<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.51.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.51.TEIP5:</urn>
<passage>درس على كتاب الدارس في المدارسمحاضرة القها رفيق بك العظم في منتدى الوتلي في دمشق يوم ١٤ شعبان سنة ١٣٢٨ إن تاريخ كل أمة سواء كان مجيداً أو غير مجيد لا يخلو مستقبله من ارتباط بماضيه لا من حيث التشابه بين طرفيه بل من حيث النتائج التي ترتب عليها نهضة الأمم أحياناً وتغير مجرى الحياة الاجتماعية بأن تسرع بخطا الشعوب إلى مراقي الصعود. ومعناه أنه إذا كان ماضي الأمة عظيماً محترماً في التاريخ تحرص على أن يكون أعظم احتراماً في حاضرها أو على تسترد ذلك الاحترام إذا فقدت شيئاً منه. وإذا كان ماضيها سيئاً غير محترم في التاريخ تدأب على التخلص منه وتطلب لنفسها حاضراً أسعد منه. فالنتيجة واحدة في الحالتين ولكن لمن؟ ومن يحصل على مثل هذه النتيجة من الأمم؟ تحصل عليه أمة تعلم أن لها تاريخاً فتدرسه وماضياً تبحث فيه وترجع إليه لاسيما إذا كان تاريخاً مجيداً له آثار معروفة في الوجود وأثر محقق في الاجتماع. والأمة كالفرد فخورة بالماضي الجميل إذا تمثل لها نفح فيها من روحه فملأها نشاطها ودفعها إلى الأمام أشواطاً. وإن أمة لا تعرف تاريخها أحر بها أن يتنكر لها الزمان وتزدري بها الشعوب لجهلها بماضي التاريخ وتنكرها الإنسانية وتنكرها السماء والأرض. إن المنارة الإسلامية التي رفع منارها أسلافنا الطاهرون وغيرت شكل الأرض ومجرى الاجتماع كان لمدنيتكم هذه حظ وفير منها ولاسيما في التوفر على إنشاء معاهد العلم ودور التربية والتهذيب. هذا أيها السادة ما دعاني لأن أقف بينكم خطيباً افتح صحيفة ماضي التاريخ فيما يتعلق بأسلافكم الغابرين ومدينتكم الفيحاء وفيها ذكرى للذاكرين وذكر فإن الذكرى تنفع المؤمنين. إن هذه الذكرى ما ترونه في هذا الكتاب الضخم المشتمل على ألف وثلاثمائة وستين صفحة وهو كتاب (الدارس في المدارس) تأليف العلامة المؤرخ محمد بن محي الدين النعيمي وهو خاص بما أنشئ من معاهد العلم والمساجد ودور العجزة (التكايا) في دمشق وقد بلغ عدد ذلك مائتينيوبضعاً وثمانين لو وزعت المدارس منها على السنين منذ إنشاء أول مدرسة في القرن الخامس إلى سنة إحدى وتسعين وأربعمائة إلى عهد المؤلف في أواخر القرن التاسع لأصاب دمشق كل سنتين مدرسة تنشأ أو دار للعجزة والمرضى تشاد هذا فضلاً عما أنشئ من المدارس بعد ذلك التاريخ ولم يدركه المؤلف المذكور وهذا فهرست الكتاب نتلو عليكم بعضاً من أسماء المدارس التي جاءت فيه ولا أطيل خوفاً من ضيق الوقت. أنا تواريخ إنشاء هذه المدارس بالضبط والأوقاف التي حسبت على الطلبة فيها والعلماء الذين نبغوا منها ودرسوا فيها كل هذا مذكور في صلب الكتاب وليس في الوقت متسع لتلاوته عليكم كما ترون من حجم الكتاب وحسبكم أن من درسوا في هذه المدارس وتولوا رياستها أو نبغوا فيها من علماء الشريعة مثل الحافظ الذهبي صاحب التاريخ المشهور والإمام ابن تيمية صاحب التآليف الكثيرة وقاضي القضاة صدر الدين الأزرعي صاحب الجامع الصغير والعماد ابن كثير والنووي وابن الصلاح والحافظ جمال الدين المزي وأشباههم من العلماء الكبار ومن علماء الطب مثل ابن أبي أصيبعة صاحب تاريخ الأطباء ومهذب الدين بن الحاجب ونجم الدين اللبودي وموفق الدين بن المطران ومهذب الدين الداخواز وعماد الدين الدنيسري وأضرابهم. ومن علماء العقليات والرياضيات والموسيقى مثل محمد بن أبي الحكم الباهلي وعز الدين السويدي وأبي الفضل الحارثي المهندس الذي كان باب البيمارستان النوري القائم إلى اليوم من عمل يده وأضرابهم. وها أنا أقرأ لكم مثالاً واحداً من ترجمة هؤلاء الرجال فاسمعوا ما قال تاريخ الدارس هذا في ترجمة أفضل الدين بن أبي الحكم نقلاً عن الصفدي: (محمد بن عبد الله بن المظفر بن عبد الله الباهلي) هو أفضل الدين أبو المجد بن أبي الحكم من الحكماء المشهورين كان طبيباً حاذقاً وله يد طولى في الهندسة والنجوم (أي علم الفلك) وله في سائر الآلات المطربة يد عمالة وعمل أورغناً وبالغ في إتقانه وقرأ على والده وغير في الطب وكان في دولة نور الدين بن الشهيد ولما عمر البيمارستان والمستشفى النوري بدمشق جعل أمر الطب إليه إلى آخر ما قال: هؤلاء الرجال الذين ذكرتهم لكم وهذا الفضل الكبير منهم وعدد كثير مثلهم من أهل الشهرة بالعلم والفضل ودرسوا في هذه المدارس أو تخرجوا على رؤسائها ومشايخها ثم ملأوا المكتبة العربية بالمؤلفات النافعة في كل فن ومن راجع منكم كتاب الكواكب لابن عروة الحنبلي في أكثر من مائة مجلد وتاريخ الحافظ ابن عساكر في أكثر من عشرين مجلداً وهما موجودان اليوم في المكتبة العمومية في مدرسة الملك الظاهر بدمشق وقاس عليهما ما ألفه علماء تلك القرون الأفاضل وما قبلها في علوم الشريعة والأدب واللغة والتاريخ والتراجم والفلك والطب والرياضيات كالهندسة والحساب وغير ذلك من العلوم علم مقدار ما لهذه المدارس ومؤسسيها من الفضل على الأمة وما للنابغين فيها من الأثر العظيم في الوجود بما سهروه من الليالي الطوال في الحرير والتحبير وما عانوه من النصب في وضع كتب العلم لإفادة الناس حتى ملأوا بها المكاتب ونشروا العلم: وما قولكم في أن عالماً واحداً من علماء الطب وهو موفق الدين بن المطران المتوفى سنة سبع وثمانين وخمسمائة ترك في مكتبته عشرة آلاف مجلد في الطب والعلوم الحكمية كما ذكر ابن أبي أصيبعة في ترجمة الموما إليه. وملا يظنن بعضكم أن هذه المدارس كانت مدارس دينية فقط وأن أكثر علمائها وطلبتها من طلبة العلوم الشرعية وآلاتها كلا فإن فيها مدارس لغير العلوم الشرعية كالطب مثلاً ومن هذه المدارس المدرسة الدخوازية والدنيسرية واللبودية كما سترون ذلك في ما يأتي من الكلام إن شاء الله. ولقد أخبرنا التاريخ أن معاهد العلم كانت مشاعة بين طلابه من كل فن وأن الطبيب أو الفلكي مثلاً كان يلقي دروسه في أي مدرسة كانت من مدارس العلم له فيها وظيفة بل في الجوامع والمساجد أيضاً لأنها كانت قبل أن توجد المدارس على شكلها المعهود أي قبل القرن الرابع أشبه بمدارس العلم بل هي المدارس بعينها وما زالت كذلك معاهداً للعلم والعبادة معاً إلى اليوم كما تعلمون. وأذكر لكم مثالاً واحداً على أن المدارس كانت مشاعة لطلاب كل علم ما نقله ابن أبي أصيبعة في ترجمة رفيع الدين الجيلي قال: وكان مقيماً في دمشق وهو فقيه في المدرسة العذراوية داخل باب النصر وله مجلس للمشتغلين عليه في أنواع العلوم والطب وقرأت عليه شيئاً من العلوم الحكمية. واعلموا أيها السادة أن كثيراً من علماء الشريعة مثل الجيلي جمعوا بين العلوم الشرعية والعقلية والطب والفلك والرياضيات وكلهم من خريجي هذه المدارس بالضرورة وممن جاء ذكرهم من هؤلاء في هذا التاريخ واذكره مثالاً للباقين أحمد بن الحسين الدمشقي وإليكم ما جاء في ترجمته من هذا الكتاب نقلاً عن ابن كثير: (الجمال المحقق أحمد بن عبد الله بن الحسين الدمشقي) اشتغل على مذهب الشافعي وبرع فيه وأفتى وأعاد وكان فاضلاً في الطب وقد ولي مشيخة الدخوازية (مدرسة طبية) لتقدمه في صناعة الطب على غيره وعاد المرضي بالبيمارستان النوري على قاعدة الأطباء وكان مدرساً بالشافعية بالمدرسة الفروخشاهية ومعيداً بعدة مدارس إلى آخر ما قال: هذا يدلكم على أن العلوم كانت مشاعة بين العلماء وأن العالم بالشرع قد يكون عالماً بعلوم أخرى من العلوم النظرية والعملية كالفلسفة والطب والموسيقى والرياضيات وغيرها من العلوم التي قامت على دعامتها المدنية الإسلامية وكانت الحلقة الوسطى بين المدنية القديمة والمدنية الحديثة حتى اعترف بفضلها على التمدن الغربي كثير من علماء التاريخ والاجتماع في أوربا كدربي ومونتسكيو كوغستاف لوبون وأفردوا للمدنية الإسلامية كتباً خاصةً أتوا فيها على ذكر ما تركته هذه الحضارة من آثار الترقي والعلم التي يجهلها أهله لهذا العهد بالأسف والعار. نحن الآن أيها السادة بصدد علماء دمشق في القرون الوسطى وإنما هم حلقة من سلسلة تلك المدنية الإسلامية التي أخنى عليها الزمان وإذا سمحتم لي فأني أختم كلامي بنبذة من تاريخ تلك السلسة بعد استيفاء الكلام على كتاب الدارس هذا إن شاء الله. علمنا مما سبق أن عدد المدارس ودور العجزة التي أنشئت في دمشق ولكن من الذي أنشأ هذه المدارس ورفع بنيانها وأدر الخيرات عليها وأنفق على طلابها من ماله أهي الحكومة أو الأفراد أو الجماعات؟ بلغ بنا الضعف أن صرنا كالأطفال نطلب كل شيء من الحكومة كما يطلب الطفل كل شيءٍ من والديه أما أسلافنا فلم يكونوا كذلك بل كانوا استقلاليين أكثر منهم اتكاليين يعرفون قيمة الاعتماد على النفس فكان الفرد الواحد يقوم بما تقوم به الجماعة أو يطلب من الحكومة اليوم. ولهذا فإن كل ما جاء ذكره في هذا الكتاب من المساجد والتكايا والمدارس إنما أنشأه الأفراد وقام بمال أهل السخاء من أسلافكم الطيبين لمحض الخير وإرادة نشر العلم وخدمة الوطن والدين. لم يختص بهذا العمل الجليل والشرف الرفيع الملوك والأمراء وذوو السلطة كما قد يتوهم بعضهم كلا بل كان الأفراد من كل الطبقات من أهل اليسار يتسابقون إلى إقامة المعاهد العلمية حسبة لله وحباً بعمل الخير واسبقاءً للذكر الصالح في الوجود. فالتجار والعلماء والسيدات هم الذين أسسوا هذه المدارس كل مدرسة يؤسسها شخص بمفرده ويحبس عليها من ملكه ما يكفي ريعها بل أقول لكم والخجل يكاد يمنعني من التكلم والحزن يوشك أن يعقد لساني أن العبدان_عبدان أسلافكم أيها السادة_شيدوا بأموالهم بعض هذه المدارس أيها السادة ورفعوا منار العلم للفضيلة كم ترفع العبدان إلى منزلة السادة في حين تنحط السادة إلى منزلة العبدان. إن العبدان كانوا أرفع نفوساً وأسخى كفوفاً منا الآن يا للخجل والخسران. إن الكلام وحده لا يغني عن البرهان وإنكم تنتظرون مني الدليل بعد هذا البيان وإليكم أمثلة من عمل العلماء. التجار. والسيدات. والعبدان. قال المؤرخ في فصل عقده لمدراس الطب: (المدرسة الطبية الدخوازية الدخوارية) المدرسة الدخوازية بالصاغة العتيقة بقرب الخضراء قبلي الجامع الأموي أنشأها مهذب الدين عبد المنعم بن علي بن حامد المعروف بالداخوز في سنة إحدى وعشرين وستمائة بالصاغة العتيقة كما تقدم وأول من درس فيها واقفها ثم من بعده بدر الدين محمد بن قاضي بعلبك ثم عماد الدين الدنيسري وهو بها الآن. (المدرسة الدنيسرية) غربي البيمارستان النوري والصلاحية بآخر الطريق من قبلة قال الذهبي في العبر في أخبار سنة ست وثمانين وستمائة: عماد الدين أبو عبد الله محمد بن عباس الربعي الرئيس الطبيب ولبد بدنيسر سنة ست وسمع بمصر من علي بن مختار وجماعة وتفقه للشافعي وصحب البهاء الزهير وتأدب به وصنف إلى أن قال نقلاً عن الأسدي: العماد محمد بن عباس الحكيم البارع في الطب صاحب المدرسة للأطباء بالقرب من بيمارستان نور الدين الشهيد الخ. (المدرسة اللبودية) اللبودية النجمية مدرسة خارج البلد ملاصقة لبستان الفلك المشيري أنشأها نجم الدين يحيى بن محمد بن اللبودي في سنة أربع وستين وستمائة: إلى أن قال نقلاً عن ابن أبي أصيبعة. كان علامة وقته وأفضل أهل زمانه في العلوم الحكمية الخ. هذه أمثلة من عمل العلماء: واسمعوا مثالاً من عمل التجار في سبيل الخير والعلم والمنفعة العامة لم يعمل مثله أحد من أغنياء هذا الزمان: (المدرسة المزلقية) بطريق مقابر باب الصغير الآخذ إلى الصابونية أنشأها تاجر الخاص الشريف شمس الدين أبو عبد الله محمد بن علي بن أبي بكر المعروف بابن المزلق ميلاده سنة أربع وخمسين وسبعمائة وكان أبوه لباناً أدركه جماعة وهو يباشر ملبنة عند جامع يلبغا فنشأ ولده هذا ودخل في البحر وحكى عن نفسه أن أول سفرة سافرها كسب فيها مائة ألف دينار وثمانمائة ألف درهم وانفتحت عليه الدنيا وعمر أملاكاً كثيرة وأنشأ على درب الشام إلى مصر خانات عظيمة بالقنيطرة وجسر يعقوب والمنية وعيون التجار وأنفق على عمارها ما يزيد على مائة ألف دينار وكل هذه الخانات فيها الماء وجاءت في غاية الحسن لم يسبق أحد من الملوك والخلفاء إلى مثل ذلك وهو صاحب المآثر الحسنة بدرب الحجاز ووقف على سكان الحرمين الشريفين الأوقاف الكثيرة الحسنة وعين للحجرة الشريفة على الحال بها أفضل الصلاة وأتم السلام الشمع والزيت في كل عام إلى آخر ما قال: وهذا مثال لتاجر غيره أيضاً: (المدرسة الرواحية) شرقي مسجد ابن عروة بالجامع الأموي ولصيقه شمالي جيرون وغربي الدويلعة وقبلي السيفية الحنبلية: قال ابن شداد بانيها زكي الدين أبو القاسم المعروف بابن رواحة وقال الذهبي في تاريخه العبر في من مات سنة اثنتين وعشرين وستمائة والزكي بن رواحة هبة الله بن محمد الأنصاري التاجر المعدل وأوقف المدرسة بدمشق وأخرى بحلب الخ. ومن أمثلة عمل النساء: (المدرسة العالمية) العالمية شرقي الرباط الناصري غربي سفح قاسيون تحت جامع الأفرم واقفتها الشيخة الصالحة العالمة اللطيفة بنت الشيخ الناصح الحنبلي المتقدم ذكره في المدرسة التي قبل هذه (وهي المدرسة الشيخية بانيها أبو عمر الكبير) وكانت فاضلة لها تصانيف وهي التي أرشدت ربيعة خاتون بنت نجم الدين أيوب أخت الملك صلاح الدين إلى وقف المدرسة الصاحبية بقاسيون على الحنابلة الخ. ومن أمثلة عمل العبدان والطواشية (المدرسة الصارمية) الصارمية داخل بأبي النصر والجانبية قبلي العذرواية بشرق قال القاضي عز الدين بانيها صارم الديك أزبك مملوك قايماز النجيبي ورأيت مرسوماً بعتبتها ما صورته: بسم الله الرحمن الرحيم هذا المكان المبارك إنشاء الطوشي الأجل الصارم الدين جوهر بن عبد الله الحر عتيق الست الكبيرة الجليلة عصمة الدين عذرى ابنة شاهنشاه رحمها الله تعالى الخ. أرأيتم أيها السادة بمإذا قامت هذه المدارس وبمن وكيف أن الأفراد من أسلافكم كانوا يعملون ما لا يعمله الجماعات منكم اليوم. إن الأفراد هم الذين ينهضون بالأمم وأن المدنية الإسلامية التي تلوت عليكم حلقة من سلسلتها العظيمة كان للأفراد شأن عظيم في وضع دعامتها وتشييد بنيانها. تعلمون أيها السادة ما كان لترجمة كتب أهل التمدن القديم كاليونان والفرس إلى العربية من الأثر الكبير في تأسيس المدنية الإسلامية في بغداد على عهد الخلفاء العباسيين وقد يتوهم بعضهم أن الذي عني بترجمة هذه الكتب إنما هم الخلفاء وحدهم وأخصهم أمير المؤمنين المأمون والحال أن لكثير من الأفراد ورجال الفضل والنبل من الأمة يداً لا تنكر في هذا السبيل. وهذا يدلكم على أن عمل الأشخاص منفردين لا يقل تأثيراً في الهيئة الاجتماعية عن عملهم مجتمعين. ولذا فلا أبالغ إذا قلت أن نوابغ الأمة الذين خدموا بذكائهم وعملهم المدنية وشيدوا أركانها الرفيعة إنما قاموا بهذه الخدمة وقامت تلك المدنية بفضل أهل السخاء والجود من محبي العلم والترقي وأنصار النجاح الذين كانوا ينفقون من مالهم على المترجمين للكتب العلمية إلى اللغة العربية. ومن هؤلاء الأفاضل الأجواد الذين رصدوا جزءاً كبيراً من أموالهم على المترجمين لكتب العلم في تلك العصور: علي بن عيسى العباسي: ومحمد بن موسى بن شاكر الرياضي الشهير: وعلي بن يحيى الكاتب: وابن المدير الكاتب: وثاوري الأسقف: ومحمد بن عبد الملك الزيات الوزير: وبختيشوع الطبيب: ويوحنا بن ماسويه الطبيب: والعدد الكثير من أمثالهم المولعين بالترقي والعلم والذين كان ينفق كل واحد منهم أموالاً طائلة على نقله العلوم إلى اللغة العربية حتى لقد نقل ابن أبي أصيبعة عن محمد بن عبد الملك الزيات أنه كان ينفق في الشهر الواحد على المترجمين ألف دينار. قال هذا فضلاً عما كان ينفقه الخلفاء من بني العباس لهذا القصد. إنا والله نتمنى أن تجمع هذه الألف دينار في كل شهر من كل غني من أغنيائنا اليوم لتنفق في سبيل نشر العلم وتربية الناشئة من أبناء الأوطان ولو فعلوا ذلك اليوم لعوضها أبناؤهم أضعافاً مضاعفة في الغد. بل لو فعل ذلك أهل كل ولاية عثمانية لأصبحت المملكة العثمانية بعد عشر سنين جنة قطوفها العلم وسياجها القوة والحياة. ولنعد إلى ما كنا بصدده فنقول: بمثل هذا البذل على نقل كتب العلم ونشرها بين الكافة والاستفادة منها ظهر أركان النهضة في الشرق الذين ارتفع بهم شأن التمدن الإسلامي وذلك مثل بني موسى بن شاكر المهندسين الرياضيين في عصرهم وبختيشوع وبني سهل وبني ماسويه وبني حنين وبني ثابت بن قرة وبني زهرون وأبي عثمان الدمشقي وابن كرنيب ويحيى بن عدي المنطقي وأبي الفرج الطبيب وأبي الريحان البيروني والشيخ الرئيس ابن سينا وأبي النصر الفارابي والفخر الرازي وابن الشاطر وأضرابهم من العلماء الذين ظهروا في الشرق في عصور متفاوتة إبان الحضارة الإسلامية. ومثل بني زهر ويحيى بن السمينة وأبي القاسم المرحيطي إمام الرياضيين والفلكيين في عصره وابن السمح الغرناطي المهندس وسعيد بن عبد ربه وأبي جعفر الترحالي وأبي الوليد ابن رشد وابنيه محمد وأضرابهم ممن ظهروا كذلك في الغرب. ومثل ابن الهيثم البصري صاحب التآليف الغزيرة في الرياضيات والفلك والمبشر ابن فاتك وعلي بن رضوان وتلميذه أفرائيم بن الزفان والشيخ السديد رئيس الأطباء وشمس الرياسة بن جميع الإسرائيلي ورشيد الدين أبي حليقة وأمثالهم ممن ظهروا في مصر. كل هؤلاء من علماء الفلسفة والرياضيات والحكمة الطبيعية وغيرها من العلوم ونسبتهم كنسبة واحد في المائة ممن ظهروا في عصرهم وبعده في الشام وبغداد ومصر وفارس والمغرب والروم أي آسيا الصغر وغيرها من الأمصار ونهضوا بالأمة وأعلو ذكر المدنية الإسلامية في الشرف والغرب وإنما وضع لهم الأساس أفراد من الأمة قدروا قدر العلم فشيدوا معاهده وترجموا كتبه وأكرموا أهله فتكون من عمل أولئك وهؤلاء وتعاونهم جيلاً بعد جيل بناء تلك المدنية العظيمة التي فقدناها بعد ولم نستطع اللحاق بأبناء التمدن الحديث لإعراضنا عن العلم وغفلتنا عن تحدي الأمم الراقية وقبض أكفنا عن إمداد معاهد العلوم وإنشاء دورها مع إنا قد يطلب منا الآن ونحن جماعات فلا نجيب ما كان يعمله الأفراد من أسلافنا من تلقاء أنفسهم وبمحض رغبتهم بالعلم والمعارف وحبهم للارتقاء فما هذا الفرق العظيم. وبالجملة أيها السادة إنا أمة ذات ماضٍ مجيد وتاريخ جميل وقد ترك لنا أسلافنا درساً لا يمحوه الزمان ونقشاً في كل زاوية من المشرق ومكان فلن يبلغ بنا ضعف النظر أو ضعف القلوب والهمم أو فساد الأخلاق واستحالة الدم إلى أن نتناساه ولا نقرأ صحفه الزاهية التي يدعونا كل سطر منها إلى التذكر والتفكر والسعي الحثيث إلى الترقي الذي مناطه العلم والعلم يحتاج إلى المال. فالمالَ المالَ الكرمَ الكرم الانتباه الانتباه وإلا قضي علينا بالدمار وألحق بنا العار وتبرأ منا أسلافنا الطاهرون ولا يكون ذلك إنشاء الله ما دام فينا الكرام الغيورون والرجال المفكرون والسلام عليكم. أغنياؤنا قال لنا منذ مدة أحد أعيان دمشق أنني اضطررت لضائقة أصابتني أن أبيع عقارين من عقاراتي أفتدري من كان يزيد فيهما؟ قلنا لا ندري. قال كان يزيد فيهما لا يتصور العقل أن عندهم قوت شهر واحد أناس يلبسون خلق الثياب ولا تعدهم من كبار السوقة بل من صغار المرتزقة أما من كان يظن أنهم سيتلقفون ذينك العقارين فلم يساومونا عليهما بفلس واحد لأنهم لا نقد عندهم وربما كان تقدير الناس لأموالهم هم دون الحقيقة بمراحل. واجتمعا في المساء بمجلس غاص بالمفكرين وأربابا التجار فقص علينا أحدهم. أن المزرعة الفلانية التي يراد بيعها في الغوطة قد انتهى ثمنها إلى عشرين ألف لبيرة على يد رجل لم يكن يظن أنه يملك معشارها من الثروة حتى قال أنه يدفع قيمتها حوالة على المصرف دفعة واحدة ثم اجتمعت آراء الحضور على أن ثروة دمشق قد زادت في العشر سنين الأخيرة زيادة محمودة بداعي الأموال الطائلة التي بذرتها فيها إدارة السكة الحجازية وهي لا تقل عن مليوني ليرة وإدارة الترمواي الكهربائي الذي أنفق نحو مائتي ألف ليرة وما أعقب قرب المواصلات من ورود السائحين والحاجبين إلى دمشق ذاهبين منها وجائين وما نقلته السكك الحديدية من غلات البلاد القاصية فقدر ما حم لته سكة حوران وحدها من الغلات في العام الفائت بثمانين ألف طن والطن أربعة قناطير دمشقية وثمنها يناهز المليون ليرة وما نقلته سكة حديد حماة بخمسة وأربعين ألف طن هذا عدا ما نقلته الخطوط الأخرى وحمل على متون الدواب والجمال من الغلات والثمرات حتى عمرت بذلك قرى حوران وكانت خراباً يباباً منذ بضع سنين وغدا الحوراني اليوم يلعب بالليرات كما يلعب جاره الفلاح المصري بالجنيهات هذا في إقليم واحد من أقاليم بلاد الشام وفلسطين وولاية بيروت وحلب وسورية مقاطعات لا تقل في خصبها وأمراعها عن حوران ولكنها لم تشتهر شهرتها وأصبح أهلها بفضل المواصلات والحركة التجارية الجديدة في سعة من العيش تزيدهم كما زادتهم الحكومة أمناً ووفرت لهم مرافق الحياة. قالوا وهذه النهضة الاقتصادية في دمشق خاصة لأنها قاعدة هذه البلاد والنقطة الوسطى منها وباب الكعبة ومقر الفيلق ومركز الولاية قد استمتع بخيراتها المقاولون والنجارون والحدادون والبناؤن والحجارون والجمالون والعملة والتجار وأرباب الفنادق والمطاعم والعربات فتسربت الدراهم والدنانير إلى جيوب أرباب الطبقة الوسطى فمن دونها واغتنى كثيرون وارتاشوا حتى أن كثيرين من بائعي الفول المدمس لا يرضون من الربح في يومهم أقل من ليرة. كل هذا قالوه وهو صحيح ولكن الواجب علينا أن لا يمر بنا دون أن نتدبر سره الاقتصادي والاجتماعي والسر فيه أن كثيرين من الأعيان اكتفوا بما حازوه من الثروة إرثاً عن آبائهم أو بفضل سعيهم ولا تقول كيف حازوها والطرق التي سلكوها فمنهم من كانت ثروته ثمرة الكدح المشروع من تجارة وزراعة وهم قلائل يعدون على الأصابع. ومنهم من اغتنوا بالاتفاق فابتاعوا مثلاً أرضاً أو عقاراً قضت الأحوال بارتفاع أسعاره فأصبح ما ابتيع يساوي عشرة آلام وعددهم محدود أيضاً ومنهم من أثروا بما كان لهم أو لأجدادهم من النفوذ في الدولة الاستبدادية فكان الفلاحون يأتونهم باكين شاكين طالبين إليهم أن يرفعوا عنهم ظلم الحكومة أو الملتزمين أو عرب البادية ويأخذوا قريتهم حلالاً زلالاً وهم يكتفون منهم بالحماية ويدفعون لهم الخمس كل سنة من مجموعه ما تنبت الأرض. ومنهم من تيسر لهم أن يحرزوا وقفاً عظيماً لمدرسة أو لمدارس فعمروا أرضه ورباعه فأخصب وعلا ثمنه مع الزمن فاغتنوا هم وأولادهم ومنهم من وسدت إليهم الوظائف فباعوا ذممهم وفتحوا بطونهم لأكل الرشى وأضاعوا حقوق العباد والدولة حتى جمعوا لهم مقداراً من المال أنشوا به الحوانيت وعمروا الدور واستثمروا المزارع والدساكر. ومنهم من جرأوا على استحلال الربا أيام كان ابن حوران مثلاً لفقره يضطر في أكثر سنيه أن يقترض القرش بقرشين للمرابين والصيارف قحة وعرامة فجمعوا من رأس مالٍ صغير رأس مال صغير كنوزاً كبيرة في برهة وجيزة ومنهم من لم يستنكفوا من ظلم الفلاح فأكلوا لحمه وعرقه وعظمه حتى تم لهم والناس في غفلة والحكومة في إخفاء الذ من إغفاء الصبح نائمة على رعاياها إن جمعوا ما جمعوا سحتاً بحتاً وحراماً لا يجوزه عقل من عقول البشر ولا شريعة من الشرائع السماوية والأرضية. هكذا قام أكثر ما نشاهده من الثروات وعلى هذه الأسس قامت أبنية الأمجاد والتقتير رائد أصحابها والإمساك طريقهم إلى الجمع. ومن أتاه قرش فصرف بعضه وأحسن استخدام ما جمع لا بد أن يأتي عليه يوم يحوز الغنى وكيف لا ننسب بعض الأغنياء إلى كزازة الأيدي ونحن نراهم لا يسمحون حتى بتعليم أولادهم مع أن تعليمهم باتفاق آراء العقلاء يعادل إطعامهم لقوام أجسامهم وتغذية الأرواح مفضلة عند الكثيرين على تغذية الأشباح. لو تعلم أولاد الأغنياء أن التعليم العصري المطلوب وربوا على الأخلاق الفاضلة أخلاق العمل والحساب لما خيف على ثروات آبائهم من التبدد ولتوارثوا النسب كما يتوارث النشب كابراً عن كابر فتتسلسل الوجاهة في بيوتهم الجيل بعد الجيل والعصر بعد العصر فلا يخافون عيلة ولا يشكون سقوط منزلة. وأصدق مثال يصح الاستشهاد به كل حين ما يراه كل إنسان من الفروق في حالة المسيحيين والمسلمين وهم أبناء وطن واحد لا يختلفون في طبائعهم ولا في عاداتهم وهم قد فاقوا المسلمين بمبادئ يتعلمونها من اللغات والعلوم وطاب العيش فقيرهم منهم أكثر من عيش الغني في المسلمين وذلك بفضل ما تعلموه من حسن التربية والحساب للمستقبل وعدم الاتكال على الحكومة وأعمالها بل على الكفاءة واستخراج الثروة من المذاهب الطبيعية في المعاش. وعقد ابن خلدون عقداً في نهاية الفصل في أن نهاية الحسب في العقد الواحد أربعة آباء فقال: إن باني المجد عالم في بنائه ومحافظ على الخلال التي هي أسباب كونه وبقائه وابنه بعده مباشر لأبيه قد سمع منه ذلك وأخذه عنه إلا أنه مقصر في ذلك تقصير السامع بالشيء عن المعاني له ثم إذا جاء الثالث كان حظه الاقتفاء والتقليد خاصة فقصر عن الثاني تقصير المقلد عن المجتهد ثم إذا جاء الرابع قصر عن طريقهم جملة وأضاع الخلال الحافظة لبناء مجدهم واحتقرها وتوهم أن ذلك البنيان لم يكن بمعاناة ولا تكلف وإنما هو أمر وجب لهم منذ أول النشأة بمجرد انتسابهم وليس بعصابة ولا بخلال لما يرى من التجلة بين الناس ولا يعلم كيف كان حدوثها ولا سببها ويتوهم أن النسب فقط فيربأ عن نفسه عن أهل عصبيته ويرى الفضل له عليهم وثوقاً بما ربي فيه من استتباعهم وجهلاً بما أوجب ذلك الاستتباع من الخلال التي منها التواضع لهم والأخذ بمجامعهم وقلوبهم فيحتقرهم بذلك فيغنضون عليه ويحتقرونه ويدبلون منه سواه من أهل ذلك المنبت ومن فروعه في غير ذلك العقب للإذعان لعصبيتهم بعد الوثوق بما يرضونه من خلاله فتنمو فروع هذا وتذوي فرع الأول وينهدم بناء بيته هذا في الملوك وهكذا في بيوت القبائل والأمراء وأهل الصبية أجمع ثم في بيوت أهل الأمصار إذا انحطت بيوت نشأت بيوت أخرى من ذلك النسب يشأ يذهبكم ويأت بخلق جديد وما ذلك على الله بعزيز. واشترط الأربعة في الإحساب إنما هو في الغالب وإلا فقد يدثر البيت من دون الأربعة ويتلاشى وينهدم أمرها وقد يتصل أمرها إلى الخامس والسادس إلا أنه في انحطاط وذهاب واعتبار الأربعة من قبل الأجيال الأربعة بأنه مباشر له ومقلد وهادم وهو أقل ما يمكن وقد اعتبرت الأربعة في نهاية الحسب في باب المدح والثناء قال صلى الله عليه وسلم إنما كريم ابن الكريم ابن الكريم ابن الكريم يوسف ابن يعقوب ابن إسحاق ابن إبراهيم إشارة إلى أنه بلغ الغاية من المجد وفي التوراة ما معناه أن الله طائق غير غيور مطالب بذنوب الآباء للبنين على الثوابت وعلى الروابع وهذا يدل على أن الأربعة إلا عقاب غاية في الأنساب والحسب اهـ. وبعد فإن من سنن الكون أن لا يظل الغني غنياً ولا الفقير فقيراً وأن من رأيناهم اغتنوا في العهد الأخير بالنسبة لمجموع ثروة الأمم هم الذين سعوا إلى الرزق من أبوابه ومعظمهم يؤثرون حتى بعد أن اغتنوا أن يعيشوا عيش البساطة فدخل أحدهم فائض كثيراً عن خرجه ولا يبعد أن يجيء يوم يتولى أولئك الذين لا نعرفهم أو لا نريد أن نعرفهم أزمة الأمور ويصبحون هم أعيان البلاد خصوصاً إذا داووا أرواحهم وأرواح ذراريهم بتر ياق التعليم وبسلم التربية الحديثة وطبعوا أسراتهم بطابع الاستقلال لا بطابع الاتكال في الأعمال. ربوهم ليكونوا أعضاءً عاملة في المجتمع البشري لا ليكونوا فقط آمرين ومأمورين. ربوهم ليعرفوا المال وطرق كسبه من الوجوه المشروعة المعقولة لا بالاحتيال والنصب خبث الطعمة وسوء القالة. ربوهم كما يربي الإنكليزي ولده فيعلمه حتى إذا بلغ أشده يلقيه برضاه في معترك الحياة مانعاً عنه كل معونة مالية لا كما يربي الفرنسوي ولده فيعلمه ما أراد فإذا شب لا ينفك عنه فيزوجه ويعطيه وربما حرم بناته حتى يخلف قدراً أكثر لبنيه. التعليم الوطني من أهم المسائل الاجتماعية في العالم مسألة التعليم فهو الذي تحرص عليه الأمم حرصها على حياتها. والتعليم الوطني هو أرقى أنواع التعليم به تحفظ الجنسيات واللغات ويبقي على العادات والقوميات ولذلك تجد العراك في هذا الشأن على اشد ما يكون بين الأمم الغالبة والأمم المغلوبة فالبولونيون لا يشمئزون من الألمان والنمسويين والروسيين إلا لأن كلاً من ألمانيا والنمسا وروسيا تحاول أن تصبغ البولونيين بصبغتها. والجزائريون لا يتأففون من فرنسا إلا لأنها تنوي القضاء على جنسيتهم ولغتهم ودينهم بتلقينهم المبادئ الإفرنسية واللغة الفرنسية. والكوريون لا يغضبون على اليابانيين إلا لأن هؤلاء يحبون أن يصبغوا أهل كوريا بصبغتهم ويطبعونهم على مناحيهم. وأهل الإلزاس واللورين لا يبكون من الألمان إلا لأنهم يرمون إلى تربيتهم على الأسلوب الألماني وتلقينهم اللسان الألماني لينسوا مع الزمن لسانهم وقوميتهم كما نسي أهل شلزويك هولستاين الدانيمركيون لغتهم بانضمامهم إلى بروسيا. والجاويون لا يتأوهون من هولاندة إلا لسعيها في تنشئتهم على مناحيها. والهنديون أعظم ما يسقمونه على الإنكليز تلقين الناس حب إنكلترا وعظمتها ولغتها وإن كان الإنكليز أكثر الأمم مراعاة لعواطف المغلوبين على أمرهم. وهكذا لو استقرينا تاريخ الإنسان إلى اليوم وإلى ما بعد اليوم نجده عبارة عن سلسلة ظلامات منشؤها سوء التفاهم بين الناس يريد القوي أن يسخر الضعيف ويطبعه على منازعه لاعتقاده بأنه أعلى منه كعباً وأكثر علماً وأدباً وأرجح عقلاً وأنجح سعياً شأن العالم مع الجاهل لا يود أن تمر به ساعة إلا يعلمه به شيئاً ليقربه منه ويحسن الانتفاع به ولكن ما كل قوي يكون أعلم من ضعيف ولا غالب أعقل من مغلوب وندر بين الناس والأمم من يقرر بأرجحية غيره عليه ولو كان الحق في ذلك أوضح من فلق الصبح. نقول هذا ونحن نرى التعليم الوطني في مصر والشام وهما من أعرق البلاد في الحضارة والتعلم على أضعف ما يكون وإن كانت مصر سيدة البقاع في هذا لأن انتباه الناس منذ سنين لجعل طبقات التعليم بالعربية بعد أن كاد يصبح كله بالإنكليزية لا بد أن يحفظ على المصريين لغتهم وأخلاقهم وتقاليدهم أكثر مما يحفظها على السوريين مثلاً. فقد عبثت في السوريين دواعي التفريق في الوطنية وضعفت ملكتهم فيهم بقوة المدارس الغير وطنية في ديارهم. فإذا كانت هذه المدارس قد نفعت سورية بما أدخلته إليها من النور القليل فقد أضرتها بانحلال عقدة الوطنية فمدارس الأميركان والروس واليونان والفرنسيس والإنكليز والألمان قد أصلحت وأفسدت. أصلحت بتلقين من تخرجوا فيها شيئاً من معارف الغرب وأضعفت في نفوسهم حب الوطن بتحبيبها إليهم أوطاناً غير أوطانهم وتعريفهم إلى رجال غير رجالهم ومساواتها فيس أعينهم الأمم. والعاقل منة حرص على نفع أمته قبل كل نفع وانتفع بما عنده قبل أن يتطال إلى ما عند غيره. رأينا أفاضل الطبقة التي نشأت في مدراس الفرنسيس والأميركان والروس في أدوار مختلفة فلم نشهد فيهم إلا النادر من يغار على وطنه كما يغار على حرمه فكنا إذا حدثناهم بما تصير إليهم حالة لغتهم ووطنيتهم بتخليهم عنها قالوا وأي نفع يرتجى لمن يتعلم اللغة العربية وهل هي إلا لغة قومٍ بادوا وانقضت أيام سعدهم ومن يضمن لنا أن نعيش إذا تعلمنا اللغة العربية ولذلك كانت أقل لغة من لغات العالم المتمدن أكثر فائدة. أما حالتهم في انحلال عقدة الوطنية فأدهى وأمرُّ. ومن زهد في لغة آبائه وجدوده كان حرياً بالزهد في وطنه ووطنيته. واللغة والوطن يصح أن يكونان اسمين لمسمى واحد. شهدنا ناساً قيل عنهم أنهم حملة للشهادات العالية من مدارس الأجانب فكنا نسألهم بعض الأسئلة البسيطة في تاريخ أمتهم وبلادهم فما كانت أجوبتهم إلا استهزاء بما يترتب على معرفتهم ذلك من الفوائد وكان أيسر ما يحجنا به أحدهم أنه يعرف تاريخ روسيا وأميركا وإنكلترا أو فرنسا جيدة ويوردون لنا أيام تلك الأمم وأسماء رجال الحرب والسياسة والعلم فيهم ويعجزون عن ذكر شيء من تاريخ بلادهم إلا القليل الذي تلقفوه بالسماع من العامة. هذا في ناشئة المدارس الأجنبية الذين هان عليهم أن يغادروا بلادهم وأكثرهم نزحوا إلى مصر وأميركا وغيرهم اختاروها موطناً لهم وربما حدثتهم أنفسهم أن يتجنسوا بالجنسية الأجنبية لأنه لا ترجى عودة لهم إلى بلادهم وقد ملئت نفوسهم بحب من تخرجوا بهم. وهناك طبقة ومعظمها من المسلمين تخرجت من مدارس الحكومة فخرجت أقرب إلى المجمعة منها إلى العربية لأن المدارس الأميرية ما برحت إلى اليوم وقبل اليوم تعلم اللغة العربية تعليماً صورياً وتوفر عنايتها بالتركية لغة البلاد الرسمية وإنا لنخجل أن نقول أن سورية قد نشأ منها زهاء خمسمائة ضابط ونحوهم أو أكثر من الموظفين لا يعرفوا من اللغة العربية إلا أن يتكلموا الكلام العادي البسيط وأكثرهم يمزجونه بألفاظ تركية لا يفهمها ابن العرب ويعتذرون عن قصورهم بأنهم لم يتعلموا في المدارس لغة آبائهم وأجدادهم ومن يقدرون منهم على الكتابة الصحيحة بلغتهم فأفراد يعدون على الأصابع تعلموها في الغالب بعد أن أنجزوا دروسهم. والمتخرجون في مدارس الحكومة لا يحسنون في الأكثر تاريخ الدولة العثمانية فضلاً عن تاريخ العرب وأمجاد أسلافهم. جنت مدارس الأجانب والحكومة على هذه البلاد أعظم جباية لأن المتخرجين فيها ومعظمهم من الذكاء على جانب عظيم لم ينفعوا الدولة حق النفع ولم ينفعوا البلاد التي ولدوا فيها فتراهم ضعافاً في حبهم أوطانهم فإما أن يتنقلوا في الوظائف وإما أن ينتقلوا من البلاد جملة فتحرم منهم الأمة التي أولدتهم والسماء التي أظلتهم والأرض التي أقلتهم والبلاد لا تعمر إلا بأيدي أبنائها بعد أن قيل في الأمثال قتل أرضاً عالمها وهل أعلم بها من أبنائها. ابحث عمن تخرج في هاتيك المدارس منذ ثلاثين سنة تجدهم إلا قليلاً وقفوا أنفسهم على نفع غيرهم واحتقروا جنسيتهم ولغتهم وربما كان عدد المحتقرين لهما في ناشئة المدارس الأميرية أكثر من متخرجي المدارس الأجنبية لأن هؤلاء يرون باحتكاكهم بالأجانب مبلغ تفاني هؤلاء في إنهاض أممهم وحبهم لغتها وتقاليدها ولمدارسهم عناية بالعربية أكثر من المدارس الأميرية فإذا كان الطالب حصيف الرأي لا ينطلي عليه محال من يعلمونه ولكن من أين له وطنية كوطنيتهم وغيرة كغيرتهم وهو لا يعرف من أسباب وطنيته حتى ولا لغتها ولا من مجد أجداده إلا قشوراً ولا من حاجات بلاده وقانونها إلا تافهاً. وهل غير القوي يدافع عن حوزته وغير العاقل يحتفظ بعاداته ولغته والقوة لا تنشأ إلا بالعلم والتربية الوطنية. إن المدارس غير العربية في سورية أشبه بالسارق الذي يسرق الأعلاق ونفائس المتاع. استغفر الله بل من يسرق فلذات الأكباد ليخرجها على ما أراد أشق على النفس وطأة وأعظم في المغبة أثراً وهل يقاس سارق الأموال بسارق الأطفال والرجال أوليست الأرواح أثمن من كل بضاعة وهل أعز من الولد على قلب والديه. وليس معنى هذه الدعوة إلى مقاطعة المدارس الغير العربية فإن أهل هذه البلاد لا غنى لأفراد منهم على تعلم اللغة التركية لغة السياسة الجامعة ولا عن تلقف بعض اللغات الأوربية الراقية كالإنكليزية والفرنساوية والألمانية والإيطالية ولكن الواجب أن يتعلموا ما شاؤا من اللغات والعلوم ولكن بعد أن يحكموا لغتهم كتابة وخطابة حتى لا يسرق أبناء سورية بتساهل آبائهم ويبيعونهم من أقوام أخر بالمجان على أمل التوظف في وظائف الحكومة أو الاحتكاك بالأجانب احتكاكاً يؤدي في الأكثر إلى ارتحال المتخرج بهم عن بلده وزهده في وطنه زهداً أبدياً. إن المدارس التي تعلم غير الأسلوب الوطني هي التي تسلب من سورية اليوم بعد اليوم روحها وناهب الروح ماذا يدعى في الشرع والعقل؟ إن لأهل كل قطر منازع خاصة بهم وعادات وأخلاقاً ومميزات إذا فقدوها هلكوا وانحل أمرهم وآضوا عبئاً ثقيلاً على البلاد لا ينتفعون بها ولا هي تنتفع منهم. فالواجب إذاً إنشاء مدارس لإحياء التعلم الوطني لتحيا بحياته البلاد لأن مئة رجل يعرفون الزراعة باللغة الفرنسية أقل نفعاً من واحد يشرحها للعرب بالعربية وقد يكون تعلمها بالعمل لا بالنظر. وهكذا الحال في مئة كاتب متعلم قرأ العلوم والآداب بغير لغته لا يستفيد منه قوم إلا معشار كاتب واحد يعرف كيف يعلم عامة قومه قبل خاصتهم وجاهلهم قبل عالمهم أصول المعاش والمعاد بلغة أبيه وأمه. إن مما عاق الأتراك عن فهم أسرار الشريعة قلة عنايتهم بالعربية التي يجب على كل مسلم أن يتعلمها والذي عاق العرب عن فهم قوانين البلاد جهلهم بالتركية لغة الجامعة العثمانية التي توجب السياسة تعلمها فظلت أكثر قوانيننا مكتوبة باللغة التركية ولم يستفد منها إلا قلائل من الأتراك وبعض من تعلموا ليتوظفوا من العرب والروم والأرمن والأرناوءد والأكراد واللاز والفلاخيين والبوشناقيين والبلغاريين. ولو تخرج في مدارس الحكومة أناس من العرب يحسنون الكتابة والخطابة كما يحسنونها باللغة الطارئة عليهم لتمكنوا على الأقل من نقل هذه القوانين إلى العربية وعرف العثمانيون ما لهم وما عليهم وأفادوا بلادهم وقوميتهم فائدة كبرى. إن مما يبكي أن يسن ابن الآستانة قانوناً يحاول تطبيقه على ابن حوران وهلا كان الاختلاف في الحاجيات طبيعياً بين تركي وعربي وأوربي وآسياوي. ولذلك جاءت قوائم الدروس الجديدة في المدارس الابتدائية والثانوية في الولايات العربية مثل دروس الولايات التركية لا أثر فيها لتعليم العربية إلا أن يكون قراءة القرآن في الصفوف الابتدائية يتلى فيها بلا فهم ولا علم. وأكبر دليل على أن نظارة المعارف العثمانية جاهلة بطبائع البلاد أنها أسست مدرسة لتخريج المعلمين في دمشق ولم تذكر اسماً فيه للعلوم العربية لغة الدين والبلاد وجعلت الجهد كله مصروفاً إلى تلقين التركية حتى لا يعلم الأساتذة الجدد إلا ما تعلموه ويكثر عدد العارفين بالتركية والمنحلين من لغتهم فلا يأتي زمن خصوصاً متى أصبح التعليم الابتدائي إجبارياً إلا وقد أهمل العرب لغتهم بتاتاً. صرحنا بهذا وإن كان فيه غضاضة كبرى على العرب الذين لم يستفيدوا من حرية الدستور حتى الآن وينشئوا على الأقل كتاتيب منظمة لتلقين لغتهم من أيسر الطرق حتى ينتفعوا بعد الآن بأولادهم حق النفع ولا يفقدوا عدداً كبيراً ممن يدخلون مدارس الأجانب فتنحل وطنيتهم تضعف لغتهم. أما مؤسسو تلك المدارس أجنبية كانت أو أميرية فإنهم يعذرون للسبب الذي أوردناه آنفاً وهو أن القوي يريد أن يستغرق الضعيف سنة من سنن الكون. ولم يبلغ البشر درجة راقية من التمدن حتى تتساوى في عيونهم اللغات والعناصر كلها وتتجرد أمة فتفنى لإحياء غيرها وتقلل من جنسها لتزيد سواد الآخر ولا تهمها دارها وتريد هدمها لتعمر بأنقاضها دار جارها والسلام. جبل الدروز وفتنتهم إلى الجنوب من دمشق على نحو عشرين ميلاً منها كورة واسعة مخصبة اسمها حوران فيها نحو ستمائة قرية وفي شرقي تلك الكورة إقليم ممرع فيه السهل والجبل إلا أنه أطلق عليه اسم جبل حورانكما يقال له جبل الدروز الآن لأن معظم سكانه منهم وهو يمتد من شمالي حوران إلى جنوبيه ويحده من الشمال اللجاة وهي أرض بركانية ذات حرار وعرة للغاية ومن الشرق البادية ومن الجنوب قفر مترامي الأطراف يتصل بوادي الحجاز ومن الغرب الجنوبي النقرة والنقرة سهل جيد التربة في وسط حوران. وطول هذا الجبل نحو ١٥ ساعة على راكب المطايا و ٨ ساعات وهو من الجهة الجنوبية والجهة الغربية أي نحو ثلاثة أرباعه سهل خصيب تضاهي تربته تربة السهل من بلاد حوران وغوطة دمشق والبقاع العزيز وربما كانت أسحن منها وفيه ١٠٨ قرى يقدر نفوسها عل التخمين بخمسين ألف نسمة وربما استطاع حمل السلاح منهم نحو ثمانية آلاف ومنهم الذين يشنون الغارات ويقتلون الأبرياء ويسلبون المارة وإقليمهم هو الإقليم الوحيد في سورية بأسرها الذي أزمنت فيه الفوضى وأحب أهله على قربهم من الحواضر ووفرة غناهم بزراعتهم أن يعيشوا عيش السلب والنهب والقتل يؤذون من خالفهم من مجاوريهم ويطيلون أيدي اعتدائهم على أبناء السبيل ويناوئون الحكومة ويعصون قوانينها فلا يؤدون الضرائب الأميرية والخراج ولا يخدمون الجندية وإذا لم يجدوا من يقتلونه ويمثلون به يقتتلون بينهم كأنهم يتعبدون بإهلاك العباد والعيث بالفساد في البلاد. وآخر عمل فظيع قاموا به أنهم غزوا جيرانهم من أهل قريتي معربة وغصم وسكانهما مسلمون مسيحيون فقتلوا ٥٩ رجلاً وجرحوا ثلاثة بين القتلى أربع نساء بينهن والدة الشيخ معربة وزوجته وأخته ونهبوا القسم الأعظم من السهوة وجيزة وسماقية وطيسة من بلا السهل فطفح كأس الصبر منهم ولم تر الدولة بداً من إرسال حملة عليهم تؤدب عصاتهم وتضرب على أيدي الفوضويين والعدميين نهم وتؤلف شاردهم وتؤمن خائفهم وتخضعهم للقوانين كسائر الأفراد العثمانيين. ولعل كثيرين يتساءلون عن تاريخ عمران هذا الجبل ونزول الدروز فيه فالمعروف من حاله أنه كان في الدولة القديمة تابعاً لحوران تشهد بذلك الآثار القليلة الباقية إلى اليوم في بعض أمهات قراه مثل السويداء قاعدته القديمة وصرخد وقنوات فإن الكتابات اليونانية واللاتينية والنبطية والعربية المكتوبة بخط سباءٍ تدل على أنه كان عامراً للغاية. وفي السويداء بل في أكثر قرى الجبل على ما انتابها من الخرب والتدمير بعض الآثار اليونانية والرومانية مثل القناة والمعبد والمسلة يظن أنها ممن القرن الرابع والخامس للميلاد والجامع الخرب المزبور عليه بعض كتابات يونانية والخزان الكبير لجمع الماء الذي أنشئ على أكمة تشرف على السويداء وعلى طريق قرية القنوات جسر مهم للغاية جعل على عمد هائلة يظن أنه من القرن الأول وإنه كان ناووساً. والظاهر من عاديات قنوات أنها كانت أهم من بصرى قاعدة بلاد حوران كلها وكان فيها أبرشية للروم ولا تزال بعض الطرق هناك مبلطة ببلاط كبير من عوادي الأيام ومعظم الدور محفوظة كما كانت بنوافذها وأبوابها الحجرية. ومن الآثار التي تجلب الأنظار ذلك المسرح التياترو الجميل الذي قام على يمين الوادي وأكثر منحوت في الصخر وقطره نحو ١٩ متراً وفيه تسعة صفوف أسفله على متر ونصف تحت الملعب وفي وسطه حوض ماءٍ وهو مطل على الوادي ومصانع المدينة وجبل حرمون (الشيخ) وفي مكان شاهق آثار معبد ذي أدراج في الصخر تؤدي إلى برج أصم ربما كان جزءاً من حصن مشرف على المضيق ويستدل من ألبنية السفلى أن تاريخها يردُّ إلى ما قبل عهد الرومان وعلى ميلة قليلة نحو الشرق برج عظيم مدور دائرته ٢٥ متراً وربما كان برجاً لدفن الموتى وهناك بعض خرائب كنائس وجادات وأروقة وأرتجة وبعض قطع من هياكل وتماثيل وملاعب. وعلى ثلاثة أرباع الساعة من قنوات في الجنوب الشرقي قرية ساله وفيها معبد من أهم معابد حوران تشبه هندسته معبد هيرود في القدس وفيه من رسوم الأسود والغزلان والخيول المسرجة وغيرها ما يأخذ بمجامع القلوب. وهناك أيضاً مذبح في سفح درجات المعبد وكان هذا المعبد خاصاً بعبادة إله السماء ومن الآثار المهمة آثار شهبا وطرقها معبدة واسعة تكاد تكون أوسع طرق حوران وقد يبلغ عرض الشارع فيها سبعة أمتار وستين سنتيماً. وليس في الأيدي ما يستدل منه على منزلة تلك البلاد من العمران على عهد العرب وكانت قبيل الإسلام منازل قبائل بني غسان كما كانت البلاد المجاورة لها فقد بنى النعمان ابن المنذر الغساني من ملوك القرن الرابع للميلاد قصراً في السويداء بقى منه في بعض جهاته ووجدت في صرخد صخرة اللات التي عبدها الأنباط والعرب كما ذكر هيرودوتس وعليها كتابة تدل على أنها نصبت لذي الشرى وهو معبود نبطي له آثار في بصرى وبتره (وادي موسى). والغالب أن صرخد حازت في الإسلام مكانة أعظم من مكانة السويداء فبالغ الملوك بتحصين قلعتها ليدافعوا عوادي البدو عن القرى العامرة وقد كثر ذكرها في كتب التاريخ على عهد الدولة الصالحية ومن بعدها من دول الجراكسة خصوصاً بعد أن استولى على الكرك والشوبك وغيرهما من الحصون المجاورة الملك الناصر السلطان صرح الدين بن أيوب وولى أخاه الملك العادل أبا بكر بن أيوب عليها فأصبح لتينك المدينتين شأن عظيم حتى عدت الكرك من الممالك مثل مملكة بعلبك ومماكة حماة ومملكة شيزر وغيرها ومعظم هذه الممالك أصبحت فيما بعد قرى حقيرة في القرون الأخيرة لغلبة الجهل على الحكومات التي تعاورتها ولقلة الأمن وانتياب الغارات والزلازل والأوبئة التي اجتاحت سكانها. ويؤخذ مما رواه أبو الفداء صاحب حماة أن بلاد صرخد وما والاها وبعبارة أخرى جبل الدروز كانت تدعى في عهده أي في القرن الثامن بجبل بني هلال قال: صرخد بلدة ذات قلعة مرتفعة وليس لها سوى ماء المطر في الصهاريخ والبرك وهي قاعدة جبل بني هلال وليس وراء عملها من جهة الجنوب والشرق إلا البرية ومن شرقيها تسلك طريق يعرف بالرصيف إلى العراق وهذا الرصيف بين صرخد وبغداد عشرة أيام. وقلعة صرخد شاهد أبد الدهر بعظمة تلك البلاد وهي كما قال الثقات أضخم وأهم من قلعة حلب اهـ. وقد جدد الملك الظاهر بيبرس فيما جدد من المصانع في بلاده ما تهدم من قلعة صرخد وجامعها ومساجدها وكذلك فعل ببصرى وعجلون والصلت وكانت قلعتا كوكب وعجلون لعز الدين بن أسامة وكان هذا ملك صرخد سنة ثمان وستمائة للهجرة وقال ابن خلكان: إنه ملك صرخد سنة إحدى عشرة وستمائة وقال لأن أستاذه الملك المعظم عيسى ابن الملك العادل أبي بكر بن أيوب حج في السنة المذكورة وأخذ صرخد من صاحبها ابن قردجة وأعطاه مملوكه أيبك والظاهر أن الأول أصح واستمرت في يد أيبك إلى سنة أربع وأربعين وستمائة فأخذها الملك الصالح أيوب ابن الملك الكامل من أيبك المذكور. وممن تملك صرخد أقوش الأفرم أحد أمراء بني أيوب. ومكن الأدلة على استبحار العمران في الجبل أنه نشأ بعض أمهات مدنه أعلام ومشاهير ومنهم عز الدين السويدي من أهل القرن السابع كان عالماً عاملاً ويونس بن إبراهيم ابن سليمان الصرخدي النحوي اللغوي ٦٩٨ وإبراهيم بن سليمان التميمي الصرخدي الفقيه خطيب صرخد مات فيها سنة ٦١٨ وبدر الدين السلختي قاضي غزة نس نسبة إلى صرخد أيضاً وبعضهم يقول صلخد وسلخة والأصح صرخد فيما نرى والروايات الثانية تحريف طرأ مثله على بلدان كثيرة في سورية مثل عربيل فيقولون عربين وجماعين لاستسهالهم النطق بالنون أكثر من اللام. قال ابن أبي أصيبعة: حدثني نجم الدين حمزة بن عبد الصرخدي أن نجم الدين القمراوي وشرف الدين المتاني وقمرا ومتاناهما قريتان من قرى صرخد قال كانا اشتغلا بالعلوم الشرعية والحكمية وتميزا واشتهر فضلهما وكانا قد سافرا البلاد في طلب العلم ولما جاآ إلى الموصل قصدا الشيخ كمال الدين بن يوسف (الفيلسوف العلامة) وهو في المدرسة يلقي الدرس فسلما وقعدا مع الفقهاء ولما جرت مسائل فقهية تكلما في ذلك وبحثا في الأصول وبان فضلهما على أكثر الجماعة فأكرمهما الشيخ وأدناهما ولما كان آخر النهار سألاه أن يريهما كتاباً له كان قد ألفه في الحكمة وفيه لغز فامتنع وقال: هذا كتاب لم أجد أحداً يقدر على حله وأنا ضنين به فقالا له: نحن قوم غرباء وقد قصدناك ليحصل لنا الفوز بنظرك والوقوف على هذا الكتاب ونحن بائتون عندك في المدرسة وما نريد نطالعه هذه الليلة بالغداة يأخذه مولانا وتلطفاً له حتى أنعم لهما وأخرج الكتاب فقدا في بيت من بيوت المدرسة ولم يناما أصلاً في تلك الليلة بل كان كل واحد منهما يملي على الآخر وهو يكتب حتى فرغا من كتابته وقابلاه ثم كررا النظر فيه مرات ولم يتبين لهما حلة إلى آخر وقت وقد طلع النهار فظهر لهما شيء منه من آخره واتضح أولاً فأولاً حتى انحل لهما اللغز وعرفاه فحملا الكتاب إلى الشيخ وهو في الدرس فجلسات وقالا: يا مولانا ما طلبنا إلا كتابك الكبير الذي فيه اللغز الذي يعسر حله وأما هذا الكتاب فنحن نعرف معانيه من زمان واللغز الذي فيه علمه عندنا قديم وإن شئت أوردناه فقال قولا حتى أسمع فتقدم النجم القمرواي وتبعه الآخر وأود جميع معانيه من أول الكتاب إلى آخره وذكرا حل اللغز بعبارة حسنة فصيحة فعجب منهما وقال: من أين تكونان قالا: من الشام قال: من أي موضع منه قالا: من حوران وقال: لا أشك أن أحدكما النجم القمراوي والآخر الشرف المتاني قالا: نعم فقام لهما الشيخ وأضافهما عنده وأكرمهما غاية الإكرام واشتغلا عليه مدة ثم سافرا. وهذه الرواية تدل كل الدلالة على انتشار العلم في هذه المزارع في القرون الوسطى وأمتان بلد شرف الدين المتاني قرية موجودة إلى ال يوم أما قمرا فهي قميرة خربة واقعة إلى الجنوب من صرخد على مسافة ساعتين ومنها الفقيه موسى القمراوي أديب مناظر حاذق توفي سنة ٦٢٥ ومن شعره: لما تبدى بالسواد حسبته بدراً بدا في ليلة ظلماءِ لولا خلافته على أهل الهوى لم يشتهر بملابس الخلفاء ومن قرى صرخد العرَّمان بتشديد الراء وفتحها والعامة اليوم تخففها قال ياقوت: أنشدني أبو الفضل محمد بن مياس العرَّماني من ناحية صرخد من عمل حوران من أعمال دمشق لنفسه. يعادي فلان الدين (؟) قوم لو أنهم لأخمصه ترب لكان لهم فخر ولكنهم لم يذكروا فتعمدوا عدواته حتى يكون لهم ذكر وأنشدني أيضاً لنفسه: ولما اكتسى بالشعر توريد خده وما حاله إلا نزول إلى حال وقفت عليه ثم قلت مسلماً ألا نعم صباحاً أيها الطلل البالي وأنشدني أيضاً لنفسه يمدح صديقه موسى القمرواي وقمرى قرية من قرى حوران أيضاً قريبة من قرية العرَّمان: أصبحت علامة الدنيا بأجمعها تشدُّ نحوك من أقطارها النجب بأن على كبد الجوزاء منزلة تحفها من جلال حولها الشهب ما نال من نالت من فضل ومن شرف سراة قوم إن جدوا وإن طلبوا وفي الجبل إلى اليوم قريتان باسم نجران قال ياقوت أن نجران موضع بحوران من نواحي دمشق وهي بيعة عظيمة عامرة حسنة مبنية على العمد الرخام منمقة بالفسيفساء وهو موضع مبارك ينذر له المسلمون والنصارى ولنذور هذا الموضع قوم يزورون في البلدان ينادون من نذرَ نذر نجران المبارك وهم ركاب الخيل وللسلطان عليهم قطيعة وافرة يؤدونها إليه في كل عام. وقال مثل ذلك في دير نجران أيضاً وما ندري إن كانت نجران هذه هي نجران جبل حوران أم هي واقعة في السهل من قرى بصر الحرير. وتبين مما تقدم أن العمران قديم في هذا الجبل وليس في الأيدي نصوص يركن إليها اللهم إلا إذا كان شيء في بطون التاريخ والجغرافيا جاء بالعرض ولم نهتد إلى معرفته وقد كان سكانه على ما مر بك آنفاً مسلمين ومسيحيين ولم ينزل الدروز إلا في القرون المتأخرة ويقول أحدهم أنهم رحلوا إلى جبل حوران منذ نحو مائتينيوعشرين سنة أيام ابتدأ قوم من دروز لبنان يهاجرون وأولهم أسرة بني حمدان التي بطش بها التنوخيون أمراء لبنان ومنذ ذلك الحين أصبح كل من يغلب في الحروب القيسية واليمنية في لبنان ومن عضه الدهر بنابه أو غضب عليه الحاكم يرحل إلى ذلك الجبل ثم انضم إليهم أناس من دروز وادي التيم وصفد وجبل الأعلى والقنيطرة وجوار دمشق. نزل الدروز هنا وهم مستضعفون وفقراء وما زالوا يطردون المخالفين من سكان البلاد الأصليين بالقوة ويستصفون أملاكهم ومنها ما هو إلى اليوم من أرباب البيوتات في دمشق وبأيديهم صكوك بملكيتهم لها حتى كاد الجبل إلا قليلاً جداً يكون لطائفة الدروز وزعمائهم بنو الأطرش وبنو الحلبي والمغوش وعامر وناصر والعزام توزعوا على القرى ومن أكبر زعمائهم بنو الأطرش وبينهم وبين بني مقداد المسلمين سكان بصرى وما جاورها طوائل قديمة يتربص كل منها لجاره الدوائر منذ نحو قرن ويعتقد الطرشان أن بني مقداد هم الحائل دون تعديهم حدود جبلهم ولولاهم لامتد سلطانهم على سهول حوران فاستأثروا بها كما استأثروا بهذا الجبل. وأول الوقائع التي قام بها الدروز في الجبل وتمت لهم الغلبة وقعت بينهم وبين إبراهيم باشا المصري سنة ١٨٣٠ في جنوبي اللجاة كتبت فيها الهزيمة للمصريين وقتل منهم الفريق محمد باشا وغيرهم من قوادهم وفي سنة ١٨٣٨ أنفذ إبراهيم باشا أحد رجاله شريف باشا في أربعمائة فارس إلى قرية أم الزيتون في محل يعرف بوادي اللواء على نحو خمس ساعات عن السويداء لتجنيد الدروز فقتلهم الشيخ حمدان الدرزي عن آخرهم ولم يبق إلا على مقدمهم. وكذلك جرى لمحمد باشا القبرصي فلم يظفر بهم. ومنذ ذاك العهد اعتصموا بجبالهم ونشأ لهم شيءٌ من الاستقلال عن الحكومة وأيقنوا بأنها تخاف بأسهم وتحسب لهم ألف حساب وزاد سوادهم وقوتهم في حوادث الستين وقد هاجر إليهم من لبنان كثير من أبناء مذهبهم فاعتزوا بهم خصوصاً بعد أن ثبت أن الذين أوقدوا نار فتنة النصارى منذ خمسين سنة وانتهت بقتل وصلب مئات من أهل