<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.47.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.47.TEIP5:</urn>
<passage>كتاب العرب أو الرد عَلَى الشعوبية ومنهم الحطيئة هجا أباه وأمه ونفسه فقال في أمه: تنحي فاقعدي مني بعيدا أراح الله منك العالمينا ألم أوضح لك البغضاء مني ولكن لا أخالك تعقلينا أغر بألا إذا استودعت سراً وكانوناً عَلَى المتحديثينا وقال لأبيه: لحاك الله ثم لحاك حقا أبا ولحاك من عمر وخال فبئس الشيخ أنت عَلَى المخازي وبئس الشيخ أنت لدى المعالي جمعت اللؤم لا حياك ربي وأبواب السفاهة والضلال وقال لنفسه: أبت شفتاي اليوم ألا تكلما بشر فما أدري لمن أنا قائله أرى لي وجها شوه الله خلقه فقبح من وجه وقبح حامله وأتى عيينة بن النهاس العجلي مادحا فقال عيينة لوكيله أذهب معه إلى السوق فلا يشيرن إلى شيء ولا يومن به إلا اشتريته له فلما انصرف عنه قال: سئلت ولم تبخل ولم تعط طائلا نسيان لاذم عليك ولا حمد ومن لؤم الغرائز أيضا في الناس أن منهم من يؤثر ريح الكرابيس عَلَى ريح اليلنجوج وريح الحشوش عَلَى نفحات الورد، ويهتاج من النساءِ لذات القبح والدفر، ويكسل عن الحسناء ذات العطر، ومنها أن الرجل يكون في رخاءِ بعد بؤس وسعة بعد ضيق فيسأَم ما هو فيه ويرغب عنه إلى ما كان عليه، وقال أعرابي قدم المصر فحسنت حاله: أقول بالمصر لما ساَءني شبعي إلا سبيل إلي أرض بها جوع إلا سبيل إلى أرض بها غرث جوع يصدع منه الرأس برقوع وهذا وأشباهه من لئيم الغرائز كثير في الأمم وهذه الطبائع هي أسباب الشرف وأسباب الخمول فذو الهمة تسمو به نفسه إلى معالي الأمور وترغب به عن الشائنات فيخاطر في طلب العظيم بعظيمته، ويستخف في ابتغاء المكارم بكريمته، ويركب الهول ويدرع الليل، ويحط إلى الحضيض، وتأْبى نفسه إلا علواً حتى يسعد بهمته، ويظفر ببغيته، ويحوز الشرف لنفسه وذريته، ومن لا همة له جثامة لبد يغتنم الأكلة ويرضى بالدون ويستطيب الدعة وإن أعدم لم يأْنف من ذل السؤال والجبان يفرعن أمه وأبيه وصاحبته وبنيه والشجاع يحمي من لا يناسبه بسيفه وبقي الجار والرفيق بمحبته والبخيل يبخل على نفسه بالقليل والجواد يجود لمن لا يعرفه بالجزيل وقال الله عز وجل قد أفلح من زكاها وقد خاب من دساها يريد قد أفلح من أنمى نفسه بالمعروف وأعلاها وقد خاب من أسقطها بلئيم الأخلاق وأخفاها وقد يكون الرجل مخالفاً لأبيه في الأخلاق وفي الشمائل أو في الهمم أو في جميع ذلك لعرق نزعه من قبل أجداده لأبيه وأمه وقال الشاعر: وأشبهت جدك شر الجدود والعرق يسري إلى النائم ومن الناس الشريف الحسيب وذلك الذي جمع إلى محاسن آبائه محاسن ومنهم الشريف ولا حسب له وذلك إذا كان لئيم النفس ومنهم من لا شرف له ولا حسب وذلك إذا كان لئيم النفس لئيم السلف. وقال قيس بن ساعدة لأقضين بين العرب قضية ما قضى بها أحد قبلي ولا يردها أحد بعدي أيما رجل رمى بملأَمة دونها كرم فلا لؤم عليه وأيما رجل ادعى كرماً دونه لؤم فلا كرم له يعني أن أولى الأمور بالمرء خصاله في نفسه فإن كان شريفاً في نفسه وآباؤُه لئام لم يضره ذلك وكان الشرف أولى به وإن كان لئيماً في نفسه وآباؤُه كرام لم ينفعه ذلك. ومثله قول عائشة: كل شرف دونه لؤم فاللؤم أولى به وكل لؤُم دونه شرف فالشرف أولى به: وقال الشاعر في مثله ومن بك ذا لؤُم ومجد يعده فأولى به من ذاك ما كان أقربا فلا لؤُم عوداً بعد مجد يده ولا مجد معدوداً إذا اللؤم عقبا والحسب مأْخوذ من قولك حسبت الشيء أحسبه حسباً إذا عدوته وكان الرجل الشريف يحسب مآثر آبائه وبعدهم رجلاً رجلاً فيقال لفلان حسب أي آباء يعدون وفضائل تحسب فالمصدر مسكن والاسم مفتوح كما تقول هدمت الحائط هدما فتسكن المصدر وتقول لما سقط إلى الأرض هد فتفتح الدال من الاسم وكذلك الأمم فيها أمة كرم بلبانها كالعرب فإنها لم تزل في الجاهلية تتواصى بالحلم والحياء والتذمم وتتعاير بالبخل والغدر والسفه وتتنزه من الدناءَ والمذمة وتتدرب بالنجدة والصبر والبسالة وتوجب للبحار من حفظ الجوار ورعاية الحق فوق ما توجبه للحميم والشفيق فربما بذل أحدهم نفسه دون جاره ووقي ماله بماله وقتل حميمه. منهم كعب بن مامة وكان إذا جاوره جار فمات بعض لحمته وداه وإذا مات له بعير أو شاة أعطاه مكان ذلك مثله. ومنهم عمير بن نسلي الحنفي أحد أَوفياء العرب وكان له جار فخالفه أخوه قرين إلى امرأَة فاشتد الرجل في حفظ امرأَته فقتله وكان عمير غائباً فلما قدم وخبر بذلك دفع قريناً إلى ولي المقتول فقتله واعتذر إلى أمه وعظم جرمه فقالت: تعد معاذراً لا عذر فيها ومن يقتل أخاه فقد ألاما ومن أعجب أمر في الجوار قصة أبي حنبل حارثة بن مرَّ وكان الجراد سقط بقرب بيته فقصد الحي لصيده فلما رآهم قال أين تريدون قالوا نريد جارك هذا فقال أي جيراني قالوا الجراد فقال أما إذ جعلتموه لي جاراً فوالله لا تصلون إليه ثم منع عنه حتى انصرفوا ففخر بعضهم فقال: لنا هضبة ولنا معقل صعدنا إليه بصم الصعاد ملكاه في أوليات الزمان من بعد نوح ومن بعد عاد ومنا ابن مرَّ أبو حنبل أجار من الناس رجل الجراد وزيد لنا ولنا حاتم غياث الورى في السنين الشداد وقال قيس بن عاصم يذكر قومه: لا يفطنون لعيب جارهم وهم لحفظ جواره فطن وقال مسكين الدارمي: ناري ونار البحار واحدة وإليه قبلي تنزل القدر ما ضر جاراً لي يجاورني أن لا يكون لبابه ستر وقال الحطيئة بعد محاسن قومه: أولئك قوم إن بنوا أحسنوا البنا وإن عاهدوا أوفوا وإن عقدوا شدوا وإن كانت النعماء فيهم جروا بها وإن أنعموا لا كدروها ولا كدوا يسوسون أحلاما بعيداً أناتها وإن غضبوا جاء الحفيظة والجد أقلوا عليهم لا أباً لأبيكم من اللوم أوسدوا المكان الذي سدوا ولهم الضيافة عامة شاملة في جميع البادين منهم والإيثار عَلَى النفس والجود بالموجود وأفضل العطا جهد المقل. وقال عثمان بن أبي العاص: لذرهم يخرجه أحدكم من جهد فيضه في حق خير من عشرة آلاف درهم يخرجها أحدنا غيضاً من فيض: ولولا ما تواصوا به من الضيافة وتحاضوا عليه من الإيثار لمات الخير وأبدع به دون غايته. وقال أرطاة بن سهية: وما دون ضيفي من تلاد تحوزه إلى النفس إلا أن تصان الحلائل وقال ابن أبي الزناد قال عبد الملك بن مروان ما يسرني أن أحد من العرب ولدني إلا عروة بن الورد لقوله: وإني أمروءٌ عافي إنائي شركة وأنت امروءٌ عافي إناؤُك واحد أتهزأُ مني أن سمنت وإن ترى بجسمي مس الحق والحق جاهد أقسم جسمي في جسوم كثيرة وأحسو قراح الماء والماء بارد يريد أنه يقسم قوته على أضيافه فكأَنه قسم جسمه لأن اللحم الذي ينبت ذلك الطعام يصير لغيره ويحسو قراح الماءِ في الشتاء ووقت الجدب والضيق لأنه يؤَثر باللبن فتوقف عَلَى هذا الشعر وعَلَى ما فيه من شريف المعاني. وقال آخر: إذا ما عملت الزاد فالتمس له أكيلا فإني غير آكله وحدي بعيداً قصياً أو قريباً فإنني أخاف مذمات الأحاديث من بعدي فكيف يسيغ المرءُ زاداً وجاره خفيف المعي بادي الخصاصة والجهد ولعل الطاعن أن يقول في هذا الموضوع فأين هو من ذكر مزرد وحميد الأرقط وهجائهما للأضياف وأين هو من مطاعمهما الخبيثة من الحيات والضباب واليرابيع والعلهن وشربهم الفظ والمجدوح وأكل ميلسرهم لحوم الإبل حيذاً غير نضج ونيا والعروق والعلابي وسقط المائدة لا يعافون شيئاً ولا يتقذرون أكل السباع ونهش الكلاب ويفخر عليهم بأطعمة العجم وحلوائها وآدابها عَلَى الطعام وكلها باليارحين والسكين فإما هذان الشاعران اللذان يهجوان الأضياف ويصفانهم بكثرة الأكل وجودة اللقم فإن أحدهما كان فقيرا ضعيف الحال فإذا نزل به الضيف لم يجد بداً من إيثاره بقليل ما عنده أو مشاركته فيه فيبيت طاوياً ويصبح جائعاً ويجيش صدره بما حل به والشاعر بمنزلة المصدور لابد من أن ينفث فيستريح إلى ذكر لقم الضيف ووصف أكله وحديثه قال هو أو غيره بذكر الضيف: تجهز كفاه ويحدر حلقه إلى الزور ما ضمت إليه الأنامل يقول وقد ألقى المراسي للقرى ابن لي ما الحجاج بالناس فاعل فقلت له ما إن لهذا طرقتنا فكل ودع الأخبار ما أنت آكل أتانا ولم يعدله سحبان وائل بياناً وعلماً بالذي هو قائل وقال أيضاً يذكر الأضياف: باتوا وجلتنا الشهرين بينهم كأَن أظفارهم فيها السكاكين فأصبحوا والنوى عالي معرسهم وليس كل النوى يلقى المساكين أراد من الأضياف من يأْكل التمر بالنوى وهذا يدل عَلَى شدة فقره. وأما مزرد فكان شرهاً منهوماً والشره رفيق البخل وهو القائل: لبكت بصاعتي صاع عجوة إلى صاع سمن فوقه يتربع فقلت لبطني أبشر اليوم إنه حوى أمنا مما تحوز وترفع فإن يك مصبوراً فهذا دواؤه وإن يك غرثاناً فذا يوم يشبع وقال الحطيئة: أعددت للضيفان كباً ضارياً عندي وفضل هراوة من أرزان ومعاذراً كذباً ووجهاً باسراً وتشكياً عض الزمان الألزان وهذا شر القوم وليس من الناس صنف إلا وفيه الخير والشر عَلَى ذلك أُسست الدنيا وعليه درج الناس ولولا أحدهما ما عرف الآخر وإنما يقضي بأغلب الأمور ويحكمون بأشهر الأخلاق. وليس في ثلاثة من الشعراء أو أربعة ما هدر مكارم الأخلاق آلاف من الناس وبدد صنائعهم. فهذا كعب بن مامة آثر بنصيبه من الماء رفيقه النمري حتى مات عطشاً. وهذا حاتم الطائيّ قسم ماله بضع عشرة مرة ومرة في سفره عَلَى عنزة وفيهم أسير فاستغاث به ولم يحضره شيءٌ فاشتراه من العنزيين فخلاه وأقام مكانه في القد حتى أدى فداءه. وكل فخر في طي فهو راجع إلى نزار ولهم الجبلان وهما بنجد وأخذهم بآدابهم وتخلقهم بأخلاقهم. وهذا عديُّ شاطر ابن دارة الشاعر ماله. وهذا معن في الإسلام كان يقول فيه حدث عن البحر ولا حرج وعن معن ولا حرج. وأتاه رجل يستحمله فقال يا غلام أعطه فرساً وبرذوناً وبغلاً وعيراً وبعيراً وجارية ولو عرفت مركوباً غير هذا لأعطيتكه. وهذا نهيك بن مالك بن معوية باع إبله وانطلق بأثمانها إلى منى فانهبها والناس يقولون مجنون فقال: لست بمجنون ولكني سمح أنهيكم مالي إذا عز القمح وهذا شيء بكثر جداً ويتسع القول فيه ويخرج الكتاب من فنه باستقصائه وكان غرضنا في هذا الكتاب أن ننبه بالقليل من كل شيء في عيون الأخبار. وأما تعييرهم إياهم بخبيث المطعم كالعلهز والحيات وخبيث المشرب كالفظ والمجدوح فإن هذا وأشباهه طعام المجاوع والضرورات وطعام نازلة الفقر والفلوات وقال الشاعر: إذا السنة الشهبآء حل حرمها يريد أنهم يأْكلون فيها الميتة وقال الراعي: إلى ضوء نار يشتوي القد أهلها وقد يكرم الأضياف والقد يشتوي وإنما كأن يكون هذا عيباً لو كانت العرب مختارة له في حالة اليسر كما تختار بعض العجم الذباب وبهم عنه غنى والسراطين والدجاج لهم معرضة فأما حال الضرورة فالناس كلهم يعسرون فمن لم يجد اللحم أكل اليربوع والضب ومن لم يجد المآء شرب المحدوح والفظ. قال الأصمعي أغير عَلَى إبل حريثة فذهب فركب بحيرة فقيل أتركب الحرام فقال يركب الحرام من لا حلال له: وقال الشاعر: يا ليت لي نعلين من جلد الضبع كل الحذاء يحتذي الحافي الوقع ومما يدلك عَلَى أن أهل الثروة منهم على خلاف ما عليه الصعاليك والغثر قول الشاعر: فما لحم الغراب لنا بزاد ولا سرطان أنهار البريض فالتقى من أكل لحوم الغربان وعير بها قوما. وقال آخر لامرأَة: أكلت دماً إن لم أرعك نصرة بعيدة مهوى القرط طيبة النشر فلو كان شرب المجدوح عنده محموداً لم يجعل يمينه شرب الدم كما يقول القائل شركت بالله إن لم أفعل كذا وكذا. وقال آخر: نعاف وإن كانت خماصاً بطوننا لباب النقي والعجاب المجردا يريد أنه يرغب وإن كان جائعاً عن أكل الخبز بالتمر إلى أكله بالشحم ونزل رجل من العرب فقدم إليه جراداً فعافها وأنشأ يقول: لحى الله بيتاً ضمني بعد هجعة إليه دجوجي من الليل المظلم فأبصرت شبحاً قاعداً بفنائه هو العير إلا أنه يتكلم أتاني بيرقان الدبا في إنائه ولم يك في برق الدبا لي مطعم فقلت له غيب إناءك واعتزل فهل ذاق هذا إلا أبا لك مسلم وأما أكلهم العلابي والعروق واللحم النيء وتركهم طيبة الأطعمة والأطبخة وحسن الأدب عند الأكل فهذا لعمري هو الأغلب على من الأغلب عليه الفقر فأما ذووا النعمة واليسار والأقدار فقد كانوا يعرفون أطايب الطعام ويأْكلونها ويأْخذون بأحسن الأدب عليها. فالمضيرة لهم واسمها يدلك على ذلك تطبخ باللبن الماضر وهو الحامض فاشتق اسمها منه. والهريسة لهم سميت بذلك لأنها تهرس أي تدق ويقال للمدق المهراس والوشيقة لهم والعامة تسميها العشيقة سميت بذلك لأنها توشق أي تقطع صغاراً والعصيدة لهم وسميت بذلك لأنها تعصد إذا عملت أي تلوى وكل شيءٍ ألويته فقد عصدته ومنه قيل للمائل عنقه عاصد وقال مرود: لبكت بصاعي حنطة صاع عجوة إلى صاع سمن فوقه يتربع وهذا هو العصيدة وقال أمية ابن أبي الصلت في عبد الله بن جدعان: له داع بمكة مشمعل وآخر فوق دارته ينادي إلى روح من الشيزى ملاء لباب البر يلبك بالشهاد وهذا هو الفالوذ وهم أوصف الناس للطعام وألطفهم في ذكره. حدثني أبو حاتم قال حدثني الأصمعي قال حدثنا أبو طفيلة قال حدثنا شيخ من أهل البادية قال ضفنا فلاناً بحنطة كأَنها مناقير النغران وتمر كأَنها أعناق الورلان يوحل فيها الضرس. وحثنا الأصمعي أيضاً عن أعرابي أنه قال تمرنا خرس فطس يغيب فيه الضرس كأَن نواهن السن الطير تضع التمرة في فيك فتجد حلاوتها في كعبك. وحدثني عبد الرحمن عن عمه قال قال شيخ من أهل المدينة فأتاني بمرقة كأن فيها مشقاً فلم أر الأكبداً طافية فغمست يدي فوجدت مضغة فمددتها فامتدت حتى كأَني أزمر في ناي ولهم أطبخة كثيرة من أطبختهم الغسانية وهي لا تعرفها عامتنا كالحيسة والربيكة والخزيرة واللفيتة تركت ذكرها واقتصرت عَلَى ما تعرف وكانوا يقولون: أطيب اللحم عوذه: يريدون أطيبه ما ولي العظم كأنه عاذ به. وكانوا يقولون إذا كنتم فسموا وادنوا يريدون بادنوا كلوا مما بين أيديكم وكانوا يكرهون أكل الدماغ ويرون استخراجه رغباً وحرصاً وقال قائلهم: ولا يتقى المخ الذي في الجماجم ومن قبائل العرب من يعاف إليه الشاة ويقولون هي طبق الاست وقال قائلهم: وللموت خير من زيارة باخل يلاحظ أطراف الأكيل عَلَى عمد وكانوا يمدحون بقلة الأكل وقال أعشى باهلة: تكفيه حزة فلذان ألمّ بها من الشواءِ ويروى شربة الغمر ويعيبون بالشره والنهم والكسل ويقول للبخيل الأكول أبرماً قروناً يريد أن لا يخرج مع أصحابه شيئاً ويأْكل تمرتين واسل البرم الذي لا يسير مع القوم وقال بعض الرجاز: تسأَلنا عن بعلها أي فتى خب جبان وإذا جاع بكى لا حطب القوم ولا القوم سقى ولا ركاب القوم إن ضلعت بغى ويأْكل التمر ولا يلقي النوى ولا يواري فرجه إذا اصطلى كأَنه غرارة ملأَى حثا وقال الأحنف جنبوا مجلسنا ذكر النساء والطعام فإني أبغض أن يكون الرجل وصافا لبطنه وفرجه. وأن من المرؤة أن يترك الرجل الطعام وهو يشتهيه وقال قائلهم: أقلل طعاماً، تحمد مناما، وقال أيضا: غلبت بطنتي فطنتي. وقال عمرو بن العاص لمعوية يوم حكم الحكمان: أكثروا الطعام فوالله ما بطن قوم إلا فقدوا بعض عقولهم، وما مضت عزمة رجل بات بطينا. ومثل هذا كثير لمن تتبعه فكيف تكون المعرفة بالطعام والأدب عليه إلا كما وصفنا فأما تركهم أنضاج اللحم فلا أعلمه إلا في موضع واحد وهو إذا سافروا وغزوا فإنهم يتمدحون بترك الأنضاج لعجلة الزماع وقال الشماخ: وأشعث قد قدَّ السفار قميصه يجز الشواء بالعصا غير منضح وقال الكميت: ومرضوفة لم تون في الطبخ طاهياً عجلت إلى محورها حين غرغرا ولم يزل الشرب إذا اجتمعوا والأحداث من أولاد الملوك وغيرهم يبادرون بالنشيل قبل النضج. قال أعرابي نحر بعيره وشرب: عللاني إنما الدنيا عُلل ودعاني من ملام وعذل وانشلا ما أغبر من قدريكما وأسقياني أبعد الله الجمل وأما أكلهم سقط المائدة فإنه أكرام للطعام وإعظام للنعمة وجنس من الشكر لواهبها ونبذه في المزابل استخفاف به وتصغير له وبخس بمؤْتيه حق عطيته، ومن وهب لك شيئاً صنته وعظمته سمحت لك نفسه بالزيادة منه، وإن احتقرته وازدريته كان حريا أن يقطعه والطعام أعظم نعم الله عَلَى خلقه بعد معرفته لأنه مثبت الروح وممسك الرمق فمن صانه فقد عظم نعمة الله واستوجب زيادة الله ومن امتهنه في غير ما خلق له فقد صغرها واستوجب سخط الله. حدثنا يزيد بن عمرو قال حدثنا أيوب بن سليمان عن محمد بن زيادة عن ميمون بن مهران عن ابن عباس قال ولا أعلم إلا عن النبي صلى الله عليه وسلم بأكل سقط المائدة وزغبنا فيه. والعجب عندي من قوم نحلتهم الإسلام ونبيهم محمد صلى الله عليه وسلم ثم تتابعت الأخبار عنه بشيء أمر به أو نهى عنه فيعارضون ذلك بالعيب وبالطعن من غير أن يعرفوا العلة ولا أن يكون لهم في الإنكار له نفع أو عليهم في الإقرار به ضرر. وأما أكلهم باليارحين والسكين فمفد للطعام ناقص للذته والناس يعلمون إلا من عاند منهم وقال بخلاف ما تعرفه نفسه أن أطيب المأْكل ما باشرته كف آكله ولذلك خلقت الكف للبطش والتناول والتقذر من اليد المطهرة وعجب وأولى بالتقذر من اليد الريق والبلغم والنخاع الذي لا يسوغ الطعام إلا به وكف الطباخ والخباز تباشره والإنسان ربما كان منه أقل تقذراً وأشد إنساً. وأما الشجاعة فإن العرب في الجاهلية أعز الأمم أنفساً وأعزها حريماً وأحماها أنوفاً وأخشنها جانباً وكانت تغير في جنبات فارس وتطرقها حتى تحتاج الملوك إلى مداراتها وأخذ الرهن منها والعجم تفخر بأساورة فارس ومرازبتها وقد كان لعمري لهم البأْس والنجدة غير أن بين العرب وبينها في ذلك فرقاً منه أن العجم كانت أكثر أموالاً وأجود سلاحاً وأحصن بيتاً وأشد اجتماعاً وكانت تحارب برياسة الملك وسياسة سلطان وهذه أمور تقوي المنة وتشد الأركان وتؤَيد القلوب وتثبت الأقدام والعرب يومئذ منقطعة ليس لها نظام ومتفرقة ليس لها التئام وأكثرها يحارب راجلا بالسيف الكليل والرمح الذليل والفارس منها يحارب عَلَى الفرس العربي الذي لا سراج لع وعَلَى السرج الرث الذي لا ركاب له والأغلب عَلَى قتال العجم الرمي والأغلب عَلَى قتال العرب السيف والرمح وهما أدخل في الجلد وأبعد من الفرار وأدل على الصبر. وشجعاؤُهم في الجاهلية مثل عتيبة بن الحارث بن شهاب صياد الفوارس وبسطام بن قيس وبجير وعفاف ابني أبي مليل وعامر بن الطفيل وعمرو بن ود وأشباههم وفي الإسلام مثل الزبير وعلي وطلحة ورجال من الأنصار وعبد الله بن حازم السلمي وعباد بن الحصين وقال ما ظننت أن أحداً يعدل بألف فارس حتى رأَيت عباداً ليلة كإبل وقطري ابن الفجاءة وشبيب الحروري وأمثال هؤُلاء عدد الرمل والحصا ليس منهم أحد إذا أنت توقفت عَلَى إخباره وحاله في شجاعته إلا وجدته فوق كل أسوار والرجليون للعرب خاصة. قال أبو عبيدة رجليو العرب المشهورون المنتشر بن وهب الباهلي وسليك بن عمير السعدي ولوفى بن