<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.46.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.46.TEIP5:</urn>
<passage>كتاب العربأو الرد على الشعوبية وصلى الله على محمد وآله وسلم تسليما قال أبو محمد عبد الله بن مسلم بن قتيبة جعلنا الله وإياك على النعم شاكرين. وعند المحن والبلوى صابرين. وبالقسم من عطائه راضين. وأعاذنا من فتنة العصبية وحمية الجاهلية وتحامل الشعوبية فإنها بفرط الحسد ونغل الصدر تدفع العرب عن كل فضيلة وتلحق بها كل رذيلة وتغلو في القول وتسرف في الذم وتبهت بالكذب وتكابر العيان وتكاد تكفر ثم يمنعها خوف السيف وتعص من النبي صلى الله عليه وسلم إذا ذكر بالشجا. وتطرف منه على القذى. وتبعد من الله بقدر بعدها ممن قرب واصطفى. وفي الإفراط الهلكة وفي الغلو البوار والحسد هو الداء العياء. أول ذنب عصي الله به في الأرض والسماء. ومن تبين أمر الحسد بعدل النظر أوجب سخطه عَلَى واهب النعمة وعداوته لمؤتي الفضيلة لأن الله تعالى يقول نحن قسمنا بينهم معيشتهم ورفعنا بعضهم فوق بعض درجات ليتخذ بعضهم بعضا سخريا فهو تبارك وتعالى باسط الرزق وقاسم الحظوظ والمبتدي بالعطا والمحسود آخذ ما أُعطي وجار إلى غاية ما أُجري. وقال ابن مسعود: لا تعادوا نعم الله قيل ومن يعادي نعم الله قال: حاسد الناس وفي بعض الكتب يقول الله: الحاسد عدو لنعمتي متسخط لقضائي غير راضي بقسمي. وقال ابن المقفع: الحاسد لا يبرح زارياً على نعمة الله لا يجد لها مزالاً ويكدر عَلَى نفسه ما به فلا يجد لها طعماً ولا يزال ساخطاً عَلَى من لا يتراضاه ومتسخطاً لما لا ينال فوقه فهو مكظوم هلعٌ جزوع ظالم أشبه شيء بمظلوم محروم الطلبة منغص المعيشة دائم السخطة لا بما قسم له يقنع ولا على ما لم يقسم له يغلب والمحسود يتقلب في فضل الله مباشراً للسرور ممهلاً فيه إلى مدة لا يقدر الناس لها عَلَى قطع وانتقاض ولو صبر الحسود عَلَى ما به وضمر لجرته كان خيراً له لأنه كلما هرَّ خسأه الله وكلما لجج قذف بحجره وكلما أراد أن يطفئَ نور الله أعلاه الله ويأبى الله إلا أن يتم نوره ولو كره الكافرون. ولله در القائل: وإذا اراد الله نشر فضيلة يوماً أتاح لها لسان حسود لولا اشتعال النار فيما جاورت ماكان يعرف طيب عرف العود ولم أر في هذه الشعوبية أرسخ عداوة ولا أشد نصباً للعرب من السفلة والجشوة وأوباش النبط وأبناء اكرة القرى فأما أشراف العجم وذوو الاخطار منهم وأهل الديانة فيعرفون مالهم وما عليهم ويرون الشرف نسباً ثابتاً. وقال رجل منهم لرجل من العرب: إن الشرف نسب والشريف من كل قوم نسيب الشريف من كل قوم: وإنما لهجت السفلة منهم بذم العرب لأن منهم قوماً تحلوا بحلية الأدب فجالسوا الأشراف وقوم اتسموا بميسم الكتابة فقربوا من السلطان فدخلتهم الأنفة لآدابهم والغضاضة لأقدارهم من لؤم مغارسهم وخبث عناصرهم فمنهم من الحق نفسه بأشراف العجم واعتزى إلى ملوكهم واساورتهم ودخل في باب فسيح لا حجاب عليه ونسب واسع لا مدافع عنه ومنهم من أقام عَلَى خساسة ينافح عن لؤمه ويدعي الشرف للعجم كلها ليكون من ذوي الشرف ويظهر بغض العرب يتنقصها ويستفرغ مجهوده في مشاتمها وإظهار مثالبها وتحريف الكلم في مناقبها وبلسانها نطق وبهممها انف وبآدابها تسلح عليها فإن هو عرف خيراً ستره وإن ظهر حقره وإن احتمل التأويلات صرفه إلى أقبحها وإن سمع سوءاً نشره وإن لم يسمعه نفر عنه وإن لم يجده تخرصه فهو كما قال القائل: إن يعلموا الخير يخفوه وإن علموا شراً أذيع وإن لم يعلموا بهثوا ومن ذا رحمك الله صفا فلم يكن له عيب وخلص فلم يكن فيه شوب. وقيل لبعض الحكماء هل من أحد ليس فيه عيب فقال لا لأن الذي ليس فيه عيب هو الذي لا يموت وعائب الناس يعيبهم بفضل عيبه وينتقصهم بحسب نقصه ويذيع عوراتهم ليكونوا شركاءَه في عورته ولا شيء أحب للفاسق من زلة العالم ولا إلى الخامل من عثرة الشريف قال الشاعر: ويأخذ عيب الناس من عيب نفسه مراد لعمري إن أردت قريب وقال آخر: وأجرأُ من رأيت بظهر غيب عَلَى عيب الرجال ذوو العيوب وقد كان زياد بن أبي سفيان حين كثر طعن الناس عليه وعَلَى معاوية في استلحاقه عمل كتاباً في المثالب لولده وقال من عيركم فقرعوه بمنقصته ومن ندد عليكم فابدهوه بمثلبه فإن الشر بالشر يتقى واحديد بالحديد يفلح. وكان أبو عبيدة معمر بن المثنى أغرى الناس بمشاتم الناس والهجهم بمثالب العرب وحاله في نسبه وأبيه الأقرب إليه حال نكره أن نذكرها فنكون كمن أمر ولم يأتمر وزجر عن القبيح ولم يزدجر وهي مشهورة ولكن كرهنا أن تدوَّن في الكتب وتخلد عَلَى الدهر ولا سيما وهو رجل يحمل عنه العلم ويحتج بقوله في القرآن. ومن أتعب قلباً وأنصب فكراً ممن أراد أن يجعل الحسنة سيئة والمنقبة مثلبه ويحتال لإخراج الباطل في صورة الحق فيقصد من المناقب لمثل فوس حاجب يضحك منها ويزرى بها ويذهب في ذلك إلى خساسة العود وقلة ثمنه وهذا لو كان على مذاهب التجار والسوق في الرهون والمعاملات لرجع بالعيب على الآخذ لا عَلَى الدافع لا يألون بدفع أحقر ما يجد في أكثر ما يأخذ والمغبون من غرَّ بالصغير عن الكبير وإنما رهن عن العرب بما ضمنه عنها من كف الأذى عن مملكته حتى يحيوا وتنكشف عنهم السنة ولو كان مكان القوس مائة ألف رأس من الغنم عن هذا السبب ما كان القوس إلا أحسن بالدافع والقابل لأن سلاح الرجل هي عزه وشرفه وإسلام المال أحسن من إسلام العز والشرف. وقد يدفع الرجل خاتمه وبرده أو رداءَه عن الأمر العظيم فلا يسلمه خوفاً من السبة وأنفة من العار. قال أبو عبيدة لما قتل وكيع بن أبي سود التميمي قتيبة بن مسلم الباهلي بخراسان بلغ ذلك سليمان وهو بمكة وهو حاج خطب الناس بمسجد عرفات وذكر غدر بني تميم وإسراعهم في الفتن وتوثبهم عَلَى السلطان وخلافهم له فقام الفرزدق ففتح رداءَه وقال يا أمير المؤمنين هذا رداي رهناً بوفاءِ تميم ومقامها على طاعتك فلما جاءَت بيعة وكيع قال الفرزدق: فدى لسيوف من تميم وفى بها رداي وحلت عن وجوه الاهاتم يريد الأهتم بن سمي التميمي ورهطه وهذا سيار بن عمرو بن جابر الفزاري ضمن لبعض الملوك ألف بعير دبة أبيه ورهنه قوسه فقبلها منه عَلَى ذلك وساقها إليه وفيه يقول القائل: ونحن رهنا القوس ثم تخلصت بألف عَلَى ظهر الفزاري اقرعا وسيار هذا هو جد هرم الذي تنافر إليه عامر وعلقمة. ومن هذا الباب قول جران وذكر اجتماعه مع نساء كان يألفهن: ذهبن بمسواكي وقد قلت أنه سيوجد هذا عندكن فيعرف يظن من لا يعرف هذا الخبر أنهن سلبنه المسواك فاعتد عليهن واخبرهن أنه سيوجد عندهن ويعرف لقدر المسواك عندهن وعنده ولأن الأعراب أنظر قوم في التافه الحقير الذي لا خطر له وكيف يظن به وبهن وهذا وبلد نجد مستحلس بضروب من شجر المساويك لا تحصى فكيف يبخل عَلَى نساء يهواهن بعود هو يصطلي به ويختبز ويطبخ بشجره ومتى احتاج إلى مسواك منه لم يتكلفه بثمن ولم يبعد في طلبه والمعنى أن نجداً تختلف منابته فمنه ما ينبت الاسحل ومنه ما ينبت الارك ومنه ما ينبت البشام فاهل كل ناحية منهم يشاكون بشجر بلدهم وكان جران العود معروفاً بهؤلاء النساء يزورهن عَلَى حذر من مزار بعيد وهو يستن من الشجر ما ينبت في بلده ولا ينبت في بلدهن فلما أخذن سواكه ليتذكرنه ويسترحن إليه كما يفعل المتحابون قال إن هذا سيوجد عندكن وإذا وجد علم أنه مما ينبته البلد الذي اسكنه فاستدل به عَلَى زيارتي إياكن ويقصد لقول القائل: أيا ابنة عبد الله وابنة مالك ويا ابنة ذي البردين والفرس الوردا فيتضاحك بالشعر ويستهزيء بالبردين والفرس الورد ويعارض ذلك بملوك فارس واسرتها وتيجانها وبأن ابرويز ارتبط تسعمائة وخمسين فيلاً على مرابطه وبلغت مخدته التي كان يشرف بها على الداخل عليه ألف إناء من الذهب وخدمته ألف جارية وقد جهل هذا معنى الشعر واخطأ في المعارضة وفخر بما ليس له فيه حظ ولا نصيب. أما معنى الشعر فإن أبا عبيدة ذكر أن وفود العرب اجتمعت عند النعمان بن المنذر فأخرج بردي محرق وهو عمرو بن هند وقال ليقم أعز العرب قبيلة فيأخذهما فقام عامر بن احيمر بن بهدلة فأخذهما فاتزر بواحد وارتدى بآخر فقال له بما أنت أعز العرب فقال العز والعدد من العرب في معد ثم نزار في مضر في خندق ثم في تميم ثم في سعد ثم في كعب ثم في عوف ثم في بهدلة فمن أنكر هذا من العرب فلينافرني فسكت الناس فقال النعمان هذه عشيرتك كما تزعم فكيف أنت في أهل بيتك وفي بدنك فقال أنا أبو عشرة وعم عشرة وخال عشرة يغنيني الأكابر عن الأصاغر والأصاغر عن الأكابر فأما أنا في بدني فهذا شاهدي ثم وضع قدمه عَلَى الأرض وقال من أزالها من مكانها فله مائة من الإبل فلم يقم إليه أحد من الناس فذهب بالبردين فسمي ذا البردين قال الفرزدق: فما تم في سعد ولا آل مالك غلام إذا ما قيل لم يتبهدا لهم وهب النعمان ثوبي محرق بمجد معد العديد والمحصل وأما الفرس الورد فإن الخيل حصون العرب ومنبت العز وسلم المجد وثمال العيال وبها تدرك الثار وعليها تصيد الوحش وكانوا يؤثرونها على الأولاد باللبن ويشدونها بالأفنية للطلب والهرب وقد كنى الله عنها في كتابه بالخير لما فيها من الخير فقال حكاية عن نبيه سليمان صلى الله عليه وسلم إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب يعني الخيل وبها كان شغل سليمان عن الصلاة حتى غربت الشمس وقال طفيل: وللخيل أيام فمن يصطبر لها ويعرف لها أيامها الخير يعقب وقال آخر:  ولقد علمت عَلَى توقي الردى إن الحصون الخيل لا مدر القرى اني وجدت الخيل عزاً ظاهراً تنجي من العمى ويكشفن الدجى ويبتن بالثغر المخوف طلائعاً وتبين للصعلوك جمة ذي الغنا باتوا بصائرهم عَلَى أكتافهم وبصيرتي يعدو بها عتدٌ وأَى والبصيرة الدم يريد أنهم لم يدركوا الثار فثقل الدماءُ عَلَى أكتافهم وأنه قد أدرك ثأره على فرسه وحدثني محمد بن عبيد قال حدثني سفيان بن عيينة عن شيب بن غرقدة عن عروة البارقي قال سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول: الخيل معقود في نواصيها الخير إلى يوم القيامة. قال أبو محمد وليس لأحد مثل عتاق العرب ولا عند أحد من الناس من العلم بها ما عندهم وسأذكر من ذلك شيئاً فيما بعد إن شاء الله. وإذا كان للرجل منها جواد مبر كريم شهر به وعرف فقيل العسجدي ولاحق وداحس والورد. وليس أعجب من سرير كسرى وفخر العجم به وتصويرهم إياه في الصخور الصم وفي رعان الجبال. وإذا رأيت العرب تنسب إلى شيء خسيس في نفسه فليس ذلك إلا لمعنى شريف فيه كقولهم لهنيدة بنت صعصعة عمة الفرزدق ذات الخمار لذلك قال أبو عبيدة كانت هنيدة بنت صعصعة تقول من جاء من نساء العرب بأربعة مثل أربعتي يحل لها أن تضع عندهم خمارها فصرمتي لها أبي صعصعة وأخي غالب وخالي الأقرع بن حابس وزوجي الزبرقان بن بدر فسميت ذات الخمار لذلك. وقال كان هند بن أبي هالة ربيب النبي صلى الله عليه وسلم يقول: أنا أكرم الناس أربعة أبي رسول الله وأمي خديجة وأختي فاطمة وأخي القاسم فهؤلاء الأربعة لا أربعتها وأما خطأه في المعارضة فإن صاحب البردين لم يكن ملك العرب فيعارضنا عنه بملك العجم ولم يدّع أحد أنه كان للعرب في دولة العجم مثل ملكها وأموالها وعددها وسلاحها وحريرها وديباجها فيحتاج أن يذكر فيلة ابرويز وجواريه وفرشه وقد كان هذا لأولئك كما ذكرتم جعله الله لهؤلاء فابتزوه واستلبوه والتحوهم كما يلتحى القضيب والناسخ أفضل من المنسوخ. وأما فخره بما ليس له حظ ولا نصيب فإنما يفخر بملك فارس أبناء ملوكها وأبناء عمالهم وكتابهم وحجابهم واساورتهم. فأما رجل من عرض العجم وعوامهم لا يعرف له نسب ولا يشهر له أب فما حظه في سرير كسرى وتاجه وحريره وديباجه وليس هو من ذلك في مراح ولا مغدى ولا مظل ولا مأوى. فإن قال لأني من العجم وكسرى من العجم فمرحباً بالمثل المبتذل ابن جار النجار ولو قال أيضاً لأني من الناس وكسرى من الناس كان وهذا سواء وما هو بأولى بهذا السبب من العرب لأن العرب أيضاً من الناس. قال أبو عبيدة: اجريت الخيل فطلع منها فرس سابق فجعل رجل من النظارة يكبر وثب من الفرح فقال رجل إلى جانبه يا فتى أهذا السابق فرسك فقال لا ولكن اللجام لي. وقال المسعودي: قدم علينا أعراب وكانوا يأتون ببضائعهم فأبيعها وأقوم بحوائجهم وكانوا يقولون رحم الله أباك ديناراً فكنت لا آلوهم عناية فقلت لهم اخبروني عن السبب بينكم بين أبي قالوا كان يساومنا مرة باتان فقلت لهم هل كان اشتراها منكم قالوا لا قلت الله أكبر قالوا وما ذاك قلت لو اشتراها صارت رحماً ونسباً. وقد كانت العجم رحمك الله في ذلك الزمان طبق الأرض شرقاً وغرباً وبراً وبحراً إلا محال معد واليمن افكل هؤلاء أشراف فأين الوضعاء والأدنياء والكساحون والحجامون والدباغون والخمارون والرعاع والمهان وهل كان ذوو الشرف في جملة الناس إلا كاللمعة في جلد البعير وأين ذراريهم وأعقابهم أدرجوا جميعاً فلم يبق منهم أحد وبقي أبناء الملوك والأشراف. وأعجب من هذا ادعاؤهم إلى اسحق بن إبراهيم صلى الله عليهما وسلم وفخرهم عَلَى العرب بأنه لسارة الحرة وأن إسماعيل أبا العرب لهاجر وهي أمة وقال شاعرهم: في بلدة لم تصل عكل بها طنبا ولا خباءً ولا عكٌّ وهمدان ولا لجرم ولا بهراء من وطن لكنها لبني الأحرار أوطان أرض تبنى بها كسرى مناسكه فما بها من بني اللخناءِ إنسان فبنو الأحرار عندهم العجم من ولد اسحق واسحق لسارة وهي حرة وبنو اللخناء عندهم العرب لأنهم من ولد إسماعيل وإسماعيل لهاجر وهي أمة قالوا واللخناء عند العرب الأمة فالويل الطويل لهؤلاء والبعد والثبور من هذه العداوة لأولياء الله والأنبار القبيحة لصفوة الله وقد غلطوا في التأويل عَلَى اللغة وليس كل أمة عند العرب لخناء إنما اللخناء من الإماء الممتهنة في رعي الإبل وسقيها وجمع الحطب وحمله واستقاء الماء والحلب وأشباه ذلك من الخدمة كما يقال الأمة الوكعاء وليس كل أمة وكعاء وإنما قيل لها لخناء لنتن ريحها ويقال لخن السقاء بلخن لخناً إذا تغير ريحه وانتن. وأما مثل هاجر التي طهرها الله من كل دنس وطيبها من كل دفر وارتضاها للخليل فراشاً وللطيبين إسماعيل ومحمد عليهما الصلاة والسلام أما وجعلهما لها سلالة فهل يجوز لملحد فضلاً عن مسلم أن يطلق عليها اللخن ولو لم يكن إلا أن ملك القبط متع بها سارة وكانت أنفس أمائه عندهم واحظاهن لديه لقد كان في ذلك دليل عَلَى أنها لم تكن من الاماء اللخن ولو جاز أن يطلق على كل أمة لخناً لجاز أن يقال لكل شريف ولدته أمه هذا ابن اللخناء كما يقال هذا ابن الأمة وقد ولدت الاماء الخلفاء والخيار والأبرار مثل علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب والقاسم بن محمد بن أبي بكر الصديق وسالم ابن عبد الله بن عمر بن الخطاب. حثني سهل بن محمد قال حدثنا الأصمعي قال كان أهل المدينة يكرهون اتخاذ أمهات الأولاد حتى نشأ فيهم هؤلاء الثلاثة ففاتوا أهل المدينة فقهاً وورعاً فرغب الناس في السراري والنساب لا يعرفون لأهل فارس ولا للنبيط في اسحق بن إبراهيم حظاً لأن اسحق تزوج رفقا بنت ناحور بن تارح وتارح هو آزر ورفقا بنت عمه فولدت له عيصو ويعقوب توأمين في بطن واحد فيعقوب هو إسرائيل الذي ولد الأسباط كلهم وكانوا اثني عشر رجلاً وأولادهم جميعاً يدعون بنو إسرائيل وهم أهل الكتاب وليس لهؤلاء فيهم سبب ولا نسب وعيصو هو أبو الروم وكان الروم رجلاً أصفر شديد الصفرة في بياض ومن أجل ذلك سميت الروم بني الأصفر. قالوا وكانت أم الروم بنت إسماعيل ابن إبراهيم وولد من الروم خمسة نفر فكل من بأرض الروم من نسل هؤلاء الرهط قالوا ولما سبقه يعقوب إلى دعوة اسحق فصارت النبوة في ولده دعا لعيصو بالنماءِ والكثرة فالروم كلها من ولده وبعض الناس يزعم أيضاً أن الاشبان من ولده وقالوا النبط بن ساروح بن أرغو بن فالغ بن عابر بن شالح بن أرفخشد بن سام بن نوح ويقال انه ابن ماش بن سام