<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.50.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.50.TEIP5:</urn>
<passage>جرائد الولايات العربية كل شيءٍ أخذ بالنشوء والنمو في هذه الديار إلا جرائد الولايات العربية الرسمية فإنها كلما طال عليها الزمن تنحط مكانتها لأنها كانت ولا تزال تقدس أعمال الولاة وتزكيهم إلا قليلاً وجرائدٌ هذا حالها كيف يرضيك خبرها ومخبرها. للحكومة العثمانية اثنتا عشرة ولاية أو لواء عربية تصدر فيها ١١ جريدة رسمية أسوة سائر الولايات في آسيا الصغرى والروم إيلي وهي طرابلس الغرب، بيروت جبل لبنان، القدس، سورية، حلب، الموصل، بغداد، البصرة، الحجاز، اليمن تصدر مرة في الأسبوع لتقريظ أعمال الولاة والمتصرفين ونشر بعض أوامر الحكومة باللغتين العربية والتركية لأن الأولى لغة البلاد والثانية لغة الحكومة والعربية منقولة عن التركية بالحرف ولكنه قل لا تقدر أن تقول عنه عربياً ولا مولداً وأحر به أن يكون لغة خاصة يكاد لا يفهمها إلا قلائل ممن ألفوها أو ممن يعرفون التركية فإذا عشر عليهم فهم عبارة قلبوا الوجه التركي من الجريدة فقرأوا الأصل لينحل معهم الإشكال. إن هذه الدركة من الانحطاط بلغت لغة الجرائد بفسادها ولو كانت منتشرة بين طبقات القوم انتشار سائر الجرائد العربية لأفسدت من ملكة الأدب العربي فساداً لا يشبهه فساد ولكن من حسن الطالع أن قراءها محصورون أو يكادون يعدون على الأصابع وأقدمها أنشئ منذ خمس وأربعين سنة وأحدثها منذ سنتين واثنتان منها وهي الزوراء جريدة بغداد والموصل تصدران بالتركية الصرفة كأن الحكومة اعتبرت الجزيرة والعراق من الأقاليم التركية أو أنها أرادت أن توفر على اللغة العربية بعض الألفاظ والتراكيب الرديئة تصدر عن أعظم العواصم العربية القديمة أو أنها لم تجد في دار السلام والموصل الحدباء من يعرب لها جريدتها الرسمية. وجريدة لبنان تصدر بالعربية فقط وهي أحسن الجرائد الرسمية عبارة. ولذا فإن كلامنا اليوم مقصور على تسع جرائد لتسع ولايات كبرى كل منها حرية بأن تدعى مملكة لا ولاية لاتساع بقاعها وكثرة نفوسها وقديم مجدها ونكتفي بإيراد جملة من جرادها الرسمية ننقلها نموذجاً على انحطاط أسلوبها وتراكيبها نلتقطها من صفحة واحدة من كل واحدة ولا نشير إلى الجريدة حرصاً على كرامة القائمين بها وإن كان معظمهم لا يعرفون من العربية جملة ولا من قواعدها قاعدة وهم عامة يكتبون وينشرون بدون مبالاة بما يفسدون به لغة العامة والخاصة وإن كانت تتفاوت تلك الجرائد في عباراتها. فما ورد في إحداها قولها: صورة التحريرات الواردة بالشرف وهي تعريب عن الأصل التركي بالحرف ولفظ التحريرات لم يسبق في الفصيح استعماله كما لم يسبق للعرب استعمال خطاب بمعنى كتاب المستعملة بين المصريين ويجمعونها على خطابات قال في التاج وتحرير الكتاب وغيره تقويمه وتخليصه بإقامة حروفه وتحسينه بإصلاح سقطه وتحرير الحساب إثباته مستوياً لا غلث فه ولا سقط ولا محو فالتحرير يجمع على تحارير وليس هو مقابل لفظ رسالة وألوكة أو كتاب. أما تركيب الواردة بالشرف فمن أسمج التركيب. وقال: إن التشتت والافتراق هما يسببان ويحدثان الغوائل والمشكلات الداخلية ويؤديان إلى انقراض الهيئة المعظمة واضمحلالها كما تشهد بها مثالها التاريخية ولا يحصل لها السلامة والسعادة والترقي والتعالي إلا باتحاد قلوبهم واتجاههم جميعاً نحو غاية واحدة فنظراً لهذه الحقائق رئت نواب الملة تشكيل الجمعيات المبنية على أساس القومية والجنسية والمعنونة بها ملة بالوحدة العثمانية ففي هذه الجملة من الركاكة والألفاظ المبذولة الزائدة الدخيلة ما تراه. فأي داعٍ أولاً لتكرار لفظي التشتت والافتراق والغوائل والمشكلات وفعلي يسببان ويحدثان وانقراض واضمحلال وكلها بمعنى واحد يستغنى بأحدهما عن الأخرى ثم إلى أين يرجع ضمير أمثالها وكذلك كيف يرجع ضمير اتجاههم جميعاً. وتركيب يحصل لها السلامة والسعادة والترقي والتعالي من التراكيب السقيمة ولا معنى للتعالي هنا ولو قال لتمم لهم السعادة الخ لكان أسلم ومن القبيح استعمال فنظراً لهذه وأقبح منه رئت نواب المملة تشكيل فإن في هذا التركيب ثلاث غلطات فقط الأولى في الرسم فكان الوجه أن يقال رأى ولفظ الملة لا تستعمل بمعنى الأمة في العربية وهو من استعمال الترك فالملة الشريعة أو الدين كملة الإسلام والنصرانية واليهودية قال في التاج: وقيل هي معظم الدين وجملة ما يجيء به الرسل وقال الراغب: الملة اسم لما شرعه الله تعالى لعباده على لسان أنبيائه ليتوصلوا به إلى جواره وقال أيبو إسحق: الملة في اللغة السنة والطريقة. وكذلك يقال في تشكيل فليس في العربية التشكيل بمعنى التأسيس أو الإنشاء فتشكل في الأمر عندهم تصور وشكله تشكيلاً وصوره. وما أبشع تركيب الجمعيات المبنية على أساس القومية والجنسية والمعنونة بها فتجد الألفاظ العربية في الظاهر ولكنها مبدوءة في تركيبها. وقال: فيجب أن تبلغون الذين يقتضي لهم التبليغ بالصورة الحسنة والمناسبة وتبينون لهم أن ليس في هذه المادة غرض سوى المحافظة على الوحدة العثمانية المتكفلة بالسلامة والسعادة العمومية وأن تجري التدريسات الابتدائية بالألسن القومية وتساعد على الجمعيات الخيرية والعلمية وأن لا يتلقى أحد الممنوعية المذكورة في شكل العرض إلى الأقوام فالغلط النحوي في هذه الجملة وهو ما نسامح به لأنه بسيط لا يفسد اللغة بقدر ما تفسدها تلك الألفاظ المعسلطة والتراكيب الشائنة المغلطة مثل تبلغون الذين يقتضي لهم التبليغ بالصورة الحسنة والمناسبة ولو قال: تبلغون من يجب على ما يجب. لكان أخصر واسلم. ولو قال الكفيلة بالسلامة العامة والسعادة الشاملة لأجاد ولفظ التدريس لا يجمع على تدريسات ومن الألفاظ ما يستحب مفرده أكثر من جمعه ومنها ما يعذب جمعه أكثر من مفرده ولعل جميع تدريسات جمعت على مثال تحريرات وكم أدخلت التركية إلى العربية من هذه الجموع والألفاظ التي تجدها عربية الأصل ولكن أتى عليها شيء من العجمة ومنها ما نقل منه اللفظ عن أصله مثل التشكيل. ومن سخيف اللفظ الممنوعية فإن المنع عربي في الأصل ولكن هذه الصيغة لم تعهد للعرب ولا لمن بعدهم وإنما جاءتنا في القرون المتأخرة ومثلها الممنونية ولا يقال أنا ممنون منك فالممنون المتطوع بل ممتن لك كما لا يقال المحظوظية والمسرورية والأمنية بمعنى الأمن والمقطوعية والمعلومية والمأذونية والمفهومية والانتقالية والفراغية وكل هذه الصيغ لا تجوز في لغة العرب دخلت عليها من التركية فاللحن كما قال عبد اللطيف البغدادي يتولد في الأمم والنواحي بحسب العادات والسير. ومادام في العربية متسع عن هذه الألفاظ فالأحسن نبذها وكذلك يقال في التنسيقات والمأموريات فقد خطأوا من قال من المتكلمين هذه المحسوسات وقالوا صوابها المحسات لأنه يقالا أحسست الشيء بمعنى أدركته فأما المحسوس فهو المقتول من حسه إذا قتله ولو راجع من يمسكون القلم العربي ليكتبوا به الجرائد في معاجم اللغة مثل هذه الألفاظ ونظروا في أصولها لردوا أكثرها إلى الصحة من تلقاء أنفسهم. وتقول: ينبغي إجراء التعقيبات المتمادية بوساطة مأمورين البلدية تحت نظارة الأطباء في المواقع المحررة آنفاً وتجري الفيران الميتة وألقاهن في الماء المغلي وإمساكهن بمللقاط الحديد الطويل وتبليلهن بدهن الكاز وإحراقهن بالنار. . . يجب إجراء الوصايا والتوضيحات الكافية للأهالي لإتلاف الفيران اللواتي لم تصبهن المرض بعد لا يمرضن ويكن واسطة لانتشار المرض ويجب أيضاً على الدوائر البلدية إعطاء أجورات مناسبة لكل فأرة التي يصطادونها الأهالي بالفخ قصداً لتقليلهن في البلد. هذه الجملة وحدها كانت تكفي للدلالة على ما في هذه الجريدة من منافيات البيان والقواعد المألوفة لصغار الطلبة دع عنك كبارهم. فمن الأغلاط اللغوية التي فيها التعقيبات والتوضيحات والأجورات ووقوعات ومن الغلاط النحوية مأمورين البلدية والصواب مأموري البلدية ولكل فارة يصطادونها الأهالي بالفخ وهذه اللغة يسمونها لغة البراغيث من قولهم أكلتني البراغيث وأولى أن تسمى لغة الفيران للتناسب ومثله تنزيل الفيران منزلة العاقل فقال إلقائهن والصواب إلقاؤها ونبليلهن بدهن الكاز وإحراقهن الفيران اللواتي لم تصبهن المرض بعد لئلا تمرض فنكون. . . قصد تقليلها و لا لا هذه من أغلاط الرسم وصوابها بها لئلا كما يفهم من سياق العبارة ومن مراجعة الأصل التركي وكذلك مللقاط والأحسن ملقط ولم تكتف هذه الجريدة باستعمال الألفاظ التركية المهزعة بل هي تدخل إلى العربية ألفاظاً إفرنجية لها في اللغة ما يقابلها مثل لفظة كادرو التي شاعت في العهد الأخير في هذه البلاد يراد بها الموظفون غير العاملين فيقولون أخرج فيها خارج الكادرو أو القادرو وهي لفظة فرنسوية والأولى أن يقال اخرج من الخدمة أو اسقط أو ماثل ذلك. و محلول السوبليمه ولو قال محلول السليماني لأفهم وما أعجم و الباراقات ولو استعاض عنها بالأكواخ لأصاب شاكلة الصواب ولفظ سوبليمة و باراك من الألفاظ الفرنسوية أيضاً وعندنا ما يقابلهما من اللسان العربي. وجاء في جريدة أخرى لقطر آخر. المتعين لمتصرفية. . والصواب المعين. وندعو لمعاليه بالموفقية وهي جملة لم تشتم رائحة العربية ولو قالها عربي لأوردها هكذا ندعو له بالتوفيق فالموفقية من الألفاظ العربية المتتركة والأولى حذف الألف من ندعو كما تحذف موزعو الجرائد ومأمورو الإدارة. وقال: بحمد الله وعنايته التي لانهاية لها من منذ يومين ثلاث قد تنزلت الأمطار النافعة في. . وجوارها وأخذت الزراع صيب المواضع. وفي أثناء نزول المطر في يوم الأحد قد أصابت الصاعقة المطبخ الواقع في الجهة الشمالية من خستة خانة المركز العسكري وبحمد الله لم يكن تلفات في النفوس ولا ضايعات سوى احتراق يسير في أرجل محمد علي من الخدمة بدون تأثيرهذه القطعة التي افتتحها الكاتب واختتمها بحمد الله نقول فيها ألف سبحان الله لما فيها من الركاكة والإفساد للغة قريش. وما أظن رجلاً من عرض الناس يكون له بعض مطالعة قليلة يكتب عبارة أحط من هذه ودليلنا من منذ يومين ثلاث و لم تكن تلفات في النفوس ولا ضايعات سوى احتراق يسير في أرجل محمد علي من الخدمة بدون تأثير وغير ذلك من الغلط الفظ الفظيع. أما تلفات وضايعات فتتصرف على وزن موفقيات و تنسيقات و تعقيبات ألفاظ أصلها عربي ولكن تركيبها أعجمي. ولم نفهم أخذت الزراع صيب المواضع إلا عندما قابلناها للوجه التركي فرأينا فيه ما تعريبه: فأخذ الزراع يحرثون حقولهم ويسرعون إلى بذرها كما إنا لم نفهم نسبة الأرجل إلى محمد علي وهل هذا الخادم له أكثر من رجلين كما نرى الآدميين أم له عدة أرجل ولعل هذا يقاس على مر بك آنفا من تنزيل غير العاقل منزلة العاقل في جملة الفيران. ومن أبشع التعابير تعبير بدون تأثير في آخر العبارة أما لفظ خستة غانة فلها في العربية ما يقابلها مثل دار المرضى أو مستشفى وكذلك جميع الألفاظ التي تختم بخانة فالواجب على العربي أن لا يخون لغته بل يردها إلى أصلها فلا يقول دفتر خانة ولا تيمار خانة ولا طوبخانة ولا موز خانة ولا بارود خانة ولا قره قولخانة بل يقول دار السجلات ودار المعتوهين ودار المدافع والمتحف أو دار المتحف ودار البارود ودار الخفر أو المخفرة الخ. ومن ركاكات هذه الصحيفة لأجل تقوية الانضباط بداخل المملكة روي لزوم إنشاء واحد قره غول في مواقع. . . . . مخصوص لإقامة قوميسر البوليس. وقد تبرع. . . بخدمة مفتخرة بإعطاء عرصة منهما يكون إنشاء القره غول. . المصارف الإنشائية المقتضية للقره غول المذكور تعهد بتأديتها إعانة من طرف. . مأمور التوتون الرزي. . فإبراز الحمية من المومي إليهم بهذه الصورة أوجبت التقدير والممنونية. وكان الأجدر أن يقال لتوطيد أمور الضبط في البلاد دعت الحاجة إلى إقامة مخفرة. . ليقيم فيها مفوض الشرطة خاصة فتبرع فلان بإعطاء عرصة تبنى فيها المخفرة على نفسه أداء النفقات لبنائها. . . فلان وفلان مأمور حصر الدخان. . . . وحمية الموما إليهم حرية بالشكر موجبة للأجر وهنا ننبه إلى رسم المومى إليهم الواردة في العبارة الأولى فالأولى رسمها بالألف لأنها من أومأ والأتراك يرسمونها بالياء وكثير من كتاب الصحف يتابعونهم على رسمها غلطاً. وجاء في هذا العدد التقسيط المعطا من طرف. . . وكان الأولى أن تجعل ألف المعطى بدل ياء المومى إليهم. وجاء فيها: تفضل بالأشعار من جانب قوماندان القواي العمومية أن مجموع الإعانة للبوابير العثمانية في المعسكر الهمايوني بلغت كما هو محرر أعلاه تسعة وخمسين ألفاً وسبعمائة وثمانية وثلاثين قرش وعشرة بارات وقد أرسلت رأساً إلى دار السعادة فإبراز حمية المتبرعين الجدية جديرة بالمحمدة والشكران في هذه الجملة أربع ألفاظ أعجمية كان يتأتى الاستعاضة عنها بألفاظ عربية مثل قوماندان قائد وقواي القوة و البوابير السفن و الهمايوني السلطاني. ولو قال كتب قائد القوة العامة أن قد بلغت الإعانة للسفن العثمانية في المعسكر السلطاني. . . لأحسن ولفظ قرش تنصب على التمييز ولم نفهم معنى حمية المتبرعين الجدية ولا الشكران. وفي هذه الصفحة من الصحيفة أغلاط شائنة أخرى أكثرها مما يعرفها أحداث المدارس مثل: إن طالبين المأمورية تؤخذ منهم ورقة ترجمة الحال ابتداءً ليعلم منشأهم وهويتهم والغير تابعين لهذا الأصول لا يكون إسعافهم لمسئولهم وتعريب هذه الجملة هكذا: تؤخذ من طالبي التوظيف تراجمهم بادئ بدءٍ ليعرف منشأهم وأحوالهم ولا يجاب سؤال من لا يجرون على هذه الأصول ولفظ هوية تكثر في الكلام المولد مثل كمية وكيفية. وجاء أيضاً ما نصه وفصه: فالمأمور الذي يمنع ويصر على عدم إعطاء ترجمة الحال بلا مانع فيلحظ أنه لمقصد ستر وإخفاء بعض خصوصات عائدة لسيئات سو ابق أحواله فالمأمورين المختارين السكوت مقابل إغماض العين بهذا الباب يرى أنهم غير موافقين للمصلحة وتعريب هذه الجملة كما يأتي: علم أن لم يمتنع من الموظفين عن إعطاء ترجمة بلا موجب مقصداً يريد ستره لسوء حاله والسكوت عن أهل هذه الطبقة يعد من الإهمال ولا يوافق المصلحة بحال ومثله ففي هذه الحال واختياره لا يكون تجويز هذا المقصد والطالبين المأمورين بداية إذا ما أعطوا ورقة ترجمة الحال لا يكون قبولهم في خدمة الدولة قياساً للأصول ولأجله لزم التبيلغ تعميماً. . . ولا يجوز قطعياً لمأمورين الحكومة. . . وعلى فرض يحصل خلاف هذا الأساس من المستخدمين في خدمة الحكومة فطبيعياً تجري بحقهم المعاملة اللازمة وبناءً عليه يقتضي تلك التنبيهات جمل كلها من السخافات والركاكات بمكان لا يصل إليه كاتب إلا بخذلان من الله. وجاء في جريدة لقطر آخر: بناءً على شدة احتياج أهالي الولاية وضرورتهم كما علم من قرار تصفية البقايا وكان تدقيق ذلك وبتطبيق تعليمات مضبطة البقايا إلى نهاية سنة ١٣٢٠ في درجة الوجوب فقد تقرر استحصال الأمر بالتلغراف وإجراؤه وتعريب هذه الجملة كما يأتي: علم من قرار تصفية بقايا الموال أن أهالي الولاية في حاجة ماسة إلى ان تطبق عليهم لائحة البقايا إلى نهاية سنة ١٣٢٠ ولذا تقرر استصدار الأمر بلسان البرق وجرى العمل به. وفي هذه الصفحة من الصحيفة ألفاظ أعجمية عمت بها البلوى في اللغة القرشية مثل: أرسلت الولاية بمحررة أي في كتاب أو رسالة. واستحصال أمر وتسريع إجرائه أو مكانته ولفظة أهمية مثل موافقية ومعمورية أصلها عربي وتركيبها أعجمي وكذلك لتأمين وإدامة نعمة الأمنية والراحة إلى منتهى حدودها أي لتوطيد دعائم الأمن والراحة للغاية. ومثله نسب قوميسيون التنسيق إعطاء معاش المعزولية إلى. . . أي رأت لجنة الإصلاح منح راتب عزل إلى. . ولفظ معاش غير وارد في هذا المعنى والأولى أن يقال راتب أو مشاهرة وكذلك نسب رأى مناسباً وقوميسيون لجنة والمعزولية مثل الممنونية والأمنية والأهمية تقاس عليها ولكن لا تقس عليها بالله عليك ومثلها تبليغات وتعليمات وإيضاحات. وفي هذه الجملة تراكيب رديئة مثل: باش كاتب الأعشار وبلغت لهم الكيفية بتذاكر مخصوصة. . . المخبر عنه يكون مظنوناً بغشهار السلاح. . . أن ينظموا محاسباتهم العائدة لزمان إدارتهم بمجرد ما ينفكون عن مركز وظائفهم. . . وبذلك ظهرت أنه نزلت علامة الخصب والبركة في السنة الآتية. . . يقرر حق المفتين ببعض أحول مخصوصة مستثناة. . . والخطب يسير في إرجاع هذه الجمل إلى العربية فيقال: رئيس كتاب الأعشار وأبلغوا ذلك في رسائل خاصة. . . المتهم بأنه شهر السلاح. . . يضعون محاسباتهم أيام إداراتهم عندما يغادرون وظائفهم. . الخ. وتقرأ صورة من صور الركاكة في صفحة واحدة أيضاً من تلك الجرائد التي تصدر في قطر آخر أيضاً فمنها: يلزم إيفاء التعقيبات القانونية بحق من. . . لكل الملحقات والمراجع الإيجابية. . . أسماء الذواة الذينهم عينوا. . حيث كانت أرض أنموذج الزراعة بعيدة عن البلد وواقعة في محل لا يمر فيه أحد ولم يستفاد من هذا الأنموذج شيء حال كون نفق عليه الأموال الكثيرة وبذلت في إصلاحه المساعي الوفيرة فاستئذن كل من مجلس الولاية العام ومجلس الإدارة من نظارة الأحراش والمعادن والزراعة بأن يجعل الميدان والبستان الذي في جواره جفتلك الأنموذج. . . وعرف عن أهمية المسئلة أيضاً وحين اقترن ذلك بالتصديق العالي يجري الإيجاب اللازم. وصوابه: اسماء الأعيان الذي عينوا. . . لعامة العمالات والمراجع. . . لما كانت أرض الحقل النموذجي. . . لم ننتفع منه في حين أنفقت عليه الأموال الطائلة استأذن مجلس الولاية العام ومجلس الإدارة نظارة الحراج بأن يجعل مزرعة أنموذجية. . . عرف بمكانة المسالة حتى إذا صدق عليه يعمل بموجبه. وفي هذه الصحيفة من الألفاظ الأعجمية كل ما تنقبض منه النفس العربية مثل المشروطية والشائعة ووالمضبطة الاسترحامية وحيثية ملة