<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.53.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.53.TEIP5:</urn>
<passage>أبو العلاء المعري شاعر الفلاسفة وفيلسوف الشعراء ١ ً_موطنه وأسرته إلى جنوبي حلب على بعد ثماني عشرة ساعة عنها بلدة معتدلة الهواء قديمة عرفها الرومانيون باسم (خالس) ثم لقبت لعدهم بذات القصور وهي اليوم قضاء من أعمال حلب يعرف بقضاء معرة النعمان نسبة إلى المعرة قصبة ولفظة المعرة سريانية بمعنى المغارة وليست في شيء من التفاسير التي عددها ياقوت الحموي في معجم البلدان ولقد زعم بعض المؤرخين أنها سميت بمعرة النعمان نسبة إلى النعمان بن بشير الأنصاري عامل حمص الذي مر بها فمات له ولد دفنه فيها فنسبت إليه وقد توفي النعمان سنة ٦٥ هـ ( ٦٨٤ م). وعندي أن رأي ياقوت فغي معجمه أقرب إلى الصحة وهو أنها نسبت إلى أحد أجداد المعري وهو النعمان الملقب بالساطع ابن عدي بن غطفان بن عمرو بن بريح بن خزيمة بن تيم الله بن تنوخ بن أسد بن دبرة بن تغلب بن حلوان بن عمران بن الحاف بن قضاعة. فتنوخ إحدى القبائل الثلاث التي هي نصارى العرب وهم بهراء وتنوخ وتغلب اجتمعت هذه القبائل مع غيرها في البحرين وتحالفوا على التناصر وأقاموا هناك فسموا تنوخاً وتنوخ بمعنى الإقامة فتكون تنوخ حياً من بني قضاعة من عرب اليمن (وقيل من الأزد) خرجوا من مدينة مأرب إلى البحرين عند سيل العرم ثم تفرقوا في نواحي العراق والشام ونزل منهم النعمان زعيم قبيلته بالمعرة فنسبت إليه وهو أوجه الأقوال وأمثلها. فمعرة النعمان كانت حصينة منيعة فتحها المسلمون في صدر الإسلام ثم استولى عليها الإفرنج الصليبيون سنة ٤٩٢ هـ ( ١٠٩٨ م) وأعادها المسلمون إلى أيديهم سنة ٥٢٩ هـ ( ١١٣٤ م) وزارها ابن بطوطة وابن جبير وغيرهما من السياح وقالا أنها كانت لعدها من أخصب بلاد الله وأكثرها أرزاقاً وبساتينها ممتدة إلى مسافة يومين وفيها الزيتون والتين والفستق وأنواع الفواكه. ولا شان لفستقها اليوم ولكن فيها الزيتون والتين الزبيب والعسل وأنواع الحبوب والقطن وفيها صناعة النسيج والدباغة. وتوجد قرى كثيرة باسمها منها معرة مصرين قرب حلب ومعرة باش من قضاء النبك في جبل القلمون ومعرة صيدنايا من أعمال دومة وغيرها. وإلى المعرة ينسب كثير من العلماء أشهرهم أبو العلاء هذا وكذلك كانت موطن اسر مشهورة مثل الأمراء الأرسلانيين التنوخيين في لبنان وآل الجندي في حمص وغيرهم. وقد نشأ من التنوخيين في معرة النعمان سليمان بن محمد بن سليمان من سلالة النعمان ابن عدي المنتهي نسبه إلى الحاف بن قضاعة التنوخي الشهير وهو جد المعري لأبيه كان قاضياً في بلدته ومن العلماء الأعلام في وقته وترعرع ولده عبد الله والد المعري على الأدب وكلف بالعلم وتزوج امرأة مون آل سبيكة مواطنيه الذين عرفوا بآدابهم وخدم الأدب والمعارف إلى أن رزق ولده أبا العلاء هذا فكان صفوة هذا البيت وخلاصة ذكائه ومخيض زبده وآدابه. ٢ ً_نشأَته ولد أبو العلاء أحمد بن عبد الله بن سليمان بن محمد بن محمد بن سليمان التنوخي في معرة النعمان في بيت عرف بالأدب والفضل ومن والدين من سلالة العلماء يوم الجمعة في ٣ ربيع الأول سنة ٣٦٣ هـ ( ٩٧٣ م) وما أن انفتحت عيناه لنور العالم ومشاهدة جمال الطبيعة حتى مني بالجدري في أول سنة ٣٧٦ هـ ( ٩٧٧ م) فأطفأت نورهما وردته إلى قلبه فتوقد ذكاءً وقد رتجل شعراً لما عيره بذلك عبد الله الخوارزمي وهو قوله: قالوا العمى منظرٌ قبيحٌ قلت لكم بفقدي يهون والله ما في الوجود شيءٌ تأسى على فقده العيون وكثيراً ما كان يقول أحمد الله على العمى كما يحمده غيره على البصر. ولقد كانت له أسوة بكثير من كبار الشعراء والعلماءِ الذين أصيبوا بالعمى مثل هوميروس اليوناني وبشار بن برد العربي وغيرهما والذي يظهر ممن شاهدوه أنه كان في أول أمره قد غشي يمنى حدقتيه بياض وذهبت اليسرى جملة فكانت إحدى عينيه بارزة والأخرى غائرة جداً وذلك يخالف ما ذهب إليه بعضهم من أنه كان أكمه. وكان يقول: لا أعرف من الألوان إلا الأحمر لأنني ألبست في الجدري ثوباً معصفراً. وكانت في وجهه ندوب الجدري وهو نحيف الجسم عصبي المزاج حاد الذهن قوي الحافظة. قرأ النحو واللغة على أبيه ثم رحل إلى حلب وقرأ على محمد بن عبد الله بن السعد النحوي فتمن من آداب اللغة وطالع كثيراً من المؤلفات لوفرة المكاتب في حلب وقلتها في بلدته ونظم الشعر وهو ابن إحدى عشرة سنة ولم يكتسب به بل نمه شارحاً فيه أغراض نفسه معبراً عن شواعره وواصفاً عجائب الكون ولاسيما الأفلاك. ومفسراً غرائب الاجتماع وحاضاً على الزهد والاعتزال. وممعناً في فلسفة الوجود. ومتشكياً من مناوأة الأيام ومساورة المصائب. وعلى الجملة فإنه أبلغ شاعر قام في الإسلام ذاهباً في شعره مذهب الفلسفة وحرية الفكر والنظر إلى الكون بعين العقل وكان مولعاً بمطالعة المتنبي وتحدي أفكاره فنظم على منواله غير متقيد بالصناعة اللفظية. وأتقن العلوم ابن عشرين سنة فصار مرجع الأدباء ومحط رحال البلغاء فتخرج عليه كثير من علماء عصره من أشهرهم أبو القاسم علي بن المحسن التنوخي. وأبو زكريا الخطيب التبريزي شارح الحماسة. وقد رحل في تفقد المكاتب والتوسع بالمعارف إلى طرابلس الشام المشهورة بمكتبتها العظيمة إذ ذاك وسار إلى اللاذقية فنزل ديراً فيها وسمع أحد الهبان بعض العلوم واطلع على مذهبي اليهود والمسيحيين وكذلك قصد دمشق وحلب وبغداد وغيرها. وكان يرتزق من وقف كان يحصل منه ثلاثين درهماً في العام ينفق نصفها على من يخدمه فعورض في رزقه فذهب إلى بغداد متظلماً مما عارضه ٣٩٨ هـ ( ١٠٠٧ م) ثم عاد إليها ثانية سنة ٣٩٩ هـ ( ١٠٠٨ م) وأقام فيها سنة وسبعة أشهر فتفقد مكاتبها وتعرف بعلمائها ودرس عليه كثير منهم قال أبو القاسم التنوخي: لما ورد المعري بغداد قرأت عليه شعره وذكر أنه دخل عليه وهو في بغداد علي بن عيسى الربعي ليقرأ عليه شيئاً من النحو فقال له الربعي: ليصعد الاصطبل فخرج مغضباً ولم يعد إليه. ويروى أنه دخل يوماً مجلس المرتضى فعثر بإنسان فقال به: من هذا الكلب فقال المعري: الكلب من لا يعرف للكلب سبعين اسماً وله أخبار كثيرة لا محل لاستيفائها. ومن أشعاره في غربته يحن إلى وطنه قوله: قيا برق ليس الكرخ داري وإنما رماني الدهر إليها منذ ليالي فهل فيك من ماءِ المعرة قطرة تغيث بها ظمآن ليس بسال وعاد أبو العلاء من بغداد إلى المعرة سنة ٤٠٠ هـ ( ١٠٠٩ م) ولزم بيته وشرع في التصنيف والتدريس فتقاطر إليه الأدباء من كل صوب مقتبسين آثاره وكاتبه العلماء والوزراء وأهل الاقتدار فانقطع إلى خدمة الآداب وسمى نفسه رهين المحبسين للزوم بيته ولذهاب عينيه كما صرح في ذلك بقوله: أرني في الثلاثة من سبحوني فلا تسأل عن الخبر النبيث لفقدي ناظري ولزوم بيتي وكون النفس في الجسد الخبيث وكان يلعب الشطرنج والنرد (الطاولة). ويملي على بضع عشرة محبرة في فنون من العلم وولع بالعلوم الرياضية وأتقنها وله كثير من الأبيات الرياضية مثل قوله: طرق العلى مجهولة فكأنها صم العوائد مالها أجذار والعقل أنذرنا بما هو كائن في الدهر ثم تشعب الأنذار وعلى الجملة فإن المعري كان غزير الفضل وافر الأدب عالماً باللغة ضليعاً بآدابها حسن الشعر جزل الكلام قوي الذاكرة شديد الذكاء. ٣ ً_حافظته ونوادره ووفاته اشتهر أبو العلاء بقوة الحافظة اشتهاراً عظيماً فاق فيه بديع الزمان الهمذاني وغيره وربما زاد حفظاً بالعمى فإنه يجمع الذهن ويقوي المخيلة. ومما يروى عنه أنه جرى حساب طويل بين رجلين في مكان تشرف عليه غرفته فسمع الحساب وحفظه. ثم ضاعت الأوراق بعد أيام فأملاها عليهما ووجدت الأوراق بعد ذلك فكانت طبق إملائه. وأعجب من هذا أنه كان يوماً عند يهودي فأتاه يهودي آخر واستودعه صرَّة. ثم جاء يطلبها بعد سنة فأنكرها فرافعه إلى القاضي ولم يكن بينهما شهود إلا المعري فاستقدمه القاضي وسأله. فقال: إنني رجل أعمى لم أبصر ما كان بينهما. ولكنني سمعت كلاماً بالعبرانية أذكر لفظه ولا أعرف معناه. فدعا القاضي يهودياً خالي الذهن من القصة وأعاد عليه الشيخ ذلك الكلام فإذا هو يؤذن بصحة الدعوى. وأنشده مرة أبو نصر المنازي قوله: وقانا لفحة الرمضاء وادٍ سقاه مضاعف الغيث العميم نزلنا دوحه فحنا علينا حنو المرضعات على الفطيم وأرشفنا على ظماءٍ زلالاً ألذ من المدامة للنديم يصد الشمس أنى واجهتنا فيحجبها ويأذن للنسيم تروع حصاه حالية العذارى فتلمس جانب العقد النظيم فقال له أبو العلاء: أنت أشعر من بالشام. وطويت الأيام على قوله فلما رحل إلى بغداد أنشهد المغازي فيها: لقد عرض الحمام لنا بسجع إذا أصغى له ركب تلاحى شحبى قلب الخلي فقيل غنى وبرح بالشجي فقيل ناحا وكم للشوق في أحشاء صبٍ إذا اندملت أجد لها جراحا ضعيف البصر عنك وإن تقاوى وسكران الفؤاد وإن تصاحى بذاك بنو الهوى سكرة صحاة كأحداق المهى مرضى صحاحا فقال له أبو العلاء. ومن بالعراق علي قوله قبلاً (أنت أشعر من بالشام) إلى غير ذلك وكان يقصده كثير من العلماء للتعارف به وممن نزل بالمعرة القاضي عبد الوهاب البغدادي فمدحه المعري (راجع ابن خلكان ١ : ٤٣١ ). ومن نوادره أن الوزير أبا الفضل التميمي الدرامي البغدادي اجتمع بأبي العلاء هذا في بلدته المعرة لما بعثه القائم بأمر الله العباسي من بغداد رسولاً إلى صاحب أفريقية المعز بن باديس وأنشده قصيدة لأمية يمدح بها صاحب حلب قبل عينه وقال لله أنت من ناظم. ولقي يوماً غلاماً فسأله عن الطريق فدله. فسأله الغلام عن اسمه فعرفه به فقال له أأنت القائل: وإني وإن كنت الأخير زمانه لآت بما لم تستطعه الأوائل قال: نعم. قال: إن الأوائل وضعوا ٢٩ حرفاً للهجاء فهل لك أن تزيد عليها حرفاً فسكت وقال لرفيقه: أن هذا الغلام لا يعيش لحدة ذهنه وهكذا كان. وبقي أليف الأدب منقطعاً إلى التدريس حتى مرض ثلاثة أيام ومات في الرابع منها ولم يكن عنده غير بني عمه فقال لهم في اليوم الثالث من مرضه: اكتبوا عني. فتناولوا الدوي والأقلام فأملى عليهم غير الصواب فقال القاضي أبو محمد عبد الله التنوخي: أحسن الله عزاءكم في الشيخ فإنه ميت. فمات يوم الجمعة ثالث ربيع الأول سنة ٤٩٩ هـ ( ١٠٥٨ م) بالمعرة. وفي طبقات ابن الأنباري أنه توفى سنة ٤٩٩ وهو خطأ. وقبره في ساحة من دور أهله وعلى الساحة باب صغير قديم وهو مهمل وقد أوصى أن يتب على قبره: هذا جناه أبي عليَّ (م) ما جنيت على أحد. والمشهور أنه مكتوب على قبره: قد كان صاحب هذا القبر جوهرة مكنونة صاغها الرحمن من شرف عزت فلم تعرف الأيام قيمتها فردها غيرة منها إلى الصدف وقرئ على قبره سبعون مرثية ورثاه نحو ١٨٠ شاعراً. ٤ ً_أخلاقه ومعتقده كان المعري حاد الذهن عصبي المزاج فضاق خلقاً في آخر أيامه لأن العمى يرث الضجر كثرت مصائبه فاختار العزلة وأكثر الشكوى وسوء ظنه بالناس بدليل قوله: من عاش غير مداج من يعاشره أساء عشرة أصحاب وأخدان كم صاحب يتمنى لو نعيت له وإن تشكيت راعاني وفداني قوله: توحد فإن الله ربك واحد ولا رغبن في عشرة الرؤساء يقل الأذى والعيب في ساحة الفتى وإن هو أكدى قلة الجلساء وكان حر الضمير تدل سريرته على ظاهرته ولذلك قال: وأردتموني أن أكون مدلساً هيهات غيري آثر التدليسا وربما تظاهر بما ليس من خلقه تلبية لقوانين المعاشرة كقوله: ولما رأيت الجهل في الناس فاشياً تجاهلت حتى ظن أني جاهل فوا عجباً كم يدعي الفضل ناقص ووا أسفا كم يظهر النقص فاضل وكان متواضعاً يمقت الكبرياء فلذلك قال: دعيت أبا العلاء وذاك مينٌ ولكن الصحيح أبو النزول وبقي نحو ٤٥ سنة منقطعاً عن أكل اللحوم والبيض واللبن مقتصراً على المآكل النباتية لأنه كان يذهب مذهب من تقدمه من الفلاسفة الذين لا يعذبون الحيوانات بالذبح وقال ابن الأنباري: أنه كان برهمياً ولذلك لما وصف له فروج وهو مريض لم يأكله بل خاطبه بقوله: استضعفوك فوصفوك. وإلى ذلك أشار تلميذه أبو الحسن علي بن همام في مرثيته له بقوله: وإن كنت لم ترق الدماء زهادةً فلقد أرقت اليوم من عيني دماً وكان يذهب مذهب الهنود أيضاً في إحراق جثة الميت كما جرى لسبنسر وكوخ في عصرنا بدليل قوله: حرَّق الهند من يموت فمازا (م) روه في روحة ولا تكبير واستراحوا من ضغطة القبر ميتاً وسؤال لمنكر ونكير وقلوه: إذا حرق الهندي بالنار نفسه فلم يبق غض للتراب ولا عظم فهل هو خاشٍ من نكير ومنكر وضغطة قبر لا يقوم لها نظم ومن قواعده السياسية التي يصدع بها عظماء ساستنا في هذه الأيام قولهُ: يقول لك العقل لذي بين الهدى إذا أنت لم تدرأ عدواً فداره فقبل يد الجاني الذي لست واصلاً إلى قطعها وانظر إلى سقوط جداره ومن مذهبه الشورى بدليل قوله: مُلَّ المقام فكم أعاشر أُمة أمرت بغير صلاحها أمراؤها ظلموا الرعية واستجازوا كيدها فعدوا مصالحها وهم أجزاؤها ومنه كره للمدح ولذلك قال: إذا أثني على المرء يوماً بخير ليس فيّ فذاك هاجي وحقي أن أساء بما افتراهُ فلؤم من غريزتي ابتهاجي ومن مبادئه التثبت عند حلول النوائب كما قال: غير مجد في ملتي واعتقادي نوح باك ولا ترنم شاد وشبيه صوت النعي إذا قي س بصوت البشير في كل نادٍ أبكت تلكم الحمامة أم غنت على فرع غصنها مياد ذهب مذهب القائلين أن وجود الولد جناية فلم يتزوج بدليل ما أوصى أن يكتب على قبره وبدليل أقوال له كثيرة منها: على الولد يجني والد ولو أنهم ولاة على أمصارهم خطباء وربما كان متردداً في البعث والمعاد والخلود ولكن اعتقاده بها أكثر من إنكاره لها ومن قوله: أيها الملحد لا تعصي النهى فلقد صح قياس واستمر أن تعد في الجسم يوماً روحه فهو كالربع خلا ثم عمر ولذلك ألف بعضهم كتاباً في الدفاع عنه سماه (دفع المعرة عن شيخ المعرة) وألف كمال الدين ابن العديم كتاب (دفع التجري عن المعري) وكتبت مقالات كثيرة في تبرئته مما نسب إليه من الزندقة. ٥ _شعره يكفي شعر المعري أن يقال في ناظمه أنه فيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة وقد تصرف فيه تصرفاً غريباً وسرح خياله في العوالم العلوية والسفلية فمثلها أحسن تمثيل وحرص الناس على شعره فجمع في ثلاثة دواوين (لزوم ما لا يلزم) (وسقط الزند) و (ضوء السقط) وقد قلت فيها مور ياً: ومبذرق نظر اللفيفة جاءني والنار قربي بالثقاب يضرَّم مذ قال هذا ضوءُ سقط الزند قل ت له أراه لزوم مالا يلزم ومنها انتخب الآن ما يدل على مسرح خيال المعري وحسن وصفه ودقة فكره وقوة بصيرته فمن أقواله يصف السهر والليل من قصيدة: باتت عرى النوم من عيني محللة وبات كوري على الوجناءِ مشدوداً كأن جفني سقا نافر فزع إذا أراد وقوعاً ريع أو ذيدا ظن الدجى فظة الأظفار كاسرةً والصبح نسراً فما ينفك مزؤودا تناعس البرق أي لا أستطيع سرى فنام صحبي وأمسى بقطع البيدا كأنه غار منا أن نصاحبه وخاف أن نتقاضاك المواعيدا من يخبر الليل إذا جنت حنادسه والرمل عني لما طل أو جيدا أني أراح لأصوات الحداة به وللركائب يخبطن الجلاميدا كأنهن غروب ملؤها تعبٌ فهن يمتحن بالأرسان تقويدا ومن حماسياته قوله من قصيدة: يتهللون طلاقة وكلومهم ينهل منهن النجيع الأحمر لا يعرفون سوى التقدم آسياً فجراحهم بالسمهرية تسبر من كل من لولا سعر بأسه لا خضر في يمنى يديه الأسمر يذكي تلهب ذهنه أوقاته فكأنما هو بالغدو مهجر وضجيج طفلهم الحسام وإن ثوى منهم فتى فمع المهند يقبر فكأنهم يرجون ليقيا ربهم بالبيض تشفع عندهم وتكفر إنا من أقام الحروف وهي كأنها نونٌ بدارك والمعالم أسطر وقال من قصيدة أخرى في الغنى والفقر: وإن الغنى والفقر في مذهب النهى لسيان بل أعفى من الثروة العدم وما نلت مالاً قط إلا ومال بي ولا درهماً ولا در بي الهم لك الخير قد أنفذت ما هو ملبسي حياءً وعند الله من قائل علم ولو أنه أضاف أضعاف مثله من التبر لم يثبت له في نداك اسم وأهون به في راحة أريحية كآخر ماضٍ ليس من شأنه الضم فمني تقصير ومنك تفضل بعذر فلا حمد لدي ولا ذم فلو كنت شعراً كنت أحسن منشد سليم القوافي لا زحاف ولا خرم وقال أيضاً من قصيدة أخرى: تقول ظباء الحزم والدمع ناظم على عقد الوعاء عقد ضلال لقد حرمتنا أثقل الحلي أختنا فما وهبت إلا سموط لآلي فإن صلحت للناظمين دموعنا فأنتن منهن والكثيب حوالي جهلتن أن اللؤلؤ عندنا رخيص وأن الجامدات غوالي ولو كان حقاً ما ظننتن لاغتدت مسافة هذا البر سيف أوال وقال في نار القرى: المو قدي نار القرى الآصال والأ سحار بالأهضام والأشعاف حمراء ساطعة الذوائب في الدجى ترمي بكل شرارة كطراف وقال في خلاء الفكر للنظم والنثر: ولولا ما تكلفنا الليالي لطال القول واتصل الروي ولكن القريض له مغان وأولاها به الفكر الخالي وقال في التوجيه البديعي: فدونكم خفض الحياة فإنما نصبنا المطايا في الفلاة على القطع وقال أيضاً: حروف سرى جاءت لمعنى أردته برتني أسماءٌ لهن وأفعال قال: لو جرت النباهة في طريق ال خمول إليَّ لاخترت الخمولا قال: فصرفني فغيرني زماني سيعقبني بحذف وإدغام وقال من قصيدة: وليلا تلحق الأهوال فيه بفود الشيخ ناصية الغلام إذا سئموا الرحيل فكل غر يرى صرعاته خلس اغتنام كأن جفونه عقدت برضوى فما يرفعن من سكر المنام لو أن حصى المناخ مدى حداد أزرتها النخور من السآم وجاز إليّ إبرادي هجير يجوز من القراب إلى الحسام يرد معاطس الفتيان سفعاً وإن ثني اللثام عن اللثام إذا الحرباء أظهر دين كسرى فصلى والنهار أخو الصيام وإذ دنت الجنادب في ضحاها أذاناً غير منتظر الإمام قال: وكم لك من أب وسم الليالي على جبهاته سمة اللئام مضى وتعرف الأعلام فيه غني الوسم عن ألف ولام قال: لفظ كأن معاني السكر تسكنه فمن تحفظ بيتاً منه لم يفق فرتب النظم ترتيب الحلي على شخص الجلي بلا طيش ولا خرق الحجل للرجل والتاج المنيف لما فوق الحجاج وعقد الدر للعنق فإن توافق في معنى بنو زمن فإن جل المعاني غير متفق قد يبعد الشيء من شيءٍ يشابهه إن السماء نظير الماءِ في الرزق قال: أرى المجد سيفاً والقريض نجاده ولولا نجاد السيف لم يتقلد وخير حمالات السيوف حمالة تحلت بإبكار الثناء المخلد قال: كأن كل جواب أنت ذاكره شنف يناط بأذن السمع الواعي قال: وكلامك المرآة تصدق في الذي تحكي وأنت الصارم المصقول قال: فيا قبر واهٍ من ترابك ليناً عليه وآه من جنادلك الخشن لأطبقت إطباق المحارة فاحتفظ بلؤلؤة المجد الحقيقة بالخزن قال:  وليلة سرت فيها وابن مزنتها كميت عاد حياً بعدما قبضا كأنما هي إذ لاحت كواكبها خود من الزنج تجلى وشحت خضضا كأنما النسر قد قصدت قوادمه فالضعف يكسر منه كل ما نهضا والبجر يحتث نحو الغرب أينقه فكلما خاف من شمس الضحى ركضا ومنهل ترد الجوزاء غمرته إذا السما شطر المغرب اعترضا وردته ونجوم الليل وانية تشكو إلى الفجر إن لم تطعم الغمضا قال: وأرى ابا الخطاب نال من الحجى حظاً زواه الدهر عن خطابه لا يطلبن كلامه متشبه فالدر ممتنع على طلابه أثني وأخاف من ارتحال ثنائه عني فقيد لفظه بكتابه كلم كنظم العقد يحسن تحته معناه حسن الماء تحت حبابه فتشوفت شوقاً إلى نغماته إفهامنا ورنت إلى آدابه والنخل ما عكفت عليه طيوره إلا لما علمته من إرطابه ردت لطافته وحدة ذهنه وحش اللغات أوانساً بخطابه والنحل يجني المرَّ من نور الربى فيصير شهداً في طريق رضابه وقال ملغزاً في الإبرة: سعت ذات سم في قميصي وغادرت به أثراً والله يشفي من السم كست قيصراً ثوب الجمال وتبعاً وكسرى وعادت وهي عارية الجسم وقال وقد أبدع في تشبيه الليل والبرق: كما أغضى الفتى ليذوق غمضاً فصادف جفنه جفناً قريحاً إذا ما احتاج أحمر مستطيراً حسبت الليل زنجياً جريحاً وقال وقد أبدع: يا سعد أخبية الذين تحملوا لما ركبت دعيت سعد المركب غادرتني كبنات نعش ثابتاً وتركت قلبي مثل قلب العقرب  قال: لا تطلبن بآلة أنت حاجة قلم البليغ بغير حظ مغزل سكن السما كأن السماء كلاهما هذا له رمح وذاك أعزل قال: ولا تجلس إلى أهل الدنايا فإن خلائق السفهاء تعدي وقال يصف انعكاس صورة السماء ونجومها في مرآة الماء: فأطعمن في أشباههن سواقطاً على الماء حتى كدن يلتقطن باليد فمدت إلى مثل السما رقابها وعبت قليلاً بين نسر وفرقد قال: أطرق كأنك في الدنيا بلا نظر وأصمت كأنك مخلوق بغير فم وإن هممت بمين فاتخذ لفماً مضاعفات