<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.52.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.52.TEIP5:</urn>
<passage>صناعة النظم والإنشاء كان الوليد أبو عبادة البحتري معاصراً لحبيب بن أوس المعروف بأبي تمام وهما من أعيان أمراء الكلام وكلاهما طائي غير أن البحتري ولد بعد ذلك بأربعة عشر عاماً فما ترعرع وبدت فيه علائم النبوغ حتى كان أبو تمام في أوج مجده وبحبوحة اشتهاره فلصق به وتخرج عليه حتى إذا نبل شعره وسار ذكره قال أبو تمام إن شعر هذا الغلام قد نعى إليَّ نفسي فما اجتمع في طي شاعران مشهوران إلا مات أكبرهما وقد صدقت نبوءته هذه فإن أبا تمام لم يعش بعد قوله هذا أكثر من عام واحد ولقد مات عبطةً وهو دون الأربعين ولو عمر حتى اكتهل كالمتنبي أو شاخ كالبحتري لأتى بالآيات المعجزات ولأطبق الناس على كونه أمير الشعراء قديماً وحديثاً. وكان البحتري قد سأل يوماً أبا تمام أن يبين له الوجهة التي ينتحيها في نظمه والوتيرة التي يجري عليها توصلاً إلى الإجادة والإبداع فقال له: يا أبا عبادة تخير الأوقات وأنت قليل الهموم صفر من الغموم واعلم أن العادة جرت في الأوقات أن يقصد الإنسان لتأليف شيءٍ أو حفظه وقت السحر إذ تكون النفس قد أخذت حظها من الراحة وقسطها من النوم. وإن أردت التشبيب فاجعل اللفظ رقيقاً والمعنى رشيقاً وأكثر فيه من بيان الصبابة وتوجع الكآبة وتوجع الأشواق ولوعة الفراق فإذا أخذت في مديح سيد ذي إياد فأشهر مناقبه وأظهر مناسبه وأبن معالمه وشرف مقامه ونضد المعاني واحذر المجهول منها وإياك أن تشين شعرك بالألفاظ الرديئة. وكن كأنك خياط يقطع الثياب على مقادير الأجساد. وإذا عارضك الضجر فأرح نفسك ولا تعمل شعرك إلا وأنت فارغ القلب واجعل شهوتك لقوك الشعر الذريعة إلى حسن نظمه فإن الشهوة نعم المعين وجملة الحال أن تقيس شعرك وتعتبره بما سلف من شعر الماضين فما استحسن العلماء فاقصده وما نبذوه فاجتنبه ترشده إن شاء الله. قال البحتري فأعلمت نفسي فيما قال فجاد شعري وطار ذكري ووقفت إلى ما أروم. أما الحاتمي فقد اختار الليل للنظم وحوك الكلام ذاهباً مذهب (جورج ساند) الكاتبة الفرنساوية التي كانت تبدأ بكتابتها عند منتصف الليل وتنتهي منها الساعة السادسة ثم تنام إلى الحادية عشرة على ما وصفه المترجمون لها. وحجة الحاتمي في ذلك أن في الليل تجم الأذهان وتنقطع الأشغال ويصح النظر وتؤلف الحكمة ويتسع مجال الفكر وتنبعث الخواطر. وعندنا أنه مصيب وأكثر رجال السياسة والتدبير وأهل العلم والخيال وأرباب الاختراع والفنون يفضلون الليل على النهار ويختصونه للمهم من أعمالهم والصعب من شؤونهم والتفكير فيما يصلح من أمورهم وينبه من أقدارهم وفيه غالباً أنشأ المؤلفون الكتب وحبروا الرسائل وولدوا المعاني الحسان وأودعوها أسلاك كلامهم تباهي النجوم ضياء والدر نظاماً والروض زخرفاً وجمالاً_وإن كان ذلك مدعاة لإضناء أجسامهم واخترام أعمارهم فإن السهر ولا جرم مدعاة للسقم ومدرجة للألم وقد طالما عبث بالعقول قبل الأجساد فأوصل إليها الفساد_فالشاعر الماهر والكاتب المتأنق من إذا خلا إلى حجرته وقد سدل الليل ستاره وسكنت ضوضاء الناس واستولت سنة النوم على أجفانهم نشط إلى ما هو ميسر له من الأمر وباشر عمله بعد إمعان الفكرة وإطالة الروية واستيحاء السليقة فيستمد من القريحة عفوها وفيضها غير مستند إلى معنى لغيره يتلاعب به أو قول لبعض السلف ينتحله موقناً أن الناس كافة قيمون له منتقدون لأقواله تفرغون لتزييف كلامه وتفنيد نظامه ووزن معانيه وألفاظه بميزان المتعنت عليه المتبرم به الطالب حجة يتذرع بها إلى تنقيصه وتسوئته والحط من فضله ثم يكتب وهذا التحوط نصب عينيه مائل لديه فلا يجود إلا من مائه ولا يسبك إلا من معدنه بلا اغتصاب ولا استكراه حتى إذا فرغ مما حبر تربص إلى أن تهدأ سؤرة إعجابه فيما راق له من مبتكرات معانيه ومسبوكات قوافيه_وقد يجمل أن يكون ترصه هذا يوماً أو أياماً_ثم يعود بعد ذلك_وقد سكنت القريحة وخلا الذهن وصح التأمل_فيراجع ما كتب مراجعة منتقد ذاته قيم على نفسه رقيب على عمله فإن وجد محلاً للإصلاح أتاه أو وجهاً للتهذيب والتنقيح مارسه وعاناه متخيراً اشرف الألفاظ وأخفها وأكثرها قرباً إلى الفهم وتداولاً على الألسنة يدمجها في تضاعيف سطوره على منوال خاص وأسلوب غريب يعرف به وتظهر ملكته في أنفاس كلامه بحيث ينسبه القارئ العارف به إليه بمجرد تلاوته ولو لم يكن معنوناً باسمه ثم يعرضه على من يثق به من جهابذة الأقلام لعله يرى فيه عورةً فيسترها أو ثلماً فيسده فمن سلك هذا المسلك الجدد من مجيدي الشعراء والكتاب أمن في غالب منشآته العثار وحق له الاشتهار. تلك نصيحتنا نوصي بها ونحرص على الجري بمقتضاها وإن كنا خالفناها في كل منظوماتنا حتى اليوم على ما يعلمه المقتطف ونبه إليه فإننا كنا ننظم في ليلتنا القصائد لمطولات ثم بعث بها في الصبح إلى عالم النشر دون معاودة نظر أو تثبت وما ذلك إلا أثر من آثار ضيق الطعن المنبعث عن هزال الجسم وسوء الهضم أعاذ الله منهما كل ناظم وناثر فإنهما آفة الإتقان ومجلبة التعس والمرارة والشقاء لبني الإنسان وما مصدرهما فيمن قدر له أن يعيش بعقله وعلمه إلا الإمعان في السهر وعدم الاعتدال في الدراسة منذ الصغر فيلتق الله الكاتبون في أجسامهم أن لهم فيما نعالنهم به عظة وعبرة وإن كانوا ممن يتدبرون. وهنا_والشيء بالشيء يذكر_نأتي على كلام لأبي عثمان الجاحظ مما لا يخرج عما نحن في شأنه وتتوفر فيه الفائدة لمن رزقوا حظ الكتابة ولم يهتدوا إلى قانون يقوي فيهم ملكة الإنشاء ويبعثهم على الإجادة في الصناعة فإن ذلك أهم ما يحتاجه المنشئون هذه الأيام بعد أن قوضت فوضى الأقلام أركان البلاغة وشوهت ديباجة البيان وأضاعت سر التأنق في الترسل حتى زالت عنه مسحة الجمال إلا في عدد نزر ممن أوتوا نصيبهم من سلامة الذوق والعلم وألهموا الهداية في صناعتهم هذه الشريفة إلى محجة الكلام فرسخت في أذهانهم قواعد التحرير والتحبير واستحكمت في صدورهم أساليب التفنن بصوغ المعنى الصحيح في قالب اللفظ الفصيح حتى استقامت لهجتهم ووضح منهاجهم وعذب بيانهم فنسجوا على منوال خاص بهم تشربه القلوب وتستحسنه الأذواق وتعشقه النفوس على ما فيه من السهولة والانسجام ومتانة التراكيب: قال الجاحظ: يقول جهابذة اللفظ ونقاد المعاني وأساطين البيان. المعاني القائمة في صدور الناس المتصورة في أذهانهم المختلجة في نفوسهم المتصلة بخواطرهم والحادثة عن أفكارهم مستورة خفية وبعيدة وحشية ومحجوبة مكنونة وموجودة في معنى معدومة لا يعرف الإنسان ضمير صاحبه ولا حاجة أخيه وخليطه ولا معنى شريكه والمعاون على أمره وعلى ما لا يبلغه من حاجات نفسه إلا بغيره وإنما يحيي تلك المعاني ذكرهم لها وأخبارهم عنها واستعمالهم إياها. وهذه الخصال هي التي تدنيها إلى الفهم وتجليها للعقل وتجعل الخفي منها ظاهراً والغائب شاهداً والبعيد قريباً. وهي التي تلخص الملتبس وتحل المنعقد وتجعل المهمل مفيداً والمقيد مطلقاً والوحشي مألوفاً وعلى قدر وضوح الدلالة وصواب الإشارة وحسن الاختصار ورقة المدخل يكون ظهور المعنى. وكلما كانت الدلالة أوضح وأفصح وكانت الإشارة أبين وأنور كانت أنجع وأنفع في البيان والدلالة الظاهرة على المعنى الخفي هو البيان الذي سمعت الله يمدحه بكتابه ويدعو إليه ويحث عليه: بذلك نطق القرآن وبذلك تفاخرت العرب وتفاضلت أصناف العجم. فالبيان اسم كل شيء كشف لك عن قناع المعنى وهتك لك حجب الضمير حتى يفضي السامع إلى حقيقته ويهجم على محصوله كائناً ما كان ومن أي جنس كان. والألفاظ هي التي تكشف لك عن أعيان المعاني في الجملة وعن حقائقها في التفسير وعما يكون منها لغواً وبهرجاً وساقطاً مطرحاً فإن صح التناسب وتم التآلف بين تلك المعاني وما تستخدمه لإبرازها من الألفاظ سهل إشرابها للعقول وتجليها على المخيلات وخولها إلى صميم القلب والعكس بالعكس. فمن شاء أن يكون حديثاً تقرع الآذان نبراته أو منشئاً تسحر الألباب نفثاته فليلبس المعنى الدقيق اللفظ الرشيق الذي لا ينقص عن معناها ولا يزيد وليمتن الأصول ويحذف الفصول ويجتنب الحشو ويطنب حيث يستحب الأطناب ويوجز حيث لا يستكره الإيجاز: كل ذلك يفتقر إلى رأي حصيف وفكر نقاد وخاطر جرئ وذهن ذكي وذوق يحسن الاختيار وبديهة لا تعرف التلكؤ وحافظة تكنز من المواد ما يستعان به على ركوب هذا المركب الوعر تقرن إلى ضلاعة في العلوم وتبحر في الأدب ومطالعة في آثار أئمة أهل البيان ممن نبغوا فدرجوا من قبل واشتمل عليهم الزمان ولقد قال أبو داود رأس الإنشاء الطبع وعموده الدربة وجناحاه رواية الكلام وحليه الإعراب وبهاؤه تخير اللفظ وقال ابن المعتز العاقل يكسو المعاني وشي الكلام في قلبه ثم يبديها بألفاظ كواس في أحسن زينة والجاهل يستعجل بإظهار المعاني قبل العناية بتزيين معارضها واستكمال محاسنها. ولما سئل جعفر البرمكي وزير الرشيد المشهور عن البيان قال هو أن يحيط كلامك بمعناك ويكشف عن مغزاك ويخرجه عن الشركة ولا يستعان عليه بالفكرة ويكون سليماً من التكليف بعيداً من الضعة بريئاً من التعقيد غنياً عن التأويل مع نزاهته عن الركة وترفعه عن اللغو وأبلغ الكلام ما بخته مراجل العلم وصفاه راووق الفهم وضمته دنان الحكمة فتمشت في المفاصل عذوبته وفي الأفكار رقته وفي العقول حدته وما أحسن ما قال حائك أديب الكلام ما اتصلت لحمة ألفاظه بسدى معانيه فخرج مفوفاً منيراً وموشى محبراً وإن من البيان لسحراً. ولقد قال غيره البليغ من يحوك الكلام على حسب الأماني ويخيط الألفاظ على قدود المعاني ومن أجلى ما وصفت به البلاغة قول أحد العلويين البلاغة إيصال المعنى إلى القلب بحسن صورة من اللفظ وهو يضارع قول بعض الأعراب البلاغة إيجاز في غير عجز وأطناب في غير سفسفة. هذه هي الصناعة التي يحسبها الناس لعقة من عصيد أو لقمة من ثريد فلا يكاد الصبي منهم يقرأ الأجرومية أو شيئاً من شرح ابن عقيل على ألفية ابن مالك ويتلقف بعض ما أوجده الخليل بن أحمد في دائرة البحور من الأعاريض وقيده إسماعيل الجوهري على بعض صفحات الصحاح من حوشي الألفاظ حتى يتربع في دست التصنيف والتأليف أو يقف على منبر الإمام الخطيب أو يسمي نفسه بالشاعر الساحر فيملأ الدنيا صناناً وهو يظنه عطراً وملاباً أو رنداً أو أقحواناً ولله الأمر من قبل ومن بعد وما هو بغافل عما يهذرون. هل اللغة العربي حية وضع المسيو قطان أحد أعضاء المجمع العلمي القرطاجني في تونس محاضرة رد فيها على من قال أن اللغة العربي ليست من اللغات الحية وأنها كانت كذلك وقد أصبحت اليوم من اللغات الميتة فأحدث كلام من أصدر هذا الحكم تأثيراً في نفوس المسلمين لأن له علاقة بأعز الأوضاع عندهم وأقدسها في نظرهم ونعني بها اللغة وقد ردت بعض الصحف الإسلامية على بعض من رموا اللغة العربية بالعقم رداً لم تورد فيه برهاناً بل جعلته خيالياً وتجاوزت فيه حد المناقشة العلمية ورمت القائل وهو أوربي بالطبع بأنه لا يعرف ما في العربي من الميزات والخصائص وقالت أنى يتأتى لغريب عنها أن يفهمها حق فهمها بيد أن صاحب هذه المحاضرة دافع عن العربية دفاعاً علمياً ورد مزاعم من يرمونها بالموت بالبرهان السديد وأثبت لها الحياة مع من يثبتها لها من أبنائها الذين يكتبون بها ويتكلمون فقال: إن دعوى المسيو نويل بأن اللغة العربية لغة مقدسة جامدة لا تتحرك وإن أدنى تغيير يدخل عليها يعد خرقاً لحدودها وعبثاً بقانونها هو من الدعاوي التي يخالفها الواقع ولا ينهض عليها دليل. وأني أرى علماء المشرقيات الذين يتعلمون اللغة العربية والكتاب المسيحيين في سورية ومصر ممن عنوا بها وبرزوا في آدابها منذ سنين بل والمستنيرين من المسلمين أنفسهم يوافقوني على قولي على أن اللغة العربية لغة سامية انتشرت أولاً في شبه جزيرة العرب ووصلت إلى درجة التهذيب قبل الإسلام ببضعة قرون وكملت على يد النبي وأصحابه وأنه مضت عليها قرون طويلة وهي زاهرة بين شعوب انتشرت بينهم الحضارة الإسلامية فنشأ لهم في العربية كتاب كثيرون من النصارى واليهود والمسلمين وإنها اليوم شائعة بين الشرقيين من أهل الإسلام وغيرهم ويتفهم بها بضعة مئات الألوف من البشر بينهم كثير ممن لم يدينوا بالإسلام ينزلون شمالي أفريقية وأواسطها وجزءاً من قارة آسيا. نعم لا أآخذ إذا قلت إذا كانت العربية عند معظم المسلمين لغة مقدسة لأنها لغة الدين والعبادة وهي لم تبرح لأرباب العقول السامية الذين ازدان بهم الإسلام والمسيحيين والإسرائيليين الذين عنوا بها حق العناية منذ عهد الخلفاء إلى هذا اليوم أداة بديعة للإفصاح عن الفكر والعواطف العالمية في مظاهرها المتخلفة وهي من أجمل لغات البشر. أرى أنه متى أريد البحث في لغة بحثاً علمياً أن لا توصف بما يصفها به أرباب التقاليد من النحاة ولا المتعصبة من المتفقهة بأنها لغة مقدسة غير قابلة للزيادة والنقص بل الواجب النظر إلى تاريخ هذه اللغة والبحث فيما إذا كانت بقيت جامدة على صورتها الأولى حقيقة أو أنها نشأت ونمت كما ينمو كل تركيب نام حي. لا جرم أن كل امرئٍ يدرك أن اللغات لا تحيا على يد أساتذة الكليات ولا بتقارير النحاة ولا بأحكام المحاكم وأوامر الحكومات فاللغة الإفرنسية لم تنم منذ عهد كوبلر إلى زمن بريان بهذه الطريقة بل إن العربية على ما فيها من الكتب والنحو والعروض التي شرحها معلمو الجوامع لا تعد لغة أدب فكما أن الإفرنسية تحيا بكتابها المبدعين المجددين أكثر من حياتها برجالها اللغويين والباحثين في أصولها هكذا اللغة العربية عاشت طول عمرها خارج الكيات الإسلامية بفضل أعمال المجددين والمترجمين والعلماء والفلاسفة والشعراء الذين كانوا في عصور مختلفة مع تمسكهم بقواعد النحو العربي الذي كانت الكليات مهيمنة عليها فهم يقفون ما أمكن موقف التوفيق بين ما يكتبون وبين اللغة التي يعجبون بها وحق لهم العجب من كمالها وغناها وجمالها. ومع هذا لم يقفوا ساعة عن تقويتها بما يحملونه إليها من الأفكار الطارئة ولغات الشعوب الأخرى. وإذا أبى المسيو نويل الخروج عن هذا القياس وادعى بأن اللغة المصرية اليوم هي لغة حديثة نشأت من قطع ملفقة من التقارير وليست من التقديس في شيءٍ أي ليست اللغة العربية في معناها الحقيقي بل هي لغة صناعية وإن اللغة المقدسة هي التي استعملها القرآن فقط وفيها الغريب_إذا قال بهذا فهو يحذف بقياسه من الآداب العربية كتب المؤرخين والعلماء والفلاسفة وغزل الشعراء لأنها مملوءة بالمولد أو أنه يعتبرها من الكلام الوحشي الغير المأنوس ويقتصر بأن لا يعد من الآداب العربية إلا القرآن وتفاسيره وربما كانت هذه التفاسير بحسب زعم المسيو نويل من غريب الكلام أيضاً. أما أنا فلا أفرط في التدقيق أكثر من عالم من علماء المسلمين بعد أن رأيت في دور المكتب أناساً من صلحائهم ينظرون في كتب القرآن والفقه وبجانبها تآليف كتبت باللغة العربية الحديثة بل مترجمات لفلاسفة يونان. ولذلك أسمي باللغة والآداب العربية تلك اللغة وتلك الآداب التي اتفق جمهور المسلمين وأمثال سلفستر دي ساسي ودارمبورغ وغولدسير وغيرهم من العلماء على تسميته بهذا الاسم. قال المسيو نويل أن اللغة الحية هي التي تخضع لنواميس الحياة أي أنها تدخل فيها الجديد وتنبذ ما لا تراه نافعاً لها وهو تجديد يعد من شروط الحياة كالتغذية لكل تركيب نام نباتياً كان أم حيوانياً. وإني لأكتفي بدحض هذه الحجة بأنه أورد تاريخ العربية ولكم أن تحكموا بأنفسكم بأن هذه اللغة لم تبرح خاضعة قبل الإسلام وبعده لنواميس الحياة. أما تاريخ اللغة العربي فيقسم إلى أدوار أربعة: دور التكون ودور المدنية الإسلامية الزاهر ودور الانحطاط والدور الحالي. فدور التكون يبدأ بالزمن الذي انفصلت فيه هذه اللغة عن سائر اللغات السامية وأصبحت لغة خاصة بعد أن كانت عبارة عن لهجات كثيرة قلما تجد بينها اختلافاً كثيراً وهي وافرة بقدر ما كان من القبائل في شبه جزيرة العرب. وتعدد اللهجات كان من أسباب غنى العربية بمفرداتها وانتهت الحال بعد ذلك بأن اندمجت هذه اللهجات بعضها في بعض ونسيت كلها ما عدا ثلاث لهجات كبرى ذكرها التاريخ وهي لغة اليمن والحجاز والحبشة. جاء محمد (عليه السلام) وبدأ بتوحيد جزيرة العرب في سياستها ووفق أخلافه إلى تتميم هذا المقصد فتوحدت بذلك اللغة وكانت الغلبة للغة الحجاز موطن النبي فأصبحت لغة القرآن بعد واغتنت بما دخل إليها من المفردات المستعملة عند شعوب كثيرة ممن كانوا يقصدون مكة حاجين كالهند والفرس والنبط والحبشة والمصريين والإسرائيليين وغيرهم. فكانت مكة أشبه ببرج بابل ولا عجب أن سرى إلى اللغة الأدبية على ذلك العهد مزيج من لغات الأمم الأخرى. فالألفاظ الدخيلة التي اغتنت بها اللغة العربية إذ ذاك هي أسماء العقاقير الطبية وما تنتج بطون الأرض من المعادن وما يصنع في فارس والمملكة الرومانية والهند الشرقية من المصنوعات ويحمل إلى جزيرة العرب. واقتبست العربية قبل الإسلام ألفاظاً كثيرة من اللغة البهلوية كما اقتبست من العبرانية بعض ألفاظ العبادة مثل الحج الكاهن عاشوراء وكانت الصلات