النجيبية العثمانية واسترحامات وتفوهات لسانية الخ ويمكن أن يقال عنها الحكومة النيابية أو الدستورية والإشاعة ومضبطة الاسترحام وشرف الأمة العثمانية الكريمة. واسترحام وتفوه. ونرى أن هذه الجريدة كلما أرادت أم تتفاصح تسقط مثل قولها: ما تقرره وما افتكر بتاتاً تبديل وإلينا المحترم وأعهد بأن هكذا إشعارات لا تنقص بعزم وحزم حضرة المشار إليه الذي يتعلق بإصلاح المملكة. . المرتبة العليا والمكان المسمى. . . تترنم بالأنغام المحزنة التي تفعله بالأرواح ما لا تفعله السراح تريد أن تقول لم يتقرر ولم يفكر بتاتاً وهو العامل على إصلاح البلاد. . . المرتبة العليا والمكان السامي أو الأسمى. ولم أفهم ما يراد بالسراح هنا. وكذلك نحن متحمسين بحياة حب الوطن أي شعورنا وطني أو ما شاكل ذلك ولف حسيات يرسمونها بالتاء المفتوحة مثل ثقات لا ثقاة ولكن ليست من العربي في شيء. وإليك أنموذجات أخرى من جريدة قطر عظيم آخر: غير خاف على أن جميع المأمورين والمستخدمين هم مكلفون بإعطاء أوراق تراجم أحوالهم وكان الذين لم يقدمون أوراق لا يتعينون في المأموريات ابتداء وذلك من الأصول المتخذة فمن الضروري أن الذين يتعينون في خدمة يجب أن يعطوا ورقة ترجمة حالهم في اقل مدة وألا يتسببوا إلى الاحتياج بتبليغهم فيكون معلوماً لدى العموم أنه إذا وقع خلاف ذلك لا تجري معاملتهم وتكون الإشارة على أسمائهم في دفاتر القيود طبقاً للإشعار الواقع من نظارة الداخلية هذه المرة فلتجري التبليغات اللازمة إلى مأموري ومستخدمي النافعة بالمثابرة على مقتضاه وجاء فيها: لحيث أنه من اللزوم أن أوراق الإخبارات. . . مستندة إلى قناعة كاملة من أصحابها وأن يصرح في الإمضاآت. . . أخبرنا بذلك العموم فيقتضي إعلانه بطرفكم. . . رياسة شوراء الدولة وتعليمات البول. . . المعاونية الأولى. . . باطن مظروفات مبطنة تعمل له خاصة لأجل إرساله بتمام المحافظة عن الضياع. . . حاصلات البول تفيد في خاناتها المخصوصة بالدفاتر المحلية. . . صندوق تسهيلات. . . من عموم مأموري البلدية. . . تلقى المسئولية على الآمر والصارف. . . يقيد مصروفاً بأنواعه ومقاديره بجهة المدفوعات في دفتر عينيات البول الخ. وهنا نترك تصحيح هذه العبارة مكتفين بإيرادها بنصوصها لئلا يطول البحث. وعندنا أن هذه الجرائد إذا دامت على هذا المنوال توجد في اللغة العربية لهجة جديدة لا يفهمها إلا طبقة مخصوصة ويكون الاختلاف بينها وبين الفصحى أكثر مما بين الإسبانيولية والبرتقالية وهناك بعض صحف رسمية هي أقرب إلى الصواب في منشوراتها وإن كانت لا تسلم مما تقع فيه الجرائد الركيكة العبا رة مثل قول إحداها: باشمديرية الرسومات وصل إلى مياه ثغرنا طريق شوسة للتحري على المزيفين استلفت الأنظار القشلة الهمايونية دفتر الاغتراب مستملكات الروس رفع راية العصيان ضد طمعاً بنوال مقاصدهم الأمر الهام يحكم وهلة الرفاه والراحة بناءً عليه وتوفيقاً لأحكام والأحرى أن يقال: رئاسة مديرية الجمرك. بلغ ثغرنا. . طريق مركبات أو معبدة. للبحث عن المزيفين. لفت الأنظار أو وجه الأنظار. الثكنة السلطانية. سجل الغرباء. مستعمرات الروس. رفع راية العصيان على. طمعاً بنيل مقاصدهم. الأمر المهم أو الجلل. يحكم لأول وهلة. الرفاهية أو الرفاهة والراحة. عملاً بأحكام. أما تركيب بناء عليه وعليه وحيث أن فهي مولدة لا يعرفها العرب والأولى أن يستعاض عنها بتراكيب أخرى عربية. تعليم النساءوترجمة علية بنت المهدي العباسي تمهيد كان الخلفاء والأمراء وخاصة الناس في صدر الإسلام حتى القرن الخامس للهجرة من أحرص الناس على تذيب بناتهم وجواريهم وأمهات أولادهم ينفقون الأموال ويجهدون النفوس السنين الطوال في تثقيف عقولهن وتقويم فطرتهن بالترويض والتخريج والتدريس والتحصيل على أيدي ثقات أهل العلم وأئمة النحاة والرواة وأشهر الحفظة والمجودين فما منهن بعد أن يتمرسن على العفاف وحب الفضيلة من لا تحفظ القرآن العزيز وطرفاً من أحكام الفقه والحديث ونتفاً من علمي الأنساب والتاريخ فضلاً عن آداب اللغة وآثار السلف من شعراء ومحدثين وغزاة وخطباء وكتبة وأمراء فكان صدر كل فتاة من فتياتهم كنزاً من أسمى الكنوز يصيب منه سميرها ما شاء من أدب وحكمة ونكتة وفكاهة فينجذب لها فؤاده وتنزع إليها عواطفه وتحل من نفسه محل الحرمة والتجلة والإعظام بمقدار ما يتوسمه فيها من مخايل الدراية والتعقل وآثار النجابة والاختبار. وما في ذلك من عجب بل العجب من النقيض وهيهات أن يخفى على أمثال المنصور والمهدي والرشيد والمأمون أن الحسن المادي مهما كان بارعاً رائعاً باهراً فتاناً إذا لم يقترن بالحسن المعنوي ويشفع بالظرف الأدبي كانت صاحبته كالتمثال المنحوت والصورة المنقوشة بل اقل قيمة وأبعد جاذبية منعهما لأن التمثال والصورة معدودان من الجمادات فلا يتوقع منهما الإنسان رشاقة الحركة ولطف الإشارة وخفة الروح وحلاوة المعنى وسعة الدراية وحسن الرواية ولذلك يستحسنان ويروقان بأعين الناظرين بمقدار ما أودع فيهما من دقة الصناعة وتناسب الرسم وحسن التكوين وتشاكل الألوان بمعزل عن تلك المزايا. أما الفتاة ذات الجسم المتحرك والنفس الحية واللسان الناطق والخلق السوي العتيدة أن تكون زوجاً مؤانسة وأما مربية فتأباها النفس ويعافها الذوق وينصرف عنها القلب وإن كانت جميلة وسيمة ما دامت جامدة كالصنم بكماء كالعجماء لا تفقه من أحوال الدنيا وأسرار الحياة وحقائق الكون وماهية ما يراد منها ومفروض عليها من سنن وواجب إلا ما كان مداره المطعم والمشرب وقوامه الملبس والمركب ومرجعه اللهو والقصف ونتيجته الحب والبعال فإذا عرض لها أمر يستوجب الإنباء — وهو مما يحدث كل يوم — قصرت في الأداء وتلكأت في الكلام وسعلت وتنحنحت وتسامجت ما شاءت ولم تقو على الإفهام وإن سئلت عن شيء أجابت بلا أدري أو هذرت بجواب لم يكن من لحمة السؤال ولا من سداه. فمن كانت على هذا الطرز — وما عدد أمثالها عندنا بقليل — أحر بها أن تكون عند أذكياء الرجال وأرباب الذوق والفضل ساقطة المنزلة ساقطة القدر رخيصة القيمة تفضلها الشخوص وتمتاز عنها الصور لأن هذه تمتع الأعين بجمالها ولا تضر النفوس أما تلك فإنها تورث الكراهة وتمني بالضجر وتبلي المنازل خاصة والمجتمع القومي عامة بأدواء من الهموم والموبقات تذهب بالأمم إلى أقصى الدركات. أجل وليس من ينكر أنك لتراها بادئ الأمر فتستحسنها لنقاء بشرتها وسواد حدقتها واعتدال قوامها وغضاضة جسدها وبضاضته وجدله والتفافه ثم تسمع كلامها الدال على جهلها وغباوتها المؤذن بقصر إدراكها وسذاجة قلبها وظلام ذاكرتها فتزدريها وتستهجنها وينبذها قلبك نبذ النواة ويطرحها ذكرك طرح القذاة لأنها لا تصلح للمؤانسة وترويح الهموم ولا ترجى للاستشارة وتسديد الرأي ولا تنفع للأمومة بأتم معانيها وللتربية وتدبير المنازل بكل ما يراد من هذين الواجبين بحكم العقل والصواب ومن كان هذا شأنها كانت سخطاً على النوع الإنساني ونيراً ثقيلاً على عاتق الوجود وكل أمة تقلص ظل مجدها ونضب معين رخائها ونزفت مواد قواها وتقطعت أسباب منعتها وعزتها وهنائها إنما نساؤها على تلك الشاكلة ولقد صدق من قال إن التي تهز السرير بيمينها تهز العالم بيسراها. فيا حبذا لو اقتدى كبراؤنا وأعظامنا بمن درجوا قبلهم من أساطين الأمة وسراة أعلامها وصرفوا العناية إلى تعليم أولئك اللواتي لا يسمين بحق أوانس إلا إذا كن بالفعل نزهة المجالس ولا يقال لهن عقائل ما لم يكن بالحقيقة أرباب علم وأدب وتهذيب وفضائل فإن الناس على دين ملوكهم والعامة تقتدي بأعيانها فلإن أحسن هؤلاء الابتداء أحسن الاقتداء والعكس بالعكس سنة الله في الخلق منذ حلت الحضارة محل البداوة وقام التهذيب مقام الفطرة وأصبح البشر درجات ومراتب وطبقات. نقول هذا توطئة وتمهيداص لما نذكره الآن من ترجمة ابنة خليفة وأخت ثلاثة خلفاءوعمة ثلاثة وهي علية بنت المهدي التي عني قومها بتعليمها وتأديبها وتنوير عقلها وتوسيع دائرة اختبارها حتى صارت آية الفضل ونابغة الأدب ومثال العفاف وعنوان الرقة والبلاغة في قرض الشعر الصحيح الأجزاء المتينيالتراكيب الرشيق المعاني تتفنن في أساليبه وتأخذ بأطرافه أخذاً يبهر العقول ويفتن الألباب على كونها نشأة زهو وترف وغرسة صفو ونعيم. ومعلوم أن الملكة الشعرية لا تستحكم في فتاة إلى هذا الحد إلا بعد الإمعان والجد وإحياء وإحياء الليالي الطوال تبحراً في علوم العرب وإتقاناً لفنون الأدب وتعمقاً في دراسة أشعار النابغين المجيدين من فحول الجاهلية والمخضرمين والمولدين وإلا لما تهيأ لها أن تحذوا حذوهم وتنسج على منوالهم وما تلك بالوحيدة بين أترابها في ذلك العصر الزاهر وما بعده بل يوجد كثيرات مثلها حتى بين الجواري القيان فضلاً عن حرائر الآنسات الحسان. ولدت عليه حفيدة المنصور — ثاني خلفاء العباسيين — وبنت المهدي وأخت موسى الهادي وإبراهيم ابن المهدي وهارون الرشيد والعباسة وأسماء وعمة الأمين والمأمون والمعتصم وصالح من سرية أم ولد تدعى مكنونة جارية المروانية وذلك سنة ١٦٠ للهجرة وأدركتها الوفاة نحو سنة ٢١٠ وقد ناهزت الخمسين على إثر حمى أصابتها وقد قال بعض المؤرخين في سبب وفاتها أن ابن أخيها المأمون ضمها إليه طويلاً وجعل يقبل رأسها والنقاب مسدول على وجهها فغصت بريقها من شدة ما نالها من حبس أنفاسها ثم شرقت وسعلت فكان في ذلك حتفها. قال أبو إسحق القيرواني في كتابه زهر الآداب كانت عليه لطيفة المعنى رقيقة الشعر حسنة مجاري الكلام رخيمة الصوت ولها ألحان حسان أحصاها أبو الفرج الصبهاني في كتابه فإذا هي ثلاثة وسبعون وكلها حسن مختار. وقال النوفلي عنها أنها من أوضئ النساء وجهاً وأعدلهن قواماً وأظرفهن كلاماً تقول الشعر المتينيالجيد وتصوغ الألحان الحسنة وكان في جبينها أثر من شجة أو فضل سعة ينقص من محاسنها فاتخذت العصائب المكللة بالجواهر تستر ذلك العيب فكان ما أحدثته خير ما ابتدعته النساء وقد وهم من قال أن أختها العباسة المبدعة لتلك العصائب فإن ذلك لم يقله أحد من ثقاة المؤرخين. وقال إبراهيم ابن إسماعيل الكاتب كانت علية حسنة الدين لا تغني ولا تشرب إلا إذا كانت معتزلة الصلواة فإذا طهرت أقبلت على الصلاة وتلاوة الأوراد ومطالعة الكتب — إلا أن يدعوها الخليفة إلى شيء فلا تقدر على خلافه — وأطرب شيء إليها قول الشعر. وكان أحد أحفاد الفضل بن الربيع وزير الرشيد يقول ما اجتمع في الإسلام أخ وأخت أحسن غناءً من إبراهيم بن المهدي وأخته علية وكانت أخته تقدم عليه. حدث يوماً أبو أحمد بن الرشيد فقال: دخل في بعض الأيام المأمون إلى دار الحرم ودخلت معه فسمعت غناءً أذهل عقلي فلم أقدر أن أتقدم ولا أتأخر وفطن المأمون لما بي فضحك ثم قال: هذه عمتك عليه تطارح عمك إبراهيم. مالي أرى الأبصار بي جافية لم تلتفت مني إلى ناحية لا تنظر الناس إلى المبتلي وإنما الناس مع العافية وقد جفاني ظالماً سيدي فأدمعي منهلة واهية والشعر والغناء لها ومن شهرها في أخيها الرشيد وقد دعته إلى وليمة فلبى دعوتها: تفديك أختك قد حبوت بنعمةٍ لسنا نعدُّ لها الزمان عديلا إلا الخلود وذاك قربك سيدي لا زال قربك والبقاءُ طويلا وحمدت ربي في إجابة دعوتي فرأيت حمدي عند ذاك قليلاً قال الراوي ما معناه: لما زارها الرشيد قال لها غنيني يا أختي فقال وحياتك لأعملن فيك شعراً ولأصوغنَّ فيه لحناً ولأسمعنك به غناءً يطرب الثكلى ويرقص المقعد ويشجي المدنف ثم نظمت في وقتها الثلاثة أبيات التي ذكرناها وغنت بها في لحن جديد من خفيف الرمل فأطرب الرشيد كثيراً واستعادها إياه مرَّات. ولها فيه أيضاً وقد دعا أختها العباسة إلى زيارته ولم يدعها: ما لي نُسيت وقد نودي بأصحابي وكنت والذكر عندي رائحٌ غادِ أنا التي لا أطيق الدهر فرقتكم فرق لي يا أخي من طول إبعادي ولها في ابن أخيها الأمين وكانت لما مات الرشيد جزعت عليه جزعاً شديداً وتركت اللهو والغناء فلم يزل بها الأمين حتى عاودتهما وهي كارهة فقالت: أطلتِ عاذلتي لومي وتفنيدي وأنت جاهلة شوقي وتسهيدي لا تشرب الراح بين المسمعات وزر ظبياً غريراً نقي الخد والجيد قد رنحته شمول فهو منجدل يحكي بوجنته ماء العناقيد قام الأمين فأغني الناس كلهم فما فقير على حال بموجود ولها في لبانة ابنة أخيها علي بن المهدي وكانت من حسان زمانها الفاتنات: وحدثني عن مجلس كنت زينه رسولٌ أمينٌ والنساءُ شهودُ فقلت له كرّ الحديث الذي مضى وذكرك من بين الحدث أريدُ وليس في شعرها هذا بشيء بجانب غزلياتها فإن لها من المقاطيع في طل ورشا ومنها قولها في رشا وقد كنَّت عنه بزينب: وجد الفؤاد بزينباً وجداً شديداً متعباً أصبحت من كلفي بها صباً كئيباً منصبا ولقد كنت عن اسمها عمداً لكي لا تغضبا وجعلت زينب سترةً وكتمت أمراً معجباً قال وقد عزَّ الوصا ل ولم أجد لي مذهبا والله لا نلت المودَّ ة أو تنال الكوكبا فلما اشتهر أنها تكني عن رشا بزينب قال وقد صحفت زينب بلفظة ريب: القلب مشتاق إلى ريب يا ربما من هذا العيبِ قد تيمت قلبي فلم أستطع إلا البكاء يا عالم الغيب خبأت في شعري اسم الذي أرته كالخبءِ في الجيب وكانت لزبيدة زوجة الرشيد جارية اسمها طغيان وشت بها مرة إلى الرشيد فقالت علية تهجوها وفيه مع أدب الكتاب أشد أنواع الذم وهو من مبتكراتها المأثورة: لطغيان خف منذ ثلاثين حجة جديد فلا يبلى ولا يتمزقُ وكيف بلى خف الدهر وهو كلهُ على قدميها في الهواء معلقُ فما خرقت خفاً ولم تبل جورباً وأما ثياب فوقهُ فتمزقُ ولما مات رشا أو قتل شببت في طل فقالت وقد صحفت اسمه في البيت الأول تلميحاً: أيا سروة البستان طال تشوقي فهل لي إلى طل لديك سبيل متى يلتقي من ليس يهوى وخروجه وليس لمن يهوى إليه الدخولُ عسى الله أن نرتاح من كربة لنا فيلقى اغتباطاً خلة وخليلُ ولها فيه أيضاً وقد جعلت التصحيف في البيت الثالث: سلم على ذاك الغزال الأغيد الحسن الدلال سلم عليه وقل له يا غل الباب الرجال خليت جسمي ضاحياً وسكنت في طل الجمال وبلغت مني غايةً لم أدر فيها ما احتيال ثم صرحت بعه في أبيات أخر تستعطفه به وتتهمه بالصدود والإعراض وهي قولها وهو من أرق التشبيب: يا رب إني قد عرضت بهجرها فإليك أشكر إذ ذاك يا رباه مولاة سوءٍ تستهين بعبدها نعم الغلام وبئست المولاه طل ولكني حرمت نعيمه ووصاله ما لم يغثني الله يا رب إن كانت حياتي هكذا ضراً عليَّ فما أريد حياة والذي أدبها وعلمها وخرجها فنون الشعر إنما هو عمرو أبو حفص الشطرنجي وقد نشأ هذا في دار أبيها المهدي مع أولاد مواليه ثم انقطع بعد موت المهدي إلى علية هذه ولما زوجت بموسى بن عيسى العباسي خرج معها إلى دار زوجها ولما عادت إلى القصر بموت زوجها عاد معها وسمي شاعرها وهو القائل عن لسانها لما غضب عليها الرشيد: لو كان يمنع حسن العقل صاحبهُ من أن يكون لها ذنب إلى أحد كانت علية أربى الناس كلهم من أن تكافأ بسوءٍ آخر الأبدِ ما أعجب الشيء نرجوه ونحرمه قد كنت أحسب أني قد ملأت يدي فكانت أبياته هذه سبب رضى الرشيد عنها وإقباله عليها ومن أحسن الغزل وأرقه قولها: يا عاذلي قد كنت قبالك عاذلاً حتى ابتليت فصرت صباً ذاهلاً الحب أول ما يكون مجانةً فإذا تمكن صار شغلاً شاغلاً أرضى فيرضى قاتلي فتعجبوا يرضى القتيل وليس يرضى القاتلا وكان الرشيد قد استحلفها ألا تكلم طلاًّ ولا تشبب به في شعرها ولا تسميه فحلفت له ثم همَّ يوماً بالدخول إليها وإذا بها تقرأ في سورة البقرة وقد بلغت الآية فإن لم يصبها وابلٌ فأطل وأرادت أن تقول فطل فقالت فالذي نهى عنه أمير المؤمنين فضحك وقال لها ولا كل هذا. هكذا روى القيرواني أما الأصبهاني فقال أنه عندما سمع الرشيد منها ذلك وهبها الغلام بعد أن قبل رأسها وقال لها لست أمنعك بعد اليوم من شيءٍ تريدينه وعندنا أن الرواية الأولى أدنى إلى الصحة على ما عهد من غيرة الرشيد وأنفته كيف وهو الهاشمي الأبي العزوف النفس ولقد روي عن لسان علية أنها قال لا غفر الله لي فاحشة ارتكبتها قط ولا أقول في شعري إلا عبثاً وهي هي التي تقول ما حرَّم الله شيئاً إلا وقد جعل فيما حلل منه عوضاً فبأي شيءٍ يحتج عاصيه وبالجملة لو لم يكن حبها للجمال مقصوراً على القيل والقال لما أكثرت من شعرها من ذكر الهجرة والوحشة والشوق فما نظمت بيتاً في التشبيب والغزل إلا كاد ينطق بعفتها وأدبها بغير لسان ويعرب عن نزاهتها وتصونها كأفصح ترجمان لأن النار لا تنبعث عن فؤَاد أخمدته الشهوات وأطفأت جذوته اللذات وما أحلى قولها تشكو وتتألم وهو من مهلهل الشعر: نام عذالي ولم أنم واشتفى الواشون من سقمي وإذا ما قلن بي ألمٌ شك من أهواه في ألمي ولو شئنا أن نأتي على جميع أخبارها ومنظوماتها وما ذكر الرواة من بدائعها ونكاتها لضاق بنا المقام وأدرك القارئ الملال فلم نرد بداً من الاقتصار على ما أوردنا تبصرة للرجال وتذكرة لمن أغفلن العلم ولم يعتنين بالفضل من ربات الحجال خاتمين هذا الفصل ببيتين لعلية لا يخلوان من الحكمة والعبرة لمن يكثر الزيارة واللبيب تغنيه الإشارة: إني كثرت عليه في زيارته فمل الشيءُ مملولٌ إذا كثرا ورابني منه أني لا أزال ارى في طرفه قصراً عني إذا نظرا مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن تتمة ما ورد في الجزء الماضي أقوال متقدمي فلاسفة الإسلام في الجن ابن سينا والفارابي قال ابن سينا رحمه الله في كتاب الحدود: الجن حيوان هوائي ناطق مكشف الجرم من شأنه أن يتشكل بأشكال مختلفة قال وليس هذا رسمه بل هو معنى اسمه اهـ قال أبو البقاء في كلياته: أي هذا بيان لمدلول هذا اللفظ مع قطع النظر عن انطباقه على حقيقة خارجية سواء كان معدوماً في الخارج أو موجوداً ولم يعلم وجوده فيه فإن التعريف الاسمي لا يكون إلا كذلك بخلاف التعريف الحقيقي فإن عبارة عن تصور ماله حقيقة خارجية في