لتثني اللفظ باللفم وقال في ذم الدنيا من أبيات: وقد نطقت بأصناف العظام لنا وأنت فيما يظن القوم خرساء يموج بحرك والأهواء غالبة لراكبيه فهل للسفن إرساء إذا تعطفت يوماً كنت قاسية وإن نظرت بعين فهي شوساء قال: إن الأعلاء إن كانوا ذوي رشد بما يعانون من داءِ أطباءِ وما شفاك من الأشياء تطلبها إلا الألباء لو تلقى الألباء نفر من شرب كاس وهي تتبعنا كأننا لمنايا أحياء قال يصف الشباب: إن الشبيبة نار إن أردت بها أمراً فبادره إن الدهر مطفئها قال: إذا فعل الفتى ما عنه ينهى فمن جهتين لا جهة أساَء وقال في النساء: علموهن الغزل والنسج والرد ن وخلوا كتابة وقراءة فصلاة الفتى بالحمد والإخلاص تجزي عن يونس وبراءه تهتلك الستر بالجلوس أما الستر إن غنت القيان وراءه وقال في أدب الأخلاق: إذا صاحبت في أيام بؤس فلا تنس المودة في الرخاء ومن يعدم أخوه على غناه فما أدى الحقيقة في الإخاء ومن جعل السخاء لأقربيه فليس بعارف طرق السخاء  وقال: القلب كالماء والأهواء طافية عليه مثل حباب الماء بالماء منه تنمت ويأتي ما يغيرها فيخلف العهد من هند وأسماء والقول كالخلق من سيءٍ ومن حسن والناس كالدهر من نور وظلماء وقال: ينافي ابن آدم حال الغصون فهاتيك أجنت وهذا جنى تغير حناؤه شيبه فهل غير الظهر لما انحنى قال: لن تستقيم أمور الناس في عصر ولا استقامت فذا أمناً وذا رعبا ولا يقوم على حق بنو زمن من عهد آدم كانوا في الهوى شعبا قال: يغدو على خله الإنسان يظلمه كالذيب يأكل عند الغرة الذيبا قال: تقادم عمر الدهر حتى كأنما نجوم الليالي شيب هذي الغياهب وقال في النمام: وإنك إن أهديت لي عيب واحد جدير إلى غيري بنقل عيوبي وقال في الرياء: والخل كالماء يبدي لي ضمائره مع الصفاء ويخفيها مع الكدر وقال في فساد الناس: عرفتكم بني حواء قدماً فكلكم أخو ضغن مكور وما فيكم على الإحسان جازٍ ولا منكم على النعمى شكور قال: صدف الطبيب عن الطعا م وقال مأكله يضر كل يا طبيب ولا خلا ص من الردى فلن تغر قال: مثل الفتى عند التغرب والنوى مثل الشرارة إن تفارق نارها إن صادفت أرضاً أرتك خمودها أو وافقت أكلاً أرتك منارها قال: وغن اقتناع النفس من أحسن الغنى كما أن سوء الحرص من أقبح الفقر قال: وما الوقت إلا طائر يأخذ المدى فبادره إذ كل النهى في بداره رأتك البرايا ظالماً يا ابن آدم وبئس الفتى من جار عند اقتداره قال: اضرب وليدك تأديباً على رشد ولا تقل هو طفل غير محتلم فرب شق برأس جر منفعة وقس على شق رأس السهم والقلم قال: النفس عند فراقها جثمانها محزونة لدروس ربع عامر كحمامة صيدت فثنت جيدها اسفاً لتنظر حال وكر دامر ولقد نسبه بعضهم إلى الكفر لقوله: ضحكنا وكان الضحك منا سفاهة وحق لسكان البسيطة أن يبكوا تحطمنا الأيام حتى كأننا زجاج ولكن لا يعاد لنا سبك ولكنه قال أيضاً في محل آخر: خلق الناس للمعاد فضلت أمة يحسبونهم للنفاذ إنما ينقلون من دار أعمال إلى دار شقوة ورشاد وقال أيضاً: فإني وجدت النفس تبدي ندامة على ما جنته حين يحضرها النقل وإن صدئت أرواحنا في جسومنا فيوشك يوماً أن يعادوها الصقل وقد لوّم في قوله أيضاً: تاه لنصارى والحنيفة ما اهتدت ويهود حيرى والمجوس مضلله قسم الورى قسمين هذا عاقل لا دين فيه وديّن لا عقل له والمرجح أنه كان متردداً في مذهبه وربما كان إقراره بالدين في أخريات أيامه كيف لا وهو القائل: عجبي للطبيب يلحد في الخالق من بعد درسه التشريحا ولقد علم المنجم ما يو جب للدين أن يكون صريحا رب روح كطائر القفص المسجون ترجو بموتها التسريحا ومن ذلك قوله: اذكر إلهك إن هببت من الكرى وإذا هممت لهجعة ورقاد واحذر مجيئك في الحساب بزائف فالله ربك أنقد النقاد تغشى جهنم دمعة من تائب فتبوخ وهي شديدة الإيقاد قوله: أزول وليس في الخلاق شك فلا تبكوا عليّ ولا تبكوا قوله: لا ييأسن من الثواب مراقب لله في الإيراد والإصدار فترى بدائع أنبات متحسساً إن الجزاء بغير هذي الدار وشعره كله على هذا النمط من حرية الفكر والشكوى وله من القصائد الفخرية المشهورة وغيرها ما نجتزئ عن ذكره الآن ومن نوادر قصائده ما نشرته مجلة المقتبس ( ٢ : ٩٧ و ٤ : ٦٦ ). وعلى الجملة فإن المعري دقيق التصور حتى يمثل لك أحياناً أموراً لا يستطيع تمثيلها البصير وهاك الآن من فلكياته ما يدل على سمو مخيلته فمن قوله في الفجر: كأن سنا الفجرين لما توليا دم الأخوين زعفران وأيدع أفاض علي تاليهما الصبح ماءه فغير من إشراق أحمر مشبع قوله: كأن الليل حاربها ففيه هلال مثلما انعطف السنان ومن أم النجوم عليه درع يحاذر أن يمزقها الطعان وقد بسطت إلى الغرب الثريا يداً غلقت بأنملها الرهان كأن يمينك سرقتك شيئاً ومقطوع على السرق البنان قوله: يغرن عليّ الليل كل غارة يكون لها عند الصباح توالي ولاح هلال مثل نون أجادها بجاري النضار الكاتب ابن هلال ولقد اعتنى كثير من الغربيين بجمع أشعاره وترجمتها إلى لغاتهم مثل كارليل المستشرق الإنكليزي أستاذ العربية في جامعة كامبريدج في أواخر القرن الثامن عشر فإنه ترجم بعض أبيات باللاتينية والإنكليزية. وهكذا فعل المستشرق النمساوي فون كريمر فإنه نشر مقالات كثيرة في (المجلة الجرمانية الآسياوية) عن أبي العلاء وأفكاره وشعره نظماً سنة ١٨٧٧ م ثم ألف كتاباً بعنوان (أشعار أبي العلاء المعري الفلسفية) طبع في فينا سنة ١٨٨٨ نقل فيه نثراً أمكثر من مائتي بيت شعري من شعر المعري. ثم ترجم رباعياته بالإنكليزية نظماً صديقي أمين أفندي الريحاني اللبناني بكتاب انتخبه من دواوينه الثلاثة وطبع في نيويورك سنة ١٩٠٣ في ١٤٤ صفحة صدره بمقدمة بحث فيها عن أبي العلاء وسيرته ومن رأيه أن عمر الخيام الشاعر الفارسي قد تحداه وهما متعاصران. واختار موسى أفندي بيكييف من أفاضل قازان (روسيا) منتخبيات من لزوميات المعري ونقلها إلى التركية في نحو مائتي صفحة مطبوعة في أورنبورغ سنة ١٩٠٨ . واعتنى كثير من القدماء بدواوينه فإن عبد الله بن السيد البطليموسي النحوي الأندلسي شرح سقط الزند شرحاً ستوفى فيه المقاصد وهو أجود من شرح أبي العلاء صاحب الديوان المسمى بضوء السقط. وكذلك التبريزي خريج المعري شرح سقط الزند. وكان الحسين بن الجزري شاعر بني سيفا أمراء طرابلس الشام مغرماً بالمعري فكتب على ديوانه لزوم ما لا يلزم: إن كنت متخذاً لجراحك مرهماً فكتاب رب العين مرهم أو كنت مصطحباً حبيباً سالكاً سبل الهدى فلزوم ما لا يلزم ودواوينه الثلاثة مطبوعة في مصر وسورية. وقد قابلت مجلة المقتطف الغراء بينه وبين ملتون الشاعر الإنكليزي الضرير صاحب (الفردوس الضائع) راجع السنة العاشرة صفحة ٤٤٩ ومجلة الهلال الغراء ترجمته في السنة الخامسة عشرة صفحة ١٩٥ . و ترجمة رضاء الدين أفندي فخر الدين من علماء أورنبورغ فغي روسية بالتركية التترية في ٧٢ صفحة طبعت في المدينة المذكورة سنة ١٩٠٨ . وغيرهم. ولقد كان المعري والمتنبي وابن هانئ ممن اختطوا خطة جديدة في الشعر لم ترق في عيون المحافظين على الأسلوب القديم فلذلك لم يسمحوا للمترشحين للنظم أن يتحدوهم كما في مقدمة ابن خلدون وغيرها فالمعري أشبه فكتور هيكو عند الإفرنسيين وكذلك صنواه. ٦ ً_نثره وكتبه أهم ما وصل غلينا من نثر المعري رسائله التي نشرت في بيروت سنة ١٨٩٤ مشروحة بقلم الأستاذ شاهين عطية اللبناني في ٢٤٠ صفحة. وفيها تكلف غريب وإغراب في النثر لم تألفه العامة وإليك الآن أمثلة منها تعرفه عند القراء: فمن نثره قوله من رسالة إن كان للآداب أطال الله بقاء سيدنا يتضوع. وللذكاء نار تشرق وتلمع. فقد فغمنا على بعد الدار أرج أدبه. ومحا الليل عنا ذكاؤه بتلهبه. وخول الأسماع شنوفاً غير ذاهبة. واطلع في سويداوات القلوب كواكب ليست بغاربة. ومما كتبه إلى صديق له سأله أن ينقصه في ترتيب المكاتبة وقد أيقنت أن رسل نصيحته ليس بسمار. وإن صواب رأيه عن غير ائتمار. ولم أكتب في أمر أبي فلان إلا متكشراً ثم ثنيت باسترفاد المعونة مذكراً. إذ كان أدام الله عزه لا يشير. لسائله إلى الرفد البعيد. ولا يضرب لراجيه رؤوس المواعيد. وكتب إلى أبي القاسم المغربي جواباً عن فصل كتبه إليه وهو برمته كلما هم خبري بالهمود. وأشرفت على الخمود. نعشني الله بسلام يرد من حضرته يجل ثري كالروضة الحزينة. والبارقة المزنية. ولو كنت عن نفسي راضياً. لشرفتها بزيارة حضرته. ولكني عنها غير راضٍ. وما أقربني إلى انقراض. وإنما أنا قضيض التمراد. ومتخلف المراد. وقد عددت في أناس قيل فيهم تهلك أمة قد خلت لها ما كسبت ولكم ما كسبتم ولا تسألون. عما كانوا يعملون. فإن نعمت أو شقيت. فدعائي ينصل بحضرته ما بقيت اهـ. وكتبت من رسالة لو اتصلت كتب مولاي كاتصال الأمطار وتوالت توالي الأنفاس لكنت بوليها. أسر مني بوسميها. وإلى مستأنفها. أشوق مني إلى سالفها. وما يكتب إلا في بر. ولا يحث على غير المصلحة في الجهر والسر. وما أدري ما أقول في السعادة التي قد رزقتها عنده حتى غطت معايبي. وسترت الأسدة التي أضرت بي. فما أنكر بعدها أن تعد نظفات الدر لأم الأدراص. وأن تصاغ مناطق الذهب للرباح. وأن يدعي المدعون أن ريش ابن أنقذ سهام صائبة. أو قنوات يزينه. . . . وقد اطال في بعض رسائله حتى أن المطالع يمل مطالعتها ولا يتجلد ليتم قراءتها وأخصر رسائله ما ختمها بقوله: كانت كتبي إليه كبارح الأروى تكون في الدهر مرة. والآن صارت كسوانح الغربان وبوارح الظباء: تكاثرت الظ باء على خراش فما يدري خراش ما بصيد ومن ألحف فدواؤه ما قال بشار. وليس للملحف مثل الرد. وعليه سلام لو كان يوم عرفة. أو شهراً لكان ناتقاً أي شهر رمضان والسلام وحسبي لله وحده. وقد عني بطبع رسائل المعري هذه الأستاذ مرغليوث وترجمها بالإنكليزية معلقاً عليها شروحاً مفيدة من أدبية وتاريخية مصدرة بترجمة المؤلف شمس الدين الذهبي معتمداً على نسخة في مكتبة ليدن قابلها على نسخة بيروت المشار إليها وقال أنها ينقصها تسع رسائل وبعض العاشرة. ومن نثره الذي بين أيدينا الآن (رسالة الغفران) وهي التي وصفها شمس الدين الذهبي في ترجمة المعري بقوله له رسالة الغفران في مجلدة قد احتوت على مزدكة واستخفاف وله رسالة الملائكة ورسالة الطير على ذلك الأنموذج أرسلها إلى علي بن منصور الحلبي المعروف بابن القارح صدرها بأشواق وتحيات ثم أشار إلى وصول رسالته إليه وأثنى عليها ثم استطرد في وصف الجنة ونعيمها ومن دخلها من الشعراء والملائكة على أسلوب أشبه بالشعر القصصي الروائي عند الإفرنج اليوم فجاء بعده بأكثر من قرنين دانتي شاعر الإيطاليين ونسج على منوالها (الرواية الإلهية) وملتون شاعر الإنكليز (الفردوس الضائع) وغيرهما ولكنهما لم يغربا باللغة مثله. وقد طبعت رسالة الغفران مصححة بقلم الشيخ إبراهيم اليازجي اللبناني في مصر سنة ١٩٠٧ م في ٢١٣ صفحة. ولها نسختان مخطوطتان إحداهما في المكتبة الخديوية بمصر والثانية في مكتبة الكوبر يلي في الآستانة. ولا بأس أن ننتخب منها الآن قوله في الشعر صفحة ٥٥ : فقال وما الأشعار فإني لم أسمع بهذه الكلمة قد إلا الساعة. فقلت الأشعار جمع شعر. والشعر كلام موزون تقبله الغريزة على شرائط إن زاد أو نقص أبانه الحس. كان أهل العاجلة يتقربون به إلى الملوك والسادات فجئت بشيءٍ منه إليك لعلك تأذن لي بالدخول من هذا الباب. ومن قوله يف اللغة صفحة ٩٣ : والباب فيما كان مضاعفاً متعدياً أن يجيء بالضم كقولك عددت أعد ورددت أرد وقد جاء أشياء نوادر كقولهم شددت الحبل وأشد ونممت الحديث أتم وأنم وعللت القوم أعل وأعل. وإذا كان غير متعد فالباب الكسر كقولهم حل عليه الدين يحل وجل الأمر يجل. والضم في غير المتعدي أكثر من الكسر فيما كان متعدياً كقولهم شح يشح ويشح وشب الفرس يشب ويشب وصح الأمر يصح ويصح وفحت الحية تفح وتفح وجم الماء يجم ويجم وجد في الأمر يجد ويجد في حروف كثيرة اهـ. . وللمعري مؤلفات كثيرة غير ما ذكر ألمع إليها الحاج خليفة في كشف الظنون أهمها ظهر العصري في النحو. والفصول والغايات. وإقليد الغايات. وكتاب الفصول. وكتاب السادر. وقاضي الحق. والقائف على مثال كليلة ودمنة وتفسير منار القائف. ومبهج الأسرار. وملقي السبيل في المواعظ. والمواعظ السنية ونظم السور. والحقير النافع في النحو. وخطب الخيل عن ألسنتها. ورسائل المعونة. والصاهل والساجح. وزجر النائح يتعلق بلزوم ما لا يلزم. السجعات العشر في الوعظ. وسجع الحمائم. والسجع السلطاني في مخاطبات الملوك والوزراء. وسجع الفقيه. وسجع المضطرين عمله لرجل تاجر يستعين به على دنياه. وشرف السلف عمله لأمير الجيوش. وأهم مؤلفاته الأيك والغصون أو الهمزة والردف ولم يغادر فيه صغيرة ولا كبيرة من فنون الشعر والأدب إلا أحصاها يقع في ألف ومائتي كراس وربما بلغ أربعين مجلداً من كتبنا اليوم. إلى غير ذلك مما يغني قليله عن كثيره. فهذا شيخ المعرة وفيلسوف الشعراء وشاعر الفلاسفة وهذه آثاره التي خلفها لنا رحمه الله تنشد قول أبي الفتح حصينة المعري فيه: وعجبت أن تسع المعرة قبره ويضيق بطن الأرض عنه الأوسع لو فاضت المهجات يوم وفاته ما استكثرت فيه فكيف الأدمع نظرة في النظرات تتمة ما ورد في الجزء الماضي أراد المنفلوطي في كلامه هذا أن يخطئ الإمام بأن ما دعا إليه من المبادئ الدينية لم يحن بعد وقتها وأن سواد هذه الأمة لم يتأهلوا لقبول هذه المبادئ جاعلاً ذلك علة العلل في إلحادهم ومروقهم من الدين وهذا قياس منطقي أعيذ للمنفلوطي عن أن يحشو فكره بمثله من الأوهام والخيالات التي أبان فيها عن فكر ليس له حظ من التجربة والاختبار. لا يستطيع صاحب النظرات فيما أعلم أن ينكر أن جل الداعين إن لم أقل كلهم أنجبهم الدهر وولدتهم العصور في أوقات كانت فيها الأفكار حين يقارع بعضها بعضاً في ميدان الحياة. ومن هنا نعلم الحاجة الماسة إلى المرشدين في مثل هذه الأحوال الحرجة والمآزق الضيقة وأنهم متى قاموا بفكرة إصلاحية لا بد أن يلاقوا في طريقهم من عثرات الفريق المخالف ما يستهدفون معه لضروب الإيذاء فيقومون بين مثالب الطعن والقد حتى تتسرب الفكرة إلى بعض من يعمل على نشرها في سرهم وجهرهم ليبقوا من سعيهم هذا خميرة حيوية في المجتمع الإنساني لمن يأتي بعدهم ممن تجد لها من عقولهم مباءة فتتأصل في نفوسهم فستفيدون إذ ذاك ويفيدون بما يدعون إليه ويسعون وراء أشرابه النفوس ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً. بمثل هذا قامت المذاهب والأديان وتأيدت الآراء العلمية والنظريات الفلسفية. وإذا لم يكن الأمر كذلك فليدل لنا المنفلوطي برهاناً يبين مصلحاً قام بفكرة جديدة ولم يقم في وجهه في بيئته حتى من بني جلدته من يعمل على محاربته أو مناهضته بكل ما فيه من قوة وقدرة. ويا لله كيف جاز له أن يحكم على المبادئ السامية التي دعا غليها الشيخ محمد عبده كانت مدعاة للإلحاد والمروق من الدين بدعوى أن دعوته لم يحن بعد وقتها أو أنه يوجد ثمة من يمقتها وينبذها أو أنها نشرت بين فئة واتخذوا من هداها ضلالاً ومن نورها دجى حالكاً. وهؤلاء تلامذته مصريهم وشاميهم وعراقيهم وحجازيهم في عامة الأقطار يتنازعون مبادئه ويتدارسون كتبه لم ينظر إليهم الأستاذ المنفلوطي ونظر إلى فئة ضالة مضلة لا بد من وجودها في كل عصر ومصر. وكان الواجب على من لم يفهم ما أراد الأستاذ الإمام أو اشتبه عليه بأن يسأل عنه أهل العلم فقد قال أحد شيوخ العلم: يستحيل في نظر العقل أن يدعو الحق إلى الباطل والهدى إلى الإلحاد وأصول الدين الصحيح إلى المروق منه، بل ما أبطل مبطل ولا ألحد ملحد ولا مرق مارق إلا بجهله بالأصول الصحيحة ونبذه التعلم السديد وسلوك جواده القويمة. ولو كان من شروط الدعوة فقد المناوئين خشية مناهضتهم ومحاربتهم لما قام نبي بدعوة بإرشاد وتعليم لكانت الفكرة الإصلاحية التي قويت وشاعت بالمناهضة ثوت في سرى الرمس قبل أن يلحد القائم بها ولما كنا رأينا كتاباً منزلاً ولا أدباً غضاً ولا علماً صحيحاً وبالجملة ما كانت للأمم مدنية زاهرة ولا عمران زاخر. ولا وجه لإنكاره على مثل هذا الإمام لأن اتخاذ التأويل قاعة مما لا نكران فيه في كل تأويل جرى اللسان في مثله ووسعته اللغة وهي لثروتها وغزارة مادتها وسعت من المجاز ما يربو على الحقيقة حتى صرح أئمة البيان بأن المجاز أكثر من الحقيقة. حتى صرح أئمة البيان بأن المجاز أكثر من الحقيقة. ولو أعار نظره إلى من سبق ذاك الإمام في مسألة الجن والملك كحجة الإسلام الغزالي والراغب الأصفهاني والقاشاني ونحوهم لما أكبر هذه المسألة وقد أوضح ذلك الأستاذ الشيخ جمال الدين القاسمي في كتابه مذاهب الإعراب وفلاسفة الإسلام في الجن وأفاض في هذه المسألة بما لا يبقى معه ريبة لمرتاب فليرجع إليه من شاء. وأما ما قام به الإمام من بيان الأسرار وحكمه فذاك فن قديم عني به أئمة الإسلام وفلاسفته كالأئمة الذين تقدم ذكرهم وأضرابهم وهو عندهم من أجل الفنون التي يجب درسها والتوسع فيها. وقد أخذوا على أنفسهم أن يفهموا الأمة أن الدين مؤاخ للعقل مؤازر للحكمة ليس فيه ما يعلو عن العقل أو ينبو عن الفهم وحجتهم في ذلك أن القرآن الكريم هو الذي مهد السبيل للتعليل وصرح بذلك في آيات لا تحصى كما أوضحه الإمام ابن القيم في كتاب التعليل وقد حذا حذوه من المتأخرين حتى برع في هذا العلم_علم الحكمة والأسرار_الإمام ولي الله الدهلوي فألف كتابه المشهور حجة الله البالغة وأفرغ جهده في استنباط الأسرار في العبادات والمعاملات حتى جاء في مجلدين كاملين حافلين. ولقد سفه المنفلوطي رأي قاسم بك أمين أيضاً وأنحى له لأنه دعا المرأة وقد رآها في أحط دركات الجهل إلى أن تلم بمعرفة ما يلزمها جهاد الحياة وجلادها من تربية وتعليم لتكون المرأة صالحة لهذا المجتمع فتدير شؤون منزلها أو تضرب في الأرض لترتزق إن عضها ناب الفقر وفجعت بموت من يعولها ويكفلها وهو لم يدعها إلى ذلك_كما يعلم المنفلوطي_إلا خشية أن يمزق الحجاب وهي من الجهل المريع بمكان. وما ذنب قاسم بك أمين أن بين رأيه ولم يأبه لكيد الكائدين من تجار الأدب والدين والمرأة أخذت بالأسهل من رأييه والألصق بنفسها من نصيحته فتبرجت ورفعت برقعها قبل أن تنسج لها برقعاً من الأدب والحياة. ومما لا مشاحة فيه أن رجل المرأة قاسم أمين قام بدعوته أحسن قيام فوصف الدواء بعد أن شخص الداء ولو كان في البلاد الأوربية لأقيمت له النصب والدمى_وإن كان صاحب النظرات لا يقول بالتماثيل_احتفاءً به واعترافاً ببيض أياديه وسابقة فضله عليهم أو لو كان المنفلوطي يقدر عمل العامل وفضل الفاضل لما جرأ على أن يقول فيه: ما رأيت باطلاً أشبه بالحق من باطله. ٣ ـ آراؤه ذهب الأستاذ المنفلوطي في طائفة من أفكاره مذاهب فريق من فلاسفة القرن السابع عشر والثامن عشر من أوربا حتى قابله بعضهم بروسو من حيث نظره إلى المجتمع الإنساني ومما قالوه: إن ما كتبه روسو في فن التربية والتعليم قائلاً: أيها الرجال، لا ترهقوا النشء الصغار على أن يفكروا كما تفكرون ويعتقدوا ما تعتقدون ولا تحاولوا إفساد ملكاتهم بهذه الفضيلة الموهومة والحرية المطلية التي هي في مذهب العقل غاية العبودية ومنتهى الاسترقاق الخ. . ._إن ما قاله روسو تعرض له المنفلوطي في فصل له عنوانه مدينة السعادة وأغرب ما لفت نظري أني لم أر في تلك المدينة ذات التمايز الذي أعرفه من مدائننا بين الناس في منازلهم ومراكبهم وأزيائهم كأن جميع سكانها سواء في حالة المعيشة ودرجة الثروة. وفي المنفلوطي نزعة اشتراكية تتجلى على أشدها في هذا الفصل في قوله: وحسب الرجل من البشر بيت يؤويه ومزرعة صغيرة يقتات منها ودابة تحمل أثقاله ثم لا شأن له فيما سوى ذلك. وقالوا: يرى روسو أن الدور العالية التي شيدتها الحكومات للتعليم هي التي تغرس مبادئ الجهالة في النفوس وتبعد الإنسان عن عقله وفطرته والمنفلوطي يقول: وأي حاجة إلى المدارس في مثل هذا المجتمع وليس بأبر بآبائنا منا فنحن الذين نتولى تعليمهم وتهذيب نفوسهم وتمرينهم على العمل النافع فلا مدارس عندنا غير المصانع والمزارع نعلمهم كيف يرمون البذور وكيف يستنبتونها وكيف يصنعون الآلات الزراعية وكيف يستعملونها الخ. . . . وبالجملة فمن رأي الشيخ المنفلوطي أن لا يكون في هذا المجتمع سيد ولا مسود ولا غني ولا