التجارية بين الهند وبلاد العرب سبباً في تعريب كثير من الألفاظ السنسكريتية ولاسيما ما كان منها خاصاً بالعطور والأحجار الثمينة. وبعد أن فتحت فارس أخذ العرب يلبسون الثياب الفارسية وأدخلوا إلى لغتهم الألفاظ الدالة عليها في جملتها فدخلها من الألفاظ السروال الجبة القفطان الطربوش على نحو ما استعمل المسلمون الذين يكتسون الثياب الأوربية اليوم من الألفاظ الجاكت البنطلون اللستيك وأُخذ عن الفرس معظم الألفاظ التي تدل على الأطعمة المختلفة والأسلحة والآنية وغيرها. وابتدأ الدور الثاني للغة العربية وهو دور الفتوح والمدنية الإسلامية باقتباس الألفاظ الدينية والقانونية والإدارية والعلمية وغير ذلك ثم بتعريب كتب اليونان والفرس والهنود فدخل اللغة من الألفاظ مثل الكحالة والصيدلية ثم توسعت في استعمال بعض الألفاظ لأكثر من المعنى الذي وضعت للدلالة عليه مثل مؤمن مسلم صلاة زكاة الحضانة. حتى إذا تمت الفتوح وأنشأ المسلمون ينظمون البلاد التي خضعت لسلطانهم أخذوا من الفرس والبيزنطيين أصول أوضاعهم السياسية والإدارية والقانونية والعسكرية والمالية فاقتضى لهم تعابير جديدة للدلالة على هذه الوظائف الجديدة فاقتبسوا أكثرها عن الفرس والبيزنطيين مثل الديوان الجامكية البريد نيشان من الفارسية الأسطول الكردوس البطاقة من الرومية واخذوا مفردات عبرية وسريانية عندما ترجمت التوراة والأناجيل مثل قربان جهنم توراة توبة تلميذ يغوث آمين بل أن قواعد النحو نفسها قد دخلها التعديل فأخذت العرب تستعمل الضمائر المستترة للتفنن في التعبير تكثر من استعمال صيغة المجهول وتنسب إلى الروح روحاني وإلى النفس نفساني وتستعمل بعض الصفات في صورة أسماء مثل المائية العامة الخاصة وعلى ذلك العهد سقطت من الاستعمال بعض الألفاظ التي أتى الإسلام على مدلولاتها مثل المربع النشيطة الأتاوة الصرورة. ولقد ظلت العربية تغتني بمفرداتها الجديدة وتراكيبها الحديثة وتنمو مفرداتها وقواعدها حتى جاء عصر انحطاط المملكة الإسلامية وأخذت تنقسم إلى ممالك مستقلة يحكمها أناس من أصول غير عربية كالمغول والأكراد والأتراك وغيرهم. ففي تلك العصور أصيبت اللغة بما ذهب برونقها الأصلي وأصبحت من التكلف واستعمال الألفاظ الضخمة على جانب من الغلظة والجفاء حتى أن ما كتب من المصنفات على ذاك العهد تصعب قراءته لخلوه من كل فائدة. فهو عهد الألفاظ الرنانة المفخمة والسجع المرصع الذي أعجب به بعضهم وحمل عليه كثيرون وذلك لأن البيان كثيراً ما يضيع لضرورة السجع وإذا ارتضت الأسماع الأسجاع فالفكر ينبو عنها كل النبو. وفي ذاك العهد دخلت اللغة تلك الاستعارات المفخمة والمبالغات الغريبة حتى أن معظم الألفاظ التي عربت تلك الأيام كانت ألفاظاً إدارية أو أسماء رتب في الجيش مثل سنجقدار الجاشنكير اليوزباشي الباشا دفتردار خزندار المابين الآغا دفتر خانه. وفي ذاك العهد أيضاً أخذت بعض الألفاظ العربية توضع لمسميات جديدة مثل المتصرف الصدر الأعظم القائم مقام المسئولية التابعية ثم أتى دور تركت اللغة إلا ما كان له منها علاقة بالنحو واللغة والتصوف والفقه وفي هذه الموضوعات صدرت كتب لا تحصى بكثرتها. والدور الرابع دور النهضة ويرد تاريخه إلى نحو قرن وقد نزل الأوربيون في الشرق يلتمسون لهم في شواطئ البحر الأبيض بلاداً يظهر فيها نشاطهم فاختلط المشارقة بالمغاربة اختلاطاً دائماً نشأ منه تبادل في الأفكار بينهم وبفضل ذلك اغتنت لغاتهم بمفردات استعارها بعضهم من بعض. وإذا كانت بضاعة الشرقيين في العلم قليلة اضطروا في دراسة العلوم الحديثة أن يأخذوا ألفاظاً عن اللغات الغربية أو أن يتوسعوا في معاني بعض ما لديهم من الألفاظ العربية ليضعوها لأفكار ومعارف جديدة. وذلك دليل على أن اللغة ظلت على حالها على النشوء. ومن العبث أن نورد هنا بعض الألفاظ الإفرنسية التي اندمجت في سلك اللسان العربي مثل بوليس بارلمان سيركولير أو الألفاظ الإيطالية مثل بوسطة دبكربتو بروتستو دع عنك التعابير العلمية التي سرت إلى العربية من اللاتينية أو اليونانية وهي شائعة في لغات أوربا. ومن الألفاظ الكثيرة التي حولت عن معناها الأصلي للدلالة على أفكار جديدة لم تكن مألوفة للشرقيين الميزانية المؤتمر المحرر المحافظون الأحرار الاشتراكيون أهل الفوضى. وقد نشأ للغة في سورية ومصر لعهدنا كتاب بالعربية من الطبقة الأولى خلصوا اللغة من قيودها وأعادوا إليها نضرتها الأولى وأنقذوها من المترادفات المملة حتى صارت بإنشائها إلى الوضوح والسلاسة معبرة أحسن تعبير عن الأفكار الحديثة وبفضلهم أخذت روح اللغات الأوربية تدخل في العربية وسهلوا نحوها وصرفها وبيانها. يقولون أن لغة الكتابة تخالف لغة التكلم ومثل هذا موجود في اللغة الإفرنسية نفسها فإن أهل الطبقة الوسطى يتكلمون بلغة لا تناسب بينها وبين لغة أديب أو شاعر على أن الشعب في البلاد التي يتكلم فيها بالعربية أقرب إلى فهم ما يتعلمون من الألفاظ بالذوق من الشعوب الأوربية إلى فهم الغريب من لغاتهم الرسمية. والدليل على ذلك أنك تجد الطبقة النازلة من الأمة تستمع للحكواتي (الأدباتي) في محال القهوة وتنصت لقصص ألف ليلة وليلة وقصة عنتر وتتفهمها كلها على بلاغتها بفطرة فيها وشعور طبيعي. ومهما يقال فإن التمثيل باللغة العربية الأدبية يفهمه العامة ولئن فاتهم فهم بعض أبياتها فعامة باريز ليسوا في مسارحهم أكثر فهماً لما يتلى عليهم من قصائد كورنيل ومولير. واللغة العربية ليست كما يقال لغة صناعية أجنبية وليست غريبة إلا عن كثير من الطلبة الهنود والمراكشيين وغيرهم ممن يقصدون من البادية جامع الزيتونة في تونس والأزهر في مصر ليتعلموها بل هي لغة حية لمن يدرسها ويتعلم بها بذوق مثل كتاب الشام ومصر الذين يتولون الصحافة وينشرون المعارف البشرية بواسطة الصحف والكتب بل هي حية أيضاً بالنسبة إلى أولئك الذين تراهم في محال القهوة العامة يهتزون لما يسمعون من أناشيد الغزل ووقائع الحروب على أن اللغة الإفرنسية أيضاً هي أحق بأن تكون لغة صناعية أجنبية إذا رأينا كيف يتوارى شبان الطلبة من قرى أقاليم البروفانس وبرتانيا وغاسكونيا (فرنسا) عن الأنظار ساعات اللعب في المدارس يتكلمون بلهجتهم الخاصة بهم. فإن قيل أن اللغة العربية تحتاج إلى عشر سنين لتعلم نحوها قلنا أن الشرقيين يتعلمونها في أقل من هذه المدة ويتقنون معها عدة لغات أجنبية فعلينا أن نعقد أملنا بإصلاح طرق التعليم في المدارس الإسلامية على الأسلوب الحديث وذلك بأن يحصل الطلبة لغتهم في قليل من الزمن فاللغة يجب أن تكون آلة لا غاية. وقال المسيو نويل أن حاجة العربية ماسة إلى أن تستمد من اللغة العامية لتحيا أما أنا فأقول بأن أعظم نقص في اللغة العربية أن تكون غنية وهي لا حاجة بها إلى الأخذ من العامية في حين تجد لديها ٢١ لفظاً مختلفاً للدلالة على الظلام و ٥٢ للشمس و ١٠٠ للخمر و ٢٥٥ للناقة و ٣٥٠ للأسد. وقد أصيبت اللغة الإفرنسية بكثرة مفرداتها على عهد رونسارد فما قدح ذلك فيها بل عد من الزيادات التي تحذف. فالعربية لا تشبه اللغات الأوربية بل هي بالنسبة إلى الإفرنسية كالمرأة الباريزية الممشوقة القوام الجميلة الهندام مع المرأة السمينة الشرقية التي تحرص على هندامها القديم وهي حية جميلة قوية. نعم إن عنى العربية بمفرداتها يضر بمرونتها وسرعة فهمها ولكن الفتى الحار لا يكثر منها كثيراً في عروقه فإنا نجد كتاب هذا العهد يسقطون عدداً كبيراً من المترادفات وينشقونها الروح الغربية فهم قوام على صحتها وحياتها. واللغة التي تأخذ عن العامية تصبح إلى الابتذال الممقوت أقرب. وبالجملة فإن العامة في الشرق ليسوا أقل من عامة الغرب فهماً للغتهم ولكنهم يزيدون فهماً يوم تصرف بينهم كل سنة الملايين لنشر التعليم العام على نحو ما يجري في الغرب. وإن قيل أن اللغة العربية لغة أدبية جميلة ولكنها ليست إلا أداة مشوشة لتعليم العلوم فالجواب بأن النتيجة التي وصل إليها أصدقائي المسلمين في المدرسة الخلدونية من تعليم العلوم باللغة العربية هي تكذيب صريح لمن يقول هذا القول. ويمكن أن يقال أن شعوب الشرق هم من عناصر أدب وتفنن فهم أميل إلى تلقف الشعر منهم إلى تعلم العلوم المادية كما يفعل اليوم أهل القاصية من بلاد أوربا فيتخلون عن الجميل من العلوم لتعلم ما هو نافع منها حتى كادوا يفقدون بذلك حضارتهم. فأنا أقول لهم في هذا المجال ما قاله نابليون: إذا كانت العلوم من أحسن ما اهتدت عقول البشر إلى تطبيقه فالآداب (الأدبيات) هي روح الإنسانية بذاتها. السجل المعلق نقلنا في الجزء الماضي نموذجاً من كتاب السجل لحمزة بن علي مثبت ألوهية الحاكم بأمر الله وصاحب مذهب الدروز الأول وها نحن أولاء نتبعه بنتف منه تكشف الغطاء عن معتقدهم وللقارئ أن يعلق عليها ما شاء: جاء في الرسالة الموسومة ويد (؟) التوحيد لدعوة الحق: توكلت على مولانا البار العلام العلي الأعلى حاكم الحكام من لا يدخل في الخواطر والأوهام جل ذكره عن وصف الواصفين وإدراك الأنام حروف بسم الله الرحمن الرحيم حدود عبد مولانا الإمام: كتابي إليكم معاشر الأخوان المستجيبين إلى دعوة مولانا الحاكم الأحد الفرد الصمد جل ذكره عن الصاحبة والولد العابدين له لا لغيره الناجين من شبكة إبليس اللعين والضد المهين وجواسيسه الملاعين وأنصاره الغاوين وحزبه الشياطين ليس لإبليس عليكم سلطان ولا لجنوده لديكم مكان ولا لزخرفة عندكم شأن بل أنتم الملائكة المقربون الذين ملكوا أنفسهم عن أفعال المشركين وأنتم حملة عرش مولانا جل ذكره والعرش ها هنا علمه الحقيقي الذي هو صعب مستصعب لا يحمله إلا نبي مرسل أو ملك مقرب أو مؤمن امتحن المولى قلبه بالإيمان له وجده سبحانه تعالى عما يصفون. أما بعد فإني أحمد إليكم مولانا الذي لا مولى لنا سواه وآمركم وإياي بالشكر لنعمه وآلائه حمد من استوجب الزيادة في أولاه وأخراه وأوصيكم بما أيدني به مولانا جل ذكره وأمرني به من إسقاط ما لا يلزمكم اعتقاده وترك ما يضركم افتقاده من الأدوار الماضية الخامدة والشرائع الدارسة الجامدة وما منهم ناطق إلا وقد نسخ شريعة من كان قبله من المتقدمين ومحمد بن عبد الله الناطق السادس لما ظهر بالنطق نسخ الشرائع كلها وسد الطرق وقال فمن لم يترك ما كان عليه قديماً من دين آبائه وأجداده قتل وسمي كافراً ومن ترك الشريعة التي بيده ولم يلتفت إليها وقع عليه اسم الإسلام وكان في سلمه غير ملام وضمن لهم محمد الجنة على الدوام فبان للعاقل الشافي والمخلص الكافي أن الإشارة والمراد ها هنا في عبادة الموجود لا المعدم المفقود والإنسان ابن يومه وساعته وفي الوجود راحته وله عبادته وبه حياته وإليه إشارته ومولانا الحاكم البار العلام قد نسخ شريعة محمد بالكمال ظاهراً للمؤمنين ذوي الأفضال وباطناً للموحدين أولي الألباب وأما من نوره في قلبه زاهر وفي معاني أموره للخلق قاهر وغير منافق بالكفر شاهر لا يلتفت إلى اشتعال الناموس وعلوه وزخرف القول وسموه ويعلم أنه استدراجاً للكافرين وتمييزاً للمؤمنين الموحدين كما قال وليميز الله الخبيث من الطيب وإن كان لا يخفى عن مولانا جل ذكره الخبيث من الطيب يعني المشرك من الموحد لكنه أراد أن يبين للموحدين من يرجع منهم على عقبيه ومولانا جل ذكره عالم بما في الصدور وما هو كائن والدليل على ذلك زوال الشريعة على الاختصار في شيءٍ واحد إذ لم تحتمل هذه الرسالة طول الشرح. وقد بينت لكم في الكتاب المعروف بالنقض الخفي نسخ السبع دعائم ظاهرها وباطنها وذلك بقوة مولانا جل ذكره وتأييده ولا حول ولا قوة إلا به وكيف وفي رفع الزكاة وإسقاطها مقنع المسائلين عن غيرها وهي مقرونة بالصلاة وقد غزا عبد اللات بن عثمان المكنى بأبي بكر إلى بني حنيف ومعه جميع المهاجرين والأنصار فقتل رجال بني حنيف ونهب أموالهم وسبى حريمهم. وقد اشترى علي ابن أبي طالب وهو أساس الناطق من جملة السبي امرأة تعرف بالحنفية واسمها تحفة وهي أم ولده محمد فقيل له يا علي كيف تستحل نفسك أن تشتري امرأة تعرف مسلمة تشهد أن لا إله إلا الله وتشهد أن محمداً رسول الله وتصلي الخمس وتصوم شهر رمضان فقال علي ما ينفعها ولا لقومها الشهادتين ولا سائر أعمال الشريعتين إذا لم يؤدوا الزكاة وإن الزكاة هي الشريعة بكمالها فمن لم يؤدها وجب عليه القتل وأحل لنا ماله وأهله لقوله فويل لمشركين الذين لا يؤدون الزكاة فقد أخرجهم الله من الإسلام وجعلهم من المشركين. وأنتم معاشر الموحدين قد علمتم وسمعتم السجل الذي أمر مولانا جل ذكره بقراءته عليكم وأسقط عنكم الزكاة والأعشار والأخماس وسائر الصدقات إلى أبد الآبدين ولم يسقط عنكم محافظة بعضكم بعضاً. . . . وقال في رسالة البلاغ والنهاية في التوحيد: فنعوذ بمولانا من ذلك سبوح قدوس مبدع الإبداع وجامع الأشتات والأضياع الذي هو على السماوات عالٍ وفي الأرض متعال وعن قريب يظهر مولانا جل ذكره سيفه بيدي ويهلك المارقين ويشهر المرتدين ويجعلهم فضيحة وشهرة لعيون العالمين والذي يبقى من فضله السيف تؤخذ منهم الجزية وهم صاغرون ويلبسون الغيار وهم كارهون ويكونون في الغيار والجالية على ثلثة أصناف فغيار النواصب علاقتان من الرصاص في أذني كل واحد منهم وزنهما عشرون درهماً وطرف كمه الأيسر مصبوغ فاختياً وجاليته ديناران ونصف وهم يهود أمة محمد ويكون غيار أهل التأويل الواقفين عند العدم علاقتين من الحديد في أذني كل واحد منهم وزنهما ثلثون درهماً وطرف كمه الأيمن مصبوغ بالسواد وجاليته ثلاثة دنانير ونصف وهم المشركون نصارى أمة محمد ويكون غيار المرتدين من توحيد مولانا جل ذكره علاقتين من الزجاج الأسود في أذني كل واحد منهم وزنهما أربعون درهماً ويكون على رأسه طرطور من جلد ثعلب وصدر ثوبه مصبوغ رصاصياً أغبر وجاليته خمسة دنانير في كل سنة وهم المنافقون مجوس أمة محمد وتؤخذ هذه الجالية من الشيوخ والشباب والنساء والصبيان والأطفال في المهد وتغير عليهم العلائق في كل سنة فمن خالف منهم ضرب عنقه. . . . . وقال في رسالة الغاية والنصيحة: فلو ميزتم معاني الكلام وتدبرتموها لبان لكم نطق الرسول من نطق إبليس وفعل الإمام من فعل غطريس ولعرفتم السبت والخميس وتبرأتم من فرعون وهامان الرجيس ولتصور لكم ارتفاع مكان إدريس وعبدتم مولانا جل ذكره باري الحن والجن والبن والإنس. والرسول هنا هو الإمام المفترض الطاعة وهو دون الإمام المعظم وإبليس هو المشتبه بالمولى سبحانه ويزعم بأنه جنس ويدعي عهد المسلمين والإمام الأعظم ذومعة وسمي ذومعة لأنه دعا توحيد الإمام جل ذكره بلا واسطة وغطريس هو نشتكين الدرزي الذي تغطرس على الكشف بلا علم ولا يقين وهو الضد الذي سمعتم بأنه يظهر من تحت ثوب الإمام ويدعي منزلته ويكون له خوار وجولة بلا دولة ثم تنطفئ ناره وكذلك الدرزي كان من جملة المستجيبين حتى تغطرس وتجبر وخرج من تحت الثوب والثوب هو الداعي والسترة التي أمره بها إمامه حمزة بن علي بن أحمد الهادي إلى توحيد مولانا جل ذكره سبحانه وتعالى وادعى منزلته حسداً له وإعجاباً بروحه وقال قول إبليس وكذلك الدرزي سمى روحه في الأول بسيف الإيمان فلما أنكرت عليه ذلك وبينت له أن هذا الاسم محال وكذب لأن الإيمان لا يحتاج إلى سيف بعينه بل المؤمنون محتاجون إلى قوة السيف وإعزازه فلم يرجع عن ذلك الاسم وزاد في عصيانه وأظهر فعل الضدية في شأنه وتسمى باسم الشرك وقال أنا سيد الهاديين يعني أنا خير من إمامي البادي وغره ما كان يضربه من زغل الدنانير والدراهم وحسب أن أمر التوحيد مثله يحتمل التدليس وأبى أن يسجد لمن نصبه المولى جل ذكره وقلده واختاره وجعله خليفته في دينه وأمينه على سره وهادياً إلى توحيده وعبادته فتغطرس على الدين وأظهر سيف الناطق والأساس أجمعين طلباً للرياسة والاسم اللطيف بإظهار الشريعة في عالم البسيط والكثيف. وفرعون البرذعي وهامان علي ابن الحبال لأن فرعون كان داعي وقته فلما أبطأ الناطق قال أنا ربكم الأعلى يعني إمامكم الأعظم. وهامان الذي فتح له باب المعصية وإدريس هو الذي رفع مكاناً عالياً وهو ارتفاع درجته في العلوم حتى أصبح إماماً دون الإمام الأعظم الذي مص العلم من ذي معة وهو قائم الزمان هادي المستجيبين عبد مولانا جل ذكره وصفيه بلا واسطة جسماني فإذا عرفتم هذا عبدتم مولانا جل ذكره باري الحق وهم الدعاة والجن وهم المأذونون والبن وهم المكاسرة والأنس وهم المستجيبون ها هنا في هذا المعنى والسبت دليل على السابق وهو علي بن عبد الله اللواتي الداعي والخميس دليل على التالي وهو مبارك بن علي الداعي وأهل التأويل يزعمون بأن الكلمة هو السابق والسابق هو الكلمة ولا فرق بينهما ولا يعرفون فوقهما شيئاً إذ كانت الثلة حدود الذين هم ذومعة وذمعة والجناح غائبين عن عيون قلوبهم ينظرون إليهم وهم لا يبصرون. معاشر المستجيبين لمولانا جل ذكره قد بلغت لكم الهداية ودعوتكم إلى توحيد مولانا جل ذكره في سبعين عصراً ما منها عصر إلا ويظهرني مولانا جل ذكره فيكم بصورة أخرى واسم آخر ولغة أخرى أعرفكم ولا تعرفوني ولا تعرفون نفوسكم. والآن قد استدارت الأدوار وكأنكم بإظهار توحيد مولانا جل ذكره ونور الأنوار وأظهر لكم ما