الذهن ثم قال أبو البقاء وجمهور أرباب الملل المصدقين بالأنبياء قد اعترفوا بوجوده واعترف به جمع عظيم من قدماء الفلاسفة أيضاً. وفي رسالة للمعلم الثاني أبو نصر محمد الفارابي في جواب مسائل سئل عنها ما مثاله: سئل فيما رآه بعض العوام في معنى الجن وسأله عن ماهيته فقال: الجن حي غير ناطق غير مائت وذلك على ما توجبه القسمة التي يتبين منها حد الإنسان المعروف عند الناس أعني الحي الناطق المائت، وذلك أن الحي منه ناطق مائت وهو الإنسان ومنه ناطق غير مائت وهو الملك، ومنه غير ناطق مائت وهو البهائم، ومنه غير ناطق غير مائت وهو الجن: فقال السائل: الذي في القرآن مناقض لهذا وهو قوله استمع نفر من الجن فقالوا إنا سمعنا قرآناً عجباً والذي هو غير ناطق كيف يسمع وكيف يقول: فقال: ليس ذلك بمناقض وذلك أن السمع والقول يمكن أن يوجد للحي من حيث هو حي لأن القول والتلفظ غير التمييز الذي هو النطق، وترى كثيراً من البهائم لا قول لها وهي حية، وصوت الإنسان مع هذه المقاطع هو له طبيعي من حيث هو حي بهذا النوع كما أن صوت كل نوع من أنواع الحي لا يشبه صوت غيره من الأنواع كذلك هذا الصوت بهذه المقاطع التي للإنسان مخالف لأصوات غيره من أنواع الحيوان، أما قولنا: غير مائت فالقرآن يدل بذلك في قوله تعالى رب انظرني إلى يوم يبعثون قال إنك من المنظرين اهـ. أبو طالب المكي  قال في قوت القلوب في الفصل الثلاثين تفصيل خواطر القلوب ما مثاله بعد سرد آيات وقال تعالى يا أيها الإنسان ما غرك بربك الكريم الذي خلقك فسواك فعدلك وقال تعالى لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم وقال ومن كل شيءٍ خلقنا زوجين لعلكم تذكرون فمن السواء والتعديل والازدواج والتقويم أدوات الظاهر وأعراض الباطن وهي حواس الجسم والقلب. فأدوات الجسم هي الصفات الظاهرة. وأعراض القلب هي المعاني الباطنة قد عدلها الله تعالى بحكمته وسواها على مشيئته وقومها إتقاناً بصنعته وإحكاماً بصنعه أولها النفس والروح وهما مكانان للقاء العدو والملك وهما شخصان ملقيان للفجور والتقوى ومنها غرضان متمكنان في مكانين وهما العقل والهوى عن حكمين في مشيئة حاكم وهما التوفيق والإغواء ومنها نوران ساطعان في القلب عن تخصيص من رحمة راحم وهما العلم والإيمان فهذه أدوات القلب وحواسه ومعانيه الغائبة وآلاته والقلب في وسط هذه الأدوات كالملك وهذه جنوده تؤدي إليه أو كالمرآة المجلوة وهذه الآلة حوله تظهر فيراها ويقدح فيه فيجدها. ثم قال فإذا أردا الله تعالى إظهار الخير من خزانة الروح حركها فسطعت نوراً في القلب فأثرت فينظر الملك إلى القلب فيرى ما أحدث الله تعالى فيه فيظهر مكانه فيتمكن على مثال فعل العدو في خزانة الشر وهي النفس، والملك مجبول على حب الهداية مطبوع على حب الطاعة كما أن العدو مجبول على الغواية مطبوع على حب المعصية فيلقي الملك الإلهام وهو خطوره على القلب بقدح خواطره يأمر بتقييد ذلك ويحسنه له ويحثه عليه وهذا هو إلهام التقوى والرشد. ثم قال ذكر تقسيم الخواطر وتفصيل أسمائها، فأما تسمية جملة الخواطر فما وقع في القلب من عمل الخير فهم إلهام. وما وقع من عمل الشر فهو وسواس. وما وقع في القلب من المخاوف فهو الحساس. وما كان من تقدير الخير وتأميله فهو نية. وما كان من تدبر الأمور المباحات وترجيها والطمع فيها فهو أمنية وأمل. وما كان من تذكرة الآخرة والوعد والوعيد فهو تذكرة وتفكير. وما كان من معاينة الغيب بعين اليقين فهو مشاهدة. وما كان من تحدث النفس بمعاشها وتصريف أحوالها فهو هم. وما كان من خواطر العادات ونوازع الشهوات فهو لمم. ويسمى جميع ذلك خواطر لأنه خطور همة نفس أو خطورة عدو بحسد أو خطرة ملك بهمس اهـ مخلصاً. الغزالي قال في المضنون الكبير: الملائكة والجن والشياطين جواهر قائمة بأنفسها مختلفة بالحقائق اختلافاً يكون بين الأنواع مثال ذلك القدرة فهيب مخالفة للعلم والعلم مخالف للقدرة وهما مخالفان اللون واللون والقدرة والعلم أعراض قائمة بغيرها فكذلك بين الملك والشيطان والجن والملك فلا يدري أهو اختلاف بين النوعين كالاختلاف بين الفرس والإنسان أو الاختلاف في الأعراض كالاختلاف بين الإنسان الناقص والكامل وكذا الاختلاف بين الملك والشيطان وهو أن يكون النوع واحداً والاختلاف واقعاً في العوارض كالاختلاف بين الخير والشر والاختلاف بين النبي والولي، والظاهر أن اختلافهم بالنوع والعلم عند الله تعالى، وهذه الجوار المذكورة لا تنقسم أعني أن محل العلم بالله تعالى واحد لا ينقسم فإن العلم الواحد لا يحل إلا في محل واحد وحقيقة الإنسان كذلك فالعلم والجهل بشيء واحد في محل واحد متضادان وفي المحلين غير متضادين وأما أن هذا الجوهر غير منقسم وهل هو متحيز أم لا فهذا الكلام عائد إلى معرفة الجزء الذي يتجزأ فإن استحال الجزء الذي لا يتجزأ فهذا الجوهر غير منقسم ولا متحيز وإن لم يستحل الجزء الذي لا يتجزأ فيمكن أن يكون هذا الجوهر متحيراً — وقد قال قوم لا يجوز أن يكون غير منقسم ولا متحيز فإن الله تعالى غير منقسم ولا متحيز فمنا الذي يفصل هذا من ذلك وهذا غير مبرهن عليه لأنه ربما تباينا في حقيقة الذات وإن سلب عنهما الانقسام والتحيز والأمور المكانية وتلك سلوب والا عتبار بالحقائق لأن ما سلب عن الحقائق كالعرضين المختلفين بالحد والحقيقة الحالين في محل واحد فإن إيجاب احتياجهما إلى المحل وكونهما في المحل لا يفيد تماثلهما فكذلك سلب الاحتياج إلى المحل والمكان لا يفيد اشتراك الشيئين ويمكن أن تشاهد هذه الجواهر أعني جواهر الملائكة وإن كانت غير محسوسة وهذه المشاهدة على ضربين إما على سبيل التمثيل كقوله تعالى فتمثل لها بشراً سوياً وكما كان النبي عليه الصلاة والسلام يرى جبريل في صورة دحية الكلبي والقسم الثاني أن يكون لبعض الملائكة بدن محسوس كما أن نفوسنا غير محسوسة ولها بدن محسوس هو محل تصرفها وعالمها الخاص بها فكذلك وربما كان هذا البدن المحسوس موقوفاً على إشراق نور النبوة كما أن محسوسات عالمنا هذا موقوف عند الإدراك على إشراق نور الشمس وكذا في الجن والشياطين اهـ. وقال الغزالي في الإحياء في بيان تسلط الشيطان على القلب بالوسواس بعد تمهيد مقدمة ما مثله: فمبدأ الأفعال الخواطر ثم الخاطر يحرك الرغبة ثم الرغبة تحرك العزم والعزم يحرك النية والنية تحرك الأعضاء والخواطر المحركة للرغبة تنقسم إلى ما يدعو إلى الشر أعني ما يضر في العقبة وإلى ما يدعو إلى الخير أعني إلى ما ينفع في الدار الآخرة فهما خاطران مختلفان فأفتقر إلى اسمين مختلفين فالخاطر المحمود يسمى إلهاماً والخاطر المذموم أعني الداعي إلى الشر يسمى وسواساً ثم أنك تعلم أن هذه الخواطر حادقة ثم أن كل حادث فلا بد له من محدث ومهما اختلفت الحوادث دل ذلك على اختلاف الأسباب هذا ما عرف من سنة الله تعالى فر ترتيب المسببات على الأسباب، فمهمات استنارت حيطان البيت بنور النار وأظلم سقفه واسود بالدخان علمت أن سبب السواد غير سبب الاستنارة وكذلك لأنوار القلب وظلمته سببان مختلفان فسبب الخاطر الداعي إلى الخير يسمى ملكاً وسبب الخاطر الداعي إلى الشر يسمى شيطاناً واللطف الذي يتهيأ به القلب لقبول إلهام الخير يسمى توفيقاً والذي به يتهيأ لقبول وسواس الشيطان يسمى إغواءً وخذلاناً فإن المعاني المختلفة تفتقر إلى أسامي مختلفة. و الملك عبارة عن خلق خلقه الله تعالى شأنه إفاضة الخير وإفادة العلم وكشف الحق والوعد بالخير والأمر بالمعروف وقد خلقه الله وسخره لذلك. والشيطان عبارة عن خلق شأنه ضد ذلك وهو الوعد بالشر والأمر بالفحشاء والتخويف عند الهم بالخير بالفقر. فالوسوسة في مقابلة الإلهام. والشيطان في مقابلة الملك. والتوفيق في مقابلة الخذلان. وإليه الإشارة بقوله تعالى ومن كل شيء خلقنا زوجين. ابن حزم قال رحمه الله في كتابه الفصل في الكلام على الجن ووسوسة الشيطان ولعله في المصروع: لم ندرك بالحواس ولم علمنا وجوب كونهم ولا وجوب امتناع كونهم في العالم أيضاً بضرورة العقل ولكن علمنا بضرورة العقل إمكان كونهم لأن قدرة الله تعالى لا نهاية لها وهو عز وجل يخلق ما يشاء ولا فرق بين أن يخلق خلقاً عنصرهم التراب والماء فيسكنهم الأرض والهواء والماء — وبين أن يخلق خلقاً عنصرهم الهواء والنار فيسكنهم الهواء والنار والأرض بل كل ذلك سواء وممكن في قدرته لكن لما أخبرت الرسل الذين شهد الله عز وجل بصدقهم بما أبدى على أيديهم من المعجزات المحيلة للطبائع بنص الله عز وجل على وجود الجن في العالم وجب ضرورة العلم بخلقهم ووجودهم وقد جاء النص بذلك وبأنهم أمة عاقلة مميزة متعبدة موعودة متوعدة متناسلة يموتون وأجمع المسلمون كلهم على ذلك نعم والنصارى والمجوس والصابئة وأكثر اليهود، وهم يروننا ولا نراهم قال الله تعالى إنه يراكم هو وقبيله من حيث لا ترونهم فصح أن الجن قبيل إبليس قال الله عز وجل إلا إبليس كان من الجن، وإذا أخبرنا الله عز وجل أننا لا نراهم فمن ادعى أنه يراهم ورآهم فهو كاذب إلا أن يكون من الأنبياء عليهم السلام فذلك معجزة لهم كما نص رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه تفلت عليه الشيطان ليقطع عليه صلاته قال فأخذته فذكرت دعوة أخي سليمان ولولا ذلك لأصبح موثقاً يراه أهل المدينة أو كما قال عليه السلام وكذلك في رواية عن أبي هريرة الذي رأى إنما هي معجزة لرسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا سبيل إلى وجود خبر يصح برؤية جني بعد موت رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما هي منقطعات أو عمن لا خير فيه. وهم أجساد رقاق صافية هوائية لا ألوان لهم وعنصرهم النار كما أن عنصرنا التراب وبذلك جاء القرآن قال الله عز وجل والجان خلقناه من قبل من نار السموم والنار والهواء عنصران لا ألوان لهما وإنما حدث اللون في النار المشتعلة عندنا لامتزاجها برطوبات ما تشتعل فيه من الحطب والكتان والأدهان وغير ذلك ولو كانت لهم ألوان لرأيناهم بحاسة البصر ولو لم يكونوا أجساماً صافية رقاقاً هوائية لأدركناهم بحاسة اللمس. وصح النص بأنهم يوسوسون في صدور الناس وأن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم فوجب التصديق بكل ذلك حقيقة وعلمنا أن الله عز وجل جعل لهم قوة يتصلون بها إلى قذف ما يوسوسون به في النفوس، برهان ذلك قول الله تعالى من شر الوسواس الخناس الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس ونحن نرى الإنسان يرى ما له عنده ثأر فيضرب وتتبدل أعراضه وصورته وأخلاقه وتثور ناريته، ويرى من يحب فيثور له حال أخرى ويبتهج وينبسط، ويرى من يخاف فتحدث حال أخرى من صفرة ورعشة وضعف نفس، ويشير إلى إنسان آخر بإشارات يحيله أيضاً بالكلام إلى جميع هذه الأحوال فعلمنا أن الله عز وجل جعل للجن قوى يتوصلون بها إلى تغيير النفوس والقذف فيها بما يستدعونه إليه نعوذ بالله من الشيطان الرجيم ووسوسته ومن شرار الناس وهذا هو جريه من ابن آدم مجرى الدم كما قال الشاعر: وقد كنت أجري في حشاهن مرة كجري معين في قصب الآس وأما الصرع فإن الله عز وجل قال كالذي يتخبطه الشيطان من المس فذكر عن وجل تأثير الشيطان في الصروع إنما هو بالمماسة فلا يجوز لأحد أن يزيد على ذلك شيئاً ومن زاد على ذلك شيئاً فقد قال ما لا علم له به وهذا حرام لا يحل قال عز وجل ولا تقف ما ليس لك به علم وهذه الأمور لا يمكن أن تعرف البتة إلا بخبر صحيح عنه صلى الله عليه وسلم ولا خبر عنه عليه السلام بغير ما ذكرنا وبالله تعالى التوفيق فصح أن الشيطان يمس الإنسان الذي يسلطه الله عليه مساً كما جاء في القرآن يثير به من طبائعه السوداء والأبخرة المتصاعدة إلى الدماغ كما يخبر به عن نفسه كل مصروع بلا خلاف منهم فيحدث الله عز وجل له الصرع والتخبط حينئذ كما نشاهده وهذا هو نص القرآن وما توجبه المشاهدة وما زاد على هذا فخرافات من توليد العزامين والكذابين وبالله تعالى نتأيد اهـ كلام ابن حزم. ابن حزم قال في مباحث الاستعاذة من أوائل تفسيره: أطبق الكل على أنه ليس الجن والشياطين عبارة عن أشخاص جسمانية كثيفة تجيء وتذهب مثل الناس والبهائم بل القول المحصل فيه قولان الأول أنها أجسام هوائية قادرة على التشكل بأشكال مختلفة لها عقول وإفهام وقدرة على أعمال صعبة شاقة والقول الثاني أن كثيراً من الناس أثبتوا أنها موجودات غير متحيزة ولا حالة في التحيز وزعموا أنها موجودات مجردة عن الجسمية قالوا وهذه الأرواح قد تكون مشرقة إلهية خيرة سعيدة وهي المسماة بالصالحين من الجن. وقد تكون كدرة سفلية شريرة وهي المسماة بالشياطين ثم قال واعلم أن قوماً من الفلاسفة طعنوا في هذا المذهب وزعموا أن المجرد يمتنع عليه إدراك الجزئيات والمجردات يمتنع كونها فاعلة للأفعال الجزئية: وهذا باطل لوجهين الأول أنه يمكننا أن نحكم على هذا الشخص المعين بأنه إنسان وليس بفرس والقاضي على الشيئين لا بد وأن يحضره المقضي عليهما فههنا شيء واحد هو مدرك للكلي وهو النفس ويلزم أن يكون المدرك للجزئي هو النفس الثاني هب أن النفس المجردة لا تقوى على إدراك الجزئيات ابتداء لكن لا نزاع أنه يمكنها أن تدرك الجزئيات بواسطة الآلات الجسمانية فلم لا يجوز أن يقال أن تلك الجواهر المجردة المسماة بالجن والشياطين لها آلات جسمانية من كرة الأثير أو من كرة الزمهرير ثم أنها بواسطة تلك الآلات الجسمانية تقوى على إدراك الجزئيات وعلى التصرف في هذه الأبدان. وأما الذين زعموا أن الجن أجسام هوائية أو نارية فقالوا أن الأجسام متساوية في الحجمية والمقدار وهذان المعنيان لأعراض فالأجسام متساوية في قبول هذه الأعراض، والأشياء المختلفة بالماهية لا يمنع اشتراكها في بعض اللوازم فلما لا يجوز أن يقال الأجسام مختلفة بحسب ذواتها المخصوصة وماهياتها المعينة وإن كانت مشتركة في قبول الحجمية والمقدار وإذ ثبت هذا فنقول لم لا يجوز أن يقال أحد أنواع الأجسام أجسام لطيفة نفاذة حية لذواتها عاقلة لذواتها قادرة على الأعمال الشاقة لذواتها وهي غير قابلة للتفرق والتمزق وإذا كان الأمر كذلك فإن تلك الأجسام تكون قادرة على تشكيل أنفسها بأشكال مختلفة ثم أن الرياح العاصفة لا تمزقها والأجسام الكثيفة لا تفرقها، أليس أن الفلاسفة قالوا أن النار التي تنفصل عن الصواعق تنفذ في اللحظة اللطيفة في بواطن الأحجار والحديد وتخرج من الجانب الآخر فلم لا يفعل مثله في هذه الصورة، وعلى هذا التقدير فإن الجن تكون قادرة على النفوذ في بواطن الناس وعلى التصرف فيها وأن تبقى حية فعالة مصونة عن الفساد إلى الأجل المعين والوقت المعين، فكل هذه الأحوال احتمالات ظاهرة والدليل لم يقم على إبطالها فلم يجز المصير إلى القول بإبطالها. ثم قال الرازي اع لم أن الإنسان إذا جلس في الخلوة وتواترت الخواطر في قلبه فربما صار بحيث كأنه يسمع في داخل قلبه ودماغه أصواتاً خفية وحروفاً خفية فكأن متكلماً يتكلم معه ومخاطباً يخاطبه فهذا أمر وجداني يجده كل أحد من نفسه. ثم اختلف الناس في تلك الخواطر فقالت الفلاسفة أن تلك الأشياء ليست حروفاً ولا أصواتاً وإنما هي تخيلات الحروف والأصوات وتخيل الشيء عبارة عن حضور اسمه ومثاله في الخيال وهذا كما إنا إذا تخيلنا صور الجبال والبحار والأشخاص فأعيان تلك الأشياء غير موجودة في العقل والقلب بل الموجود في العقل صورها وأمثلتها ورسومها وهي على سبيل التمثيل جارية مجرى الصورة المرتسمة في المرآة فإنا إذا أحسسنا في المرآة صورة الفلك والشمس والقمر فليس ذلك لأجل أنه حضرت ذوات هذه الأشياء في المرآة فإن ذلك محال وإنما الحاصل في المرآة رسوم هذه الأشياء وأمثلتها وصورها. وإذا عرفت هذا في تخيل المبصرات فاعلم أن الحال في تخيل الحروف والكلمات المسموعة كذلك فهذا قول جمهور الفلاسفة، ولقائل يقول هذا الذي سميته بتخيل الحروف والكلمات هل هو مساو للحرف والكلمة في الماهية أولاً فإن حصلت المساواة فقد عاد الكلام إلى أن الحاصل في الخيال حقائق الحروف والأصوات وإلى أن الحاصل في الخيال عند تخيل البحر والسماء حقيقة البحر والسماء — وإن كان الحق هو الثاني وهو أن الحاصل في الخيال شيء آخر مخالف للمبصرات والمسموعات فحينئذ يعود السؤال وهو أنا كيف نجد من أنفسنا صور هذه المرئيات وكيف نجد في أنفسنا هذه الكلمة أو العبارة وجداناً لا نشك أنها حروف متوالية على العقل وألفاظ متعاقبة على الذهن فهذا منتهى الكلام في كلام الفلاسفة. أما الجمهور الأعظم من أهل العلم فإنهم سلموا أن هذه الخواطر المتوالية المتعاقبة حروف وأصوات حقيقية. واعلم بأن القائلين بهذا القول قالوا فاعل هذه الحروف والأصوات إما ذلك الإنسان أو إنسان آخر وإما شيءٌ آخر روحاني مباين يمكن إلقاء هذه الحروف والأصوات إلى هذا الإنسان سواء قيل أن ذلك المتكلم هو الجن والشياطين أو الملك وأما أن يقال خالق تلك الحروف والأصوات هو الله تعالى أما القسم الأول وهو أن فاعل هذه الحروف والأصوات هو ذلك الإنسان فهذا قول باطل لأن الذي يحصل باختيار الإنسان قادر على تركه فلو كان حصول هذه الخواطر بفعل الإنسان لكان الإنسان إذا أراد فعلها أو تركها لقدر عليه ومعلوم أنه لا يقدر على دفعها فإنه سواء حاول فعلها أو حاول تركها فتلك الخواطر تتوارد على طبعه وتتعاقب على ذهنه بغير اختياره. وأما القسم الثاني وهو أنها حصلت بفعل إنسان آخر فهو ظاهر الفساد. ولما بطل هذا القسمان بقي الثالث وهي أنها من فعل الجن أو الملك أو من فعل الله تعالى أما الذين قالوا أن الله تعالى لا يجوز أن يفعل القبائح فاللائق بمذهبهم أن يقولوا أن هذه الخواطر الخبيثة ليست من فعل الله تعالى فبقي أنها من أحاديث الجن والشياطين، وأما الذي قالوا أنه لا يقبح من الله شيء فليس في مذهبهم مانع يمنعهم