برحائه وضرائه حتى الموت. ولكن إذا خانها ولو مرة ذهبت به إلى شاطئ البحر أو إلى ضفة النهر وجذبته بمنتهى قوتها إلى اللجة فتميته غرقاً!!! وهي على ما يقولون ذات صوت غريد مطرب هو — في زعمهم — مصدر حفيف الغابات وخرير الأنهار الذي يؤنس الحزين ويسلي الغريب وكان القدماء من أهالي أوربا الشمالية إذا أرادوا استمالة تلك الجن طرحوا في البحار والأنهار ثماراً وأزهاراً وذهباً ولؤلؤاً وعطراً وطيباً استعطافاً لها وقد وجدوا في بحيرة تولوز أشياء كثيرة مما كان يستعطف بها سكان فرنسا القديمة تلك الجنيات الحسان اللواتي يشبهن في بعض أمورهن بنات الماء اللواتي ذكرهن الدميري في كتابه حيوة الحيوان. ومن أغرب ما رواه المؤرخون أن سيبيون الروماني لما فتح مدينة تولوز وجد في بحيرتها من الذهب ما وزنه مئة ألف ليبرة ومن الفضة مثله فاستأثر بها. وقد تحقق أن الغاليين القدماء أجداد سكان جنوبي فرنسا الآن كانوا يرفعون تلك الجنيات الحسان إلى مصاف الآلهة ولذلك اشتد حنق التولوزيين على من خرق حرمة بحيرتهم سالباً حليهن وكنوزهن كما ألمعنا وربما كان لهن في بلادهن غير الأسماء الثلاثة التي ذكرناها قبل. أما السكندنافيون وهم أهل أسوج أو السويد ونروج وهولاندة أو الفلمنك والدنيمرك فيعتقدون بوجود جن اسمها ألفة أو الفر وهي حاذقة لبيبة ذكية عالمة وتقسم عندهم إلى فئتين. إحداهما تعرف بالجن الصالحة ويقال لها جن النار أو جن النور تقيم في بلاد الغيم التي يتولاها صاحب الشمس لها وجوه تلمع كالصبح وعيون أجمل من الكواكب وشعر ذهبي يروق مرآه للناظرين والثانية تعرف بالجن الهائلة وتسمى عندهم سفورت الفار وهي عدوة للنور وأشد سواداً من الزفت ذات منظر كريه وتقاطيع شنيعة وأعضاء مشوهة ولا تسكن إلا في باطن الأرض. وأهل القرون المتوسطة من سكان هذه الممالك السكندنافية كانوا يزعمون أن هذه الجن الأرضية تختطف أطفالاً من أسرتها وإذا أحبت إحداهما رجلاً ذهبت به إلى موطنها تتلذذ بمداعبته ولا تدع له سبيلاً إلى تركها والعودة إلى بلاده: وهم يوقنون كل اليقين أن ملكتهم خطفت السيد توماس السيدون الملقب بالشاعر إلى حماها وحجرت عليه في صرح لها سبع سنين كان فيه تمثال غرامها وكعبة هيامها وهي على ما يرتأون لطيفة المعاني حسنة الطلعة تنسج لها أقمصة وحللاً من نور القمر وتعتم بعمامة في أعلاها جرس وتحتذي برجليها الكافور بتين زجاجاً رقيقاً نقياً شفافاً فإذا عثر إنسان عند انفلاق الصبح على حذاءٍ أو جرس مما تلبسه تلك الجنيات الرائعات المحاسن ملقى على العشب نال من التي فقدته كل ما يتمناه. وهي تشتو غالباً في كهوف الجبال تعيش فيهات كسائر الناس وتصرف الوقت بمطالعة الأشعار وأناشيد الآلهة وكتب التاريخ وبتطريق الذهب والفضة والأخبار عن مستقبلات الشؤون متخذة لها حلياً من الياقوت والزمرد وكبار اللآلئ. ومتى بدت تباشير الربيع تزايل تلك الكهوف والمغاور متجولة في جوانب الجبال استنشاقاً للهواء العطر والنسيم البليل. وقد تتسلق الشجار لتقطف منها الأزهار والثمار أو لتراقب من يمر على مقربة منها حتى إذا أقبل الليل تجتمع في الحقول متماسكات الأيدي كالحلقة التي تؤلفها نساؤنا ليجلون العروس ثم تأخذ في الرقص والغناء في ضوء القمر. وقد ترعى ماشيتها على ضفاف الأنهر ولا تزال تلك حالها حتى يعاودها الشتاء. ومع أن الألفة غير منظورة فالمولودون أيام الآحاد يمكنهم أن يروها. وهي على نحافتها وجمالها ولطف بنيتها لها من القوة ما يمكنها حمل أثقل الصخور وأكبرها حجماً ماشية به مسافات طويلة وإذا لمست بيتاً هزته وزعزعته من أسسه ولو شاءت لحملت بيدها رجلاً وسارت به ركضاً ولا تبالي. وهي تحب غالباً شجر البلسان والزيزفون والحور الرومي فمن أحب أن يراها من مواليد يوم الأحد يقصد من تلك الأشجار ما كان منها في سفوح الجبال يجدها تغني على قيثارها العازف تحت رواق ظلها الوارف. وكان لها في بلاد الإنكليز وسكوتلاندة ملك وملكة وكانت جزيرتا سترن وروجن في بحر البلطيك تحت سلطانهما وقد شوهد هذا الملك يوماً في مركبة يجرها أربعة أفراس ويستدلون على تجوله في مملكته المترامية الأطراف بصهيل الخيل وسواد الماء والضوضاء التي يحدثها أعوانه في طبقات الهواء. واليونانيون القدماء يقولون أن أغينور ملك فينيقية تزوج بالجنية ميلي فولدت له أوروبا فنشأت ذات جمال فتان وبياض ناصع فشغف بها المشتري وتمثل لها بصورة ثور وتزلف إليها كثيراً حتى ركبته معاً بلين قياده فأسرع وهي على متنه نحو البحر وسبح بها إلى جزيرة كريت وهناك اتخذها زوجة فأولدها خمسة صبيان وثلاث بنات وكلهم ابتنوا مدناً وأنشئوا قبائل وعلى هذا يكون الكريتيون من سلالة الثيران والجن فلا عجب إذا كانت نيران فتنهم لا تنطفئ وحركات ثوراتهم لا تسكن. والروسيون الأقدمون يزعمون أن الفامبيره فريق من الجن يسكنون القبور وهم يثورون ليلاً في المدافن. متفرقين على منازل الأحياء حال نيامهم فيمتصون دماءهم. وإن الديموفوي جني البيوت يتراءى للنساء حال انفرادهن وإن في الأنهار عفاريت تدعى فوريانوي وفي الغابات أبالسة اسمها الياسنك والسلافيون يدعون أن للجن إلهاً خاصاً يسمونه وتشرنو بوغ أي الإله السود وللبشر إلهاً آخر اسمه بباليوغ أي الإله الأبيض. وأهل جبال البريني أو البرانس يعتقدون أن الجن مقيمة في الغيوم التي تغشى ذروات جبالهم وعلى ضفاف الأنهار الحافلة بالأشجار ولهم فيها أقاصيص طويلة وروايات غريبة لا يحتمل المقام سردها أو استيفاءها. وأهالي جزائر ملديف يقولون أنه كان يجيئهم في وقت معلوم من ناحية البحر جني كأنه مركب مملوء بالقناديل فلا ينجو من شره إلا بإعطائه فتاة بكراً يتركونها له في بيت الأصنام ثم يصبحون فيجدونها منهوكة ميتة فاتفق أن زار مدينتهم رجل صالح يدعى أبو البركات البربري فلما حان زمان مجيء الجني أخذت النساء يبكين ويندبن فسألهن عن السبب فقالت له عجوز منهن أن لها بنتاً وحيدة بارعة في الجمال أصابتها القرعة بحسب القاعدة الجارية في المدينة وستكون في الغد ضحية للجني فقال أنا أنوب عنها ثم ذهب إلى بيت الأصنام متخفياً وأخذ يتلو القرآن العزيز فلما سمع الجني تلاوته غاص في البحر ولم يعد بعد. قال ابن بطوطة في رحلته إن هذه الحاد ثة كانت سبباً لدخول أهالي تلك الجزائر في الإسلام وهي يد كبرى تعد لأبي بركات المشهور بصلاحه على أولئك الوثنيين. واليونانيون يثبتون أن عذارى من الجن اعتنين بتربية جوبيتر وهو طفل فأهدى إليهن قرن الخصب وهو أحد قرني العنزة التي رضع لبنها عندهن. وهم يقسمون الجن إلى ثلث رتب يرفعون الأولى منها إلى مقام المعبودات وجدها الأعلى عندهم أجينوس باللسان الروماني القديم وهو شخص زفس أو جوبيتر. وهي تقسم إلى فئات أو قبائل منها البانة والفونة والسانيرة والنيمفة والرتبة الثانية توابع كل شعب وكل مدينة وكل محلة وهم يعتقدون أن مؤلفي هذه الرتبة يموتون ويولدون كسائر الأحياء غير أن حياتهم تستغرق ألوفاً من السنين. والرتبة الثالثة توابع كل شخص بمفرده وهم الذين يتولون أمور الأفراد ويؤثرون في جميع أحوالهم من معايشهم وعواطفهم وحوادثهم وأمراضهم. وللنساء توابع خاصة يسمونهن جونون. قال سرفيوس متى ولد الإنسان يسخر له تابعان من الجن أحدهما يرشده إلى ما به الخير والآخر يميل به إلى طرق الشر. وقال أبوليوس إن النفس البشرية ذاتها تتحول بعد نجاتها بالموت من هيولاها إلى الجن فإن كانت حياة صاحبها صالحة دخلت في عداد الجن الأنيس وبقيت في البيت لحماية ساكنيه وإن كانت شريرة سميت لارفه أي عفريتاً أو جنياً خبيثاً فلا تستقر في مكان واحد ويكون دأبها الإخافة والتهويل وإلقاء الرعب بين البشر والوسوسة والنزع في الصدور إمالة بأربابها إلى الإضرار بأوغوسطوس مادام تابعه يحميه ويذود عن حوضه. وكان اليونان والرومان عن بكرة أبيهم يقدمون في أعياد مواليدهم نذوراً للصالحين من تابعيهم زهراً وبخوراً وخمراً يضعونها على ضفاف الجداول وتحت ظلال الأشجار في الغابات تكرمة وزلفى ولو استوفينا كل ما ورد عن هاتين الأمتين في أعصرهما الخرافية مما يتعلق بموضوعنا لطال بنا المطال وضاقت عن استيعابه الرسائل بيد أنا فيما ذكرناه عنهما غنى وكفاية. أما الفرس فيعتقدون أنه يحكم العالم روحان متضادان متخاصمان أحدهما صالح وهو أورمزد والآخر شرير أهرمن وهذان الروحان في خصام دائم ومن غلبة الواحد على الآخر ينتج تداول الخير والشر والنور والظلام والليل والنهار كل يوم. وما الجن إلا لخدمة أهرمن وحاشيته وسيأتي يوم يظهر فيه ثلاثة أنبياء يفلون جيوش أهرمن ويتلفون أعماله فلا يبقى جني على الأرض فيعيش الناس في سعادة كاملة وسلام دائم يتكلمون بلسان واحد ويعيشون متحدين على نمط واحد ووتيرة واحدة وهؤلاء الثلاثة أنبياء سيولدون من نطفة محفوظة في ينبوع ماءٍ صغير لم يهتد إلى مكانه بعد. وهاذ الاعتقاد الثنائي مستفيض في الشرق منذ القديم حتى أنه يظهر بالتتبع والاستقراء التقليدي إنه كان على عهد عيلام بن سام بن نوح الذي منه تشعب الفرس وقد سرى إلى عدة شيع ونحل وبدع في القرون الأولى وأصبح ركناً بني عليه مذهب الماني الموسوس الفارسي كما لا يغرب على كل مطلع على تاريخ هذه الأمة. وقد زعم الفرس أيضاً أن للجن مملكة خاصة اسمها عندهم جنستان أي بلاد الجن ويقولون أنها واقعة في الطرف الغربي من أفريقية وقد طالما سماها شعراءهم بأرض المردة والعفاريت: أما العبرانيون والفينيقيون والكلدانيون القدماء فيقولون أن الجن تدخل في البشر فتبليهم بالجنون وهيب تسكن الأرض وتتراءى للناس بهيئات مختلفة حتى أنها تتلبس بأشكال الحيوانات ويستخدمها السحرة والعرافون للأنباء بالمغيبات وكشف المستورات وكل هؤلاء الأمم يعتقدون كالعرب بالقرينة والتابعة والكهانة والسحر ومن يرجع إلى تواريخهم يجدها طافحة بأخبار وأقاصيص تدل على رسوخ هذا الاعتقاد فيهم منذ قرونهم الأولى شأنهم في ذلك شأن سائر الأمم الشرقية سواء. أما المصريون فقد كانوا يهبون جني نهر النيل في كل عام عروساً حسناء من فتياتهم استرضاء له واستمداداً لفيضه ويجعلون الحيات والهررة وغيرها آلهة وأنصاف آلهة متخذين العجل آبيس أعظم معبود لهم بناء على كون الزراعة ركن معايشهم وقوام رزقهم في بلادهم فهم يكرمونه ويخصونه بأفضل أنواع العبادات ليمد الثيران من سائر بني جنسه بقوة من عنده تكفيهم مؤونة الحرث والفلاحة التي لم يجدوا إليها سبيلاً في تلك الأزمنة إلا بتسخير البقر. ومع أن الأقدمين منهم كانوا في طليعة غيرهم من الأمم علماً ومدنية وتهذيباً كانت عقائدهم الخرافية في غاية السخف وقد زادهم فيها استرسالاً اجتياح اليونان ثم الرومان لبلادهم واستيلاؤهم عليها ردحاً من الدهر إذ قد أضيف ما عند هؤلاء من مضحكات العقائد ومبكياتها إلى ما عندهم منها حتى أصبحت مزيجاً جامعاً ما لم تجمعه أمة قبل ولا بعد. هذا مجمل ما ورد متفرقاً في أسفار السلف وأساطيرهم — من كل أمة ونحلة — برهاناً على كون الاعتقاد بالأرواح الخفية كالجن والعفاريت والمردة إنما هو مرافق حياة البشر في قرونهم الأولى من كل جيل وجنس ومذهب ولكن على أنحاء متضاربة ووجوه متباينة واختلاف كثير في وصفها وتكييفها وتعيين قواها وطبائعها وتحديد ماهيتها ومراتب تأثيرها في أعمال الخلق وشؤونهم إلى غير ذلك مما لم يقع عليه الإجماع التام بين شعب وشعب وأمة وأمة. ومما يجب التنبيه إليه أنه قام في كل صقع وبين كل قوم رجال أفذاذ من أبناء العصور الغابرة قائلين بما يقوله اليوم أكثر علماء الغربيين وبعض الشرقيين من أن هذه الأرواح — الضارة — لا وجود لها إلا في مخيلات الناس وأوهامهم يبعثهم على تصورها والجزم بوجودها ما يتعاورهم من الأماني والمخاوف والانفعالات المتناقضة فيما يعرض لهم من أحوال هذه الحياة الدنيا الكثيرة الكوارث والشجون مضافاً إلى ذلك ما يتوارثونه من عقائد الآباء ويتناقلونه خلف عن سلف من ترهات وعجائزيات قد أبان على تبجينها في أذهانهم ما أسدله الجهل على بصائرهم من كثيف الحجب في أعصر الظلمات ولاسيما أثناء القرون الوسطى التي استحكمت فيها المنازعات الدينية والأحن المذهبية — مسببة عن أطماع الملوك — حتى ألبست الأرض أرجواناً من الدم. فما بدأ يتفجر في أفق العالم الغربي نور العلم الصحيح المبني على التثبت والاستقراء الحسي حتى أخذ يتقلص في تلك الأصقاع ظل الاعتقاد بوجود أرواح تتأثر بني الإنسان متداخلة في أمورهم ومصايرهم فاعلة في شواعرهم وهواجسهم ضاغطة على حركاتهم وسكناتهم في معايشهم ومرتزقاتهم وكان ذلك في أواسط القرن الثامن عشر حتى إذا أشرف محيا القرن العشرين من نافذة الدهر تلاشى أو كاد مذهب من يرى أن في العالم المحجوب قوة تناوئ إرادة الله وتناهض عباده كما يزعم الثنائيون من الأمم ومعظم المتدينين من الفلاسفة والمفكرين في أيامنا هذه يذهبون إلى أنه قبل انقضاء هذا القرن قد لا يبقى على وجه البسيطة من يصدق بوجود فاعل فوق الطبيعة غير الحق عز وجل وهو سبحانه أعلم بما يتخرصون.  