<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.45.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.45.TEIP5:</urn>
<passage>القضاة والنواب ١ صحيفة من تاريخ القضاء ترى الناس على اختلاف مذاهبهم ونحلهم وأجناسهم مجمعين على انتقاد أعمال القضاة والنواب شاكين كل حين من ظلمهم وغدرهم على أن العدل والأمن والراحة العامة وتأمين الحقوق في أيديهم وحياة الأمة وعمران الوطن وسعادته تتوقف على إصلاحهم فهم على ما هم عليه من المكان من حيث الدين والدنيا نرى أكثرهم كانوا من أكبر المخربين في هذا المجتمع الإنساني وقد تيسر لي اختبار أعمالهم وأفعالهم فرأيت أن أكتب شيئاً عنهم غير أني لم أقدم عليه قبل الرجوع إلى أمهات الكتب الدينية والوقوف على حقائق هذا المنصب العظيم. وقد أنشأت هذه المقالات بعد أنم طالعت مقدمة ابن خلدون وحاشية ابن عابدين وتكلمته والأشباه والأحكام السلطانية وتاريخ الطبري وتاريخ الكامل لابن الأثير ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة والميزان للشعراني وسراج الملوك وغيرهما ولذلك أرجو من وجد غرابة في بعض أقوالي أن يرجع إلى هذه الكتب المهمة. القضاء القضاء لغة: الحكم ويجيءُ بمعنى الفراغ والأداء وأما القضاء شرعاً فهو فصل الخصومات وقطع المنازعات غير أنه مظهر للأمر الشرعي لا مثبت. كان النبي صلى الله عليه وسلم وحياً يوحى لا ينطق عن الهوى ولذلك لم يكن قضاءٌ في زمانه وفي مقر نبوته لأنه كان يأتي بالحكم أو يحكم مثلما يوحى إليه غير أنه عليه السلام لما بعث معاذ بن جبل إلى اليمن أرسله إليها عاملاً وقاضياً وبعث علياً إلى جهة اليمن عاملاً وقاضياً فكان أمر القضاء ممتزجاً مع الإمارة في زمان النبوة ولما صار أبو بكر الصديق رضي الله عنه خليفة قال له أبو عبيدة أنا أكفيك المال يعني الجزاء وقال عمر أنا أكفيك القضاء فمكث سنة ولم يخاصم إليه أحد فكان عمر أول قاض في المسلمين. ولما تولى الخلافة أدرك أن توسع أمر الفتح وكثرة الاشتغال بالسياسة يؤخره عن القيام بالقضاء ولى أبا الدرداء معه في المدينة وولى شريحاً في البصرة وولى أبا موسى الأشعري بالكوفة وكتب له كتابه المشهور الذي تدور عليه أحكام القضاة وهي مستوفاة وفيه يقول: أما بعد فإن القضاء فريضة محكمة وسنة متبعة فافهم إذا أدي إليك فإنه لا ينفع تكلم بحق لانفاذ له واسٍ بين الناس في وجهك وعدلك حتى لا يطمع شريف في حيفك ولا ييأس ضعيف من عدلك على من ادعى واليمين على من أنكر والصلح جائز بين المسلمين إلا صلحاً أحل حراماً أو حرم حلالاً ولا يمنعك قضاء قضيته أمس فراجعت اليوم فيه عقلك وهديت فيه لرشدك أن ترجع إلى الحق فإن الحق قديم ومراجعة الحق خير من التمادي في الباطل الفهم الفهم فيما تلجلج في صدرك مما بيس في كتاب ولا سنة ثم اعرف الأمثال والأشباه وقس الأمور بنظائرها واجعل لمن ادعى حقاً غائباً أو بينة أمداً ينتهي إليه فإن أحضر بينة أخذت له بحقه وإلا استحللت القضية عليه فإن ذلك أنفى للشك وأجلى للعماءِ. المسلمون عدول بعضهم على بعض إلا مجلوداً في حد أو مجرباً عليه شهادة زور أو ظنيناً في نسب أو ولاء فإن الله سبحانه عفى عن الإيمان ودرأ بالبينات وإياك والقلق والضجر والتأفف بالخصوم فإن استقرار الحق في مواطن الحق يعظم الله به الأجر ويحسن به الذكر والسلام ولاية المظالم ٢ القضاء في الدولة العثمانية ٣ كان السلطان عثمان الغازي مؤسس هذه الدولة ورعاً ديناً يستخدم قضاةً وحكاماً للنظر في الأمور الشرعية والقيام بأحكامها ولما تولى الملك ابنه أورخان الغازي طلب من الشيخ علاء الدين الأسودي رجلاً يقوم بمصالح الناس الشرعية في أسفاره فأوصاه بقره خليل أفندي جنوره لي فاتخذه قاضياً لبروسة عاصمة ملكه ثم جعله قاضياً على العسكر وخصه بأمورهم ولما آنس منه اختباراً في السياسة استوزره وسماه خير الدين باشا ونصب رستم أفندي مكانه قاضياً للعسكر. وفي زمان السلطان بايزيد الأول تولى العالم محمد شمس الدين أفندي منصب الفتيا في قاعدة السلطنة للنظر في الأمور الشرعية وجمعها في مركز واحد فأصبح المفتي ناظراً عاماً عَلَى جميع العلماءِ والقضاة والمدرسين وقد بدأَ تنظيم مراتب العلماء الحالية ونظامهم في زمان محمد الفاتح على أنه لم يكن حتى في آخر زمانه سوى قاضٍ واحد للعسكر ولما كثرت الأعمال قسم القضاةَ على قسمين فصار قاضي عسكر للروم ايلي وقاضي عسكر للأناضول وجعل الفاتح جلال زاده خضر بك قاضياً عَلَى استانبول ومفتياً في مركز السلطنة وذلك عقيب فتح الأستانة. وبعد حين تولى العالمان الشهيران ابن كمال باشا وأبو السعود أفندي منصب الفتيا بعدما كانا قاضيين للعسكر ثم أخذ يطلق عَلَى منصب الإفتاء مقام المشيخة الإسلامية وأصبح منصب الإفتاء فوق منصب قاضي عسكر الروم