مطر المازني وكان الرجل منهم يلحق بالظبي حتى يأخذ بقرنيه وإذا كان زمان الربيع جعلوا الماء في بيض نعام مثقوب ثم دفنوه فإذا كان الصيف وانقطع الغزو غزوا وهم أهدى من القطا فيأْتون عَلَى ذلك البض ويستثيرونه ويشربونه وحدثني أبو حاتم قال: حدثني الأصمعي أن السليك كان يعدو فتقع سهامه من كنانته بالأرض فترتز وكان يقول في دعائه اللهم إني أعوذ بك من الخيبة وأما الهيبة فلا هيبة. وقرأْت في كتب العجم بهرام جور كان في حجر ملك العرب بالبادية فلما بلغه هلاك أبيه وأن الفرس عزموا عَلَى أن يملكوا غيره سار بالعرب حتى نزل السواد وصالبهم بالملك وجادلهم عنه حتى اعترفوا له بالحق وملكوه. وقد كان كسرى أغزى بني شيبان جيشاً فاقتتلوا بذي قار فهزمت بنو شيبان أساورة كسرى فهو يوم ذي قار ثم كان من أمر العرب وأمر فارس حين جمعهم الله لقتالهم بالأمام وساسهم بالتدبير مالا حاجة بنا إلى الإطالة بذكره لشهرته. ومما يدلك عَلَى تعزز القوم في جاهليتهم وأنفتهم وشدة حميتهم أن أبرويز ملك فارس وأشدها سطوة وأثخانا في البلاد خطب إلى النعمان بن المنذر إحدى بناته فرده رغبة بها عنه ولم يزل هاربا منه حتى ظفر به فقتله. وكان لقريش بيت الله الحرام العتيق من الجبابرة المنصور بالطير الأبابيل لمْ يزالوا ولاته وسدنثه والقائمين لأموره والمعظمين لشعاره وكان يقال لهم أهل الله وجيران الله لنزولهم الحرم وجوارهم البيت وكان فيهم بقايا من الحنيفية يتوارثونها عن اسمعيل صلى الله عليه وسلم منها حج البيت الحرام وزيارته والختان والغسل والطلاق والعتق وتحريم ذوات المحارم بالقرابة والرضاع والصهر. وقد كان حاجب بن زرارة وفد عَلَى كسرى فرأَى العجم ينكحون الأخوات والبنات فسولت له نفسه التأسي بهم والدخول في ملتهم فنكح ابنته ثم ندم عَلَى ذلك فقال: لحا الله دينك من أغلف يحل الخوات لنا والبنات أحشت عَلَى أسرتي سوءةً وطوقت جيدي بالمخزيات وأبقيت في عنقي سبة مشاتم يحيين بعد الممات فتاة تجللها شيخها فبئس الشييخ ونعم الفتاة ومما كان بقي فيهم من الحنيفية أيمانهم بالملكين الكاتبين حدثني بعض أصحابنا عن عبد الرحمن بن خالد الناقد قال كان الحسن بن جهور مولى المنصور خرج إلى بعض ولد سلمان بن علي بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلب كتابا كان لعبد المطلب بن هاشم كتبه بخطه فإذا هو مثل خط النساء وإذا باسمك اللهم ذكر حق عبد المطلب ابن هاشم من أهل مكة عَلَى فلان بن فلان الحميري من أهل زول صنعآء عليه ألف درهم فضة طيبة كيلا بالحديدة ومتى دعاه بها أجابه شهد الله بذلك والملكان: وقال الأعشى ولا تحسبني كافراً لك نعمة عَلَى شاهدي يا شاهد الله فاشهد قوله عَلَى شاهدي أي عَلَى لساني شاهد الله يعني الملك. ومن ذلك أحكام كانت في الجاهلية أقرها الله في الإسلام لا يبعد أن تكون من بقايا دين اسمعيل صلى الله عليه وسلم منها دية النفس مائة من الإبل ومنها أتباع حكم المبال في الخنثى ومنها البينونة بطلاق الثلاثة وللزوج عَلَى المرأَة في الواحدة والاثنتين فهذه حالها في الجاهلية مع أحوال كثيرة في العلم والمعرفة سنذكرها بتمامها بعد إن شاء الله ثم أتى الله بالإسلام فابتعث منها النبي صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياءِ وخاتم الرسل وناسخ كل شرعة وحائز كل فضيلة ونشر عددها وجمع كلمتها وأمدها بملائكته وأيدها بقوته ومكن لها في البلاد وأوطأَها رقاب الأمم وجعل فيها خلافة النبوة ثم الإمامة خالدة تلدة حتى يأتي المسيح صلى الله عليه وسلم فيصلي خلف الإمام منها فاردة لا يستطيع أحد ان يأْتي بمثلها وخاطبها وهي يوئذ لا عجم فيها فقال كنتم خير أمة أخرجت للناس فلها فضل هذا الخطاب والأمم طراً داخلة عليها فيه وأما قوله لبني إسرائيل وفضلتكم عَلَى العالمين فإنه من باب العلم الذي أريد به الخاص كقوله حكاية عن إبراهيم وأنا أول المسلمين وحكاية عن موسى وأنا أول المؤمنين وقد كانت الأنبياء قبلهما مؤمنين ومسلمين فإنما أراد موسى زمانه وكذلك قوله وفضلتكم عَلَى العالمين يريد عالمي زمانهم وقوله لقريش أهم خير أم قوم تبع والذين من قبلهم ليس فيه دليل عَلَى أن أهل اليمن خير من قريش في الحسب ولا أنهم مثلهم وهم من ولد إبراهيم صلى الله عليه وسلم ومن الذرية التي اصطفى الله عَلَى العالمين وليس لليمن والد من الأنبياء دون نوح وإنما خاطب الله بها مشركي قريش ووعظهم بمن قبلهم من الأمم الهالكة لمعصيته وحذرهم أن ينزل بهم مثل ما أصابهم فقال أهم خير من أولئك الذين كانت فيهم التبابعة والملوك ذوي الجنود والعدد فأهلكناهم بالذنوب والخير قد يقع في أسباب كثيرة يقال هذا خير الفارسين يريد أجلدهما وهذا خير العودين يريد أصلبهما وكانت قريش كما قال الله قليلا فكثرهم ومستضعفين فأَيدهم نصره وخائفين أن تتخطفهم الملوك فآمنهم بحرمه بمارهصه لهم وأراد من تمكينهم وإعلاءِ كلمتهم وإظهار نوره لهم وتغيير ممالك الأمم لهم ومن ذا من المسلمين يصح إسلامه ويصح عقده يقدم عَلَى قريش أو يعادل بها وقد قضى الله لها بالفضل عَلَى جميع الخليقة إذ جعل الأئمة منها والإمامة فيها مقصورة عليها أن لا تكون لغيرها والإمامة هي التقدم وهذا نص ليس فيه حيلة لمتأَول قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الأئمة من قريش وروى وكيع عن الأعمش عن جابر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس تبع لقريش في الخير والشر وروى وكيع عن سفيان عن ابن خشيم عن اسمعيل عن عبد الله عن أبيه عن جده قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم أن قريشاً أهل صبر وأمانة فمن بغاهم الغوائل كبه الله لوجهه يوم القيمة وروى عن عبد الأعَلَى عن معمر عن الزهري عن سهل بن أبي حشمة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: تعلموا من قريش ولا تعلموها وقدموا قريشاً ولا تؤخروها وروى يزيد بن هرون عن ابن أبي ذئب عن الزهري عن طلحة بن عبد الله صلى الله عليه وسلم قال أن لقرشي قوة رجلين من غير قريش قيل للزهري ما عنى بذلك قال فضل الرأْي قال وكان يقال قريش الكنية الحسبة ملح هذه الأمة علم عالمها طباق الأرض. وحدثني يزيد بن عمرو عن محمد بن يوسف عن أبيه عن إبراهيم عن مكحول أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا يقومن أحد لهاشمي. وحدثني يزيد بن عمرو قال حدثنا نصر بن خلف الضبي قال حدثنا علي بن عبد الله ابن وثاب المدني عن مطرف بن خويلد الهذلي قال سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل وهو يقول: إني امرؤ حميري حين تنسني لا من ربيعة آبائي ولا مضر فقال ذاك اضرع لخدك وأبعد لك من الله ورسوله. وحدثنا محمد بن عبيد قال حدثنا أبو زيد شجاع بن الوليد قال حدثنا أبو قابوس ابن أبي ظبيان عن أبيه عن سليمان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يا سليمان لا تبغضني فتفارق دينك قال قلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هداني الله قال لا تبغض العرب فتبغضني. وروى محمد بن بشر العبدي قال حدثنا أبو عبد الرحمن عن حصن بن عمير عن مخارق بن عبد الله بن جابر عن طارق بن شهاب عن عثمان بن عفان قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم من غش العرب لم يدخل في شفاعتي ولم تنله مودتي. وروى حميد بن عبد الرحمن عن عبد الله بن المؤمل عن عطاء عن ابن عباس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا اختلف الناس فالحق في مضر. وروى أبو نعيم عن الثوري عن يزيد بن أبي زياد عن عبد الله بن الحرث عن المطلب بن أبي وداعة والمطلب بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال إن الله خلق الخلق فجعلني في خير خلقه وجعلهم فرقاً فجعلني في خيرهم فرقة وخلق قبائل فجعلني في خيرهم قبيلة وجعلهم بيوتاً فجعلني في خيرهم بيتاً. ثم يتلو العرب في شرف الطرفين أهل خراسان أهل الدعوة وأنصار الدولة فإنهم لم يزالوا في أكثر ملك العجم لقاحا لا يؤدون إلى أحد أتاوة ولا خراجا وكانت ملوك العجم قبل ملوك الطوائف تنزل بلخ. ثم نزلوا بابل ثم نزل أزدشير بابك فارس فصارت دار ملكهم وصار بخراسان ملوك الهياطلة وهم الذين قتلوا فيروز بن يزدجر بن بهر مملك فارس وكان غزاهم فكادوه في طريقه بمكيدة حتى سلك سبيلاً معطشة مهلكة ثم خرجوا إليه فأسروه وأكثر أصحابه فسأَلهم أن يمنوا عليه وعَلَى من أسر معه وأعطاهم موثقاً من الله أن لا يغزوهم ولا يجوز حدودهم ونصب حجراً بينه وبين بلدهم جعله الحد الذي حلف عليه وأطلقوه فلما عاد إلى مملكته أخذته الأنفة والحمية بما أصابه فعاد لغزوهم ناكثاً لأَيمانه غادراً بذمته وحمل الحجر الذي كان نصب أمامه في مسيره يتأول أنه ما تقدم الحجر فإنه لم يجزه فلما سار إليهم ناشدوه الله وأذكروه ما جعل عَلَى نفسه من عهده وذمته فأبى الإلجاجا ونكثا فواقعوه فقتلوه وقتلوا حماته وكماته واستباحوا عسكره وأسروا ضعفته ولبثوا في أيديهم أسرى ثم أعتقوهم وأطلقوهم وعبروا بعد ذلك زماناطويلا وقتلوا كسرى بن فيروز وهذا شيء يخبر به عن فارس فيما دونوا في سير ملوكهم من أخبارهم ومن أقر بهذا عَلَى نفسه لعدوه وإباحة لخصمه فما ظنك بما ستر وزين من أمره. وكان فيما حكوا من الكلام الدائر بين ملك الهياطلة وبين فيروز كلام أحببت أن أذكره في هذا الموضع لأدل به عَلَى حكمة القوم وحزمهم في الأمور وعلمهم بمكايد الحروب قالوا لما التقى الفريقان ثم تصافوا للقتال أرسل أخشنوار ملك الهياطلة إلى فيروز أن يسأله أي يبرز فيما بين الصفين ليكمله فخرج إليه فقال أخشنوار قد ظننت أنه لم يدعك إلى مقامك هذا إلا الأنف مما أصابك ولعمري لئن كنا احتللنا لك بما رأيت لقد كنت التمست منا أعظم منه وما ابتدأْناك ببغي ولا ظلم ولا أردنا إلا دفعك عن أنفسنا وحريمنا ولقد كنت جديراً أن تكون من سوء مكافأَتنا عليك وعَلَى من معك ونقض العهد والميثاق الذي أكدت عَلَى نفسك أعظم أنفاً وأشد امتعاضاً مما نالك منا فإنا أطلقناكم وأنتم أسارى ومننا عليكم وأنتم مشرفون عَلَى الهلكة وحقنا دماءكم وبنا عَلَى سفكها قدرة وإنا لم نجبرك عَلَى ما شرطت لنا بل كنت الراغب إلينا فيه والمريد لنا عليه ففكر في ذلك ومثل بين هذين الأمرين فانظر إليهما أشد عاراً وأقبح سماعا إن طلب رجل أمراً فلم يتح له وسلك سبيلاً فلم يظفر فيها ببغية وأستمكن منه عدوه عَلَى حال جهد منه وضيقة ممن معه فمن عليهم وأطلقهم عَلَى شرط شرطوه وأمر اصطلحوا عليه فاصطبر لمكروه القضآء واستحيا من الغدر والنكث أم أن يقال نقض العهد وختر بالميثاق مع أني قد ظننت أنه يزيدك لجاجة ما تثق به من كثرة جنودك وما تراه من حسن عدتهم وما أجدني أشك في أنهم وأكثرهم كارهون لما كان من شخوصك بهم عارفون بأنك قد حملتهم عَلَى غير الحق ودعوتهم إلى ما يسخط الله فهم في حربنا غير مستبصرين ونياتهم اليوم في مناصحتك مدخولة فانظر ما غناء من يقاتل على هذه الحالة وما عسى أن تبلغ نكايته في عدوه إذا كان عارفاً أنه إن ظفر فمع عار وإن قتل فالي النار فأنا أذكرك الله الذي جعلته عَلَى نفسك كفيلاً ونعمتي عليك وعلى من معك بعد يأسكم من الحياة وإشرافكم على الممات وأدعو إلى ما فيه حظك ورشدك من الوفاء بالعهد والاقتداء بآبائك الذين مضوا عَلَى ذلك في كل ما أحبوا وكرهوا فاحمدوا عواقبه وحسن عليهم أثره ومع ذلك إنك لست عَلَى ثقة من الظفر بنا والبلوغ لبغيتك فينا وإنما تلتمس منا أمراً نلتمس منك مثله وتبادي عدواً لعله يمنح النصر عليك فدونك هذه النصيحة فبالله ما كان أحد من أصحابك ببالغ لك أكثر منها ولا زائد لك عليها ولا يحرمنك منفعتها مخرجها مني فإنه لا يزري بالمنافع عند ذوي الرأَي أن تكون من الأعداء كما لا يجب المضار إليهم أن تكون عَلَى أيدي الأولياء ونحن نستظهر بالله الذي اعتذرنا إليه ووثقنا بما جعلت لنا من عهده إذا استظهرت بكثرة من مقالتي ضعف أحسه من نفسي ولا قلة من جنود ولكني أحببت أن أزداد بك حجة واستظهاراً وأزداد به للنصر أهـ المرأة علمها علماً صحيحاً أو دعها عَلَى سذاجتها لأن تبقى المرأَة جاهلة خير من أن تتعلم تعلماً ناقصاً. أو تتربى تربية تافهة. المرأَة التي تظل محافظة عَلَى سذاجتها الأولى: فلم تتلق شيئاً من مبادئِ العلوم والفنون. ولم تمارس القراءة والكتابة قد يتيسر لنا أن نقنعها بأنها جاهلة. ثم نوصيها بلزوم الرجوع في تربية طفلها إلى رأْي من هو أعرف منها بشؤون التربية. ومثل تربية طفلها تدبير منزلها وإدارة أحوالها ورؤية مصالحها: نحسن لها في جميع ذلك أن تعتمد عَلَى مشورة زوجها والخبيرين من ذوي قرابتها. أما تلك التي تعلمت تعلماً ناقصاً ورأى أولياؤها أن لا يعطوها من مباديءِ العلم سوى قراءة القرآن. وكتابة أبجد هوز و جناب الأكرم حاسبين أن ذلك القدر أليق بها وأحوط في سلامة دينها وآدابها — هذه المرأة تصبح بهذا التعلم الخداج ذات عجب وعناد ولجاج. فلا تعود تصغي لمشورة من هو أعلم منها. ولا تقف في إفساد ابنها وتدبير منزلها عند حد! تسيء الظن بزوجها فتغل يده عن استثمار مالها والإنفاق عَلَى أطيانها لتحسينها وتنميتها. تدير شؤون المنزل عَلَى غير ما تقتضيه قواعد الاقتصاد وأصول الصحة ووسائل التطهير والنظافة. تحاول تربية أولادها فتخل بقوانين التربية وتفتات عَلَى المربي الخبير اعتداداً بكفاءتها وإن معرفتها لقراءة القرآن جعلتها أهلاً لكل شيء، وعالمة بكل شيء، وخبيرة بكل شيء أيضاً. تريد أن تلقن ابنها المراهق شيئاً من مباديء الأخلاق والآداب فتحكي له قصص العفاريت والأساطير المكذوبة أو تملي عليه أبيات عُشق وغرام كانت سمعتها من بعض أترابها في كتاب سخيف ركيك وضعه واضعه لتعليم الأحداث صناعة الترسل والإنشاء ها هي واقفة في رأس السلم تقول لابنها وهو ذاهب إلى المدرسة. حرطتك بكلمات الله التامة. سلمتك إلى واحد أحد. امسك يا بني بالدرابزين جيداً لئلا تزلق رجلك. خرج الولد من باب الدار فإذا أمه تهتف به من النافذة وتوصيه بالابتعاد عن شاطيء البحر لئلا يفرق. وعن الكلاب لئلا تزعجه أو تعضه. وعن الحفر لئلا يقع فيها. ثم تلح عليه أن يشد المنديل عَلَى عنقه خوف لذع البرد وأن يطبق المظلة عَلَى رأَسه خشبة أذى الحر رجعت الأم بعد هذه الوصاية المتكررة إلى غرفتها. أرادت الإدلال عَلَى زوجها والتباهي عَلَى جارتها فرفعت صوتها بتلاوة القرآن تارة ودلائل الخيرات تارة أخرى أواني المطبخ لم تزل من دون تنظيف. أرض الدواليب لم تزل من دون مسح. طعام الغداء لم يزل الزوج يجهل أمره. ويتساءل ماذا عساه يكون؟ وضيوفه كرام يجب أن يتجمل أمامهم ويكافئهم عَلَى أياد لهم عليه. الطفل الصغير غلبه النوم في إحدى زوايا تلك الدار والذباب يتطاير من فوقه. والروائح الخبيثة تنبعث من تحته. رأى الرجل الحالة عَلَى ما وصفنا فنادى امرأَته ورغب إليها أن تنهض لمراقبة أمور البيت وتهيئة الطعام. تغافلت المرأَة عن زوجها. أو أن دوي صوتها بقراءة دلائل الخيرات حال بينهما وبين سماع النداءِ! هتف بها ثانية فردت عليه بخشونة. وجعلت تؤنبه عَلَى اساءته الأدب مع مؤلف دلائل الخيرات وأنها تخشى عليه أن يبطش به!! ضاق صدر الرجل فكاد يتفوه بما لا يليق في حق أهل الله ثم سكت عَلَى مضض ولا نعلم ماذا جرى بين الرجل وامرأَته. ولا كيف كان أمر الغداء. ولكن نذهَب مع القاريء إلى تلك المرأَة التي عرف أولياؤُها كيف يعلمونها وكيف يجعلونها تستفيد من الذي تلتقه. تزوجت فيا سعد زوجها بها. رزقت أولاداً فيا لسعادة أولادها من أجلها. تعلمت القراءة والكتابة ولكن لم تتعلمهما لذاتهما وإنما تتعلمهما لكي تتوصل بهما إلى درس حقائق أعلى وتحصيل فوائد أغلى. قرأت القرآن بإمعان وتفهم: فكانت تتناول بعض الآيات وتشرح معناها لأولادها شرحاً مفيداً غاية في السهولة والتقريب، غرست في نفوس أولادها عظمة الله تعالى ووجوب خشيته واستمداد المعونة والتوفيق منه. وكثيراً ما أَسمعتهم الآيات التي تحض عَلَى ممارسة الخير والفضيلة. وتطلب منهم أَن يستظهروا أَلفاظها ويتفطنوا لمعانيها. ولم نكتف من العلم بهذا القدر فقط بل رأت من الواجبات عليها باعتبارها ربة منزل أَن يكون لها إِلمام ومشاركة بفن الهيجين حفظ الصحة ثم لاحظت أَنها لا تقدر عَلَى تربية أولادها تربية صحيحة ما لم تدرس فن الأخلاق وعلم النفس ومعرفةأسرار قواها المختلفة. قالت: إنما أَكون سعيدة إذا كان زوجي وأولادي أصحاء الأجسام ولا تدوم الصحة لهم ما لم أَكن عارفة بالأصول والقوانين التي قررها العلماء في حفظ الصحة. ثم ماذا تكون فائدة الصحة إذا لم يقترن بها أَخلاق حسنة وتربية فاضلة؟ فمن ثم كان الواجب عليّ أن أجمع بين درس الفنيين فن الصحة وفن التربية. كانت تختلس فرصاً من وقتها ثم تقبل عَلَى مطالعة الكتب التي وضعت في هذين الفنين الجليلين. وكثيراً ما كان يستعصي عليها فهم بعض المسائل فتستأْذن زوجها أَن تكتب لبعض الأخصائيين في هذين الفنين. فكان يأْذن لها منشرح الصدر هاديء البال. قالت إذا كان الحجاب يحول بيني وبين التردد على أَفاضل العلماء في منازلهم فها أنا ذا بحمد الله أَستطيع الكتابة إليهم بعبارة فصيحة فلا أَدع الحجاب يحجبني عن القيام بالفريضة الدينية وهي طلب العلم. وقد كتبت مرة إلى بعض نطس الأطباء تسأله رأْيه في مهد طفلها عل تتخذه مما يهزُّ باليد هزاً أَو يكون ثابتاً يتحرك فكتب إليها يقول: الأفضل أَن يكون المهد ثابتاً لأنو الولد إِذا اعتاد الترجح في الأرجوحة اضطرب نومه. وغلب عليه القلق والأرق أو تبقى يد الأم قابضة عَلَى دفة السرير طول الليل وهذا مما يذهب براحتها ويحرمها طيب المنام. وإذا أرادت الأم أن تستزيد من الراحة لها ولطفلها فلا تستعمل عادة التقميط فتشد إلى أعضاء الطفل وتجعله كطرد البوسطة أو كالمومياء المصرية. وشد الطفل عَلَى هذه الصورة يضايقه ويضطره إلى البكاء ومتابعةِ الشكوى من هذا الظلم الفادح. ولكن الأم الجاهلة لا تنتبه لسبب بكائه فتحسبه إنما يبكي فجوراً منه أو نكاية بها فتأخذ في هز المهد والتسخط عليه وعلى القدر طول الليل أهـ ومما رأت هذه الأم الفاضلة أنها في حاجة إلى تعلمه — مباديءُ الكيمياء ودرس طباع المعادن وخواص الأجسام فتعرف الضار منها من غير الضار والسام من غير السام. وبعد خمس عشرة سنة من زواجها صار لها بضعة أولاد فكانت بعد رجوعهم من المدرسة تكثر من مفاكهتهم ومداعبتهم ثم في غضون ذلك تودع نفوسهم مسائل العلم واحدة فواحدة. ولا أنسى إذ كانوا مرة في صحن الدار وكانت الحاجة طباختهم قد ذهبت إلى بيت الجيران في بعض شأْنها. فنادت الأم أولادها قائلة ذهبت الحاجة وسوف تمكث عند الجيران أكثر من ساعة إذ أننا نعرفها تكثر الحديث وتحسن الأقاصيص فلنغتنم فرصة غيابها أيها الأولاد ولننزل إلى المطبخ ونشاهد ما فيه من الأواني والأدوات المختلفة. أظنكم أيها الصغار لا تعرفون أنواع المعادن. وأن في المطبخ من المعادن مجموعة نفيسة: هلموا معي إليها — فتراكض الأولاد وراء أمهم مسرعين. آه ما أحسن تصفيف هذه الأواني وما أشد ما اعتنت الحاجة بتنظيفها. شكراً لك أيتها العجوز. انظروا هذه المقالي والقدور الصغيرة فهي من النحاس. والنحاس معدن نافع جداً يستخرج من جوف الأرض والذي يصنع منه الأواني يسمى نحاساً. وهذا النحاس يتوصل إلى صنع القدور النحاسيةِ بوضعها على السندان وضربها بالمطرقة الضخمة ثم التفتت إلى ابنها الصغير وهبي وقالت هل تعرف يا وهبي ما هو السندان وما هي المطرقة؟ قال نعم يا أماه كنت أريتنيهما في حانوت الحداد القريب من دارنا. انظروا هذه القدر التي وضعتها الحاجة في ناحية بعيدة عن سائر القدور. أتعرف السبب في ترك استعمالها؟ كلا يا أماه! ألستم ترونها كامدة اللون؟ بلى يا أماه. احترزوا أيها الأولاد من أن تضعوا شيئاً من هذه المادة الخضراء في أفواهكم: هذه البقع يسمونها الزنجار وهو أحد السموم القتالة لننظر الآن في القدور الأخرى النظيفة التي نطبخ فيها. داخلها لامع نظيف. وهو مغطى بطبقة رقيقة من معدن أبيض وهذا المعدن يسمى قصديراً وليس القصدير كالنحاس في تولد سم الزنجار عليه ولذلك يطلعون به النحاس إذا طليا النحاس بطبقة رقيقة من القصدير قيل أنه مبيض أما إذا مزجنا النحاس والقصدير معاً بعد صهرهم كان لنا منهما معدن يسمى برنزاً. والفتت إلى ابنها حسني وسألته هل تعرف معنى الصهر؟ قال لا. قالت الصهر تذويب المعادن وجعلها بحالة السيلان. ثم قالت لهم هو ذا شمعدان من معدن البرونز. والجرس الصغير المعلق على باب الدار يعلن مجيء القادمين من وقت إلى آخر هو من البرنز وأجراس الكنائس التي تسمعون أَصواتها متخذة من البرنز أيضاً. وكانوا قديماً يصنعون المدافع من البرنز وبقوا عَلَى ذلك زمناً. وكان الشر في أول أمرهم يستخدمون شظايا الأحجار أي قطع في ضروب مرافقهم فكانوا يتخذون منها سكاكين وفؤوساً ويسمى ذلك العصر بالعصر الحجري. ثم اهتدوا إلى النحاس ومزجوه بالقصدير فحصلوا عَلَى معدن البرنز ومن هذا البرنز كانوا يصطنعون أسلحتهم وأدواتهم وما زالوا عَلَى استعماله حتى عرفوا الحديد في العصور الثالثة ويسمى هذا الطور الثالث للبشر العصر الحديدي. والحديد أنفع المعادن قال تعالى وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس. فاعترض حسني والدته وكان أكبر أخوانه قائلاً: يا أماه وهل نزل الحديد من السماءِ؟ قالت كلا وإنما خرج من الأرض قال فكيف يقول الله تعالى وأنزلنا قالت أن معنى أنزلنا هنا وهبنا ومنحنا. ثم قالت لهم: ليس الحديد جميل المنظر ولا هو بذي لمعان وبريق كغيره من المعادن ولكن مع هذا لا ينبغي لكم أن تحكموا عَلَى الشيء بمجرد النظر إلى هيئته الظاهرة. فإن للحديد مزايا لا توجد في سواه. أعظم تلك المزايا صلابته ومقاومته للضغط الشديد الذي يقع عليه. وهذا الموقد من الحديد. ويستخرج الحديد من الأرض ممزوجاً بشوائب أخر فيصهرونه بواسطة موقد كبير حتى يمحصوه من تلك الشوائب. ويسمى الحديد بعد هذا التمحيص حديد الصلب وهذه القدر الصغيرة من ذلك الحديد. وإذا طلينا الحديد بالقصدير خرج لنا معدن هو الصفيح وهذه الآنية الصغيرة التي نسوي فيها القهوة من الصفيح. وإذا أضيف إلى الحديد مقدار قليل من الكربون ازداد صلابة وسمي حينئذ فولاذاً وهذه السكين التي ترونها عَلَى الترابيزة متخذة من الفولاذ. لنفتح الآن درج الترابيزة. هذه ملاعق من القصدير الممزوج بمعدن آخر لين ثقيل هو الرصاص. ثم قالت لهم مشيرة إلى الجدار: انظروا إلى المرآة. المرآة نديم المرأَة ومن عجيب أخلاق النساء أنهن يحرصن عَلَى اصطحاب هذه الأداة حتى في المطبخ! هذه الطبقة اللامعة التي تغطي سطح زجاج المرآة من وراء والتي بسببها تنعكس صوركم إلى عيونكم — هي مزيج من القصدير والزئبقِ. والزئبق معدن أبيض لونه كلون الفضة وإذا كانت حرارة الهواء اعتيادية كان الزئبق في حالة ميوعة. حتى إذا أردت القبض عليه بيديك فر وتفلت من بين أصابعك. ومن أجل ذلك كنى عنه غواة الكيمياء القديمة بالعبد الفرار. واشدوا في بعض منظوماتهم: خذ الفرار والطلقا وشيئاً يشبه البرقا فإن أحكمته سحقا ملكت الغرب والشرقا ومعدن الزئبق يذكرنا بالفضة. انظروا أدوات الفضة. ها هي منضودة بعضها فوق بعض في الخزانة. انظروا الملاعق والشوك ما أشد لمعانها وما أكثر بريقها. والفضة من المعادن الثمينة. وهو قلما يتغير لونه مهما تعرض للهواءِ وهناك معدن آخر أثبت منه وأقل تغيراً. هو معدن الذهب. انظروا إلى خاتمي هذا: فهو من الذهب. ولست في حاجة إلى جلائه أو تنظيفه. فإذا ضفتم إلى هذه المزية مزية لمعانه الجميل ومزية ندرة وجوده عرفتم إذ ذاك مبلغ نفاسته وفضله على سائر المعادن. والنقود ذات القيمة العالية تتخذ من الذهب لكنهم يضيفون إليها قليلاً من معدن النحاس ليكسبها فضل صلابة. هلموا بنا أيها الأولاد تضع كل شيءٍ في محله ونرتب الأدوات الفضية كما كانت أولاً ولنعد النظام إلى هذه المملكة فإن المطبخ هو مملكة الحاجة التي لها فيها مطلق التصرف. كيف أيها الأولاد أما جعتم؟ إن هذه الروائح الطيبة المنتشرة فوق القدور تبشرنا بغذاء شهي لذيذ. ها هو اللحم ينضج. وإني أقول لو كانت طباختنا الحاجة هي وقدورها في بلاد الإسكيمو لكان لها شأْن بذكر. قالوا ولماذا يا أماه! قالت الإسكيمو سكان الشمال حيث الجليد الدائم وليس لديهم معدن يتخذون منه قدوراً ولا تراب يصنعون منه أواني خزفية. فإن التراب إذا استحكم جفافه أصبح صلداً صبوراً عَلَى احتمال النار. ومن لم يقدر عَلَى اقتناء قدر من نحاس اقناها خزفاً. وإذا فقد النحاس والخزف فكيف يمكنه طبخ طعام! والإسكيمو كيف يصنعون؟ يتخذ الإسكيمو مكان القدور جراباً من جلد وفي هذا الجراب يطبخون ما يقتاتون به من لحم. فصرخ أحد الأولاد: كيف ذلك يا أماه: إنهم إذا أدنوا الجراب من النار احترق وإذا أبعدوه عنها لا يغلي الماء ولا ينضج اللحم. قالت أمهم نعم. ولكن الإسكيمو اهتدوا إلى طريقة وافية بالغرض. وذلك أنهم يبحثون في شواطيء البحار عن مقادير من الحصى الصغيرة ثم يطرحونها في النار فتحمى حتى تصل إلى درجة الحمرة فيتناولونها إذ ذاك ويضعونها في جراب الجلد حيث يكون اللحم والماء. فلا تلبث الحصى أن تنطفيءَ وتحدث حرارة قليلة في الماءِ. ثم يكررون العمل ويزاولونه المرة بعد المرة وبهذه الصورة تشتد حرارة الماءِ ثم ينضج اللحم. ولم تصل أم الأولاد في حديثها إلى هذا المكان حتى سمعت صوت الجرس البرنز يرن على باب الدار يعلن رجوع الحاجة فصرخت لأولادها هلموا بنا قبل أن ترانا فتزعم أننا أفسدنا مملكتها وشوشنا عليها نظامها. فتراكضوا جميعهم من باب المطبخ مسرورين ضاحكين ولأبيهم المقبل مصافحين ومعانقين. الإسلام والمدنية إذا كان المرء ساعياً في إصلاح داره يجب في الأكثر أن يسترشد بآراءِ من سبقوه إلى إصلاح دورهم ليضم اختباره إلى اختبارهم ويقتصر عليه مسافة عمله وربما أتى ببعضهم وأراهم ما هو آخذ بسبيله فإن قدر أن يعمل بآرائهم كلها إن كانت صائبة وإلا فلا أقل من أن ينتفع ببعضها. أولع الغربيون منذ حدث انقلابنا العثماني الأخير بالبحث في شؤوننا بعد أن كانوا يئسوا من إصلاحنا فصار بعض خاصتِهم يزورون العاصمة وبعض الولايات ويكتبون تصوراتهم عن السلطة العثمانية ويقيسون الحاضر بالغابر فبعضهم يستهزيء بنا وبانقلاباتنا وهم في الأكثر أرباب الأغراض السياسية وفريق يتوسط فيمزج استحسان ما يستحسنه باستهجان ما يستهجنه ومن هذا الفريق المسيو مارتين هرتمس أحد علماء المشرقيات في برلين. وهو من الذين قضوا سنين طويلة في سورية وعرف طبائع المملكة العثمانية واشتهر بمعرفة العربية من تآليفه التي نشرها وهو يجيد الكتابة والفهم بلغتنا كأَحد فضلاءِ كتابنا في أحوال المسلمين ولا سيما في البلاد العثمانية والتركتان الصينية. زار هذا المستشرق عاصمة السلطنة وبعض قواعد بلاد الروم ايلي فكتب كتاباً بالألمانية وصف فيه ما شاهده في رحلته وقد اطلعنا عَلَى زبدة من كتابه في مجلة العالم الإسلامي الفرنسوية فآثرنا الإشارة إليها ثم نعلق عليها ما آخذناه به من حكمه عَلَى المسلمين والإسلام ليرى أهل هذه الديار ما ينصح لنا به جيراننا لإصلاح بيتنا قالت المجلة: أراد بكتابه أن يعرّف ما رآه وما سمع به مدة مقامه في البلاد العثمانية فأورد ما انتهى إليه من المواد عَلَى علاته ولم ينظر فيه نظرة أخيرة ومهما يكن فإن كتابه يتلى بإمعان وفائدة لأنه من أفيد ما ظهر من الأسفار عَلَى البلاد العثمانية حديثاً وربما ظهرت على كلام المؤلف رشاشة من سوءِ النظر في العواقب ولكن ما لا مرية فيه أنه كفوءٌ في الموضوع الذي خاض غماره لا غرض له بل هو نظار جدير أن يحل كلامه موقع الاعتبار. ربما قيل للمؤلف أن مقامك قليل في تلك البلاد فكيف ساغ لك أن تحكم بهذه السرعة فقد رأينا من يطيلون مقامهم في بلد يبالغون بمنزلة المسائل الرسمية والحياة الإدارية متسرعين ويطرحون النظر في حياة السواد الأعظم من العامة فيفوتهم كثير من المسائل الاجتماعية ذات الشأْن العظيم عَلَى أن السائح قد يلاحظ هذه المسائل أحسن من المقيم. وهناك اعتراض آخر وهو أن المؤلف قال إن كتابة عبارة عن سلسلة رسائل غير سياسية والناظر فيها تتجلى له السياسة من أعطافها وأطرافها لأول وهلة. ويرد هذا الاعتراض بما هو معروف عن المسيو هرتمن من عدم التحزب لفئة وأنه يحاول أن ينصف الكل فهو لا يبغض أحداً ويرمي إلى أن تعمل كل أمة وكل جماعة وكل شخص في خدمة المدنية والحضارة ما ساعدتها أسبابها. فقد رأَيناه يأسف عندما يرى العنصر الإسلامي وهو ممن يحبه لا يسير إلى هذا الغرض لأن الجمع بين الشريعة وبين مطالب الحياة الحديثة لا يخلو من تناقض. وهو يرى أن فكر الارتجاع في الأستانة والمدن الكبرى في الولايات غير موجود ولكن إذا انقضت أيام السياسة الحميدية فإن نتائجها ما انقضت. قالت المجلة ولو قلنا في العام الماضي أن عَلَى الحكومة العثمانية إذا أرادت الاستمتاع بالبذور التي يحويها القانون الأساسي في مضاويه أن تربي الأمة تربية دستورية ديمقراطية فهذا مما تشتد حاجتها إليه. أَيد المسيو هرتمن هذا الرأُي فقال أن الانقلاب العثماني لا يشبه الانقلاب الفرنسوي فقد كانت الأمة في فرنسا تتبع القائمين بالثورة متحمسة وتشاركهم في آرائهم أما الشعب العثماني فلا يزال عَلَى آرائه القديمة ولذلك أراده المؤلف أن يرجع عنها وأقسم عليه أن ينظر للأمور نظراً صحيحاً لأن ارتفاع كلمة العثمانية معلق عَلَى اعتدالهم ويمكن أن يكون للنساء العثمانيات عمل عظيم في النهضة الوطنية. وقد درس المسيو هرتمن حالة الاتحاديين السياسية في سلانيك ولا سيما تأْثيرات طائفة الدنمة وفيها وهم شعب إسرائيلي دا — بالإسلام. وجاءَ الأستانة يبحث عن كل شيء من سياسة ودين وأدب وصحافة وحياة اجتماعية وعقلية واقتصادية. وانتقد الإسلام انتقاداً شديداً فقال أنه يراه عقبة في سبيل الإصلاح فلا رجاءَ معه لتنظيم الإدارة. والطرق الدينية في الإسلام تختلف عن الطرق الدينية في النصرانية لأن لها تأْثيراً سيئاً وأن ما يظهر من أمرها يفسد الدين ويقلل من اعتباره. فأهل الطرق البكداشية والملامية والمولوية والنقشبندية والقادرية على اختلاف أسمائهم. هم خطر عَلَى الأمة مهما كانت مكانتهم وإن اتفقوا مع أهل التربية الحديثة من العثمانيين وهؤلاءِ ملاحدة يعرفون كيف يتظاهرون بالدين واحترام الشريعة. ورجال الدين عَلَى الجملة هم قوة عاملة محترمة وإن قلَّ التسامح فيهم. يقول المؤَلف أن تسعة أعشار رعايا المملكة العثمانية متعصبون فالأكراد أكثر تعصباً من غيرهم ويقل تمسك العرب بالدين في باطنهم فهم أقل تعصباً وليس المسلمون من الألبانيين من التسامح على جانب عظيم وأهالي البوسنة الذين انفصلوا حديثاً عن المملكة العثمانية موغلون في التعصب وأدعياءُ للغاية. ومن الأسباب التي تساعد عَلَى بقاءِ الحمية الدينية مظاهر شهر رمضان المنوعة فالدين عليه الحكومة ويصعب الآن أن يكون من الأعمال الخاصة بالنفس. تدخل الأفكار الغربية البلاد العثمانية ببطءِ فالاشتراكية التي ينشرها البلغاريون خاصة في البلاد ومنهم رئيس منتدى سلانيك حيث تقرأُ المطبوعات الفرنسوية والألمانية في هذا الموضوع ولهم أشياع من الروم وتصدر في ازمير جريدة اشتراكية رومية كما تصدر جريدة إسلامية اشتراكية وإذا كان قراؤها على ما هو معلوم من حالتهم صعب أن يكون ارتقاؤُها سرياً بين المسلمين. فليس في البلاد العثمانية طبقة وسطى كما في سائر ممالك أوروبا. ويتيسر للمرأَة العثمانية أن تكون ذات نفوذ فقد رأَيتها في سلانيك ترقى بسرعة خارقة للعادة. ولكن ارتقاءَها في البلاد الأخرى بطيء جداً. ويمكن أن يقال أن حالة المرأَة العثمانية أحط من المرأَة المسلمة في روسيا التي تستمتع بحرية عظيمة فيتيسر لها أن تدرس في المدارس الثانوية وهم يهتمون بما يجري في آسيا الوسطى والشرق أكثر من كل بلد سواه وربما كان المسلمون في روسيا غالباً أثقب أذهاناً وعقولاً من حكامهم الصقالبة أهـ هذا ملخص كتاب الباحث الألماني وفيه الجيد ولكن فيه مغامز كثيرة لا نحب أن يفوتنا النظر فيها نعرضها عَلَى المؤلف وعلى القائمين بمذهبه وأولها وهو ما كنا نرجو أن لا يقع فيه أمثال الأستاذ هرتمن قوله أن الجمع بين الشريعة وبين طلب الحياة الحديثة لا يخلو من تناقض وأن الإسلام عقبة في سبيل الإصلاح ولعل المؤلف يقصد من ذلك الشريعة النافذة في بلاد الياسمين اليوم وبعضها مما يخالف الأصول الصحيحة وهدي الشارع وأصحابه وتابعيه والأئمة المهديين والعلماء العاملين. لا جرم أنه دخلت بدع وخرافات وموضوعات عَلَى الإسلام عبثت بجماله وكادت تضيع به أصوله لو لم يقيض له في كل زمن مجددون ومصلحون يدعون الأمة إلى الوقوف عند حد الكتاب والسنة وطرح الزوائد التي تضر ولا تنفع وأكثرها مما تسرب إلى الدين من الوثنية الأصلية وسرى إلى الإسلام كما سرى إلى اليهودية والنصرانية من قبل. فالإسلام دين التوحيد وهو أكثر الأديان تشديداً فيه وحرصاً عليه ومع هذا نرى بدعاً دخلت عليه تكاد تقربه من الوثنية لولا سلامة الأصول المحررة المعتبرة وقيام الآمرين بالمعروف الناهين عن المنكر في كل مصر وعصر. لم يعهد المسلمون أيام كانوا يدينون بالإسلام الحقيقي أن دينهم كان مانعاً لهم من الرقي الاجتماعي والأدبي والعلمي والسياسي فالدين الذي جعل من أموال الأغنياء صدقة للبائسين والمعوزين قد فرض عَلَى منتحليه ما يسمونه بالتضامن والتكافل فلم تنشأْ فيه الاشتراكية المتطرفة التي تهتز لها أعصاب المفكرين في الغرب اليوم. والدين الذي يأْمر كتابه في الزواج بقوله فانكحوا ما طاب لكم من النساء مثنى وثلاث ورباع وأن خنتم أن لا تعدلوا فواحدة إلى أن قال ولن تستطيعوا أن تعدلوا بين النساء ولو حرصتم قد قلل من العهر والفجور وحفظ نظام البيوت أحسن حفظ وراعى حقوق المرأة ومن سنة الطلاق لزوجين لم يتأَت أن يتعاشروا بالمعروف ليس فيه ما يؤخر المدنية ويحول دون سعادة أهله ولكن خلف بعد السلف خلف أضاعوا الأصل والفرع وانتهكوا حرمات الله وجهلت الأمة فأغلطت حجاب المرأَة بعد أن كان رقيقاً معقولاً حتى منع الرجال من الاختلاط ببنات حواء فنشأَت عن ذلك مضار ومنافع والمضار أكثر ولو وقف الحجاب عند حد ما رسمته الشريعة من أن لا يبدي النساءُ زينتهن إلا لبعولتهن ويضربن بخمرهن عَلَى جيوبهن لكان نظام البيوت في المسلمين اليوم أرقى مما هو وخلصوا من معاكسة الطبيعة في رغائب النفس ولتفاهم الجنسان أكثر من الآن ولما أصبحت حياة رجالنا وحياة نسائنا لا تخلو من نغص وغصص. والدين الذي يأْمر صاحبه أصحابه أن يتعلموا لغة اليهود والحبشة ويحث عَلَى تفهم أسرار الكون من طرقها حتى لم يأْت عَلَى الإسلام قرنان ونصف إلا وقد تناول أهله بمعونة الخلفاء وما عرف من علوم البشر وتداولوه بينهم وصبغوه بصبغتهم حتى أنشؤُا لهم مدنية لو لم يكتب لها القيام لانقطعت من العالم سلسلة علوم المصريين واليونانيين والرومانيين والفرس والهنود ولاضطر أهل المدنية الحديثة أن يرجعوا مبتدئين بالعلوم بحيث لا يتيسر لهم تأْسيس المدنية التي أسسوها في ثلاثة قرون إلا أن تؤسس في عشْرين أو ثلاثين قرناً — إن ديناً هذا شأْنه وهو لم يمنع أيضاً من تعلم العلم والفلسفة ليس من الأديان التي لا تنطبق مع روح هذا العصر. والدين الذي انتشرت كلمته في الآفاق وسلاحه الهداية والرفق بالمستضعفين وحماية العاجزين وجهاد المنافقين والخائنين حتى دانت به أمم كثيرة عن رضى هو دين لم يخرج عن المعقول من استتباع الناس وإرشادهم ومعظم الفتوح التي ينتقدها عليه الناقدون هي للاستعمار ومع هذا لم يحدث فيها من الويلات ما يحدث لأكثر دول التمدن الحديث عندما تهمُّ أن تستعمر قطراً من أقطار الشرق. وإنا لنرى الغربيين في أحكامهم عَلَى الشرق يخالفون ما يجرون عليه في بلادهم فترى الدول الراقية منهم في آدابها هي التي تحافظ عَلَى دينها فقد رأينا ألمانيا قد احتفظت بالنصرانية المشربة أي البروتستانية ولم تعقها عن سيرها في مدارج الكمال العلمي والصناعي والاجتماعي وكذلك نرى انكلترا تحرص كألمانيا عَلَى تقاليدها القديمة حتى عد الاجتماعيون من حملة ارتقائهم أنهما لم ينبذا الدين كما نبذه رجال فرنسا فكان منه الويلات حاضرها ومستقبلها. وما نظن النصرانية لو أنصفنا أكثر انطباقاً عَلَى قوانين العلم من الإسلام. ولو قال الأستاذ هرتمن أن حالة المسلمين اليوم لا تنطبق عَلَى الإسلام أمس ولذلك يصعب قيام الإصلاح بينهم لأصاب الغرض بعض الشيء فقد ذكر الطرق الدينية التي تفسد الدين وتقلل من اعتباره في الأنظار ولو أنصفنا ونظرنا إلى من أسسوا تلك الطرق لرأَيناهم عَلَى جانب من الأخلاق الفاضلة والتدين الحقيقي وأكثرهم كانوا من جملة علماء الإسلام العاملين لا المعطلين الجامدين. وهذا الجمود لم يحدث إلا في القرون المتأخرة بصنع أناس لأخلاق لهم من الملوك أملوا لرؤساء المذاهب والطرق ليتخذوهم ذريعة إلى السياسة كما اتخذ الشاه عباس الصفوي من مذهب الشيعة مستنداً له في سياسته فاستعمل العلماء واسطة للتفريق بين أجزاء الأمة ونشط كل ما أملاه التعصب الذميم وسكت عن كل قصور وكذلك فعل السلطان سليم العثماني وقتل من الشيعة أربعين ألفاً في وقت واحد في الأناضول بحجة دينية والحقيقة أنه لا يقصد غير السياسة. فالملوك المتأخرون استعملوا الدين ذريعة إلى الدنيا وعبثوا أسراً بحرم الله