دمشق المسلمين ولم يكدر للدروز خاطر ولم يسأ لوا عما ارتكبوه في تلك الفتنة الأهلية من الفظائع. وما برحوا يفحشون القتل والسلب والتخريب منذ حادثة الستين لأن الحكومة استعملتهم إذ ذاك واستعملوا لها بواسطة بعض الدول آلة لمقصد تريده على ما يؤكد العارفون. ولقد قتلوا من جند الدولة والأهالي المساكين ما لو أحصي لبلغ مقداره نصف سكان الجبل اليوم. ووقائعهم في قرية أم ولد وقرية الكرك وقرية كحيل والحراك وبصر الحرير وبصرى إسكي شام وجوارها وقرية المليحات ومع عرب المعجل وعرب السرحان وعرب الخريشة وعرب ولد علي وغيرهم مشهورة إلى الآن على الألسن دع عنك نحو عشرين قرية اغتصبها الدروز من الحوارنة في قضاء عاهرة وقضاء السويداء وقضاء صرخد وهي أقضية الجبل اليوم التابعة لمركز اللواء الذي كان أول أمس شيخ سعد فأصبح أمس شيخ مسكين واليوم غدا درعا. تعم لم يكن سكان جبل الدروز كما قال عارف بأحوالهم منذ أربعين سنة إلا أقل القليل من سكانه فالجهة الجنوبية أي قرى صرخد وجوارها كانت بأيدي المسلمين والمسيحيين من أهالي حوران والقرى الغربية كانت بيد حمولة الزعبية من حوران إلى أن اعتاد أشقياء دروز لبنان وحاصبيا وراشيّا أي وادي التيم وعكا وصفد والقرى المجاورة لدمشق والقنيطرة ومن اعتادوا القتل والنهب وقطع الطريق وتعذرت عليهم الإقامة في بلادهم أن يعتصموا في هذا الجبل فضاقت عليهم قراهم الأصلية فجعلوا الحوارنة عن بلادهم وأصبح جبلهم ملجأ الأشقياء. أما وقائعهم المشورة فكان أولها سنة ١٢٩٥ شرقية بينهم وبين أهالي بصر الحرير فساقت الدولة إليهم قوة إلى موقع القراصنة ولما لم تحسن الإدارة زاد الدروز جرأة إلى أن كان سنة ١٢٩٧ شرقية وقد هجموا على قريتي الكرك وأم ولد وذبحوا سكانها عن بكرة أبيها حتى الأطفال الرضع فكانوا يفسخونهم قطعتين ثم سيقت عليهم قوة بقيادة المشير حسن فوزي باشا أسفرت عن ربط دية شرعية مسقطة على الدروز وتأسيس قائم مقامية جبل الدروز وجعلها ثمان نواح وتعيين قائم مقام ومديرين للنواحي منهم. وما برحوا يشغلون الحكومة فترسل عليهم الحملات كل مدة ويراوغون ثم يستعطفون رجالها بالكذب والرشى تارة وتارة يتحد أشقياء المقرن القبلي مع عرب السردية فيغزون قرى بني صخر والحويطات والسرحان وقرى حوران الجنوبية وينضم أشقياء المقرن الشرقي إلى عرب الصفا يغزون تجار بغداد والزور وأشقياء المقرن الشمالي يتحدون مع عرب الحسن ويغزون قرى جبل قلمون والنبك وحمص ويتحد بعضهم مع عرب اللجاة يسلبون قرى جبل حوران وتارة يقتلون الموظفين ويمثلون بالعسكر ولا يدفعون الأموال وينهبون التجار حتى أرسلت عليهم الحكومة حملة مهمة سنة ١٣١١ رومية فضربتهم ضربة لو وضعت بعدها الإصلاحات الإدارية المعتبرة ولم تعف بعد قليل عن زعمائهم لاستقام الأمر ولم يعودوا إلى سالف أحوالهم حتى صيف هذه السنة. أحلَّلخليل رفعت افندي الحوراني في جريدة المقتبس أشقياء الدروز في حوران قتل من خالفهم والاعتداء على مجاوريهم وعلى القوافل الآتية من العراق ونجد حتى كادت التجارة تنقطع بين أقطار العراق ونجد والشام بسبب غاراتهم على الأقاليم المجاورة وخربوا جانباً عظيماً من القرى والمزارع وأخذوا المواشي وسفكوا الدماء حتى الجأ إليهم كل من عصا الدولة والعسكر الفار من الجندية والأشقياء وخربت بأعمالهم كثير من القرى والمزارع وأصبحوا بفعلاتهم يحولون دون امتداد العمران في أطراف هذه الولاية ولولاها لاستفاض عمرانها ولاسيما من جهة الشرق والجنوب عمراناً تزيد مساحته على ولاية عظمى من الأرض المنبتة ولكفت ملايين من المهاجرين وأهل البادية. أما الفوائد التي ستنجم من إدخالهم حظيرة الطاعة فامتداد العمران الى الجنوب مراحل كثيرة حتى يبلغ من الأزرق إلى بلاد الكرك بل قرى الملح إلى الجوف فينتفع بما فيها من المياه المعطلة ويمتد من جهة الشرق إلى تدمر مسافة عشرة أيام. وتدمر هيب المدينة المعروفة بتاريخها المجيد. ويتصل بجهة الشمال ببلاد حماة حماه وحلب. ولعل هذا المبحث لا يصدر إلا وقد أخلد أولئك العصاة إلى السكون بهمة قائد الحملة العام سامي باشا الفاروقي فيضع لهم أساساً راسخاً في الإصلاح لا يتمكن أحدهم من نقض عروته ويعاملون في عهد الدستور بما لم تكن الدولة تعاملهم به في عهد الاستبداد ويشرط هذا الجرح النغار بل الآكلة المزمنة في جسم سورية بمشراط الجراح الماهر الذي أحسنت الحكومة ظنها به في هذه المهمة فيصبح جبلهم منتاب المصطافين كما أصبح جبل لبنان من قبل فجبل حوران ليس دون جبل الشيخ وجبل قلمون وجبل اللكام وغيره من الجبال السورية بهوائه ومائه ويزيد عليه خصب تربته وبعده عن الرطوبة هذا ويقل الماء الجاري في جبل حوران وأكثره ينابيع قليلة تكاد تكفي لشرب الشفة فقط أما الزروع فلا تنمو بالسقيا بل تنمو بماء السماء كسائر بلاد حوران وحدث ما شئت أن تحدث عن خصب التربة فإن الحبوب تجود فيه كل الجودة وتقل الأشجار فيهم اللهم إلا الكرم والتين وبعض السنديان والزان وأكثر الغابات لم يبق منها إلا جذوع أشجارها تجدها بالقرب من السويداء وسهوة الخضر وسهوة بلاطة ومياماس وابي زريق وساله وقنوات وعتيل في ذروة الجبل أي في طرف قليب حوران ولم يبق إلا شجرات معدودات بين قنوات والجبل والله أعلم. أصل الدروزملخصة من كتاب حل الرموز في عقائد الدروز لاستاذ سليم افندي البخاري من علماء دمشق وهو لا يزال مخطوطاً لم ينشر بالطبع ينسب الدروز إلى رجل يقال له محمد بن إسماعيل الدرزي كان أحد أصحاب دعوة الحكام بأمر الله العبيدي ويسمى في كتب هذه الطائفة نشتكين الدرزي والدرزي بالفتح معناه الخياط فارسي معرب والعامة تضم الدال ويقولون في الجمع الدروز والصواب الدرزة محركة. أما الحاكم هذا فإنه سادس خليفة من خلفاء الدولة العبيدية ويقال لهم الفاطميون ولقبه الحاكم بأمر الله وكنيته أبو علي واسمه المنصور بن العزيز بالله نزار بن المعز لدين الله معد بن المنصور إسماعيل بن القائم بأمر الله محمد بن عبيد الله المهدي. واختلف المؤرخون في صحة نسبهم فبعضهم صححه وجعله متصلاً بفاطمة الزهراء عليها السلام ونسب عبيد الله المهدي إلى محمد الحبيب بن جعفر المصدق بن محمد المكتوم ابن إسماعيل بن جعفر الصادق. وطعن أكثر العلماء والمؤرخين في هذه النسبة وجعلوا نسبهم متصلاً بالحسين بن محمد بن أحمد القداح وكان مجوسياً وقيل يهودياً فقالوا أن أمهم فاطمة بن عبيد اليهودي واسم المهدي هذا سعيد ولقبه عبيد الله وزوج أمه الحسين ابن محمد بن أحمد بن عبيد الله القداح بن ميمون بن ديصان وقيل هو سعيد بن أحمد بن عبد الله القداح بن ميمون وميمون هذا هو صاحب كتاب الميزان في نصرة الزندقة كان يظهر التشيع لآل البيت ونشأ لميمون عبد الله وكان يعالج العيون التي نزل إليها الماءُ بالقدح (هو إخراج الماء الفاسد منها) وتعلم عبد الله من أبيه ميمون الحيل وأطلعه أبوه على أسرار الدعوة آل البيت ثم سار القداح من نواحي كرج وأصفهان إلى الأهواز والبصرة ثم إلى سلمية من أعمال سورية يدعو إلى آل البيت. ثم توفي القداح وقام ابنه أحمد مقامه وتوفي أحمد وقام مقامه ابنه محمد ثم قام بعده ابنه الحسين وكان ببغداد فسار إلى سلمية حيث كان له بها ودائع وأموال من ودائع جدع عبد الله القداح وكان يدعي أنه الوصي وصاحب الأمر والدعاة باليمن والمغرب يكاتبونه ويراسلونه واتفق أنه جرى بحضرته حديث النساء بسلمية فوصفوا له امرأة رجل يهودي حداد مات عنها زوجها وهي في غاية الحسن والجمال فتزوجها الحسين المذكور ولها ولد من اليهودي يماثلها في الجمال فأحبها وأحب ابنها وأدبه وعلمه العلم فتعلم وصارت له نفس عظيمة وهمة كبيرة ومات الحسين ولم يكن له ولد فعهد إلى ابن اليهودي الحداد وهو عبيد الله المهدي وعرفه أسرار الدعوة من قول وفعل وأعطاه الأموال والعلامات فدعا له الدعاة. قال ابن خلدون: ولا يلتفت لإنكار هذا النسب لأن إغراء المعتضد لابن الأغلب بالقيروان وابن مدرار بسلجماسة بالقبض على عبيد الله لما سار إلى المغرب وشعر الشريف الرضي في قوله: ما مقامي على الهوان وعندي مقول صارم وأنف حمي ألبس الذل في بلادي الأعادي وبمصر الخليفة العلوي من أبوه أبي ومولاه مولا ي إذا ضامني البعيد القصي لفَّ عرقي بعرقه سيد الن اس جميعاً محمد وعلي إن ذلي بذلك الجد عز وأمي بذلك الربع ري شاتهد بصحة نسبهم وأما المحضر الذي ثبت ببغداد أيام القادر القداح في نسبهم وشهد فيه أعلام الأئمة فهي شهادة على السماع. وبدأت دولة الفاطميين من ذي الحجة سنة تسع وتسعين ومائتينيإلى سنة سبع وستين وخمسمائة وفي أيامهم كثرت الرافضة واستحكم أمرهم ووضعت المكوس على الناس واقتدى بهم غيرهم وأفسدت عقائد طوائف من أهل الجبال الساكنين في ثغور الشام كالنصيرية والدرزية. والحشيشية من نوعهم. وكانت أحوال الحاكم بأمر الله متناقضة فعنده شجاعة وجبن ومحبة للعلماء وانتقام منهم وميل إلى أهل الصلاح وقتلهم وسخاءٌ وبخل بالقليل. لقب نفسه الحاكم بأمر الله ولما زاد ظلمه عنَّ له أن يدعي الإلوهية اقتداءً بفرعون فأخذ يمهد لذلك المقدمات فلقب نفسه الحاكم بأمره وأمر الخطباءَ بأن يقرءوا بدل البسملة (باسم الحاكم المحيي المميت) وصار يدعي علم المغيبات باتفاق اعتمده من العجائز اللواتي يدخلن بيوت الأمراء وعنده من دعاته رجلان أعجميان من دعاة الباطنية أحدهما يقال له محمد بن إسماعيل الدرزي وثانيهما يقال له حمزة بن علي بن أحمد أما الأول فإنه قدم إلى مصر في أواخر سنة سبع وأربعمائة ودخل في خدمة الحاكم ووافقه على إثبات دعوته بالإلوهية وصنف له كتاباً كتب فيه أن روح آدم انتقلت إلى علي بن أبي طالب ومنه إلى أسلاف الحاكم متقمصة من واحد إلى آخر حتى انتهت إلى الحاكم وقرأ هذا الكتاب في الجامع الأزهر بالقاهرة فهجم الناس على مؤلفه ليقتلوه ففر منهم وحدث شغب عظيم في القاهرة ونهبوا بيت الدرزي وقتلوا كثيرين من أصحابه فأرسله الحاكم سراً إلى بر الشام فنزل بوادي التيم بالقرب من جبل الشيخ وهناك نادى بإلوهية الحاكم وكان الأمراء التنوخيون الذين أتوا من العراق إلى الشام من الباطنية ولذلك كانوا مستعدين لقبول دعوة الدرزي فانقادوا إليها ومن ذلك تسميتهم بالدروز. وقتل الدرزي المذكور في وقعة مع التتر سنة إحدى وعشرة وأربعمائة. وثانيهما حمزة بن علي بن أحمد وكان وقع الخلاف بينه وبين الدرزي وبعده تقدم مكانه ودعا بإلوهية الحاكم فأجابه البعض واتخذ معبداً سرياً لعبادة الحاكم وجعل نفسه ثانياً له فهو مقدس ومحترم عند القائلين بإلوهية الحاكم يلقب عندهم بهادي المستجيبين وحجة القائم وغير ذلك. وهم يكرهون محمد الدرزي ويشتمونه ويكرهون التسمية باسمه لما أنه أراد أن يغتصب منصب حمزة ويتقدم عليه بما فعله كما يعلم من رسالة الغاية والنصيحة من كتبهم. ولما قتل الحاكم قرب حلوان زعم الدروز أنه خرج في ليلة منفرداً إلى البركة الزرقاء ومن هناك عرج إلى السماء متخفياً عن أعين الناس وكتب حمزة بعد وفاة الحاكم الرسالة المسماة بالسجل المعلق وعلقها على أبواب الجامع وفيها يقول أن الحاكم اختفى امتحاناً لإيمان المؤمنين وشرع حمزة يزرع في القلوب بذر الاعتقاد بإلوهية الحاكم وتوحيده وعبادته ويجتمع هو وأتباعه في المعبد السري يعبدون الحاكم حتى ثارت عليهم المسلمون وظفروا بهم وطردوهم ففروا من مصر ونزل بعضهم في الجبل الأعلى من الديار الحلبية وبعضهم في جهة حوران ثم تفرقوا من هناك فذهب بعضهم إلى جبل الشوف والآخر إلى وادي التيم ولم يزالوا في نمو وازدياد إلى هذا العصر. للدروز عادات قديمة توارثوها منها أن لهم قضاة منهم يحكمون في المعاملات المدنية الجارية بينهم على مقتضى الشريعة غير أنهم يخالفونها في بعض المعاملات بحكم العادة الموروثة فلا يسوغ لأحدهم مثلاً أن يوصي بجميع ماله لأحد أولاده ويحرم الباقي من ميراثه إن كان هذا المال الموصى به من كسب يده وأما إذا كان متنقلاً غليه بطريق الإرث عن آبائه وأجداده فلا يسوغ له لأنه حينئذ يكون من حقوق الأسرة والأصول والفروع متساويان فيه فللورثة استحقاق في تقسيم هذا المال. ومنها أن المرأة لا ترث شيئاً من دار أبيها حتى أن هذه العادة سرت إلى مجاوريهم في الجبل من بقية الطوائف. وكذا يخالفون في النكاح والطلاق إذ لهم في ذلك أصول خاصة لا يجوز عندهم الجمع بين امرأتين فإن لم يطلق التي عنده لا يمكنه التزوج بغيرها وتطلق المرأة بأدنى سبب ولا يجوز عندهم رد المطلقة ولو كان بعد زوج آخر. ويخالفون في عقائدهم عقائد الفرق من أرباب الديانات لكنهم يستترون بين المسلمين بالإسلام ويتزيون بزي أهله والأحرى أن نقول أنهم يتظاهرون بالتبعية لمن يكونوا تبعاً له وأما في الباطن فإنهم ينكرون الأنبياء عليهم السلام وينسبونهم إلى الجهل وأنهم كانوا يشيرون إلى توحيد العدم وما عرفوا المولى ويشنعون بالطعن على جميع أرباب الديانات من المسلمين والنصارى واليهود والديانة الحقة عندهم هي عبارة عن توحيد الحاكم ويفترض عندهم صدق اللسان بدل الصوم وحفظ الإخوان بدل الصلاة ولكن لا يجوزون مراعاة ذلك لغير أفراد ملتهم. ويقرءون القرآن ويؤولونه بتأويلات تناقض الشرع ويذهبون إلى قدم العالم تبعاً لبعض الفلاسفة ويقولون بالتناسخ معبرين عنه بالتقمص فالجسد يسمى قميصاً عندهم وإن الميت حين موته تنتقل روحه إلى من يولد وقتئذ فالأرواح الإنسانية لا تنتقل عندهم إلا قوالب إنسانية ويقولون أن الهوية الإلهية تنتقل في قالب وتحل في قالب آخر في كل عصر فتتجلى في كل زمن وتجلت أخيراً في الحاكم وأن حمزة أيضاً ظهر في كل عصر بقالب ففي زمان كان فيثاغورس الحكيم وفي زمان كان شعيباً وفي زمان كان سليمان بن داود وفي زمان كان المسيح الحق فهو النبي الكريم عندهم. وحمزة العصر المحمدي هو سلمان الفارسي. ويزعمون أن القرآن قد أوحي حقيقة إلى سلمان الفارسي وأنه كلامه ومحمد (عليه الصلاة والسلام) أخذه وتلقاه منه حتى زعموا بأن خطاب لقمان الذي خطب به ولده في معرض الوصية بقوله: يا بنيَّ أقم الصلاة وأُمر بالمعروف وانه عن المنكر هو خطاب سليمان لمحمد والتعبير بالنبوة إنما هو من خطاب المعلم للمتعلم. ويقسمون إلى قسمين العقال والجهال ويقال لهم أيضاً العوام ونسائهم أيضاًَ ينقسمن إلى قسمين عاقلات وجاهلات فيقال للعاقلة جويدة وللجاهلة غير جويدة والعقال طبقتان طبقة الخاصة هي التي يعتمد عليها ويوثق بها حقاً إذ أنها حصلت على تمام المعرفة بأسرار الديانة وطبقة العامة وهي التي يحسن الظن بها وأما الجهال فلا حظ لهم من الديانة سوى الدخول تحت اسم الدرزية وأينما وجد هؤلاء العقال تتخذ هناك معابد للعبادة تسمى بالخلوة وهي حجرة ضمن حجرة وفي كل ليلة جمعة يلتئم أهل كل طبقة في الخلوة الخاصة بهم ويجتمعون جميعاً في الخلوة الخارجية فيقرءون شيئاً من المواعظ ومن هؤلاء العقال طبقة أتقياء يقال لهم المتنزهون وهم مثابرون على العبادة والورع ومنهم من لم يتزوج ومنهم من لم يأكل لحماً مدة حياته ومنه من هو صائم كل يوم ولهم زيادة احتياط في التورع حتى أنهم لا يذوقون شيئاً من بيت أحد من غير العقال والعقال جميعهم يعتقدون أو أموال الحاكم والأمراء حرام فلا يأكلون شيئاً من طعامهم ولا من طعام خدمهم حتى ولا من طعام حمل دابة مشتراة من مال حاكم لكنهم يستحلون أموال التجار من أي جهة كانت فإن حصل بين أيديهم شيءٌ من مال اعتقدوا حرمته يذهبون به إلى أحد التجار فيستبدلونه منه وينزهون ألسنتهم عن ألفاظ الفحش والبذاءة ويتجنبون الإسراف لأنه يورث نقصاً في أخلاق الموحدين عندهم. ويحرص الدروز جداً على كتمان عقائدهم ولذلك يعبرون عن مرامهم في لغتهم ورسائلهم بطريق الرمز والكناية ويذكرون مباحث من علم الكلام وبعض مقالات غلاة المتصوفة وتأويلات الرافضة والملاحدة وخصوصاً الإسماعيلية من غلاة الشيعة ثم أنهم لاعتقادهم التناسخ وهو التقمص يزعمون أنه إذا مات أحد من كبار العقال الذين يعتقدون بولايتهم تذهب روحه إلى جهة الصين ويحل في قالب ولها يزعمون أن لهم وراء جبل الصين كثيراً من الأولياء ويعتقدون أنه كان قبل عالم الإنس عالم الجن والحن والرم وعوالم أخر ويقولون أنه كان قبل دور الحاكم دوراً وكل دور أربعة آلاف ألف سنة أربعة ملايين وتسعمائة ألف سنة فيكون قد مضى من مبدأ الخليقة إلى دور الحاكم ثلاثمائة ألف ألف سنة وثلاثة وأربعون ألف ألف سنة ثلاثمائة وثلاثة وأربعون مليون سنة وأول الأدوار دور العلي وآخرها دور الحاكم وهو دور القيامة ويثبتون لكل دور من السبعين دوراً سبعة نطقاء وسبعة أوصياء وسبعة أئمة فيكون مجموع النطقاء لجميع الأدوار أربعمائة والأوصياء كذلك والأئمة كذلك والناطق هو الرسول والوصي هو الأساس ويقولون أن أصحاب التكليف في كل عصر ستة كما كانوا أولوا العزم خمسة في كل دور كما أنهم خمسة في هذا الدور الأخير قالوا وإنما كانوا خمسة لا غير لأن القوة في النهاية عند الخامس من كل شيءٍ ففي المقامات الربانية كانت عند الخامس وهو الحاكم وفي النطقاء انتهى العزم عند الخامس (يعنون به محمداً عليه الصلاة والسلام) وفي الأوصياء عند الخامس (يعنون به علياً كرم الله وجهه) وفي الأئمة عند الخامس (يعنون به محمد بن عبد الله القداح) وينتظرون ظهور يأجوج ومأجوج من داخل الصين ويحترمونه ويقولن يأتي هؤلاء القوم الكرام بألفي ألف وخمسمائة ألف من العساكر إلى مكة وفي صباح اليوم الثاني يتجلى لهم الحاكم بأمره من ركن البيت اليماني