فقير ولا حاكم ولا محكوم فالشطر الأكبر الذي يقتفي أثرها هي فلسفة خيالية لا تأثير لها في أبناء القرن العشرين إلا بقدر ما للأساطير من التأثير في العلوم الرياضية. وهي إن جاز أن يكون لها أنصار قبل مائتي سنة أو يزيد فلن تجد لها فيما أحسب من هذا الجيل الجديد الناشئ على أفكار داروين وهيكل وهكسلي وسبنسر ورانكي ومومسن وبالزاك وزولا نصيراً وظهيراً لأنها مخالفة لسنن الطبيعة والحياة العملية. وقد ذهب مذهب (إسكندر دوما فيس) ولفيف من مفكري المتأدبين الغربيين في مقالته غرفة الأحزان في المرأة المجرمة من حيث يمهدون لها الأعذار ويرون الرجل أجدر باللائمة منها لأنها ضعيفة مفرطة الشعور ولأنه هو الذي هم بها فراودها عن نفسها واراد أن ينزل بها السوء فخدعها إذ عاهدها أن تكون له زوجة ويكون لها بعلاً فسلبها قلبها وشرفها وعفتها وغادرها حين علم أن في أحشائها جنينها يضطرب بين جنينها ناراً تضطرم وكان سبب شقاءها حتى أصبحت حزينة ذليلة تفضل الموت على عيش لا تستطيع معه أن تكون زوجة لرجل أو أماً لولد وأخذ لمجتمع البشري يتهكم بها ويعبث مما زادها حزناً واكتئاباً. وقد مثل لنا هذا البغي وقد تركت وراءها ما تراه من النعمة الواسعة والعيش الرغد في ذلك القصر الذي كانت متمتعة فيه بعشرة أمها وأبيها إلى منزل حقير في حي مهجور لا يعرفه أحد ولا يطرقه طارق لتقضي فيه البقية الباقية من حياتها. ولم يكتف ببيان هذه الجناية وحدها بل جعل أن أمها وأبيها قضيا حزناً لفقدها ويأساً من لقاها وختم الحادثة بأن أضاف على الجنايات جناية أخرى وهي هلاك المرأة المجرمة بعد أن أودع نفسها من العواطف الشريفة ما شعرت معه بمصيبة ساورتها الهموم وبلغت منها مبلغاً أودى بحياتها وهكذا ضاعف الجرم على الرجل وعله كاذباً وخادعاً ولصاً وقاتلاً وختم المقالة وهو يمحض الرجال القاسية قلوبهم النصح للرفق بضعيفات النفوس من النساء. والظاهر أن الأستاذ المنفلوطي كان لا ينظر إلى الحقيقة من حيث هي بل كان قلمه حين يأتي على وصف حادثة يختلف باختلاف المظاهر والمؤثرات فبينا نرى صفحات مقالته هذه مكتظة بما لا يملأ النفوس شفقة ورحمة وعطفاً وحناناً على العاهرات إذا به يضني عليها بجندي يقف ليخفرها ممن يريد أن يسلبها من الحقوق ما لم يبق منها إلا الذماء ويستكثر عليها ذلك في موقف هي خليقة بالشفقة والعناية أكثر من كل المواقف. ولقد رأيناه وهو يتكلم على المرقص في الأزبكية يحمل على الحكومة المصرية حملة منكرة ويحتدم غيظاً وحنقاً لأن هذه الحكومة المدنية المادية (على رأيه) التي هي مسؤولة أمام القانون عن استقرار الأمن واستتبابه تبعث بجندي يحمي أبواب العاهرات لئلا يعبث المشاغبون بالأمن والسكينة أو يعيثوا في الأرض فساداً. ومما قاله: إن العين لا تكاد تملك مدامعها سحاً وتذارفاً كلما أبصرت هذا الجندي الشريف واقفاً هذا الموقف الذليل يسمع قراع الدفوف، لا قراع السيوف ويرى حمرة الصهباء لا حمرة الدماء ويحمي الفسق والفجور لا القلاع والثغور. وما أعجب لشيء عجبي لهذه الحكومة التي تضن بجنديها أن يشتمه شاتم أو يلمسه لامس فتغضب له غضبة مضرية تتراءى فيها الشهامة والحمية والعزة والنخوة ثم لا تضن أن تؤجره نائحة في الجنائز، أو قوادة في المراقص. هذا ما قاله المنفلوطي وما يحدوه إلى هذا إلا أنه ودّ أن يكون في طليعة من يعمل بالدرس الذي ألقاه على الرجال القاسية قلوبهم ليعلمهم فيه الشفقة والرحمة والإحسان!!! وما رآه في مبدأه هذا الأكتولستوي الفيلسوف الروسي الشهير الذي يهيج هائجه على الحكومة الروسية ويصمها بالمعرة والدعارة لأنها تبعث بالأطباء إلى المواخير العامة وتعهد إليهم أن يعنوا بتطهيرها خفية أن تنتقل جراثيم الأدواء الدوية من هؤلاء البغيات الباغيات فتعم الشعب بأسره وتراه يرمي الأطباء بكل مكروه بدعوى أنهم يسعون وراء إشاعة الموبقات وتسهيل أسباب الفسق والفجور. ويقضي علينا الأخذ برأي هذا المصلح الأخلاقي الروسي أن نهمل تعهد أماكن الفسق والمواخير وأن ندع الجراثيم تفتك بمن ملكت عليهم أمرهم لتسري العدوى في الآخرين وتنتشر الأمراض الوبيئة الوبيلة في الأمة حتى تهلك عن آخرها بدعوى صون أخلاق الشعب كيلا يتطرق إليها الفساد والخلل. وقد رحم المنفلوطي المرأة البغي في غير هذا الموضع أيضاً وحض على التزوج بها ليرد إليها عرضها وزعم أن ذلك من أعظم القربات وعد الرجل الذي يرد العرض الضال إلى صاحبه المفجوع فيه أشرف ممن يمنح الحياة فاقدها. على شرط أن يكون الباعث على الزواج الرحمة والرأفة والحنان والشفقة لينظر في إصلاح قلبها ويحاول أن ينزع من جنينها ملكة الفساد الراسخة في نفسها ويداخلها مداخلة المؤدب المهذب الذي يصور في نظرها معيشة الفساد بصورة تنفر منها وتشمئز لها. ومما قال: ليت الرجال يأتمرون جميعاً على أن يستنقذوا بهذه الوسيلة الشريفة (الزواج) كل امرأة ساقها فقرها وعدمها أو فقد عائلتها إلى البغاء. وقد صرح في هذه المقالة أن بغاء البغي شقاء ما جناه عليها إلا الرجل فجدير به أن يغرم ما أتلف ويصلح ما أفسد وتعرض للمرأة أيضاً في مقالة التوبة فكأن بين جنينه جذوة نار من الحقد والموجدة تتقد على الرجل لأنه قتلها وعلى المجتمع الإنساني لأنه لا يعاقب القاتل على جرمه ولا يسلكه في سلسلة المجرمين. والغالب أن ثقته بالجرائد المصرية ضعيفة جداً فهو يراهاً نادياً من أندية القمار والكتاب جماعة اللاعبين والرؤوس المصرية موضوعة على مائدة الألعاب كما توضع الأكر على طاولة منضدة (البلياردو). والسيد وطني سلمي معتدل يفضل اتفاق الأحزاب السياسية على اختلافها وتعارفها على تناكرها ما دامت الغاية من تأليفها تحرير الوطن من رق العبودية. ومن رأيه أن العلماء والجهلاء سواء وليس بين الفريقين من الفرق إلا أن هؤلاء لا يعرفون كيف يعبرون عن آرائهم وأفكارهم وأولئك أعرف منهم في كيفية إفضاء الحكمة إليهم وسعيهم وراء وعظهم وإرشادهم وإن ما ينطق به الحكيم العالم من جوامع الكلم هو نفس ما يأتي به الجاهل من الأمثال لولا أن كلام الأول في أسلوب مجود ومقال الثاني في تعبير مبتذل. يقول قوله هذا ثم يكتب في مقالة موت العظماء ما نصه: ليست هذه العشرة ملايين (يعني المصريين) التي تراها إلا أطفالاً رضع، وسوائم رتع لولا علماؤها وأذكياؤها الذين يقودونها إلى الخير ويأخذون بيدها في ظلمات الحياة. فليت شعري إذا كان العلماء والجهلاء في مستوى واحد من العلم والتربية فلماذا ينحي على أمته وأبناء دياره وينزلهم منزلة الحيوانات العجم وفيهم العالم والجاهل. وإذا كان المنفلوطي قد وجد في معاجم اللغة مادتي العلم والجهل من الألفاظ المترادفة فيكون كلامه حينئذ جامعاً لمتناقض الأحكام. ٤ ـ لغته لم أر فيما رأيت من الكتب الممتعة التي وعت نتاجها قرائح أهل الأدب في هذا العصر كالريحاني وأمثاله أفصح لغة وأصح تركيباً من كتاب النظرات. فإنك ترى في فصوله مسحة العربية الأولى وقد خلت في الغالب من ركاكات الكتب الجدد والمبذوء من تراكيبهم وجملهم المتعاظلة التي اعتورتها العامة حقبة من الزمن انسلخت فيه عن العربية الخالصة حتى أصبحت إلى الأعجمي أقرب منها إلى اللسان العربي المبين. بيد أننا نرى من الواجب أن لا نمسك القلم في نقد ما رأيناه من سقطاته في جمل نزلت منزلة أقوال العامة وألفاظ لغوية كان الأجدر بكاتب أدبي مثل هذا أن يكون مصوناً عنها. فما نأخذه به استعماله فعل (ازدرى) متعدياً بالباء والعرب لا يعرفونه إلا متعدياً بنفسه في قوله في مقالة النبوغ من العجز أن يزدري المرء بنفسه واستعماله (الوظيفة) بمعنى (المنصب) وقوله: خرج في المنطق عن الحيوانية الناطقية والصواب أن يقال: من الحيوانية الناطقية وقوله جداً عجيب والأولى أن يقال عجيب جداً لأن جداً إذا قدمت أضيفت إلى ما بعدها ونسبته بديهة على بديهي وكان عليه أن يقال (بدهي) كما يقول في بجيلة (بجلي) واستعماله (تلائم) بمعنى التأم في قوله من مقالة الجمال غير متناسبة ولا متلائمة وقوله: ويحبس عليها أنفاسها فإن حبس هنا لا تتعدى إلا بـ عن فإذا تعدت بـ على كانت بمعنى الوقف واستعماله البسيط بمعنى الساذج وقوله ودققت النظر والعرب تقول. دقق الشيء إذا أنعم دقه واستعماله تربى بدل ربي وجمعه لفظة مثل على أمثلة والمسموع أمثال وقوله في السنة العامة والصواب على السنة العامة واستعماله الأعوج بدل الاعوجاج وتعرج عوضاً عن تعوج واحتجز بمعنى منع وقوله لا تسلم إلا الحياة وهي عامية والأفصح ولا تفادي إلا بالحياة وإدخاله واو الحال على الماضي بعد إلا كما أنها لا تدخل على المضارع المثبت في قوله: فما رايت سطوراً مقطوعة الأواسط إلا متشابهة الأطراف إلا وقرأتها وقوله نهشه في إصبعه والصواب نهش إصبعه واستعماله الأعراض بمعنى العلامات وقوله يودعه الله في فطرة الإنسان والصواب يودعه الله فطرة الخ. . . . هذا ما رأينا أن ننبه على ما ورد في كتاب النظرات من الألفاظ والجمل مما لا عهد للعرب به كما أن ثمة ألفاظاً أغفلناها ذكرها كاستعماله لفظة (المراسح) بدل (المسارح) و (البالونات) عوضاً عن (المناطيد) و (المكروبات) بدلاً من (الجراثيم) و (الطاولة) بدل (المنضدة). والعاقل يغتفر له هذه الهنات اليسيرة إذا عرف أن الكاتب بين ظهراني أمة معظم صحافييها وأدبائها وكتابها يرون أن في هذه اللغة التي يكتبون بها الغناء والكفاء عن أن يتحدوا العرب العرباء في مناحي أساليبهم وأقوالهم ولله في خلقه شؤون. ٥ ـ وصفه وهب السيد المنفلوطي ملكة خارقة في الوصف تكاد تكون فيه طبعاً وسليقة. وإني لأقرأ له القطعة الأدبية فيخيل إلي أنها من سحرها أن نفحة من قلم هيكو تهب عليَّ فلا أكاد أتم قراءتها حتى أهم بإعادتها المرة بعد الأخرى وأحمد الله على أن وجد في هذا العصر من ينفح هذا الهيكل البالي من الأدب روحاً جديدة ليحيا حياة رغد وهناء. قال في مقالة الغد: الغد بحر خضم زاخر يعب عبابه وتصطخب أمواجه فما يدريك إن كان يحمل في جوفه الدر والجوهر أو الموت الأحمر. ولقد غمض الغد عن العقول ودق شخصه عن الأبصار حتى لو أن إنساناً رفع قدمه ليضعها لا يدري أيضعها على عتبة القصر أو على حافة القبر. الغد صدر مملوء بالأسرار الغرار تحوم حوله البصائر، وتتسقطه العقول، وتستدرجه الأنظار فلا يبوح بسر من أسراره إلا إذا جادت الصخرة بالماء الزلال. يقول في نفسه: لو علم هذا الجامع أنه يجمع للوارث وهذا الباني أنه يبني للخراب، وهذا الولد أن يلد للموت ما جمع الجامع ولا بني الباني ولا ولد الولد. إلى أن قال: أيها الشبح الملثم بلثام الغيب، هل لك أن ترفع عن وجهك هذا اللثام قليلاً لنرى لمحة واحدة من لمحات وجهك. أولاً فاقترب منا علناً نستطيع أن نستشف خيالك من وراء هذا اللثام المسدول فقد طارت قلوبنا شوقاً إليك، وذابت أكبادنا وجداً عليك. أيها الغد، إن لنا آمالاً كباراً وصغاراً، وأماني حساناً وغير حسان. فحدثنا عن آمالنا أين مكانها منك، وخبرنا عن أمانينا ماذا صنعت بها أأذللتها وأهنتها. أم كنت لها من المكرمين. لا لا، صن سرك في صدرك وأبق لثامك على وجوهك ولا تحدثنا حديثاً واحداً عن آمالنا وأمانينا حتى لا تفجعنا فيها فتفجعنا في أرواحنا ونفوسنا فإنما نحن أحياء بالآمال وإن كانت باطلة، وسعداء بالأماني وإن كانت كاذبة. وحسنا هذه القطعة الذهبية التي أوردناها هنا دلالة على مكانة الكاتب من ملكة الوصف ومبلغ ما وهب من القوة الطبيعية في النثر الشعري أو الشعر المنثور. وللمنفلوطي في بعض فصول كتابه تشابيه جميلة واستعارات جديدة ربما غمضت على عقول من اعتادوا تمجيد القديم من المتأدبين أو تعامى عنها بعض من يرى المعاصرة حرمان فلم يرفعوا لها شأناً ولم يقيموا لها وزناً كقوله: فتشت عن الفضيلة في قصور الأغنياء فرأيت الغني إما شحيحاً أو متلافاً أما الأول فلو كان جاراً لبيت فاطمة (رضي الله عنها) وسمع في جوف الليل أنينها وأنين ولديها من الجوع ما مد أصبعيه إلى أذنيه ثقة منه أن قلبه (المتحجر) لا تنفذ إليه عاطفة الرحمة، ولا تمر بين طياته نسمات الإحسان وربما أنكروا عليه وصفه القلب المتحجر وعد جعله للإحسان بسمات إغراقاً منه في المجاز ومبالغة في الاستعارة ولكن الحقيقة في غير ما يزعمون. ومثل قوله: فقد عقد رياء الناس أمام عيني سحابة سوداء أظلم لها بصري حتى ما أجد في صفحة السماء نجماً لامعاً ولا كوكباً ساطعاً وقوله درع منسوجة من نجيع وقوله: بهذه الصواعق التي يمطرنها علينا من سماء الصحف ومن جمله الجميلة قوله: وما نشر الظلام أجنحته السوداء في الأفق حتى رأيتني أحير من دمعه وجد في مقلة عاشق يدفعها الحب ويمنعها الحياء. لا أعلم هل أنا سر كامن في باطن الظلماء، أو حوت مضطرب في أعماق الماء وقوله أيضاً: وهناك أحسست بسلسبيل بارد من الأمل يتسرب إلى قلبي فينقع غلته ويطفئ لوعته وقوله في مقالة يخاطب بها المحزون: أنت حزين لأن نجماً زاهراً من الأمل كان يتراءى لك في سماء حياتك فيملأ عينك نوراً وقلبك سروراً، وما هي الأكر الطرف إن افتقدته فما وجدته وقوله: ابتسامة هادئة الخ. . . وقد أجاد الشيخ في مقالة غرفة الأحزان أيما إجادة حتى أن قارئ القصة ليجد أثرها في نفسه بعد قراءته لها في دمعة تترقرق في جفنه فتنم عن عواطفه وشعوره. وما هي لو علمت إلا جائزة القلب إلى البراع الذي خط تلك السطور بأسلوب يتدفق شعراً وشعوراً. ولا يسعه إلا أن يكبر ذلك الوصف الذي ألم بعامة أطراف الحادثة إكباراً فكان جائعاً لما تشعر به النفس من دبيب الآلام واعياً لما يصدر عن النفس السامية من شريف العواطف. ٦ ـ روح المؤلف إذا صحت النظرية القائلة الكتابة صورة الكاتب جاز لنا أن نحكم على المنفلوطي أنه من جماعة المتشائمين ولكن لا في مذهب من المذاهب الفلسفية أو التاريخية أو السياسية بل هو من يرون أن لا سعادة في الحياة ولا هناء وإن من العبث أن يلقي المرء بنفسه إلى التهلكة في معترك الحياة ما دامت الرذائل آخذة من النفوس مآخذها وإن ما نسميه فضيلة ليس إلا خداعاً ورياءً ونفاقاً دعيت بالفضيلة وهي ليس لها ظل في هذا الوجود. هو ينظر إلى المجتمع نظر الحانق الناقم لأنه يعتقد أنه مصاب بالسقم في فهمه والاضطراب في تصوره فلا عبرة بحكمه ولا ثقة بوزنه وتقديره إذ هو يسمي الفقير سافلاً وطيب القلب مغفلاً وطاهر السريرة بليداً والحليم عاجزاً. وإنك لترى في مقالته أين الفضيلة روح اليأس مجسمة وما يتخيله أو يفكر به هو قد مر بخاطر كثيرين من أدباء المشارقة والمغاربة وكثيراً ما أجهد الكاتب من هؤلاء نفسه ليضع قصة يأتي بها على شرور العالم ومفاسده وكنت كلما مررت بسطر من سطوره تصب اللعنات على هذه الحياة التي تراها مثل الشقاء وتتمثل آنئذ بقول الشاعر العربي الحكيم: إنما نحن بين ظفر ونابٍ من خطوب أسودهن ضراء نتمنى وفي المنى قصر العمر فنغدو بما نسر نساء صحة المرء للسقام طريق وطريق الفناء هذا البقاء بالذي نغتدي نموت ونحيا أقتل الداء للنفوس الدواء ما لقينا من غدر دنيا فلا كا نت ولا كان أخذها والعطاء من فساد يحويه للعالم الكو ن فما للنفوس منه اتقاء قاتل الله لذة لأذانا نالها الأمهات والآباء نحن لولا الوجود لم نألم الفقد فإيجادنا علينا بلاء_الخ. . . يدلك على هذا أيضاً ما تقرأه له أيضاً في مقالة الشعر البيضاء ويعني بها شعرة المشيب التي رآها تلوح في فوده فخاطبها مؤنباً إياها بأنها تدني له الموت وبالغ في تأنيبها وتعنيفها، وأغرق في عتبها ولومها ثم رجع بعد ذلك لنفسه وكأنه ندم على ما فرط منه بجنبها وأخذ يخاطبها قائلاً: ما الذي يحمله في صدرك لك من الحقد والموجدة رجل لم ينعم بشبابه فيحزن على ذهابه، ولم يذق حلاوة الحياة فيجزع لمرارة الممات ولم يستنشق نسمات السعادة غضاً رطباً فيأسى عليها عوداً يابساً. ما الذي ينقمه عليك من الشؤون رجل يعلم أنك وحي الأمل الذي يبشره بقرب النجاة من حياة ليس فيها من السعادة والهناء إلا لمحات قليلة يكدرها ما يحيط بها من الهموم والأكدار كما تكدر أنفاس الحزن الحارة صفحة المرآة. أليس كل ما أعده إليك من الذنوب أنك طليعة الموت الذي يخلصني من منظر هذا العالم المملوء بالشرور والآثام، الحافل بالآلام والأسقام، الذي لا أغمض عيني فيه إلا لأفتحها على صديق يغدر صديقه وأخ يخون أخاه وعشير يحدد أنيابه ليمضغ عشيره، وغني يضن على الفقير بفتات مائدته وفقير يقترح على الدهر حتى بلغة الموت فلا يظفر بأمنيته وملك لا يفرق بين رعيته وماشيته، ومملوك لا يميز بين ملك الملك وربوبيته ونفوس تتفانى قتلاً على لون حائل، وظل زائل، وغرض سافل، وعيش باطل وعقول تتهالك وجداً على نار تحرقها، وأنياب تمزقها وعيون حائرة في رؤوس طائرة تنظر ولا ترى شيئاً مما حولها، وتلمع ولا تكاد تبصر ما تحتها. هكذا رأينا المنفلوطي يرمي هذا العالم بنظرات كلها شؤم كما هو شأن جماعة المتشائمين Pessimistes في عامة شؤونهم وأطوارهم وأحوالهم. ولولا أنه لا يقول إلا ما يعتقده ولا يعتقد إلا ما يسمع صداه من جوانب نفسه لقلنا أنها خاطرات شاعر وجدت لها من سماء مخيلته مطلقاً ثم ما لبثت أن أدركها الغروب. أم وأن هذا الكلام هو صورة من صور نفسه فلا جرم أنها حالة نفسية كثيراً ما تعرو من يميلون إلى التجرد عن المادة ويرون في سكوت الموت وظلمته حياة مفعمة بالحركة والنور والرغد والسرور. إلى العرب يا معشر العرب الكرام تحية شغف النسيم بها فبات عليلا رقت فلولا الشعر يحيا ذوبها وجدت لها بين السطور مسيلا من شاعر لولا هواه يقومه ما كان برضى اليراع خليلا باتوا يلوموني وبات القلب عن لوم الوشاة بحبهم مشغولا زادوا ولوعاً بالملام وأسرفوا فيه فزدت ثغورهم تقبيلا حلت الثغور بذكر من أحببتهم فرشفت من برد اللمى معسولا إني لأهفو إن أردت حديثهم حتى أنك قد أدرت شمولا ماذا علي إذا عددت هواهم ديناً وغيري عده تضليلا والناس مختلفون في أهوائهم متباينون مشارباً وميولاً ولرب محسوس ترى آثارهم ليس على كل النفوس شكولا سجع الحمائم يستفز أخو الهوى طرباً ويحسبه الحزين عويلا * * * قومي وأنتم خير من فوق الثرى واجلهم يوم الفخار أصولا ردوا على الشرق القديم شبابه فالأمر بات لعزمكم موكولا شخصت لواحظه إليكم يبتغي نيل الرجاء فحققوا المأمولا وانضوا العزائم للرقي وحسبكم يوم الطلاب تواكلاً وخمولا لا تيأسوا فاليأس كم جرَّ الردى وغدا على صغر النفوس دليلا وأخو العلى من لا يزال طلابه أبداً بأسباب الرجى موصولا فالروض يزهو بالنضارة بعدما نهكته عادية الهجير ذبولا وإذا المنى امتنعت وعز منالها كان الثبات بنيلهن كفيلا * * * فامشوا إلى كبد العلاء بهمة تذر الجبال الشامخات سهولا وتقحموا الغمرات واصطبروا لها فالمرء أن يجبن يعش مرذولا المجد مطلبه الشديد فأخلقوا عزماً يذلل صعبه تذليلاً * * * واستشهدوا التاريخ أصدق منبئ بالغابرات من العصور الأولى أيام تبتدر الجياد شوازباً يضربن عرضاً في البلاد وطولا يحملن أبطال الجزيرة طلعاً كالأسد أبرحها الحفاظ الغيلا من كان أروع مثلما تهوى العلا كالسيف عضب الشفرتين صقيلا تلقاه يؤثر إن يموت مكرماً عن أن يمتع بالحياة ذليلاً فتحوا البلاد وغادرت أسيافهم في كل أرض ونة وصليلاً بيض إذا انتضيت ليوم كريهة وردت ظباهن الدم المطولا كتبوا بها في الدهر آية سؤدد لا تقبل التحريف والتأويلا * * * ذودوا عن اللغة التي وردت بها آي الكتاب ونزلت تنزيلا هي روح نهضتكم ومعقد مجدكم فتعدوهما بكرة وأصيلا وحياتكم يا قوم احتفظوا بها أو ترتضون عن الحياة بديلاً * * * لا تحسبوا الدستور يسعدكم إذا لم تسلكوه للرقي سبيلاً وإذا الصبح بدا ولم نجف الكرى لم يجدنا فلق الصباح فتيلا فاسترشدوا بالعلم وانصرفوا له وتدارسوا المعقول والمنقولا وابنوا المدارس في البلاد كأنها زهر تزيج من الظلام سدولا وهي الكفيلة حين يعمر ربعها إنا ننال من الزمان السولا تكاتفوا في السعي لا تتخاذلوا فيبيت ممردة الصروح طلولا وتعهدوا الأخلاق فهي إذا التوت تركت ممردة الصروح طلولا ما كان تحرير الرقاب بنافع إن لم نحرر أنفساً وعقولاً الكتابة والكتب ودورهامن محاضرة لاحمد بك زكي احد البعحثين العالمين في مصر القاها في نادي موظفي الحكومة في الاسكندرية في شهر رمضان الماضي أفرأيتم المصريين الأقدمين وقد تركوا لنا كتبهم منقوشة على صفحات الجبال وفي بطون المغارات وعلى أحجار البرابي والأهرام والمسلات؟ أم هل أتاكم حديث الآشوريين؟ فقد اكتشف النقابون في هذه الأيام مصافحهم مرقومة على اللبن، وهو الطوب المشوي أو المطبوخ. وذلك لأن أرض ما بين النهرين مكونة من طمي جبلة والفرات وليس فيها جبل ولا حجر. ولكن ذلك لم يقف عثرة في سبيل الغرام بالكتب. فصاروا يرقمون بالمسمار على الطين وهو نيئ ثم يطبخونه في النار، استباقاً لكتابتهم على مر الأدهار والأعصار. ثم انتشر هذا الغرام في مصر وعم ومط، فاحتاج القوم لزيادة الكتابة، وأسوا بما في النقش على الأحجار من صعوبة، فعادوا إلى الطبيعة، وهي الهادي الأكبر إلى البشر، أخذوا البردي وعالجوه بما جعله صالحاً للكتابة، وها هي آثاره في دار العاديات المصرية بقصر النيل في القاهرة، وأكثرها في متاحف أوربا، وأما الصين والهند، فقد كفتهم دودة القز هذه المئونة، في القيام بما يدعون إليه الولوع بالكتب والكتابة، وإذا نظرت إلى بني الأصفر وأعني بهم اليونان والرومان تجدهم قد استعانوا بالحيوان، فعالجوا الجلود وصنعوا منه ما نسميه بالرقوق. وأول من استنبط ذلك الأغارقة من أهل فرغانة، وهي مدينة بآسيا الصغرى تسمى عندهم برجامة Pergame فصار اسمها على اسم هذا المصنوع من الرقوق، ولا يزال باقياً عند جميع الإفرنج إلى الآن، فإن أهل إيطاليا يسمون الرق (بفتح الراء) بزجامينو Pergamino أي الفرغاني لأن العرب تقلب الباء الفارسية إلى فاء لقرب المخرج كما قالوا في Platon أفلاطون وهكذا. وأما الاسم العربي فهو مأخوذ من ترقيق الجلد بعد دبغه. أما العرب فبلادهم جرداء قحلاء فلم ينقشوا على الأحجار، ولم يطبخوا الطين على النار، ولم يهتدوا إلى صناعة الترقيق. ولكن ذلك لم يكن حائلاً دون غرامهم بالكتابة والكتب. فكانوا قبل الإسلام في عصر النبوة يكتبون على عسيب النخل أي قحوف الجريد لكثرة هذه الشجرة المباركة في بلادهم. ويكتبون على ألواح العظام (وكثرتها ناشئة عن ذبح الأضاحي) ويكتبون على نوع من الأشجار المصقولة التي يلتقطونها من فيافيهم وبواديهم. ونقف بالكلام على العرب دون سواهم من الأمم الأخرى. فإنهم ما لبثوا في خلافة الصديق ومن جاء بعده من الخلفاء، أن انتشروا في الأرض فأخذوا على جعلها أسليب الحضارة. ثم احتاجوا إلى التبسط في الكتابة، لاتساع الملك واستبحار العمران فكتبوا في العراق على الحرير وسموه بالمهراق. وكتبوا في مصر على البردي ولا تزال آثاره باقية في أوربا وبعضها في القاهرة في دار الكتب الخديوية. وكانوا يكتبون على هذا البردي باللغة العربية وحدها تارة، ومصحوبة بالترجمة الرومية أو القبطية تارة أخرى. ولا تزال هذه سنة مطردة في ديارنا، أعني بها سنة الاحتياج إلى لغتين مثال ذلك: الأحجار وأوراق البردي في عهد اليونان، نراها مكتوبة بلغتهم وباللسان المصري القديم، وفي عهد الرومان حل اللسان اللاتيني محل اليوناني. حتى جاء العرب فكان من شأنهم ما ذكرنا. ثم انقضت مدة طويلة من أيام المأمون إلى آخر الدولة الأيوبية استقل فيها اللسان العربي. حتى جاءت دولتا المماليك البحرية والجركسية فاندمجت في اللغة العربية بعض ألفاظ واصطلاحات دخيلة من التركية. ثم جاءت دولة العثمانيين فكانت السيادة في مصر للمماليك الأتراك حينئذ طما بحر اللغة التركية وصارت تزاحم لغة البلاد. واستمر الحال على ذلك بعد جلوس الفرد الفذ الأعظم محمد علي نابغة العصر الجديد إلى أيام سعيد وبعد ذلك بدأت الفرنساوية تحل قليلاً محل التركية. وها هي الآن تتأخر في الميدان أمام الإنكليزية. والحق يقال أن لغة البلاد أخذت في الانتعاش كثيراً بفضل خديوينا المحبوب عباس الثاني وبفضل حكومته الرشيدة السعيدة. وبفضل المحاكم والجرائد سترون عما قليل حسنة جليلة من أكبر محاسن الحكومة الحاضرة يرفع بها منار هذا اللسان وتتجدد معها آداب العرب وعلومهم. نرجع إلى الكتابة والكتب ونقول أن العرب ما عتموا أن استخدموا الجلود بعد ترقيقها وكان من مزاياها عندهم أنهم كانوا يغسلونها ويجددون الكتابة عليها. فرأوا أن ذلك إن كان صالحاً في بعض المعاملات الوقتية ففيه ضرر كبير على العلم كما رأوا من جهة أخرى أن الحرير يدعو إلى مئونة كبيرة مع أن الحاجة ماسة إلى الإكثار منه ومن الرق بل رأوا في أيام هارون الرشيد أنهم مقلدين لغيرهم من الأمم وإن ما وصلوا إليه من الحضارة والرجحان يوجب عليهم الأخذ بأسباب الاختراع والاستنباط. فكانوا أول من اصطنع الورق على هذا الشكل الباقي إلى أيامنا هذه وحسبهم ذلك فخاراً. وقد سموه بالكاغد ثم بالقرطاس ثم شاع اسم الورق وانتشرت معامل الورق من الخرقة أي من الكهنة في سمرقند وبغداد والقاهرة ودمياط ثم انتقل إلى بلاد الغرب فكان لهذه الصناعة شأن كبير في بلاد الأندلس واشتهرت مدينة شاطبة بمعاملها ومصانعها التي فاقت في الجودة والإحسان والإتقان واربت على ما بلغه أهل المشرق من هذا الباب ومن شاطبة كان الكاغد يحمل إلى سائر بلاد الأندلس. ومن هناك انتقل إلى أفرنجة (فرنسا) ثم إلى بقية ديار أوربا وقد ابلغه القوم في هذه الأيام إلى نهايات ما يخطر بالأحلام وأتوا في ذلك بالعجب العجاب حتى صاروا يصنعونه من الأخشاب وانعدمت هذه الصناعة من ديار المشرق كلها فصار عالة على غيره فيها وفي غيرها. حينئذ توفرت عند العرب الأسباب المادية والعقلية فأبدعوا في التصنيف وأغربوا في التأليف وتهافتوا على جمع الكتب وتطلبها وتساوى في ذلك السلطان والسوقة والخاصة والعامة والرجال والنساء وجميع الطبقات حتى كثرت دور الكتب في القاهرة وأمهات المدائن المصرية بدرجة لا تتصورها الآن لأن بلادنا أصبحت خلواً منها بالمرة لولا تلك الصمامة القليلة الباقية في دار الكتب الخديوية وفي الأزهر الشريف تتلوها المكتبة الحديثة التي أنشأتها البلدية في الإسكندرية. أما البيوتات فقد أصبح عددها أقل من أصابع اليد الواحدة وأولها بيت السادات يتلوها بيت البكري فبيت المرحوم رفعة وعبد الله فكري. وأما الأفراد فقد قلب النظر فلم أر غير المرحوم لطيف باشا سليم وبعده الفاضل أحمد بك تيمور. وقد أردت أن أجري على هذا المنوال وإن كانت خطواتي صغيرة ويدي قصيرة ولكني خشيت أن تذهب مجموعتي من بعد للعطار والزيات والبقال أو تتفرق شذر مذر كما حصل للمجموعة النفيسة التي كانت تزدان بها دار المرحوم علي مبارك باشا في حياته. لذلك جعلتها من الآن خاصة بالأمة ولا أزال دائباً إلى آخر ساعة من حياتي على توسيع نطاقها والزيادة فيها. إذا رجعنا ببصرنا إلى التاريخ رأيناه يحدثنا عن دور الكتب في القاهرة فتأخذنا لوعة لمجرد هذا الوصف وتبكي على ذهاب العين والأثر. فدور الكتب التي أسسها الفواطم يحدثنا المقريزي عنها بما يثير الأشجان ويستمطر الدموع من الآماق. فقد كان في قصر الخلافة وحده أربعون خزانة كانت فيها النوادر والذخائر فأخذ معظمها بعض الموظفين وبعض الأجناد الأتراك بدل مرتباتهم في أيام الشدة التي وقعت للخليفة المستنصر. وقد نهبت عرب لواتة شيئاً فشيئاً منها أغرب المقريزي في وصفه ثم قال: إن عبيدهم وإماءهم أخذوا جلوها برسم عمل ما يلبسونه في أرجلهم وأحرقوا ورقها تاولاً منهم أنها خرجت من قصر السلطان أعز الله أنصاره وإن فيها كلام المشارقة الذي يخالف مذهبهم سوى ما غرق وتلف وحمل إلى سائر الأقطار وبقي منها ما لم يحرق سفت عليه الرياح التراب فصار تلالاً باقية إلى اليوم بناحية آثار تعرف بتلال الكتب. هذا عدا خزائن القصر الداخلة التي لا يتوصل إليها أحد وعدا خزائن دار العلم بالقاهرةوهي مماثلة لما نسميه اليوم أكاديميا أو كما يقول صاحب كشف الظنون وابن أبي أصيبعة قبله: (أقاذيميا) وسوى خزانة المارستان العتيق وقد بقيت إلى أن بيعت في أيم صلاح الدين فاشترى القاضي الفاضل وحده منها مائة ألف كتاب مجلد وأودعها في المدرسة التي أنشأها بالقاهرة. وفضل القاضي الفاضل ومكانته في الدولة الأيوبية يدلان على أنه اختار أفضل الكتب وأحسنها ولكنها ذهبت بها الأيام أيضاً فإن الغلاء لما وقع بأرض مصر سنة ٦٩٤ صار طلبة هذه المدارس يبيعون كل مجلد برغيف من الخبز. وبقيت منها بقية تداولتها أيدي الفقهاء بالعارية وكان فيها مصحف اشتراه القاضي الفاضل بنيف وثلاثين ألف دينار على أنه مصف الخليفة عثمان وكان في خزانة مفردة له غربي المحراب. وهذا القاضي الفاضل كان يقتني الكتب ومن كل فن ويجتلبها من كل جهة وله نساخ لا يفترون ومجلدون لا يبطلون. وقد بلغ مجموع كتبه قبل موته بعشرين سنة ١٢٤٠٠٠ مجلد طلب ابنه مرة أن يقرأ ديوان الحماسة وتوسل إلى ذلك ببعض المقربين لديه فأمر القاضي الفاضل فأحضر له خازنه ٣٥ نسخة فصار ينفضها واحدةً واحدة ويقول هذا بخط فلان وهذه بخط فلان حتى أتى على الجميع ثم قال: ليس عندي ما يصلح للصبيان وأمر بشراء نسخة بدينار لولده وقد أحضرت مجموعة رسائله في جملة ما أحضرته من الكتب. وقد بقي بعض الكتب من آثار الفاطميين في مصر وزاد عليها المماليك وجعلوا لها خزانة عمومية ولكنها احترقت في سنة ٦٩١ فتلف بها من الكتب الفقه والحديث والتاريخ وعامة العلوم شيءٌ كثير جداً كان من ذخائر الملوك. والذي نجا من النار انتهبه الغلمان وباعوه بأبخس الأثمان فظفر الناس منها بصحائف محرقة فيها نفائس غريب. ولم تكن هذه المدرسة الوحيدة في القاهرة فقد كانت خزائن الكتب في المساجد والجوامع والمدارس فضلاً عن القصور والمنازل. وحسبي الإشارة إلى بعض المدارس التي امتازت بجمع الكتب النادرة فمنها المدرسة التي أنشأها بمصر القديمة في سنة ٦٥٤ الوزير الصاحب بهاء الدين علي محمد بن سليم بن حنا (بكسر الحاء المهملة وتشديد النون المفتوحة كما ضبط الثقات من المؤرخين) فقد كانت فيها خزانة جليلة من الكتب النادرة ثم نقلها فبقيت عنده حتى مات فتفرقت بين الناس وكذلك الملك الظاهر بيبرس البندقداري جعل في مدرسته الظاهرية خزانة كتب تشتمل على أمهات الكتب في عامة العلوم. فلما تولى السلطان قلاوون جعل في قبته البديعة خزانة الكتب في جميع أنواع العلوم ولكن معظمها تفرق في أيدي الناس واقتدى به ابنه محمد فأنشأ خزانة كتب في مدرسته التي شادها بجوار هذه القبة في الجهة المعروفة الآن بالنحاسين. وأما أسماء الأمراء والأفراد فهي كثيرة جداً مثل الأمير متكوتمر سيف الدين الحسامي والحاج سيف الدين آل ملك والأمير سيف الدين الجاي والطواشي سابق الدين مثقال والطواشي سعد الدين بشير الحمدار. وأهم الكل الأمير جمال الدين الأستادار. ولا أنتقل من هذا الموضوع قبل أن أذكر لكم أن نساء مصر كانت لهن مشاركة في هذه المأثرة وحصة كبيرة في الغرام بالكتب وأكتفي الآن باسم الست عاشوراء بنت ساروج الأسدي وكانت عائشة في أيام صلاح الدين والست الجليلة الكبرى عصمة الدين مؤنسة خاتون بنت الملك العادل الأيوبي وكانت من فضليات أهل العلم واشتهرت بالبراعة والفصاحة وفنون الأدب والسيدة الجليلة الكبرى خوندتتر الحجازية بنت السلطان الناصر محمد بن قلاوون والست بركة أم السلطان الملك الأشرف شعبان والست أيديكين زوجة الأمير سيف الدين بكجا الناصري. وقد بدد الزمن آثار تلكم السيدات الكريمات فلم أقف على كتاب من تلك الخزائن الكثيرة وغاية الأمر أن في دار الكتب الأهلية بباريس تحت نمرة ٢٧٥١ كتاباً في علم تعبير الرؤيا وهو مرتب على حروف الهجاء بشكل معجم ومكتوب وفي سنة ٨٣٣ هجرية برسم خزانة أميرة من أميرات مصر (إحدى البرنسات) وهي بنت السلطان الملك الظاهر جقمق. كان هذا الغرام عاماً في مصر وفي جميع بلاد المشرق. وخصوصاً في الممالك الخاضعة لصولجان صاحب التاج في القاهرة. التي كانت عاصمة للإمبراطورية المصرية. والشواهد كثيرة على هذا الولوع وحسبي أن أذكر لكم اسماً واحداً من باب التدليل. وهو أبو الفدا سلطان حماة وصاحب التاريخ المشهور بالمختصر في أخبار البشر وصاحب الجغرافيا المسماة بتقويم البلدان الذي طبع وترجم في باريس قد مع في خزانته من الكتب ما لا يزيد عليه في خدمته ما يناهز مائتي معمم من الفقهاء والأدباء والنحاة والمنجمين والفلاسفة والكتبة. ولو أردت أن أستقصي ما أعرفه عن الكتب وغرام المولعين بها أيام كانت الحضارة الإسلامية زاهية زاهرة لطال المقام ولم تكفني الأيام تتلوها الأيام. وقبل الختام أذكر لكم قضية وقعت بمصر وهي من أغرب ما سطرته سجلات القضاء. وقفت على كتاب اسمه كنز الدرر وجامع العبر لأبي بكر بن عبد الله بن أيبك الدوادار وهو في تسعة أجزاء ثلثاها بمكتبة آيا صوفيا والثلث الباقي بمكتبة طوب قبو بالقسطنطينية وهو في تاريخ مصر وفيه تفصيل غريب وبيان واف لا نراه في التواريخ التي وقعت إلينا. وليس هذا محل الشرح عن هذا السفر الجامع النافع. وقد كان هذا الكتاب موقوفاً على إحدى المدارس بالقاهرة فاغتصبه بعض الأكابر وأوقفه على مدرسته وقفاً صحيحاً شرعياً مرعياً فأقيمت عليه قضية بمجلس الحكم وحصلت المرافعة والمدافعة ثم اصدر القضاة حكمهم ببطلان الوقف الثاني وإعادة الكتاب إلى مقره الأول باسم واقفه الأول. وقد قضت الأيام ببطلان هذين الوقفين وبانقسام الكتاب إلى شطرين وفي خزانتين ولكن في غير مصر. إن العرب في اجتماع أهل الفضل في دور الكتب كانوا مقلدين لليونانيين في أثينة وللرومانيين في رومية وكل منهما قد نهج على سنة أجدادنا المصريين. أول من مدح الكتب على ما أنبأ به التاريخ الصحيح هو أول من أسس لها داراً خصوصية بديار مصر وجعل منفعتها عمومية. أنا لا أجاري بعض الغلاة من العرب ومن أربى عليهم من المتهوسين الألمانيين الذين قالوا بوجود دور الكتب قبل حدوث الطوفان وأخذوا يتصيدون الأقاويل من هنا ومن هناك ويقيمون الدلائل على غي طائل محتجين على ذلك بتعليم آدم الأسماء وبالأعمدة التي نقشها شيث وبالصحف التي نزلت على إدريس ويكفينا أن نقنع بما هو وراء ذلك وهو قديم بل قدموس حتى لا نخوض بحور الخيال ونهيم في أودية الأوهام. حسبنا أن نرجع إلى ما هو قبل اليوم بأكثر من ٣٢٠٠ سنة فهنالك نصل إلى التاريخ الثابت المنقوش على الأحجار وهو مما لا جدال فيه ولا مراء. فتلك الأطلال الماثلة إلى الآن في صعيد مصر تنطق بلسان هيروغليفي مبين وتقول أن أوسيماندياس فرعون مصر الذي سماه اليونان سيزوستريس ورمسيس الثاني هو أول من أسس دار الكتب في مدينة طيبة بالصعيد وهو أول من مدح الكتب بعبارة وصلت إلينا. وذلك أنه نقش على باب تلك الدار كلمتين اثنتين جعلهما رمزاً عليها وتلخيصاً لكل ما فيها وهما شفاء الأرواح ولعمري أن هاتين الكلمتين هما أبلغ من كل ما جادت به القرائح بعده في شرق البلاد وغربها وما هو مأثور عن عجم الأمم وعربها. وعن المصريين اقتبس اليونان علومهم ومعارفهم ونظامهم ولكنهم لما جاء الدور لهم لم يتيسر لهم إنشاء مكتبة عمومية إلا بعد الفرعون المصري بربوات من السنين لا تقل عن الخمسة قرون وذلك أن طاغية بيسترات هو أول من أحدث بمدينة أثينس (أي أثينا) داراً من هذا القبيل لاستفادة الخاص والعام وكان ذلك قبل القرن السادس للميلاد وجمع فيها أشعار أوميروس بعد أن تلقفها من أفواه الرواة كما كان شأن العرب من بعده باثني عشر قرناً في أيام بني أمية وبني العباس. وما لبثت هذه الدور أن انتشرت بأرض اليونان كما يشهد بذلك بيت قال شاعرهم ارسطوفان: وفي يد كل إنسان كتاب يلقنه أفانين العلوم وتولع اليونان بجمع الكتب والحث عليها لدرجة لا تكاد تكون محمودة: دخل حاكم إلى مدرسة النحو بأثينا فطلب من الأستاذ نسخة من ديوان أوميروس. فأعلمه المعلم بعدم وجودها فما كان من الحاكم في هذا الإهمال إلا أن صفعه وخرج. ثم تهوس القوم بجمع الكتب من غير استفادة أو إفادة حتى رأى أديبهم لوسيان الشميشاطي أن يكتب رسالة بليغة في هجو رجل جمع من الكتب طائفة وفيرة لمجرد الاشتهار بأنه جماع للكتب. قال ذلك الأديب يخاطب ذلك المذموم بما ترجمته: في وسعك أن تعير الكتب لغيرك فتكسب أجراً وفيراً ولكن ليس في طاقتك أن تستفيد منها فتيلاً ولا قمطيراً. على أنك ما أعرت منها أحداً شيئاً مذكوراً فكان مثلك كالكلاب التي تنام في إسطبل الدواب فهي لا تقدر على أكل ما فيه من الشعير ولكنها تمنع منها الخيال وهي قديرة على الانتفاع بأكله. ولو تأخر هذا الأديب المجيد لخر ساجداً إذا سمع قول الكتاب المجيد مثلهم كالحمار يحمل أسفاراً فانظروا يرعاكم الله إلى حسن الديباجة وإلى هاتيك الإجادة: وأما قول لوسيان فما أشبهه بقول الجاحظ ولكن في ذم الخصيان ولا ازيد على هذا البيان بغير الإشارة عليكم بمراجعة كتاب الحيوان وإليكم مثالاً مما قاله العرب في ذم من يجمع الكتب وهو لا يدري بما فيها: زوامل للأخبار لا علم عندهم بحيد إلا كعلم الأباعر لعمرك ما يدري البعير إذا غدا بأحماله أو راح ما في الغرائر فلما جاء دور الرومان أنشأ الإمبراطور يوليان المنبوز بالمرتد وفي كتب العرب بالمارق دار كتب في القسطنطينية وأراد أن يتشبه بفرعون مصر ولكنه لم يبلغ شأوه فكتب على بابها هذه العبارة: لبعض الناس صبابة بالخيل ولبعضهم ولع بالطير ولآخرين غرام بالوحش وأما أنا فقد تدلهت منذ نعومة أظفاري بشراء الكتب واقتنائها. ومما امتازت به مدينة القسطنطينية أنها في ايم النصراني حفت في كنائسها علوم الأقدمين حتى جاء العرب فاستفادوا منها ونشروها من قبورها وكان لهم بهذه الوسيلة القدح المعلى في ترقية الحضارة وبني الإنسان وكذلك امتازت في أيام الإسلام بحفظ ما جادت به قرائح العرب الكرام في مساجدها وما علينا سوى اقتفاء أثرهم وإتباع سنتهم. وقد فتحت لكم الباب وحسبي ذلك فخراً. جاء العرب في أيام العباسيين فانتهت إليهم كلمة عن سقراط فكانت محركة لعزائمهم وجعلتهم أئمة العلم وقادة الأفكار. قيل لهذا الفيلسوف: أما تخشى على عينيك من إدامة النظر في الكتب فقال: إذا سلمت البصير لم أحفل بسقام البصر. وفي هذا المقام لا يصح إغفال ذكر المأمون فهو أول من أسس دار كتب عامة في الإسلام وسماها بيت الحكمة كما أنه أول من أسس مجمعاً للعلوم (أقاذيميا) وسماه دار العلم. هذا فضلاً عن خزانة كتبه الخصوصية التي يروي لنا عنها ابن النديم كل معجب ومطرب. كان بمدينة الإسكندرية حاكم يسمى خليل ابن شاهين الظاهري اشتهر بتأليفين أحدهما في عالم اليقظة والآخر في عالم المنام فأما الأول فهو كتاب زبدة كشف الممالك في بيان الطرق والمسالك ثم اختصره وسماه زبدة كشف الممالك وهو كتاب مفيد في وصف بلادنا وأعمالها ودواوينها ووظائفها ونظاماتها وغير ذلك من محاسن هذه المملكة مع سرد أبيات مما نظمه بعض ملوكها وسلاطينها إلى غير ذلك من النوادر والفوائد ولا حاجة لي بأن أقول لكم أنه لا يوجد من هذا الأثر النفيس ولا نسخة واحدة مخطوطة بديار مصر كلها وهي وطنه ووطن مؤلفه بل هي موضوعه ومدار بحثه. أما لكتاب الثاني فقد سماه الإشارات في عالم العبارات والعبارة هي تعبير الرؤيا وتفسير الأحلام واسم العلم بالفرنسوية مأخوذ عن اليونانية. قال صاحب كشف الظنون: إن كانت العرب في صدر الإسلام لا تعتني بشيءٍ من العلوم إلا بلغتها ومعرفة أحكام شريعتها وبالطب فإنها كانت موجودة عند أفراد منهم لحاجة الناس طراً إليها. وذلك منهم صوناً لقواعد الإسلام وعقائد أهله عن تطرق الخلل من علوم الأوائل قبل الرسوخ والأحكام وأقول أن الشارع هو الذي دعاهم إلى تقييد العلم على إطلاقه فقد جاء في الحديث الشريف: العلم صيد والكتبة قيد. قيدوا رحمكم الله علومكم بالكتابة. أخذ الشاعر قول الشارع فصاغه في بيت سائر ونظم بارع: العلم صيد والكتابة قيده قيد صيودك بالحبال الواثقة ثم مدحوا الكتب كما مدحها فرعون مصر وقياصرة الروم من قبلهم فقال العتابي وهو من أجلاء عصر الأمين والمأمون: لنا ندماء لا نمل حديثهم أمينون مأمونون غيباً ومشهداً يفيدوننا من علمهم علم ما مضى ورأياً وتأديباً وأمراً مسددا بلا علة تخشى ولا خوف ريبة ولا نتقي منهم بناناً ولا يداً فإن قلت هم أحياء لست بكاذب وإن قلت هم موتى فلست مفندا ومدحها ابن طباطبا العلوي: لله أخوان أفادوا مفخراً فبوصلهم ووفائهم أتكثر هم ناطقون بغير السنة ترى هم فاحصون عن السرائر تضمر إن ابلغ من عرب ومن عجم معاً علماً مضى فيه الدفاتر تخبر حتى كأني شاهد لزمانها ولقد مضت من دون ذلك أعصر خطباء إن أبغ الخطابة يرتقوا كفي كفي للدفاتر منبر كم قد بلوت بها الرجال وإنما عقل الفتى بكتاب علم يسبر كم قد هزمت بها جليساً مبرماً لا يستطيع له كالهزيمة عسكر وهو ينظر بقوله الأخير إلى جواب جالينوس فقد قيل له: لم كان الرجل الثقيل أثقل من الحمل الثقيل فقال لأن ثقله على القلب دون الجوارح، والحمل الثقيل يستعين القلب بالجوارح عليه. وفي ذلك المعنى الذي أشار إليه ابن طباطبا وهو في مصر قول لمونتسكيو (ابن خلدون فرنسا) وهو في باريس قال ما ترجمته: ما حل بي جيش الهموم إلا بددته بساعة واحدة من القراءة. ومدح الكتب للعرب كثيراً جداً اكتفى منه بكلمة واحدة منثورة: أهدى بعض الكتاب إلى صديق له دفتراً وكتب إليه: هديتي هذه أعزك الله تزكو على الإنفاق وتربو على الكد. لا تفسدها العواري ولا تخلقها كثرة التقليب. وهي أنس في الليل والنهار والسفر والحضرة وتصلح للدنيا والآخرة. وتؤنس في الخلوة وتمتع في الوحدة. مسامرة مطواع ونديم صديق. وقال آخر: الكتب بساتين العلماء. ولكن كل هذه الأقوال وما شابهها مما نرويه عن المتقدمين والمتأخرين لا تعادل الكلمتين اللتين قالهما فرعون مصر عن الكتب. شفاء الأرواح. ولقد قام رجل من مشاهير الإنكليز في أوائل القرن التاسع عشر وهو بلور لينون فأشار بمطالعة الكتب لإزالة أنواع لأمراض قال ما خلاصته: لقد اختلج في ضميري أن أنظم دور الكتب على نسق جديد مفيد فبدلاً من أن يكون مكتوباً على الخزائن والدواليب والرفوف هذه الكلمات. لغة. علوم طبيعية. فن التقريظ ونحو ذلك أشير باستبدال هذه الكلمات بأسماء الأمراض التي تنتاب الجسم والروح مما يمكن مداواته بالمؤلفات الموجودة فيها من داء النقطة إلى أخف النزلات فهذا النوع الأخير من الأسقام يصلح له قراءة الكتب الهزلية مع منقوع الشعير في قليل من اللبن الحليب فإذا غشي النفس هم من الهموم التي يمكن إزالتها مثل عدم تحقيق الأماني أو معاكسة الأخوان أو معاندة الزمان ففي هذه الحال يحسن بالمصاب أن يتلو تراجم العيان والأفراد فيتسلى بما أصابهم من البلايا ويزول مرضه بإذن الله. فإذا ما طم الهم وعم الغم فالروايات أنجع دواءٍ لهذا السقم. ولكن إذا حلت بالإنسان مصيبة فادحة وجب عليه أن يستغرق كل عقله ولبه وقلبه في عمل من الأعمال العقلية التي تجعله ينسى نفسه وما حل به من الأرزاءِ. واستشهد المستنبط لهذا الطب الجديد الغريب بما حل بشاعر الألمان (جيته) فإنه حينما مات ولده تفرغ لدراسة علم جديد وقيل أنه أكمل فصول بعض رواياته البديعة فجاءت في نهاية البلاغة والإعجاز. فانظروا إلى ما صنعه الإسكندر الأكبر عندما هزم دارا ملك الفرس فإنه ظفر في جملة الغنائم الملوكية بصندوق بديع الصنعة فقال للمقربين إليه: لأي شيءٍ يصلح هذا الصندوق؟ فأجاب كل منهم بما رآه. ولكن سيد الفاتحين لم يعجبه قولهم وقال إنما يليق هذا الصندوق لحفظ إلياذة أوميروس. وفي أيام الإسلام ظفر الحجاج بن يوسف عامل بني مروان بصندوق عجيب من ذخائر الفرس فأمر بفتحه فوجد صندوقاً آخر ففتحوا فوجدوا صندوقاً آخر ثم رابعاً وخامساً وسادساً وسابعاً فقال الأمير: لعل فيه حماقة من حماقات الفرس. ففتحوا وإذا فيه بطاقة مكتوب عليها هذه العبارة: من مشط لحيته في كل يوم طالت: ونحن لم نخرج عن هذا الموضوع لأن هذه الوصية كانت مكتوبة على قطعة من الحرير وإنني أقلب الطرف يميناً وشمالاً فلا أجد من أوصيه بها ليخبرنا بصحتها بعد العمل بها. ولا يخفى عليكم أن عرب الشرق هم الذين أحيوا علوم العرب ونشروها وها هم عجم الغرب يعملون على هذه السنة الآن في ألمانيا وفرنسا وإنكلترا وإيطاليا وهولاندة وإسبانيا والروسيا وسائر بلاد أوربا وأميركا ولا أمل لي إلا أن أرى أهل مصر يشاركونهم فهم أحق بتراث أجدادهم ولا يكون ذلك ولن يكون إلا بالعناية بالكتب. هل أتاكم حديث فرنسا وناهيكم بها في العلم والحضارة والعرفان؟ إنها مدينة لمصر الإسلامية بدينين عظيمين في إنشاء دور الكتب العمومية. أولهما يرجع إلى أيام الحروب الصليبية. فإن الملك القديس لويس وهو التاسع بهذا الاسم شن الغارة على مصر في أول دولة المماليك البحرية ثم عاد أدراجه مهزوماً ولكنه رجع ظافراً بفكرة حميدة ومأثرة جميلة. وهي أن اقتبس عن أجدادنا فكرة جمع الكتب بعضها مع بعض في دار واحدة وفتحها في وجه الجمهور لينتفع بها الخاصة والعامة. اترك الكلام لكاتب سيرته وإمامه في صلواته فقد قال ما خلاصته: إن الملك الورع التقي لويس وصل إلى سمعه وهو فيما وراء البحار أن سلطاناً من سلاطين الشرقيين يبذل عنايته في البحث عن الكتب المختلفة الأنواع وفي استنساخها على نفقته ثم يضعها في دار عمومية ليستفيد من مراجعتها علماء بلاده فإنه كان يجعل هذه المجاميع تحت تصرف جميع الطالبين. فأراد القديس لويس أن يتشبه بهذا السلطان وعزم على بذل المال بمجرد عودته إلى فرنسة لنسخ الأسفار النافعة وصحاح الكتب المقدس التي يتأنى له العثور عليها في الأديار ليتمكن هو ورعاياه العاكفون على علوم الأدب من درسها وحرثها للانتفاع بها وأفاد الجار والقريب بمعارفهم وقد أنجز هذا القصد فأمر بإعداد مكان لائق أمين في باريس جمع فيه كثيراً من تصانيف القديس أغسطينوس وأمبرواز وجيروم وغريغوار وبقية أئمة المذهب الأرثوذكسي. وكان يذهب في أوقات الفراغ للقراءة في هذا المكان ويسمح لغيره عن طيبة خاطر بمشاركته في مناجاة المؤلفين. وكان يؤثر استنساخ الكتب على شراء أصولها لأن ذلك في رأيه من شأنه أن يزيد في عدد الكتب المقدسة ويجعلها أكثر فائدة. وكان حينما يقرأ في تلك الكتب بمحضر من خدمه وحشمه الذين لا يفهمون اللاتينية يترجم لهم بالإفرنسية ما لا يدركونه من العبارات. غير أنه في آخر عمره أصابه دخل في عقله فبدد شمل تلك المجموعة وأمر في وصيته بتوزيع الباقي على الأديار. وأما الدين الثاني الذي لنا على فرنسا فيرجع إلى عهد قريب منا وبيان ذلك أن القائد بونابرت عند هجمته على مصر في فجر القرن الماضي على التاريخ الميلادي نهب كثيراً من بقايا الكتب النفيسة التي كان أجدادنا أخفوها أو وجدوها بعد الفتح العثماني. وكل من ذهب إلى باريس واطلع على فهرس دار الكتب الأهلية فيها يأخذه العجب والعجاب إن لم تساوره الأشجان والأحزان. فلقد أصبحنا إذا احتجنا إلى شيء من مؤلفات المصريين الخاصة بمصر لا نرى منها شيئاً في بلادنا ولا بد لنا من الرحلة والتغرب لتطلبها في بلاد الغرب. ولقد أدرك محمد علي ذلك عندما أراد أن يجدد العلم في ربوع مصر فأرسل نفراً من نابغي الأزهر الشريف فعادوا وأفادوا جدد الله عهدهم. ورافع رايتهم هو المرحوم رفاعة بك فطالما أنشأ وأنشد وصنف وألف وترجم وعرب وكلنا عيال عليه وعلى أولاده. اعلموا أن للعرب والإسلام سراً عجيباً في تاريخ الحضارة والعمران. فالعرب أينما حلو انتشرت لغتهم قليلاً قليلا ثم سادت رويداً رويدا ثم انتهى أمرها بالانفراد والاستقلال. كذلك الإسلام أينما انتشرت رايته استهوى العقول والألباب. ولكن الغريب أن العجم هم الذين ينشرون علوم العرب ودين العرب حتى لقد قال الخليفة الأموي سليمان بن عبد الملك: عجبت لهذه الأعاجم ملكت الدهر فلم تحتج إلى العرب وملكت العرب فلم تستغن عنهم. وماذا كان يقول هذا الخليفة ودولته أموية عربية محضة: وماذا كان يقول لو عاش حتى رأى عصر العباسيين أو لو بعثت من قبره هذه الأيام ورأى حاجة العرب إلى الأعاجم في كل شيء من مرافق الحياة وحاجتهم إليهم حتى في إحياء آثارهم والتهافت على اقتناء مآثرهم. ماذا كان يقول لو علم بالقصة الآتية؟ تعلمون أن التتار هم الذين خربوا دولة العرب ودكوا معالم الإسلام ومع ذلك فمن أغرب الغرائب وأعجب العجائب أنهم ما لبثوا أن دانوا بدين العرب المغلوبين وتشبهوا بملوكهم البائدين في إحياء العلوم وتوسيع نطاق العمران. سر من أسرار الطبيعة لا نراه إلا في شؤون العرب ومعارفهم. فبعد أن هلك هولاكو وبعد أن مارت الأرض تيمور فأدخلته في تامورها جاء أحفادهما فدخلوا في دين الله أفواجاً وأقوامهم وارتفع بهم مناره في بلاد آسيا الوسطى وفي بلاد الهند إلى أوائل الجيل الماضي ومن أشهرهم في العلم والعلماء الغ بك واسمه محمد بن شاهر روخ اعتنى هذا الرجل بعلم الفلك وألف فيه زيجاً باللغة الفارسية ترجمه إلى العربية بعض أفاضل المصريين والترجمة في خزينتي مصر وجمع هذا الرجل خزانة من الكتب النفيسة رأيت بعض بقاياها كتاب الصور السمائية لعبد الرحمن بن عمر بن محمد بن ابن سهل الصوفي ويسمى بأبي الحسين ويعرف بكتاب صور الكواكب وبكتاب الكواكب الثابتة وهو الذي أريد أن أحدثكم عنه في هذه الساعة. هذا الكتاب لا أبالغ في فضله ولا اذكر شيئاً من محاسنه وإنما أقول لكم أن الروس عرفوا قدره فطبعوه في بلادهم ثم أوعزوا إلى أحد علما الفرنسيين فترجمه إلى اللغة الفرنسية وطبعوا هذه الترجمة أيضاً في بطرسبرج. وهذا الصنيع المزدوج يدلكم على فضل الكتاب وفائدته. وإذا بحثتم في ارض مصر من الشلالات إلى الأشاتيم ومن بادية العرب إلى صحراء لوبيا لا تجدون سوى الترجمة الفرنسية وسوى الترجمة الفارسية في دار الكتب الخديوية أما الأصل العربي فقد لبس طاقية الاختفاء وتطاير في الفضاء وهجر ديارنا وواصل غيرنا فيما وراء البحاتر ورحل عن أرض أهين بها إلى بلاد ظهرت قيمته بين أهلها بحيث أن العرب الذين صدر الكتاب بلغتهم إذا احتاجوا الآن لمراجعته وجب عليهم أن يتلقنوا إحدى الفرنسية أو الفارسية أو أن يذهبوا إلى بطرسبرج وأن استبعدوها فإلى باريس وهنالك تجدون منه خمس نسخ استغفر الله بل ستاً لأن السادسة هي التي سأتكلم عليها. ففي سنة ١٨٩١ عثر يوسف بك خلاط على نسخة ملوكية من هذا الكتاب مكتوبة على ورق الحرير بألوان مختلفة بالنسخ والثلث وقد بلغ الكتاب فيهما نهاية الإجادة والإتقان وازدانت بصور ملونة باهية زاهية يتدفق فيها الذهب واللازورد على أحسن شكل وأجمل مثال. وفوق هذه المزايا التي تجعل للنسخة قيمة يتنافس فيها المتنافسون ويتعشقها العارفون فإنها حوت أثراً آخر يزيدها قيمة لأهل الدراية. ولكن أين هم في ديارنا. . . وذلك أنها مكتوبة برسم خزانة الملك العالم المؤلف (الغ بك) وعليها اسمه بخطه فصارت بذلك نادرة النوادر وذخيرة الذخائر. عرضها يوسف بك على دار الكتب الخديوية فقومتها إني لأستحي من ذكر القيمة. . . . ولكن أقولها لكم لتعلموا مقدار تفريطنا. قومتها بخمسة عشر جنيهاً مصرياً. وظننت أن ذلك شيء كثير. وكيف لا وهذا المبلغ يساوي اللف ونصف الألف من القروش أو خمسة عشر ألف مليم: توجه صاحب الجوهرة إلى الغزي مختار باشا فزاده الربع. توجه إلى الإرسالية العلمية الفرنسية بالقاهرة القائمة الآن بجوار دار ناظر المعارف الحالي فضاعفت له الثمن أربع مرات ووعدته فوق هذه المساومة بوسام المجمع العلمي الفرنسي. فقبض الثمانين جنيهاً ولا أدري إذا كان أحرز النشان ولكنه اشترط أن يكتب اسمه ببنانه على تلك النسخة فقبل القوم شرطه وأرسل الكتاب إلى باريس تكميلاً لنصف الدستة وأصبحت نسخه ستة. روى صاحب تاب الفهرست أن أبا زكريا يحيى بن عدي النصراني المتوفى ببغداد سنة ٣٦٤ قال أنه رأى في تركة إبراهيم بن عبد الله الناقل النصراني كتاب السماع الطبيعي كله لأرسطو مشروحاً بقلم الإسكندر الأفروديسي وعندي قطعة وافرة من (كتاب البرهان) وأنهما عرضا عليه بمائة دينار وعشرين ديناراً فمضى يحتال في الدنانير ثم عاد فأصاب القوم قد باعوا الشرحين في جملة الكتب على رجل خرساني (أعجمي من الفرس) بثلاثة آلاف دينار وكانت هذه الكتب مما يحمل في الكم. قال القاضي الأكرم الوزير القفطي المصري بهذه المناسبة في كتابه المترجم بتراجم الحكماء المطبوع في ليبسك من أعمال ألمانيا ما نصه: فانظر إلى همة الناس في تحصيل العلوم والاجتهاد في حفظها والله لو حضرت هذه الكتب المشار إليها في زمننا هذا وعرضت علي مدعي علمها ما أدوا فيها عشر معشار ما ذكر وما كان يقول لو سمع الحكاية التي رويتها لكم عن كتاب الصوفي. نعم إن الخرساني اشترى الكتب بثلاثين ضعفاً وأما الفرنسيين اشتروا كتاب الصوفي بأربعة أضعاف لأنهم لم يجدوا في مصر من يزاحمهم كما جرى في بغداد. وأقول لكم أن يحيى بن عدي النصراني المذكور كان من أكابر المؤلفين والمترجمين ومحققي الفلاسفة وكان من المغرمين بجمع الكتب ونسخها بيده وكان أوحد دهره ومذهبه من مذاهب النصارى اليعقوبية. رآه ابن النديم في سوق الوراقين فعاتبه على كثرة نسخه فقال: من أي تعجب في هذا الوقت. من صبري؟ قد نسخت بخطي نسختين من التفسير للطبري وحملتهما إلى ملوك الأطراف وقد كتبت من كتب المتكلمين ما لا يحصى ولعهدي بنفسي وأنا أكتب في اليوم والليلة مائة ورقة. . ونحن نعلم أن النويري المصري صاحب كتاب نهاية الرب في فنون الأدب كان من يكتب في اليوم والليلة ثلاثة كراريس أي ستين ورقة. فلم يبلغ شأو هذا المتقدم مع أن جميع المؤرخين يعجبون بابن وطننا الذين سترون أثره الجامع لكل العلوم والمعارف في السنة المقبلة إن شاء الله. كل هذه الأعمال وهي قطرة من بحر تدلكم على مقدار الغرام بالكتب وأنه إذا استولى على العقل فلا يجد المدنف العاشق لذة في شيء آخر. وهذا الغرام ليبس قاصراً على الشرق أو على الغرب بل هو داء مستحكم في نفوس الناس على اختلاف الأوطان والأديان والأجناس. نرجع إلى ذكر السرفات في الكتب وأروي لكم حادثتين وقعت إحداهما لرجل من أفاضل الإسكندرية وكان للثانية شأن كبير بالجامع الأزهر في القاهرة. فمن الرجال الذين يحق للإسكندرية أن تفتخر بأنها أنجبتهم أبو الفتح نصر بن عبد الرحمن الإسكندري النحوي الجغرافي ألف كتاباً فيما اختلف وائتلف من أسماء البقاع وقد ضبطه وافنى في تحصيله وتحقيقه عمره فأحسن فيه كل الإحسان فجاء أبو بكر زين الدين محمد بن موسى الهمداني المشهور بالحازمي المتوفى سنة ٥٨٤ فسطا عليه برمته وادعاه واستجهل الرواة فرواه نبه على ذلك ياقوت الحموي في صدر معجم البلدان بقوله: ولقد كنت عند وقوفي على كتابه أرفع قدره من علمه وأرى أن مرماه يقصر على سهمه إلى أن كشف الله من خبيئته وتمحض المحض عن زبدته أقول أنه رغماً عن التنبيه ما زال الكتاب مشهوراً باسم السارق فإن صاحب كشف الظنون لم يذكر غيره وسماه كتاب ما اتفق لفظه واختلف مسماه في الأماكن والبلدان المشتبهة في الخط. وعلى كل حال فالكتاب لم يصل إلينا. وأما الحادثة الثانية فقد وقعت في القاهرة في ختام القرن التاسع للهجرة. وذلك أن الإمام شهاب الدين أبا العباس أحمد بن محمد القسطلاني المصري المتوفى سنة ٩٢٣ ألف في السيرة النبوية كتبه المشهور المتداول بيننا الآن وهو المواهب اللدنية بالمنح المحمدية فما راعه بعد أن فرغ تبييضه في سنة ٨٩٩ إلا وقد رفع جلال الدين السيوطي دعوى عليه أمام شيخ الإسلام زكريا الأنصاري. وهاك بعض ما ورد في صحيفة الدعوى إنه يسرق من كتبه ويستمد منها وينسب النقل إلى نفسه طالبه شيخ الإسلام ببيان ما ادعاه. فقال أنه نثقل عن البيهقي وله عدة مؤلفات فليذكر أنه نقله عنه. ولكنه رأى ذلك في مؤلفاتي فنقله فكان الواجب عليه أن يقول نقل السيوطي عنه. ماذا كانت النتيجة؟ انظروا واعجبوا. صدر الحكم على القسطلاني بالترضية اللازمة للسيوطي وإزالة ما في خاطره. كيف كان التنفيذ؟ مشى القسطلاني من القاهرة إلى الروضة (جزيرة النيل) وكان السيوطي معتزلاً عن الناس بها فوصل إلى بابه ودقه فقيل له من أنت؟ فقال أنا القسطلاني جئت إليك حافياً ليطيب خاطرك. قال له: قد طاب. ولم يفتح له. فأين أين ذلك الزمان مما نحن فيه الآن؟ أفرأيتم لو رفع المجني عليهم قضاياهم من هذا القبيل على السارقين الذين فاقوا القسطلاني قولوا لي بربكم هل كانت تكفينا المحاكم الشرعية والبطريركية والأهلية ولمختلطة والقنصلية ولجنات النفي الإداري؟ لعمري أن تجار الأحذية كانوا يفلسون كلهم في يوم واحد لو اقتدى السراق بما فعله القسطلاني!! ولكن التبجح وانتهاك الحرمات وص في زماننا إلى درجة لا مزيد ليها خصوصاً وإن انتشار الطباعة ساعد على نمو هذا الطبع. وتلك الصناعة قد كان لها أصل عند العرب في مصر والأندلس وإن كان الأثر الناطق بذلك قد ذهب من بلادنا ولكن الإفرنج حفظوه لنا أثابهم الله عنا خير الثواب ووقفنا إلى اقتفاء خطواتهم في النافع بدلاً من تهالكنا على تقاليدهم في كل ضار. أخبرني الأستاذ الفاضل حقي بك ناصف أنه رأى خشبة محفوظة بمكتبة ويانا عاصمة النمسا في جملة ما ازدانت به من آثار العرب وثمرا عقولهم وهذه الخشبة منقوشة عليها بالتجويف كتابة عربية مقلوبة على الطريقة المألوفة في اصطناع الأختام وأنها كانت مستعملة لطبع الأوامر العسكرية وتوزيعها على الجنود كما هو الشأن في أيامنا هذه في الغازته العسكرية وذلك يستفاد من العبارة المنقوشة عليها وهذه الخشبة يرجع عهدها إلى الفواطم وربما نشر صورتها عن قريب بعض علماء المستشرقين فتكون برهاناً على تولد هذا الفن بديار مصر. وأما الأندلس فقد ترقت إلى ما وراء هذه الخطوة الأولى فقد كان للأندلس في هذا الباب ثلاث خطوات. الأولى أنهم قلدوا مصر في عهد الفواطم ولكن أثرهم لا زال باقياً في ديارهم وها أنا أطرفكم بصورة فتوغرافية منه كهدية للعهد السعيد وهي صورة الطابع الذي كان يستعمله أهل الأندلس في مدينة المرية عثروا عليه في أطلالها وخرائبها وهو مصنوع من الخشب والكتابة التي عليه تدل على أنه كان مستعملاً في قيسارية المرية ولفظة قيسارية تدل على السوق ولا تزال مستعملة بهذا المعنى في القاهرة وفي كثير من مدائن الشرق وأصلها مشتق من اسم قيصر كما أنه اسم موضوع للدلالة على مدائن كثيرة بآسيا الصغرى منسوبة إلى قيصر ورشك أن هذا الطابع كان مستعملاً بصفة الدمغة (التمغة) التي كانت مستعملة في مصر إلى عهد قريب لوضعها على الأقمشة الزعابيط في نظير تأدية الرسوم المطلوبة لخزينة الحكومة. كذلك كان ذلك الطابع يوضع على الأقمشة والطرود التي يجب دفع الرسوم عليها قبل دخولها إلى السوق أي القيسارية في تلك المدينة مدينة المرية كما يستفاد من الكلمات المكتوبة فيه وهي: طابع قيسارية المرية عام خمسين وسبعمائة. وأما الخطوة الثانية فهي أن الإشراف على دار الطباعة كان من خطط الدولة. بدلكم على ذلك النص العربي الذي نبه إليه العلامة جايانجوس الإسباني وهذا النص وارد في كتاب (الحلل السيرا) لابن البار الأندلسي المشهور وقدطبع العرمة دوزي الهولاندي قطعة وافرة من هذا الكتاب الثمين في مدينة ليدن من سنة ١٨٤٧ إلى ١٨٥١ . وأنتم تعلمون أن الأبار هو الذي أرسله صاحب الأندلس ليستنجد بصاحب تونس. وهو ذلك الرسول الذي وقف بحضرة ملك تونس وأنشده تلك القصيدة الطنانة الرنانة التي تستفز الجبان ويلين لها قلب الجماد. قال في مطلعها: أدرك بخيلك خيل الله أندلسا إن السبيل إلى مناجاتها درسا وحل الشاهد أن ابن الأبار يقول في كتابه المذكور أن عبد الرحمن الناصر الخليفة الأكبر (ولى بدر بن أحمد الوزارة الحجابة والقيادة والخيل والبردوكان ينفرد (أي بدر) بالولايات فتكتب السجلات في داره ثم يبعثها للطابع فتطبع وتخرج إليه فتبعث العمال وينفذون على يديه. نعم إن هذا النص سقيم ويحتاج إلى تقويم ولا بد من مراجعة الأصل وتقويته بنصوص أخرى. وربما كان المراد وضع الطابع عليها. ولكن هذا الغرض بعيد لأن الطابع عل ما نفهم لا يصح وجوده بيد غير الوزير كما هو معهود في الدول الإسلامية حتى إلى الآن في الباب العالي. والأظهر أن ذلك يشير إلى إخراج نسخ متعددة من مطبعة حجرية لتبليغها إلى أهل الولايات ورؤوس الواحات. أما الخطوة الثالثة النهائية فلنا عليها دليل مما أورد لساد الدين ابن الخطيب في كتابه المترجم بالإحاطة في أخبار غرناطة قال في ترجمة الشيخ أبي بكر القدسي ما نصه: وألف كتاب الدرة المكنونة في محاسن أسبطبونة وألف تأليفاً حسناً في ترحيل الشمس ومتوسطات البحر ومعرفة الأوقات بالأقدام ونظم أرجوزة في شرح ملاحن ابن دويدار وأرجوزة في شرح كتاب الفصح ورفع الوزير الحكيم كتاباً في الخواص وصنعه الأمدة وآلة طبع الكتاب غريب في معناه). هذه العبارة اكتشفها اثنان من علماء الإفرنج تمكنا منها بشرح طويل في جرنال آسيا سنة ١٨٥٢ فأنتم ترون فضل عجم