وأدخلوا في الدين ما لبس منه وجعلوا العامة مسيطرين عَلَى الخاصة ففسد النظام وعاق ذلك سير الإصلاح في القرون الجامدة وإلا فأي مانع اليوم يمنع العثمانيين ولا سيما المسلمين منهم من الرقي وقد ارتفعت أكثر الحواجز والقيود بفضل القانون الأساسي الذي لا يناقض أصلاً من أصول الشريعة وإذا رأَينا بعض تناقض وجب علينا أن نفسر الشريعة لنطبقها عَلَى العلم كما يأْمر بذلك العلماءُ الراسخون. أما اغتباط الأستاذ هرتمن بحال المسلمات في روسيا من أنه يباح لهن الدرس في المدارس الثانوية والعالية مع الفتيان فهذا عَلَى إطلاقه لا يصح أن يكون حجة عَلَى المسلمات العثمانيات والاختلاط إلا إلى حد محدود لا يخلو من مفاسد يعرفها علماء الأخلاق في الغرب وهم منها أكثر شكاية منا ويرجى بفضل الأفكار الغربية التي تدخل ببطءٍ إلى بلادنا كما قال المؤَلف أن تكون بعد اليوم حال المرأَة المسلمة أكثر انطباقاً مع المدنية والعقل والشرع فليس كل ما نراه هو ما كان عليه السلف الصالح كما قلنا. وإن معظم ما نشكو منه من أمراضنا الاجتماعية ليس الدين منشأُوه بل الجهل بأمور الدنيا فينبغي لنا تهذيب نسائنا وتعليمهن عَلَى الأصول الدينية والمدنية ورجالنا كذلك وعندئذ لا يرمي مثل المسيو هرتمن أهل هذا الدين كله بما رماهم به ونحن نرى اليابان وهي الدولة الوثنية من أرقى دول الحضارة الحديثة ولم تعقها وثنيتها عن ذلك ونظن المؤلف يوافقنا عَلَى أن الإسلام بما دخله من خرافات المتأَخرين أكثر اتفاقاً مع المدنية من وثنية يابان. فحياة الأمم بالدين الذي لا يمازجه تعصب أكثر منها بالانحلال من كل دين وأمة لا قديم لها يصعب عليها الارتفاع بحديثها كما فعلت فرنسا فأرادت نبذ كل قديم وإحلال الحديث مكانه فخسرت الصفقتين أو كادت ولو ربي شعبها تربية دينية خالصة مع ما يلقنه من التربية العصرية لما شكت فرنسا من زيادة العهر فيها وقلة نفوس سكانها سنة عن سنة وإنا لنعتقد أن قلة التسامح الذي نراه في الجامدين من أهل الطرق وأدعياء الدين يقل جداً من السلطنة يوم نعلمهم أو نعلم أبناءهم التعليم الوسط المنظم دع عنك العالي وحياتنا مناطة باستنارتنا ولا جمود إلا مع الجهل. وطريقة دينية عَلَى أصولها يدخلها النشوءُ والإصلاح بحسب سنة النمو والتدريج أنفع من طريقة دنيوية لا تتشربها نفوس من تعرضها عليهم ولا تناسب تقاليدهم وأوضاعهم. الشعرى إذا غابت الشمس ساعة في هذه الأيام سرح طائر نظرك عَلَى منفسح الأفق تر كوكباً متوقداً يرتفع شيئاً فشيئاً بأبهةٍ وجلال وهو يزيد تأَلقاً كلما زادت الظلمات حلكةً ويرتفع في القبة الزرقاءِ في جهة الجنوب الشرقي. فهذا الكوكب هو الشعرى العبور وهي التي ترصع جهة الرقيع بهذا الفص البديع بحيث يصدق ما قال فيها عبد العزيز بن عبد الله بن طاهر وهو من ظريف ما قيل فيها: واعترضت وسط السماءِ الشعرى كأَنها ياقوتة في مدري وقال فيها ابن المعتز: شربتها والديك لم ينتبه سكران من نومته طافح ولاحت الشعرى وجوزاؤُها كمثل نرج جرَّه رامح وشبه أبو نؤاس الدرهم بها فأنشد: أنعت صقراً بغلب الصقورا مظفراً أبيض مستديرا تخاله في قده العبورا فهذا الكوكب لحسنه عبده قوم من العرب في الجاهلية وإليه الإشارة في سورة النجم وإنه هو رب الشعرى وكان العرب قد أخذوا هذه العبارة عن جيرانهم المصريين الذين كانوا قد أَلهوها لأنهم كانوا ينسبون إليها فيضان النيل. وقد زادت شهرتها لهيام شعراءِ الأمم كلها بحسنها ونقاءِ ضيائها الأزهر. وأنبت لهم الخيال أجنحة طاروا بها في عالم المحال. لا رادع لهم يردعهم ولا وازع لهم يزعهم فكم من شاعر ذهب إليها بالوهم فسكن فيها ونظر منها إلى الأرض بل وكم منهم من تعود هذه الفعال بدون أن يتروَّ في ما يقوله من المجال. فهذا فلتير قد وضع أحدوثة اسمها الصغير الكبير مكروميغاس جعل المروي عنه واحداً من سكان الشعرى. ثم بنى عَلَى هذا الوهم ما بنى ومثله فعل رنان فإنه قال: إذا أراد الإنسان أن يرى محاسن الأرض فليرق إلى الشعرى فإنه يجد فيها أحسن مرقب يرقب منه هذه الحبة الخضراء المعروفة عندنا باسم الغبراء ولا يخفى ما في ذلك من الوهم المستحيل لأن شدة الحرارة الشعرى تمنع أياً من كان من أن يدخلها إذا ما بلغها. بل تميت أياً من كان قبل البلوغ إليها. فلندع إذاً أهل الخيال في جوهم يسبحون وأهل المحال في ميدان تصوراتهم يمرحون ولنأْت إلى مجالسة أهل العلم من العصريين ولنسأَلهم عما كشفوا لنا من الأنباء ولنطلب إليهم أن يهتكوا لنا شيئاً من استثار مظاهر الخفاءِ ولنسمع ما يرويه علينا أحد أكابر الفلكيين وهو العلاّمة شارل نوردمان من جلة علماء باربزاد يقول: إننا نرصد كل مساء الشعرى العبور ونتثبت بواسطة المرقب نورها فنحلله تحليلاً ينبئنا عما هنالك من الغرائب والأسرار الغامضة وتروي لنا هذه الرسول الصغيرة في أعيننا حقائق ودقائق تأخذ من قلوبنا أي مأْخذ حتى أنها ترفعنا إلى أعالٍ لم يرق إليها الخيال بأجنحته الذهبية. والشعرى تبعد عنا نحواً من خمسمائة مرة من بعد الشمس عنا. ونورها إلينا لا يصل إلا في مدة تسع سنوات. أي أنك إذا رأَيت نورها اليوم فهو لم يشرق عليك إلا قبل تسع سنوات والذي تراه اليوم كان قبل تسعة أعوام. وإذا حدث فيها حادث جديد في يومنا هذا فلا يمكنك أن تراه إلا بعد أن تمشي عليه هذه المدة المذكورة لأن النور يقطع في الثانية ثلثمائة ألف كيلومتر. فالظاهر إذاً أن الشعرى اليمانية بعيدة عنا بعداً عجيباً ومع ذلك فهي قريبة منا بالنسبة إلى سائر الكواكب التي قد ذر قرنها منذ ألوف من السنين ونورها إلى اليوم لم يبلغنا. ونحن نعلم اليوم أن الشمس والشعرى ليسنا إلا كقطرتين من بحر عجاج متلاطم بأمواج الأنوار ذاك البحر الذي نسميه المجرة والحال أن النور لا يقطع عرض المجرة إلا في مدة خمسة وعشرين ألف سنة. والشعرى مع هذا هي إلينا أقرب هذه الكواكب المنتشرة على بساط المجرة من سواها وعليه فرصد الأرض من علو الشعرى لمن التخيلات المتوغلة في المحال. وقد أتيح للفلكي المذكور أن يقيس بوسائط مذكورة في علم البصريات ليعرف درجة حرارة جو الشعرى فوجده لا يقل عن ١٢٠٠٠ درجة. ولا يستطيع أن يتصور علو هذه الدرجة البعيدة في الحر إلا إذا قابلنا حالتنا في أيام الصيف عندما يشتد أعظم الاشتداد فلا نستطيع أن نتنفس ولا نتحرك ومع ذلك لم يبلغ الحر إلا ٤٠ — ٥٠ درجة. ثم ما الحال لو قابلنا تلك الحرارة بدرجة غليان الماء وهو لا يكون إلا في مائة درجة. وما عسى تكون تلك المقابلة لو علمنا أن أعظم حرارة بلغ الإنسان إلى الحصول عليها عَلَى الأرض هي ٣٥٠٠ درجة وذلك في القوس الكهربائية. وإن حرارة الشمس نفسها لا تزيد على ٥٣٠٠ درجة في جوها المعتدل. وعليه فتكون حرارة الشعرى أقوى من حرارة الشمس ثلاثة أضعاف تقريباً. ومع ذلك فيوجد كواكب أخر أحر جواً من الشعرى وذلك في صورتي الثور وحامل رأْس الغول المعروف أيضاً باسم سياوش. فكيف بعد ذلك يمكننا أن نسمع ظلامات شعرائنا الذين يقولون ببرودة الكواكب والنجوم. نعم إنهم مصيبون إذا أرادوا بذلك أن الكواكب لا تجيبهم بكلمة إذا ما شكوا لها ضيمهم وإلا فلا. والأولى بشعرائنا العصريين أن يستعيروا لهم برودة غير برودة الكواكب. هذا وقد أدت الحسابات اليوم لا بل وأَبسط الحسابات أن الشمس لو كان لها جوّ مثل جوّ الشعرى لما كانت الحياة ممكنة عَلَى الأرض لتحول إلى البخار جميع العضويات الحية الموجودة عَلَى الأرض. ولما أثر ذلك شيئاً في سير سائر النجوم والكواكب. وضياء الشعرى يضاهي حالة جوها غرابة وعجباً. فإن فلكينا الباريسي نوردمان قد أثبت بأنها تنير الكون بنور أقوى من نور الشمس خمسة وعشرين ضعفاً فيكون نور الشمس بالنسبة إلى نور الشعرى نسبة شمعة إلى مصباح زاهر أو بعبارة أخرى أخصر وأصح: يجب وضع خمس وعشرين شمساً من شمسنا لنحصل على ضياءٍ يشابه ضياء الشعرى. وإن شئت تعبيراً علمياً فقال: إن كل سنتيمتر مربع من وجهها يبرز نوراً ما يوازي تقريباً ستة ملايين من الشموع العشرية. كل هذه الحقائق المقررة قد أثبتت بوسائط علمية حديثة في منتهى السذاجة لا محل لذكرها هنا لأن العين لا تستطبب نظر بناية فخمة جديدة إذا كنت تراها مدعمة بأخشابها والأجدر والأحسن أن تنتزع قبل أن ترمقها الأعين لتبدو بهجة منظرها. ثم إن منظر طيف الشعرى كشف لنا أيضاً أموراً ما كان ليكشفها لنا غيره وهي في منتهى الغرابة أيضاً. فإن المنظار المذكور أظهر لنا أن في الشمس أغلي معادننا الأرضية وأما في الشعرى فإنه كشف لنا عن جو مركب كله تقريباً من كتلة عظيمة من الهدروجين وهو من أخف الغازات المعروفة. فيجب أن نستنتج من ذلك أن سائر العناصر الكيماوية التي هي أثقل قد تفككت وتحولت إلى هدروجين بقوة الحرارة الشديدة حرارة الشعرى. فإذا كان الأمر كذلك فحينئذ عند مرور الأعصار وكرور الأدهار لما يبرد الكوكب وينتقل من حالة الشعرى إلى حالة الشمس كما تحقق هذا الأمر عند جمهور العلماء يجب علينا أن نسلم أن الهدروجين في برودته يسير سيراً معاكساً أي إنه يتخثر رويداً رويداً فتتكون منه سائر المعادن. ومن ثم فإن الكواكب تكشف لنا عن سر طالما كان غامضاً عَلَى أهل العصور الوسطى ألا وهو سر علم الصنعة الذي ترمي غايته إلى تحويل المعادن بعضها إلى بعض وعلمه فوق كل علم أمالي تاريخية الضريبة روى المحبي في خلاصة الأَثر: إن العوارض مظلمة سلطانية تؤْخذ من البيوت في الشام في كل سنة ويقال أنها من محدثات الملك الظاهر بيبرس أشار إليها الصفوري بقوله معتذراً: يا من فضله والجود سارا مسير النيرين بلا معارض وعدتك سيدي والوعد دين ولكن ما سلمت من العوارض والأكرمي بقوله أيضاً وقد أجاد: لحا الله أيام العوارض إنها هموم لرؤياها تشيب العوارض يضيق لها صدري وإني لشاعر خليع وبيتي ما عليه عوارض القشلق وروى المحبي أيضاً أن القشلق من عسكر السلطان مراد بن أحمد كانوا قد عينوا لمحاربة شاه عباس فدهمهم الشتاء دون الوصول إلى خطة العجم فأمروا أَن يشتوا في دمشق وأَطرافها من القرى وضيقوا عَلَى الناس أمر المعيشة وبالغوا في التعدي والتجاوز ونهب أَموال الناس وكان قاضي القضاة بدمشق أحمد بن عوض العينتابي تولى هذا المنصب سنة ١٠٤١ هـ قسى بقمعهم وكف شرهم فقال إبراهيم الأكرمي في ذلك: انظر إلى القشلق في ذلة العكس من حالهم الحائل كم رجل منهم بسموره عَلَى جواد صائل صاهل تحل بالجندي غلمانه وقد أتى يسأَل عن سائل ووصفهم أبو بكر العمري بقصيدة بليغة مشيراً إلى عيثهم ومعاونة القاضي في دفع أذاهم مطلعها: أواه مما حل في جلق من العنا في زمن القشلق رامي البلى مد عَلَى أهلها قوساً له قال القضا فوّقي حتى تنادي الناس مما هي باليتنا من قبل لم نخلق كانت دمشق الشام محسودة لكونها بالعين لم تطرق آمنة من كل ما يختشى أْمنة للخائف المشفق مائسة تزهو بسكانها مائدة للبائس المملق لا يعرف الدخل لها مدخلاً ولا إلى عليائها يرتقي وهي عَلَى ما تم من نعمة تتيه بالحسن وبالرونق ومنها في وصف قشلق: في رقعة الشام غدت خيلهم وذلت الأرخاخ للبيدق أواه من خمدة نيرانها يا نار كيف اليوم لم تحرق إلى أن قال: يا ويح قوم دعسوا أرضنا وأَوقفونا في ردى موبق وقد أغاروا وبنا أحدقوا يا غيرة الله إلينا أسبقي أجلوا أهالي النور عن دورهم بالسيف والدبوس والبندق واتخذوها سكناً دونهم بالفرش من خزّ ومن استبرق واستوعبوا أكثر أموالهم ظلماً بلا عهدٍ ولا موثق واقتنع الناس بأعراضهم فإنها بالثلب لم ترشق وأرخ ذلك بقوله: لقد غزينا دون وعد بلا لأم فارخ سنة القشلق وأشار إلى وجوب إسقاط اللام من التاريخ فتبقى سنة ١٠٤١ هـ ١٦٣١ م. غرائب الغرب كلية باريز ١٧ كلية باريز من أقدم كليات العالم في التاريخ إن لم تكن أول كلية أُنشئت وقد كانت في القرون الوسطى بلا مراءٍ أشهر كلية وأكثرها إيواءٍ للطلبة فكان علماءُ الوقت كما قال أحد الفضلاء ينظرون إليها بأنها صاحبة الحق في استخراج كنوز العلوم ملكت إرثاً شرعياً صحيحاً وكانت أول كلية أُنشئت في العالم كلية بابل أَسسها نينوس مؤَسس نينوي والمملكة الآشورية الأولى وخلفتها كلية منفيس المصرية وخلفت كلية منفيس كلية آثينا وبعد هذه أُنشئت كلية رومية وبعدها قامت كلية باريز واشتهرت كلية بولونيا في تعليم الحقوق كما سبقت كلية باريز غيرها في الآداب المقدسة والعالمية وكان في جوارها عشر مدارس تحيط بها كأَنها أم القرى وتلك من أعمالها مثل مدرسة الإنكليز ومدرسة الإيكوسيين والألمانيين واللومبارديين واليونانيين ولطالما بعث الملوك إليها بأولادهم ليتخرجوا في المنطق ويتعلموا رقة الجانب وحسن الأدب والعشرة. ظلت هذه الكلية منذ القرن الثالث عشر إلى القرن السادس عشر تربي معظم الرجال الذين يختلفون إلى التعلم فيها وفيهم الشعراءُ والعلماء والفلاسفة ومن مشاهير من تخرجوا فيها غليوم أوكام ورايمون لول وتوما داكين وبنوا دانانيي وبونيفاس الثامن وبرونوتو لاتيني ودانت وتوما موروس وإيراسم وغيرهم وجميع طلابها عَلَى اختلاف أصقاعهم كانوا يرتاحون في حماها وكان مطمح أنظارهم حب الحقيقة وهي القاعدة الأصلية فيها وكل منهم يتمتع بحقوقه. ولقد جاءَ زمن كانت الحياة العقلية محصورة في جدران المدارس إلا أن كلية باريز أعظم منبعث لبث الدعوة إلى الأفكار الفرنسوية وكانت وحدها تكفي لإنارة العالم إلا قليلاً وكان رجال تلك الأزمان ينسبون العلوم إلى مواطنها ويرجعون الأمور إلى مصادرها فيقولون أن رومية مقر البابوية وألمانيا مقر السلطة وباريز مهد العلم. وكانت الأفكار الفرنسوية — كما قال أحدهم في المجلة الباريزية — هي أكبر معين في القرون الوسطى عضد إلى النهاية الصليبيين في نشاطهم وهيأَ أسباب الحماسة الدينية وفتح لأمم المغرب ونشاطهم طرقاً جديدة في العمل ومن الأفكار الفرنسوية نشأت بعد نزاع قديم فكرة الوطنية متجلية في صورة مؤثرة ذات بأْس ومضاءٍ بحيث خضعت السياسة لسلطانها ووضعت أسس الوحدة الوطنية. والأفكار الفرنسوية هي التي طهرت رياح الإصلاح والنهضة وقادت الأفكار القديمة إلى التجديد وأنارت العالم بقبس أنوارها. والأفكار الفرنسوية هي التي حملت إلى العالم في عهد فولتير ومونتسكيو أفكار التسامح الديني والعدل الاجتماعي والحق والإنسانية. والفكر الفرنسوي هو الذي سنّ المباديء الخالدة في دساتير الأمم المتمدنة بأسرها. فمن فرنسا نشأت حرية البلجيك وحرية اليونان وحرية إيطاليا وحرية العثمانية. وفرنسا مهد الأدب تنشر أنواره فتتناوله الأجانب وتتقبله بقبول حسن وهي البلاد التي اشتهرت بعلمائها وصناعها. ومن كلية باريز اخترع أمبير اختراعاته التي لولاها لما اخترع التلغراف اللاسلكي والسلكي والتلفون ولم تتم عجائب الكهربائية الصناعية. وفي كلية باريز أحدث باستور انقلابه العظيم في علم الحياة الذي جعله المحسن إلى الإنسانية في العالم أجمع. وفي كلية باريز حقق برتلو الطريقة الصناعية في المواد العضوية فنشأت منها الكيمياء الحديثة. وفي كلية باريز اخترع كوري وقرينته الراديوم واهتزت في أيديهما ذراته. وفي معامل كلية باريز أوقد مواسان للمرة الأولى التنور الكهربائي كما اخترع غيره التصوير الشمسي بالألوان كانت هذه الكلية كما قلنا أعظم كليات القرون الوسطى فجعلوها سنة ١٨٩٦ كلية تليق بعظمتها الماضية بحيث لم تفقد مكانتها العلمية وفيها اليوم زهاء ثلاثمائة أستاذ يفيضون كما أفاض أسلافهم عَلَى العالم من علومهم ولا سيما على أميركا الجنوبية وبوهمييا والبلاد المصرية والعثمانية وكانت هذه الدار رسول السلام بين الأنام ومعلمة الناس كيف يكون التجانس الروحي والإخاء العام. ولكم كان أساتذتها يسيحون في بث ما علمهم الله في البلاد التي يقل فيها العالمون ولكم أنشئت في حجر هذه الدار جمعيات تريد التقريب بين الشعوب وتعليم الجاهل منهم ولكم رنت في غرفها وقاعاتها أصوات الخطاء من علماء الأرض أتوها يحملون إليها نتائج أبحاثهم ودروسهم. فإن كانت كلية باريز أمَّ كليات براغ والأستانة ومصر وغيرها من كليات البلاد اللاتينية وأميركا اللاتينية فهي تفاخر بأنها أم كليات إنلكترا وإيكوسيا. ويؤخذ من إحصاء سنة ١٩٠٧ — ١٩٠٨ أنه كان في هذه الكلية ١٧٣٠٣ طلاب منهم ٣٣٦١ من الأجانب فتيان وفتيات ومن هؤُلاءِ ٩٢٦ يدرسون الحقوق و ٥٢٠ يدرسون الطب و ٧٧٣ العلوم و ١٠٦٢ الآداب ولم تقصر كليات الولايات وعددها اثنان وعشرون كلية في بث روح التكافل الأخلاقي والعقلي فأنشأت كلية تولوز جمعية اجتماع الطلاب الفرنسويين في اسبانيا وأنشأَت كلية بوردو مدرسة الدروس الاسبانية العالية في مدريد وأنشأت كلية كرنوبل المجمع العلمي في فلورنسة وكلية نانسي وهي على الحدود الألمانية تعلم قاصديها احترام فرنسا وخدمتها للعلم. وهكذا الحال في كلية مونبليه وليل وليون فكليات فرنسا تعلم في السنة سبعة آلاف طالب وهو عدد ليس بقليل يدل عَلَى تفردها في هذا الشأن من بين أكثر الممالك الراقية. هذه شذرة صغيرة في وصف كلية باريز التي ما زالت الحكومة الفرنسوية تنفق عليها النفقات الطائلة والمحسنون لا ينفكون عن إعطائها المنائح الكبيرة فقد وهبها كارنجي المحسن الأميركي كثيراً كما أن بعض الروسيين منحوها مالاً جزيلاً والفرنسيس يعطونها عن سعة. فحيا الله يوماً تقام لكل قطر من أقطار البلاد العربية كلية مثل هذه تدرس أبناءها علوم البشر بلغتهم وتكوّن مجتمعنا بالوطنية الصحيحة كما تكونها كليات الممالك الصغرى في الغرب كالبلجيك وهولاندة والدانيمرك والسويد ونروج وسويسرا والمجر وبولونيا وفنلندا والبرتقال. حدائق باريز ومتاحفها ١٨ يطول بنا نفس الكلام إذا أردنا الإفاضة في كل فرع من فروع العمران بباريز وكلها مما يحتاج إلى صفحات كبيرة وربما ملّ القاريء قبل أن يمل الكاتب. ولقد عنيت مدة مقامي في هذه العاصمة أن لا أضيع ساعة من وقتي إلا في البحث عن جمعية أو إنسان وزيادة معهد فيه نموذج من ارتقاء العقول ووفرة العلم وحذق الأبدي وبسطة العيش وفضل الرفاهية ومما جعلته لأوقات الفراغ غشيان الحدائق والمتاحف ودور التمثيل والسماع. في باريز حدائق كثيرة عامة ومنها الصغير الخاص بحي أو شارع صغير ويسمونها سكوار وهي كلمة إنكليزية معناها ساحة مربعة أو حديقة يحيط بها حاجز من قضبان حديد وتكون في ميدان عام وعددها ٣٦ حديقة تتمنى كل حاضرة من حواضر البلاد العثمانية أن يكون لها من نوعها واحدة فقط بانتظامها وحسن تعهدها. أما الحدائق الكبرى فعددها تسع تصرف في كل واحدة الساعات وأنت تسرح ظرفك فيما خصتها به يد الصانع وأيدي البشر من مجالي الظرف والجمال. زرت منها حديقة الحيوانات وحديقة النباتات وحديقة كلوني وحديقة لوكسمبورغ وعجبت لمن يزور هذه الحدائق مرات لم لا يكون عارفاً بالنبات والحيوان