<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.48.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.48.TEIP5:</urn>
<passage>سعة التأليف في الإسلام من جملة مخطوطات دار الكتب الظاهرية بدمشق كتابان عظيمان تعددت مجلداتهما فدلا على اتساع نطاق التأليف في الإسلام أيام كان علماؤُه منصرفين إلى العلم والعمل يصرفون أثمن أوقاتهم في خدمة الأمة وهما كتاب الكواكب الدراري في تبويب مسند الإمام أحمد على أبواب البخاري لجامعه الإمام أبي الحسن علي بن عروة الحنبلي من أهل القرن التاسع وكتاب تاريخ دمشق الكبير لواضعه الحافظ أبي القاسم ابن عساكر من أهل القرن السادس. هذان السفران الجليلان آيتان ناطقتان على طول نفس أجدادنا وشدة وثاقنا وجهالتنا فقد وجد من الأول مجلدات كثيرة ضخمة لا تقل عن ثمانين مجلداً متفرقة ومما وجد منها المجلد الثاني والعشرون بعد المئة بحيث لايظن أن الكتاب بلغ أقل من مئة وخمسين مجلداً في التفسير والحديث والأصول والفقه الحنبلي وتراجم الحنابلة ومباحث في الفلسفة والكلام والتاريخ والأدب فهو دائرة معارف إسلامية حقيقية ضمت بين جوانحها أشهر كتابات علماء الحنابلة وكبار مجتهدي الأمة مثل شيخ الإسلام ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن رجب وغيرهم من الأعلام. وأما تاريخ دمشق فمنه الآن نسختان نسخة في عشرين مجلداً ونسخة وقعت في عشرة مجلدات ضخمة وهي تامة وكان كتب في ثمانين مجلداً. ولقد جرى ذكره بين حافظوفيات الاعيان مصر في عهده زكي الدين المنذري وطال الحديث في أمره واستعظامه فقال حافظ مصر: ما أظن هذا الرجل إلا عزم على وضع هذا التاريخ من يوم عقل على نفسه وشرع في الجمع من ذلك الوقت وإلا فالعمر يقصر عن أن يجمع فيه الإنسان مثل هذا الكتاب بعد الاشتغال والتنبه. قال ابن خلكان: ولقد قال الحق ومن وقف عليه عرف حقيقة هذا القول ومتى يتسع للإنسان الوقت حتى يضيع مثله وهذا الذي ظهر هو الذي اختاره وما صح له هذا إلا بعد مسودات ما يكاد ينضبط حصرها وله غيره تواليف حسنة. وبعد فإن الخالق تعالى وضع في أفراد من كل أمة خاصيات وملكات قلما يشاركهم فيها كثيرون وآتاهم هبات يستخدمونها في نفع البشر ونفوساً لا تعرف الملل لدرك مقاصدهم الشريفة. وكلما ارتقت الحضارة في شعب ينبع فيه رجال يصرفون على الإفادة والاستفادة نقد أعمارهم ويتمحصون لإحسان الخدمة حتى لا يكادون يرون السعادة والملاذ والخير وكل ما تطمح إليه نفوس بني الإنسان من المعالي رإلا فيما هم بسبيله. ومن أنعم النظر في تراجم نوابغ العلماء ودرس حياتهم حق دراستها لا يلبث أن يزول عجبه إذا شاهد كيف كانوا يستغرقون في أعمالهم ويتفانون فيما أخذوا به نفوسهم فيزهدون في المال والبنين ويفطمون أنفسهم عن حب المناصب والمراتب والزخارف والسفاسف. كنا ذات يوم نذكر لأحد أصدقائنا من الأطباء الذين صرفوا شطراً من حياتهم في الغرب اتساع التأليف في هذه الأمة قديماً فقال أما ما يبلغكم عن أكثر المؤلفين في الغرب اليوم من كثرة المصنفات فليس لأكثرهم منه إلا النظر القليل يكتبه لهم أذكياء المتخرجين بهم بعد أن يكونوا ثقفوا عنهم بعض ماله علاقة في الموضوع الذي ألفوا فيه حتى إذا أتوا على آخره يدفعونه إلى أساتذتهم فيجيلون فيه أنظارهم ويمثلونه للطبع مفتتحاً بأسمائهم والمصنف منهم من يذكر أن تلميذه فلان أعانه في التأليف وبعضهم يضنون بمثل هذه الإشارة. ولما أوردنا أسماء كثير ممن اشتهروا في الإسلام وألفوا التواليف الممتعة الضخمة وعنوا وحدهم في الأكثر بجمعها وتنسيقها وتصنيفها وتبييضها وتسويدها وإن ما أثر عنهم كان مردوداً لو لم يرد على لسان أهل العدل والصدق من المؤرخين وعلماء التراجم وبعضهم قد يكذبون من أضدادهم وحاسيدهم — عند ذلك اقتنع صاحبنا بصحة رأينا وقال أن حال الإفرنج اليوم يخالف حال سلفنا فإن الإفرنجي مهما بلغ من حبه الحكمة وتفانيه في خدمة المعارف يقتطع له أوقاتاً لراحته وإدخال الفرح على قلبه لينشط إلى متابعة السير في عمله أما الشرقي فإنه يفرط فيما تمحض له فحاله إما تعب ليس وراءه غاية أو راحة ما بعد ورائها وراءٌ. افتح أي كتاب من كتب التراجم ولاسيما تراجم أهل القرون الستة الأولى للإسلام تسقط على مبلغ عناية رجالنا بالتأليف وتوفرهم على النفع وقد يظن أن معظم ما خلفوه من كتبهم هو ديني محض ولا أثر لهم في العلوم الدنيوية ولكن هذا الظن لا يغني من الحق شيئاً لأن جماهير المؤلفين المجيدين لم يكونوا متمكنين من علوم الدين بإغفال علوم الدنيا بل إنهم كانوا يعتقدون بأن العلوم بأسرها نافعة في الدارين وما نفع في هذه الأولى كان خليقاً بأن ينفع في الأخرى. هذا أبو محمد حزم الظاهري وأهل الظاهر نفاة القياس والتعليل وهو معدود في الطبقة الأولى بين علماء الدين ومع هذا تجد له تآليف ممتعة فيما نعتبره من علوم الدنيا فقد ذكر غير واحد من علماء الأندلسالمعجب أن تصانيفه في الفقه والحديث والأصول والنحل والملل وغير ذلك من التاريخ والنسب وكتب الأدب والرد على المخالفين نحو من أربعمائة مجلد تشتمل على قريب من ثمانين ألف ورقة. وهذا شيءٌ ما علمناه لأحد ممن كان في مدة الإسلام قبله إلا لأبي جعفر الطبري فإنه أكثر أهل الإسلام تصنيفاً فقد ذكر أبو محمد عبد الله بن محمد الفرغاني في كتابه المعروف بالصلة وهو الذي وصل به تاريخ أبي جعفر الطبري الكبير أن قوماً من تلاميذ أبي جعفر لخصوا أيام حياته منذ بلغ الحلم إلى أن توفي في سنة ٣١٠ وهو ابن ست وثمانين سنة ثم قسموا عليها أوراق مصنفاته فصار لكل يوم أربع عشرة ورقة ومن جملة تآليفه التفسير الكبير والتاريخ الذي هو أصح التواريخ وأثبتها وكلاهما مطبوع متداول وهو الذي قال لتلاميذه: هل لكم إن أملي عليكم كتاباً في التاريخ قالوا وكم يكون حجمه فقال ثلاثون ألف ورقة فاستعظموا ذلك وأرادوه على الاختصار حتى أملاه عليهم في ثلاثة آلاف ورقة فجاء كما رأيناه اليوم أحد عشر مجلداً ضخماً أعلاه بهذا القدر وهو يحوقل ويقول ماتت الهمم لأن تلاميذه لم يوافقوه على جعل تاريخه في ثلاثين ألف ورقة فماذا كان يقول لو جاء في هذا العصر ورأى انحطاط علوم الدين وعلوم الدنيا بين قومه. وابن جرير في إجادته في التأليف وإكثاره منه مشهور كسائر من تقدمه ومن تأخر عليه من المصنفين مثل ابن تيمية من أهل القرن الثامن فقد قال فيه أحد واصفيهفوات الوفيات أن له من المؤلفات والقواعد والفتاوى والأجوبة والرسائل والتعاليق مالا ينحصر ولا ينضبط ولا أعلم أحداً من المتقدمين ولا من المتأخرين جمع مثل ما جمع ولا صنف نحو ما صنف ولا قريباً من ذلك مع أن تصانيف كان يكتبها من حفظه وكتب كثيراً منها في الحبس وليس عنده ما يحتاج إليه ويراجعه من الكتب. وقال غيره كان الإمام يكتب في اليوم والليلة من التفسير أو من الفقه أو من الأصلين أو من الرد على الفلاسفة الأوائل نحواً من أربعة كراريس أو أزيد وما يبعد أن تصانيفه إلى الآن تبلغ خمسمائة مجلد وله في غير مسألة مصنف مفرد في مجلد وجمع بعض الناس فتاويه بالديار المصرية مدة مقامه بها سبع سنين في علوم شتى فجاءت نحو ثلاثين مجلداً وقيل إن تآليفه تبلغ ثلاثمائة مجلد. ومثله أبو الفرج ابن الجوزي الواعظ من علماء القرن السادس صنف في فنونوفيات الاعيان عديدة وكتبه أكثر من أن تعد وكتب بخطه شيئاً كثيراً والناس يغالون في ذلك حتى يقولون أنه جمعت الكراريس التي كتبها وحسبت مدة عمره وقسمت الكراريس على المدة فكان ما خص كل يوم تسع كراريس وهذا شيءٌ عظيم لا يكاد يقبله العقل ويقال أنه جمعت براية أقلامه التي كتب بها حديث الرسول فحصل منها شيءٌ كثير وأوصى أن يسخن بها الماء الذي يغسل به بعد موته ففعل ذلك فكفت وفضل منها. ومن المكثرين من التأليف ابن الهيثم الرياضي الطبيعي فقد عدد ابن أبي أُصيبعةطبقات الاطباء مصنفاته في زهاء أربع صفحات هذا عدا ما ضاعت دساتيره منه لما فارق البصرة والأهواز وانتقل إلى مصر قال: وما أظنها تنقص عن مئة مجلد. ومثله الفارابي أحد \ فلاسفة الإسلام كان مكثراً من التأليف وقد أضاع أكثرها لأنه كان يكتب في رقاع كيفما اتفق ويختار الفلاة ومجاري الأنهار للتأليف فتطير الأوراق التي يكتبها. ومثلهما أبو الريحان البيروني قال ياقوت: كان لغوياً أديباً له في الرياضيات والنجوم اليد الطولى ولما صنف القانون المسعودي أجازه السلطان بحمل فيه فضة فرده للاستغناء عنه وكان مكباً على تحصيل العلوم منصباً على التصنيف لا يكاد يفارق يده القلم وعينه النظر وقلبه الفكر دخل عليه بعض أصحابه وهو يجود بنفسه فقال له في تلك الحال كيف قلت لي يوماً حساب الجدات الفاسدة فقال: أفي هذه الحال قال: يا هذا أودع الدنيا وأنا عالم بها أليس خيراً من أن أخليها وأنا جاهل بها قال: فذكرتها له وخرجت فسمعت الصريخ عليه وأنا في الطريق. قال ياقوت: وأما تصانيفه في النجوم والهيئة والمنطق والحكمة فإنها تفوت الحصر ورأيت فهرستها في وقف الجامع بمرو في ستين ورقة. وقال بعض مترجميه: إن كتبه زادت على حمل بعير. والبيروني أحد كبار فلاسفة العرب يجيءُ في طبقة ابن سينا وابن رشد وابن زهر والفارابي ومثلهم الكندي فيلسوف العربالفهست وكتبه في علوم مختلفة مثل المنطق والفلسفة والهندسة والحساب والأرثماطيقي والموسيقى والنجوم وغير ذلك وقد عدد أسماءَها ابن النديم في ست صفحات. ومثله أبو بكر بن زكريا الرازي صاحب المصنفات الممتعة في الطب والعلوم العقلية والأدب وهو الذي استنار الغربيون لأول نهضتهم بمصنفاته وأول ما طبع عندهم من تأليف العرب كتبه ذكر أسماءها ابن أبي أُصيبعة في نحو سبع صفحات وابن النديم في ثلاث. ومن المكثرين من التأليف في عهد الحضارة الإسلامية حنين بن اسحق وثابت بن قره ويعقوب بن اسحق الكندي وقد ساق ابن أبي أُصيبعة تآليف آخرهم في خمس صفحات وكلها كتآليف حنين وثابت فلسفية علمية وهم أئمة النقل من اليونانية إلى العربية. ومن المكثرين من التأليف المجودين فيها حجة الإسلام الغزالي والماوردي وعمرو بن بحر الجاحظ وجار الله الزمخشري وهذان الأخيران من أئمة المعتزلة قيل في الأول أن تأليفه تعلم العقل وفي الثاني أن تآليفه يكتفى بها في التفسير والحديث والنحو واللغة وعلم البيان والأدب. ومن المكثرين المجودين من أئمة المعتزلة القاضي عبد الجبار قيل أن تآليفه التي وضعها في كل فن أربعمائة ألف ورقة ومن أئمة المعتزلة كثيرون من جاوزت مؤلفاتهم المئة والخمسين ألف ورقة. ومن المؤلفين الأول المكثرين من التأليف هشام الكلبي العالم بالنسب وأخبار العرب وأيامها ومثالبها ووقائعها المتوفى سنة ٢٠٦ ذكر كتبه ابن النديم في نحو ثلاث صفحات وهي تزيد على مئة وخمسين ومنهم المدائني المتوفى سنة ٢١٥ في نحو أربع صفحات ومنهم المرزباني من أهل القرن الرابع قال إن تآليفه بلغة ألوفاً من الأوراق ومن الفقهاء والحفاظ المكثرين من التأليف محمد بن إدريس الشافعي وداود بن خلف الأصفهاني وأبو العباس بن سريح المعروف بالباز الأشهب من أئمة الشافعية كانت فهرست كتبه تشتمل على أربعمائة مصنف وقيل أن تصانيف الحافظ أبي بكر ابن البيهقي تبلغ ألف جزء ولأبي بكر ابن الخطيب صاحب تاريخ بغداد المتوفى سنة ٤٦٣ قريب من مئة مصنف وللنسفي من كتب الأصول والفقه والحديث والأدب والتاريخ متا يقرب من مئة مصنف وكان ابن سبعين ممن صنف تصانيف كثيرة وللأشعري خمسة وخمسون تصنيفاً. وكان أبو حاتم البستي من أوعية العلم في اللغة والفقه والحديث والوعظ قال ياقوت وكانت الرحلة بخرسان إلى مصنفاته وروى عن ابن ثابت أن من الكتب التي تكثر منافعها إن كانت على قدر ما ترجمها واصفها مصنفات أبي حاتم محمد بن حيان البستي التي ذكرها لي مسعود بن ناصر الشجري ووقفني على تذكرة بأسمائها ولم يقدر لي الوصول إلى النظر فيها لأنها غير موجودة بيننا ولا معرفة عندنا وأنا أذكر منها ما استحسنت سوى ما عدلت عنه وأطرحته وهنا عدها فجاءت زهاء مائتينيوخمسين جزءاً وبلغت مصنفات أبي بكر بن فورك المتكلم الأصولي النحوي الواعظ قريباً من مائة مصنف. ولفظة المتكلم تطلق على من يعرف علم الكلام وهو أصول الدين وإنما له علم الكلام لأن أول خلاف وقع في الدين كان في كلام الله عز وجل أمخلوق هو أم غير مخلوق فتكلم العباس فيه فسمي هذا النوع من العلم كلاماً اختص به وإن كانت العلوم جميعها تنشر بالكلام أهـ ولأبي الحسين الرواندي صاحب المقالة المشهورة في علم الكلام وهو الذي ينسب إليه اليوم ظلماً كل كلام فيه سفسطة ومغالطة وكفر من التآليف نحو مائة وأربعة عشر كتاباً مع أنه لم يتجاوز الأربعين من عمره. ولرأس المتصوفة محيي الدين بن عربي تآليف كثيرة ومنها الممتع ذكر في إجازة كتبها للملك المعظم أنه أجازه أن يروي عدد مصنفاته ومن جملتها كذا وكذا حتى عد نيفاً وأربعمائة مصنف وألف رسالة عدد فيها كتبه كما جرت عادة بعض المؤلفين أن يترجموا أنفسهم ويذكروا مؤلفاتهم في رسائل خاصة مخافة أن يدس عليهم بعضهم ما لا يروقهم ويقول فيهم ما ليس فيهم. وابن سعيد الأندلسي المؤرخ من المكثرين من التأليف منها المرقصات والمطربات والمقتطف من أزاهر الطرف والطالع السعيد في تاريخ بني سعيد والموضوعان الغريبان المتعددا الأسفار وهما المغرب في حلي المغرب والمشرق في حلي المشرق وغير ذلك قال لسان الدين حدثني الوزير أبو بكر بن الحكيم أنه خلف كتاباً يسمى المرزمة يشتمل على وقر بعير من رزع الكراريس لا يعلم ما فيه من الفوائد الأدبية والإخبارية إلا الله تعالى. ومن المكثرين من التأليف لسان الدين بن الخطيب وأبو العلاء المعري ولهذا كتاب سماه الأيك والغصون وهو المعروف بالهمزة والردف يقارب المئة جزء في الأدب قال ابن خلكان: وحكى لي من وقف على المجلد الأول بعد المائة من كتاب الهمزة والردف وقال إذا علم ما كان يعوزه بعد هذا المجلد. ومن المكثرين القاضي الفاضل قال ابن خلكان: أخبرني أحد الفضلاء الثقات المطلعين على حقيقة أمره أن مسودات رسائله في المجلدات والتعليقات في الأوراق إذا جمعت ما تقصر عن مائة مجلد وكان الحاجب المنصور أبو بكر بن عبد الله بن مسلمة المدعو بالأفطس أديباً جليلاً ومن تآليفه الكتاب المظفري المسمى بالتذكرة في خمسين مجلداً. وكتب عبد اللطيف البغدادي الفيلسوف نحو مئة وخمسين كتاباً وذلك في سياحات له طويلة دامت نحو أربعين سنة ساحها بين العراق والشام ومصر والروم. ومن المكثرين من التأليف والمتوسعين فيه أحمد بن أبان بن السيد اللغوي الأندلسي يعرف بصاحب الشرطة وهو مصنف كتاب العالم في اللغة نحو مئة مجلد مرتب على الأجناس بدأ بالفلك وختم بالذرة وله في ؤالعربية واللغة كتب أخرى. ومثله ابن سيدة الضرير صاحب المخصص والمحكم وغيره وهو من المكثرين من التأليف والحفظ ومن المكثرين أبو اسحق إبراهيم بن الأعلم البطليوسي له نحو خمسين تأليفاً. وبلغت تآليف محمد أبي طالب القرطبي المتوفى سنة ٤٣٧ — ٧٧ تأليفاً وألف عيسى بن عمر النحوي نيفاً وسبعين مصنفاً في النحو قال سيبويه جمعها بعض أهل اليسار وأتت عنده عليها آفة فذهبت ولم يبق في الوجود سوى كتابين ولو تنافس أهل العلم وغلاة الكتب بمثل هذه الكتب لتعاورتها الأيدي بالنسخ ولما فقدت. ومن المكثرين من التأليف عالم الأندلس عبد الملك بن حبيب السلمي المتوفى سنة ٢٣٨ قال المقري رأيت في بعض التواريخ أن تواليفه بلغت ألفاً ومن أشهرها كتاب الواضحة في مذهب مالك. ولأبي عمرو الداني القرطبي من علماء القرآن مئة وعشرون مصنفاً وكان يقول ما رأيت شيئاً قط إلا كتبته ولا كتبته إلا حفظته ولا حفظته فنسيته وآخر من له التآليف الكثيرة من أئمة الأندلس أبو الحسن القلصادي المتوفى سنة ٨٩١ وأكثر تصانيفه في الحساب والفرائض. وممن عرفوا بسعة التأليف أحمد بن أبي عبد الله على مذهب الإمامية فإن ما كتبه بلغ مائة تصنيف عددها ياقوت في معجم الأدباء ومن فقهاء الإمامية أبو النصر العياشي ذكر ابن النديم أسماء كتبه في نحو صفحتين. ويقال أن تواليف أبي جعفر بن النحاس تزيد على خمسين منها شرح عشرة دواوين للعرب وذكروا أن محمد بن جماعة من أهل القرن الثامن كان أعجوبة زمانه في العلم وليس له في التأليف والتأليفين والثلاثة التي جاوزت الألف فإن له على كتاب أقرأه التأليف والتأليفين والثلاثة وأكثرها من شرح مطول ومتوسط ومختصر وحواش ونكت إلى غير ذلك وكان يعرف علوماً عديدة منها الفقه والتفسير والحديث والأصلان والجدل والخلاف والنحو والصرف والمعاني والبيان والبديع والمنطق والهيئة والحكمة والزيج والطب والفروسية والرمح والنشاب والدبوس والثقاف والرمل وصناعة النفط والكيمياء وفنون أخر وعنه أنه قال: أعرف ثلاثين علماً لا يعرف أهل عصري أسماءها. ومن الذين أكثروا من التأليف أحمد بن مكتوم من أهل القرن الثامن وعبد الرحمن الأنباري من أهل القرن السادس وعيسى الإسكندراني من أهل القرن السادس وتقي الدين السبكي من أهل القرن الثامن وله مئة وخمسون تصنيفاً والجلال السيوطي من أهل القرن العاشر أطلعنا على فهرست كتبه في سبع ورقات وربما لا تقل عن أربعمائة مجلد وفيها الجيد. وأعجوبة المؤلفين أبو موسى جابر بن حيان قال: ألفت ثلاثمائة كتاب في الفلسفة وألفاً وثلاثمائة كتاب في الحيل على مثال كتاب تقاطر ؟ وألفاً وثلاثمائة رسالة في صنائع مجموعة وآلات الحرب ثم ألفت في الطب كتاباً عظيماً وألفت كتباً صغاراً وكباراً وألفت في الطب نحو خمسمائة كتاب إلى أن قال: ثم ألفت كتباً في الزهد والمواعظ وألفت كتباً في العزائم كثيرة حسنة وألفت كتباً في النيرنجيات وألفت في الأشياء التي يعمل بخواصها كتباً كثيرة ثم ألفت بعد ذلك خمسمائة كتاب نقداً على الفلاسفة ثم ألفت كتاباً في الصنعة الكيمياء يعرف بكتب الملك وكتاباً يعرف بالرياض. وماذا عسانا أن ندون هنا ونقتبس من كلام المؤرخين في المكثرين من المؤلفين العارفين ولو أردنا أن نذكر فقط من لهم منهم إلى عشرة كتب لاستغرق الكلام مجلد هذه السنة برأسه. وإنا ليحزننا بوم نذكر أن كل واحد ممن ذكرنا خلف للأمة خزانة كتب من مصنفاته ونلتفت الآن عن إيماننا وعن شمائلنا فلا نرى المؤلفين في الأقطار العربية يعدون على الأصابع والمكثر منهم من لا تتجاوز مصنفاته العشرة. نشوء اللغات الإسلاميةللمسيو لوسين بوفا احد علماء المشرقين نشرها في مجلة العالم الاسلامي الباريزية وقد التزمنا في نقلها الترجمة الحرفية قضي على اللغات في كل عصر ومصر أن تقتبس بعضها من بعض ما يعوزها من الألفاظ لتعبر بها عن الإكثار الحديثة والعربية والفارسية والتركية لم تخلص من هذا القانون. فاقتبست أولاً من اللغات السامية ومن اليونانية ثم من أهم لغات أوروبا الحديثة ولاسيما من الفرنسوية كما اقتبست كمية وافرة من الألفاظ للإفصاح عن الأفكار التي ليس في معجمها ما يدل عليها ثم هجمت تلك الألفاظ الأعجمية هجوماً كثيراً كادت تأتي معه على مفردات تلك اللغات نفسها فقامت تريد الرجوع إلى أصولها وهبّ القوم ينبذون من اللغات الإسلامية الثلاث تعابير رأوها وحشية ويستعيضون عنها بألفاظ يشتقونها من المادة الأصلية في العربية والفارسية والتركية أو بألفاظ موجودة ولكنها أُطلقت على معاني جديدة. ومن الضروري أن لا يفوتنا النظر بأن أصحاب هذه اللغات اليوم يريدون الرجوع بلغاتهم إلى أصولها الصحيحة ويطرحون الألفاظ التي ليست لهم مدفوعين إلى ذلك بتأثيرات الدعوة إلى الوطنية في البلاد الإسلامية. وهذه الحركة في الرجوع بهذه اللغات إلى أصولها لا ترمي إلى نبذ الألفاظ الإفرنجية فقط بل إلى أن القوم في فارس يطمحون إلى حذف التعابير العربية وفي البلاد العثمانية كما هو سائر البلاد التركية يحاولون طرح الألفاظ العربية والفارسية. ويبحث الأدباء من أهل هاتين اللغتين فيما لديهم من الألفاظ الإيرانية والتترية عن الألفاظ التي كان من تأثيرات الفاتحين أو من رغبة المغلوبين في إظهار معرفتهم بلغة غالبيهم إن زهد فيها واستعملت ألفاظ أقل منها انطباقاً مع الروح التركية والفارسية وإن كثر استعمالها وعدت أو كادت من مادة اللغة الأصلية. جرت اللغات الإسلامية كاللغات الأجنبية في اقتباسها على طريقتين علمية وعامية فالعامة يقتبسون على أيسر وجه من الألفاظ ما يتكرر على مسامعهم دائماً أو ما يفصح عن أفكار لا مقابل لها في لغتهم الأصلية ولقد عرفت منذ القديم القوانين التي تجري عليها في الاقتباس فالأسماء تنتقل من لغة إلى أخرى بأعظم ما يكون من السرعة وأقل من ذلك انتقال الصفات وفي النادر اقتباس الظروف ويشذُّ أو لا يكاد يكون أثر لاقتباس الأفعال. ومن اللغات ما إذا نظر فيه إلى المفردات يمكن وصفه باللغات المختلطة وهي تتألف في البلاد التي عرفت بتجارة المقايضة ولا سيما في الموانئ البحرية مثل لغة البيجيين في الشرق الأقصى وهي مزيج من اللغة الإنكليزية والصينية ولغة السابير مؤلفة من العربية والافرنسية والإسبانية والإيطالية أو اللغة الإفرنجية وهي مجموعة من كلمات مقتبسة من جميع لهجات البحر المتوسط من البلاد التي تمتد من سورية إلى مراكش ولا بأس باعتبار اللغة المالطية من هذا الضرب من اللغات وإن أصبح لها صحافة وآداب منذ عهد ليس ببعيد ولكنها لم تعد تحسب لهجة عربية تكون صلة بين لغة مصر والمغرب جامعة إلى نحوها الذي هو كنحو اللغات السامية مفردات إيطالية وبعبارة أصح صقلية في الأكثر وكتابتها لاتينية. وما عدا هذه اللغات المشتركة البحرية التجارية خصوصاً فقد تألفت في البلاد الإسلامية التي استولى عليها الأوروبيون لهجة عامية دخلتها ألفاظ من لغات الفاتحين واصطلاحات دواوين الحكومة وأرباب الصناعات وهكذا نجد قرارات الحكومة الفرنسوية في الجزائر كانت تكتب زمناً بلهجة محرفة ممزوجة بكلمات فرنسوية نقلها المترجمون بجهل منهم أو كسل فيهم على حالها ولم يعنوا بترجمتها ونرى جند الرماة والمشاة هناك يستعملون لغة هي أحرى بها أن تكون مما تواطأوا عليه بينهم وهي خليط من التعابير الفرنسوية المحرفة كثيراً بحيث يصعب الاهتداء إلى معرفتها غالباً. ولكن هذا لا يصح على الإطلاق إلا على اللغة المحكية وكتابات من لم يتعلموا. أما اللغة الأدبية التي مست حاجتها كذلك إلى إيجاد تعابير جديدة فقد عمدت إلى طرق عديدة في الاقتباس فبدأت بنقل ألفاظ أوروبية كما هي أو بتعديلها قليلاً حتى توافق التلفظ المحلي وهذه هي الطريقة التي كانت تعمد إليها اللغة العامية ومضى زمن كانت هي المعول عليها أما فكر الرجوع بتلك اللغات إلى أصولها فلم ينشأ إلا في السنين الأخيرة فاللغة العربية الغنية بمفرداتها ولها من الاشتقاق موارد كثيرة فقد عمدت إلى ما في متنها من المفردات فاشتقت منها وكذلك كان من الفارسية وإن كانت لا تستغني بعض الأحيان عن الألفاظ العربية. أما التركية التي افتقرت بتأثير اللغات الأجنبية فيها فقد أخذت بادئ بدء من العربية والفارسية وهي تحاول منذ مدة الاكتفاء بما عندها باستعمال التعابير التترية القديمة التي كادت تتلاشى. ما هي المؤثرات التي عرضت للغات الإسلامية من اللغات الأجنبية؟ إن أقدم النصوص العربية التي انتهت إلينا هي الأشعار التي قيلت قبل الإسلام والقرآن نفسه لا يخلو من بعض ألفاظ أصلها فارسي. وذلك لأن الصلات بين الفرس والعرب كانت قديمة مستحكمة فأخذت العربية عن اللغة المجاورة لها بعض الألفاظ. فمن ألفاظ القرآن الغير العريقة في العربية إبريق وسجيل. واقتبست اللغة الآرامية اللغة العربية بعض ألفاظها أيضاً فإن اتحاد أصول هاتين اللغتين والمناسبة القوية في تركيبهما قد جعلت الأخذ منها سهلاً للغاية. وكذلك الحال في اللغة العبرانية فقد اقتبست العربية بعض الألفاظ وأكثرها ديني فمنها جهنم وملك واقتبست اللغة الرومية منذ عهد بعيد بعض الألفاظ للغتين العربية والفارسية مثل سجل وسندس وانتقلت هذه إلى العربية ووردت في القرآن عن طريق الفارسية. ولقد نشأت في فارس لغة صناعية وأعني بها البهلوية واستعملت الخط السامي واستعاضت عن المفردات الإيرانية بما يقوم مقامها من المفردات الآرامية وتصريفها يجمع بين تصريف اللغتين ولكن اللهجة الشائعة من هذه اللغة غير متأثرة كثيراً بالنفوذ الغريب إلى زمن الفتح العربي. ولا حاجة إلى ذكر ما أصاب اللغة الإيرانية من التبدل بالفتح فقد سرت إلى لغة الجمهور ألفاظ كثيرة دينية وعامية. واعتمدت فارس في كتابتها على الخط العربي. أما الأتراك فالظاهر أنهم لم يقتبسوا ألفاظاً كثيرة من جيرانهم قبل أن يدينوا بالإسلام هذا إذا استثنينا منهم المغول. وربما أخذوا قديماً بعض الألفاظ من الصين وفارس حتى إذا انتحلوا الإسلام كثرت في لغتهم الكلمات العربية والفارسية. ونرى العربية إلى عهد ظهور الإسلام تقتبس من الفارسية والسامية والآرامية خصوصاً واليونانية ودام هذا الاقتباس وارتقى ارتقاءً ظاهراً على عهد خلفاء الأمويين والعباسيين. وظلت اللغات الفارسية والسريانية والرومية بحسب الأقطار لغات الإدارة في المملكة العربية ولا عجب من ثم أن أدخلت إلى لغات الفاتحين عدداً كبيراً من الألفاظ العلمية. وكان من درس فلاسفة يونان ورياضيهم وكيمياوييهم وطبيعييهم أن سرت إلى العربية من اليونانية اصطلاحات علمية. وفي الحروب الصليبية دخلت إلى اللغة العربية ألفاظ مختلفة اقتبستها من لغات الشعوب التي اختلط بهم المسلمون ولكن ما أخذته هو من الأقاصيص محدود معدود ولم تدخل على اللغة العربية الألفاظ الغريبة إلا في القرون الحديثة الموافقة لارتقاء العمثمانيين في آسيا وأوروبا. أما تأثير اللغات الأوروبية في العربية فلم يكد يشعر به إلى الدور الأخير وهو أقل من ذلك في الفارسية بالنظر لبعدها الجغرافي. ومن أراد الآن أن يبحث في تأثير كل لغة أوروبية في اللغات الإسلامية منذ زمن النهضة فليقرر ما يأتي: إن أثر اللغة الافرنسية كبير جداً وقد فاق غيره في جميع العالم الإسلامي في البحر المتوسط وآسيا السالفة ولكن أثرها بالنسبة لغيره حديث العهد وكانت البواعث إليها: ١ ً — الاصطلاحات التي جرت في البلاد العثمانية على عهد السلطان محمود. ٢ ً — تنظيم محمد علي لمصر نحو ذاك العهد أيضاً وما تركه الفرنسيس من ألفاظهم فيها بعد حملتهم على مصر سنة ١٧.٩٩٣ ً — فتح الجزائر. ٤ ً — الصلات التي نشأت بين فرنسا وفارس وقد بدئ بها في أوائل القرن التاسع عشر على أيدي بعثة جوبر والقائد غاردان ثم أعيدت بعيد حين. ٥ ً — شدة ميل المسلمين في البلاد العثمانية ولا سيما في فارس لتعلم الآداب الفرنسوية والانطباع بالأفكار الفرنسوية. وأنت ترى بهذا أن نفوذ فرنسا في الشرق غير بعيد العهد لا يتجاوز القرن الواحد وهو قوي للغاية على الرغم من تقلص ظل سياستنا من البلاد العثمانية مدةً من الزمن وعلى تداخل إنكلترا في مصر وقلة علائقنا مع فارس فتأيد نفوذنا أبداً في تلك البلاد التي لم يبق فيها أولئك الشعوب الذين هم أكثر منا مضاءً في الأمور السياسية والاقتصادية شيئاً من لغاتهم إلا القليل الذي لا يؤبه له ولا ننسى أن تأثير اللغة الفرنسوية قد استحكم في اللغات التترية في روسيا ولكن لا مباشرة بل دخلتها الألفاظ من الافرنسية بواسطة اللغة الروسية أو اللغة التركية العثمانية. أما تأثير اللغة الإنكليزية فضعيف وهو مقصور على الصحافة العربية في مصر والصحافة الفارسية في الهند بقطع النظر عن اللغة الهندستانية وسائر لغات الهند الوطنية التي تعمد كل حين إلى استعمال كمية من الألفاظ الفرنسوية وليس الإنكليزية في فارس غير أثر ضئيل جداً ولا أثر لها في التركية إلا ما كان من بعض التعابير العلمية والبحرية وأكثرها في السباق وأنواع الارتياض. وبعد ذلك فإن تأثير اللغة الإيطالية قديم ثابت باق فهو يرد إلى الزمن الذي كانت فيه البندقية دولة بحرية قوية في البحر المتوسط وما زالت اللغة التركية العثمانية منذ ذاك العهد تأخذ عن اللغة الإيطالية جملة من الألفاظ لا العلمي منها فقط مثل ألفاظ الملاحة والتجارة والصناعة وغيرها بل ألفاظاً شائعة في الاستعمال وكان للغة العثمانية أن تكتفي بما عندها من مقابل لها مثل لفظة فامليا التي تتجلى فيها اللهجة البندقية كل التجلي وكذلك كان من اللغة الصقلية أن شغلت مكاناً مهماً على نحو ما رأيناه آنفاً في أن جزءاً من المفردات المالطية مأخوذ منها. ودخل على اللغة في تونس كثير من الألفاظ الإيطالية وقد لاحظ أحد العارفين أن هذه الألفاظ لا تستعمل إلا في الكلام الدارج أما اللغة المكتوبة فمنقحة للغاية ولذلك لا نستعملها. وفي مصر ترى بعض الألفاظ الإيطالية والظاهر أن بعضها سرت إليها بواسطة اللغة التركية مثل كلمة سيغورتا الضمان أو التأمين. واللغة اليونانية الحديثة أدخلت كالإيطالية على اللغة التركية العثمانية ألفاظاً كثيرة فإن ما وصل إلينا من النصوص القديمة يبين أن تاريخ الصلة بينهما يرد إلى ما قبل القرن الخامس عشر ولفظة أفندي الغريبة التي ذكر المسيو جان بسيشاري تاريخها وما تقلب عليها من التبدل الغريب في الصورة والمعنى هي من جملة تلك الألفاظ. وفي لغة عرب المغرب جملة من الألفاظ ومنها ما هو من أصل إسباني وهي مألوفة الاستعمال في مراكش فقد كان للبرتقاليين أثر كبير في هذه البلاد فكيف يتأتى أن لا يتركوا فيها شيئاً من لغتهم وإذ كانت المناسبة قوية بين الإسبانية والبرتقالية وكان سكان مراكش يحرفون ما يقتبسونه عن الأوروبيين من الألفاظ فمن الصعب أن يميز في هذه الاقتباسات ما سرى إلى تلك اللغة من اللغة البرتقالية خاصة. ولقد كانت الألفاظ الألمانية التي سرت إلى الشرق قليلة جداً وقال بعضهم أن لفظة غروش التركية مأخوذة من غروش الألمانية ولكن بعد البحث الدقيق في المعجم العثماني تبين أنه لم يسر إلى التركية إلا ألفاظ جزئية من التعابير الجرمانية. وهنا ننتقل إلى اللغات الصقلبية السلافية فنرى لغات البلقان قد نقلت إلى التركية عدداً جزئياً من التعابير ومنها بعض الألفاظ العسكرية وهي من جملة الألفاظ القديمة في تنظيم الجيش العثماني. واللغة الروسية أكثر سرياناً ولكنها مقصورة على اللغات التترية في القريم وقازان وقافقاسيا وآسيا الوسطى فهي لم تتعد تلك التخوم فالألفاظ الروسية في البلاد العثمانية الإيرانية نادرة للغاية. ويجب أن لا يفوتنا أن ما تقتبسه اللغات التترية أو الروسية هي في الأغلب من أصل فرنسوي أو ألماني أو إيطالي. وما ذكرناه فيما تقدم عن اللغات الصقلبية البلقانية ينطبق أيضاً على اللغة المجرية ولكن اللغة الأرناؤدية والأرمنية وغيرهما من اللهجات المحكية في البلاد التي يتكلم فيها بالتركية لم تؤثر إلا قليلاً بهذه اللغة. وهنا نأتي على تأثير اللغة التركية في فارس حيث تحكم اليوم أسرة قاجار فنجد كثيراً من التعابير والمعاني المختلفة مأخوذة من التركية مثل الأعداد وألقاب الشرف وأسماء المناصب والمراتب. ومثل ذلك يقال عن اللغة العربية في مصر فإنها أخذت أسماء الرتب العسكرية التي دخلت إلى البلاد العثمانية بعد الإنكشارية ولم يدخل على أسماء الرتب من التعديل إلا ما لا غنية عنه للتلفظ العربي. وترى في طرابلس الغرب الخاضعة للحكم العثماني جميع هذه الألفاظ شائعة بالاستعمال وتجد ألفاظاً أخرى تركية مستعملة في تونس بل وفي الجزائر حيث أبقت الحكومة الفرنسوية رسمياً على بعض الألقاب التي اخترعها العثمانيون مثل آغا وباش عدل وخوجه وجاويش وغيرها وما عدا لغة البربر التي سرت بعض ألفاظها إلى اللغة المغربية. أما اللغة الهندستانية فلم يدخل منها إلا بعض الألفاظ النادرة إلى الفارسية أما اللغات الشرقية الأخرى فلا تعثر عليها بين الألفاظ العربية والفارسية والتركية إلا نادراً جداً. وها نحن نبدأ الآن بالكلام على كل واحدة من اللغات الإسلامية الثلاث فنستفتح بالعربية. فقد رأينا هذه اللغة قبل ولا سيما بعد ظهور الإسلام قد أخذت عن اللغات السامية كالعبرانية ولا سيما الآرامية والفارسية واليونانية. وحمل الصليبيون إلى العربية بعض الألفاظ الجديدة خلافاً لما يعتقده بعضهم ويظفر بهذه الألفاظ في كلام المؤرخين ولكنها لم تمر إلى اللغة المحكية ولا إلى اللغة المكتوبة فمن الأمثلة الغريبة استعمالهم لفظة ترم بمعنى المدفوع وجمعهم له على تروم كما في تاريخ أبي شامة ولكنه من الصعب أن ترى هذه اللفظة في كلام آخر. وأخذت العربية من الإفرنج بعض الألقاب النصرانية مدنية كانت أو دينية مثل قومس كونت وكاغيكوس أو كاتوغيكوس بطريرك وبعض التعابير الحربية واللغة المالطية التي هي لسان شعب خاضع للحكم المسيحي ومتدين بدينه قد اقتبست بالطبع من اللغات الغربية أموراً كثيرة. ولم يبدأ دخول الألفاظ الأجنبية ولا سيما الافرنسية على العربية إلا في أوائل القرن التاسع عشر دخلت بكثرة حتى أن القائلين بتطهير اللغة من الدخيل قد دهشوا لها. ثم إن دخول تعابير إفرنسية كثيرة إلى اللغة الرسمية أي التركية في سورية ومصر قد نشأ منه أثر في اللغة الوطنية وازدياد صلات الشرق مع أمم الغرب ودخول الأفكار الفرنسوية وتأييد الحكم الفرنسوي على الجزائر وتونس ولا سيما إنشاء صحافة عربية حذا فيها أهلها حذو الصحافة الأوروبية كل ذلك مما دعا إلى تحول اللغة. وذلك أن الصحافة هي التي أحدثت اللغة العربية الحديثة في الجملة وهي تختلف عن لغة القرآن كما تختلف عن لغة الروماييك عن اللغة الرومية القديمة هكذا قال المسيو واشنطون سرويس الملحق بقنصلاتو البلجيك في بيروت منذ ثلاث عشرة سنة في مقدمة كتاب مهم للغاية وضعه في وصف هذه اللغة الحديثة وعلى ما فيه من الأغلاط والنقص القليل فإن هذا الكتاب الذي لم يؤلف على مثاله قد نفع وينفع كثيراً وهو عبارة عن مقدمة عرض فيها المؤلف هذه المسألة على وجه جلي مفصل مشفوعاً بقائمة للصحف التي كانت تنشر إذ ذاك مع تاريخ إنشائها وهي قائمة ثمينة وإن كانت فهارس الرجوع إليها مختصرة وبعض الانموذجات من كلامها تأليفاً كانت أو ترجمة فأتى فيها أولاً على الجرائد ثم على المواد الرسمية ثم على معجم لغوي مفيد وهو وحده يفسر الكلمات المولدة. ومن رأي المؤلف أن اللغة الحديثة قد نمت في غضون خمسين سنة بسرعة هائلة وهذا النشوء يظهر خاصة من نشوء العربية المحكية أو المكتوبة قبل ظهور الجرائد فقد كانوا يكتفون بأن يأخذوا عن اللغات الأجنبية بعض المفردات الدخيلة اللازمة لهم من دون أن يعدلوا صورتها التعديل اللازم لها في الظاهر. مذاهب الأعراب وفلاسفة الإسلام في الجن ليعلم أن من المسائل الجديرة بالعناية وبذل الجهد للوقوف على ما قيل فيها وكتب عنها مسألة الجن فقد تنوعت في شأنها المشارب وتعددت في مباحثها المذاهب وكان للأعراب معها في الجاهلية مخيل ولها في كل عصر نغمات جديدة وعجائب ولا غرو فهي من أقدم المسائل وأرسخها في الأذهان إذ دار اسمها على كل لسان وورد ذكرها في جماع النحل والأديان. إن مسألة كمسألة الجن ليست مما تدرك بلفظة أو يشار إليها بلحظة حتى لا يرفع لها الحشوي رأساً ولا يقيم لها الجامد وزناً فلو صمت شواردها وقيدت أوابدها وانتظمت فرائدها لعثر على الجم من الطائف الفائقة والنوادر الرائعة مما يملك السمع والبصر إعجابه ويرتفع عن القلب للإصغاء حجابه. كل مسألة لا يتناولها الفهم في بداية النظر ولا يصل إليها إلا بالاستعانة من درس أمرها وسبر فلا بد من بحث عنها وتنقيب واستقراء وتنقير لا سيما أن ثلث ذات شعوب وأطراف وفروع وأوصاف لا جرم ينبغي استقراؤها وتعرفها واستجلاؤها اكتشافاً لما خبأته كنوز الحقيقة ووقوفاً على كل جليلة دررها ودقيقة. أكثر من ألف في العلم الإلهي أو ما وراء المادة تكلم في الجن فموجز ومسهب ومقارب ومغرب والواقف على ما كتبه فلاسفة الإسلام يراه قريباً مما نحاه علماء أهل الكتاب في شأنهم اللهم إلا في خيالات شط بها البحث فبعدت عن القصد شأن كل شيء جاوز حده. من استقرأ ما كتب وبذل جهده في التنقيب يمر به من علوم الأوائل ما يغني عن زهر الرياض حسنه وعن فتيق المسك نشره فمن تأمله ازداد حرصاً على تأمله وتصفحه مستعيداً ما يستحليه من فوائده. الطريقة المثلى والخطة الوسطى هي أخذ المهم وإيثار الأجود من كل شيء وهذا ما توخيناه في هذه المسألة مما طالعاناه وإلا فسعة علم السلف مما يدهش الخلف فليس لنا إلا المختار من آرائهم والمنتقى من أنبائهم ولله ابن المقفع إذ قول فمنتهى عالمنا علم في هذا الزمان — زمانه رحمه الله — أن يأخذ من علمهم وغاية إحسان محسننا أن يقتدي بسيرتهم وأحسن ما يصيب من الحديث محدثنا أن ينظر في كتبهم. إن استقصاءَ ما للقدماء في مسألة الجن واستقراءه كله يعوز إلى عدة مجلدات وسعة أوقات والحاجيات كثيرة والمطالب وفيرة لذا آثرنا جمع شذرات تكشف عن وجهها نقابها وتجلي سدف عويصاتها لطلابها. ينحصر ما نأْثره في هذه المسألة في مقدمة ومقصدين وخاتمة. أما المقدمة فنحكي فيها ما قاله فلاسفة اللغة في شرح المراد من الجن واشتقاقه وعمومه وخصوصه وحقيقته ومجازه. وأما المقصد الأول ففي مذاهب الأعراب ومزاعمهم في الجن وقد حوى أحد وعشرين مبحثاً: وأما المقصد الثاني ففي آراء فلاسفة الإسلام في الجن أ ابن سينا ب أبو طالب المكي ج الغزالي د ابن حزم هـ الفخر الرازي و القاشاني ز الماوردي ح القاضي أبو يعلى ابن الفراءِ ط ابن تيمية ي ابن القيم يا الأٍتاذ الإمام الشيخ محمد عبده. إنما تأثرت مذاهب الأعراب بما أُثر عن الأئمة في هذه المسألة انتقالاً إلى الجد في مباحثها إذ المقصد الأول أشبه بالجمام والمشراح لما شاب جده من مخاريق ومخايل وختمت البحث بمتفرقات من شوارد هذه المسألة تميماً لفوائده وتأييداً لمقاصده. ليس لنا من مزية فيما أثرناه إلا انتقاء المهم مما طالعناه وترتيبه على هذا الأسلوب نسأله تعالى أن يمن علينا بتنوير القلوب ويدخلنا في عباده الذين يؤمنون بالغيوب. المقدمة فيما قاله فلاسفة اللغة في الجن قال الراغب الأصبهاني في مفرداته في مادة جن: أصل الجن ستر الشيء عن الحاسة يقال جنه الليل وأجنه والجنان القلب لكونه مستوراً عن الحاسة والجنة كل بستان يستر بأشجاره الأرض ثم قال: والجن يقال على الروحانيين المستترة عن الحواس كلها بازاء الأنس وسيأتي تتمة كلامه. وقال الزمخشري في أساس البلاغة: جنه ستره فاجتن واستجن بجنة استتر بها واجتن الولد في البطن وأجنته الحامل وواراه جنان الليل أي ظلمته وفلان ضعيف الجنان وهو القلب وجنت الأرض بالنبات ولا جن بكذا أي لا خفاءَ به قال سويد: ولا جن بالبغضاء والنظر الشزر. ونقل الإمام ابن جرير في سورة البقرة في تفسير آية وإذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس أن استثناءه من الملائكة يدل على أنه منهم وعن ابن اسحق أن العرب يقولون: ما الجن إلا كل من اجتن فلم يروا أن آية إلا إبليس كان من الجن أي كان من الملائكة وذلك أن الملائكة اجتنوا فلم يروا وإن آية وجعلوا بينه وبين الجنة نسباً إشارة لقول قريش أن الملائكة بنات الله قال وقد قال الأعشبي — أعشى بني قيس بن ثعلبة البكري وهو يذكر سليمان بن داود وما أعطاه الله: ولو كان شيءٌ خالداً ومعمرا لكان سليمان البري من الدهر براه إلهي فاصطفاه عباده وملكه ما بين ثريا إلى مصر وسخر من جن الملائك تسعة قياماً لديه يعملون بلا أجر قال فأبت العرب في لغتها إلا أن الجن كل ما اجتن يقول: ما سمى الله الجن إلا أنهم اجتنوا فلم يروا وما سمى بني آدم أنساً إلا أنهم ظهروا فلم يجتناوا فما ظهر فهو أنس وما اجتن فلم ير فهو جن. ثم قال ابن جرير: وأما خبر الله عنه أنه من الجن فغير مدفوع أن يسمى ما اجتن من الأشياء عن الأبصار كلها جناً كما ذكرنا قبل في شعر الأ شى فيكون إبليس والملائكة منهم لاجتنابهم عن أبصار بني آدم: وقال الراغب الصبهاني في مفرداته: الجن يقال على وجهين إحداهما للروحانيين المستترة عن الحواس كلها بازاءِ الأنس فعلى هذا تدخل فيه الملائكة والشياطين فكل ملائكة جن وليس كل جن ملائكة وعلى هذا قال أبو صالح: الملائكة كلها جن وقيل بل الجن بعض الروحانيين وذلك أن الروحانيين ثلاثة أخيار وهم الملائكة وأشرار وهم الشياطين وأواسط فيهم أخيار وأشرار وهم الجن ويدل على ذلك قوله تعالى قل أوحي إليَّ إلى قوله عز وجل وإنا منا المسلمون ومنا القاسطون. من ادعى من الأعراب والشعراء أنهم يرون الغيلان ويسمعون عزيف الجان وما يشبهونه بالجن والشياطين وبأعضائهم وأعمالهم أنشد أعرابي: كأنه لما تدانى مقربه وانقطعت أوذامه وكربه وجاءت الخيل جميعاً تذنبه شيطان جن في هواء يرقبه أذنب فانقض عليه كوكبه إن العقيلي لا تلقى له شبها ولو صبرت لتلقاه على العيس بينا تراه عليه الخز متكئاً إذ مر يهدج في حش الكرابيش وقد تكنفه عرامه زمناً أشباه جن عكوف حول إبليس إذ المفاليس يوماً حاربوا ملكاً ترى العقيلي منهم في كراديس وقال أبو الخطفي: يرفعن بالليل إذا ما أسدفا أعناق جنان وهاماً رجفا وعنقا بعد الرسيم خيطفا وأنشد ابن الأعرابي: غناءُ كليبي يرى الجن يبتغي صداه إذا ما آت للجن أيب وقال الأعشى: فإني وما كلفتموني اتباعه ليعلم ربي من أعق وأحويا كالثور والجني يضرب ظهره وما ذنبه إن عافت الماء مشربا وقال الرقياني: بين اللهى منه إذا ما مدا مثل عزيف الجن هدت هدا وقال ذو الرمة: قد أعسف النازح المجهول معسفه في ظل أخضر يدعو هامه اليوم للجن بالليل في أرجائها زجل كما تناوح بين الريح عيشوم دوية ودجى ليل كأنهما يم تراطن في حافاته الروم وقال: وكم عرست بعد السرى من معرسن بها من صداء الجن أصوات سامر وقال: كم جبت دونك من بهماء مظلمة تيه إذا ما مغنى جنه سمرا وقال: ورمل لعزف الجن في عقداءه هرير كتضراب المغنين بالطبل وقال: وتيه خبطنا غولها وارتمى بنا أبو البعد من أرجائه المتطاوح فلاة لصوت الجن في منكراتها هرير وللأبوام فيها نوائح وطول اغتمامي في الدجى كلما رعت من الليل أصداء المثاني الصوائح ويقولون لمن به لقوة أو شتر إذا شبَّ يالطيم الشيطان ويقولون للرجل المفرط الطول يا ظل النعامة وللتكبر الضخم يا ظل الشيطان. وكان عمر بن عبد العزيز أول من نهى الناس عن حمل الصبيان على ظهور الخيل يوم الحلبة وقال: تحملون الصبيان على الجنان وأنشد في تشبيه ال، س بالجن لأبي الجويرية العبدي: أنس إذا أمنوا جن إذا فزعوا مُرَزَّؤُن بهاليل إذا حشدوا وأنشدوا: وقلت والله لترحلنا قلائصاً تحسبهن جنتا وقال ابن الزوائد: بحور خفض لمن ألم بهم آخيته عمري إذا خطروا وأنشدوا: إني امرؤ تابعتي شيطانيه آخيته عمري وقد آخانيه يشرب في قعبي وقد سقانيه فالحمد لله الذي أعطانيه وقال عبيد بن أوس الطائي: هل جاء أوساً ليلتي ونعيمها ومقام أوس في الخياءِ المشرج ما زلت أطوي الجن أسمع حسهم حتى دفعت إلي راق المروج وأنشد آخر: ذهبتم وعدتم بالأمير وقلتم تركنا أحاديثاً ولحماً موضَّعا فما زادني إلا سناءً ورفعةً ولا زادكم في القوم إلا تخشعا فما نفرت جني ولا فلَّ مبردي ولا أصبحت طيري من الخوف وقعا وأشعارهم في هذا المعنى تفوت الحصر. إضافتهم مباني تدمر وأمثالها إلى الجن  قال النابغة الذبياني: ألا سليمان إذ قال الإله له قم في البرية فاحددها عن الفند وخيس الجن أني قد أذنت لهم يبنون تدمر بالصُّفاح والعمد قال الجاحظ: وأهل تدمر يزعمون أن ذلك البناء قبل زمن سليمان عليه السلام بأكثر مما بيننا اليوم وبين سليمان بن داود عليهما السلام قالوا ولكنكم إذا رأيتم بنياناً عجيباً وجهلتم موضع الحيلة فيه أضفتموه إلى الجن ولم تعانون بالفكر. وقال العرجي: سدت مسامعها لقرع مراحل من نسج جن مثله لا ينسج وقال الأصمعي السيوف المأثورة هي التي يقال أنها من عمل الجن لسليمان بن داود عليهما السلام فأما القوارير والحمامات فذلك ما لا شك فيه. وقال البعيث: بني زياد لذكر الله مصنعة من الحجارة لم تعمل من الطين كأنها غير أن الأنس ترفعها مما بنت لسليمان الشياطين وقال الأعشى في بناء الشياطين لسليمان: أرى عادياً لم يمنع الموت ربه وورد بتيماء اليهودي أبلق بناه سليمان بن داود حقبة له جندل صم وطي موثق تفرقهم بين مواضع الجن قال الجاحظ: كما يقولون تنقذ برقة وضب سحا وأرنب الخلة وذئب خمر فيفرقون بينها وبين ما ينسب لذلك أما في السمن وأما في الخبث وأما في القوة كذلك أيضاً يفرقون بين مواضع الجن فإذا نسبوا الشكل منها إلى موضع معروف فقد خصوه من الخبث والقوة والعرامة بما ليس لجملتهم وجمهورهم قال لبيد: غلب تشذر بالدحول كأنها جن البدي رواسيا أقدامها وقال النابغة: سهكين من صدأ الحديد كأنهم تحت النسور جنة البقار وقال زهير: عليهن فتيان كجنة عبقر جديرون يوماً أن ينيفوا فيسثعلوا وقال حاتم: عليهن فتيان كجنة عبقر يهزون بالأيدي الوشيج المقوما تنزبلهم الجن في مراتب قال الجاحظ: ثم ينزلون في مراتب فإذا ذكروا الجني سالماً قالوا جنى. فإذا أرادوا أنه ممن سكن مع الناس قالوا عامر والجميع عمار. وإن كان ممن يعرض للصبيان فهم أرواح فإن خبث أحدهم وتعرم فهو شيطان. فإن زاد على ذلك في القوة فهو عفريت والجمع عفاريت. وهم في الجملة جن وخوافي قال الشاعر: ولا يحس سوى الحافي بها أثر فإذا ظهر الجني ونطق واتقى وصار خيراً كله فهو ملك في قول من تأول قوله كان من الجن ففسق عن أمر ربه على أن الجن في هذا الموضع الملائكة وقال آخرون: كان منهم على الإضافة إلى الدار والديانة لا على أنه كان من جنسهم وإنما ذلك على قولهم: سليمان بن يزيد العدوي وسليمان بن طوحان التيمي وأبو علي العبدري وعمرو بن قائد الأسواري: أضافوهم إلى المحال وتركوا أنسابهم في الحقيقة: وقال آخرون: كل مستجن فهو جني وجان وجنين وكذلك الولد في البطن قبل له جنين لكون في البطن واستجنان وقيل للميت في القبر جنين وقال عمرو بن كلثوم: ولا شمطاء لم تدع المنايا لها من تسعة إلا جنينا يخبر أنها قد دفنتهم كلهم قالوا وكذلك الملائكة من الحفظة والحملة والكروبيين فلا بد من طبقات وربما فرق بينهم بالأعمال واشتق لهم الأسماء من السبب كما قالوا لواحد من الأنبياء خليل الله وقالوا لآخر كليم الله وقالوا لآخر روح الله. والعرب تنزل الشجعان في المراتب والاسم العام شجاع ثم بهمة أليس هذا قول أبي عبيدة. فأما قولهم: شيطان الحماطة فإنهم يعنون الحية وأنشد الأصمعي: تلاعب مثنى حضرمي كأنه تعمج شيطان بذوي خروع قفر وقد يسمون الكبر والطغيان والخزوانية والغضب الشديد شيطاناً على التشبيه. قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: والله لا نزعن نعرته ولا ضربنه حتى أنزع شيطانه من نحرته وقال حسان بن ثابت في معنى قوله والله لأضربنه حتى أنزع من رأسه شيطانه فقال: وداوية سبسب سملق من اليد تعرف جنانها قطعت بعيرانة كالفنيق يمرح في الآل شيطانها وأبين منه قول منظور بن رواحة: أتاني وأهلي بالرماح وغمرة مسب عريف اللؤم حتى بني بدر فلما أتاني ما تقول تقلصت شياطين رأسي وانتشين من الخمر والأعراب تجعل الخوافي والمستجنات من قبل أن ترتب المراتب جنين تقول حن وجن بالجيم والحاءِ وأنشدوا: أبيت أهوى في شياطين ترن مختلف بخارها حن وجن ويجعلون الحن فوق الجن وقال أعشى سليم: فما أنا من جن إذا كنت خافياً ولست من النسناس في عنصر البشر ذهب إلى قول البشر ناس ونسناس والخوافي حن وجن ويقول أنا من أكرم الحيين حيث ما كانت. وضعفة النساك وأغبياء العباد أن لهم خاصة شيطاناً قد وكل بهم يقال له المذهب يسرج لهم النيران ويضيء لهم الظلمة ليفتنهم ويريهم العجب إذا ظنوا أن ذلك من قبل الله تعالى. قال وأما الخابل والخبل فإنما ذلك اسم للجن الذين يخبلون ويتعرضون ممن ليس عنده إلا العزيف والنوح وفصل أيضاً لبيد بينهم فقال: أعاذل لو كان البداد لقوتلوا ولكن أتانا كل جن وخابل زعمهم أن الغول من أنثى الجن وكذلك السعلاة قال الجاحظ: قالوا إذا تعرضت الجنية وتلونت وعبثت فهي شيطانة ثم غول. وربما جعلوا الغول اسماً لكل شيء فمن الجن يعرض للسفار ويتلون في ضروب الصور والثياب ذكراً كان أو أنثى إلا أن الأكثر على أنه أنثى وقد قال أبو المضراب عبيد بن أيوب العنبري: وحالفت الوحوش وحالفتني بقرب عهودهن وبالبعاد وأمسى الذئب يرصدني محشا لخفة ضربتي ولضعف آدي وغولاً قفرة ذكر وأنثى كأن عليهما قطع البجاد فجعل في الغيلان الذكر والأنثى وقد قال الشاعر في تلونها: وما تزال على حال تكون بها كما تلون في أثوابها الغول فالغول ما كان كذلك. والسعلاة اسم لواحدة من نساء الجن تتغول لتفتن السفار قالوا وإنما هذا منها على العبث أو لعلها إن تفزع إنساناً فيتغير عقله من أجله عند ذلك لأنهم لم يسلطوا على الصحيح العقل ولو كان ذلك لبدؤا بعلي بن أبي طالب وحمزة ابن عبد المطلب وأبي بكر وعمر في زمانهما وبغيلان والحسن في دهرهما ويواصل وعمرو في أيامهما وقد فرق بين الغول والسعلاة عبيد بن أيوب حيث يقول: وساخرة مني ولو أن عينها رأت ما أُلاقيه من الهول جنت أزل وسعلاة وغول بقفرة إذا الليل وأرى الجن فيه أرنت وهم إذا رأوا الفتاة حديدة الطرف والذهن سريعة الحركة ممشوقة قالوا سعلاة وقال الأعشى: ورجال قتلى بجنبي أريك ونساءٌ كأنهن السعالى ويقولون تزوج عمرو بن يربوع السعلاة وقال الراجز: يا قاتل الله بني السعلاة وفي تلون السعلاة يقول عباس بن مرداس السلمي: أصابت القوم غول جل قومهم وسط البيوت ولون الغول ألوان وقال عبيد بن أيوب وكان جوالاً في مجهول الأرض لما اشتد خوفه وطال تردده وأبعد في الهرب: لقد خفت حتى لو تمر حمامة لقلت عدو أو طليعة معشر فإن قيل أمن قلت هذي خديعة وإن قيل خوف قلت حقا فشمر وخفت خليلي ذا الصفا ورأبني وقيل فلان أو فلانة فاحذر فلله در الغول أي رفيقة لصاحب قفر خائف متنفر أرنْت بلحن بعد لحن وأوقدت حوالي نيراناً تلوح وتزهر وأصبحت كالوحشي يتبع ما خلا ويطلب مأْنوس البلاد المبعثر ومما ذكر الغيلان قوله: تقول وقد ألمت بالأنس لمة مخضبة الأطراف خرس الخلاخل أهذا خليل الغول والذئب والذي بهيم بربات الححال الكواهل رأت خلق الأدراس أشعث شاحباً على الجدب بساماً كريم الشمائل تعوّد من آبائه فتكاتهم وإطعامهم في كل غبراء شامل ومما قال في هذا المعنى: علام ترى ليلى تعذب بالمنى أخا قفرات كان بالذئب يأنس وصار خليل الغول بعد عداوة صفياً وربته القفار البسابس وقال في هذا المعنى: فلولا رجال يا منيع رأيتهم لهم خلق عند الجوار حميد أنالكم مني نكال وغارةٌ لها ذنب لم تدركوه بعيد لكل بنو الإحسان حتى أغرتم على من يثير الجن وهي هجود وتزعمن الأعراب أن الغول إذا ضربت ضربة ماتت إلا أن يعيد عليه الضارب قبل أن تقضي ضربة أخرى فإنه إن فعل ذلك لم تمت وقد قال شاعرهم: فثنيت والمقدار يحرس أهله فليت يميني قبل ذلك شلت وأنشدوا لأبي البلاد الطهوي: لهان على جهينة ما ألاقي من الروعات يوم رحا بطان لفيت الغول تسري في ظلام بسهم كالعيابة صحصحان فقلت لها كلانا نضو أرض أخو سفر فصدي عن مكاني فصدت وانتحيت لها بعضب حسام غير مؤتشب يماني فقد سراتها والبرد منها فخرت لليدين وللجران فقالت زد فقلت رويد إني على أمثالها ثبت الجنان شددت عقالها وحططت عنها لا نظر غدوة ماذا دهاني إذا عينان في وجه قبيح كوجه الهر مشقوق اللسان ورجلاً مخدج ولسان كلب وجلد من قراب أو شنان قال الجاحظ: وأبو البلاد الطهوي هذا كان من شياطين الأعراب وهو كما ترى يكذب وهو يعلم ويطيل الكذب ويجيزه وقد قال كما ترى: فقالت زد فقلت إني على أمثالها ثبت الجنان لأنهم هكذا يقولون يزعمون أن الغول تستزيد بعد الضربة الأولى لأنها تموت من ضربة وتعيش من ألف ضربة. زعمهم أنهم يظهرون لهم ويكلمونهم ويناكحونهم قال الجاحظ: ومن قول الأعراب أنهم يظهرون لهم ويكلمونهم ويناكحونهم ولذلك قال شمر بن الحارث الضبي: ونار قد حضأت بعيد وهن بدار لا أريد بها مقاما سوى تجليل راحة وعين أكالئها مخافة أن تناما أتوا نار فقلت منون أنتم فقالوا الجن قلت عموا ظلاما فقلت إلى الطعام فقال منهم زعيم نحسد الأنس الطعاما وذكر أبو زيد عنهم أن رجلاً منهم تزوج السعلاة وأنها كانت عنده زماناً وولدت منه حتى رأت ذات ليلة برقاً على بلاد السعالى فطارت إليهن فقال: رأى برقاً فأوضع فوق بكر فلأياً ما أسأل وما أعاما فمن هذا النتاج المشترك وهذا الخلق المركب عندهم بنو السعلاة من بني عمرو ابن يربوع وبلقيس ملكة سباء. وتأولوا قول الشاعر: لاهم إن جرهما عبادكا الناس طرف وهم تلادكا فزعموا أن أباجرهم من الملائكة الذين كانوا إذا عصوا في السماء أُنزلوا إلى الأرض كما قيل في هاروت وماروت فجعلوا سهيلاً عشاراً مسنج نجماً وجعلوا الزهرة امرأة بغياً مسخت نجماً وكان اسمها أناهيد. وتقول الهند في الكوكب الذي يسمى عطارد شبيهاً بهذا. ويقول الناس فلان مخدوم يذهبون إلى أنه إذا عزم على الشياطين والأرواح والعمار أجابوه وأطاعوه. فمنهم عبد الله بن هلال الحميري. الذي كان يقال له صديق إبليس. ومنهم كدياس الهندي وصالح الموسوي. وقد كان عبيد يقول أن العامري حريص على إجابة العزيمة ولكن البدن إذا لم يصلح أن يكون هيكلاً لم يستطع دخوله والحيلة في ذلك أن يتبخر باللبان الذكر ويراعي سير المشتري ويغتسل بالماء القراح ويدع الجماع وأكل الزهومات ويتوحش في الفيافي ويكثر دخول الخرابات حتى يرق ويلطف ويصير فيه مشابهة من الجن فإن عزم عند ذلك فلم يجب فلا يعودن لمثلها فإنه ممن يكون بدنه هيكلاً لها ومتى عاد خبطه فربما جن وربما مات قال فلو كنت ممن يصلح أن يكون لهم هيكلاً لكنت فوق عبد الله بن هلال. قالت الأعراب وربما نزلنا بجمع كثير ورأينا خياماً وقباباً وناساً ثم فقدناهم من ساعتنا والعوام تروي أن ابن مسعود رضي الله عنه رأى رجلاً من الزط فقال: هؤلاء أشبه من رأيت من الجن ليلة الجن. وقد روي عنه خلاف ذلك. وقال أبو النجم * بحيث تستن مع الجن الغول * فأخرج الجن من الغول الذي باتت به الجن. وهذا من عادتهم أن يخرجوا الشيء من الجملة بعد أن دخل ذلك الشيء في الجملة فيظهر لأمر خاص. وفي بعض الرواية أنهم كانوا يسمعون في الجاهلية من أجواف الأوثان همهمة وأن خالد بن الوليد حين هدم العزى رمثه بالشرر حتى احترق عامة فخذه حتى عوذه النبي صلى الله عليه وسلم قال الإمام الجاحظ رحمه الله تعالى وهذه فتنة لم يكن الله تعالى ليمتحن بها الأعراب من العوام قال وما أشك أنه كان للسدنة حيل وألطاف لمكان التكسب. ولو سمعت أو رأيت بعض ما قد أعدّ الهند من هذه المخاريق في بيوت عباداتهم لعلمت أن الله تعالى قد من على جهلة الناس بالمتكلمين الذين قد نشؤا فيهم: يعني علماء الكلام وفلاسفة الدين عليهم رضوان الله. حكم إفرنجية من لم يكن يكرم الشيخوخة كان كمن يهدم في الصباح البيت الذي يجب عليه أن ينام فيه في المساءِ كار. لا يحب المرءُ أن يحبه الناس إلا لأنه يحب نفسه وربما ليجعل له سبباً إلى أن يحب أكثر مما يحب ديدرو كلما أراد أحمق أن يكون شقياً يصادف شقياً يبحث عن أحمق آخر بومارشيه. المرءُ في حاجة إلى غيره سعيداً كان أو شقياً فعمره قصير إذا لم يعش إلا بنفسه دليل. التقدم هو النقطة الكبرى ولم يصل إليه أحد منا فكلنا أناس سائرون في الطريق كاسباران. ليس من الأمور العظيمة أن يكون عقل المرءِ حاداً إذا لم يكن مستقيماً فليس كمال الساعة الدقاقة بسرعة سيرها بل بانتظام أدواتها. يدفع العمل ثلاث مفاسد: الملل والرذيلة والحاجة. توشك السلطة في البلاد المصابة بالجمود أن تنتقل إلى أيدي المهدارين الساقطين من الناس. أفضل السلطات ما لم يشعر المرءُ بثقل وطأته. ما من جندي مهما كان إلى الضعف والضعة إلا ويحسب قائداً في نظر آخرين. أفضل الأطباء من ركض في البحث عنه زبائنه فلم يجدوه. النار تغلي الماء والماءُ يطفئُ النار فلا تدفئُ ناكر الجميل فإنه يطفئ شعاعك. انتف ريش البط في القرى وريش المنقاضين في المدن. حاذر من إظهار مكانتكم لئلا يكثر معادوك. إني لا أوثر أن أخدع على أن أعيش أبداً في حذر وهو ابن الجبن وأبو المداجاة بوسويه. لو كنت أعلم شيئاً نافعاً لوطني مضراً للجنس الإنساني لأبقيت عليه كما أبقي على جريمة أرتكبها مونتسكيو. أحرى الناس بالاستماع من يستعمل الكلام للتعبير عن الفكر والفكر لبيان الحقيقة والفضيلة فنيلون. غرائب الغربمن كتاب لنا تحت الطبع الطباعة الباريزية ألمعنا مرات في الفصول السالفة إلى تفنن الباريزيين في الأمور الذوقية والطباعة من جملة فنون الذوق وإن كانت تتوقف على علم وفضل تجربة. وأجور الطبع هنا غالية لغلاء الأسعار وأجور الدور والمنازل فالعامل الجيد لا يرزق أقل من نصف ليرة وأقل عامل لا يرزق أقل من أربعة فرنكات في يومه. ولذلك ترى بعض أرباب المجلات وغيرهم من المؤلفين والطابعين يطبعون مجلاتهم وكتبهم في مطابع الولايات لرخص أجورها وجودة طبعها الذي لا يختلف عن المطابع الباريزية في شيء. ومن جملة المطابع العظمى التي زرتها مطبعة الأمة أي مطبعة الحكومة التي أسسها لويز الثالث عشر سنة ١٦٤٠ ثم نقلت إلى قصر الكردينال روهان من أجمل القصور الباريزية القديمة المعروف ببيت أساقفة ستراسبورغ. وقد أنشئت لها بناية هائلة في شارع الكنفانسيون لضيق هذا المكان على سعته البالغ سطحها عشرة آلاف متر مربع. تدخل من الباب فترى في فناءِ الدار تمثال غوتنبرغ مخترع الطباعة والمتفضل على الإنسانية معمولاً من البرونز فلا تتمالك من الدعاء له وذكر بيض أياديه على العالم ثم يأخذك الدليل في الوقت الذي تعينه لك من قبل إدارة المطبعة ويطوف بك قاعات مسابك الحروف في ثمانين لغة واللغة العربية في مقدمة لغات الشرق رأيناهم في بعض الغرف كتبوا بيتاً من الشعر العربي ليمرن الأستاذ العملة على تعلم هذه اللغة فيحسنوا تنضيد حروفها بفهم. ثم طاف بنا الدليل قاعات التنضيد والتجليد والطبع والطي فرأينا كل شيء قد جعل في مكانه اللائق به والعملة والعاملات يعملون في مكان واحد كتفاً إلى كتف وقد يتولى الأعمال الشاقة الرجال من دون النساء. وعدد العاملين والعاملات في المطبعة يناهز الألف والخمسمائة وفيها ما يربو على ستين آلة طابعة على آخر طرز منها خمس آلات من المعروف بالروتاتيف وعلى مثلها تطبع جميع الجرائد الكبرى في اغرب اليوم. وتنفق الحكومة على هذه المطبعة نحو تسعة ملايين فرنك مسانهة وفيها تطبع الجريدة الرسمية ومطبوعات الحكومة والنظارات ومناشيرها وفهارسها وأوامرها فالاستعداد فيها تام لكل ما تطلب الحكومة طبعه وليس في وقتها متسع لطبع مطبوعات الأفراد وناهيك بمطبعة حوت من الأدوات ما يلزمها من سبك الحروف حتى التجليد وناهيك بكثرة أشغال حكومة الجمهورية التي تقع ميزانيتها وحدها في ثلاثة آلاف صفحة كبيرة يطلب طبعها في وقت قصير وهذا لا يتيسر إلا بمطبعة متقنة جداً. ولهذه المطبعة معامل للتصوير الشمسي وطبع الصور والطبع المحفور المجوف والحفر على الخشب والحفر على النقش والحفر الناتئ على النحاس والزنك والطبع الملوّن وطبع الحجر والتصفيح والطبع المنحس وغير ذلك من التفنن في الطباعة. وتسمح المطبعة بإعارة الطابعين بعض الحروف الغريبة من اللغات الأجنبية ولا تطبع من الكتب إلا ما كان بلغة غريبة لا يوجد من حروفها في كل مطبعة وذلك لمحض خدمة المعارف والفنون. هذه جملة ما يقال في مطبعة الأمة ولو جمعت مطابع مصر كلها ما دانتها بالمكانة وكذلك