من إسناد هذه الخواطر إلى الله تعالى اهـ. المارودي قال في كتابه أعلام النبوة: الجن من العالم الناطق المميز يتناسلون ويموتون، وأشخاصهم محجوبة عن الأبصار، وإن تميزوا بأفعال وآثار، إلا أن يخص الله برؤيتهم من يشاء، وإنما عرفهم الإنس من الكتب الإلهية، وما تخيلوه من آثارهم الخفية، ثم قال: واختلفوا في الشياطين فزعم قوم أنهم كفار الجن يتناسلون ويموتون وزعم آخرون أنهم غير الجن وإنهم من ولد إبليس واختلف من قال بهذا في تناسلهم وموتهم فذهب فريق منهم إلى أنهم يتناسلون ويموتون وذهب آخرون إلى أنهم كإبليس لا يموتون إلا معه وإن تناسلهم انقطع بأنظار إبليس إلى يوم يبعثون، فإن أنكر قوم خلق الجن ولم يؤمنوا بالكتب الإلهية قهرتهم براهين العقول وحجج القياس ثم أسهب في ذلك رحمه الله. القاشاني قال في تفسير آية وإذ صرفنا إليك نفراً من الجن في سورة الأحقاف ما مثاله: الجن نفوس أرضية تجسدت في أبدان لطيفة مركبة من لطائف العناصر سماها الحكمة الفرس الصورة المعلقة ولكونها أرضية متجسدة في ابدان عنصرية ومشاركتها الأنس في ذلك سميا ثقلين وكما أمكن الناس التهدي بالقرآن أمكنهم وحكاياتهم من المحققين وغيرهم أكثر من أن يمكن رد الجميع وأوضح من أن يقبل التأويل: وقال في تفسير سورة الجن: قد مر أن في الوجود نفوساً رضية قوية لا في غلط النفوس السبعية والبهيمية وكثافتها وقلة إدراكها ولا على هيآت النفوس الإنسانية واستعداداتها ليلزم تعلقها بالأجرام الكثيفة الغالب عليها الأرضية — وملا في صفاء النفوس المجردة ولطافتها لتتصل بالعالم العلوي وتتجرد أو تتعلق ببعض الأجرام السماوية متعلقة بأجرام عنصرية لطيفة غلبت عليها الهوائية أو النارية أو الدخانية على اختلاف أحوالها سماها بعض الحكماء الصور المعلقة ولها علوم وإدركات من جنس علومنا وإدراكاتنا، ولما كانت قريبة بالطبع من الملكوت السماوي أمكنها أن تتلقى عالمها بعض الغيب فلا تستبعد أن ترتقي إلى أفق السماء فتسترق السمع من كلام الملائكة أي النفوس المجردة — ولما كانت أرضية ضعيفة بالنسبة إلى القوى السماوية تأثرت بتأثير تلك القوى فرجمت بتأثيرها عن بلوغ شأوها وإدراك مداها من العلوم، ولا تنكر أن تشتعل أجرامها الدخانية بأشعة الكواكب فتحترق وتهلك أو تنزجر من الارتقاء إلى الأفق السماوي فتتسفل فإنها أمور ليست بخارجة عن الإمكان اهـ. القاضي أبو يعلي بن الفراء نقل عن السفاريني أنه قال: الجن أجسام مؤلفة وأشخاص ممثلة ويجوز أن تكون رقيقة وأن تكون كثيفة خلافاً للمعتزلة في قولهم أنها أجسام رقيقة ولرقتها لا نراها قال: ولا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور وإنما يجوز أن يعلم الله ضرباً من ضروب الأفعال إذا فعله نقله الله من صورة إلى صورة فيقال أنه قادر على التصوير والتخييل على معنى أنه قادر على أمر إذا فعل نقله الله عن صورة إلى صورة أخرى لجري العادة وإما أن يصور نفسه فذلك محال لأن انتقالها عن صورة إلى صورة إنما يكون بنقص البنية وتفريق الأجزاء وإذا انتقلت بطلت الحياة واستحال وقوع الفعل من الجملة وكيف تنقل نفسها قال والقول في تشكيل الملائكة مثل ذلك وسيأتي أول الخاتمة مبحث تمثل الروحاني مفصلاً. شيخ الإسلام ابن تيمية نقل عنه السفاريني أنه قال: لم يخالف أحد من طوائف المسلمين في وجود الجن وكذا جمهور الكفار لأن وجودهم تواترت به أخبار الأنبياء تواتراً معلوماً بالاضطرار يعرفه الخاصة والعامة قال ولم ينكر الجن إلا شرذمة قليلة من جهال الفلاسفة ونحوهم، وقال ليس الجن كالإنس في الحد والحقيقة فلا يكون ما أمروا به وما نهوا عنه مساوياً لما على الأنس في الحد والحقيقة لكنهم مشاركوهم في جنس التكليف بالأمر والنهي والتحليل والتحريم بلا نزاع أعلمه بين العلماء: وقال في تفسير سورة الإخلاص إن الفلاسفة كلامهم في الإلهيات والكليات العقلية قاصر جداً وفيه تخليط كثير وإنما يتكلمون جيداً في الأمور الحسية الطبيعية وفي كلياتها فكلامهم فيها في الغالب جيد، وأما الغيب الذي تخبر به الأنبياء والكليات العقلية التي تعم الموجودات كلها وتقسم الموجودات قسمة صحيحة فلا يعرفونها البتة فإن هذا لا يكون إلا ممن أحاط بأنواع الموجودات وهم لا يعرفون إلا قليلاً من الموجودات وما لا يشهده الآدميون من الموجودات أعظم قدراً وصفة مما يشهدونه بكثير، ولهذا كان هؤلاء الذين عرفوا ما عرفته الفلاسفة إذا سمعوا أخبار الأنبياء بالملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار وهم يظنون أن لا موجود إلا ما علموه هم والفلاسفة يصيرون حائرين متأولين لكلام الأنبياء على ما عرفوه وإن كان هذا لا دليل عليه وليس لهم بهذا النفي علم فإن عدم العلم ليس علماً بالعدم لكن نفيهم هذا كنفي الطبيب للجن لأنه ليس في صناعة الطب ما يدل على ثبوت الجن وإلا فليس في علم الطب ما ينفي وجود الجن وهكذا تجد من عرف نوعاً من العلم وامتاز به على العامة الذي لا يعرفونه فيبقى بجهله نافياً لما لا يعلمه، وبنو آدم ضلالهم فيما حددوه ونفوه بغير علم أكثر من ضلالهم فيما أثبتوه وصدقوا به قال تعالى بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه لما يأتيهم تأويله اهـ. وقد أسهب رحمه الله في كتابه الفرقان — المطبوع — فيما يتعلق بالجن الشياطين فليراجع. ابن القيم قال رحمه الله في زاد المعاد في علاج الصرع ما مثله: الصرع صرعان صرع من الرواح الخبيثة الأرضية — وصرع من الأخلاط الردية. والثاني هو الذي يتكلم فيه الأطباء في سببه وعلاجه. وأما صرع الرواح فأئمتهم وعقلاؤهم يعترفون بأن علاجه بمقابلة الرواح الشريفة الخيرة العلوية لتلك الأرواح الشريرة الخبيثة فتدفع آثارها وتعارض أفعالها وتبطلها. وقد نص على ذلك بقراط في بعض كتبه فذكر بعض علاج الصرع وقال: هذا إنما ينفع من الصرع الذي سببه الأخلاط والمادة وأما الصرع الذي يكون من الأرواح فلا ينفع فيه هذا العلاج: وأما جهلة الأطباء فينكرون صرع الأرواح ولا يقرون بأنها تؤثر في بدن المصروع وليس معهم إلا الجهل وإلا فليس في الصناعة الطبية ما يدفع ذلك والحس والوجود شاهد به، وإحالتهم ذلك على غلبة بعض الأخلاط وهو صادق في بعض أقسامه لا في كلها، وقدماء الأطباء يسمون هذا الصرع المرض الإلهي وقالوا: إنه من الأرواح، أما جالينوس وغيره فتأولوا عليهم هذه التسمية وقالوا: إنما سموها بالمرض الإلهي لكون هذه العلة تحدث في الرأس فتضر بالجزء الإلهي الطاهر الذي مسكنه الدماغ: وهذا التأويل نشأ لهم من جهلهم بهذه الأرواح وأحكامها وتأثيراتها وجاءت زنادقة الأطباء فلم يثبتوا إلا صرع الأخلاط وحده، ومن له عقل ومعرفة بهذه الأرواح وتأثيراتها يضحك من جهل هؤلاء الأطباء وضعف عقولهم. ثم قال ابن القيم هذا ولو كشف الغطاء لرأيت أكثر النفوس البشرية صرعى مع هذه الرواح الخبيثة وهي في أسرها وقبضتها تسوقها حيث شاءت ولا يمكنها الامتناع عنها ولا مخالفتها وبها الصرع الأعظم الذي لا يفيق صاحبه إلا عند المفارقة والمعاينة فهناك يتحقق إن كان هو المصروع حقيقة. وعلاج هذا الصرع باقتران العقل الصحيح إلى الإيمان بما جاءت به الرسل عليهم السلام. الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده قال في تفسير قوله تعالى الذي يوسوس في صدور الناس من الجنة والناس الموسوسون قسمان قسم الجنة وهم الخلق المستترون الذين لا نعرفهم وإنما نجدهم في أنفسنا أثراً ينسب إليهم، ولكل واحد من الناس شيطان وهي قوة نازعة إلى الشر يحدث منها في نفسه خواطر السوء: وقال في موضع آخر: إن إلهام الخير والوسوسة مما جاء في لسان صاحب الوحي صلى الله عليه وسلم وقد أسند إلى هذه العوالم الغيبية، وخواطر الخير التي تسمى إلهاماً وخواطر الشر التي تسمى وسوسة كل منهما محله الروح فالملائكة والشياطين إذن أرواح تتصل بأرواح الناس. فلا يصح أن نمثل الملائكة بالتماثيل الجسمانية المعروفة لنا لأن هذه لو اتصلت بأرواحنا فإنما تتصل بها من طرق أجسامنا ونحن لا نحس بشيءٍ يتصل بأبداننا لا عند الوسوسة ولا عند الشعور بداعي الخير من النفس فإذن هي من عالم غير عالم الأبدان قطعاً. ثم قال يشعر مكل من فكر في نفسه، ووازن بين خواطره عند ما يهم بأمر فيه وجه للحق أو للخير، ووجه للباطل أو للشر، بأن في نفسه تنازعاً كان الأمر قد عرض فيها على مجلس شورى فهذا يورد وذاك يدفع، وواحد يقول افعل وآخر يقول لا تفعل حتى ينتصر أحد الطرفين، ويترجح أحد الخاطرين، فهذا الشيء قد أودع في نفسنا ونسميه قوة وفكراً — وهو في الحقيقة معنى لا يدرك كنهه وروح لا تكتنه حقيقتها — لا يبعد أن يسميه الله تعالى ملكاً ويسمي أسبابه ملائكة أو ما شابه من السماء فإن التسمية لا حجر فيها على الناس فكيف يحجر فيها على صاحب الإرادة المطلقة والسلطان النافذ والعلم الواسع اهـ وسبق في كلام الغزالي نحوه وسيأتي في الخاتمة عن الراغب الأصفهاني ما يؤيده. خاتمة في فوائد متفرقات من شوارد هذه المسالة أ للباحثين في تمثل الرواح آراء عديدة وأنظار متنوعة نذكر منها طرفاً قال في الخلاصة: اعتقاد قدماء اليهود بماهية الرواح المغيبة إنها إما هواء خالص أو لهيب نار ثم قال فعلى هذا فللملائكة أجسام هوائية لطيفة لا ترى ما لم تمثل كالهواء الذي نتنفسه فإنه جسم لكنه غير مبصر لنا ثم قال واقرب شاهد للتمثل هو الهواء فإنه وإن لم يقبل في حال تخلخله شكلاً ولا لوناً إلا أنه متى تكاثف أمكن تشكله وتلونه كما يتضح في السحاب وعلى هذا النمط يجوز أن تتكثف أجسام الملائكة بالقدرة الربانية على قدر ما يلزم لتموين الجسم المراد اتخاذه وبقدرون التجسد بعد أن يفعلوا أفاعيل حيوية اهـ. وقدمنا عن القاضي أبي يعلي أنه قال: لا قدرة للشياطين على تغيير خلقهم والانتقال في الصور وإنما يجوز أن يعلمهم الله ضرباً من ضروب الأفعال إذا فعله نقله الله من صورة إلى صورة الخ: ونقل الحافظ ابن حجر في فتح الباري عن إمام الحرمين أن تمثل جبريل معناه أن الله أفتى الزائد من خلاقه وأزاله عنه ثم يعيده إليه بعد. وجزم ابن عبد السلام بالإزالة دون الفناء وقرر ذلك بأنه لا يلزم أن يكون انتقالها موجباً لموته بل يجوز أن يبقى الجسد حياً لأن موت الجسد بمفارقة الروح ليس بواجب عقلاً بل بعادة أجراها الله تعالى في بعض خلقه ونظيره انتقال أرواح الشهداء إلى أجواف طير خضر تسرح في الجنة، وقال شيخنا شيخ الإسلام — زكريا الأنصاري — ما ذكر إمام الحرمين لا ينحصر الحال فيه بل يجوز أن يكون الآتي هو جبريل بشكله الأصلي إلا أنه انضم فصار على قدر هيئة الرجل وإذ ترك ذلك عاد إلى هيئته ومثال ذلك القطن إذا جمع بعد أن كان منتفشاً فإنه بالنفش يحصل له صورة كبيرة وذاته لم تتغير وهذا على سبيل التقريب والحق إن تمثل الملك رجلاً ليس معناه أن ذاته انقلبت رجلاً بل معناه أنه ظهر بتلك الصورة تأنيساً لمن يخاطبه والظاهر أيضاً أن القدر الزائل لا يزول ولا يفنى بل يخفى على الرائي فقط والله أعلم اهـ كلام الحافظ كله مبني على حمل الإطلاق في موارده على الحقيقة فليتأمل وقال الأستاذ الإمام الشيخ محمد عبده رحمه الله في رسالة التوحيد: أما وجود بعض الأرواح العالية — وهم الملائكة المكرمون — وظهورها لأهل تلك المرتبة السامية الأنبياء عليهم السلام فمما لا استحالة فيما بعد ما عرفناه من أنفسنا وأرشدنا إليه العلم قديمه وحديثه من اشتمال الوجود على ما هو ألطف من المادة وإن غيب عنا فأي مانع من أن يكون بعض هذا الوجود اللطيف مشرقاً لشيء من العلم الإلهي وأن يكون لنفوس الأنبياء أشراف عليه فإذا جاء به الخبر الصادق حملنا على الإذعان بصحته، أما تمثل الصوت وأشباح لتلك الأرواح في حس من اختصه الله بتلك المنزلة فقد عهد عند أعداء الأنبياء ما لا يبعد عنه في بعض المصابين بأمراض خاصة على زعمهم فقد سلموا أن بعض معقولاتهم يتمثل في خيالهم ويصل إلى درجة المحسوس فيصدق المريض في قوله أن يرى ويسمع بل ويجالد ويصارع ولا شيء من ذلك في الحقيقة بواقع فإن جاز التمثيل في الصورة المعقولة ولا منشأ لها إلا في النفس وغن ذلك يكون عند عروض عارض على المخ فلم لا يجوز تمثل الحقائق المعقولة في النفس العالية وأن يكون ذلك لها عندما تنزع عن عالم الحس، وتتصل بحظائر القدس، وتكون تلك الحال من لواحق صحة العقل في أهل تلك الدرجة لاختصاص مزاجهم بما لا يوجد في مزاج غيرهم؟ وغاية ما يلزم عنه أن يكون لعلاقة أرواحهم بأبدانهم شأن غير معروف في تلك العلاقة من سواهم وهو ما يسهل قبوله بل يتحتم لأن شأنهم في الناس أيضاً غير الشؤون المألوفة وهذه المغايرة من أهم ما امتازوا به وقام منها الدليل على رسالتهم، والدليل على صحة شهودهم وصحة ما يحدثون عنه أن أمراض القلوب تشفى بدوائهم وأن ضعف العزائم والعقول يتبدل بالقوة في أممهم التي تأخذ بمقالهم، ومن المنكر في البديهة أن يصدر الصحيح من معتل، ويستقيم النظام بمختل اهـ وقدمنا عن الغزالي كلمة في تمثيل الملك فتذكره. ب شاع وصف الجن بالأرواح في المأثور وفي كلام الحكماء قال ابن الأثير في حديث: إني أعالج من هذه الأرواح: الأرواح ههنا كناية عن الجن سموا أرواحاً كونهم لا يرون فهم بمنزلة الرواح: إلا أنه غلب لفظ روح مفرداً في التنزيل الحكيم على الملك قال في الخلاصة: أن كلمة روح التي وصف بها الملائكة تتضمن معنى يدل على ماهيتهم وهوانهم مجردون عن كثافة الأجسام فليسوا مثلنا قال لأن أصل معنى الروح في العبراني واليوناني كما في العربي ريح أي هراء متحرك وكأن لغة البشر تقصر عن التعبير بكمال الكنه والحقيقة فاكتفى بتوضيح بلفظ يوضح الحقيقة وإن لم يجهلها تمام الجهلاء اهـ وقال ابن الأثير في حديث الملائكة الروحانيون يروى بضم الراء وفتحها كأنه نسبة إلى الرُّوح والرَّوح وهو نسيم الريح والألف والنون من زيادات النسب ويريد بهم أنهم أجسا لطيفة لا يدركها البصر اهـ. وفي كليات أبي البقاء: الروح بالضم هو الريح المتردد في مخارق الإنسان ومنافذه واسم الروح الخ وفي التاج عن الفراء قال: سمعت أبا الهيثم يقول: الروح إنما هو النفس الذي يتنفسه الإنسان وهو جار في جميع الجسد فإذا خرج لم يتنفس بعض خروجه: وفي نقد المحصل للطوسي: الفلاسفة يفرقون بين النفوس والأرواح فإن النفوس عندهم جواهر بسيطة مجردة متعلقة الأبدان، والأرواح أجسام مركبة من الأبخرة والأدخنة المرتفعة من الدم المحتبس في العروق: وروى ابن جرير عن قتادة في تفسير آية ويسئلونك عن الروح قال الروح هو جبريل قال قتادة: وكان ابن العباس يكتمه ثم اسند إلى ابن العباس أن الروح ملك وكذا عن علي رضي الله عنه أنه قال: هو ملك من الملائكة: ج جاء في معجم لاروس: أن سقراط كان يزعم أن له شيطاناً خاصاً يوحي إليه مقاصده وجميع مبادئ فلسفته وحكمته. فادعى بعضهم أن ذلك كان روحاً أو عاملاً فوق قوة البشر وأطلق آخرون هذا الاسم على معنى أدبي لطيف وحاسة طبيعية رائقة سريعة الإدراك أنمتها تجارب طويلة وهم على ما يرون أن شيطان سقراط لم يكن إلا إلهامات باطنة تعرض لعقله وقلبه مؤقتة عند تصور أعلى مطالب الفلسفة فمعنى استشارة سقراط لشيطانه الخاص هو أن يستشير إلهامه الداخلي وعقله وحكمه التي لا يراها نفحة ونعمة بل هي منبعثة عن الألوهية وجزء منها. ورأى آخرون أن هذا الزعم كان من سقراط حيلة يريد أن يتوصل بها إلى تحقيق إصلاح سياسي كبير. والظاهر أن سقراط اقتنع بصحة ما وقع في نفسه فلم يخامره ولا تلامذته أدنى شك في مدعاه وكان ذلك من آكد الأسباب في الحكم عليه بالموت. وجاء فيه أيضاً في مادة جني: أن الجن في الأساطير الرومانية إشارة إلى الشيطان عند اليونان وهي عبارة عن الروح أو المبدأ الحيوي فكانوا يذهبون إلى أن كل عمل يعمله الإنسان يمليه عليه شيطانه الخاص. فالظاهر أنه كان من تأثيرات الزندقة الطبيعية أن توهم عامة اللاتين بأن للمرء شيطانين وذلك ليحلوا كما يشاؤون مسألة الخير والشر فشيطان الخير يوحي الأفكار الصالحة النافعة وشيطان الشر يلهم الأعمال الشريرة والحوادث المكدرة وهكذا رأى أن القائد بروتوس وكاسيوس عندما كتبت الهزيمة على أعلامهما شيطانهما الشريرين. وكان القوم في رومية يعبدون الشياطين الخاصة والشياطين المحلية فإذا ولد لهم ولد يقومون باحتفال إكراماً لشيطانه وكثيراً ما تقدم فاكهة وثمار لشياطين المكان وعلى عهد الإمبراطورية كان شيطان الإمبراطور يعبد عبادةً خاصة إكراماً واحتراماً اهـ. د جاء في دائرة المعارف البريطانية ما تعريبه: إن كلمة الشيطان هي اسم وضع في الإنجيل والمذهب النصراني على شرير كبير يظن أنه يرأس مملكة من الأرواح الخبيثة وهو الملك فيها وأنه عدو الله دائماً واللفظة العبرية وهي الشيطان الدالة على معنى المعاكسة أيضاً تستعمل لهذا الشرير الكبير أو ملك مملكة الشر ومما لا شك فيه أن روحاً خبيثة كهذه كثيراً ما استعملت في العهد الجديد وقد سمي بأسماء متعددة غير ما ذكر مثل كلمة الممتحن، بعل زبوب، ملك الشياطين، القوى، الشرير الخاطئ، العدو الألد، وهذه السماء استعملت مترادفة في الإنجيل وحيثما استعملت تدل على نفس القوة المتحركة الشريرة الخارجة عن الإنسان والمؤثرة فيه أو التي لها سلطة عليه ومن المسائل ما هو مبلغ اعتقاد المسيح نفسه في وجود مثل هذه القوة الخبيثة إلا أنه مما لا شك فيه أن قوة كهذه كان معترفاً فيها في معتقدات اليهود في أيامه ومن المحقق أيضاً أن هذا الاعتقاد بين اليهود لم ينم دفعة واحدة بل نشأ على مهل ويتأثره المطالع في العهد القديم بوضوح كما نجده واضحاً في العهد الجديد وفي الحقيقة أن كلمة الشيطان لا توجد في التوراة إلا في خمس مواضع وفي آثار الأنبياء العبريين الأولى لا يوجد اعتراف بروح شريرة تقاوم إرادة الله والصورة التي صورت بها هذه الروح الشريرة في آثار متأخريهم تختلف كثيراً عن الصورة التي صورها متأخرو علماء اللاهوت. إذاً ما هو أصل الاعتقاد بالشيطان من حيث أنه روح خبيثة مطرودة فالجواب الذي يذكره المنقحون من المعاصرين أن هذا الاعتقاد نشأ من اختلاط اليهود بالفرس لما كانوا منفيين في بلاد فارس فالاعتقاد الفارسي يقسم الدنيا بين إلهين موجودين مختلفين الواحد خير والآخر شر إلا أن كليهما له حصة في الخلق والإنسان. فأهر مزده كان مقدساً صادقاً تجب له العبادة والاحترام وأما أهر من روح الظلام ذو العقل الشرير فلم يكن اقل قدرة وكان يدعي الحق بمساواة أهل مزده من حيث إطاعة الإنسان له وفي القرون الوسطى كان الاعتقاد بالشيطان عظيماً فالقديسون كانوا يحبسون أنفسهم وغيرهم بخصام دائم معه ومن الصعب علينا الآن أن نتصور مقدار التأثير لهذا الاعتقاد في معيشة الناس حينئذ فإنه كان الفكر الثابت في رأس كل إنسان خصوصاً من القرن الثالث عشر إلى القرن الخامس عشر وهي مدة يمكننا أن نعد هذه الخرافة بلغت فيها منتهاها ومن المحقق أن هذه العقيدة لم تنقص إلا قليلاً في القرن الخامس عشر بل حتى في القرن السادس عشر أو السابع عشر، ولوثيروس كان يشعر دائماً بتماس الروح الشريرة ومعاكستها ففي مكتبته وفي فراشه وحجرته كان الشيطان يتداخل في أشغاله أو راحته ولما كان يباشر درسه سمع صوتاً عرفه حالاً أنه صادر من عدوه الشيطان قال فلما وجدت أنه يريد أن يعود مرة ثانية إلى عمله جمعت كتبي وذهبت إلى فراشي وسمعته مرة ثانية في الليل ماشياً في الرواق لكنني لما كنت أعلم أنه الشيطان لم أهتم به بل غرقت في نومي وكذلك يقول لوثيروس ولما أفقت في هذا الصباح باكراً جاءني الشرير وابتدأ يجادلني فقال لي أنت مذنب عظيم فأجبته ألا يمكنك أن تأتيني بنبأ جديد يا شيطان. ولما تقدم المعقول في القرن الثامن عشر تناقص هذا الاعتقاد بانتشار التأثرات الشيطانية والشعور بما فوق الطبيعة تضاءل من جميع جهاته ولاسيما الاعتقاد القديم بسلطة الشيطان المطلقة على مصير الإنسان ومع أن الشعور الديني ازداد كثيراً منذ ذلك الحين فلا يمكن أن يقال بأن الاعتقاد القديم بالشيطان وأعماله تجدد ومن الممكن أن يكون اعتقاد النصرانية اليوم أن هنالك قوة شريرة في العالم تعاكس إرادة الله ولكن هل هذه القوة هي شخص وما هي علاقة هذه المملكة الشيطانية بمصير الإنسان؟ كل ذلك مسائل لم تقرر بعد أو مشكوك بها في أي مذهب من مذاهب الكنيسة. ووظيفتنا أن نلاحظ هذا التغير في اعتقاد النصارى من غير أن نبين منافعه أو غير ذلك ومن المحقق أن الاعتقاد بالشيطان لا يشغل مكاناً عظيماً في تصورات النصارى اليوم كما كان من ذي قبل وأنه ليس لسلطته الآن الذي كان له في الإنسان واختباره اهـ كلام دائرة المعارف البريطانية ولم نورده مع كلام المعجم قبلها إلا ليتم للواقف على هذه المسألة الاطلاع على آراء بقية المفكرين من الملل الأخرى فيها. هـ تزعم الفرس أنه الجن يسكنون في بلاد تسمى جنستان ويسميها شعرائهم أرض العفاريت والجنيات ويقولون أنها واقعة في الطرف الغربي من أفريقية ومنهم من يقول أن مقرهم في جزيرة الحيات في بحر الهند ويصورونهم بهيئات مخيفة بقرون طويلة وأذناب وعيون مشقوقة طولاً وشعر واقف كذا في دائرة المعارف. و قال وليّ الدين: يدعي بعض شيوخ الضلالة ورسل البهتان أن لهم تعازيم يستحضرون بها الجن ويجعلونهم تحت تصرفهم ولا يزال لهذا الأضاليل أثر يذكر يتناقله الناس ويعتقدون بصحته اهـ. ز قال الرازي في مقدمة تفسيره في بحث الاستعاذة: هؤلاء الذين يمارسون صنعة التعزيم إذا تابوا من الأكاذيب يعترفون بأنهم قط ما شاهدوا أثراً من هذا الجن قال الرازي وذلك مما يغلب على الظن عدم هذه الأشياء قال وسمعت واحداً ممن تاب عن تلك الصنعة قال: إني واظبت على العزيمة الفلانية كذا من الأيام وما تركت دقيقة من الدقائق إلا أتيت بها ثم أني ما شاهدت من تلك الأحوال المذكورة أثراً ولا خبراً اهـ. ح ذكر بعض المحققين أن إبليس علم جنس للشيطان معرب ذياقوليس باليونانية ومعناه موقع الخلاف أو مطغي أو مبعد الإنسان عن سبيله، ويتضمن اسمه معنى آخر في كتب الوحي وهو رئيس الأرواح الشريرة قال وكان شعراء الفرس الذين ينظمون في الخرافات يصفونه بلون أسود وعينين تقذفان ناراً ورائحة كبريتية وقرون وذنب وأظافر معوجة وحافرين مشقوقين اهـ. ط لفظ شيطان عبراني بمعنى مخاصم أو مضاد ثم أطلق على روح شريرة غير مرئية تدعو إلى المعاصي والآثام كذا في المرشد قال الراغب عن أبي عبيدة: الشيطان اسم لكل عارم من الجن والإنس والحيوانات قال وقد يسمى كل خلق ذميم للإنسان شيطاناً لهـ ونقله السيد الزبيدي عنه في تاج العروس شرح القاموس. ي قال بعض الأفاضل: من الاعتقادات الشائعة أن الجن تسكن بعض الأماكن ولاسيما الخرابات والقبور والعيون والآبار والبيوت المهجورة حتى العامرة أيضاً فيحتاج أهلها إلى الخروج منها وكانوا في الجاهلية إذا أرادوا سكنى دار ذبحوا للجن ذبيحة حتى لا تضرهم وهذا الاعتقاد المتقادم العهد لم يزل باقياً إلى الآن في أماكن كثيرة وربما روى بعض العامة مرائي وأساطير من هذا القبيل، وما ذلك إلا أوهام وتصورات تنتج من المتخيلة المنطبعة فيها من جري أكثر الأخبار، آثار لا تمحى إلا بكرور الأيام، وانتشار ألوية العلم في كل القطار بحيث تتمزق حجب الأوهام، وتأخذ الحقائق مكانها في أفكار الأنام، سهل الله سلوك سبيل العلم والعرفان إنه الكريم العلام. الاتكال الشرقي نصيحة غربي قليل في القارئين من لم يسمعوا باسم المستر روزفلتالمقتبس م ٢ ج ٧ صفحة ٣٥٨ رئيس جمهورية الولايات المتحدة السابق الذي خدم بلاده أجل خدمة فعد العالم الاجتماعي الاقتصادي والقائد العظيم والسياسي الإنساني وأعظم ملوك عصره ورؤساء الجمهوريات بلا منازع. أصل هذا الرجل هولاندي نزل أجداده الولايات لمتحدة منذ مائتي سنة وتخرج هو في كلية هارفرد الجامعة وكان قبيل الحرب الأميركية الإسبانية مساعد أمين سر وزارة البحرية فلما نشبت الحرب استقال وتطوع في الجيش حتى إذا عاد ظافراً عينته الحكومة والياً على نيويورك ثم معاوناً للرئيس ماكنلي فلما قتل هذا انتخبته هذا رئيساً عليها على الرغم مما كان يكيد له بعض منافسيه في السياسة ثم أعيد انتخابه بعد أربع سنين وهي المدة النظامية لكل رئيس جمهورية. ضرب روزفلت على أيدي رجال الاحتكار في الغرب وطأطأت لأقواله رؤوس ملوك الفولاذ والبترول وغيرهم من الأميركان ونصر المستضعفين والفقراء وهاله اجتماع الثروة في أيدي أفراد وحرمان سائر الأمة منها فقام يضرب على المحتكرين الرسوم الفاحشة ويداوي الأجسام والجيوب بأفعاله كما يداوي الأرواح والعقول بأقواله وله عدة تآليف اجتماعية سياسية ومقالات كثيرة في المجلات والجرائد وهو الذي ألف بين جمهوريات الجنوب وجمهوريات الشمال وجعل لبلاده مقاماً سامياً في السياسة الخارجية وحل المعضلة التي كانت استحكمت بين روسيا واليابان فاستحق على عمله جائزة السلام لنوبل وعينه مجمع العلوم السياسية والأخلاقية في باريز عضواً مراسلاً له دلالة على اعتبار أوربا لأعماله. ولما لم يرض المستر روزفلت أن يعاد انتخابه لرئاسة الجمهورية للمرة الثالثة عملاً بالتقليد المأثور عن الرئيس واشنطون وجفرسون رأى أن يهجر البلاد مدة ليخلو الجو للرئيس تافت الجديد فرحل إلى أفريقية الشرقية ليكمل نفسه في العلم والتجارب ويفيد أمته من رحلته حتى إذا عاد إلى نيويورك يوسد إليه تحرير مجلة الأوتلوك الأسبوعية وهكذا يرجع الرئيس من زعامة خمسة وثمانين مليوناً من البشر الراقي إلى رئاسة تحرير مجلة. وناهيك بمنتصب العلم من منصب. خطب المستر روزفلت في الخرطوم قاعدة السودان جماعة من طلبة المصريين والسوريين في دار أحد مراسلي الأميركان في شهر ربيع الأول ١٣٢٨ — ١٩١٠ وانتقد ما يرمي إليه كثير من الشبان في أوربا وأميركا وأفريقية من الرغبة في التولف وخدمة الحكومة فأرادهم على ترك الاتكال والعمل في أعمال المعاش على طريق الاستقلال قال: فمتى قلت لكم أنه يجب عليكم أن تؤيدوا الحكومة لا أريد أن يخطر لكم أنني أريد من قولي هذا أنكم مضطرون إلى السعي وراء أحرز الوظائف فيها ضحك بل إن الأمر على عكس ذلك. وأرجو يا حضرة الدكتور جفن رئيس الإرسالية الأميركية في السودان أن الأعمال التي قمتم بها هنا والتي تقوم بها سائر المعاهد العلمية التي لكم صلة بها سترمي إلى تلك الغاية. فتذكرون دائماً أن أعظم الناس خدمة ونفعاً للحكومة هو الرجل الذي يأبى على كل حال أن يشغل وظائفها. أما أنا فلا أريد أن أرى كلية من كليات الإرسالية موجهة سعيها الأول وجاعلة غايتها الرئيسة من التعلم مجرد تخريج طلبة لإحراز الوظائف في مناصب الحكومة. بل أريد أن أرى المتخرج مستعداً للعمل باستقلال وبدون أقل اهتمام بأية مساعدة ينالها من راتب يتقاضاه من الحكومة. فإن أفضل الوطنيين شأناً هو من برع في الهندسة والصناعة والزراعة ومن سوء الحظ أن يقع في الأذهان سواء في أميركا وأوربا وأفريقية أن الرجل المتعلم يجب أن يجعل غايته الوحيدة اتخاذ وظيفة في خدمة الحكومة. إنني أرجو أن يتخرج من هذا المعهد العلمي وأمثاله عدد من أفضل الموظفين لخدمة الحكومة في أعمالها العسكرية والملكية ولكن إذا وافقت الأحوال فإن موظفي الحكومة بين ملكيين وعسكريين يكونون دائماً العدد الأقل من المتخرجين. لأن الغاية العظمى التي يجب أن ترمي إليها المعاهد العلمية هي تخريج رجال يستطيعون العمل بدون مساعدة ويستطيعون أيضاً مساعدة أنفسهم وغيرهم وهم على استقلال تام بدون أن تكون لهم أقل علاقة بالحكومة. وهذه مسألة أهتم بها كثيراً هنا اهتمامي بها في أميركا بالذات. . . . وفي الختام أقول لا تقعوا في الخطأ الذي يقع فيه الشبان منكم فتظنوا أن علمكم قد انتهى بخروجكم من المدرسة أو الكلية. بل اعلموا أنكم إنما أنجزتم نصف العلم فأنا الآن في الخمسين من عمري ولو أني توقفت عن تحسين حالي وزيادة معارفي لشعرت أن قد أوشك أن ينتهي نفعي للجمهور. فعلى كل واحد منكم تخرج من مدرسته أن لا يقول الآن قد انتهى تعلمي فيف وسعي أن أكسل بل أريد أن تقولوا قد سهلوا لي وضع أساس قوي للتعليم الناضج وفيما أنا أقوم بأعمالي سأواصل تمرين نفسي وتعليمها فبدلاً من أن تمر بي الأعوام وأنا واقف في مكاني أراني أتقدم وأصير أكثر كفاءة للعمل وأوفر مقدرة على إنجاز الأعمال الحسنة. هذا ما قاله في هذه الخطبة وهو كما نراه يدعو إلى الاستقلال في التربية وقال في خطبة له في القاهرة ألقاها في الجامعة المصرية ابتدأها بالأسف لأنه ليس من أهل العلم ليتكلم بالعربية ولو كان منهم لما تكلم إلا بها: اجتنبوا الباطل والادعاء الفارغ كما تجتنبون التعصب الديني والجنسي والسياسي. إن في كليات أوربا وكليات بلادنا أموراً كثيرة تستفيدون منها ولكن فيها أموراً كثيرة يجب اجتنابها. فاقتبسوا عنها ما كان حسناً ولكن انتقدوه قبل اقتباسه حتى تثقوا بأنكم إنما تقتبسون ما هو الفضل والأصلح لكم. وأهم اجتناب من التقصيرات التعليمية اجتناب التقصيرات الأدبية. فإنكم ترسلون الطلبة إلى أوربا لكي يدرسوا فيها ويستعدوا لأتن يصيروا أساتذة. وهذا الاستعداد لازم إذ من الأمور الجوهرية أن تكون الجامعة مطلعة على أحسن ما يجري في معاهد أوربا وأمريكا العلمية ولكن ليعتن الشبان الذين يرسلون باقتباس كل ما هو حسن وجميل وواجب لأرقى أنواع التقدم الحديث وليجتنبوا كل ما كان غير ضروري في تمدن هذا العصر ولاسيما رذائل الأمم المتمدنة الحديثة ولتكن أذهانهم مفتوحة إذ من الخطأ العظيم إن تأبوا اقتباس ما رقي به الغرب في مرقاة القوة والعدول والعيشة الطاهرة وأن تقضوا به حاجاتكم ولكن من الخطأ العظيم أيضاً أن تقتبسوا ما كان رخيصاً أو مبتذلاً أو رديئاً. ليعلم الذين يرسلون إلى أوربا أن فيها أشياء كثيرة يجب أن يتعلموها وأخرى يجب أن يجتنبوها ويرفضوها فليأخذوا الحسن ولينبذوا القبيح. واعلموا أيها الخلان أنه إن كان عندي شيء أقوله لكم فذلك الشيء هو أن الأخلاق أهم من العقول بكثير وأنه يجب على كل جامعة عظيمة بالفعل أن تسعى في تربية الصفات التي تكون منها الأخلاق أكثر من تربية الصفات التي تقوم بها العقول المثقفة. نعم إنه ما من رجل يبلغ الطبقة العليا بين الرجال إذا لم يكن ذكياً عاقلاً بنفسه ولم يكن مثقفاً بعقل وذكاءٍ إذ التثقيف لازم كالذكاء ولكن الذكاء وحده لا يجدي ما لم يسترشد بقلب مستقيم وما لم تكن وراءه قوة وشجاعة. فالآداب والحشمة والعيشة الطاهرة والشجاعة والمروءة واحترام الإنسان لنفسه كلها صفات أهم في تربية الأمم من ذكاء العقول فاجعلوا هذه الجامعة بحيث تساعد أمتكم على الارتقاء دوماً. واحذروا خصوصاً من نقص واحد في التربية الغربية فقد كثر الميل في مدارس الغرب العالية إلى تعليم الشبان حتى يكونوا رجال علم وأدب ورجال صناعات وموظفين في وظائف رسمية كأن لا تربية حقيقية إلا التربية العلمية ولذلك سررت غاية السرور بأنكم شرعتم في بناء المدارس الصناعية والزراعية في مصر إذ التربية العلمية نوع واحد من أنواع التربية المختلفة وليس من الحكمة أن يقتصر عليها وحدها سوى جزءٍ قليل من أهل كل البلاد. أما بقية الأمة فيجب أن تستبدلها بغيرها وتتمرن على أعمال أخرى. إن سمو الخديوي في أعماله الكثيرة التي تتناول جميع وجوه العيشة المصرية أظهر حكمة عالية بعد أن نظر وأدرك حاجات بلاده بما يظهره من الاهتمام بترقية زراعتها وتحسين الزرع والضرع. فهذه البلاد كسائر البلدان تحتاج إلى عدد معين من الرجال تؤهلهم تربيتهم الانقطاع إلى العلم والتعليم في المدارس أو تقلد مناصب الحكومة. ولكن ليس من مصلحة بلاد ما أن ينصرف إلى هذه الأمور سوى جزء صغير من ذوي العقول الكبيرة فيها. ويجب أيضاً ترقية الميل إلى الصنائع وتمرين الأهالي حتى يحسنوا الزراعة وينبغوا فيها كما ينبغ أمهر المحامين والموظفين وحتى يخرج منهم التجار والمهندسون وأصحاب الأعمال الأخرى التي لا غنى عنها في بلاد عظيمة متمدنة. إن وجود سياسي شعبي مستقيم بعيد النظر مفيد في كل بلاد ولكن فائدته تتوقف خصوصاً على استطاعته التعبير عن مشيئة أمته وللسياسي النصيب الأكبر في قيادتها وللتاجر والزارع والمهندس وأهل الفنون الأخرى النصيب الأوفر. كل أمة لا يكون لها من القادة والساسة والمحامون لم تدرك شأواً يستحق الذكر. فأساس الحياة الصحيحة في كل بلاد واجتماع إنما هو الرجال الذين يعملون الأعمال المختلفة من حراثة وصناعة وتجارة ولا فرق أن يشتغلوا بأيديهم أو بعقولهم. وخير للإنسان أن يشتغل برأسه ويديه معاً فهؤلاء الذين يعملون الأعمال الكبرى في حياة المجموع وما المشتغلون بالعلوم والمعارف والسياسة والقانون وموظفو الحكومة سوى مكملين لهم. على أن الأمر المهم أن يقوم العمل على الأمانة والكفاءة مهما يكن مركز العامل من أكبر كبير إلى أحقر حقير. وما أقوله هنا على ضفاف النيل هو نفسه ما قلته على ضفاف أنهر الهدسون والميسيسيبي وكولومبيا. واذكروا دائماً أنه لا الفرد ولا الشعب يتربيان التربية الجوهرية بمجرد فعل يفعلانه وإنما يتربيان بطريقة تتعاقب فيها الأفعال كطريقة النمو فإنك لا تجعل الإنسان متربياً ومتعلماً تعلماً حقيقياً بمجرد إعطائه دروساً معينة وكذلك لا تجعل أمة صالحة لأن تحكم نفسها بنفسها بمجرد إعطائها دستوراً على الورق. بل تربية الفرد وتعليمه حتى يصير صالحاً للعمل في العالم تستغرقان أعواماً طويلةً وهكذا تربية الأمة وإعدادها حتى تنجح في قضاء واجبات الحكومة الذاتية لا يتمان في عشر سنوات أو عشرين بل يلزم لهما أجيال متعاقبة. وخطب أيضاً تلميذات كليات البنات الأميركية في القاهرة فقال: لا تقوم أمة في العالم أبداً إذا لم تكن فيها المرأة قادرة على القيام بعملها بجدارة وأهلية مثل الرجل وأنه من العدل أن تفهم وهي في حداثة السن في مدرستها وتعلم كيف تؤدي أعمالها وأشغالها. إني أفتخر بكل مدرسة لا تقتصر على تلقين العلوم بل تعلم العمل ولا أشك في أن تلميذات هذه المدرسة متى صرن صاحبات بيوت يبرهن على اقتدارهن على أن يقمن فغي بيوتهن كما تقوم نساء الإرسالية في بيوت رجالهن. يسرني جداً في هذه المدرسة أنها تعمل على قاعدة التسامح الديني. يسرني جداً أن ما علمته من أن ثلث تلميذات هذه المدرسة مسلمات والثلثين مسيحيات وإسرائيليات ومن طوائف أخرى. أود الآن أن أتكلم عن المدارس عامة لما جئت إلى مصر من زمن بعيد لم تكن الحالة كما هي الآن إنني لا أقدر أن أصفها تماماً ولكن أتذكر منها ما يجعلني مع المقابلة أرى الآن النجاح والتقدم العظيم. إنني شاهدت الآن بيوتاً وترتيباً ومعيشة لم أشاهدها حينئذ. رأيت في بيوت عديدة ما دلني على أن الزوجات والأمهات اللواتي فيها قد كن تلميذات في هذه المدرسة أو أنهن عاشرن معلماتها والمتعلمات فيها. إنني في كلامي عن المدارس لا أخصص جنساً منها بل أمتدح كل المدارس على اختلاف نزعاتها وصفاتها والقائمين بالعمل فيها ولا أقول أنه توجد مناظرة بين هذه المدارس أو أنني أكره المناظرة في هذا السبيل بل أقول أنني أرجو الخير لجميعها إذا كانت تعمل وهي ولا شك تعمل لخير المصريين. هذا ما قالع العلامة المشار إليه وهو كما تراه يرمي إلى الاستقلال وينفر الناس عن الاتكال إذ قد عز عليه أن يرى شبان الشرق يقلدون بعض شبان الغرب في مكاسبهم ومعايشهم فيصبحون عالة على الحكومات يرزقون من خزائنها مختارين في عملهم الراحة على السعي والكسل على المضاء والتضييق على الانطلاق والاتكال على الاستقلال فتخرب البلاد بإهمال أبنائها لها ويفتحون بأيديهم أبواب بيوتهم للدخلاء والغرباء وتترك خيرات الأرض لمن يقوم على تعهدها واستثمارها واستنباتها. ومن طبيعة المرء أن يحب العيش المضمون المريح وليس أحسن من الوظائف في هذا الباب تضمن معاش