حمة أبي رباح لم يكتب أحد من المتقدمين من علماء العرب وغيرهم في تاريخ هذه الحمة أو موقعها أو وصفها وصفاً علمياً مع ما لها من المكانة التاريخية والطبيعية كما أنه ليس للباحثين المتأخرين من الغربيين والسوريين مقال في هذا الباب يرجع إليه أو شرح يستند عليه. ولقد كان بودي أن أقف على كلمة من هذا القبيل لتكون لي دليلاً في سبيل ما أريد تسطيره وحجة تؤيد ما أعلمه في هذا الموضوع وأروم تحبيره إلا أنني لم أجد كتاباً يذكر ما أردت وينبئ ما رمت فما وسعي إلا أن أعود إلى ما أعلمه عن هذه الحمة بالاختبار مجداً في تطبيقه على الفن الحديث ومستدلاً على تاريخه بما عثرت عليه فيها من الأبنية والآثار القديمة بقدر الإمكان. مركزها الجغرافي — أبو رباح جبل من كورة حمص من عمل ناحية القريتين يبعد عن الأولى أربعين ميلاً إلى جهة الشرق وعن الثانية تسعة أميال إلى الشمال الغربي يشرف على ضيعة يقال لها الغنتر من أملاك عبد المجيد آغا سويدان مدير ناحية حسية (أيكي قبولي) الحالي ورئيس أسرة سويدان المعروفة ويحده من الشمال أراضي (الشومرية) وهي جبال قل فيها المنبسط ذات تربة جيدة وأرض خصبة منبتة وفيها بعض القرى المستحدثة وكانت من أملاك السلطان السابق ويسمونها الآن (الأملاك المدورة) ومن شماله أيضاً البلعاس وهي كورة من كور حمص فيها حرج من شجر البطم يبلغ طوله تسعين ميلاً من الغرب إلى الشرق ويحده من الشرق طريق القوافل بين الشام وتدمر ثم الجباة وهي مزرعة لنا ذات مياه وقد أوقع سيف الدولة فيها بقبائل البادية وذكرها المتنبي بقصيدة يمدح بها المشار إليه حيث قال: ومروا بالجباة يضم فيها كلا الجيشين من نقع أزارا ومن الجنوب الغنثر والجباة المار ذكرهما ومن الغرب الشومرية والفرقلس وهي قرية من الأملاك المدورة ذكرها ياقوت الحموي فقال أنها اسم مياه قرب سلمية بالشام والأصح أنها أقرب إلى حمص من سلمية. مركزها الطبيعي — إن هذا الجبل بركان لا ثائر ولا منطفئ لأنه لو كان ثائراً لأهلك القرى المجاورة له وقضى على الأرواح والأجساد مما يقذفه من الحجارة والحمم ولو كان منطفئاً لما صعد منه البخار الذي يراه منه الناظر من مسافة بعيدة متفرقة في الجو. ومعلوم أن الأرض كانت جسماً يكاد يكون سيالاً يتلظى قبل وجود الإنسان والحيوان والنبات على سطحها ثم برد سطحها وبقي جوفها شديد الحرارة والسبب في ثوران البركان هو هذه الحرارة والماء والمواد المعدنية الحارة في جوف الأرض فإذا ما اختلط الماء بالمواد المعدنية الحارة تمدد ورفع ما فو قه ثم يزداد الضيق عليه من الحرارة وثقل الأرض وعندما يشتد دفعه ينفجر ويقذف الحمم والصخور والبخار ويجعل الصعيد المستوي جبلاً راسياً مما يرمي به تلك الأجسام ولكن إذا فقدت المواد المعدنية وظل الماء جارياً تسخنه حرارة باطن الأرض الطبيعية البالغة ألفي درجة أو أكثر وكانت الأرض بركانية من قبل لا يصعد من أفواهها غير البخار كما يشاهد في أبي رباح هذا إذ يسمع الإنسان الواقف عند فوهته صوتاً كهدير البحر ويرى البخار يتصاعد منها كبخار الماء المغلي في المرجل. فمن هذا يتبين لنا أن أبا رباح كان بركاناً ثائراً في العصور الخالية ودام ثورانه ردحاً من الزمن إلى أن انتهى ما في جوفه من المواد المعدنية وبقي الماء والحرارة الطبيعية المسببان لصعود بخاره الحار. نظرة تاريخية — اتضح مما قدمنا أن هذه الحمة بركان نفدت مواده المعدنية الحارة منذ ألوف السنين وصارت إلى ما هي عليه اليوم عبارة عن فوهة وسط جبل يتصاعد منها بخار مائي ليس إلا. ثم جاء الأقدمون وبنوا فوق هذه الفوهة حماماً يستشفون به من الأسقام والأمراض ولكن من هؤلاء الأقدمين الذين شادوا هذا المعهد الكبير النافع؟. . سؤال نقف عنده إذ ليس لدينا من الأدلة التاريخية إلا الآثار الموجودة التي ستستنبط منها ما يكون موافقاً للأحكام التاريخية فنقول: سكن هذه البلاد كما روى التاريخ من الأمم ذات الحضارة والمدنية والسلطة الكنعانيون والآراميون واليونانيون السلوقيون والتدمريون والرومانيون والمسلمون فالأمم الأربع الأولى هم سكان البلاد الأصليون والاثنتان الباقيتان هم الفاتحون الذين قطنوها بعد الفتح فأي أمة من هذه الأمم قامت بتشييد هذا المحل يا ترى؟ المسلمون؟. . لا لأن الآثار الموجودة ليست من أيامهم بل هي أقدم منهم بقرون عديدة كما أنها ليست من أعمالهم ولو كانت ذلك لدنوها في كتبهم وكذلك الرومانيون لم يكون إلا أمة فتوح واستعمار لا أمة علم وفن ولم يبرزوا إلا في بناء المعاقل والحصون في الصحاري لصد صدمات المهاجمين وقلما تنفع دولة مستعمراتها كما تفيد ممالكها الأصلية ومع كل ذلك نرى أثراً من تلك الآثار المتباينة في طراز هندستها وقدمها على نسق الأبنية الرومانية ذات العقود والقناطر قائماً على يمين الحمة بمسافة عشرات من الخطوات وهو أحدث الآثار الباقية المتداعية الأركان. وإذا أمعنا النظر في هذه الآثار ندرك أنه ليس للكنعانيين والآراميين من صنعة فيها وربما أقاموا في ذلك المكان حيناً من الدهر حتى داهمتهم الحمم الصادرة عن جوف الأرض إبان ثورانها فأزهقت نفوسهم ودفنت مساكنهم إذ يبصر المرء هنالك آثاراً طامسة تغشاها الحمم والأنقاض الدالة على الثوران في غابر الزمان. وهنا لم يبق لدينا سوى تينك الأمتين السلوقية والتدمرية ولا مناص من نسبة هذا الحمام وما يجاوره من الأنقاض إلى إحداهما أو إلى كليتيهما لأن الأمة السلوقية كانت ربة علم وفلسفة لا يفوتها استخدام مثل هذا البخار للمنافع الصحية وكذلك الأمة التدمرية على ما نعرفه ويعرفه الخاص والعام فإن لنا في مدينتها العظمى شاهداً عدلاً على ما بلغته في الصناعات والترقي في الفنون وناهيك بأعمدتها الباسقة التي كانت تجري من فوقها الأنهار فأمة مثل هذه لا يعوقها جعل بركان قريب لعاصمتها حماماً يزيل ما في الأبدان من الأوجاع والأوصاب. فكلتا الأمتين كان لهما في حلبة المعارف أفكار سامية وفي مضمار الرقي عقول نيرة ثم دالت دولتهما وهما ينشدان: إن آثارنا تدل علينا فانظروا بعدنا إلى الآثار أي لعمر الحق أنها لأثار تدل على ما كان لهم من اليد الطولى في الفنون الجميلة والصناعات البديعة كما أن قيام هذا الحمام ليس عن عبث أو سائقة طبيعية بل عن علم صحيح وعقل رجيح فإذا حققت النظر في مبانيه الخربة وجدت أنها كانت في عهدها الزائل مستوفاة الشروط الطبية داخلاً وخارجاً مما نعجز نحن أبناء القرن العشرين عن الافتكار بمثله ولو بعد حين. وفوق كل هذا إنني أرجح نسبة هذه الآثار إلى التدمريين لمشابهة أنقاضها لأنقاض مدينة تدمر وقربها منها ولما يتواتر على السنة الأهلين في تلك الأنحاء من أن هنالك ساقية قديمة تنتهي إلى المدينة المذكورة. نبذة صحية — لو كنت طبيباً لفحصت هذا الحمام من وجهته الطبية والكيماوية فحصاً دقيقاً وعلمت ماهية بخاره ومقدار درجات حرارته ونتيجة تحليله ولكني لا أطيق التطفل على موائد الطب فأقتصر على ما أعلمه من شفائه للمصابين بالأمراض العصبية عامة وتيبس الأعضاء والتشنج خاصة. وفاتنا ذكر ما هنالك من المناظر غير الفوهة التي بني عليها الحمام وفيها منفذان أحدهما يتداوى به الصم بوضع آذانهم على فيه والثاني يؤمه العقيمات من النساء لدفع الأسباب المانعة من حبلهن بقعودهن القرفصاء عليه ولا أخال الأطباء يقولون بخرافة هذه الطريقة لأن البخار إذا ما دخل الأذن وبيت الولادة يطهر ما فهيما من الأوساخ إن كان ثمة ذلك والله أعلم لمحة إدارية اقتصادية — ليس من ينكر أن مثل هذه المعاهد إذا عني بإصلاحها تأتي بدخل عظيم ولكننا أمة قدر لها أن تكون في الأعصر الماضية خاملة لا تهتدي إلى طرق غناها ولا تقر بمقدار ثروتها التي هي تحت تصرفها وفي حوزتها فترى المال الذي في جبالها متروكاً والممزوج بتربة سهلها منسياً ومن جملة المهملات هذا المكان الذي نحن بصدده وهو لم يزل خراباً يباباً يلجأ إليه لصوص الأعراب وجناتهم فلو لحظ بطرف الاهتمام قليلاً وأرسل إليه طبيب كيماوي يحلل بخاره ويشرح فوائده الصحية بقرير شرحاً وافياً ومهندس يخطط لاعتماره مصوراً كافياً ثم تنشأ فيه أماكن منتظمة تسر القاصدين من المرضى وغيرهم بعد بناء مخفرة للجند تمنع المعتدين من أهل البادية وتلزمه الحكومة إلى شركة أو متمول لقاء مبلغ من المال لكانت تستفيد منه وتفيد فتنشر الأمن في تلك الربوع وعساها فاعلة عن قريب وعسى أهل العلم لا يضنون علينا بما يكشف الغامض من هذه الحمامات البخارية.  مناظرة القنائي والسيرافي من المناظرات الجميلة بأسلوبها وجمال إنشائها ما جرى بين متى بن يونس القنائي وبين أبي سعيد السيرافي نقتبسها من الجزء الثالث من معجم الأدباء الذي صدر مؤخراً ليطلع القراء على أفكار الفيلسوف وأفكار نحوي وها نحن نقدم قبل إيراد المناظرة مختصر ترجمة المتناظرين وناقل كلامهما ليكون القراء على بينة مما يتلو كلامه. أما متى بن يونس أو يونان أبو بشر وهو من أهل دير ممن نشأ في أسكول مرماي قرأ على قوقري وعلى روفيل وبنيامين ويحيى المروزي وعلى ابن أحمد بن كرنيب وله تفسير من السرياني إلى العربي وإليه انتهت رئاسة المنطقتين في عصره وكان نصرانياً وتوفي ببغداد يوم السبت لإحدى عشرة ليلة خلت من شهر رمضان سنة ثمان وعشرين وثلثمائة ولمتى من الكتب مقالة من مقدمات صدر بها كتاب أنالوطيقا كتاب المقاييس الشرطية وشرح كتاب إيساغوجي لفرفوريوس. وأما أبو سعيد الحسن السيرافي فيتلخص مما قاله ياقوت في معجم الأدباء أن سيراف بليد على ساحل البحر من فارس كان أبوه مجوسياً اسمه بهزاد فسماه أبوه أبو سعيد عبد الله وقال أبو حيان في كتابه الذي ألفه تقريظ أبو عمرو بن بحر وقد ذكر جماعة من الأئمة كانوا يقدمون الجاحظ ويفضلونه فقال: ومنهم ابو سعيد السيرافي شيخ الشيوخ وإمام الأئمة معرفة بالنحو الفقه واللغة والشعر والعروض والقوافي والقرآن والفرائض والحديث والكلام والحساب والهندسة أفتى في جامع الرصافة خمسين سنة على مذهب أبي حنيفة فما وجد له خطأ ولا عثر له على زلة وقضى ببغداد وشرح كتاب سيبويه في ثلاثة آلاف ورقة بخطه في السليماني فما جاراه فيه أحد ولا سبقه إلى تمامه إنسان هذا مع الثقة والديانة والأمانة والرواية صام أربعين سنة وأكثر الدهر كله ومات ٣٦٨ . هذا أما أبو حيان التوحيدي فهو المتكلم الصوفي صاحب المصنفات ومنها كتاب البصائر والإشارات وغيرهما وكتاب المقابسات وكان إماماً في النحو واللغة والتصريف فقيهاً مؤرخاً وصفه ابن النجار