وتاريخ مشاهير فرنسا أحسن معرفة فمثل هذه الحدائق التي يتنزه فيها المتنزهون هي في الحقيقة مدارس عملية يدرس فيها المتنزه كبيراً كان أو صغيراً ما ينبغي له من هذه العلوم درساً عملياً لا يحتاج فيه إلا إلى انتباه فكر قليل حتى إذا أسعده الحظ ونظر في المدرسة أو خارجها في كتب هذه العلوم يصبح وهو مطبق العلم عَلَى العمل. ولقد رأَيت في حديقتي الحيوان والنبات أسماء كنت أقرأها ولا أعرف أعيانها فلما وقع النظر عليها تبينت فضل عرضها وأن العلم النظري إذا لم يشفعه علم عملي يبقى كالسيف في غمده أو البندقية في معملها أو الكهربائية قبل توليدها. وليس في البلاد العثمانية أو المصرية ما يشبه هذه الحدائق الله إلا أن تكون حديقة الجيزة والجزيرة والقناطر الخيرية في مصر وحديقة الأمة وغيرها في الأستانة ولكن أين الثريا من يد المتناول ما ينظمه الباريزيون لأنفسهم وينظمه الإنكليز أو الطليان والنمسويون لنا. وما حك جسمك مثل ظفرك. وإنك لترى في بعض الحدائق العامة تماثيل مشاهير رجال فرنسا في السياسة والعلم مجسمة من رخام مجزع أو حديد مصنع كأَن ساحات باريز وشوراعها العظمى لم تستوعب وحدها كبار رجالهم حتى هرعوا إلى الحدائق يضعون فيها التماثيل والنصب لمن أحسنوا اللامة أو سادوها زمناً وأصبح لهم في تاريخها ذكر يردد. ففي ساحات باريز وشوارعها ٦٨ مشهداً Monument لمشاهير علمائهم ورجال سياستهم ومنهم أوغست كونت والفرد دي موسه وشاركو وكورنيل ودانتون وغامبتاوكي دي موباسان وجول سيمون ولافييت وواشنطون ولافوازيه وباستور وفيكتور هوغو وغيرهم وفيها ٦٨ تمثالاً اثنان منها لاسكندر دوماس الابن والأب. وواحد لبالزاك وبوفون وبرانجيه وشارلمان وكلود برنار وكوندورسه ودانت وديدرو وغاريبالدي وجورج ساند وجان جاك روسو وجان دارك ولامارتين ومارات وموليير وباسكال وشاكسبر وفولتير وتمثال الحرية والقانون والجمهورية هذا داخل العاصمة أما خارجها فلها من غابتي فنسين وبولونيا أعظم فسحة ونزهة وغابة فنسين في شرقي باريز على بضعة كيلومترات من نقطة دائرتها ومساحتها ٩٢٧ هكتاراً وفيها من أنواع الراحة وتنويع المناظر المفيدة ما هو العجب العجاب وأعجب منها غابة بولونيا في غربي باريز ومساحتها ٨٧٣ هكتاراً زرتها ثلاث مرات وإن كانت في الشتاء ليست مثلها في الصيف عَلَى أنها ما خلت من الأنيس والجليس وكان أحد تلك الأيام يوم عيد رأْس السنة والسماء مصحية والشمس طالعة مريضة صحيحة والعيون المراض الصحاح خرجت من كناسها تستنشق الهواء النقي. وهناك منظر من بحيرات بولونيا وطرقها لا أدري كيف يصوره الشاعر إذا كان الوقت ربيعاً أو صيفاً أو خريفاً ولو كنت شاعراً لحبرت في وصفه القصيدة وإن زرتها في الفصل الميت كما يقول الفرنسيس. أما المتاحف الباريزية فهي أيضاً قصور نزهة وحدائق صفاءٍ وعددها ٣١ متحفاً يحتوي كل منها عَلَى أقصى ما يتصوره العقل من ارتقاء البشر في الصناعات والفنون على اختلاف الأعصار زرت بعضها وقضيت أوقاتاً طويلة في متحف اللوفر العظيم يالقرب من نهر السين ومتحف فرسال عَلَى ثلاثة أرباع الساعة من باريز. أما متحف اللوفر فهو من أجمل قصور العالم وأوسعها عرف سنة ١٢٠٤ عَلَى عهد فيليب أوغسطس وما زالت أيدي الملوك تتعاوره بالإصلاح أو التدمير حتى إذا كان عهد فرنسيس الأول أصبح اللوفر متحفاً يقسم اليوم إلى سبعة متاحف في متحف بحسب أصول آثارها وزمنها وطبيعتها وهي متحف التصوير ومتحف الرسوم ومتحف النقش ومتحف النحت القديم ومتحف النحت في القرون الوسطى وعَلَى عهد النهضة ومتحف النحت الحديث ومتحف العاديات الآسياوية ومتحف العاديات المصرية ومتحف العاديات الإفريقية ومتحف العاديات النصرانية ومتحف الفخار والأواني الخزفية القديمة ومتحف القلز والحلي والرخام القديم ومتحف عاديات القرون الوسطى والنهضة والقرون الحديثة ومتحف تير ومتحف البحرية ومتحف الشرق الأقصى. وكل متحف تصرف فيه الساعات الطويلة ولا تستوفي النظر فتأْخذك الدهشة من رؤية المكان ورؤية المكين وتقضي بالعجب من كل ما يقع عليه بصرك إذ تتمثل لك عظمة الإنسان وتفننه فيما تصنعه يده وعينه وذوقه أما متحف فرسال فهو في مدينة فرسال وكانت في القرن الحادي عشر للميلاد قرية فأصبحت بعناية لويز الثالث عشر مدينة صغرى لأنه أقام فيها قصراً للراحة أثناء الصيد وأراد لويز الرابع عشر أن يجعل فرسال مركز حكومة فرنسا فأنشأَ فيها أبنية ومصانع عظيمة وكذلك فعل لويز الخامس عشر حتى أصبح عدد سكانها ثمانين ألفاً على عهد الثورة. وهكذا إذا أراد الملوك أن يعمروا بلداً أحيوه وإذا شاؤا أن يخربوه أماتوه. واشتغل في إقامة قصر فرسال الذي جعل المتحف فيه اليوم ثلاثون ألف رجل وسنة آلاف دابة في اليوم مدة سنين طويلة وقد فتحت أبواب المتحف سنة ١٨٣٧ وفيه اليوم. ٥٦٠٠ أثر تاريخي. أما مجموعة الصور البديعة التي فيه فعددها ٢٤٠٠ صورة ليس لها نظير في العالم ومن يمعن النظر فيها كثيراً يخرج من المتحف وقد درس تاريخ فرنسا ووقائعها الحربية بالعمل والنظر. ومن جملة ما حواه أسلحة ببيوت الشرف التي اشترك فرد أو أفراد منها في الحروب الصليبية. ومنها أبواب مستشفى فرسان رودس الذي أهداه السلطان محمود العثماني سنة ١٨٣٦ إلى لويز فيليب صاحب فرنسا. وفيه صور كثير من مشاهير الشرق كأنك تراهم عياناً وفيه صورة تمثل القائد كلبر الفرنسوي وسليمان الحلبي يقتله في حديقته في القاهرة زمن الاحتلال الفرنسوي في مصر. أطلت الرواية في كل هذا وأنعمت النظر في النفقات الطائلة التي أنفقت على هذه القصور المزخرفة والمصانع العظيمة فأعطيت بعدها الحق لمن قاموا بالثورات الفرنسوية يريدون إنزال الملوك عن عروشهم وفصم عرى السلطة الفردية لتنقل إلى أيدي الأمة. نعم إن أقل نظرة إلى هذه القصور يستغرب معها المرء كيف لم تحدث تلك الثورات قبل حدوثها بزمن طويل ولكن الحوادث كالحبال لا تلد إلا بعد إتمام مدة الحمل أو كالثمر لا ينضج قبل إبانه. ولم أتمكن يوم زيارتي لفرسال من رؤية كل حدائقها ومرافقها لنزول الثلج ولكني عَلَى الجملة أخذت منها صورة إجمالية كافية. شأني في كل ما زرته من المعاهد ورأَيته من المشاهد فلم يتيسر لي أن أُلقي عليه سوى نظرة واحدة لضيق الوقت وكثرة ما يجب أن يدرس من آثار هذه الحضارة الغربية الغريبة. وبعد كل هذا صرت أَرى الاشتراكيين عَلَى حق فيما يطالبون به المجتمعات الحديثة في الغرب وهم يرون مئات الفدادين من الأرض تجعل حدائق قد لا يختلف إليها إلا أفراد في حين يهلك مئات الألوف من المحاويج والفقراء ولا من يرحم ضعفهم المادي والصحي أو يرثي لبكائهم وتسبل عَلَى النظر هذه التحف والعاديات التي لا تقدر بثمن وحكومة الجمهورية تفترض مئات الملايين من الفرنكات لسد العجز في ميزانيتها. وهكذا نظام المجتمع الغربي ولعلّ عقول أهله المفكرة تحرر في الأجيال المقبلة الفقير من فقراه أو تقوى عَلَى الأقل عَلَى تعديل هذا النظام الجائر الذي يسلب من كثيرين السبد واللبد ليعمر به قصر البلد ويلعب في حدائقه وساحاته الوالد والوالدة والولد. مكاتب باريز ومكتباتها ١٩ لو لم يكن في باريز إلا مكتبة الأمة التي حوت في قصرها الفخيم زهاء ثلاثة ملايين كتاب مطبوع ومئة ألف كتاب مخطوط ومليونين ونصف صورة مختومة وألوفاً من الأيقونات والأنواط القديمة وغير ذلك من التحف والآثار ومجاميع الصحف والمجلات لكفاها جالباً للسائحين ولافتاً لأنظار أهل العالمين من العالمين. مكتبة أسست منذ نحو ستة قرون وملوك فرنسا وعلماؤها وأشرافها يتبارون في أن يجعلوا في كل فرع من فروع العلم واللغات وصنوف المخطوطات والمطبوعات حتى إذا جاء القرن العشرون أصبحت مكتبة الأمة أكبر مكاتب العالم وأهمها بندرة كتبها ومخطوطاتها ففيها من نوادر المخطوطات والمطبوعات العربية ألوف. اختلفت إليها غير ما مرة ولم أتمكن من مطالعة كل ما أريد لضيق الوقت وضخامة الفهارس وكثرة المؤلفين والناقلين في قاعات المطالعة. وبلغني أن الكتب التي أهديت إلى مكتبة الأمة في العهد الأخير لم يتيسر إدخالها في قوائم الكتب عَلَى كثرة موظفي المكتبة وكادت مطبعة الأمة الأميرية تعجز عن طبع فهارس هذه الخزائن ولا غروفان ما رأَيته منها مطبوعاً إلى عهد ليس ببعيد وحده مكتبة برأْسه ويقضي فيه المرء الساعات ولا يستطيع أن يستوفي النظر الإجمالي. ولو صرف طالب العلم عمره كله ببحث في مخطوطات مكتبة الأمة ويستعين بمطبوعاتها لما تيسر له أن يأْتي إلا على قسم ضئيل جداً مما حوته في بطنها من معارف البشر ولا نعد المكتبة الخديوية في مصر ومكاتب الأستانة التي تتجاوز الأربعين مكتبة ومكتبة المجلس البلدي في الإسكندرية ومكاتب دمشق وبيروت وحلب وبغداد والمدينة ومكة وغيرها من بلاد الشرق الأدنى إذا جمعت كلها في صعيد واحد وجعلت لها فهارس وقوائم منظمة إلا جزءاً صغيراً من ذاك الجسم الكبير. وعَلَى تلك النسبة قس المطالعين والمراجعين في مكتبة الأمة بالنسبة لأمثالهم في البلاد العثمانية والمصرية فتراهم عند الساعة الرابعة بعد الظهر يخرجون رجالاً ونساء شيوخاً وعجائز شباناً وشابات كالقطيع الكبير لا يقل عددهم عن خمسمائة وربما الألف أحياناً وتجد فيهم الغرباء من أمم أوروبا وآسيا وأميركا وإفريقية ممن تجمع بينهم كلمة العلم الجامعة وكلهم يتنافسون في البحث والدرس ويستخرجون من ركاز تلك الكنوز ما يصوغونه عقوداً ثمينة وتعاويذ محلاة تقي البشر شر الجهل والخرافة ولعله يخطر ببال بعضهم أن هذه المكتبة هي كل ما في فرنسا من خزائن كتب صرف الفرنسيس فيها قواهم وجمعوا لها من أقطر الأرض كل غال ونفيس عَلَى عادة الإفرنج في التغالي بفخامة مصانعهم وضم شتيت متفرقهم وحرصهم على الاجتماع للانتفاع ولكن في باريز وحدها من المكاتب العامة ما لو جمع أيضاً لكان منه مكتبة كمكتبة الأمة بكثرة أسفارها إلا أن هذه تفوقها بالنوادر من المخطوطات. ولباريز عشر مكاتب أخرى في كل واحدة منها عشرات الألوف من المخطوطات والمطبوعات دع عنك خزائن كتب الجمعيات والمدارس والكليات والمجامع فإن لكل واحدة منها ما يقتضي للمطالع من أسفار المراجعة وغيرها. أما خزائن كتب الأفراد فهذه لا يحيط بها إلا علاّم الغيوب أو من يدعي أنه يعرف ما حوت باريز من علم وأدب وذهب ونشب. ويقول العارفون أن قواعد بلاد الإنكليز السكسونيين كألمانيا وإنكلترا والولايات المتحدة تحسن استخدام أسفارها أكثر من الجنس التوتوني اللاتيني كالفرنسيس والطليان والاسبان وغيرهم إذ ثبت أن تلك الأمم العظمى الراقية أكثر إحساناً للانتفاع من قواها الطبيعية والصناعية على أسلوب حديث لم يخطر ببال الفرنسويين الذين جروا في أوضاعهم وترتيب مصانعهم وتنظيم شؤونهم عَلَى تقاليد لهم قديمة وإن عرف عنهم أنهم أسبق الأمم إلى الجديد ولكن تجديدهم في أمور دون أخرى. والانتفاع من الكتب أيضاً لم يخرج عن هذا النظام حتى قالوا أن نفائس المخطوطات والمطبوعات الموجودة في مكتبة الأمة في عاصمة الفرنسيس لو نقلت إلى ليبسيك أو مونيخ أو برلين أو فينا أو أكسفورد أو مانشستر أو لندرا أو نيويورك أو شيكاغو لانتفع بها وتيسر سبيل الوصول إليها لأنها تكون هناك مفهرسة مبوبة عَلَى طريقة فيها روح القرون الوسطى وقد جعلت هنا على أسلوب قريب المأخذ سهل التناول خال من القيود التي تقيد المطالع والمراجع. فإن كانت فرنسا في مقدمة شعوب الأرض من وجوه كثيرة ولا سيما في الأمور الذوقية وبدائع الصناعات والإصلاحات الدستورية والإنسانية فقد فاقها غيرها من الممالك المجاورة من حيث الفنون والاقتصاد والاجتماع فعرفوا كيف يطبقون أنفسهم عَلَى الذوق العصري. مثال ذلك صناعة الوراقة أو بيع الكتب فإنا نجد ألمانيا أرقى من فرنسا فيها مع كثرة تفنن الفرنسيس فيما يدل على سلامة الذوق حتى أن ليبسيك في ألمانيا تبيع وحدها من الكتب قدر ما تصدر فرنسا كلها ومن الغريب أن الكتبية الألمان في نفس باريز تجدهم أمهر في تصريف كتبهم فيبيعون كمية أوفر من كتبية الباريزيين. جاء في كتاب ألمانيا الحديثة أن ألمانيا أعظم البلاد إصداراً للكتب فقد كانت أوائل القرن الماضي لا تخرج في السنة سوى ٣٩٠٠ كتاب فأصدرت سنة ١٩٠٥ ٢٨٨٨٦ كتاباً في حين أن فرنسا التي في الدرجة الثانية بكتبها لم تصدر سنة ١٩٠٤ سوى ١٢١٣٩ كتاباً فإذا قدّر أنه يطبع من كل كتاب في ألمانيا ألف نسخة فيصيب كل شخص فيها عَلَى أقل تعديل مجلد واحد فصناعة الكتب في ألمانيا رابحة جداً. وقد كان عدد المحال التي تتعاطى تجارتها سنة ١٩٠٥ ٧١٥٢ محلاً تصدر إلى الخارج فقط ما قيمته ٢٩٠ مليون مارك. زرت في جملة الكتبية الذين زرتهم أو ابتعت منهم بعض الكتب مكتبة هاشيت المشهورة في جادة سان جرمان وهي ثلاثة طوابق وفيها نحو ألف وخمسمائة موظف ومستخدم وتطبع فيها بضع جرائد ومجلات كما تطبع الكتب المدرسية والأدبية والتقاويم السنوية المشهورة في العالم وهي مؤسسة منذ نحو ثلاثة أرباع قرن ويعد هاشيت من أعظم كتبية العالم إن لم يكن أعظمهم ومع هذا يقول العارفون أن مكتبته عَلَى حالتها الحاضرة لو كانت لجماعة من الألمان أو الأميركان لأدهشوا العالم بنظامهم وأرباحهم. فكأن دم الفرنسيس الذي على زمناً قد برد اليوم وأصبح الدم الجديد غيره الآن يغلي فيدهش بحرارته. ومن مكتبات باريز المشهورة مكتبة فلاماريون ولمكتبته فروع كثيرة في مدينة باريز وبلاد فرنسا وهذه المكتبة فيما رأَيت أقرب إلى التجديد منها إلى الجمود على القديم. مجامع باريز العلمية ٢٠ عَلَى الشاطيء الأيسر من نهر السين مقابل قصر اللوفر الفخيم قام قصر عظيم عمر في النصف الثاني من القرن السابع عشر بمال أوصى به السياسي مازارين الذي جمع بطمعه وجشعه ثروة عن خمسين مليون فرنك عَلَى عادة عظماء القرون الوسطى. وأراد أن تنفق بعده في الخيرات وحسن الأثر ومن جملة خيراته هذا القصر الذي أوصى له بمليوني فرنك فضة وخمسة وأربيعن ألف ليرة دخلاً سنوياً ليكون منه مدرسة عالية يتعلم فيها ستون طالباً من أبناء الولايات الأربع التي أضيفت إلى فرنسا بموجب معاهدة البيرنيه وروسيللون. وهذا القصر هو الذي نقل إليه مجمع فرنسا العلمي سنة ١٨٠٦ ذاك المجمع الذي أُسس سنة ١٧٩٥ فكان مفخراً من مفاخر الفرنسيس وحق لهم أن يفاخروا به. وهو مجلس أو ديوان مؤلف من خمسة مجامع فالأول المجمع العلمي الفرنسوي المعروف بالأكاديمي أَسسه ريشليو سنة ١٦٣٥ وهو يشتغل خاصة بتأليف معجم اللغة الفرنسوية وإدخال المفردات الجديدة ونبذ القديمة أو إصلاحها وأعضاؤه أربعون رجلاً ويقال لهم المخلدون عَلَى سبيل الدعابة لأنهم إذا خلا موضع واحد بالموت ينتخب سائر الأعضاء في الحال من يخلفه والمجمع الثاني مجمع الصناعات النفيسة أسسه مازارين سنة ١٦٤٨ باسم مجمع التصوير والنقش والمجمع الثالث مجمع الخطوط والآداب أنشأه الوزير كولبر سنة ١٦٦٤ ومجمع العلوم أَسسه كولبر أيضاً سنة ١٦٦٦ ومجمع العلوم الأخلاقية والسياسية أنشيء سنة ١٨٣٢ وجميع هذه المجامع ينتخب أعضاؤها بعضهم بعضاً مدى العمر وينظرون في العلوم الآنف بيانها ويعطون جوائز للمحسنين من المؤلفين والعاملين وبعضها لا يستهان به. وفي باريز مجامع علمية كثيرة غير هذه منها مجمع باستور العلمي مكتشف الميكروب والمجمع الكيماوي ومجمع فتيان العميان ومجمع الزراعة ومجمع البحار ومجمع العيون ومجمع الصم البكم ولكل منها أنظمة وقوانين وأعمال يطول شرحها وأكتفي فقط بوصف جلسة عامة حضرتهاهنا ارى من الواجب من جلسات مجمع العلوم الأخلاقية والسياسية في اليوم الرابع من كانون الأول سنة ١٩٠٩ عقد هذا المجمع جلسته السنوية تحت قبة المجمع وهي القبة التي تجتمع فيها المجامع الخمسة المعددة فيما تقدم اجتماعها السنوي وقدر الجمع بأربعمائة نسمة رجال ونساء. جلسوا على مقاعد من المخمل على ترتيب بديع بحيث يسمع كل واحد منهم ويرى وكان أكثر أعضاءِ هذا المجمع بلباسهم الرسمي فجلس على كرسي الرئاسة المسيو رني ستورم وتلا كما هي عادة هذا المجمع منذ القديم أو منذ إنشائه قائمة بأعمال المجمع منذ اثني عشر شهراً وصفق لمن نالوا جوائز على كتب أَلفوها وأعمال قاموا بها لخدمة الإنسانية وتعليم البائسات وإطعام الجائعات واليتامى والعمي وبين من نالوا الجوائز أربع عقائل عدا من أثنى الرئيس عَلَى أياديهن البيضاء كالأم أرنستين التي أنشأَت معملاً وملجأً في مدينة روان والعقيلة بيكوين التي أنشأَت في باريز ملجأً سمته معمل الجهاز والآنسة دي رشمون التي أنشأَت في مدينة كرنيل منذ أربع وعشرين سنة ملجأً للبنات تأوي إليه أربعمائة ابنة من بنات العملة وأنفقت عليه ثروتها. ومن المعاهد التي أخذ هذا المجمع النظر فيه معهد كارنو وهو الذي منحته العقلية كارنو امرأَة أحد رؤساء الجمهورية رأْس مال يأْتي بثمانية عشر ألف فرنك دخلاً سنوياً وقضت بأن تقسم إلى ٩٠ إعانة كل واحدة بمائتي فرنك توزع كل سنة يوم ٢٤ حزيران وهو يوم مقتل كارنو على تسعين امرأَة من نساء العملة ممن لهن أولاد. ومن جملة الجوائز التي منحها المجمع للمؤلفين جائزة الإجادة لمن أَلف كتاب إفريقية للأوروبيين وكتاب أوربا والمملكة العثمانية. ثم قرأَ المسيو دي نوفيل أمين سر المجمع الجديد ترجمة حياة صديقه وسلفه في هذه الوظيفة جورج بيكو فاثر في السامعين وأبكاهم وتفنن ما شاء وشاء البيان في وصف حسنات المتوفى واقتداره. وكانت الخطب يتلوها أولئك الشيوخ في الورق بنغمة تأخذ بمجامع القلوب ويطرب لها العالمون العاملون طربهم بنغمات الأوتار وتغريد الأطيار في الأسحار. وهكذا انصرف القوم ونصفهم من النساء يرددون محامد أعضاء المجمع أما أنا فتمثات لي أرواح أولئك العلماء العاملين الذين سنوا لمعاصرينا أخلافهم سنن الارتقاء وخدمة العلم والحق والفضيلة والآداب والفنون وحدثتني النفس ببلادنا الشرقية وقلت هل يكتب لها في المستقبل تأليف مثل هذه المجامع فنعمل فرادى ومجتمعين كالغربيين أو نظل كما نحن لا نعمل فرادى ولا مجتمعين ونكتفي بالتفاخر بأجدادنا نجعله عدتنا في شدتنا ومثالنا في نهضتنا ونحن عن اقتصاص آثارهم غافلون. كنائس باريز ومعابدها ٢١ من المعاهد التي يقضى عَلَى من يزور باريز أن يختلف إليها ولو مرة بيعها وكنائسها فإنها من الأماكن التي يقرأ فيها نموذجاً من النموذجات البناءِ في القرون الوسطى ويطلع فيها عَلَى فلسفة الفرنسيس الروحية خصوصاً والمأْثور عنهم في الشرق أنهم أمة لا تقيم لغير العقل وزناً تجردت من العواطف الدينية حتى لم يبق فيها سوى العجائز من النساء يختلفن إلى المعابد للإنابة إلى الله وتقديس يسوع وأمه عليهما السلام. بيد أن من تعمق في البحث عن حال الفرنسويين الروحية يتجلى له أن جمهوراً عظيماً لم يبرح متشبثاً بدينه متشبعاً بصحة يقينه