ايلي وقاضي عسكر الأناضول وجعلت له رئاسة الطرق العلمية ونظارة المحاكم الشرعية وأصبح مقام شيخ الإسلام معادلاً لمقام الصدارة العظمى وصار يقال لشيخ الإسلام ولي النعم وعدامر المعارف والعدل من حقوق مقام المشيخة واخذ طلبة العلوم عندما ينجزون دروسهم عَلَى الطريقة القديمة يقيدون أسماءهم في جريدة الدولة فيغدون قضاة. ولم تكن مناصب قاضي عسكر وقضاة استانبول وقضاة أدرنه توجه إلا عَلَى اكبر المدرسين ومنتهى رتب التدريس رتبة المولوية بيد أن هذه الوظائف كانت مقرونة بالعمل والقاعدة أن ينالها المرء بحسب قدمه ولكن قوة الوساطة والشفاعة والرشى صارت تؤَهل الجاهل لبلوغ تلك المناصب فدخل الفساد فيها حتى أصبح القضاء ألعوبة بأيدي البحارة وصعاليك الناس وانشأ من ينال شهادة الملازمة بوسائط غير مشروعة يصل بها إلى القضاءِ. وكان قاضي استانبول اكبر مأمور شرعي بعد قضاءِ العسكر وله النظر في أمور البلدية وشؤون أرباب التجارة والحرف. قلنا أن أحكام العدل كانت من وظائف مقام المشيخة وأن الدعاوي تنظر في المحاكم الصغرى وأما الدعاوي الكبرى فينظر فيها أمام قاضي عسكر وكان الديوان الهمايوني بمنزلة محكمة كبرى فوق المحاكم ينظر في أمور الدولة والأمور الشرعية معاً ثم تغيرت صورة هذا الديوان وانفردت أمور الدولة عن مصالح الرعية فاخذ القاضيان يجتمعان في غرفة العرض مرتين من كل أسبوع وينظران في الدعوى التي تعذر حلها في المحاكم الصغيرة وكان يقال لهذا المجلس حضور مرافعه سي وأصبح هذا المجلس في سنة ١٢٥٤ يلتئم بحضور شيخ الإسلام وفي عهد المرحوم عبد المجيد لما كان عارف أفندي شيخ الإسلام غدا انتخاب تحت نظام وفتح مكتب النواب عام ١٢٧٢ وشرط ان يكون النائب من متخرجي هذه المدرسة وفي سنة ١٢٧٤ تأَلف مجلس التدقيقات الشرعية وأصلح في سنة ١٢٨٩ وأصبح تدقيق الصكوك والاعلامات من وظائف باب الفتوى. وبعد ذلك انقسم مستخدمو الشريعة إلى قسمين الأول للفتوى والثاني للقضاءِ وصارفي مركز كل ولاية ولواءٍ وقضاءٍ مفتٍ وغدا المفتي مرجعاً لحل الأمور الشرعية وعد شيخ الإسلام المفتي الحقيقي وشرط في الإفتاء أن لا تعطى الفتوى لأرباب المصالح قبل تصديق شيخ الإسلام عليها وأما أمر القضاءِ فأمره لشيخ الإسلام يتولاه من السلطنة او مقام الخلافة غير أن مجلس انتخاب الحكام ينتخب الحكام وشيخ الإسلام يصادق عليه عند تقبيلهم ذيله ثم تكتب المراسلة ويختمها قاضي عسكر الروم ايلي وقاضي عسكر الأناضول وقاضي الأستانة وقاضي غلطة وقاضي الخواص الرفيعة وقاضي مكة وقاضي المدينة وغدا قاضي عسكر الأناضول قاضياً عَلَى آسيا وافريقية وقاضي عسكر الروم ايلي قاضياً على الروم ايلي وأما بقية البلاد فيحكمها نواب هؤُلاءِ القضاة فلكل مركز ولاية نائب ولكل مركز لواء نائب ولكل مركز قضاء نائب ولبعض النواحي نواب فنواب آسيا وافريقية ونواب قاضي عسكر الأناضول وأما نواب الروم ايلي فهم نواب قاضي عسكر الروم ايلي ولمنصب النيابة رتب منها خامسة ورابعة وثالثة ومسبوق ومستخدم الخ. وترك الخيار في مراجعة المحاكم لأرباب الدعاوي وتقرر استئناف الأحكام في مجلس التدقيقات الشرعية وتمييزها في مقر الفتوى والتمييز قبل الاستئناف خلافاً للأحكام النظامية فالحجج والاعلامات ينظر فيها بعد تدقيق توقيعها وختم خاتمها فان وافقت الأصول الشرعية ترسل إلى مجلس التدقيقات الشرعية. ثم جعلت محكمة التفتيش في نظارة الأوقاف للنظر في دعاوي الأوقاف ومحكمة القسمة العسكرية للنظر في دعاوي الإرث وتحرير الشركة وتقسيمها وعين مفتش الأوقاف حاكماً في محكمة التفتيش ومدته سنة والقسام العسكري حاكماً لمحكمة القسمة العسكرية واختصت محكمة التفتيش بدعاوي توجيه الجهات والتولية والمحلولات واستئنافها بمجلس التدقيقات الشرعية وأما القسام العسكري وقسام بيت المال فملحقان بقاضي عسكر الروم ايلي وليس لقاضي الأستانة سوى النظر في دعاوي الطلاق والنكاح والنفقة والمنازعات المتعلقة بالكدكات. وأما سائر المحاكم الشرعية فلها أن تنظر في دعاوى النكاح والطلاق والنفقة والحضانة والحريق والرق والقصاص والدية والارش والوصية والإرث والإقراض بالدور الشرعي والدعاوى الوقفية المتعلقة برقبة المسقفات والمستغلات والكدكات من الأوقاف الصحيحة التي هي من ذات الإجارة الواحدة أو ذات الاجارتين هذه الدعاوي في الأمور الشرعية مشوشة من حيث المرجع تحتاج إلى إصلاح حقيقي. أوصاف القضاة الشرعية ٤ القضاءُ فرض كفاية وسنة مثبتة لا يجوز أن يقلد إلا من تكاملت فيه شروطه وذلك بان يكون رجلاً بالغاً عاقلاً صحيح التمييز جيد الفطنة بعيداً عن السهو والغفلة حراً مسلماً عادلاً صادق اللهجة ظاهر الأمانة عفيفاً عن المحارم متوقياً المآتم بعيداً عن الريب مأموناً في الرضى والغضب صاحب مروءة في