أوربا في البحث والتنقيب عن مآثر العرب. نعم إنهما أرادا تصحيح العبارة العربية من حيث استقامة الكلام وتصورا أن فيها بعض الالتباس والإبهام. فأخذ أحدهما يصحح الجملة الأخيرة بما ليس له محل من الإعراب فقال (كتاب باقي خواس وصنعة آلة طبع الكتب كتاباً غريباً في معناه) ولا يصح لنا أن هزأ بهم بسبب هذا التصحيح العليل السقيم وما فاته من الأعراض أما الجوهر هو أنهما اكتشفا هذا البرهان الدال على أن هذه الصناعة وجدت في أيام العرب ولو من باب النظريات العلمية إذ لم تجد لها للآن أثراً علمياً محسوساً ومن المعلوم أن الأمدة (جمع مداد) تحتاج لتركيب مخصوص لكي تخرج منها نسخ متعددة فلذلك كان المؤلف الأندلسي بين صنعتها وبين طبع الكتاب. ولما كان هذا الاستنباط البديع الغريب لم يسبق له مثال بالأندلس رأى صاحب الإحاطة وجب التنبيه على فضل الكتاب فقال: غريب في معناه. فأين أين ذلك الكتاب الذي ألفه القدسي ووصفه لسان الدين ابن الخطيب بأنه غريب في معناه. لاشك أنه ذهب طعمة للنار حيثما علت كلمة الإسبانيين وطردوا المسلمين من تلك الديار فإنهم كانوا كلما وقع لهم كتاب مكتوب بحروف عربية قالوا هذا قرآن وبادروا لطلب الغفران بإحراقه بالنيران وبهذه الكتابة أحرقوا تسعة أعشار ونصف وثلث وربع وخمس وسدس وسبع وثمن وتسع الكتب العربية فلم يدك يخلص إلينا منها واحد في الألف وكانوا يتهافتون بارتياح وتقوى إلى ارتكاب هذه الجريمة الكبرى وهم يظنون أنهم يحسنون صنعاً حتى أن أحد كرادلتهم أحرق في يوم واحد بمدينة غرناطة نحو ألفَ ألف كتاب. وكان هذا الصنيع بعمل الإيمان. جمهورية البرتقال من الانقلابات السياسية الخيرة مناداة الأحرار في مملكة البرتقال بالجمهورية والقضاء على الملكية فأصبحت هذه الجمهورية ثاني جمهورية في أوربا ومنذ سنين لم يبايع بجمهورية مهمة في ممالك الأرض إلا في برازيل فكأن هذه المملكة وكانت في القديم تحت حكم البرتقاليين بدأت بنزع الملكية فحبت أمها الأصلية أن لا تقصر عنها في المطالبة بالحرية. فعم تغلب الأحرار أو الحزب الجمهوري على المحافظين بعد اضطرابات دامت سنين أدت إلى مقتل الملك كارلوس منذ نحو سنتين وعين ابنه عمانويل خلفاً له وها قد هاجر بلاده في الفتنة إلى جبل طارق مخافة أن تتناوله الأيدي بأذى كما تناولت من قبل أباه. ولما كانت للبرتقال صلة قديمة بممالك الشرق الإسلامي وحكومات العرب وكان هذا الانقلاب من الانقلابات التي لها علاقة كبرى بالتاريخ والاجتماع رأينا أن نأتي بنبذة قليلة من أحوالها السياسية والطبيعية عسى أن تكون منها بعض فائدة فنقول: البرتقال مملكة في الجنوب الغربي من أوربا يحدها من الجنوب والغرب البحر المحيط الأتلانتيكي أو بحر الظلمات ومن الشرق ومن الشمال مملكة إسبانيا ومنها ومن هذه المملكة تتألف شبه جزيرة أيبريا وتبلغ مساحتها السطحية ما عدا جزائر آمور ومادير ٨٨٩٥٤ كيلومتراً مربعاً وسكانها نحو ستة ملايين وعاصمتها لشبونة. ولا تفصلها عن إسبانيا تخوم طبيعية كأكثر الممالك وفيها أنهار جارية وجبال عالية وأعلى قممها الجبل المسمى رياسكا يبلغ ارتفاعه ١٥٧٨ متراً وحرارة البلاد معتدلة تتجاوز في الصيف في مدينة قلمرية قويمبرا ٣١ درجة وأمطارها غزيرة في الشتاء قليلة في الصيف وأنهارها حسنة جارية في الجملة وأعظمها ما ينبع من أرض إسبانيا ومنها ما يجري في أرض البرتقال. وأصول سكان هذه البلاد مزيج من عناصر وشعوب كثيرة فمنهم سلتيون وإيبيريون ولاتينيون وسويفيون وفزيغوتيون وكثير من المغاربة والإسرائيليين وبعض الزنوج ففي لشبونة والكراف تقرأ إلى الآنفي سحنات البرتقاليين السواد مما يستدل على كثرة من كانوا يحملون من الزنوج إلى لشبونة خلال القرن السادس عشر ( ١٠ إلى ١٢ ألف زنجي كل سنة) وكثير من أهل البرازيل. والدين الرسمي في البلاد الكثلكة أما سائر الأديان فالظاهر أنها حرة يتسامح مع أهلها. وتعد مملكة البرتقال من الممالك الدستورية وهي وراثية يتناوب الملك فيها ذكورها وإناثها وقد نشر دستورها الأول في سنة ١٨٢٦ ثم عدل سنة ١٨٥٢ والقوة التشريعية هي لمجلس الكورتس أو مجلس النواب والشيوخ والملك يصدق على ما يقرره ويتألف مجلس الأمة من مجلس الأعيان ومجلس نواب وعدد الأعيان ٥٢ عضواً وراثياً و ١٣ قسيساً و ٩٠ عضواً يعينون مدة حياتهم وفي مجلس النواب ١٣٨ منهم سبعة عن المستعمرات ينتخبون من الشعب مباشرة من الأشخاص الذين حصلوا على بعض الرتب والألقاب العلمية أو ممن لهم دخل سنوي يربو على ألفي فرنك. وللملك أن يدعو هذا المجلس أو يحله وهو يعين رئيس الأعيان ويصدق على تعيين رئيس النواب. والأمة تنتخب نوابها مباشرة ولا يسوغ للملك أن يتغيب عن المملكة أكثر من ثلاثة أشهر بدون أن يأذن له المجلس والوزارة مؤلفة من وزير الداخلية ووزير المعارف والفنون الجميلة ووزير المالية والعدلية والمذاهب ولحربية والبحرية والمستعمرات والخارجية والأشغال العمومية والتجارة والصناعة. وتقسم البلد إلى إحدى وعشرين مقاطعة ولكل واحدة عامل يعينه الملك ولكل ولاية مجلس عام انتخابي ولجنة إجرائية. وهذه البلاد زراعية وأرضها موزعة كثيراً في الشمال وليست كذلك في الجنوب على أن عدم النظام في تقسيم الأراضي وهجرة السكان أضرت بالبلاد ضرراً بالغاً. وأهم غلات البلاد الكرم تكاد تكون زراعته عاماً ومنه يخرج الخمر الجيد والحبوب تكثر في الشمال كما تكثر الغابات والأشجار المثمرة في الجنوب. وتكثر فيل تربية الماشية ودود الحرير والنحل. ولها موارد عظيمة من الصيد. ومعادن البلاد كثيرة في الجملة ومنها الثمين إلا أن الفحم الحجري لا أثر له فيها ويكثر الملح في شطوطها البحرية وفيها عدة ينابيع معدنية يستفاد منها أكثر مما تستثمر مناجمها. والسواحل هي المراكز الصناعية في البلاد ومنها أعمال الحديد والآلات الحديدية وصنع السكاكين والمدى والنسج والغزل والدباغة والنجارة ومعامل القفافيز (الكفوف) والأحذية والدانتلة والمربيات والتبغ وغيره والخدمة العسكرية فيها إجبارية تكون ٢٥ سنة منها ثلاث سنين في الجيش عاملة وخمس في الرديف الأول ويخدم فيها الجندي شهراً واحداً كل سنة ليتعلم. وقدرت واردات الحكومة في السنة الماضية بنحو ١٥.٨٥٥.٠٠٠ جنيه ونفقاتها بنحو ١٦.١٥٧.٠٠٠ ويبلغ دينها ١٢١.٦٠٠.٠٠٠ جنيه ووارداتها زهاء خمسة عشر مليون جنيه وصادراتها نحو نصف ذلك والتعليم الابتدائي إجباري فيها لكنه كما في المملكة العثمانية اسم بلا جسم حتى بلغ عدد الأميين فيها منذ عشرين سنة ٨٧ في المئة وهو مما لا نظير له في مملكة أوربية صغرى وفيها مدارس عالية كثيرة منوعة وعدد جيشها العامل ٣٠ ألفاً وتستطيع أن تجند ٢٥٠ ألفاً أيام الحرب ولها بحرية فيها ٦٠٠٠ ضابط وعسكري. وللبرتقال مستعمرات عظيمة لكنها جزء من مستعمراتها القديمة وكانت البرازيل من جملتها أيام كان للبرتقال القدح المعلى في استعمار أفريقية وجنوبي آسيا. ويبلغ مجموع مساحة مستعمرات البرتقاليين الآن ٣.٨٥٠.٠٠٠ كيلومتر مربع فيها نحو عشرين مليون ساكن. فلها جزائر آسور ومادير في المحيط الآتلانتيكي وجزائر الرأس الأخضر وسنغامبيا البرتقالية وغينة والقديس توما وجزيرة الأمير في أفريقية الغربية ولانكانا وكابندا ثم أنكولا وبنكولا وموساميد. ولها في أفريقية الشرقية مملكة موزنبيق ونصف تيمور وكامبنج مما يدل على أن جزائر السوند كان يملكها الملاحون الأوائل من البرتقاليين وكانت هذه المملكة في القديم جزءاً من لوزيتانيا استعمر الفينيقيون شطوطها ثم استولى عليها الرومان خمسة قرون ونصفاً وتقلبت بها الحال حتى أوائل القرن الثامن للميلاد فاستولى عليها المسلمون وضموها إلى مملكة الخلافة ولم يلبث ملوك النصارى في أستوريا أن توسعوا في فتوحهم إلى جنوبي الجبال وطردوا المغاربة إلى غاليسيا واحتلوا لشبونة سنة ٩٥٣ . ومن ذاك العهد نشأ اسم برتقال لمقاطعة بورتو واشترك البرتقاليين في محاربة المسلمين وإجلائهم عن الأندلس وهزموا المسلمين كما يقول لاروس في معجمه في معركة سانتارم ( ١١٨٤ ) وساعدوا أهل قشتالة في حرب لاس نافا دي تولوز ( ١٢١٢ ) وسالادو ( ١٣٤٠ ). ونشأ للبرتقاليين بفضل عقول أمرائها بحرية عظيمة وقام منها سياح عظام منهم الذين اكتشفوا جزائر مادير والرأس الأخضر والكونغو ورأس الرجاء الصالح كما وصلوا إلى جزائر مالابار والصين والهند واليابان. وتجارة العطور والأباريز والأفاوية أغنت البرتغال قديماً في الزمن الذي أخذت فيه تعتني أيضاً بالآداب والصناعات. وقد كان لديوان التفتيش الديني فيها كما كان في إسبانيا شأن يذكر وأسس فيها سنة ١٥٢٦ . وكان من وفاة ملكها الدون سباستيان في وقعة القصر الكبير أن خلت المملكة في يد فيليب الثاني ملك إسبانيا إلا أنها حاولت أن تتخلص منه أما هو فجعل بلادهم خديوية قشتالية ومنعهم من الإتجار مع شذاد الآفاق من أهل بلاد القاع (هولاندة) فأخذ هؤلاء يجلبون الأباريز والأفاوية تواً من بلاد الشرق وانكسر الأسطول البرتقالي سنة ١٦٠١ في بانتام من أعمال جاوة واستولى الهولانديون على جزائر السوندوبنوا باتاويا وحلوا في سيام وسيلان واليابان وعلى شواطئ غينية وغويان. وفي سنة ١٦٤٠ انتفض إقليم كاتالونيا على صاحب إسبانيا فنزعت البرتقال يدها من الحكم الإسباني وبايعت دوك باراكانس ملكاً فلما لمت المملكة البرتقالية شعثها حاربت إسبانيا خمساً وعشرين سنة واستعادت بعض مستعمراتها إلا أنها تركت بومباي للإنكليز سنة ١٦٦١ وفي الربع الأول من القرن التاسع عشر انفصلت برازيل عنها. وإذا مالت برتقال إلى إنكلترا أكثر من فرنسا لم تساعدها هذه أكثر في أزماتها السياسية وقد قامت في القرن الماضي بإصلاحات اقتصادية مهمة منها وضع أصول الكاداسترا على الأراضي وإلغاء الرقيق من المستعمرات وابتياع أملاك الرهبان وتمديد الخطوط الحديدية وإصلاح أصول المالية. والدليل على أن المسلمين حكموا تلك البلاد مدة سريان ألفاظ كثيرة إلى لغتهم من العربية وهي أقل مما في لغة أهل قشتالة وقد ألف دوزي المستشرق الهولاندي كتاباً في الألفاظ التي أخذتها البرتقالية والإسبانية من اللغة العربية ويبلغ عدد المتكلمين بالبرتقالية في برتقال وبرازيل وجزائر الرأس الأخضر وغيرها من المستعمرات البرتقالية في المحيطين والهند الصينية نحو عشرين مليوناً. وكانت هذه البلاد جزءاً من الأندلس ويطلق عليها اسم البرتقال وهذا هو اسمها في كتب العرب لابورتغال أو بغير واو وعاصمتها لسبون التي يذكرها العرب باسم لشبونة وأشبونة والأشبونة ولا تزال في مدينة شنترة حصون العرب على قمم الجبال وبجانب بعضها مسجد باقية آثاره إلى الآن وعلى مقربة منه قبر دفن فيه القوم عظاماً وجدوها ولم يعلموا أنها للمسلمين أو للنصارى فوضعوا على رجام القبر صورة للصليب وصورة للهلال والقسم الذي كانت تسكنه العرب في لشبونة يعرف عندهم باسم الحمة لا بتشديد الميم ويسميه البرتقاليون الآن من باب التحريف الفاما ومنظر هذه المدينة يشبه المدائن الشرقية. ومن أمهات مدن البرتقال مدينة كوييمبرا المعروفة في كتب العرب باسم قلمرية وهي الآن دار العلم ومحط المعارف في بلاد البرتقال. ومنها مدينة بورتو واسمها في كتب العرب برتقال وبها يسمى هذا القطر برتقال كما نقول نحن الآن طرابلس وحاضرتها طرابلس وتونس وحاضرتها تونس وكما نقول بني سويف وبندرها بني سويف والفيوم وبندرها الفيوم والمنيا وبندرها المنيا وهكذا في أسيوط وقنا. وفي مدينة البرتقال هذه آثار كثيرة ولكن العرب لم يخلفوا فيها شيئاً يذكر لأنهم كانوا يجيئونها فاتحين ثم يجوزونها إلى غيرها من البلاد ولم ترسخ فيها قدمهم وقد تألف التجار على إنشاء دار البورصة على الطراز العربي ونقشوا أكبر بهو فيها بحسب الأسلوب العربي وزينوه بالزخارف وكتبوا في ضمن رسومها البديعة أشعاراً عربية وفي جميع الطرازات هذه العبارة (عز لالانا السلطانة مريم ٢ ) يريدون عز لمولاتنا السلطانة مريم الثانية اهـ. أما القول بأن العرب كانوا يجيئون البلاد فاتحين ثم يجوزونها إلى غيرها فمسألة فيها نظر بعد أن قال ياقوت أن شنترة ملكها الإفرنج (أي من المسلمين) سنة ٥٤٣ ونسب إليها قوم من أهل العلم. ولا يخرج من دولة علماء إلا إذا رسخت أقدام حكومتها في البلاد. وقال في شنترين أنها مدينة متصلة الأعمال بأعمال باجة في غربي الأندلس ثم غربي قرطبة وعلى نهر تاجه قريب من انصبابه في البحر المحيط وهي حصينة بينها وبين قرطبة وعلى نهر تاجة قريب من انصبابه في البحر المحيط وهي حصينة بينها وبين قرطبة خمسة عشر يوماً وبينها وبين باجة أربعة أيام وهي الآن للإفرنج ملكت سنة ٥٤٣ . وقال في قلمرية: بضم أوله وثانيه وسكون الميم وكسر الراء وتخفيف الياء مدينة بالأندلس وهي اليوم بيد الإفرنج. وفي لشبونة ويقال لها أشبونة بالألف وهي مدينة يتصل عملها بأعمال شنترين وهي مدينة قديمة قريبة من البحر غربي قرطبة وفي جبالها البزاة الخلص ولعسلها فضل على كل عسل الذي بالأندلس يسمى اللاذرني يشبه السكر بحيث أنه يلف في خرقة فلا يلوثها وهي مبنية على نهر تاجه والبحر قريب منها وبها معدن التبر الخالص ويوجد بساحلها العنبر الفائق وقد ملكها الإفرنج في سنة ٥٧٣ وهي فيما أحسب في أيديهم إلى الآن. وأصرح من هذا ما قاله المراكشي قال وفي الحد المتوسط ما بين الجنوب والغرب من المدن مدينة طليطلة وكوطنكة وإقليج وطلبيرة ومكادة ومشريط ووبذ وإبلة وشقوبية هذه كلها يملكها الإدفنش وتسمى هذه الجهة قشتالة وتجاور هذه المملكة فيما يميل إلى الشمال قليلاً مدن كثيرة أيضاً وهي سمورة وشلمنكة والسبطاط وقلمرية هذه كلها يملكها رجل يعرف بالببوج وتسمى هذه الجهة ليون وفي الحد الغربي الذي هو ساحل البحر الأعظم أقيانس مدن أيضاً منها مدينة لشبونة وشنترين وباجة وشنترة وشنياقو ومدينة يابرة ومدن كثيرة ذهبت عني أسماؤها يملكها رجل يعرف بابن الريق. وذكر في سيرة ابي يعقوب يوسف عبد المؤمن أنه خرج سنة ٥٧٩ قاصداً غزو الأندلس قال: فقصد مدينة شنترين أعادها الله للمسلمين وهذه المدينة أعني شنترين بمغرب الأندلس وهي من أمنع المدائن يملكها وجهاتها مع بقلاد كثيرة هناك ملك من ملوك لنصارى يعرف بابن الريق وقد فصل ما وقع بينهما من الهزائم وكيف خرج أبو يعقوب وحمل في محفة وكيف هرب أبو الحسن المالقي الذي كان سبب هزيمة المسلمين إلى مكة ابن الريق فآواه صاحبه وأكرمه إلى أن بدا له من سوء رأيه أن يكتب كتاباً إلى الموحدين يستعطفهم وأدرج في ضمن ذلك فصلاً يذكر فيه ضعف المدينة فأطلع الرجل الموكل به وكان يعرف العربية سراً فقبض عليه فشاور ابن الريق قسيسه في أمره فأشاروا عليه بإحراقه فحرقه. وذكر المراكشي أنه كان يملك الثغر الذي من الجهة الشمالية من الأندلس (بعد انقطاع الدعوة الأموية عنها) وبعض المدن لمجاورة للبحر الأعظم ابن الأفطس المتلقب بالمظفر ثم كان له ابن اسمه عمر يكنى أبا محمد تلقب بالمتوكل على الله كان يملك بطليموس وأعمالها وبابرة وشنترين والأشبونة قال: اتصلت مملكته إلى أن قتل المرابطون أصحاب يوسف بن تاشفين ابنه المتوكل في غزة سنة ٤٨٥ وكانت أيام بني المظفر بمغرب الأندلس أعياداً ومواسم وكانوا ملجأ لأهل الآداب وفيهم يقول ذو الوزارتين أبو محمد عبد المجيد بن عبدون من أهل مدينة يابرة قصيدته المشهورة التي مطلعها: الدهر يفجع بعد العين بالأثر فما البكاء على الأشباح والصور وبهذا علمت أن العرب استولوا على برتقال مدة لا تقل عن مائة وخمسين سنة فنبغ فيها رجال منهم وخلفوا آثاراً لا تزال شاهدة بفضل تقدمهم في العمران وأن هذه المملكة التي انقطعت الآن بينها وبيننا أنواع الصلات كانت من جملة ممالك الشرق وإن كانت غربية وأن لسانها اقتبس من لساننا وأن التعصب الذميم الذي تم على يد القساوسة منذ القديم كان من المعجلات في نزع الملكية وقيام الجمهورية الآن. وقد كان أول عمل للجمهوريين طرد جماعة اليسوعيين من بلادهم واستصفاء الأديار والقضاء على الرهبان والراهبات لأنهم لم ينسوا بعد مسعى رجال الدين في مقتل فرر رجل الإسبان الحر في العام المنصرم قتلوه بواسطة الحكومة على أبشع صورة عرفت في عصر النور والمدنية فلما ظفر الأحرار بالمحافظين قضوا القضاء المبرم عليهم وعلى تقاليدهم ليعرفوهم ويعرفوا الحكومات التي تعمد إلى الشدة في معاملة أمتها أن الناس لا يحكمون إلا باستمالة القلوب وأن القوة إذا خيف منها زمناً فقد يأتي آخر يستهين بها أهله فيستميتون ويستبسلون. والضغط لا يزيد النفوس الأبية إلا مضاء. وهكذا أهين رجال الدين ولاسيما اليسوعيين وطردوا أو كادوا من البرتقال كما طردوا من فرنسا قبل وحرم عليهم دخول سويسرا وتوشك سلطتهم أن تنتزع أيضاً في إسبانيا لمتاخمتها أرض البرتقال وإذا صحت عزيمة البلادين المتجاورين على إنشاء مملكة واحدة كما هو فكر بعض الخاصة هناك تصبح جمهورية إسبانيا والبرتقال وأحر بها أن تسمى جمهورية أيبريا من الحكومات القوية ذات الشأن العظيم، وربك يفعل ما يشاء ويختار. رحلة إلى قلمون الأسفلالمقتبس م٤ ص ٣٥٩ على أربع ساعات من شمالي دمشق واد منبسط بين جبلين متسامتين طوله من سفح ثنية العقاب إلى مزرعة الناصرية لا يقل عن ست ساعات وعرضه ساعتان تربته بيضاء ورباعه مخصبة ومياهه موفورة بحيث لو حفرت عشرة أذرع أو أكثر ينبط الماء غزيراً مع أن الجبلين المتناوحين من شمال الوادي وجنوبه لا شجر فيهما ولا غابة تزينهما. ولو كانا مغروسين بالسنديان والزان والبلوط والشوح لكان هذا الوادي بأمطاره الغزيرة وريه المتواصل أشبه بأخصب السهول الشندشية ولذا كان جبل قلمون ضعيفاً بريه وإن لم يكن كذلك بزكاء تربته والمعالي والأسفل أو التحتاني منه متشابها وإن كانت سهوله أخصب من آكامه وتلعاته ومياه الأعالي أعذب من مياه الأسفل. وفي قلمون الأسفل من القرى والأمهات ما يطلق على أمثاله في ديار الغرب اسم بلدة وذلك مثل الرحيبة وجيرود والمعظمية والقطيفة وضمير وكلها ذات تاريخ قديم وعمران طبيعي وهي بكثرة نفوسها يزيد عمرانها اليوم كلما انبسط السلام فيها وأمن أهلها على مواشيهم من غارات أشقياء الصفا وجبل الدروز المجاورين لهم من جهة الجنوب والجنوب الشرقي على مسيرة يوم من هذه البلاد. ولقد كان عرب الصفا واللجاة وجبل حران يغزون من سنين أهل قرى القلمون الأسفل في عقر دارهم ويرعون زروعهم وينهبون ناطقهم وصامتهم ولذلك ضعف عمران تلك الديار حتى على قيد غلوة من القصبات والدساكر فأصبحت إلا قليلاً مزارع حقيرة ومداشر. وقلت الأشجار فيها حتى في ضواحي الثرى وعلى شواطئ الجداول والأنهار لأن الفلاح أصبح لا يفكر إلا في رزق سنته فإذا نجا عامه من شرور النهب فهو سعيد آمن وإلا فيقضى عليه أن يعيش في فقر ليس بعده فقر وذلة هي الموت بعينها أو يهيم على وجهه إلى إقليم آخر يكون أقرب إلى الأمن والأمان يطلب معاشه بالعمل مأجوراً وكان يستطيع أن يعيش أميراً من أرض أورثه إياها آباؤه وأجداده لو كان له حكومة تفكر فيه وتدفع عنه بوائق الدهر وعواديه وتعرف أن ما تتقاضاه إياه من الضرائب والإتاوات ليس إلا لتحميه. ومن الغريب أن الأمن ما كاد يرفع رواقه في هذه الديار وتنتظم أصول الإدارة بالنسبة لما عليه في القرن الماضي مثلاً حتى سرت إلى الأهلين هنا نغمة الهجرة إلى أميركا فغدا هذا الجبل بمن هجره شقياً وكان يسعد بهم لو توفروا على خدمة أرضه واستثمار شجره واستنبات غلاته وتعدين مناجمه والعلم لاستبحار عمرانه ولا يقل عدد المهاجرين من هذا الوادي عن خمسمائة من أصل نحو عشرين ألف نسمة وكل يوم يزيد نازحهم وقلما يعود أحد منهم. يذهب الشبان الأقوياء ويبقى في الأكثر الأطفال والكهول والشيوخ حتى كادت تسوء الظنون في مستقبل هذه البلاد وهي إذا لم توفق إلى النهوض بنشاط شبانها هيهات أن تعمر بتكاسل شيوخها وكهولها وخمولهم. قلنا تعدين مناجمها لأن جبالاً من مثل هذه لا تخلو من مناجم فإذا كانت بقعة واحدة هي جيرود وما إليها تحتوي في جملة ما تحتوي من الغلات والثمرات على أربعة أصناف من العناصر التي تقل أو لا توجد في غيرها فما بالك لو بحث في قرى هذا الجبل وحده عما يكنه صدره من الخيرات الطبيعية. نعم في جوار جيرود على مسافة ساعة منها المملحة التي يصدر منها الملح الجيد