ويهدد الناس بسيف مذهب في يده ثم يعطيه حمزة وهو أيضاًَ يقتل الكلب والخنزير ثم يهدم الكعبة ويعطي الدروز حكومة الأرض جميعها ويستخدم بقية الناس في حكم الرعية. وبعد فإن لهم مواجب دينية وفرائض توحيدية أوجبوا على جميع أهل ملتهم حفظها ومعرفتها والعمل بها وسترها عن غير أهلها وهي أربع وخمسون فريضة. منها عشر مقامات ربانية وهم العلي والبار وأبو زكريا وعلي المعل والقائم والمنصور والمعز والعزيز والحاكم وكلهم إله واحد. ومنها أربع تظاهر الباري بها وهي الهيئة والاسم والنطق والفعل فالهيئة هي الصورة التي ظهر بها والاسم هو اسم الحاكم الذي تسمى به والنطق هو المجالس والسجلات التي يتكلم بها وتصدر عنه والفعل هي المعجزات التي كانت تصدر منه كقهر ملوك وقتل الجبابرة وظهوره بين الأعداء وحده وخروجه أيضاً وحده في أنصاف الليالي وظهوره في الحر الشديد وقت الهاجرة مع عدم تأثير الشمس في وجهه وعدم رؤية ظل له في ضوء الشمس والقمر وغير ذلك من الأمور التي ذكروها معجزات له في كتبهم كالسيرة المستقيمة ومجرى الزمان وغيرهما. ومنها عشر فرائض توحيدية الأولى معرفة البارئ وتنزيهه عن جميع المخلوقات الثانية الإمام قائم الزمان وتمييزه عن سائر الحدود الروحانيين الثالثة معرفة الحدود الروحانيين بأسمائهم ومراتبهم وألقابهم وإن قائم الزمان أولهم وهو الذي نصبهم وهم مطيعون لأمره ونهيه الرابع صون اللسان الخامسة حفظ الإخوان السادسة ترك عبادة العدم السابعة التبرؤ من الأبالسة الثامنة التوحيد للمولى في كل عصر وزمان التاسعة الرضى بفعل العاشرة التسليم لأمره وهي مذكورة في رسالة ميثاق النساء ورسالة البلاغ والنهاية. ومنها عشرة مواجب دينية وهي كن لهن في نفاسهم وأعراسهم وجنائزهم على السنة التي رسمت لهم فهذه ثلاثة الرابعة أجيبوا دعوتهم الخامسة اقضوا حاجاتهم السادسة اقبلوا معذرتهم السابعة عادوا من ضامهم الثامنة عودوا مرضاهم التاسعة بروا ضعفاءهم العاشرة انصروهم ولا تخذلوهم وهي في رسالة التحذير والتنبيه. ومنها عشرون إمامية منها أربعة أنواع النوع الأول أسامي وهي خمسة الأول علة العلل الثاني السابق الحقيقي الثالث الأمر الرابع ذومعة الخامس الإرادة النوع الثاني طبائع جوهرية وهي خمس الأولى حرارة العقل الثانية قوة النور الثالثة سكون التواضع الرابعة برودة الحكم الخامسة ليونة الهيولى فهذه الخامسة هي العقل وطبائعه الأربعة وهي في رسالة كشف الحقائق. النوع الثالث خصائص نورانية وهي خمس الأولى الحمد لمن أبدعني من نوره الثانية وأيدني بروح قدسه الثالثة وخصني بعلمه الرابعة وفوض إليَّ أمره الخامسة وأطلعني على مكنون سره فهذه من كلام حمزة وهي في أوائل رسالة التحذير والتنبيه. النوع الرابع منازل كلية وهي خمس الأولى حد الجسمانيين الثانية حد الجرمانيين الثالثة حد الروحانيين الرابعة حد النفسانيين الخامسة حد النورانيين فهذه المنازل الخمسة هي مجتمعة في الإمام وهي مذكورة في السيرة المستقيمة. وأما تلقي الديانة وأخذها فله عندهم كيفية مخصوصة وهي أنه إذا أراد أحد من الجهال أن يأخذ الديانة ويدخل في سلك الموحدين ينبغي له أن يستجلب رضى الموحدين بتقديم الوسائل التعطفية مدة لا تقل عن سنتين يلتمس منهم قبوله وإدخاله في جماعتهم وإعطاءه الديانة فإذا قبلوه أدخلوه على الإمام فيوصيه بحفظ السر وعدم إشهاره ويأمره بتحرير العهد الواجب تحريره إذ لا يكون موحداً خالصاً بغير تحرير العهد على نفسه فإذا حرره وسامه إلى الإمام صار واحداً منهم والعهد الذي يجب تحريره هو المسطور تحت العنوان الآتي: ميثاق ولي الزمان توكلت على مولانا الحاكم الأحد الفرد الصمد المنزه عن الأزواج والعدد أقر فلان بن فلان إقراراً أوجبه على نفسه واشهد به على روحه في صحة من عقله وبدنه وجواز أمره طائعاً غير مكره ولا مجبر أنه قد تبرأ من جميع المذاهب والمقالات والأديان والاعتقادات كلها على أصناف اختلافاتها وأنه لا يعرف شيئاً غير طاعة مولانا الحاكم جل ذكره والطاعة هي العبادة وأنه لا يشرك في عبادته أحداً مضى أو حضر أو ينتظر وأنه قد سلم روحه وجسمه وماله وولده وجميع مات يملكه لمولانا الحاكم جل ذكره ورضي بجميع أحكامه له وعليه غير معترض ولا منكر لشيءٍِ من أفعاله ساءه هذا أم سره ومتى رجع عن دين مولانا الحاكم جل ذكره الذي كتبه على نفسه وأشهد به على روحه وأشار به إلى غيره وخالف شيئاً من أوامره كان بريئاً من البارئ المعبود وحرم الإفادة من جميع الحدود واستحق العقوبة من البار العلي جل ذكره ومن أقر أن ليس له في السماء إله معبود ولا في الأرض إمام موجود إلا مولانا الحاكم جلَّ ذكره كان من الموحدين الفائزين وكتب في شهر كذا وكذا من سنة كذا وكذا من سني عبد مولانا جل ذكره ومملوكه حمزة بن علي بن أحمد هادي المستجيبين المنتقم من المشركين والمرشدين بسيف مولانا جلَّ ذكره وشدة سلطانه وحده اهـ. السجل المعلق من المخطوطات المضنون بها عند الدروز السجل الذي كتبه حمزة بن علي هادي المستجيبين وكان سبباً لثورة الأفكار في مصر حتى هرب منها ونزل سورية ونشر بها العقيدة الدرزية وهو أكبر القائلين بإلوهية الحاكم وهاك بعض فصول منوعة تفيد مطالعتها في تمثيل حالة هذا القوم ننشرها بحرفها. وهذا السجل هو مقالات منوعة في أغراض شتى فمن مقالاته مقالة: خبر اليهود والنصارى وسؤالهم لمولانا الإمام الحاكم بأمر الله أمر المؤمنين صلوات الله عليه من شيءٍ من أمر دينهم باعتراض اعترضوه فيه إنكار أنكروه عليه والجواب على ذلك بما اختصهم من القول وأسكتهم وانصرفوا مقهورين والحمد لله رب العالمين بسم الله الرحمن الرحيم حدث من نثق به ونسكن إلى قوله مع إشهار الحديث في ذلك الوقت أنه حضر في موقف من مواقف الدهر وصاحب العصر مولانا الإمام الحاكم بأمر الله أمير المؤمنين سلام الله عليهم حسب ما كان يقف على من سلم عليه فذكروا أنهم من أهل الذمة وأن لهم حاجة وأنهم يهود ونصارى فقال عليه السلام قولوا حاجتكم فقال نسأل حاجتنا إذا أمنتنا على نفوسنا فقال إن طلبة الحوائج لا تحتاج إلى أمان فقالوا هي حاجة صعبة وسؤال عظيم فقال عليه السلام اسألوا فيما عسى أن تسألوا ولو كان في الملك قالوا: يا أمير المؤمنين ما هو شيءٌ يتعلق بأمر الدنيا وإنما هو شيءٌ يتعلق بأمر الدين وخطر عظيم فإن آمنتنا على أنفسنا ذكرناه وسألناك عنه وإن لم تأمنا سألناك العفو وانصرفنا آمنين فعد لك وأمنك قد ملآ الغرب والشرق وعطاؤك وجودك دق غمرا جميع الخلق. قال عليه السلام: اسألوا عما أردتم وأنتم آمنون بأمان الله تعالى وأمان جدنا محمد وأماننا لا منكوث عليكم في ذلك ولا متأول. قالوا: يا أمير المؤمنين إنا الذي نسألك عنه خطر عظيم وأمر جسيم وأنت صاحب السيف والملك ولا نشك في أمانك ولكننا نخشى من سفهاء الأمة. قال عليه السلام: قولوا وأنتم آمنون من جميع الناس والأمة. قالوا: يا أمير المؤمنين أنت تعلم أن صاحب الشريعة الذي هو محمد بن عبد الله الرسول المبعوث إلى العرب الذي لهجرته كذا وكذا سنة وذكروا عدد السنين التي لهجرته إلى تلك السنة التي خاطبوه فيها أنه حين بعث إلى العرب وجاهد سائر الأمم لم يسمنا الدخول في شريعته إلا أنا اخترنا ذلك بلا إكراه وأداء الجزية ولم يكلفنا إلا هذا وكذلك كل واحد من أئمة دينه وخلفاء مذهبه ومتفقهي شريعته لم يسمنا ما سمتنا أنت إياه من هدم بيعتنا وأديارنا وتمزيق كتبنا المنزلة على رسلنا عند ربنا فيها حكمة بالحلال والحرام والقصاص حتى أنك أبحت التوراة والإنجيل يشد فيها الدلوك والصابون وتباع في الأسواق بسعر القراطيس الفارغة. وقد أخبرنا صاحب الملة والشريعة عن ربه فيما نزل عليه أن التوراة فيها حكم الله ثم ذكر أنه في غير موضع في الكتاب المنزل عليه تفخيم أمر رسلنا والأفاضل من تباعهم وإسحق ويعقوب ويوسف وزكريا ويحيى وهؤلاء كلهم أنبياؤنا وأئمة شرائعنا ومثلما ذكروا الفضلاء منا مثل بقايا موسى وحواري عيسى وما حكاه أيضاً في الكتاب المنزل عليه من تفضيل قسسنا ورهباننا بقوله أن فيهم قسساً ورهباناً وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول تفيض أعينهم بالدمع مما عرفوا من الحق ولو استقصينا كل ما جاء في الكتاب المنزل عليه من تفضيل رسلنا وتفخيم كتبنا لكان أكثر ما نزل عليه في هذا المعنى ثم قد كان من خلفاء الملة وأئمة الشريعة من المحمودين آبائك والمذمومين أعدائهم وأعداءك مثل بني أمية وبني العباس ممن عتا في الأرض ملكها طولاً وعرض (؟) ومع اتساع ملوكهم وعظم سلطانهم وكان بخطب لهم في كل بقعة بلغت إليها دعوة رسولهم وصاحب شريعتهم ولم يحدث علينا رسماً ولا نقضوا لنا شرطاً اقتداءً منهم بصاحب ملتنا وشريعتنا المذكورة على لسان نبيهم. فمن أين جاز لك أنت يا أمير المؤمنين أن تتعدى حكم صاحب الملة والشريعة وفعل الخلفاء والأئمة الذين ملكوا قبلك البلاد والأمة وليس أنت صاحب الشريعة بل أنت أحد أئمة صاحب الشريعة وأحد خلفائه والقائم في شريعته لتتممها وتشد أركانها وبنيانها وبذلك نطقت في كلامك في غير موضع من مواقفك التي خاطبت بها وأشهر ذلك عنك أقرب الناس إليك من أوليائك وأنت تفعل معنا ما لم يفعله الناطق معنا ولا أحد من أئمته ولا خلفائه كما ذكرناه وهذه حاجتنا التي سألناها وأمرنا الذي قصدناه وطلبنا الأمان عليه ونريد الجواب عنه فإن يكن حقاً وعدلاً آمنا به وصدفنا وإن يكن متعلقاً بالملك والدولة والسلطان بقينا على أدياننا غير شاكين في مذاهبنا وأزلنا الشبهة عن قلوب المستضعفين من أهل ملتنا وما جئناك إلا مستفهمين غير شاكين في عدلك ورحمتك وإنصافك وعلى هذا أخذنا أمانك وقد قلنا الذي عندنا وأخرجناه من أعناقنا كما تقتضيه أدياننا والأمر إليك فإن تقل لنا سمعنا وأطعنا وأجبنا وإن أذنت لنا ولم تقل انصرفنا ونحن آمنون بأمانك الذي أمنتنا فقال عليه السلام: أما الأمان فهو باقٍ عليكم وأما سؤالكم فما سألتم إلا عما يجب لمثلكم أن يسأل عن مثله وأما نحن فنجيبكم إن شاء الله ولكن امضوا وعودوا إليَّ ها هنا ليلة غد. وليأت كل واحد منكم يعني من اليهود والنصارى بأفقه من يقدر عليه من أهل ملته في هذا البلد ليكون الجواب لهم والكلام معهم. ولما كان في ليلة غد حضر القوم في المكان بعينه وقفوا وسلموا وقالوا قد أتينا بمن طلبه أمير المؤمنين منا وقدموا أحد عشر رجلاً ومن قبل سبعة فقال لهم أمير المؤمنين صلوات الله عليه: لهؤلاء اخترتم لهم وقدمتم قالوا بأجمعهم: نعم يا أمير المؤمنين قال للنفر: وأنتم رضيتم أن تكونوا متكلمين عن أهل ملتكم نائبين عنهم قالوا: نعم قال: فهل تعلمون في هذه البلدة وأنتم أهل ملتكم من هو أفقه منكم قالوا: لا قال عليه السلام: وأنتم تحفظون التوراة والإنجيل وأخبار الأنبياء قالوا: نعم قال عليه السلام: (أنتم) عارفون بمبعث صاحب الشريعة الذي أنا قائم بملته وذاب عن شريعته وسيرته وأخباره وما جرى بينه وبين رؤساء ملتكم ومتقدميكم من اليهود والنصارى من الجدل والمسائل والاحتجاجات ومن سلم لأمره منهم ولم يسلم من مبعثه إلى حين وفاته. قالوا: لم نحط بذلك كله بل أحطنا بأكثره مما يلزمنا حفظه وعلمه مما جرى بينه وبين علمائنا تصحيحاً لمذهبنا وشريعتنا وذلك عندنا محفوظ مدون مكتوب تتوارثه أحبارنا وأحبار عن الأولين من قبلنا حتى وصل ذلك إلينا ويتصل بغيرنا كما وصل إلينا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. قال عليه السلام: إن أصحابكم سألوني البارحة عن سؤال بعد أن أخذوا أماني على نفوسهم ووعدتهم أن أجيبهم عن سؤالهم إذا حضروا علماءهم وقد حضرتم واعترفوا لكم بالعلم والفضل وصدقتموهم أنتم على ذلك واعترفتم عندي به لما قلت لكم أنتم تعرفون في هذه البلدة من هو أعلم منكم من أهل ملتكم بأخبار صاحب شريعة الإسلام ونسبه وشيعته وعلمه وشريعته قلتم: لا. وأنا أسألكم في آخر السؤال أجيبكم وأخبركم بما سألوني عنه أصحابكم وأماني باق عليكم وعليهم على شرط وهو أني كلما سألتكم عن شيءٍ يقتضيه مذهبكم وشريعتكم ومذهب صاحب ملة الإسلام وشريعته فتجيبوني عنه بما هو مأثور في كتبكم المنزلة على أنبيائكم ومدون في كتب رؤسائكم وعلمائكم وأحباركم ما لم يكن عندكم ولا تعرفونه ولا تؤثرونه في كتاب منزل ولا أقول حكيم مرسل فردوه عليَّ وادفعوه بحججكم التي عسى أن تدفعوا بها سواي وما عرفتموه وفهمتوه فلا تنكروني إياه لقيام الحجة عليكم به وفيه قالوا: نعم قال لهم إن صدقتم فأماني يعمكم وإن كذبتم انفسخ أماني عنكم وعاقبتكم وكانت عقوبتكم جزاء لكذبكم أرضيتم؟ قالوا: نعم قال: أبلغكم أنه لما كان في كذا وكذا نمن هجرة الرسول صاحب شريعة الإسلام أتاه رؤساء شريعتكم وعلمائكم من الملتين اليهود والنصارى وهم فلان وفلان وفلان وفلان وسموا له البقية أسماء الرجال حتى أتوا على آخرهم. قال عليه السلام. قد صح عندي أنكم صدقتم لما تممتم أسماء الرجال الباقين الذين بدأت أنا بذكرهم أفي ذلك عندهم شك تشكون فيه أو ريبة ترتابون بها قالوا: لا قال لهم: لما استحضرهم ما قال لهم قالوا: يقول أمير المؤمنين فمنه القول ونحن سامعون فما عرفناه أقررنا به وسلمنا فيه وما لم نعرفه ولم يكن مأثوراً عندنا ذكرنا لأمير المؤمنين. قال عليه السلام: قال لهم صاحب الملة والشريعة: ألم تكونوا منتظرين لزماني متوقعين لشخصي وترجون الفرج مع ظهوري فلما أن ظهرت فيكم وأعلنت دعوتي وشهرت أمر ربي كذبتموني وجحدتموني ونافقتم عليَّ فطائفة منكم قاتلوني وطائفة رحلوا من جواري حسداً لي وبغضة حسبما تفعله الأمم الباغية في الأزمان المتقدمة إذ ظهر مثلها سنة سنتها الظالمون أولهم إبليس اللعين مع آدم الكريم فهل كان ذلك منه إليهم قالوا: نعم قال: فإذا علمتم أن ذلك قد كان منه فما كان جوابهم له عن ذلك بعد استماعهم كلامه قالوا: قد قلنا أولى لأمير المؤمنين أن بقول ولنا أن نسمع ونحن محمولين على الشرط الأول الذي أشرطه أمير المؤمنين علينا أما ما عرفناه أقررنا به وما لم نعرفه أنكرناه فنريح بذلك سلامة أدياننا بالتصديق بالحق وسلامة أنفسنا من القتل بالتزام الشرط. قال لهم أمير المؤمنين عليه السلام: كان جوابهم أنهم قالوا: ما أنت الذي كنا منتظرين لزمانه متوقعين لشخصه ولا الذي نرجو الفرج من ظهوره قال لهم: ما دليلكم على صحة ذلك أني ما أنا هو قالوا: ما هو مأثور عندنا وموجود في كتبنا وبشرت به أنبياؤنا لأممهم قال لهم: وما هو بينوه قالوا: ثلث خصال أحدها ليس اسمه كاسمك وقد نطق بذلك لسانك في نبوتك وجهرت به لأصحابك وجعلت ذلك فضيلة لك فمنه آخذناك لما قلت ما حكيته عن المسيح ومبشراً برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد يحلل لكم الطيبات ويحرم عليكم الخبائث ويضع عنكم ضركم والأغلال التي كانت عليكم فهو كما قلنا ما أنت المسمى إذ اسمك محمد والذي بشرت به باتفاق منا ومنك اسمه أحمد والثانية مدته قد بقي لها أربعمائة سنة من يوم مبعثك إلى حين ظهور هذا المنتظر قد خالفته أيضاً في الاسم والمدة والثالثة المنتظر إنما يدعو إلى توحيد ربه بلا تعطيل ولا تشبيه ولا لفة تلحق نفوسنا حسبما ذكرته في تنزيلك من تحليل الطيبات وتحريم الخبائث ووضعه عنا ضرنا والأغلال التي كانت علينا فأي حجة بقيت لك علينا وليس اسمك اسم من ينتظر بقولك ولا فعلك فعله ولا المدة مدته فقد خالفته كما قلنا في الاسم والمدة والفعل وإذا كنت إنما تدعو إلى شريعته فبقاؤنا في شريعتنا آثر وخير لنا. ووصفة المنتظر عندنا رفع التكليفات وانقضاء الشرور ورفع المصائب والشكوك وأن لا يتجاوزه في عصره كافر ولا منافق وأنت أكثر أصحابك يظهرون النفاق عليك وإنما بغلبة سيفك عليهم سلموا لأمرك وإذا كان ذلك كذلك فلم تلومنا على قتالك وتناقلنا على طاعتك والدخول في شريعتك. ثم قال لهم أمير المؤمنين عليهم السلام: أكذا كان قالوا: نعم كذلك كان وكل قولك حق وصدق. قال: فما كان جوابه لهم عن هذا الكلام قالوا: يقول أمير المؤمنين حسبما جرت به العادة ونسمع ونعترف بالجواب إذا علمناه وننكره إذا جهلناه قال لهم عليه السلام: أما إذا عرفتم ذلك وعلمتوه فلا شك أنكم تعرفون صفة الحال كما جرت إنشاء الله. ثم قال أمير المؤمنين عليه السلام: كان جوابه لهم لا أقاتلكم على الدخول في ملتي ولتكذيبي والصدوف عن أمركم لأنكم أصحاب شرائع وكتب ومتمسكون بأمرها ناطقون وليس أقاتل من هذه صفته ولا أنا رافع الشرائع ولا ذلك كله إلي بل كلما ملكت بلداً بسيفي ممن فيه عبدة الأوثان والتناذر فلي أن ألزمهم الدخول في ملتي أو أقتلهم ومن كان في البلدة منكم عرضت عليه إما الدخول في ملتي واتباع أمري وشريعتي أو أداء الجزية فإذا كره الوطن الذي ملكته وبسيفي فتحته فمن وزن الجزية منهم وشريعتي أقررته في مكانه ومن انتقل عني تركته ومن قاتلني منهم على مثل ذلك قاتلته وانتظرت فيكم حكم ربي قالوا: لك ذلك فما قلت إلا حقاً ولا نرى منك إلا صدقاً قال لهم: إذا استقر ذلك بيني وبينكم وقد تأولتم علي ورفعتم منزلتي وفضلي الذي قد أتاني من عند ربي وزعمتم أن الذي تنتظرونه له اسم تعرفونه وفعل تعلمونه ومدة تنتظرونها وهي من مبعثها إلى حين ظهور هذا المنتظر بقي له أربعمائة سنة فاكتبوا بيني وبينكم مواضعة تتضمن كل ذلك وذكره وعلى أنكم تدفعون إليَّ الجزية طول تلك المدة التي ذكرتم أن المبعوث إليكم فيها يأتي غيري فإن كنت من جملة المخرصين فإنتم تكفون مؤنتي ويرجع إليكم الملك إذ ظهر من تنظرونه وإن لم يظهر