كان مدفوناً تحت الجدار فلمولانا الحمد والشكر وحده فلا تنكروا معجزات مولانا جل ذكره وآياته ولا تلتفتوا إلى أمس فأمس مضى بما فيه وغداً فلا تعلم أنك توافيه واليوم أنت فيه بما يقتضيه وكلما غاب عن العالم أسقطوه فلو كان للعالين عقول لميزوا معجزاتي التي أيدني بها مولانا جل ذكره يوم الجامع. . . . . وقال في رسالة السيرة المستقيمة بشأن القرامطة ما يأتي: وكان أهل الإحساء_إلى المدينة صرفة_يسافرون إليها بالبيع والشراء فدخل إليها رجل من أهل الإحساء يقال له صرصر فكاسره بعض الدعاة وأخذ عليه العهد من وقته وساعته وأتى به إلى عند آدم وهو شطنيل فأطلقه داعياً بإحساء وأعمالها فخرج الرجل من وقته وساعته إلى الإحساء وأعمالها وأخذ العهد بها على خلق كثير وأوصاهم بتوحيد مولانا جل ذكره وعبادته والإقرار بشطنيل وإمامته والتبرئ من إبليس وصحبته وقال لهم إذا دخلتم هجر فعبسوا وجوهكم وقرمطوا آنافكم على أهلها فإن فيها رجلاً يقال له حارث ابن طرماح الأصبهاني وله أصحاب كثيرة وكلهم قد خالفوا مر مولانا البار العلام وجحدوا فضيلة الإمام فلا تخاطبوا أهلها بشيء من العلم إلا لمن يحضر معكم مجلس شطنيل الحكيم فقبلوا من الداعي صرصر وفعلوا ما أمرهم به من العبسة والقرامطة فلقبوهم بالقرامطة إلى وقتنا هذا وصار ذلك اسماً في بلاد الفرس وأرض خراسان إذا عرفوا رجلاً بالتوحيد قالوا هذا قرمطي ويسمون مذهب الإسماعيلية القرامطة لهذا السبب. وكان أبو طاهر وأبو سعيد وغيرهم من القرامطة دعاة لمولانا البار سبحانه يعبدونه ويوحدونه ويسجدون لهيبته وعظمته وينزهونه عن جميع بريته فلقبهم المولى جلت قدرته بالسادة وعلموا في الكشف ما لم يعمله أحد من الدعاة وقتلوا من المشركين ما لم يقدر عليه أحد من الدعاة ولم يسهل المولى سبحانه ظهور الكشف على أيديهم لما علم جلت قدرته وعزت عظمته ومشيئته ما يكون من الخلف بعدهم من إضاعة التوحيد والضلالات وإتباع بني العباس بالشهوات ووقوعهم في الغي والغمرات وقد آن وقت الكشف وأزف أوان السيف الخسف وقتل المنافقين وهلاكهم بالعنف ولا بد من رجوع أهل الإحساء وهجر وديار الفرس إلى ما كانوا عليه من توحيد مولانا جل ذكره وعبادته ويسجدون له ولهيبته وعظمته وينزهونه عن جميع بريته ويكونوا أنصار التوحيد كما كانت قديماً أسلافهم وأبث فيهم دعاة التوحيد وأجمع شمل الأولياء والعبيد وأقهر بسيف مولانا جل ذكره كل جبار عنيد حتى لا يبقى بالحرمين الشريفين مشرك بمولانا جل ذكره ولا كافر به ولا منافق عليه ويكون الدين واحد (؟) بلا ضد ولا معاند وذلك بقدرة مولانا الحاكم الأحد الفرد الصمد المنزه عن الصاحبة والولد وشدة سلطانه ولا حول ولا قوة إلا له وبه عليه توكلت وبه أستعين وإليه المصير وهو حسبي ونعم المعين النصير. . . . . وقال في نفس هذه الرسالة أيضاً في توحيد الحاكم وآياته: فلمولانا الحمد والشكر على ظهور نور الأنوار وخروج ما كان مدفوناً تحت الجدار فقد أنعم علينا وعليكم بمباشرته في البشرية وظهوره لكم في الصورة المرئية كيما تدركون بعض ناسوته الأنسية ولا أقول ذاته أو نفسه أو صورته أو معناه أو صفاته أو حجابه أو مقامه أو وجهه إلا ضرورة على قدر استطاعة المستجيبين وما يفهمه المستمعين (كذا) وتعيه عقولهم ويدخل في خواطرهم ولو قلنا غير هذا لما فهموا الكلام ولا تم لهم النظام وإلا فمولانا جل ذكره لا يدخل في الأوهام والخواطر ولا يمتزج بباطن ولا ظاهر بل منه بدأ كل شيء وإليه يعود كل شيء كل يوم هو في شأن لا يشغله شأن عن شأن سبحانه وتعالى عن إحاطة الدهور به والأزمان ولا يقف أحد من المخلوقين على أفعال مولانا جل ذكره ولا يدرك غاية سلطانه ولا يستطيع الوقوف على كنه عشر عشر معشار سيرته وبرهانه. ولقد تدبروا العالمين (كذا) ما يرون من آياته وبيان علاماته مشاهدة العيان لكان لهم كفاية عن طلب العدم بالخبر وعن كتبه التواريخ والسير وذلك ما شاهدون منه لا يجوز أن يكون من أفعال أحد من البشر ولا سمع به من التواريخ والسير. ولو جئت أذكر لكم عيان جميع ما أظهر مولانا جل ذكره من أبياته وبيان علاماته لما حواه قرطاس ولا كتبه قلم كما قال في القرآن ولو أن ما في الأرض من شجر أقلام والبحر يمده من بعده سبعة أبحر ما نفدت كلمات الله والله في هذا الموضع ناسوت مولانا سبحانه لكني أذكر لكم في هذه السيرة وجوهاً قليلة العدد كثيرة المنفعة لمن تفكر فيها ووحده وعبد مولانا سبحانه وعز عن حكومة الأوهام سلطانه. فأول من اختصر هذا القول ما فعله المولى سبحانه مع برجوان وابن عمار وهو يومئذ ظاهر ما يرونه العامة على قدر عقولهم ويقول صبي السن وملك المشارقة كافة مع برجوان وابن عمار ملك المغاربة كافة ما أمر مولانا سبحانه بقتلهم فقتلوا الكلاب ولم يخش من تشويش العساكر والاضطراب وأما أمر ملوك الأرض فما يجرأ أحد منهم على مثل ذلك ثم أمر بقتل ملوك كتامة وجبابرتها بلا خوف من نسلهم وأصحابهم ويمشي أنصاف الليالي في أوساط ذراريهم وأولادهم بلا سيف ولا سكين. وقد شاهدتموه في وقت أبي ركوة الوليد بن هشام الملعون وقد أضرم ناره وكانت قلوب العساكر تجزع في مضاجعهم مما رأوه من كسر الجيوش وقتل الرجال وكان المولى جلت قدرته يخرج أنصاف الليالي إلى صحراء الجب ويلتقي به حسان بن عليان الكلبي في خمسمائة فارس ويقف معهم بلا سلاح ولا عدة حتى يسأل كل واحد منهم عن حاجته ثم أنه يدخل في ظاهر الأمر إلى صحراء الجب وليس معه غير الركابية والمؤذنين وكذلك في وقت نفاق مفرج بن ذغفل بن جراح وأخوته وأولاده وبدر بن ربيعة وجميع العرب وكانوا أهل الحجاز مع سلطانهم حسين بن جعفر الحسيني الذي نافق بمكة ومجيئه إلى الرملة واجتماعه مع ابن جراح وأولاده وما بالحضرة أحد من العسكرية ولا من الرعية إلا وهو يعتقد في كل يوم وليلة بأن حسين بن جعفر الحسيني يحيي مع مفرج بن دغفل وأولاده ويكسبون القاهرة والمولى جل ذكره يركب كل يوم وليلة ويخرج من العتمة من القاهرة ويدخل صحراء الجب ناحية الجبل موضع يزعمون العالم بأن بينه وبين ابن جراح وأراد ابن جراح أن يقتله ثم هلك بعد ذلك مفرج بن دغفل بن جراح وملوك الأرض كافة قد عجزوا عن هذا. . . . اهـ. وهكذا تجد هذا المخطوط كيف قلبته حاوياً أنواعاً مما تقدم وختم بقصيدة اسمها شعر النفس للشيخ أبي إبراهيم إسمعيل بن محمد التميمي الداعي المكنى بصفوة المستجيبين إلى دين مولانا إلى علم الإمام أرسلها إلى جبل السماق لتقرأ على كل موحد وموحدة قال: إلى غاية الغايات قصدي وبغيتي إلى الحاكم العالي على كل حاكم إلى الحاكم المنصور عوجوا ويمموا فليس فتى التوحيد فيه بنادم هو الحاكم الفرد الذي جل اسمه وليس له شبه يقاس بحاكم حكيم عليم قادر مالك الورى يؤانس بالاسم المشاع بحاكم غدا السابق السامي إليه وتاله مع الجد والفتح الخيال الملاوم عبيداً لمولانا خضوعاً لأمره وكل فتى في الدين عبد لآدم هو الواحد العالي على كل علة وما غيره إلا كعبد وخادم هو الحاكم المولى بناسوته يرى ولاهوته يأتي بكل العظائم إلى الحاكم المولى فهبوا واقبلوا فتوحيدكم صدق على كل حازم إذا الحاكم العالي تعالى بموكب فوحد بين العلم بين العوالم تسمى إماماً والإمام فعبده تيقظ ولا تصغي إلى كل نائم وقد ظهر المولى فآسى عبيده بأفعالهم أنساً بحكمة حاكم ظهوراً بأفعال العبيد وشكلهم ويؤنسهم والخلق شبه البهائم إذا بثنا التوحيد طاشت عقولهم وراموا انتهاشاً مثل نهش الأراقم سيقطعهم عظم احتجاج مقالنا على عظمهم قطعاً كقطع الصوارم هو الحق ما قلنا شواهده أتت تحز مقال القوم حز الغلاصم تقوم رجال الحق عند قيامهم بقوة عزم في انتهاء العزائم يفادون رغماً لا يجاب مقالهم حفاة سارى في أكف الضراعم يناديهم الهادي هلموا إلى الذي جلتهم من التوحيد من كل عالم هلموا إلى المعنى الخفي وحسبكم شواهد ما أبدي لكم في الدعائم وقلتم بتأويل المعاني ديانة على غيره ما قد قيل من كل قائم ظننتم بأن الطفل يبقى لصغره وأنسيتم حد البلاغ المكاتم وأشركتم والشرك كنه لنطقكم وأمواج بحر الشرك بين التلاطم سيطلق سيف الحق فيكم لجهلكم ويحصدكم كالزرع من غير راحم وتحويكم أهل الإجابة والتقى وتوحيدهم يربو على كل غانم ويظهر سيف للتميمي مشهراً على جمعكم والفعل من غير آثم وما صفوة للمستجيبين تارك جهادكم من غير خوف ولا لم ونشفي غليلاً في الصدور مكمناً ونأتي على أنسابكم والتراجم وتمشون جهراً بالغيار لخلفكم وتلقون كل الذل من غير راحم سيكظم هذا الشعر كل منافق ويزداد كظماً فوق كظم إلا كاظم حال الهند الإنكليزية ليست أحوال الهند كما يرام والحكومة الهندية البريطانية في خوف شديد ورعب زائد. لا جرم أنه يستبعد حدوث ثورة عامة مثل ثورة سنة ١٨٥٧ . لأن الحكومة تتذرع بوسائل من الحزم والاحتياط تجعل أمثال هذه الثورات من قبيل المحال. خصوصاً وأن أسلاك البرق وخطوط الحديد وسرعة وصول الأخبار وسهولة المواصلات تساعد الحكومة على توطيد دعائم الأمن والراحة وتضمن لها السكون والهدوء. غير أن الهنديين يحاربون الفاتحين بأسلحة أخرى وسيظلون محاربين لهم أبداً بها وهي: الجرائد. الخطب. الدعوة إلى الثورة. فبهذه الأسلحة الثلاثة يحاول الهنديون نزع الحكم الإنكليزي من أعناقهم. إلا وأن بين سكان آسيا على اختلاف مللهم ونحلهم وتباين عناصرهم وأجناسهم وبين أهل أوربا نفوراً ليس في إمكان البشر محوه ورفعه. وإليك ما قاله كيبلينك في هذا الصدد: من كتاب الإنكليز ولد في بومباي سنة ١٨٦٥ ). الشرق شرق والغرب غرب. ولا شيء يجمع بينهما فهما ضدان لا يأتلفان. ومكن المتعذر كل التعذر أن تنشأ بين ابن الشرق وابن الغرب ألفة حقيقية أو مودة ثابتة أو ثقة تامة. فإنهما يتكلمان بلغتين متباينتين كل التباين ولا يستطيعان أبداً أن يتفاهما. وعدم الألفة وقلة الوئام هو الأصل في علائق الشرقيين والغربيين على مدى الأيام. . . . تخرج في غضون خمسين سنة من المدارس العليا في الهند وإنكلترا ما يربو على خمسين ألف تلميذ هندي فتسعة أعشار هؤلاء غدوا كتاباً وأدباء ومحامين. أما الأطباء والمهندسون والكيماويون فهم بين ثلاثة إلى أربعة آلاف. ويتخرج كل سنة من المدارس العالية اثنا عشر ألف هندي وهؤلاء يأتون بلادهم حاملين شهاداتهم فيزداد بهم عدد الدارسين المعلمين زيادة مستمرة. وإن يكن قد خصص لهؤلاء الشبان بعض المناصب الصغيرة في الإدارة والمحاكم فليس في هذه المناصب ما يكفيهم جميعاً ومن لم يقدر على الدخول أو يرغب في دخول سلك المعلمين بتلك الرواتب الطفيفة التي تكاد تكون سخرية وهزؤاً يضم صوته لأصوات الجرائد ورجال السياسة المهيجين فعدد هؤلاء كبير للغاية وهو ينمو ويقوى على الدوام. . فالتربية الأوربية جعلت الهنديين غير راضين وصيرتهم خانقين ناقمين! ينشأ الهندي من المدارس العالية على ذكاءٍ وقاد ونباهة تامة غير ميال للتجارة أو الصناعات فيدخل في برهة وجيزة غمار الساسة وهو حانق على حكومة وإدارة قد غرستا فيه آمالاً كبيرة ومنته بأحلام مذهبة لم يتمكن من تحقيقها ولا طاقة له بالحصول عليها. وإذ كان يرى نفسه على مستوى من يحكمون عليه مساوياً لهم في المعرفة والإدراك ولا فرق بينه وبينهم في شيءٍ لا يلبث أن يتمثل أمام عينه ذلك الظلم المهين الذي سجل عليه حياة بائسة تحت ربقة أناس دخلاء أجانب غرباء مع أن في مكنته أن يقوم مقامهم في تولى الأمور والمصالح والعمل في شؤون الحكمة والإدارة وقد يفضلهم ويمتاز عنهم من حيث أنه ابن البلاد عارف بأخلاقها وطبائعها، خبير بأمزجتها وعاداتها، واقف على معتقداتها وتصوراتها. . . يتعلم الهندي في بلاد الإنكليز في أيام الدراسة قواعد السياسة وأصول الإدارة وسيقف على آراء علماء الاجتماع على نحو ما يتلقاها شبان الإنكليز فيخرج من المدرسة وعقله متشبع بمبادئ الحكم الذاتي وحكم الأمة نفسها بنفسها وعدم المركزية كما هو الحال في بريطانيا. والتلميذ الهندي يفهم هذه المبادئ كل الفهم ويعلمها حق العلم ولكنه متى جاء ليطبق أحكامها على بلاده وأوطانه يشعر بأن لسان حال الإنكليز يقول له بأجلى إشارة: ما كان حقاً وصحيحاً على ضفاف التايمس ليس كذلك على ضفاف الغانج!. وهذا القول يصعب إذا نظر الإنسان إليه بعين إنكليزية أما الهندي فلا يقنعه ذلك ومن هنا ينبعث النفور والحنق. يريد الهنود إما أن يتركوا وشأنهم يحكمون أنفسهم بأنفسهم وإما أن يحكمهم الإنكليز مراعين مصلحة الثلاثمائة مليون من البشر سكان الهند رعية إمبراطور الممالك الهندية وملك بريطانيا. وبعبارة أخرى يطلبون من حكومة الهند أن توجه عنايتها لحفظ مصالح الهند. إما الإنكليز وجرائد الإنكليز فيقولون ويجهرون بالقول غير مبالين بأن بقاء الإنكليز وحكمهم عليها هو لأجل مصالح الإنكليز فقط فالهنود محكومون للإنكليز من أجل هذه المصالح وحدها. وما دام الإنكليز في بلاد الهند فمصالحهم ومرافقهم فيها خطيرة فحرصاً على هذه المصالح ورعايةً لهذه المرافق وحباً بالوصول إليها على أكمل وجوهها يحكمون هذه المملكة الشاسعة الأطراف الوسيعة الجوانب ويدبرون أمورها. ربما ساغ للإنكليز أن يقولوا أنهم عمروا البلاد وحسنوا حالها بإنشاء الطرق ومد الخطوط الحديدية وأسلاك البرق وإصلاح الري وسقيا الأرض وفتح أبواب الصناعات وبذل العناية في حفظ الصحة العامة ودرءِ أسباب المجاعات وتخفيف ويلاتها. ولكن هذه المواد النافعة لم تأتِ إلا من طريق العرض وهي منبعثة من المنافع الكبيرة والفوائد العظمى التي خص الإنكليز بها أنفسهم دون سواهم فهي ناشئة من حاجتهم إليها لأجل استثمار البلاد وأخذ نتاجها وغلتها. . . وقصارى القول: إن الإنكليز لم يحكموا الهند من أجل عيون الهنود الكحلاء ولمنفعة الهنديين بل رغبة في مصلحة الإنكليز وحدها. . . وما من أحد في الغرب يلوم الإنكليز على صنعها هذا. ولكن أليس من البديهي أن يصلح أهل الهند غير راضين عن هذه الحالة. يقول الهنود: لا يعمل الإنكليز إلا لأنفسهم. ويجيبهم الإنكليز: بأنهم يعملون لأنفسهم وفي عملهم هذا ينفعون البلاد الهندية. فهنا فرق دقيق لا يخفى على الناقد البصير. وإن الهنود الدارسين في أوربا ليعلمون هذا الفرق ويدركونه وهم لا ينفكون من إلفات أنظار أبناء وطنهم إليه مشوباً بالإعظام والمبالغة. رأى الهنود المتعلمون وعرفوا ماذا حدث وجرى في جزيرة إيرلاندا ورأوا وعرفوا ماذا حدث في الممالك الأخرى فاقتدوا بهم ونسجوا على منوالهم وحذوا حذوهم وقلدوا الأيرلنديين والاجتماعيين والعدميين (سوسياليست وآنارشيست) في أعمالهم. . خذ مثالاً لذلك حاثة عليبور سنة ١٩٠٨ وحادثة لورندا سنة ١٩٠٩ (وهي أن دنكرا الهندي قتل السير كرزون ويلي والدكتور لاتقا سنة ١٩٠٩ ) وغيرهما. . . فالمتهيجون والكتاب والصحفيون من الهنود الذين يعرفون قوة الجرائد والمطبوعات وتأثيرها فتحوا باب حرب دائمة على صحائف الجرائد ضد الإنكليز يدعون الناس فيها إلى طلب الاستقلال في الإدارة (أوتونومي وبالهندية سوراجا) ويشوقونهم لمقاطعة البضائع الإنكليزية (بويكوتاج وبالهندية سوادشي) كما صنع الأيرلنديون في جزيرتهم. وأضافوا على ذلك عمل الفوضويين أي القتل والفتك الذريع وإلقاء القنابل والأجزاء المفرقعة والمواد النارية المنفجرة. وهذا هو البلاء! فكيف السبيل للوقوف أمام تياره الهائل؟ لم تعمد الحكومة الإنكليزية حتى الآن إلا إلى طريقتين: الأولى العزم والرصانة. الثانية: إرضاءُ الطبقات العليا التي لها التأثير في الهنود بشيءٍ من المنافع والمناصب وهم البراهمة الذين يلتصق بهم عامة الدارسين من الهنديين الذين نشئوا نشأة إفرنجية. وربما وجد بين هؤلاء من هو راضٍ عن الإنكليز وحكم الإنكليز. بيد أنهم قليلون جداً لا يتعدون الطبقة التي تولت مناصب الحكومة ونالت رواتب كافية. أما جيش الكتاب الصحافيين العرمرم، جيش الناقمين الحانقين، جيش المتعلمين الذين لم يحصلوا على مراكز في الحكومة فإنهم يؤثرون في أفكار الناس جميعاً من طريق الكتابة والخطابة. يصعب الحكم على مبلغ تأثير هؤلاء المتحمسين وإلى أين يصل وماذا حصل منه. ومعلوم أن التأثير عظيم جداً لاسيما في بنجاب وبنغاله وغيرهما من الأقطار. . . ومما يساعد على امتداد سلطة الإنكليز في الهند انقسام الهنديين إلى طبقات متخالفات (كاست وهذه الطبقات لا رابطة بينها ولا ترغب في أن يكون لها رابطة. ولا يوجد في الهند ما يقال له أمة هندية. وليس بين سكان الممالك الهندية رابطة مشتركة سوى بعض الإنكليز وهذه الرابطة عبارة عن شعور سلبي لا يفيد في شيءٍ إن لم يكن مشفوعاً بشعور إيجابي كحب الوطن والاشتراك في اللغة وفي الأفكار. فهذا لا أثر له في الهند. أو لم يوجد بعد. ويختلف الهنود بعضهم عن بعض كما يختلف سكان البلاد المتفرقة في أوربا. ثم أن العنصر الإسلامي في الهند راضٍ عن حكومة الإنكليز لأنه هو أيضاً أجنبي. ومن المحقق أن المسلمين في الهند ليسوا سوى ستين مليوناً من ثلثمائة مليون والهنود يبغضون المسلمين بقد بغضهم للإفرنج تقريباً وزد على ذلك فإن مسلمي الهند محرومون من الذكاء والميل للتعليم الذي عرف به الهنود. فينتج من ذلك أن الحالة في الهند أو في بعض أيالاتها (كبنجاب وبنغاله وغيرهما. .) ليست على خير وإن كان لا ينبغي إعظامها والمبالغة فيها لأن وجود الطبقات المتخالفات في درجات الاجتماع واختلاف الأجناس والأديان يحول دون ثورة عامة على الإنكليز. وإنكلترا لا تخشى إلا من أن تثور الهند مدفوعة من إحدى الدول العظمى أو مستندة عليها. خطر الثورة في الهند قليل جداً بالنسبة للثورة التي حدثت قبل اثنتي عشرة سنة ولكتن المركز حرج على كل حال. آفة الأخبار مسألة تصحيح السند في الأخبار من المسائل المعول عليها كثيراً في الإسلام حتى عد ذلك من خصائصه وبه حفظت السنة بحالها وطرحت منها الزوائد ولم يبق مجال للوضاعين والقصاصين على شدة احتيالهم في بث ما اخترعوه ووضعوه ولأجل هذا الغرض ألفت المصنفات الكثيرة في الطبقات ليعرف كل امرئٍ بترجمته فلا يغترر إنسان بقوله مهما بلغ من زخرفه: فمن طبقات للمفسرين وأخرى للمحدثين وأخرى للفقهاء وغيرها للمؤرخين وغيرها للنحويين والحكماء والأدباء والفلاسفة والأطباء لتظهر على الدهر صفات من انتسب لعلم أو ضرب في العارف بسهم. ولذلك كان من السهل التمييز بين أقوال المؤلفين على عهد رواج بضاعة العلوم في هذه الديار أيام كانت ملكة النقد ترجع إلى قواعد مقررة وضوابط محررة فلا يغتر الخاصة بنقل نقله مؤلف هو في الحقيقة من العامة بمجرد ما يرونه ٨ مكتوباً على الورق منشوراً في سفر مجلد. ولقد كان ولا يزال بعض من يعانون صناعة التأليف يسقطون الحين بعد الآخر في مسائل فيخلطون فيها على الأغلب ومنشأ ذلك على ما يعرف المحققون عدم تصحيح السند والنقل وأخذ القول على عواهته بدون تمحيص حتى لم تكد تخلو كتابة المكثرين من المغامز يتبين منها عوارها ويتجلى ضعفها. مثال ذلك اختلاف بعضهم في أمر الخلفاء وما كانوا عليه من النازع والأخلاق فكان بعضهم يقدح في سيرتهم حتى يسقطوهم كل الإسقاط وبعضهم يرفعونهم حتى يبلغوا بهم مراتب الملائكة وكلا الأمرين إفراط وتفريط. فقد رأينا بعض الوضاعين وأرباب المجون اتهموا بعض بني العباس كالرشيد والمأمون مثلاً بالتبذل والاسترسال في الخلاعة ولم نر مؤرخاً واحداً من ثقات المؤرخين صحح هذه الأخبار فكأن مدون تلك الهنات يحاول إلصاقها بخصمه لغرض سياسي أو أن ينقلها بعض أرباب المقالات والأهواء_وأكثرها أيضاً من نزعات سياسية_ويقصد منها غرضاً من الأغراض أو يغتر بها الأبله وما أكثر البله في المؤلفين. ومن الحكايات المدخولة للأغراض المنوه بها ما رواه بعض لم يصححوا النقل في السبب الذي حمل الرشيد على نكبة البرامكة من قصة العباسة اخته مع جعفر بن يحيى بن خالد مولاه وأنه لكلفه بمكانهما من معاقرته وإياهما الخمر إذن لهما في عقد النكاح دون الخلوة وأن العباسة تحيلت عليه في التماس الخلوة لما شغفها من حبه فحملت ووشي بذلك للرشيد فغضب ونكب البرامكة. وقد رد ابن خلدون على هذه التهمة الشنعاء أحسن رد معقول فدفع هذه الفرية عن ابنة خليفة وأخت خليفة محفوفة بالملك العزيز والخلافة النبوية وصحبة الرسول قريبة من عهد البداوة وسذاجة الدين وما هذه التهمة إلا مما وضعه الوضاعون يقصدون التوصل منه إلى النيل من أولئك الخلفاء بهذه الطريقة السافلة وإغراء الناس على إتيان المنكرات ليقول العامة إذا كان مثل الرشيد يعاقر الخمر ويقدح في مروءته في مسألة تزويج أخته فأولى بنا أن لا نشدد في قيود الدين والآداب ونحن يسعنا ما يسعهم وقد قال الطبري وهو من ثقات المؤرخين والمحدثين أن الرشيد كان يصلي في كل يوم مائة ركعة نافلة وكان يغزو عاماً ويحج عاماً. أما الشراب الذي يرمي بنو العباس بتناوله فكان عصير التمر وقد أفتى بحله الفقهاء. وإنا إذا تمدنا في أخبارنا على مثل كتاب أعلام الناس ونزهة المجالس وشمس المعارف وغيرها من كتب الموضوعات واعتقدنا صحة أقوال بعض أرباب الأهواء من المؤرخين لا يكاد يبقى لنا بقية يعتد بها من الخلفاء والأئمة ما كانت الأمة تبقى إلى اليوم محافظة بعض الشيء على آدابها وأخلاقها. ومن ذلك ما وقع مؤخراً لصاحب مقالة تعليم النساء فنقل ما قاله الأدباء وأكثرهم من المخالفين لبني العباس في مذهبهم الديني والسياسي_في علية حفيدة المنصور وبنت المهدي وأخت موسى الهادي وإبراهيم ابن المهدي والرشيد والعباسة وأسماء وعمة الأمين والمأمون والمعتصم وإنها كانت تشبب بغلامين طل ورشا وإن الرشيد لما آنس منها ميلاً إلى طل وهبها إياها وقبل رأسها وقال لها لست أمنعك بعد اليوم من شيءٍ تريدينه! ولئن رجح الكاتب الرواية الثانية لما عرف من أنفة الرشيد وغيرته ولكنه كان عليه طرح هذه الرواية المدخولة لأدنى نظرٍ قياساً على نظائرها مما روي عن أرباب الخلاعة من الماجنين من الشعراء والوضاعين من أهل الأهواء ممن يريدون الاعتذار عن سيئاتهم باتهام العظماء بهذه التهم الشنعاء ليكون الناس في الخزي والبذاء كأسنان لمشط في الاستواء ولطالما ودَّ صاحب الكبائر لو كان الناس كلهم شركاءهم فيما يقترفون. وإنا إذا وضعنا هذه الرواية على محك الروية لتجلى لنا لأول نظرة بأنها لا تصدر عن عامة الناس في عصر الرشيد والمأمون وناهيك به من عصر بلغ الغاية في الآداب والعلم والصيانة فكيف يعقل صدور ذلك من خليفة وابنة خليفة وأخت خليفة ولو وجد عقلاء عصره ورجال دولته أقل نقد عليه لما سكتوا عنه ولو أغمضوا عيونهم لما خفي أمره على الطالبين القائمين بالدعوة إلى أهل البيت وهل أحسن لهم ذريعة في إسقاط الرشيد والمأمون من نسبتهما إلى أمور لو ثبت أقلها لكانت تقصيهما عن منصب الخلافة ولو كان أهل الأرض ظهراءهما. إن أخلاق السوقة تأبى لعمز الحق الرضى بما نقله أهل المجون عن الرشيد وسماحه لأخته بمعشوقها وقوله لها أنه لا يصدفها عن إتيان ما تريد إذا كان فيه هوى نفسها! وإن نسبة تلك الأشعار في النسيب والتشبيب إلى امرأة كعلية من فضيلة النساء لا يرضى به السوقة دع عنك الخلفاء بعد الذي علمناه من أن العرب كانوا يقتلون من بناتهم من تشبب وتفحش في غزلها فكيف بعد هذا نثق برواية القيرواني في علية وهو أموي والأصفهاني وهو علوي. ومعاداة العلويين والأمويين لبني العباس معلومة مشهورة وميل الأدباء والموسيقيين للأغراب لإدهاش الناس معروف موصوف ومتى كانت تؤخذ حقيقة علمية من أديب أو فضيلة أخلاقية من شاعر. وعندنا أن كل ما اتهم به الوضاعون وأهل الخلاعة بعض الخلفاء الأول من بني العباس إنما أتى من تكتم العباسيين في أسرار دولتهم ولأنهم أعطوا الأمة حرية أمنت فيها فلم ير بعض أردياء الفطرة أقرب إلى العبث بعقول العامة بنشر تلك الموضوعات والمجونيات بين العامة والخاصة كما أشاعوا سوء القالة عن العباسة وعلية والناس أميل إلى الشر منهم إلى الخير وإلى كسر القيود أكثر من الاحتفاظ بها وإلى أقاصيص الهزل وأساطير اللهو أكثر من روايات الجد وتلقف الحقائق. وكل شيءٍ يحتاج إلى تمحيص وحاجتنا إليه في التآليف والمؤلفين أكثر حتى لا نتغرر بكل قول ولا نصحح كل نقل. قانون حق التأليف المادة الأولى لكل نوع من النتاج الفكرية والقلمية حتى لصاحبها يسمى حق التأليف. المادة الثانية النتائج الفكرية والقلمية هي جميع أنواع الكتب والمؤلفات والرسوم والألواح والخطوط والمحكوكات والهياكل والخطط والخرائط والمسطحات والمجسمات المعمارية والجغرافية والطبوغرافية وكل المسطحات والمجسمات الفنية والترانيم والتواقيع (نوطه) الموسيقية. المادة الثالثة إن حق التأليف يتضمن طبع ونشر هذه الآثار والاتجار بها وترجمتها للسان آخر أو إفراغها لرواية تمثيلية ويشمل الدروس والمواعظ والخطب والمسامرات التي تلقى لأجل التعليم والتربية أو الفكاهة. أما الخطب التي تلقى في مجلس المبعوثان والأعيان والمحاكم والاجتماعات العمومية فلكل إنسان أن يضبطها وينشرها. وإنما جمع خطب خطيب أو دروس أستاذ وتدوينها وطبعها هو حق من حقوق صاحبها. المادة الرابعة المقالات والرسوم التي تنشر في الجرائد اليومية والموقتة إذا كانت مقيدة بعبارة حقها محفوظ ونشرها وترجمتها ممنوع لغير صاحبها فحقها محفوظ. ولكن المقالات والرسوم والأخبار اليومية غير المقيدة بمثل هذا القيد لا يعتبر فيها حق التأليف على شرط أن يبين مأخذها. المادة الخامسة لا يجوز استعمال أسماء الجرائد والمجموعات والرسائل والكتب الموجودة من قبل أحد وإنما لكل إنسان أن يضع لمؤلفاته أسماء وعنوانات عمومية. المادة السادسة يعود حق التأليف للمؤلف في حياته وبعد وفاته يعود أولاً لأولاده وأزواجه لمدة ثلاثين سنة من تاريخ وفاته. ثانياً لآبائه وأمهاته. ثالثاً لأحفاده بالتساوي. وعليه لا يجوز طبع ونشر هذه المؤلفات أو ترجمتها للسان آخر في هذه المدة من قبل أحد غير مؤلفها أو ورثته. المادة السابعة إن حق التأليف في الألواح والخطوط والنقوش والرسوم والأشكال والخرائط وجميع المسطحات والمجسمات المعمارية أو الجغرافية والطبوغرافية بعد الوفاة هو ثماني عشرة سنة أما حق التأليف في الترانيم والتواقيع الموسيقية فهو كالكتب والمؤلفات (ثلاثون سنة). المادة الثامنة ليس في القوانين والنظامات والأوامر والتعليمات الرسمية والإعلانات التجارية والصناعية حق للتأليف ولكن للذين يعلقون ويشرحونها حق محفوظ في هذه التعاليق والشروح. المادة التاسعة إن مدة حق التأليف للآثار التي لم تنشر في حياة المحرر تبتدئ من اعتبار تاريخ نشرها. المادة العاشرة لا يجوز تمثيل رواية منثورة أو منظومة أو تمثيل قسم منها من غير إذن المؤلف ولا يتضمن حق طبع هذه الآثار ونشرها حق تمثيلها. المادة الحادية عشرة إن تمثيل الروايات المنثورة والمنظومة في المسامرات التي ترتبها المكاتب والجمعيات الخصوصية لا لمقصد الانتفاع غير تابعة لحق التأليف. المادة الثانية عشرة يجوز أخذ بعض القطع من أي أثر كان لضرورة أو لفائدة من الآثار الأدبية والعلمية والكتب المخصوصة بالمدارس وفي الانتقادات على شرط أن يذكر اسم المؤلف. المادة الثالثة عشرة لا تنشر المكاتيب إلا برخصة من صاحب تلك الآثار إذا كان حياً أو من عائلته إذا كان متوفى. المادة الرابعة عشرة يمكن ترجمة أثر من الآثار من قبل واحد أو أكثر ضمن أحكام هذا القانون وحق كل مترجم من ترجمته كحق التأليف اعتباراً من وفاة المترجم. المادة الخامسة عشرة إن حق التأليف في الآثار التي تنشرها الدوائر الرسمية والجمعيات المعروفة لدى الحكومة بصورة رسمية عائد لتلك الدوائر والجمعيات. المادة السادسة عشرة إذا ألف أو ترجم اثر من قبل أشخاص متعددين من غير مقاولة فحق التأليف أو الترجمة عائد إليهم كافة على التساوي وإذا توفي أحد الشركاء فحق استفادته من الأقسام التي نشرت لتاريخ وفاته والمسودات التي أعدت للنشر ينتقل لورثته وتعتبر مدة الثلاثين سنة في حق التأليف ومدة الخمس عشرة سنة في حق الترجمة اعتباراً من وفاة آخر شريك في التحرير وإذا كان يوجد مقاولة مخصوصة بين الشركاء فيجري حكم المقاولة تماماً وإذا حدث خلاف ما يرجع إلى المحكمة. المادة السابعة عشرة إذا لم يبق لصاحب الكتاب صاحب ما كأن توفي مؤلفه بلا وارث أو انقطعت الوراثة أو حدثت أسباب أخرى فكل إنسان له الحق بطبع ذلك التأليف وترجمته. المادة الثامنة عشرة يمكن لكل أحد أن يطبع المؤلفات المطبوعة قبلاً والتي لا صاحب لها وفقاً للمادة السابقة وأما الذين يودون طبع مصنف لم يطبع حتى الآن فيعطى لهم بناء على استدعائهم امتياز من قبل نظارة المعارف لمدة عشر سنوات إلى خمسة عشرة سنة وحينئذ لا يجوز لغير صاحب الامتياز أو ورثته طبع هذا الكتاب في خلال هذه المدة وإنما إذا لم يباشر طبع المؤلف في مدة سنة أو عطل سنة بعد مباشرة طبعه فيعد الامتياز كأن لم يكن. المادة التاسعة عشرة إذا نفذت بعد وفاة لمؤلف نسخ أثر من الآثار المعتبرة التي يرجى منها الفائدة للناس ولم يتيسر طبعه لسبب من الأسباب كفقر ورثة المؤلف أو إهمالهم أو عدم اتفاقهم فنظارة المعارف تستكمل أسباب طبع هذا الأثر مع مراعاة حقوق الورثة. المادة العشرون على مؤلفي الآثار أن يعطوا ثلاث نسخ مطبوعة من أثرهم لنظارة المعارف في الآستانة ولمديرية المعارف في الخارج ويقيدوه ويسجلوه ليحفظوا بذلك حق تأليفهم أما الآثار التي ليس لها إلا صورة واحدة كالألواح والتماثيل والتعاليق (الأنواط أو المداليات) فهي مستثناة من هذه المعاملة. المادة الحادية والعشرون يقيد في الدفتر المخصوص الذي ينظم في نظارة المعارف ومديرياتها لحق التأليف ماهية المؤلف واسم كتابه وموضوعه وتاريخه ومحل طبعه وعدد صحائفه ويوضع له رقم بالترتيب وبعدها يوقع عليه من صاحب الكتاب أو وكيله الرسمي. المادة الثانية والعشرون يؤخذ في دوائر محاسبات المعارف ربع ليرة عثمانية فقط خرجاً للقيد والتسجيل ويعطى بمقابله من نظارة المعارف أو مديرياتها علم وخبر يعتبر بمقام سند للتصرف يكون معمولاً به إلى أن يثبت عكسه بالمحاكمة. المادة الثالثة والعشرون تجري معاملة قيد المطبوعات الموقتة في كل آخر سنة عند إراءة النسخ التي نشرت وتسجيلها. المادة الرابعة والعشرون لا تسمح دعوى حق التأليف في المؤلفات غير المسجلة إلى حين تسجيلها. تعلن في آخر السنة الكتب التي قيدت وسجلت في غضون السنة وأسماء مؤلفيها رسمياً بواسطة الجرائد. المادة الخامسة والعشرون لصاحب الأثر أو المترجم أو صاحب الامتياز أو ورثتهم أن يبيعوا أو يتركوا في خلال المدة النظامية حق التأليف أو الامتياز تماماً أو موقتاً أو بتعيين عدد النسخ لآخر بموجب بمقابل بدل أو بلا بدل ويكون المشتري أو الآخذ قائماً مقام أصحابها ضمن شروطها حتى أنه إذا توفى قبل إكمال المدة تعد ورثته متصرفة في المدة الباقية. المادة السادسة والعشرون يجب تسجيل مقاولة البيع أو الترك في نظارة المعارف في الآستانة وفي مديرياتها في الخارج ويؤخذ نصف ليرة عثمانية خرج قيد ولدى إبراز المقاولات التي لم تقيد على هذه الصورة إلى المحاكم يؤخذ ثلاثة أضعاف الخرج المذكور جزاء ويرسل إلى صندوق المعارف. المادة السابعة والعشرون المحررون وأصحاب الصناعة الذين يشتغلون لاسم غيرهم يعتبرون بائعين حق تأليفهم إذا لم يوجد مقاولة خصوصية. المادة الثامنة والعشرون ليس للطابع أن يحدث تغييراً ما في الكتاب بدون إذن المحرر وإذا جري ذلك منع نشر الكتاب بواسطة المحكمة وتعلن صورة الإعلام بالجرائد وليس للطابع أن يسترد الأجرة التي أعطاها للمحرر. المادة التاسعة والعشرون إن طبع كتاب وتمثيله في المدة الحقوقية من غير إذن صاحبه يعد تقليداً وكذلك تمثيل رواية منثورة أو منظومة في المدة الحقوقية من غير رخصة أصحابها وطبع التواقيع (نوطه) الموسيقية أو استنساخ الخرائط والألواح والرسوم وأنواع الخطوط بالفوطوغراف أو بوسائط أخرى وإعمال قوالب للآثار القلمية والموسيقية بالوسائط الصناعية وإعمال ألواح لها (بلاكات) هو بحكم التقليد يجازى المقلدون توفيقاً للمادة الثانية والثلاثين. المادة الثلاثون إن نسبة الآثار في التأليف والفنون النفسية لغير أصحابها يعد انتحالاً وكذلك من قدم وآخر عبارات كتاب أو أناشيد موسيقية أو حرف طرز أفادتها كله بصورة يفهم منها الأصل وأسندها لنفسه يعد بحكم المنتحل. المادة الحادية والثلاثون الانتقادات والشروح والحواشي لا تعد انتحالاً وكذلك إذا نقل المؤلف بعض جمل وفقرات من كتاب آخر لمصنفه ونوه بأنه أخذه من محل آخر لا يكون منتحلاً. المادة الثانية والثلاثون من طبع الكتب التي لها حق التأليف بدون رخصة من أصحابها أو توسط بطبعها أو مثل رواية منثورة أو منظومة يغرم بخمسة وعشرين ليرة عثمانية إلى مئة ليرة جزاءً نقدياً وحبس من أسبوع إلى شهرين وتضبط منه الأسفار التي طبعها وتعطى إلى أصحابها وكذلك من طبع مثل هذه المصنفات في الخارج ومن أدخلها إلى الممالك العثمانية يغرم بخمسة وعشرين ليرة عثمانية إلى مئة ليرة جزءً نقدياً والذين يبيعون هذه المطبوعات وهم عارفون بها أو يعرضونها للبيع يغرمون بخمس ليرات عثمانية إلى خمسة وعشرين ليرة جزاء نقدياً. المادة الثالثة والثلاثون إذا أقيمت دعوى الضرر والخسارة من قبل صاحب الكتاب المتضرر يعطى بحقها قرار من المحكمة نفسها مع أساس الدعوى. المادة الرابعة والثلاثون يعامل الطابعون الذين يطبعون كتباً زيادة عن المقاولة التي عقدوها مع المؤلف معاملة الذين خالفوا الأمانة وتضبط النسخ الزائدة التي طبعوها ويؤخذ منهم بدل ما باعوه ويعطى كل ذلك لصاحب الكتاب. المادة الخامسة والثلاثون تطبق أحكام المادة الثانية والثلاثين التي بحق المقلدين على المنتحلين أيضاً. المادة السادسة والثلاثون لأصحاب الكتاب المشترك أن يراجعوا المحكمة على الانفراد ويطلبوا الضرر والخسارة التي لحقتهم بسبب التجاوز على حقوقهم التصرفية من قبل الغير. المادة السابعة والثلاثون لا يجوز للدائنين حجر كتب المؤلف التي لم تطبع وإذا صدر حكم في بيع الآثار والمؤلفات التي حجز عليها يعتنى كثيراً بعرضها للبيع ووقاية أصحابها من الغدر. المادة الثامنة والثلاثون النظام المتعلق بطبع الكتب والمؤرخ في ٨ رجب سنة ٢٨٩ و ٣٠ آب سنة ٢٨٨ مفسوخ بهذا القانون مع الفقرات المذيلة عليه. المادة التاسعة والثلاثون على من طبعوا أثراً قبل هذا القانون بدون أن يحصلوا على رضى صاحبه أو ورثته مراجعة صاحبه أو ورثته واستحصال رضاهم وإذا استمروا على