دينه ودنياه سالم السمع والبصر ليصح بهما إثبات الحقوق وأن يكون عالماً بالأحكام الشرعية وعلمه بها يشمل علم أصولها والارتياض بفروعها. وأما أصول الأحكام الشرعية فهي أربعة احدهما علمه بكتاب الله عز وجل حق معرفته والثانية علمه بسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم الثابتة من أقواله وأفعاله وطرق مجيئها والثالثة علمه بتأويل السلف فيما اجتمعوا عليه واختلفوا فيه ليتبع الإجماع ويجتهد برأيه في الاختلاف والرابعة علمه بالقياس الموجب لرد الفروع المسكوت عنها إلى الأصول المنطوق بها والمجمع عليها حتى يجد طريقها إلى العلم بإحكام النوازل ويميز الحق من الباطل. فإذا أحاط علمه بهذه الأصول الأربعة للأحكام الشرعية عد فيها من أهل الاجتهاد في الدين وجاز له أن يفتي ويقضي وأن أخل بها أو بشيء منها خرج من أن يكون من أهل الاجتهاد فلم يجز أن يقضي ويفتي وجوز أبو حنيفة تقليد القضاء من ليس من أهل الاجتهاد ليستفتي في أحكامه وقضاياه واختلف أصحابه فمنهم من وافقه ومنهم من خالفه والذي عليه جمهور الفقهاء أن ولايته باطلة وأحكامه مردودة. ويقول ابن هبيرة في الإيضاح (إنما عني بالاجتهاد لما كان عليه الناس في الحال الأولى قبل استقرار مذاهب الأئمة الأربعة فالقاضي الآن وإن لم يكن من أهل الاجتهاد ولا تعب في طلب الأحاديث وانتقاد طريقها لكن عرف من لغة الناطق بالشريعة عليه الصلاة والسلام مالا يحتاج معه إلى شروط الاجتهاد وإنما عَلَى القاضي أن يقضي بما يأخذه من الأئمة أو عن واحد منهم فإنه في معنى من كان أداه اجتهاده إلى قوله قاله وعَلَى ذلك فإنه إذا خرج من خلافهم متوخياً مواطن الاتفاق ما أمكَنه كان آخذاً بالحزم عاملاً بالأولى ويجب عليه الأخذ بالأكثر والعمل بما قاله الجمهور دون الواحد فإنه يأخذ بالحزم مع جواز عمله بقول الواحد إلا أنني أكره له أن يكون مقتصراً في حكمه عَلَى إتباع مذهب أبيه أو شيخه فلو عدل عما اجتمع عليه الأئمة الثلاثة إلى ما ذهب إليه أبو حنيفة بمفرده من غير أن يثبت عنده بالدليل ما قال ولا أداه إليه اجتهاده فإني أخاف من الله عز وجل أن يكون اتبع في ذلك هواه ولم يكن من الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه. ثم قال: لو أهملت هذا القول ولم اذكره ومشيت عَلَى ما عليه الفقهاء من أنه لا يصلح أن يكون قاضياً إلا من كان من أهل الاجتهاد لحصل بذلك ضيق وحرج عَلَى الناس فإن غالب شروط الاجتهاد الآن قد فقدت في أكثر القضاة ولذلك ان ولاية الحكام جائزة وأن حكوماتهم صحيحة نافذة وإن لم يكونوا مجتهدين والله أعلم أهـ). وبهذا علمت أن قد جوز ابن هبيرة قضاء من لم يكن من أهل الاجتهاد وذلك في زمانه ولكنه لك يجوز قضاءَ الجهال ولو نظرنا إلى قوله لأدركنا أن القاضي إذا لم يكن من أهل الاجتهاد يجب عليه أن يكون قريباً من درجته ليتمكن من ترجيح القول الراجح والقول الموافق ولو عَلَى غير مذهبه فإن أئمة الدين والفقهاء المحققين أوصوا باختيار القول الراجح ولو كان عَلَى غير مذهبه لأن التقليد الأعمى في أحكام الشرع محظور والاجتهاد فيها مستحق. نهى الشارع عن طلب القضاء وقد ضرب السلف الصالح وحبسوا ليتولوا القضاء فلم يقبلوا وجوز بعضهم طلب القضاء في حالتين إحداهما أن يكون القضاء في غير مستحقه إما لنقص علمه وإما لظهور جوره والحالة الثانية أن لا يكون في القضاء ناظر وهو خال من وال. وطلبه لاحتياجه مباح وإن كان لإقامة الحق فهو مستحب وإن كان طلباً للجاه فهو مكروه. واتفق الأئمة الأربعة والفقهاء المتقدمون والمتأخرون عَلَى أن القاضي إذا أخذ القضاء بالرشوة لا يصح قضاؤه وإذا حكم لا ينفذ حكمه ويجب نقضه واجمع الفقهاء عَلَى أن القاضي إذا ارتشى لا ينفذ قضاؤه فيما ارتشى فيه. وقال السرخسي لا ينفذ كلها. ولا يجوز للقضاة أخذ العائدات والمحصول ولو احتجوا بإذن موليه لأن ابن عابدين أنكرها كل الإنكار وذكر في الخبرية أن من التزم القضاء عَلَى مبلغ معلوم فهو كافر والعياذ بالله ولا يصح الاحتيال لحصول القضاء. وأما القضاء بظلم أو رشوة فيوجب العزل والتعزير وقد منع القاضي من قبول الهدية والاستعارة والاستقراض وسائر ما يتبرع به ويمنح ويجب رد الهدية إلى صاحبها أو لبيت المال إذا لم يعلم صاحبها وعدم القبول هو المقبول. وإذا فسق القاضي عزل ولا يكون القاضي فظاً غليظاً جباراً عنيداً وكره تحريماً اخذ القضاء لمن خاف الظلم والعجز عن إقامة الحق والعدل. ولاية القاضي مقيدة بالزمان والمكان والحوادث وتكون ولايته عامة أو خاصة في بعض المسائل أو عَلَى أحد المذاهب وله أن يستخلف نواباً إذا فوض إليه صريحاً كولِ من شئت أو دلالة كجعلتك قاضي القضاة ولا يصح للقاضي أو النائب أن يحكم بما خالف الدليل لأنه لا ينفذ ولو حكم به ألف قاضٍ وأما القضاة فهي عَلَى ثلاثة أقسام الأول حكمه بخلاف النص والإجماع فهو باطل ينقض والثاني حكمه فيما اختلف فيه فهذا ينفذ وليس لأحد نقضه والثالث حكمه بشيءٍ يتعين فيه الخلاف بعد الحكم فيه أي يكون الخلاف في نفس الحكم فقيل نفذ وقيل توقف عَلَى إمضاء قاض آخر فلو أبطله الثاني بطل وإن أمضاه فليس لقاض آخر نقضه. وأما منزلة القضاة من حيث الآخرة فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم القضاة ثلاثة اثنان في النار وواحد في الجنة رجل عرف الحق فقضى به فهو في الجنة ورجل عرف الحق فلم يقض وجار في الحكم فهو في النار ورجل لم يعرف الحق فقضى للناس عَلَى جهل فهو في النار فانظر إلى ما كانت عليه أحوال القضاة وأحكامهم تعلم منازلهم. ويسرنا أن نرى الحكومة الدستورية أخذت تعنى بانتخاب من توفرت فيهم الشروط الشرعية وفقها الله. أحوالهم الأخيرة ٥ في المقالة الثالثة أن مدرسة النواب أسست لتخريج نواب قادرين عَلَى القيام بما يعهد إليهم من الوظائف عارفين بأحكام الشريعة غير أنني حتى الآن لم أصادف بين من اجتمعت بهم من المتخرجين في المدرسة المذكورة عالماً بوظائفه وأحكام الشريعة كما يجب إلا القليل منهم وهذا مما يدل عَلَى أن ذلك المعهد العلمي غير كاف وفي حاجة عظيمة إلى الإصلاح ومع ذلك فإننا نرى كثيرين من النواب تخرجوا بكتابة المحاكم الشرعية وربما يتعلم هؤلاء الكتابة وتنظيم الاعلامات والصكوك والحجج الشرعية وضبط الدعوى وتصير معهم ملكة المعاملات غير أنهم يخبطون في أحكامهم خبط عشواء ويجمعون من مجلة الأحكام العدلية وكتب الفتاوى ما يجدون كحاطب ليل واغرب من ذلك ما صادفته في بر الأناضول وذلك أن النواب هناك يستخدمون نواباً لأنفسهم جوالين سيار نائب ثم يأخذونهم إلى باب المشيخة ويجعلونهم نواباً بالوسائط التي بلغوا المناصب بها وقد شاهدنا بأم العين نواباً لم يكونوا ممن انتسب إلى العلم. فالنواب حينما يذهبون إلى الأستانة في طلب التعيين ينتظرون زماناً طويلاً ويتكبدون نفقات طائلة ويقاسون أنواع العذاب ولا يحصلون عَلَى نيابة إلا بعد أن يصرفوا ما جنوه من أموال العباد في خلال نيابتهم الأولى فيخسرون ما جمعوه وتبقى عليهم حقوق العباد وعذاب الواحد الديان وأغلبهم يصل إلى النيابة إما بطرق غير مشروعة وإما بشفاعة غير جائزة وندر من غدا نائباً بطرق سهلة. وأما رواتبهم فهي قليلة في أكثر أنحاء المملكة وقلما تقوم بنفقاتهم ولذلك تراهم منصرفين إلى ادخار الأموال ليصرفوها في طرقهم وإقامتهم بالأستانة وأخذ النيابة ولهذا السبب أيضاً ترى همهم تزييد العائدات التي أنكرها الفقهاء عَلَى أن المشيخة الإسلامية تركت تلك العائدات للكتبة فالنواب يشاطرونهم إياها حتى عَلَى تزكية الشهود ونفقات الطريق وأجرة القيد وما يسمونه الدلالية والقرطاسية ولا يسع الكتاب إلا السكوت والرضى لأنهم إذا امتنعوا عن إعطاء القسم الأعظم من العائدات تهددوهم بالعزل وعدم إصدار الاعلامات وحل المخاصمات بلا ضبط فحينئذ إما أن ينعزل الكاتب وإما أن يحرم من العائدات وقد تزيد هذه العائدات عَلَى رواتب النواب في أغلب الأحيان وتشغلهم كثيراً وتدعوهم إلى إحالة الدعاوي الحقوقية إلى المحكمة الشرعية. فهذه العائدات عَلَى قسمين قسم مقيد في دفتر الخزينة فما تجاوز الخمسمائة من هذا القسم يكون مشتركاً بين النواب والخزينة وما كان دون الخمسمائة يكون حق النائب والكاتب لذلك لو دققت دفاتر الخزينة في كل الجهات ترى هذه العائدات قلما تجاوزت الخمسمائة وأنا القسم الثاني فذلك ما دخل كيس النائب والكاتب من غير أن يقيد بصندوق الخزينة وهذه الأجور والعائدات مصرح بمقاديرها في نظام أموال الأيتام غير أن الشريعة المطهرة لم تأمر بها عَلَى أننا لو نظرنا إلى حقائق الشريعة وما يقتضيه الدين والصلاح نرى أن أمر القضاء فرض كفاية كحفظ القرآن لا يستحق الأجرة كما فعل أبو بكر بن المظفر الشامي وغيره ولقد أفتى الفقهاء المتقدمون بتخصيص رواتب معلومة من بيت المال لتفرغهم عن المكاسب واشتغالهم بمصالح الناس وأنكروا تناول العائدات وقالوا أن الراتب يجب أن يكون كافياً. لو نظر المرء إلى المراسلة التي تنبئ بنيابتهم وتصرح بوظائفهم تحت توقيع القاضي عسكر وجد أن عمل النواب محصور بإنفاذ الأحكام الشرعية عامة وبشدة الاعتناء في تحرير التركة. وأما التركة التي يجب تحريرها فهي تركة رجل مات عن صغير أو غائب أو مات عن غير وارث أو إذا كان الميت مستغرقاً بالديون أو إذا طلب أحد الورثة تحرير تركة أبيه والغرض من ذلك حفظ حقوق الورثة وأخص بالذكر منهم الأيتام وقد رأينا النواب مسارعين إلى تحرير التركات غير أن السبب الحقيقي الذي يدفعهم إلى هذه السرعة هي العائدات والنفقات التي يأخذونها فنواب الأناضول تستخدم النواب الجوالين