أنه كان فقسراً صابراً متديناً وأنه كان صحيح العقيدة إلا أن بعض المؤرخين رموه بالكذب وقلة الدين والمجاهرة بالبهتان وإنه تعرض لأمور جسام والقدح في الشريعة والقول بالتعطيل قال ابن الفارس: ولقد وقف سيدنا الصاحب كافي الكفاة على بعض ما كان يدخله ويخفيه من سوء الاعتقاد فطلبه ليقتله فهرب والتجأ إلى أعداءه ونفق عليهم بزخرفه وأفكه ثم عثروا منه على قبيح دخلته وسوء عقيدته وما يبطنه من الإلحاد ويرومه في الإسلام من الفساد وما يلصقه بأعلام الصحابة من القبائح ويضيفه إلى السلف الصالح من الفضائح فطلبه الوزير المهلبي فاستتر منه ومات في الاستتار. وعده أبو الفرج ابن الجوزي في تاريخه أحد زنادقة الإسلام الثلاثة وهم الراوندي وأبو حيان التوحيدي وأبو العلاء قال وأشدهم على الإسلام أبو حيان لأنه جمجم ولم يصرح. قال السبكي أنه وقع على كثير من كلامه فلم يجد فيه إلا ما يدل على أنه كان قوي النفس مزدرياً بأهل عصره ولا يوجب هذا القدر. قلنا وما كان طلب الصاحب ابن عباد لأبي حيان إلا لأن هذا وضع كتاباً سماه مثالب الوزيرين ضمنه معايب أبي الفضل بن العميد والصاحب بن عباد وتحامل عليهما وعدد نقائصهما ومن كتبه أيضاً الإمتاع والمؤانسة في مجلدين وكتاب الصديق والصداقة وكان موجوداً في السنة الأربعمائة. وإليك الآن هذه المناظرة الغريبة. قال أبو حيان: ذكرت للوزير مناظرة جرت في مجلس الوزير أبي الفتح الفضل بن جعفر بن الفرات بين أبي سعيد السيرافي وأبي بشر متى واختصرتها فقال لي اكتب هذه المناظرة على التمام فإن شيئاً يجري في ذلك المجلس النبيه وبين هذين الشيخين بحضرة هؤلاء الأعلام ينبغي أن يغتنم سماعه وتوعى فوائده ولا يتهاون منه في شيءٍ فكتبت: حدثني أبو سعيد بلمع من هذه القصة فأما علي بن عيسى النحوي الشيخ الصالح فإنه رواها مشروحة قال: لما انعقد المجلس سنة عشرين وثلثمائة قال الوزير ابن الفرات للجماعة: (وفيهم الخالدي وابن الإخشيد والكندي وابن أبي بشر وابن أبي رباح وابن كعب وأبو عمرو قدامة بن جعفر والزهري وعلي بن عيسى بن الجراح وأبو فارس وابن رشيد وابن العزيز الهاشمي وابن يحيى العلوي وابن طغج من مصر والمرزباني صاحب بني سامان) أريد أن ينتدب منكم إنسان لمناظرة متى في حديث المنطق فإنه يقول لا سبيل إلى معرفة الحق من الباطل والصدق من الكذب والخير من الشر والحجة من الشبهة والشك من اليقين إلا بما حويناه من المنطق وملكناه من القيام واستفدناه من واضعه على مراتبه وحدوده وأطلعنا عليه من جهة اسمه على حقائقه. فأحجم القوم وأطرقوا فقال ابن الفرات: والله إن فيكم لمن يفي بكلامه ومناظرته وكسر ما ذهب إليه وإني أعدكم في العلم بحاراً وللدين وأهله أنصاراً وللحق وطلابه مناراً فما هذا التغامز والتلامز اللذان تجلون عنهما. فرفع أبو سعيد السيرافي رأسه وقال: اعذر أيها الوزير فإن العلم المصون في الصدور غير العلم المعروض في هذا المجلس على الأسماع المصيخة والعيون المحدقة والعقول الجامدة والألباب الناقدة لأن هذا يستصحب الهيبة والهيبة مكسرة ويجتلب الحياة والحيا مغلبة وليس البراز في معركة غاصة كالصراع في بقعة خاصة. فقال ابن الفرات: أنت لها يا أبا سعيد فاعتذارك عن غيرك يوجب عليك الانتصار لنفسك والانتصار لنفسك راجح على الجماعة بفضلك. فقال أبو سعيد: مخالفة الوزير فيما يأمره هجنة والاحتجان عن رأيه إخلاد إلى التقصير ونعوذ بالله من زلة القدم وإياه نسأل حسن التوفيق في الحرب والسلم ثم واجه متى فقال: حدثني عن المنطق ما تعني به فإنا إذا فهمنا مرادك فيه كان كلامنا معك في قبول صوابه ورد خطؤه على سنن مرضي وعلى طريقة معروفة. قال متى: أعني به أنه آلة من الآلات يعرف به صحيح الكلام من سقيمه وفاسد المعنى من صالحه كالميزان فإني أعرف به الرجحان من النقصان والشائل من الجانح. فقال له أبو سعيد: لأخطأت لأن صحيح الكلام من سقيمه يعرف بالعقل إن كنا نبحث بالعقل هبك عرفت الراجح منت الناقص من طريق الوزن من لك بمعرفة الموزون أهو حديد أو ذهب أو شبه أو رصاص وأراك بعد معرفة الوزن فقيراً إلى معرفة جوهر الموزون والى معرفة قيمته وسائر صفاته التي يطول عدها فعلى هذا لم ينفعك الوزن الذي كان عليه اعتمادك وفي تحقيقه كان اجتهادك إلا نفعاً يسيراً من وجه واحد وبقيت عليك وجوه فأنت كما قال الأول: حفظت شيئاً وغابت عنك أشياء وبعد فقد ذهب عليك شيءٌ هاهنا ليس كل ما لدينا في الدنيا يوزن بل فيها ما يوزن وفيها ما يكال وفيها ما يذرع وفيها ما يمسح وفيها ما يحزر وهذا وإن كان هكذا في الأجسام المرئية فإنه أيضاً على ذلك في المعقولات المقروءة والإحساس ظلال العقول وهي تحكيها بالتبعيد والتقريب مع الشبه المحفوظ والمماثلة الظاهرة ودع هذا إذا كان المنطق وضعه رجل من يونان على لغة أهلها واصطلاحهم عليها وما يتعارفونه بها من رسومها وصفاتها من أين يلزم الترك والهند والفرس والعرب أن ينظروا فيه وأن يتخذوه حكماً لهم وعليهم وقاضياً بينهم ما شهد له قبلوه وما أنكره رفضوه. قال متى: إنما يلزم ذلك لأن المنطق بحث عن الأغراض المعقولة والمعاني المدركة وتصفح للخواطر السانحة والسوانح الهاجسة والناس في المعقولات سواء ألا ترى أن أربعة وأربعة ثمانية عند جميع الأمم وكذلك ما أشبهه. قال أبو سعيد: لو كانت المطلوبات بالعقل والمذكورات باللفظ ترجع مع شعبها المختلفة وطرائقها المتباينة إلى هذه المرتبة البينة في أربعة وأربعة إنهما ثمانية زال الاختلاف وحضر الاتفاق وطلكن ليس الأمر هكذا ولقد موهت بهذا المثال ولكم عادة في مثل هذا التمويه ولكن ندع هذا أيضاً إذا كانت الأغراض المعقولة والمعاني المدركة لا يوصل إليها إلا باللغة الجامعة للأسماء والأفعال والحروف أفليس قد لزمت الحاجة إلى معرفة اللغة. قال: نعم. قال أخطأت: قل في هذا الموضع بلى. قال متى: بل أنا أقلدك مثل هذا. قال أبو سعيد: فأنت إذاً لست تدعونا إلى علم المنطق بل إلى علم تعلم اللغة اليونانية وأنت لا تعرف لغة يونان فكيف صرت تدعو إلى لغة لا تفي بها وقد عفت منذ زمان طويل وباد أهلها وانقرض القوم الذين كانوا يتفاوضون بها ويتفاهمون أغراضهم بتصرفها على أنك تنقل من السريانية فما تقول في معان متهولة بالنقل من لغة يونان إلى لغة أخرى سريانية ثم من هذه إلى لغة أخرى عربية. قال متى: يونان وإن بادت مع لغتها فإن الترجمة قد حفظت الأغراض وأدت المعاني وأخلصت الحقائق. قال أبو سعيد: إذا سلمنا لك أن الترجمة صدقت وما كذبت وقومت وما حرفت ووزنت وما جزفت ولا نقصت ولا زادت ولا قدمت ولا أخرت ولا أخلت بمعنى الخاص والعام ولا بأخص الخاص ولا بأعم العام وإن كان هذا لا يكون وليس في طبائع اللغات ولا في مقادير المعاني فكأنك تقول بعد هذا لا حجة إلى عقول يونان ولا برهان إلا ما وصفوه ولا حقيقة إلا ما أبرزوه. قال متى: لا ولكنهم من بين الأمم أصحاب عناية بالحكمة والبحث عن ظاهر هذا العالم وباطنه وعن كل ما يتصل به وينفصل عنه وبفضل عنايتهم ظهر ما ظهر وانتشر ما انتشر وفشا ما فشا ونشأ ما نشأ من أنواع العلم وأصناف الصناعة ولم نجد هذا عند غيرهم. قال أبو سعيد: أخطأت وتعصبت وملت مع الهوى فإن العلم مبثوث في العالم ولهذا قال القائل: العلم في العالم مبثوث ونحوه العاقل محثوث وكذلك الصناعات مفضوضة على جميع من على جديد الأرض ولهذا غلب علم في مكان دون مكان وكثرت صناعة في بقعة دون صناعة وهذا واضح والزيادة مشغلة ومع هذا فإنما كان يصح قولك ويسلم دعواك لو كانت يونان معروفة بين جميع الأمم بالعصمة الغالبة والفطرة الظاهرة والبينة المخالفة وأنهم لو أرادوا أن يخطئوا ما قدروا ولو قصدوا أن يكذبوا ما استطاعوا وأن السكينة نزلت عليهم والحق تكفل بهم والخطأ تبرأ منهم والفضائل لصقت بأصولهم وفروعهم والرذائل بعدت عن جواهرهم وعروقهم وهذا جهل ممن يظن بهم وعناد ممن يدعيه عليهم بل كانوا كغيرهم من الأمم يصيبون في أشياء ويخطئون في أشياء ويصدقون في أمور ويكذبون في أمور ويحسنون في أحوال ويسيئون في أحوال وليس واضع المنطق يونان بأسرها إنما هو رجل منهم وقد أخذ عمن قبله كما أخذ عنه من بعده وليس هو حجة على هذا الخلق الكثير والجم الغفير وله مخالفون منهم ومن غيرهم ومع هذا فالاختلاف في الرأي والنظر والبحث في المسألة والجواب سنخ وطبيعة فكيف يجوز أن يأتي رجل بشيءٍ يرفع به هذا الخلاف أو يحله أو يؤثر فيه هيهات هذا محال. ولقد بقي العالم بعد منط قه على ما كان قبل منط قه وامسح وجهك بالسلوة عن شيءٍ لا يستطاع لأنه مفتقد بالفطرة والطباع وأنت فلو فرغت بالك وصرفت عنايتك إلى معرفة هذه اللغة التي تحاورنا بها وتجارينا فيها وتدرس أصحابك بمفهوم أهلها وتدرس كتب يونان بعادة أصحابها لعلمت أنك غني عن معاني يونان كما أنك غني عن لغة يونان وها هنا مسألة: أتقول أن الناس عقولهم مختلفة وأنصباؤهم منها متفاوتة. قال: بالطبيعة. قال: فكيف يجوز أن يكون ها هنا شيءٌ يرتفع به الاختلاف الطبيعية والتفاوت الأصلي. قال متى: هذا قد مر في جملة كلامك آنفاً. قال أبو سعيد: فهل وصلته بجواب قاطع وبيان ناصع دع عنك هذا أسألك عن حرف واحد هو دائر في كلام العرب ومعانيه متميزة عند أهل العقل فاستخرج أنت معانيه من ناحية منطق أرسطاطاليس الذي تدل به وتباهي بتفخيمه وهو الواو وما أحكامه وكيف مواقعه وهل هو على وجه واحد أو وجوه. فهبت متى وقال: هذا نحو والنحو لم أنظر فيه لأن لا حاجة بالمنطقي إلى النحو وبالنحوي حاجة إلى المنطق لأن المنطق يبحث عن المعنى والمنطق يبحث عن اللفظ فإن مر المنطقي باللفظ فبالعرض وإن عبر النحوي بالمعنى فبالعرض والمعنى أشرف من اللفظ واللفظ أوضح من المعى. قال أبو سعيد: أخطأت لأن المنطق والنحو واللفظ والإفصاح والإعراب والأنباء والحديث والأخبار والاستخبار والعرض والتمني والحض والدعاء والنداء والطلب كلها من واد واحد بالمشاكلة والمماثلة ألا ترى أن رجلاً لو قال نطق زيد بالحق ولكن ما تكلم بالحق وتكلم بالفحش ولكن ما قال الفحش وأعرب عن نفسه ولكن ما أفصح وأبان المراد ولكن ما أوضح أوفاه بحاجته ولكن ما لفظ أو أخبر ولكن ما أنبأ لكان في جميع هذا مخرفاً ومناقضاً وواضعاً للكلام في غير حقه ومستعملاً للفظ على غير شهادة من عقله وعقل غيره والنحو منطق ولكنه مسلوخ من العربية والمنطق نحو ولكنه مفهوم باللغة وإنما الخلاف بين اللفظ والمعنى وإن اللفظ طبيعي والمعنى عقلي ولهذا كان اللفظ بائداً على الزمان يقفوا أثر الطبيعة بأثر آخر من الطبيعة ولهذا كان المعنى ثابتاً على الزمان لأن مستعملي المعنى عقل والعقل إلهي ومادة اللفظ طينية وكل طيني متهافت وقد بقيت أنت بلا اسم لصناعتك التي تنتحلها وآلتك التي تزهى بها إلا أن تستعير من العربية لها اسماً فتعار ويسلم لك بمقدار وإن لم يكن لك من بد من قليل هذه اللغة من أجل الترجمة فلا بد لك من كثيرها من أجل تحقيق الترجمة واجتلاب الثقة والتوقي من الخلة اللاحقة بك. قال متى: يكفيني من لغتكم هذا الاسم والفعل والحرف فإني أتبلغ بهذا القدر إلى إغراض قد هذبتها لي يونان. قال أبو سعيد: أخطأت لأنك في هذا الاسم والفعل والحرف فقير إلى وصفها وبنائها على الترتيب الواقع في غرائز أهلها وكذلك أنت محتاج بعد هذا إلى حركات كهذه الأسماء والأفعال والحروف فإن أخطأت والتحريف في الحركات كالخطأ والفساد في المتحركات. وهذا باب أنت وأصحابك ورهطك عنه في غفلة على أن ها هنا سراً ما علق بك ولا أسفر لعقلك وهو أنتعلم أن لغة من اللغات لا تطابق لغة أخرى من جميع جهاتها بحدود صفاتها في أسمائها وأفعالها وحروفها وتأليفها وتقديمها وتأخيرها واستعارتها وتحقيقها وتشديدها وتخفيفها وسعتها وضيقها ونظمها ونثرها