لو جمعت مطابع الأستانة وأضفت إليها مطابع الولايات العثمانية برمتها والمطبعة التي تنفق عليها الحكومة نحو أربعمائة وخمسين ألف ليرة في السنة يستحيل على حكومة كالحكومة العثمانية والمصرية أن تقوم بمثلها وهي لا تنفق على المعارف كلها نحو هذا القدر من المال أو أكثر منه بقليل فتأمل. مدرسة فرنسا من المعاهد التي استغرقت شطراً كبيراً من وقتي في باريز دروس مدرسة فرنسا كوليج دي فرانس لسهولة التلقي فيها في كل علم يخطر في البال ولأن هذه المدرسة ذكرتني بمدارس الإسلام أيام حضارتنا وقد جعلوا العلم مباحاً لكل طالب يلقنونه إياه بلا عوض. في شارع المدارس بالقرب من كلية السوربون قام بناءٌ عظيم أسسه فرنسيس الأول ملك فرنسا حوالي سنة ١٥٣٠ وجعل فيه درسين الأول لتعلم اللغة الرومية والثاني للعبرانية وسمى المدرسة مدرسة الملك فرأت الكلية إذ ذاك أن قد استهين بها فأوعزت إلى مدرسة اللاهوت أن تتهم مدرسي مدرسة الملك بأنهما يدعوان إلى الزندقة فحال الملك دون صدور الحكم عليهما وأضاف إلى المدرسة درساً في الفصاحة اللاتينية ليخلص وجماعته من تهمة الإلحاد وما زال عدد الدروس يزيد على عهد الملوك حتى أضاف إليها هنري الثالث درس العربية ونابليون الأول درس التركية ولم يبرح بناؤها ودروسها عرضة للقلب والإبدال حتى عهد الجمهورية الثالثة. ولقد أصبحت هذه السنة الدروس التي تلقى على الناس مجاناً ٤٩ درساً يصح أن يقال أنها مجموع علوم البشر يتولى تدريسها أعظم أساتذة هذه البلاد وعلمائها ممن اشتهروا بفن أو علم أو لغة وصرفوا في البحث فيه شطراً مهماً من حياتهم ولم أر في هذه المدرسة أستاذاً نقل سنه عن ستين إلا بعض المعاونين ممن يتجاوزون الأربعين وينتخبهم المجمع العلمي أو المجامع العلمية الخمسة وأساتذة المدرسة ويقبض الأستاذ عشرة آلاف فرنك في السنة ولا تتجاوز مدة الدروس ستة أشهر يتلو في خلالها درسين في كل أسبوع فقط. أما العلوم التي تلقى على جمهور المستمعين فهي ١ علم الأثقال التحليلي والسماوي ٢ العلوم الرياضية ٣ علم الطبيعة والرياضة ٤ الطبيعة العامة والتجريبية ٥ الكيمياء المعدنية ٦ الكيمياء العضوية ٧ الطب ٨ علم الحياة العامة ٩ تاريخ الأجسام الغير العضوية الطبيعي ١٠ علم تكوين الجنين ١١ التشريح العام ١٢ علم النفس التجريبي ١٣ تاريخ العلوم العام ١٤ تاريخ التشريع المقابل ١٥ الاقتصاد السياسي ١٦ الجغرافيا والتاريخ والإحصاء الاقتصادي ١٧ تاريخ العمل ١٨ جغرافية فرنسا التاريخية ١٩ تاريخ الأديان ٢٠ الفلسفة الاجتماعية ٢١ علم الاجتماع الإسلامي ٢٢ علم الجمال وتاريخ الفنون ٢٣ علم الكتابات والعاديات الرومانية ٢٤ الكتابات والعاديات اليونانية ٢٥ الكتابات والعاديات السامية ٢٦ الآثار المصرية وأصول لغاتها ٢٧ الآثار الآشورية وأصول لغاتها ٢٨ الآداب العبرانية والكلدانية والسريانية وأصول لغاتها ٢٩ الآداب العربية واللغة العربية ٣٠ النقود القديمة ونقود القرون الوسطى ٣١ آداب اللغات الصينية والتترية والمنشوية ولغاتها ٣٢ آداب اللغة السنسكريتية ٣٣ آداب اللغة اليونانية ٣٤ فقه اللغة اليونانية ٣٥ تاريخ آداب اللاتينية ٣٦ التاريخ الوطني والعاديات الوطنية ٣٧ الفلسفة الحديثة ٣٨ اللغة الفرنسوية وآدابها في القرون الوسطى ٣٩ اللغة الفرنسوية الحديثة وآدابها ٤٠ أصول اللغات الجرمانية وآدابها ٤١ لغات أوروبا الجنوبية وآدابها ٤٢ اللغات والآداب السلتية ٤٣ اللغة السلافية وآدابها ٤٤ علم النحو المقابل ٤٥ العاديات الأميركية ٤٦ الرياضيات ٤٧ تاريخ فن الموسيقى ٤٨ التاريخ العام والطريقة التاريخية ٤٩ أصول اللغات الهندية والصينية وتاريخها . هذه العلوم التي تدرس في مدرسة فرنسا ولا يستغرق الدرس منها ساعة يتلو في خلالها الأستاذ زبدة علمه وبحثه ولا يكثر المستمعون إلا في بعض الدروس التي رزق أستاذها فضل بيان وطلاقة لسان وأكثر الحضور غرباء أي غير فرنسويين وفيهم كثير من الفتيات طالبات العلم ممن قصدن فرنسا من ألمانيا وإنكلترا وروسيا والنمسا وإيطاليا وبلغاريا ورومانيا والصرب والسويد وأميركا ليغترفن من مدارس باريز ويحكمن لغتها الجميلة. فكأن أهل هذه العاصمة زهدن في حضور هذه الدروس المجانية وأزهد الناس في الرجل أهله وجيرانه. وإن دروساً يعد من جملة أساتذتها لفاسور وبول لوروا بوليو الاقتصاديين وماسبرو وغانو الأثريين وجوليان ومونو المؤرخين وبرجسون وريبو الفيلسوفين وغيرهم من الأئمة الأعلام لحرية بأن يستفيد منها كل طالب ويغترف من درر بحورها عاشق العلم. وإن هذا المعهد ليولي فرنسا شرفاً ليس وراءه غاية ويدل على تفانيها في نشر المعارف والأخذ بأيدي القائمين عليها وينادي بلسان الحال والمقال على توالي العصور والأجيال أن فرنسا إذا هرمت في سياستها وأخلاقها فهي على الدهر فتية في جمال علمها وجدة حكمتها. التجارة الباريزية لم يكتف الفرنسويون بل الغربيون بما بلغوه من أسباب الراحة والرفاهية بل تراهم يعملون ليلهم ونهارهم لئلا يسبق بلد بلداً آخر أو مملكة مملكة أخرى كأن المنافسة التي هي من أعظم عوامل الارتقاء قد تحسمت في صدر الكبير والصغير من الإفرنج فكان من آثارها ما يبهرنا من تلك الحضارة الراقية والسعادة الشاملة. رأيت روح الاجتماع مستحكمة في أعمال الأوروبيين فلا يكاد يأتي زمن قليل حتى تصبح جميع مشاريعهم وأعمالهم شركات وجمعيات ليخفى عمل الفرد ويظهر عمل الجماعة ويتراجع ضعف الواحد أمام قوة المجموع فقد ظهرت لتلك الأمم نتائج الاشتراك جماعة ظهوراً لا ينكره إلا من يكابر حسه ويغش نفسه فأنشأ من كانوا إلى الانفراد في متاجرهم ينضمون بعضهم إلى بعض ومن عاشوا بالوحدة يربحون ويخسرون فلا يدري بهم أحد عدلوا عن سالف طريقتهم واقتدى المتأخر بالمتقدم أو العناصر اللاتينية والسلافية بالعناصر الإنكليزية السكسونية. مثال ذلك مدينة باريز مهد الحضارة اللاتينية فإنك تجد معظم مشاريعها ومتاجرها ومصانعها لشركات ومشاريع الأفراد ومتاجرهم ضعيفة ضئيلة لا تكاد تحيا حتى تموت وكلها آيلة طوعاً أو كرهاً إلى الاندماج في سلك الاشتراك مع الجماعة. دخلت كثيراً من مخازن باريز فكنت أشهد على قلة إلمامي بفن التجارة روح الجماعة مرفرفة عليها وتعدد القوى زائدة في نمائها وحسن الذوق وسلامة الإبداع تتخلل أرجاءها وتزيد بهاءها. باريز أعظم بلد تصرف فيه السوق المالية والتجارية والصناعية من فرنسا ورؤوس أموالها مقدمة جميع متاجرها ولا تفوقها في ذلك إلا لندر. وقد بلغ عدد ما في باريز من البيوت المالية والمصارف وشركات الضمان فقط زهاء ألفي محل توشك أن تكون كلها لشركات وأعظم متاجر باريز بل فرنسا تجارة الأطعمة المحضرة والأمتعة والثياب والأزياء وكلها مهمة جداً لا بكثرة عددها بل بمكانتها وفخامتها وانتظام أعمالها. زرت بعض هذه المخازن من مثل لابل جارندنيير والرنتان والبون مارشه واللوفر ولافييت ودوفاييل وكل واحد منها يبتاع بما حوى قطراً واسعاً من أقطار الشرق ويحتاج وصفه إلى الكلام ساعات على شرط أن يكون المتكلم عارفاً بالتجارة وما يتصرف أو يتوقف عليها وتتوقف عليه وكل مخزن يعد مستخدموه وموظفوه بالمئات ففي مخزن دوفايل وهولفرش الدور والقصور وما يلزم لها من الأثاث والخرثي والرياش والأواني والسرر والصناديق والمقاعد والمتكآت والكراسي وأدوات الطبخ وكل ما يتصرف تحت أنواع الزينة والتبرج والبذخ والرفاهية ما يأخذ بمجامع القلب ويعد من أغرب غرائب الغرب. ولا يقدر المرء أن يطوف هذا المخزن في أقل من ثلاث ساعات إذا أحب أن يلقي نظرة واحدة على ما فيه من التحف والأمتعة الثمينة وهو قصر فخيم جداً لم أر أجمل من نقوشه البديعة وبنائه العظيم سوى متحف اللوفر ومتحف فرسال ودار المجلس البلدي الباريزي. وفي مخزن دوفايل محل للتمثيل ومحل للموسيقى ومحل لألعاب السينما توغراف يختلف إليها الزائرون بأجور معتدلة جداً والغرض منها أن يمروا ببعض مخازن ذاك المحل الكبير فيكون مرورهم بها وإلقاء أنظارهم عليها بمثابة إعلان عما فيها من الأعلاق النفيسة وببركة الإعلان يشتري من لم يكن تحدثه نفسه بالشراء. ومن الغريب أن هذا المكان الذي لا يشبهه في الفخامة إلا أرقى قصور الملوك والأمم كما آخذ الآن في توسعة مخازنه لأنها ضاقت به على سعتها وما أدري ما هو رأس ماله ولا مقدار أرباحه وعدد مستخدميه وغاية ما رأيت أن مصرفه أشبه بمصرف كبير بل هو في سعته وكثرة مستخدميه أشبه بمصرف الكريدي ليونيه في القاهرة لا في باريز فإنه هناك العجب العجاب بعينه. وقرأت في إحصاء أخيراً أن مخزن لافاييت أحب أن يزيد رأس ماله فقرر مساهموه أن يزيدوه اثنين وعشرين مليوناً ونصف مليون من الفرنكات فإذا كان مخزن واحد زاد رأس ماله في جلسة نحو مليون ليرة عثمانية فكم يكون أصل رأس المال. ومما هو حري بالنظر في المسائل الاقتصادية أن أهل باريز على شدة كرههم للألمان يبتاعون في بلدهم البضائع الألمانية لرخص أسعارها والتفنن في إبداعها حتى كادت بضائع الألمان تأتي على بضائع فرنسا مع جودة هذه ومتانتها وأصبحت بذلك معظم البيوت التجارية لأناس أو لشركات من الألمان وغيرهم ومثل ذلك قل على ما قرأته في إحدى المجلات عن تجارة لندرا أو تجارة نيويورك فإن القسم المهم منها بيد الألمان يصرفون على الإنكليز والأميركان سلعهم وحكومة إنكلترا وأميركا مع شدة حرصهما على مصلحة قومهما التجارية لم تستطيعا بالتعاريف الجمركية ولا بغيرها أنت تقيما سداً منيعاً دون تسرب البضائع الألمانية إليهم. ولكن ألمانيا أو العنصر الجرماني ومن لف لفه تحارب هذه الحرب التجارية بسيف العلم والمعارف وسدود الدول لا تقوى على صد هجماتها المعقولة. ذكر الإحصائيون أن مدارس ألمانيا تخرج كل سنة أربعين ألف طالب وبيدهم الشهادات التجارية فأين يذهب هؤلاء الرجال بعد؟ وهل لهم إلا أن يصرفوا متاجرهم في مشرق الشمس ومطلعها بالطرق الاقتصادية المدهشة. فكم رجل تخرج من البلاد المصرية العثمانية يا ترى حتى الآن في المعارف التجارية وكم طالب أتقن اللغة الألمانية منا حتى أصبح يكتب فيها ويترجم منها وإليها كما يكتب الفرنسوية أو الإنكليزية ويترجم بها منها؟ قال لي أحد علماء الألمان أتدري بأي شيء غلبنا الفرنسيس في حرب السبعين قلت لا أعلم قال غلبناهم لأننا كنا عارفين بما عندهم أما هم فلم يكونوا يعرفون ما عندنا وأنا أقول أن اقتصارنا معاشر العثمانيين والمصريين والسوريين خاصة على تعلم اللغة الفرنسوية في الأكثر هو من الاحتكار الضار فيجب أن نعرف أو بعضنا لغة أمة كبرى تريد أن تحارب العالم حرباً اقتصادية حتى لا يكون مثلنا مثل الفرنسيس مع جيرانهم الألمان قبل حرب السبعين جهلوا ما عندهم فخسروا في ماديتهم ومعنوياتهم. نعم نتوفر على الأخذ من أوروبا كل ما تمتاز به مملكة من ممالكها فنحول وجهتنا بعد الآن إلى جرمانيا لنتعلم علومها واقتصادها ومتاجرها وبريتها ونأخذ عن فرنسا الزراعة والحقوق وعن إنكلترا السياسة والعلوم والبحرية وعن إيطاليا الصنائع النفيسة ونجعل للغة الألمانية والإيطالية حظاً من عنايتنا حتى لا نكون حكرة مضرة لحكومة خاصة من حكومات الغرب فنحن كما نريد في السياسة أن نعامل الدول كلهن بوئام يجب أن نأخذ عن كل دولة راقية أحسن ما عندها حتى لا نكون من الجامدين على أمة بعينها والجامدون في مسائل الدين كالجامدين في مسائل الدنيا لا يخلو حالهم من ضرر على المجتمع. الإعلان أساس التجارة تقدم في الفصل السالف أن البيوت التجارية في باريز تبيع ببركة الإعلان عن نفسها وهنا مجال لأن أفضل ذاك الكلام المجمل فأقول: كل من زار مدينة أوروبية أو أميركية من أبناء هذا الشرق الأقرب يأخذه العجب من وفرة الإعلانات وتفننهم في نشرها والفرنسيس في الإعلانات مقلدون لا مجتهدون قلدوا الأميركان والإنكليز وهؤلاء ينفقون عليها نفقات لا تكاد تصدق فقد ذكروا أن معمل الموازينالمقتبس م ٢ ص ٢١٦ فيربانك وشركاؤه الذي كان ينفق على الإعلانات نحو ثلاثة آلاف فرنك مسانهة أخذ اليوم ينفق نحو ثلاثة ملايين ونصف فرنك وقد كان خصص أحد معامل الصابون ثلاثين ألف ريال للإعلان عن مصنوعاته وهو اليوم يصرف ألف ريال في اليوم وتخصص المعامل الكبرى التي تبيع بالمفرق في مدينة نيويورك وحدها زهاء أربعة ملايين ريال في السنة لنشر إعلاناتهم وقد أنفق أحد أصحاب المخازن لإرسال طبعة واحدة من الإعلانات بطريق البريد ٦٤٠ ألف ريال وليس من محل في أميركا إلا ويصرف خمسة في المئة من أرباحه على الإعلانات وقد أنفق أحدهم ٧٥٠ ألف ريال للإعلان عن موسى له فباع سنة ملايين موسى وكذلك فعل توما بيشام بحبوبه فصرف للإعلان عنها مليوني جنيه. فاشتهار اسم المعمل أو صاحبه من القطب الشمالي إلى القطب الجنوبي وتردداه في أفواه أرقى الأمم وأوحشها موقوف على كثرة التفنن في الإعلان عنه والبذل في هذا السبيل عن سعة حتى قال كارنجي أعظم أغنياء الأميركان: إذا أردت أن تبيع قبعة بريال فإنك تسطيع أن تبيعها بريالين إذا وضعت اسمك عليها وذلك لأنك تفهم الناس بأن لاسمك بعض القيمة. وذكروا أن شركة ولن سي الأميركية وهي شركة معامل أصواف مؤلفة من ٢٧ معملاً رأس مالها ٦٩٠ مليون ريال وكانت مجموع أرباحها سنة ١٩٠٢ ١٨.٧٠٠.٠٠٠ على حين بلغ مجموع المنسوجات الصوفية المصنوعة في الولايات المتحدة كلها ملياراً و ٤٨٥ مليون ريال فبيدها جزءٌ من ثمانية أجزاء من عمل الصوف ذكروا أنها توصلت بفضل التفنن في الإعلان عن نفسها إلى أن كادت جزءاً عظيماً آخر من أرباح الشركات الأخرى إن لم تكن التهمتها حتى الآن. والطرق إلى ذلك مختلفة فمن ضروب الإعلانات الإعلان في الجرائد والمجلات على اختلاف أنواعها ووضع صفائح منحسة في الصفحة السابعة أو الثامنة أي الأخيرة وإعلانات في شبك ودس الإعلانات في أخبار الجرائد وبين أخبار الرياضات والسباق ودور التمثيل والأزياء وإدماجها في المقالات وتعليقها على حيطان الدور وفي شوارع المدن والقرى وعلى طول السكك الحديدية وفي أماكن النزهة والمناظر التي يسرح فيها النظر وفي عجلات الحوافل والترامواي والسكك الحديدية تحت الأرض وفوق الأرض وستور دور التمثيل والقصور وجميع الأماكن العمومية حتى المراحيض وترسم الإعلانات على القرطاس الذي يضعه الكاتب تحت يده وعلى المقطع والسكاكين وعلبة عيدان الكبريت والدواة والبارموتر وكتب التقاويم وورق النشاف وبطاقات البريد وتجعل من الورق الملون والمقوى والزجاج والخزف والخشب والمعدن وغيرها. وتبدو في المساء بألوان مختلفة مقطعة بادية بالكهرباء وغيرها مما يطول ذكره. ومن غريب تفننهم في الإعلانات أن مخزن أدوات نحاسية وحديدية في ليفربول أخذ يعلن في جرائدها بأنه يقدم مفتاحاً بلا ثمن لكل من يضيع مفتاح بابه أو خزانته فبهذه الواسطة كان يأتيه المضيع فينصح له المحل بأن يبتاع قفلاً كاملاً ويغير القفل القديم حتى لا يقع المفتاح في يد لص وربما هانت عليه السرقة فبعض الناس يبتاعون وبعضهم يكتفون بأخذ مفتاح بلا ثمن ولكن النصح يفعل في أكثرهم. واخترع أحد البدالين من بائعي المأكولات المحضرة في لندرا طريقة للإعلان عن محله بأن اغتنم فرصة حصور جوق تمثيل فابتاع مئات من الكراسي لمستخدمي محله أدخلهم على نفقته فتحدث القوم بذلك وذكرته الجرائد فحصل للمحل بالإعلان عن نفسه. ومن غريب تفننهم أن أحد مخازن القبعات في بلتيمور في أميركا أعلن في الجرائد أنه يريد أن يعرف أحد النساء المحكوم عليهن بالقتل فاهتدى إليها وأعطاها مئة ريال على أن تقول قبل ضرب عنقها هذه الجملة كل ما أستطيع أن أقوله الآن هو أن محل المستر بلانك يعمل أحسن القبعات بريالين ثم قطع عنقها واغتنى صاحب المعمل. والأمثلة على ذلك كثيرة ويكفي إلقاء النظر على أي حائط أو مجلة أو جريدة لنعرف مبلغ تفنن الغربيين في الإعلان والأساليب في الكتابة التي يختارونها والصور المنوعة ومنها المضحك وغيرها الجدي وبعضها لطيف وآخر بشع ومنها السياسي والأدبي والعلمي وقد جعل الإنكليز السكسونيون للإعلانات قواعد حتى صارت علماً من العلوم لا يبرز فيها إلا من حسن ذوقه وعرف النقش والرسم والتصوير والطباعة وكان ملماً بالاقتصاد السياسي وعلم النفس ومحيطاً بعالم المالية والصناعة والتجارة والجرائد والمجلات وكان ذا هبة بالتفنن والأدب والخطابة حاسباً كاتباً مقنعاً يعرف التفنن في المسائل الحاضرة أو يحسن علم الحال. ولا تعيش معظم الجرائد والمجلات الكبرى إلا بأجور إعلاناتها حتى أن أجرة صفحة واحدة مرة واحدة في جريدة لادي هوم جورنال تؤجر بألف جنيه. ويؤخذ من إحصاء صدر سنة ١٩٠٠ أن في الولايات المتحدة ١٨٢٢٦ جريدة ومجلة بلغ مجموع ما يطبع من أعدادها من كل نسخة ١١٤.٢٢٩.٣٣٤ ومجموع ما تطبعه في السنة ٨.١٦٨.١٤٨.٧٤٩ ١٦٨.١٤٨.٧٤٩ وبلغ مجموع إيرادها تلك السنة ٨٧٨.٩٤٨.٢٥٠ فرنكاً منها ٤٧٩.٣٠٥.