في تحرير التركات فيطوف هؤلاء القرى ويفتشون القبور والمدافن ويستخبرون عن الأموات فعندما يعلمون بوفاة أحد يجب تحرير تركته يحررونها فيتألم الورثة وأهل القرية وتستولي عليهم الكآبة والأحزان فوق حزنهم غير أنهم لا ينطقون ببنت شفة لأن النائب المتجول جاء باسم الدين والحكومة وم أشهد هذه الحالة في البلاد السورية لأن تحرير التركة هنا يتولاه النائب بنفسه أو يرسل رئيس كتابه. وأما تحرير التركات في مراكز الولايات فذلك من شأن نائب النائب وكتبة المحاكم فهؤلاء يستخدمون جواسيس وأعواناً يطوفون في البلدة ويستخبرون عن الأموات من المغسلين والحفارين ولما يعلمون بتركة تستحق التحرير يذهبون إليها مهرولين فهنالك الطامة الكبرى والمصيبة العظمى عَلَى الأيتام فتؤخذ الأشياء الثمينة والنادرة بثمن بخس واسم مستعار وترسل إلى بيوت النواب والكتبة ثم يحسبون أجرة الدلالة والقيد وأجرة اعلامات الديون واعلامات الصلح وأجرة دفتر القسام وأجرة إقدامهم لأنهم كلفوا أنفسهم وتعبوا في حفظ حقوق الأيتام والورثة. وبعد ذلك يضمنون الطوابع والأوراق الحجازية ويأخذون كل هذه النفقات من ثمن التركة فيصبحون بذلك شركاء الورثة وربما أخذوا أكثر من الورثة وهذا الأمر يكاد يكون عاماً وأما سوء الاستعمال في الإدانة والاستدانة وثبوت الرشد فحدث عنه ولا حرج وندر النواب الصالحون الذين لا يمسون أموال الأيتام. ولا يخفى أن الله سبحانه وتعالى منع مس أموال الأيتام بتاتاً وصرح بمنعه في آيات عديدة واتفق الفقهاء والعلماء عَلَى تحريم أخذ أموال الأيتام حتى حرموا الجلوس عَلَى كراسيهم وأثاثهم واستعمال أوانيهم ولست أدري عَلَى أي كتاب وأي قول وأي نص يأخذون هذه العائدات والأجور فإن قيل أن في ذلك فتوى أقول ولا أبالي أن لا مساغ للاجتهاد في مورد النص وإجماع الأمة والفقهاء وعَلَى ما أظن أن تلك العائدات وضعها وجوزها القضاة والنواب الذين كانوا يأخذون مناصبهم بطريق المزايدة والالتزام. وزد على ذلك كله أن النواب أعضاء في مجالس الإدارة ومجلس القرعة العسكرية ولجنة الفراغ ورؤساء للمحاكم البدائية الجزائية ومحاكم الحقوق ودائرة الإجراء ولهذا لا يفترون عن الاستفادة الغير المشروعة من كل مسألة لهم فيها علاقة فالناس والمستخدمون يتألمون مما يشاهدونه من سوء استعمالهم في قسم الجزاء فيحكمون عَلَى بريء ويبرؤن الجاني ويتركون الأشقياء والمجرمين ويحبسون المساكين وتسهيلاً لمقاصدهم يجعلون غرفة الاستقبال في بيوتهم محكمة شرعية عَلَى أن الفقهاء صرحوا بأن القضاء يقام في أكبر الجوامع أو في محل خاص في منتصف البلدة فلو نظرنا إلى التاريخ لعلمنا أن أهم المدارس بدمشق كانت مقراً للقضاة وأن المدرسة العادلية كانت مقراً لقاضي المذهب الشافعي نظرة في إصلاحهم ٦ ذكرنا أن المشيخة الإسلامية عبارة عن الفتيا والفتيا والقضاء من حقوق الخلافة والإمامة الكبرى وأن المفتي يخبر عن الحكم الشرعي والقاضي يلزم به عَلَى أن كل عالم يستطيع أن يفتي بما يفتي به المفتي لأن الفتوى لا تتضمن الحكم والإلزام ولا يجوز لعالم ولا لمفتٍ أن يحكم بما حكم به القاضي مع أن للقاضي أن يفتي ويستخلف أمناء ونواباً ولم أر حتى الآن عبارة أو قولاً لفقيه يشاربه إلى استخلاف المفتي نواباً أو إلى تداخله في تعيين النواب لأنهم نواب القاضي لا نواب المفتي وأمر الاستخلاف يتوقف عَلَى إذن الخليفة. ذكرنا أن مجلس انتخاب الحكام ينتخب النواب وشيخ الإسلام أو مفتي الأنام يأمر بتوظيفهم وقضاة العسكر يوقعون على مراسلاتهم ليكونوا نواباً لهم توفيقاً للأحكام الشرعية ومن ذلك يظهر أن القاضي هو الذي يستخلف النواب وقد عجبت لحصر القضاة في قضاة العسكر وإبقاء هذا التعبير لأن هؤلاء القضاة هم في الحقيقة قضاة عامة المسلمين والأمة ليست بأمة مسلحة عَلَى أننا لو نظرنا إلى التواريخ علمنا أنه كان في كل مركز ولاية قاض وفي أعظم مراكز الألوية قضاة وأنه كان في المدن الإسلامية الكبرى قضاة لكل مذهب ولذلك أرى أن يكون في مركز كل ولاية وفي مركز بعض الألوية المهمة قاضٍ وأن يكون شيخ الإسلام قاضي القضاة يرجع إليه جميع القضاة وأن يكون للقضاة حق استخلاف النواب بإذن من الخليفة فيصبح أمر تعيين النواب بيد قضاة الولايات فيتخلص هؤلاء من العناء والذهاب إلى الأستانة ولا مانع من جعل مدة النواب أربع سنوات لأن ذلك أمر اجتهادي ثم يجب أن يؤلف مجلس من فحول علماء المسلمين تحت رئاسة قاضي القضاة ينتخبون القضاة من بينهم فيصدق عَلَى انتخابهم قاضي القضاة ويعرضهم عَلَى الخليفة لتصدر إرادته بتعيينهم وينتخب لمنصب قاضي القضاة ثلاثة علماء من هذا المجلس أو من غيرهم بأكثرية الآراء والخليفة يختار واحداً منهم يجعله قاضي القضاة. وأهم ما يجب إصلاحه مكتب النواب والرأي توحيده