وسجعها ووزنها وميلها وغير ذلك مما يطول ذكره وما أظن أحداً يدفع هذا الحكم أو يسأل في صوابه ممن يرجع إلى مسكة من عقل أو نصيب من إنصاف فمن أين يجب أن نثق بشيءٍ ترجم لك على هذا الوصف بل أنت إلى أن تعرف اللغة العربية أحوج منك إلى أن تعرف المعاني اليونانية على أن المعاني لا تكون يونانية ولا هندية كما أن اللغات لا تكون فارسية ولا عربية وتركية ومع هذا فإنك تزعم أن المعاني حاصلة بالعقل والفحص والفكر فلم يبق إلا أحكام اللغة فلم تزري على اللغة العربية وأنت تشرح كتب أرسطاطليس بها من جهلك بحقيقتها وحدثني قائل قال لك عن حالي في معرفة الحقائق والتصفح لها والبحث عنها حال قوم كانوا قبل واضع المنطق أنظر كما نظروا وأتدبر كما تدبروا لأن اللغة قد عرفتها بالمنشأ والوراثة والمعاني نقرت عنها بالنظر والرأي والاعتقاب والاجتهاد وما تقول له لا يصح له هذا الحكم ولا يستثب هذا الأمر لأنه لم يعرف هذه الموجودات من الطريقة التي عرفتها أنت ولعلك تفرح بتقليدك وإن كان على باطل أكثر مما يفرح باستبداده وإن كان على حق وهذا هو الجهل المبين والحكم غير المستبين. ومع هذا حدثني عن الواو وما حكمه فإني أريد أن أبين أن تفخيمك للمنطق لا يغني عنك شيئاً. وإن تجهل حرفاً واحداً من اللغة التي تدعو بها إلى الحكمة اليونانية ومن جهل حرفاً واحداً أمكن أن يجهل اللغة بكاملها وإن كان لا يجهلها كلها ولكن يجهل بعضها فلعله يجهل ما يحتاج إليه ولا ينفعه فيه علم بما لا يحتاج وهذه رتبة العامة أو هي رتبة فوق العامة بقدر يسير فلم يتأبى على هذا وينكر ويتوهم أنه من الخاصة وخاصة الخاصة وأنه يعرف سر الكلام وغامض الحكمة وخفي القياس وصحيح البرهان وإنما سألتك عن معاني حرف واحد فكيف لو نثرت عليك الحروف كلها وطالبتك بمعانيها ومواضعها التي لها بالحق والتي لها بالتجوز وسمعتكم تقولون في لا يعلم النحويون مواقعها وإنما يقولون هي للوعاء كما يقولون أن الباء للإلصاق وإن في تقال على وجوه يقال الشيء في الوعاء والإناء والمكان والسائس في السياسة والسياسة في السائس ألا ترى هذا الشقيق هو من عقول يونان ومن ناحية لغتها ولا يجوز أن يعقل هذا بعقول الهند والترك والعرب فهذا جهل من كل من يدعيه وخطل من القول الذي أفاض النحوي إذ قال في للوعاء فقد أفصح في الجملة عن المعنى الصحيح وكنى مع ذلك عن الوجوه التي تظهر بالتفصيل ومثل هذا كثير وهو كاف في موضع السكيت. فقال ابن الفرات أيها الشيخ الموفق أجبه بالبيان عن مواقع الواو حتى تكون اشد في إفحامه وحقق عند الجماعة ما هو عاجز عنه ومع ذلك فهو متشيع به. فقال أبو سعيد: للواو وجوه ومواقع منها معنى العطف في قولك أكرمت زيداً وعمراً ومنها القسم في قولك والله لقد كان كذا وكذا ومنها الائتناف كقولك خرجت وزيداً قائم لأن الكلام بعد ابتداء وخبر ومنها معنى رب التي هي للتقليل نحو قوله: وقائم الأعمال خاوي المخترقن ومنا أن تكون أصلية في الاسم كقولك واقد واصل وافد وفي الفعل كقولك وجل يوجل ومنها أن تكون مقحمة نحو قول الله تعالى فلما استلما وتله للجبين ونادياه أي ناديناه ومثله قول الشاعر: فلما أجزنا ساحة الحي وانتحى بنا بطن خبت ذي قفاف عقنقل المعنى انتحى بنا ومعنى الحال في قوله عز وجل: ويكلم الناس في المهد وكهلاً أي يكلم الناس حال صغره بكلام الكهل في حال كهولته ومنها أن تكون بمعنى حرف الجر كقولك استوى الماء والخشبة أي مع الخشبة. فقال ابن فرات لمتى: يا أبا بشر أكان هذا في نحوك. ثم قال أبو سعيد: دع هذا ها هنا مسألة علاقتها بالمعنى العقلي أكثر من علاقتها بالشكل اللفظي ما تقول في قول القائل زيد أفضل الأخوة. قال: صحيح: قال: فما تقول إن قال زيد أفضل أخوته. قال: صحيح قال: فما الفرق بينهما مع الصحة فبلح وجنح جوابك عنها صحيح وإن كنت غافلاً عن وجه صحتها والمسألة الثانية جوابك عنها غير صحيح وإن كنت أيضاً ذاهباً عن وجه بطلانها. قال متى: بين ما هذا التهجين. قال أبو سعيد: إذا حضرت المختلفة استفدت ليس هذا مكان التدريس هو مجلس إزالة التلبيس مع من عادته التمويه والتشبيه والجماعة تعلم أنك أخطأت فلم تدعي أن النحوي إنما ينظر في اللفظ لا في المعنى والمنطقي ينظر في المعنى لا في اللفظ هذا كان يصح لو أن المنطقي يسكت ويجيل فكره في المعاني ويرتب ما يريد في الوهم اتلسياح والخاطر العارض والحدس الطارئ وأما وهو يريغ أن يبرز ما صح له الاعتبار والتصفح إلى المتعلم والمناظر فلا بد له من اللفظ الذي يشتمل على مراده ويكون طباقاً لغرضه وموافقاً لقصده. قال ابن فرات يا ابا سعيد تمم لنا كلامك في شرح المسألة حتى تكون الفائدة ظاهرة لأهل المجلس والتبكيت عاملاً في نفس أبي البشر. فقال ما أكره من إيضاح الجواب عن هذه المسألة إلا ملل الوزير فإن الكلام إذا طال ملَّ. فقال ابن الفرات ما رغبت في سماع كلامك وبيني وبين الملل علاقة فأما الجماعة فحرصها على ذلك ظاهر. فقال ابو سعيد: إذا قلت زيد أفضل أخوته لم يجز وإذا قلت زيد أفضل الأخوة جاز والفصل بينهما أن أخوة زيد هم غير زيد وزيد خارج من جملتهم ولك دليل أنه لو سأل سائل فقال من أخوة زيد لم يجز أن تقول زيد وعمرو وبكر وخالد وإنما تقول عمرو وخالد ولا يدخل زيد في جملتهم فإذا كان زيد خارجاً عن أخوته صار غيرهم فلم تجز زيداً غير أخوته فإذا قلت زيد أفضل الأخوة ألا ترى أنه لو قيل من الأخوة عددته فيهم فقلت زيد وعمرو وبكر وخالد فيكون بمنزلة قولك حمارك أفره الحمير فلما كان على ما وصفناه جاز أن يضاف إلى واحد منكور يدل على الجنس كما دل الرجال وكما في عشرين درهماً مائة درهم. فقال ابن الفرات: ما بعد هذا البيان مزيد ولقد جل علم النحو عندي بهذا الاعتبار وهذا الانقياد. فقال أبو سعيد: معاني النحو منقسمة بين حركات اللفظ وسكناته وبين وضع الحروف في مواضعها المقتضية لها وبين تأليف الكلام بالتقديم والتأخير وتوخي الصواب في ذلك وتجنب الخطأ من ذلك وإن زاغ شيءٌ عن النعت فإنه لا يخلو من أن يكون سائغاً بالاستعمال النادر والتأويل البعيد أو مردوداً لخروجه عن عادة القوم الجارية على فطرتهم فأما ما يتعلق باختلاف لغات القبائل فذلك شيءٌ مسلم لهم ومأخوذ عليهم وكل ذلك محصور بالتتبع والرواية والسماع والقياس المطرد على الأصل المعروف من غير تحريف وإنما دخل العجب على المنطقيين لظنهم أن المعاني لا تعرف ولا تستوضح إلا بطريقتهم ونظرهم وتكلفهم فترجموا لغة هم فيها ضعفاء ناقصون بترجمة أخرى هم فيها ضعفاء ناقصون وجعلوا تلك الترجمة صناعة وادعوا على النحويين أنهم مع اللفظ لا مع المعنى. ثم اقبل أبو سعيد على متى فقال: ألا تعلم يا أبا البشر أن الكلام اسم وقع على أشياء قد ائتلفت بمراتب مثال ذلك أنك تقول هذا ثوب والثوب يقع على أشياء بها صار ثوباً ثم به نسج بعد أن غزله فسداته لا تكفي دون لحمته ولحمته لا تكفي وزن سداته ثم تأليفه كنسجه وبلاغته كقصارته ودقة سلكه كرق لفظه وغلظ غزله ككثافة حروفه ومجموع هذا كله ثوب ولكن يعد تقدمة كل ما يحتاج إليه. قال ابن الفرات: سله يا أبا سعيد عن مسوألة أخرى فان هذا كلما توالي عليه بأن انقطاعه وانخفض ارتفاعه في المنطق الذي ينصره والحق الذي لا ينصره. قال أبو سعيد: ما تقول في رجل قال لهذا عليّ درهم غير قيراط. قال متى: مالي علم بهذا النمط. قال: لست نازعاً عنك حتى يصح عند الحاضرين أنك صاحب مخرقة وزرق ها هنا ما هو أخف من هذا قال رجل لصاحبه: بكم الثوبان المصبوغان وقال آخر: بكم ثوبان مصبوغان وقال آخر: بكم ثوبان مصبوغين بين هذه المعاني التي تضمنها لفظ لفظ. قال متى: لو نثرت أنا عليك من مسائل المنطق شيئاً لكن حالك كحالي. قال أبو سعيد: أخطأت لأنك إذا سألتني عن شيءٍ أنظر فيه فإن كان له علاقة بالمعنى وصح لفظه على العادة الجارية أجبت ثم لا أبالي أن يكون موافقاً أو مخالفاً وإن كان غير مت علق بالمعنى رددته عليك وإن كان مت صلاً باللفظ ولكن على موضع لكم في الفساد على ما حشوتم به كتبكم رددته أيضاً لأنه لا سبيل إلى إحداث لغة مقررة بين أهلها وبين ما وحدنا لكم إلا ما استعرتم من لغة العرب كالسبب وإلا والموضوع والمحمول والكون الفساد والمهمل والمخصوص وأمثلة لا تنفع ولا تجدي وهي إلى العي اقرب منها إلى الفهاهة اذهب ثم أنتم هؤلاء في منطقكم على نقض ظاهر لأنكم لا تفون بالكتب ولا هي مشروحة وتدعون الشعر ولا تعرفونه وتدعون الخاطبة وأنتم عنها في منقطع التراب وقد سمعت قائلكم يقول الحاجة ماسة إلى كتاب البرهان فإن كان كما قال فلم قطع الزمان بمن قبله من الكتب وإن كانت الحاجة قد مست إلى ما قبل البرهان فهي أيضاً ماسة إلى ما بعد البرهان وإلا فلما صنف مالاً يحتاج إليه ويستغني عنه هذا كله تخليط وزرق وتهويل ورعد وبرق وإنما بودكم أن تشغلوا جاهلاً وتستذلوا عزيزاً وغابتكم أن تهولوا بالجنس والنوع والخاصة والفصل والعرض والشخص وتقولوا إلهية والأينية والماهية والكيفية والكمية والذاتية والعرضية والجوهرية والهيولية والصورية والإنسية والكسبية والنفسية ثم تنمطون وتقولون جئنا بالسحر في قولنا * لا أفي شيء من باء وواو وجيم في بعض باء وفاء في بعض جيم وإلا في كل ب وج في كل ب فإذا لا في كل ج وهذا بطريق الحلف وهذا بطريق الاختصاص وهذه كلها جزافات وترهات ومغالق وشبكات ومن جاد عقله وحسن تمييزه ولطف نظره وثقب رأيه وإنارات نفسه واستغنى عن هذا كله بعون اله وفضله وجودة العقل وحسن التمييز ولطف النظر وثقوب الرأي وإنارة النفس منائح الله الهبية ومواهبه السنية يختص بها من يشاء من عباده وما عرف لاستطالتكم بالمنطق وجهاً وهذا الناشيء التلغراف سعى ركضاً رسول الكهرباء على أسلاكه فوق الهواء جرى متدفقاً من دون صوت كما تجري الأشعة من ذكاء وطار بأرضنا براً وبحراً كما طارت بروق في السماء أصمٌ سامعٌ أقوال دان وأخرس ناطق بمراد ناء جماد كاتب من غير كف حروفاً لسن من هذا الهجاء به التلميح تصريح جلي به الإيحاز تطويل لراء وليس يريبه حر وبرد فيجري في المصيف وفي الشتاء يقابل ضغط إعصار ببر وتياراً يهيج موج ماءِ تجاري في الضياء وفي الدياجي ليوصل ما يشاء بلا وناء فيشبه في سكينته فؤاداً يمد الجسم من خير الغذاء كذا أسلاكه تحكي عروقاً قد امتدت بجثمان الفضاء وأعصاباً بهذا الإحساس يجري لأدمغة كجري الكهرباء تسير بطيها الأنباء تحيي عوالم أرضنا سيل الدماء فسبحان الذي أهدى عقولاً إلى كشف القناع عن الخفاء العرب العرب مات شعورهم فاندبه دهرك باكياً ولى فولى بعده أنسي وساء مآليا وظللت للهم المب رح والشقاء مؤاخيا لا أجلتي للعلم إلا شانئاً أو قالياً وإذا دعوت إلى الهدى قمي ورحت مناديا وطفقت أندب حالهم ندب الربوع خواليا وأقول أن عمادنا يا قوم أصبح واهيا عافوا النصيحة وانثنوا لا يسمعون دعائيا قد كنت أطع أن أرى وطني بهيجاً زاهيا فوجدته من كل علم أو علاء خاليا فرثيته وبكيته وسكبت دمعاً غاليا وتقطعت أعشار قل بي حسرة وفؤاديا يا عرب إن خمولكم ترك القلوب دواميا أشجى المحب بما شجا فغدا حزيناً آسيا فمتى الصعود إلى العلى فأنا صاح مراديا وأبيت مغتبطاً أج ر من الحبور ردائيا فسعادتي يا ابتن الكرا م وبغيتي ومراميا أن تصبح العرب الأذل ة سادة ومواليا وتعيد مجداً كان بال علم المرجب حاليا وتكون نوراًَ للبري ة بالمعارف هادياً وتسيد في ربع العلا ء معاهداً ومبانياً فتسوء حساداً نكا هم فضلها وأعادياً هذي سعادتي التي أنا ناشد وهنائيا وهي الشقاء لعلتي وهي الدواء لدائيا مخطوطات ومطبوعات روضة العقلاء ونزهة الفضلاء للإمام أبي حاتم محمد بن حيان البستي المتوفى سنة ٣٥٤هـ صححه محمد أمين أفندي الخانجي بعد قراءة الأصل على الشيخ طاهر الجزائري طبع بمطبعة كردستان