الإنسان في حياته وبعد مماته فيتدرج في سلسلة المراتب ولاسيما إذا كان على شيء من المعرفة المكتسبة والجربذة والدهاء ومعرفة المدخل والمخرج في نيل رضى رؤسائه بحيث يكون كالآلة في أيدي محركها ولا يطلب من الآلة إلا تنظيم سيرها فإن نطقت هي وسألت عن السبب كان للموظف ولاسيما إذا كان صغيراً أن يسأل عنه. يكفي في مضار التوظيف في الحكومات أنها تسلب الإرادة ومكن سلبت إراداته فنيت نفسه ومن فنيت نفسه كان كالميت لا يتحرك إلا إذا حرك. وأن أمة يرضى أرباب نوابغ الذكاء فيها لأنفسهم أن يكون بلا إرادة ولا شخصية ولا استقلال جديرة بالضعة والمقت والفقر والخمول وإذا حاز النبهاء هذه الصفات السيئة فأولى أن يكون حظ الخاملين أتعس. ولا رجاء لعامة ضعف خاصتها عن تعهد أمرها. ومن أكبر الدواعي في ترجع عمران البلاد العثمانية والمصرية أنه وقر في النفوس مع الزمن أن من لم يخدم الحكومة لا يعد من الأشراف ولا من أرباب المكانة والرأي والوجاهة. وإن كل مروءة وحكمة وعقل وعلم ورفعة وقف على الموظفين ومن لم يحتك بالحكومة كان وضيعاً مهما رفعه مقامه وشرف آبائه وأجداده وجده ومضاؤه وحنكته ودربته ومعرفته وثروته. هذا الخلق من طبيعة الحكم الاستبدادي وكم رأينا بيوتاً خربت لأن أربابها عز عليهم ألا يجاوروا بيوتاً أخرى كانت منافسة لهم في التسابق إلى دواوين الحكومة فغفلوا عن تجارتهم وزراعتهم المعقولة المشروعة وتعلقوا بالتافهات من خدمة أرباب الحكم فما استفادوا بقديمهم ولا أحسنوا يلقف حديثهم. وأكثر ما يكون هذا الخلق ظهوراً الآن في سكان العواصم مثل الآستانة والقاهرة ودمشق وحلب فترى كثيرين من أهلها كالحلمة الطفيلية ينتظرون نقل أحدهم أو استقالته أو موته حتى يخلفوه في مكانه. إن أقوال المستر روزفلت حرية بأن يجعلها أهل هذه البلاد رائداً بين أيدي أعمالهم ومهمازاً لهم في أقولهم وأفعالهم. إن انصراف وجوه الناس كلهم نحو التوظف قد عطل في بلادنا القوى المعنوية والمادية وغادر القوم كإعجاز نخل خاوية تركوا موارد الثروة الحقيقية وراحوا زرافات يطرقون أبواب الحكومة وما هي بمغنية رعاياها كلهم وهم هم مادة حياتها وبغناها تغنى وبشقائهم تشقى. لا يتعلم المتعلم منا من أهل الطبقة العالية والمتوسطة والدنيا إلا ليكون ضابطاً أو قائمقاماً أو موظفاً في الأقلام أو من رجال القضاء وقليل جداً من يريدون أن يتعلموا ليستعدوا لإنجاح تجارتهم وزراعتهم وصناعتهم ولاسيما من أهل الإسلام الذين حصروا آمالهم في الحكومة في كل دور من أدوارهم ولذلك قلما رأينا ابن تاجر منا علمه أبوه على الأسلوب الجديد حتى يكون كتجار الإفرنج بتعليمه وتجاربه ويعود عليه القرش قرشين بدل أن يعود قرشه ببارة. طف مخازن القاهرة والآستانة وأزمير وسلانيك والإسكندرية وبيروت واسأل عن تراجم أربابها وأجناسها فهل ترى فيهم إلا إفرنجاً وغير مسلمين من أهل البلاد. وإذا وقع لك أن صادفت تاجراً مسلماً فيكون في الأكثر غريباً عن تلك المدينة أو أنه أحوج إلى التعلم في عمله من أصغر تاجر من أولئك التجار أرباب الأموال الطائلة والمعارف الواسعة. تجول في القرى وافحص المزارع هل تجد لمسلم وطني مزرعة نجحت بسعيه كما نجحت مستعمرات الألمان في فلسطين والفرنسويين في البقاع ومستعمرات الطليان والرو والأرمن في مصر وإذا رأيت مسلماً أخصبت تربته على سبيل الاتفاق فابحث عن السبب تراه اهتدى إلى استخدام أناس ممن تربوا على غير طريقته وعرفوا في الأمور الدنيوية من أين تؤكل الكتف. وابحث عن صناعات البلاد هل تراها كل يوم إلا ترجع القهقرى لأن أربابها جمدوا على ما تعلموه من آبائهم ولم تحدثهم أنفسهم في تقليد الراقين من صناع الأيدي ولأنك لا تجد في الألف منهم واحداً يعرف ما يقتضي لنجاحه من الأسباب وأي الطرق سلكها الغربيون حتى بزوا بمصنوعاتهم مصنوعاتنا ويوشكوا أن يقضوا عليها قضاءً أبدياً. كل هذا نتيجة الكسل والاعتماد على الحكومة في الرزق والبلاد لا ترتقي إلا بالمسلمين في المملكة العثمانية لأنهم الجمهور الأعظم من السكان ومنهم جلُّ رجال القضاء والإدارة وأرباب الأملاك والأراضي ولا سبيل إلى ارتقائها إلا إذا ارتقوا هم أنفسهم إن لم يكن أكثر من مواطنيهم فلا أقل من أن يكونوا على مستواهم. ونظن هذا التصريح جارحاً ولكن هي الحقيقة لا تدليس فيها ولا دهان. إن كل ما كان الموظفون يجمعونه من دماء الأمة لم يثمر لهم الثمرة الجنية لأنه مال حرام أتاهم من غير طرقه المشروعة من كد واقتصاد فلم نر ثروة تسلسلت في أعقاب الموظفين إلى جيلين إلا نادراً وكثيراً ما كان يفتقر الموظفون في حياتهم لولا رواتب التقاعد رأيت أعظم الموظفين في السنة التي يضطرون فيها إلى ترك وظائفهم الفارغة أيديهم من مال يعتاشون به ولو كانت مشاهراتهم تعد بعشرات الليرات. هذا من حيث المال أما عن سلب حرية الموظفين فحدث ما شئت أن تحدث ولولا أن العادة تسهل الأشياء لقضي على أكثر الموظفين في سن الكهولة لكثرة ما يلقون من عنت رؤسائهم وتضييق وجداناتهم وكم من ذكاء ذهب سدى لأن صاحبه لم يستعمله بل حصره في دائرة ضيقة من عمل أصبح له شيئاً معروفاً في بضعة أشهر وقضى عمره وهو يبيض ويسود أو يحاسب في موضوع لا يكاد يتعداه. إن التوظف عمل من أعمال الناس لا يصح أن يترك وإلا فمن يدير شؤون البلاد ولكن لا يجب التهالك عليه كما نراه يتزايد اليوم بعد اليوم فالأم التي كانت تفرح ابنها فيما غبر وتقول له إن شاء الله أراك باشا ينبغي لها أن تربيه مع أبيه على أن يكون بعد اليوم ممتازاً في حرفة من الحرف أو صناعة من الصناعات فقد جربت الأمة ورأت من إفلاسها ما لا ينكره عاقل لأنه لم يتعلم منها أحد إلا ليكون من المستخدمين. كأن خيرات الأرض والسماء لا تغدق إلا على من ينصب نفسه وجسمه للجري على إرادة غيره لينال بزعمه رزقاً هنياً ليناً. إنا والله مع احترامنا لكل موظف أمين يخدم الأمة بصدق ويقبض راتبه بعرق جبينه لنفضل عليه من يتجر السماد لتعمر به الأرض ومن يخرج الحجارة من المقالع ويعتمد على خالقه وعمله في معاشه على فرد ينسى كل شيءٍ ويتجرد عن كل شيءٍ ليقال عنه أنه موظف. نزل مصر بعض المتعلمين من السوريين منذ عهد الخديوي إسمعيل وقبله وأخذوا بما فيهم من النشاط والقوة والمعرفة يتولون الوظائف وينافسون فيها المصريين في بلدهم فبقيت أرزاقهم محدودة ولم يخرجوا عن كونهم مستخدمين يصرفون في آخر شهرهم كل ما قبضوه في أوله. ولما صعبت الحكومة المصرية وصول غير المصري إلى تولي الوظائف بالقانون الذي سنته على عهد الوزارة الرياضية حول السوريون وجلهم مسيحيون وجهتهم إلى التجارة والزراعة فمإذا كان من إثر ذلك عليهم؟ كان منه أن أصبحوا يتكلمون على عملهم وكدهم ويبتاعون الأطيان البائرة في القطر المصري فيعمرونها بنشاط ومعرفة ويتجرون بمصنوعات البلاد ومصنوعات أوربا ويتوفرون على تنمية أموالهم بطرق اقتصادية حتى لم يمض عقد أو عقدان من السنين إلا وقد أصبح أبناء سورية النازلون في مصر أغنياء بعد الحاجة موسعاً عليهم غب الضيق يملكون القصور الباذخة ويتمتعون بالعيش الخضال حتى قدر أحد العارفين ثروة السوريين في مصر بخمسين مليون جنيه أي بعشر مجموع ثروة مصر. ولو ظلوا راضين كلهم بالدون من المعاش لما جمعوا واحداً في المئة من هذه الثروة الطائلة ولا يكون ما يجمعونه إلا من التقتير والشح وكذلك فعل المسيحيون في البلاد العثمانية لما قطعوا آمالهم من الحكومة فباتت أعمال المعاش المهمة كما تقدم بأيديهم ودرت عليهم أخلاف السعادة ولو قلدهم سائر العثمانيين في هذه الخطة الشريفة لخلصنا من الإشكال الذي لم تبلغه أمة من الأمم في سالف القرون والأجيال. قال الجاحظ في رسالته مدح التجار وذم عمل السلطان: وهذا الكلام لا ينجم من حشوة أباع السلطان فأما عليتهم ومصاصهم وذو البصائر والتمييز منهم ومن فيقة الفطنة وأرهقه التأديب وأرهبه طول التفكر وجرى فيه الحياء وأحكمته التجارب فعرف العواقب وأحكم التفضيل وينطق ؟ غوامض التحصيل فإنهم يعترفون بفضيلة التجار ويتمنون حالهم ويحكمون لهم بسلامة الدين وطيب الطعمة ويعلمون أنهم أورع الناس أبداً وأهنأهم عيشاً وآمنهم سرباً لأنهم في أفنيتهم كالملوك على أسرتهم يرغب إليهم أهل الحاجات وينزع إليهم متلمسو البياعات لا تلحقهم الذلة في مكاسبهم ولا تستعبدهم الضرع لمعاملاتهم وليس هكذا من لابس السلطان بنفسه وقاربه بخدمته فإن أولئك لباسهم الذلة وشعارهم الملق وقلوبهم ممن هم لهم خول مملوءة قد لبسها الرعب وألفها الذل وصحبها ترقب الاحتياج فهم مع هذا في تكدير وتنغيص خوفاً من سطوة الرئيس وتنكيل الصاحب وتغيير الدول واعتراض حلول المحن فإن هي حلت بهم وكثيراً ما تحل فناهيك بهم محرومين يرق لهم الأعداء فضلاً عن الأولياء فكيف لا يميز بين من هذا ثمرة اختياره وغاية تحصيله وبين ما قد نال الوفاء عنه والدعة وسلم من البوائق مع كثيرة الإثراء وقضاء اللذات من غير منة لأحد ولا منة يعتد بها وكم بين من هو نعم المفضلين خلي وبين من قد استرقه المعروف واستعبده الطمع ولزمه ثقل الصنيعة وطوق عنقه الامتنان واسترهن بتحمل الشكر الخ. ملك الإنكليز وإمبراطور الهندمقتبسة من المقتبس اليومي إذا كان فراق هذه الدنيا تزداد صعوبته بزيادة إقبال الحظ وسعادة الطالع على المرء فالملك إدوارد السابع أولى الخلق بكراهة الموت وحب البقاء. وإن كان بلوغ الأماني وحصول الرغائب وازعاً عن التشبث بحبال الحياة ومفضياً به إلى القناعة من الدنيا والاكتفاء من لذائذها وحب الرحيل عنها فهذا العاهل الكبير أجدر الناس على الإطلاق بالملل من العمر والازدراء بأطايب الحياة. وذلك لأنه عاش عمراً مفعماً بالحوادث العظيمة ومملوءاً بكل ما اشتهته نفس وطاب به قلبه وتمتع بجميع ما تتطلبه الأميال البشرية وتهنأ به النفوس. فقد كان قبل أن ارتقى إلى العرش البريطاني في ٢٢ كانون الثاني ١٩٠١ منصرفاً إلى ما يلذه من السياحات والمذاكرات والمشاغل الخاصة غير محتمل عناء السياسة ولا متعرض إلى ما لا يعنيه من شؤونها فكان يكثر من مخالطة العلماء ومفاوضتهم في الفنون التي أولع بها ويحضر الحفلات العلمية ويسمع الخطب ويقرأ المقالات في العلوم الطبيعية والجرائد السياسية ويقف على آراء الزعماء ومطالب الأحزاب وأغراضهم ويعي ذلك في صدره لينتفع به عند الحاجة ويتلهى بالخروج إلى الصيد في أوقات الفراغ والسياحة في أوربا وقد كان مولعاً بمدينة باريس وجعلها موضع طربه ومقر صفائه وأكثر من انتيابها واللهو فيها حتى اتهمه الناس بالمجون والطيش وحسبوا انبعاثه في الملذات وقيامه على صفاء العيش وخلو الذهن من المشاكل يجعله ضعيفاً في إدارة الشؤون السياسية قاصراً عن النهوض بأعباء الملك عند انتدابه إليه. درس العلوم العالية في جامعة كامبريدج وجامعة أكسفورد ونال منهما رتبة دكتور في الشرائع ووجهت إليه درجات علمية سامية من المدارس الكبرى في بريطانيا ومستعمراتها وعين قائداً في الجيش البري وأميرالاً في البحرية الإنكليزية وانتخبه الماسون رئيساً أعظم للمحفل الإنكليزي وكان غيوراً على هذه الجمعية مؤيداً لمبادئها حافظاً لقوانينها حتى صار له في العالم الماسوني مقام جليل ومنزلة سامية. وقد زار سورية سنة ١٨٦٢ وجال في مدائنها وتفقد آثارها كما ساح في غيرها من بلاد الشرق والغرب مثل مصر والهند وكندا والولايات المتحدة وغيرها وتعرف بأكثر ملوك الدنيا قبل وصوله إلى العرش واضطلع بالسياسة الخارجية ودرس طبائع الأقاليم والشعوب وكان ينوب عن والدته الملكة فيكتوريا في أكثر الاحتفالات الدولية والجمعيات العلمية والخيرية. أقضى إليه صولجان الملك بعد وفاة والدته فطرح اللهو جانباً وانتقل من دور التأهب إلى دور العمل وقد كان عندئذ الاضطراب سائداً والارتباك مستولياً في دوائر إنكلترا السياسية بسبب الحروب الناشئة في جنوبي أفريقية مع الترانسفال وإن كان النصر قد انبلج للإنكليز وتوثفوا من استيساق الأمر في تلك الناحية فعمد إلى سياسة اللين والرفق وغير خطة العنف التي كانت تنويها حكومته مع ذلك الشعب فأباح لهم الأمن والاستقرار في منازلهم ووزع عليهم الأرزاق والحقوق حتى أخلدوا إلى السكينة والهدوء ورتبت الشؤون في بلاد الراس على أسلوب مهد لإنكلترا ثبوت القدم على نصف قارة أفريقية من جهة الجنوب وإقامة دولة إنكليزية في تلك الأقاليم تضارع دولتها في الهند. ثم فكر بوسيلة للاطمئنان من جهة هذه الدولة الضخمة وإيصالها من منابع النيل إلى مصبه وما زال يدبر ويمهد حتى وفق إلى عقد الاتفاق الودي مع فرنسا وأطلق يد إنكلترا في وادي النيل فأصبح البأس الإنكليزي مشتملاً على القسم الأعظم من قارة أفريقية من الإسكندرية إلى رأس الرجاء الصالح. وهذا الاتفاق الذي ألف به إدوارد السابع بين الإنكليز والفرنسيس هو أعظم عمل قام به في حياته وأحسن ما استفادت منه إنكلترا في القرن الماضي خصوصاً وقد كان عقده أثناء الحرب اليابانية في الشرق الأقصى عندما كان يخشى من أن تسعى فرنسا بتأليف حزب كبير في أوربا لمناصرة روسيا وإضاعة انتصارات اليابان. في أيامه شذبت اليابان قتادة الروس في الشرق الأقصى، وكفكفوا غائلهم إلى الوراء في منشوريا وبلغت السياسة الإنكليزية في ذلك أوجها الأعلى بانكسار شوكة روسيا والطمأنينة من تعاظمها وتعاليها في الشرق فأمنت الهند منها وتحققت أن هذا القلق قد خمدت خمرته وبردت ثائرته فلا يتحرك قبل اواسط القرن العشرين. وفوز الساسة الإنكليزية في الشرق أقنع أوربا قاطبة أن إنكلترا هي صاحبة الكعب الأعلى والمقام الأول وهي الخصم الذي لا ينازع والقرن الذي لا يدافع فتزلفوا إليها بالمودة وتلطفوا بخطبة مودتها والتقرب منها حتى أن روسيا التي تحملت الضربة الكبرى اغتفرت لها الذنب وتناست ما للإنكليز من تعزيز شأن اليابان ومعاضدتهم في تلك الحرب ومالت إلى مصانعتهم واسترضائهم والفضل الأكبر في هذا النفوذ كان للملك إدوارد الذي أدار دفة السياسة بيده واهتم بتدبير الأمور على هذا المنوال. ومن غرائب الاتفاق في السنوات التسع التي كان فيها هذا العاهل على العرش البريطانية لم يظهر أثنائها رجال بين ساسة الإنكليز مثل الذين ظهروا على عهد والدته بالاقتدار والحنكة والدراية فلم يكن لديه مثل غلادستون وسالسبوري وبيت وبكنسفليد وبلمترسون وغيرهم فكان الحمل عليه ثقيلاً والتبعة عظيمة وأخذ على عاتقه استنباط الأساليب واختراع المذاهب السياسية ومال إلى سياسة العلم والرفق أكثر ملوك أوربا ورؤساء حكوماتها وألف بين القلوب وأصفى الود لأعدائه وعقد معهم عقد المودة والإخلاص وصارت إنكلترا التي كانت بالتقاليد الأوربية القديمة مهتمة بالاعتزال والانفراد والكبرياء ومكروهة من الشعوب أقرب الأقوام مودة وأعلقهم بقلوب الأمم. فهو أول ملك إنكليزي زار قياصرة الروس في عاصمتهم وأول من انتزع سخائم البغض والعداوة الراسخة بين الإنكليز والفرنسيس. وقد تعاصى عليه استجلاب ابن أخته إمبراطور ألمانيا باللين والصداقة فألب عليه جيرانه وكاد يخرج إيطاليا من المحالفة الثلاثية يفرد الدولة الألمانية وحدها بين الممالك الأوربية. أما علاقة الملك إدوارد بدولتنا وسلطاننا فقد كانت في دور الاستبداد أقرب إلى العداء منها إلى الصداقة وقد صرح مراراً في مفاوضاته السياسية أنه يتمنى الخير للدولة العلية غير أنه بائس من إصلاحها ويحسبها عضواً فاسداً في العالم المتمدن لم يكن نصيراً للدولة الحميدية في نكباتها ولا أعانها في ويلاتها الكثيرة بل ربما شد في بعض مآزقها ومهد السبيل إلى ندور بعض الولايات عنها فكانت له اليد الطولى في استقلال كريت ورغب في إخراج مكدونيا من الوحدة العثمانية متبعاً بذلك سياسة غلادستون الذي كان الحزم بتقسيم الدولة العثمانية إلى ممالك صغيرة حرصاً على السلم العام. وصفاء بال العناصر من المشاكل الحميدية. ثم لما تبين الرشد من الغي وانتصر الحق على الباطل بظهور الأحرار على الأشرار وإعلان الدستور في البلاد العثمانية كان الملك إدوارد أشد الأجانب فرحاً بهذا الانقلاب وأكثرهم مظاهرة لحكومتنا الجديدة الحرة فوقف في وجه ألمانيا وعرقل دسائسها في البلقان وصرف نفوذه وقوة دولته العظيمة في استمالة الرأي العام في أوربا لجهتنا وتسكين القلاقل في الروم إيلي وحال دون أمنية الأعداء الذين حاولوا إلحاق جزيرة كريت بحكومة اليونان وقد أثر عنه كلام كثير ومواقف متعددة نشط فيه حركتنا الدستورية وتمنى لنا الخير والإقبال وتوسم فينا التقدم والفلاح وكان أول من قر بين الملوك على خلع عبد الحميد بما هنأ عليه السلطان محمد رشاد من عبادات الود والإخلاص وقد اشتدت عزائم أحرارنا بمظاهراته لهم وتصريحه بالسرور والاستبشار بما قاموا به من النجدة والحمية. هذه أهم الأعمال السياسية التي قام بها الملك إدوارد السابع مدة ملكه القصيرة وجميعها عائدة على أمته بالخير والنجاح وعلى العالم بالفضل والصلاح حتى لقبه الأوربيون بصانع السلام واعترفوا أنه رئيس السلم والداعي إلى الوئام والوفاق وحامي الحرية والعدل ينضوي تحت رايته نحو مائة مليون من المسلمين في الهند وجزائها وأفريقية والسودان والصومال وغيرها وقد كان يحب هؤلاء المسلمين من رعاياه ويعدهم أخلص الشعوب لعرشه وأعلقهم به حباً وقد اسفوا على موته وحفظوا له ذكراً حميداً. لا يجادل أحد في أن الملك إدوارد كان أرحب الملوك صدراً وأوسعهم فضلاً ومن أكثرهم علماً وأعرضهم جاهاً وأسلمهم قلباً وأصفاهم وداً. وقد اشتد حزن شعبه عليه ولم يجد سبيلاً للعزاء سوى ما يؤملونه من أن ابنه وولي عهده ينسج على منواله ويحذوا حذوه في السياسة بهذه الأيام التي يشكو فيها الإنكليز من قحط الرجال في عواصمهم. ولد ابنه الملك جورج في ٣ حزيران سنة ١٨٦٥ فهو اليوم في الخامسة والأربعين من عمره وتبوأ التخت الإنكليزي منذ أسبوع