بيع الآثار المخلدة من غير رضى أصحابها يجازون بمقتضى هذا القانون. المادة الأربعون إن تنفيذ الأحكام القانونية على الجرائم المعينة بهذا القانون متوقفة على شكايا شخصية. المادة الواحدة والأربعون إن حق تأليف للآثار التي نشرت بلا إمضاء أو بإمضاء مستعار راجعة إلى ناشرها إلى أن يظهر محررها نفسه. المادة الثانية والأربعون ناظر المعارف والعدلية مأموران بإجراء هذا القانون. عبث المشيب ظلم الرجال نساءهم وتعسفوا هل للنساء بمصر من أنصار يا معشر الكتاب أين بلاؤكم أين البيان وصائب الأفكار أيهمكم عبثٌ وليس يهمكم بنيان أخلاقٍ بغير جدار عندي على ضين الحرائر بينكم نبأ يثير ضمائر الأحرار مما رأيت ومما علمت مسافراً والعلم بعض فوائد الأسفار فيه مجال للكلام ومذهب ليراعي (باحثة) (وست الدار) * * * كثرت على دار السعادة زمرة من مصر أهل مزارع ويسار يتزوجون على نساء تحتهم لا صاحبات بغى ولا بشرار شاطرنهم نعم الصبى وسقينهم دهراً بكأس إلى السرور عقار الواردات بنيهم وبناتهم الحائطات العرض كالأسوار الصابرات لضرة ومضرة المحييات الليل بالأفكار * * * من كل ذي سبعين يكتم شيبه والشيب في فوديه ضوء نهار يأبى له في الشيب غير سفاهة قلب صغير الهم والأوطار ما حله عطف ولا رفق ولا بر لأهله أو هوى لديار كم ناهد في اللاعبات صغيرة ألهته عن حفد بمصر صغار مهما غدا أو راح في جولانه دفعته خاطبة إلى سمسار شغل المشايخ بالمتاب وشغله بتبدل الأزواج والأصهار في كل عام همه في طفلة كالشمس إن خطبت فللأقمار يرشو عليها الوالدين ثلاثة لم أدر أيهم الغليظ الضار المال حلل كل غير محلل حتى زواج الشيب بالأبكار سحر القلوب فرب أم قلبها من سحره حجر من الأحجار دفعت بنيتها لشأن مضجع ورمت بها في غربة وأسار وتعللت بالشرع قلت كذبته ما كان شرع الله بالجزار ما زوجت تلك الفتاة وإنما بيع الصبى والحسن بالدينار بعض الزواج مذمم ما بالزنى والرق إن قيس به من عار فتشت لم أرى في الزواج كفاءة ككفاءة الأزواج في الأعمار * * * أسفي على تلك المحاسن كلما نقلت من (اليالي) إلى الدوار إن الحجاب على (فروق) جنة وحجاب مصر وريفها من نار وعلى وجوه كالأهلة روعة بعد السفور ببرقع وخمار وعلى الذوائب وهي مسك خولطت عند العناق بمثل ذوب القار وعلى الشفاه المحييات أماتها ريح الشيوخ يهب في الأسحار وعلى المجالس فوق كل خميلة بين الجباه وشاطئ محبار تدنو الزوارق منه تنزل جؤذراً بقلادة أو شادناً بسوار يرفلن في أزر الحرير تنوعت ألوانه كالزهر في آذار الطاهرات اللحظ أمثال المهى الناطقات الخرس كالأوتار الرائعات اللاعبات أوانساً بربي (بيوكدرة) وشاطئٍ (صاري) الدهر فرق شملهن فمر به يا رب تجمعه يد المقدار الإبر كثيراً ما فتشنا في كتاب دائرة المعرف العربية للبستاني عن أهم أمم الشرق وأديانهم فلم نعد بطائل. ومن جملة هذه الأجيال الأبر فلا تجد لهم ذكراً في هذا الكتاب. مع أن جغرافيي العرب ذكروهم في مؤلفاتهم وإن لم يذكروا لنا التفاصيل التي نتطال إلى معرفتها. فقد جاء في كتاب ابن الفقيه المسمى بكتاب البلدان ص ٨٣ من طبعة دي كوي ما نصه: وبرجان وبلدان الصقالب والأبر شمالي الأندلس وقد نقل هذه العبارة بعينها وحروفها ابن خرداذبة في كتابه المسالك والممالك. وقال ابن رسته في الأعلاق النفيسة ص ٩٨ عن بلاد هؤلاء القوم ما نصه: وأما ما وراء هذه الأقاليم (الأقاليم السبعة) إلى تمام الموضع المسكون الذي عرفناه فإنه يبتدئ من المشرق من بلاد ياجوج ثم يمر على بلاد التغزغز وأرض الترك ثم على بلاد اللان ثم على الأبر ثم على برجان والصقالبة وينتهي إلى بحر المغرب اهـ بحرفه وقال المسعودي في كتاب التنبيه والإشراف ص ٣٢ : وحد الأقاليم الخمسة بحر الشام إلى أقصى أرض الروم مما يلي البحر إلى تراقية وبلال برجان والصقالبة والأبر إلى حد أرض ياجوج وماجوج إلى حد الإقليم الرابع مما يلي نصيبين أطول ساعات نهاره خمسة عشرة ساعة. اهـ. وفي موضع آخر ص ١٨٤ من كتاب المسعودي المذكور ذكر الأبر من سكان بلاد تجاور جبل القبق (قوقاس أو قفقاسية) قال: وقرب من هذا الجبل من الأمم كاللان والسرير والخزر. . . والأبر وبرجان والروس والبرغر. . . وذكرهم مرة ثالثة في ص ١٩١ قال: ومن جاورهم (أي الروم) من الممالك من برجان والأبر والبرغر والصقالبة والخزر وغيرهم. . ولم نجد لهم ذكراً في سائر كتب مؤرخي العرب وواصفي البلدان فلا الطبري ذكرهم ولا ابن الأثير ولا ابن خلدون ولا غيرهم من كبار المؤلفين. ومن بعد أن بحثنا عنهم وجدناهم أنهم الذين يسميهم الإفرنج وهنا نلخص عنهم ما كتبوه تماماً للفائدة وسداً للثلمة الموجودة في كتبنا التاريخية والجغرافية. الأبر جيل من الناس منشأوه في بلاد التتر وهم فروع من فرع قبيلة الهونة. وكانوا قد ضربوا خيامهم بعد أن هجروا بلادهم الصلية في نواحي جبل الألطائي. ثم طرأت عليهم طارئة من الصينيين سنة ٥٥٢ فطردتهم من مقرهم وأفنت جماعات منهم. ومن نجا منهم فرغوا إلى جهات بلاد أوربا فقطعوا نهر الأثل والدون سنة ٥٥٧ ثم خيموا بعد برهة على شطوط الطونة. وما عتموا أن ناوأوا ملوك الروم وقياصرتهم ونشلوا منهم سنة ٥٨٢ داقية وفنونية ومن هناك انتشروا ولا انتشار الجراد في بلاد جرمانية في شمالي الطونة حتى بلغو إيطاليا. وأول ما خضدت شوكتهم كان سنة ٦٢٦ تحت أسوار القسطنطينية فإن هرقل الملك كسر شيخهم بيان وكان حليفاً لكسرى. ثم دوخهم كل التدويخ شرلمان من سنة ٧٩١ إلى سنة ٧٩٩ وحينئذ دانوا بالنصرانية. وكان البر طويلي النجاد محبين للحروب وقد اشتهروا بالمكر والنكر والخدعة في الفر والكر. وأما مساكنهم فإنهم لم يأووا إلى غير الخيم والمضارب. ولم يعرفوا من المدن إلا الأحوية جمع حواء وهي جماعة من بيوت الوبر المتدانية وكانوا يقيمون على هيئة دوائر عظيمة وتسمى عندهم رنك أي حلق جمع حلقة لاستدارتها. وكان يسمى شيخهم باسم الخان أو الخاقان. أما حدود بلاد الأبر فقد اختلفت باختلاف العصور ففي عهد معظم انتشارها أي من سنة ٥٩٠ إلى سنة ٦٣٠ كانت مملكتهم تشمل فلوات شمالي الطونة من لوزاقة إلى ما وراء الدون. وعند أفول شمس القرن السابع للمسيح تقلصت حواشيها حتى كان في شمالي بلادهم وغربيها ديار اللاه والوند والجيك (أي بلاد بولونية وسيلسية وبرندبرج وبوهيمية على التسمية الحديثة في عهدنا هذا) وفي شرقيها كان الخزر وكان موطنهم يومئذ بين البوك ودنيبر. وبعد أن خرب شرلمان ديارهم سنة ٧٩٩ لم يبق منها إلا الصقع الغربي بين نهري الثيس وألان وهذا أيضاً جعله مقاطعة لدولة الإفنك باسم أبرية وأما ما بقي من تلك الربوع فقد احتلها المجر أي الهنكاريون. وفي بلاد الجركس في عهدنا هذا بقية من الأبر تقيم على منحدر كوه قاف الشمالي بين الإكسائي وشرداغ ويبلغ عدد بيوتهم اليوم ١٢٠٠٠ وكلهم يدينون لخان كبير خاص بهم. ومعيشهم من الصيد والغزو والنهب والسلب. وهم يرجعون في الحكم إلى قيصر روسية._هذا ما أردنا إيضاحه وفوق كل ذي علم عليم. نظرة في النظرات أخرج هذا الكتاب للناس في هذا العهد والأمة في برازٍ دائم بين القديم والحديث يريدها الأول على البقاء على الرثيث من تالدها مما ورثته بحكم الطبع أو التطبع ويضطرها الثاني إلى التجرد عما يأخذ بخناقها من العادات والتقاليد العتيقة التي أخنى عليها الدهر والأخذ بالجديد المفيد المنطبق على حاجات العصر اليوم. وها نحن أولاً نرى بين علماء الدين في مصر والشام والحجاز واليمن من يتساءلون عما إذا كان تعليم العلوم المادية الطبيعية والتوفر على دراستها حراماً أو حلالاً بينا نرى بعض المفكرين من الباحثين العالمين يشهرون على أولئك حرباً عواناً تدير رحاها الأقلام مصرحين أنهم لا يدينون بسوى القوة والمادة اللتين هما من مظاهر الطبيعة ويضربون بكل علم عرض الحائط إذا لم يكن من العوم المادية الطبيعية أو منطبقاً على نواميسها الصحيحة أو موصلاً إليها متمماً لها ففريق يبالغ في إعظام رجال الخيال ويغالي في البحث فيما وراء المادة وفريق لا يعرف غير الحقيقة المادية مذهباً. إلا وأن هذا البراز الحيوي لم يكن مقصوراً على العلم فقط بل تناول عامة شؤون الحياة وفروع الفنون الأخرى فكان للأدب النصيب الأوفر منه فإنا ما زلنا ولا نزال نرى بعضهم لا يرى للشعر من المكانة العالية إلا إذا كان قائله كالبها زهير وابن معتوق والشاب الظريف ويحسبون أن الكلام الطريف هو ما جاء في ريحانة الأدب وأشباهها غير معتدين بما عداها من الكتب الممتعة مثل نهج البلاغة والدرة اليتيمة وكليلة ودمنة وما جرى على أسلاك ألسنة الشعراء المتقدمين كالشريف الرضي والمتنبي والمعري وغيرهم من المتأخرين ممن جمعوا إلى التراكيب العربية الفصيحة الأفكار الغربية الصحيحة كما أنهم لا يعدونها شيئاً مذكوراً. في كل حركة تقوم بين ظهراني هذه الأمة المنبسطة ظلالها في هذه المملكة المتنائية الأطراف نشهد مثالاً مجسماً من مبلغ تأثير تنازع البقاء ونقرأ فيه التجدد نقياً لا يشوبه شوب القديم فنستدل منه على تقدم الأمة في أفكارها وآ رائها وأن ما يناله القائمون بالتجدد من خصومهم الأعداء الألداء المكابرين لا بد من وقوعه ما دامت الأمة جاهلة خاملة وما دام من كتب لهم العلم والنباهة أفذاذ لا يزال تأثيرهم من الضؤول والحؤول بحيث يتراجع لأقل ريح تعصف. وبعد فللإبداع إذا بوديء الأستاذ المنفلوطي صاحب هذا الكتاب لأول وهلة بما ناله من معارضيه من بذاءة اللسان والتسفيه في القول ما نجله عنه لأنه سنة من المجددين منذ القديم. فهذا غستاف فلوبر الكاتب الفرنسوي المعروف كان يحتقره معاصروه ويهزؤون بكتاباته وآرائه حتى يحمله على ذلك البكاء كالأطفال الصغار ويشرع يخاطب زملاءه زولا وكونكور ودوده بقوله: بربكم أنبئوني لمَ لمْ تنل هذه المؤلفات الاستحسان الذي أتطلبه فتأخذهم رعدة الكآبة والحزن فيبكون جميعاً_هذا الرجل الذي كان في عصره بهذه المثابة ولم يكتب لآثاره أن يرتاح لها الرأي العام أصبح القوم اليوم يعبدونها ويمجدونها ويسبحون بحمدها. أمامي الآن هذا الكتاب أنظر إلى الصفحة الأخيرة منه بعد أن كنت قرأت معظم فصوله في الصحف وكانت نظرتي إليه في المرة الثانية ومقالاته مجموعة في سفر خاص غيرها في الأولى. إذ كنت أطالعه وأنا أعلق عليه في مفكرتي بعض ما آخذت به منشئه ورأيته مما يجدر أن ينبه عليه مثله على أني قرأت ما كتبت عليه في الجرائد والمجلات فإذا به لا يبل غليلاً ولا يغني فتيلاً مما دل على أن باب التقريظ والانتقاد لم يفتح عندنا كل الفتح ونخشى أن طال علينا الأمد أن يصيبه ما أصاب باب الاجتهاد. وقد أفردت لكل من أسلوبه وموضوعه وآرائه ولغته ووصفه بحثاً خاصاً سأتكلم على كل واحدة منه على حدة وأقفيه بالألماع إلى شذرة من روح المؤلف، وذلك بقدر ما مكنتني الفرصة من القيام وهداني إليه البحث والنظر. ١ أسلوبه مما كتبه المنفلوطي في مؤلفه هذا قصص جمة كانت هي الباعثة لي على الخوض في غمار هذا الموضوع ولذا فأنا أنظر إليه في هذا المبحث نظري إلى قصصي أريد أن أبين طريقته في الإنشاء وأحاول أن أردها إلى مذهب خاص مما أنشأه أدباء المغاربة في تاريخ آدابهم. إذ لكل كاتب أدبي قصصي أسلوب خاص ينهج فيه مؤلفه المنهج الذي يراه أنه أمتع وأنفع ووافق طبعه في الغالب أو يتبع في ذلك سنة الارتقاء: قامت في أوربا مذاهب شتى في الأدب القصصي منذ القرن السابع عشر حتى اليوم وكلها حلقات من سلسلة تاريخ الآداب عند المغربيين. فمن هذه المذاهب مذهب يرى زعماؤه أن الغاية من الصناعة هو إصلاح الإنسان وتعزيته لتخفيف آلامه عند حلول المصائب والنوائب. فتجدهم يضعون قلوبهم وأفكارهم في كتبهم بدعوى أنهم بتأثراتهم هذه تثور ثائرة القارئ. وإن ذوق كاتب القصة الشخصي ليتمثل في تضاعيف كتابه فتراه يختلق أشخاص الوقائع ليصف شعوره الذاتي وشوقه المبرح به نابذاً العناية يبث العواطف في أبطال الرواية ظهرياً. منة أجل هذا ندر من استفاد التاريخ وعلم الاجتماع من أمثال هذه المؤلفات. وما يحملهم على ذلك إلا مشيهم مع شعور القراء وتنزلهم من عقول العامة لأن هؤلاء اعتادوا أن يعيشوا مجردين عن الحقائق العادية وأنهم ليتذمرون من مطالعة صفحات حياة الإنسان كما هي. ولذا كانت خطتهم في الروايات وكانت القصص السامية والأشعار الرقيقة الحافلة بالشعور ليس لها كلمة عالية. وقد سمي هذا المذهب. مذهب المفكرين وهناك مذهب آخر في الإنشاء يدعى الخياليين وهو كما عرفه ستاندال هوب: عبارة عن صناعة تمثل نتائجها الأدبية ما يلائم معتقدات الأقوام وأطوارهم وعاداتهم في الحال الحاضرة مما يبعث في نفوسهم سروراً ونشاطاً بل هو كما يقول الناقد الشهير بروتير: هو أن لا يعرف الصانع سوى ذوقه وتهوساته وخيالاته قاعدة وأصلاً بل كما قال إميل فاكي: إن روح الرومانتيزم الحقيقية هو الحذر من الحقيقة وإن لم يكن لها الصانع في صدره موجدة ونفوراً. قالوا: وهذا الحذريتم باستسلام الفكرة للمخيلة كل الاستسلام وليس في هذا المذهب مشاهدة ولا تحقيق ولا ترصد كما أنه ليس ثمة معقول ولا محاكمة ولا منطق لأن هؤلاء كلها أمور تدين للحقيقة المادية_هذا هو أصل الرومانتيزم. ومن المذاهب التي نشأت وشاعت المذهب التاريخي الذي كان زعماؤه يعنون بوضعه في الروايات التاريخية فيحرفون الحقائق التاريخية عن مواضعها وهم من التزوير والافتئات بحيث كانوا يطبقون قواهم المخيلة وعامة ما يخترعونه من الأفكار على الوقائع والحادثات. فالتاريخ عندهم كما قال اسكندر دومافيس مسمار يستعينون به على تنضيد ألواحهم فليس لديهم من ثم فكرة سوى أنهم يعملون على إدخال البشر والارتياح في نفس القارئ. بيد أن لجمال الأسلوب ورقة الوصف عندهم مكاناً من العناية. وأمثل نموذج لهذه المؤلفات التاريخية وأحفلها هم كتاب خمسة آذار لألفريد دوفيني ونوتردام دوباري لفيكتور هوغو. وقد نشأ مذهب جديد دعي بمذهب الطبيعيين ومن أخص ميزاته هو أن زعماءه وسعوا دائرة القصص وأخذوا يبحثون عن ملجأ تلوذ به أشخاص القصة خشية أن تخوض عباب الوقائع الغريبة التي يتعلمها بعض الكتاب لتكون النتيجة إما الانتحار أو الزواج وأصحاب هذا المذهب ينظرون إلى ذلك الضرب من القصص نظرهم إلى ألعوبة يتلهى بها الفتيان والفتيات. والذي يعنون به اليوم هو صفحات التتبع فشأن القصص عندهم بنسبة ما تعيه من صحيح الوصف وحديث الوقائع. ومن أنصار هذا المذهب من القصصيين ممن جردوا الروايات من شوائب الكذب والاختلاق بعد فلوبر إميل زولا وموباسان الكاتبان الفرنسويان المعروفان ونشأ عن هذا مذهب آخر دعي مذهب إمبرسيونيزم. والفرق بين هذا ومذهب الطبيعيين هو أن زعماء المذهب الأول يعنون بإبلاغ العواطف وآثار ما ولدته فيهم الحقيقة وهم يرون أن الحقيقة واسطة. أما أنصار الثاني فإنهم مستقلون عن الذاتية وما همهم إلا تتبع الحقيقة كما هي على حين يترجم زعماء الأمبرسيونيزم الطبيعة أكثر من أن يعيدوها مرة أخرى. وعلى هذا كان ولا جرم مذهب الطبيعيين أمتن وأرصن وقصصهم أعظم مهابة ووقاراً. وهناك مذهب جديد وضعه الكاتب الفرنسوي الشهير بالزاك وانضوى تحت لوائه كبار المتأدبين ممن أثروا أثراً محموداً في نهضة الآداب الفرنسوية ألا وهو مذهب الحقيقيين وقد أتم وضعه فلوبر بمصنف له سماه مدام بوفاري وقد سبق هذا الرجل بلزاك وستاندال ومريمي فأذاقوا الفرنسويين بمصنفاتهم طعم الحقيقة ولكنهم لم يكسروا سورة شهوتهم بأسرها ولم يتعد تأثيرهم في نفوس القراء إيقاظ الحقيقة فيهم. ولكن مصنف مدام بوفاري علم الناس أجمع ما هو مذهب الحقيقيين بما تري في تضاعيفه من وصف الحياة بما فيها من اضطراب وضوضاء بأجلى تعبير وأوضح بيان. وطريقة بلزاك في قصصه هو أنه يبدأ أولاً في تعريف الأشخاص ويأتي على تصوير المكان الذي يعيشون فيه والبيئة (المحيط) التي في أرجائها يجولون وما يحوي المكان من أثاث ورياش ثم يذكر الخلق وأجسامهم وما يلبسون ويكتسون من أردية حتى أنه يرسم خطوطهم الجبهية وأخيراً ينفخ فيهم من روح الحقيقة فينطقون ويتحركون. هذه هي الطريقة العلمية التي ينحو منحاها العلماء والعقلاء من كتاب أوربا في التاريخ والأدب ولا يهمهم ما يكتبون سوى أنهم يمثلون الحقيقة للقراء عارية بأبشع وأشنع مظاهرها غير هيابين ولا وجلين. وثمة من المذاهب ما كنت أود أن آتي علي ذكره هنا لولا أني توخيت في هذه النظرة الايجاز مثل المذهب الرمزي (سنبوليزم) والمذهب الفني (كلاسيسيزم) وغيره من المذاهب. وبعد فلم تقدم بين يدي القارئ هذه المقدمة التي نرجو أن نكون ألممنا فيها بطرف من مذاهب الكتاب إلا لنستطيع أن نحكم على بعض فصول النظرات القصصية ونضعها في المحل الذي يجب أن تحل فيه بين هذه المذاهب كلها. لا جرم في أن الناظر في هذا السفر والمطلع على هذه المذاهب يعلم أن المنفلوطي جرى في كتابه مجرى الخياليين وأنه يجمع بين هؤلاء ومذهب المفكرين في الأحايين. فهذه مقالته الكأس الأولى وعبرة الدهر يتجلى فيها الخيال بأحفل مظاهره. فقد سمع صوت المؤلف في الأولى عند قوله: وما كان له وهو يهيم الخ. . . وكذلك عند قوله فيها: والمنظر المتكرر لا يلفت النظر ولا يشغل الذهن. وقد أورد على لسان الشخص المريض الشاخص ببصره إلى