العلمية بمصر سنة ١٣٢٨ ص ٢٦٧ علم الأخلاق كما قال ابن ساعد علم بعلم منه أنواع الفضائل كيفية اكتسابها وأنواع الرذائل وكيفية اجتنابها وموضوعه الملكات النفسية من الأمور العادية ومنفعته أن يكون الإنسان كاملاً في أفعاله بحسب إمكانه لتكون أولاه سعيدة وأخراه حميدة. وجميع ما طبع حتى الآن من كتب هذا الفن الجليل مفيد في بابه نافع لطلابه مثل كتاب الذريعة في مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني وتفصيل النشأتين له وأدب الدنيا والدين للماوردي والفوز الصغر لا بن مسكويه وتهذيب الأخلاق له أيضاً ومداواة النفوس لابن حزم ورسائل إخوان الصفا وحكم ابن عطاء الله السكندري وقواعد التصوف لا بن زروق والطب الروحاني للشيرازي ومعظم إحياء علوم الدين للغزالي وبعض فصول الفتوحات الملكية لابن عربي وغير ذلك من كتب التصوف الصحيح. وهذا السفر من أجل التي أحييت في هذه الآونة بمعرفة أستاذنا الشيخ طاهر الجزائري فجاء الفرع والأصل متساويين في المحاسن وقد قال عنه في التذكرة الطاهرية الذي وضعه أستاذنا في فوائد متفرقة في وصف المكتب النافعة الكثيرة التي يطلع عليها قوله: وقفت في ذي الحجة سنة ١٣٢٧ على كتاب روضة العقلاء للإمام الحافظ الأجل ابي حاتم محمد بن حيان التميمي ألبسني أحد أفرادها الدهر فوجدته كتاباً من أجل الكتب وأنفعها قصد فيه مؤلفه بيان ما يحتاج غليه العقلاء في أيامهم على اختلاف أحوالها وهو من المطالب العالية التي يحرص عليها كل عاقل غير غافل. وليس الرجال بأحق بالاستفادة منه من ربات الحجال وقد ابتدأ كل مط لب بحديث ثابت يتعلق به وابتعه بما قصد بيانه ووشاه بشواهد كثيرة مما قاله شعراء الحكماء وحكماء الشعراء وجرى في عبارته على نهج من أوتوا الحظ الأدنى من البيان فيجدر بالعقلاء أن يرضوا أنفسهم في روضتهم مجتنين من أثمارها ومجتلين لأزهارها. المؤلف من جلة العلماء المكثرين من التأليف المجودين فيما كتبوه وكتابه هذا على ما نعلم طبع لأول مرة وقد ترجم له ياقوت الحموي في معجم البلدان فقال ما محصله: أبو حاتم محمد بن حيان التميمي العلامة الفاضل المتقن كان مكثراً من الحديث والرحلة والشيوخ عالماً بالمتون والأسانيد أخرج من علوم الحديث ما عجز عنه غيره ومن تأمل تصانيفه تأمل منصف علم أن الرجل كان بحراً في العلوم سافر ما بين الشاش والإسكندرية وأدرك الأئمة والعلماء والأسانيد العالية وكان من أوعية العلم في اللغة والفقه والحديث والوعظ ومن عقلاء الرجال صنف فخرج له من التصنيف في الحديث ما لم يسبقه إليه وولي القضاء بسمرقند وغيرها من المدن وكانت الرحلة بخراسان من مصنفاته. قال أبو بكر أحمد بن ثابت: ومن الكتب التي تكثر منافعها أن كانت على قدر ما ترجمها به واصفها مصنفات أبي حاتم محمد ابن حيان البستي التي ذكرها لي مسعود بن ناصر السجزي ووقفني على تذكرة بأسمائها ولم يقدر لي الوصول إلى النظر فيها لأنها غير موجودة بيننا ولا معروفة وأنا أذكر منها ما استحسنه سوى ما عدلت عنه أو طرحته. فمن ذلك كتاب الصحابة خمسة أجزاء وكتاب التابعين خمسة عشر جزءاً وكتاب أتباع التابعين خمسة عشر جزءاً وكتاب تبع التباع سبعة عشر جزءاً وكتاب تبع التبع عشرون جزءاً وكتاب الفصل بين النقلة عشرة أجزاء وكتاب علل أوهام أصحاب التواريخ عشرة أجزاء وكتاب علل حديث الزهري عشرون جزءاً وكتاب علل حديث مالك عشرة أجزاء وكتاب علل مناقب أبي حنيفة ومثالبه عشرة أجزاء وكتاب علل ما استند عليه أبو حنيفة عشرة أجزاء وكتاب ما خالف الثوري شعبة ثلاثة أجزاء وكتاب ما انفرد به أهل المدينة من السنة عشرة أجزاء وكتاب ما انفرد به أهل مكة من السنن عشرة أجزاء وكتاب ما عند شعبة عن قتادة وليس عند سعيد عن قتادة جزءان وكتاب غرائب الأخبار عشرون جزءاً وكتاب ما أغرب الكوفيون ثمانية أجزاء وكتاب أسامي من يعرف بالكنى ثلاثة أجزاء وكتاب كنى من يعرف بالأسامي ثلاثة أجزاء وكتاب الفصل والوصل عشرة أجزاء وكتاب التمييز بين حديث النضر الحمداني والنضر الحزاز جزءان وكتاب الفصل بين حديث أشعث بن مالك وأشعث بن سوار جزءان وكتاب الفصل بين حديث منصور بن المعتمر ومنصور بن راذان ثلاثة أجزاء وكتاب الفصل بين مكحول الشامي ومكحول الأزدي جزءٌ وكتاب موقوف ما رفع عشرة أجزاء وكتاب آداب الرجالة جزءان وكتاب ما أسند جنادة عن عبادة جزء وكتاب الفصل بين حديث نور بن زيد جزء وكتاب ما جعل عبد الله بن عمر عبيد الله بن عمر جزءان وكتاب ما جعل شيبان سفيان أو سفيان شيبان ثلاثة أجزاء وكتاب مناقب مالك بن أنس جزءان وكتاب مناقب الشافعي جزءان وكتاب المعجم على المدن عشرة أجزاء وكتاب المقلين من الحجازيين عشرة أجزاء وكتاب المقلين من العراقيين عشرون جزءاً وكتاب الأبواب المتفرقة ثلاثون جزءاً وكتاب الجمع بين الأخبار المتضادة جزءان وكتاب وصف المعدل والمعدل جزءان وكتاب مفصل بين حدثنا وأخبرنا جزء وكتاب وصف العلوم وأنواعها ثلاثون جزءاً وكتاب الهداية على علم السنن قصد فيه إظهار الصناعتين اللتين هما صناعة الحديث والفقه يذكر حديثاً ويترجم له ثم يذكر من يتفرد بذلك الحديث ومن مفاريد أي بلد هو ثم يذكر كل اسم في إسناده من الصحابة إلى شيخه بما يعرفن نسبته ومولده وموته وكنيته وقبيلته وفضله وتيقظه ثم يذكر ما في ذلك الحديث من الفقه والحكمة فإن عارضه خبر ذكره وجمع بينهما وإن تضاد لفظه في خبر آخر تلطف للجمع بينهما حتى يعلم ما في كل خبر من صناعة الفقه والحديث معاً وهذا من أنبل كتبه وأعزها. قال أبو بكر الخطيب: سألت مسعود بن ناصر يعني السجزي فقلت له: أكل هذه الكتب موجودة عندكم ومقدور عليها ببلادكم فقال إنما يوجد منها الشيء اليسير والنزر الحقير. قال وكان أبو حاتم بن حيان سبل كتبه ووقفها وجمعها في دار رسمها بها فكان السبب في ذهابها مع تطاول الزمان وضعف السلطان واستيلاء ذوي العيث والفساد على أهل تلك البلاد. قال الخطيب: ومثل هذه الكتب الجليلة كان يجب أن يكثر بها النسخ فيتنافس فيها أهل العلم ويكتبونها ويجلدونها إحرازاً لها ولا أحسب المانع مكن ذلك كان إلا قلة معرفة أهل تلك البلاد بمحل العلم وفضله وزهدهم فيه ورغبتهم عنه وعدم بصيرتهم به والله أعلم. قال الإمام تاج الإسلام: وحصل عندي من كتبه بالإسناد المتصل سماعاً كتاب التقاسيم والأنواع خمس مجلدات وكتاب روضة لعقلاء وحصل عندي من تصانيفه غير مسندة عدة كتب مثل كتب الهداية إلى علم السنن من أوله قدر مجلدين وله وهو أشهر من هذه كلها كتاب الثقات وكتاب الجرح والتعديل وكتاب شعب الإيمان وكتاب صفة الصلاة. وكان من فقهاء الدين وحفظ الآثار والمشهورين في الأمصار والأقطار عالماً بالطب والنجوم وفنون العلم جعل داره مدرسة لأصحابه ومسكناً للغرباء الذين يقيمون بها وأهل الحديث والمتفقهة ولهم جرايات يستنفقونها داره وفيها الصفة خزانة كتبه في يدي وصي سلمها إليه ليبذلها لمن يريد نسخ شيءٍ منها الصفة من غير أن يخرجه منها. قال الحاكم: أبو حاتم كبير في العلوم وكان يحسد لفضله وتقدمه. وصنف لأبي الطيب المصعبي كتاباً في القرامطة وتوفي سنة ٣٥٤ (ايري فيه) ودفن في الصفة التي ابتناها بمدينة بست بقرب داره اهـ. هذا هو الرجل العظيم الذي اغفل ذكره كتاب التراجم والباحثون في آثار السلف كصاتكحب وفيات الأعيان وفوات الوزفيات وصاحب الفهرست وصاحب كشف الظنون ومع هذا لم يغفل عنه يباقوت وترجمه بما هو أهله. وكم في هذه الأمة من ضاعت ترجمته وغابت عنا أعمالهم بضعف في مدارك أهل بلدهم وعقم النفوس في ديارهم وحسد نالهم وهي العلامة المميزة للمصلحين والصالحين التي كثيراً ما أصيبوا بتأثيراتها الضارة. أنا الكتاب الذي نشر اليوم فهو روضة علم وأدب وأخلاق قسمه إلى مطالب في أدب النفس ناهزت الخمسين مطلباً مثل لزوم التقوى والعلم والصمت والصدق والحياء وترك القحة ولزوم التواضع ومجانبة الكبر والتحبب إلى الناس ومداراتهم وإفشاء السلام والمزاح المباح والاعتزال عن الناس ومؤاخاة الخاصة وكراهية المعاداة والتلون ومجانبة الحرص للعاقل والتحاسد والتباغض ومجانبة الغضب والطمع ولزوم القناعة والتوكل والرضا والعفو وصفة الكريم واللئيم والزجر عن قول الوشاة وكتمان السر والنصيحة للمسلمين كافة والزجر عن التهاجر ولزوم الحلم عند الذى وإباح جمع المال للقائم بحقوقه والحث على إقامة المروءات والزجر عن قبول الهدايا وقضاء الحوائج والحث على مطالبة لمعالي وإطعام الطعام والمجازاة على الضائع والحث على سياسة الرياسة ورعاية الرعية غير ذلك مما يستفيد منه الكبير والصغير ويتأدب به الأمير والأجير ويغني غناءه للرجال والنساء على السواء. يفتتح المؤلف كل فصل بحديث صحيح ثم يشفعه بكلام منظوم أو منثور ينقله بالرواية ومنظومه كله مما يجدر بالناشئة حفظه لسلاسته وكثرة حكمه ثم يتكلم ابو حاتم من عنده كلاماً يدل على العقل الواسع والعلم النافع وحسن المأتى ولطف الأداء وقد يورد في أكثر الفصول قصصاً تروق العامة والخاصة معاً. نسق تأليفه تنسيقاً عجيباً لم يخل به من أوله إلى آخره حتى جاءت المطالب كلها متساوية بالحجم والفائدة آخذة من الحسن والإحسان بنصيب وافر. فجودة الأسلوب التي عرفت بها مصنفات الإفرنج لعهدنا تجدها على أتمها في المجودين للتأليف في عصور الارتقاء الإسلامي وهذا الكتاب نموذج صالح منها. وإليك الآن مثالاً من عبارة المؤلف تستدل منها عل مبلغه من الحذق والعلم والبيان. قال أبو حاتم: لا يكون المرء بالمصيب في الأشياء حتى تكون له خبرة بالتجارب والعاقل يكون حسن المأخذ في صغره صحيح الاعتبار في صباه حسن العفة عند إدراكه رضي الشمائل في شبابه ذا الرأي والحزم في كهولته يضع نفسه دون غايته برتوه (خطوة) ثم يجعل لنفسه غاية يقف عندها لأن من جاوز الغاية في كل شيءٍ صار إلى النقص ولا ينفع العقل إلا بالاستعمال كما لا تتم الف ٥ رصة إلا بحضور الأعوان. ومن لم يكن عقله أغلب خصال الخير أخاف أن يكون حتفه أقرب الأشياء إليه. ورأس العقل المعرفة بما يمكن أن يكون كونه قبل أن يكون والواجب على العاقل أن يجتنب أشياء ثلاثة فإنها اسرع في إفساد العقل من النار في يبس العوسج: الاستغراق في الضحك وكثرة التمني وسوء التثبت. لأن العاقل لا يتكلف ما لا يطيق ولا يسعى إلا لما يدرك ولا يعد إلا بما يقدر عليه ولا ينفق إلا بقدر ما يستفيد ولا يطلب من الجزاء إلا بقدر ما عنده من الغناء ولا يفرح بما نال إلا بما أجدى عليه نفعه منه والعاقل يبذل لصديقه نفسه وماله ولمعرفته رفده ومحضره ولعدوه عدله وبره وللعامة بشره وتحيته ولا يستعين إلا بمن يحب أن يظفر بحاجته ولا يحدث إلا من يرى حديثه مغنماً إلا أن يغلبه الاضطرار عليه ولا يدعي ما يحسن من العلم لأن فضائل الرجال ليست ما أدعوها ولكن ما نسبها الناس إليهم ولا يبالي ما فاته من حطام الدنيا مع ما رزق من الحظ في العقل. أنشدني عبد الرحمن ابن محمد المقاتلي: فمن كان ذا عقل ولم يك ذا غنى يكون كذي رجل وليست له نعل ومن كان ذا مال ولم يك ذا حجى يكون كذي نعل وليست له رجل قال أبو حاتم: كفى بالعاقل فضلاً وإن عدم المال بأن تصرف أعماله إلى المحاسن فتجعل البلادة منه علماً والمكر عقلاً والهذر بلاغة والحدة ذكاء والعيُّ صمتاً والعقوبة تأديباً والجرأة عزماً والجبن تأنياً والإسراف جوداً والإمساك تقديراً فلا تكاد ترى عاقلاً ولا موقراً للرؤساء ناصحاً للأقران مواتياً للإخوان متحزراً من الأعداء غير حاسد للأصحاب ولا مخادع للأحباب لا يتحرش بالأشرار ولا يبخل في الغنى ولا يشره في الفاقة ولا ينقاد للهوى ولا يجمح في الغضب ولا يمرح في الولاية ولا يتمنى ما لا يجد ولا يكتنز إذا وجد ولا يدزخل في دعوى ولا يشارك في مراء ولا يدلي بحجة حتى يرى قاضياً