ابن نوح قالوا وأهل فارس من ولد لاوذ بن ارم بن سام بن نوح وكان كثير الولد فنزل أرض فارس فأجناس الفرس كلهم من ولده فليس بين هؤلاء وبين اسحق بن إبراهيم على ما ذكر النسابون نسب يجمعهم إلا سام بن نوح والناس يجتمعون في ولادة شيث بن آدم ثم في ولادة نوح ثم يتشعبون فولد نوح أربعة نفر سام وحام ويافث ويام فأما يام فهلك بالطوفان فلا عقب له وهو الذي قال له أبوه يا بني اركب معنا ولا تكن مع الكافرين وأما حام فإن أباه لعنه ودعا عليه بأن يكون عبداً لأخويه فخملت ذريته وسقطت فيه فهم النوبة وفزَّان والزغاوة وأجناس السودان والسند والقبط وأما يافث فإن أباه دعا له بالنماء والكثرة فولد الصقالب والترك ويأجوج ومأجوج وأممّا عدد الرمل والحصا في مشارق الأرض. فأما سام فبارك عليه فأشراف الناس من ولده منهم العماليق ومنهم الجبابرة وفراعنة مصر وملوك فارس ومن ولد سام الأنبياء جميعاً بعد نوح وهود وصالح وشعيب وإبراهيم ومن بعده إلى نبينا محمد عليه الصلاة والسلام. فالعرب وفارس يتساوون في هذه الجملة وتفضلها العرب بعدها بأنها من ولد إسماعيل ابن إبراهيم فهي أدنى من خليل الله دناوةَ وأمس به رحما. ثم تتساوى العرب وفارس في أن الفريقين ملكوا وتفضلها العرب بأن قواعد ملكها نبوة وقواعد ملك فارس استلاب وغلبة. وتفضلها العرب بأن ملكها ناسخ وملك فارس منسوخ وتفضلها بأن ملكها متصل بالساعة وملك فارس محدود وتفضلها العرب بأن ملكها واغل في أقاصي البلاد داخل في آفاق الأرض وملك فارس شظية منه ليس فيه الشام ولا الجزيرة ولا خراسان في أكثر مددهم ولا اليمن إلا في أيام وهزر وسيف ابن ذي يزن. ومن عجب امرهم أيضاً فخرهم عَلَى العرب بآدم بقول النبي صلى الله عليه وسلم لا تفضلوني عليه فإنما أنا حسنة من حسناته ثم بالأنبياء وأنهم من العجم إلا أربعة نفر هود وصالح وشعيب ومحمد صلى الله عليه وسلم وفي هذا القول وضع الفخر عَلَى غير أساس ومن أسس بنيانه عَلَى الباطل والغرور أوشك أن يتداعى وأن يخر وظلم للعرب فاحش ومنه ادعاؤهم آدم كأن العرب ليسوا من ولده ومنه انتحالهم موسى وعيسى وزكريا ويحيى وأشباههم من بني إسرائيل وليس بين فارس وبين بني إسرائيل نسب عَلَى ما بينت لك ومنه دفعهم العرب عن قربهم بهؤلاء الأنبياء وهم بنو عمومهم وعصبتهم لأن العرب بنو إسماعيل بن إبراهيم بإجماع الناس فهم بنو أخي اسحق بن إبراهيم وأولى به وأحق بشرفه وأولى بموسى وعيسى وداوود وسليمان وجميع الأنبياء من ولده وقال الله تعالى إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران عَلَى العالمين فآل إبراهيم هم ولد اسحق وولد إسماعيل ثم قال ذرية بعضها من بعض فأعلمنا أن العرب وبني إسرائيل شيءٌ واحد في النسب وفيما أوحى الله إلى موسى: إني سأقيم لبني إسرائيل من إخوتهم مثلك أجعل كلامي على فيه: يريد أنه يقيم لهم من العرب نبياً مثل موسى يعني محمد صلى الله عليه وسلم وهذا علم من أعلامه وحجة من حججنا على أهل الكتاب من كتبهم فإن قالوا في ذلك أنه يقيم لهم من بني إسرائيل نبياً مثل موسى وقالوا أن بني إسرائيل بعضهم أخوة بعض أكلبهم النظر لأنه لو أراد ذلك لقال لهم من أنفسهم ومنهم كما أن رجلاً لو أراد أن يبعث رسولاً من خندف لم يقل سأبعث رسولاً من أخوة خندف فإن كان دفعهم ولد إسماعيل عن تشابك نسبهم بولد اسحق لنزول إسماعيل الحرم ونكاحه في جرهم فإن الديار قد تتناءى والمحال قد تتباين والرجل قد ينكح في البعيد وقد يولد له من الاماءِ ولا تنقطع الأرحام والأنساب وإن كان إسماعيل نطق بالعربية فليس اختلاف الناس في الألسنة يخرجهم عن نسب آبائهم وإخوانهم وعشائرهم فهؤلاء أهل السريانية قد خالفوا في اللسان أهل العبرانية وهذه الروم كفرت بالله ولا شيء أقطع للعصمة من الكفر وتكلمت بالرومية ورغبت عن لسان آبائها وليس ذلك بمخرجها عن ولادة اسحق بن إبراهيم عَلَى أن إسماعيل لم يكن أول من نطق بالعربية وإنما تعلمها وإنما أصل العربية لليمن لأنهم من ولد يعرب بن قحطان وكان يعرب أول من تكلم بالعربية حين تبلبلت الألسن ببابل وسار حتى نزل اليمن في ولده ومن أتبعه من أهل بيته ثم نطق بعده ثمود بلسانه وشخص حتى نزل الحجر. حدثني أبو حاتم قال حدثني الأصمعي قال اخبرنا أبو عمرو بن العلاء قال تسع قبائل قديمة طسم وجديس وعهينة وضجم بالجيم وبالحاء وجعم والعماليق وقحطان وجرهم وثمود. وحدثني أبو حاتم قال حدثنا الأصمعي قال حدثنا ابن أبي الزناد عن رجل من جرهم قال: نحن بدءٌ من الخلق لا يشاركنا أحد في أنسابنا بقول من قدمنا فهؤلاء قدماء العرب الذين فتق الله ألسنتهم بهذا اللسان وكانت أنبياؤهم عرباً هود وصالح وشعيب. حدثني عبد الرحمن عن عبد المنعم عن أبيه عن وهب بن منبهٍ أنه سأل عن هود أكان ابا اليمن الذي ولدهم قال لا ولكنه أخو اليمن في التوراة فلما وقعت العصبية بين العرب وفخرت مضر بأبيها إسماعيل ادعت اليمن هودا ليكون لهم والد من الأنبياء. قال وأما شعيب من ولد رهط من المؤمنين تبعوا إبراهيم لما هاجر إلى الشام ولم يكن يثبت لهم نسب في بني إسرائيل ولم تكن مدين قبيلة ولكنها أمة بعث إليها فلما بوَّأ الله إسماعيل الحرم وهو طفل وانبط له زمزم مرت به من جرهم رفقة فرأوا ما لم يكونوا عهدونه وأخبرتهم هاجر بنسب الصبي وحاله وما أمر الله أباه فيه وفيها فتبركوا بالمكان ونزلوه وضموا إليهم إسماعيل فنشأ معهم ومع ولدانهم ثم أنكحوه فتكلم بلسانهم فقيل نطق باليعربية إلا أن الياء زيدت في الاسم فحذفت في النسب كما تحذف أشياء من الزوائد وغير كما تغير أشياء عن أصولها والدليل على أن أصل اللسان لليمن أنهم يقال لهم العرب العاربة ويقال لغيرهم العرب المتعربة يراد الداخلة في العرب المتعلمة منهم وكذلك معنى التفعل في اللغة يقال تنزر الرجل إذا دخل في نزار وتمضر إذا دخل في مضر وتقيس إذا دخل في قيس وقال الشاعر: وقيس عيلان ومن تقيسا ولو كان كل من تعلم لساناً غير لسان قومه ونطق به خارجاً من نسبهم لوجب أن يكون كل من نطق بالعربية من العجم عربياً وسأقول في الشرف باعدل القول وأبين أسبابه ولا أبخس أحداً حقه ولا أتجاوز به حده فلا يمنعني نسبي في العجم أن أدفعها عما تدعيه لها جهلتها واثني أعنتها عما تقدم إليها سفلتها واختصر القول واقتصر على العيون والنكت ولا اعرض للأحاديث الطوال في خطب العرب وتعداد أيامها ووفدات أشرافها عَلَى ملوك العجم ومقاماتها فإن هذا وما أشبهه قد كثر في كتب الناس حتى اخلق ودرس حتى مل لا سيما وأكثر هذه الأخبار لا طريق لها ولا نقلت من الثقات والمعروفين أيضاً تخبر عن التكلف وتدل عَلَى الصنعة وأرجو أن لا يطلع ذوو العقول وأهل النظر مني عَلَى إيثار هوى ولا تعمدٍ لتمويه وما أتبرأ بعده من العترة والزلة إلا أن يوفقني الله وما التوفيق إلا به. وعدل القول في الشرف أن الناس لأب وأم خلقوا من تراب وأعيدوا إلى التراب وجروا في مجرى البول وطووا على الأقذار فهذا نسبهم الأعلى الذي يردع أهل العقول عن التعظم والكبرياء ثم إلى الله مرجهم فتنقطع الأنساب وتبطل الأحساب إلا من كان حسبه تقوى الله وكانت ماتته طاعة الله. وأما النسب الأدنى الذي يقع فيه التفاضل بين الناس في حكم الدنيا فإن الله خلق آدم من قبضة جميع الأرض وفي الأرض السهل والحزن والأحمر والأسود والخبيث والطيب يقول الله عز وجل والبلد الطيب يخرج نباته بإذن ربه والذي خبث لا يخرج إلا نكدا فجرت طبائع الأرض في ولده فكان ذلك لاختلاف غرائزهم فمنهم الشجاع والجبان والبخيل والجواد والحي والوقاح والحليم والعجول والدمث والعبوس والشكور والكفور وسبباً لاختلاف ألوانهم وهيآتهم فمنهم الأبيض والأسود والأسمر والأحمر والأقشر والوسيم والخفيف على القلوب والثقيل والمحبب إلى الناس من غير إحسان والمبغض إليهم من غير ذنوب وسبباً لاختلاف الشهوات والإيرادات فمنهم من يميل به الطبع إلى العلم ومن يميل به إلى المال ومن يميل به إلى اللهو ومن يميل به إلى النساء ومن يميل به إلى الفروسية. ثم يختلفون أيضاً في ذلك فمنهم من يسرع إلى فهمه الفقه ويبطئ عنه الحساب ومنهم من يعلق بفهمه الطب وينبو عنه النجوم ومنهم من يتيسر له الدقيق الخفي ويعتاص عليه الواضح الجلي ومنهم من يتعلم فناً من العلم فيرسخ في قلبه رسوخ النقر في الحجر ويتعلم ما هو أخف منه فيدرس دروس الرقم عَلَى الماء ومن طلبة المال من يطلبه بالتجارة ومن يطلبه بالجراية ومن يطلبه بالسلطان ومن يطلبه بالكيمياء فيتلف بالطمع الكاذب والتماس المحال اثلة المال ومن طلبة النساء من يريد المهفهفة ومن يريد الضناك ومن يريد الغرة الصغيرة ومن يريد النصف الوثيرة وأعجب من هذا من ربما حبب إليه العجوز قال الشاعر: عجوز عليها كبرة وملاحة اقاتلتي يا للرجال عجوز عجوز لو أن الماَء ملك يمينها لما تركتنا بالمياه نجور ومن لؤم الغرائز أن من الناس من يحب الذم كما يحب غيره المدح ويرتاح للهجاء كما يرتاح غيره للثناء ومنهم من يغري بذم قومه وسب نفسه وآبائه وشتم عشيرته منهم عميرة بن جعيل التغلبي وهو القائل: كسا الله حي تغلب ابنة وائل من اللؤم اصغاراً بطيئاً نصولها ومنهم الحرمازييقال له الكذاب الحرمازي واسمه عبد الله بن الاعور وقيل له الكذاب لكذبه اهمن طبقات الشعراء للمؤلف وهو القائل: إن بني الحرماز قوم فيهم عجز وتسليط عَلَى أخيهم فابعث عليهم شاعراً يخزيهم يعلم منهم مثل علمي فيهم ومنهم القحيف وهو القائل في أمه: ياليتما أمنا شالت نعامتها أيما إلى جنة أيما إلى نار ليست بشبعى ولو أسكنتها هجراً ولا بربا ولو حلت بذي قار تلهم الوسق مشدوداً اشظته كأنما وجهها قد طلي بالقار خرقاء في الخير لا تهدى لوجهته وهي صناع الأذى في الأهل والجار شذرة ذهبمن فن الأدب من كلمات اللغة العربية ما يدل عَلَى أصل المعنى. ومنها ما يدل على المعنى نفسه مع زيادة قيد أو شرط أو وصف حالة. مثال الأول أن تقول افتخر زيد فإنه يفيد أصل معنى الافتخار. ومثال الثاني أن تقول تنفخ زيد فإن معناه الافتخار وشيء آخر زائد: وهو أن يفتخر الإنسان بما ليس عنده أو بصفة ليست فيه. أو يفتخر أحياناً بأكثر مما عنده. فيكون كريماً بالجملة مثلاً ثم يصف من كرمه وجوده أكثر من الواقع ومما يعلمه الناس فيه. فحينئذ يقال عنه أنه تنفخ. وقريب من معنى المتنفخ الفتحة — بضم الفاء وفتح التاء. وقالوا في معناه أنه الرجل الذي يتنفخ في المجالس ويكثر من ذكر ما أُوتيه من ملك وأدب يتطاول بذلك عَلَى الحاضرين. ومثل تعلم فإنه يفيد أصل التعلم. أما إذا قلت أَخصى فإنه يفيدنا زيادة معنى في التعلم. هو أنه تعلم علماً واحداً كأن يتعلم فن الطب وحده أو الكيمياء وحدها ولا يلقى باله إلى غيرها من العلوم. مثل هذه الأوصاف أو الأفعال التي تدل على معنى مركب يجب أن نعنى بها ونجمع منها طائفة للقارئ والكاتب. قد تريد أيها الكاتب أن تصف إنساناً بكونه متقلباً لا يثبت عَلَى رأي واحد فتارة يتبع رأي هذا. وطوراً رأي ذاك. فتفكر كثيراً في كلمة تدل عَلَى هذا المعنى المركب. ولكنك إذا حفظت كلمة إمعة — بكسر الهمزة وتشديد الميم المفتوحة — فإنك تستعملها وتقول. فلان لا بأس به ولكنه إِمعة تريد أنه لا رأي له وإنما يتابع كل إنسان عَلَى رأيه. وقد تريد أن تصف صاحبك بأنه لا يثبت عَلَى صداقة أحد فهو يؤاخي هذا يوماً ويمله. وينتقل إلى مؤاخاة الآخر وهكذا. تريد وصفه بذلك فيعيبك الأمر وربما سردت لبيان هذا المعنى جملاً طويلة عريضة ولكن العرب يقولون لا تثق بفلان فإنه مقطاع أي لا يثبت عَلَى مؤاخاة أحد. وقد تحاول وصف بعض معارفك بأنه كسول لا ينشط إلى الكسب ولا يسعى في طلب معاشه فيضيق عليك الوصف أما إذا تعلمت كلمة لبد عَلَى وزان كتف فإنك تصفه به وتقول أن صاحبي فلان لبد لا يبرح منزله ولا يطلب معاشاً لنفسه وقريب من كلمة تنفخ التي معناها افتخر بما ليس فيه كلمة ابتهر هو أن يقول المرء فعلت كذا وأفعل كذا وهو لم يفعل شيئاً مما ادعى. وكثيرون يدعون فعل مالم يفعلوا فيضيق المرءُ ذرعاً بالواحد من هؤلاء ويريد أن يوجز في وصفه وفي الأخبار عنه بكلمة واحدة فأرى له أن يقول: دعونا من فلان فإنه يبتهر في كل ما يقول. أما إذا كان المرءُ يقول فعلت الشيءَ ويكون قد فعله صدقاً. فهل من كلمة تدل عَلَى هذا المعنى؟ تدل عليه كلمة الابتيار: فإذا قلنا فلان يبتار كان معناه يقول ويفعل لا كصاحبنا الأول الذي يبتهر ابتهاراً. وقد جمع الأعشى الشاعر الكلمتين في قوله: قبيحٌ بمثلي لفت الفتا ة إِما ابتهاراً وإما ابتيارا يقول أنه لا يليق بأدبه أن يعرض بالفتيات ويأخذ في سرد حوادثه مع أوانس الحي: فيقول كان من أمري مع فلانة كذا وخبري مع فلانة كذا: فهو لا يبتهر ولا يبتار ولا يقول عن الفيثات شيئاً صادقاً أو كاذباً. فليتق الله ازيار النساء وليأنسوا بالأعشى فإنه موضوع للأسى. ويعرض لك أحياناً أن تقول: إن القاضي كان يكلم المدعى عليه أثناء المحاكمة بغيظ وغضب. فبدل أن تأتي بكلمتين تقول كان يدمدم عليه أي يكلمه بغضب واراك تتهيب استعمالها لأول الأمر ثم لا تلبث أن تأنس بها ويألفها سمعك فتشيع وتروج بين الكتاب. وإذا مات امرؤ في ميعة الشباب وصحة الجسم وأردت أن تخبر بذلك فقل مات فلان عبطة. أي شاباً صحيحاً. واعتبطه الموت. وقد تعيب آخر بكونه يشبه النساء في شدة تزينه وتنعمه فتأتي في وصفه بكلام كثير. والأجدى لك أن تقول لا يعجبني فلان فإنه يتزلق. قالوا ومعناه أن يتزين وينعم حتى يكون الونه وبيض أي لمعان ولبشرته بريق. وإذا أردت أن تثني على صديقك بأنه ينفق عَلَى ذوي رحمه الفقراء ويكفيهم ذل السؤال تقول أنه يعوله ولكن هناك كلمة أخرى لا أرى بأساً في استعمالها وهي ن تقول أنه يقعدهم — بتشديد العين — أي يقوم بأمرهم ويكفيهم مؤونة الكسب وأحسبك تفضل يعول عَلَى يقعد وتقول أنها أخف منها على السمع. نعم ولكن الاستعمال كفيل بصقلها وإدنائها من الذوق. والمرأة التي تبغض زوجها ماذا يقال لها؟ يقال لها فارك أما إذا كانت تحبه فتسمى العلوق وقالوا أنها التي لا تحب غير زوجها. وإذا مر موكب في الشارع ورأيت امرأة تنظر إليه من نافذة بيتها وتمد عنقها مبالغة في المد فقل أنها تتلع أي تمد عنقها متطاولة. وإذا رأيت صاحبك يمشي الهوينا وينسحب انسحاباً وأردت أن تحكي عنه تقول أني رأيته يتخزل أي يمشي وهو متثاقل في مشيته. وإذا كان صاحبك المذكور مولعاً بمعاشرة النساء والجلوس أليهن فقل عنه أنه عل. وقالوا في تفسير أنه الذي يكثر زيارة النساء. والراهب لا تعرف له اسماً غير اسمه هذا ولكنني أذكرك باسم آخر ربما فاقه رشاقة وحسناً وهو الابيل وقالوا في معناه أنهُ الراهب المنقطع عن النساء. ومن كلامهم فلانة لو أبصرها الابيل لضاق به السبيل وما أحلى ما قاله محي الدين بن العربي في هذا المعنى: لو أَنها برزت لأشمط راهب فاق العباد عبادة لو أنها واتت لتطلب منه ما خلقت له متذكراً نهي المسيح لما انتهى لم يدع ابن العربي وجهاً من أوجه الحسن اللفظي والمعنوي إلا أودعه بيتيه هذين: وقوله لو أنها في آخر البيت لأفادة استبعاد أن تبرز تلك الفتاة من خدرها وهذا يستلزم أن تكون حصاناً عفيفة. وقوله لتطلب منهُ ما خلقت له غاية في نزاهة التعبير ولطف الإشارة. وقوله متذكراً نهي المسيح مما يؤكد حسن تلك الفتاة فضل تأكيد. وأن جمالها يملك النفس ويخدر الحس. ويوجد أناس يتركون اللحم فلا يأكلونهُ. فإذا أردت أن تخبر فلاناً من هؤلاء القوم. وبحثت عن كلمة واحدة تؤدي هذا المعنى المركب دللتك عَلَى قولهم فلان يتنحس بالحاء المهملة عَلَى وزن يتكلم أي ترك أكل اللحم. وإذا ترك التلميذ المذاكرة ومطالعة دروسه ومال إلى البطالة والكسل ماذا تسمي عمله هذا؟ تسميه تناوة وقالوا في تفسيرها أنها ترك المذاكرة وهجران المدارسة. وإذا كان التلميذ نفسه قد اعتاد عادة قبيحة وهي أن يغمض عينيه ويفتحهما دواليك وأردت أن تنهاه عن ذلك فقل له دع هذه العادة يا بني ولا ترضك عينيك أي لا تغمضهما وتفتحهما. وهو رباعي وماضيه أرضك عَلَى وزن أكرم. وإذا لامك لائم على شيء لم تفعله فقل أنهُ يتذقح لي أي ينسب إلي ذنباً لم أفعله ومثله يتجرَّم وكلاهما عَلَى وزن يتكلم ومثلهما يتجنى فلان عَلَى فلان. وإذا وقح الرجل وقل حياؤه فلم يعد يبالي ذمهُ الناس أو مدحوه. رضوا عنهُ أو سخطوا عليه. فذهب في ارتكاب المآتم واجتراح السيئات كل مذهب ماذا تسميه؟ يسمونه مستولغ وفسروها بأنه الرجل لا يبالي ذماً ولا عاراً. وهناك تعبير آخر يفيد هذا المعنى. وهو قولهم أن فلاناً يلحم الناس عرضه أي يمكنهم من عرضه بما يفعله من المقاذر والمخازي فيقعون فيه ويطعنون عليه. فكأنه بذلك جعل عرضه لحماً أطعمهم إياه. وأكل لحم الغير كناية عن اغتيابه والنيل من عرضه. ومنه قوله تعالى أيحب أحدكم أن يأكل لحم أخيه ميتاً. وإذا مهدت لك أسباباً حملتك بها على سب فلان وشتمه كنت قد ألحمتك عرضه. وورد إن الله يبغض البيت اللحم بكسر الحاءِ على وزن كتف. وفسروه بالبيت الذي تؤكل فيه لحوم الناس بغيبتهم والاستطالة في أعراضهم. وكان للوليد بن عبد الملك ولد يقال له العباس. ولم يكن في أطواره وأخلاقه كشبان بني مروان بل كان امرأَ صدق يتشبه بعمر بن عبد العزيز فقال يخاطب قومه ويحثهم عَلَى الاتحاد والإقلاع عن الفجور ومخالفة الدين. ان البربة قد ملت سياستكم فاستمسكوا بعمود الدين وارتدعوا لاتلحمن ذئاب الناس عرضكمو إِن الذئاب إذا ما أُلحمت رتعوا فقوله لا تلحمن بضم التاءِ وكسر الحاء وتشديد الميم المضمومة خطاب للجميع وقد حذفت واوه لاتصالها بنون التوكيد. أي أن الناس كالذئاب فإذا مكنتموهم من الوقيعة فيكم لا يقصرون كما الذئاب إذا رأوا فريسة أغروا بها ونهشوا منها. ومن الناس من يقابل الآخرين بذكر ما يؤلمهم ذكره. ويصف من أحوالهم ما يحملهم به عَلَى كره الحياة بل كراهة أنفسهم. فهذا الرجل الذي يفعل بالناس كذلك يسمى أَجوم عَلَى وزن جسور ويقال أنه يؤجم الناس — بتشديد الجيم — أي يكره إليهم أنفسهم. وهو مشتق من أجم الطعام وغيره إذا كرهه ومله. وقد قام في زماننا قوم ينقصون العرب. ويصغرون من شأنهم وآخرون يفعلون كذلك بالمسلمين فماذا تسمي الأولين؟ وماذا تسمي الآخرين؟ الأَولون يسمون شعوبية ٩ والواحد منهم شعوبي وقالوا في تفسير الشعوبية أنهم الذين يحتقرون العرب. والآخرون يسمون دققة — بفتح القافين — وقالوا أنهم الذين يظهرون عيوب المسلمين. أما دققة فطاهر أنه مشتق من دقق نظره في الشيء إذا تأمل فيه. وبحث في ما خفي عليه من أمره. ومن يكره المسلمين يفعل ذلك وينقب عن مساويهم ليشهر بها ويشنع عليها. وأما الأولون مبغضو العرب فلماذا سموا شعوبية؟ سموا بذلك نسبة إلى الشعوب جمع شعب بفتح الشين وهو الجماعة الكبيرة من الناس غير العرب. أما الجماعة الكبيرة من العرب فتسمى قبيلة كما أن الجماعة الكبيرة من بني إسرائيل تسمى سبط. فالقبائل للعرب. والأسباط لليهود. والشعوب لغير هؤلاء وأولئك. ومنه قوله تعالى في صدد الامتنان عَلَى البشر وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. وكتب المعتمد بن عباد أحد ملوك الأندلس إلى يوسف بن تاشفين ملك المغرب يستنجده عَلَى الاسبانيول — فأنا نحن العرب في هذه الأندلس قد تلفت قبائلنا. وتفرق جمعنا. وتغيرت أنسابنا. فصرنا فيها شعوباً لا قبائل. وأشتاتاً لا قرابة ولا عشائر الخ. فانظر كيف قال أنهم تلفت قبائلهم فلم يعودوا قبائل وإنما أصبحوا شعوباً أي جماعات أعجمية. وذلك بسبب فقدهم مزايا العرب وكريم خصالهم التي منها النجدة والنعرة في حماية الذمار. والدفاع عن الجار. أما الكتاب اليوم فقلما يفرقون بين الشعوب و القبائل وإنما يستعملونها في مطلق الجماعات من أي جنس كانوا. ولما كانت شعوب الأعاجم تحط من قدر قبائل العرب عادة سمي كل من يحتقر أمر العرب شعوبي. استعمار الهند أحدث ما يقوم به الهنود في العهد الأخير م مقاومة حكومتهم قلقاً وهلعاً وذلك أن الثورة تضطرب لهزتها أعصاب إمبراطورية الهند والقوم هناك يدعون إلى الاستقلال جهاراً حاملين العلم الأحمر ويقوم الدعاة من كل مكان يوقدون جذوة التعصب والتحزب ولا يستنكفون من إتيان كل منكر من قتل النفوس وإهراق الدماء. قويت هذه الحركة وامتدت دون أن يعوقها عائق لأنه لم يهتم بها أحد في مبدأها لغرابة أمرها ولأنها ظهرت غير متناسبة مع حال العقول في الهند. ولئن كان جمهور موظفي الحكومة الإنكليزية هناك عَلَى جانب من طهارة الوجدان والعلم والتهذيب والتجارب إلا أنهم لم يحسبوا لهذه الحركة حسابها ووهموا في نتائجها وفلتهم عَلَى ما عرفوا به من الذكاء إن ما دعا إلى ذلك غلطات لهم ارتكبوها فنشأ عنها ما نشأَ. وللوقوف عَلَى الصلات المتبادلة بين الحكام الانكليز والمحكومين الوطنيين من الهنود يجب أن نبين الأسس التي قامت عليها الإدارة البريطانية في شبه جزيرة الهند فنقول: إن الهند أوسع من أوربا فمساحتها ٤ ، ٨٩٤ ، ٠٠٠ كيلو متر مربع وسكانها ٢٦٦ مليوناًان مساحة اقليم برامانيا وحده ٧٥٠ الف كيلومتر مربع وليس فيه من السكان سوى ثمانية ملايين وأهلها خليط من الناس ما كانوا ولن يكونوا أمة برأسها. قال الفرد ليل: كل من أراد أن يحكم عَلَى امرئٍ بالحكومة التي تحكمه والبلاد التي ينزلها لا يكون حكمه إلا ناقصاً إذ يجهل بذلك طبيعة الحكومة التي تحكمه لا يفيد شيئاً في معرفته نفسه لأن الحكومة نتيجة أحوال عارضه وتدبير موقف اهـ. لما استولى الانكليز عَلَى الهند عقيب أن دالت دولة المغول ورفع عن بعض ارجائها علم الفرنسيين لم يجدوا أمامهم حكومة وطنية في البلاد ولا جماعة اجتمعوا لتدبير شؤونهم تربطهم المصلحة المشتركة بها بل رأوا هنا وهناك عصابات غير طبيعية نشأت بالاتفاق بطبيعة الفنح وظلت بطبيعة الحال عبارة عن مجتمعات منفصمة العرى تجمع تحت لوائها ملايين من الناس في أماكن متباينة وكان لهذه الأنوام بحسب مكانتها زعماء يقودونها اسموا أنفسهم أمراء وراجات ونواباً وسلاطين وامبراطرة ولم تتغير هذه الصورة من الحكومة منذ الأعصر التي استولى فيا الفرس والمقدونيون والبارثيون والتتار والمغول وغيرهم عَلَى تلك القارة. ومع ما نراه من حال ذاك الشعب المهزع المنتشر الأطراف الخالي من كل جامعة قد انشأ له مدينة باهرة دامت قروناً تنير العالم بدائعها وظلت إلى يوم الناس هذا لم تمسها يد بسوءٍ. فارتبط الهنود من الشمال إلى الجنوب من جبال حملايا إلى رأس كومور برباط واحد وعملوا بقلب واحد وتبعوا بروح واحدة تدفعها الثبات الذي لا يوصف والغاية المشتركة التي وجهوا كلهم وجهتهم إليها وذلك أنهم لم يرموا إلى غرض سياسي ولا إلى غرض اقتصادي بل لأن المجتمع الذي ألفوه ورتبوا درجاته لم تكن غايته زمنية دنيوية بل كانت دينية فاستقام الأمر للمستعمرين لأن القوم لا تهمهم السياسة ولأن النواب والراجات المغلوبين عَلَى أمرهم ليست لهم أصول راسخة في البلاد ولا منزلة في قلوب الأمة فكان الدين هو الذي يحرص القوم عَلَى بقائه والانكليز أحرص الناس على احترامه ولا سيما بين طبقات البراهمة التي كان لها تأثير شديد في العامة. أدرك الانكليز في الحال صراحة بأنهم في حلّ من أن يؤسسوا في الهند الحكومة التي تروقهم من حيث الإدارة والنظام السياسي والتشريعي على أن لا يمسوا المعتقدات ولا رجال الدين بسوء فانشأوا حكومة جديدة سموها حكومة الاستقلال ولم يراعوا في تأسيس هذه الحكومة أصول الشعوب إذا كان هنا البنغاليون الجياع وهناك الباهراتيون الشجعان وفي مكان أبعد سكان ميزور وفي المقاطعات الأخرى السيخيون النشيطون فتجد الفلسفة العالية والتصوف البديع إلى جنب الخرافات المستحكمة والتعصب الشديد بل راعوا اختلاف طبائع الأقاليم من حيث وضعها الطبيعي عملاً بما قاله أحد رجالهم من أن الاختلاف في أصقاع الهند أشد مما تراه في ظاهر أرضنا وسياراتنا من المشاهد. ولم ير المستعمرون من مصلحتهم أن يؤلفوا وطنية هندية فيكون لسكان بنجاب وبنغل وطنية خاصة بل عزموا عَلَى توسيع الاختصاص وتقسيم البلاد في إدارتها عَلَى خلاف ما جرت عليه فرنسا في ربط البلاد كلها بالعاصمة مباشرة لأنها ترمي إلى تجنيس أهل البلاد المستعمرة بالجنسية الفرنسوية. وبعد تجارب طويلة تمت لانكلترا سنة ١٨٦١ صورة الهند وكانت هذه الصورة معدلة منظوراً فيها وهي الصورة التي جرت عليها شركة الهند الشرقية سنة ١٧٧٣ واستصدرت بها قانوناً من مجلس النواب فقسمت الهند أولاً إى ثلاث ولايات بنغال ومدراس وبومباي دعوها رئاسات لأن إدارتها كانت بيد مجلس ينشر القوانين وينفذ القرارات وفي النصف الثاني من القرن الثامن عشر وهو دور الحروب والمنازعات الهائلة رأت انكلترا من الضرورة أن توحد الإدارة السياسية مع الإدارة الحربية لتقوية كل منها فعهدت سنة ١٧٧٣ بولاية الهند لحاكم بنغال بحيث يكون له التقدم عَلَى حاكمي مدراس وبومباي ولكن ولايته اسمية لا فعلية فأخذت الولايات الثلاث تضيع الوقت في الأخذ والرد والإدارة مختلة الأساليب لا ترجع إلى يد تضم شملها حتى إذا كانت ثورة السيباي سنة ١٨٥٧ وهي التي كادت تخرج انكلترا من الهند وضعت الحكومة صورة إدارة كانت أساساً للإمبراطورية الهندية وهو عمل إداري لم توفق إليه أمة ولم يخطر في خاطر حاكم. فقسمت أراضي الهند إلى طبقتين جوهريتين أراضي السلطنة البريطانية أي البلاد التي تحكمها انكلترا مباشرة وهي عبارة عن ولايتي مدراس وبومباي اللتين بقيتا عَلَى ما كانا عليه في حدودهما وولاية بنغال وقاعدتها كلكوتا جعلت عاصمة المملكة وقسمت إلى ثماني مقاطعات لها حق الانتخاب. والطبقة الثانية إمارات الوطنيين التي تركت تحت سلطة الراجات الاسمية أو الفعلية فقسمت إلى قسمين في وضع الحماية الانكليزية عليها وبذلك صار الحكم للوالي العام والرئاسات وحكومات الولايات والإمارات الوطنية. ولحاكم الهند أو نائب ملكها مجلس مؤلف من ستة وزراء لهم معاونون وفي بعض الأحيان ولا سيما عند سن القوانين يضطر إلى أخذ آراء المجلس وله الحرية أن يعمل بها أو يرفضها وهؤلاء الوزراء يشبهون من وجوه كثيرة وزراء لويس الرابع عشر لا وزراء ادوارد السابع وهم وزير الداخلية والخارجية والمالية والمعارف والتجارة والحربية والعدلية والأشغال العمومية ويحق لواليي مدراس وبومباي أن يحضرا في المجلس عضوين فوق العادة وهذا المجلس الوزاري يجتمع في المكان الذي يستني الحاكم العام فحيثما التأم فهناك العاصمة. ويضاف إلى هذا المجلس بعض الأعضاء فيصبح برلماناً أي مجلس نواب فيكون نصف هؤلاء الأعضاء الإضافيين من الأعيان أوربيين كانوا أو وطنيين عَلَى أن لا يكونوا من موظفي الحكومة يعينهم الحاكم العام فبذلك يصبح العنصر الرسمي في هذا المجلس أكثر من العنصر الأهلي وهذا العنصر قليل العدد ولذلك لا حكم له ومعاونته في الأغلب. أما المجلس التشريعي فله سلطة واسعة لا يقف أمامها إلا امتيازات البرلمان البريطاني وحقوق السلطنة الانكليزية وتفقد قراراته عند ما يصدق عليها حاكم الهند. وهذه الطريقة التي تسهل إحالة السلطة الإجرائية إلى السلطة التشريعية تحل مسألة تقسيم الإدارة عَلَى ليسروجه في حين تمنحها وحدة الآراء والأميال. وفي مجلس النواب كما في مجلس الوزراء يعمل كل عضو بما فيه المنفعة العامة وينظر في المسائل التي يحسن معرفتها بخلو غرض ويعطي رأيه حراً وللموظفين ضمانات لا تضر بالنظام ولكنها تقي أشخاصهم كل الوقاية. وبعد فإن الحكومة العامة تنظر خاصة في المسائل الملكية كالديون العمومية والكمارك والرسوم الأميرية والمقايضات والبريد والبرق ونفقات الحربية والأديان وقانون الجزاء والباتنتا والعلائق الخارجية والحقوق الأدبية وغيرها فتوجه دفة السياسة إلى الوجهة التي تختارها وتوحد بين المصالح العامة والخدم العامة فهي المنظمة والمدبرة وحافظة العهد الدستوري أما ولاة الأقاليم فلكل منهم مجلس خاص ومجلس تشريعي لا تسري أحكامه عَلَى أحكام الحاكم العام كما ن هذا لا يتعدى عَلَى امتيازات الإمبراطورية وما عدا ذلك فالحكومة مالكة حريتها برمتها ولها مطلق التصرف أن تقرر ما تشاء. ويخاطب واليا مدارس وبومباي لندرا مباشرة ويناولان التعليمات بأنفسهما أما سائر الولايات فإدارتها ترجع إلى ولاة وبعضها إلى متصرفين يعينهم الحاكم العام ويتناولون رواتبهم من الإمبراطور ويختارهم من الموظفين الذين قضوا عشر سنين في الهند على الأقل وهم يخابرون كلكوتا في شؤونهم ولكن في الأمور الإدارية ولهم سلطة كسلطة والي مدراس وبومباي ولهم الميزة عليهم بأنهم أكثر خبرة ونفوذاً. أما الجيش فيؤلف من جيش عامل ن الأوربيين والهنود ويقدر بمائتين وسبعين ألفاً منهم ثلاثة وسبعون ألفاً من الانكليز ومن جيش مساعد تقدمه الإمارات الوطنية المستقلة عدده ٣٨٠ ألفاً ولكن على الورق فقط وعنده أربعة آلاف مدفع وإذا استثني من الجيش العسكر الانكليزي وبعض الالايات كالسيخيين والباتام والغوركا فالجيش الهندي لا يساوي شيئاً. وإذا استثني من الجيش المساعد فيلق مملكة الكواليور لا يساوي شيئاً أيضاً. قال أحد كبارهم أن هذا الجيش عبارة عن خليط من الأوباش لا علم له بالتدريب الحربي وليس لديه سلاح منظم وإن الايين أو ثلاثة من جيشنا مع بطارية خيالة تمزق شمل خمسين ألفاً من مثل هؤلاء المحاربين فمجموع هذا الجيش العامل وقدره سبعمائة ألف مع الجيش الاحتياطي هو عبارة عن تضليل يزول كالسراب أو كالدخان عند مداهمة الخطر. وتقسم كل ولاية وارداتها مع الولايات العامة عَلَ نسبة محددة وتقوم بنفقات القضاء والمعارف والأشغال العمومية وإعانة البائسين ولكل ولاية الحق في أن تستلف نقوداً على واردات خمس سنسن تصرفها في الطرق التي تراها نافعة لعمران ولايتها وتقتصد ما تشاء وفي الهند أربع محاكم عالية في بومباي وبنغال والشمال الغربي ومدارس تميز إليها أهم الدعاوي المدنية والجزائية وينتخب أعضاؤها من قبل السلطنة الانكليزية ويقبض كل عضو من مئة إلى مائتي ألف فرنك راتباً سنوياً وفي كل حاضرة ولاية محكمة استئناف ومحكمة جزاء نقالة ثم محاكم المقاطعات ويعمدون تارة إلى استعمال قانون لندرا وإذا وقع اختلاف بين أوربيين من رعايا انكلترا يطبقون عليهم القانون الهندي وأحياناً قانون الجزاء الانكليزي الهندي. ومأمورو الإدارة الملكية عبارة عن ٧٦٥ موظفاً فيكون بذلك موظف واحد لكل ربع مليون ساكن وتحت أيديهم صغار الموظفين من الوطنيين . ومن مبدأ انكلترا في الهند أن تبقي جميع الوظائف الكبرى في أيدي الأوربيين وتعطي جزءاً مهماً منها للوطنيين ولا ترى الحكومة أن تقبل أحداً من رعاياها الهنود وتجعلهم انكليزاً في جنسيتهم وهم يهزأون من فرنسا التي جنست رعاياها في بوندشيري بجنسيتها وأعطتهم حق الانتخاب لإرسال نواب واعيان. أما الإمارات الهندية المستقلة فهي منقسمة إلى طبقتين تقل في الأولى السلطة الانكليزية عليها ومنا الإمارات الإسلامية التي تركت وشأنها لأن ذلك اقصد في النفقة عليها ولكن حالتها إلى الزوال لأدنى إشارة تصدر من الحاكم العام ثم أن أمراء تلك الإمارة الإسلامية هم غرباء ويدينون بدين يكرهه السواد الأعظم من رعاياهم فهكذا تجد في مملكة النظام مملكة حيدر آباد الدكنمؤسس هذه الدولة تسعة ملايين من البراهمة لقاء مليون من المسلمين وفي سائر الممالك المستقلةعدد هذه الامارات خمسون مليون برهمي أما ممالك كواليور واندور وبارودا فليس لها من المهراتية إلا الاسم لأن امراءَها هم دخلاء عليها. أما ممالك الطبقة الثانية من الوطنيين فتختلف عن هذه كثيراً ومن الممالك ميزور وراجبوتانا وترافانكور وجيبور وجوبور وملوكها هم من البراهمة ولئن ترى الحكومة من الحكمة أن تضيق خناقهم وهي لا تخافهم ولكنها لا تركن إليهم إلا قليلا قال جايمس ستيفن: إن الانكليز في الهند هم نواب تمدن محارب وسلام تدعمه القوة وما من بلاد نظمت شؤونها وحالفتها الدعة والراحة مثل الهند البريطانية ومتى خفت شدة الحكومة يكر نظام الهند كأنه مأخوذ بسيل جارف اه. وتنقسم درجات التعليم في الهند إلى ابتدائي ووسط وعالٍ وهو النقطة الضعيفة من ذاك البناء الانكليزي الهندي البديع. إن من يسكنون البلاد الواقعة بين نهر الاندوس وشاطئ كورومانديل ويطلقون عليهم اسم الهنود يجب أن يجعلوا م الشعوب التي تشمئز من الغريب وتعاديه شأن كل الشعوب التي لها تاريخ قديم وفلسفة معروفة وتمدن خاص بها وهذا يصدق عَلَى الأكثرية من البراهمة كما يصدق عَلَى الأقلية من المسلمين فالبراهمة يرون من واجباتهم أن لا يحيدوا قيد شبر عن تعليم أولادهم الصنعة التي يعلمها آباؤهم بالإرث وتلقيهم الفروض الاجتماعية والعالمية والدينية التي تصدر عن زعمائهم وإن جزءاً من هذا الشعور ليتعلمه الطفل بالفطرة والتقليد وباقيه يحصله في مدرسة قريته أو يأخذه عن رئيسه الديني مع ما يأخذ من آداب أمته ودينها فيملأ ذهنه بالتراكيب المبهمة والصلوات ولا سيما صلاة الغداة ومعناها: لنعبد النور السامي من هذه الشمس ربة كل وجود في الوجود التي تقود فكرنا كما تقود عين معلقة بقية السماوات. أما التعليم الحديث فإن رب الأسرة يدفعه عن أسرته مشمئزاً بقدر ما كان يشمئز لاوكون من هدايا اليونان ويرفضها ولذلك يعز عَلَى البراهمة أن يخونوا مبادئهم المقدسة وأكثر ما يحذرونه من الأمور التي يحملها إليهم الغرب المدرسة فإن شيئاً خفياً في فطرتهم يدعوهم في السر: إياكم والمدرسة الانكليزية فهي عدوتكم. وعَلَى هذا حارت انكلترا في سياسة التعليم التي تجري عليها بين البراهمة لأنها لا تستطيع أن تعلمهم التعليم الأوربي إلا إذا أضرت بمعتقداتهم الدينية ومعتقدهم هو وطنيتهم وهي لا تريد أن يخرجوا عنها حتى إن انكلترا اضطرت سنة ١٨٤٠ أن تجيب مطالب ثلثمائة ألف رجل اجتمعوا في سهل بنارس يقيمون الحجة عَلَى الرسوم التي تريد وضعها على البيوت وعزموا أن يهلكوا جوعاً أو تجيبهم الحكومة إلى إلغاء هذه الرسوم فأجابتهم مكرهة مخافة أن يحدث وباءٌ فإذا عادت روح الاعتصاب وسرت في أعصاب مائتي مليون رجل لمقاومة سياسة التعليم ماذا تعمل بريطانيا؟ ولم تر انكلترا اسلم لها من تلقين الهنود مبادئها بالتدريج على أن تعلمهم ما تعلمه أبناءها في عاصمة الجزائر البريطانية وتشربهم حب الانكليزية عَلَى شرط أن لا يحيدوا عن جادة الإخلاص لها ولا يسيئوا استعمال المفتاح الذي تسلمهم إياه ويستخدمونه لفتح الباب في إيذائها والمسألة لا تخلو من إشكال أيضاً فيما يتعلق بأهل الطبقة العالية من المسلمين فقد جاء في أحد التقارير عن الهند ما نصه: إنا إذا صرفنا النظر عن الأسباب الاجتماعية والتاريخية في الشعب الإسلامي في الهند نرى لانحطاطهم أسباباً ذات شأن لها علاقة بتربيتهم التي تؤثر في حياتهم فتعليم الجامع يجب عندهم أن يكون سابقاً دروس المدرسة ولا يتيسر أخذ الطفل من المسلمين إلا بعد أن يقضي بضع سنين في مدرسة يتعلم فيها اللغة العربية والفقه الإسلامي ولكن تعليم المدرسة الدينية يقوده إلى أن يختار الخدم الدينية مؤثراً لها عَلَى أربح المسالك والأعمال. وقد أيدت التجارب هذه الملاحظة إذ حدث أن حب الوظائف العامة قد أثر قليلاً في المسلمين في الهند وظلوا يقاومون التعليم الانكليزي كل المقاومة ولحسن طالعهم لم تعن الحكومة الانكليزية بأن تجعل المسلمين أوربيين كما حرصت عَلَى جعل الهنود كذلك ورأت انكلترا أن تنقذ الطبقة العالية من الهنود من الأوهام القديمة لتستخدم منهم أناساً في الإدارة والقضاء والمالية وقد رأَى اللورد ماكولى سنة ١٨٣٥ على ما فيه من العقل الذي أثر تأثيراً سيئاً في الهند أن من الواجب تعليم اللغة الانكليزية في مدرسة شبان الهنود من أرباب الطبقات المختلفة لترشيح الانكليزية من الأعلى إلى الأدنى وكان يقصد من ذلك أن يأخذ ما يلزم للبلاد من الموظفين من أهل البلاد أنفسهم. وفي سنة ١٨٥٤ أنشأت انكلترا ديوان المعارف العمومية فعنيت بإدخال اللغة الانكليزية إلى مدارس بنغال وبنارس ونظمت مدارس الوطنيين مع محافظتها لها عَلَى صفاتها الخاصة وفي سنة ١٨٥٧ أثمرت البذرة التي وضعها لورد ماكولي في تربة الهند فأسست ثلاث كليات في كلكوتا وبومباي ومدارس عَلَى مثال الكليات الانكليزية فيها أنواع الراحة والرفاهية وتدرس فيها الدروس التقليدية وأنشئت في حاضرة كل مقاطعة مدرسة عالية وفي المدن الصغرى مدارس وسطى ثم أُنشئت كليات لاهور لإقليم بنجاب والله آباد لإقليم الشمال الغربي وساغ للمتخرجين من تلك الكليات أن يتدرجوا في المراتب مثل من تخرجوا من كليتي أكسفورد وكمبردج. فتخرج من تلك الكليات أناس من أرباب الذوق والأدباء والمشرعون وقل في المتخرجين العلماء إذ لاحظ السير هنري مين أن عقل الهندي المستعد لقبول ما حلا وطاب من المعارف هو محروم مما يتصور من قياس مدقق الحقيقة فالهندي يجيد التكلم والكتابة والتفكير الدقيق ولكنه متوسط الاستعداد للحساب والأرقام وأصبحت الحكومة تبعث إلى لندرا بأرقى طبقة من متخرجي كليات الهند ليكونوا نموذجاً عَلَى اشتغالها وراموزاً لمن طبعتهم بطابعها فكانت تكرم وفادتهم في لندرا ولم تعقهم ألوانهم السمراء وتناسب أعضائهم وعيونهم التي تقدح شرراً وقاماتهم القصيرة وحركاتهم المتناسقة وأمزجتهم الشديدة عن أن يستميلوا قلوب الناس إليهم ونالوا من الكرم البريطاني أنواع الرعاية والعناية وفتح الانكليز لهم أبواب دورهم الأنيقة الشريفة كأن كل فرد منهم كان أميراً خطيراً وراجا كبيراً فأخذوا بما شاهدوا وتكلنزوا عَلَى أجمل أسلوب وعاشوا عيش الوطنيين الانكليز وقدروا حق قدره كل ما في الوطنية من الاحترام والأمن والشرف والاستقلال العالي. فكانوا يتعاشرون ويتسامرون ويتعارفون في المجالس إلى من يخطبهن من الآنسات الفتانات الشقر البيض ويلعبون معهن أنواع الألعاب المألوفة والرياضات الانكليزية النافعة وكانوا في جميع أحوالهم مثال الظرف في ألبستهم والترتيب في قبعاتهم حتى إذا أتموا دور التمرين التي كان كل يوم منها ابتسامة للمستقبل وتشبعوا بهواء الغرب وتبطنوا أسرار فلسفة هربرت سبنسر وشوبانهور ونيتش وخفقت أفئدتهم بما علمت وتلبس شعورهم بالبدائع وحشيت عقولهم بخطب مجلس النواب الانكليزي - يركبون البحر عائدين إلى بلادهم بلاد الشمس والحرية يحملون أجمل ذكرى مما رأَوه وفي صناديقهم وأصونتهم الأوراق المطيبة والزهرات الذابلة وقطع من الشريط وبعض الفساطين يؤُبون والكبر آخذ منهم ويعود محيطهم البرهمي يتحيفهم ويرجعون إلى سابق أوهامهم وأحقادهم عَلَى الإدارة الانكليزية التي لم تؤثر فيها كثرة تغذيهم بمبادئ أصحابها. ولقد شاءت اللغة الانكليزية بين أمراء الهند حتى صارت لهم بمثابة لغة الاسبرانتو في الغرب يتكلم بها الهنود وهم أجناس مختلفة وأصحاب لهجات متباينة فالمتكلمون باللغة السنسكريتية والبراكريتية والبالية والتيلنكا والبنغالية والهندستانية والمالاكالية والتامولية وغيرها من لهجات الهند يحسنون الانكليزية كأهلها وهذا ما حدا انكلترا أن تضاعف مدارسها وكتاتيبها وكلياتها ثم رأت من الحكمة أن تعتمد على العنصر الإسلامي فأعظمت له مكانته وأقلت من مكانة العنصر البرهمي فزاد ذلك البراهمة نفوراً وأخذوا ينادون في سرهم وجهرهم الهند للهنديين وأرادوا محاربة الانكليز حرباً اقتصادية فلم يكن من أبناء جنسهم أناس يكفون للظفر في هذه المعارك فلم يسعهم إلا أن يلجؤا للأجانب فكان الألمان وهم الشعب الذي يحاول أن يخلف الانكليز في كل مكان هم الذين مدوا أيديهم للهنود وأصبح ما تخرجه هندهم من بالات القطن وصناديق الشاي وأكياس القهوة يسافر إلى ميناء همبورغ بدل منشستر. ثم حدثت مشاغبات وفتن وقتل رجال الثورة بعض أعضاء الحكومة فلم يسع انكلترا إلا أن تعطي الهند نظاماً جديداً مصبوغاً بالصبغة الديمقراطية أكثر من ذي قبل وأشركت الهنود في سياسة بلادهم واستعملت انكلترا الرفق فيمن دعوا إلى الثورة من رجال الصحافة والمحاماة وكان من تقربها من روسيا وتحالفها مع اليابان أكبر مفتر لهمم الهنود عن نزع أيديهم من يد حكومتهم أما المسلمون الذين رأت بريطانيا بعد حين أن تعتمد عليهم فقد تحركت نفوسهم وأدركوا قصورهم خصوصاً عندما رأوا إخوانهم شبان العثمانيين الأحرار الذين حرروا المملكة العثمانية من السلطة الاستبدادية كل هذا ليصدق عَلَى سكان الهند ما قاله أحد المفكرين من رجال السياسة الانكليزية سيبقى الشعب الهندي عَلَى الدوام شاهدا ناطقاً بالماضي غير ممسوس بيد الغرب إلا مساً خفيفاً ومحاولة تجديد شبابه هو من الغلط وقلة الخبرة. الألبان امتلأت الجرائد في هذه الأيام باسم هذا القوم المحارب ويجدر بنا أن نذكر شيئاً من تاريخه ولو مختصراً لنعرف ما كان عليه في الأيام الخالية وما صار إليه الآن. وقد اتخذت قاموس الأعلام، لشمس الدين سامي بك إماماً وكتاب التاريخ لمؤلفه دوروي معاوناً. إن اسم هذا القوم فيما بينهم اربانيا في قبيلة كيفه واربريا في قبيلة طوسقه لأن هذه كثيراً ما تبدل النون راء وكلاهما مشتق من اللغة الآرية القديمة من كلمة آر الحقل و بان من يعمل فيه أو يحرثه أو يزرعه فكأنه قيل لهذا القوم الحارث أو الزارع لأنه هو أول من أدخل هذه الصنعة من آسيا إلى أوربا ولما كان اليونانيون يبدلون الباء بالواو لفقدان الأولى عندهم دعوا هذا القوم اروانيتيس بزيادة يشيس وهي أداة النسبة عندهم أي منسوب إلى أربان ظناً منهم أن أربان اسم للأرض التي يسكنوها والسين زائدة تظهر في أكثر كلماتهم حالة الرفع وتسقط في حالة النصب والجر وفي التثنية والجمع ولما دخلت الأتراك إلى تلك البلاد أخذوا الأمم اليوناني فدعوهم ارناويت بحذف السين الزائدة وتقديم النون على الواو تحريفاً كما حرفنا نحن كلمة عربون وقدمنا الراء فقلنا رعبون وثقل أول الكلمة اقتضى أن يكون آخرها كذلك فبدلت التاءُ طاءً وكسرت الواو ضمة لغير سبب فصارت ارناؤط وأوربا اليوم تدعوهم الباني بتبديل الراء لاما وهما قريبا المخرج وكثيراً ما يتبادلان وفي العربية البرت والبت بمعنى واحد وهو القطع. تبين لدى علماء الألسنة المحققين أن لسان الألبان يشابهُ اليوناني القديم واللاتيني والصقلبي والغوطي والفارسي والسنسكريتي وإن هذا اللسان من أقدم شعب اللسان الآري. ومن يقدر أن يحكم أن الكلمات المشتركة بين هذا اللسان وبين اليوناني القديم هي يونانية أخذها الألبان أو البانية أخذها اليونان؟ لا يقدر عَلَى ذلك إلا العالم بكلتا اللغتين المتوغل فيهما. وقد ادعى شمس الدين سامي بك بأن كثيراً من الكلمات تدل صورتها الألبانية عَلَى أنها أصل وصورتها اليونانية أو اللاتينية عَلَى أنها فرع. كما نعلم نحن العرب مثلاً أن يئس وجذب أصل وأن ايس وجبذ فرع ومن هنا يتبين أن هذا اللسان أقدم من اليوناني واللاتيني ثم إن مشابهته للسان الفارسي والزند والسنسكريتي أكثر من غيره من الألسنة الآرية الأوربية تدل على أنه لم يتشعب من هذه الألسنة التي هي شعبة من غيرها بل أنه جاء رأساً من آسيا الوسطى إبان الهجرة العمومية. وقد انتخب هذا القوم لنفسه شرق أوربا وطناً له كما أن انسباءه السلتييت اختاروا غرب أوربا. ثم تفرق فرقاً فمنهم من أقام في ايليريا وهي بلاد الألبان الآن وبوسنه وهرسك ودالماسيا ومنهم من سكن في مكدونيا القديمة وهي عبارة عن سيروز وولاية سلانيك ومناستر واسكوب ومنهم من انتشر في ثراكيا وهي اليوم ولاية أدرنة وقسم من بلغاريا ومنهم من بقي في آسيا ولم يدخل أوربا وهم الفرنجيون ومكنهم من سواحل الأناضول في البحر الأبيض إلى سيواس وانقرة. وقد ثبت بالأدلة التاريخية أن هذه الفرق الأربع من أصل واحد إلا أن أهل ايليريا أقرب إلى أهل مكدونيا وأهل ثراكيا أقرب إلى أهل فريجيا لغة وخلقا. وكان يجمعهم اسم بلاسج أو بلاسغ في قديم الزمان ويظن بعض علماء اللغة أن كلمة بلاسج مأخوذة من كلمة بلاق الألبانية ومعناها الشيخ سموا باسم حكمهم أي مجلس الشيوخ حتى أن أهل الجبل منهم الآن يحكمون مجلس الشيوخ فيما يختلفون فيه ويسمونه بلاقونيا. ومن هنا يعلم إن هذا القوم العظيم انتشر قبل ألفي سنة من تريتا في بلاد المجر إلى سيواس في الأناضول. أما من كان في الأناضول فقد استولى عليهم الفرس ثم اليونان ثم الرومان فاختلطوا بهم فضاعوا وانقرضوا. وأما من كان في مكدونيا وايليريا فقد زاحمهم البلغار والصقالبة حتى اجتمعوا كلهم واكتفوا بالقسم الجنوبي من ايليريا. وكان هؤلاء لا يختلطون بغيرهم من الأمم ولا يؤَلفون جامعة لهم ولا يخطر ذلك في بالهم بل كانوا يعيشون متفرقين كما هو حال أهل الجبل منهم الآن في جوار دبره واشقودرة ولذلك حافظوا عَلَى لسانهم وعاداتهم وأخلاقهم. ولكن لم يحصلوا من الأدبيات القومية على شيء لفقدان الجامعة بينهم. اتى عليهم زمن اسس فيه بعضهم دولة فكان منهم حكومة في اشقودرة وأخرى في يانية وثالثة في مكدونيا ومركز هذه بلدة بلا على نهر قره آزمق قرب بلدة يكيجه واردار من توابع سلانيك ومن ملوكها اسكندر المشهور ابن فيليب وهو الباني الأصل والنسب تعلم اليونانية لآدابها في ذلك الوقت فظنه الناس أنه يوناني وأكبر دليل عَلَى أنه ليس بيوناني خطب ذلك الخطيب اليوناني الشهير ذيموستن وتحريضه لأهل آتينة وتسميته له في تلك الخطب باسم بارباروسعربنا أي اعجمي وكانوا يسمون كل من لم يكن يونانياً بارباروساً كما أن العرب تسمي كل من لم يكن عربياً أعجمياً ومن أشهر ملوك يانيه ببروس فقد غلب الرومان مرتين واستولى عَلَى كثير من البلاد حتى توسع ملكه إلى اليونان ومصر ولم يكن همه إلا الظفر فقط ولذلك لم يترك لبنيه الذين ورثوه إلا ما ورثه عن أبيه. إن الألبان الذين استولوا على العالم بأسره في عهد اسكندر ابوا أن يكونوا في أسر الرومانيين ولقد كانت لهم وقائع عظيمة معهم دلت على شجاعتهم وبسالتهم إلى أن أتى بول اميل ١٦٨ ق. م بعسكر جرار فغلبهم وخرب لهم سبعين قصبة قرية وأكبر منها وأسر منهم مائة وخمسين ألفاً وساقهم إلى رومية وباعهم هناك عبيداً. أتظنون أنهم بعد هذا أطاعوا الرومانيين كلا فإنهم التجأوا إلى الجبال وتحصنوا فيها وتركوا الأراضي الخصبة وآثروا الفقر مع الحرية عَلَى الثروة مع الأسر. وهكذا كانت حالهم لما دخل ملوك بني عثمان إلى الروم ايلي وفي سنة ١٤٢٠ من الميلاد ظهر من بين رؤسائهم أمير يقال له اسكندر بك وكان رجلاً شجاعاً مدبراً فجمع القبائل كلها تحت رياسته وقاوم العساكر العثمانية أربعين سنة ولما هلك استولت الدولة العثمانية على جميع تلك البلاد فمنهم من رأى الغربة فهاجر إلى قلابريا وصقلية ومنهم من ذهب إلى البندقية وجنوه ومرسيليا ومنهم من أداه السير إلى اسبانيا. ومنهم من اختار الإقامة وهداه الله فأسلم ثم انتشر الإسلام بينهم ولم يبق عَلَى دينه القديم إلا مقدار الثلث ومذهب النصف منه اورثوذكس والنصف الآخر كاثوليك. وقد ظهر منهم رجال نبغوا في هذه الدولة حتى أحرز الصدارة منهم عشون وزيراً ومن أشهر قوادهم في الجيش العثماني سنان باشا وآثاره تدل عليه وهو أول من أدخل اليمن وعمان في حوزة الدولة وأوصل علمها إلى الأراضي المجهولة في ذلك الوقت مثل آجينة وصوماطره وكذلك الوزير المعروف بكوبريلي محمد باشا فإنه وصل إلى أسوار فينا مظفراً. يمتاز الألباني بأنه طويل القامة غليظ العظام عصبي المزاج كبير الدماغ واسع الناصية وهذا مما يدل عَلَى ذكائه. يرعى العهد ولو كان فيه الموت الأحمر. يفدي روحه في حفظ قبيلته وعائلته بل لإنقاذ كلمة خرجت من فمه. يتبختر تبختر الأبطال في مشيته خفيف الحركة سريع الخطو. يغلب عَلَى نسائهم الجمال إلا أنهن غليظات الأبدان غليهن ملامح الرجال، لا يبالين بالحجاب ولكن الرجال يغارون أشد الغيرة عليهن فإذا أحسوا بأن فتاة أو امرأة خرجت ولو قليلاً عن دائرة العفة قولاً أو فعلاً فتكوا بها فتك ظالم غدار لله درهم ودر