ومدتي قائمة وشريعتي ماضية وحكمي لازماً ولم يأتكم في هذه المدة من تنتظرونه فلصاحب ملتي والقائم بدعوتي والإمام الذي يكون في ذلك العصر أن يدعوكم إلى ما دعوتكم إليه فإن أجبتموه وسلمتم وإن أبيتم عليه كما أبيتم عليَّ وصددتم عنه واستكبرتم فله أن يأخذكم بالشرط الذي شرطتموه على أنفسكم ويقابلكم فإن قاتلتموه قاتلكم ولا يقبل لكم عذراً ويستبيح ملتكم ويهدم لكم شريعتكم بهدمه لبيعكم ويعطل كتبكم ويكون ما بقي لكم عذر تحتجون به ولا محال تركنون إليه ولا إبليس تعولون عليه وهو المنصور عليكم يقطع شأفتكم وشأفة كل الظالمين فهذا نصه المواضعة أهكذا هو قالوا: نعم قال أمير المؤمنين عليه السلام: والمواضعة لم تزل تنتقل من بعد صاحب الشريعة والملة من وصي صادق إلى إمام فاضل حتى وصلت إليَّ فهي عندي فلم يكن عليه السلام أن ينقض شرطاً أسسه وحكماً بينه وهو معروف وقت أن نشأ في الجاهلية محمد الأمين فكيف ينقض ما أنعم به عليكم ولم يجز لأحد من أئمة دينه وخلفاء شريعته أن ينقض ما أمر به من قبل انقضاء المدة إتباعاً وتسليماً لحكمه فلما وصل الأمر إليَّ وانقضت تلك السنون المذكورة في المواضعة في عصري وعند تمامها أمري أخذت منكم بحقه ودعوتكم إلى شرطكم وشرطه حسب ما تقتضيه الأمانة وحكم المعاهدة أكذلك بلغكم أنه صفة الحال قالوا: نعم كذلك كان قال: فأي حجة بقيت لكم عليه وعليَّ بعدما أوضحناه وأي أمر تعديت فيه بزعمكم عليم إذا كنت بشرطكم أخذتكم وما كنتم تنتظرونه أقمته عليكم وقد أوسعتكم حلماً وعدلاً إذا بقيت نفوسكم على أجسامكم ونعمكم عليها أمها (؟) لا لتنتبهوا بعد الغفلة وتسلموا بعد المعاهدة فأي حجة لكم بعدما وصفناه وأي حق معكم بعدما قلناه وأي عذر يقوم لكم بعدما شرحناه قولوا واسألوا تجاوبوا أو تنصفوا ولا يكون لكم قولاً ولا حجة فانصرفوا محجوجين كاذبين نادمين شاكين خائبين قالوا: ماذا تقولون قالوا بأجمعهم هذا والله كله حق وصدق لا نشك فيه ولا نرتاب به قد سمعنا لو فهمنا والله الحجة البالغة رب العالمين وصلى الله على نبيه وآله الطاهرين. تم الكلام في هذا الفصل وحسبنا الله ونعم الوكيل والحمد لله وحده ونستعين به اهـ. وسننشر في الجزء التالي نتفاً من هذا المخطوط أيضاً جلاءً للحقيقة الغامضة. اللاما وعابدوه عرف المطالعون من مواطنينا كثيراً عن غرائب ديانات البشر وعقائدهم ومعبوداتهم القديمة والحديثة ولكن نظن أنه لم يخطر لعاقل منهم ببال أنه يوجد حتى اليوم أمم عريقة في التمدن وهي تعد بالملايين تعبد إنساناً حياً مثلهم وتقدم له من أنواع التكرمة والتبجيل والإعظام ما لا ينبغي تقديمه إلا للإله الحي الأزلي القيوم فاللاما وما أدراك ما اللاما إن هو بشر كسائر الناس يأكل ويشرب ويضحك ويبكي ويخطئ ويصيب ومع ذلك فالملايين من الصينيين والهنود والمغول يؤلهونه تأليهاً ويبذلون له من ضروب العبادات ما يقضي بالحيرة والاستغراب والذهول هذا ولما كان الموضوع غريباً عجيباً وقد لا يخلو من الفائدة لمن تتبع تاريخ وأحوال وشؤون الأمم وما انطوت عليه من الشذوذ والمدهشات رأينا أن نطرفهم بهذه المقالة آخذة بناصيتي الإيجاز والوضوح فنقول: إن الدين اللاماوي قديم جداً مر عليه زهاء ثلاثة آلاف سنة وهو زاه سائد منتشر في مساحة من المعمور تقرب من سبعمائة ألف ميل ممتدة من ينبوع نهر الأندوس إلى حدود الصين ومن تخوم الهند إلى قفر كوبي وتسمى هذه المملكة ثيبة أو تيبت وعدد سكانها يتجاوز الستة ملايين وهي مجاورة لجبال حملايا وترتفع عن سطح البحر نحو عشرة آلاف قدم بيد أن هذا الدين لم ينحصر في تلك المملكة فقط بل تسربت تعاليمه أيضاً منذ عصور متطاولة إلى قبائل وفصائل كثيرة من أمة التتر المتجولة بين ضفاف نهر الولكا وكوريا بجوار بحر اليابان وإلى كثير من جزائر الهند ومقاطعات الصين حتى يقول الباحثون أن الذين يدينون بهذا الدين لا ينقصون عن مئة مليون أكثرهم ممن لهم أقدام راسخة في المدنية الشرقية وعراقة تامة في الحضارة بين أصحاب اللون الأصفر والقوقاسيين من شعوب آسيا الكبرى. ومقر عرش هذا المعبود استغفر الله إنما هو قصر يسمى باتولي مبنيٌ في ذروة جبل على مقربة من شاطئ بارمبوتر بينه وبين لاسا عاصمة البلاد سبعة أميال وفي حضيض ذلك الجبل يقيم نحو عشرين ألفاً من الكهنة تتفاوت رتبهم الدينية بحسب بعد منازلهم وقربها من عرش اللاما معبودهم الأكبر. وهم يعتقدون أنه أزلي لا يموت محيط بكل الأمور جامع لأنواع الفضائل ويسمونه أب السماوات وهو لا يرى إلا في مكان سري في قصره يجلس فيه الأربعاء بين مئات من المصابيح الذهبية وعليه من الحلي وأنواع الجواهر النفيسة ما يقصر عنه الوصف فيتقاطرون إلى زيارته من كل صوب وأوبٍ وحدب في موسم معلوم وقليل منهم من يفوز بالدنو منه على قيد ذراع وعلى الذين ينالون شرف الدخول إلى مقدسه أن يطرحوا أنفسهم إلى الأرض ركعاً سجداً وهم بعيدون عنه مرمى النظر إجلالاً وتكريماً ولا يخصُّ بهذه المنحة السامية إلا الملوك وعظماء الأمم وزعماء القبائل فيرونه عن بعد من طرف خفي دون أن يخاطبوه أو ينبس لهم ببنت شفة. وهذه الزيارة تكفي عندهم لمغفرة كل ما اجترحوه ويجترحونه من الآثام والكبائر مدى الحيوة ومن العجب أنهم يأخذون من رجيعه ما يذخرونه في أوعية صغيرة ذهبية ثم يعلقونه كالتمائم والتعاويذ في أعناقهم وأعضادهم يستشفون بها من الأمراض ويدفعون بها من كيد الأبالسة ونزعات الشياطين وهم يشترون تلك الذخائر الرجسة بألوف مؤلفة من المال ومن حصل على مثقال منها فقد نال بزعمهم سعادة الدارين وجمع بين الحسنيين وقد يدخلون إلى مطاعمهم ولو بعض نقاط من مفرزه المائي ولكن هيهات أن ينال ذلك منهم إلا كل رفيع القدر نافذ الكلمة واسع العطاء فمن خدمه الحظ وخازمه التوفيق بحيث يتهيأ له أن يجمع بين المفرزتين معاص فهو بين الأقطاب الأعلام أمجد من الإسكندر في عصره أو فرعون في مصره فيا لله مما تنحط إليه مدارك البشر. وللاما سلطان سياسي فضلاً عن سلطانه الديني ومع أن بلاده تحسب منذ القدم تابعة للإمبراطورية الصينية وتؤديها بعض الجزية فهو يدير حكومة بلاده مستقلاً بواسطة عمال يسمونهم خانات وما من مدافع وله في باكين وغيرها من العواصم في الشرق الأقصى سفراء وإمبراطور الصين ذاته يؤدي له الطاعة والاحترام كعبود ولأعوانه الكثيرين الذين يسمونهم اللاماويين الصغار أنفذ سلطة وأسمى مكانة بين عامة الناس وخاصتهم وهم يجبون الهدايا ويجمعون النذور ومن جميع بلاد المغول وثيبة والهند الغربية وغيرها وغيرها باسم اللاما العظيم ومع كونهم فاسدي الأخلاق قبيحي السيرة منغمسين باللذات البهيمية يحترمهم الناس أعظم احترام ولهم جميعاً من الثروات الطائلة ما أصارهم في المقام الأول بين متمولي تلكم الأصقاع وموسريها. وعندهم أن اللاما متى أدركه اليوم أو مات بسبب آخر من أسباب الموت تفارق روحه ذلك المنزل المتهدم القديم لتحل في مسكن أقوى وأمتن فتنتقل تلك الروح إلى جسد طفل له عندهم علامات وفروق خاصة كالعجل آبيس عند قدماء المصريين فيبحثون عنها بواسطة اللامويين الصغار حتى إذا تحققوا وجودها في أي طفل كان قالوا_هذا هو اللاما_فاتخذوه خلف لسلف قبله وأقاموا عنه نواباً حتى يبلغ أشده وعلى هذا لا يكون في زعمهم موتاً طبيعياً بل هو من قبيل الانتقال العادي من موئل إلى آخر. وهم يؤمنون بإله واحد يثلثون أقانيمه كما يثلث الهنود برهما ويزعمون أنه ظهر أول مرة (سنة ١٠٢٦ قبل الميلاد) وكان يملك في بلاد الهند وهو متجسد يموت في الظاهر ولكن في الحقيقة يتنقل كما ذكرنا سابقاً من مسكن إلى آخر مع أنه أزليٌ حيٌّ سرمديٌّ لا يموت ويريدون به نفس اللاما العظيم الذين يسميه الصينيون هوفو أي الإله الحي. ثم هم يؤمنون بخلود النفس والثواب والعقاب ولهم صلوات وأصوام وذبائح وقرابين وكهانة ذات فروض ونذور ومناسك وصوامع وأديار وعدد كهنتهم يتجاوز الثلاثين ألفاً وكلهم يلبس ألبسة خاصة ذات مناطق صفراء وقبعات تختلف أشكالها وأوضاعها باختلاف رتبهم الدينية ولهؤلاء الكهنة مدارس تلقنهم فروض الدين ونواميسه وتعاليمه وشيئاً من الطب وعلم الهيئة وضروباً من الشعوذة والتدجيل يمخرقون بها على العامة المخدوعة بأساليبهم السحرية غير أن دهاء الإنكليز الذي يستسهل أمرهم بعض متهوسي الكتبة ذوي الأماني والأحلام لم يدع هذه الزمرة المضللة وإلهها الدجال يتمتعون بما توارثوه عن آبائهم منذ آلاف أعوام من المجد السامي والمكانة العليا بل لم برحوا منذ بعض قرون فآتياً يبثون دعاتهم ورسلهم وينصبون شباكهم وأحاييلهم بين اللامويين متعذرين بكل وسيلة من وسائلهم الفعالة لبسط نفوذهم وتمتين دعائمهم في تلك الأقطار حتى ألجأوا اللاما وأتباعه بعد حملات سالت فيها الدماء سيل الماء إلى موالاتهم والدخول في حمايتهم وتحت سيطرتهم وغير ذلك مما كشف القناع عن بصائر الصينيين وأمات ثقتهم وصدق يقينهم بذلك المعبود الكاذب فنهضوا عليه نهضة رجل واحد وأجلوه عن مقدسه فمضى هارباً صاغراً مدحوراً لا يلوي على شيءٍ يلتمس من مواليه الإنكليز حماية روحه وماله إلى غير ما هنالك مما فاضت ببيانه صحف الأخبار وجاء منطبقاً على ما يريد الإنكليز خلافاً لما يتوهمه البعض ممن ينظرون إلى المرامي السياسية بعين الأحوال فسبحان مصرف الأمور بحكمته ومقلب الأحوال بقدرته إن له لآيات ترى تبدو من خلال تعاقب الليل والنهار. ومن غرائب هذه البلاد أن الهواء فيها مع ارتفاعها المتناهي عن سطح البحر وجاورتها لأعظم جبال آسيا هو باردٌ جافٌ لا مطر فيه أصلاً حتى أن الثلج قلما يرونه في تلك الأصقاع والخشب هنالك لا يبلى بل يصير صلباً حتى يضارع الصوان ويبقى مع الدهر. كذلك اللحم إذا عرضته للهواء يجف حتى يمكن سحقه بسهولةٍ فيصير ناعماً كالكحل وهكذا يفعلون. ومع هذا لا ينبت فيها شجر برّي قط تجد في أوديتها المحجوبة عن الزعازع والأعاصير أشجاراً مثمرة كثيرةً كالتفاح والتين والكروم والرمان والجوز وهناك يزرع الأرز والحنطة والشعير وما يماثله من أنواع الحبوب فتكون غارته جيدة بخلاف نجادها المرتفعة المعرضة للرياح فإنها لا تصلح للزراعة إلا شذوذاً. وهي غنية بمعادنها الثمينة فإن الذهب والحجارة الكريمة كالزبرجد والماس توجد هناك بكثرةٍ كما يوجد أيضاً الرصاص والزئبق والحديد والبورق والملح. وأهلها على غرابة دينهم وخشونة شعائره لينو العريكة دمثوا الخلق خفيفو الروح أولو شجاعة وكرم وأمانة ومروءة ينزعون إلى الحرية والاستقامة والصدق في معاشراتهم ومعاملاتهم ولهم كأهالي فينيقية الأقدمين أشد الولوع بالتجارة على اختلاف مناحيها وأكثرهم زاهد في الزراعة لعقم أراضيهم وقحلها ولكنهم يستغلون باستخراج المناجم والتعدين ولهم حذق عجيب بتثقيف الحجارة الكريمة وإصلاحها وإظهار رونقها ولمعانها. ولغتهم وإن كانت من ذوات المقطع الواحد إلا أنها واسعة يعبر بها عن المعاني الفلسفية والدينية مهما كانت دقيقة غامضة بسهولةٍ وجلاء وهم يكتبون بها من الشمال إلى اليمين كما يكتب الهنود باللغة السانسكريتية ومكتبتهم غنية في آدابها وأكثرها أناشيد وتراجم وشروح مستمدة من كتب البوذيين المقدسة. ويذهب أكثر علماءِ (البيولوجيا) أن أصل هذه الأمة مغوليٌّ ويقيم بين ظهرانيها قليل من المسلمين ومعظمهم من أهالي كشمير ويوجد هناك أيضاً بضعة آلاف من الكاثوليك. ويكثر عند اللامويين تزويج جملة رجال بامرأة واحدة كأهالي جزيرة سيلان وهي عادة مستفيضة في كل أمة أو بلاد تقل نساؤها ويكثر رجالها. ولقد اختلف الكتبة والمؤرخون كثيراً في اسم هذه المملكة فمنهم من يدعوها (ثيبة) ومنهم من يسميها (تيبت) وبعضهم من قال أنها (تبت) ولقد ضبطها ياقوت الحموي بالباء المشدودة أما الأوربيون فيرسمونها هكذا وأول سائح استقرأ تلك البلاد هو (توماس ماتني) وذلك سنة ١٨١٢ للميلاد ثم وليه القس (هوك) سنة ١٨٤٥ و ١٨٤٦ وإنما اسقراؤهما إياها لم يتجاوز القسم الغربي منها ولكن دعاة اليسوعيين قد عرفوا قبلها العاصمة (لاسا) وما حولها منذ القرن السابع عشر أما سائر أقسام المملكة ولاسيما الشرقية والشمالية فما برحت حتى اليوم مستغمدة أحوالها في سحاب كثيف وتعد عند الجغرافيين من مجاهل الأرض. وهذا مجمل ما أمكن الوقوف عليه بعد التدقيق والتنقيب عن أحوال تلك المملكة الغريبة في ديانتها وعباداتها في إقليمها وبيئاتها في طبائع أهلها وعاداتهم أخذناه محصلاً عن عدة مصادر هي محل الثقة ثم أطرفنا به المقتبس تفكهةً لقارئيه وتبصرةً وذكرى. قانون تكليف العقارات الفصل الأول في العقارات التي عليها التكاليف المادة الأولى يفرض على العقارات في كل قضاء تكليف واحد بنسبة دخلها ويكون هذا بدل التكاليف الحاضرة وهي الخراج ويركو وحصة المعارف والتجهيزات. وذلك اعتباراً من السنة المالية التي تلي تحرير هذه العقارات وتخمين إيرادها وفقاً لأحكام هذا القانون ويجوز ضم شيءٍ على أصل هذا التكليف للمعارف والأمور النافعة لأهل هذا القضاء بشرط أن يعين الحد الأعظم لهذه الضمائم في قانون الميزانية كل سنة. تعتبر كل دائرة بلدية في الآستانة والبلاد الثلاثة بك أوغلي، إسكدار، أيوب قضاء عند تطبيق هذا القانون. المادة الثانية العرصات المستعملة مخازن ومعامل للتجارة والصناعة تعد من نوع العقارات وإن لم يكن فيها بناء وسقف. المادة الثالثة تعتبر أفنية العقارات وحدائقها من متممات الأبنية ويفرض عليها مع الأبنية تكليف على نسبة سعتها وتعين هذه النسبة بنظامات خاصة. أما الزائد من الافنية والحدائق عن النسبة المذكورة إذا لم يستعمل للتجارة والصناعة كما هو محرر في المادة الثانية فيتبع قانون تكاليف الأراضي والعرصات. والعرصات المتصلة بالطواحين والمعامل لوضع لوازمها ومصنوعاتها تعد من مشتملاتها وتعتبر مثلها من حيث التكاليف. المادة الرابعة الاستثناء يكون إما دائماً أو مؤقتاً. أما المستثنيات دائماً فهي: المادة الخامسة تبقى العقارات المعفاة من التكاليف بموجب معاهدات وفرامين أو وثائق اشترطتها الحكومة على نفسها مستثناة من التكاليف كما كانت وبعد الآن لا يقبل استثناء سوى المواد التي ذكرت في المادة الرابعة إلا بقانون مخصوص. المادة السادسة تعين الإدارة المركزية نوع العقارات المذكورة في المادة الخامسة والفقرات الأولى والثانية والثالثة والخامسة والسادسة والسابعة الواردة في المادة الرابعة. المادة السابعة المستثنيات مؤقتاً هي: المادة الثامنة الأبنية الآتي بيانها تعد من الأبنية الجديدة: المادة التاسعة العقارات التي عليها تكاليف إذا دخلت في عداد المتثنيات يجري عليها حكم هذا الاستثناء من أول السنة المالية التي تلي السنة المستدعى بها من قبل الكلف. المادة العاشرة العقارات التي احترقت وخربت أو صارت من الخراب على حال لا يمكن الانتفاع به وأخبر صاحبها موظفي المالية عنها على الأصول وثبت ذلك لديهم بالتحقيق يرفع عنها التكليف اعتباراً من التقسيط الذي يلي التقسيط المصادف تاريخ مراجعة صاحبها وأخباره أما عرصتها فيجري عليها قانون تكاليف الأراضي. المادة الحادية عشرة المطاحن والمعامل ودور الصناعات إذا لم تشتغل مدة سنة كاملة على الأقل بدون فاصلة يكون لأصحابها الحق بالعفو المؤقت عن ثلاثة أرباع التكليف في المدة التي لم تشتغل بها. وعلى أصحاب هذه العقارات أن يرفعوا إلى الحكومة بيانين أحدهما في أول مدة توقفها عن العمل والثاني في آخر تلك السنة. ويكون حكم العفو الموقت اعتباراً من التقسيط المصادف نهاية السنة. وإذا لم يخبر أصحاب العقارات في شهر واحد باستئنافها العمل ببيانه يقدمونه إلى الحكومة يحرمون من التمتع بالعفو في غضون تلك السنة. إذا استمرت العطلة مدة سنتين فيجب تجديد البيان في كل سنة على الصورة المذكورة. الفصل الثاني في نسبة التكليف المادة الثانية عشرة إن نسبة التكليف هي اثنا عشر في لمئة عن الواردات غير الصافية وإنما يزاد في هذه النسبة في ميزانية المعارف ما يعادل النصف في المئة للمعارف المحلية في كل سنة. يطرح التكليف على الطواحين والمعامل ودور الصناعة والدور الخشبية المعدة للسكنى بعد تنزيل ربع وارداتها غير الصافية. العقارات المحتوية على الآلات والأدوات المخصوصة والمعدة لإجراء صناعة تعد معملاً أو دار صناعة. الأبنية المنشأة من جدران من الخشب أو ألواح خشبية أو ما يسمونه بغدادي تعتبر خشبية (ولو كان أساسها قائماً على الحجر على ارتفاع مترين من وجه الأرض) الأبنية المنشأة من اللبن هي من قبيل الأبنية الخشبية. المادة الثالثة عشرة تعفى الدور التي وارداتها غير الصافية مائتاناوخمسون قرشاً فأقل والمعدة لإسكان صاحبها من التكليف جملة. والجور التي إيرادها أكثر من مئتينيوخمسين قرشاً وأقل من ألف يصرف النظر عن مائتينيوخمسين قرشاً من إيرادها. المادة الرابعة عشرة تجرر وتخمن العقارات بحسب الإيجارات غير الصافية المتعارفة في محلها عامة بحسب إيراد الأبنية التي من نوع واحد وبحسب موقع البناء ومساحته وعدد أدوراه وعدد غرف كل طابق منه ونوع المواد التي أنشئ منها وبحسب حاله الحاضرة من حيث حسن محافظته وبحسب صورة الانتفاع منه. وعند تخمين غير الإيراد الصافي للطواحين والمعمل ودور الصناعة ينظر إلى ما فيها من الوسائط الصناعية الثابتة. المادة الخامسة عشرة إذا لم يوجد وسائط كافية لتخمين واردات البناء الغير صافية تعين قيمة البناء الحقيقية ويعتبر ثمانية في المئة من قيمته إيراداً غير صافٍ إذا كان طاحوناً أو