وليس له من الشهرة وسعة الاطلاع ما كان لوالده قبل بلوغ الملك فهو أقرب للعلم منه إلى العروش وأشد ولعاً بالمطالعة والدرس منه بالتمرسات السياسية وقد صرف معظم حياته الماضية بين الكتب وفي الأندية العلمية وملاحظة المعاهد الخيرية. على أن القوم لا يتوقعون منه أعمالاً عظيمةً ويحسبون أن عقله الكبير الذي أجاد في مجال العلم والتفكير لا يقصر في ميدان السياسة والتدبير. مصطلحات آلات الطرب وأغاني العرب كل من طالع كتاب الأغاني وبعض كتب الأدب القديمة التي تذكر بالغناء وأنواعه وآلات الطرب وملاهيه يقع على ألفاظ علمية اصطلاحية إذ نقر عنها في دواوينه اللغة ومعاجمها المطولة لا يرجع عنها إلا ما رجع بها حنين. ولقد حاول المستشرقون غير مرة البحث عنها في الكتب الأدبية التي ألفت في الصدور في الصدر الأول من زهو اللغة فلم يعثروا على ضالتهم كما لم يعثر عليها أدباء الشرق وعلماؤه. وقد وفق العاجز في هذه الآونة إلى وجود الضالة نبهاً في كتاب مخطوط كنت قد وصفته في المقتبس ٢:٢٨٢ — ٣٨٦ وعنوان البحث في كتابنا المذكور هو: العود ومصطلحاته وها نحن أولاء ننقل إلى الأدباء قراء المقتبس الأغر ما جاء من البحث تعميماً للفائدة ونتشاً لشوكة الجهل الناشبة في أذهاننا من هذا القبيل. قال صاحب الكتاب: العود ومصطلحاته في الصفحة ٢٢١ من المخطوط وما يليها: كثيراً ما كنت أطالع في كتاب الأغاني ألفاظاً في مصطلح الغناء وما كنت أتوصل إلى فهمها حتى ظفرت أخيراً برسالة لعبد القادر بن غيبي الحافظ المراغي المشهور بعلم الألحان فأخذت عنه ما يتعلق بفتح مغلق الكلام الخاص بهذا العلم فأقول: اعلم أن الألفاظ الواردة في كتاب الأغاني تتعلق كلها بالعود العربي فإذا علمت أن تركيب هذه الآلة هان عليك فهم ما أشكل عليك من مصطلحها فهذه الآلة طولها مثل عرضها مرة ونصفاً وغورها كنصف عرضها وعنقها كربع طولها في الراحة وثخن الورقة من خشب خفيف ووجهاً أصلب وتمد عليه أربعة أوتار أغلظها البم بحيث يكون غلظه مثل المثلث الذي يليه مرة وثلثاً. والمثلث إلى المثنى كذلك. والمثلث مثل الزير كذلك وقد ضبطوها بطاقات الحرير فقالوا: يجب أن يكون البم أربعاً وستين طاقةً. والمثلث ثمانية وأربعين والمثنى ستاً وثلاثين. والزير سبعة وعشرين. ويجعل رؤوسها من جهة العنق في ملاوٍ والأخرى كمشط فتتساوى أطوالها. ثم يقسم الورق أربعة أقسام طولاً ويشد على ثلاثة أرباعه مما يلي العنق وهذا دستان الخنصر. ثم ينقسم الآخر تسعة ويشد على تسعة مما يلي العنق وهذا دستان السبابة. ثم يقسم ما تحت دستان السبابة إلى المشط أتساعاً متساوية ويشد على التسع مما يلي المشط ويسمى دستان البنصر فيقع فوق دستان الخنصر مما يلي دستان السبابة. ثم يقسم الوتر من دستان الخنصر مما يلي المشط ثمانية أقسام وضعف إليها جزءاً مثل أحدها مما بقي من الوتر وشده فهو دستان الوسطى ويكون وقوعه بين السبابة والبنصر. فهذه الاصطلاحات هي المصححة للنسب فإذا جذب وتر منها إلى غاية معلومة سمي الزير فيجذب المثنى على نسبة تليه في الانحطاط وهذا مع الجنس بالخنصر والضرب حتى يقع التساوي. فالزير كعنصر النار في الطبع والتأثير. والمثنى كالهواء والمثلث كالماء والبم كالتراب. فانطبق على الأخلاط والأمزجة أفراداً وتركيباً. ويقوى ما يكون على الأخلاط من سجايا وأمراض وأمكنة وأزمنة حتى قيل أن لطف النار مثل لطف الهواء مرة وثلثاً. وهكذا الهواء بالنسبة الماء والماء إلى التراب كما مر في الأوتار وأما وضعهم هذه الأوتار حتى جعلوها ثمانية فلما مر بك من أنها أول مكعب مجذور لأن الأرض كذلك فشاكلوا بذلك تسعة والقمر اثنا عشر وعطارد ثلاثة عشر والزهرة ستة عشر والشمس ثمانية عشر والمريخ أحد وعشرون ونصف والمشتري أربعة وعشرون وزحل سبعة وعشرون وأربعة أسباع والثوابت ثلاثون ولأن التثمين داخل في أشياء كثيرة تضاعف المزاج والطبائع وبالجملة قد اختلف ميل طوائف العالم إلى مراتب الأعداد كما عشقت الصوفية الواحد فطوت الأشياء فيه والمجوس الاثنين والنصارى الثلاثة وأهل الطبائع الأربعة وأهل الأوفاق الخمسة والهندسة الستة والحكماء الفلكيون السبعة فالذهن من حيث هو يستحسن النسب حتى إذا برزت إلى الخارج زادت النفس بسطاً فإن الكتابة تحسن بمناسبة حروفها استقامة وتدويراً وغلظاً ورقة واستدارة ولو بمجرد الانحناء فقد قيل أن الحروف كلها وإن اختلفت بحسب الأمم لا تخرج عن خط مستقيم ومقوس منها مركب منهما. ثم قوانين الغناء لا تخرج عن ثمانية. ثقيل أول ورسمه: تنَّ تنَّ تنَّ. تنَّ تنَّ تنَّ وهو مركب من تسع نقرات هي ثلاث متواليات وواحدة كالسكون فخمس مطوية الأول. وثقيل ثان وهذا رسمه: تنَّ تنَّ تنَّ. تنَّ تنَّ تنْ وهو مركب من إحدى عشرة وهي ثلاث متواليات فواحدة ساكنة فثقيلة فأربع مطوية الأول وخفيف الثقيل الثاني ويسمى: الماخوري وهذا رسمه: تنْ تنْ تنَّ تنْ تنْ تنَّ وهو مركب من ست وثلاث متواليات فسكون على ثلاث. ورمل ويسمى ثقيل الرمل وهذا رسمه: تنَّ تنْ تنْ. تنَّ تنْ تنْ وهو مركب من سبع وهي: ثقيلة أولى فمتواليتان فسكون وهكذا إلى الآخر وخفيفه وهذا رسمه: تنْ تنْ. تنْ تنْ. تنْ تنْ. تنْ تنْ وهو مركب من ثلاث نقرات متوالية متحركة وخفيف الخفيف ورسمه: تنْ تنْ تنْ. تنْ تنْ تنْ وهو مركب من نقرتين بينهما سكون قدر واحدة وهزج ورسمه: تنْ تنْ تنْ تنْ. تنْ تنْ تنْ تنْ وهو مركب من نقرة كالسكون ثم سكون قدر نقرة ثم بين كل اثنتين سكون فهذه أصول التراكيب وإنما تكرر بحسب استيفاء الأدوار. فالمسلي بالتشديد نسبة إلى المسلة من آلات الخياطة وتسمى هذه وما بعدها الأجناس المركبة وهي كثيرة ولكن تعود أصول منها على التاسع ثمانية: أحدها وهو المسلي وسمي بذلك لرقة مدخله وسلطه ويدل على اجتماع الأخلاط في الصدر والشراسيف والقلب وكمال الربو والدبيلات وامتلاء المعدة ويعرف به تحرير الخلط من باقي البسائط وهو سهل. وثانيها المائل وهو عكسه هيئة ودلالة. وثالثها الموجيُّ وهو المختلف الأجزاء تدريجاً بحيث يكون الأعظم الخنصر ويظهر اختلافه عرضاً ينشبه الأمواج ومنه اسمه وهو يدل على فرط الرطوبة والاستقاء الزقي واللحمي وذات الرئة وغلبة الأمراض البلغمية. ورابعها النمليّ سمي بذلك لدقته وضعف حركته ويقع في رابع الحارة فيدل على الموت في الخامس وبعد الموضع في وجود الحمي فيدل على الموت في الحادي عشر ويكون عن الدودي أيضاً فيرد عليه أيضاً فيرد عليه إذا انتعشت القوى بشرب ما يقوي القوى كدواءِ المسك والبادزهر وأنكر قوم انقلابه والصحيح ما قلناه وكل ما دل عليه الدودي دل عليه النمليّ لكن أشد رداءةً وضعفاً في القوى. وخامسها الدودي وهو موجيّ ضعفت حركته بإسهال إن طال. وإلا فالمجفف من داخل كأخذ نحو الأفيون وما يكثف المزاج إلى فساد الرطوبات وقد يقع في البحارين لنقص الرطوبات ويكون ابتدؤه عند الموجي كما في النبضة. وسادسها المنشاري وهو ما اختلف أجزاؤه تواتراً وسرعة وصلابته عكسها وكان قرعه للأصابع متفاوت التساوي كأسنان المنشار يدل على فرط اليبس ويختص بذات الجنب والدبيلات والأورام. وسابعها المرتعش ويدل على الرعشة ونحوه من أمراض العصب بحسب مواقع أجزائه كما مر. وثامنها المتشنج ودلالته كالمنشاري مطلقاً في غير ما اختص أي ذات الجنب به. هذا واعلم أن اللحن يسمى مطلقاً إذا لم يكن مقيداً بلفظة تدل على وصفه كالثقيل والخفيف وخفيف الخفيف. ويذكر بعد اللحن موقع الإصبع الذي يبتدأ به ليهتدي إلى قراره فيقال مثلاً ثاني ثقيل مطلق أو ثاني بالوسطى أو بالخنصر في مجرى البنصر أو خفيف رمل بالبنصر أو خفيف ثقيل أول بالبنصر إلى غير ذلك وهو المعروف عند اصحاب هذا الفن بمواقع الأصابع في الدساتين. والله الموفق. اهـ نقله بحرفه. مخطوطات ومطبوعات الذخيرة لابن بسام في مكتبة الأمة بباريز الجزء الأول من كتاب الذخيرة لابن بسام وهو بخط مغربي ناقص ورقه من أوله وآخر هذا الجزء ترجمة الوزير أبي عامر بن مسلمة وهو في ٢٦٣ ورقة من القطع الكبير حديث الخط فيما يظهر. وفيها السفر الثاني من كتاب الذخيرة منسوخ عن نسخة مكتبة أكسفورد وقدج ذكر فيها أن الخط المنقولة عنه رديء جداً ولذلك جاءت فيها أغلاط قد لا يهتدى إليها وأوله فصل في ذكر الأعيان المشاهير أرباب صناعة المنظوم والمنثور بحضرة اشبيلية ونواحيها وما يصاقبها ويدانيها من بلاد ساحل البحر والمحيط الرومي وهو الجانب الغربي من جزيرة الأندلس وإيراد ما بلغني من غرر أشعارهم ومستظرف أخبارهم مع ما يتعلق بها ويذكر بسببها. قال ابن بسام: وحضرة اشبيلية على قدم الدهر كانت قاعدة هذا الجانب الغربي من الجزيرة وقرارة الريامة ؟ ومركز الدول المتداولة ومنها شهدت البلاد وأبتت الجهاد عليها الفرسان كأنها العقبان وبهذا الأفق نزل جند حمص من المشرق وسميت حمص ولما كانت دار الأعزة والأكابر نابت فيها الخواطر وصارت مجمعاً لصوب العقول ودرب العلوم وميداني فرسان المنثور والمنظوم ولاسيما من أول المائة الخامسة من الهجرة حين فرح كل حزب بما لديه وغلب كل رأس على ما في يديه بعد الدولة الحامدية فأضحت أقطاب الجزيرة يومئذ كبني الأعيان وأهلها كما قال أخو بني عدوان: عذيري الحجي من عدوا ن كانوا حية الأرض بكى بعضهم بعضاً فلم تبق على البعض فاشتمل هذا القطر الغربي لأول تلك المدة على بيتي حسب وجمهور في أدب مملكتان من لخم وتجيب حصرتا بلاده وأكثرتا رواده فأتاه العلم من كل فجِّ عميق وتبادره العلماء من بين ساق ومسبوق وكل ما نشأ من هذين البيتين أمير وأن إلى العلم أطلب وفي أهله ازغب والسلطان سوق يجلب إليه ما ينفق لديه حتى اجتمع في الجانب الغربي على ضيق أكنافه وتحيف الحذر قصه الله لأطرافه ما باهى الأقاليم العراقية وأنسى بلغاء الدولة الديلمية فقل ما رأيت فيه شايراً غير ماهر ولا شاعراً غير قاهر دعوا حر الكلام فلبى وأرادوه فما تأبى وطريقتهم في الشعر الطريقة المثلى التي هي على طريقة البحتري في السلاسة والمتانة والعذوبة والرصانة وأنا أورد في هذا القسم بعض ما انتهى إليَّ من خير كلامهم في نثرهم ونظامهم مشوباً ذلك كله بفنون ومعارف من أخبار يحسن الوقوف عليها على أن الذي بلغني من شعر قطر ثماد ونقطة من قطر ولقد فاتني كثير من الكتاب من أعيان الشعراء ممن كانوا في ذلك التاريخ منهم من لم أسمع بذكره ومنهم من لم تسمح نفسي بإثبات ما بلغني من شعره وربما أجريت ذكر أحدهم غير مبوب عليه ولا مشيراً إليه إما لشيءٍ أجاد فيه وإما أن يتعلق ذكره بذكر من أجريه وقد أبدى لذكر الرجل لمكانه من الإحسان لا لتقدمه من الزمان أو لبعض ما يدعو إليه القول من نسق خبر أو موجب نظر بأول ما ابتدأت به من أهل حمص آل عباد لثباته ذكرهم مع جودة شعرهم اهـ. وهنا أورد ابن بسام ترجمة القاضي أبي القاسم محمد بن عباد ثم أورد ترجمة المعتضد بالله عباد بن ذي الوزارتين القاضي أبي القاسم محمد بن عباد قال فيه: ثم أفضى الأمر إلى عباد ابنه سنة ٣٣ وتسمى أولاً بفخر الدولة ثم بالمعتضد قطب رحى الفتنة ومنتهى غاية المحنة من رجل لمك يثبت له قائم ولا حصيد ولا سلم عليه قريب ولا بعيد جبار أبرم الأمور وهو متناقض وهو أسد فرس الطلق وهو رابض متهور تتحاماه الدهمات وجهان ؟ لا تأمنه الكماة متأسف اهتدى ومنبت قطع فما أبقى ثأر والناس حرب وكل شيءٍ عليه ألب فكفى أقرانهم وهم غير واحد وضبط شانه بين قائم وقاعد حتى طالت يده واتسعت بلده وكثر عديده وعدده افتتح أمره بقتل وزير أبيه حبيب المذكور طعنه في تغرة الأيام ملك بها كفه وجباراً من جبابرة الأنام شرد به من خلفه فاستمر يفري ويخلق وأخذ يجمع ويفرق له في كل ناحية ميدان وعلى كل رابية خوان ضربه سم لا يبطي وسهم لا يخطي وسلمه شر غير المأمون ومتاع إلى أدنى حين. . . . وقد أطال في ترجمته وما وقع عليه من المحنة وما قاله وقيل فيه من الأشعار ثم أورد باباً يشتمل على طائفة من الوزراء والأعيان ممن كان في دولة المعتضد من أرباب هذا الشأن واجتلاب ملح وطرف لشعراء كانوا بذلك الأوان مع ما يتعلق بها ويذكر بسببها فترجم أبا حفص عمر بن حسن الهوزني. وأبا الوليد الباجي وأبا عمر بن مسلمة وأبا الوليد إسماعيل بن محمد الملقب بحبيب وأبا الحسن علي بن حصن الاشبيلي وأبا عمرو بن الباجي وأتى على جملة من شعر أبي الأصبغ بن عبد العزيز وترجم الوزير أبا العلاء زهير بن عبد الملك بن زهير الإيادي. والوزير أبا عبيدة البكري وذا الوزارتين الفقيه الكاتب أبا بكر بن سليمان المعروف بابن القصيرة وقال فيه وهو في وقتنا جمهور البراعة وبقية أئمة الصناعة وعذب اللسان العربي وسويداء قلب هذا الإقليم الغربي بحر علم لا يبرح وجبل حلم لا يزحزح من بعض كور اشبيلية نشأ في دولة المعتضد شهر بالعفاف فلزمه ويسر للعلم فعلمه وعلمه وكانت له نفس تأبى غلا مزاحمة الأعلام والخروج على الأيام وهو دائماً يغض عنانها فتجمح ويطمن من غلوائها فتتطاول وتطمح ممتنعاً من خدمة السلطان قاعداً بنفسه عن مر تبة نظرائه من الأعيان بين عفة تزهده وهيبة من المعتضد تقعده حتى فطن له ذا الوزارتين بن زيدون فلم يزل يصرح قذى العطالة عن مائة ويعلي رماد تلك الهيبة عن نار ذكائه إلى أن نبه عليه المعتضد آخر دولته فتصرف فيها قليلاً على تقية من تلك البقية. وتقشف من ذلك التعفف إلى أن أفضى الأمر إلى المعتمد وأخيه وقد كان في أيام أبيه من بعض يداخله ويصافيه فحياه من علاه بنصيب وسقاه من نداه ببحر لا بذنوب وأنهضه إلى مثنى الوزارة وأكثر ما عول عليه في السفارة فسفر غير ما مرة بينه وبين خلفائه من ملوك الطوائف بافقتى ؟ حتى انصرفت وجوه آمالهم إلى أمير المسلمين وناصر الدين أبي يعقوب يوسف بن تاشفين رحمه الله فسفر ذو الوزارتين بينهما تكراراً فكثر صوابه اشتهر في ذات الله مجيئه وذهابه واضطر المعتمد إليه قريباً من آخر دولته فعظمت حاله واتسع مجاله واشتهر على الدولة استيلاء لا قصر عنه إشكاله إلى أن كان من خلعه ما كان فكان ذو الوزارتين أحد من حرب وفي جملة من نكب وأقام على تلك الحال نحواً من ثلثة أحوال حتى تذكره أمير المسلمين بما كان عهد من حسن خليفته وسراءِ طريقته وقد حدثت أن سبب ذلك الذكر كتاب كان ورد من صاحب مصر لم يكن من الجواب عليه والإنصاف منه وتفقد يومئذ أعلام المشاهير فكان ذو الوزارتين أقرب مذكور فاستدعاه لحينه وولاه كتبة دواوينه حتى أنساه زمانه اهـ. ثم ترجم الوزير الفقيه الكاتب أبا القاسم محمد بن عبد الله بن الجد والوزير الكاتب أبا محمد عبد الغفور وذا الوزارتين أبا بكر محمد بن عمار والوزير الكاتب أبا الوليد بن المصيصي والوزير الأديب أبا القاسم بن مزرقان والوزير الكاتب أبا الحسين بن محمد ابن الجد والأديب أبا الحسن البكري والكاتب صالح الشنتمري والوزير أبا الحاكم عمرو بن مدحج وأبا الوليد بن عمه ابني حزم والأديب أبا بكر بن يحيى بن بقى. ثم أورد فصلاً يشتمل على ذكر الكتاب والوزراء والأعيان والأدباء الشعراء ممن نشأ في الدولة المؤرخة بحضرة بطليموس وسائر بلاد المحيط الرومي والأندلس وذكر منهم المظفر أبا بكر محمد بن عبد الله بن مسامة المعروف بابن الأفطس والوزير الكاتب أبا عبد الله محمد بن أيمن والوزير الكاتب أبا محمد بن عبدون والأديب أبا جعفر محمد عبد الله بن هررة القيسي الأعمى القسطيلي والوزير الكاتب أبا بكر عبد العزيز بن سعيد البطليموسي والوزير الكاتب أبا بكر بن قومان والأديب أبا زيد بن عبد الرحمن بتن مقانا الأشبوني والشيخ أبا الحسن علي بن إسماعيل القوشي الأشبولي والأديب أبا عبد الله محمد بن الفيق وذا الوزارتين أبا محمد بن هود والشيخ الأديب ابن عمر بن فتح بن زلوحنة والأديب أبا عمر يوسف بن كوثر الشرتيني والأديب أبا الوليد المعروف بالنحلي والوزير الكاتب أبا بكر محمد بن سوار الأشبوني والأديب أبا محمد عبد الله بن صارة الشنتريني. وهذا الجزء في ٢٦٥ ورقة والجزء الثالث من هذا السفر منقول عن نسخة مغربية محفوظة في مكتبة غوتا وأوله ذكر الجانب الشرقي من جزيرة الأندلس وتسمية من نجم في أفقه من رجال النظم والنثر والرياسة بدأه بترجمة أبا عمر القسطلي ثم ذكر ذا الوزارتين أبي عبد الله الطاهر وذا الوزارتين أبي عامر بن الفرج وذا الوزارتين القائد أبي عيسى ابن لبون وذا الرياستين أبا مروان بن عبد الملك بن رزين والوزير الكاتب أبا محمد عبد الله بن الفقيه أبي عمر بن عبد البر النمري والوزير الكاتب أبا غامر بن التاكرتي والوزير الكاتب أبا المظفر عبد الرحمن بن ساحر المعروف بأبي الدبايج والأديب أبا الربيع سليمان بن مهران السرقسطي والأديب الأستاذ النحوي أبي عبد الله بن خلصة الضرير والأديب أبا مروان بن غصن الحجازي والأديب أبا علي إدريس بن اليملي والوزير الكاتب أبا الإصبع بن أرقم والكاتب أبا المظفر بن مثنى وهو عبد الرحمن بن أحمد بن صيعون والوزير الكاتب أبا عمر بن القلاس والوزير الكاتب أبا جعفر بن جرح والوزير الكاتب أبا الفضل بن حداي الإسلامي والأديب الكاتب أبا الربيع سليمان بن القضاعي والأديب أبا بكر محمد بن عيسى الداني والأديب أبا جعفر أحمد بن الدودين البلنسي والكاتب أبا جعفر بن أحمد مردانية والأديب الكاتب أبا الخطاب عمر بن أحمد بن عبد الله بن غيطون التجيبي الطليطلي وذا الوزارتين الكاتب أبا عبد الله ابن أبي الخصال قال فيه: حامل لواء النباهة بالروية والبداهة مع منظر ووقار وشيم كصفو العقار ومقول أمضى من ذي الفقار وله أدب بحره يزخر ومذهب يباهي ويفخر وهو إن كان خامل المنشأ نازله لم تنزله منازله ولا فرع للعلاء هضاباً ولا ارتشف للسناء رضاباً فقد تميز بنفسه وتخير من جنسه والذي ألحقه بالمجد وأوقعه بالمكان النجد ذكاء طبع عليه طبعه ونجم في سرية النباهة. . . . . ثم ذكر الكاتب أبا عبد الله محمد بن أبي الخصال والوزير