ولا سيما في القرى والبلدان الصغرى فأغلب الخاصة والطبقة العليا عندهم نزعوا كل نحلة حتى لم يعودوا يعرفون غير المادة ديناً وأغلب الطبقة الوسطى يغلب عليها التدين أما العام في المدن فكالسائمة لا تعرف غير الأَكل والشرب واللهو واللذائذ وأكثر أهل طبقتهم في القرى متعصبون لدينهم والسواد الأعظم من النساء متدينات. وتساوى متدينهم والمنحل من كل دين منهم أو الخاصة والعامة بالتظاهر في مراعاة الشعائر الدينية ولا تختل هذه القاعدة قليلاً إلا في المدن والحواضر ولا أثر للتعليم الديني في المدارس الأميرية وهو عَلَى أشده في مدارس الرهبنات وغيرها من المدارس الخاصة عَلَى أن نزعة التعصب التي عرفت بها فرنسا منذ صبأَت عن الوثنية لتنتحل النصرانية في القرن الثالث للمسيح ما برحت لها في نفوس أبنائها حتى في هذا القرن العشرين آثار راسخة وإن عبثت حكومتهم بقانون الحرية الشخصية غير ما مرة ودمرت بيوت الرهبان والنسك وجردت الكنائس والبيع والمدارس الأكليركية من كل ما يدخل في حوزتها. يحتفل الفرنسيس يوم ١٤ تموز بعيد الجمهورية احتفالاً يقدسونه ويمجدونه وفي ذاك اليوم تشهد كل أرض فيها بضعة منهم أو رفع لهم فيها علم نموذجاً من وطنيتهم وكيف يرى جمهورهم بالجمهورية حياته ولكن احتفال هذه الأمة بأعيادها الدينية لا يقل عن احتفالها ذاك اليوم وأعيادها كثيرة هي صورة من صورتها في القرون الوسطى بل في القرون الحديثة قبل أن تنادي فرنسا بتأليه العقل وتعلن الحكومة علناً نزعها ريقة الدين. نعم إن زائر كنائس باريز تتجلى له فلسفة القوم النفسية. ومما زرته من كنائس باريز كنيسة نوتردام والمادلين وعدد الكنائس الباريزية سبعون كنيسة أسقفية للكاثوليك ما عدا بيع الروم والبرتستانت ومعابد اليهود الأربعة وما عدا المصليات والبيع الصغرى ونوتردام هي من أعظم الكنائس وهي أجمل إنموذجات البنايات القديمة تجيء بمكانتها بعد كنيسة مدن شارتر وريمس وأمين وبورج وتفوقها بآثارها التاريخية وكفى بأنها أُنشئت في أوائل النصف الثاني من القرن الثاني عشر ولم تزل تتعاورها الأيدي بالنقش والتزيين والترخيم والتعريق حتى يوم الناس هذا وفيها من بدائع ما صنعت الأيدي وتفننت فيه العقول ما يدهش ويبهر. زرتها قبيل صلاة المساءِ مع صديقي عثمان بك ووقفنا نستمع لوعظ الواعظ عَلَى جمهور المصلين وأكثرهم من النساء. يعظهن واصفاً لهن غرور الحياة الدنيا بالقياس مع الآخرة ومنهن من تغر ورق عيناها بالدموع أو تجهش بالبكاء خصوصاً عندما يذم بلسان بليغ غرور أهل باريز. فهو داخل الكنيسة يقوم بالواجب ليدعو الناس إلى الزهادة ويجيب إليهم العبادة ووراءَ سور الكنيسة تجري كل ساعة شؤون وأعمال دنيوية هائلة كلها ما كانت تقوم لو عمل الناس بمثل هذه المواعظ وآثروا الباقية على الفانية. إن ما رأَيته من انتظام البيع الباريزية وتفنن البانين في إبداعها وتفانيهم في توفير قسطها من الجمال دلني بلسان حاله عَلَى أن مدينة القرون الوسطى قامت باسم الدين ولذلك جاءت المعابد أجمل مصانع تلك القرون وكان أكثرها إلى الزوال لو لم تتدارك في القرون الحديثة ببلسم من إنارة العقول بالفلسفة والعلم المادي أما مدينة هذا العصر فلا أدلّ عليها إلا بما ينفع الناس في دنياهم كالسكك الحديدية والبوارج والبواخر والمرافيءِ والمعامل والثكن والمستشفيات والمدارس والكليات ودور البائسين والحقول الأنموذجية والمتاحف وحير الوحوش والمكاتب ودور التمثيل. فهل يأْتي عَلَى البشر عصر يا ترى يكون فيه ما ينمّ عن مدينتهم غير ما ذكرنا قديماً في الدين واليوم في الدنيا ويخف تكالبهم على مظاهر هذا العالم وينسون بتاتاً تعظيم ما خلفته عصور التدين من المصانع والعبادات التي انتقلت إلى أكثرهم بالعادة أو يمزجون القديم بالحديث فيكون شأنهم غير شأنهم الآن في تصور ماضيهم وحاضرهم. هذه أسئلة ليس غير الزمان كفيلاً بالإجابة عنها والله أعلم بمصير عباده. قصور باريز وسراياتها ٢٢ من القصور العامة وأملاك الحكومة في هذه الحاضرة: مصرف فرنسا وقصر الإليزه حيث يقيم رئيس الجمهورية وقصر الأنفاليد والتويليري وقصر العدلية وقصر ساحة المريخ وقصر التروكادير والقصر الملكي وفيه دائرة شورى الدولة ومحكمة التجارة والبانتيون مدفن العظماء وقصر مجلس النواب وقصر مجلس الشيوخ وقصر المجلس البلدي. ونتكلم هنا عَلَى القصور الثلاثة الأخيرة فقد كتبت لي زيارة مجلس نواب الأمة الفرنسوية ومجلس أعيانها خلال انعقاد المجلسين فلم أسر بمشهد أجمل ولا أفخم وقلما ثمثل لي معنى النيابة عن الأمة إلا ذاك اليوم. ومجلسا النواب والأعيان هما مفخر من مفاخر هذه الأمة ونموذج تقدمها ودليل أخلاقها السياسية ففي مجلس الأمة الحركة والمضاءُ وفي مجلس الشيوخ التؤدة والروية فالأول يقيم في قصر البوربون والثاني في قصر اللوكسمبورغ وكلا القصرين من أجمل قصور الحكومة في هذه العاصمة العظيمة وعدد النواب خمسمائة تغلب عليهم همة الشباب وعدد الأعيان ثلثمائة تقرأْ في وجوههم المغضنة وشعورهم البيضاء سعة العقل والتجارب الكثيرة. وما أنس ولا أنس يوم كانت المناقشة في مجلس النواب في وضع ضريبة على العملة وقد تدفقت أقوال بلابل المجلس عَلَى المنبر وما فيهم إلا الاجتماعي والاقتصادي والأخلاقي والسياسي والإداري. وإن ما تلي في تلك الجلسة فقط من الخطب وجرى الحوار فيه بين الأعضاء لو جمع في كتاب يرأْسه لجاء منه أحسن كتاب اجتماعي اقتصادي عن فرنسا ومن أراد أن يعرف ما هو البيان الحقيقي والعلم الذي تشربته أجزاءُ النفس فليزر مجلس النواب الفرنسوي في فصل اجتماعه يشهد ارتقاء الغرب ويدرك سر الشورى. أما المجلس البلدي فهو معيار العمران وبيده إسعاد باريز وإشقاؤها. يزار كما تزار أكثر المعاهد الكبرى في باريز بطلب من الزائر يقدمه إلى أمين سر المعهد فيرسل هذا إليه ورقة يعين له فيها الميعاد الذي يأْتي فيه. يدخل الزائر هذا القصر المدهش فيتجسم في نظره الذوق الفرنسوي وعظمة هذه الأمة لكثرة ما يقع عليه نظره من الردهات والقاعات والغرف وكلها مزدانة بنقوش وصور ورسوم من أجمل ما خطته أنامل النقاشين والمصورين وتدل كلها على الذوق والمعاني اللطيفة والإشارات الحسنة. فمن رسم يمثل الغناء والعشرة وآخر يمثل الزهور والثمار وغيره يصور أغاني شواطيء السين وآخر يمثل التجارة والصناعة فالأشهر الجمهورية ومناظر كثيرة لأجمل قصور باريز ومعاهدها وأصقاعها وهناك صور رسمت عَلَى الحيطان والسقوف في القاعات التي تستقبل بها مدينة باريز في العادة من يزورها من ملوك الأرض وأمرائها ومنها ما يمثل أفراح الحياة وآخر يمثل العمل ومغيب الشمس والرقاد والحلم وغيرها يريك الطبيعة الملهمة المربية فالرياضيات الطبيعية فالرياضيات العقلية وآخر يمثل الطبيعة والكيمياء والفلسفة والنجوم وفيها ما يمثل المساء في باريز والخيال والولادة فيها والجهاد والنهضة والشعر والفلسفة والتاريخ والعلم والفنون والسلام واليقظة وذكرى عيد وطني وعيد الخلاءِ في ضاحية باريز. وبعضها يمثل أبولون وعرائس الشعر والتصوير والأدب والموسيقى والنقش والهندسة ومنها رمز القصائد الغنائية والأنغام والكدر والتأمل ومن التماثيل ما يرسم التمثيل بالإيماء والقصص الهزلية والموسيقى والرقص والألعاب ومنها ما يصور الحصاد وقطف العنب والغناء والصيد وتعاطي الشراب. ومنها الموسيقى عَلَى اختلاف العصور والطبوب والعطور ومدينة باريز تدعو العالم إلى أفراحها والزهور والرقص في كل عصر من أعصار التاريخ وصور تمثل أهم أقاليم فرنسا مثل الفلاندر وبيكارديا والجزائر وليون ولانكدوك وغاسكونيا والبروفانس وكوسين وبرى وشامبانيا وبرتانيا وبورغونيا وأوفرن واللورين ونورمانديا وكونتية نيس. ومن صورها ما يمثل الصيف ومنها الشتاء ومنها ما يمثل آسيا وأوروبا وأميركا وإفريقية ومنها ما يصور تأليه العلوم وهو رمز لعلم الأحداث الجوية والكهربائية وتعليم العلم وتمجيد العلم وأربع أيقونات تمثل علم الطبيعة والنبات في شخص أراغو وأمبر وكوفيه ولافوازيه. ومنها رمز إلى ساعات الليل والنهار ومشاهد الأفراح والأعياد وفي ردهة الآداب صور ترسم لك عرائس الشعر والإلهام والتفكر وتاريخ الكتابة وأعظم الأعمال الأدبية وأربع أيقونات لأربعة أدباء وهم مولير وديكارت وفيكتور هوغو وميشله ثم صور الفلسفة والشعر والفصاحة والتاريخ وهناك رمز بديع يشير إلى أن التاريخ يجمع دروس الماضي والفلسفة تحرر الأفكار من قيودها وعَلَى مقربة من ذلك رسمان اثنان نائمان وهما يمثلان الأدب وفي سقف ردهة الفنون والنقش والموسيقى والهندسة والرسم وغير ذلك من رسوم الوقائع الكبرى التاريخية والصور والتماثيل التي تشير كل واحدة منها إلى معنى من المعاني وفائدة من الفوائد وكلها من حفر أو رسم أو نقش أعظم رجال هذا الشأْن في العالم ولا سيما من أهل فرنسا جعلت هناك نموذجاً مما خصوا به من المزايا وسعة العلم وبعد النظر وحسن الذوق. وعلى الجملة فإن الشرقي الذي يزور قصر المجلس البلدي في باريز تصغر بلاده في عينه ويكاد ييأس من ارتقائها ونهضة أبنائها. أما أعمال هذا المجلس الذي تبلغ ميزانيته مئات الملايين فلا أقول فيها إلا أنها عظيمة جداً ويكفي أن المجلس طلب من الحكومة هذه الأيام أن تسمح له بعقد قرض قدره تسعمائة مليون فرنك ليطهر بعض أحياءِ باريز فأذنت لأنه ثبت أن بعض الأمراض تكثر في حي دون آخر فالواجب العناية بها حتى لا تعلو يد الفناءِ عليها أما أنا فلم أر على كثرة تجوالي راكباً وماشياً في شوارع باريز وأحيائها موضعاً تحدثك النفس أنه محتاج للإصلاح بعد لكثرة ما ترى كل شيء في مكانه وإن مدينة باريز لتنفق على أضواء الكهرباء والغاز الذي تنير به شوارع هذه المدينة السعيدة كل ليلة ما يبلغ مقدار ميزانية بلدية دمشق طول السنة فتأمل. تاريخ الحضارة الفرنسوية ٢٣ بسطنا القول في الفصول السالفة في كل ما يهم عن معرفة باريز وها نحن أولاءِ نتوخى في هذا الفصل أن نلم بطرف من عمران فرنسا بأسرها وأثرها في الحضارة منذ قامت للعلم والعمل سوق رائجة معتمدين فيما ننقل على معجم لاروس الجديد وما هذه النبذة إلا احتذاءٌ لما ورد في الفصل الفرنسوي بتصرف كثير وزيادات. فرنسا مملكة عظمى في أوربا الغربية يحدها المحيط الأطلانطيقي وبحر الشمال أو المانش من الغرب ومن الجنوب جبال البيرنيه والبحر المتوسط ومن الشرق جبال الألب والجورا والفوسج ويفصل بينها وبين البلجيك وألمانيا خط اتفق عليه من الشمال الشرقي والشمال ومجموع مساحتها ٥٣٦.٤١٨ كيلومترات مربعة وسكانها نحو أربعين مليوناً أي نحو أربعة أضعاف ونصف مساحة سورية ومساحة سورية ١١٥.٠٠٠ كيلو متر مربع والفرنسيس كجميع سكان سوريا أخلاط من العناصر مزجتهم بودقة واحدة فجاء منهم شعب ذي قوة عقلية حقيقية واختلفت صفاتهم وميولهم لمذاهب المعاش وإن فرنسا لغنية بزراعتها أكثر من غناها بمناجمها ومع هذا فهي تعد من أغنى البلاد وزراعتها أرقى زراعة في الأرض و. . . في أرضها الذهب والفضة والزئبق والنحاس والزنك والرصاص والقصدير والزرنيخ والنيكل والأنتيموان والكبريت ولكن عندها ما يلزمها من الحديد والفحم الحجري. وإنك لتدهش إذا عرفت أن جزئين من ثلاثة عشر جزءاً من أرضها تزرع وتشجر وفيها نحوة عشرة ملايين هكتار من الغابات والعوسج ولها في تربية المواشي والحيوانات يد طولى وتجد المعامل الكبرى قائمة في الضواحي الغنية بالفحم الحجري والحديد والمحاصيل الزراعية القابلة للتحول وقد امتاز كل إقليم بصناعة وباريز هي ملكة المدن الصناعية في فرنسا لأنها محط الخطوط الحديدية ومنتهى المواصلات. امتازت الجنوب بصناعاتها لكثرة الفحم الحجري وكثرة السكان وفيها صناعات اشتهرت شهرة الشمس والقمر كما امتاز إقليم الآردن بالجوخ وأعمال الحديد والألواح الحجرية وامتاز إقليم شامبانيا ونورمانديا بالجوخ وأعمال الحياكة والنسيج وإقليم فرانش كونتيه بعمل الساعات وليون وسان إتين بالمنسوجات الحريرية وامتازت المقاطعات المجاورة لها بتربية الحرير والغزل وامتازت البلاد الوسطى بالفخار والخزف والصيني والكاشاني وفي ضواحي الكمولم عَلَى الينابيع ذات المياه الشفافة معامل الورق ولمرسيليا الميزة بصابونها ولإقليم البروفانس بزهوره العطرة التي تستعمل في الطيب وعَلَى الجملة فإن صناعات فرنسا من أنفس ما تصنع صنع الأيدي في العالم ولا سيما في منسوجاتها الحريرية وصناعة الجوهرية والبلور والأواني الصينية الدقيقة وكلها مما جعل فرنسا في مقدمة ممالك أوربا. تقسم فرنسا من حيث أمورها الإدارية إلى ٨٧ إيالة وهذه تقسم إلى ٣٦٢ ولاية و ٢٨٩٩ كورة و ٣٦١٧٠ مديرية ولها مجلس نواب ومجلس شيوخ ينتخب أعضاء الأول كل أربع سنين وأعضاء الثاني كل تسع سنين وهذان المجلسان هما اللذان ينتخبان رئيس الجمهورية لسبع سنين والقوة الإجرائية بيد الوزارة وهي المسؤلة أمام القوة التشريعية وتقسم هذه البلاد من حيث المعارف والأديان والبحرية والبرية إلى مناطق كثيرة تخالف ترتيب الإيالات وكلها لسان واحد وتربية تكاد تكون واحدة ونظامها واحد. ومن نظر إلى تاريخ فرنسا السياسي والاجتماعي يتجلى له أنها هي بلاد غاليا المستقلة وهي عبارة عن ولاية رومانية عَلَى عهد مملكة الرومان افتتح الرومانيون منذ سنة ١٢٥ قبل المسيح البلاد الواقعة عَلَى شواطيء البحر المتوسط ثم افتتح قيصر البقية سنة ٥٨ — ٥١ ق. م ولم تكن إذ ذاك إلا خليطاً من العناصر والقبائل لا وحدة بينها ولا جامعة تجمعها ففي الشمال قبائل جرمانية وفي الوسط سلتية وفي الجنوب الغربي إيبرية وفي الجنوب الشرقي ليكورية وفي الولايات الرومانية مدن يونانية ومستعمرات إيطالية يتكلمون بنحو عشر لغات مختلفة ولم تكن لهم وحدة سياسية ولا رئيس أعلى بل كانوا عبارة عن نحو مئة من الشعوب لهم أوضاع مختلفة ويحكم عَلَى معظمهم مجلس شيوخ ومن هذه الشعوب من يعيش عَلَى حال انفراد ومنها متحدة بينها عَلَى التساوي ومنها من يشترك مع غيره ويترك الزعامة لمن يراه أحق بها. وكانت المدن قليلة جداً في بلاد غاليا وغاية ما كان فيها ملاجيءٌ لأوقات الغارات وهي مراكز الأسواق والزيارات فبلاد غاليا كانت بلاداً زراعية وسكانها ثلاث طبقات الأشراف والمحاربون ومنهم ينتخب أعضاء مجلس الشيوخ والملوك والفرسان وعامة الشعب كانوا فدادين تقرب حالهم من العبودية ولم يكن يملك الأراضي ثم أصبحت ملكاً للأسرات الشريفة أما الحراثون فهم من توابع الأرض ويجيءُ بعدهم العبيد ويعدل من حال الأشراف طبقة الدرويد وهم الكهنة والأطباء والمنجمون والقضاة ولا سيما في أوسط البلاد. ولما استقام أمير الرومانيين أقاموا زعيماً عاماً على البلاد ممتعاً بالسلطة المطلقة متصرفاً بالقوة الحربية والمدنية والدينية ونعني به الإمبراطور وهو زعيم الحرب والمشرع المطلق والقانون الحي والرئيس الروحي والرب ثم امتزجت البلاد بالعادات الرومانية واللغة الرومانية بما أتاها من جيوش الرومان وتحرفت لغة الفاتحين فأصبحت اللغة اللاتينية الحقلية وغدت كل أمة غالية مقاطعة برأْسها يرأَسها زعيم وأخذت التجارة والصناعة ترتقي ولولا أنه كان من حق المالك أن يبيع الأرض بفلاحيها وهو الحاكم المتحكم في حياتهم ومماتهم لركن الفلاحون إلى الفرار. ولما أخذت النصرانية بالانتشار كانت قاصرة على المدن ولم تتعداها إلى الأرياف إلا بعد زمن وكان من فوائد انتشارها أنها أعلنت بأن الأحرار والعبيد سواءٌ أمام الله هذه هي الفائدة الأخلاقية أما الفائدة السياسية والاجتماعية فقد نشأَ منها تأليف طبقة رجال الدين بنظامهم الذي أخذوه عن نظام الحكومة ولم يمض إلا زمن قليل حتى أصبحت الكنيسة حكومة وسط حكومة تجبي أموالاً من الناس ويغدق المؤمنون وأحياناً الإمبراطورة عليها من المال ما تكوّنت منه ثروة طائلة وتعفى أملاكهم من الخراج كما يعفى خدمتها من المحكمة مع الشعب بل كثيراً ما يحاكم الشعب نفسه في الكنيسة ولطالما كان الأسقف في ابرشيتة خصماً للحاكم السياسي ورقيباً عتيداً عليه. ولما سقطت المملكة الرومانية تجزأَت غاليا إلى عدة ممالك بربرية كالفرنك والبورغوند والفيزغوت وعادت كلمة البلاد إلى الانتشار بعد الاجتماع ولم يكن ملوك الفرنك يدركون معنى الوحدة كسائر الملوك البرابرة ولا يقيمون للحكومة وزناً ولئن يلبسون الثياب الأرجوانية ويضعون التيجان عَلَى رؤوسهم كإمبراطور الرومان إلا أنهم لم يكن لهم جيش دائم وليست لهم طريقة منظمة في الجباية كما أن اللغات في البلاد تعددت وكلها لهجات من أصل روماني تمازجها لهجات بربرية وعادت سلطة الأشراف وسلطة رجال الدين تقرى حتى لم يعد يعترف السواد الأعظم من الناس بالزعامة عليه إلا لهم ومنهم يطلبون الإنصاف ولهم يدفعون الجزية والخراج وخربت المدن وهاجر رؤساء الجيش والأديار إلى الحقول وضعفت الصناعة والتجارة باختلال الأمن في البلاد وكاد الفلاح يكون عبداً لسيده كما في سابق الأعصار وفي اليمين الذي أقسم سنة ٨٤٢ في ستراسبورغ ظهرت لأول مرة لغة اشتقت من اللاتينية المستعملة عند الفلاحين ومنها نشأت اللغة الإفرنسية وفي معاهدة فردون سنة ٨٤٣ اعترف بوجود مملكة فرنسا وعاصمتها باريز. وما زالت الملوك تتوالى عليها وتختلف في المباديء والأطوار حتى قبيل نهاية القرن الثامن وقد حسنت فيه حال الفلاح الفرنسوي وزاد عدد المالكين من أبناء القرى زيادة مهمة وارتقت الصناعة والتجارة عَلَى ما كان يقف في سبيلها من القيود الكثيرة والأنظمة المنوعة وارتقت الأدبيات وتحررت من قيودها القديمة وأخذت الفلسفة تبحث في التسامح الديني والحرية والسياسية وإصلاح القوانين الجنائية وتمايز الطبقات الاجتماعية وعارض مونتسكيو نظرية أن الملك ملهم من الله وحقه إلهي عَلَى سكان الأرض بنظرية الحكم الملكي النيابي ووضع روسو نظرية العهد الاجتماعي. نبهت البارلمانات في مكافحتها سلطة الملوك سنة ١٧٨٨ أفكار وكلاءِ الشعب فبدأَت الأمة ترفع صوتها وكان الملوك يخفتونه ولا يرون لها حقاً في مطالبتها بحق واتفق أن وقعت البلاد في عسر مالي فاجتمع وكلاءُ الأمة ينظرون في حل ما أصابهم فنشأَت بعد حين الثورة الأولى ١٧٨٩ وأعلن لويز الرابع عشر أن الأمة كلها للملك ولكن جاء في قانون حقوق الإنسان والوطني أن مبدأَ كل سلطة ينبعث من الأمة بجوهره فما من جماعة ولا من شخص يستطيع أن يحكم حكماً لا يكون صادراً عنها بالفعل وهكذا مات حق الملوك الإلهي المزعوم وأتت الثورة عَلَى أعشار رجال الدين والإقطاعات والسخرات والأحكام التي يحكمها أرباب الإقطاع وساوت بين الناس في الواجبات والضرائب وقضت على قليل الكفاءة من أرباب الغنى أن توسد إليه الوظائف الكنائسية والحربية بدون استحقاق وحمت الحرية الشخصية وحرية الضمير وحرية