معملاً أو دار صناعة أو دار خشبية لسكنى صاحبها وستة في المئة إذا كان من العقارات الأخرى. الفصل الثالث في تحرير العقارات وتقدير دخلها المادة السادسة عشرة تكتب جميع العقارات وتقدر قيمتها لتنفيذ حكم هذا القانون. يعين مبدأ التحرير والتقدير ببيان من الوالي في الآستانة والولايات ومن المتصرفين في الألوية المستقلة. المادة السابعة عشرة تكون كتابة العقارات من قبل لجنة مؤلفة من ثلاثة أشخاص تعينهم الحكومة ويكون التقدير والتخمين من قبل لجان يلحق بها وكلاء المكلفين برئاسة المأمورين الثلاثة المار ذكرهم. يكون عدد الوكلاء ثلاثة تنتخبهم مجالس البلدية في القصبات التي فيها دوائر بلدية ومجالس الإدارة في القصبات التي ليس فيها دوائر بلدية من أناس لهم أملاك داخل البلدة وفي القرى تنتخبهم مجالس القرى. أصحاب العقارات مكلفون باراءتها لهذه اللجان وإعطائهم المعلومات الكافية عن أحوالها العامة وعن جهة استعمالها ومقدار أجرتها ويؤخذ ممن يمتنع عن ذلك أو يخبر بخلاف الحقيقة عن عمد عشرون قرشاً إلى مئة قرش جزاء نقدياً بحكم المحكمة. المادة الثامنة عشرة إذا كان العقار منقسماً ومفرزاً بين أصحابه بصورة رسمية يخمن إيراد كل قسم على حدة وإذا لم يكن مفرزاً بل كان مشاعاً بينهم يخمن إيراده كله من حيث المجموع. المادة التاسعة عشرة عند ختام تخمين القرية أو الحي في المدن من قبل اللجنة التي ذكرت آنفاً يعلن كمال الجدول الذي يتضمن قيد العقارات وتخمين إيرادها ليطالعه المكلفون ويمعنوا فيه نظرهم مدة شهر واحد ثم يبلغ كل من كلف على الانفراد ورقة إخبارية تتضمن مقدار الإيراد الذي خمن عقاره ولكل مكلف حق الاعتراض مدة شهرين من تاريخ تبليغه الإخبارية لمأمور مال القضاء لينظر به لجنة التخمين. ولمأموري المال أيضاً حق الاعتراض على تقدير اللجنة وتخمينها مدة شهرين من بعد إرسال الجدول المذكور إليهم وحينئذ يكونون مكلفين بتبليغ اعتراضاتهم هذا مع أسبابه الوجبة بصورة مختصرة للمكلف صاحب العقار لتقدير الذي لا يعترض عليه قبل انتهاء المهلة المذكورة يكون قطعياً. المادة العشرون على اللجنة أن تنظر في الاعتراضات المذكورة وتسمع اعتراض المعترضين شفاهاً إذا طلبوا أو وجد لزوم لذلك وأن تشاهد العقارات مرة ثانية وتحقق أحوالها عند الإيجاب تعطي قراراً مدة شهرين على الكثير ويبلغ هذا القرار إلى المكلفين بواسطة مأموري مال القضاء. المادة الحادية والعشرون للمكلفين أن يستأنفوا قرار لجنة التخمين في خلال شهر واحد من تبليغه لدى لجنة تؤلف في كل لواء باعتراض يقدمونه لمأموري المال حاوٍ للدلائل الكافية. تؤلف هذه اللجنة برئاسة الوالي أو المتصرف هكذا: الدفتر دار أو المحاسب ومأمور تنتخبه الحكومة وثلاثة أعضاء يقترع عليهم بواسطة المجالس العمومية في الولايات والجمعية العمومية للبلدية في الآستانة إذا لم يكن المجلس العمومي فيها ملتئماً بين ستة من أصحاب الأملاك يبعث بهم اللواء. ولمأموري المال أيضاً أن يراجعوا لجنة الاستئناف في المدة نفسها على شرط أن تبلغ مراجعتهم هذا للمكلف. وعلى لجنة الاستئناف أن تعطي قرارها في خلال شهرين. المادة الثانية والعشرون إذا ادعي بأن قرار لجنة الاستئناف مخالف للقانون والنظام فللمكلفين ومأموري المال أن يراجعوا في خلال شهر واحد بعد تبليغ القرار على الطريقة المار ذكرها اللجنة المركزية التي تؤلف في نظارة المالية بانتخاب. الناظر من رئيس وستة أعضاء. وهذه اللجنة لا تبحث في المعاملات المتعلقة بتقدير الإيراد. المادة الثالثة والعشرون للمكلفين أن يعترضوا خلال شهرين من بعد إعلان جدول التكليف الذي يكتب بنهاية التحرير العمومي على التكليف المطروح عليهم في الأحوال الآتية وفقاً للطريقة المدرجة في المادة التاسعة عشرة وما سيليها من المواد. تكون هذه المدة عبارة عن شهر واحد من ابتداء إعلان جداول التحرير الخاص الذي يجري في خلال التحرير العام وجداول التكاليف التي تحرر لأول مرة في ختام التعديلات. المادة الرابعة والعشرون الاعتراضات الواقعة على مقدار التكليف المدخل في جدول التكاليف لا تحصيله لكن إذا تقرر أن الاعتراض محق يراد المقدار الزائد إلى المكلف حالاً. المادة الخامسة والعشرون مقررات اللجان المبينة في المواد السابقة تعطى بالأكثرية على شرط أن لا يكون عدد الأعضاء أقل من النصف فإذا تساوت الآراء يرجح الطرف الذي فيه الرئيس. الفصل الرابع في دفتر أمهات التكليف ومعاملاته التعديلية المادة السادسة والعشرون الجداول التي تحرر بمعرفة اللجان المار ذكرها حاوية تحرير العقارات وتقدير إيرادها والتعديلات المتوالية التي تجري بموجب هذا القانون يتألف منها دفتر الأمهات. دفتر الأمهات يكون مأخذ لجداول التكاليف السنوية المحررة في المادة الثالثة من قانون تحصيل الأموال المؤرخ في ٥ شعبان سنة ١٣٢٧ و ١٨ أغستوس سنة ١٣٢٥ . المادة السابعة والعشرون في كل عشر سنوات تجري تعديلات عمومية لتقدير إيراد العقارات وفقاً لأحكام هذا القانون. المادة الثامنة والعشرون إذا نقص مقدار العقار أو زاد منه مقدار الثلث لبعض الأسباب الدائمة يعدل تعديلاً خاصاً بطلب صاحب العقار أو مأمور المال عد عن التعديلات العمومية التي تجري في كل عشر سنوات. تطلب التعديلات وفقاً للفقرة السابقة من الستة الأشهر الأولى من السنة المالية وتعتبر التعديلات من السنة الآتية. المادة التاسعة والعشرون يقضى على أصحاب الأملاك بيان الخصوصات الآتية إلى قلم المال كتابة من ابتداء تطبيق هذا التكليف في كل قضاء ولم يعطى لهم علم وخبر بمقابلة ذلك. التبديلات التي تحصل في جهة استعمال الأبنية بصورة تدعو إلى انقطاع الاستثناء المسطور بهذا القانون والتحولات التي تغير نسبة التكليف المعينة في المادة الثانية عشرة. تعطى البيانات المذكورة من خلال شهرين اعتباراً من استعمال الأملاك على الوجه المذكور أو من حدوث التحولات فيها وإذا لم تعط البيانات في المادة المذكورة يضم على التكليف المقتضي أخذه حسب التبدلات التي لم يخبر عنها عشرة في المئة مرة واحدة. المادة الثلاثون أصحاب الأملاك التي نسيت في التحرير العام ولم تكتب يقتضى عليهم إنهاء أمرها قبل انقضاء السنة الثانية التي تلي ختام أعمال التحرير وإذا لم يخبروا بدون عذر مقبول يضم على أصل تكليف ذلك العقار عشرون في المئة من ابتداء تطبيق هذا القانون في ذلك المحل إلى آخر السنة التي يطلع بها على النسيان. المادة الحادية والثلاثون تجري المعاملات المتعلقة بتعديل دفتر الأمهات وفقاً للقواعد الموضوعة للتحرير العمومي وإنما تؤلف اللجنة التي تنظر في هذه المعاملات من أربعة أعضاء اثنان منهم ينتخبان من أعضاء مجلس الإدارة واثنان من أعضاء المجلس البلدي برئاسة مأمور المال. ينظر في الاعتراضات التي يقدمها المكلفون أو مأمورو المال المحليون على قرار هذه اللجان في المدة المحررة في المواد السابقة في مجالس الإدارة المحلية. يكون قرار مجالس الإدارة قطعياً على شرط أن يبقى حتى المراجعة للجنة المركزية في المدة المعينة محفوظاً في الأحوال المحررة في المادة الثانية والعشرين. الفصل الخامس في المكلفين الملزمين بأداء التكليف المادة الثانية والثلاثون أصحاب العقارات وذوو اليد على العقارات مكلفون بدفع التكليف المرتب عليها وإذا لم يوجد هؤلاء فالساكنون فيها. المادة الثالثة والثلاثون المتصرفون في العقار مشاعاً يكلفون بنسبة حصصهم الشائعة. العقار المقيد على شخص متوفى يعتبر غير مقسوم وتجري بحقه المعاملة وفقاً للفقرة الأولى هذا إذا لم يقسم ويقيد في إدارة الطابو أو إذا لم يسقط الورثة حقوقهم الإرثية كلها أو بعضها. أحكام عمومية المادة الرابعة والثلاثون يحرر ناظر المالية نظاماً يتضمن كيفية تنفيذ هذا القانون وبعد تدقيقه في مجلس شورى الدولة ينفذ بإرادة سلطانية. المادة الخامسة والثلاثون تعتبر الأحكام التي كانت مرعية قبلاً في تكليف العقارات لاغية من ابتداء تنفيذ هذا القانون في كل قضاء وإكمال التحرير العام ومباشرة في تحصيل التكليف. المادة السادسة والثلاثون عقارات الحرمين الشريفين مستثناة من أحكام هذا القانون. المادة السابعة والثلاثون ناظر المالية مأمور بتنفيذ هذا القانون. مخطوطات ومطبوعات حالة المسلمين الاقتصاديةتأليف المسيو لشاتليه La position économique de l'Islam, par M. A. Le chatelier اعتاد صديقنا صاحب هذه الرسالة أني رينا كل يوم أثراً من آثار علمه واطلاعه ودليلاً من أدلة مضائه واضطلاعه فهو اليوم المرجع الأكبر في أحوال الإسلام والمسلمين ومن أعظم أئمة الغربيين الواقفين على منزلة الشرقيين ورسالته هذه كسائر ما خطته يراعته أو صدرت تحت رعاية مملوءة بحسن الظن بمستقبل المسلمين افتتحها بقوله أن العالم الإنكليزي السكسوني الذي ذهب بفضل التقدم في أعماله الاقتصادية ليس هو من حيث العدد إلا نصف العالم الإسلامي فهو عبارة عن ١٢٥ مليون ساكن في بريطانيا العمى والولايات المتحدة وكندا وأستراليا وأفريقيا الجنوبية والهند وسائر المستعمرات الساحلية التي ينزلها العنصر الإنكليزي أما الإسلام فتجمع كلمته من ٢٠٠ إلى ٢٥٠ مليون من البشر ويمتد سلطانه من الصحارى المتجمدة في إيريتش وأوهيو إلى مدن أفريقية الجنوبية من الأرخبيل الهندي إلى شواطئ الأتلانتيك مع فروع في أوربا تصل إلى ليتوانيا وبولونيا كي ينتشر وراء البحر المحيط إلى أميركا وأستراليا. والمسلمون كالسكسونيين تراهم تارة مجتمعين في بلاد إسلامية خاصة بهم وأخرى متفرقين بين من لا يدينون بدينهم فمركزهم الجغرافي ذو شأن في العالم. والسواد العظم من المسلمين في آسيا فهو فيها عبارة عن ١٧٠ مليون مسلم أي مثل مجموع سكان أميركا الشمالية والجنوبية وإسبانيا والبرتقال. ففي العند الإنكليزية ٢٨٤ مليوناً من السكان منهم ٦٢ مسلم في الهند الصينية إلى سائر السكان نسبة ٠٥ _ ١٠٠ من مجموع السكان ومعدلهم في الصين من ٥ إلى ٦ في المئة وفي الأفغان ٥ _ ٩٩ في المئة وفي بخارى ٩٦ في المئة وبلوجستان ٩٤ في المئة و ٩٣ في فارس وينزل معدلهم كلما تقدمت نحو الغرب فبينا تجدهم ٩٨ فقي المئة ببلاد العرب ينزل معدلهم إلى ٨٦ في المئة بين النهرين وإلى ٧٨ في المئة في آسيا الصغرى والمعدل العام للمسلمين في آسيا هو ٢٠ في المئة ويبلغ في أفريقية ٣٦ ففيها ٦٠ مليون مسلم مقابل ١٦٥ مليون أفريقي وينزل معدل نفوسهم من الشمال إلى الجنوب ويكون سوادهم الأعظم في الشمال أي في مراكش والجزائر وتونس وطرابلس ومصر وأصل سكان أفريقية الشرقية من جالية العرب والهنود ينزلون في رودوسيا والترنسفال والناتال والراس ومدغسكر وجزائر كومور وموريس ولا يقل عددهم عن مائتي ألف ولا يكثر عدد المسلمين في أوربا إلا في بلاد روسيا ففيها نحو ثلاثة ملايين من التاتار وكذلك ترى في شبه جزيرة البلقان أجناساً من الأتراك والأرناؤد وغيرهم لا يقل عددهم عن ثلاثة ملايين أيضاً أما سائر بلاد أوربا فليس فيها إلا عدد قليل لا يتجاوز الألوف من المسلمين المختلفين فقي أجناسهم وليس هو ثابتاً. وإذا أضفنا إلى أستراليا وتوابعها نحو ٤٠ إلى ٥٠ ألف أفغاني وهندي وماليزي ومثل هذا القدر في أميركا بأشرها من الأتراك والعرب والصينيين والزنوج جاءت معنا لائحة صحيحة في الجملة من العالم الإسلامي. وبعد أن أفاض قليلاً في وصف معتقدات المسلمين وعاداتهم قال أن لسان القرآن الإلهي يحدث صلة أخرى بين أعضاء الأسرة الإسلامية الكبرى فإذا كانت اللغة العربية لا يتكلم بها سوى خمسين مليوناً من الآسياويين والأفريقيين من نهر الفرات إلى النيجر فهي يترنم بها في المدارس الإسلامية من بلاد السين إلى أفريقية الجنوبية من جزائر الفلبين إلى مراكش وتستعمل لغة كتابة عند الخاصة في كل بلد اجتمع فيه المسلمون ليتلوا القرآن العظيم. وإن الشعوب الإسلامية التي لم تقبل اللغة العربية قد دخل إلى لغاتها منها الشيءُ الكثير فالفارسية والتركية والملازية تكتب بحروف عربية ولغة الأوردو الهندية قد دخلها كثير من التعابير العربية وكذلك اللغة السواحلية ولغة البول والبربر في أفريقية. وذكر المؤلف تاريخ الصحافة الإسلامية بإيجاز فقال مع أن تاريخها يرد إلى سنة ١٨٢٨ أيام أنشأ محمد علي الوقائع المصرية أصبحت الآن منتشرة ولاسيما في مصر على عهدها الأخير والبلاد العثمانية بعد الحرية وقدر الصحف الإسلامية في الأرض بأربعمائة منها ١٥٠ باللغة العربية أكثرها في مصر والشام وتونس. وأفاض في المشاريع الصناعية والتجارية التي أخذ المسلمون في آسيا خصوصاً يدخلون فيها ويبرزون كغيرهم من الشعوب الراقية وأحسن ظنه بنهضة المرأة التركية وكيف يحاول المجددون في الإسلام اليوم أن يدخلوا العلوم والفنون حتى في الجوامع كما فعل التونسيون في جامع الزيتونة والمصريون في الأزهر وذكر مثالاً من السكك الحديدية وأعمال الكهرباء والبخار ولاسيما في البلاد العربية فقال أن المدنية المنورة مع أنها في قفر بين البدو تنار بالكهربائية كما أن ينبع تشرب من ماءٍ مقطر بالبخار والإمام يحيى في اليمن يطلب تمديد سكة حديدية من الحديدة إلى صنعاء. ثم قال أن المفكرين من السياسيين الغربيين لينظروا وحق لهم أن ينظروا إلى هذه النهضة الحديثة في الإسلام لا من حيث الدعوة إلى الجامعة الإسلامية ولا من حيث الجامعة الوطنية بل الواجب أن ينظروا إلى ما يتوقع أمره في القريب العاجل من قيام مدنية إسلامية متماسكة تقصد إلى توطيد التكافل الاقتصادي بين أجزائها وقال أن السياسة الحميدية أخفقت في دعوتها للجامعة الإسلامية فانفضت عرى تلك الدعوة يوم ظفر أحرار سلانيك بإعادة الحرية إلى المملكة العثمانية وقال أن السياسة العثمانية الإسلامية الألمانية تهيئُ السلطان للتقسيم (كذا) والعقول لا تتصور كيف تتخلص من الانقسامات الجنسية لإيجاد فكرة وطنية. فالفكرة الاقتصادية هي التي تهم العالم الإسلامي أكثر وهي بها اليوم يطالب المتغلبون كما تطالب مصر إنكلترا بقولها بأن منافع مصر يجب أن تكون لم صر وكذلك فعل الجزائريون بعد سبعين سنة من استيلاء فرنسا عليهم فقاوموا وهم لا يخافون بأس القوة يطالبون بأراضيهم التي استصفيت فعلى أوربا أن تتأكد قيام المسلمين بالجامعة الاقتصادية مما هو ماثل للعيان من حال إيران فإن أهلها يريدون أن يقاطعوا كل ما هو غير إيراني وأن يطبقوا القواعد المدنية والاقتصادية على الإسلام لتكون بلادهم لهم في اقتصادياتها ومشاريعها النافعة وهنا قال المؤلف بأن على أوربا أن تنظر المسلمين وجرائدهم التي تنفخ فيهم روح النهوض لترى كيف تخفق سياستها الاقتصادية فينادي لسان حالهم جميعاً بلاد الإسلام للمسلمين ونحن نقول إذا صحت هذه الأحلام والأوهام آمين. منطق المشرقيين والقصيدة المزدوجة في المنطق للرئيس أبي علي بن سينا عنيت بتصحيحه المكتبة السلفية في القاهرة ص ٨٣  أحسنت هذه المكتبة بنشر هذا السفر النفيس على أسلوب راقٍ شأنها في كل ما نشرته حتى الآن وقد صدرت الكتاب بترجمة الرئيس عن أصح المصادر فجاءت الترجمة في ٣٨ صفحة وهي من أحفل تراجم الرئيس. أما الكتاب والقصيدة فهما في الغاية من السلاسة والوضوح بحيث يسهل على من لم يدرس هذا الفن على أسلوبه أن يتلقفه بنفسه من هاتين الرسالتين ولا عجب فكلام الرئيس رئيس الكلام. وهاك ما قاله المؤلف في ذكر العلوم ننقله نموذجاً لمن لم يسعده الحظ بقراءة شيءٍ كثير من قلم الرئيس وعنواناً على كيفية تقسيمهم العلوم في عهده قال: إن العلوم كثيرة والشهوات لها مختلفة ولكنها تنقسم أول ما تنقسم قسمين: علوم لا يصلح أن تجري أحكامها الدهر كله بل في طائفة من الزمان ثم تسقط بعدها أو تكون مغفولاً عن الحاجة إليها بأعيانها برهة من الدهر ثم يدل عليها من بعد. وعلوم متساوية النسب إلى جميع أجزاء الدهر وهذه العلوم أولى العلوم بأن تسمى حكمة. وهذه منها (أصول) ومنها (توابع وفروع) وغرضنا ها هنا هو في الأصول وهذه التي سميناها توابع وفروعاً فهي كالطب والفلاحة وعلوم جزئية تنسب إلى التنجيم وصنائع أخرى لا حاجة بنا إلى ذكرها. وتنقسم العلوم الأصلية إلى قسمين أيضاً: فإن العلم لا يخلو إما أن ينتفع به في أمور العالم الموجودة وما هو من قبل العالم ولا يكون قصارى طالبه أن يتعلمه حتى يصير آلة لعقله يتوصل بها إلى علوم هي (علوم أمور العالم وما قبله). وأما أن ينفع به من حيث يصير آلة لطالبه فيما يروم تحصيله من العلم بالأمور الموجودة في العالم وقبله. والعلم الذي يطلب ليكون آلة_قد جرت العادة في هذا الزمان وهذه البلدان أن يسمى (علم المنطق) ولعل له عند قوم آخرين اسماً آخر لكننا نؤثر أن نسميه الآن بهذا الاسم المشهور. وإنما يكون ذا العلم آلة في سائر العلوم_لأنه يكون علماً منبهاً على الأصول التي يحتاج إليها كل من ينتقض المجهول من المعلوم باستعماله للمعلوم على وجهة يكون ذلك النحو وتلك الجهة مؤدياً بالباحث إلى الإحاطة بالمجهول فيكون هذا العلم مشيراً إلى جميع الأنحاء والجهات التي تنقل الذهن من المعلوم إلى المجهول. وكذلك يكون مشيراً إلى جميع الأنحاء والجهات التي تضل الذهن وتوهمه استقامة مأخذ نحو المطلب من المجهول ولا يكون كذلك. فهذا هو أحد قسمي العلوم. وأما القسم الآخر_فهو ينقسم أيضاً أول ما ينقسم قسمين: لأنه إما أن تكون الغاية في العلم تزكية النفس مما يحصل لها من صورة المعلوم فقط وإما أن تكون الغاية ليس ذاك فقط بل وأن يعمل الشيء الذي انتقشت صورته