السماء_ذلك الرجل الذي لم يبق منه إلا إهابٍ ممزق_حديثاً لا قدرة لأصحاب الأجسام على إيراده في مثل تلك الحال وقصد المنفلوطي أن يبين سبب الإدمان على الخمر فجعل ذلك بلسان المريض ذاكراً أن كل كأس شربها جرتها عليه الكأس الأولى وأن ليس الباعث على ذلك غير قصور عقله عن إدراك خداع الخلطاء وبين أن الخونة الكاذبين خدعوه عن نفسه خداعاً ليستكملوا بانضمامه إليهم لذاتهم التي لا تتم إلا بقراع الكؤوس وضوضاء الاجتماع ثم عاد المنفلوطي وأظهر شخصيته فقال: ولو علمت كيف خدعوه وزينوا له الخروج عن طبعه ومألوفه وأي ذريعة تذرعوا بها إلى ذلك لتحقق أنه أبله إلى النهاية من البلاهة وضعيف إلى الغاية من الضعف وقد حكم عليه بالبلاهة ولم يذكر عن تربيته ما يفهم منه أنه على غرارة وسذاجة بل الذي تبين أنه كان صديق المؤلف وارتباطه بالصداقة يقضي بأن يكون فيما أحسب على غير ما ذكر. وفي مقالة عبرة الدهر دليل آخر على مذهب الخياليين وهو ذكره (صاحب القصر) بأنه فاسد الأخلاق وإغفاله البحث في أن يذكر عن نشأته الأولى شيئاً نتبين منه أن بين جنبيه نفساً ملؤها الرذائل. وكان عليه أن يصف (بلالاً) الخادم الذي جعله في موقف الحكم الحكيم وأنه من المبادئ العالية ما هو كيت وكيت وأن يذكر طرفاً من حنق زوجته وتلهفها على زوجها الذي كان يقضي الليالي الطوال وهو يداعب أزواج المحارم بمثل ما يداعب غيره زوجته. وهذا نقص كبير وخطأ فادح في الأسلوب. ولكن المنفلوطي كما أسلفنا لم يهتم في الحقيقة اهتمامه الزائد في أن تكون قصته جامعة لجمال الأسلوب الخيالي الذي ضمنه حكماً بالغة وعواطف شريفة بدون أن يتبين المواقف التي يقف فيها الرجل الغر الغمر موقف المرشد الحكيم. ومما يستدل فيه أيضاً على تنكبه جانب الحقيقة سؤال (صاحب القصر) (بلالاً) في أي ساعة نحن من ساعات الليل فأجابه في الساعة الأولى ثم ذكر المؤلف أن الخادم لم يصل من الحديث إلى حد معين حتى نصل خضاب الليل واشتعل المبيض في مسوده على أن ذلك الحديث يذكر في بضع دقائق لي إلا. . . هذا نموذج مما ذكره المنفلوطي من الفصول القصصية ومن تشريح أسلوبه يعلم أنه احتذى مثال (الخياليين) في إنشائه. وكل من تتبع الحركة الأدبية في المشرق يعلم أنها مسوقة نحو الكمال بحكم ناموس النشوء والارتقاء وإن كتاب المنفلوطي هذا هي إحدى الحلقات من سلاسل الآداب التي لا يتم البحث بدونها. وإنا نودع باستقباله ما ضمنه من أسلوب جديد وتشبيه رائق واستعارات فخمة ذلك الأسلوب الخيالي المحض في كتاب كليلة ودمنة وهو من تاريخ آداب المشرق بمثابة لافونتين من آداب المغرب كما أن غيرنا ودع بما عربه عبد الله بن المقفع كتاب ألف ليلة وليلة وأقاصيص عنترة الممزوجة بالأبطال الخياليين مما كان بها وبأمثالها بدءُ نهضتنا الأدبية القصصية كما كانت الإلياذة باكورة نهضة الغرب في الآداب وفاتحة رقيهم وتقدمهم. وجدير بكبار أدبائنا العاملين وهم يبرون الغرب كل يوم يخطو خطوات واسعة نحو الحقائق أن يقتفوا آثار مذهب الحقيقيين بإطراحهم مهب الخياليين جانباً وأن يطيلوا الفكر والتنقيب فيستبدلوا الأحياء بالأموات ويستعيضوا بالأرواح عن الأشباح وكفى. ٢ موضوعه قسم المنفلوطي كتابه إلى عشرة فصول: ( ١ ) الرسائل العلمية ( ٢ ) الرسائل الأدبية ( ٣ ) الرسائل الأخلاقية ( ٤ ) الرسائل الاجتماعية ( ٥ ) الرسائل السياسية ( ٦ ) الرسائل الدينية ( ٧ ) الدهريات ( ٨ ) النسائيات ( ٩ ) الروايات ( ١٠ ) المراسلات. ويجب أن نذكر هنا قبل كل شيء أن المنفلوطي لم يحسن تبويب الكتاب فقد ذكر مقالة أفسدك قومك في الرسائل الأخلاقية وكان الأولى أن تكون في الرسائل الاجتماعية كما أنه ذكر مقالة مدرسة الغراموفي سبيل الإحسان في الثانية في حين يقتضي أن تكون من الموضوعات الأولى. وأنت إذا أردت أن تنزل هذا الكتاب المنزلة الخليق بها من حيث علاقته بالعلم والاجتماع والسياسة والأخلاق رأيته يضرب في الأخير منها بسهم وافر ويجري منه على عرق. تقرأ روح الأخلاق في مقالة الكأس الأولى وأين الفضيلة والغني والفقير وعبرة الدهر ومدينة السعادة والرحمة والصدق والكذب والإنصاف وتراه أيضاً يتعرض للموضوعات الاجتماعية فلا يلم بالبحث فيها من عامة أطرافها على حين تستدعي درساً يسلب المرء فيه قراراه ليسقط الناظر فيها على حقيقة ناصعة أو علم جم أو فكر جديد. يدلك على هذا بحثه عن المجرم في مقالة أفسدك قومك فإنا لا ننكر عليه أنه ذكر فيه ما يفهم منه أنه يحمل الذنب على المجتمع البشري وعلى التربية الأولى وعلى القانون وعلى غير ذلك شأن كثيرين ممن قاموا اليوم في أوربا يحامون على المجرمين ويعدونهم كالبائسين يستحقون الرحمة ويطلبون تعديل القانون الجائر لتخفيف ما ينزل بهم من الويل والثبور. ولو كان المنفلوطي من كتاب الحقائق لتوسع في هذا المبحث وقرأ ما كتبه الأطباء في هذه المسألة لتتم الفائدة. ثبت مؤخراً بعد الفحص الطبي أن للجناة من نقص ملكاتهم المادية والأدبية استعداداً لما يوقعونه من الجنايات منذ زمن بعيد. وقد فحص بنديكت أحد مشهوري أطباء فينا أدمغة كثيرين ممن يقترفون الجنايات الكبرى فوجدوها بأسرها مأفونة غير تامة التركيب، وهذا الرجل يعد الجنون والجناية صنوان. ويرى رأيه هذا الدكتور بوردي الفرنسوي وقد بحث في أدمغة ستة وثلاثين جانيا حكم عليهم بالإعدام فرأى الناحية الجبهية مصابة والناحية الجدارية واسعة جداً. وهذا يدل على نقص القوة العاقلة والشعور والميل إلى الحنق والنزق. وقد نظر غاروفالو أحد مشاهير علماء الجزاء في إيطاليا في الجناة فلم يجد واحداً منهم خلواً من إمارات مادية وأدبية تحكي الإنسان الأول. وما ظهر من الحقائق الجديدة من أمثال هذا الاستقراء والاستقصاء هو موضوع الرأي العام في أوربا في شأن تنظيم الجزاء حتى نشأ عن هذه التجارب الطبية علم جديد يسمى علم الجرائم البشرية — آنتروبولوجي كريميتل وكان للإيطاليين اليد الطولى في خدمة هذا الفن الجليل. نال المنفلوطي من المدنية الغربية في كلامه عليها ما لا أرضاه له كل من درسها حق دراستها وبحث فيه بحث العالم المتجرد عن المؤثرات دينية كانت أم قومية لا بحث خطيب أو أديب أو شاعر أو واعظ مرشد داعٍ إلى وطنية أو أخلاق. وورد في قوله هذا كلام ثلة من حملة أقلام ممن لهم من أخلاقهم عصبية قومية أو نعرة شرقية وسواء عندي كان قولهم هذا بدافع الوطنية أو الدعوى إلى إحياء آثار مجد أو تمازجها لوثة من لوثات الفساد فينشأ ناشئهم وقد انحل من وطنيته كما انحل من دينه وأدخل الفساد أخلاقه كما أصاب عاده ومنازعه. وإني أشاركه في كل ما جاء في تالك المقالة إلا في قوله: إن دعوناهم إلى الحضارة فلنضرب لهم مثلاً بحضارة بغداد وقرطبة وثيبة وفينيقية لا بباريس ورومة وسويسرا ونيويورك، وإن دعوناهم إلى مكرمة فلنسرد عليهم آيات الكتب المنزلة وأقوال أنبياء المشرق وكلماته لا آيات روسو وباكون ونيوتن وسبنسر، وإن دعوناهم إلى حرب ففي تاريخ خالد بن الوليد وسعد بن أبي وقاص وموسى بن النصير وصلاح الدين ما يغنينا عن تاريخ نابليون وولنجيتون وواشنطون ونلسون وبلوشر (بلوخر)، وفي وقائع القادسية وأفريقية والحروب الصليبية ما يغنينا عن وقائع واترلو وترافلغار وأوسترليتنز والسبعين. هذا ما كتبه المنفلوطي إلى ابناء القرن العشرين من المشارقة وهو يريد أن يربوا تربية مدنية عملية يصدون بها غارات الجانب التي يشنونها عليهم من كل صوب وأوب وهذا هو السلاح الذي يحمله الشبيبة المصرية على أن يتسلحوا به ليقاتلوا أعداء الوطنية ويخرجوا من ديارهم من ابتزوا أموالهم وغلبوهم على أمرهم وكل يوم يريشونهم بسهام التعصب والطيش. من الحكمة أن يدعو القائم بالإصلاح إلى قومية أو وطنية ولكن بدون أن يزدري مدنية الأمم الأخرى الناهضة ويعمل على الحط منها وهم الذين بها وطدوا دعائم استقلالهم ورفعوا منار مجدهم وسؤددهم. وما أدري كيف تقوم لنا نحن معشر المشارقة قائمة إذا اقتصرنا على ما ورثناه من المناحي والمنازع وأقبلنا على الأخذ بما أبقاه لنا آباؤنا الأولون من الآثار فقط بدون أن نمعن النظر في آداب رجال الغرب وأخلاقهم وعاداتهم وتاريخهم وبالجملة نقف على سر تقدمهم ولا أعلم لأي غرض نعنى بإرسال البعثات العلمية إلى البلاد الأوربية وننادي على رؤوس الأشهاد أن هذا هو الذي يحقق لنا الأمل في المستقبل إذا لم يكن المقصد منه درس تاريخ نابليون وولنجتون وواشنطون ونيلسون وبلوخر ووقائع واترلو وترافلغار وأوسترليتنز والسبعين أو لننهل حتى نروى من آداب روسو وباكون وزولا وألفريد دوموسه أو لنتبطن أسرار فلسفة ديكارت ونيوتن وسبنسر غيرهم. ويجب ألا يغرب على الأذهان أن ما توفر لقواد المغاربة من الأسباب والوسائل في بيئتهم وبين بني جنسهم وما كان يجول في خواطرهم من الأماني التي كانت المص الح تدفعها للانبعاث إلى حيز الوجود غير ما توفر لقواد المشارقة من العرب وغيرهم على اقتحام غمرات الردى في سبيل الدفاع عن الحمى وهذا ما يدعو لاختلال التوازن في الدهاء السياسي في الفريقين بما يتذرع به من الحيل الحربية والدسائس في مثل هذه الأحوال للنظر في كتاب الغيب وقراءة مستقبل الأمم فيه مما ينجم عنه ما نراه من الاختلاف في نتائج الحروب والمعارك نصراً كان أو خذلاناً. وساء صحت نظرية من زعموا أن من دواعي سقوط الدولة العربية جهل الأمة بتاريخ اليونان والرومان أو لم تصح فإن فيها حقيقة لا أخالها تخفى على مثل الأستاذ المنفلوطي. وإذا اتخذنا هذه النظرية أصلاً جاز لنا أن نبشر مساعينا بالإخفاق والحبوط ونحكم على حياتنا الاجتماعية والسياسية بالانحلال والاختلال في مستقبل الأيام إذا قادنا الجهل أن نحرم على أنفسنا الوقوف على سر استبحار عمرانهم وانبساط ظلال مدنيتهم في طول البلاد وعرضها فنحرم من الاستمتاع بعلومهم وآدابهم. ولو كان قوله هذا درساً يلقيه على صغار العقول من الطلبة الأطفال ليطبعهم بطبائع حب الوطن وينشأوا وهم يفادون في سبيله النفس والنفيس لما أخذوا بقدر ما يؤآخذ وهو في موقف ودع فيه_كما قال عن نفسه_الخيال والشعر وداع من يعلم أن الأمر أعظم شأناً وأجل خطراً من أن يعبث به العابث بأمثال هذه الطرائف التي هي بالهزل أشبه منها بالجد والتي إنما يلهو بها الكاتب في مواطن فراغه ولعبه لا في مواطن جده وعمله. ألا فليعلم الكاتب أن في الغربيين من العادات ما هو خليق بنا نحتن الشرقيين أن نغتبط به ونأخذ بالنافع الرافع منه والرجاء أن لا يظن بأننا بما نكتبه الآن نخدع الأمة عن نفسها أو نفسد عليها شرقيتها بتزيننا لها هذه المدنية تزييناً يجمع إلى استقلالها النفسي استقلالها الشخصي فلشد وأيم الحق ما نكون محتفظين بعاداتنا العربية الشرقية وآدابنا ولكن ما نراه من تيار المدنية الغربية يريدنا على مجاراتها شئنا أم أبينا فإن لم نعد لها عدتها ولم نسر معها جنباً إلى جنب دحرتنا وربما وردتنا مورد الهلكة غير حافلة بنا ولا آسفة علينا. ومما أنكره عليه أيضاً تعرضه في مقالة الحساب لولي عقله وأستاذه رجل الإسلام الشيخ محمد عبده ورجل المرأة قاسم بك أمين. ولو اقتصر على ذكر (المحسن) وذلك الرجل الذي كان في حياته يتخذ في أعماله ما يسمونه (الحيل الشرعية) وذلك (القطب) الذي كان أكبر تاجر من تجار الدين_لو اقتصر على هؤلاء لكان أحسن صنعاً. وجل ما آخذ به الأول هو أنه فاجأ جهلة المسلمين بما لا يفهمون من المبادئ الدينية الصحيحة والأغراض الشريفة فأرادوا غير ما أراد وفهموا غير ما فهم. وهذا ما دعا إلى إلحادهم (!) ومروقهم من الدين (!) بعد أن كانوا مخرفين وأنه أول لهم بعض آيات الكتاب فاتخذ التأويل قاعدة حتى أولوا الملك والشياطين والجنة وبين لهم حكم العبادات وأسرارها وسفه لهم رأيهم في الأخذ بقشورها دون لبابها فتركوها وأنه قال لهم أن الولي آله باطل والله آله حق فأنكروا الإلوهية حقها وباطلها. يتبع أخبار العلماء بأخبار الحكماء من الكتب الجيدة في التراجم هذا الكتاب للوزير جمال الدين أبي الحسن علي القفطي من أهل القرن السابع طبع أولاً في ليبسيك وأعيد طبعه في القاهرة فتداولته الأيدي وعم الانتفاع منه كما عم من قبل كتاب عيون الآن باء في طبقات الأطباء لموفق الدين أبي العباس أحمد المعروف بابن أبي اصيبعة من أصل ذاك القرن إلا أن كتاب أخبار الحكماء مال فيه صاحبه إلى الاختصار حتى جاء في نحو نصف طبقات الأطباءِ وإن كان زاد عليه بعض التراجم لأن المترجمين في كلا السفرين النفيسين تجاوزوا الأربعمائة. سرد ابن القفطي أسماء مترجميه على حروف المعجم بحسب تقادم عهدهم بخلاف ابن أبي أصيبعة الذي أتى بالتراجم بحسب الأقطار ثم بحسب سني ولاداتهم ولم يشبع الأول الكلام إلا في بعض الأشخاص وربما أوجز في الأحايين إيجازاً لا يكاد يقع فيه ابن أبي أصيبعة إلا نادراً والغالب أن هذا وقف في جملة ما وقف عليه من الكتب كتاب القفطي فاستعان به وزاد عليه لأن هذا توفي سنة ٦٤٦ في حلب وابن أبي أصيبعة توفي سنة ٦٦٨ في صرخد من بلاد الشام ولا يعقل أن يكون رجلان متعاصرين ولا يطلع أحدهما على ما يكتبه الآخر فقد نرى بعض التراجم في بالحرف الواحد في كلا الكتابين ولعل المصادر التي أخذ عنها المؤلفان كانت واحدة فجاءت بعض تراجم مترجميهم بعبارة واحدة. ومع أن ابن القفطي اشتهر بأنه من كبار غلاة الكتب وهو ذو ثروة واسعة وفي منصب الوزارة نرى ابن أبي أصيبعة من طبقة الأطباء في عهده يهدي كتابه إلى أحد وزراء دمشق ومع هذا تقرأ فيه سعة المادة المدهشة ولكن المتأخر قد يفوق المتقدم ولا عبرة بتقادم الميلاد كما لا عبرة باختلاف البلاد إذا كان الترقي فيها عاماً. وهنا لا بأس بإيراد طرف من ترجمة صاحب أخبار الحكماء زيادة في البيان فهو علي بن يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد بن موسى وزير حلب القاضي الأكرم الوزير جمال الدين أبو الحسن بن القفطي أحد الكتاب المشهورين وكان أبوه القاضي الشرف كاتباً أيضاً ولد بقفط من الصعيد الأعلى بالديار المصرية وأقام بحلب وكان بقوم بعلوم من اللغة والفقه والحديث وعلوم القرآن والأصول والمنطق والنحو والهندسة والتاريخ والجرح والتعديل ولد سنة ستين وخمسمائة وتوفي سنة ست وأربعين وستمائة وكان صدراً محتشماً كامل السؤدد وجمع من الكتب ما لا يوصف وقصد بها من الآفاق وكان لا يحب من الدنيا سواها ولم يكن له دار ولا زوجة وأوصى بكتبه للناصر صاحب حلب وكانت تساوي خمسين ألف دينار وله حكايات غريبة في غرامه بالكتب وهو أخو المؤيد بن القفطي ومن شعره: ضدان عندي قصرا همتي وجه لحبي ولسان وقاح إن رمت أمراً خانني ذو الحيا ومقول يطمعني في النجاح فأنثني من حيرة منهما لي مخلب ماض ومالي جناح شبه جبان فرَّ من معرك خوفاً وفي يمناه غضب الكفاح وله من التصانيف كتاب الضاد والظاء وهو ما اشتبه في اللفظ واختلف في المعنى الخط. كتاب الدر الثمين في أخبار المتيمين. كتاب من ألوت الأيام عليه فرفعته ثم ألوت عليه فوضعته. كتاب أخبار المصنفين وما صنفوه. كتب أخبار النحويين كبير كتاب أخبار مصر من ابتدائها إلى أيام صلاح الدين ست مجلدات كتاب أخبار المغرب كتاب تاريخ اليمن كتاب المحلي في استيعاب وجوه كلا. كتاب إصلاح خلل صحاح الجوهري كتاب كلام علي الموطا لم يتم كتاب الكلام على صحيح البخاري لم يتم تاريخ محمود بن سبكتكين وبقية كتاب تاريخ السلجوقية تاب الاستئناس في أخبار آل مرداس كتاب الرد على النصارى وذكر مجامعهم كتاب مشيخة تاج الدين الكندي كتاب نهزة الخاطر ونزهة الناظر في إحسان من ظهور الكتب اهـ. وعلى ما توخى ابن القفطي من الاختصار في التراجم تسقط فيه على أمور كثيرة وفوائد غزيرة خصوصاً وإن من الرجال من ترجمهم هو وحده ومنهم من تفرد ابن أبي أصيبعة ومنهم وهم الأكثر من اشتركا معاً في ترجمتها مثل الذي نقله عن الخطيب أمين الدولة أبو الحسن علي الأباني العثماني الأموي القفطي صاحب القاضي الأكرم قال: وكان من أجمل رأيت نباهة وفضلاً وبلاغة ومشاركة قال أدركت جلة المشايخ من إجلاء بلادنا وهم مجموعون على أن الذي أردم أراضي أكثر قرى مصر وأسس الجسورة المتوصل بها من قرية إلى قرية في زمن النيل هو أرشميدس فعل ذلك لبعض ملوكها وسببه أن أكثر القرى بمصر كان أهلها إذا جاء النيل تركوها وصعدوا إلى الجبال المقابلة لها فأقاموا بها إلى أن يذهب النيل خوفاً من الغرق وإذا أخذ النيل في النقص نزل كل قوم إلى أراضيهم وشرعوا في الزرع فكان ما تطامن من الأرض يمنعهم ما انحبس فيه من الماء عن الوصول إلى ما علا فلا يوصل إليه إلا بعد جفافه فلا يمكن زرعه فيذهب بذلك فعل كثير ولما علم أرشميدس بذلك في زمنه قاس أراضي أكثر القرى على اعلى ما يكون من النيل وأردم ردوماً وبنى عليها القرى وعمل الجسورة ما بين القرى وفي أواسط الجسورة قناطر ينفذ الماء منها من أرض قرية إلى أخرى فزرع كل واحد منهم الزرع في وقته من غير فوات ووقف من كل ضيعة أرضاً معينة يصرف مغلها في كل سنة إلى إصلاح هذه الجسورة فهي إلى الآن معلومة ولها ديوان مفرد بمصر يعرف بديوان مدن الجسورة وعليها احتراز كثير وعناية كثيرة وأعرف وأنا طفل وقد أضفيت هذه الجهة بالأعمال الشرقية من جوف مصر إلى والدي رحمه الله وله نواب وضمان ومشدون كان العمل فيها أتعب من جميع الأعمال اهـ. ومثل قوله في ترجمة جالينوس الحكيم بأن أنطونيوس قيصر ملك اثنتي عشرة سنة وبنى مدينة إيليوبوليس وهي مدينة بعلبك أي أصلحها وقال في ترجمة سنان بن ثابت بن قرة الحراني ما نصه: وكانت منزلة سنان كبيرة عند الأمراء والوزراء فمن ذلك أن الوزير علي بن عيسى بن الجراح وقع إليه في سنة كثرت فيها الأمراض والأوباء توقيعاً نسخته: فكرت مد الله في عمرك في امر من في الحبوس وأنهم لا يخلون مع كثرة عددهم وجفاء أماكنهم أن تنالهم الأمراض وهم معوقون من التصرف في منافعهم ولقاء من يشاورونه من الأطباء في أمراضهم فينبغي أكرمك الله أن تفرد لهم أطباء يدخلون إليهم في كل يوم ويحملون معهم الأدوية الأشربة وما يحتاجون إليه من المزورات وتتقدموا إليهم بأن يدخلوا سائر الحبوس يعالجوا من فيها من المرضى ويريحوا عللهم فيما يصنفونه لهم إن شاء الله تعالى. ففعل سنان ذلك ثم وقع إليه توقيعاً آخر: فكرت فيمن بالسواد من أهله وأنه لا يخ لو من أن يكون فيه مرضى ولا يشرف متطبب عليهم لخلو السواد من الأطباء فتقدم مد اله في عمرك بإنفاذ متطببين وخزانة من الأدوية والأشربة يطوفون في السواد ويقيمون في كل صقع منه مدة ما تدعو الحاجة إلى مقامهم ويعالجون فيه ثم ينقلون إلى غيره. ففعل سنان ذلك وانتهى أصحابه إلى سورا والغالب على أهلها اليهود فكتب سنان إلى الوزير علي بن عيسى يعرفه ورود كتب أصحابه عليه من السواد بأن أكثر من بسورا ونهر ملك يهود وأنهم استأذنوا في المقام عليهم وعلاجهم أو الانصراف عنهم إلى غيرهم وأنه لا يعلم بما يجيبهم به إذا كان لا يعرف رأيه في أهل الذمة وعلمه أن الرسم في بيمارستان الحضرة قد جرى للملي والذمي. فوقع الوزير توقيعاً نسخته: فهمت ما كتبت به أكرمك الله وليس بيننا خلاف في أن معالجة أهل الذمة والبهائم صواب ولكن الذي يجب تقديمه والعمل به معالجة الناس قبل البهائم والمسلمين قبل أهل الذمة فإذا فضل عن المسلمين ما لا يحتاجون إليه صرف في الطبقة التي بعدهم فاعمل أكرمك الله على ذلك واكتب إلى أصحابك به ووصي بالتنقل في القرى والمواضع التي فيها الأوباء الكثيرة والأمراض الفاشية وإن لم يجدوا بذرقة توقفوا عن المسير حتى يصيح لهم الطريق ويصلح السبيل فإنهم إذا فعلوا هذا وفقوا إن شاء الله تعالى اهـ. وفي هذه الرسائل الثلاث نموذج مهم من الكتابة الرسمية في أوائل مدة العباسيين ودليل على ما بلغته الحضارة في عهدهم أيام كان الطب في جملة ما يعنى به حتى أن سنان ابن ثابت أحصى الأطباء في بغداد ولم يرخص لأحدهم أن يطبب إلا إذا أخذ شهادة بكفاءته وكذلك فعلوا مع الصيادلة حتى لا تؤتى الأمة من جهة الطب أبدانها كما حاذر الخلفاء أن لا تؤتى من قبل أديانها. وكما تجد المحاسن ماثلة في أخبار الحكماء ترى المساوئ كذلك كالتي ذكره في ترجمة عبد السلام بن عبد القادر الجيلي المعروف بالركن قال: كان عبد السلام هذا قد قرأ علوم الأوائل وأجادها واقتنى كتباً كثيرةً في هذا النوع واشتهر بهذا الشأن شهرة تامة وله تقدم في الدولة الإمامية الناصرية وحصل له بتقدمه حسد أرباب الشر فثلبه أحدهم بأنه معطل وأنه يرجع إلى أقوال أهل الفلسفة في قواعد هذا الشأن فأوقعت الحفظة عليه وعلى كتبه فوجد فيها الكثير من علوم القوم وبرزت الأوامر الناصرية بإخراجها إلى موضع ببغداد يعرف بالرحبة وأن تحرق بحضور الجمع الجم منها ففعل ذلك وأحضر لها عبيد الله التميمي البكري المعروف بابن المرستانية وجعل له منبر صعد عليه وخطب خطبة لعن فيها الفلاسفة ومن يقول بقولهم وذكر الركن عبد السلام هذا بشر وكان يخرج الكتب التي له كتاباً كتاباً فيتكلم عليه ويبالغ في ذمه وذم مصنفه ثم يلقيه من يده لمن يلقيه في النار اهـ. ومثلما نقله من الفقرات في ترجمة موسى بن ميمون الإسرائيلي الأندلسي لما نادى عبد المؤمن بن علي الكومي البربري المستولي على المغرب البلاد التي ملكها بإخراج النصارى منها وقدر لهم مدة وشرط لمن أسلم منهم بموضعه على أسباب ارتزاقه ما للمسلمين وعليه ما عليهم وبقي على رأي أهل ملته فأما أن يخرج قبل الأجل الذي أجله وأما أن يكون بعد الأجل في حكم السلطان مستهلك النفس والمال. ومما ذكره وهو يدل على اتساع ثروة العرب في ترجمة بني وسى بن شاكر محمد وأحمد والحسن من أن محمداً صار بالعلم من وجوه القواد إلى أن غلب الأتراك على الدولة وذهبت دولة أهل خراسان وانتقلت إلى العراق فعلت منزلته واتسع حاله إلى أن كان مدخوله في كل سنة بالحضرة وفارس ودمشق ونحوها نحو أربعمائة ألف دينار ومدخول أحمد أخيه نحو سبعين ألف دينار. فتأمل مبلغ هذه الثروة. ومما نقتبسه من هذا الكتاب أنموذجاً على درجة الحضارة في القرن الخامس ما نقله من كتاب كتبه المختار بن الحسن بن عبدون الحكيم الطبيب البغدادي المعروف بابن بطلان من نصارى كرخ بغداد إلى الرئيس هلال بن الحسن بن إبراهيم ونصه: بسم الله الرحمن الرحيم. إنا لما اعتقده من خدمة سيدنا السيد الأجل أطال الله بقاءه وكبت أعداءه دانياً وقاصياً وافترضته من طاعته مقيماً وطاعناً وأضمرت عند دواعي حضرته العالية وقد ودعت منها الفضل والسؤدد والمجد والفخر والمحتد أن أتقرب إليها وأجدد ذكرى عندها بالمطالعة مما استطرفه من أخبار البلاد التي أطر قها واستغربه من غرائب الأصقاع التي أسلكها خدمة للكتاب الذي هو تاريخ المحاسن والمفاخر وديوان المعاني والمآثر ليودع أدام الله تمكينه منها ما يراه ويلحق ما يستوقفه ويرضاه وعلى ذكره فما رأيت أحداً بمصر وهذه الأعمال أكثر من الراغب فيه وكل رئيس في هذه الديار متشوق إليه متشوف ولوصوله مترتب متوقع ولو وصلت منه نسخة لبلغ الجانب لها أمنيته في ربحها ونفعها وإلى الله تعالى أرغب في نشر فضيلته الباهرة ومحاسنه الزاهرة بجوده. وكنت خرجت من بغداد وبدأت بلقاء مشايخ البلاد وخواصها واستملاء ما عندهم من آثارها وعجائبها فذكري أخبار مستطرفة وعجائب غريبة واقطاع من الشعر رائقة ولضيق الوقت وسرعةالرسول أضربت عن أكثره واقتصرت على أقله وكنت خرجت على اسم الله تعالى وبركته مستهل شهر رمضان سنة أربعين وأربعمائة مصعداً في نهر عيسى على الأنبار ووصلت إلى الرحبة بعد تسعة عشرة رحلة وهي مدينة طيبة وفيها من أنواع الفواكه ما لا يحصى وبها تسعة عشر نوعاً من الأعناب وهي متوسطة بين الأنبار وحلب وتكريت والموصل وسنجار والجزيرة وبينها وبين قصر الرصافة مسيرة أربعة أيام ورحلنا من الرصافة إلى حلب في أربع رحلات وهي بلد مسور بالحجر البيض فيها ستة أبواب وفي جانب السور قلعة أعلاها مسجد وكنيستان وفي إحداهما مكان المذبح الذي كان يقرب عليه إبراهيم عليه السلام وفي أسفل القلعة مغارة كان يخبأ فيها غنمه وإذا حلبها أضاف بلبنها الناس فكانوا يقولون حلب أم لا ويسأل بعضهم بعضاً عن ذلك فسميت حلب وفي البلد جامع وست بيع وبيمارستان صغير والفقهاء يفتون على مذهب الإمامية وشرب أهل البلد من صهاريج وعلى بابه نهر يعرف بقويق يمد في الشتاء وينضب في الصيف وفي وسط البلد علوة صاحبة البحتري وهو قليل الفاكهة والبقول والنبيذ إلا ما يأتيه من الروم (الأناضول) وما بحلب موضع خراب ومنه خرجنا من حلب طالبين إنطاكية وبين حلب وبينها يوم وليلة فبتنا في بلدة للروم تعرف بعم فيها عين جارية يصاد منها السمك ويدور عليها رحى وفيها من الخنازير والنساء والعواهر والزنا والخمور أمر عظيم وفيها أربع كنائس وجامع يؤذن فيه سراً والمسافة التي بين حلب وإنطاكية لأرض ما فيها خراب أصلاً إلا أرض زرع للحنطة والشعير بجنب شجر الزيتون وقراها متصلة ورياضها مزهرة ممياهها متفجرة وإنطاكية بلد عظيم ذو سور وفيصل ولسوره ثلثمائة وستون برجاً يطوف عليها بنوبة أربعة آلاف حارس ينفذون من القسطنطينية من حضرة الملك فيضمنون حراسة البلد سنة ويستبدل بهم في الثانية وشكل البلد كنصف دائرة قطرها يتصل بجبل والسور يصعد من الجبل إلى قلته ويستتم دائرة وفي رأس الجبل داخل السور قلعة تبين لبعدها من البلد صغيرة وهذا الجبل يستر عنها الشمس فلا تطلع عليها إلا في الساعة الثانية وللسور المحيط بها دون الجبل خمسة أبواب وفي وسطها قلعة القسياني وكانت دار قسيان الملك الذي أحيا ولده بطرس رئيس الحواريين وهو هيكل طوله مائة خطوة وعرضه ثمانون وعليه كنيسة على أساطين ودائر الهيكل أروقة يجلس فيها القضاة للحكومة ومعلمو النحو واللغة وعلى أحد أبواب هذه الكنيسة فنجان الساعات يعمل ليلاً ونهاراً دائماً اثنتي عشرة ساعة وهو من عجائب الدنيا وفي أعلاه خمس طبقات في الخامسة منها حمامات وبساتين ومقاصير حسنة وتخر مكنها المياه وهناك من الكنائس ما لا يحد كثرة كلها معمولة بالفص المذهب والزجاج الملون والبلاط المجزع وفي البلد بيمارستان يراعي البطريك المرضى فه بنفسه وفي المدينة من الحمامات ما لا يوجد مثله في مدينة من اللذاذة والطيبة فإن وقودها من الآس وماؤها سيح وفي ظاهر البلد نهر يعرف بالمقلوب يأخذ من الجنوب إلى الشمال وهو مثل نهر عيسى وخارج البلد دير سمعان وهو مثل نصف دار الخليفة يضاف فيها المجتازون يقال أن دخله في السنة أربعمائة ألف دينار ومنه يصعد إلى جبل اللكام وفي هذا الجبل من الديارات والصوامع والبساتين والمياه المتفجرة والأنهار الجارية والزهاد والسياح وضرب النواقيس في السحار وألحان الصلوات ما يتصور معه الإنسان أنه في الجنة. وفي أنطاكية شيخ يعرف بأبي نصر بن العطار قاضي القضاة فيها له يد في العلوم مليح الحديث والإفهام وخرجت من إنطاكية إلى اللاذقية وهي مدينة يونانية لها ميناء وملعب وميدان للخيل مدور وبها بيت كان للأصنام وهو اليوم كيسة وكان في أول الإسلام مسجداً وهي راكبة البحر وفيها قاض للمسلمين وجامع يصلون فيه وأذان في أوقات الصلوات الخمس وعادة الروم إذا سمعوا الأذان أن يضربوا الناقوس وقاضي المسلمين الذي بها من الروم. ومن عجائب هذا البلد أن المحتسب يجمع القحاب والغرباء المؤثرين للفساد من الروم في حلقة وينادي على كل واحدة منهن ويتزايد الفسقة فيهن لليلتها تلك ويؤخذن إلى الفنادق التي هي الخانات لسكنى الغرباء بعد أن تأخذ كل واحدة منهن خاتماً هو خاتم المطران حجة بيدها من تعب الوالي لها فإنه متى وجد خاطياً مع خاطية بغير ختم المطران ألزمه جناية. وفي البلد من الحبساء والزهاد في الصوامع والجبال كل فاضل يضيق الوقت عن ذكر أحوالهم والألفاظ الصادرة عن صفاءِ عقولهم وأذهانهم اهـ. . وبعد فإن تاريخ القفطي من الكتب التي أجاد فيها مصنفها حريٌ بأن يستفيد منه كل متأدب ومتعلم ويرجع إليه كل عالم ومؤرخ سلس العبارة جميل المأتى ينقل الأمور على علاتها في الأكثر بدون تمحيص لها أو إبداء رأي فيها وابن أبي أصيبعة يفوقه في رد كل قول إلى قائله وضبط الأعلام والتدقيق في التواريخ وأخبار الرجال وذكر شذور من شعرهم ونثرهم والكتابان كفرسي رهان أو كالسلسلة المفرغة لا تدري أين طرفاها. الصحف والنجاح للنجاح في الأعمال أسباب كثيرة منها ما هو مادي ومنها ما هو معنوي إذا اختل أحدها تعذر النهوض بالشق الآخر. وإنشاء الجرائد والمجلات لا يخرج عن هذا الحد المقرر وهل في الأرض عمل لا يحتاج إلى علم وتجارب ومال واستعداد. ولطالما رأينا مصر في الثلاثين سنة الأخيرة والشام في عهدها الدستوري الجديد وغيرهما من الأمطار والأقطار التي يتكلم أهلها بالعربية تتجرأ على إصدار الصحب بدون حساب ولا روية وأدركنا العامة أجرأ من الخاصة على اقتحام هذا المركب الصعب وليس لديهم في الأغلب من وسائط النجاح كبير أمر فلا يلبث ما ينشئون أن يظهر إلى الوجود حتى يختفي اضطراراً لا اختياراً. وهذا هو السبب في تعداد الجرائد وقصر أعمارها واشمئزاز الناس منها غذ توهموا بما تمثل لهم من حال بعض من أقدموا عليها آلة للتكسب والتدجيل لا أداة للوعظ والإرشاد والتعليم. ما رأينا صناعة من الصناعات استسهل الناس أمرها كالصحافة فلم يعهد معلم في النجارة أو الحدادة أو البناء أو الهندسة يحترف هذه الحرف بدون سابق ممارسة ويتصدر للاعتياش منها وهو لا يعرف من أسراها سراً ولكن فن الصحافة في هذه الديار الذي يتوقف النجاح فيه على أسباب كثيرة أهمها العلم والتجربة والمال قد رأينا أناساً من الأغمار يدعونه بدون خشية وأكثرهم لا يعرفون قراءة الجرائد والمجلات دع عنك تأليفها وإصدارها. كان جمهور الناس إلى عهد قريب يشارك الأطباء في طبهم فترى الكبير والصغير إذا عرض لهما مريض من خاصتهما ومعارفهما لا يتوقفان في وصف علاج يشفيه مدعيين أن ذلك من مجرباتهما أو مجربات أصحابهما ولما كثر الأطباء واستنارت الأمة بعض الشيء خفت هذه العادة في التعدي على الأطباء في طبهم إلا عند الطبقة الجاهلة أما الصحافة فيدخل فيها الفعل أناس ليسوا منها وليست منهم ويصفون للأمة أدوية تقيها الأسواء والأرزاء والأدواء ويعترضون على العالمين والحاكمين والسلاطين بلا خشية ولإحياء كأن طب الأرواح أصعب من طب الأشباح أو كأن الصحافة من العلوم اللدنية لا الكسبية يتعلمها المرء بالذوق وتوحى إليه إيحاءً. من أجل هذا احتقرت الأمة الصحافة لما رأت من ضعف كثير من أدعيائها في أخلاقهم معارفهم ممن شانوا شأنها وعبثوا بمالها تذرعاً إلى مطمع ينالونه وصيت بالباطل يحصلونه ومقام عالٍ ينزلونه. نعم لم نشهد العطار بيطاراً ولا الإسكاف نجاراً ولا الحطاب رساماً ولا الفحام نظاماً ولا الجوهري حجاماً ولكن شهدنا الفلاح صحفياً والمتشدق مؤلفاً والثرثار محامياً والمكثار خطيباً كما نشهد الأغبياء قد يحاولوا بلوغ درجات الأذكياء والفقراء يقلدون الأغنياء. بيد أن سنن الفطرة التي لا تغالب ونظام هذا الكون البديع الذي قلما اختل يعاقبان المعتدي على ما لا يعلم بما جنته يداه كما قيل في الأمثال الإفرنجية كل خطاء يحمل عقوبته فيه. وندر جداً في الناجحين من تيسر لهم الوصول إلى ما وصلوا إليه باتخاذ الذرائع المنجحة ونسج حلل مجدهم بأيديهم. رأينا كثيراً ولاسيما في بلاد مصر والشام التصقوا بالصحافة وأنفقوا ثرواتهم في سبيلها فلم ينجحوا في مسعاهم ورجعوا بعد العناء الطويل وخسارة المال صفر الأيدي خائبين لأن مائدة العلم لا يجلس إليها طفيلي ولأن التمويه إن صعب في عمل فهو في الأعمال العلمية أصعب. ومن ذلك رجلان اثنان صرف أحدهما في تأسيس الجرائد بضعة ألوف من الجنيهات والآخر بضعة مئات من الليرات وبعد العمل سنين ومحاولة النجاح ولو بالتلون في المبادئ وقلب الحقائق وتقبيح ما يستحسن واستحسان ما يستهجن والظهور في مظهر المصلحين الغيورين بعد كل هذا اضطرا إلى الرجوع أدرهما ولو كانا صرفا ربع ما بذلاه في هذا السبيل على درس فن الصحافة على أصوله وتلقناه كما تتلقن الصناعات المهمة ويدرب عليها المشتغلون بها لكان النجاح مضموناً لا محالة. ولقد شاهدنا عياناً أن معظم الصحف التي كتبت لها البقاء في هذين القطرين الشقيقين خاصة هي التي قام بأعبائها أناس متعلمون تخرجوا في الكتابة وتدربوا في السياسة وتذوقوا لماظة من العلوم التي لا يسع صاحب جريدة ومحل جهلها. ومعظم من لم يخاذنهم ما يسمونه بالتوفيق أخفقوا لأسباب ناشئة من ضعفهم وقلة معارفهم في صناعة يلزمها ما يلزم لكل صانع من الأدوات إن لم نقل أنها تتوقف على أدوات أكثر. وهنا مجال لأن ننصح الشبان المتهوسين في الكتابة الراغبين في الشهرة أن لا يقدموا على الدخول في معترك الصحافة والسياسة والآداب قبل أن يستتموا أدواتها ويستعدوا لها ويتخرجوا بها مدة فالإجادة في مقالة يكتبها كاتبها في أيام وربما عاونه غيره في تلقين موضوعها وتقويم أصولها وفروعها لا يتأتى منه الإجادة في كل موضوع ودعوى كل علم. والنشر والطبع مما ترغب فيه النفس والنفس غالباً تميل إلى نيل المحمدة والذهاب بفضل الشهرة والعاقل على أي حال من اتهم نفسه وحاسبها ولو يسيراً حتى لا يكون كل من يخط سطرين مغروراً بهما كمن هو بابنه وبشعره مفتون. وبعد فإن قانون المطبوعات العثمانية الجديد يقضي على من يصدر جريدة أو مجلة أن يحسن الكتابة باللغة التي يصدر بها صحيفته ليعلم ما يكتب فيها ولو كان قومنا يبالغون في انتقاء الرجال للأعمال لوضع في قانوننا بند يلزم كل من تصدر لمعاناة صنع القلم أن يمتحنفي الفن الذي يخوض عبابه كما امتحن المتطببون والصيادلة فإنشاء الصحف إن لم يكن أحق بالعناية بمعرفة الأمراض والعلل والعقاقير فلا أقل على أن يكون بمستواها فكم من جاهل قتل نفساً زكية ومن صحافي جرع قراءه السم الزعاف على حين ينتظر منه الترياق النافع. سير العلم والاجتماع الجرائد في سلانيك يكي عصر — جريدة تركية يومية تصدر بعد الظهر أسست قبل خمسة عشر سنة وكانت تسمى عصر إلى أن جاءت الحرية فزادت كلمة يكي بمعنى جديد فصارت يكي عصر. تبيع في يومها مقدار ثلاثة آلاف نسخة. روم إيلي — جريدة تركية يومية أسست هذه السنة ولها من المشتركين مقدار ستمائة وتبيع خمسمائة تقريباً فيكون ما تصرفه مقدار ألف ومائة ولسوف تروج سوقها لأسباب لا نريد ذكرها. زمان — جريدة تركية يومية أسست بعد إعلان الدستور بقليل ثم عطلت ثم نشرت قبل أيام قلائل ولذلك لا نعلم مقدار ما