التكلم والكتابة وحرية المسكن وتساوي كل وطني من أكبر كبير إلى أصغر صغير في الخدمة العسكرية ودفع الضرائب كل بحسب طاقته وثروته. هذا موجز الأساس الذي قام عليه بناء النظام الجمهوري ثم عراه قليل من التعديل بتقلب أنواع الحكومات وقيام بعض الأدعياء بالملك إلى عهد الجمهورية الثالة بعد حرب السبعين مع ألمانيا وعندها استقرت الحال عَلَى ما تراها إلى اليوم. أما نشأَة الآداب والعلوم فلكل منها تاريخ ويقال على الجملة أن اللغة الفرنسوية هي بنت اللغة اللاتينية تكوّنت عَلَى صورة غريبة إلى أن وصلت في عشرين قرناً إلى حالتها وكانت أدبياتهم دينية لأول أمرها وبعضها شعري ونثري وأكثرها خرافي ولم تخلص اللغة من القيود العائقة إلا في القرن السابع عشر والثامن عشر والتاسع عشر. وتاريخ العلم ونشؤُه فيها طويل كتاريخ الأدب ويقال على الجملة فيه أن مرسيليا كانت مدة قرون منبعث العلم الوحيد في بلاد غاليا واشتهرت مدرستها كما اشتهرت كليات آثينا وكلية الإسكندرية وكان بيتياس أحد أبنائها الذي ولد نحو سنة ٨٣٠ قبل المسيح لا يقل عن أعاظم الفلكيين في القديم وكانت بيوت العلم تفتح عَلَى العهد الروماني في البلاد المهمة والتعليم فيها عبارة عن مباديء عملية من الحساب والمساحة والبناء ثم جاء دور الانحطاط التام فأصيب الغرب بغارات البربر ولم تخرج فرنسا من ظلماتها الفكرية إلا بعد ثمانية قرون بفضل العرب وبينما كان التمدن الإسلامي بالغاً أوجه كانت العلوم منحطة كل الانحطاط في أرض فرنسا. ولم ينتشر الطب والصيدلة في فرنسا إلا بمساعي أطباء اليهود الذين طردهم المسلمون من آسيا الصغرى في القرن الحادي عشر فاعتصموا باسبانيا أولاً ثم بإقليم لانكدوك حيث أَسسوا عدة مدارس ومن جملتها مدرسة مونبليه. وهذا كان مبدأَ انتشار العلم في هذه الأرض. فمن العرب أخذ الفرنسيس فيما مضى حضارتهم ونحن العرب اليوم نأخذ عنهم وندهش بحضارتهم فسبحان المعز المذل القابض الباسط. الصحافة الباريزية ٢٥ نشأت الصحافة هنا في مبدأ أمرها بنشر أخبار الملوك والوزارت والموظفين والحروب والدول ثم ارتقت بارتقاءِ المدارك إلى أن صارت تلم بمعظم الموضوعات التي تهم القراء وتعلمهم وعلى عهد الثورة اشتد ولوع الناس بالاطلاع على الحوادث والآراء السياسية وإلى هذا العهد ظلَّ الصحافي في وراء منضدته يكتب ليفيد مثل الأستاذ عَلَى منبره والواعظ في معبده لا يقصد إلا تثقيف عقل وتربية النفس. ولما تكالبت النفوس على المال واتسع للصحافة المجال بكثرة المواصلات والبرقيات وأخذت التجارة ترقى دخلت الصحافة في طور جديد فبعد أن كانت هي خادمة لتجارة أصبحت هي بنفسها تجارة لا يقصد منها إلا الربح وأول من أنزل أجور اشتراكاتها إميل جيراردين مؤسس جريدة لابريس سنة ١٨٣٦ من ٨٠ أو ٦٦ فرنكاً قيمة الاشتراك بالجرائد الكبرى إلى ٤٠ فرنكاً وهي قيمة زهيدة لا تعادل النفقات أنزلها ليكثر قراؤها وإذا كثر قراء جريدة أقبل الناس عليها بإعلاناتهم ومنشوراتهم فاستطاعت بعض الصحف أن تعيش مستقلة عن معونة الأفراد والحكومة والأحزاب. ولكن هذا الاستقلال وإن لم يكتب لها كلها إلا أن سعيها وراء الإعلانات وخدمة الشركات والبيوت المالية قيدها أكثر من قبل بل أخرجها عن المقصد منها حتى صارت العشرون الجريدة الكبرى الباريزية اليوم عبارة عن سمسار لا يهمه إلا أن يقبض العمالة من البائع والشاري وغدت الجريدة من مقالتها الافتتاحية إلى أنبائها البرقية فرفرف قصصها وتقاريظ الكتب والحوادث الداخلية والخارجية والأنباء المنوعة والمقالات الأدبية والاقتصادية والسياسية والإعلانات والمنشورات وغير ذلك مما تخوض الصحف عبابه مثل أخبار دور التمثيل والرياضيات البدنية والسباق لا ينشر منها اسم ولا سطر إلا قبل أن يذهب صاحبه الذي يهمه وينقد أمين صندوق الجريدة مبلغاً معلوماً عنه وعند ذلك ينشر له من الأفكار والمحامد ما يشاء وتشاء الأهواء. فإن كتبياً أو طابعاً لا يقدر أن ينشر كتاباً طبعه إلا إذا انتقده كاتب أو عالم كبير وهذا إذا فرض أنه رضي بأن يخدمه بالمجان يسأَله مدير الجريدة عن ربح الإدارة من ذلك. فمقالة في تقريظ كتاب قد تكلف الطابع ألفي فرنك يأخذ نصفها كاتبها الموقعة باسمه والنصف الآخر مدير الجريدة ومثل ذلك يتناولون من المصوريناعنمدنا في معظم هذه المقالة والموسيقيين والممثلين والراقصات والعقيلات والآنسات والأعاظم والأصاغر لا تدون أسماؤهم بالطبع قبل أن يرشوا إدارة الجريدة بمال ترتضيه وكل ما تراه من أخبار الدعوات والرياضيات والمآدب ووصف الأزياء مع بائعات الزهور والجوهريين والخياطات والخياطيين يدفعه أرباب المأدبة وتجار هذه الأصناف بل أن أخبار الأعراس والأفراح وأخبار المناعي والأموات لا تكتب إلا لمن تؤخذ منه أجرتها والأعمال الأدبية مهما بلغ من مكانتها لا تذكر بكلمة قبل أن يدفع صاحبها جعالة لقاءَ ذكر اسمه وهناك الماليون وأرباب التجارة يريدون أن يعبثوا بحوالة الأسواق ويعرفون أن السياسة تؤثر كثيراً في أعمالهم فيعمدون إلى ابتياع الجرائد لتكتب في السياسة عَلَى هواهم فيرفعون الأسعار يوم يريدون الرفع ويخفضونها كذلك بمالهم بواسطة هذه الجريدة من التأثير في الأفكار العامة ومنهم من يبتاع من الجرائد كلامها كما يبتاع منها سكوتها فدار اللعب في إمارة موناكو تدفع مشاهرات إلى جميع الصحف الكبرى لتسكت عما يحدث فيها من ضروب الانتحار والخراب والنجائع التي تنشأ من المقامرة كما تدفع مبالغ جسيمة أيضاً في أوقات معينة لتأخذ الصحف في حمد مرافق مونتكارلو ونزلها ودور تمثيلها وسواحلها وصفاء العيش فيها. وإن أعظم علماء الاقتصاد لا تنتشر له مقالة في موضوع مالي قبل أن يوافق عليها المصرف الذي ابتاع من تلك الجريدة روحها المالية ليصرفها كما يشاءُ وبعد حادثة بناما التي ظهرت فيها رشاوي الصحف الإفرنسية لم يعد يقدر الإنسان أن يقرأَ سطراً في شأن مالي في جرائدهم إلا ويشك فيه. وهكذا أصبحت الصحافة الباريزية مقيدة في صورة حرة مطلقة ففي وسعها أن تصرب في كل ما تريد وتنزع كل أَساس وتهاجم كل موضوع وتغتاب كل امريءٍ وتنم عن كل عمل وتفتات عَلَى كل فرد ولا يحظر عليها إلا شيءٌ واحد وهو أن تكشف الغطاء عن الأسرار المالية فإذا فعلت يحكم عَلَى الكاتب والناشر والجريدة بأشد عقوبات العطل والضرر وكذلك إذا دلت عَلَى الطرق الاحتيالية التي يعيش بها المحل الفلاني منذ سنين. وعَلَى ذلك فالجرائد هنا يجب أن لا تقرأ إلا بحذر شديد حتى مقالات لها في الكيمياء أو التاريخ فإنها لا تنشرها إلا ولها منها مآرب يظهر بعد أعمدة من نفس العدد أو في عدد تال. وخف كل الخوف من الصحف التي تخدم الأحزاب جهازاً فإن هذه تقلب الحقائق الناصعة وتجسم الحوادث أو تضعفها بحسب هواها وتستعمل من السفسطة ما يضحك ويبكي. فكأن الصحافة الباريزية جعلت لقلب الحقائق لا لقدر أن تسقط فيها عَلَى حقيقة خالصة من الشوائب فهي تزيد إلى ضعف البشر الطبيعي وغلطهم وخطأهم أموراً تأتيها بذاتها بالقصد لتحريف الحق وتشويهه فمنها ما يخضع لحكومة في كل ما يكتب ومنها ما يخضع للأحزاب وكلهم خاضعون لزبنهم وكثير منهم يقولون كل ما يريدون عَلَى شرط أن يحسن المرءُ دفع المطلوب منه. فقد قيل أن الرياء تكريم الرذيلة للفضيلة والصحف الفرنسوية تكرم الحقيقة من هذا النوع أي أنها هي الرذيلة. هذا ما اقتبسته من فكر الكاتب الفرنسوي في هذا الباب وصاحب الدار أدرى بالذي فيه وقد أجمع العقلاء الذين لقيتهم من أهل العلم والمطبوعات وغيرهم عَلَى أن الصحافة الفرنسوية كلها ترتشي وتلفق في أحاديثها وتكذب في رواياتها ما عدا جريدة لاومانيته أي الإنسانية وهي لجوريس أحد زعماء الاشتراكيين تعيش من وارداتها الشرعية ولا تسفّ لتناول رشوة من أحد وإن الصحافة الإنكليزية أشرف غاية وأنبل قصداً وأكثر مادة وأوسع مصادر أما أنا فعللت هذا التصريح من أصدقائي الفرنسويين بأن إنكلترا هي أرقى الأمم بأخلاقها والأخلاق هي معيار الأمم والجرائد مرآتها. ومن الصحف الباريزية ما يصدر صباحاً وأكثرها جرائد لا تهتم بالمسائل السياسية بل بالأمور المالية والحركة الأدبية كدور التمثيل والخطب وغيرها أما جرائد المساء فأكثرها يهتم بالسياسة فالطان والديبا من الجرائد المسائية والجورنال والماتين والبتي باريزين والبتي جورنال من الجرائد الصباحية والجرائد طبقتان قسم لعامة القراء وهي التي ينادي عليها المنادون في الشوارع بأعلى أصواتهم وتباع في كل مكان فيقرأها البواب والحوذي والمساح والكساح وسائق الأتوموبيل والشرطي والمرتزق وبعض التجار وذلك ككثير الجرائد الصباحية وقسم للطبقة العالية وأبحاثها لهم بالطبع مثل الطان والديبا والغولوا والفيغارو وهذه لا ينادى عليها وتباع بثمن أغلى فالطان يبتاع عددها بثلاثة فلوس أو خمسة عشر سنتيماً في حين تباع تلك الجرائد العامية بفلس واحد وهي أكبر حجماً وأوسع مادة من هذه ولكن شتان بين مادة ومادة وحجم وحجم. وجريدة الطان هي الجريدة الوحيدة التي تعنى كثيراً بأخبارها هذا الشرق الأدنى خاصة والسياسة الشرقية عامة وهي جريدة وزارية تقدس كل وزارة تأْتي وهذه بالطبع تعطيها أخباراً وربما أمدتها بمعونة مالية وهي لا تذيل المقالات السياسية والإخبارية بأسماء كتابها على عادة معظم الجرائد السياسية وبذلك قد يقع لها أن تؤيد اليوم في مقالتها الأولى فكراً مخصوصاً ثم يجيءُ كاتب آخر من الغد في نفس ذاك المكان من الجريدة فيضعف ذاك الرأْي بعينه وينتقده. وأعرف الجرائد بالشرق عَلَى التحقيق هي هذه وربما كانت جريدة الإيكو دي باري من جرائد الصباح أكثر منها مادة برقية إخبارية عنه بدون تعليق على الحوادث. ومقالات الطان عن السياسة الشرقية تتناقل لأنها أقرب إلى الثقة والتعقل من غيرها ومع هذا تؤخذ بكل حذرٍ شأننا مع عامة الصحف الإفرنجية التي تقول الحق ولكن إذا صادف هوى لها وهيهات أن تقوله بدون عوض. ولقد كنت أظن جريدة الديبا وحدها ترتشي من السلطان عبد الحميد المخلوع ولكن علمت هنا أن الطان أيضاً عَلَى ما فيها من الغمز واللمز بالدولة كانت لا تستنكف من قبض الخمسة آلاف ليرة من أعوان ذاك السلطان لتكتب على هواه يوماً لعلم المخلوع بمكانة أقوالها في الأندية السياسية. وأنواع الجرائد هنا كثيرة ومنها اليومي الذي لا يكتب إلا في موضوع واحد مثل جريدة كوميديا وهي تبحث في دور التمثيل والقصص التمثيلية والفاجعات وغيرها ومنها جرائد للسباق مثل جريدة الأوتو وهي لنشر أخبار سباق الحوافل الأتوموبيل وغيرها من أنواع السباق ومن جرائدهم ما هو خاص بتأجير الأملاك والعقارات ومنها الخاص بطلاب الزواج وطالباته ومنها للأزياء وأخرى للعطور والطيوب ومنها للأخبار الخلاعية ولكنها مقصورة على طبقة خاصة تطبع سراً وتوزع كذلك وإذا رآها الشرطة صادروها وأنزلوا العقوبة الشديدة بكاتبها وبائعها ومشتريها. أما تنظيم إدارات الجرائد الكبرى فهو الغاية ولا سيما الأمهات منها مثل الماتين وهي في أعظم جادة وبنايتها أجمل بناية وآلاتها الطابعة أحسن الآلات فيها اثنتا عشرة واحدة تطبع الواحدة مئة ألف نسخة في الساعة زرتها مع زهاء سبعين رجلاً وامرأَة رأيتهم سبقوني إلى زيارتها فما رأَيت نظاماً أتم ولا استعداداً استوفى من الكمال أوفى القسم ومن أحسن ما قرأتهمما كتب فوق غرف المحررين خلق المحرر ليكتب فلا تشغله فيما لا يعنيه وزرت أيضاً إدارة البتي باريزين وهي دونها في الاستعداد وإن لم تكن دونها في الانتشار والنفاد. تربية البنات كم ذا يكابد عاشق ويلاقي في حب مصر كثيرة العشاق إني لأحمل في هواك صبابة يا مصر قد خرجت عن الأطواق لهفي عليك متى أراك طليقة يحمي كريم حماك شعب راق كلف بمحمود الخلال متيم بالبذل بين يديك والإنفاق إني لتطربني الخلال كريمة طرب الغريب بأوبة وتلاق ويهزني ذكر المروءة والندى بين الشمائل هزة المشتاق ما البابلية في صفاء مزاجها والشرب بين تنافس وسباق والشمس تبدو في الكؤُوس وتختفي والبدر يشرق من جبين الساقي بالذ من خلق كريم طاهر قد مازجته سلامة الأذواق فإذا رزقت خليفة محمودة فقد اصطفاك مقسم الأرزاق فالناس هذا حظهُ مال. وذا علم. وذاك مكارم الأخلاق والمال إن لم تدخره محصناً بالعلم كان نهاية الإملاق والعلم إن لم تكتنفه شمائل تعليه كان مطية الإخفاق لا تحسبن العلم ينفع وحده ما لم يتوج ربه بخلاق كم عالم مد العلوم حبائلاً لوقيعة وقطيعة وفراق وفقيه قوم ظل يرصد فقههُ لمكيدة أو مستحل طلاق يمشي وقد نصبت عليه عمامة كالبرج لكن فوق تل نفاق يدعونه عند الشقاق وما دروا أن الذي يدعون حلف شقاق وطبيب قوم قد أحل لطبه ما لا تحل شريعة الخلاق قتل الأجنة في البطون وتارة جمع الدوانق من دم مهراق أغلى وأثمن من تجارب علمه يوم الفخار تجارب الحلاق ومهندس للنيل بات بكفه مفتاح رزق العامل المطراق متعنت تندى وتيبس كفه بالماء طوع الأصفر البراق لا شيء يلوي من هواه فحده في السلب حد الخائن السراق وأديب قوم تستحق يمينهُ قطع الأنامل أو لظى الإحراق يلهو ويلعب بالعقول بيانهُ فكأَنه في السحر رقية راق في كفه قلم يمج لعابه سماً وينفثه على الأوراق يرد الحقائق وهي بيض نصع قدسية علوية الإشراق فيردها سوداً عَلَى جنباتها من ظلمة التمويه ألف نطاق عريت عن الخلق المطهر نفسه فحياته ثقل عَلَى الأعناق لو كان ذا خلق لأسعد قومهُ ببيانه ويراعه السباق من لي بتربية النساءِ فإنها في الشرق علة ذلك الإخفاق الأم مدرسة إذا أعددتها أعددت شعباً طيب الأعراق الأم روض أن تعده الحيا بالري أورق أيما إيراق الأم أستا الأساتذة الأولى شغلت مآثِرهم مدى الآفاق أنا لا أقول دعوا النساء سوافراً بين الرجال يجلن في الأسواق يدرجن حيث أردن لا من وازع يحذرن رقبته ولا من واق يفعلن أفعال الرجال لواهياً عن واجبات نواعس الأحداق في دورهن شؤونهن كثيرة كشؤون رب السيف والمزراق كلا ولا أدعوكم أن تسرفوا في الحجب والتضييق والإرهاق ليست نساؤكم أثاثاً يقتنى في الدور بين مخادع وطباق تتشكل الأزمان في أدوارها دولاً وهن عَلَى الجمود بواق فتوسطوا في الحالتين وانصفوا فالشر في التقييد والإطلاق ربوا البنات عَلَى الفضيلة أنها في الموقفين لهن خير وثاق وعليكم أن تستبين بناتكم نور الهدى وعَلَى الحياء الباقي مطبوعات ومخطوطات معذرة إلى المؤلفين والطابعين الذين أهدونا مؤَلفاتهم لنتكلم عليها في هذه المجلة فعاقت الأحوال التي طرأَت علينا دون القيام بما اعتدناه في السنين السالفة من التوسع في نقد الكتب وتقريظها والمبادرة إلى النشر في حينه ولذا نرجوهم أن يعذرونا عَلَى إيجاز القول ونعدهم بأن كلامنا يكون من قابل أطول نفساً وأوسع مادة. وها نحن أولاءِ نبدأُ بجملة مما كتب في الغرب على الشرق أو نشر في ديار الغرب من علوم الشرق ثم نتبعه بما صدر من المصنفات الجديرة بالنظر في هذا الشرق الأقرب ونستميح عذراً ممن تفضلوا بإهدائنا ما عربوه من القصص ونشروه من الروايات عَلَى إغفال ما نشروه لأن المجلة لا تشير إلا إلى المصنفات التي توافق موضوعاتها في الأدب والاجتماع والعلم وتعنى بما يصنف رأْساً في الأدب أكثر من عنايتها بما يعرّب فيه كما أنها تعنى بالكلام عَلَى ما يكتب أو يعرب في الاجتماع والعلم عَلَى حد سواء الشرق الإسلامي الشرق الإسلامي كتاب بالألمانية نشره المسيو مارتين هرتمن من علماء المشرقيات وهو ممن يهتمون بمستقبل العرب وكتابه قسمان قسم في تاريخ العرب وينقسم إلى ثلاثة أقسام العربية القديمة والعربية الوسطى والعربية الحديثة واعتمد في سرد التاريخ على الآثار أكثر من النقول التي لا ينهض دليل تطمئن النفس ومتى فقدت المادة التاريخية فليس من تاريخ وخص كلامه عَلَى اليمن لأن ما اكتشف من آثارها الحجرية يسهل البحث في تاريخها وقال أن اليمانيين كانوا شعباً رحالاً ولم يكونوا عرباً كما يفهم من معنى هذا اللفظ في القديم إذ كان معناها البدو أو سكان البادية وما قط كان العرب الرحالة كثار العدد ومن الغلط أن يقال أن القفر كان مادة حياة المدن القريبة منه في سكانه. وقد كان الأشراف في اليمن وهم الأذواء أي ذو يزن وذو رعين وغيرهما هم المحتكرون للتجارة والسواد الأعظم من الأهلين ينقسمون إلى قبائل يخضعون للأشراف ويعيشون بالزراعة وانتشرت الديانة اليهودية في اليمن إلا أنها كانت قليلة البقاء كما أنها لم تطل أيامها في جزيرة العرب وقد أسقط الحبشة دولة ذي نواس وتكلم المؤَلف عَلَى الأسرة والزواج والقبائل وشرح حالة جنوبي الجزيرة العربية من حيث زراعتها وتجارتها وآثارها وديانتها وقال أن أفكار البابليين قد انتشرت في العالم الشرقي كله وأن نهضة البلاد العربية لا تتم إلا بمد الخطوط الحديدية وإنشاء الكليات الإسلامية. تاريخ الإسلام نشر المسيو ليون كايتاني من أشراف إيطاليا والمشتغلين بالعلم فيها الجزء الثاني من هذا التاريخ تاريخ الإسلام الضخم بالإيطالية وهو يحتوي عَلَى تاريخ ١٢ سنة من الهجرة أي في أوائل الفتوحات الإسلامية ويقول من درسوا هذا التاريخ أنه من أكمل ما أُلف في تاريخ الإسلام حتى الآن. الخطاطون والمصورون في الشرق الإسلامي الخطاطون والمصورون في الشرق الإسلامي نشر المسيو كليمان هوار من علماء المشرقيات باللغة الإفرنسية كتاباً في هذا الموضوع ذكر فيه الخطوط العربية ومنشأها ونشوءَها وجعل الخطوط طبقات بحسب ترتيب سني الخطاطين فقال أن الأصل في الخط العربي الكوفي المأْخوذ من الخط السرياني والنبطي ثم قام ابن مقلة فأسس الخط الأول وجاءَ بعده ابن البواب وياقوت المستعصمي ثم قام الأساتذة السبعة في الخط في آسيا الصغرى سنة ١٥٢٠ ورأسهم الشيخ حمد الله بن مصطفى البخاري نديم السلطان بايزيد الثاني. أما تذهيب الكتب فغير معروف فإن قصر الأمويين المعروف بقصر عمرة الذي اكتشف حديثاً قد وجد فيه صور من أصل بزنطي مثل التي تزدان بها المخطوطات العربية القديمة. كتاب بغداد نشر الدكتور كللر من علماء المشرقيات السويسريين الجزء السادس من تاريخ بغداد لمؤَلفه أحمد بن أبي طاهر طيفور من أهل القرن الثالث للهجرة وهو في سيرة المأْمون بدأه بحوادث سنة ٢٠٤ وختمه بحوادث سنة ٢١٨ ففيه ذكر الوقائع الأخيرة من عهد هذا الخليفة الكبير وليس فيه شيءٌ زائد عما عرف من حال ذاك الدور السعيد عَلَى نحو ما ذكر في مطولات التاريخ ولكن فيه فوائد غيرها مثل ترجمة بعض رجال المأْمون ككاتبه أحمد بن يوسف ويقول ناشره — الذي استنسخه وطبعه على الحجر وقدم له مقدمة باللغة العربية تبين الغرض من نشره — أن ابن جرير أخذ عن ابن أبي طاهر ما يتعلق بتاريخ المأمون وفي ذلك نظر. تاريخ حكام مصر نشر المستر كونيج من علماءِ المشرقيات الأميركيين تاريخ أبي عمر محمد بن يوسف الكندي وهو تاريخ القرون الثلاثة الأولى للهجرة ومرجع من أحسن المراجع في تاريخ الصدر الأول في وادي النيل لقرب مؤلفه من الوقائع. تاريخ قضاة مصر نشر المستر كوتهيل أستاذ اللغة العربية في جامعة كولمبيا الأميركية تاريخ قضاة مصر للكندي الذي اعتمد فيه عَلَى كتاب عبد الرحمن بن عبد الحكيم في كتابه فتوح مصر وأتمه أبو الحسن أحمد بن عبد الرحمن بن برد إلى سنة ٣٦٦ هـ وأوصله مؤَلف مجهول إلى سنة ٤٢٦ . ولاية بغداد ولاية بغداد هو كتاب في ٣٣٨ صفحة طبعه بالعربية حبيب أفندي شيحة وفيه وصف هذه الولاية وماضيها وتاريخها ووصف سكة بغداد الحديدية وبحث في القبائل البادية بين النهرين. ديوان السموأَل ديوان السموأَل نشره الأب لويس شيخو اليسوعي في بيروت وقد عثر عَلَى النسخة الأصلية منه الأب ألستاس الكرملي الحافي البغدادي عند أحد كتبية دمشق. الفرْق بين الفرَق الفرْق بين الفرَق هو كتاب لأبي منصور عبد القاهر بن طاهر بن محمد البغدادي من أهل القرن الخامس طبعه وعلق حواشيه محمد بك بدر في مصر وفيه ذكر الفرق الثلاثة والسبعين الواردة في الحديث. طبقات الصحابة نشر الجزء السادس من كتاب طبقات الصحابة لابن سعد المتوفى سنة ٣٢٠ هـ تحت نظارة المسيو شاشو وبناية الأستاذ زترستين من كلية أبسال وفي هذا الجزء تراجم دعاة الإسلام في الكوفة ومنهم أناس من الصحابة مثل ترجمة علي بن أبي طالب وسعد بن أبي وقاص وأبي موسى الأشعري وسلمان الفارسي. مفيد الصم ومبيد النقم مفيد الصم ومبيد النقم نشر الأستاذ داود مهرمان هذا الكتاب لباج الدين السبكي من أهل القرن الثامن وصاحب جمع الجوامع وفي هذا الكتاب وصف المؤلف الحياة الاجتماعية في عصره فذكر الولاة والقضاة والقواد والمحتسبين والمربين والأساتذة والتجار والدراويش والصناع والأطباء والكحالين والحلاقين وغيرهم وهو في ٢٤٠ صفحة. تجارب الأمم تجارب الأمم هو تاريخ لابن مسكويه المتوفى سنة ١٠٣٠ م وهو التاريخ النفيس المنقح الذي فضله بعضهم على تاريخ الطبري بما فيه من صحة الأسانيد والنقد التاريخي نشر في لندن عَلَى نفقة أُسرة جيب الإنكليزية و قدم له الكنت ليون كايتاني المستشرق الإيطالي مقدمة. تاريخ السلاجقة تاريخ السلاجقة هو تاريخ بالفارسية للوزير محمد الحسيني اليزدي من أهل القرن الثالث عشر للميلاد طبعه في مصر الدكتور كارل سوسهيم الألماني في ١٩٢ صفحة. إغاثة اللهفان إغاثة اللهفانهي رسالة في حكم طلاق الغضبان تأْليف شيخ الإسلام ابن قيم الجوزية عني بتصحيحه الشيخ جمال الدين القاسمي و وقف عَلَى تصحيح طبعه حسين وصفي أفندي رضا طبع بمطبعة المنار بالقاهرة وهو في ٤٨ صفحة. حياة اللغة العربية حياة اللغة العربية هي مسامرة أو محاضرة للشيخ الخضر بن الحسن في تونس أتى فيها على أطوار هذه اللغة وأساليبها ومطابقتها مع المدنية واتحاد العامية بالفصحى طبعها في تونس في ٦٠ صفحة. الشهاب في الحكم والآداب الشهاب في الحكم والآداب تأْليف أبي عبد الله محمد بن سلامة بن جعفر بن حكمون القضاعي المتوفى سنة ٤٥٤ هـ وهو حكم نبوية مختصرة طبع في بغداد. وشاح الكاتب وزينة الجيش الغالب وشاح الكاتب وزينة الجيش الغالبهي رسالة في ملخص القوانين التي سنها الأمير عبد القادر الحسني الجزائري في ٣٣ صفحة طبعت بدمشق. مرشد العائلات إلى تربية البنين والبنات مرشد العائلات إلى تربية البنين والبناتوهو مختصر في التربية الجسمية منذ الحمل إلى سن الولادة تأْليف المرحوم حسن أفندي توفيق طبع في بيروت لإعانة دار العلوم. تدبير صحة الأطفال تدبير صحة الأطفال وهو كتاب في صحة الأولاد وما يعرض لهم وما ينبغي وقايتهم منه للدكتور أمين دمر طبع في الاسكندرية. حالة اليمن حالة اليمن هي رسالة مطولة اسمها يمنه استجلاب نظر دقت كتبها بالتركية جمال الدين أفندي الخطيب ذكر فيها ما صارت إليه حالة اليمن من الانحطاط الإداري وطبعها في الأستانة. عبرة وذكري عبرة وذكري أو كلمة حول الشورى للدكتور أيوب ثابت ذكر فيها المذاهب السياسية وأنه لا دخل للأديان في ترقي نوع الإنسان طبعت في بيروت. مجلات جديدة كتب متفرقة نشر المسيو كومب باللغة الإفرنسية تاريخ ديانة السين في بابل وآشور ذكر فيه الأنساب والأساطير واللاهوت والآثار والمصانع والعبادات والمعابد وتأْثير الأديان العيلامية والعربية والسورية وغير ذلك من الفوائد. وكتب أيضاً كل من الكولونيل ألوت ولانوي وجنو يلاك كتابيين عَلَى الصومريين وهم سكان أسفل بلاد بين النهرين وكانوا في رأْي أحدهما قبل المسيح بثلاثة آلاف وخمسمائة سنة مستنداً في ذلك إلى ما عثر عليه من المواد الأثرية ولا سيما في تللو التي ملأَت آثارها متاحف العالم. ونشر أوجين أوبين كتاباً بالإفرنسية في فارس اليوم وما وراءَ النهرين ولا سيما الأماكن المقدسة في العراق وبحيرة أورورمية وبغداد وطريقها إلى همدان ونشر رايموند ويل كتاباً في جغرافية شبه جزيرة سينا وتاريخها. والمسيو أبيل كتاباً في وصف الشعب الإسلامي في تلمسان من أعمال الجزائر. ونشر إيبوليت دريفوس كتاباً في تاريخ البهائية وحالتهم الاجتماعية. ونشر رينه بنون كتاباً بالفرنسية في أوربا والمملكة العثمانية وفيه مستندات تاريخية وسياسية كثيرة. سير العلم والاجتماع مدارس الفرص من جملة التعليم الذي كثر بين الأمم الغربية بكثرة المواصلات أن بعض المدارس أو الجمعيات لا تحب أن تصرف التلاميذ إلى بيوت ذويهم في الصيف وتحص عَلَى تعليمهم وتنزيههم والسياحة في هذا الفصل فابن إنكلترا يطوف به أساتذته بعض بلاده أو يأْخذونه إلى فرنسا وإيطاليا وألمانيا واسبانيا وسويسرا وابن ألمانيا كذلك والسكك الحديدية في هذه الممالك تسقط من أجورها قسماً عظيماً لتلك المدارس والجمعيات حتى أن التلميذ لا يدفع عن ستة أسابيع سوى ليرتين إنكليزيتين وعن أربع أشهر أربع ليرات فرنسوية. تطهير ماء الشرب رأَى طبيبان إيطاليان أن أفضل الطرق لتطهير ماء الشرب من الجراثيم الضارة أن يجعل فيه محلول فلورور الفضة فلا تمضي نصف ساعة إلا وتهلك الجراثيم كلها ويمكن أن يعرض الماء بعد ذلك زمناً للهواء الطلق بدون أن يكون فيه أدنى خطر من جراثيم جديدة. اللغات الحية عقد في باريز هذه السنة المؤتمر الدولي للغات الحية فتباحث أساتذة البلاد المتمدنة في الطرق التي تمكن التلامذة من الاستعداد اللازم لهم في جهاد القرن العشرين فكانت النتيجة أن الواجب تعليم أساتذة المستقبل اللغات الحية تعليماً عالياً لتْرسخ فيهم رسوخ لغاتهم الأصلية فلا يكتفى بتلقينهم من اللغة الأجنبية نحوها وصرفها وشيءٌ من لهجتها والتكلم بها بل يعلمونها أرقى تعلم عام أدبي فلسفي. واتفقت الآراء عَلَى أن اللغات الحية إذا أريد إنزالها منازل التربية تعادل تربية اللغات القديمة فالواجبْ أن يكون بلغ أساتذتها الذين يعهد إليهم تعليمها درجة عالية توازي درجة علماء اللغات القديمة وأجمعوا على أن التعليم الثانوي يجب إصلاحه بحيث يتخرج منه أناس لا ملمون باللغات الأجنبية الحديثة فقط بل ممتازون بها امتيازاً يناسب روح العصر الحاضر ورأَوا أن إحكام اللغة وحده لا ينشأُ منه ما يقال له قيمة مربية ودرجة راقية في المدنية والآداب بل أن يشفعه درس أخلاق تلك الأمة التي يتعلم الطالب لغتها ويتشرب روح آدابها وتاريخها فإن الإطلاع عَلَى لغة حديثة ليس من الغايات بل من الوسائط فهو آلة من أثمن الآلات في جهاد الحياة فلا يكفي أن يتعلم المرءُ كلمات وجملاً وقواعد نحوية وصرفية بل أن يدخل في حياة الشعب الغريب عنه فبعد أن يدرس الطالب قوانين لغة أمة يحيط علماً بأخلاقها وتاريخها وآدابها وكيفية تصورها معنى الحياة وخير الذرائع لبلوغ هذا القصد الرحلة إلى البلاد التي يتعلم المرءُ لغتها فيها زمناً وهذا ما يجب أن يكون من دعائم التربية اليوم كما كان فتيان المتسلمين في رومية يسيحون في بلاد يونان في سالف الأزمان. واستحسن المتآمرون الإكثار من الإنفاق على المتعلمين ما يقوم برحلاتهم ودعوا البلديات والأسرات والجمعيات والحكومات والمحسنين إلى التنافس في هذا المضمار لأن مثل هذه الرحلات توسع الفكر وتشحذ النشاط وتنبه الشعور بالانتقاد وتقوي الوطنية بالمقابلة بين البلاد ومن أهم نتائج هذه التربية الحديثة تقريب ما بين قلوب الأمم المتمدنة. وانعقدت في أكسفورد ببلاد الإنكليز جمعية اللغات الحديثة فقال الرئيس في خطاب له أن أغنية رولاند ونبلنجن ليد لا تقومان مقام أغاني هوميروس ولا دانتي يخلف فيرجيل مرشده وأستاذه ولا بسكال يضطرنا إلى نسيان أفلاطون ولا بوسويه ينسينا شيشرون ومعنى هذا أن من رأْيه أن التربية الأدبية الكاملة تتطلب دراسة كتب القدماء كما تتطلب درس آثار المحدثين وأفاض على هذا النحو متناولاً الموضوع الذي أجمع عليه مؤتمر باريز ورأَى أن تعليم اللغات كما هو شائع الآن في إنكلترا تعليماً سطحياً ويراد منه التفهم مع الأجانب اللا تجار هو ناقص الجهاز والأولى التعمق في الدراسة. التربية في الهواء أخذ علماءُ التربية منذ حين في ألمانيا وفرنسا يبحثون عن الطرق التي يعلمون بها التلامذة في الهواءِ الطلق ويخلصوهم من ازدحام الأنفاس في صفوف المدارس لما فيها من إضعاف أجسامهم وإنهاك صحتهم وذلك بدون أدنى نقص في تعليمهم وممن عني بهذا الموضوع الأستاذ فلات أحد مديري المدارس العالية في ألمانيا فكتب بعد التجارب العديدة في أبناء مدرسته أن تعليم التلاميذ في الهواءِ الطلق لا يناسب إلا الأولاد الذين تقدموا قليلاً في السن وفي هذه الحال يعلم التلامذة أصول الرياضة البدنية ولا يصعب تعليمهم خارج الصفوف دروس العلوم الطبيعية والتاريخ والجغرافيا واللغات الحية والرياضيات وقد أَلف في هذا الموضوع كتاباً تداولته الألسن بالثناءِ. التلامذة والأساتذة كتب أحد علماءِ الإفرنج بحثاً ضافياً أخذ فيه رأْي ٨٧ أستاذاً مع تلاميذهم عن المواد التي يختار التلامذة تعليمها فكانت النتيجة أن المواد التي يحبها التلامذة أكثر من غيرها ليست هي المواد التي يرتاح الأساتذة إلى تعليمها فالتلامذة يحبون الرياضيات البدنية والأعمال اليدوية ثم التصوير والتاريخ ويتأففون من التعليم الديني والإملاء والتاريخ الطبيعي. أما الأساتذة فأحب الدروس إلى قلوبهم التاريخ وليست للرياضة البدنية منزلة من قلوبهم. تعليم التاريخ كتب أحد الألمان العارفين مبحثاً في مجلة علمية قال فيها نشأ من تعليم التاريخ أن كثيراً من المعلومات التاريخية بناها المرءُ والضروري منها استظهاره مؤقتاً يساعد عَلَى تربية القلب والذكاءِ والإحساس الإنساني والوطني فيجب عَلَى معلم التاريخ أن يغفل من درسه مالا يضر جهله ويتوسع في المسائل المهمة فيعنى بما ينطبق عَلَى الحال الحاضر من مسائله وعن تعليل أسبابها وتكوينها وينظر نظراً بليغاً فيما تمس حاجتنا إليه في حياتنا ولا يكتفى بالمعرفة البسيطة الغير المعقولة من الماضي ويحب تنبيه الذهن وإعداده لإدراك العالم الحاضر السياسي والاجتماعي والديني وأحوال الرجال المعاصرين وأن تقوى الوطنية بدون أن تكون إلى العصبية الجاهلية ويقصد بالتاريخ تخريج رجال ووطنيين بإطلاعهم عَلَى ما وقع لمن قبلنا وما هو دائر الآن حوالينا. وهذا ما يقصد من روح التاريخ. المدارس الألمانية في العالم نشر أحد علماءِ الألمان كتاباً سماه المدارس الألمانية في الخارج جاء فيه أن لألمانيا في روسيا ٦٠ مدرسة فيها ١١٠٠ تلميذ وفي رومانيا ٣٠ مدرسة فيها ٤٢٠٠ وفي البلجيك ١٠ مدارس و ١٩٠٠ تلميذ و ٦ مدارس في البلاد العثمانية في أوربا فيها ١٨٥٠ تلميذاً و ١٤ في إيطاليا تحتوي عَلَى ٨٨٠ تلميذاً ومدرسة واحدة في فرنسا بباريز فيها ١٥٠ تلميذاً و ٢١ مدرسة في آسيا فيها ١٢٥٠ منها ٩ في أزمير وفلسطين فيها خمسمائة تلميذ و ٤٦ مدرسة في إفريقية الجنوبية منها ١٥ في حكومة الرأس فيها ١١٠٠ تلميذ و ١٦ في الناتال فيها ٤٠٠ و ٣ في الترنسفال ولها ٣٠٠ تلميذ و ٨٠ في أوستراليا تضم في حجرها ٢٥٠٠ و ٨٠٠ في برازيل تجمع ٢٦٠٠٠ تلميذ و ٥٠٠ في ريو الكبرى لها ١٥٠٠٠ تلميذ و ٦٠ في الجمهورية الفضية لها ٣٥٠٠ تلميذ و ٣٦ في شيلي فيها ٢٨٠٠ تلميذ. أي ١٧٠٠ مدرسة فيها مالا يقل عن سبعين ألف تلميذ وتمنح الحكومة الألمانية لهذه المدارس ٨٥٠ ألف مارك في السنة هذا عدا الأساتذة والمعلمين الذين يدرسون في الولايات المتحدة وبذلك تتبين انتشار نفوذ ألمانيا عَلَى بلاد العالم ولا سيما عَلَى الممالك المحتاجة حتى الآن إلى التعلم. جراثيم التعب قامت منذ زهاءِ مائة ألف سنة فئة من أطباء الألمان والطليان والأميركان يقولون بوجود جراثيم في أحشاءِ الإنسان تأْتيه من ملامسة الأرض التي يعمل فيها فتحدث فيه الكسل والتعب ثم تنتهي بالموت. وآخر ما قرره أحد أطباء أميركا أن ظاهر أنثى هذه الجراثيم كذكرها أشبه بخيط مغموس بالوحل وهي تبيض حيثما نزلت ألوفاً من البيوض والأجنة التي تخرج منها وتنتشر في الخلايا. وطول الذكر من هذه الجراثيم سانتمتران يعلق بالأحشاء فيتناول أجزاءً صغيرة من الغشاء المخاطي وذلك بثقبها ثقوباً يمتص منها الدم وقد رأَى طبيب إنكليزي بمعاينة شخص مصاب بجراثيم التعب أن فيه ٢٥٠ جرثومة و ٥٧٥ عضة ورأَى في آخر ٨٦٣ جرثومة و ٢١٧ عضة ومعظم هذه الإصابات تكون من باطن القدم أولاً لأنه معرض للاحتكاك بالأرض التي تسكنها الجراثيم ويقدرون المصابين بهذا المرض بمليوني نسمة أكثرها في جنوبي أميركا. درجات التغذية ما من شيءٍ مهم في التغذية أكثر من التدقيق في معرفة ما يتركب منه طعامنا حيوانياً كان أو نباتياً أو معدنياً جامداً كان أو سائلاً فالأصل في طول حبل العمر متوقف عَلَى الإحاطة بذلك فقد قال أحد الأطباء أن الواجب عَلَى المرءِ قبل المباشرة في الأكل أن يعرف درجة التغذية فيما يتناوله والمقدار اللازم له منبها. وقال غيره أن من أوائل قواعد حفظ الصحة أن يعرف المرءُ النسبة بين التغذية والإنفاق عليها. ولكن هذه القواعد قلما يعمل بها بالفعل وكثير من الناس يجهلون كل الجهل ما يدخل في الطعام من درجات التغذية وقد نصح الدكتور فيشر من كلية يال في أميركا أن تعلق القائمة الآتية في المدارس وغرف الموائد لمعرفة درجات التغذية في كل طعام وها هي مرتبة بحسب مكانتها من التغذية: الثمار والجوز والحبوب والعسل والزبدة. البطاطا وغيرها من البقول التي تقشر. السمن والملح القليل والقشطة واللبن والحليب والبيض وسكر القصب وشوكولاتو اللوز الهندي. الجبن المطبوخ واللبن الرائب. البقول التي تؤْكل بقشورها. المعجنات. الجبن المخمر وجبن روكفور وغيره. التريد. الحساء باللحم وخلاصة اللحم. الشاي والقهوة. اللحم والسمك والطيور. الكبد. التوابل ما عدا الملح. الألكحول. توراة الشيطان قالت مجلة مطالعاتنا في البيوت ما تعريبه: من جملة التحف المحفوظة في خزانة الكتب الملكية في استوكهلم كتاب مخطوط أطلقوا عليه اسم توراة الشيطان كما يسمونه مارد الكتب لضخامة حجمه المتناهي ويبلغ طوله ٩٠ سنتمتراً وعرضه خمسون ولا يستطيع نقله سوى ثلاثة رجال وهو ذو ٣٠٩ صفحات ضاع منه سبع وقد كتبت كل صفحة عَلَى عمودين. وحسبوا ما وضع لهذا الكتاب من الورق فكان ١٦٠ حماراً وحروفه من نوع الكوتيك الصغير وأوائل الحروف الكبرى جعلت بالذهب الملون وزينت بالصور وجلده من البلوط الغليظ ثخانته أربعة سنتمترات ونصف وأقفاله من المعدن. ولما حرق القصر الملكي في استوكهلم سنة ١٦٩٧ أُصيبت هذه التوراة برضوض فطرحوها من النافذة إلى الشارع فتعطلت أقفالها ثم أُصلحت. خاتمة السنة الرابعة نحمد الله عَلَى أن وفقنا إلى النجاة من مآزق السنة الماضية وأقلها مما يعوق عن التأْليف والطبع والنشر في بلاد أعمتها الجهالة والجهلاءُ وأفسدتها السياسة الخرقاءُ قروناً وأزماناً. فقد اضطررنا بعد نقل المقتبس من القاهرة إلى دمشق أن نعاني السياسة فأصدرنا جريدة يومية باسم المقتبس لتخدم الإصلاح الإداري الاقتصادي كل يوم كما يعالج شقيقها الأكبر الإصلاح العلمي والاجتماعي كل شهر وما أعظم ما قاسيناه من ممارسة أعداءِ الدولة والأمة فتربصوا بنا الدوائر وفي مقدمتهم صنيعة عبد الحميد المخلوع وموجد الجاسوسية في الأستانة ناظم باشا والي سورية السابق فقد شق عليه مطالبتنا بالإصلاح فقام ينصب لنا شراكاً يريد بها إهلاكنا فأنجانا الله منه ولكن بعد أن تحملنا في هذا السبيل وقتاً ومالاً واضطرت هذه المجلة إلى الاحتجاب عن قرائها زمناً ولذلك فإنا نحسب السنة الماضية من أشقى أيام العمر إذا لم نقم فيها بالواجب نحو المشركين بإصدار المجلة في أوقاتها عَلَى الصورة المقبولة التي كانت تظهر بها في سنيها الثلاث الأولى واضطررنا باديءَ بدءٍ إلى رفض الورق الذي أوصينا عليه من معامل النمسا بداعي مقاطعة البضائع بين البلاد العثمانية والنمساوية ولما لم نجد الورق اللازم للمجلة في بيروت ولا في دمشق اضطررنا إلى الطبع عَلَى ورق الكتابة عَلَى نحو ما تراه في الأجزاء الثلاثة الأولى من هذه السنة ثم توقعنا انتظام المطبعة التي أسسناها فما كاد يتعلم عملتها ويستعد القائمون بها حتى أُغلقت ظلماً نحو أربعة أشهر. وها نحن اليوم نصدر آخر جزء من سنة ١٣٢٧ أي جزء شهر ذي الحجة في جمادى الثانية من سنة ١٣٢٨ والمأْمول أن نوفق بعد ثلاثة أشهر إلى إصدار كل جزءٍ في شهره خصوصاً وقد تفرغنا أكثر من قبل للتأليف والترجمة في الموضوعات التي نتابع البحث فيها. ولقد توفرت لنا المواد خلال رحلتنا إلى أوربا وصارت للمقتبس علائق واسعة مع الأندية العلمية في ديار الغرب يتناول مدة الشهر من مطبوعاتها أشياءَ كثيرة وسيتوفر بحول الله عَلَى نقل كل ما يهم هذا الشرق العربي منها ومن المجلات الفرنسوية التي ننقل عنها بعد الآن مجلة العالمين والمجلة الآسياوية ومجلة العالم الإسلامي ومجلة الاقتصاديين ومجلة الطبيعة والمجلة الزرقاء والمجلة الوردية ومجلة انتربية ومجلة المجلات ومجلة العلم الاجتماعي ومجلة مطالعاتنا في البيوت والمجلة التونسية إلى غير ذلك من المجلات التي قد نطلع عليها ولكن عَلَى طريقة غير منظمة دع عنك المجلات التركية والعربية. وسيكون في السنة المقبلة حظ واسع لتلخيص المؤلفات الإفرنجية الحديثة في هذه المجلة والتوسع في الأبحاث التي تؤول إلى ترقية اللغة العربية وآدابها واجتماع العرب وعلومهم مع تطبيقاتها عَلَى حالة الغرب اليوم فنمزج المدنية العربية بالمدنية الغربية لتكون لنا منها مدنية تأْخذ من كل شيءٍ أحسنه ونسأَله تعالى أن يسددنا ويلهمنا رشدنا ويثبت أقدامنا في خطتنا ويقلل خطأَنا وخطيئاتنا إنه أكرم مسؤول.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_47.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.47.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