مع شعبة العلوم الدينية في دار الفنون العثمانية وإصلاح الدروس وتعيين أفاضل المعلمين ليخرج فيه نواب أفاضل ومفتون ومدرسون عالمون ويكون هذا المكتب أعلى قسم لمكتب استعدادي ينشأ في دمشق ويكون هذا مخرجاً لتلاميذ القسم العالي والغرض من الاستعداد في تعليم النواب اللغة العربية التي لا غنى للنواب عنها إذا كانوا يرغبون في تطبيق أعمالهم عَلَى أحكام الشريعة ثم تسهيل التحصيل عَلَى الفقراء لكثرة المدارس والأوقاف بدمشق وعندما يتم التلميذ التحصيل في المدرسة الإستعدادية يذهب إلى الأستانة ليدخل مدرسة النواب ويجوز قبول المتخرجين في المدارس الرسمية الإستعدادية وطلاب العلم بالامتحان وعندما ينال التلميذ شهادة القسم العالي يستخدم عَلَى حسب استعداده وعلمه ويكون له حق الترفيع. ويجب أن يكون مقر الحكم في دائرة رسمية لا في بيوت النواب ولا يجوز انفراد النواب في الحكم لأنه غير معقول ولا يوافق مقتضيات زماننا وناهيك بما نشاهده من سوء أحوال النواب. وورد في الكتب الفقهية أن للقاضي أمناء يعينونه في الحكم فهؤلاء هم في الحقيقة أعضاء ولا فرق في المعنى كما أنه لا اعتبار للألفاظ فإن شئت سمهم أمناء وإن شئت سمهم أعضاء ومن ثم يجب أن يكون مع كل نائب في القضاء أمينان عالمان ومع كل نائب في الولاية واللواء أربعة أمناء أكفاء ويسأل هؤلاء الأمناء عن الحكم ويجعل النائب رئيساً لهم فإذا رأوا حكم الرئيس مخالفاً للأحكام الشرعية يكونون في حل أن يعترضوا ويصرحوا بأسباب الاعتراض تحت توقيعهم فالمفتي والمدرس الذين تقرر تعيينهم أخيراً يكونان أمناء نائب القضاء والمفتي والمدرس وعالمان في مراكز اللواء ومركز الولاية يكونون أمناء قاضي أو نائب اللواء وقاضي الولاية. وإذا نظرنا إلى أنواع قضايا القضاة الثلاثة التي سبق ذكرها وأخص بالذكر منها القسم الثالث الذي يتوقف حكمه عَلَى إمضاء قاضٍ آخر فإن بطله بطل وإن صدق عليه نفذ ندرك أن حكم القاضي من أي قسم كان من هذه الأقسام الثلاثة يحتاج إلى تدقيق ولذلك يجب تمييز أعلام محكمة القضاء في محاكم اللواء أو الولاية بحسب البعد والقرب وإعلام الولاية يميز في مركز السلطنة إذا كانت الولاية قريبةً من العاصمة ويدقق الحكم فأما أن ينقض لمخالفته أحكام الشريعة وأما أن يصدق عليه إذا كان موافقاً فيصير حكماً مقضياً. ولا بأس بتوحيد المحاكم الشرعية والمحاكم الحقوقية وجعل الأمناء أعضاءً في كلا المحكمتين. ويجب حينئذ إصلاح أحكام المجلة بحسب الأحوال والزمان والمكان والحكم الذي لا يوجد في المذهب الحنفي قد يوجد في مذهب المالكي وقد سبق الذكر بأن القاضي لا يحصر حكمه في مذهبه واتباع هواه فحينئذ تتألف لجنة من أفاضل علماء المذاهب الأربعة فينقحون المجلة ويصححون أقوالها المرجوحة ويجعلونها جامعة للأحكام الدينية الصريحة ولا شك بأنهم يجدون الأحكام الموافقة للعقل والنقل والزمان. ويكون الأمناء مسلمين بيد أنه حدثت قضية بين مسلم وغير مسلم أو بين غير المسلمين تجوز استنابة أعضاء المحاكم الجزائية والتجارية من غير المسلمين أثناء المحاكمة لأن الإمام الأعظم وغيره من الفقهاء صرحوا بجواز حكم النسيين بين أصحاب مذاهبهمالاحكام السلطانة ٦٢ وحاشية ابن عابدين ٣١١ و٣١٢ ومن لا يرضى بالحكم فله أن يميز دعواه في محكمة أخرى وإذا عرف الحكام بالعدل والإنصاف لا يمتنع أحد عن قبول أحكامهم لأن العدل يرضي كل إنسان أما المسائل المذهبية فتترك لرؤَسائهم الروحية بحسب الواعد الصلحية. هذه نظرات أساسية لقواعد يجب وضعها في إصلاح النواب والقضاة فيجب بادئ بدء تأليف مجلس العلماء الذي أشرنا إليه ليبحثوا في الأحوال والزمان والمكان ثم ينظرون في أحكام القرآن والحديث وفي الكتب الفقهية والمدونات فيقررون قواعد تحفظ بيضة الدين وقواعد الإسلام وترفع شأن المسلمين. قضاء الفرد وقضاء الجماعة ليس المراد بقضاء الجماعة هو قضاء هيئة مؤلفة من أكثر من واحد فقط كما قد يتبادر إلى الذهن بل هي بالمعنى المشترك أيضاً جعل قوة التشريع القضائي مصونة عن رأي الأفراد وتفردهم بالتشريع منوطة بالجماعة تثبتاً من الحكم واطمئناناً للدليل واعتماداً على ما هو الأصلح عند الجماعة إذا تعذر وجود النص. إن مراعاة الأصلح قاعدة من أهم قواعد التشريع الإسلامي التي يدفع بها الحرج وتدرأ المفاسد عن المجتمع حتى لقد كان كبار الصحابة يراعون قاعدة الأصلح عند الضرورة مع وجود النص ويتنازعون عَلَى المسألة الواحدة يجيء بها النص من عدة روايات أو يحتاج إلى التفهم الدقيق تثبتاً من الحكم ورغبة بمحض الخير للأمة والعدل بين المتقاضين وبذلاً للجهد في بيان الحقيقة للمستفتين وقد قال ابن القيم تنازع الصحابة في كثير من الأحكام ولكن لم يتنازعوا في مسألة واحدة من مسائل الأسماء والصفات والأفعال. أي