تصرفه على أني ولو رفته فلا يتخذ مقياساً لأنها بنت عشرة أيام. سلاح — جريدة تركية تصدر الاثنين والأربعاء والسبت ثلاث مرات في الأسبوع ولا يبعد أن تصير يومية يباع يومياً منها في البلدة مقدار ألف نسخة ويرسل إلى مشتركيها ألف وخمسمائة فيكون مجموع ما تطبعه ( ٢٥٠٠ ). مأمورين — جريدة تركية تصدر في الأسبوع مرتين تخص المأمورين فقط كما يظهر من اسمها. باغجه (جنينة) — مجلة سياسية أدبية اجتماعية تنشر بالتركية في كل نصف شهر مرة وثمنها قرش واحد. قليلة الفائدة قليلة الراغب تحتوي على ١٦ صفحة. حسن وشعر — مجلة تركية تصدر كل خمسة عشر يوماً لا طلاولة لآدابها إلا ما قل وثمنها قرش واحد. وطنداش — جريدة تركية تنشرها جمعية الاتحاد والترقي ترسلها إلى أهل القرى مجاناً وتصدر كلما اقتضى الحال. وهذه الجريدة تبحث عن الاتحاد والترقي خاصة بلسان يفهمه القروي وفيها من المواد ما ينفع القروي في حقله وزرعه. فاروس تيس ثسالونيكيس (منار سلانيك) — جريدة رومية يومية أسست سنة ١٨٧٤ ميلادية تبيع في سلانيك مقدار ستمائة نسخة ولها من المشتركين مقدار سبعمائة فيكون المجموع ١٣٠٠ . آستير (النجم) — جريدة رومية يومية أسست هذه السنة تبيع ألفاً في سلانيك وترسل لمشتركها ألفاً فيكون المجموع ( ٢٠٠٠ ). قونوبي (البرغش) — جريدة رومية أسبوعية نصفها منظوم وهو القسم الأول حتى العنوان وشرائط الاشتراك ونصفها منثور وكلها هزل أسست قبل سنة ويباع منها ألف نسخة. نه آليثيا (الحقيقة الجديدة) — جريدة رومية يومية أسست سنة ١٩٠٣ ميلادية باسم اليثيا (الحقيقة) ثم بعد الدستور ضم لها نه آ (جديد). به لوس (ب بدل) (سهم) — جريدة رومية أسبوعية هزلية أسست هذه السنة تبيع مقدار ألف نسخة. أبوكا (زمان) — جريدة يهودية يومية أسست سنة ١٨٧٣ ميلادية ولها من المشتركين في سلانيك ستمائة وتبيع فيها مقدار ألف وخمسمائة ومشتركوها في الأطراف سبعمائة فيكون مجموع ما تصرفه ٢٨٠٠ . الأمبرسيال ' إسرائيلية يومية. أسست سنة ١٩٠٨ ميلادية تبيع مقدار ألف نسخة. قرباج (سوط) — جريدة يهودية أسبوعية هزلية أسست هذه السنة فنالت رغبة الناس جميعهم ولذلك تبيع مقدار ستة آلاف نسخة. الآونير (المستقبل) — جريدة يومية تصدر يوم الاثنين والأربعاء والجمعة وتبيع مقدار ألف نسخة. أنشئت قبل ثلاث سنوات. ره وياتا بو بو لار (مجلة العوام) — مجلة يهودية أسبوعية تنشر في إدارة ما قبلها وترسل معها يوم الجمعة. ويرقوزيكو (شيطان) — جريدة يهودية أسبوعية هزلية لم تنل الرغبة مثل أختها قرباج. لاتريبوناليبر (المحكمة الحرة) — جريدة يهودية أسبوعية يباع منها مقدار ألف نسخة. جورنال دوسالونيك (جريدة سلانيك) — جريدة إفرنسية محررها إسرائيلي أسست قبل ١٥ سنة تصدر الأحد والثلاثاء والخميس تبيع في سلانيك مقدار ألف نسخة ولها فيها سبعمائة مشترك ولها في الأطراف أربعمائة مشترك فيكون مجموع ما تصرفه ٢١٠٠ نسخة. بروغره دوسالونيك (رقي سلانيك) — جريدة إفرنسية يومية محررها من أهل سلانيك أسست قبل ١١ سنة يباع منها مقدار ألف نسخة. كان للبلغار ثلاث جرائد قل مشتروها فخسرت فتعطلت جميعها. وأما أهل سلانيك فلا يزيدون عن مائة وخمسين ألفاً وقد كنت أحب أن أقايس أهل الشام وجرائدهم بأهل سلانيك وجرائدهم بهم المطالعة ولاسيما ويأتيهم كل يوم من جرائد إستانبول مثل طنين وأقدام وصباح ويكي غزته ما لا يمكن حصره ولكن لا علم لي بمقدار أهل الشام ولا بجرائدهم ولا بمقدار ما يصرف منها فهل لأحد الفضلاء ممن يعرف ذلك أن يتخذ هذه العجالة أساساً ويتحفنا بالمقايسة؟ سلانيك ر. ب التربية العقلية وضع أحد أساتذة المدارس الجامعة في فرنسا كتاباً في التربية العقلية قال فيه بشأن تعلم الإنشاء أن أفضل طريقة يتخذها المعلم في تعليم تلامذته ألا يقترح عليهم كتابة موضوع بدون أن يدلهم على الطريق التي يجب عليهم سلوكها لأن الأفضل في نظره أن تتدارك أغلاطهم قبل وقوعها من أن تصلح بعد كتابتها فإن نقد الأغاليط عقيم في الأكثر ولا يخلو دائماً من الضرب على سندان واحد فلأجل الفائدة من التصليح يجب أن يكون في الوظيفة أو الفرض بعض الميزات الابتدائية والأجدر أن تقرأ للمتعلم قطع من أقوال الغير في الموضوع الذي يقضي عليه كتابته. قال أن من الصعب تعليم الأولاد أن يكتبوا أو يحكموا كتابة صحيحة وحكماً صحيحاً ولكن من الممكن تلقينهم كلهم معنى النظام وحسن السياق وذلك يتأتى بدرس ما كتبه الكاتبون حق دراسته وتحليله وبيان مزاياه ومتانة تراكيبه ومتى تم للم رء أن يعرف ما حوت كتابة كبار الكتاب من الحسنات يوشك أن يقبض على سر الإنشاء. المدرسة والأخلاق وضع أحد علماء الألمان كتاباً في التربية الأخلاقية قال فيه أن الواجب في تعليم الأطفال أن يدربوا أنفسهم بأنفسهم وأن يعلمهم معلموهم كيفية التوفيق بين شخصيتهم الروحية وشخصيتهم الحسنة فيباحثوهم في موضوعات في الأخلاق الشخصية أو الاجتماعية ذات ارتباط كلي بحياة التلامذة أنفسهم وأن يعودوا في المدارس إلى القول بعدم المركزية أي الحكومة المستقلة بحيث يعدون الطفل للديمقراطية العملية ويكلون ذلك للمتقدمين من التلامذة. غاية التربية قال أستاذ التربية والعليم في كلية برلين أن غاية التربية تقوية حواس الشخص ما أمكن مع احترام الخلق الطبيعي وشخصية الأفراد فالواجب أن نحكم فيه قوة الانتباه والتفكر والذاكرة ولا نعجل في استثمار عقله. وهو يشدد كثيراً في تربية الإرادة لأنها أهم من كل شرح وتفصيل في تربية أخلاق المرء. آثار عربية ظفر البارون ماكس فون أوبنهايم اثناء سياحته في الشرق على عدة كتابات استخرج بعضها ودفعها إلى علماء الآثار ليحلوها ومن جملتها ١٩٦ أثراً عربياً حلها المسيو برشم ونشرها في كتاب خاص ومعظمها لم يعرف وهي مما عثر عليه السائح الألماني من جنوبي بحيرة حمص إلى دمشق ماراً بقلعة الحصن ومصياف وحماة وقنسرين وحلب والرها (أورفة) وماردين وديار بكر والبيرة وعينتاب وآذنة وطرسوس وقره مان وقونية ويرد تاريخ معظمها إلى عهد استيلاء المماليك على مصر ومنها ست كتابات من عهد الخليفة المنصور في ديار بكر تاريخها سنة ٢٩٧ من الهجرة وبعضها من عهد سيف الدولة ابن حمدان في حلب من سنة ٣٥٤ ومنها أثر وجد في دمشق من عهد السلطان طوطش السلجوقي ( ٤٨٠ ) وآخر في سلمية من عهد الأمير خلف ٤٨١ . علم نفس الطفل ألف أحد علماء سويسرا كتاباً في تربية الأطفال وتعليمهم قال فيه: إن الطفولية يجب أن ينظر إليها بأنها باب للاستعداد للحياة وتختلف مدة الطفولية بحسب درجة كمال النوع فكلما اعتبر تاماً أي حافلاً غنياً بالمقاومات يطول طور الطفولية وعبثاً يريد المرء اختصار هذا الطول لأن الفطرة حمت هذا الدور من نقص التركيب بألف واسطة وكلما كانت الطفولية قصيرة يكون ترقي الطفل قاصراً. وتكلم عن لعب الطفل فقال أنه بالنسبة للطفل من أهم المعدات لاستقبال الحياة فإنا نرى اللعب حتى في الحيوانات سارياً بحسب قواهم الطبيعية فالهرة الصغيرة تلعب بكرة من الورق كما تلعب بفأرة والجدي تظاهر بأنه يناطح في حين ليس له قرون وكذلك الحال في الطفل فإن الألعاب على اختلاف ضروبها هي استعداد للعمل القانوني الذي يعمله يوم يبلغ أشده فمن كتب له أن يكون صالحاً في طفوليته يكون رجلاً تام الأدوات في رجوليته والطفل الذي رزق السلامة في أعضاءه والعمل لنما يعد جسمه للمشاق أفضل وأقدر في جهاد الحياة ممن يحملون الشهادات العالية التي تنبئ بدرسهم واستظهارهم فاللعب باعث قوي في نمو الحواس يمد كل من نشأ من النشاط وهو يشترك مع الفكر القوي في سن الفتوة فالواجب أن يترك هذا التصور يأخذ مأخذه كما يشاء ويضاف إلى ذلك رغبة الطفل في النظر والسؤال فينبغي أن لا يضن الأبواب بالجواب على أسئلة يسألها الابن هذا في سن الطفولية أما في سن البلوغ فإن التقليد من أكبر أدوات الارتقاء فالبالغ يبلغ عند الاقتضاء ليسهل التوفيق بينه وبين المطالب العالية والطفل يقلد في لعبه وهذا اللعب مما يفيده. والمهم في ذلك أن يطبق أعماله على محيطه وأن يقوي قواه ويتعلم معلومات جديدة وينمو على الدوام نمواً طبيعياً وأخلاقياً وهو يرتقي هذا الترقي إذا قابل بنفسه المصاعب التي يجب عليه التغلب عليها تناول بنفسه المعارف اللازمة والأسرار التي يقضى عليه كشفها وسبر غورها. وقال أن علم التربية والتعليم (بيداكوجيا) هو علم معرفة درجات النشوء الطبيعي في الطفل واستخدام كفاءاته الفطرية لترقيتها. سن تعليم القراءة يبدأ الأولاد بتعليم القراءة في إنكلترا في السنة الثالثة وفي سويسرا بين الخامسة إلى السابعة بحسب المقاطعات وقد بدأ إميل روسو في الخامسة عشرة. وبحث أحدهم بحثاً دقيقاً فتبين له أن الطفل يتعلم القراءة في الأكثر بسرعة بين السابعة والثامنة وتقل السرعة بين السابعة والسادسة وأن الأظهر في هذه الحال أن يبدأ في سن السادسة بتعلم القراءة. وأكدت مديرة مدارس الأمهات في فرنسا أن تعليم الولد قبل السادسة يضر جداً ولكنها سمحت بأن يقرأ الأولاد بين الخامسة والسادسة من أعمارهم نحو عشرين دقيقة فقط وقالت ينبغي أن يدل الطفل على الكلمات التي يقرأها ولا يكتفي بتكرارها فقط إذ تشتغل في تلك الحال ذاكرته فقط وأن يقرأ بصوته العادي بدون أن يرفعه وأن تستعمل له الألفاظ المستعملة نفسها بدون ألفاظ مجهولة. انتظام التجارة ثبت أن التكافل النامي في المصالح المادية بين البشر واضطرار كل بلدة أن تطلب المواد الأولية والمواد التي تفرغ في قالب آخر أو تبحث عن مصرف لبضائعها وحاصلاتها في البلدان الأخرى كان منه كان منه أن عدل النظام التجاري العام تعديلاً كبيراً لاسيما وقد أصبح اليوم طول سكك حديد الأرض مليون كيلومتر وكان سنة ١٨٧٠ مائتي ألف كيلومتر فقط وأصبحت السفن تحمل اليوم ٣٠ مليون طن وكانت سنة ١٨٧٥ لا تحمل غير ٣.٧٠٠.٠٠٠ طن وعدد الأسلاك البرقية البحرية ١٤٠٠ ولم يكن سنة ١٨٦٦ سوى سلك واحد فكيف تكون الحال يا ترى عندما تملأ البحور والبرور بالسفن والسكك والأجواء بالطيارات. التربية المشتركة كتب أحد العارفين في مجلة الأسبوع الأدبي في جنيف مقالاً في معنى تربية البنين والبنات في مدرسة واحدة فأورد عدة أمثلة تثبت أفضلية هذا النوع من التعليم ولاسيما لما شوهد من نتائجه الحسنة في إنكلترا وقال فيه أن تربية الجنسين معاً ولاسيما في المدارس الداخلية (كذا) اقل خطراً من تربية كل جنس مع أبناء جنسه. ومن شروط النجاح في ذلك أن يؤخذ الأولاد صغار السن جداً ويتركون يعيشون أبداً معاً ويطرحون العناصر التي لا يمكن التوفيق بينها فيربى الأولاد والشبان في مدارس الفلاة حيث تسلم الحياة من الشوائب وأخلاق الجد تكون أحسن أثراً وأن يسلموا إلى مربين تخرجوا على الأصول الحديثة في علم النفس فيربى كل جنس بحسب طبيعته وما ينتظره في حياته من الواجبات. الولادات والوفيات كانت الولادات أزيد من الوفيات سنة ١٩٠٨ في أكثر ممالك أوربا فبلغت الولادات في ألمانيا ٨٧٩.٥٦٢ والوفيات ٧٩٥.١٠٧ وفي النمسا ٣١٣ . ٦١٦ و ٣٠١.٩٣٦ وفي المجر ٢٣٩.٧٦٠ و ٢٢٨.٣٣٨ وفي البلجيك ٦٤.٨٣٧ و ٦٧٣٠٥ وفي إنكلترا وغاليا ٤١٩.٩٢١ و ٣٤٦.٨٤٧ وفي بلاد القاع أو هولاندة ٨٤.٩٢٦ و ٧٥.٩١١ وفي إيطاليا ٣٦٨.٦٦٧ و ٣٨٥.١٦٥ وفي نروج ٢٧.٦٠٠ و ٣٠.٤٥٠ وفي السويد ٥٨.٤٠٧ و ٤٤.٢٠٤ . الهند البريطانية وضع أحد علماء فرنسا كتاباً في الهند بعد درس عشرين سنة فقسمها إلى قسمين قسم مساحته مليونان وستمائة ألف كيلو متر مربع وسكانه ٢٣٢ مليون نسمة وهذا القسم تحكم عليه إنكلترا مباشرة وقسم مساحته مليون وسبعمائة وخمسون ألف كيلو متر مربع سكانه ٦٢ مليوناً ونصف مليون وهذا القسم يحكمه راجات الهند والزعماء الوطنيون المحالفون للعرش البريطاني ولهم مستشارون إنكليز. ومناخ البلاد بالطبع مختلف باختلاف الأصقاع فإقليم راجبوتانا رمال تبعث الحرارة المدهشة في الصيف وتجلد المياه في الشتاء. ومسالة المياه أهم ما في الهند من المسائل وقد أقام الإنكليز في إقليم بنجاب أعظم آلات الري في العالم ويقدر عدد من يهلك كل سنة في الألف ٣١ منهم ١٩ بالحمى. والسكان طوائف وكل طائفة تخرج منها أناساً ولكن لا تدخل إليها أحداً وكان عددهم منذ نحو خمسين سنة لا يتجاوز المئة فأصبح اليوم ٢٣٧٨ تقسم بين ٤٣ عنصراً وتابعية. ومنها أربع طوائف يتألف منها ١٦ في المئة من الشعب الهندي وهي طبقة البراهمة وعدد أعضائها ١٤.٨٠٠.٠٠٠ والشاماريين ١١ مليوناً وكل واحدة من الرجابوتيين والآهريين ١٠ ملايين والطبقات الكبيرة تسحق الصغيرة. والظاهر أن المناخ مؤثر جداً في السكان حتى أصبحوا إلى الكسل أقرب منهم إلى حياة العمل وكل واحد يريد أن يعمل له وهو مستريح فتجد في كل خمسة رجال يعملون بحسب الظاهر واحداً لا يعمل شيئاً أصلاً يستريح وآخر يناظر وآخر يعاون فالأرض تؤجر من كبير إلى أصغر وتتعاورها الأيدي بالإيجار. وكثرة الديانات تزيد الأعياد وأيام الراحة والناس لا يربحون ولا ينظرون في المستقبل والفائض فاحش جداً عندهم ولذلك ترى المرابين في خطر أبداً من السلب والقتل على أن الفلاح اقرب إلى الاتفاق مع المرابي من جباة الأموال لأن جباة الأموال لأن الضرائب ثابتة لا تتغير بحسب جودة المواسم وعدمها ولها أوقات معينة لا مناص من أدائها فيها ولذلك تراه عند الضائقة يعمد إلى المرابي فيستدين منه بفائض كبير وقد كان ثلث الفلاحين منذ ثلاثين سنة مدينين على أمل أن يخلصوا من ديونهم والثلثان الآخران لا أمل لهما بالخلاص حتى اضطرت الحكومة الإنكليزية في بنجاب أن تسن قانون ١٩٠٠ تقضي فيه على الفلاح أن لا يبيع أرضه إلا من فلاح ولكن المرابين كلهم أصحاب زراعات ولذلك لم يقل بيع الأراضي ولا رهنها. ولم تنفذ الحكومة هذا القانون في البلاد الأخرى. وقوة الحكومة البريطانية في الهند ناشئ من كون إنكلترا تحكم عناصر مختلفة من السيخيين والمسلمين ولماهراتيين والهنود والبرمانيين وكلهم يتحاسدون بينهم وينفصل بعضهم عن بعض في الجنس والعادات والأديان ولذلك كان من الصعب إشراكهم كلهم في منافع الإدارة على قدم المساواة وعدد المسلمين هناك ٦٢ مليوناً والهنود ٢٠٧ ملايين وكان المسلمون حكام البلاد مدة قرون لذلك يحتقرون المسابقات التي تجري للدخول في الوظائف أما البراهمة فيتسابقون إليها. تربية العقل ألف الدكتور تولوز الفرنسوي كتاباً في هذا المعنى قال فيه أن النظر أفيد للمرء من البحث والدرس في خزائن الكتب والتمرن على حكم الأمور الواقعة خير من إملاء الذهن بمعارف ميتة لا محصل لها والعمل خير من التصور والحركة أفضل من التخيل وتكلم فيه على ضرورة العمل للإنسان فقال يجب أن يعمل المرء ليعيش لا أن يعيش ليعمل وأن الراحة الحقيقية هي في الانقطاع بضعة أسابيع عن العمل كل الانقطاع بعد قضاء زمن في الجهاد والجد لا في تعديل العمل وتخفيفه. جلسة الأولاد تبين أن السبب في تشويه أجسام الأولاد استعدادهم الكلي للجلوس على مقاعد كيفما اتفق وأن البحث قد أثبت بأن في كل خمسة ملايين طالب يتخرج ٥٧٠ ألفاً مشوهين في أجسامهم وأحسن واسطة لاتقاء ذلك إجلاسهم على مناضد عالية بحيث لا يكادون يقعدون إلا منتصبة قاماتهم وأرجلهم تمس الأرض وبذلك يقوى هيكلهم العظمي على طبيعته ويتنفسون تنفساً حسناً. الخطوط الحديدية في الأرض ظهر من إحصاء أخير أن طول السكك الحديدية في القارات الخمس زاد في السنة الماضية ٢٥ ألف كيلومتر فتجاوز طولها المليونان كيلومتر منها أربعمائة ألف فقي الولايات المتحدة وكندا ومئة ألف في أميركا الجنوبية وستون ألفاً في ألمانيا ومثلها في روسيا وخمسون ألفاً في فرنسا وثلاثة وأربعون ألفاً في النمسا وثمانية وثلاثون ألفاً في إنكلترا وجميع الخطوط الحديدية في آسيا لا تتجاوز الخمسة والتسعين ألف كيلومتر وفي أفريقية أحد وثلاثين ألفاً وفي أستراليا تسعة وعشرين ألفاً. صحة المدارس تكلم أحد الخطباء في مؤتمر الفنون في المدرسة في نانسي إحدى حواضر فرنسا في موضوع صحة المدارس فقال أن للنور دخلاً كبيراً في القراءة وإن الواجب أن تكون حروف المطبعة ثخينة في الجملة وأن يعتنى باختيار الألوان المفرحة في الجدران والحوائط ويستغنى عن الألوان الباهتة القذرة كلون الشوكولا والألواح الحجرية السود. والألوان البيضاء الجافية التي تجعل صفوف المدارس كأنها غرف مستشفيات بل الواجب تنويع الألوان والأدهان على الطريقة المقبولة للأولاد فاللون الأحمر والأزرق والبرتقالي مما ينفع النفس والنظر في الأيام الممطرة الغائمة وتكون للنفس بمثابة شعاع الشمس قال والواجب الإكثار في المدارس من الزهور والورود تزرع كيفما اتفق في الأفنية والمماشي ويعلم الصبي احترامها حتى لا يقطفها بمجرد وقوع نظرة عليها كما يعلم مراعاة الحيوان. الأولاد المدخنون حقق أساتذة هولانديون تأثير التدخين في الأولاد ثبت لهم مضاره في عقولهم وأخلاقهم والمدخنون هم كسالى وفاسدو الأمزجة والتراكيب ويزيد معدل المدخنين من الأولاد بالنسبة لحالة أهليهم من الرفاهية وعدمها.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_52.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.52.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