ولا يشكو الوجع إلا عند من يرجو عنده البرء ولا يمدح أحداً إلا بما فيه لأن من مدح رجلاً بما ليس فيه فقد بالغ في هجائه ومن قبل المدح بما لم يفعله فقد استهدف للسخرية. والعاقل يكرم على غير حال كالأسد يهاب وإن كان رابضاً وكلام العاقل يعتدل كاعتدال جسد الصحيح وكلام الجاهل يتناقض كاختلاط جسد المريض وكلام العاقل وإن كان نزراً خطوة عظيمة كما أن مقارنة المأثم وإن كان نزراً مصيبة جليلة ومن العقل التثبت في كل عمل قبل الدخول فيه وآفة العقل العجب بل على العاقل أن يوطن نفسه على الصبر على جار السوء وجليس السوء فإن ذلك مما لا يخطيه على ممر الأيام ولا يجب للعاقل أن يحب أن يسمى به لأن من عرف بالدهاء حذر ومن عقل عاقل دفن عقله ما استطاع لأن البذر وإن خفي بالأرض أياماً فإنه لا بد من ظاهر في أوانه وكذلك العاقل لا يخفى عقله وإن أخفى ذلك جهده وأول تمكن المرء من مكارم الأخلاق هو لزوم العقل اهـ. ومن الحكايات التي ساقها قوله: سمعت إسحق بن أحمد القطان البغدادي يتيسر يقول: كان لنا جار ببغداد نسميه طبيب القراء كان يتفقد الصالحين ويتعاهدهم فقال لي: دخلت يوماً على أحمد بن حنبل فإذا هو مغموم مكروب فقلت: مالك يا أبا عبد الله. قال: خير. قلت: ومع الخير. قال: امتحنت وبتلك المحنة حتى ضربت ثم عالجوني وبرأت إلا أنه بقي في صلبي موضع يوجعني هو أشد عليّ من ذلك الضرب. قال: قلت اكشف لي عن صلبك. قال: فكشف لي فلم أر فيه إلا أثر الضرب فقلت: ليس لي بذي معرفة ولكن سأستخبر عن هذا قال: فخرجت من عنده حتى أتيت صاحب الحبس وكان بيني وبينه فضل معرفة فقلت له: ادخل الحبس في حاجة قال: أدخل فدخلت وجمعت فتيانهم وكان معي دريهمات فرقتها عليهم وجعلت أحدثهم حتى أنسوا بي ثم قلت: من منكم ضرب أكثر قال: فقلت له اسالك عن شيءٍ فقال: هات فقلت: شيخ ضعيف ليست صناعته كصناعتكم ضرب على الجوع والقتل سياطاً يسيرة إلا أنه لم يمت وعالجوه وبرأ إلا أن مواضعاً في صلبه يوجعه وجعاً ليس عليه صبر قال: فضحك فقلت: مالك قال: الذي عالجه كان حائكاً. قلت: أيش الخبر. قال: ترك في صلبه قطعة لحم ميت لم يقلعها قلت: فما الحيلة قال: يبط صلبه وتؤخذ تلك القطعة ويرمى بها وإن تركت بلغت إلى فؤاده فقتلته. قال: فخرجت من الحبس فدخلت على أحمد بن حنبل فوجدته على حالته فقصصت عليه القصة. قال: ومن يبطه. قلت: أنا. قال: أو تفعل قلت: نعم قال: فقام فدخل البيت ثم خرج وبيده مخدتان وعلى كتفه فوطة فوضع أحدهما لي والأخرى له ثم قعد عليها وقال استخر الله فكشف الفوطة عن صلبه وقلت ارني موضع الوجع فقال: ضع إصبعك عليه فإني أخبرك به فوضعت إصبعي وقلت: ها هنا موضع الوجع. قال: ههنا أسأل الله العافية قال: ههنا قال: هاهنا أحمد الله على العافية فقلت: هاهنا قال: هاهنا أسأل الله العافية قال: فعلمت أنه موضع الوجع قال: فوضعت المبضع عليه فلما أحس بحرارة المبضع وضع يده على رأسه وجعل يقول: اللهم اغفر للمعتصم حتى بططته فأخذت القطعة الميتة ورميت بها وشددت العصابة عليه وهو لا يزال على قوله اللهم اغفر للمعتصم. قال: ثم هدأ وسكن ثم قال: كأني كنت معلقاً فأصدرت قلت: يا أبا عبد الله إن الناس امتحنوا محنة دعوا على من ظلمهم ورأيتك تدعو للمعتصم قال: إني فكرت فيما تقول وهو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم فكرهت أن آتي يوم القيامة وبيني وبين أحد من قرابته خصومة هو مني في حل اهـ. ومن أجمل الفصول التي استشهد بها المؤلف وصية الخطاب بن لمعلى المخزومي ابنه قال: أخبرتني محمد بن المنذر بن سعيد حدثنا أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي حدثني عبد الرحمن بن أبي عطية الحمصي عن الخطاب بن المعلى المخزومي القرشي أنه وعظ ابنه فقال: يا بني عليك بتقوى الله وطاعته، وتجنب محارمه بإتباع سنته ومعالمه، حتى تصح عيوبك، وتقر عينك، فإنها لا تخفى على الله خافية، وإني قد سمعت لك وسماً، ووضعت لك رسماً، إن أنت حفظته ووعيته وهملت به ملأت عيون الناس، وإنقاد لك به الصعلوك، ولم تزل مرتجيا مشرفاً يحتاج إليك، ويرغب إلى ما في يديك، فأطلع أباك، واقتصر على وصية أبيك، وف رغ لذلك ذهنك، واشغل به قلبك ولبك، وإياك وهذر الكلام، وكثر الضحك والمزاح، ومهازلة الإخوان فإن ذلك يذهب البهاء، ويوقع الشحناء، وعليك بالرزانة، والتوقر من غير كبر يوصف منك، ولا خيلاء تحكي عنك، والق صديقك وعدوك بوجه الرضى، وكف الأذى، من غير ذلة لهم، ولا هيبة منهم، وكن في جميع أمورك في أوسطها، فإن خير الأمور أواسطها، وقلل الكلام، وافش السلام، وامش متمكناً قاصداً ولا تخبط برجلك، ولا تسحب ذيلك ولا تلو عنقك ولا رداءك، ولا تنظر في عطفك، ولا تكثر الالتفات، ولا تقف على الجماعات. ولا تتخذ السوق مجلساً ولا الحوانيت متحدثاً. ولا تكثر المراء. ولا تنازع السفهاء. فإن تكلمت اختصر. وإن مزحت فاقتصر. وإذا جلست فتربع. وتحفظ من تشبيك أصابعك وتفقيعها. والعبث بلحيتك وخاتمك. وذؤابة سيفك. وتخليل أسنانك. وإدخال يدك في أنفك. وكثرة طرد الذباب عنك. وكثرة التثاؤب والتمطي. وأشباه ذلك مما يستخفه الناس منك. ويغتمزون به فيك. وليكن مجلسك هادياً. وحديثك مقسوماً. واصغ إلى الكلام الحسن ممن حدثك بغير إظهار عجب منك. ولا مسالة إعادة. وأغض عن الفكاهات. من المضاحك والحكايات. ولا تحدث عن إعجابك بولدك ولا جاريتك. ولا عن فرسك ولا عن سيفك. وإياك وأحاديث الرؤيا فإنك إن أظهرت عجباً بشيءٍ منها طمع فيها السفهاء فولدوا لك الأحلام واغتمزوا في عقلك ولا تصنع تصنع المرأة. ولا تبذل تبذل العبد. ولا تلهب لحيتك ولا تبطنها، توقى كثرة الحلف، ونتف الشيب، وكثرة الكحل، والإسراف في الدهن وليكن كحلك غياً، ولا تلح في الحاجات، ولا تخشع في الطلبات، ولا تعلم أهلك وولدك فضلاً عن غيرهم عدد مالك، فإنه إن رأوه قليلاً هنت عليهم، وإن كان كثيراً لم تبلغ به رضاهم، وأخفهم في غير عنف، ولن لهم في غير ضعف، ولا تهازل أمتك، وإذا خاصمت فتوقر، وتحفظ من جهلك، وتجنيب من عجلتك، وتفكر في حجتك، وأري الحاكم شيئاً من حلمكن ولا تكثر الإشارة بيدك، ولا تجفل على ركبتيك، وتوق حمرة الوجه وعرق الجبين، وغن سفه عليك فاحلم، وإذا هدأ غضبك فتكلم، وأكرم عرضك، وألق الفضول عنك، وإن قربك سلطان، فكن منه على حد السنان، وإن استرسل إليك، فلا تامن انقلابه عليك، وأرفق به رفقك بالصبي، وكلمه بما تشتهي، ولا يحملنك ما ترى من ألطافه إياك، وخاصته بك، إن تدخل بينه وبين أحد من ولده وأهله وحشمه، وإن كان لذلك منك مستمعاً، وللقول منك مطيعاً، فإن سقطة الداخل بين الملك وأهله صرعه لا تنهض، وزلة لا تقال، وإذا وعدت فحقق، وإذا حدثت فأصدق، ولا تجهر بمنطقك كمنازع الصم، ولا تخافت به كتخافت الأخرس، وتخير محاسن القول، بالحديث المقبول، وإذا حدثت بسماع فانسبه إلى أهله، وإياك الأحاديث العابرة المشنعة التي تنرها القلوب وتقف لها الجلود، وإياك ومضعف الكلام مثل نعم نعم ولا لا وعجل وعجل وما أشبه ذلك. وإذا توضأت من الطعام، فأجد عرك كفيك، وليكن وضعك الحرض من الأشنان في فيك كفعلك بالسواك، ولا تنخع في الطست، وليكن طرحك الماء من فيك مسترسلاً، ولا تمج فتنضح على أقرب جلسائك، ولا تعض نصف اللقمة ثم تعيد ما بقي منها منصبغاً فإن ذلك مكروه، ولا تكثر الاستسقاء على مائدة الملك. ولا تعبث بالمشاش. ولا تعب شيئاً مما يقرب غليه على مائدته بقلة خل أو أتابل أو عسل. فإن السحابة قد صيرت لنفسها مهابة. ولا تمسك إمساك المبثور. ولا تبذر تبذير السفيه المغرور. واعرف في مالك واجب الحقوق وحرمة الصديق واستغن عن الناس يحتاجون إليك. واعلم أن الجشع. يدعو إلى الطبع. والرغبة. كما قرر تدق الرقبة. ورب أكلة تمنع أكلات. والتعفف مال جسيم وخلق كريم. ومعرفة الرجل قدره. يشرف ذكره. ومن تعد القدر. هوى في بعيد العقر. والصدق زين. والكذب شين. ولصدق يسرع عطب صاحبه أحسن عاقبة من كذب يسلم عليه قائله. ومعاداة اللئيم. خير من مصادقة الأحمق. ولزوم الكريم على الهوان. خير من صحبة اللئيم على الإحسان. ولقرب ملك جواد. خير من مجاورة بحر طراد. وزوجة السوء الداء العضال ونكاح العجوز يذهب بماء الوجه. وطاعة النساء تزري بالعقلاء. تشبه بأهل العقل تكن منهم. وتصنع للشرف تدركه. واعلم كل امرئٍ حيث وضع نفسه. وغنما ينسب الصانع إلى صناعته. والمرء يعرف بقرينه. وإياك وإخوان السوء. فإنهم يخونون من رافقهم. ويحزنون من صادقهم. وقربهم أعدى من الجرب. ورفضهم من استكمال الأدب. واستخفار المستجير لؤم. والعجلة شؤم. وسوء التدبير وهن. والأخوان اثنان فمحافظك عليك عند البلاء. وصديق لك في الرخاء. فاحفظ صديق البلاء. وتجنب صديق العافية. فإنهم أعدى الأعداء. ومن اتبع الهوى. مال به الردى. ولا يعجبنك الجهم من الرجال. ولا تحقر ضئيلاً كالخلال. فإنما المرء بأصغريه قلبه ولسانه. ولا ينتفع به بأكثر من أصغريه. وتوق الفساد. وإن كنت في بلاد الأعادي. ولا تفرش عرضك لمن دونك ولا تجعل مالك أكرم عليك من عرضك. ولا تكثر الكلام. فتثقل على الأقوام. وامنح البشر جليسك والقبول ممن لاقاك. وإياك كثرة التبريق والتزليق. فإن ظاهر ذلك ينسب إلى التأنيث. وإياك والتصنع لغازلة النساء وكن متقرباً متعززاً ومنتهزاً في فرصتك رفيقاً في حاجتك. متثبتاً في حملتك. والبس لكل دهر ثيابه. ومع كل قوم شكلهم. ولا ترد حتى ترى وجه المصدر. وعليك بالنورة. في كل شهر مرة. وإياك وحلاق الإبط بالنورة. وليكن السؤال من طبيعتك. وإذا استكت (؟) فعرضاً. وعليك بالعمارة. فإنها أنفع التجارة. وعرج الزرع خير من اقتناء الضرع. ومنازعتك اللئيم تطعمه فيك. ومن أكرم عرضه أكرمه الناس. وذم الجاهل إياك أفضل من ثنائه عليك. ومعرفة الحق من أخلاق الصدق. والرفيق الصالح ابن عم. ومن أيسر أكبر. ومن افتقر احتقر. قصر في المقالة مخافة الإجابة. والساعي إليك. غالب عليك. وطول السفر ملالة. وكثرة المنى ضلالة. وليس للغائب صديق. ولا على الميت شفيق. واجب الشيخ عناء. وتأديب الغلام شقاء. والفاحش أمير. والوقاح وزير. والحليم مطية الأحمق. والحمق داءٌ لا شفاء له والحلم خير وزير. والدين أزين الأمور. والسماجة. سفاهة. والسكران. شيطان. وكلامه هذيان. والشعر. من السحر. والتهدد هجر. والشح شقاء. والشجاعة بقاء. والهدية من الأخلاق السرية. وهي تورث المحبة. ومن ابتدأ المعروف صار له ديناً. ومن المعروف ابتداء غير مسألة. وصاحب الرياء. يرجع إلى السخاء. ولرياء بخير. خير من معالنة بشر. والعرق نزاع. والعادة طبيعة لازمة. إن خيراً فخير وإن شراً فشر. ومن حل عقداً احتمل حقاً. ومراجعة السلطان. خرق بالإنسان. والفرار عار. والتقدم مخاطرة. وأعجل منفعة. أيسار في دعة. وكثرة العلل. من البخل. وشر الرجال. الكثير الاعتلال. وحسن اللقاء. يذهب بالشحناء. ولين الكلام من أخلاق الكرام. يا بني إن زوجة الرجل سكنه. ولا عيش لها مع خلافها. فإذا هممت بنكاح امرأة فسل عن أهلها فإن العروق الطيبة تنبت الثمار الحلوة. واعلم أن الناس اشد اختلافاً من أصابع الكف. فتوق منهن كل ذات بذا. مجبولة على الأذى. فمنهن المعجبة بنفسها. المزرية ببعلها. إن أكرمها لرأته لفضلها عليه. لا تشكر على جميل. ولا ترضى منه بقليل. لسانها عليه سيف صقيل. قد كشف القحة ستر الحياء عن وجهها. فلا تستحي من إعوارها. ولا تستحيي من جارها. كلبة هرارة. مهارشة عقارة. فوجه زوجها مظلوم. وعرضه مشتوم. ولا ترعى عليه لدين ولدنيا. ولا تحفظه لصحبه ولا لكثرة بنين. حجابه مهتوك. وستره منشور. وخيره مدفون. يصبح كئيباً. ويمسي عاتباً. شرابه مر. وطعامه غيظ وولده ضياع. وبيته مستهلك. وثوبه وسخ. ورأسه شعث. إن ضحك فواهن. وإن تكلم فمكتاره. نهاره