العرب الذين لم تفسد أخلاقهم ودر هذه الغيرة التي نعدها نحن المدنيون توحشاً نساؤهم صناع اليد كثيرات الجد والكد، هن ربات البيوت والرجال عندهن كأنهن ضيوف. لا يتزوجون إلا الأكفاء ولو بعدت المسافة بينهم. يحرمون بناتهم من الإرث عادة ورثوها عن آبائهم ولا يعطونهن شيئاً حتى إن ثياب العرس يشتريها الزوج. صلابتهم في دينهم شديدة إلا أنهم يتهاملون في العبادات ولهم بعض عادات انتقلت لهم من النصرانية أو من دين أجدادهم يحافظون عليها إلى الآن. يرون الاتفاق فيما بينهم فرضاً ولو اختلفت ديانتهم. فهذه ميزة الألبان باختصار. وأما لسانهم فقد ذكرنا أنه شعبة مستقلة من اللسان الآري لكنه لم يحذو حذو أخواته كاليونانية واللاتينية فيرقى إلى أوج الفصاحة والبلاغة إلا أنه أقدم منهما لما يرى من أسماء الآلهة في أساطير اليونان واللاتين فإنها منه أخذت. وقد اكتشف الذين ينقبون عن الآثار القديمة في طوسقانه من أعمال ايطاليا خطوطاً قديمة لم يمكن حلها باللسان اللاتيني واكتشفوا في فريجيا أيضاً خطوطاً تشبهها فجربوا فيها اللسان الألباني فوجدوها تشبهه غاية المشابهة ومن هنا يظهر ان لهذا اللسان خطوطاً تختص به. وعندهم بعض كتب تتعلق بمذهب الكاثوليك أُلفتت منذ خمسمائة سنة ولا أظنها مكتوبة إلا بالحروف اللاتينية وفيها المنظوم والمنثور. ويحفظون بعض أغاني وطنية يرجع إنشاؤها إلى ثمانية او تسعة إعصار. ولا فرق بينها وبين لسان أهل هذا العصر إلا في التعبيرات الدينية لأن النصارى اتخذوها من اليونانية والمسلمين اتخذوها من العربية وكلاهما ترك اصطلاحات الدين القديم. وأما حروفهم التي يتنازعون لأجلها الآن فلست أظن أنها تلك الحروف المكتشفة في طوسقانة وفي فريجيا عَلَى أنه لا يبعد أن تكون تلك إلا أنها أصلحت كالحروف العربية في بادئ الأمر وشكلها الآن. ولما زادت المجادلات بينهم وأخبرتنا الجرائد بذلك أحببت أن أرى هذه الحروف فأخذت كتاب ألف با وفيه دروس القراءة الألبانية. فوجدت كلمات هذا اللسان تتركب من أحد وثلاثين حرفاً وسبع حركات جعلوا لها أي لهذه الثمانية والثلاثين ستاً وثلاثين علامة أما الحركات فتلفظ همزة في أول الكلمات فقط ولذلك عدوها من الحروف. وأما الحروف فإنها تنقص عن العربية في أشياء وتزيد في أشياء. ينقص هذه اللغة من الحروف الخاء والصاد والضاد والطاء والعين وتزيد عن العربية بهذه الحروف: ١ — تس: حرف تمتزج فيه التاءُ بالسين فيحصل صوتاً مثل من فم ولد صغير أي بين س وَ چ ٢ — چ: كما في التركية والفارسية. ٣ — دز: صوت يحصل من امتزاجهما ولا سبيل لفهمه إلا بعد سماعه. ٤ — ر: راءٌ مفخمة جعلوها مستقلة عن الرءِ المرفقة. ٥ — ژ: كما في التركية والفارسية. ٦ — ك: حرف بين الغين والياء فلا هو غين ولا هو ياء لكنه أقرب إلى الياء منه إلى الغين. ٧ — ل: لام مفخمة كالتي في لفظ الجلالة تقدمها فتح أو ضم. ٨ — نى: نون ساكنة بعدها ياء وهي أسبه شيءٍ: الفرنساوية. وأما العلامات فقد أخذوها من اللسان الفرنساوي عيناً إلا أن الفرنساوية وضعوها لحرف تس ووضعوها لحرف ووضعوها لحرف دز وما زاد عن الفرنساوية فقد اتخذوا له علامات لا تخرج عن وضع العلامات الفرنساوية إلا بزيادة خط معوج في رأسه أو أسفله. حكم افرنجية ما أحسن حال من يعتقدون أنفسهم بائسين وهم ليسوا إلا فارغين ملولين الفرد دي موسيه. مزج البارئ تعالى الصداقة بالحياة لينشر في أطرافها السرور والسلوى والمظرف بلوتارك. حيثما استطاع الإنسان أن يرزق فهناك يعيش عيشاً حسناً مارك اوريل. اعظم غلط يرتكب في التربية أن يعجل المرءُ في تلقينها جان جاك روسو. ليست معرفة الطاعة من الضعف بل هي قوة عظمى جانت. التربية بوضع القواعد طويلة الأذيال وأقصر منها التربية بالمثال الحسن سنيك. من فطرة الطامع أنه مغاضب لكل ما يملك مين دي بيران. في وسعنا أن نبدو عظماءَ في وظيفة هي دون أقدارنا ولكننا كثيراً ما نبدو صغاراً في وظيفة هي أكبر منا لاروشفوكولد. الناس كالمداخن التي يخرج دخانها كثيراً ليست ذات هندام حسن. كثرة البطالة تخالف الفضائل فمن لم يعمل عملاً لا يبعد أن يعمل سيئاً. في العادة إن المرءَ لا يستنصح إلا ليبتعد عن العمل بما نصح به أو ليلوم من نصح له. من الناس وكثير ماهم من لا يندمون حقيقة إلا من أعمالهم الصالحة. قلما يكون المختال جسوراً فالمرء كلما اعتبر نفسه تعرض للهلكة. الجائع لا يكون حراً. كثيراً ما يكون علم التغلب عَلَى المصاعب عبارة عن تقديرها بقيمتها الحقيقية. يعتقد الطحان عن طيبة قلب أن الحنطة لا تنبت إلا لتحريك طاحونه. كثيراً ما يكون الإسراع في إصدار الحكم خالياً من روح العدل. لا تأكل حتى يثقل جسمك ولا تشرب حتى يطيش عقلك. الندم أنفع الشعور الصالح. الرحمة تجعل المساواة حتى في التعذيب. الحياة حساب فالسعيد من كان حسابه مستقيماً. غرائب الغرب دار معونة العلماء ١٥ هي الدار التي أنشأتها الآنسة دوسن شقيقة العقيلة تير امرأة تير. وهو العالم المؤرخ أول رئيس للجمهورية الثالثة نفع هذا الرجل فرنسا بحياته فأحبت امرأته أن تخلد ذكره بعد مماته فأوصت بمال يصرف على تأسيس دار تؤوي خمسة عشر رجلاً من شبان العلماء يكفون فيها مؤونة الحياة المادية ويتفرغون للبحث والدرس ليكونوا صلة بين الكليات التي تخرجوا فيها والمجامع العلمية التي يراد إجلاسهم في قاعاتها. ماتت العقيلة تير على حين فجأة فنفذت وصيتها شقيقتها ووقفت مالاً بلغ ريعه مئة وخمسين ألف فرنك. إن من يزور هذه الدار المباركة ويطلع على أعمالها ورجالها يوقن كل الإيقان بالمثل الإفرنجي القائل بأن فرنسا تخترع وألمانيا تعمل الفرنسيس يبتكرون في كل شيء وهذه الدار هي من مبتكراتهم وما أظن لها مثيلاً عند الألمان والانكليز والاميركان سادة العالم في العلم وقادة الإبداع والاختراع. زرت هذه الدار مرتين وتشرفت بالتعرف بمديرها أحد كبار فلاسفة فرنسا وعلمائهم المعاصرين المسيو أميل بوترو — ومشاهير الفلاسفة المعاصرين من الفرنسيس اليوم هم بوترو وفوليه وريبو وبرجسون. ولم أتمن في حياتي أن أكون فرنسوي الأصل والجنس إلا لما رأيت هذه الدار وعلمت أنها لا تقبل في حجرها إلا الفرنسويين. تمنيت أن أعيش فيها المدة المحددة لكل طالب أتفرغ لدرس أبحاث تجول في الصدر ويعوق الزمان والمكان الآن عن إتمامها. هذه الدار سميت باسم تير La Fondation Thiers والأولى أن تسمى دار معونة العلماء لأنها ليست مدرسة كالمدارس ولا كلية كالكليات ولا مدرسة دينية كالمدارس الدينية بل هي دار يقبل فيها كل سنة خمسة من شبان العلماء من نابغي الكليات يحملون شهادة الليسانس أو الدكتورا في الآدب أو العلوم أو ممن نالوا جائزة من جوائز المجمع العلمي في الأبحاث التي تجري فيها المسابقة بين أرباب الأفكار والأقلام تحت نظارة المجامع العلمية الخمسة في باريز فيقضون ثلاث سنين في هذا المعهد ينصرفون فيها إلى الفن الذي يريدون الاخصاءَ فيه فيبحثون بأنفسهم لأنفسهم تحت رعاية مدير المعهد فيلسوف فرنسا المسيو أميل بوترو الذي يعيش وإياهم في المعهد كما يعيش الأب مع بنيه ويمدهم بآرائه ويهديهم إلى أقرب الطرق للانتفاع بمعارفهم ووضع مؤلف أو مؤلفات نافعة في الفنون التي هي أحب من غيرها إلى قلوبهم ولا ينشرونها إلا إذا نظر هو فيها واقرهم عليها. وأي عالم لا يحب أن ينتفع في علمه برأي عالم كالمسيو بوترو بلغ السبعين أو كاد من عمره وهو يفني لياليه وأيامه في العلم والفلسفة. يشترط فيمن يدخل دار معونة العلماء أن يكون ممتازاً بعقله وأخلاقه ويفضل من يرتضي أساتذته أخلاقه ونبوغه ويشهدون فيه شهادة حسنة وأن يكون دون السادسة والعشرين من عمره غير متزوج وقد قضى الخدمة العسكرية ويعطيه المعهد ستين ليرة في السنة لنفقته الخاصة وثلاثين ليرة ليسيح بها سياحة علمية وتعطيه غرفتين فسيحتين فيهما أسباب الراحة والرفاهية إحداهما لنومه والثانية لعمله بحيث يكون الشبان العلماء الخمسة عشر وهو عدد الموجود منهم في المعهد أبداً موسعاً عليهم لا يطلب منهم إلا أن يؤلفوا ويبحثوا أبحاثاً علمية تنفعهم ونفع أمتهم وبلادهم ويقسم عدد من كانوا فيها سنة ١٩٠٨ — ١٩٠٩ من شبان العلماء إلى رياضيين ومؤرخين ومتشرع في السياسة والاجتماع وعالم في اليونانيات وحقوقيين وفيلسوفين ومؤرخ وموسيقار وعالمين في الجرمانيات ومؤرخ في الآداب الفرنسوية وجغرافي وقد أنشئ هذا المعهد سنة ١٨٩٣ فيكون عدد من أعانهم على الأخصاء في العلم حتى الآن ٨٠ عالماً وكلهم وضعوا المؤلفات الممتعة النافعة للعلم عامة ولبلادهم خاصة وقد بلغت واردات هذا المعهد مئة وخمسين ألف فرنك في السنة يتناول منها المدير عشرة آلاف فرنك. قام معهد تير العلمي في أجمل حي من أحياء باريز في حي الأشراف والنبلاء بالقرب من غابة بولونيا الغناء غربي مدينة باريز في الحي الذي تؤجر الدار فيه اليوم بثلثمائة ألف فرنك مسانهة وسط حديقة أنيقة تحيط بها الحدائق في مكان يجمع إلى السكون المطلوب للعلماء والمؤلفين ولا يبعد عن سائر أحياء العاصمة وما يلزم لهم من المواد المفرقة في مكاتب باريز المختلفة ودور العلم والمستودعات والمجامع والمتاحف وغيرها بحيث هم بعيدون قريبون عن الحركة العلمية والسياسية والاجتماعية وليس في المعهد مكتبة كبرى لأنها عَلَى اتساع مساحتها لا يتسع صدرها لكل ما يلزم المؤلفين فيها من المواد بل فيها فقط كتب الفهارس والمعاجم والمراجعة والأمهات التي لأغنية لكل عالم عنها وما عدا ذلك فمكاتب باريز وعلماؤها ودور سجلاتها ومتاحفها عَلَى قيد غلوة من سكانها هذه الرحبة الشريفة يأخذون منها ما راقهم كل ساعة. وليست هذه الوسائط هي كل ما في معهد تير من المعونات علمائها بل أن لهم بفضل الشيخ الرئيس مديرهم الحكيم الكبير أهم الأسباب التي تربطهم بعلماء العالم ومجامعه وكلياته فهم كسكان الجنان توفرت لهم كل الوسائط فلم يبق عليهم إلا أن يقطفوا من ثمار يحبونها كل قريب ودان. يعيش هؤلاء العلماء عيشة مشتركة فيتناولون طعامهم معاً ويلعبون ويتنزهون معاً ويبحثون عن العلوم التي يمتون بها معاً ويظلون هكذا يعيشون عيشة الأتراب العاملين عَلَى ما تعلموا في طفولتهم في المدارس والكليات ويستفيد بعضهم من بعض في العلوم المختلفة ويعاون بعضهم بعضاً معاونة الإخوان ويترفهون رفاهية لا يتمتع بها إلا عقلاء الأغنياء. قام هذا المعهد المفيد تحت رعاية العلماء من أهل المجمع العلمي وحققت فيه مؤسستاه العقلية تير وشقيقتها مارسمه النظار على ذاك المعهد أمثال جول سيمون ومنيه وبارتلمي سان هيلير فكان تير الذي عد من نوابغ القرن التاسع عشر الذين خدموا بلادهم خدمة تذكر عَلَى الدهر فتشكر نافعاً لأمته في حياته بعقله وفي مماته بماله. فمتى يصل الشرق يا ترى إلى هذه الدرجة في العقل والإحسان ومتى يكون علماؤه من أهل السعة واليسار إلى هذا الحد ليحسنوا الانتفاع بأموالهم كما أحسنوها بعلومهم. إن شبان العلماء في هذه الدار بعد أن تعلموا ورأوا العلماء كيف يعملون محتاجون لهضم ما تعلموه أن يعانوا لينشأ منهم أفراد متفردون في العلم فيتحولون بهذه الواسطة من تلامذة إلى أساتذة أكفاء أن يكفوا أنفسهم وأن يوجدوا ويخترعوا وهذا موقوف عَلَى أن يستجمعوا قواهم ويتمتعوا بحريتهم وأوقاتهم عَلَى ما يشاؤن فالعمل كما قال أميل بوترو هو السرور على شرط أن لا يكون صاحبه مستبعداً فيه لأحد ولا لمؤثر بل يقوم به مدفوعاً فقط بعامل نتائجه الطبيعية وهي الإيجاد والإبداع. وما التربية إلا أن تخرج كل إنسان عَلَى ما ينفع فيه ويتيسر له النبوغ في فروعه. التربية هي تخريج المرء أولاً في مجموع المبادئ العامة التي هي وقف خلفه لنا أسلافنا بتجاربهم وسموا ذلك العقل ثم تخريجه ثانياً في أن يكون مخصياً متفرداً في علم واحد يكون فيه عَلَى بصيرة عَلَى نحو ما يتطلب ذلك العلم الحاضر والمجتمع الحديث ثم ينشأ ثالثاً ممن دخل في هذين الطورين في التربية فيلسوف يدرك قيم الأمور ويعرف الصلات المتبادلة فيما ينصرف إليه العالمون عَلَى اختلاف معارفهم ويبحث في أن يوفق توفيقاً حسناً بين الحياة الخاصة والحياة العامة. وكل هذا لا يفهم مغزاه شرقنا التعس الآن. تآخي الغربيين ١٦ كل فكر ومذهب في الوجود نتيجة الدعوة إليه وتحبيبه إلى النفوس. عرف الغربيون هذه القاعدة فجروا عليها كثير من أعمالهم وكان من ثمرات الدعوات السياسية والدينية تأليف الوحدة السويسرية والألمانية والأميركية وتوحيد كلمة الجزائر البريطانية وانتشار المذاهب الاجتماعية والاشتراكية والفوضوية وكثرة من يدينون بالمذاهب البرتستانتية والفلسفية وقد قام هذا الشهر في فرنسا جماعة ممن يفكرون لخيرها رأوا أن بلادهم تنتفع كثيراً من تحسين صلاتها مع أميركا فألفوا جمعية دعوها جمعية فرنسا أميركا مؤلفة من علماء وسياسيين وقواد واجتماعيين ومعلمين وفي رأسها المسيو جبرائيل هانوتو أحد أعضاء المجمع العلمي وصاحب التأليف الكثيرة في التاريخ والسياسة ووزير خارجية فرنسا الأسبق وقد انشأوا لبث هذه الدعوة مجلة شهرية باسم جمعيتهم تدعو إلى هذا الغرض استفتحها رئيس الجمعية بمقالة في الغرض الذي يرمون إليه وكتب في المجلة الأسبوعية مقالة طويلة الذيل في هذا الشأن فرأيت أن الخص للمشارقة لباب هاتين المقالتين دلالة عَلَى ما يأتيه المغاربة من الأعمال النافعة لمستقبلهم لننعى على أنفسنا نومنا عن النظر في مستقبلنا. قال هانوتو: إن النجاح معقود بناصية من يعمل في الوقت اللازم ولو وجهنا وجهتنا منذ سنة ١٨٦٠ إلى أميركا الشمالية والجنوبية لما احتجنا اليوم إلى دعوة أمتنا لتعريفها بما نعرفها به. هبت علينا الزعازع السياسية والاقتصادية منذ ذاك الحين وإذ سكنت الآن وجب علينا أن نعمل عملاً يحمل في مطاويه أحسن الفوائد. تبدلت الأرض غير الأرض في خمسين سنة حتى صح أن نقول إن قارتي آسيا وافريقية كأنهما اكتشفتا حديثاً فكثرت مواصلاتهما وحملت إليهما المدنية والحضارة وجرى تعليمهما واستعمارهما وكان لفرنسا من هذا التحول الغريب حصة موفورة. فقد غير دلسبس بفتحه ترعة السويس شكل الأرض كما أن جول فري بموافقته عَلَى السياسة الاستعمارية قد حاز لنا قسماً كافياً من قسمة الأراضي الجديدة. وبينما كان الشرق يستدعينا غدا الغرب الغرب ينكرنا ويستغني عنا. فإن مسألة باناما المشؤومة التي جاءت بعد مسألة المكسيك قد أثرت في علاقاتنا مع أميركا الشمالية والجنوبية واستغرقت التدابير الأوربية الكبرى التي اضطررتا إلى مجاراتها فكرنا وقوتنا المادية. وانحطت بحريتنا التجارية فضعفت بضعفها أسبابنا في العمل واحتفظنا بأساليبنا القديمة التجارية فسبقتنا شعوب أكثر منا فتاء وأكثر مضاء وأقل مطالب ومشاعب. نعم تقدمنا وتأثلنا ولكننا لم نبرح كما كنا في قوتنا على عهد نابليون على حين كانت أميركا بثروتها وقوتها وعظمتها تتقدم تقدماً لا يوصف فقد كان سكان الولايات المتحدة سنة ١٨٧٠ — ٣٦ مليوناً أي ما يقرب من سكان فرنسا على التقريب فأصبحوا سنة ١٨٩٠ — ٦٣ مليوناً وهاهم يتجاوزون اليوم الثمانين مليوناً. وفي كندا اليوم زهاء ٦ ملايين من السكان وفي الجمهوريات الوسطى والمكسيك ٢٢ مليوناً وأصبحت أميركا الجنوبية ٤٥ مليوناً وكان فيها سنة ١٨٩٠ — ٣٥ مليوناً. وكان مجموع تجارة الولايات المتحدة سنة ١٨٧٠ خمسة مليارات ونصف فرنك فأصبحت اليوم زهاء ١٦ ملياراً وكان مجموع تجارة كندا سنة ١٨٧٨ : ٧٥٠٧٩ مليوناً فأصبحت سنة ١٩٠٥ — ١٩٠٦ مليارين ونصفاً. ومجموع تجارة أميركا الوسطى والمكسيك مليارين ونصف وجمهوريات الجنوب أكثر من أربعة مليارات منها ملياران ونصف للبرازيل ومليار للجمهورية الفضية. وعلى الجملة فقد بلغ مجموع ما هناك من نفوس ١٦٠ مليوناً من البشر ومجموع التجارة أكثر من ٢٥ مليار فرنك وأحدثت أميركا حركة كبرى في العالم بدخولها مضمار الاتجار فأثرت في فرنسا تأثيراً غير قليل وكانت هذه إلى ذاك التاريخ قريبة