المسائل التي تتعلق بالأيمان. قلنا أن المراد بقضاء الجماعة جعل قوة التشريع القضائي في حياز جماعة لا فرد لأن ذلك أسلم وأبعد عن الخطأ وأضمن للعدل وسببه أن الأحكام التي يرجع فيها إلى الرأي والاجتهاد أو القياس عند تعذر وجود النص أو عند لوم ترجيح رواية من الروايات تحتاج إلى شروط قلما تتوفر في الفرد الواحد وإن توفرت له فربما لا يتيسر له تحري المصلحة وتطبيق الحكم عليها من كل وجه بحيث لا يخالفه فيه غيره ممن هو في طبقته من أهل العلم. اعتبروا ذلك في أئمة المذاهب المجتهدين فإنه مع بذل كل واحد منهم في تقرير فروع المذهب وأصوله منتهى الجهد في تحري صحيح الآثار والأخبار وتتبع أصول الشريعة فقد اختلفوا في كثير من المسائل واختلف اتباعهم بعد ذلك اختلافهم أيضاً فكان من ذلك انقسام القضاء الإسلامي عَلَى نفسه حتى وجد في بعض العصور أربعة قضاة لأربعة مذاهب في مصر واحد من الأمصار الإسلامية هذا فضلاً عن اختلاف فقهاء كل مذهب أيضاً في المسألة الواحدة حتى أصيب الإفتاء بما أصيب به القضاء من التشتت والانقسام واضطرب أمر العدالة أيما اضطراب مع أن الأصل لهذه المذاهب واحد وهو الدين الإسلامي المبين. لهذه العلة الخطرة كان الصحابة الكرام لا يستنكفون عند الاستفتاء من أحدهم أن يحيل بعضهم عَلَى بعض أو يستشير بعضهم بعضاً في تقرير الحكم كما ثبت ذلك في كتب السنة خوف الوقوع في خطأ يجر إلى مظلمة أو إثم ولا سيما فيما يحتاج فيه إلى العمل بالاجتهاد والرأي. لما كانت الشرائع مبنية عَلَى درءِ المفاسد وجلب المصالح والشريعة الإسلامية أحرى الشرائع برعاية هذين الأمرين فقد سن الشارع إيقاف العمل بالنص مراعاة للمصلحة ولكن عند الضرورة القصوى وثبوت المصلحة ولزومها عَلَى وجه لا يقبل الشك في أن المصلحة تترتب عَلَى العدول عن النص أكبر من المصلحة التي تترتب عَلَى العدل به واستن بسنته صحابته والخلفاء الراشدون من بعده فكان ذلك شرعاً أيضاً فيه تيسير عظيم على المسلمين واليكم الدليل. في حديث لأبي داوود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى أن تقطع الأيدي في الغزو. وأنتم تعمون أن القطع حد من حدود الله لم يستثن النص القرآني منه الغزاة لكن النبي نهى عن إقامته في حال مخصوصة خشية أن ينشأ عنه مضرة وهي لحاق صاحبه بالعدو وقد روي عنه صلى الله عليه وسلم عدة أخبار أخرى من هذا القبيل لا محل لذكرها هنا وهي مبسوطة في كتب الحديث. وقد استن الصحابة بسنته وأوقفوا الحدود في أحوال مخصوصة تدعو إليها الضرورة جاء في كثير من كتب الأخبار أن عمر كتب إلى الناس ألا لا يجلدن أمير جيش ولا سرية ولا رجل من المسلمين حدا وهو غاز حتى يقطع الدرب لئلا تلحقه حمية الكفار. وروى ابن القيم في أعلام الموقعين عن ابن حاطب بن أبي بلتعة أن غلمة لأبيه سرقوا ناقة لرجل من مزينة فأتى بهم عمر فأقروا فأرسل إلى عبد الرحمن بن حاطب فجاء فقال له أن غلمان حاطب سرقوا ناقة رجل من مزينة واقروا عَلَى أنفسهم فقال عمر يا كثير بن الصلت اذهب فاقطع أيديهم فلما ولى بهم ردهم عمر ثم قال أما والله لولا أني أعلم نكم تستعملونهم وتجيعونهم حتى أن أحدهم لو أكل ما حرم الله عليه حل له لقطعت يديهم وايم الله أن لم أفعل لأغرمنك غرامة توجعك ثم قال يا مزني بكم أُريدت منك ناقتك قال بأربعمائة قال عمر أي عبد الرحمن اذهب فأعطه ثمانمائة. وغير هذا فقد اسقط عمر الحد في عام المجاعة للضرورة وتجاوز أبو بكر عن خالد بن الوليد في حادثة مالك بن نويرة إذ قتله دون تثبت من إسلامه كما تجاوز عنه رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قبل ذلك بما صنعه ببني جزيمة لما أرسله داعياً لا محارباً فذهب إليهم وحاربهم وقتل وسبي منهم فبريء رسول الله من عمله إلى الله ولم يؤاخذه به وما ذلك إلا لحسن بلاء خالد في الحروب وخدمته العظيمة في الإسلام وكذلك أسقط سعد بن أبي وقاص الحد عن أبي محجن في حرب القادسية وقال والله لا أضرب اليوم رجلاً أبلى للمسلمين ما أبلاهم. والشواهد عَلَى هذا من أعمال النبي وأصحابه كثيرة لا يتسع لها مقام الخطابة ولعل هذه القاعدة سوغت بعد لبعض الحكومات الإسلامية التجاوز عن الحدود والعقوبات المدنية كالسن بالسن والعين بالعين وأبدلت بها العقوبات الأدبية كالحبس والتغريم مثلاً لضرورة تغير الزمان أو لفشو المنكرات فشواً لم ينجع في تأديب مرتكبيها إلا حبس حريتهم في السجون أو غير ذلك من الدواعي والأسباب الزمانية. ليس فيما ذكر غض من مقام الشريعة أو مس لأصولها المقدسة مادام من أصولها وقواعدها أيضاً العدول عن النص عند ثبوت المصلحة أو درء المفسدة بأقل ضرر منها والشريعة كما تعلمون مبنية على المصلحة وقد سبق الله تعالى رسوله والأئمة من بعده إلى تقرير قاعدة مراعاة الأصلح وهو