أبا محمد بن القاسم والأديب أبا تمام غالب الملقب بالحجام وهنا انتهى الجزء الثالث وهو في ٢٣٣ ورقة وجاء في آخره أنه يتلوه في أول السفر الذي يليه في ذكر الحديث أبو عامر بن الأصيل. وفي هذه الأجزاء من الشعر الغريب والنثر المطرب ما هو ديوان الأدب وناهيك بسجعات ابن بسام التي هي أبهى من سجع الحمام بل وناهيك ما يقع عليه اختياره من نظيم الكلام ونثاره ومن هذه الأجزاء يؤخذ ديوان إنشاء في السلطانيات والأخوانيات والتهنئات والتعزيات والشفاعات والوسائل والجهاد وفي مقاصد شتى. فيا حبذا لو تصدى لطبعه أحد أئمة المشرقيات في الغرب ليخدم بذلك التاريخ والأدب العربي. وفي مكتبة هذه المجلة النصف الأول من هذا الكتاب وهو بخط بمغربي ينفع في المعارضة إذا كتب الطبع للكتاب ونحن نقدمه لمن يتصدى لطبعه مع الشكر وقد اقتبسنا منه عدة تراجم في مجلدات المقتبس الماضية مع بعض الصعوبة لغلبة التحريف عليه. ديوان أحمد نسيم أهدانا هذا الشاعر المصري الجزئين الأولين من ديوانه وفيهما قصائد في أغراض شتى وبعضها اجتماعي وهاك نموذجاً من شعره قال في الشرق ومصر: تداعت رواسي الشرق فانهال جوانبه وما همَّ حتى أقعدته نوائبه تحاربه الأعداء من كل جانب ولم يكفهم أن الزمان يحاربه تحد على هاماته شفراته وترهف فوق الناصيات قواضبه وحسبك أن الشرق في كل أمة مآثره مشهورة ومناقبه تخرج منه الفاتحون لأرضه فما جاءت بطحاؤه وسباسبه وكان عريناً لانضمام ليوثه وكان كناساً لاتهان رباربه وكان قديماً مهبط المجد والعلى ومصعد غطريف ترجى مواهبه وكان طليقاً أزهر اللون وجهه وللغرب وجه أصفر اللون شاحبه له النصر والتأييد في كل غارة إذا زحفت يوم الصدام كتائبه وكم بات مختالاً بكل مملك تسير على هام العباد مواكبه وكم صال والهيجاء قان نجيعها بكل صقيل لا تفل مضاربه إذا ما جرى وثباً إلى مطلع النهى فلا من يجاريه ولا من يواثبه فيا شرق تأساءً إذا ناخ كلكل من الغرب إذ مدت إليك مخالبه تقدمك الغرب المجد فلم يدع مكاناً تدانيه العلى وتقاربه هرمت فلم تقدر على الدأب فانثنى يشاطرك الدنيا وما طر شاربه ومنة عجب طفل على الثدي مرضع يطاول شيخاً حنكته تجاربه جنحت إلى حب الخمول ولم تسر على سنن يرجو الهداية جائبه صدقتك ما في الشرق إلا شراذم تخور خوار الثور آذاه ضاربه وما فيهم إلا مضل مموّهٌ على القوم حتى أخطأت الرأي صائبه وفي كل يوم يبتلي بمناهض تغير على عرش الملوك عصائبه أعاتب قومي والعتاب تودد إذا لم أجد بين الورى من أعاتبه إلى مَ ضياع العمر في غير عائد بجدوى ولم يرجع من العمر ذاهبه يصاب الفتى بالحادثات تحيطه وأول من يسعى إليها أقاربه معائب لا تحصى إذا ما عددتها ورحم الفتى أن لا تعد معائبه خمول ولهو وانحطاط وذلة وعذر ووعد لا يؤنب كاذبه وكم ماكر ينساب أرقم مكره وآخر مشاءٍ تدب عقاربه يمينك فانظر نظرة المرءِ خلسة تجد بائساً ملقى على الضيم غاربه أرى ناظر الشرقي يرنو من الأسى رنو امرئٍ ضاقت عليه مذاهبه ومما يزيد النفس بؤساً وحسرةً تربصها خطباً تبيت تراقيه وما الشرق إلا موطناً عبثت به على غرة أبناؤه وأجانبه أضاعوا حمى يجري النضار بأرضه وتهمي عليه باللجين سحائبه كذا الشرق في أطواره طول عمره غرائبه ما تنقضي وعجائبه رثيتك يا أرض الفراعنة الاءُلى قضوا في بلوغ المجد ما ألحق واجبه ورثت بفضل العلم عزاً ممتعاً فما بات إلا وابن غيرك غاصبه ولا خير في عرش من الغرب ربه ولا خير في مال من الغرب كاسبه أفيقي فما في الجهل إلا مذلة ولا العلم إلا سؤدد عزَّ صاحبه أنيري ظلام الشرق بعد انسداله فعند طلوع الشمس تجلي غياهبه ولا تقنطي من رحمة الله مرة إذا شيم من برق انخذالك خالبه امثلي ترين الغرب ياقظاً شاخصاً إلى الشرق يرجو أن تسوء عواقبه وددت بلادي أن تسود بنفسها لأكتب فيها خير ما أنا كاتبه وقال من قصيدة: بعض الشيوخ ولا أقول جميعهم تخذوا التعنت والعناد لزاما رثت عواطفهم وبات ضميرهم خلقاً وحبل العلم صار رماماً ألفوا الجمود وكل شيخ همه أن يلبسوه عمامة ووساماً يمشون فوق الأرض أعرض أهلها جبباً وأطول خلقها أكماماً فروا من العلم الحديث وحسبهم جهلاً بأن عدوا العلوم حراماً حب الجبان النفس خلقه لقي خلف المعامع يؤثر الإحجاما وهم الذين إذا تضافر جمعهم هزوا العروش وأسقطوا الأعلاما والله لو شهروا سلاح علومهم قهروا الأسود وحاصروا الآجاما ولربما غلب الضعيف بعلمه جيشاً تموج كالخصم لهاما قد حرموا علم الحساب وساءهم أن يعرفوا الأعداد والأرقاما قنعوا بتجويد القراءة واكتفوا مذ أتقنوا التنوين والإدغاما سلهم عن الأهرام تسمع قولهم سيف بن ذي يزن بنى الأهراما سلهم عن اليابان تعرف أنها جبل خصيب ينبت الأقزاما سلهم عن الميكاد تعرف أنهم ملك غزا كسرى وحارب حاما سلهم عن الأمزون تعرف أنه جزراً تحيط مراكشاً وسياما إلى أن قال: يا نصف أميين كيف قرأتم ونسيتم أن تعلموا الأقلاما هل في اللغات نقيصة إن شئتم أن تفحموا أربابها الأعجاما وهم الذين كما نراهم أتقنوا لغة النبي كتابة وكلاما مستشرق حفظ الكتاب وآخر أخذ الشرائع عنه والأحكاما يكفي رجال الغرب كل عجيبة تعيي الظنون وتعجز الأوهاما بلغوا المطار وسوف تسمع أنهم جازوا الهواء وخاطبوا الأجراما عابوا جمود المسلمين وصرحوا أن لا نعد مع الأنام أناما عشقوا الحياة وما عشقنا بعدهم إلا جموداً يشبه الإعداما نمنا وباتوا ساهدين وفاتنا حب الجمود على الضلال نياما متعنتين على الدخيل فإن يضيئ نخرج إليه من الضياء ظلاما حتى يظن الدين دين تعنت أو دين قوم أشبهوا الأنعاما تقرير المجمع العلمي السميثوني عن سنة ١٩٠٧ Annual report of the Smithsonian Institution 1907 من أهم الجمعيات العلمية في أميركا الشمالية هذه الجمعية التي جعلت مقرها في واشنطون وأمامنا الآن تقريرها السنوي عن سنة ١٩٠٧ وقد وقع في ٧٢٦ صفحة وفيه عدة مقالات وأبحاث مفيدة بالإنكليزية في الفلك وطبقات الأرض والظواهر الجوية والطبيعيات والكيمياء والمعادن أو التعدين والنبات والحيوان وعلم البشر حوت ٢٧ مبحثاً في الأغراض المشار إليها مع بعض الصور والرسوم الأنيقة فمقالة في آلة التوربين البخارية على اليابسة والماء ومقالة في ارتقاء التركيب الميكانيكي في الطباعة وفي بعض حقائق عن الكهرباء وأبحاث جديدة في التلغراف اللاسلكي وخاصيات الأنوار الكهربائية المنوعة وتقدم صناعة التعدين الكهربائية وتقدم جديد في التصوير الشمسي الملون والبربر في أفريقية الجنوبية قبل نزول الأوربيين فيها وآلة رخيصة الثمن لتحصيل علم الفلك وعلم الطبقات داخل الأرض وبحر سلطون والطرق المائية في البلاد وارتقاء علم الظواهر الجوية مثال لارتقاء العلم العام ومنزلة علم النبات القديم في وقتنا الحاضر وحدائق الحيوانات في بريطانيا والبلجيك وهولاندة وعلم الحيوان الأصلي تقدمه وغايته والتاريخ العام لذوات الثدي البحرية وشعوب إقليم البحر المتوسط واليابان قبل التاريخ وأصل الحضارة المصرية والمضخة النارية وأصل أبجدية الكنعانيين ومسألة تعمية الألوان ومقالة في الدرن وأخرى في ترجمة مارسلن بيرثيلون وغير ذلك. والتقرير كالتقارير السابقة في الغاية من حيث الطبع والوضع فمتى يكون للشرق العربي مثل هذه الجمعية التي تحيي العلوم المادية ونخلص من دور الأدبيات والخيالات. تقرير المجمع العلمي السميثوني عن سنة ١٩٠٨Annual report of the Smithsonian Institution 1908 هذا التقرير من أكبر التقارير السالف حجماً وأغزر مادة ويبدو عليه النمو الغريب وتتبين منه ارتقاء هذه الجمعية الراقية ومباحثه تدور كطريدة على العلوم المادية والطبيعية فمن مقالاته الموقعة بتواقيع أهل هذا الشأن مقالة في المناطيد الحربية وأخرى في التلغراف اللاسلكي وفي التصوير الشمسي والحاكي الفونوغراف والمادة والأثير وارتقاء الكيمياء العامة والطبيعة في الأربعين سنة الأخيرة وارتقاء القذائف في عشرين سنة ومباحث حديثة في تكوين الكون وتغيرات المناخ وأسبابها وأورانوس علم طبقات الأرض وفي معارفنا الحاضرة عن الأرض ورحلات إلى القطب الجنوبي من سنة ١٨٨٩ وبعض مناظر جيولوجية من النيل وفي الوراثة وفصائل النبات وصبار المكسيك وسمك إنكلر وأنواعه وطيور الهند ونشوء الفيل والحمة الدورية في اليونان وكارل فون ليتني أحد علماء الجيولوجية وترجمة اللورد كلفن وأعمال هنري ركويرل. وجميع هذه الم قالات في الغية من التحقيق ويدخل هذا المجلد في ٨٠٠ صفحة جمعت فأوعت فيه وفيه كمجلدات السنين السابقة قائمة بأعمال الجمعية والغرض منها ودخلها وخرجها لازال التوفيق حليف المجامع العلمية على اختلاف لغاتها وأغراضها. الريحانيات طبع في المطبعة العلمية في بيروت سنة ١٩١٠ ص ٢٢٨ قليل في كتابنا من خلصوا من ربقة التقليد وقليل فيهم من يكتب ليفيد. وأمين أفندي الريحاني صاحب كتاب الريحانيات هو من أمثل كتابنا وشعرائنا نجا من التقليد ووقف نفسه على نشر ما يفيد واشتهر بأنه العربي الذي فاق الإنكليز في البيان الإنكليزي فيكتب وينظم كأفضل أدبائهم ومصنفه رباعيات أبي العلاء الذي ترجمه شعراً إلى الإنكليزية ومقالاته في المجالات الأميركية والإنكليزية أدل دليل على تبريزه ولكنه على هذه المزية الممدوحة في منافسة أفاضل الإنكليز لم تفته منافسة كتاب العربية فكتب ونشر عدة أبحاث ومقالات في الجرائد العربية في أميركا ومصر والشام كما طبع من قلمه كتابين أحدهما المحالفة الثلاثية والآخر المكاري والكاهن وجميع ما كتبه كتبه لا ليقال أنه كتب بل لنفع قراء العربية وقد طبع هذه الآونة الجزء الأول من مقالاته التي نشرها في الجرائد من قلمه. صدر كتابه بشذرة من خطه جاء فيها وهو ما ينم عن الغرض من نشر الكتاب جرد نفسك ولو بضع ساعات من أطمار الأجيال وتعال نحج معاً. ومتى وصلت إلى كع بة الحقيقة وأنت في مئزر الحج تجد هناك أثوابك الموروثة وأثواباً أخرى جديدة إلى جانبها فأما أنك تعود إلى ما كنت عليه فتلبس ما ألفته وتسير في سبيلك وإما أن تعتاض عنه بثوب ليس بفخيم ولكن من الرقع والفتوق سليم. وفي كل حال لا أنسى أنك أكلت من جفنتي وشربت من أبريقي ونمت في خيمتي. . . . . في الكتاب عدة مقالات أكثرها ما كتبه تحت سماء أميركا فرشحت الكتابة من أفكار محيطها وصدرت كأنها غربية لا شرقية وأكثرها من نمط الشعر المنثور كمقالة وادي الفريكة التي وصف فيها الكاتب قريته وما فيها من مظاهر الطبيعة البهيجة فأجاد من وراء الغاية ومقالات الكتاب وأنوار الأفكار مناهج الحياة الصلوة جهل الإنسان لحكمة الخالق عظمة رأس السنة من على جسر بروكلن فوق سطوح نويورك الفقر وبنوه التمدن الحديث الضجيج والضوضاء روح هذا الزمان شهداء العلم الحرب التي تهمني الخيانة والخناس خطاب المسيح بين اللاهوتيين والعلماء ما هي السعادة بيتان للمتنبي مكروب السعادة المصيبة في التعزية والتعزية في المصيبة الرداء الأسود فلتر جان جاك روسو وليم غارسون تولستوي ابن سهل الأندلسي الثورة الإفرنسية بذور للزراعين وغيرها. والكتاب تتدفق حرية الفكر من أطرافه ورقة الإحساس من سطوره وبعد النظر في مراميه وكله معان فلسفية في قوالب عصرية وروح شفافة في شعور جديد وقد قرأنا مرات بعض المقالات ونحن الآن نحب أن نعيد تلاوتها إذا قل في أرباب الأقلام مثل هذا النفس في إصلاح الأفكار والتلطف في إبلاغ العقول الجامدة محاسن الحضارة المدهشة والتجديد المفيد. وما أحلى قول الكاتب من مقالة في جسر بروكلين وهو جسر نويورك يخاطب تمثال الحرية قائلاً: متى يا ترى تصير الحرية مثل هذا القمر فتوقد مصباحها لا في الغرب فقط بل في الشرق وفي الجنوب وفي الشمال — في العالم بأسره. متى تحولين وجهك نحو الشرق أيتها الحرية؟ متى يمتزج نورك بنور هذا البدر الباهر فيدور معه حول الأرض ويضيء ظلمات كل شعب مظلوم؟ أيتأتى أن يرى المستقبل تمثالاً للحرية بجانب الأهرام؟ أيمكن أن نرى لك في بحر الروم مثيلاً؟ أيمكن أن يولد لك أخوات في الدردنيل وفي بحر الهند وفي خليج الصين؟ ايتها الحرية متى تدورين مع البدر لتنيري ظلمات الشعوب المقيدة والأمم المستعبدة وأنت أيتها البواخر المقلة إلى أوربا ومصر وعدن والهند منسوجات نواكلند وقطن فرجينا وحديد بنسلفانيا وقمح تكساس وخشب فرمنت خذي معك إلى بحر الروم وبحر الهند والبحر المتوسط بعض موجات من هذه الأمواج التي تغسل أبداً تمثال الحرية. خذي معك ولو زجاجة صغير من الماء المقدس. ورشي منها سواحل مصر وسورية وفلسطين وأرمينية والأناضول وكل جزيرة تمرين بها وكل بلاد تقصدينها وكل شعب تحيي سواريك قباب كنائسه ومآذن جوامعه. احملي سلام هذه الآلهة التي تنير الآن طريقك في الخروج من العالم الجديد وتوكل بها مالها في السماء من شقيقات باهرات. احملي إلى الشرق شيئاً من نشاط الغرب وعودي إلى الغرب بشيء من تقاعد الشرق. احملي إلى الهند بالة من حكمة الأميركان العملية وعودي إلى نويرك ببضعة أكياس من بذور الفلسفة الهندية اقذفي على مصر وسورية بفيض من ثمار العلوم الهندسية واقفلي إلى هذه البلاد بفيض من المكارم العربية. أيتها البواخر الآيبة حيي عن جسر بروكلن خراب تدمر وقلع بعلبك واقرأي أهرام مصر سلام هذه المعالم الشاهقة المشعشعة بالكهرباء. سيري أيتها السفن بسلام وارجعي بسلام. وقد شاهدت الآن ثلاثة مناظر عظيمة لا أقدر أن أنساها حياتي. لا أتناساها لأنها عندي أشبه برموز جميلة لدعائم الحياة الروحية الثلاث وهي مراحل في رحلتي الفكرية التي باشرتها منذ خمس سنين — أو من حين ولدت. نعم إني طفل في العالم الروحي إني سائح في مروج النفس وأوديتها أمامي مسافة طويلة يجب أن اجتازها وتحتي هوة هائلة يجب أن أسبر أغوارها وفوقي فضاء غير متناه فينبغي لي أن أتمتع بجماله وحولي من المروج والجبال والأنهر والبحار ما يشغل معظم وقتي لو عشت ألف عام. أما المناظر الثلاثة التي تمتع بها طرفي حتى الآن فقد تركت أثراً عظيماً في نفسي فهي لبنان وسواحله من ذروة جبل صنين وباريز من على برج إيفل ونويرك من الليل في منتصف جسر بركلين فالأول إنما هو رمز الطبيعة والثاني رمز الفنون الجميلة والثالث رمز الكد والاجتهاد وهذي هي دعائم الحياة الروحية الثلاث فالمنظر الأول صنعه الله والمنظران الآخران صنعة الإنسان المنظر الأول أو الطبيعة هو منبع النفحات الإلهية والإلهامات الروحية والمنظر الثاني أو باريز هو منبع التفنن في الصناعة على الإطلاق والمنظر الثالث المنبسط أمامي الآن إنما هو عنوان الجهاد والجلد والثبات والنجاح. فإذا كنت أيها القارئ شاعراً أو مصوراً أو كاتباً بل لو كنت صباغاً أو دباغاً أو إسكافاً وجه نظرك إلى الطبيعة أولاً تستمد منها الإلهام الإلهي وعنها تقتبس الألوان البديعة والمناظر الجميلة والأشكال الأنيقة والنفحات السماوية وعرج على باريز ثانياً تتعلم فيها دقة الصناعة ولطافة الأسلوب وجمال الفنون وغرابة الإبداع وسر الابتكار وانزل على نويرك ثالثاً تأخذ منها الاجتهاد والجلادة وتتعلم من أهلها الاستقلال في العمل والثبات بعد الفشل. الطبيعة — التفنن — الاجتهاد هذي هي أساس الأعمال الفكرية هذي هي دعائم الحياة الروحية. لبنان — باريز — نويرك — في الأولى روحي في الثانية قلبي وفي الثالثة جسدي. والكاتب ليس من الملاحدة كما يتهمه أعداؤه بل هو ملحد بأكثر ما يتخرص به المتخرصون من الشروح على المنون ومن قرأ مقالته في فلتر الفيلسوف الفرنسوي يتجلي له من أي نحلة كان أن الحرية أن لا تراعي أخاك ولا أباك فيما تعتقد صحته قال: الإلحاد مضر بالصحة فهو لا شك ينفخ الصدر ولكنه يضعف القلب ويصغر الرئتين. أقول هذا عن اختبار ولا أقول أكثر من ذلك ليعلم القارئ فكره. إذاً الإلحاد مضر بالصحة ومهما قلتم لا أوضح. اختبروا لأنفسكم إن شئتم ولكن إياكم والتطوح وإذا كنتم لا تعرفون الحدود فالأجدر بكم ألا تجربوا لئلا تتملك فيكم جراثيم المرض وإذا كانت معدتكم ضعيفة فإياكم فلتر. وبعد أن أفاض في مزايا هذا الفيلسوف ومآتيه ومنازعه وآخذه على روايته التعصب التي طعن فيها على الإسلام وأهداها إلى البابا فقبلها هذا بكل سرور وبعث إلى فلتر كتاباً لطيفاً أثنى فيه على غيرته بخ بخ وانتقد بعض أبيات الرواية الشعرية فأجابه فلتر متجاملاً على عادته في مثل هذه الأمور أنك لا شك معصوم عن الغلط في المسائل الأدبية أيضاً زه ثم زه هكذا تبادل الاثنان عواطف الولاء الكاذب وانتصر فلتر على أعدائه اليسوعيين وأنصارهم ولا يخفى على القارئ اللبيب ما في هذا العمل من السياسة والحيلة والمر ناهيك بأن الكاتب أخطأ في انتقاده الدين الإسلامي وفي تحامله المنكر على مؤسسه العظيم. . . . وهذه النموذجات كافية في بيان فضل هذا التأليف النفيس ومنزلة أبي عذره من سلامة الفطرة وبعد الغور والنظر فله منا الشكر على ما أتحف به عالم الآداب من هذا السفر الجديد في وضعه وطبعه. إرشاد الأريب إلى معرفة الأديب المعروف بمعجم الأدباء أو طبقات الأدباء لياقوت الحموي نشر الأستاذ مرجيلوث أستاذ اللغة العربية في كلية أكسفورد القسم الأول من الجزء الثالث من هذا السفر الذي يطبع على نفقة أسرة جيب الإنكليزية وفي هذا الجزء ٤٤ ترجمة من حرف الحاء وفيه من الأعلام ترجمة السيرافي وابن رشيق وأبي هلال العسكري والإسكافي وابن مقلة وغيرهم وطرف من أخبارهم ومنثورهم ومنظومهم وأكثر مما لم ينشر بالطبع حتى الآن فسد بذلك فراغاً مهماً في آداب العربية. وإنا لنكرر الشكر للأستاذ مرجيلوث لغيرته على آدابنا أكثر من غيرتنا أنفسنا ونرجو أن يوفق إلى إتمامه على ما يحب ويحب عشاق العلم المولعون بإحياءِ آثار السلف. كتب متفرقة</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_50.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.50.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