٦٣٥ فرنكاً من أجور الإعلانات أي ٥٤٥ في المئة من مجموع دخلها وتطبع بعض الجرائد نسخاً خاصة بنشر الإعلانات فقط وتوزعها على مشتركيها ومن الجرائد ما لا يطبع غير الإعلانات وتوزع مجاناً. ويصرف أحد بيوت الثياب في فيلادلفيا نصف مليون فرنك في السنة أجرة صفحة واحدة من إحدى الجرائد الكبرى في تلك المدينة اسمها لروكورد ويصرف مخزن آخر يريد منافسته مليون فرنك على أربع جرائد. ومن كتاب الإعلانات من يرزق ألف ليرة في السنة. ومن الإعلان الغريب أن بعض التجار لهم بيوت ولا مخازن بل هم يطبعون إعلانات وينشرونها في قوائم خاصة وعلى صفحات الصحف والكتب والرسائل فيرسل الطالبون بالبريد يطلبون منهم ما يشاؤن من بضائع ومأكولات وهم يرسلونها إليهم بالبريد أيضاً وهذه الطريقة اخترعت في الولايات المتحدة لأن ثلاثة أرباع سكانها يعيشون في القرى والمزارع بعيدين عن مراكز التجارة وأشغالهم لا تسمح لهم بالاختلاف إلى المدن لابتياع ما يشاؤن وبهذه الواسطة يوفرون عليهم عناء التعب والمساومة ويصلهم ما يشتهون وهم في أعمالهم وناهيك بما في هذه الطريقة من تبادل الثقة بين التاجر والشاري وفي شيكاغو وحدها تبيع مثل هذه المحال التجارية في السنة بما قيمته ملياران وخمسمائة مليون فرنك وأن ثلاثة محال منها لتأخذ وحدها كل يوم خمسة وعشرين ألف رسالة في طلب ما يلزم أصحابها. وقد حسبوا أن عشرة ملايين أي ثمن أهالي الولايات المتحدة يبتاعون حاجياتهم على هذه الكيفية. وأن لأحد هذه المحال التجارية في شيكاغو زبناً يبلغون مليوني نسمة يتناول منهم في السنة أربعة ملايين رسالة وهذه الرسائل لا تفتح واحدة واحدة بل تجعل كل ستين منها في آلة تفتح كلها بلحظة ثم ترسل إلى مئات من البنات تجعل كل قسم مع قسمه وكل طلب مع ما يضارعه وتجعل في لوالب كهربائية لا تقل عن خمسة عشر ألف لولب وترسل في أسرع ما يمكن إلى البيوت التي تقدم للمحل طلباته وهي لا تقل عن ٧٧ ألف نوع فتأتي كلها على جناح البرق بحيث يكون العمل ما أمكن مستغنياً عن الأيدي الكثيرة على أن محلاً واحداً من هذه المحال التجارية التي تبيع بالمراسلة عنده من المستخدمين ٦٢٠٠ مستخدم ولم يكن صاحبه قبل ربع قرن يملك ليرة واحدة وثروته تعد اليوم بملايين الليرات والناس يطلبون إلى محله وإلى غيره من المحال التي على شاكلته كل ما يخطر ببالهم ومنهم من يطلبون أو يطلبن الزواج بواسطته. وعلى الجملة فإنك لا ترى في ديار الغرب محلاً تجارياً أو معملاً أو مشتغلاً بالفنون الجميلة بل ولا عالماً ولا كاتباً ولا صانعاً إلا وينفق جزءاً من ماله على الإعلانات ليربح المئة مئات وللإعلان يد طولى في عامة الأعمال الصناعية والزراعية والعلمية ولولاها ما رأينا المخازن الكبرى والجرائد الكبرى فعسى أن يقتدي الشرق بأخيه الغرب في هذا السبيل فيعلن خصوصاً عن أصقاعه الجميلة ليجذب السياح إليها ويربح منهم مئات الألوف من الليرات كما فعلت سويسرا واغتنت بعد فقرها بكثرة تشويق العالم إلى زيارة ربوعها وكما فعلت فرنسا وإيطاليا وألمانيا وغيرها من أصقاع أوروبا وأميركا مثل مدينة دالاس في ولاية التكساس في الولايات المتحدة فإن أهلها كانوا سنة ١٨٨٠ عشرة آلاف نسمة فأزمع بعضهم أن يؤسسوا نادياً سموه نادي المئة والخمسين ألفاً أي أن مدينتهم ستكون سنة ١٩١٠ مئة وخمسين ألف نسمة وما برحوا يتذرعون إلى ذلك بكل حيلة حتى بلغ عددهم سنة ١٩٠٤ ٨٣ ألفاً وتوصلوا إلى أن قال الرئيس روزفلت في خطاب له أن شمالي التكساس هو حديقة الرب ومدينة دالاس تطالب ويحق لها ذلك أن تكون نقطة دائرة هذه الحديقة. نعم إن الإعلان أساس من أسس الثروة اليوم بل هو سبب من الأسباب المعقولة المشروعة وأثره في الإعلان عن الأشخاص ظاهر وكم من نابه اشتهر يتحدث الناس في أمره ومن آخر خمل ذكره لأنه لم يعرف كيف يتوصل إلى الشهرة فعاش ومات ولم يدر به أحد فاللهم اجعل الشرقيين من النابهين بحق لا الخاملين المجهولين. دور التمثيل والأنس والاجتماع في باريز إن ما شهدته من التمثيل العربي المنحط جداً في الديار المصرية والشامية زهدني في التمثيل على أنواعه فصرت لا أختلف إلى دار تمثيل إلا متكارهاً وذلك في المدة الطويلة لقلة غنائه وانقطاع الرغبة فيه وأعلل ذلك بأن التمثيل لم يعهده العرب أيام حضارتهم بل لم يكن لهم ما يشبهه في قرطبة ولا في بغداد ولا في دمشق ولا في القاهرة أيام عزتها ولذلك قلما مال أبناء العرب إليه ميل الغربيين له وقدروا مزاياه حق قدرها. ولما حللت باريز كان من أوائل المسائل التي توخيت دراستها حالة التمثيل في الغرب والسر في توفر أهله عليه وخدمتهم له كما يخدم الشعر والموسيقى والخطابة بل جعلوا هذه الفنون خادمة للتمثيل وأصبح عندهم من ضروريات الحياة كالطعام والشراب لا حياة بدونهما وكذلك التمثيل لا حياة روحية بدون الاختلاف إلى دوره ولو مرة في الشهر إن لم يكن مرة أو مرتين في الأسبوع. والتمثيل في باريز من أعظم ملاهيها وقل أن تجتمع لعاصمة ما اجتمع لها من ضروبه ولشدة عناية الحكومة به تنقل من مالها كل سنة أربعة دور تمثيل مبلغاً تستعين به على تحسين حالها فتمنح الأوبرا ثمانمائة ألف فرنك والتياترو الفرنسوية ٢٤٠ ألف فرنك مع الدار وتعطي الأوبرا كوميك ٣٠٠ ألف وتعطي الأودبون ١٠٠ ألف فرنك وفي باريز ٥٣ دار تمثيل كبرى ذهبت إلى أشهرها مثل الأوبرا والتياترو الفرنسوية والأوديون والشاتليه وساره برنارد والفودفيل وغيرها. فكنت كلما أَلفت اصطلاحاتهم في أحاديثهم وحركاتهم وسكناتهم ومظاهرهم ورقصهم وغناهم تبين لي سر تغالي الغربيين بالتمثيل وأنه حقيقة مدرسة تهذيب وفضيلة عملية ودار سلوى وارتياح أرواح فلا عجب إذا عدوه من أكبر العوامل في نهوضهم وتثقيف مجتمعاتهم وشغفوا بفصوله ولا شغف الشرقي بفضوله وحرص الفرد منهم على ساعاته حرصه على عزيز أوقاته. أما دور التمثيل فهي قصور فخمة هندسوها على ضخامتها بحيث لا يحرم الحضور على اختلاف درجاتهم من سماع ما يقال على مسارحها ورؤية ما يعرض فيها من المشاهد والمناظر. وكفى بأن دار الأوبرا كلف بناؤها ثلاثين مليون فرنك وذرعها أحد عشر ألف متر. وأقل دار تمثيل تساوي عشرات الألوف وبعضها مئات الألوف من الليرات وإن مما يبهج جوق الموسيقى في الأوبرا وقد حزرته بمائتي شخص وجوق الممثلات والراقصات والممثلين على المسرح وما أظن جمهرته تقل عن خمسمائة. وإذا عرفت أن الأوبرا تدفع لأحد ممثليها ٢٢٠٠ فرنك كل ليلة أي ١٢٨ ألفاً عن ٦٤ ليلة في السنة وتدفع لغيره من الممثلين رواتب تختلف بين ٨٥ ألفاً إلى ٣٠ ألفاً. وعن كل ليلة يغني فيها كاروزو عشرة آلاف فرنك وتتناول بعض الممثلات أربعة آلاف فرنك في الشهر جاز لنا أن نستقل إعانة الحكومة للأوبرا ونحكم على كثرة دخلها وخرجها. ولقد كنت أتمثل نفسي في حضرة أعظم فصحاء الأرض وعلماء الاجتماع والنفس ساعة تشتهي إلى مسمعي أصوات الممثلين والممثلات وتنفتق ألسنتهم بكلمات الحكمة والأدب ويشخصون الفضيلة في أبهى مظاهرها كأنك تراها فلا أتمالك من توفير الممثلين والممثلات وإكبار فائدة التمثيل. المدارس لتنشئة الصغار في وقت معين من السن ودور التمثيل مدارس دائمة للصغار والكبار تلقنهم من أيسر السبل حكمة وآداباً وتلقنهم عبرة مفيدة وفكاهة رشيدة. حضرت رواية مثل الأوراق في الاوديون ورواية الباريكاد لبول بورجه في الفودفيل ورواية جان دارك في تياترو ساره برنارد ورواية الجندي الصغير في الشاتليه فكان يخيل لي وأنا أسمع وأرى أن الأمر واقعي وأن هذه المشاهد حدثت الآن وقد اجتمع جمال الصوت إلى جمال الوجوه إلى جمال الكلام إلى جمال الهندام إلى جمال المكان إلى جمال النظار وأقل هذا مما يستهوي النفس فلا تدري أي شيء ترى ولا أي فائدة تعي. وما أظن أكبر متنطع لو حضر التمثيل في مثل هذه الدور العظمى يستطيع أن يعيب شيئاً مما يشهد. وأي عين لا تقع على ساره برنارد أشهر ممثلة فرنسوية وهي في الخامسة والستين من عمرها تمثل دور جان دارك وهي في التاسعة عشرة فتظهر كأنها هي بصوتها وحركتها ونضرة وجهها ولا ترتاح وتعجب وأي أذن تسمع الحكمة في رواية الباريكاد يقولها أحد الممثلين بصوت رخيم إن الطبقات الاجتماعية كالأمم يضيع حقها في حفظ ما لم تقو على الدفاع عنه. ولا يفكر طويلاً. ولقد رأيت في دور التمثيل حتى ما يوصم منها بأن فيه شيئاً من الخلاعة مثل مولن روج أن الأدب يغلب على السامعين والناظرين. وإن قاعات الاستراحة بين الفصول ليسير فيها الخرد العين كاسيات عاريات معطرات متبرجات ولا ترى إلا من يغض الطرف حياءً وأدباً. والغالب أن النساء يلبسن لليالي التمثيل ثيابهن وأزيائهن كأنهن في بيوتهن وبين صويحباتهن وأصحابهن وقلما تراهن في الشوارع إلا مكتسيات من اللباس بما خف محمله وقلّ ثمنه. أما سائر أماكن الطرب كمحال السماع والموسيقى والمراقص العامة فكثيرة جداً في باريز وأحسنها ما كان على جوانب الجواد العظمى أو بالقرب منها ويكون فيها المرءُ بحسب مبلغه من التهذيب. وموسيقى الإفرنج وعزفهم وزفنهم يستحسنها الشرقي مع طول الألفة لها وأنسة ومن لم يعرف عندهم ولو أحد هذه الأنواع الثلاثة استغربوا أمره وعدوه محروماً من لذائذ الدنيا ساقطاً من رسوم الهيئة الاجتماعية. ولكل قوم عاداته وأخلاقه يحرص عليها كثيراً ولا يرى فيها حرجاً ولا نكيراً سنة الله في الذين خلوا من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلاً. من باريز إلى الأستانة قضيت شهرين اثنين في هذه العاصمة طفت المعاهد ورأيت المشاهد وعرفت العامل الجاهد وتبينت العالم المجاهد وطعمت الجشب والشهي من الطعام ووصلت السير بالسرى وعمل الليل بعمل النهار ورأيت العملة في حاناتهم ومطاعمهم وواكلت الأغنياء في مقاصفهم وشاركتهم في نعيمهم واختلطت بطبقاتهم أسمع عباراتهم ولم أستنكف من غشيان كل مكان أرجع منه بفائدة مستطلعاً طلع خلق جارياً من الاختبار فيه على عرق فكانت عيني تملّ النظر وأُذني تسأَم السماع وذهني يتأفف من التفكر وقلبي يتخوف كثرة الوعي. ومع ما صرفته من الوقت والقوة خرجت من هذه المدينة وفي النفس منها أشياء لم أتمكن من درس معالمها ومجاهلها من هذه أماكن الرياضات البدنية واللعب على اختلاف ضروبه وزيارة مجاري العاصمة تحت الأرض وسراديبها والاعتبار بقبورها ومدافنها وهي مزينة كقصور الأحياء ومقطعة إلى طرق ومناطق. وفي يوم بدأ نهر السين بفيضانه المشؤوم الذي طغى على السدود والسكور فدكها وبثقها وأودى بالأموال الجسيمة من ناطق وصامت ركبت القطار وقت الظهر إلى الحدود الألمانية فكان نهر الموز والمارن هائجين حتى طغت مياههما على السهول والأودية ولم يصل القطار إلى نانسي على الحدود ويبلغ ستراسبورغ في أرض الألمان وقاعدة الألزاس إلا وقد انقلبت تلك الأمطار ثلوجاً وذاك الهدير سكوناً ولون تلك المياه الكدرة بلون الثلج الأبيض الناصع وبلغنا مونيخ عاصمة مملكة بافيرا الألمانية صباح الغد فوقف القطار زهاء ساعتين فرأيت أن لا أضيع الفرصة فأخذت أطوف المدينة ولكن كانت الثلوج غمرتها فلم أر منها إلا واجهات الأبنية ورؤوسها وهنا تمثل لي النقص وأحسستن بالعجز وشعرت بالغربة وأنا ألتفت عن يميني وشمالي فلا أسمع إلا الألمانية التي لا أعرف منها أكثر مما أعرف من الكردية وقد تركت بعض رفاق لي في القطار ومنهم بولونيون يتكلمون بالإفرنسية تطيب نفسي بمحادثتهم ومفاكهتهم حتى إذا عدت آخذ مكاني من القطار اجتاز بنا بعد قليل في أرض النمسا حتى وصلنا مساءَ اليوم الثاني إلى فيينا عاصمة النمسا. وعلى ذكر اللغة لا بأس بأن أقول أنني يوم دخلت فرنسا لم أشهد وحشة ولم أشعر بغربة لمعرفتي بلسان أهلها واطلاعي على تاريخهم وعاداتهم فكنت كأنني داخل ولاية من الولايات العثمانية التركية أو قطراً من الأقطار العربية في غربي آسيا أو شمالي إفريقية ولما انتقلت من ستراسبورغ شعرت بتغير العادات واللهجات وأيقنت بأن الغريب الذي يزور بلداً لا يعرف لغة أهله كالأصم والأعمى وهذا ما عاقني في الأكثر عن زيارة إنكلترا وألمانيا خلال هذه الرحلة مع شغفي بحضارة هاتين الأمتين لأنني أستصعب أن أرى غيري بعيون غير عيني وآذان غير أذنيّ. قضيت في فيينا يومين استرحت فيهما من وعثاء السفر واطلعت على بعض معاهدها إلا أن الثلوج التي بلغت نحو ذراع عاقتني عن إتمام الزيارة فركبت ثالث يوم بعد الظهر القطار قاصداً بلاد المجر فاجتزنا عاصمتها بودابست في الليل ووقف القطار فيها ساعة لم أتمكن في خلالها حتى ولا من رؤية المحطة وعدنا إلى قطارنا حتى تخطينا من الغد أرض الإمبراطورية إلى أرض البلقان ولم يكد القطار يجتاز نهر الطونة حتى تمثل أمام خيالي تاريخ هذه البلاد وبينما كنت أذكر وقائع العثمانيين في سلسترا والبروج المعروفة ببرج العرب وأذكر تلك الدماء العزيزة التي أهرقت على ضفاف الطونة لفتح هذه البلاد ركبت معنا من أول محطة في بلاد الصرب فتاتان صربيتان في الخامسة عشرة من عمرهما عليهما سيماء الحشمة والأدب فسألت الرفيقة رفيقتها أن تغني شيئاً فالتفتت إلينا وكان معنا رفيق بلغاري يعرف التركية فاستأذن في ذلك فقلت له لا بأس فاندفعت الفتاة تغني بنغمة على إيقاع غريب فاضت له نفسي بالدموع خصوصاً وقد جاءها الغناء وهي تفكر فيما أصابنا في هذه الديار من الشقاء. فعجب رفيقي البلغاري وقال لعلك فهمت هذا النشيد الوطني الصربي قلت لم أفهم وإنما تأثرت من النغمة ومن أمور أخرى فسألني إلا أن بحت له بذات نفسي ولما ذكرت له كيف تقدموا هم وتأخرنا من بلاد هواؤها عثماني وسيماؤها عثماني وأكثر عاداتها عثمانية عذرني على شعوري بما فيه من فضل أدب. ووقف القطار ساعتين في بلغراد عاصمة الصرب فاغتنمت الوقت لزيارتها وهي نظيفة لطيفة صغيرة حرية بأن تكون قاعدة لتلك المملكة التي يقطعها القطار طولاً بأقل من عشر ساعات وزرت من الغد صوفيا عاصمة بلغاريا وهي أجمل وأضخم منظمة على مثال المدن الأوروبية ويغلب الأدب أهلها وكثير منهم يعرفون التركية وقد وقفنا عليها نحو ست ساعات تمكنت أثناءها من درس معالمها وحدائقها ومتنزهاتها وبعض قصورها وهي أقرب إلى أن تكون مدينة شرقية منها إلى أن تكون مدينة غربية ويقال أنها ترتقي سنة عن سنة ارتقاء يحسدها عليه حتى الأوروبيون الراقون وعجبت لما سمعت بعض الألفاظ التركية يستعملونها مع اللغة البلغارية حتى الآن كأنهم تركوها عضواً أثرياً يذكرهم بأيام حكم الأتراك عليهم. وعند الظهر سار بنا القطار يقطع بلاد البلغار ووصلنا إلى جسر مصطفى باشا في ولاية أدرنه أو التخوم العثمانية عند العشاء وهناك جاءنا رجال شرطتنا يدمدمون ويبرقون ويرعدون يحكمون على هذا بالجزاء النقدي ويعفون عن ذاك ويطلبون من هذا جوازاً ومن الثاني أن ينبشوا صوانه وهميانه ومن الثالث أن يفتشوا صندوقه ويراقبوا كتبه والخلاصة تغيرت معنا الحال من الأعلى إلى الأدنى حتى بلغنا بلادنا فرأينا الانحطاط بادياً عليها في كل شيء وإداراتها هي تلك الإدارة الاستبدادية بعينها لم يعدل الدستور من شدتها وما زلنا على ذلك حتى بلغنا صباح الغد الأستانة عاصمة سلطنتنا العثمانية. عاصمة السلطنة العثمانية صقع جميل وسواحل بديعة ومناظر رائقة وسماء صافية ورفاهية مفرطة وأنس دائم فمن المضيق إلى الخليج إلى جزر البحر إلى متنزهات منقطعة القرين إلى غابات ملتفة وجبال مكسوة وعيون خرارة وكل ذلك بهجة النفس والخاطر وهذه هي الأستانة وأحياؤها وضاحيتها. أما عمرانها فصورة مكبرة من عمران الولايات لا نظام ولا شوارع منظمة ولا طرق معبَّدة ولا راحة للراكب والسائر ولا للمقيم والنازل وغاية ما فيها من مصانع وآثار قصور السلاطين والجوامع الكبيرة الزاهية التي أنشأوها منذ عهد محمد الفاتح إلى يومنا هذا وبعض ثكن ومدارس عالية حديثة لا شأن لها من حيث فن البناء. والأستانة من حيث قوتها المادية ضعيفة ضئيلة نصف أهلها أتراك يبلغون نحو ستمائة ألف والنصف الآخر أروام وأرمن وأكراد وأرناؤد وعرب وغيرهم من العناصر العثمانية. ويغلب على الأتراك الاتكال لأنهم ما زالوا حتى بعد الحرية يعتقدون من أنفسهم الغناء والسؤدد أكثر من بقية العناصر ويتوهمون أنهم العنصر الحاكم ولذلك قلما ترى بينهم تاجراً معتبراً أو زارعاً كبيراً أو مالياً دراكة يعيشون كلهم إلا المرتزقة والباعة عالة على الأمة لا يعرفون غير تقلد الوظائف الإدارية والعلمية والقلمية والعسكرية. فالأستانة من هذه الوجهة مدينة الاتكال المجسم يعيش أهلها كالحلمة الطفيلية على عنق الولايات ولكم خربت ولاية أو لواءٌ أو قضاء ليعمر بها أحدهم مصيفاً له على ضفاف الخليج أو في جزيرة الأمراء ويقتني من الجواري والسراري والعبيد بقدر ما تطيب له نفسه. ولأهل الأستانة فضل أدب ولين جانب عرفوا به منذ القديم فترى الواحد منهم يعاملك بأقصى اللطف والظرف حتى يرضيك وفي باطنه على الأغلب يسر لك غير ذلك وهذا الخلق عام في عمال النظارات والإدارات الكبرى ولولا ذلك ما انصرفت وجوه أرباب الأشغال من سكان الولايات إلى الأستانة يقصدونها لكشف ظلامة ونيل رتبة ومرتبة وراتب. صرفت في هذه العاصمة عشرين يوماً قابلت في خلالها كثيراً من أهل العلم والسياسة وكنت أتكاره في الاختلاف إلى المعاهد والناس إذ سئمت نفسي كل ذلك بعد باريز التي رأيت فيها من كل شيء أحسنه ومن العالم أرقاهم ولطالما اسودت عاصمة بلادي في عيني ووددت على الأقل لو كنت لي أن أزورها قبل الرحيل إلى الغرب وإمتاع النظر والحواس بحضارته البهجة حتى لا أرى الانحطاط بعد الرقي ولا الظلام بعد النور. ومن جملة المعاهد التي هي جملة مقصدي وغاية مناي من زيارة الأستانة مجلسنا النيابي زرته خمس مرات وأعضاؤه نحو مائتيني وخمسين نائباً من جميع عناصر الدولة وأصقاعها تجد فيهم ذا العمامة البيضاء أو الخضراء كما تشهد فيهم لابس الكوفية والعقال وثلاثة أرباعهم من لابسي الطرابيش ولقد سمعت من أرباب العمائم مناقشات راقية لم أكد أسمعها إلا من النواب الذين صرفوا شطراً من أعمارهم في أوربا يتعلمون ويتمرنون ويدير حركة المجلس من النواب اليوم نحو عشر أعضائه شأن مجالس كلها فإن أرباب العقول الراقية والمضاء الكبير قلائل في كل طائفة. خصوصاً ومجلسنا ما برح طفلاً ويرجى أن يكون في الانتخابات المقبلة أرقى مما هو الآن. رأيت النظام قليلاً في المجلس يبدأ قبل الظهر بالنظر في قانون كذا وبعد الظهر يتناقش في غيره قبل أن يكمله ومن الغد يتناقش في مسألة أخرى وينسى القانون أو اللائحة الأولى وذلك لأنهم وسدوا رئاسته لرئيس اشتهر بخدمته الحرية والشهرة قد تكذب. وكم وسدوا النظارات في هذا العهد الدستوري الجديد إلى أناس اشتهروا بعلمهم وعقلهم في الدور السالف حتى إذا جاء الآن دور العمل أبانوا عن ضعف في المدارك وخور في العزائم وبضاعة مزجاة من العلم والعمل ونفس شريرة تعد قتل عنصر من العناصر قتلاً معنوياً لغاية بعيدة الحصول أسهل من تناول الكأس أو السلام على الناس. وكل أولياء الأمر إذا حدثتهم في نقصنا والسعي لإصلاحنا شاركوك في حديثك وربما تظاهروا بأكثر من غيرتك وحملوا أشد من حملتك فإذا أتت نوبتهم ليعلموا تراهم يقرون القديم على قدمه إن لم نقل يزيدون الحال أعضالاً وأشكالاً. فهم فلاسفة قول لا عملة عمل وجربذتهم في أساليب لهم يتقنونها لا في ظلامة يرفعونها وولاية يرقونها وإصلاح يدخلونه. ولا أغالي إذا قلت أن عمال الأستانة الآن صورة من صور العهد الحميدي إلا أنهم يدعون الحرية وهم مضطرون إلى الإسراع بمصالح العباد بأقل مراوغة ومطاولة مما كانوا عليه في العهد الماضي أما الإصلاح الحقيقي فأظن من سيقومونه به لهذه البلاد العزيزة لم يخلقوا بعد ونحن نكتفي من الحاليين أن يحتفظوا فقط بالحالة الحاضرة ريثما يتخرج جيل جديد يربى على أدب النفس وأدب الدرس وينشأ بعيداً عن أخلاق الحكومة الاستبدادية المطلقة التي غرست مبادئها الساقطة في القلب واللحم والدم والعظم. المتحف السلطاني دخلنا هذه الدائرة الفخمة من بابها الغربي الكائن بجوار نظارة العدلية ومررنا أمام دار الضرب العامرة وبعدها دخلنا من باب آخر ينتهي إلى ساحة كبيرة بني على أطرافها رواق كبير يسمونه غرفة العرض كان يجلس فيه الوزراء والأمراء للمذاكرة والمشاورة وفي صدره مصطبة كبيرة يصعد إليها من درجة واحدة كان يجلس فيها السلطان متوارياً عن الأعين. ثم خرجنا من هذه الغرفة وصعدنا إلى قصر شامخ يصعد إليه بسلم من رخام جدرانه مزينة بالقيشاني بناه السلطان مراد الرابع بعد رجوعه من بغداد على طرز قصر هارون الرشيد وسماه قصر بغداد وهو قصر مبني على الطرز الشرقي بشكل مثمن منتظم تحيط به من الخارج ردهة ذات منافذ تطل على الخمائل والبحيرات وتشرف على بحر مرمرة وقسم من البوسفور وأحياء القسطنطينية وضواحيها وبجانب هذا القصر دائرة الخرقة الشريفة وفيها الرداءُ النبوي وبقية المخلفات والآثار النبوية. وخرجنا بعدئذ من هذا القصر ودخلنا قصراً آخر فيه غرفة كبيرة طولها نحو عشرين ذراعاً وعرضها نحو ثلاثة عشر ذراعاً يقال أنها من بناء السلطان مصطفى الرابع وفي الجهة القبلية من هذا القصر قصر آخر بناه السلطان عبد الحميد المجيد ويسمونه سلطان مجيد كوشكي مبني على الطرز الإيطالي وهذا القصر أجمل قصر رأيناه هناك ومما يجدر بالذكر في هذا القصر صفاء بلور النوافذ حتى أنك تظن النافذة مفتوحة لا بلور فيها لشدة صفائه وعلى جانب هذا القصر حجرة صغيرة بناها السلطان عبد المجيد لتبديل لباسه قبل دخوله دائرة الخرقة الشريفة. ثم انتهينا إلى دائرة المتحف السلطاني وهي بيت القصيد في هذه الزيارة وهنا لا يتمالك الإنسان من الدهشة عند ما يشاهد تلك الآثار النفيسة والمصنوعات الثمينة النادرة التي لا تقدر لها قيمة لنفاستها التاريخية. دخلنا هذه الدائرة وهي مؤلفة من ثلاث غرف تحتانية وثلاث غرف أخرى فوقانية وأول شيء وقع نظرنا عليه تخت كسرى الذي غنمه السلطان سليم الأول من الشاه إسماعيل الصفوي في حرب جالديران الشهيرة وقد نصب في وسط المتحف يوحي إلى الرائي بعظمة الدولة العثمانية ومجدها السالف ويصور للناظر السلطان سليم الأول ممتطياً جواده سالاً سيفه يقود جيشه الباسل إلى بلاد الأكاسرة ويشتبك مع صاحب العجم في حرب عوان فيهزم جيشه ويستولي على عرشه وخزائنه. هذا التخت على هيئة مستديرة قائم على أربعة أعمدة يصعد إليه بدرجة واحدة وكله مرصع بالياقوت والزمرد مما يبهر الناظر. شاهدنا في هذا المتحف سيف قسطنطين بالئوغوس آخر قياصرة الروم وهو سيف مرصع بالماس أخذ من جملة غنائم يوم فتح القسطنطينية. شاهدنا مهد السلطان محمود الثاني وهو على شكل السرر