ليل. وليله ويل. تلدغه مثل الحية العقارة. وتلبسه مثل العقرب الجرارة. ومنهن شفشليق شعشع سفلع ذات سم منقع. وإبراق واختلاق. تهب مع الرياح. وتطير مع كل ذي جناح. إن قال: لا قلت: نعم وإن قال: نعم وقالت: لا. مولدة لمخازيه. محتقرة لما في يديه. تضرب له الأمثال. وتقصر به دون الرجال. وتنقله من حال إلى حال. حتى قلى بيته. ومل ولده. وغث عيشه. وهانت عليه نفسه. وحتى أنكره أخوانه. ورحمه جيرانه. ومنهن الورهاء الحمقاء. ذات الدال في غير موضعها. الماضغة للسانها. الآخذة في غير شأنها. قد قنعت بحبة. ورضيت بكسبة. تأكل كالحمار الراتع. تنتشر الشمس ولما يسمع لها صوت. ولم يكنس لها بيت. طعامها بائت. وإناؤها هاضير. وعجينها حامض. وماؤها فاتر. ومتاعها مزروع. وماعونها ممنوع. وخدامها مضروب. وجارها محروب. ومنهن العطوف الودود. المباركة الولود. المأمونة على غيبها. المحبوبة في جيرانها. المحمودة في سرها وإعلانها. الكريمة التبعل وخيرها دائم. وزوجها ناعم. موموقة مالوفة. وبالعفاف والخيرات موصوفة. جعلك الله يا بني ممن يقتدي بالهدى. ويأتم بالتقى. ويجتنب السخط ويحب الرضى. والله خليفتي عليك والمتولي لأمرك ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على محمد بني الهدى وعلى آله وسلم تسليماً كثيراً اهـ. هذه أنموذجان من الكتاب والغالب أن للمؤلف مصنفات غير ما ذكر في ترجمته ويؤيد ذلك ما قاله آنفاً مسعود بن ناصر من أن ما أورده من اسماء مؤلفاته هو عدا ما أطرحه منها بيد أن المؤلف نفسه يحيل في خلال كتابه هذا على بعض مصنفاته مثل كتاب محجة المبتدئين العالم والتعلم الوداع والفراق التوكل مراعاة الأخوان مراعاة العشر. فكم يكون قد قدر جميع ما خطته أنامله يا ترى. وقد علق عليه أستاذنا المنوه بقدره حواشي نافعة وشكل محلها الأشكال منه وحلاه بالفواصل فجاء هذا السفر الجليل وافياً بالغرض من كل جهة حرياً بالمتأدبين أن يتدارسوه ويتنافسوا في اقتنائه لنفاسة طبعه ووضعه. السياسة الإسلاميةتأليف المسيو لشاتليه طبع في باريس سنة ١٩١٠ ص ١٦٥La politique musulmane, par M.A. Le Chatelier. E. Leroux, éditeur, 28rue Bonaparte, Paris نشر صديقنا صاحب هذا الكتاب وهو من رجال الاجتماع والاستعمار في فرنسا مؤلفاً جديداً بهذا الاسم جعله ملحقاً لمجلة العالم الإسلامي الباريزية وقدمه إلى أحد أعضاء مجلس الشورى الدولة الفرنسية فقال فيه إذا كان لفرنسا سياسة ألمانية وسياسة إنكليزية بل وسياسة لاتينية فلماذا لا تتخذ لها سياسة إسلامية أمام مجموع العالم الإسلامي فإن مائتي مليون مسلم أحرياء أن يساسوا وتخرج فرنسا في سياستهم عن الأوهام الاستعمارية والسياسية. وتكلم على تاريخ امتداد الإسلام في قارتي آسيا وأفريقية فقال أن شواطئ البحر الأبيض كانت عمالات للمسلمين من الأندلس حتى صقلية وشواطئ أفريقية ولما فتحوا بلاد الروم (بيزانس) وأخذوا بخناق البلقان زاد المسلمون من جهة أخرى ثم تراجعوا فلم يبق في أوربا غير ستة ملايين وإن مسلمي روسية ليتكلموا اللغة الروسية ويتحضرون بالحضارة السلافية ما عدا البوادي منهم وإن كان بعضهم يتسامحون يتعلم اللغة التركية العثمانية وقد احتفظوا بعقائدهم وأخلاقهم. قال: وقد اتهم الألبان الذين كانوا أعظم قوة تحرس عبد الحميد في المدة الأخيرة بانتحال العقيدة البكداشية على حين كان من ألبانيا أن سعت كل السعي في الانقلاب العثماني الأخير. وقال أن أحرار العثمانيين ليدعوا إلى وطنية عنصرية يطبقونها على مصلحتهم حتى خاب ظن من كانوا يوافقونهم بادئ بدءٍ وقاموا يريدون أن يبقوا عثمانيين لا أتراكاً وإن الأحرار أرادوا حياة الإسلام في أوربا الشرقية بعد أن كان يضمحل أمره منها ولكنه عاد وعليه المسحة الأوربية وذلك لاختلاط أهله بأهل أوربا فكان من تأثيرات المحيط في هذا الدين أن رزق حياة جديدة ونهضة رافعة فقد أحدث الانقلاب العثماني من حيث الاجتماع والعلم فشلاً للدين المحمدي على نحو ما كان معروفاً على عهد الخلافة الحميدية ولكنه ظفر ظفراً ثميناً من حيث السياسة والوطنية فبدا في صورة جديدة أكثر انطباقاً على الروح الغربية وغدا نفوذه وقوته أكثر مما كانت على العهد الحميدي. ولم يقتصر مسلمو روسيا في نشوءهم الاجتماعي فأبدوا العواطف التي فرطوا ليها في مطبوعاتهم ودار الندوة الروسية ومؤتمراتهم حتى ضاهى الإسلام بروسيا في قوته الإسلام في الأرض العثمانية فتقوى هناك بخلاصه من العوائق التي كانت تضفه وبإشراك أهله في حركة الشعوب الأوربية وضعف في تقاليده إلا أنه نشط من عقاله. وإن الدارسين في مدارس أوربا من السوريين والمصريين والهنود والفرس والأتراك وإن كانوا قلائل في عددهم إلا أنهم أرباب مكانة بعقولهم سيعيدون إلى الأمة الإسلامية شبابها. وعقد فصولاً كبرى أفاض فيها في شيءٍ من ماضي بلاد الإسلام وحالتها الاجتماعية والمادية والمعنوية اليوم فتكلم على السياسة الاستعمارية في الجزائر وتونس ومراكش وأفريقية الغربية وأفريقية الشرقية وآسيا كلاماً لم يخرج عن استحسان تلك الطريقة التي اتبعتها فرنسا في الاستعمار وتلقين الأمم المحكومة مدنيتها بالقوة والعنف ونزع عاداتها وتقاليدها لتجريعها جرعة من الآداب الفرنسية وإن لم تطلقها وفرنسة كل من يخفق على رأسه علم الجمهورية. وبحث في المملكة العثمانية ومصر وبلاد العرب وفارس والصين والهند ومسلمي والملايو والروس بلسان اجتماعي ينظر إلى مصلحة قومه من الوجهة الاستعمارية. وقال في النتيجة أن الواجب على حكومته أن تفتح اعتماداً بعشرين ألف فرنك تقطعها لكلية الجزائر لتستعين بها على نشر المطبوعات التي تجعل الجزائر مورد العالم العربي ومصدره وما ندري كيف يتسنى ذلك بين قوم يقضى عليهم أن ينسوا لغتهم العربية ولا يدرسونها نصف أو ربع الحضارة الحديثة. ولفت أنظار من قدم له كتابه إلى إصلاح حال مدرسة اللغات الشرقية في باريس وزيادة العناية بدراسة اللغات الإسلامية أي العربية والفارسية والتركية على نحو ما سعت إنكلترا وأصلحت في هذا الشأن كليتي لندرا وأكسفورد وسعت ألمانيا فأصلحت كلية برلين وقال أن الواجب إنشاء نادٍ يأوي إليه من يدرسون في فرنسا من المسلمين كما أنشأت برلين ولندرا مثله لهذه الغاية وقال أن اللغة العربية هي لغة التعارف والتعامل بين المسلمين كاللغة الإنكليزية بين السكسونيين فينبغي صرف العناية لها. وأحسن ظنه كما هي عادته بارتقاء المسلمين ولاسيما في الشؤون الاقتصادية فقال أن مجموع تجارتهم لم يكن في منتصف القرن التاسع عشر في العالم أكثر من ثروة أفقر أمة أوربية وعدد المسلمين نحو مائتي مليون ولا يبعد أن لا ينتصف هذا القرن العشرون إلا ويصبح مجموعها خمسين مليار فرنك إلى غير ذلك من الإيضاحات التي تنتفع بها فرنسا وتستفيد في مستقبلها الاقتصادي والاستعماري. والكتاب محلى بمصورات بلاد الإسلام وببعض رسوم الجوامع والأشخاص والكتابات الإسلامية وهو يدل دلالة واضحة على مبلغ غيرة المؤلف على مصلحة أمته ودرجة علمه بأحوال المسلمين اليوم وأمس كما هو شهادة ناطقة بأن الاخصاء في فرع من فروع العلم الكثيرة أنفع للعالِم وللعالَم من الخطف من هنا ومن هناك. النسائيات مجموعة مقالات في الجريدة في موضوع المرأة المصرية بقلم باحثة الباديةأو العقيلة ملك حنفي ناصف سنة ١٣٢٨ ص ١٧٦ من نعم الله على مصر أن فيها عاملين في كل فرع من فروع الحضارة وأنها تقلد الغرب في خطواتها نحو الارتقاء حتى كادت تكون قطعة من ديار الغرب لو كان نساؤها متعلمات كرجالها ولكن مصر الغنية بتربتها الذكية لم تقصر في ذكاء عقول أبناءها وبناتها فقد نشأ لها بفضل عقول رجالها ناشئة من النساء يأخذن بأيدي بنات جنسهن إلى مهيع التقدم وفي رأسهن مؤلفة ها الكتاب العقيلة ملك حنفي ناصف نسبة لوالدها أحد شيوخ العلم في القاهرة أو ملكة باسل نسبة لزوجها. عني بتأديبها والدها فجاءت أديبة بزت الأدباء وكاتبة يقلُّ في الكتاب مثلها وقد نشرت الآن ما أملاه قلبها على لسانها وقلمها في تعليم المرأة على الأسلوب الجامع إلى الدين الصحيح آداب الدنيا والمدنية الحديثة. وقد طالعنا مات خطته يراعتها في هذا الشأن ولاسيما محاضرتيها في المقارنة بين المرأة المصرية والمرأة الغربية تكلمت فيها كلام العاقلة الحفيصة عن المولودة ودور الطفولة والمراهقة والخطبة والزواج والاقتصاد المالي والمنزلي والعمل البيتي والعادات والأخلاق ودور الأمومة. ومحاضرتها التي ألقتها في نقد عادات النساء وختمتها بقولها لو كان لي حق التشريع لأصدرت اللائحة الآتية: طالعنا كل هذا ورأينا السيدة المؤلفة أجادت فيه من وراء الغاية لأن أقوالها نتيجة تجارب وخبرة بل هي القانون النافع في إنهاض المرأة من كبوتها وفي الكتاب مطالب كثيرة في إصلاح المرأة والاعتدال يقرأ من تضاعيفه والأدب يقطر من خلاله. وقد قدم له أحمد لطفي بك السيد مدير الجريدة والكاتب الخطيب العامل مقدمة لطيفة أبان فيها الغرض من هذه الأبحاث فقال لقد أجادت باحثة البادية في جعل بحثها مرتباً على هذا النمط المعين فإن الاعتدال في تعليم المرأة وتربيتها وتقرير الحد اللازم الذي تقف عنده في المساواة بينها وبين الرجال الاعتدال في ذلك كله أمان من الزلل والوقوع في نتائج سيئة قد لا تكون أقل في سوءِ الأثر من نتائج خمول المرأة وقعودها عن السعي إلى كمالها الخاص. قال أما الدين فإنه ملاك أخلاق المرأة ومناط آدابها وطرق كمالها وموجب الثقة بها. إن تقوى المرأة أكبر الأدلة على صونها ومعرفتها بالواجب وحسن قيامها به. إن شهود المرأة صلاة الجماعة في المسجد الجامع مرة واحدة أصلح لقلبها من سماع واعظ أخلاقي في الدار أو في المدرسة سنة كاملة. وإن تقليد المرأة الشرقية لأختها الغربية نافع ولكن هذا التقليد إلى اليوم ليس بحسنة جديدة ما دام أنه خلا من النوع الخاص بالدين. فإن الغربية تذهب إلى معبدها مرة في الأسبوع على الأقل في الشهر والمسلمة الشرقية لا تذهب إليه في مصر أبداً. كأن دأن أقل في الشهر ولالمسلمة لاشرقية لا تذهب إليه في مصر أبداًبها من سماع واعظ أخلاقي في الدلار أو من نتائج خمول المرأة وقعودها عنخول بيت الله أثقل كلفة عليها وأبعد عن رضى وليها من دخول بيوت التجارة وشهودها مسارح اللهو. إلا وأن حضور النساء صلاة الجماعة على صورة لائقة ومن غير إسراف هو أول عمل حسي تأتيه المرأة لتقرب به مسافة الفرق بينها وبين الرجل ولتقرر به المساواة المنشودة. وعلى الجملة فالكتاب من أنفع ما كتب في عصرنا حريٌّ بكل آنسة وعقيلة بل بكل رب بيت أن يتدارسه ويعمل به فبالأمس قام في مصر المرحوم قاسم بك أمين يحرر المرأة من قيود رقها واليوم قامت ملك ابنة حنفي بك ناصف تبين الخطة العملية فمتى يا ترى يكتب لهذه الديار أيضاً أن يقوم فيها من بنات حواء من يسعين لإصلاح بنات جنسهن على الطريقة الملكية فالكلام يفضل بفضل مصادره وأحسنه ما صدر عن ربات الحسن والإحسان. سير العلم والاجتماع العلم والمال بمصر ظهر كتاب الإحصاء الذي جرت عادة ديوان الإحصاء في مصر أن ينشره كل سنة فإذا فيه أن مجموع دخل مصر كان سنة ١٩٠٩ ١٥٨٨٧٣١٣ جنيهاً ومجموع نفقاتها ١٦٩٠٠٠١٥ جنيهاً وكان دخلها سنة ١٨٨٠ ٩٥٨٤٤٣٠ جنيهاً وخرجها ٧٦٩١٤٢٤ جنيهاً. وبلغ عدد مدراس الحكومة في هذه السنة المكتبية ٦٤ مدرسة فيها ٩٩٨ أستاذاً و ١٤٧١٤ تلميذاً منهم ١٤٠٨٧ ذكراً و ٦٢٧ أنثى وبلغ عدد المدارس الحرة ٢٦٥ مدرسة سنة ١٩٠٨ فسها ٢٣٢٩ أستاذاً و ٥٢٤٤١ تلميذاً منهم ٤٦٢٩٣ ذكراً وبلغ عدد كتاتيب الحكومة ١٤٤ كتاباً سنة ١٩١٠ فيها ٤٤٩ أستاذاً و ١٣٣٦٥ تلميذاً منهم ٩١٨٣ ذكراً وبلغ عدد الكتاتيب الحرة ٣٥٦ فيها ٦٧٩٩ أستاذاً و ١٩٠٨٥٧ تلميذاً منهم ١٧٤٠٢٣ صبياً. وبلغ عدد المدارس الأجنبية ٤٠٩ مدارس فيها ٢٣٢٨ أستاذاً و ٤٧٣٨١ تلميذاً منهم ٢٨٩١٤ ذكراً و ١٨٤٦٧ أنثى. المحسنون للشام ولمصر من أول إمارات النهوض في مصر والشام أن أبا السعود أفندي الحسيبي من أعيان دمشق يقف خزانة كتبه على المطالعين والعالمين سبلها في مكان خاص في القنوات وفيها مخطوطات ومطبوعات نادرة وهي نفيسة مهمة لا تقل فيما نحسب عن ألفي مجلد ويقف لها عقاراً يقوم بالإنفاق عليها وعلى القيم. وإن عبد الرحمن بك اليوسف من أعيان الفيحاء أيضاً تعهد بتعليم شابين أيضاً في مدارس فرنسا على نفقته يعلم الأول الهندسة الميكانيكية والثاني علم الزراعة وأن بطرس أفندي داغر من أعيان بيروت تبرع لجمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في الثغر بمئة ليرة كل سنة لتستعين بها على ترقية مدارسها الخاصة بالإناث. ووقف الأمير يوسف بك كمال من أعيان القاهرة ١٨٠ فداناً من أجود أراضيه في المنيا وعمارة بالإسكندرية يبلغ صافي دخلها السنوي ستة آلاف جنيه على مدرسة الفنون الجميلة التي أسسها في أحد قصوره في درب الجماميز ووهب هذه المدرسة أيضاً عشرة آلاف جنيه لهدم القصر المذكور وبناءه من جديد على طرز مدارس الفنون الجميلة في الغرب وهذا فوق ما كان دفعه من المال للجامعة المصرية والمدرسة الصناعية والابتدائية اللتين بناهما في أملاكه في صعيد مصر وعلاوة على قطعة الأرض التي تساوي عشرة آلاف جنيه وهبها لنادي المدارس العليا لينشئ فيها منتداه. فأكرم بهؤلاء الرجال الذين يحسنون لإنارة العقول فيذرون في الدنيا بالمحمدة وفي الأخرى بالرحمة. أعمال الطيور نشرت المجلة الفرنسية مقالة قالت فيها أن النشاط من خصائص الطيور وقلَّ فيها من يتخلف عن هذه القاعدة فالطير البحري المعروف بقصير الجناح الذي نرى جناحيه كنصل السيف يتحولان إلى قطع يظهر أنها تعجزه عن الحركة ومع هذا يطير ويقفز وكثيراً ما تطول مدة طيرانه وتحمله من جزائر الشمال إلى البحر الأبيض حيث يشتو وهذا مثل طير القوق فإنه يصيدج ويتناول السمك بحذق ويعرف بنزوة منه كيف يمسك ذات القشر وعادمة الفقار من الحيوانات ويتسلى بها فيجعلها نقله وحلواه. وطائر البجع الذي يظهر بأنه أعسر يتوكأ على رجل واحدة في الحدائق وأنه لا حراك فيه وهو على العكس طائر رحالة يفضل ما رزق من الأجنحة الواسعة التي تكون له بمثابة شراع لا نظير له يستخدمه في تنقله على البحيرات والأنهار حيث ينزل ويقيم جنوبي أوربا والهند والصين وأميركا وأستراليا. وتمتاز بعض الطيور بنشاطها على العمل بأن تتخذ لها صناعات مرتبة فالعصفور الدوري الذي كثرت أسماؤه بحسب البلاد هو في الواقع ونفس الأمر عامل لا يتعب ذو أمانة للغاية ويسميه الإسبانيون وهو في مالقة عندما يكون جاز إليها من جبل طارق نحات الحجر مشبهين له في الصناعة بالبناء لأنه يبني عشه ورائده العلم التام في الهندسة ومن أنواعه كثير في فرنسا وإنكلترا وجنوبي أوربا تختار لوكناتها ثقوب أشجار الصنوبر وتبتدع في هندستها وإحسان بنائها بالأحجار والملاط فالعصفور في جبل طارق صغير الجرم كالشحرور ويستعمل قوادمه ومنقاره لجمع الحجارة والحصى لينقلها إلى المحل إلى وقع عليه اختياره ويراكمها بعضها فوق بعض محكماً لها طبقة فوق أخرى ويجعل للعش حاجزاً طوله عشرين سنتيمتراً وعمقه كذلك وطوله من ٦ إلى ٧ سنتيمترات وههو يستعمل له نحو ٢٨٠ حجراً ما عدا ٧٠ إلى ٧٥ حجراً للتأسيس ويبلغ عدد الأحجار ٣٥٠ ومنها ما وزنه ٦٠ غراماً وعجيب منه كيف ينشط لحمل مثل هذا الثقل والمسافة التي ينقل منها الحجار لعشه ليست بقصيرة. ومن أنواع العصافير ما يألف البلاد الجبلية وهو أيضاً يختط لعشه في الجدر والأحجار والأشجار خططاً عجيبة ويبالغ في هندسته وتقسيمه وكذلك الحال في الخطاف الذي يشبه السنونو فيكمل عمله وبدلاً من ثقب بسيط يختاره في أعلى العش للدخول يقيم نوعاً من الطريق مغطى في أسفل الجدار. ومن الطيور ما لا يحذق ابتناء الوكنات ومع هذا ومع هذا لا تلقي صغارها على حصا تختاره لذلك. وأعجب ما في هذه الطيور البناءة كلها فطرة الذكاء التي تقودها إلى اختيار مواد البناء. فالسنونو مثلاً تعرف كل المعرفة تمييز نوع الملاط الذي تجمع فيه بين أجزاء ما تقيمه من البناء من الداخل والخارج وذلك بمفرزاتها اللزجة التي هي من خصائصها الطبيعية وهذه المفرزات يستخدمها بعض الطيور ملاطاً لوكناتها أيضاً. وأن الطير المعروف ببناء البيوت ليصنع عشه من الطين والقش حتى أن أهل المكسيك منه تعلموا طريقتهم في البناء. ومن لطيور النجار كما فيها البناء وذلك كالطائر المعروف بالنقار ال ١ ي يعيش في الأشجار يتسلق عليها بمخالبه فينقر بمنقار لحاء الشجر ليفرغ منها الهوام ليعيش بها فهو عامل غريب يجمع عشه بصبر مدهش ويحفره في بعض الجذوع على ثلاثة أمتار من وجه الأرض ويحتال في إجادة محله ما شاء وشاءت الإجادة الغريزية على نحو ما نشاهد جحوراً نجرتها هذه الطيور كنقار الخشب والصرد في غابات إنكلترا ثم تتركها إلى محل آخر لا تصل إليه اليد. ومن الطيور ما ينقي الزرع كالقصير الرجلين Vanneau يخدم الحدائق كما يخدمها صاحبها والمتعهد لها فهو وإن كان يعيش على شواطئ مجاري الأنهار ولاسيما البائخ إلا أنه ينقي الزهور والبذور التي يترك وشأنه ليسرح بينها وبين أجمل من هيئته وهو يقفز ويمر مسرعاً جائياً ذاهباً وجسمه مائل إلى الأمام وقنبرته منتصبة وريشه مشرق ظاهره سماوي وباطنه أبيض وعينه منتبهة لا يغفل دودة ولا حلزوناً إلا ويعزلها عن الزرع بوجدان سليم. وأعجب من هذا وذاك حال الطير المسمى الشرطي Policier وهو يكثر في أواسط أوربا يقف على الأسلاك البرقية على مساوف بعيدة يرصد البعاد لونه أسود وله عصابة برتقالية في رأسه يقتات بالديدان ويخافه النسر والباشق والبازي وقد سمي الظالم لأنه إذا اختلط بطيور أخرى يتسلط عليها وإذا لم يجد أسلاكاً ينزل على بعض العمد أو على غصن شجرة وإذا كان في السهل ينزل على ظهر بقرة ويعيش من الصيد ولا يهاب ما كان أكبر مكنه من الحيوانات بل يستخدم منقاره ومخالبه فيدمي بها ويقتنص وهو بذلك يتحاماه الكواسر وغيرها ولا يقرب من وكناته أحد منها واشتهر بالشجاعة بين الطيور حتى أنها لتهابه في وكناتها وتحسب له ألف حساب ولذلك كتبت له السعادة وهو من بين شذاذ الآفاق من الهوام والطيور والكواسر حامي القانون والمسيطر الأعظم. التحصيل في أوربا بلغ عدد من يختصون في العلوم في مدارس أوربا خمسة عشر طالباً من أهل دمشق فقط عدا من أرسلتهم الحكومة على نفقتها منهم أربعة في الطب والجراحة واثنان في طب الأسنان واثنان في الحقوق واثنان في الزراعة وواحد في الهندسة وآخر في هندسة الكهرباء وواحد في علم التربية والتعليم واثنان يستعدان في العلم الآن. الرئيس البرتقالي إن الرئيس البرتقالي الجديد تيوفيل براغا هو كأكثر رؤساء الجمهوريات عالم كبير فإن فاخرت فرنسا برئيس جمهوريتها الأول تيرس وفاخرت الولايات المتحدة بأحد رؤساء جمهوريتها روزفلت فيحث للبرتقال أن تفاخر برئيسها براغا فهو من أكبر كتابها المعاصرين وهو في السابعة والستين من عمره اشتهر أمره منذ خمسين سنة وهو شاعر فيلسوف نقاد فقيه أولى بلاده فخراً لا يبلى بما نشره لها من تاريخ آداب البرتقال الذي كتبه في عشر سنين متوالية ومن كتبه روح الحق المدني الحديث وهو زعيم القائلين بالفلسفة الحسية في برتقال كما أن بنيامين كونستان زعيمها في برازيل وهذه الفلس فة هي التي وضع أساسها أوغست كونت الفيلسوف الفرنسوي وما برح براغا يحف حوالي منبره في لشبونة أناس من الناشئة الجديدة يوحي إليهم آماله الديمقراطية وروحه الوطنية فلا عجب إذا وقع اختيار أمته عليه ليرأسها. اللعب والتربية كتب أحد علماء التربية الألمان مقالة طلب فيها إلى دور التعليم أن تخص وقت بعض الظهر من كل يوم بالألعاب المختلفة تكره عليها الأولاد والمتعلمين أكثر مما تكرههم على تعلم دروسهم واستشهد بقول الإمبراطور منذ مدة إنني أبحث عن جنود فحاجتنا الماسة إلى جيل قوي من الناس فالجمناستيك البسيط لا يقوم بهذا الغرض بل الواجب المشي الكثير الطويل لا الاكتفاء بألعاب عادية يقوم بها الأولاد والشبان عرضاً بل ألعاب حقيقية علمية مثل التزحلق (باتيناج) والعوم وغير ذلك. ألعاب يناظرها مدير خبير يستثمر النشاط ويحسن الانتفاع بمرونة الجسد ويقوي بالعمل والعادة اليومية أحسن قوى النفس والعقل مثل الصبر والحرية والإرادة وعمل مثل هذا المدير لا يقل في الفضل عن عمل زملائه أساتذة العلوم واللغات والتاريخ فهو بعمل على تربية الشبيبة على شرط أن يعطي الوقت اللازم لذلك وهو ينوع الألعاب بحسب الفصول حتى لا ينهك القوى في الحر كما يعاملها في البرد. فقر يابان وغناها ذهب بعض الأميركيون إلى أن يابان أفقر بلاد العالم فأثبت ذلك الأستاذ كامب من كلية كيوتو بالإحصاء الدقيق قابل فيه بين غنى اليابان وغنى غيرها من الأمم فقال إذا كانت يابان تملك مثلاً ١٠٠ يان (معاملة يابانية نحو فرنك) فإن ألمانيا تملك ٦٨٣ ياناً وفرنسا ٧٤٣ ياناً وإنكلترا ١٠٠٨ يانات فالدخل الشخصي إذا سرنا على هذا النحو هو ١٠ يانات في اليابان و ٤١ في ألمانيا و ٥٢ في فرنسا و ٦٠ في إنكلترا و ٧٣ في الولايات المتحدة. والدين الذي على بلاد اليابان ثقيل تنوء تحته فهو نحو ٢٢ ياناً في المئة ومع هذا فإن يابان لا يخشى عليها من الفقر المدقع والخراب العاجل بالديون لأن الفرد منهم يعرف كيف يصرف في سبيل سداد عوز حكومته فيقطع من أكله ويقتصد من رفاهيته بسائق وطنيته ليعطي حكومته ما تنهض به من المال. والاقتصاد في المعاش من خصائص هذه الأمة. أوهام السن من الشائع على اللسن أن من تجاوز الخمسين يؤذن نشاطه العقلي والطبيعي بالضعف على أن الحوادث تثبت نقيض ذلك فإن الحياة العلمية والسياسية والأدبية مخصبة كثيراً في السن التي يرميها الناس بالعقم ولطالما أورد بعضهم أدلة على رقيهم العقلي ونشاطهم فإن شهرة لوراستراتكونا في عالم السياسة ابتدأت لما كان عمره خمساً وسبعين سنة وهو اليوم في سن التسعين يعمل منذ العاشرة قبل الظهر ويحضر الولائم الرسمية ثلاث مرات في الأسبوع. وكان عمر ويليام مورغان ٦٥ سنة لما كتب قصصه الأولى وكان عمر بيرمون مورغان المثري الأميركي نحو ذلك عندما وضع خطته في الإثراء. ومنذ خمسين سنة كانوا ينظرون إلى ابن الخامسة والأربعين في بلاد الغرب بأنه شيخ أما اليوم فلويد جورج السياسي الإنكليزي قد بلغ السابعة والأربعين ولا يزال يعد في الشبان وقد بدأ السير هيرام ماكسيم في سن السبعين يعمل عملاً جديداً كل يوم. ولما وصل فرنكلين إلى باريس سفيراً من قبل حكومة الولايات المتحدة كان عمره إحدى وسبعين سنة وبدأ فيكتور هوغو بكتابة تاريخ جناية في الرابعة والثمانين من عمره وعلى كل فالنشاط ميسور لكل من جادت صحته وصحت عزيمته على العمل شاباً كان أو كهلاً أو شيخاً ولا يزال المرء في هذه الديار يتعلم حتى يموت. والترتيب في الحياة هو سر اقتدار هؤلاء المعمرين على العمل إلى النهاية. إصلاح خطأ سها عن بالنا أن نقول في الجزء الماضي عند إنشاء مقالة جمهورية البرتقال أنها ثالث جمهورية في قارة أوربا فإن الأولى فرنسا والثانية سويسرا والثالثة تلك الجمهورية الجديدة. وجاء في الكلام على روضة العقلاء في هذا الجزء أن صاحب كشف الظنون لم يذكره بلى أنه ذكره بقوله روضة العقلاء لابن أبي حيان في الأحاديث وفي هذا خطأ في اسم المؤلف وهو حبان بالباء لا بالياء. وفي قوله أن الكتاب في الحديث وهو في الأخلاق.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_54.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.54.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