في النفس. فيكون الأول تتعاطى به الموجودات لا من حيث هي أفعالنا وأحوالنا لنعرف أصوب وجوه وقوعها منا وصدروها عنا ووجودها فينا والثاني يلتفت فيه لفت موجودات هي أفعالنا وأحوالنا لنعرف أصوب وجوه وقوعها منا وصدورها عنا ووجودها فينا. والمشهود من أهل الزمان أنهم يسمون الأول (علماً نظرياً) لأن غايته القصوى نظر ويسمون الثاني منهما (عملياً) لأن غايته العمل. وأقسام (العلم النظري) أربعة: وذلك لأن الأمور إما مخالطة للمادة المعينة حداً وقواماً فلا يصلح وجودها في الطبع في كل مادة ولا يعقل إلا في مادة معينة مثل الإنسانية والعظمية وإن كانت بحيث لا يمتنع الذهن في أول نظره عن أن يحلها كل مادة_فيكون على سبيل من غلط الذهن بل يحتاج الذهن ضرورة في الصواب أن ينصرف عن هذا التجويز ويعلم أن ذلك المعنى لا يحل مادة إلا إذا حصل معنى زائد يهيئها له وهذا كالسواد والبياض فهذا من قبيل الموجودات والأمور. وإما أمور مخالطة أيضاً كذلك والذهن وإن كان يحوج في صحة تصور كثير منها إلى إلصاقه بما هو مادة أو جار مجرى المادة_فليس يمتنع عنده وعند الوجود أن لا يتعين له مادة وكل مادة تصلح لأن تخالطه ما لم يمتنع مانع وليس يحتاج في الصلوح له إلى ممهد يخصصه به مثل الثلاثية والثنائية من حيث هي مثكونة وتعرض الجمع والتفريق ومثل التدوير والتربيع وجميع ما لا يفتقر وجوده ولا تسوره إلى تغير مادة له وهذا قبيل ثان من الأمور والموجودات. وأما أمور مباينة للمادة والحركة أصلاً فلا تصلح لأن تخلط بالمادة ولا في التصور العقلي الحق مثل الخالق الأول. الأول تعالى ومثل ضروب من الملائكة وهذا قبيل ثالث من الموجودات. وأما أمور ومعانٍ قد تخلط المادة وقد لا تخالطها فتكون في جملة ما يخالط وفي جملة ما لا يخالط مثل الوحدة والكثرة والكلي والجزئي والعلة والمعلول. كذلك أقسام العلوم النظرية أربعة لكل قبيل علم. وقد جرت العادة بأن يسمى العلم بالقسم الأول (علماً طبيعياً) وبالقسم الثاني (رياضياً) وبالقسم الثالث (آلهياً) وبالقسم الرابع (كلياً) وإن لم يكن هذا التفصيل متعارفاً فهذا هو العلم النظري. وأما (العلم العملي) فمنه ما يعلم كيفية ما يجب أن يكون عليه الإنسان في نفسه وأحواله التي تخصه حتى يكون سعيداً في دنياه هذه وفي آخرته وقوم يخصونه هذا باسم علم الأخلاق. ومنه ما يعلم كيف يجب أن يجري عليه أمر المشاركات الإنسانية لغيره حتى يكون على نظام فاضل_أما في المشاركة الجزئية وأما في المشاركة الكلية والمشاركة الجزئية هي التي يكون في منزل واحد والمشاركة الكلية هي التي تكون في المدينة. وكل مشاركة فإنما تتم بقانون مشروع وبمثول لذلك القانون المشروع يراعيه ويعمل عليه ويحفظه ولا يجوز أن يكون المتولي لحفظ المقنن في الأمر جميعاً إنسانا واحد فإنه لا يجوز أن يتولى تدبير المنزل من يتولى المدينة بل يكون للمدينة مدبر ولكل منزل مدبر آخر. ولذلك يحسن أن يفرد (تدبير المنزل) بحسب المتولي باباً مفرداً و (تدبير المدينة) بحسب المتولي باباً مفرداً ولا يحسن أن يفرد التقنين للمنزل والتقنين للمدينة كل على حدة بل الأحسن أن يكون المقنن لما يجب أن يراعى في خاصة كل شخص وفي المشاركة الصغرى وفي المشاركة الكبرى شخص واحد بضاعته واحدة وهو (النبي). وأما المتولي للتدبير وكيف يجب أن يتولى فالأحسن ألا ندخل بعضه في بعض وإن جعلت كل تقنين أيضاً باباً آخر فعلت ولا بأس بذلك لكنك تجد الأحسن أن يفرد العلم بالأخلاق والعلم بتدبير المدينة كل على حدة وأن تجعل الصناعة الشارعة ما ينبغي أن تكون عليه أمراً مفرداً. وليس قولنا وما ينبغي أن تكون عليه مشيراً إلى أنها صناعة ملفقة مخترعة ليست من عند الله ولكل إنسان ذي عقل أن يتولاها كلا بل هي من عند الله وليس لكل إنسان ذي عقل أن يتولاها ولا حرج علينا إذا نظرنا في أشياء كثيرة مما يكون من عند الله أنها كيف ينبغي أن تكون. فلتكن هذه العلوم الأربعة أقسام العلم العملي كما كانت تلك الأربعة أقسام العلم النظري اهـ. الهيئة والإسلام لمؤلفه السيد هبة الدين الشهرستاني طبع ببغداد في مطبعة الآداب سنة ١٣٢٨ ص ٣١٤ ذكر المؤلف أن الإسلام يوافق آراء الفلسفة الحديثة أكثر مما يوافق القديمة خصوصاً في الفلكيات وقد فسر كثيراً من الآيات المشكلة والروايات المعضلة قال: ففي الناس أناس يزعمون الشارع في أبواب الفلكيات مسلك الحكماء وإن الهيئة القديمة هي الموافقة للشريعة القديمة فلأجل ذلك تراهم عند اعتقادهم بطلان الفلسفة الغابرة تزل أقدامهم ويضعف التزامهم بنواميس الشريعة الطاهرة فقصدت من تصنيف هذا الكتاب بيان مخالفة الإسلام لمعظم مباني الهيئة البطليموسية ومواقفه للآراء المكتشفة في الهيئة الجديدة فينبغي أن يكون تصديقهم للعلوم العصرية سبباً لرسوخ العقائد الدينية ومزيد اليقين بصدق باقي مقالات النبي الأمي والأئمة من أهل بيته. والمؤلف مشهور بسعة الإطلاع فنشكره على تحفه. غرائب الغرب لصاحب المقتبس محمد كرد علي طبع بمطبعته ص ٢٠٤ هي بعض ما شاهده وعرفه صاحب هذه المجلة عن ديار الغرب نشر أولاً في بعض أجزاءه هذه السنة والسنة الماضية وجردناه على حدة وهذه مقدمته وهي تنم عن الغرض من نشره: هذه فصول ومقالات بل آهات وتأوهات كتبتها في وصف معالم الغرب وما لقيته فيه وثقفته عنه وأنا على مثل اليقين بأنها لا تحمل في مطاويها من تلك المدنية الساحرة إلا بقدر ما تصل إليه يد عابر سبيل ويتفطر له فكر التنزيل والدخيل راجياً من كرمه تعالى أن ينفع بها قراء العربية ومنه أستمد العون والتيسير نعم المولى ونعم النصير. رسائل البابية  نشر البارون روزن الروسي المتوفى ٦٣ رسالة بالفارسية والعربية كتبها بهاء الله المصلح الثاني في المذهب البابي. والعربية منها كما قال أحد الناظرين في هذه الرسايل وإن كانت تبدو في صورة وحي قرآني لا تخرج عن كونها كتبت لتقوية البابيين على تحمل المصائب في سبيل إيمانهم والعمل بما توحي به الحقيقة الكلية والرسالة العشرون منها المسماة سورة الملوك عبارة عن شكوى صاحب المذهب وأتباعه من بعض ما ينالهم من الموظفين الذين اضطهدوا من انتخبوا مذهب الباب. ولأن كانت البهاءُ ينحو فيها منحى القرآن في الإنشاء فيغتر بها بعضهم لأول وهلة إلا أن من يحسن كتابة لغته لا يلبث أن يرى أغلاطاًُ عربية وأكثرها في التركيب. معيار الفتاوي نشر المسيو إميل أمار من علماء المشرقيات في فرنسا ملخص فتاوى فقيه المغرب أب يالعباس أحمد بن يحيى الونشر يسي المتوفى سنة ٩١٤ هـ في مجلدين وترجمها إلى الإفرنسية مع تعليق الشروح اللازمة لها. وهذا الكتاب هو فتاوى صدرت عن مفاتي أفريقية أي تونس وولايتا قسنطينة والجزائر وعلماء الأندلس والمغرب الأقصى وهو عبارة عن ولاية وهران وبلاد مراكش وكان طبع هذا الكتاب برمته على تل الحجر في فاس في ١١ مجلداً تدخل في ٤١٢٢ صفحة فنسق الناشر هذه الفتاوى حتى جاءت مثل كتاب دالوز في القانون مرجعاً يسهل الرجوع إليه. ثلاث مجلدات جديدة كتب متفرقة سير العلم والاجتماع الشعرى اليمانية Sirius قرأت في المقتبس رسالة من بغداد تبحث في الشعرى العبور فشكرت عناية الكاتب بهذا البحث النافع وأرجو مواصلة القراء بشذور هذا العلم الساطع بيد أني وجدت فيها هفوة لعلها من النقل أو النشر وهو قوله: إن العلامة شارل نوردمان يقول بأن الشعرى تبعد عنا نحو خمسمائة مرة بعد الشمس عنا والصحيح لأنها تبعد عنا زهاء خمسمائة ألف وثلاثة وعشرين ألف مرة بعد الشمس عنا وتتأتى معرفة ذلك من رصد اختلافها السنوي وهو الزاوية الحاصلة عندها التي يقابلها قطر فلك الأرض وهي اصغر من أن تقاس إلا بأدق الآلات لأن فلك الأرض من ذلك المكان السحيق يرى كنقطةٍ متحدةٍ بنور الشمس المشع لكنها في غاية الضعف وقد عرف لها اختلاف سنوي جزئي وهو بحسب قائمة أورمان ٣٩ من الثانية فيقتضي لوصول نورها إلينا ثماني سنين وثلث سنة تقريباً وبالتدقيق ٨٣ ثم بحسب مادتها وهي ثلاث مرات وربع مثل مادة الشمس فتكون قوة الجذب فيها أشد من قوة الجذب في الشمس وتوابعها معاً (السيارات وأقمارها) فلو وجدت على بعد خمسمائة مرة مثل بعد الشمس عنا لدنت الشمس إليها ثم أسرعت نحوها مضطرة لشد التجاذب (لأن الجاذبية تتغير بالقلب كمربع البعد) أما للدوران حولها أو للاندماج فيها والواقع أن الشعرى اليمانية من النجوم المتباعدة عنا وأن شمسنا (ونظامها) سائرة نحو نقطة بالقرب من الجاثي واستنتج بعض الراصدين أن قرب الكيوني أنور كواكب الثريا قطب دوران حقيقي للكواكب (الشموس) التي تتألف منها عقود البروج كافة وهذا الرأي الأخير لم يجزم بصحته حتى الآن والشعرى اليمانية محسوبة من النجوم المزدوجة وقيل بأنها تدور حول جرم مظلم أعظم منها قليلاً ومدة دورانها حوله ٥٢ سنة تقريباً. ثم ذكر أن الشعرى اليماني هي إلينا أقرب هذه الكواكب المنتشرة على بساط المجرة والمعلوم عنها حتى الآن أنها الرابعة في البعد عنا بين الثوابت لأنه عرف لثلاثة كواكب اختلافها سنوي أكثر وأقربهم إلينا قنطوروس اختلافه السنوي ٧٥ أي ثلاثة أرباع الثانية فيكون بعده عنا قرابة ٢٥٢ ألف مرة بعد الشمس عنا ويقتضي لوصول نوره إلينا أربع سنين ويظن بعض علماء الهيئة أن بين النجوم الضئيلة التي تعد بالملايين عدد قليل منها أقرب إلينا من قنطوروس. لنفرض للاستعانة على تصور قدر الشمس الهائل وبعدها عنا ولأجل مقابلة المسافات الشاسعة المذكورة أن كرة قطرها قدمان تمثل الشمس فتكون الأرض كحبة حمص صغيرة على بعد ٢٢٠ قدماً وتكون اقرب الثوابت إلينا على بعد تقديره بالتقريب ٨٠٠٠ ميل عن مثال الشمس والمسافة الحقيقية التي بيننا وبين الشمس ٩٢ مليون ميل بالتقريب يصل نورها إلى الأرض في ٨ دقائق و ١٩ ثانية. ويلي الشعرى اليمانية في البعد عدد لا يحصى من النجوم بضعة وعشرون منها يعرف لها اختلاف سنوي والملايين الكثيرة الباقية لا يعرف لها اختلاف سنوي لتناهيها في البعد أو لتوغلها في قلب المجرة أو أقاصيها وتراها بإشعاع نورها وليس بذات جرمها لأن زاوية البصر تتلاشى قبل الوصول إلى أقرب الثوابت بمسافات بعيدة وأقوى النظارات في وقتنا الحاضر لا ترينا قرصاً للثوابت وإذا قيل بأن النور يجتاز عرض المجرة بمدة عشرين ألف أو ثلاثين ألف سنة فبعض السدام على رأي بعض الفلكيين يقتضي لوصول تنوره إلينا سبعمائة ألف سنة وأقوى النظارات لم تحله إلى نجوم مفردة أو عناقيد ومن المحتمل أن يكون مجرة البعيد كالمجرة التي نظامنا الشمسي وعامة الكواكب وأنظمتها منها وفيها على أن الرأي القائل بأن وراء هذه المجرة المحيطة بنا مجرات عديدة مؤلفة من عوالم وأنظمة إلى ما لانهاية لما يتأكد والآلات الحاضرة لا تمكنا من كشف شيء من هذا السر العظيم وقد وجدت خطوط في طيوف بعض السدوم أنور من خطوط الهيدروجين لا تدل على عنصر معروف في الأرض أو في الشمس حتى الآن فمن المحتمل أن يكون ذلك دليلاً على وجود عنصر أبسط أو أوطأ رتبة من الهيدروجين. هذا في ما جال في الخاطر حداني إليه كوكب نظرائه كاتب تلك الرسالة لاقتفاء أثره واقتباس منار لمه في هذا المسلك الذي قد لا أنجو بسلوكه من العثور فالرجوع إلى ما يدونه علماء العصر أحق والبحث في أنواع العلوم الطبيعية أنور للبصيرة فتكسب المرء قدرة التصرف بالأعمال العظيمة المفيدة فإن أكثر الناس تجهل حقيقة هذا العلم وتتخيل في السماء أموراً سخيفة أشركتها في معتقدها وتسكعت في باطلها وظلت عليها القرون والأحقاب حتى رسخت تلك الأوهام الفاسدة في العقول وانطبعت مزاعم زعمائهم الباطلة في القلوب فتأصل فيهم الميل للشعوذات والإيمان بالخرافات فحقت عليهم كلمة الشر والجهالة فصارت ذريعة إلى المجادلات حتى الحروب والغارات وفاتهم أن الأرض دار قراع وتنازع في البقاء وأن عصرنا هذا عصر جد واجتهاد وأنهم على سطح جرم حقير (الأرض) اعتباره كذرةٍ من جميع المادة نسبته إليها كنسبة حبة رمل إلى طود عظيم خليط من التراب والرمل والحجارة تناثرت أجزاؤه في هذا الفضاء وعلم الهيئة الحقيقي هو علم أثبته الفحص وقام عليه البرهان يعرفنا بحقيقة هذا الوجود ويزيل أو يقلل من تفاخر الإنسان الكاذب وغلوائه وعند التعمق بأصوله وتعميم انتشاره في مستأنف الزمان يدركنا التغيير الكلي في جميع أمورنا وأحوالنا ونخرج من مأزق التعصب ومضيق الأفكار فتبدو علاءات اليمن وإمارات الخير ويكون لهذا العلم المزية الكبرى على سائر العلوم فهو رائد الإصلاح الأكبر. وقف للعلم وقف أحمد بك زكي من علماء مصر خزانة كتبه وفيها مئات من الأمهات المهمة المخطوطة والمطبوعة وأكثر مطبوعات أوربا العربية وكثير من نفائس الكتب الإفرنجية على المطالعة لأهل القاهرة وذلك على شرط أن تجعل في مكان خاص بها من دار الكتب المصرية وهي غيرة على العلم لا تستكثر ممن خدمه طوال حياته. مسألة قلة النفوس وضعت مجلة الاقتصاديين مقالة قالت فيها أنه يكاد لا يعرف كبير أمر عن مسألة النفوس لأن الأمم القديمة قد دثرت كلها تقريباً ونوشك أن لا نعرف إلا أموراً طفيفة عن حالة الآشوريين كما نحن كذلك في تصور اليونان والرومان فإن الرجال الممتازين قواداً كانوا أو فلاسفة ممن اشتهروا قديماً لم يتركوا عقباً فلا يمكن أن يقال أنهم هلكوا في حروب أهلية أو خارجية وأن قد خلفتهم شعوب أخرى مثل البورغونيين والفانداليين والغوتيين الذين نشئوا من جرمانيا والهونسيين والمجريين الذين جاؤوا من آسيا فالماضي يمثل لأعيننا تعاقب الأمم التي تناقلت حسنات المدنية خلفاً عن سلف. ومسألة قلة النفوس اليوم ينظر فيها في كل مكان ولاسيما في فرنسا فالشعب الفرنسوي اليوم ٣٩ مليوناً ويجب أن يزيد كل سنة مليون نسمة ولذلك رأى أحدهم أن يعطي كل أب وأم فرنسويتين ما شاءا من الوظائف لأن لهم ميلاً خاصاً إليها على شرطك أن يكون لهما ثلاثة أولاد أحياء أو أكثر بدون النظر إلى كفاءتهما وأن تخصص الحكومة مكافأة مالية قدرها خمسمائة فرنك تدفع دفعتين إذا ولد للأبوين الولد الثالث وهو حي وبذلك تنفق الحكومة في السنة من ١٥٠ إلى ١٧٥ مليون فرنك. فردت المجلة على هذا الفكر وقالت أن الأولاد والعجزة الذين يولدون على تلك الصفة مدة عشر سنين يزيد عددهم ملايين وهم لا يعملون عملاً ويفتقر السكان من جباية هذه الضريبة منهم أي مبلغ ١٧٥ مليوناً كل سنة الذي يقضي عليه أداؤه وما قط كانت زيادة الضرائب مغنية لأمة ومن ذلك ينشأ فقر متتابع لأن مائتي مليون فرنك لا تكفي للقيام بتعليم العلم العالي الذي يستلزمه إعداد رجال للصناعات الحرة مثل الطب والمحاماة والهندسة وغيرها وسلك الوظائف أيضاً وربما كان في المستقبل معوض عن هذا العمل ولكن الحال في فرنسا ليست كأميركا وروسيا لأن باطن أرضها قليل الخصب ولا يرجى رواج التجارة أكثر من الآن فالنفوس فيها محدودون وكل دواء يقترح للشفاء من قلتها لا يزيد الحال إلا إعضالاً. فهذه الضريبة لا تأثير لها في الأغنياء والحكومة الآن هي السبب في تقليل السكان فخير لها فيما نرى أن تسهل التعليم العالي فلا تحتم على طالب الطب والمحاماة تعلم اللاتينية بل اليونانية ومجموعة العلوم في حين يكفيهما معرفة علومهما معرفة عملية ويحذف حباً بالاقتصاد من خطة الدروس درس بقية العلوم لأمثال هؤلاء وبذلك يتوفر مبالغ من المال تصرف على تعلميهم إياها. قال وأنجع الأسباب في ذلك تقليل الضرائب على وجه عام فبتقليلها تزيد النفوس إلى الحد المطلوب الذي تسمح به حالة البلاد ونشاط أهلها. دار الترجمة صدر الأمر الخديوي بإعادة ديوان الترجمة في مصر. كما كان في أيام الخديويين السالفين وسيعرب هذا الديوان كل ما تحتاج إليه اللغة العربية من أنواع العلوم الفنون المستحدثة. التربية اليابانية  تقضي الحكومة اليابانية على الوالدين أن يرسلوا أبناءهم إلى المدرسة ست سنوات يخصص منها ساعتان في اليوم لدرس الآداب. ولناظر المعارف أن ينتخب الكتب المدرسية. وأهم الموضوعات في مدارسهم واجب الحب الوالدي واحترام السلف والإخلاص للإمبراطور والإمبراطورة والصفح والاحتشام وعرفان الجميل والاقتصاد والرقة نحو الشيوخ والخدم والمجاملة والواجبات نحو الجار والخير العام واحترام الآلهة والوطنية واستعمال الوقت والشجاعة. وقد أضافوا في السنين الأخيرة دروساً عديدة في واجبات الوطني الاجتماعية وواجبات الجندي وانتخاب النواب للبرلمان والبلدية واحترام الشرائع وأفضلية الرجل وواجبات الرجل والمرأة وهلم جرا. اكتشاف نافع اكتشف الدكتور أهرليخ الروسي تركيباً كيماوياً من الزرنيخ فدلت التجارب على نجاح هذا الدواء في معالجة الحمى الملارية والحمى المتقطعة ومرض النوام. ويعتقد بعض الأطباء أنه بات في حيز الإمكان الآن التغلب على مرض النوام المتفشي في بلاد الكونغو وغيرها من البلاد الأميركية. وفي رواية أخرى أن هذا التركيب يشفي من المرض الزهري. ميكروب الخصب أعلن الدكتور رسل والدكتور هتشنصن في المجمع الطبي البريطاني اكتشاف ميكروب يقتل البكتيريا اللازمة لخصب الأرض وهو أعظم اكتشاف زراعي منذ ٥٠ سنة وكانا قد اكتشفا علاجاً بالحرارة أو مضادات الفساد يقتل جراثيم كثيرة من التي تأكل البكتيريا المفيدة للأرض فتزيد بذلك خصب التربة وقد كان في أثناء أبحاثهما في هذا الموضوع أن اكتشف الميكروب المتقدم ذكره.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_51.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.51.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