لتجارتها من انكلترا أي لها المقام الثاني في التجارة فأصبحت اليوم في الدرجة الرابعة بعد انكلترا والولايات المتحدة وألمانيا. أي أننا فقدنا ما كان لنا من المكانة قديماً فنحن اليوم نريد أن نستعيد منزلتنا الأولى أو أن نغتنم الوقت الضائع فالمسألة ليست متعذرة ولكن تقتضي لها الإرادة والتفكر والعمل على طريقة منظمة والعودة إلى تقاليدنا والانتفاع من أسبابنا. أما الولايات المتحدة بما لها من المركز الذي أحاط بطرفي البحرين المحيطين فهي المهيمنة عَلَى أعمال العالم فإن عدلت الحالة بين اليابان وروسيا فلا يبعد أن يجيءَ زمن تتداخل فيه في السياسة الأوربية وأن الفرنسويين في كندا ليبلغون مليونين ونصفاً ومثل هذا العدد من الفرنسيس منتشر في جمهورية الولايات المتحدة ولا سيما في الجنوب واللغة الفرنسوية في كويان وجزائر الانتيل يصبح عدد الفرنسيس ومن يتكلمون باللغة الفرنسية من الأميركان ليس بقليل. وان مالنا من الأيادي في أميركا ولا سيما وقد قرن فيها اسم لافابيت الفرنسوي باسم واشنطون الأميركي اللذين ساعدا على استقلال الولايات المتحدة وما وضعناه فيها من أموالنا وقمنا به في جمهوريات الجنوب من البعثات العلمية والعسكرية والمشاريع الاقتصادية والمالية كل ذلك يدعونا بلسان الحال إلى أن نصل الحاضر بالغابر وإن لم تكن سلسلة الصلات قد قطعت كل القطع. والناس مهما تقلبت بهم الحال لا يزالون يذكرون لفرنسا بيض أياديها عَلَى المدنية وإذا نسوها فإنهم لا ينسون باريز التي تنشر أنوارها على العالم وإليها يحج الألوف من الأميركيين كل سنة للتنزه والارتياض والاستفادة وكلما كثرت الرفاهية في ديارهم تدعوهم الدواعي إلى نزول باريز وما في أراضي فرنسا من المصايف والضواحي كالشاطئ اللازوردي كوت دازور فإن مجموع الأميركيين الذين يختلفون كل سنة إلى ديارنا لا يقلون عن مليون سائح. فعقد الصلات بين فرنسا وأميركا فيها كل ما نحتاجه من الأسباب القوية فإن كانت أميركا الشمالية تدعونا إليها بما فيها من القوة والعظمة فأميركا الجنوبية تناينا إليها القرابة لأن عناصرها لاتينية وتربتها لاتينية فمن كندا إلى مضيق ماجللان مارين بالمكسيك والجمهوريات الوسطى ترى الدم اللاتيني ممزوجاً في شرايين العناصر الجديدة وعلى أميركا الجنوبية يصح إطلاق المثل القائل هذا دم لاماء. ومثل هذه الجمعيات نفعتنا في القارات والأقطار الأخرى فقد كانت جمعية افريقية الفرنسوية أعظم معاون للحكومة في أعمالها الاستعمارية وجمعية آسيا الفرنسوية أخذت على عاتقها مثل هذه المهمة و جمعية مراكش تعمل على نشر الأفكار الفرنسوية في الغرب الأقصى فنحن بجمعيتنا هذه لا نأخذ إلى أميركا من معارفنا بقدر ما نأخذ عنها. فلا نرمي إلى الدخول فيها ونشر كلمتنا بين أبنائها بل نود أن نعاونها ونحالفها نريد أن نتعلم عليها ونحن أبناء المدينة القديمة درساً في النشاط والمضاء فإن كان لمدننا القديمة كنائسها وبيعها فللمدن الحديثة معاملها ومصانعها فنحن نقنع بامتصاص التاريخ أما هم فينشقون لوج المستقبل. قام في واشنطون مثل عملنا هذا يرمي إلى التقرب بين جميع العناصر في العالم الجديد سموه مكتب الجمهوريات الأميركية أنشأته الولايات المتحدة بمعونة الحكومات الأخرى ومنحه المستر كارنجي مبلغاً جسيماً من المال وهو يفتح قاعات لإلقاء المحاضرات الاجتماع ومكاتب لأخذ المواد والتعليمات وخزانة كتب ومجلات كبرى وينشر مجلة للدعوة إلى هذا الغرض وذلك عَلَى صورة رسمية كما إن اسبانيا أشأت مثل ذلك للتوفيق بين اسبانيا وأميركا وبمثل ذلك قامت البرتغال للتوفيق بينها وبين البرازيل. وفي ألمانيا اتحدت الكليات وأعمال الرجال على جلب أبناء الأميركان وتلقينهم التربية الجرمانية أما شعار جمعيتنا فهو أن نحبب فرنسا إلى نفوس أميركا ونعرفهم بها ونحبب أميركا إلى نفوس الفرنسويين ونعرفهم بها. ولا بأس هنا بذكر شيء من تلك العظمة الأميركية التي أدهشت العالمين المدني والوحشي فإن مدائن نيويورك وشيكاغو وسان لوي وسان فرانسيسكو قد امتازت بغناها في زراعتها ومعادنها وصناعتها وأعمالها التجارية الخارقة للعادة فقد كان في الثماني والأربعين ولاية ومقاطعة كولومبيا والأرض الهندية وألاسكا وجزائر هافاي ومنها تتألف الولايات المتحدة ٥٧٣٩٦٨٧ مزرعة سنة ١٩٠٠ ومعدل سعة كل واحدة ١٤٦ فداناً آكر وثمنها ٢٠ ملياراً نصف مليار دولار أي ١٠٦ مليارات من الفرنكات وكان مجموع محاصيل هذه المزارع سنة ١٩٠٨ ٨ مليارات دولار منها ٢٦٦٨ مليون مكيال من الذرة و ٦٦٤ من الحنطة و ٨٠٧ من القرطمان و ٣١ من الجاودار و ١٦٦ مليوناً من الشعير و ١٣ مليون بالة قطن و ٧٠ مليون طن من العلف و ٧١٨ مليون لبرة من التبغ و ٢٧٨ مليون مكيال من البطاطا و ١٣٥ مليون لبرة من الصوف النقي. وكانت مساحة الغابات الأهلية ١٦٨ مليون فدان تغل كل سنة ٦٦٦ مليون دولار د عنك الصيد في بحار أميركا وأنهارها وهو يباع بعشرات الملايين من الدولارات. وبلغ سنة ١٩٠٥ مجموع ما في الولايات المتحدة من المعامل ٢١٦ ألف معمل رأس مالها ١٢٦٨٦ مليون دولار يعمل فيها ٥٤٧٠٠٠٠ يتقاضون أجوراً يبلغ مقدارها ٢٦١١ مليون ريال وتبتاع بثمانية مليارات ونصف من المواد الأولية وتبيع بما قيمته خمسة عشر ملياراً. وفي سنة ١٩٠٨ أعطت الحكومة ١٦٣ ألف رخصة لإنشاء محال وأماكن قيمتها ٥٤٦ مليون ريال. وبلغ طول الخطوط الحديدية في هذه الولايات سنة ١٩٠٧ : ٢٣٧ ألف ميل أي ٣٨١ كيلو متر لها ٥٥ ، ٣٨٨ قاطرة و ٢ ، ١٢٦ ، ٠٠ مركبة فيها من المستخدمين ١٦٧٢ ، ٠٠٠ يقبضون ١٠٧٢ مليون دولار مشاهرات وبلغ عدد من نقلتهم تلك الخطوط من الركاب ٨٧٤ مليوناً وثقل البضائع ١٧٩٦ مليون طن وثقل الطنات الألفية الألف ١٦٠٨ أمتار ٢٣٦ ملياراً ورأس مال شركات السكك الحديدية ١٦ مليار دولار وصافي ريعها أربعة في المئة. وفيها ما عدا هذه السكك الحديدية ٣٨٨١٢ ميلاً من الخطوط الكهربائية. وبلغت صادرا الولايات المتحدة سنة ١٩٠٨ ١١٩٤ مليون دولار والواردات ١٨٦٠ ومجموع تجارة أميركا الخارجية ٣٣١٥ مليوناً. وكل هذه القوة الاقتصادية ليست بشيء لو لم تكن الأخلاق أساس عظمتها الاقتصادية وقد أخذ مقام المفكرين والعالمين يعظم في أميركا كما عظمت منزلة رجال المال والأعمال والصناعة والتجارة. وكثير من سكان المدن يعنون بالموضوعات الأدبية والفنية والعلمية وأصبحت بعض المدن مثل بوسطون التي هي مقر الحركة العقلية منذ زمن طويل ميدان الآداب والعلوم. وأن كثيراً من الأسر لينزلون مدينة واشنطون عاصمة الولايات المتحدة في سياستها ويعيشون فيها بعيدين عن اضطرابات نيويورك وسان لوي وشيكاغو. وليس للأميركان مثل فرنسا بلاداً يغترفون منها مادة علم ولا يجدون بلداً مثل فرنسا تتلقاهم بقبول حسن وتوفر الإرادات على حبهم. وفرنسا تتعلم كذلك من نشاط رجالهم فكما أن طلابهم يجدون في بلادنا ما يتعلمونه كذلك أولادنا يستفيدون من تعلمهم في كليات أميركا فينشأون بين شبان يشعرون منذ صغرهم باستقلال الفكر وأنهم حاملون تبعة أعمالهم إن خيراً فخير وإن شراً فشر. لما وصل النقل إلى هذا الحد وقف القلم فذكرت شيئاً من حال الشرق. ذكرت حال العثمانيين والإيرانيين وأنهم وإن كانوا من أمم مختلفة فجامعتهم الكبرى وهي الإسلام لا تقول بجنس ولا عنصر فلو كنا وكانوا عَلَى شيء من العلم الحقيقي أما كنا ندعو إلى إنشاء جمعية عثمانية أيرانية كما ينشئ هانوتو اليوم جمعية فرنسوية أميركية. ولكن ضعف عقول رجالنا ورجالهم وتعصبنا وتعصبهم وجهلنا وجهلهم لا تلبث أن تنفجر براكينها إذ ذاك ويتذرع بعضهم بالسياسة يتوكأون على عكازها لينافروا بين القلوب ويفرقوا بين أبناء الأب الواحد وهناك تدخل الدول ذوات الشأن والغايات في البلادين وينفخن في أبواق الشقاق مستعينات ببعضنا عَلَى البعض الآخر. وإن العاقل ليربط عَلَى قلبه بيده عندما يفكر في عاقبة سعي الجهلاء لإبقاء سوء التفاهم بين العثماني والعثماني فكيف يتمنى هذه الأمنية البعيدة اليوم من ربط العثماني بالإيراني. فاللهم علمنا علماً نحسن به التفاهم حتى يتآخى الشرقيون كما يتآخى الغربيون. سير العلم والاجتماع عادات الكتاب لكل كاتب عادة في كتابته هي الزم له من شعرات فصه لا يستطيع بدونها أن تفتح قريحته فإن تربستان برنارد يخلع أكمام قميصه وقت الكتابة وقبته ثم يكتب بدون أن يحذف حرفاً فإذا ما تشتت ذهنه يمسح قلمه بلحيته الجميلة الطويلة وأديمون روستان الشاعر يخلع نظارته عن عينه الواحدة. وراول بونشون لا يفتح عليه في محل القهوة كما يقال بل يأخذ شراباً منبهاً ويكتفي أحياناً بنسخ الأشعار التي يعميها يخربشها بقلم رصاص في دفتر له صغير. ويكتب موريس باريس بالحبر البنفسجي على ورق أزرق ذي حواشي من الوسط عَلَى عادة رجال السياسة وترى رسوم نسور من الذهب عَلَى منضدته التي يبلغ طولها ثلاثة أمتار. وهو مخطيءٌ في استعمال الحبر البنفسجي لأن إيبل بونارد قد عدل عن استعماله من تلقاء نفسه لأنه يتغير كلما قدم عهده وتزول كتابته التي خلعتها أنامله في أسرع وقت. ولا يكثب جول كلارسي مقدمات الكتب التي تعرض عليه إلا إذا لبس طاقيته واكتسي بصدرته. ولا يخط جان ريشبن كلمة قبل أن يتزيا بمشلح صنع من جوخ أحمر وكذلك الكونت مونشكيو يلبس قميصه الروماني وهو مستطيل أبيض وطرز بالزرقة والحمرة. وكثر هانري باتايل من صرف الأقلام والأوراق وتشمئز نفسه من صرير القلم ويود لو تيسر له ورق من الجلد الرقيق. أما بول بورجيه فلا يكثب ولكنه يملي عَلَى إمناءِ سره فيكتبون بسرعة وقد أملى روايته الباريكاد الأخيرة على رجل بنديكي هو أمهر في الاستملاءِ من خطاطي القرن الخامس عشر ويستعمل فيليه كريفن الغليون للتدخين أثناءَ الكتابة عَلَى أنه لا يدخن إلا اللفائف. ويحس بول هرفيو نفسه عندما يريد معالجة القلم وأرنست لاجونس لا تسيل قريحته إلا أمام الناس ومارسيل برفوست بشرب الشاي ويشرب كابوس شراب الكينا وهانري لافدال الماءَ المعدني. هذه عادات بعض كتاب الفرنسيس المشاهير. قاطرة كبيرة صنعوا في أميركا قاطرة ثقلها ثلثمائة طن لها ١٦ دولاباً و ١٠ محركات وطولها ٣٢ متراً ويمكنها أن تحمل ١٨١٥٠ لتراً من البترول و ٥٤٠ هكتولتراً من الماء بحيث يتأتى لها أن تسير بدون وقوف وهي خاصة لنقل الركاب وقطر عجلاتها متر و ٨٣ سانثيماً وهذه القاطرة تسير بالبترول لا بالفحم الحجري. الفراعنة والفينيقيون نشرت المجلة الآسياوية الفرنسوية بحثاً في علاقة المصريين بسورية في القديم جاءَ فيه أنه كتب في ورقة البردي المحفوظة في متيحف برلين المعروفة باسم وقائع سنوحيت أن رجلاً من سادات مصر غادرها سراً من نحو ألفي سنة قبل المسيح عَلَى عهد أمنماحيت الأول ولجأَ إلى الحدود الآسياوية إلى إقليم اسمه كدم وهو جزء من تونو الأعلَى وقد كرم أمير تونو وفادة سنوحيت واسم الأمير أموياناسحي الذي قال له أنك ستكون عندنا عَلَى خير حال لأنك تسمع بيننا أناساً يتكلمون باللغة المصرية وقد وصف هذا المصري مقامه في ذاك الصقع ووصف خيراته ونعمه وبعض عاداتهم التي لا تخرج عن عادات البدو هذه الأيام في غزواتهم وغدواتهم وروحاتهم. ويقول بعض علماءِ الآثار أن بلاد تونو التي وصفها المصري مخففة من لوتانو وهي الأرض الواقعة بين البحر الميت وصحراء جبل سينا ويؤيد ذلك ما ورد عَلَى إحدى المسلات الرسمية المؤَرخة من زمن أمنماحيت الثالث أن أهل سينا كانت لهم صلات مع أخي زعيم لوتانو. وجاءَ في اكتشاف حديث من أوراق البردي اسم مدينة كبني وجبلى وجبيل وهي كما قال ماسبرو مدينة بيبلوس على شاطيء سورية وبيبلوس هي مدينة جبيل في جبل لبنان وأن في ضواحي هذه المدينة يجب أن تكون مشاهد المدينة الرعائية التي وصفها سنوحيت فإذا صح هذا فتكون فلسطين عَلَى عهد السلالة الثانية عشرة المصرية متأخرة العمران إذ لم يكن في داخل البلاد مدن وأهلها يعيشون عيش الرعاة والرحالة وهذا الرأَي لا يخلو من صعوبة عَلَى من يحتجون بورقة البردي المحفوظة في برلين ومنها يفهم أنه لم يكن بين السلالة الثانية عشرة المصرية وبين السلالة الثامنة عشرة سوى قرنين إذ ظهر من الرسائل التي عثر عليها في تل العمارنة مؤَخراً أن فلسطين كانت خاضعة للحياة البلدية ولوصولها إلى هذه الحياة والنظام يقتضي لها أكثر من قرنين من الزمن. عَلَى أن بيبلوس كانت في الزمن المذكور آنفاً معروفة عند المصريين إذ قد اكتشف مؤَخراً على ذكر حملة مصرية إلى بيبلوس على عهد السلالة المصرية القديمة أي قبل بضعة قرون من رحلة سنوحيت. وذلك أن المصريين لما بدأُوا عَلَى عهد توتيمس الأول أي نحو سنة ١٥٥٠ قبل المسيح بغزواتهم التي أدت بهم من سواحل سورية إلى وادي الأُردن فشواطيءِ الفرات قد استولوا قروناً عَلَى إقليمي لوتانو وخارو ولما توطدت أقدامهم فيهما حملهم حب الاكتشاف إلى التقدم إلى الأمام فقصدوا نهر الفرات الذي وصفه توتميس الأول في مسلة تومبوس بأن الماء يتراجع فيه ثم ينزل وهو صاعد ثم قصدوا غابات لبنان حيث وضع الشريف سنوفري أحد جلساء توتميس الثالث خيمته في علو شاهق فوق السحاب ثم تقدموا إلى الغابات وكانوا يأتون إلى بيبلوس بأحسن الأخشاب التي بلغ طولها ٦٠ باعاً مصرياً (نحو ٣١ متراً) وكان ساقها غليظاً حتى نهايته وكانوا يحملون خشب الأرز من جبيل إلى مصر. فكانت هذه البلاد مسرحاً للصيد والغزو وقد كتب قدماءُ المصريين وقائعهم وأساطيرهم في هذا الشأْن ولم ينته إلينا إلا القليل منها ويقل فيها وصف البلاد التي كانت تجري الغزوات فيها ومما وصلنا قصة قائد المشاة على عهد توتميس الثالث وكيف استولى بأعمال الحيلة عَلَى الزعيم الثائر في ثغر يافا وكيف ضربه بعصا فرعون الأكبر ولكنه لم يرد في هذه القصة وصف يافا وإقليمها. ويفهم من مجموع الأساطير والرحلات الباقية أن فرعون مصر كان يبعث بأعوانه يطوفون البلاد بلداً بلداً في آسيا ليطبعوا النفوس عَلَى احترامه وذكروا فيها ما لقوه من النصب في أسفارهم ولا سيما في اجتياز الغابات والشواطيء الجبلية أو القفار التي تفصل بين المدن المذكورة وبينهم مثل جبيل مدينة الآلهة ومدينة صور حيث كان السمك أكثر عدداً من الرمل والماء يحمل إليها في قوارب من اليابسة. وقصارى القول أن أبناء الرحلات التي رحلها المصريون عَلَى عهد الرعامسة أخلاف رعمسيس قد وصفوا آسيا وصفاً خيالياً تكاد لا تكون له صبغة خاصة ليس فيها إلا حروب ورحلات وحب وعشق. وفي أوراق البردي التي قرئت من مجموعة كولانيشف وصف رحلة مصري إلى آسيا في القرن الحادي عشر قبل الميلاد وهي عبارة عن رحلة تاجر. وذلك أن رجلاً اسمه أونامونو عميد قاعة الكرنك في السنة الخامسة من حكم رعمسيس الثاني عشر وفي الزمن الذي كان فيه الكاهن الأعظم للرب عمون واسمه هريهور يحكم في طيبة وكان سمندس أول ملوك التانيتيين يحكم الدلتا وعاصمة مدينة تنيس ركب أونامونو البحر إلى سورية للبحث عن الخشب اللازم لإنشاء قارب الرب عمون را فوقف أولاً عَلَى دور إحدى مدن زقالا في شمالي يافا ثم بلغ مدينة صور ثم جبيل ثم بلاد الأزيا وهي ليست محققة فبعضهم يقول أنها قبرص والآخر يقول أنها في مضيق نهر العاصي. وذكر هذا السائح أن أحد الملاحين سرق له أواني وسبائك ذهبية ولم يستطع أن يأْخذها منه في دور ولا في صور حتى إذا بلغ جبيل وقابل أميرها ذكر له هذا ما كان فراعنة مصر يبعثون به لآبائه من الهدايا وأنه لا يتيسر له أن يقبله بدون هدية مصرية تذكر واراه جريدة الهدايا التي كانوا يبعثون بها ولما وعده بمثلها عَلَى أن يرسل أناساً من قبله إلى ملك تنيس أمر له بثلثمائة رجل من رجاله وثلثمائة ثور وبعض ضباط لقطع الخشب من الغابات ليحمل من قابل على القوارب إلى مصر ثم استعمل أمير جبيل جفاء في مخاطبته رسول مصر وأخافه لما أَراه ما حل بمن جاء قبله من قبل الفراعنة بدوس أرض بلاده وأجداده وكل هذا مما يستأْنس به في العلائق التي كانت منذ القديمين المصريين والفينيقيين وإن فراعنة مصر عَلَى قوتهم وغناهم وأربلبهم وكهنتهم وسحرتهم لم يكونوا يرهبون سكان صور ودور وجبيل بل كان المصريون لا يقطعون الخشب من غابات لبنان إلا بما يقابلها من الهدايا والتحف المصرية ويؤخذ من كل هذه الروايات أن قدماء المصريين لم تكن لهم معرفة أكيدة إلا عن سورية أو الأصقاع القريبة منهم ولم يكن لهم معرفة أكيدة إلا عن سورية أو الأصقاع القريبة منهم ولم يكن لهم معرفة فيما وراءَ لبنان معرفة ينتفع بها في التاريخ الصحيح. مكتبة الإسكندرية كتب عبد الوهاب أفندي سليم التنير في مجلة النبراس بحثاً في موضوع حريق مكتبة الإسكندرية جاء فيه نقلاً عن كتاب ارتكابات الأوروبيين لصاحبيه جورج فوت وجمس أهلويلر ما تعريبه بالحرف. لقد قام الإفرنج بحرب طاحنة عَلَى الوثنيين وسفكوا الدماء وقد أمر الإمبراطور تيود وسيس بتحطيم أصنام الوثنيين وغيرها مما هو للوثنيين فقام بطريرك الإسكندرية وقاد أُمته وذهب بها إلى هيكل سيرابيس فدمروه ولما انتهى من خراب هياكلهم ذهب إلى المكتبة وأحرق ما فيها من الكتب حتى أصبحت رفارفها فارغة فلم يرها أحد بعد ذلك إلا تأسف عليها غاية التأسف. فالذي أحرق مكتبة الإسكندرية هو البطريرك ثيوفيلوس بأمر الإمبراطور ثيوديس قبل دخول المسلمين إلى إسكندرية بسنين كثيرة ومعلوم أن الدين الإسلامي يمنع إحراق الكتب. وقال في كتابه المسمى خرافات الأوربيين ما ترجمته ملخصة: إن المكتبتين اللتين اسمهما البطالسة في الإسكندرية كان إحراقهما عن يد جيوش قيصر لما حاصر الإسكندرية وللتعويض عن هذا الخطأ أُهديت المكتبة التي جمعها يومياس ملك برغامة إلى الملكة كليوبطرا عن يد الملك أنطوني لكن حكم الدهر أو الجهل أن لا تبقى هذه المكتبة العظيمة أجيالاً فقد أحرقها البطريرك فيوفيلوس وأقام عَلَى أنقاضها كنيسة سماها كنيسة الشهداء. وجاء في دائرة المعارف طبع تشمبيرس وشركائه في المجلد الأول عند كلمة الإسكندرية ومكتبتها: ولما حاصر يوليوس قيصر مدينة الإسكندرية احترق قسم عظيم من هذه المكتبة غير أنها أُعيدت إلى ما كانت عليه بسبب الكتب التي جمعها ملك برغامة وأهداها إلى الملكة كليوبطرا وقد بقيت إلى زمن سيوديسيس الكبير ولما أمر هذا الإمبراطور بهدم معابد الوثنيين في أنحاء المملكة كافة هدموا هيكل سيرابس حيث المكتبة موجودة فهدموا الهيكل وأحرقوا المكتبة في سنة ٣٩١ بعد المسيح وليست العرب هي التي أحرقتها كما ينسب إليهم زوراً وبهتانا. وقال جون مسبرك في كتابه المسمى الإدعاآت الكاذبة: إن الإفرنج هم الذين أحرقوا المكتبة الإسكندرية والمسلمون هم الذين أدخلوا العلم إلى أوربا وقال المسترهلسلي أستيفونس في كتابه المسمى التفكر والأديان: لقد أَحرقت مكتبة الإسكندرية أيدي الجاهلين وهي مكتبة مهمة وبفقدانها فقد العلم وبقيت أوربا تتخبط في ظلمات الجهل إلى أن أنارها المسلمون بعلومهم وقال بيتنس في دائرة معارفه: ولما افتتح يوليوس قيصر مدينة الإسكندرية احترقت المكتبة الأولى وبقيت المكتبة الثانية التي أُسست بعدها وقد زادت كتبها بالمجلدات التي أُهديت للملكة كليوبطرا عن يد مارك أنطوني وصارت أعظم من التي احترقت وبقيت إلى سنة ٣٩٠ بعد المسيح حين قام الإفرنج على الوثنيين وهدموا معابدهم التي كان في جملتها هيكل سيرابيس وأحرقوا المكتبة وقال جورج مرتين في كتابه درياق الخرافات ما ترجمته بالحرف: يا ترى ماذا صار بمكتبة الإسكندرية قل لقد أحرقها المتوحشون من الإفرنج بأمر ثيودوسيوس سنة ٣٩٠ بعد المسيح. وهذه الكتب الصامتة التي أُحرقت تشهد على الكذب الذي اختلقوه في رومية وقالوا أنها أُحرقت بأمر الخليفة عمر بن الخطاب ولقد نسبوا هذه النسبة الكاذبة الخاطئة إليه زوراً وبهتاناً. وقال فوت واهوبلر في كتابهما ارتكابات الإفرنج: قضى ثيودوسيوس عَلَى ما كتبه بوفيري كافة من كتب العلم بواسطة الإحراق وأمر أيضاً بإحراق كل الكتب التي تشتمل عَلَى شيء يخالف معتقدهم وقال أيضاً: والذي أحرق مكتبة الإسكندرية هو ثيوفيلوس لا المسلمون لأنو الدين الإسلامي لا يبيح إحراق الكتب وعدا هذا فإن المؤرخين الأول كافة الذين كانوا في عصر بدءِ الإسلام لم يذكروا مكتبة الإسكندرية قط مع أنهم ذكروا أموراً وشؤوناً طفيفة لا يؤْبه لها. وقال المطران يوسف الدبس في كتابه تاريخ سورية بعد أن ذكر ما ذكره لبعضهم من كيفية إحراق مكتبة الإسكندرية ونسبتها للمسلمين: روى هذه القصة كثير من المؤرخين النصارى وبعض المسلمين أيضاً عَلَى أن المدققين لم يقطعوا بصحتها. وقال رنان في خطاب له في العلم والإسلام: لقد قيل أن عمرو بن العاص أحرق مكتبة الإسكندرية وهذا كذب محض والمكتبة المذكورة قد أُحرقت قبل زمانه بسنين عديدة. وقد أورد الباحث نقولاً عن علماء الإفرنج يزيفون أقوال بعض أرباب الأهواء في نسبة الحريق للمسلمين ويبينون مأْخذ عبد اللطيف البغدادي وابن القفطي وابن العبري والحاج خليفة وليس لمكتبة الإسكندرية ذكر في عبارة أبي الفرج بن العبري الأصلية السريانية والنسخة العربية منقولة عنها كما أن بعض الخطوطات من تاريخه العربي لا أثر لهذه الرواية فيها والحاج خليفة لا ذكر للإسكندرية ومكتبتها في كتابه والبغدادي والقفطي نقلا عن رواية دسها عليهم بعض المتعصبين أو دسوها في عباراتهما. والمبحث مهم في ذاته يبين تعصب الإفرنج عَلَى الإسلام وبه يتم هذا المبحث الذي نشر المقتبس فيه عدة أبحاث أيضاً في سنيه الثلاث الأولى. حياة الرسول ينشر المسيو فيكتور شوفين من المستشرقين البلجيكيين منذ مدة كتاباً في أجزاءَ كثيرة يأْتي فيه عَلَى أسماء الكتب العربية التي نشرت في أوروبا المسيحية منذ سنة ١٨١٠ إلى ١٨٨٥ والجزء الحادي عشر منه هو في الكتب والرسائل التي نشرت بشأْن الرسول (عليه الصلاة والسلام) وعددها ثمانمائة كتاب ورسالة وربما نشر بعض الجمل المهمة منها. نشر الآراء عَلَى اختلافها ولم ير بأْساً من الإشارة إلى الكتب التي كتبت في القرون الوسطى عَلَى خاتم النبيين أيام كانت علوم أوربا وكلياتها وجامعاتها بيد رجال الدين فقط. انكلترا والشرق شعرت انكلترا بتخلفها عن أمم الغرب الراقية في معرفة علوم الشرق ولغاته فرأَت أن خير ذريعة لذلك إنشاءُ مدرسة للغات الشرقية الحية حتى لا تنازع نفوذها دولة في الشرق ولا سيما في الهند فعهدت إلى لجنة النظر في ذلك فقررت إنشاء مدرسة لهذا الغرض تضاف إلى كلية لندن عَلَى أن تكون مستقلة بأعمالها يتخرج فيها الموظفون والضباط الذين ترسلهم إلى الشرق بعد أن يتمكنوا من اللغة التي يريدون الخدمة بين أهلها لا أن يكتفوا كما كانوا باستظهار بعض الكلمات والجمل المحرفة. قال الأستاذ هدلم إن الواجب يقضي أن يكون الرجل الذي يذهب إلى الخارج مقتدراً عَلَى التكلم كما يتعلم الرجل المنوّر الفاضل ويكون شعوره وفكره كذلك لا إن يذهب فقط يتكلم التركية كما يتكلم بها جمال. وقد سئلت الحكومة في مجلس النبلاء عن الغرض من هذا العمل فابانت فوائده وعضده لورد مورلي حاكم الهند ولورد كرزون حاكمها السابق ولورد كرومر حاكم مصر وأبانوا النتائج الحسنة منه وقد استقلت بعض الجرائد المبالغ التي خصصت لذلك ولكن التيمس قالت إن هذه النبتة ستكبر من نفسها فإن المملكة البريطانية التي يتكلم باللغات الأجنبية ثلاثة من كل أربع من سكانها سيشير لها ذات يوم أن تنفق في سبيل تعلم اللغات مثل ما تصرف ألمانيا وفرنسا. العلوم والتربية الوطنية كتب المسيو إبيل في مجلة الأفكار الحديثة مقالة تحت هذا العنوان قال فيها: لكل أمة في كل عصر من عصورها نمط من التربية تختارها متناسبة مع حالتها الفكرية وحا أنها وضرورات بقائها والدفاع عن حوزتها وتأييد كلمتها وبيد الحكومة تحقيق هذا النموذج وتعيينه. نحن أمة ديمقراطية فيجب أن تكون غاية تعليمها الوطني أن يهي للأمة بأسرها أسباب حكم نفسها بنفسها وأن تعمل أصلح الأعمال بأقل جهد ويضمن لكل واحد أن يكون ما أمكن ممتعاً بشخصيته مطبوعاً بطابع الواجب الاجتماعي والواجب الوطني فيوجه إلى وجهة واحدة العنصرين اللذين بهما تتعلق حياة البلاد وأعني بهما نشاط الأفراد وهو موجد القوة وفكر الاشتراك الذي يدعو أبناءَ النبعة الواحدة إلى التكافل والتضامن في أعمالهم ويكون رائدهم الوئام لئلا يدخل فيهم الخصام والانقسام بكون تعليمهم حقيقياً كما يقول الألمان ونافعاً في مجموعه وجهته بحيث ينبه في كل مكان روح التفكر والاعتماد عَلَى النفس والإقدام على العظائم. إبان البحث في المدنيات القديمة التي كان أساسها حتى الآن من الفلسفة أو من الدين إن الإلحاد والاعتقاد لم يستطيعا أن يؤلفا وحدة باقية بين فكر الاشتراك وعمل الفرد وإن تربية هذا أساسها تؤَدي عاجلا أو آجلاً إلى الضعف والاختلال ولا سيما في العصر الحاضر فإنها تؤَدي إليهما أكثر من الحرية الغير المحددة في التفكر والكتابة ونشر الآراء عَلَى اختلاف أنواعها بواسطة الصحافة الرخيصة. وليس كالعلم دواءٌ أنجح من هذا الداء فالعلم منبع التفكر والعمل والإخلاص الذي لا يطلب به صاحبه غرضاً وبالعمل النافع وبطريقة العلم تنتظم الأفكار العامة بنظام حسن وبها تضمن له وحدة الاتقاء مع ترك الحرية المطلقة لفكر الفرد. وبطريقة التعليم ينتفع من المتوسطين في ذكائهم المواظبين على أعمالهم فيخدمون خدماً حقيقية في الأعمال الصناعية والزراعية. إن صاحب الذكاء الحدود إذا جمع إليه عامة صفات العمل المتصوَّر لا يكون منه في الأدب ولا في الفلسفة إلا أمور تافهة. وعندما يجيءُ زمن تزول فيه كل سلطة قائمة عَلَى العهود الاجتماعية يؤَسس العلم سلطة لأراد لحكمها ولا أسطع من نورها تنشأُ عَلَى أصول راسخة عَلَى الأكفاء العاملين. وبتنظيم طريقة التعليم يجتنب الإسراف في الوقت والقوة بتلقين عادات التؤدة والنظر والتدقيق والبساطة في الأذواق منبهة شعور الظلام والجهل مع الرغبة في إمحائهما داعية المرءَ بما فيه من الصفات الأخلاقية والعقلية لا بما فيه من القوى الطبيعية ووجدانه في العمل وصدقه في الحكم وطريقة التعليم تورث العقل نظاماً وتعود الفكر عَلَى البحث والقلب عَلَى الصبر والجسم عَلَى النشطة وهي الكفيلة بتربية أبناءِ المدينة الفاضلة. ولقد اضطر المربون الأول في فرنسا أن يقبلوا إرث اليونان والرومان في العلم عَلَى ما فيه من الجاذبية والمخاطر وكانت دراسة اللاتينية أولاً فرضاً ثم ضارعتها اللغة اليونانية وحذفت من الدروس تعلم اللهجة الفرنسوية وظلت المناقشات السفسطائية والجدالات المذهبية زهاءَ ألف سنة مستولية عَلَى القوى العقلية في الأمة فأصبحت الواسطة غاية وكان النقد الأدبي أول ما يعنى به فلم يكن للعلوم مقام في تعليم محدود بهذا القدر بل أنها أصبحت مجهولة في الأديار مهملة في الكليات وتابعة للفلسفة السكولاستيكية ولما غدا النظر في الطبيعة لا يعد سحراً أمسى العمل يوصم بوصفة الكفر ولكن النقد الأدبي ظل هو العلم ولم يقدر هذا إلا في أواخر القرن الثامن عشر أن يكون له كيان أمام ما كان يعتقد أنه علم وليس هو منه في شيء. وتكلم عَلَى التعليم في فرنسا وقسمه إلى ابتدائي ووسط وعالٍ وقال إن تعليم اللغة الفرنسية المقام العالي لأنه من البين أن أصل كل تهذيب يجب أن توضع معرفة لغة الإنسان في المقدمة معرفة حقيقية وقال إن العلوم الأدبية في درجات التعليم الثلاث هي موضوع الاهتمام والعناية ودارسوها أكثر من دراسي العلوم مع أن حضارة هذا القرن تقضي بأن تكون العلوم قبل كل شيء هي المعول على دراستها. فالأدب عند الفرنسيس هو الملجأُ المضمون لكل فرنسوي هو ملجأُ الأطباءِ الذين لازُبن لهم والمصورين الذين يئسوا من الكسب والضباط الذين عزفت نفوسهم من خدمة الجيش بل وكل من خانتهم قواهم ولم يجدوا لهم عملاً. الأخلاق الحربية قوة كل أمة بقوة أفرادها وجنديتها مناطة بقوة عضلات من تتألف منهم أكثر من كثرة عددهم فالجيش الألماني غلب الجيش الفرنسوي في حرب سنة السبعين بقوة أفراده وتنظيم كتائبه وأسباب راحته مع أن فرنسا كانت إذ ذاك تخرج من الجند عدداً أكبر والسر في تغلب الجيش الياباني عَلَى الجيش الروسي هو أنه مؤَلف من جند مختارين فيابان وهي أربعون مليوناً لم تخرج سوى ثلاث عشرة فرقة من أبنائها لحمل السلاح في حين أن تسعاً وثلاثين مليوناً من الفرنسيون يختارون لحمل السلاح من ٤٢ إلى ٤٥ فرقة أي ثلاثة أضعاف ما تخرج اليابان هذا مع أن الصناعات تكثر في يابان كثرة زائدة ومعلوم انحطاط قوى الصناع عن الزراع فيما يتعلق بالشؤون الحربية. وقد انحطت قوى الجند الفرنسوي اليوم عن مثلها منذ خمسين سنة كما يرى ذلك الضباط عياناً عند ما يقضي عَلَى الجند أن يعلموهم ويشغلوا أذهانهم كما يشغلوا عضلاتهم فليس الاستعداد العسكري هو الذي يرغب فيه بل تربية الجنس تربية طبيعية. أما الانكليز فقد امتاز جندهم بطول القامات وصباحة الوجوه وحمرة الخدود ومن جال في انكلترا بل في البلاد التي استعمرتها هذه الدولة يتجلى له أنها توصلت بالمحافظة المعقولة عَلَى صحة أبنائها وبكثرة تمرينهم عَلَى الألعاب الرياضية حتى أصبح لديها جند مختار. دربوا البشر كما لدرب الخيول المطهمة وهل الإنسان إلا حيوان ناطق ولقد قال روسكين فيلسوف الإنكليز المشهور أن نتيجة كل ثروة إخراج خلق كثير من تكون صدورهم متسعة وعيونهم حادة براقة وقلوبهم فرحة. فاليابان هم أكثر الأمم عناية بالأمور الصحية وليست عنايتهم بها دون عنايتهم بتلقين العلم حتى إن بعض الدساكر والقرى من أواسط بلادهم قد حملت كلها السلاح للدفاع عن الوطن عندما نادى نذير الحرب. وكم من أمة جادت صحتها وقويت عضلات أبنائها ونشأَت فيها الأخلاق الحربية بفضل الرياضة المعقولة ومن تلك الأمم السويد فإنها كانت منهوكة القوى بالكحول فأبطلتها وما هو إلا جيل وآخر حتى أصبحت أمة قوية العضلات آية في الكر والفر ومثل ذلك رومانيا التي انبعثت فيها الحياة بعد أن كانت خمسة عشر قرناً ميداناً للغارات الكثيرة ولحكم الغرباء عليها فجعلت منذ ثلاث سنين التعليم العسكري الاستعدادي إجبارياً في جميع المدارس الابتدائية والثانوية والصناعية والعامة والخاصة يتولى ذلك معلمون يعينون خاصة لهذا الغرض وكثيراً ما يعضدهم الضباط. وجرى الطليان منذ سنتين عَلَى نشر مباديء الرماية والتعليم الطبيعي لتعد الشبان للخدمة العسكرية وتحافظ عَلَى ما تعلمه من التدريب الحربي من ليسوا تحت السلاح من أبناء إيطاليا ويكون التعليم إجبارياً في المدارس الابتدائية والوسطى بل في الكليات يعنى فيها عناية خاصة بمن يترشحون ليصبحوا أساتذة فيزيدون لهم درساً في حفظ الصحة والتعليم الطبيعي حتى لقد أصبحت مدارس المعلمين الثلاث في تورين ورومية ونابلي عبارة عن مجامع علمية لتخريج أساتذة. وعنيت البلجيك منذ سنة ١٩٠٨ بأن أضافت إلى مدرسة الطب في كلية غاند مجمعاً علمياً عالياً للتربية الطبيعية واخترعت شهادات للمتخرجين في التربية الطبيعية. ولم تعمل بلد من بلاد الأرض ما عملته سويسرا في مسألة التربية الطبيعية للشبان وتدريبهم عَلَى الفنون العسكرية فقضت على كل طفل منذ سن العاشرة إلى خروجه من المدرسة الابتدائية أن يحضر درساً في الرياضة الاستعدادية للخدمة العسكرية ويقوم بهذه الدروس أساتذة يتعلمون التعليم الكافي في دور المعلمين من كل إقليم وفي مدارس الجند. ويبلغ عدد المجندين كل سنة من ١٦ ألف إلى ١٨ ألف جندي تعلم نحو نصفهم الرماية من قبل. وأُنشئت في فرنسا جمعيات لإعداد الشبان للخدمة العسكرية والجيش حتى قال أحد القواد لأحد رجال سياسة فرنسا هيأُوا لنا رجالاً لنجعل منهم جنداً ومن هذه الجمعيات جمعيات الرياضة البدنية والتعليم والاستعداد العسكري والرماية والسيف والترس والبوكس والصراع وركب الدراجات والعوم إلخ. بلغ عدد أعضائها كلها ٩٠٠ ألف رجل وامرأة من أعمال مختلفة ومظاهر وطبقات متباينة والحكومة تساعدها فتعطيها مليوناً وسبعمائة