التي تصنع في دمشق من الخشب مرصعة بالصدف وهذا مرصع بالأحجار الكريمة. وفي المتحف ثلاث قطع من الزمرد الأولى بقدر جوزة الهند ووزنها ثمانمائة درهم والثانية على شكل مستطيل وزنها ستمائة درهم والثالثة بينهما في القطع والوزن وهناك أوانٍ من النجف بعضها مرصع وبعضها بدون ترصيع وساعات وأوان من العاج وبواطي من الصيني ودروع وطبرات ومغافر وبنادق قديمة مرصعة مما لا يكاد يحصى وخواتم من الماس بعضها فضة بقدر الجوزة. وإلى جانبيها دوي قديمة ذهبية وقماقم ومحاريب وسبحات ومراوح مرصعة وفي جملة هذه المراوح ثلاث تعد من نوادر المصنوعات الواحدة قبضتها مرصعة بالماس والأخرى مرصعة بالياقوت والماس في وسطها ياقوتة بقدر الجوزة والثالثة مرصعة بالأحجار الكريمة وعليها رسم الكرة الأرضية. ومما أمتعنا به النظر صورة شخص طوله عشرة سانتيمترات صدره وبطنه لؤلؤة واحدة ورجلاه فيروزتان وبالقرب منه صندوق وعليه فيل من الذهب مرصع بالأحجار الثمينة. رأينا أغطية مناضد من الأطلس والديباج بعضها مرصع باللؤلؤ فقط والبعض الآخر مرصع باللؤلؤ والزمرد والياقوت بنقش بديع يأخذ بالعقول وهناك قلب من الماس حجرته الوسطى بقدر البيضة ويقال أن هذه الحجرة هي رابع حجرة في الدنيا من حيث الحجم والوزن وقد أمتعنا الطرف برسم السلطان عبد العزيز مجسماً معمولاً من النحاس الأصفر ممتطياً جواده بقطعة كبيرة طبيعية وآخرين صغيرين ورأينا رسم اسكندر الثاني قيصر الروس ورسم غليوم الأول عاهل الألمان. وماا رأيناه ثلاث آلات للمنظومة الشمسية مصنوعة من النحاس الأصفر تدور فيها الأرض والسيارات حول الشمس بحركة دولاب يدار باليد كل ذلك بل أكثره موضوع في خزائن من البلور لا تمسه الأيدي رأينا مسميات لا نعرف أسماءها مما يحار لها العقل ويدهش لها الفكر وأنىَّ لنا بابن المعتز يقف في هذه الخزينة ويصف ما فيها من الحلي والحلل والجواهر الثمينة والمصنوعات الفاخرة النادرة بمنظومات تحكي ترصيع الجواهر المكنوزة في هذا الكنز الكبير. ليس شيءٌ أصعب على الكاتب من أن يرى أشياء لم يألف مشاهدتها ولا يعرف لها اسماً فهو إذا أراد وصفها عصته الألفاظ وضاقت به التعابير رأينا في هذا المتحف شيئاً كثيراً كله من النادر الغريب الذي لا يوجد إلا في خزائن الملوك ولو أردنا أن نصف كل ما رأيناه لطال بنا البحث واحتجنا إلى سفر كبير ولكن نكتفي بذكر الآثار التاريخية الثمينة بالنظر لما لها من المكانة العلمية والقيمة الأدبية. فمن ذلك درع مرصعة بالماس والياقوت مع سيف مرصع أيضاً مكتوب عليهما هذه العبارة هذه الدرع غنمها السلطان مراد الرابع لما فتح بغداد في اليوم الثامن عشر لسنة ألف وثماني وأربعين هجرية وتخت معمول من الباغا مرصع بالفيروز والزمرد وهو تخت السلطان أحمد الثالث كان يجلس عليه يوم عرفة وفي وسطه فراش من الأطلس مرصع باللآلئ بنقوش لطيفة يصعد إليه بثلاث درجات صغيرة وخزانة من الكهرباء الملون المعرق أهدتها فيكتوريا ملكة الإنكليز للسلطان عبد العزيز ومكتب قنصل كبير مرصع بالماس والياقوت وسائر الأحجار الكريمة أهدتها كاترينة قيصرة الروس للوزير الأعظم محمد باشا البلطه جي يوم وقعة بيروت الشهيرة وهذا المكتب من أثمن ما شاهدناه في هذه الخزينة لما فيه من الأحجار الكريمة وحلل ملوك بني عثمان وعمائمهم موضوعة كلها على قوالب مخصوصة على شكل إنسان بالهيئة التي كانت عليها ومكتوب على كل اسم منها اسم صاحبها وسيف السلطان الغوري عزيز مصر وخاتم السلطان عبد العزيز الذي نزع من إصبعه يوم استشهاده ووسامات مختلفة أهداها ملوك أوربا للسلاطين العثمانيين وغير ذلك من الآثار البديعة التاريخية. وفي الجملة أن هذه الخزينة هي أعظم خزينة على وجه الأرض لأنها جمعت بين خزائن الأكاسرة وخزائن القياصرة وملوك الإسلام وكانت في الدور القديم تجمع فيها الأموال على نفقة الدولة وتدخر لأوقات الحروب وتسمى ايج خزينة أي الخزينة الداخلية. يروى أن السلطان مصطفى الثالث كان جمع فيها مبالغ طائلة صرفها كلها في الحرب الروسية ويقدر ما صرفه في ذلك الوقت باثني عشر مليون ليرة على حساب هذا الزمان. أما بناء الدائرة فليس من الأبنية الفخمة المزينة بل هو بسيطْ جداً على طرز التكايا وليس فيه ما يستحق الذكر سوى ما ذكرناه آنفاً من القصور الحديثة التي بناها ملوك بني عثمان بعد الفتح وإنما هي تمتاز بجمال موقعها وحسن مناظرها ومكانتها التاريخية فالواقف في فنائها أو في أحد قصورها يمتع طرفه بتلك المناظر البهيجة ويسرح فكره في غابرها وحاضرها ويهتز طرباً وتتجلى له عظمة آل عثمان وسلطانهم ويرى الفاتح يسوق أسطوله على اليابسة بأعجوبة لم يسبق لها نظير ويفتح القسطنطينية ويملك قصر القياصرة وخزائنهم كما افتتح أجداده بلاد الأكاسرة وقوضوا عروشهم ويكون نعم الأمير الذي امتدحه الرسول وجيشه نعم الجيش. وفي الحقيقة إن هذا البناء اللطيف من أجمل ما يتصوره الفكر وألطف ما تشعر به النفوس فهو يحتاج إلى قريحة شاعر مطبوع أو قلم كاتب مجيد يصف ما تشعر به النفس من المعاني الشعرية في جانب هذه المناظر البهيجة والآثار التاريخية. هذا ولا يسعني هنا إلا أن أثني الثناء الطيب على ناظر المتحف حافظ محمد رفيق بك لما أبداه من المجاملة والملاطفة في زيارتنا هذه كما أني أشكر للأستاذ الزهراوي وعبد العزيز أفندي قولجه لي عنايتهما في هذه الزيارة التي هي من أثمن الزيارات التاريخية. المتحف العثماني ليس بين معاهد الأستانة وقصورها معهد توفرت فيه شروط التجديد ودخلته الروح الغربية مثل المتحف العثماني فهو المعهد الوحيد الذي قلدنا فيه الأوروبيين وأحسنا التقليد يستفيد به زائره تاريخ الصناعة ولا غرو فقد ضم عاديات الأمم القديمة كالرومانيين واليونانيين والفينيقيين والآشوريين والبابليين والمصريين والهيبيين والبيزنطيين المتأخرين من نواويس وتماثيل وأواني وآثار حجرية وخزفية وبلورية وكلها شاهدة على الدهر بما كانت عليه حضارات الشعوب التي انقرضت فأصبحت بلادها من جملة ولايات هذه السلطنة العثمانية أيد الله أركانها. ومن أجمل ما يشاهد فيه مسلتان عثروا على الأولى في صامسون والأخرى في ازنيق وأسد وجد في هاليكارناس قصبة بودروم ويرد تاريخه إلى أربعة قرون ق. م وبجانبه ناووس روماني استخرج من دراج في ولاية أشقودرة ومن ألطف عاديات هذه الدار النواويس التي عثر عليها في صيداء وهي عبارة عن ستة وعشرين ناووساً ادعى بعضهم أن أحدها هو ناووس اسكندر المقدروني لأن الإسكندر توفي في العراق وجيء به إلى سورية على أن روايات المؤرخين مختلفة في دفنه. ومن النووايس ناووس دفن فيه تابنيت ابن اشموناراز ملك صيداء وعليه كتابة بالخط الفينيقي. وناووس الإسكندر من أغرب ما نقش النقاشون تحدسنا عليه وعلى كثير من الآثار الموضوعة في قاعات متحفنا أهل العاديات والآثار ويبذلون لنا لو أردنا في الحصول عليها مئات الألوف من النضار ونووايس المتحف البريطاني واللوفر ليست بأعظم منها. ومن عاديات المتحف ناووس معروف باسم صدراب أحد ولاة فارس فيه رسوم الصيد والقنص والحرب واللعب والسباق ووضيمة جنازة ومنه يستدل على ما وصلت إليه هذه الصناعة من تلوين الرخام في أيونيا في الساحل الغربي من بلاد الأناضول من الارتقاء في القرن الخامس ق. م وهناك تمثال ثماني عشرة امرأة من أعجب ما نقش النقاشون جعلن على أشكال منوعة بعضهن قائمات وبعضهن قاعدات وهن يذرفن دموع الحزن واللهفة وبالقرب منهن ١٩ قطعة من نووايس رومانية عثر عليها في جبل لبنان وحمص وبيروت. ومن النواويس البديعة ناووس اسمه ناووس ليكيا أي البلاد المعروفة اليوم بسواحل أضالية من أعمال قونية وهو رومي الصنعة محلي الأسلوب. وعلى مقربة منه تمثالان من الخزف المنقوش لأبي الهول عثر عليهما في مدينة أورله أو ميناء قلازومن من أزمير. قلنا أن الناووس المعروف بناووس الإسكندر هو من أبدع ما صنعت الأيدي ولذلك زاره ألوف من علماء أوربا وأميركا يعجبون بصنعه وفيه كثير من الرسوم والخطوط النفيسة الملونة ومن الصور المزبورة عليها وقائع الإسكندر المشهورة. ومن كتاباته ما كتب بالخط الهيروغليفي المصري ومنها بالخط الفينيقي. ومن الرسوم الموجودة في ناحية قريبة ما يرجح أنه رسم الحرب التي نشبت بين الإسكندر في أيسوس أو أربيل وبين دارا ملك الفرس سنة ٣٣٣ ق. م. ومما يقع نظرك عليه في القاعة الرابعة بعض عاديات هيتية مثل أسود وجدت في زنجيرلي وقصورها وتمثال يمثل أحد ملوك الهيتيين وقاعدة تمثالين لأبي الهول وتمثال من الحجر الأسود اسمه أسد مرعش كتبت عليه كتابات هيتية وهو أشهر أثر عثر عليه من آثار هذه الأمة حتى الآن. والهيتيون أمم مختلفة كانت في القرن الخامس عشر قبل المسيح تنزل في جبال الأكراد في سورية وقبادو كيا وقسم عظيم من بلاد الأناضول حتى مجرى نهري الأحمر قيزل ايرمق وكديز وأصولهم كثيرة متباينة بل أن البلاد التي كانوا مستولين عليها هي كما يقول المحققون في شمالي سورية أي في المنطقة الممتدة من فرع الفرات الأكبر إلى جبال طوروس. وقد أنشأوا على الفرات قلعة قارغاميش المعروفة الآن بجرابلس وأخذوا يهددون مدينة نينوى القديمة الموصل إلى أواخر القرن الثامن ق. م وبلغوا منتهى مجدهم بين القرن العاشر والثامن ق. م وقد استولى على هذه القلعة صاراغون ملك آشور سنة ٧١٢ وباستيلائه عليها محي اسم الهيتيين من عالم الوجود. على أن تاريخ هذه الأمة مع ما بلغت من الحضارة بين الأمم القديمة لم يؤثر عنها بالذات شيءٌ يدل على عظمتها لأن خطها لم ينحل حتى الآن ويرجى أن يكتشف كما اكتشف الخط المصري القديم بواسطة حجر وجد في رشيد كتب بالخط المصري مترجماً إلى اليونانية. ومن العاديات المهمة في المتحف الأواني الزجاجية والخزفية وأحسن الزجاج ما جاء من سورية وقد كتب على كل قطعة منها اسم البلد الذي عثر فيه عليها. ومعلوم أن تاريخ وجود الزجاج قديم يتعذر معرفته وهناك قطع من الفسيفساء عثروا عليها في استانكوي أو جزيرة كوس من جزائر البحر الرومي ويرد تاريخها إلى الدور اليوناني وآثار معبد آشمون في صيداء من آثار الفينيقيين الخزفية وآثار سوكة وأياثلوغ ونامورد من أعمال إزمير وغيرها من بلاد الأناضول وأكثرها يوناني. وفي قاعة أخرى أوان وجدت بالقرب من صور وويج في ولاية مناستر في بعض المدافن وأوان في ليندوس رودس وغيرها يرد تاريخها إلى أدوار مختلفة يونانية ورومانية ومنها ما عثر عليه في لابسكي من أعمال كليبولي. ومن الآثار المهمة في القاعة الحادية عشرة عاديات أرض فلسطين ومنها ما عثروا عليه في جوار القدس ويرجع تاريخه إلى القرن الثامن ق. م وما عثر عليه في بحيرة حمص في الجزيرة التي حفر فيها من القدور والأسرجة وقد اعتبروا القسم الأعظم منها من عهد الزمن النحاسي. وفيه قطعتان من المرمر وجدتا بالقرب من المسجد الأقصى وعليهما كتابات بالرومية تحظر على الغرباء أن يتخطوا معبد سليمان وإلا فيعاقبون بالموت. وهناك حجر كلسي عثروا عليه في القدس مكتوب عليه كتابة فينيقية وفيه ذكر جر الماء تحت الأرض في قناة حفرت في الصخور من نبع جيجون إلى سور القدس حتى تصل إلى نبع عين سلوان وينسبونه إلى الملك حزقيا أحد من ورد ذكرهم في سفر الملوك من التوراة. وليست العاديات المصرية كثيرة في المتحف ومنها صور أبي الهول وفي ثلاث قاعات الآثار الكلدانية والبابلية والآشورية وأكثرها ألواح وأوان وأكواب وعظام كتبت بالخط المسماري. ومنها ناووس من الخزف يرد إلى عهد بابل أي إلى نحو ٦٠٠ سنة ق. م ومنها مسلة من الحجر من مخلفات نابونيد ملك بابل كسرها سنحريب في وقائعه مع السيتيين. ومن العاديات ما وقع في خرابة نيفر في الشمال الشرقي من الديوانية من أعمال بغداد ومنها ما وجد في تللو من أعمال البصرة ومنها ما عثروا عليه في سيبارا أوابي الحبة من أعمال الجزيرة. وقد خصوا القاعة السابعة عشرة بالآثار التدمرية والحميرية ومن الآثار التدمرية ما يستدل منه على أن صنعها من بدائع صناعهم وإن كانت تشبه الصناعات اليونانية لأن مملكة تدمر وإن كانت يهودية لم يبق فيها أثر لهم لأن الآشوريين قرضوا عمرانهم ثم ارتقت على عهد أوليانوس أوائل ظهور النصرانية ودخلت في حوزة المملكة اليونانية على عهد الإسكندر واستعملت اللغة الروميّة ولا سيما في الرسميات وإن كانت لغتها الآرامية أو السريانية. أما الآثار الحميرية فهي آثار أهل سبأ ومعين في الجوف وعاصمة سبأ مأرب وأهل معين كانوا نازلين في قصبة العلى في جوار مدائن صالح ومملكة حمير اليمانية إنما نشأت بعد هلاك مدينة سبأ ومعين واستدلوا من ذلك على أن الخط الحميري يشبه الفينيقي ولكن دخله قلب وإبدال كثير. ومن العاديات آثار قبرص منها تمثالان للمعبودين هو كول وآفروديت وأوان خزفية ونذور. ومنها حلي آشورية وفينيقية وحلي وجواهر وأقراط وأساور وقلائد وجدت في مدينة ترواده أي في محل اسمه الآن حصارلق جبل قار وهللسبون أي بين جناق قلعة وبحر الآرخبيل وكانت هذه عاصمة قديمة مشهورة. ومنها ما وجدوه في ترال من أزمير وليبية من طرابلس الغرب وبرقة وغيرها في طرسوس وآخر في برغمة وفي نابلس. هذه جملة أشرنا بها إلى ما حواه المتحف وله قسم آخر إسلامي جعلوه في قصر الصيني أمام البناء الجديد كما قسمت مصر عادياتها إلى متحفين متحف الآثار المصرية واليونانية القديمة والمتحف العربي. وقصر الصيني هذا مما أمر بإنشائه السلطان محمد الفاتح ولكن لم يبق عليه من آثار أيامه إلا أثر ضئيل جداً مثل الآثار التي يحويها وبعض عاديات وأكثرها من قرون الانحطاط أي القرون الخمسة الأخيرة ومنها بعض الصيني الذي كان يعمل في دمشق ورودس وأزنيق وكوتاهية وبعض الكاشاني المكتب بالكوفي ومنها ما عثر عليه في مصر وقونية ودمشق وبورصة وكان يعمل فيها كما تعمل الطنافس البديعة في معامل دمشق وتوقاد وأصفهان وغيرها. ومن عاديات قصر الصيني درفتان من صنع قره مان وقونية ومنها رحالي وقماقم وطنافس ومصابيح وخطوط صدرت عن بعض الملوك العثمانيين ومنبر من صنع الرها أورفة وأوان خزفية وجدت في الرقة من أعمال حلب وجلود كتب من صنع مهرة المجلدين من العرب والفرس والترك وأصونة وخزائن وبعض آثار حجرية يقال أنها أموية عثر عليها في القدس وبعض نقوش حيوانات رسمت على الزجاج من الأدوار التركمانية والآرتقية وملوك يبني آرتق من مماليك ملكشاه بن الب أرسلان السلجوقي حكموا جهات ماردين وديار بكر وحلب إلى سنة ٨١١ هـ وانقرضت دولتهم بعد حكم ٣٣٤ سنة إلى غير ذلك من العاديات والآثار ومما عرضوه عود طرب أو طنبورة وهي من صنع عصور الظلمة أيضاً. وبالجملة فإن العاديات القديمة التي جعلت في البناء الجديد كلها حسنة ومقيدة لو لك يكن الكسر والتحطيم يغلب عليها لما قاسته من أهاويل الدهور أما العاديات التركية والعربية الأخيرة فتافهة على الأكثر. وفي الأستانة محل قرب جامع السلطان أحمد عرضوا فيه صور الإنكشارية مجسمة من الجبس من صنع النمسا وهم يلبسون ألبستهم المعروفة وجالسون على مراتبهم وعاداتهم لا بأس بزيارتها لما فيها من الفائدة التاريخية. سيرة العلم والاجتماع تربية صغار العملة في السويد الآن ٧٢ معملاً لصغار الأولاد منها ١٦ في استوكهلم والمخترعة لهذه المدارس العقيلة كوستاف سيستا رتزويس التي أنشأت أول معمل من هذا النمط منذ عشرين سنة تذكاراً لأمها وهذه المعامل هي عبارة عن ملجأ لأولاد الشعب الذين لا تفتح لهم المدارس أبوابها إلا صباحاً من الساعة الثامنة إلى الواحدة أو بعد الظهر من الساعة الثانية إلى السادسة فيعلم فيها الأولاد صنع الخشب وتطريق الحديد وإصلاح الثياب وخياطتها وخصف النعال وصنع الأحذية. وقد تبين لهذه المعامل أن الأولاد يعنون كثيراً بالثياب التي يخيطونها بأنفسهم ولا يقصد من هذه المعامل إعداد عملة ماهرين خبيرين بل يكتفى بتمرين ما خصوا به من الحذق والنظر والاجتهاد وتقوية ميلهم الحسن إلى الاعتياد على العمل ولا يسمح لولد أن يتخلى عن صنعة قبل أن يعمل بنفسه شيئاً فيها يرضى عنه معلموه ومعلوم أن الحذق في العمل اليدوي يكون قبل الرابعة عشرة أو الخامسة عشرة هذا مع ما في عملهم من التأثير الأدبي النافع ويزيد ذلك سهر الأساتذة على تلامذتهم ومعاملتهم لهم بالحب والحرية ولا تعطيهم هذه المعامل لقاء عملهم سوى طعامهم وهم يهيئونه بأنفسهم معظم الأحايين. أترابنا العميان تحت هذا العنوان كتبت معلمة إنكليزية من العميان في إحدى المجلات العلمية مقالاً أثبتت فيه أن العميان ليسوا كما يتوهم الناس عاجزين إلا عن استعمال قسم قليل جداً من القوى التي يستخدمها المبصرون وأوردت على ذلك أمثلة من التعليم الخاص بالعمي في بيوتهم أو في المدارس الابتدائية والعالية فقالت أن هذه المدارس التي يديرها العمي في الأكثر مثل مدرسة المعلمين العميان في إنكلترا تعلم تعليماً موافقاً لحاجات الطلبة بحيث يغادرها هؤلاء وهم يعرفون القراءة والكتابة والخياطة باليد أو الآلة وطباعة اللنتوتيب والكتابة على الآلة الكاتبة واللعب. وتعليمهم اللعب من أصعب الأمور هذا ما يحرض عليه أساتذة مدرسة المعلمين المذكورة حتى غدا تلاميذهم يعرفون اللعب بالشطرنج والداما ويركبون الدراجة ويحسنون التجديف والعوم ولعبة الفوتبول. تعلم اللغات الحية نشر أحد ضباط الإنكليز في الجيش الهندي مقالة في المجلة المدرسية ذكر فيها أن حكومته أرسلته مع الحامية إلى تخوم الشمال الشرقي من مستعمرة الهند بين قبائل متوحشة تتكلم بلهجة هندية صينية ليس لها قواعد ولا معجم مفردات مكتوبة فقاده الاتفاق إلى أن صارت له صلة مع أحد شيوخ ذاك الصقع يستعمل السحر والكهانة فأنشأ بادئ بدء يستمع لما يلقيه ذاك الساحر من القصص مشفوعاً بإشارات ورموز واضحة تجلب النظر فلم يمض زمن طويل إلا وقد توصل إلى إدراك المعاني التي يريدها الساحر وما هو إلا قليل أيضاً حتى دهش من نفسه وقد أخذ يألف الكلمات التي يدمدم بها الشيخ المتوحش وأصبحت له من هذه اللغة البربرية معرفة واسعة لم يتعب في تحصيلها كأنه تعلمها من كتاب. واستنتج بعد ذلك بأن خير طريقة يجب اتباعها في تعليم الأحداث لغة لا يعرفونها أن يسير العلمون لها على الطريقة التي تعلم بها صاحبنا الإنكليزي لغة الهند الصينية. الأخلاق بالطعام يرى بعضهم أنه يستدل على أخلاق المرء من خطوط يده أو من تفلطح رأسه أو من استعماله القهوة أو غير ذلك ولكن أحد أطباء الإنكليز قال: قل لي ما تأكل لأقول لك من أنت واستدل بأن الإغتذاء بلحم البقر يورث نشاطاً وقوة. واستعمال لحم الخنزير يورث النفس انقباضاً ويسود المستقبل في النظر. ولحم الخروف يورث السويداء والإكثار من لحم العجل كثيراً مدة طويلة يضعف كل نشاط ومقاومة. وتناول اللبن الحليب والبيض يولي قوة ذهن ولا سيما في النساء والزبدة تكثر البلغم والتفاح يوافق العاملين بعقولهم والخردل من باعثات الذهن ومنشطاته. المباحث الليمنولوجية اللينمولوجيا من العلوم الحديثة وهو يبحث عن الظواهر والتراكيب التي تبدو البحيرات وعلى سطوحها وفي داخلها وتدل هذه الظواهر على الخصب الذي لا يتناهى في جوف الأرض ولهذا العلم شأن عظيم في أميركا. ففي نيكاراغا مثلاً بحيرة اسمها نجيابا هي في الحقيقة حوض ماء من الصابون تحتوي كميات وافرة من محلول بيكاربونات البوتاس والصودا وسلفات المنغنيزيا إذا ثار الهواءُ تحدث منه أمواج يتكون منها زبد يستعمله سكان ضفاف البحيرة في غسل رؤوسهم والتداوي من الأمراض الجلدية. وفي وسط ولاية الالاسكا بحيرة أغرب من هذه يكون سطح مائها حلواً وسمكها أبيض اللون أما الماءُ في داخلها فأملح من ماء البحر وتوجد فيه الأسماك التي لا تصاد إلا من البحار. ومن البحيرات الصغرى في ولاية أوتاح ما تجد ماءه مركباً من توابل مملحة متبلورة يمشي عليها الفارس ولا يسقط وفي ذاك الصقع أيضاً بحيرة لون مائها وردي وتنبعث منها رائحة بنفسج ولونها ورائحتها صادران من وجود الخث نبات الماء فيها وبالقرب من سانتا في كولورادو بحيرة تحتوي كمية وافرة من الكبريت. ومثل ذلك تجده في كثير من أقطار الأرض وهو ناشئ من نوع الحيوانات والنباتات التي تعيش في تلك البحيرات ومن طبيعة أرضها بركانية كانت أو غيرها. قالت المجلة التي عربنا عنها وربما علل بذلك ما وجد في بحيرة اكتشفت حديثاً في آسيا من الغليان الدائم في مياهها بحيث لا تنزل حرارتها عن ١٢٠ درجة بالميزان المئوي. التمثيل في الخلاء ضاقت في الغرب بيوت التمثيل فهرع الناس إلى الخلاء يتخذون منه دوراً للتمثيل لا تضيق بالممثلين ولا بالحضور. وقد مثلت مدرسة هارفرد الجامعة في أميركا في المدة الأخيرة رواية جان دارك للفيلسوف الألماني شيلر فكان الممثلون ألفي شخص والحضور خمسة عشر ألفاً وهو أعظم اجتماع على هذه الحال. الجيش العامل على الرغم من احتجاج الملوك ومعارضة دعاة السلم ما برحت أوربا تزيد في جيوشها العاملة حتى بلغ الجيش العامل أربعة ملايين وربعاً من أصل ٤٣٥ مليوناً من السكان أي عاملاً واحداً يؤخذ من كل ثلاثين عاملاً في أوربا ولألمانيا وحدها ٦٣٤ ألفاً ولفرنسا زهاءُ ٦٠٠ ألف وهكذا ازداد عدد هذه الجيوش زيادة كبرى فزادت أوربا جيشها العامل منذ سنة ١٨٦٩ ضعفي ما كان وكذلك نفقاته. وفي الإحصاءات الأخيرة أن أوربا تنفق على جيشها مسانهة ستة مليارات و ٧٢٥ مليون فرنك في السنة. صفات السياسي نشرت مجلة الاجتماع الدولية مقالة في الأخلاق التي يجب أن يكون عليها الساسة فمما قالته أن الناس يزعمون بأن أحسن سياسي أكثرهم جربذة واحتيالاً وقد أبان استورنل كونستان فساد هذا الرأي مؤكداً بأن الثقة والسلطة والاعتبار حليفة أهل الحشمة والوقار من الناس أما النجاح المؤقت الذي يأتي به بعض الظرف فهو من شأن الساسة السطحيين وولاة المنحطين. فمن يجيد السلام يسلم عليه ولكن لا يعد شيئاً عند التحقيق. ومن النقائص المضرة جداً في السياسي أن يكون واسع الفكر ورديء النية فعليه إذا أحب النجاح أن يتحامى إدهاش المجتمع بفضيلته. كما أن الواجب عليه أن لا يعيش عيش الفقراء بل أن يكون له مسكن في المدينة التي يقيم فيها وواحد في الضاحية وآخر في بلده الأصلي وأحياناً مسكن في إحدى الولايات والإنفاق على أربعة بيوت يحتاج إلى البذل كثيراً ولكن ذلك ضروري لمن يحب أن يقوم بوظيفته حق القيام على صورة محتشمة. وختم الكاتب مقالته بأن السياسة مثل سائر المسالك والأوضاع آخذة بالنشوء والابتعاد عن التقاليد القديمة من دس الدسائس واستعمال الشدة وغايتها الآن العمل لما فيه نشر السلام بين الأنام. المعادن الشفافة جبوا الذهب فظهر لهم أنه من المعادن الشفافة ومن المحتمل أن يكون النحاس والفضة كذلك. وإثبات أن هذه المعادن شفافة يحدث أواناً مدهشة وتغييراً في الصناعة. خفقان القلب يختلف خفقان القلب في الحيوان باختلافه في الطول فكلما كان نوع الحيوان صغيراً زادت ضربات القلب فقلب الفيل يخفق ٣٠ مرة في الدقيقة والحصان ٤٠ والحمار ٥٠ والإنسان ٧٠ والكلب ٩٠ والأرنب من ١٥٠ إلى ٢٠٠ والفأرة من ٥٠٠ إلى ٦٠٠ . ولم يتيسر حتى الآن بالآلات الموجودة معرفة خفقان قلوب الحيوانات الصغيرة وغاية ما عرف أن الفأرة نفسها كلما كانت فتية زاد خفقان قلبها. جمعية الموسيقيين تألفت في فرنسا جمعية مهمة لتجمع جميع الجمعيات الموسيقية في فرنسا على اختلاف مقاصدها في نقابة واحدة. ففي فرنسا الآن ١٢ ألف جمعية موسيقية مؤلفة من ٣٠٠ ألف إنسان على الأقل فإذا دفع الواحد فرنكاً في السنة لهذه النقابة أن تعمل أعمالاً مهمة ومنها إنشاء مكتبة موسيقية عامة. التمثيل في إيطاليا الشعب الإيطالي مولع من وراء الغاية بالتمثيل ولعه بالتصوير والنقش والموسيقى حتى بلغت عندهم أكثر من جميع البلاد المتمدنة بالنسبة ففي إيطاليا ١٢١٧ مسرحاً أي مسرح واحد لكل ثلاثة وعشرين ألف شخص ولولاية بروز المقام الأول حتى أن بليدة صغيرة اسمها كامبوناكورد في البندقية سكانها ٣٥٠ شخصاً لها معهد تمثيل. ومعظم دور تمثيلهم تسمى بأسماء أعاظم رجالهم. حوادث السكك الحديدية على كثرة عناية الأميركان لاتقاء ما يحدث عن السكك الحديدية من المكدرات تزداد حوادثها يوماً بعد يوم وقد حسبوا أنه هلك من وقائع السكك الحديدية منذ شهر حزيران ١٩٠٦ إلى مثله من سنة ١٩٠٧ ١٢٢٨٨٥ أي أكثر مما هلك وجرح في معركة واترلو حيث بلغ مجموع من هلكوا ٥٣ ألفاً وفي معركة موكدن حيث لم يتجاوز الهالكون مئة ألف. وقد اخترعوا في روسيا طريقة سموها طريقة التجسس وهو أن يداهم المفتش وقاد القاطرة والميكانيكي وغيرهما من عملة القطار أثناء السير فإذا صادف خللاً أو نقصاً يحكم على المتراخي في الحال. ويقضي على كل سائق ووقاد أن تفحص عيناه كل شهر فإذا شوهد فيها أدنى ضعف يمنع من الخدمة وقد جربوا هذه الطريقة في روسيا وأميركا فظهرت لهم فوائدها. البريد الألماني في إحصاء رسمي لسنة ١٩٠٨ أنه كان عدد الرسائل وغيرها التي مرت بالبريد الألماني تلك السنة ١٤٠٥٧ مليوناً وكانت سنة ١٩٠٠ ٨٨٤٠ مليوناً وعدد مستخدمي البريد ١٩٤٢٥٦ سنة ١٩٠٠ فأصبحوا في سنة ١٩٠٨ ٢٨٨٧٢٥ وتجيء بعد سويسرا ألمانيا بجودة بريدها في حين كانت إنكلترا الثانية منذ ثلاث سنين. ولكل ٨٢٥ نفساً في سويسرا مكتب بريد ولكل ١٤٩٥ نفساً في ألمانيا مكتب وفي إنكلترا لكل ١٨٧٣ وفي البلجيك لكل ٥١١٩ وفي إيطاليا لكل ٣٩٤٠ وفي النمسا ٢٩٦٥ وفي فرنسا ٣٠٠٨ وفي إسبانيا ٤١٤٣ وفي روسيا ١٠٣٦٥ وفي الدولة العثمانية لكل ١٨٢١٥ . مدرسة الخلية الخلية أو عش النحلة اسم وضعه أحد مفكري رجال التربية في فرنسا المسيو سباستيان فور لمدرسة له أوجدها في مدينة رمبوليه من مقاطعة الواز في شمالي فرنسا لتربية اليتامى أو الأطفال المهملين أو ذوي الحاجة يختارون من أبناء السادسة ويعلمون إلى الخامسة عشرة فيتلقى الطفل إلى السنة الثانية عشرة التعليم الابتدائي وبعد ذلك يضاف إليه قسم فني فيتعلم الطالب حرفة فإذا بلغ الخامسة عشرة يخير بالخروج من المدرسة أو أن يعمل فيها على أن يقسم أرباحه من صناعته ثلاثة أقسام ينفق الأول لطعامه ومسكنه والثاني يضاف إلى رأس مال الخلية والثالث يودع له في صندوق التوفير لحاجته الذاتية والخلية الآن مكان لطيف فيه ٢٦ طالباً وأسرة المؤسس ١٤ يعيش هؤلاء الأربعون نسمة كأسرة واحدة ورأس مال هذه الخلية من ثمرة أعمال المؤسس وحسنات المحسنين وقد كانت نفقتها سنة ١٩٠٩ نحو عشرة آلاف ليرة ودخلها أقل من ذلك بقليل وقد أسست منذ سنة ١٩٠٦ وهي الآن تخسر وتسد العجز منه ويربي الطلبة على التربية البدنية والتربية العقلية ولا يعلمهم الدين ولا التاريخ ليختاروا متى شبوا لأنفسهم ديناً ومذهباً سياسياً لأنه يقول أن التاريخ كما هو الآن لا يخلو من زيادات كثيرة فمن نصفهم بأنهم عظماء كانوا في الحقيقة مخربين أشراراً ولذلك يكتفي بتلقينهم تاريخ الحضارة والمدنية إذ يلقنهم بذلك حقائق راهنة لا يتطرق إليها الفساد. اكتناء عرب الشام كتب الأمير شكيب أرسلان في النبراس فصلاً قال فيه تحت العنوان السالف ما يأتي: إنه لمعلوم أن لكل مبارز شعاراً ينادي به في ميدان الحرب، وهذا هو المسمى عند الماضيين بالاكتناء وعند المعاصرين بالنخوة، وهي في اللغة العظمة والفخر: يقولون انتخى عليه افتخر وتعظم. وحيث كان المنتخي أكثر ما ينتخي عَلَى طريق الكنية كأن يقول: أنا أبو فلان وأخو فلان جُعل هذا المذهب من الفخر في ساحة القتال اكتناء وسمي هذا الاكتناءُ انتخاء. ومنه قول الإمام علي رضي الله عنه: أنا أبو حسن القرم ومنه: أنا الغلام الغفاري. وقد ورد في الحديث: رأيت علجاً في القادسية وقد تكنى وتحجتى والتكني هو هذا والتحجي هو الزمزمة عَلَى عادة الفرس. ولا ينحصر الاكتناء المذكور هنا بذكر الأب والأم بل هو تعريف الفارس بنفسه في ساحة الوغى بلقب من الألقاب أو وصف من الأوصاف يصير عليه علماً. فالشعلان شيوخ الرُّولا من عنزة من أعظم العشائر الضاربة في بلاد الشام ينتخي واحدهم بقوله: أنا راعي العليا وتى قيل راعي العليا عُلم أنهم الشعلان عند كل العرب. ولهم نخوة أخرى وهي أخوصيته ولا أدري ما أصل هذه التكنية ولكن الصيتة في اللغة هي بمعنى الصيت ومنه قول لبيد: وكم مشترٍ من ماله حسن صيتةٍ لآبائه في كل مبدٍ ومحضرِ. ثم أن ابن سمير شيخ ولد علي فخذ آخر من عنزة يكنى بقوله أخو عذرا وعذرا هذه قرية في مرج راهط شرقي دومة الشام كان لأبناء سمير عليها أتاوة سنوية أو عَلَى رأيهم خوة فتكنوا بها فكأن قولهم أخو عذرا يشير إلى أن قرية عذرا تؤدي لهم الخوة. ثم أن ابن الطيار شيخ الفرقة الثانية من ولد علي يتكنى بأخي ثنية ولا علم مإذا كانوا يريدون بهذه الثانية المحلى المسمى بثنية العقاب الواقع إلى الشرق من عذرا والذي هو المطلع من المرج إلى جبال القلمون. ثم السردية وهم من العرب المعروفين في بلادنا بأهل الشمال ولهم قرية في حوران وإمارة في الأيام السابقة ويزعم بعضهم أنها بطن من تنوخ فهؤلاء ينتخون بقولهم أخوذية. ثم بنو صخر النازلون شرقي البلقاء عَلَى طريق الحاج وهم فرقتان الطوقة والخرشان. فالطوقة ثلاث فرق: الغبين وشيوخهم الفايز وهم شيوخ سائر بني صخر أيضاً ومنهم المرحوم طلال باشا ابن فندي الفايز والحامد والزين. فالفايز كنيتهم في الحرب أخوبلها والحامد يقولون أخو عمشاء والزين أخو وضحا. وأما الخرشان إحدى فرقتي بني صخر فيقولون أخو فلوا والبلهاء في اللغة هي المرأة الكريمة الغريرة التي لا تعلم الشر، وود أيضاًَ أنها الناقة: قالوا ناقة بلهاء لا تنحاش من شيءٍ مكانةً ورزانةً كأنها حمقاء. ولم أعلم سبب قولهم أخو بلها. أما العمشاء فهي مؤنث الأعمش من العمش وهو ضعف البصر مع سيلان الدمع. ولم أر في فصح اللغة الفلواء وإنما قيل أن الفلو هو المهر يقال له فلو بالتشديد ثم يؤَنث فيقال فَلوة مثل عدوّ عدوَّة فهل ذاك تحريف أم تخفيف؟ لا أعلم. وجمع بني صخر يقال لهم البواسل وهو لقب يجمعهم فإذا قيل جاء البواسل فهمَ العرب من ذلك أنهم بنو صخر ومعناه مفهوم. ولهم لقب آخر وهو رعاة العرفاء والعرفاء مؤنث الأعرف وهو الطويل الذي عَرف: يقال ناقة عرفاء أي مشرفة السنام. ويقال أيضاً ناقة عرفاء أي مذكرَّة تشبه الجمال، ويقال أيضاً عرفاء للضبع لطول عرفها وكثرة شعرها وقد ورد العرفاء في شعر الشنفرى قال: ولي دونكم أهلون سيد عماَّسٌ وأرقط زهلولٌ وعرفاءُ جيألُ ثم أن العدوان وهم عشيرة ينزلون منذ نحو مائتي سنة بالبلقاء يشتون في الغور ويقيظون في حسبان يكتنون بأخوة شيخه. ومن القريب أن هذه الكنية في الحرب كنية المشايخ العوامرة من رؤساء الدروز في جبل حوران. عَلَى أن للعدوان أيضاً لقباً آخر وهو رعاة الضبطاء. أخبرني شيخهم وشيخ مشايخ البلقاء في هذا العهد وهو سلطان ابن علي بن ذياب أن الضبطاء اسم ناقة غنموها في حربهم مع الأمراء آل مهدي الذين كانوا في البلقاء قديماً وكانوا أمراء تلك الجهة وزحزحهم العدوان عنها بعد حرب عوان وأن آل مهدي كانوا قد حملوا عَلَى تلك الناقة أوقار كنوزهم من الحلي والذهب والفضة فهزمهم آل عدوان وغنموا الناقة بما عليها وتقاسموا فيما بينهم تلك الأموال فكانت بدء سعادتهم وحق لهم أن ينتسبوا إلى ناقة حملت سعدهم فوق متنها. وأما الضبطاء في اللغة فهي مؤنث الأضبط والأضبط هو الذي يعمل بكلتا يديه: يقال أسد أضبط أي يعمل بيساره كما يعمل بيمينه، وناقة ضبطاء ولبوة ضبطاء. قال الجميح الأسدي: أما إذا أَحردت حردي فمجريةٌ ضبطاء تسكن غيلاً غير مقروب ثم عشيرة عبادة من نزالة البلقاء أيضاً وهم يناظرون العدوان يقال لهم الطرائفة فتسمعهم في الهيجاء يصيحون أين ذهب الطرائفة؟ أين ذهب الطرائفة؟ وهم فرق ست منهم المناصير أخوة عوجاء ومنهم الخالتين بدون تشديد ومنهم الفقها ومنهم الرماضنة ومنهم غير ذلك. والطرائفة اسم جامع للكل. ثم الحويطات النازلون بأطراف معان والعقبة عَلَى طريق الحاج هؤلاء يقال لهم أخوة صالحة وينتخون في الحرب بكلمة خيالة الصفحة. سمعت أنهم يعنون بذلك محلاً صعباً وعراً كثير الحجارة في بلادهم وفي اللغة الصفائح هي بهذا المعنى. ثم العجارمة وهم من عشائر البلقاء أيضاً ولهم قدمة في التاريخ رأيت السائح ابن بطوطة يشير في رحلته إليهم إذ مرَّ من هناك قاصداً إلى الحجاز هؤلاء كنيتهم صبيان الصباح ولا أعلم الأصل في ذلك. وعشيرة أبي الغنم جيرانهم يقال لهم أخوة دلعب ولا أعلم وجه هذه التسمية ولم أرَ في الفصيح دلعباً فلعله مقلوب دعلب أو دعبل فإن الدعلبة والدعبلة هما بمعنى الناقة. وبنو حميدة من عر بالكرك صبيان السياح والمجالية شيوخ عرب الكرك الذين منهم مبعوث ذلك اللواء في مجلس الأمة هؤلاء كنيتهم أخوة خضرا. والصليت من عرب الكرك أيضاً يقال لهم رعاة الحيزا ولا أعلم للحيزا معنى إلا إن كان من الحيز وهو السير الروبد والسوق اللين أخوة شيرة ولعل شيرة مخفف شيرّه أي جميلة لأنه يقال امرأة شيرة أي حسنة الشارة. والصقر من عرب غور بيسان يقال لهم رعاة الجدعا والجدعاء من الجدع وهو القطع وأكثر ما يستعمل في الأنف والشفة والأذن وقد رأيت في لسان العرب بنو جدعاء بطن من العرب. ثم المساعيد النازلون بغور الفارغة في عدوة الأردن إلى الغرب عَلَى طريق نابلس أميرهم ضامن المسعودي لهذا العهد يقال لهم بنو عقبة وبلغني أنهم في الأصل أشراف واردون من الحجاز. والسرحان من العرب الذين يقال لهم عرب الشمال اسمهم رعاة البويضا. والعيبر اسمهم رعاة الصغرا والدعجة من عرب مادبة يقال لهم أخوة خشفة. والمشالخة من عرب غور أبي عبيدة رضي الله عنه منهم الربيع أخوة عمشيا والفاعور أخو صبحا والشرارات وهم من عرب البادية الضاربة إلى الجوف يقال لهم الآن بنو مكلب وأظن أنهم بنو كلب لأن التاريخ ذكر نزول كلب بأطراف البلقاء من الشام. ومن جملة الكنى المشهورة في حوران أخوة بلجاء وهي كنية بني الأطرش أشهر مشايخ الدروز بذلك الجبل. ولا أدعي أنني أتيت عَلَى جميع ما لعرب الشام من اصطلاحات النخوة والكنية واللقب إذ بقي هناك قبائل وبطون وأفخاذ لا يكاد يأخذها العدد ولكل منها كنية ومعرفة تتعرف بها وإنما نتبع القول السائر: ما لا يدرك كله لا يترك كله. هلكي السل ثبت أن الألكحول هي الباعث الأقوى للسل وإنه حيثما كثرت الحانات زادت الإصابات والوفيات بهذا الداءِ العياء. وإذ كان في فرنسا مثلاً نصف مليون حانة يصيب كل ثمانين إنساناً من أهلها حانة واحدة وفي بلاد الشمال يصيب كل ٥٣ شخصاً حانة أصبح السل فيها أكثر انتشاراً من غيرها. وقد أكدوا أن بلاد نروج توصلت بالقواعد الصحية ومراقبة التلامذة والأساتذة في المدارس التي هي بؤرة العدوى إلى أن قلَّ فيها عدد المصابين بالسل وفي إحصاء ظهر منذ خمس سنين أن فرنسا يهلك فيها ٣١ نسمة من كل عشرة آلاف بهذا الداءِ وإيرلاندا ٢٦ وإيكوسيا ٢٠ وألمانيا ١٧ وإيطاليا ١٦ وإنكلترا ١٦ . التنزيه في الفرصة بدأت الشركات في سويسرا منذ عشرات من السنين بجلب الأولاد من بلادها وغيرها وتنزيههم مدة الفرصة فجرت عَلَى إثرها شركات أخرى في أكثر ممالك أوربا حتى بلغ عدد من تنزههم الشركات من التلامذة في ألمانيا ٣٥ ألفاً في السنة وفي إنكلترا ٣٠ ألفاً وفي فرنسا ٢٥ ألفاً ومن التلامذة من يرسلون تحت حماية معلميهم إلى نزل للشركة ومنهم من تكتري لهم دوراً خاصة وفريق منهم تبتاع أو تبني لهم دوراً من أرض لها لينزلوها خلال فصل الصيف. الاستشفاء في الشمس كتب الدكتور تريمولير في مجلة مطالعاتنا في البيوت ما مثاله معرباً: جاءت الشهور التي يستشفى بها بالشمس العجيبة فلنفتح لها أبوابنا ونوافذنا ولا يكفي تسخين المساكن بأشعتها وإنارة زواياها بحرارتها فإن الشمس في تلك الحالة لا تزيد الجراثيم التي تنمو في الرطوبة والظلمة إلا نضوجاً ولا يقتصر عَلَى الاستحمام بنورها المحرق المذهب خلال الارتياض والخروج للنزهة بل الواجب إدخال أشعتها إلى جسمنا وهو عريان لتطهر أشعتها جثماننا وتحيي أنسجتنا وتحول المادة الحية المكتئبة إلى مواد حيوية طاهرة تحوي في مطاويها النشاط والقوة. فقد أوصى اسكولاب المشهور في الأساطير القديمة الذي احترم الأطباء في كل عصر أقواله — كل من ضعفت وظائفهم أن يعيشوا عراة في الشمس بوقاية رؤوسهم من ضربات الشمس. وكان الرومان يقتطعون منن مساكنهم أو مدنهم أماكن يختصونها بحمامات الشمس والهواء الطلق يدعونها سولاريوم بذلك حسن نسل اليونان واللاتين. قصد الإسكندر الكبير ديوجنس الكلبي ذات يوم وهو خارج من برميله يستحم عَلَى مهل بنور الشمس فسأله الملك أي غرض تريد أن أقضيه يا فيلسوف فأجابه هذا أريد أن تبعد من طريق شمسي. وقد اتفق الأطباء في عصرنا عَلَى هذه المسألة وجاءت من كل مكان أخبار فوائد أشعة الشمس. وحدث أن رجل كان مصاباً بخراجين نغارين من الخنازير فعرض أحدهما للشمس فشفي أما الثاني فلما لم يحسن مداواته بأشعة الشمس بقيت بحالها تنز. وهكذا الحال في كثير من الرضوض والقروح السلية والنواسير والبثور وجروح الجلد فإنها كلها تتحول بتأثير المداواة بالشمس. وأشعة الشمس لا تؤثر فقط في ظاهر الجلد بل تخترق البشرة والأدمة الطبقة الغائرة من الجلد وتسري إلى الداخل وتعدل الحواس الداخلية فالحرارة المنبعثة منها تجلب التعريق فتلين الأعصاب وترخص المفاصل ويزول الشعور بالملل والثقل بتأثير الأشعة وما يتبعها من ارتفاع درجة الحرارة ويحسن الهضم شيئاً فشيئاً ويسكن القلق والاضطراب الحادثان من أوجاع مجهولة. ويرتفع التأثير الشديد الناشئ من وجع الكلى والرحم والمبيض والآلام العصبية ووجع الأضلاع أو يقل تناوبه عَلَى المصاب به فتنبسط نفسه وترتاح روحه وتتعدل حالة البول بإدراره تارة وتجمعه أخرى وتحسن موازنة الوظائف العديدة في تركيب الإنسان وأكل الأحشاء التي تقاوم كل تأثير تنتهي بها الحال إلى الخروج عن ضعفها. ويقف السمن عن النمو أو يرجع القهقرى وذلك بدون عقاقير ولا تعاطي أدوية ولا حاجة للوصول إلى هذه الغاية إلى أكثر من التشمس عَلَى طريقة منظمة بتوجيه الأشعة إلى البطن السمين والعنق والخاصرة حتى تعود إلى اعتدالها وحالتها الطبيعية وبعد المداواة بالشمس أشهراً يعود الصدر إلى سالف طبيعته. وإن الحركات الرياضية التنفسية اللازمة للبالغين من ضاقت صدورهم وكل من لهم استعداد للسل لتقضي بأن يعري المرء نصفه الفوقي ويعرضه للشمس وهذه المداواة تنفع جميع الضعفاءِ والهزالى والمنهوكين والمتعبين. وأكثر المستشفين انتفاعاً بأشعة الشمس من اسودت بشرتهم فإذا لم يكتب لهم ذلك فالواجب أن يعمدوا إلى طريق آخر في الاستشفاءِ. ويجب أن يعرض الجزء اللازم شفاؤُه للشمس مباشرة بدون حاجز اللهم إلا سجف يقي الجسم من النظر وهبوب الهواء فلا يحم المستحم عَلَى هذه الصورة ولذلك رأى بعضهم أن خير استشفاء ما يكون في الشتاء ورأى آخرون أي الواجب الاستياط ووضع رفادات ندية أو مثلجة عَلَى الرأس والنقرة والقلب ولذلك يجب مراجعة الطبيب. السجناء ما برح الناس في الغرب يسعون إلى تخفيف عذاب السجون والرفق بالسجناء حتى أصبح السجن بهيجاً كالمعمل أو الثكنة بل إن بعض السجناءِ قال لمفتش أحد السجون أنهم لا يعطوننا خبزاً مثل خبز الجند كأنه يظن نفسه أرقى منهم طبقة ويحق له أن يطالب بأكثر مما نال فليس عجيباً من ثم أن تزيد الجرائم. واختلف الباحثون في الجرائم والعقوبات فمنهم من رأى الاستعاضة عن الحبس بغرامة مالية ولكن ما كل الناس في سعة يستطيعون معها بذل المال وقال آخر يجب تشهير الجاني بالإعلانات ورد عليه غيره بأن ذلك مناط بعقل المجرم. وذهب آخرون إلى وضع المجرمين في بيوت أهلها من أهل العرض والشرف ثم عاد عن هذا الفكر وارتضاه فقط لصغار الأولاد. وأحسن السجون سجن لوفان في البلجيك حيث يفصل المحكوم عليهم عن أخوانهم ويزورهم أناس من أرباب الشرف والحشمة يسلونهم ويعطونهم عملاً ويستمعون لمطالبهم وينصحون لهم سراً بنصائح صالحة وقد ارتأى أحد العلماء أن المحكوم عليه يجب أن يفصل ما أمكن عن أقرانه ويكون قريباً ما أمكن من المجتمع. شركات المطاط كان يستخرج المطاط إلى العهد الأخير من أشجار برية معرشة اسمها ليان ثم أصبحوا يغرسون شجرة ويزرعونها فصارت غلاته عَلَى طريقة منظمة وأجود وأغزر من قبل وانتشرت هذه الزراعة في المستعمرات الإنكليزية فأنشئت سنة ١٩٠٩ — ٨٩ شركة إنكليزية برأس مال قدره عشرة ملايين جنيه كما أنشئ من أول كانون الثاني ١٩١٠ إلى ١ آذار ٤٥ شركة أخرى رأس مالها خمسة ملايين ونصف من الجنيهات وكل يوم تنشأ شركات جديدة وقد كانت رؤوس الأموال الموضوعة سنة ١٩٠٦ مليونين ونصفاً من الجنيهات فأصبحت اليوم ثلاثين مليوناً وأهم تلك الشركات تملك ٢.