للطعام وتكفي ألوف القناطير التي يمكن استخراجها من سورية بأجمعها ولذلك يكتفى باستخراج كمية قليلة منه لأن في جوار تدمر وحماة وصفد مملحات أخرى ينتفع بملحها دع عنك ما في سائر الأقطار العثمانية من هذا الجزء المفيد. وبالقرب من المملحة معدن الجبس أو الجبصين ينبشونه من الأرض قطعاً مستطيلة بطول شبر أو شبرين وعرض ثلاثة أصابع وثخن إصبعين يستخرج العامل القنطار الشامي منه بسبعة قروش وقد لا يستخرج قنطاراً منه في اليوم الواحد فيأخذه ضامته من إدارة الغابات أو المعادن ويجعله في تنور كبير يحرقه وعندها يستحيل إلى جبس يدخل في الأبنية والتبليط والنوافذ وغير ذلك. هذان هما المعدنان أما النباتان فهما نبات القلي أو الإشنان يقطعونه ويجعلونه في حفر يوقدون فيها النار فيستحيل إلى قلي. ومن شواطئ المملحة التي لا يقل طولها عن ساعتين وعرضها عن ساعة ينبت السل أو قش الحصر وهذا القش يخرج في بقاع أخرى ولكن أحسن القش ما خرج من جيرود ولذلك ترى كل حصري في دمشق يحرص على أن ينسج حصره من قش جيرود لمتانته وروائه. فبلاد هذا بعض مغلها الطبيعي خصت بزكاء المنبت وجمال الطبيعة تخرج منها الحبوب على أنواعها والثمار على اختلاف أشكالها ثم يظل أهلها في جهالة على قربهم من دمشق أم المدن السورية بل عاصمة هذه البلاد العربية وذلك لقلة المواصلات بينهم وبينها ولأن الحكومة لا يهمها إلا أن تأخذ من أهلها حقوقها ولا تقوم بما يجب عليها من حقوق. ولو كان الهالي في قلمون والمرج والغوطة يفكرون في مستقبل بلادهم حتى التفكير ويحبون أن يبقى أولادهم لهم لا أن يبروهم لينزحوا إلى أميركا ويتشتتوا في البلاد لطلبوا من الحكومة امتياز سكة حديدية ضيقة كالمعروفة في مصر بالسكك الحديدية الزراعية وبذلك تصدر الصادرات على أيسر وجه وتتساوى في الأبعاد القرى القاصية والدانية. بالسكك الزراعية أحيي موات مصر وقربت مسافاتها والتحمت أجزاؤها وإذا كان يتعذر الآن ربط دمشق ببغداد بسكة حديدية تجتاز الغوطة والمرج وقلمون والقريتين وتدمر إلى العراق لاختلاف المصالح السياسية فلا اقل من أن يقوم أغنياء دمشق وهذه الأقاليم ينشئون سكة ضيقة تصل بين هذه القصبات بوصلة العمران ففي الغوطة من أمهات القرى مثل دومة وعربيل وجوبر وسقبا وفي المرج مصل ضمير وعتيبة وعذراء وفي قلمون مثل يبرود ودير عطية وقارة والنبك وجيرود والرحيبة والقطيفة وغيرها ما يجدر بأرباب الأموال أن يتدبروه ويضموا أشتات هذه الأجزاء المتفرقة التي لا تجد بينها طريقاً معبداً ولا بريداً ولا سلكاً برقياً ولا طبيباً ولا صيدلياً ولا كاتباً ولا حاسباً بل تجد فيها الناس يعيشون بعيدين عن محيطهم لا يعرفون عنه أكثر مما يعرف ابن السودان عن سكان مراكش في حين ترى المسافات قريبة وأبعد قرية عن الفيحاء لا تبعد مائة كيلومتر أو يوماً وبعض يوم على ظهور المطايا. مثال ذلك أننا قصدنا إلى هذا الجبل يوم وقفة عيد الصغير فكان الفلاحون يسألوننا كلما وقفنا لنريح مركباتنا فيما إذا كان ذاك اليوم من رمضان أو أنه رؤي هلال العيد وثبت في دمشق أما من كنا نسألهم عن فتنة جبل الدروز فكانوا لا يعرفون من أمرها إلا أن الحكومة جيشت جيشاً عليهم ولا يعرفون ما تبع ذلك من تأديب الدروز على حين هم أحق الناس بالفرح بهزيمة الأشقياء لانتشار ظل الأمن في تلك الربوع ولأنهم طالما تأذوا بهم ونهبت مواشيهم وقتل رعاتهم وزراعهم. ولا سبيل إلى عمران هذه البلاد إلا بالأمن والعم فمن جملة أسباب الأمن مد الخطوط الحديدية الزراعية التي تقل نفقاتها وتكثر فوائدها المادية والمعنوية فتتضاعف أثمان الأراضي هنا كما يتضاعف دخلها وتكثر أشجارها ومواشيها والعلم لا ينتشر إلا إذا هب أعيان البلاد وعقلاؤها إلى إنشاء مدارس لأبنائهم خاصة تجري على غير الخطة التي يسير عليها ديوان المعارف. تسير في التعليم على طريقة يتعلم بها الفلاحون لغتهم فقط بحيث يقرؤون ويكتبون فيها في الجملة ويعرفون المبادئ الأولى من الحساب والطبيعة والنبات والحيوان وشيئاً من تربية المواشي وحفظ الصحة والرياضة البدنية وأصول الدين. يعلمون كل ذلك بالعمل أكثر من النظر. فلو قامت في كل قرية من قرى قلمون مدرسة ابتدائية كالتي أنشأها في جيرود محمد باشا الجيرودي ووقف عليها بستاناً فيه صنوف الثمار لا يقل ريعه السنوي عن عشرة آلاف قرش لأصبح قلمون بعد عشرين سنة أرقى جبال سورية لما فطر عليه أهله من الذكاء والنشاط. نعم استحق الزعيم المنوه به كل شكر لأنه جرى على غير سنة كبرائنا في السخاء فكان فيما نظن ثاني رجل في هذا القرن الرابع عشر وقف على العلم في سورية مثل هذا الملك الذي لا يقل ثمنه الآن عن ثلاثة آلاف ليرة. والرجل الأول فيما نذكر محمد باشا المحمد من أمراء عكار وقف على مدرسة دينية هناك ما يكفيها. أما سائر أعياننا وأغنياءنا فلم يوفقوا إلا قليلاً إلى وقف ما يوليهم في دنياهم وآخرهم فخراً وذخراً ولعل أعيان هذه البلاد من الأسر العريقة في المجد تقدم بعد الآن بين يدي نجواها من البذل للعلم ما تقر به العين فيحذون بذلك حذو أغنياء الأقاليم في مصر الذين نهضوا بها وما أنشئوه لفلاحيهم من الكتاتيب في بضع سنين ما لا تنهض به أمة تنتظر من حكومتها أن تعلمها في قرن أو قرنين. وليت شعري متى تنبعث من دمشق نفحة من تلك الروح التي انبعثت في القاهرة ففاضت على أقاليم مصر فأحيتها حتى يكون حظ المصرين واحداً في النهوض اليوم كما كان كذلك في القرون الوسطى. مخطوطات ومطبوعات كتاب المثنى قال ابن ساعد: إن علم اللغة هو نقل الألفاظ الدالة على المعاني المفردة وضبطها وتمييز الخاص بذلك اللسان من الدخيل فيه وتفصيل ما يدل على الذوات مما يدل على الأحداث وما يدل على الأدوات وبيان ما يدل على أجناس الأشياء وأنواعها وأصنافها مما يدل على الأشخاص وبيان الألفاظ المتباينة والمترادفة والمشتركة والمتشابهة. ومنفعة الإحاطة بهذه المعلومات خبراً طلاقة العبارة والتمكن من التفنن في الكلام وإيضاح المعاني بالألفاظ الفصيحة والأقوال البليغة. ولقد طبعت كتب كثيرة في اللغة ولا يزال يظفر بأشياء لم يكتب لها الظهور ومما وقع إلينا من مكتبة أحد علماء هذه الحاضرة نسخة من كتاب المثنى تأليف حجة العرب أبي الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي الحلبي الذي ذكره السيوطي في بغية الوعاة فقال أنه عبد الواحد علي أبو الطيب اللغوي الحلبي الإمام الأوحد. قال في البلغة له التصانيف الجليلة منها مراتب النحويين، أطياف الإتباع، الإبدال، شجر الدر، وقد ضاع أكثر مؤلفاته وكان بينه وابن خالويه مناقشة مات بعد الخمسين وثلثمائة، وقال الصفدي: أحد العلماء المبرزين المتقنين لعلمي اللغة والعربية أخذ عن أبي عمر الزاهد ومحمد بن يحيى الصولي وأصله من عسكر مكرم قد حلب وأقام بها إلى أن قتل في دخوله الدمستق حلب سنة إحدى وخمسين وثلثمائة. وكتابه هذا في ١٣٠ ورقة أكبر من الربع عليه حواش وتعليقات مفيدة كتب على الحاشية أن أكثرها بقلم ابن الشحنة وابن مكتوم القيسي تلميذ أبي حيان وفيه نقص من وسطه ونقص قليل من آخره إلا أنه لا يحول دون الانتفاع منه لأن النسخة القديمة على ما يظهر وهي حسنة الخط بالشكل الكامل والصحة غالبة عليها بحيث يسهل تمثيلها بالطبع دون الرجوع إلى الأمهات لتصحيح ألفاظها وإثبات الروايات المعتمدة في ضبطها وليس في الكتاب تاريخ نسخه ويرجح أنها مما كتب في القرن السابع أو الثامن. جاء في مقدمته ما نصه: بسم الله الرحمن الرحيم اللهم صل على محمد النبي وعلى آل محمد. قال أبو الطيب عبد الواحد بن علي اللغوي: أنه ليس شيء من كتبنا وإن قصرت أبوابه وقلت أوراقه وضمر حجمه وصغر جسمه بأقل فائدة في معناه للمتعلم ولا أنر عائدة في مغزاه على المتفهم من غيره وإن أسهبنا فيه وأغرقنا في معانيه حتى طارت أصوله وانشرحت فصوله بل كان كل واحد بحمد الله على غاية ما يمكننا من الكمال فيما اقتصرنا به عليه ونهاية التمام فيما انتهينا به إليه وما من شيء توخيناه من ذلك ولا تعمدناه إلا لغرض الإفهام تحريناه وحرصنا على الإعلام الذي أردناه وكل من الله سبحانه وبه. فإذا كانت بغيتنا فيما نعانيه وإرادتنا فيما نعيده ونبديه معونة اللقن المستفيد والتقريب على ذي الفهم البعيد وإلحاق الكهام البليد بالذكي الحديد وكان ذلك لوجه الله خالصاً موفوراً لا نريد به جزاءاً ولا شكوراً فإنا غير قانطين من تفضله جل اسمه علينا بالإرشاد وتوفيقه إيانا للسداد والله عند الظن عبده وكافل لمن استرشده برشده ولا قوة إلا بالله. ونحن قاصدون في كتابنا هذا قصد ما ورد من كلام العرب مثنى في الاستعمال تثنية لازمة ومبتدئون بشرح وجوهه وتقصيها وذكر ضروب توسعهم فيها فنقول أن جميع ما ورد على ذلك من الأسماء عشرة اصناف الاثنان غلب إحداهما عليهما لقب واحد منهما يجمعهما لقب واحد الاثنان ثنيا باسم أب أو جد أو إحداهما ابن الآخر فغلب اسم الأب الاثنان اللذان لا يفردان من لفظهما الاثنان في اللفظ يراد بهما واحد الاثنان يثنيان وإن اكتفي بأحدهما لم ينقص المعنى وأما ما ورد من ذلك من الأفعال من الأفعال فصنفان من الفعل المبني على صيغة التثنية والمراد به تكرير الفعل. الفعل يجيء لفظه لاثنين ومعناه واحد ونحن نبوب هذه الأبواب ونأتي على ما فيها أو جمهوره إن شاء الله. هذا باب الاثنين غلب اسم أحدهما على اسم صاحبه قال الأصمعي وأبو عبيدة قولهم سار في الناس سيرة العمرين إنما يريدون أبا بكر رضي الله عنهما وقال الفراء محو ذلك وسمع معاذاً الهراء يقول لقد قيل سنة العمر ين قبل عمر بن عبد العزيز وجاء في حديث أنهم قالوا لعثمان رضي الله عنه نطلب منك سيرة العمرين فهذا يدلك على صحة ما قلنا. وهنا أخذ المؤلف يورد الأمثلة في هذا الباب مثل الحنتفان والزهدمان والبجيران والعتبان والعبدان والحيدان والعقامان والنافعان والشريفان والعشاءآن والأمقسان والقربان والقمران والمربدان والطلحيتان وأبانان والنيران والمشرقان والضمران والدحرضان والكيران والموصلان والصباحان والبصرتان والغدوان والمطران. وشرحها شرحاً موجزاً واستشهد لها بكلام العرب وأورد في باب التثنية لاتفاق اسميهما السعدان لسعد بن زيد مناة بن تميم وسعد بن زيد مناة ين تميم والمروان لمرو الشاهجان ومرو الروذ. والفرقدان والقطبان والناظران والوريدان والأجدلان والذراعان والمسجدان قال بعد الأمثلة الكثيرة في هذا الباب يفوت الإحصاء ويدخل فيه الأذنان والعينان والجبينان والحاجبان والخدان والوجنتان واللحيان والعارضان وما أشبه ذلك. وقال في بابا الاثنين غالب نعت أحدهما على نعت صاحبه مثل الأسمران الخبز والماء والأسودان التمر والماء والأخضران البحر والليل والأبيضان الخبز والماء والباكران الصبح والمساء ويقال لهما الرائحان والأبيضان الشحم والشباب. وقال في باب الاثنين جمعاً في التثنية وأورد لفظاً الأقهبان الفيل والجاموس الأحمران الخمر واللحم والأصفران والأسودان والأزهران والأيهمان والأعميان والأطيبان والأخبثان الخ. وأتى على هذا النحو في تفصيل الأبواب تفصيلاً حسناً وشرحها شرحاً أحسن. وقال في الإتباع الذي في أوله الألف: قال أبو ملك تقول العرب في صفة الشيء بالشدة أنه لشديد أديد وهو من الأد وألأد القوة إلا أن الأديد لا يفر قال الراجز: نضوت عني شرة وادا من بعد ما كنت حملا نهدا ويقال جيء به من عيصك وآيصك أين من حيث كان ولم يكن فالعيص الأصل والأيص إتباع الخ. وقال في الإتباع الذي في أوله الباء يقال أنه لحسن بسن وأنه لكثير بثير وأنه قليل بليل الخ وقال في التوكيد الذي في أوله الباء: يقال فر وله بصيص وأصيص وبصيص من الفزع وكله بمعنى الصوت الضعيف ويقال أنه لغض بض وغاض باض وهي الغضاضة والبضاضة قال أبو زيد والبضاضة رقة البشرة وقال الأصمعي هي رقة البشرة والبياض وقال أبو زيد قد يكون الاسم بضاً ويقال أن لسر بر وسار بار وأنهم لسارون بارون وسرون برون قال الشاعر: أخوة ما علمت سرون برون فإن غبت فالذئاب جياع وهكذا أتى بباب الإتباع على حروف المعجم فاستوفاه ولم نعثر في شيء من كتب اللغة المطبوعة على أكثر استيفاء لهذا المبحث من هنا. وفي آخر هذا الفصل البديع انتهى بحسب الظاهر الكتاب. وجاءت بعده قطعة أخرى في اللغة على تلك الشاكلة ولكنها تكاد تتجاوز ثلاثة أرباع الكتاب فمن أمثلته: الباء والشين يقال أرب على القوم وأرش عليهم إذا حمل عليهم ووشى بهم وهو يؤرب على القوم تأريباً ويؤرش تأريشاً ويقال غلام بلبل وش لشل إذا كان خفيفاً ظريفاً. وقال في الباء والفاء: أبو زيد يقال خذه بابانه وخذه بافانه أي بزمانه وحينه وأنشد: فهلا بافان وفي الدهر غرة تزور وفي الأيام عنك عقول وعلى هذه الصورة كانت سياقة هذه الأبواب المفيدة ولها نظائر من كتب اللغة المطبوعة. وهاك نموذجاً آخر: الجيم والقاف قال الأصمعي: يقال لكل ذي حانوت كربج وكربق والكربج والكربق أيضاً اسم الحانوت وهو فارسي معرب وسئل عن كثير فقال كربجاً قال أبو حاتم يعني صاحب حانوت ويقال هو الفالوذج والفالوذق وأعطاني من الشعير أو الحنطة كيلجة وكيلقة. أبو عمرو يقال أنه لحسن الجسم وحسن القسم بمعنى واحد والقسم هو الجسم بعينه وأنشد: طبيخ نحاز أو طبيخ أمهية دقيق العظام سيء القسم أملط ويقال انباجت عليهم بايجة الدهر وانباقت عليهم بايقة وهي البوايج والبوايق أي الشدائد والدواهي قال الشاعر وهو الشماخ يرثي عمر رضي الله عنه: قضيت أموراً غادرت بعدها بوايج في أكمامها لم تفتق وفي الحديث لن يؤمن عبد حتى يأمن جاره بوايقه أي دواهيه قال ابن ألأحمر: أخاف بوايقاً تسري إلينا من الأشياع سراً أو جهارا ومن الأمثلة الكثيرة ما ورد في العين والنون الأصمعي يقول أعطيته إعطاء وانطيته إنطاء بمعنى واحد ومنه قول الأعشى: جيادك في القيظ في نعمة تصان الجلال وتنطا الشعيرا والدعفص والدنفص من الرجال الزري المنظر القميء ويقال عسل الذئب يعسل عسلانا وينسل نسلانا وهو ضرب من المشي تضطرب فيه متناه وفي التنزيل: فإذا هم من الأجداث إلى ربهم ينسلون وشكا عمرو بن معدي كرب إلى عمر بن الخطاب رحمة الله عليه المعص فقال: كذب عليك العسل أي عليك بالعدو قال الشاعر: عسلان الذئب أمسى قارباً برد الليل عليه فنسل وهكذا تجد الكتاب من أوله إلى آخره سلسلة فوائد لغوية حرية بالتدبر والاستظهار ولو اتسع المجال لأكثرنا من الأمثلة وفيما أوردناه مقنع فعسى أن تصح عزيمة بعض الطابعين والمؤلفين على نشره ليضاف إلى المجموعة اللطيفة التي طبعت مؤخراً من كتاب اللغة مثل كتاب فقه اللغة للثعالبي والألفاظ الكتابية للهمذاني وتهذيب الألفاظ لابن السكيت والنوادر لأبي زيد والأضداد لابن بشار الأنباري والفصيح لثعلب وذيله للبغدادي وفصيح اللغة للهروي وفعلت وأفعلت للزجاج ومبادئ اللغة للإسكافي وأساس البلاغة للزمخشري والمقصور والممدود لابن ولاد وغير ذلك من المختصرات والمطولات كرسائل الدارات للأصمعي ورأس تلك الكتب الممتعة المخصص لابن سيدة المطبوع والمحكم له الذي يرجى طبعه عما قريب. أعمال الأعلامفيمن بويع قبل الاحتلام من ملوك الإسلام وما يجر ذلك من شجون الكلام تأليف لسان الدين ابن الخطيب طبع في بلرم صقلية سنة ١٩١٠ ص ٦٨ احتفل علماء الطليان في المشرقيات بمرور مئة سنة على مولد ميشيل آماري المستشرق الإيطالي الذي صرف حياته كلها في درس التاريخ الإسلامي ولاسيما ما كان متعلقاً منه بجزيرة صقلية التي دانت للمسلمين زمناً طويلاً فوضعوا لذلك كتاباً أتى كل واحدة بنبذة تاريخية أو اجتماعية نشرها. ومن جملة ما نشر هذا الجزء من تاريخ ابن الخطيب. تشره حسن حسني أفندي عبد الوهاب أستاذ التاريخ في المدرسة الخلدونية بتونس بدعوة مكن صديقنا الأستاذ نالينو الإيطالي ومكافأة لذكرى من خدم الإسلام والمسلمين في أوربا طيلة حياته وقد علق الناشر بالفرنسية شروحاً وحواشي على هذا الجزء تدل على بعد غوره وتدقيقه على أسلوب الأوربيين. وللكتاب مناسبة كبرى بتاريخ شمالي أفريقية وصقلية والأندلس وفيه ذكر من ولي الملك بصقلية قال لسان الدين في وصفها: قال أبو محمد الرشاطي: صقلية جزيرة كبيرة وصقلية اسم لإحدى مدنها الكثيرة وقلاعها الأثيرة وطولها مسيرة خمسة أيام وهي في البحر الشامي موازية لبعض بلاد أفريقية واق رب المواضع إليها من بلاد أفريقية رأس أدار بينهما اثنتي عشرة ومائتينيوكانوا قبل ذلك معاهدين ولافتتاحها خبر شهير. وقال أبو الحسن ابن جبير في رحلته يصف مدينة مسنة وأخبار ملوكها: هذه المدينة موسم تحار الكفار ومقصد جواري البحر من جميع الأقطار كثيرة الإرفاق برخاء الأسعار مظلمة بالكفر لا يقر فيها للمسلمين قرار أسواقها دافقة حفيلة وأرزاقها واسعة بأرغاد العيش كفيلة لا تزال بها ليلك ونهارك في أمان وإن كنت غريب الوجه واليد واللسان وذكر بعد مدينة مسينة المدينة المعروفة ببلارمة فقال فيها سكنى الحضر من المسلمين ولهم فيها المساجد والأسواق المختصة بهم والأرباض وسائر المسلمين بضياعها وجميع قراها ومدنها كسر قوسة وغيرها بهذه المدينة سكنى ملكها غليام وش أنه عجيب في حسن السيرة واستعمال المسلمين وهو كثير الثقة بهم وساكن إليهم في أحواله والمهم من أشغاله وزمنهم وزراؤه وحجابه وهم أهل دولته والمرتسمون بخاصته وعليهم يلوح رونق مملكته لأنهم في الملابس الفاخرة والمراكب الفارهة ولهذا الملك القصور المشيدة والبساتين الأنيقة وهو كثير الاتخاذ للقيان والجواري وليس في جميع ملوك الرومية أشرف منه في الملك ولا أنم ولا أرفع وهو يتشبه في تنعمه بالملك وترتيب قوانينه وتقسيم مراتب رجاله وتفخيم أبهته وإظهار زينته بملوك المسلمين. وملكه عظيم جداً وله الأطباء والمنجمون وهو كثير الاعتناء بهم شديد الحرص عليهم. ومن عجيب شأنه أنه يقرأ ويكتب بالعربية وعلامته الحمد لله حق حمده وكانت علامة أبيه الحمد لله شكراً لأنعمه. وجواريه وحظاياه في قصره مسلمات كلهن. وذكر لنا أن الإفرنجية من النصرانيات تقع في قصره فتعود مسلمة يعيدها الجواري المسلمات. وذكر مدينة شيلفود فقال هي مدينة ساحلية كثيرة الخصب واسعة المرفق منتظمة الأشجار والأعناب مرتبة الأسواق يسكنها طائفة من المسلمين وذكر مدينة ثرمة فقال هي أحسن وضعاً من التي تقدم ذكرها وهي حصينة تركب البحر وتشرف عليه وللمسلمين فيها ربض كبير لهم فيها مساجد وهذه المدينة من الخصب واسع الرزق على غاية وذكر المدينة التي هي حاضرة صقلية فقال هي أم الحضارة والجامعة بين الحسنيين غضارة ونضارة فما شئت بها من جمال مخبر ومنظر وموارد عيش أخضر عتيقة أنيقة مشرقة مونقة تتطلع بمرأة فتان وتتخايل بين ساحات وبسائط كلها بستان فسيحة السكك والشوارع تروق الأبصار بحسن موضعها البارع عجيبة الشأن قرطبية البنيان قد زخرفت فيها لملكها دنياه تنتظم بلبتها قصوره انتظام العقود في نحور الكواعب وتنقلب في بساتينها ويادنيها بين نزهة وم لاعب فكم له فيها لأعمرت من مقاصر ومصانع ومناظر ومطالع وكنائس قد صيغ من الذهب والفضة صلبانها وديارات قد زخرف بنيانها وللمسلمين بهذه المدينة رسم باق من الإسلام يعمرون أكثر مساجدهم ويقيمون الصلاة بأذان مسموع ولهم أرباض قد انفردوا بها بأسمائهم وبكنائسهم ولهم فيها قاضٍ وجامع يجتمعون للصلاة فيه ويحتفلون في وقوده وأما المساجد فكثيرة ولا تحصر وأكثرها محاضر لمعلمي القرآن وأطنب في شبهها في مدينة قرطبة. وذكر مدينة طرابنش وأطنب في ذكر الجميع بما لا مرغب في إطالته إذ يجر التفجع ويثير التوجع أعاد الله دار إيمان بقدرته اهـ. وذكر من ولي على هذه الجزيرة من الملوك إلى أن تغلب عليها الروم واستولى عليها رجار ملك النصارى في زمن المرابطين على عهد الأموي المستعلي من ملوك الشيعة بمصر عندما استولت الروم على بيت المقدس والجزائر أو قبل ذلك بيسر وتداول هذه الجزيرة أمراء إلى أن انقطع عنهم إمداد المسلمين لاشتغال كل جهة بما يخصها من الفتن فكان استخلاص العدو لها في سنة خمس وثمانين وأربعمائة وذكر المؤلف من خرج من هذه الجزيرة من المحدثين والعلماء والفقهاء والشعراء والكتاب مثل ابن حمديس الصقلي قدم على المعتمد بن عباد عند الجلاء لحادثتها فكان أثيراً لديه وهو القائل مما ألمَّ فيه بذكر صقلية: قضت للصبا النفس أوطارها وابلغها الشيب إنذارها نعم وأجالت قداح الهوى عليها فقسمن أعشارها وما غرس الدهر في تربة غراساً ولم يجن أثمارها فأفنيت في الحرب آلاتها وأعددت للسلم أوزارها كميتاً لها مرح بالفتى إذا حث باللهو أدوارها تناولها الكوب من دنها فتحسبه كان مضمارها وساقية زررت كفها على عنق الظبي أزرارها تدير بياقوتة درة فتغمس في مائها نارها وفتيان صدق كزهر النجوم كرام النجائر أحرارها يديرون راحاً تفيض الكؤوس على ظلم الليل أنوارها كأن لها من نسيج الحباب شباكاً تعقل طيارها وراهبة أغلقت ديرها فكنا مع الليل زوارها حدانا غليها شذا قهوة تذيع لأنفك أسرارها فما فاز بالمسك إلا فتىً يتيم دارين أو دارها كأن نوافجه عندها دنان مضمنة قارها طرحت بميزانها درهمي فسيل من الكاس دينارها خبنا بنات لها أربعاً ليفترعن اللهو أبكارها من اللاء أعصار زهر النجوم تكاد تطاول أعمارها تريك عرائسها أيدياً طوالاً تصافح أخصارها تفرس في شمسها طيبها مجيد الفراسة واختارها فتى دارس الخمر حتى درى عصير الخمور وأعصارها يعد لما شئت من قهوة سنيها ويعرف خمارها وعدنا إلى هالة أطلعت على قضب البان أقمارها يرى ملك اللهو فيها الهموم تثور فيقتل ثوارها وقد سكنت حركات الأسى قيان تحرك أوتارها فهذي تعانق عوداً لها وتلك تقيل مزمارها وراقصة لقطت رجلها حساب يد نقرت طارها وقضب من الشمع مصفرة تريك من النار نوارها كأن لها عنداً صفقت وقد وزن العدل أقطارها تقل الدياجي على هامها فتهنك بالنور أستارها كأنا نسلط آجالها عليها فتمحق أعمارها ذكرت صقلية والأسى يهيج للنفس تذكارها فإن كنت أخرجت من جنة فإني أحدث أخبارها ولولا ملوحة ماء البكا حسبت دموعي أنهارا ضحكت ابن عشرين من صبوتي بكيت ابن ستين أوزارها فلا تعمن عليك الذنوب إذا كان ربك غفارها وقد أجاد الناشر في التعليق على الرسالة بعض ما فات المؤلف من رجال صقلية أو هاجروا منها إلى أفريقية وذكر أناساً منهم فنشكره على تحفته. درس التاريخ الإسلامي تأليف الشيخ محي الدين الخياط. القسم الثاني طبع على نفقة المكتبة الأهلية في المطبعة العصرية ببيروت ص ٨٧ أجاد مؤلف هذا التاريخ بتسهيل مطالبه وتنسيق عباراته بحيث يتناول التلميذ على أيسر وجه بعبارة لطيفة وهذا الجزء يشتمل على تاريخ دولة الخلفاء الراشدين وما حدث من الأحداث الأولى في الإسلام. وكنا نود لو صحت عزيمة المؤلف على شكل مواضع الأشكال من عباراته حتى تقوى ملكته الفصيحة أو التلاوة المعربة في التلميذ وأن يعلق شرحاً خفيفاً في الهامش على بعض الأعلام ولاسيما الجغرافية فيكون التلميذ على بصيرة من مواقع البلاد التي تعرض له ويجتمع له منها مجموعة معجم صغير للبلدان التي فتحت للصدر الأول. وذلك مثل الجابية والبلقاء وبصرى والعربة واليرموك وقيسارية وعمواس وسبطية والرها وبرقة والقادسية والأهواز والجزيرة وكذلك بعض أعلام فارسية مثل مكران وطخارستان وماسبذان وابيبرود وطوس فإن التلميذ لا يقنعه أن تقول مكران من بلاد فارس خصوصاً وأن كثيراً من أسماء هذه البلاد قد تغير الآن عن أصله أو دثر برمتها. ثم إنا لاحظنا إيجازاً في العبارات كان يكون مخلاً في بعض المحال مثل اقتضاب الجملة التي قالها هرقل من الشام إلى القسطنطينية بائساً أنه إلى الشام وقال: السلام عليك يا سوريا سلاماً لا اجتماع بعده وقد كتب التاريخ أنه قال هكذا: السلام يا سورية سلامٌ لا اجتماع بعده ولا يعود رومي إليك أبداً إلا خائفاً حتى يولد المولود المشئوم ويا ليته لا يولد فما أحلى فعله وأمر فتنة على الروم. المهاجر السوري تأليف جميل أفندي بطرس حلوة في مطبعة جريدة الهدى اليومية في نيويورك ص ١٥٤ من أنفع الكتب الاجتماعية والاقتصادية التي نشرت بالعربية هذه الآونة هذا الكتاب الذي وضعه مؤلفه من مهاجرة السوريين في أميركا الشمالية لفائدة المهاجر السوري إلى أرض خريستوف كولمبس فقد بحث بثاً مستوفي فيما ينبغي للمهاجر عمله حتى ينجح بدأه بلمحة من تاريخ مهاجرة السوريين ونشوئها ومؤسسيها وعدد السوريين في الولايات المتحدة وأعمالهم وقد قال في ذلك أن الأحوال قد تحولت في الشئون وتبدلت وأميركا اليوم غير ما كانت عليه منذ خمس عشرة سنة وذلك ليكون المتخلفون في الوطن على ببصيرة وانتباه ولاسيما أن السياسة قد بشرت بالترقي والتحسن والحرية بالتقوى وسورية غنية بمناجمها وآكامها وريافها ومائها وهوائها ولا ينقصها إلا بذل الأموال عليها وتوجيه العزائم إليها حتى يفيض منها اللبن والعسل. وذكر أن الهجرة لا ترجع إلى أبعد من خمسين عاماً كان الباعث عليها اختلال المجاري الاقتصادية في السلطنة العثمانية. وقد أنكرنا عليه قوله أن الصواعق في عهد الحكومة الحميدية كانت تقع على رؤوس نصارى الشرق دون سواهم وعلى فلوسهم يعيش الجاسوس والمنافق لما ثبت لدى العارفين أن المسيحيين إن لم يكونوا سواء وإخوانهم المسلمين في المعاملة فقد كانت حقوقهم مرعية أكثر وقولنا في مسيحيي سورية لا في غيرها خصوصاً وأن أكثر المهاجرين من لبنان ولبنان باستقلال إدارته كان أكثر دعة من غيره من الولايات. وقال أنه هاجر إلى الولايات المتحدة فقط من سنة ١٩٠٥ إلى ١٩٠٨ خمسة آلاف نسمة وكلما نجح أفراد زادت الهجرة وفي الولايات المتحدة من السوريين الآن عدد يبلغ الثلثمائة ألف إذا حسبنا تكاثرهم على سبيل التوالد. وقد تكلم المؤلف بحرية فقال أن البعض من المتجولين على تقدير أنهم في بلاد غربة وعلى رغم أن لا رقابة عليهم ولا معاينة خلعوا عنهم تبعة الاستقامة والصدق والأمانة جارين بذلك على أنفسهم نقمة الوطنيين ولعنة المواطنين. وأجاد في كلامه على المرأة السورية المهاجرة وأشار إلى ما تتعرض له من الهوان وثلم الشرف بإتجارها وأشار بأن تعفى من هذه المذلة فالمال لا يكون شريفاً تحصيله من هذا السبيل. وعقد فصولاً كثيرة في المهاجرة والدولة ومقتضياتها واستئصال النخاسة وحماية العمال والخطر الأصفر وتفريق المهاجرين في الولايات عوضاً عن تجمعهم وضريبة الدخول على النفوس والفحص ومراقبة الحكومة وما ينبغي للمهاجر أن يكون له من المال ويكون عليه من الصحة والهندام. وتكلم على عمران الولايات المتحدة وأجاد فقال يكفي أن يقال عن مساحة الولايات المتحدة أن ولاية تكساس فقط منها تسع إنكلترا وجرمانيا وفرنسا وإيطاليا مجموعات! وأورد دستور الولايات المتحدة وحقوق الرعوية فيها ورئاسة جمهوريتها وتذاكر التجنس بالجنسية الأميركية وغير ذلك من القوانين النافعة لتصور حالة تلك البلاد وهو مما ينفع المهاجرين وغيرهم فنشكر للمؤلف تحفته التي نفع بها أبناء وطنه. كتب متفرقة مجلتان جديدتان سير العلم والاجتماع مدارس الصحافة حاول الغربيون أن يعلموا فن الصحافة في المدارس فأنشئت في باريس سنة ١٨٩٩ مدرسة للصحافة فلم تلبث أن أصبحت منتدى تقرأ فيه محاضرات ومسامرات وخطب في موضوعات لها علاقة بالصحافة. وفي ليل قام أوجين تافرنيه سنة ١٨٩٦ فألقى عدة محاضرات في وظائف الصحافي وفي لندن أنشأ ويليام روث مدرسة للصحافة يدرس فيها علاوة على كيفية كتابة المقالات أصول طبع الجريدة في أميركا ولاسيما في الولايات المتحدة أنشوا عدة صفوف في المدارس الكلية لتعليم الصحافة ولاسيما في فيلادلفيا وشيكاغو وأضافوا في ولاية كنساس إلى دروس التحرير والإنشاء درساً في كيفية جلب الأخبار وامتازت سويسرا وألمانيا في هذا الشأن فاشتركت برن وزوريخ وجنيف وهايدلبرغ وبرلين في تعليم فن الصحافة. قالت إحدى المجلات الإفرنجية بعد إيراد ما تقدم: ويا ليت شعري هل أثمرت هذه الأعمال ما كان يتوقع منها وهل دخل الإصلاح في الصحافة من هذا التعليم؟ فالجواب بالإيجاب صعب. فينبغي للصحافي مع ما يجب لصناعته من المعارف الفنية كفاءات منوعة ومزايا طبيعية وصفات في الثبات والإدارة ويصعب تعليمه هذه المهنة بدونها مهما أجلسناه على دكات المدارس على أنه لا ينكر أن التعليم العالي يجب أن يعنى بعد الآن بالمسائل المهمة التي تخوض الصحافة عبابها وأن مدارس الصحافة التي هي متممة للدروس العالية تخدم خدمة نافعة في هذا الشأن. الساحات للصحة قال الفيلسوف جان جاك روسو: إن نفس الإنسان مضر بالصحة. ولكن هذه القاعدة لم تطبق في المدن ولذلك كثرت فيها الأمراض فقد تبين بالاستقراء أن المدن التي تكون ساحاتها العامة أكثر والهواء والشمس يتخللها تق فيها الوفيات بالسل في لندن يقل عدد الموتى بالسل إلى ثلث عدد من يهلكون في باريس لأن ساحات لندن أكبر من ساحات باريس بثلاث مرات تصرف عليها الملايين لاعتقادها النفع منها للناس. قلنا فأين ساحاتنا في المدن الكبرى وحدائق النزهة. مكاتب الشعب قدم قيم مكتبة بلفنا الروسية إلى مؤتمر الكتب والمستندات في بروكسل تقريراً في خزائن كتب الشعب في بلغاريا فقال أنه يعضدها جمعيات مؤلفة أعضاؤها من أرباب الحرف المختلفة فلكل مكتبة محل فيه خزانة الكتب وغرفة المطالعة التي تعرض فيها المجلات والجرائد السياسية والمصورة. وقال أن مدينة بلفنا كان فيها سنة ١٨٨٨ _ ٨٠ مجلداً فأصبح فيها الآن ١١ ألفاً وأنه عول أن يجري على طريقة مجمع الكتب الدولي الذي عقد في بروكسل وهو أن تصف الكتب بحسب موادها وتجعل لها فهارس بذلك. يابان الاقتصادية نشرت يابان إحصاء بالحالة الاقتصادية في بلادها خلال سنة ١٩١٠ فبلغت مساحتها السطحية ٤٤٨٢٤٣ كيلومتراً مربعاً يدخل في ذلك جزائر فرموز وبسكادور وصقالين وكان سكانها سنة ١٩٠٩ _ ٥٣.٢٧٤.٩٨٠ منهم ٥١.١٦٩.٥٨١ في البلاد الأصلية وقد زاد السكان منذ سنة ١٨٩١ عشرة ملايين فيكون بذلك ١٣٣ ساكناً في كل كيلومتر مربع. وقد نظمت يابان ماليتها بعد الحرب الروسية اليابانية وسنت قواعد في الميزانية مملوءة بالحكمة وحددت الخرج والدخل السنوي بحيث تتحامى عقدة قروض جديدة وأن تسارع إلى وفاء ما عليها من الديون فلا تميل إلى أن تطلب أموالاً جديدة بل قللت ما أمكن ما كانت وضعته من الاعتمادات لبعض المشاريع وأرجأت دفع النفقات اللازمة لبعض الأعمال العامة وضربت لها مدداً متطاولة لتخف السنة بعد السنة. وعزمت هذه الحكومة أن تدفع كل سنة خمسين مليون يان أو ١٢٩.١٥٠.٠٠٠ فرنك كل سنة لوفاء الديون العمومية وأزمعت أن تزيد هذا القدر حتى تستهلك جميع الديون التي عليها ومع كل هذا فهي تزيد في ميزانيتها العادية وميزانيتها فوق العادة فكانت هذه السنة ٤٠٢.٨٦٠.٠٠٠ يان للأولى ١١٤٦١٩٩٧٨ ياناً للثانية وأهم النفقات التي زادوا فيها مخصصات الإمبراطور وزيادة رواتب الموظفين والضباط توسعة عل الجند وأكثر النفقات فوق العادة بذلت في استهلاك دين الإمبراطورية. وبداعي النظام الجديد في الجباية نزلت الضرائب على العقارات والسكر أحد عشر مليوناً ونصف مليون يان وزادت من جهة أخرى واردات الحكومة العادية بتحسن بعض الضرائب الأخرى واصلات الطوابع والبريد واحتكار الملح والكافور والتبغ. وقلت النفقات الغير عادية مليون يان فارتقت على حين فجأة إبان الحرب الروسية اليابانية إلى ٤٢٠ مليوناً. وبلغت تجارة اليابان الخارجية سنة ١٩٠٩ _ ٨٠٧.٣١١.٣٥٤ ياناً منها ٤١٣.١١٣.٠٠٠ من الصادرات و ٣٩٤ . ١٩٩.٠٠٠ في الواردات وأكثر صلات اليابان التجارية مع الصين والولايات المتحدة ثم تجيء فرنسا فألمانيا فإنكلترا. وطول خطوطها الحديدية ٥٠٢٠ ميلاً منها ٤٥٤٢ م لك الحكومة و ٤٧٧ تستثمرها شركات كلفت ٥٣٥ مليون يان ومع أن معدل دخل سكك الحكومة أكثر من دخل سكك الشركات فالحكومة تريد أن تجعل محاسبة خطوطها على صورة تجارية. فوائد التلفون نشر أحد الألمانيين كتاباً في الفوائد التي نجمت في التجارة من التلفون جاء فيه أن ما أنفقته ألمانيا إلى آخر سنة ١٩٠٤ ١٥٢٠٠ مليون مارك لإنشاء السكك الحديدية و ٢٦٤ مليون مارك لإنشاء الأسلاك التلفونية. وكانت الولايات المتحدة أنفقت إلى سنة ١٩٠٢ _ ١٨٢٣ مليون مارك وأن النظام الاقتصادي الحديث قائم اليوم على أساس نقل الأخبار بسرعة ففي الأسلاك التلفونية مبادلة للمفاوضات الشفاهية في بقعة واسعة من الأرض ولا تزال المسافات بين الأسلاك تبعد كلما كمل الفن وتم العلم والتلفون أفضل من التلغراف لكنه لا يقوم مقامه واستعمال التلفون يستلزم اقتصاداً عظيماً في الوقت وبه سهل تكاثر الصلات التجارية وكان يتعذر بدونها دوامها وساعد على اعتدال الأسعار وتحكم التجار فيها والتلفون أداة نافعة في تقسيم العمل وتوزيعه فالواجب تنزيل أسعاره حتى يشترك في منافعه الفقير والغني على السواء. النجاح الألماني كان من نتيجة آخر إحصاء قامت به ألمانيا منذ ثلاث سنين أن كان عدد سكان ألمانيا ٦٢.٠٣٦.٠٠٠ أخذت إفادات كافية عن ٦١.٧٢١.٠٠٠ ساكن وقد صرفت ألمانيا هذا الإحصاء الأخير وحده زهاء ستة ملايين مارك فكان عدد العاملين في الصناعات الرئيسية ومنهم الخدمة ومن لا موطن لهم والأشخاص المستقلون بلا عمل ٣٠ مليون وفي ألمانيا ٢٣ مليون أرباب الأملاك وموظفين فإذا حذف مجموع الأشخاص المستقلين وهم بلا صناعة تجد عدد العاملين ٢٦٨ مليون أي زهاء ٤٣ في المئة من مجموع السكان وكان سنة ١٨٨٢ ١٧ في المئة فقط. وتقسم هذه الصناعات والحرف إلى ثلاث أقسام رئيسية وهي الزراعة ويدخل فيها البستنة وتربية المواشي والغابات والصيد. والصناعات الصغرى والكبرى والتجارة والنقل وقد زاد عدد العاملين في كل فرع من فروعها وقل عدد المشتغلين بالزراعة على نسبة معتدلة فكان عدد العاملين في الزراعة سنة ١٩٠٧ ٣٢ مليوناً على حين بلغ هذا العدد ٤٣ مليوناً سنة ١٨٨٢ وبلغ عدد من يتعاطون الزراعة مباشرة في سنة ١٩٠٧ _ ١٧ مليوناً وعدد المشتغلون بالصناعات ١١ مليوناً وزاد عدد السكان سنة ١٨٩٥ إلى ١٩٠٧ نحو عشرة ملايين التهمت الصناعة منهم ثلاثة أخماسهم وربعهم انصرف إلى التجارة والنقل وهكذا كان بحسب الإحصاء الأخير ٢.٥٠١.٠٠٠ شخص من مديري الزراعات و ٧.٢٨٣.٠٠٠ من العملة و ٩٩.٠٠٠ من المستخدمين و ١.٩٧٧.٠٠٠ مدير في الصناعة و ٦٨٦.٠٠٠ مستخدم و ٨.٥٩٣.٠٠٠ عامل و ١.٠١٢.٠٠٠ مدير في التجارة و ٥٠٠.٠٠٠ مستخدم و ١.٩٦٠.٠٠٠ عامل. وزاد عدد الأشخاص العاملين بأكثر سرعة من عدد المعامل وكثر انضمام المعامل بعضها إلى بعض واحتفظت الزراعة بالقسم اللازم لها من السكان ونبذت الآخر بالعمل في التجارة والصناعة. مطالعات قال أبو العلاء المعري وأجاد في ما شاء: مثل الفتى عند التغرب والنوى مثل السرارة أن تفارق نارها إن صادفت أرضاً أرتك خمودها أو وافقت أكلاً أرتك منارها وقال الآخر وقد أبدع: وكم قائل ما لي رأيتك راجلاً فقلت له من أجل أنك فارس وقال البحتري ولم يبق مجالاً لقائل: الجاهلان اثنان من دون الورى فأفطن أخيَّ وإن هما لم يفطنا من قال ما بالناس عني من غني من جهله أو قال بي عنهم غني فضائل الهند ثلاثة وضع كتاب كليلة ودمنة المشهور والشطرنج والأرقام التسعة الهندية. قال يونس النحوي: الأيدي ثلاث يدٌ بيضاء ويد خضراء ويد سوداء فاليد البيضاء في الابتداء بالمعروف واليد الخضراء هي المكافأة على المعروف واليد السوداء هي المن بالمعروف. كتب رجل من العلماء إلى يزيد بن حاتم يستوصله فبعث إليه ثلاثين ألف درهم وكتب إليه (أما بعد فقد بعثت إليك بثلاثين ألفاً لا أكثرها امتناناً ولا أقللها تجبراً ولا أستثنيك عليها ثناء ولا أقطع لك بها رجاءً والسلام). إحصاء الحيوانات قدم الأستاذ سيبلي إلى مجمع ترقية العلوم البريطانية إحصاء أنواع الحيوانات قال فيه لقد كثرت منذ نحو نصف قرن الحيوانات ذوات الثدييات كثرة زائدة فبعد أن كانت ١٢٠٠ نوع أصبحت ٢٣٠٠ وبعد أن كانت أجناس الطيور ٣٦٠٠ ارتفعت إلى ١١٠٠٠ وكان عدد الدبابات ٣٤٣ فصارت ٣٤٠٠ وعدد الأسماك ٣٥٠٠ فأصبحت ١١٠٠٠ والحيوانات التي لا فقار لها كذات الصدف ١١٠٠٠ فعد منها ٣٣٠٠٠ والحيوانات ذوات القشر من ١٢٩٠ إلى ٧٥٠٠ والعناكب من ١٠٤٨ إلى ٣٠٧٠ والهوام من ٤٩١٠٠ إلى ٢٢٠.١٥٠ وأجراء البحر ونجومها من ٢٣٠ إلى ١٨٠٤٣ والديدان من ٣٧٢ إلى ٦٠٧٠ وكان مجموع الأنواع المعروفة سنة ١٨٤٠ _ ٧٣.٥٨٨ فأصبحت سنة ١٨٨١ ٣١١٦٥٣ وما زالت في ازدياد سنة عن سنة. إنكلترا والاقتصاديات نشرت الحكومة الإنكليزية إحصاءاً مهماً في الوفيات والولادات قالت فيه أن عدد الوفيات سنة ١٩٠٨ كان ١٥ في الألف في إنكلترا و ١٦ في الألف في البلجيك و ١٨ في بروسيا و ٢٠ في فرنسا وأن من يموتون من الأطفال في روسيا فاحش جداً فقد بلغ ٢٦٨ في الألف وقد تبين من هذا الإحصاء نجاح إنكلترا كثيراً في الأمور الاجتماعية منذ خمسين سنة وقلة المواليد فيها فقد كان معدل الولادات فيها سنة ١٨٥٠ _ ٣٣ في الألف فنزل سنة ١٩٠٥ _إلى ٢٧ في الألف وأن الفقراء يكثرون عن ذي قبل وكذلك يكثر إيداع الناس أموالهم في صناديق التوفير وتتسع دور العملة بفضل المجالس البلدية وتقل الأمراض المعدية وتزيد مسافة الانفراج بين غلاء المعيشة والمياومات وإن ما يشغل بال إنكلترا هو في الحقيقة مسألة العطلة الأسبوعية. حماية الأطفال في أميركا أنشئت أول جمعية لحماية الأولاد سنة ١٨٧٦ وفيها اليوم ٣٥٠ جمعية تتوخى هذا الغرض وأهم هذه الجمعيات هي في مدينة نيويورك في بناية عظيمة ذات ثماني طبقات خدمت الإنسانية خدمة تذكر فبمساعيها أبطل إكراه الأولاد على الشحاذة أو بيع الزهر في الليل ومنع الموسيقيون السيارون والباعة وغيرهم أن يستخدموا صغار الأطفال فإذا وصل إليها طفل تفحصه فحصاً طبياً فإن رأت فيه تشويهاً في بعض أجزاء جسمه تختار له عمل يوافق مزاجه وبذلك أنقذت منذ تاريخ تأسيسها ١٦٠.٩٧٧ طفلاً. الهواء الطلق وضع أحد علماء كوبنهاغن عاصمة الدنمرك طريقة جديدة في الاستشفاء فارتأى أن يسير المرء مكشوف الرأس حافي القدمين ويتجرد أبداً من الثياب فلا يكثر منها إذا أمكن وينام بدون قميص ويفضل السير راجلاً على ركوب المركبات والتراموايات والدراجات وقد اخترع نوع من القبقاب ليلبس في الأرجل بدل الأحذية المتعارفة حتى يتخلل الهواء الرجل على نحو الطريقة التي اخترعها الخوري كنيب في الاستحمام للاستشفاء بالماء البارد. أما الجوارب فقد حظر لبسها في الأرجل قال ولا بأس بوضع قماش مسرد على الساقين وقال أن النزلة الصدرية كادت تسطو عليه منذ بضع سنين فرأى أن يداويها في الحال بالمشي السريع فتصبب جسمه عرقاً ونجا من الإصابة بها. وقد أحدثت هذه الطريقة الجديدة في الصحة أخذاً ورداً بين الباحثين والعاملين في الغرب فكأن واضعها يريد أن يعود بالإنسان إلى العيش الطبيعي. الخط المائل والمستقيم اتفق جمهور من الأطباء في جلسة لهم في باريس على أن الخط المستقيم لا يتأتى معه للولد أن يجلس جلسة طبيعية بسبب التنقل الدائم في يده اليمنى فإن حركة ذراعه تحدث تعباً في الأعصاب فيكون هذا الخط متعباً جداً وبطيئاً جداً وتنشأ عنه أخطار الأولاد المستعدين لتشويه الجسم والكزاز (الشنج) الذي يصيب الكتاب أما الخط المائل فإنه يكتب على صورة أسهل من المستقيم ولذلك يقل إتعابه للولد وتكون به جلسته أكثر انضباطاً وهذه الطريقة هي التي يفضل تعليمها في المدارس وأن الخط المستقيم لا يحول دون حسر البصر كالخط المائل أو المنحني. نصائح للمعلمين والمتعلمين كتب أحد المشتغلين بتربية العقول أن التربية المدرسية يجب أن لا تختلف عن التربية البيتية فيفرض على التلامذة أن يعنوا بأسباب الحشمة والحرية والإرادة والنظر والتعقل وهكذا يتعلمون ما يجب بأنفسهم ولأنفسهم قال وإياك أيها التلميذ أن تحاول الرجم بالغيب فالتكهن هو صورة من صور الكذب. والتفت الكاتب إلى الأساتذة فنصح لهم أن يحترموا شخصية تلامذتهم كل الاحترام وأن يدركوا معنى التبعة التي تنوء عليهم ويقولوا في أنفسهم أن المدرسة إذا لم تسر سيراً حسناً فذلك ناشئ من المعلمين لا المتعلمين فعلى الأستاذ أن يحذر الغفلة والتوسع في الرحمة كالتوسع في الشدة وأن تكون مطالبهم من المتعلمين بحسب سنهم فيجب أن لا يخافهم التلميذ ولكن لا يبغضهم أن تكون تربيتهم استقلالية لا اتكالية أي لا كحالة الموظف مع سيده. وهنا وجه كلامه إلى المديرين فقال عليكم ألا تنسوا أن الواجب أن يعامل الناس بأكثر مما يستحقون.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_53.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.53.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