ألف فرنك كل سنة فضلاً عن وارداتها التي هي خمسة ملايين فرنك عدا ما يرد عليها من إعانات الأقاليم. المجالس النيابية مضت العشر سنين الأولى أو العقد الأول من القرن العشرين وقد كثرت المجالس النيابية أو امتدت سلطة الموجود منها ففي ١٠ أيار ١٩٠٠ افتتح أول مجلس نيابي لجمهورية أوستراليا وفي ٢١ آذار ١٩٠٧ افتتح مجلس جمهورية الترنسفال واجتمع في جتينة عاصمة الجبل الأسود منذ شهر تشرين الثاني ١٩٠٦ إلى شهر نيسان ١٩٠٧ أول مجلس نيابي فيها ولم تطل مدة الدوما الأولى الروسية سنة ١٩٠٦ سوى مئة يوم وحدثت بعدها الثورة ثم خلقتها الثانية والثالثة وأُصيب القانون الأساسي في فنلندا سنة ١٩٠٨ بما كاد يقضي عليه ثم عادت إليه حياته في الحال وبعد أن كان الدستور في الصرب والبلغار ساقطاً غير معمول به زمناً مثل دستور البرتقال عادت إليهما حياتهما بموت الملك إسكندر وكارلوس وافتتح الشاه المجلس النيابي الفارسي ثم أطلقت عليه القنابل وقتل أحرار الأمة الفارسية بيد المعطلين منها وسرت روح التجديد إلى البلاد العثمانية فأعيد قانونها الأساسي إلى العمل به يوم ٢٣ تموز ١٩٠٨ وفي هذه السنة أعلن القانون الأساسي في الصين. وما برحت المجالس النيابية معرضاً للتبديل والتغيير فتوسعت السويد بدستورها الذي نشرته سنة ١٨٦٦ وقبلت بالانتخاب العام كما قبلت النمسا والدانيمرك ١٩٠٧ — ١٩٠٨ وأصلح مجلس الرشسناغ في برلين بعض خصائصه مثل مجلس همبورغ والإلزاس لورين والمجر وأصبحت فنلندا تنتخب إلى مجلسها النيابي اثنتي عشرة امرأَة منذ سنة ١٩٠٧ وكذلك تريد أن تطرس على آثارها النروج والدانيمرك والولايات المتحدة والبلجيك وإيطاليا واسبانيا ليشارك النساءُ الرجال في التشريع لبلادهن. ثم إن أول مجلس نيابي أي مجلس لندرا لم يخل من إدخال بعض إصلاحات عليه مثل مطالبته بإعطاء إيرلندا استقلالاً إدارياً وربما منح مصر مجلها النيابي لولا شؤُون وشجون كما أن مجلس النبلاء يوشك أن يدخله إصلاح ديمقراطي ثم إن النيابة الاسمية في الآراءِ قد انحلت مسألتها في نوشاتل وجنيف وتسين والبلجيك واسبانيا والبرتقال والدانيمرك والسويد وايلينوا وكليفورنيا وبرازيل ومملكة بونس أيرس ومملكة الرأْس كما أدخلت إلى فرنسا وإيطاليا وبعض الأقاليم السويسرية بعض التعديل في النيابة ونالت البوسنة والهرسك من دولة النمسا والمجر بعد انسلاخها رسمياً عن المملكة العثمانية مجلساً نيابياً أيضاً. غلاء الحاجيات تصاعدت أثمان الحاجيات في الغرب وأكثر بلاد الشرق منذ عشر سنين إلى الآن فارتفعت أسعار البقول ثلاثين في المئة وأسعار الحبوب عشرين والزيت خمسة عشر والسمك البحري عشرة والسمك المقدد خمسة وثلاثين والقهوة والشوكولاتا خمسة وعشرين والشحوم أربعة وثلاثين. وقد قسم بعض الباحثين بلاد العالم في غلائها إلى ست مناطق فجعل في المنطقة الأولى بلاد البلجيك واسبانيا وإيطاليا ولوكسمبورغ والبرتقال وسويسرا وفرنسا. وفي الثانية ألمانيا وبافيرا والدانيمرك والجبل الأسود ونروج وأسوج وفي الثالثة النمسا وبريطانيا العظمى واليونان والمغرب الأقصى وهولاندة ورومانيا والصرب والعثمانية. وفي الرابعة مصر وإيران وروسيا. وفي الخامسة أوستراليا والصين وكوريا والهند الانكليزية والهند الهولاندية واليابان وسيام. وفي السادسة إفريقية الشمالية والغربية وأميركا الشمالية وكندا وجزائر الانتيل وأميركا الجنوبية. وبلاد الترنسفال أكثر بلاد الأرض غلاءً لأن الذهب فيها مبذول لكثرة مناجمه فيها ويليها في تفاحش الأسعار بلاد الهند بل جميع المستعمرات الانكليزية وفي استوكهلم عاصمة السويد غلت الحاجيات وأجور المساكن إلى درجة غير معقولة فأجرة الغرفة فيها كل شهر في حي الأغنياء خمسون ليرة وبيوت هذه العاصمة للبلدية أو لنقابات وشركات حتى كاد العامل الفقير يهلك فيها والحكومة هناك تفكر في طريقة لتنفس خناق السكان من غلاءِ المأْكل والمسكن. الماء الغالي لا يخفى أن ثلاثة أرباع الجسم الإنساني مركب من الماء والربع فقط من المواد الآزوتية والكربونية وغيرها. وهكذا الحال في غذائنا وكثرة السوائل المائية فيه فإن في الكيلو من لحم البقر أو الغنم ٢٥٠ غراماً من المواد اللحمية و ٧٥٠ غراماً من الماء ولحم السمك وهو كثير التغذية جداً يحتوي أيضاً عَلَى كمية أكثر من الماء ففيه منه من ٧٧٠ إلى ٧٨٠ غراماً في كل كيلو أما اللبن الحليب فيكاد لا يحتوي عَلَى أكثر من ١٢٠ غراماً من المواد المغذية والبقول أكثر مائية من غيرها فإن عشرة كيلو من البطاطا تحتوي عَلَى نحو ٨ كيلو من الماء وفي عشرة كيلو من الملفوف أو الشوندر ٩ كيلو من الماء. معدل القهوة لا يخفى أن القهوة من الأشربة المهيجة للأعصاب وإن كثيراً من الناس الذين يحبون طعمها ورائحتها الذكية تضطرهم الحال أن يحرموا منها لأنها تورثهم أرقاً واضطرابات عصبية. وفي سنة ١٨٢٠ اكتشف رونج المادة المعروفة في القهوة واسمها الكافيين وأنها هي من أهم العوامل المؤثرة في هذه البزرة ولكن روبر هاس قد أبان أن في القهوة ما خلا الكافيين عدة مواد أكثر سمية منها وهي غير معروفة. فإن كان استعمال القهوة بكثرة أو بقلة يحدث لبعض متناوليها شيئاً من الاضطراب أحياناً فإن الدكتور كوفيه حقن أرنباً في أعصابه الوداجية بنقيع القهوة فاضطرب جسمه أولاً ثم اهتز ثم عرته تشنجات ثم الموت عَلَى أن القهوة إذا عزلت من مادتها السامة أيضاً وهي الكافيين تظل عَلَى ضررها. وعلى هذا رأى علماء الصحة أن دعوة الناس إلى الإقلاع عن شراب القهوة من العبث ما دام استعمالها شائعاً في الأرض عَلَى ما هو معلوم وأثبتوا أنه يتأتى تناولها بدون أن تؤثر في الأعصاب إذا كانت محضرة جيداً. ولئن خلطوا القهوة بالهندباء الناشفة المحمصة أو البلوط الحمص وبذر الجاودار والتين المحروق والشيل عرق الإنجيل والشعير والذرة والأرز والدخن والفاصوليا والحمص والعدس والفول والبطاطا والهليون ونوى التمر والكستانة ليخدعوا الناس ولكن أحد الفرنسيس عثر عَلَى نبات اسمُه المقري باسم وزير الحربية المراكشية إذا مزج بالقهوة لا يغير من طعمها ورائحتها الذكية بل يقلل من تأثيرها في الأعصاب وثمن هذا النبات معتدل مثل الهندباء واستعمال هذا النبات معدل اقتصادي وصحي فحبذا يوم يأتينا بكثرة إلى هذه الديار. الذهب والفضة قالت مجلة الطبيعة الفرنسوية: بلغت قيمة ما استخرج من الذهب سنة ١٩٠٩ ٢٣٠٠ مليون فرنك أكثر من ثلثها من إفريقية الجنوبية فزاد المستخرج منه من بلاد الترنسفال وحدها ثلاثين مليوناً كما زادت كل من كندا والولايات المتحدة والمكسيك من ٦ إلى عشرة ملايين أما أوستراليا فقد نزل محصولها عَلَى هذه النسبة وزاد المستخرج منه في روسيا خمسة عشر مليوناً. وقد كان المستخرج من الترنسفال ٧٦٥ مليون فرنك ومن رودوسيا ٦٤ ومن غربي إفريقية ٢٣ ومن كندا ٥٣ ومن الولايات المتحدة ٤٩٠ ومن أوستراليا ٣٦٣ ومن المكسيك ١٣٠ ومن الهند ٥٢ ومن روسيا ١٧١ ومن الصين واليابان وكوريا ٥٥ ومن سائر الممالك ١٣٧ . أما الفضة فإن استعمالها يكثر في الصناعات ويقلُّ في النقود وأثمانها في انخفاض وربما انخفضت أكثر وإن كان المستخرج منها منذ عشرين سنة أقل من المستخرج من الذهب بالنسبة فيكاد وزن الفضة المستخرج اليوم يعادل ثمانية أضعاف ما يستخرج من الذهب عَلَى حين كان منذ ١٧ سنة أكثر من ذلك باثنين وعشرين مرة وبلغ المستخرج سنة ١٩٠٩ من الفضة ٦٦٠٠ طن أو ٢١٤ مليون أونس أو نصف الأوقية وقد كانت الولايات المتحدة الأولى في كثرة ما يستخرج منها فأصبحت منذ ثلاث سنين الثانية وزاد المحصول في المكسيك ضعفين كما كثر في كندا ولم تكن مناجم الفضة معروفة فيها قبل سبع سنين وتستخرج الفضة من مقاطعة كوبات في ولاية أونتاريو كما يستخرج من بروكن هيل في شاطيء أوستراليا الجنوبية وغاليا الجديدة في الجنوب. والطلب قلَّ عَلَى الفضة لأن الممالك الكبرى لا تبتاع منه إلا ما تصوغ منها نقوداً ونصفه يصرف في بلاد الصين والهند فإن بلاد الهند وحدها تبتاع ٢٨٧٠ طناً للحلي حتى أن حكومتها اضطرت أن تضرب رسماً فاحشاً عَلَى الوارد منها أي ١٧ في المئة لسد العجز الذي يبدو من الصين في مقاومة الأفيون. أثر روماني قطعت الصخور الموجودة في طريق سوق وادي بردى من أعمال دمشق وكان في زمن الرومانيين من المراكز المهمة ويدعى هابيلا ليزانيا أو هابيلا نوزيوم وقد عثر فيه عَلَى كتابات منقوشة في الصخور باسم مارقوس أورليوس إمبراطور الرومانيين. أثر فينيقي عثر في ضواحي بيروت في قرية برج عمود من أعمال الساحل على مغارة قديمة وجدوا فيها سلماً ينزل منه إلى مغارة مربعة ووجدوا في الجهات الأربع منها أضرحة محفورة في صخور منحوتة نحتاً جميلاً ووجدت فيها بعض العظام ويقال أن هذه المغارة يرد عهدها إلى الرومانيين. أعمق بئر أعمق بئر في العالم ذاك الذي حفر في كزوشي من أعمال بولونيا فهو عَلَى ٢١٠٠ متر من سطح الأرض. وثم يجيءُ بئر باروشوفيز في سليزيا العليا وعمقه ٢٠٠٣ أمتار ثم بئر شالوباش في بلاد ساكس البروسيالية وعمقه ١٧٤٨ متراً. وسيزيد في نقب البئر الأول لأن طبيعة الأرض تساعد عَلَى ذلك أما عرضه فهو ٦٧ ميلمتراً فقط. مملكة بردسي قليل من الناس من يعرفون أن لملك انكلترا زميلاً وجاراً ونعني به ملك جزيرة بردسي الواقعة على نحو ثلاثة كيلومترات من شبه جزيرة لوين من أعمال كارنافون في بلاد الغال. وهذ المملكة الصغرى مستقلة كل الاستقلال ولا تعترف بسلطة ملك بريطانيا العظمى عليها. وليس في هذه المملكة سوى ٧٧ ساكناً يدخل فيهم الملك والملكة اللذان حكم أجدادهما هذه الجزيرة الصغرى منذ عهد عريق في القديم. أما لسانهم فهو لهجة تخالف اللهجة الانكليزية كل المخالفة. ولهذا القيل أو الملك الصغير عدا إدارة ملكه أعمال منها أنه معلم المدرسة وضابط في الأركان حرب ولا يخضع للقوانين الانكليزية ولا يدفع السكان خراجاً ما ويعيشون مرفهين بتناول خبز الشعير والحليب والزبدة. ولهم من الصخور المحيطة بهم مادة للسرطان البحري يتناولون منها ما شاؤا ويبيعونها من الأجانب عنهم بسعر بخس ولا يهتمون بتاتاً بما يحدث خارج بلادهم ولا تدخل جريدة إلى هذه الجزيرة التي لا مثيل لها ولا يخرج ملاح منهم عندما تشتد أنواءُ البحر بسبب الصخور المحدقة بالجزيرة. رجل القطعان رجل القطعان من الغنم والخرفان في العالم هو روسي اسمه غستاف كوفانونيش يملك في سهول سيبيريا ألوفاً من الأفدنة ترعى فيها قطعانه البالغ عدد غنمها مليوناً وسبعمائة ألف يحرسها زهاء ثلاثين ألف كلب من هجمات الذئاب والحيوانات المفترسة. معدل الأعمار تؤَكد بعض صحف ألمانيا أن معدل الحياة آخذ بالازدياد فقد زاد في ألمانيا من سنة ١٨٩١ إلى ١٩٠٠ زيادة تذكر بالنسبة للعشر سنوات التي مضت بين سنة ١٨٧١ و ١٨٨١ فصار متوسط حياة الرجل ٤٨ سنة و ٨٥ يوماً وكان ٣٨ سنة ويوماً واحداً ومتوسط حياة النساء ٥٤ سنة و ٩ أيام وكان ٤٢ سنة و ٥ أيام وذلك بفضل الوسائط الصحية في البيوت والشوارع والمحال العامة. صحة العين كتب الدكتور تروسو أن ٤٣ في المئة من العمي يمكن إنقاذهم مما نالهم وكتب الدكتور موتي الفرنسوي أن ثلاثة ملايين من العملة والمستخدمين والطلبة يتعرضون كل يوم لما يجلب الأخطار عَلَى عيونهم وقد رأَى الدكتور بولي أن الواجب عَلَى كل ولد واطيء النظر أو لا يميز الأشياء جيداً أن يعرض عينيه عَلَى طبيب العيون ويضع نظارات عَلَى عينيه ومن كان أحسر قصير البصر فاستعماله للنظارات أحسن واقٍ لعينيه والواجب ملاحظة الولد بعناية دائمة خلال القراءة والكتابة وأعماله الجزئية وألعابه وإذا أصيب بالحميراء أو القرمزية أو الجدري أو غيره من الأمراض المعدية تجب العناية بعينيه من وراء الغاية وأن أقل التهاب في الملتحمة يعدي ويكون فيه حبيبات ينبغي أن تتخذ لها أنواع الوقاية والعزلة ويجبر العملة أثناءَ العمل أن يقفوا مستوية قاماتهم وأن يكون النور في النهار عن شمال المرء ومن ورائه قليلا ونور الليل عن الشمال وقليلا إلى الأمام والكوى آباجور نافعة عَلَى أن لا تكون شفافة وتختبيءُ وراءَها الوجوه وإذا كان ضوءُ الكهرباء مضراً للعيون كثيراً بما فيه من الأضعة البنفسجية الكثيرة فالواجب استعمال زجاجات ملونة بالصفرة لا ترسل النور إلا خالياً من أشعته. والواجب في جميع الصناعات التي يلحظ أنها تحمل أشياء ضارة للعيون أن يضع المرءُ عَلَى عينيه نظارات تقيه منها وإذا لوحظ ضعف في بصر الولد فالواجب استشارة الطبيب لاتخاذ الصنعة التي يختارها. الماء السائغ ألقى المستر هوبارد محاضرة أمام جمعية الفنون الانكليزية فقال أنه يتأتى في الأقاليم التي بقيت قفراء لقلة مائها أن يجمع فيها الماء الذي يجمع من الندى عَلَى مثال الطريقة التي جروا عليها في قلعة جبل طارق وذلك بأن يحفر في الأرض على سطح كافٍ وأن يغطى المحل المحفور بقش ناشف تمد عليه طبقة من الخزف أو تراب الفخار فيكون القش عبارة عن مولد للحرارة يفصل بين الخزف والأر وبعد غياب الشمس يبرد هذا الخزف عَلَى أسرع ما يكون وذلك ببروز الأشعة وتنزل حرارة في الحال عن درجة تبخر الهواء المحيط بذاك المكان فيتراكم البخار المائي ويتجمع في الحفرة. ويحسن أن يوضع عَلَى الأرض طبقة من الإسفلت حتى لا يضيع القش بندواته خاصية نقله للحرارة. وفي جبل طارق يستعيضون عن القش أو التبن بخشب وعن طبقة الخزف بصفائح حديد. التفنن في الإحسان اخترعوا في ألمانيا طريقة حسنة للإنفاق منها عَلَى المعوزين والبائسين فوضعوا في كل حانة علبة من المعدن جعلوها في زاوية منها فإذا دخن الإنسان لفافته يقوم فيطرح عقبها في العلبة. وهذه الطريقة من اختراع إحدى جمعيات الإحسان فتستخرج هذه الأطراف وتبتاع بها ألبسة لكسوة الأولاد المحاويج وبهذه الواسطة كست الجمعية في العام الماضي ١٧٢٦ ولداً. أثمن النصائح الصحية هذه هي العشر النصائح في حفظ الصحة التي علقتها السويد في جميع مدارسها وهي حرية بأن يجعلها نصب عينه كل من تهمه صحته من الكبار والصغار: مخطوطات نادرةاختارها من مكاتب المدينة المنورة الشيخ جمال الدين القاسمي من كتب اللغة في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بك في المدينة المنورة من فن الكلام من المجاميع من المكتبة المحمودية في المدينة المنورةجوار المسجد الشريف وقد بلغ مجموع ما في المكتبة المحمودية من الكتب ٤٥٦٩ ) وما في مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت بك ٥٤٠٤. ويوجد مكتبات أخر كمكتبة بشير آغا عند باب السلام ومجموعها ٢٠٦٣ ) ومكتبة شيخ الإسلام فيض الله أفندي ومجموعها ١٢٤٦ ومكتبة عمر أفندي قره باش أحد كبار العلماء ومجموعها ١٢٦٩ ومكتبات أخر معروفة يتراوح عددها ما بين المائة والألف. إصلاح غلط وقعت لنا أغلاط مطبعية كثيرة في بعض الأجزاء الماضية ولا سيما في الجزء الخامس والسادس الذي ظهر خلال تغيبنا عن هذه البلاد فتركنا إصلاحها لفطانة القاريء وقد كتب لنا أحد أصدقائنا في بغداد يقول: ... إلا أن الطبع لا يشبه ما طبع من المقتبس في السابق. وكثيراً ما يقع أغلاط طبع في الأسماء العلمية الأعجمية. وكذلك في الأسماء العربية. ومن ذلك ما وجدته في نبذة ري العراق ص ٥٢٥ – ٥٢٦ بحيرة عكاركوف. والأصح: هور عقرقوف. والاسم مشهور في كتب العرب القديمة كياقوت والبلاذري والبكريّ وغيرهم. وصبارة والأصح أبو حبة وهو الاسم الحالي أو سبارة وهو الاسم القديم ونفور. والأصح نفر. وأرخ والأصح: وركاء. وتل سكرخ. والأصح سنكرة. وتل لو والأصح تلو أهـ فنشكر للناقد الكريم عنايته ونرجو أن يتفضل وسائر من أوتوا العلم أن يصححوا لنا ما يبدر منا ومن مؤازرينا من الهفوات فالعلم لاحيا إلا بالنقد الصحيح.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_46.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.46.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