٧٠٠.٠٠٠ شجرة يستخرج منها المطاط. مدرسة التربية يذهب كثير من الباحثين إلى أن المدرسة إذا علمت الأولاد قليلاً أو كثيراً فهي لا تربيهم وقد كتب أحد علماء الطليان بحثاً في هذا الشأن قال فيه أن المدارس تفرط في تدريس التعليم المسيحي عَلَى حين ليس هو نافعاً في تربية أخلاق الأولاد وذلك لأنهم لا يفهمون منه شيئاً فالواجب أن يعمد إلى تربية الطفل عَلَى العمل حتى تصبح المدرسة مربية حقيقية في ساعتين تكفيانه في اليوم لتعليم اللغات والمعارف الابتدائية فينبغي تخصيص بقية الوقت أي ساعتين أو ثلاث للأعمال اليدوية بحسب ميل الطفل وذوقه لأن الاستعداد للعمل أمتن أساس في الخلاق وبذلك لا تكون المدرسة سجن الطفل تتبرم نفسه من الجلوس عَلَى دكات المدارس خمساً أو ست ساعات في اليوم وتضطرهم المدرسة إلى حضور التعليم الديني بلا فم والفطرة تدعوهم إلى الحياة العملية التي تهيئ مستقبلهم في المجتمع. سماد الفوسفات انتشرت صناعة السماد الكيماوي ولاسيما الفوسفات فقد ظهر هذا السماد لأول مرة سنة ١٨٦٧ في كارولين ثم جاء سماد البلجيك والجزائر وتونس وجزائر المحيط وفلوريدا وغيرها وكان المستخرج منه سنة ١٨٨٦ ثمانمائة ألف طن فأصبح هذه السنة خمسة ملايين طن والولايات المتحدة أكثر الممالك إخراجاً للفوسفات أي نصف ما يستخرج من آسيا وأوربا وأفريقية وزاد المصروف من هذا السماد ٧٩ مرة خلال العشر السنين الأخيرة. القرى والمدن الأنكلوسكسونية قابل احدهم بين نمو المدن في إنكلترا ونموها في ألمانيا فقال أن الألمان أشد ميلاً إلى سكنى المدن من الإنكليز في حين بدأ الإنكليز بالتحضر في المدن قبل الألمان بكثير فقد كان ٥ في المئة من سكان المملكة الجرمانية سنة ١٨٧١ يعيشون في المدن التي تضم كل واحدة منها بين جوانحها مئة ألف نسمة فبلغ عدد ساكني المدن ١٩ في المئة من مجموع من مجموع السكان سنة ١٩٠٥ وكان عدد المدن التي تحوي كل منها مئة ألف نسمة ١٤ مدينة في إنكلترا سنة ١٨٧١ فيها ٦.٢٥٠.٠٠٠ ساكن أو ٢٧ ونصف في المئة من مجموع السكان فأصبحت سنة ١٩٠١ ٣٣ مدينة كبرى تحتوي كل واحدة منها عَلَى مئة ألف نسمة ومجموع سكانها ١١.٥٠٠ . ٠٠٠ فزاد سكان المدن ضعفين خلال هذه المدن في إنكلترا وزادت في ألمانيا ثلاثة أضعاف. والسبب في نمو المدن الألمانية كثر أراضي ألمانيا وكثرة الولادات بل هجرة الناس من القرى ومعظم سكان المدن الحديثة هم شبان تختلف سنهم بين ٢٠ إلى ٤٥ سنة. عملة الطليان يبلغ عدد العاملين في إيطاليا ٧.٧٨٧.١٦٦ عاملاً منهم ثلاثة ملايين و ١٢٦.٥٠٠ يعملون في الصناعات و ٤٦٧.٦٦٦ في الزراعة وقد أنشأ الراقون من العملة مؤتمراً للاتحاد بينهم منذ أربع سنين فبلغ عدد الداخلين فيه إلى هذه السنة زهاء ثلثمائة ألف وغايتهم أن تكون حركة طبقة المساكين تحت إدارتهم مباشرة وأن يساعدوا عَلَى تأسيس غرف للعمل والاتحاد الوطني وينشطوا عَلَى وضع القوانين الاجتماعية النافعة للعاملين فخطتهم إصلاحية سلمية. التعليم الحديث في الصين أخذت الصين منذ سنة ١٩٠٠ تعنى كل العناية بإصلاح التعليم في الصين فنظمت كلية بكين وقسمتها إلى ثمانية أقسام ثم أسست مدرسة للغات الغربية وفي سنة ١٩٠٣ وضعت مشروع قانون لجعل التعليم عصرياً محضاً فأخذ الطالب يشرع في الدرس في السنة السادسة ولا يخرج من المدرسة الثانوية إلا في سن العشرين وبعد ذلك يتمرن ثلاث سنين في المدرسة العليا في عواصم الولايات قبل أن يخصي في مدرسة بكين في علم واحد وهذه المدرسة تعد رجالاً أكفاء لستة وأربعين مسلكاً. ويصرفون جزءاً مهماً من الوقت في المدرسة الابتدائية لتعليم اللغة الصينية وقراءة كتب الأقدمين من كتاب الصين أما في المدارس الأخرى فيدرسون العلم واللغات الحية خاصة وهذه اللغات تعلم عَلَى الترتيب الآتي: اللغة الإنكليزية اللغة اليابانية اللغة الفرنسوية اللغة الألمانية اللغة الروسية. والتلامذة أنفسهم يلاحظون في كل مدرسة أمر مدرستهم ويحق لهم الإشراف عليها. ولم تكد تنشر اللوائح الجديدة في التعليم حتى وضعت موضع العمل وقام الصينيون كلهم يطلبون إنشاء مدارس لهم وقد فتحت في ولاية بتشيلي وحدها ثلاثة آلاف مدرسة في آن واحد وحولت كثيراً من المعابد البوذية إلى مدارس للتعليم عَلَى الصول الحديثة وقد أوعزهم المعلمون أولاً حتى أصبحوا يقبلون المتعلم بعض من لا يحسنونه إلا أن الصين لم تلبث أن بعثت إلى يابان سنة ١٩٠٤ بألفي طالب يتعلمون في مدارسها العالية وزاد عددهم حتى بلغوا سنة ١٩٠٦ عشرة آلاف طالب وكل من يعود منهم توظف إليه الوظائف السامية في التدريس وغيره (من مجلة العالمين الفرنسوية). التعليم في ألمانيا لا شيءَ أدل عَلَى ارتقاء التعلم الابتدائي في ألمانيا من قلة عدد الأميين بين الجند من أبنائها فقد كان عند ألمانيا سنة ١٨٨٧ — ١.٢٥٠ جندياً أمياً من الجنود الذين كانوا تحت السلاح فأصبحوا سنة ١٨٩٧ مائتينيوقد بلغا هذه السنة اثنين في المئة من مجموع المجندين وأكثر هؤلاء الجنود الأميين من البولونيين في بروسيا الشرقية أما عدد الأميين في فرنسا في السنة الماضية فقد بلغ ٩٨٢٥ من الجند ومعظم الدول تعلم جندها الأميين القراءة والكتابة بحيث لا يقضي الجندي الخدمة العسكرية إلا وقد تعلم الكتابة كما تعلم الرماية. المطبوعات الأميركية نشر إحصاء بحركة العلم والمطبوعات في الولايات المتحدة خلال السنة الماضية فشوهد أن القوم أخذوا يزهدون في قراءة القصص ويرغبون في تناول كتب الجد وأصبحت كتب الآداب في الدرجة الأولى من العناية بعد أن كانت في الدرة الخامسة. وقلت العناية بكتب الدين واللاهوت كما زادت في سائر فروع العلم مثل الفنون النافعة والجغرافيا وكتب الرحلات والسياسة والعلوم الاجتماعية والتربية. وقد طبع سنة ١٩٠٩ في هذه البلاد ٨٣٠٨ كتب لمؤلف أميركي وكان عددهم في السنة التي قبلها ٦٣٤٩ وطبع ٨٢٨ كتاباً لمؤلف إنكليزي أو أجنبي وكان عدد هذه الفئة في للسنة التي قبلها ١١٤٥ . اللغة الروسية كانت اللغة الفرنسوية في روسيا منذ مئة سنة لغة الطبقة العالية والمجتمعات المنورة وما برح الروسيون يعملون عَلَى تحسين لغتهم ويحببونها إلى النفوس عَلَى كثرة شذوذها ويرققونها عَلَى غلظتها حتى نشروا أعلامها لا في بلادهم فقط بل في أوربا ووصلوا بها إلى أميركا ففي نيويورك وحدها حيٌّ للروس يبلغ المتكلمون بلغتهم ١٦٠ ألفاً هذا واللغة الروسية عَلَى ما فيها من الآداب منذ عهد بوشكين شاعر الروس الأول إلى عهد تولستوي آخر أئمة النثر عندهم لم تبرح عَلَى جفائها الأول وإن تسربت غليها ألفاظ كثيرة من اللغات المجاورة ولاسيما الألمانية. أميركا الإسرائيلية في إحدى المجلات الإفرنجية أن أميركا هي بلاد الإسرائيليين لو رجعنا إلى ما قاله بعض المؤرخين والإحصائيين. فقد دخل الإسرائيليون أميركا منذ اكتشافها وسها علماء إسرائيل في البرتقال بأعمالهم الرياضية والفلكية الطريق لسفر خريستوف كولمبس إلى أميركا بل إن مال اليهود هو الذي يسر له رحلته وكان معه في السفينة لويز دي تور الإسرائيلي وهو أول من داس الأرض الأميركية وأخذ المهاجرة من الإسرائيليين منذ افتتاح تلك البلاد يأتون زمراً زمراً فاليهود هم الذين استعمروا سان تومه حيث أسسوا معامل السكر وبهم نجحت برازيل إلى أن طردوا منها سنة ١٦٥٤ وجزائر بارباد وجاماييك ارتقت بواسطة الإسرائيليين وقد طرح أحد حكام الإنكليز أن الإسرائيليين هم أحسن رعايا عظمة الملك. وما كانت الولايات المتحدة لتدخل في طور الفلاح لولا العنصر اليهودي فيها. وقد قال الرئيس يوم عيد الـ ٢٥٠ لهجرة الإسرائيليين أن هؤلاء القوم قد شاركوا في عمران هذه البلاد ونشأتها. وقال الرئيس كلفلند لم يؤثر أحداً كاليهود في تأسيس معالم الحضارة الأميركية اليوم. الرياضات اليابانية يقول اليابانيون أن الأجسام بينهم أخذت بالضعف منذ تخلى الناس في يابان عن الارتياض واللعب عَلَى طريقتهم القديمة عَلَى خلاف ما يظن الأوربيون فإن كثرة المواصلات بالترمواي والسكك الحديدة قللت السير عَلَى الأقدام والمشي من أنفع الرياضات كالسباحة وقد نصحوا بأن الواجب عَلَى كل ياباني أن يحسن العوم ويتعلمه مكرهاً في المدارس وعلى الناس أن يرجعوا من تلقاء أنفسهم إلى تعاطي اللعب والرياضات والمشي فليس أدل عَلَى ضعف البنية اليابانية أكثر من أن حكومة الميكادو أخرت ١٧٨ ألفاً منن الجند وأعفتهم من الخدمة من أصل ٤١٤ ألفاً لضعف بنيتهم ولأنهم لم يستوفوا الشروط المطلوبة للخدمة العسكرية. خريطة العالم دعا المؤتمر الجغرافي في جنيف سنة ١٩٠٨ مؤتمراً دولياً للتعاون عَلَى وضع خريطة للعالم من مقياس مليون فاجتمع المؤتمر في لندرا وقرر أن ترسم إنكلترا معالم أفريقية ومجاهلها وترسم الولايات المتحدة معالم أميركا الشمالية والجنوبية وألمانيا ترسم آسيا وستكون هذه الخريطة أصح مصوَّر للأقاليم والبلدان تنفق عليه النفقات العظيمة. محصول الحنطة ذكر أحد كبار الإحصائيين الاقتصاديين منذ عشر سنين أنه سيجيء وقت ليس ببعيد يظهر عجز كبير في محصول القمح فلا يعود يكفي الناس لأنهم في ازدياد كل يوم والمحصول لا يزيد عَلَى نسبتهم فقد أبان بعضهم أن محصول الحنطة في العالم سنة ١٩٠٦ — ١٩٠٦ كان ٧.٨١٢.٤٦٢ هكتولتراً (الهكتولتر مئة لتر) وما صرف منها ٢٢٩.٧٧٣.٧٣٠ فبلغت الزيادة ٧.٨١٢.٤٦٢ هكتولتراً وبلغ المحصول في العالم سنة ١٩٠٧ — ١٩٠٨ ٢.٠٠٩.٧٣٦.٤٣٠ ٩.٧٣٦.٤٣٠ والمصروف ٢٣٣.٥٨٥.٩٠٠ ٣٣.٥٨٥.٩٠٠ أي بعجز ٣٢٠.٨٤٩.٤٧٠ ولا يتأتى سد هذا العجز إلا بخزن القمح وخزنه لا يتيسر عَلَى ما ينبغي والمستقبل لا يخلو من خطر عَلَى غذاء البشر. وقد عاد الاقتصاديون فبحثوا عن الراضي التي تزرع قمحاً فأثبتوا بالأرقام أن كثيراً من الأصقاع في أميركا وآسيا آخذة بالنمو العجيب في زراعة الحنطة وأنه يمضي الجيل إثر الجيل والقرن بعد القرن والحنطة تكفي البشر وإنه إذا كانت بعض المطاحن والمخابز وقفت عن الطحن والعجن والخبز ولاسيما في العواصم الأميركية والإنكليزية فذلك ناشئٌ من مضاربة تجار الحنطة لا من قلة المحصول. الصحافة في سويسرا ظهر تقويم الصحافة السويسرية لهذه السنة فتبين منه أن سويسرا عَلَى قلة سكانها أكثر البلاد الراقية بصحفها ومجلاتها ففيها ٢٦٢ جريدة سياسية وإخبارية تصدر باللغة الألمانية و ١٠١ باللغة الفرنسوية و ٢١ باللغة الإيطالية و ٣ بلغة الرومانش الرومانش من شعوب سويسرا الشرقية ينزلون اليوم في كريزون ولغتهم مشتقة من اللغة اللاتينية وعندهم أربع مجلات فلسفية مهمة و ٤٠ مجلة فرنسوية برتستانتية و ٣٧ ألمانية و ٢٧ جريدة كاثوليكية و ١٠ جرائد للمراسلين وجلتان إسرائيليتان وثلاث مجلات لا تقول بدين هذا عدا الجرائد الرسمية التي تصدر في المقاطعات والمجلات الحقوقية والاقتصادية والاجتماعية والفقهية ومجلات الضمان والنساء والفلسفة والعلوم والصناعات النفسية والرياضات والآداب فيكون مجموعها ٧٦٦ مجلة وجريدة فحيا الله بلاد العلم والعمل. منع التقبيل اشتدت ولاية أيوا في الولايات المتحدة أكثر من غيرها من أصقاع الأرض منع التقبيل وقد صنعت ألوفاً من الشريط الأبيض والوردي كتبت عليه لا تقبل ووزعت مجاناً عَلَى تلامذة المدارس وأخذت إدارة الصحة تبعث بأطبائها إلى البلاد يخطبون القوم في مضار التقبيل وأساتذة المدارس يساعدونهم بما يبثونه من النصائح للتلامذة والطلبة. حماية الجمال الطبيعي في ألمانيا عدة جمعيات أخذت عَلَى نفسها حماية الجمال الطبيعي في أصقاعها البهجة وهي تبذل كل مرتخص وغال لحماية المصانع القديمة من سوء ينزل بها ومنذ عشر سنين ما برحت المؤتمرات لهذه الغاية تنعقد وتتوالى ومن هذه الجمعيات ما يبلغ إيراده مئة ألف فرنك في السنة تصرفها في هذا السبيل. الحمة هي تلك الراضي الفسيحة الواقعة في وادي اليرموك الجميل عَلَى الخط الحجازي الآتي من طريق حيفا في الكيلومتر و ٩٣ و ٩٥ الذي يشقه نهر الشريعة الشهير عَلَى جنوبي جبال مكيس ذات الآثار الجليلة المعروفة قديماً بمدينة جدره وفي الحمة ينبع ثلاثة ينابيع معدنية حارة تنبجس بغزارة وتجري حتى تنصب في نهر الشريعة عَلَى بعد قليل ويبعد النبع عن الآخر بضع دقائق يدعى إحداها المقلي أو حمام سليم ودرجة حرارته ١١٩ والآخران حمام الجرب وحرارته ١٠٨ وحمام الريح وحرارته ٨٢ بميزان فارنهيت ويلحق بهذه الحمامات ثمانمائة دونم كلها صالحة للزراعة ذات خصب وثراء وقد عرف الأقدمون مكانة هذه الينابيع فعمروها عَلَى أحسن طرز من البناء الروماني الضخم الجميل يدلنا عَلَى ذلك ما خلفوه لنا من الآثار الجليلة والأبنية لدائرة الفخمة التي تخاطبنا بأفصح لسان بما كانت عليه من الجلال والمنعة إبان مجد الرومانيين الدابر منها آثار تياترو من الحجر الصلد الأسود عَلَى غاية الرونق والإتقان. وقد جرى تحليل هذه المياه في أدوار مختلفة لمعرفة خصائصها ومنافعها في الاستشفاء والمعالجة فأفصحت التجارب عن حقائق ذات شأن كبير منها شفاء أوجاع المفاصل المعروفة بالروماتيزم عَلَى أنواعها عضلية أو مفصلية وأمراض الجلد والقروح حادة أو مزمنة والرمل الكلوي وأمراض المعدة والكبد والأمراض الزهرية والأمراض المانعة للحبل والتوليد وغير ذلك وفيها أيضاً نبع غزير بارد له خاصية شفاء الإسهال إذا شرب منه المصاب ولهذه الحمامات شأت في كثير من جهات البلاد المجاورة لذلك يقصدها الكثيرون يستشفون بها ويمنعون النظر بمناظرها الطبيعية الجميلة بين ماء وكلأ وجبال شماء وأودية غناء ولا أبالغ إذا قلت أن معدل قاصديها في شهر نيسان لا يقل عن عشرين ألفاً يقيمون أياماً تحت حر الشمس وهبوب الريح لا بيت يؤويهم ولا نزل يكنهم فإن كان هؤلاء القاصدون يبلغون هذا العدد وهي قفراء خربة في شهر واحد فكم يكون عددهم لو تهيأت لهم حمامات منتظمة وأبنية وفنادق وما به يستتب لهم الراحة فيه أأبالغ إذا قلت أنهم يزيدون عن المائتي ألف؟ وقو لي هذا يقوله ألوف غيري ويضيق بي المقام لو قصدت الاستفاضة في وصف ما تجتنيه شركة مساهمة من الأرباح وما يحوزه الوطن من الفوائد المادية والمعنوية والشركة تحتاج إلى خمسين ألف ليرة منها خمسة وأربعون ألف ليرة للأبنية من الحمامات ونزل ومستشفيات وخمسين ألف ليرة لإصلاح الراضي المجاورة ونصب أشجار مثمرة من ليمون وبرتقال وغيره وحدث عن خصب هذه الأراضي ولا حرج فإن شجرة الباميا بلغت مترين فكم تكون غلة الشجار المثمرة وكم يكون نموها عجيباً وكم من الأرباح والفوائد التي تستغلها الشركة وتتمتع بها دون إعانات وعناء؟ مطبوعات ومخطوطات العبرانيون والفينيقيون العبرانيون والفينيقيون نشر المسيو سلوش من علماء المشرقيات كتاباً بالإفرنسية ذكر فيه أن الإسرائيليين والفينيقيين من عنصر واحد وليس أصل سكان فينيقيا بعيداً عن وقت دخول الهكسوس أي العرب إلى مصر. ومعنى فينيقي ساكن الكثبان والرمال الحمراء وكان الفينيقيون والعبرانيون عل عهد القضاة شعباً واحداً قال وقد دخل التمدن إلى بلاد اليونان من مصر وإن كان موسى أخو أبي الهول قد خرج من صحراء ليبيا ليحمل الحضارة إلى يونان والكادموسيون أخوان الفينيقيين البكر أما أجداد الساميين المذكورين باسم بني قدم في التوراة فإن أصل مقامهم كان في الهند كوش وخليج فارس ومعنى اسمهم الساميون الشرقيون ومنهم خرج العبرانيون سكان وراء بحر الفرات والآراميون سكان الشمال الجبلية والعرب سكان الغرب. وقال أنه كان سنة ٤٧١ ق. م أناس من المستعمرين اليهود في أسوان وجزيرة الفيلة من صعيد مصر وانتشر اليهود في القرن الثاني ب. م في افريقية ولما دمرت القدس سنة ٧٠ كان اليهود ومن تبع عاداتهم هم السواد الأعظم من سكان صحراء ليبيا. وبعد الحروب التي نشبت بين يهود اليونان ويهود الرومان خربت بلاد برقة وصحراء ليبيا الشرقية واضمحل سكانها وسقطت اليهودية اليونانية منذ ذاك الحين في افريقية ولما قامت مدينة قرطاجنة الرومانية عَلَى أنقاض قرطاجنة الفينيقية أصبحت مدينة تقاليد اليهود التلموديين وامتدت المستعمرات اليهودية إلى من قرطاجنة بلاد مراكش وكثر عددهم في مراكش الرومانية وأفريقية الفاندالية في القرن الثالث للمسيح. وتكلم عَلَى اليهود الحميريين واليهود البربر وعلق شأناً عظيماً عَلَى قول ابن خلدون في البربر النازلين في أفريقية منذ عهد متطاول والبربر الذين أتوا من حمير وهم عرب اختلطوا في أفريقية بالسكان الأصليين وتبربروا مثلهم وقد انصبغت هذه الشعوب الحميرية بصبغة اليهود وقال أن اليهودية انتشرت في جنوبي بلاد العرب منذ سنة ١١٥ ق. م. ديوان سلامة بن جندل  نشر المسيو كليمان هوار من علماء المشرقيات من الفرنسويين ديوان سلامة بن جندل من شعراء الجاهلية نقلاً عن نسخة مخطوطة من مكتبة آيا صوفيا في الآستانة وقد ترجمه كله إلى الإفرنسية ونشره في المجلة الآسياوية فعساه يجرد عَلَى حدة. فقه العلم فقه العلم هو كتاب قدمه أصدقاء الماركيز ملكيوردي فوكويه المستشرق الفرنسوي بمناسبة ذكرى ثمانين سنة عَلَى ولادته وبعض تلامذته ورصفائه والمعجبين به من علماء المشرقيات فكتب كل واحدة مقالة وقد جرت العادة أن يقدم للعلماء مثل هذه الهدايا كما قدم لنولدكه أحد كبار علماء المشرقيات من الألمان مثله ومن مقالات هذا السفر النفيس مقالة للمستشرق مانس فإن برشم للكتابات المأثورة عن دولة الأتابكية في دمشق وحل ما عرف من الكتابات الخمس عن أمراء البوريين منها ثلاث من الأتابك طغتكين وواحدة من ابنه يوري وأخرى من محمد بن يوري. ومنها مبحث للمسيو برونوف في حصون تخوم بلاد العرب من العقبة إلى حوران وأشار إلى المعبد الذي أنشئ في أوائل التاريخ المسيحي في سي من بلاد حوران إكراماً لووسارا وفيه المصورات والرسوم اللازمة. وبحث المسيو جويدي في المعلومات التي تؤثر عن علماء العرب في الجغرافيا من قبل الإدريسي مثل ابن خرداذبة واليعقوبي وابن الفقيه والاصطخري والمقدسي في وصف أوربا الغربية فقال أن هذه المعلومات ضعيفة لأن العرب الذي جاؤوا إسبانيا قد ساروا عَلَى شواطئ أفريقية ولم يتيسر لهم أن يزوروا البلاد الغربية عَلَى أن هؤلاء الجغرافيين وصفوا رومية وصفاً مستوفى في الجملة أخذوه عن مصادر مسيحية ولكنها شرقية. وجميع هذه المقالات متعلقة بآثار الشرق وتاريخه وآدابه وشعوبه وفي جملة الكاتبين أناس من كبار المستشرقين مثل سنار ونولدكه ومولر وماسبرو ومرجوليوث ودوسو وغانو. مجلتان جديدتان</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_48.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.48.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