ما يسمونه النسخ وما هو بنسخ وإنما تقرر حكم اقتضته مصلحة زمان وحال غير حكم آخر في زمان تقدمه وأحوال اقتضته كحكم جهاد المشركين من العرب في مبدأ أمر الدعوة حمايتها وحماية المسلمين من أعدائهم وأعدائها وفيه الإذن بقتالهم حتى يقولوا لا إله إلا الله ثم تقرير حكم آخر بعده أي بعد أن انتشرت الدعوة وقوي جماعة المسلمين وصاروا في مأمن من غائلة الضعف وهو حكم الدعوة بالتي هي أحسن. وبالجملة فإن ملخص ما تلوته عليكم ينحصر كله في المقدمات الآتية: هذه المقدمات تنتج نتيجتين مهمتين أحداهما أن القضاء في الإسلام كان قضاء الجماعة لا قضاء الفرد والثانية أن الشريعة الإسلامية بما تقرر فيها من قاعدتي الاجتهاد ورعاية الأصلح كانت من الشرائع التي توافق كل زمان ومكان وتجيز لكل ضرورة حكماً يوافق مقتضى المصلحة والحال وإن خالف النص مع اعتبار هذه القاعدة شرعاً أيضاً خلافاً لما يتقوله عليها المتقولون من أنها شريعة ضيقة توافق زماناً غير زماننا هذا ومكاناً غير مكان الأمم الراقية لهذا العهد فهي إذا صلحت لأهل العصر لا تصلح لعصر تسير شرائعه مع مقتضيات المدنية الحديثة وحاجاتها سيراً تدريجياً في كل ما يقتضيه ترقي الجمعيات. ومنشأ تقولهم هذا الجهل بحقيقة الشريعة الإسلامية وعدم الوقوف عَلَى أصولها وقواعدها وكلياتها يساعدهم على ذلك ما يرونه من تعصب بعض علماء الشريعة المقلدين لما جاء في كتب الفروع دون الأصول وردهم لكل ما لم يرد فيها من أسباب التيسير وإن ورد في أصول الشريعة وكلياتها من أن في كتب الفروع من الأحكام التي لا تستند إلى دليل قطعي مالا يعدو سبناها الاجتهاد أو الرأي والقياس ومع هذا فإنهم يفضلون العمل بهذه الأحكام عَلَى الرجوع إلى أصل الشريعة مهما كان فيها من التقيد والتضييق على أنفسهم والأمة ومهما ترتب عَلَى ذلك من التهم الباطلة التي يرمينا بها الباحثون في طبائع الاجتماع. وحجة هؤلاء العلماء في هذا سد الذريعة أو خوف انتشار دعوى الاجتهاد إذا فتح بابه وتطرق الفساد إلى الشريعة وهي حجة معقولة ومسلمة لا يخالفهم فيها عاقل لكن فيما ل صارت قوة التشريع أو الاجتهاد إلى الأفراد وأطلق العنان لكل قائل أن يقول هذا حكم الله ورسوله ولكل حاكم أن يحكم بما يرى ويقول. ومعاذ الله أن يريد هذه الفوضى للشريعة الإسلامية عاقل قط وإنما المراد أن ينظر في المسائل التي يقتضيها تغير الزمان وتجدد المصالح والحاجات عَلَى شرط عدم الوقوع في ذلك المحذور الذي يخشاه العلماء وذلك بأن تناط قوة التشريع والاجتهاد في المسائل الطارئة في كل عصر بجماعة من أهل العلم الواقفين عَلَى دقائق الكتاب والسنة والعارفين بحاجات الأمة ليقرروا لها الأحكام الموافقة لمقتضى الحال ثم تنال هذه الحكام تصديق أهل الحل والعقد فتصبح قانوناً رسمياً يتحتم العمل به في الحكومة الإسلامية التي هي في حاجة إليه لا يعدل عنه إلى غيره من أقوال الفقهاء والعلماء وإن مجتهدين فتضبط بهذا قوانين الشريعة ويؤَمن عليها تطرق الفساد ثم يكون من ذلك أن تحدد هذه القوانين تحديداً يغني عن الرجوع إلى كتب الفقه التي تختلف في المسألة الواحدة اختلافاً كثيراً يؤدي في كثير من الأحيان إلى التشويش عَلَى القضاء ويكفي أن تكون تلك الكتب شروحاً لقوانين الشريعة المعمول بها يومئذ يرجع إليها عند الضرورة والحاجة إلى تفسير نصوص ذلك القانون كما هو الشأن في مجلة الأحكام العدلية المعمول عليها في محاكم الدولة العثمانية دون غيرها. للقضاء في الإسلام دوران دور العمل بالأصول ودور العمل بالفروع وإنما اخترت هذا التقسيم لاختصار الطريق أو اختصار البحث خوفاً من تعب القارئ والسامع مع أن أدواره بعد دور التشريع الأول كثيرة جداً إذا اعتبرنا تقسيمه إلى طبقات المفتين والمحدثين من الصحابة والتابعين ثم الأئمة المجتهدين ومن بعدهم من طبقات الفقهاء والمقلدين من أتباع كل مذهب نعتبر ذلك بما قسموا إليه طبقات الفقهاء والمقلدين من أتباع كل مذهب نعتبر ذلك بما قسموا إليه طبقات الحنفية مثلاً فقد قالوا أنهم ينقسمون إلى ست طبقات: البقة الأولى طبقة المجتهدين في المذهب كأبي يوسف ومحمد وغيهما من أصحاب أبي حنيفة القادرين عَلَى استخراج الأحكام من القواعد التي قررها الإمام. والثانية طبقة المجتهدين في المسائل التي لا رواية فيها عن صاحب المذهب كالخصاف والطحاوي والسرخسي والخلواني والبزدوي وغيرهم وهم لا يقدرون على مخالفة إمامهم في الفروع والأصول لكنهم يستنبطون الأحكام التي لا رواية فيها عَلَى حسب الأصول. والثالثة طبقة أصحاب التخريج القادرين عَلَى تفصيل قول مجمل وتكميل قول محتمل من دون قدرة على الاجتهاد. والرابعة طبقات أصحاب الترجيح كالقدوري وصاحب الهداية القادرين على تفضيل بعض الروايات عَلَى بعض بحسن الدراية. والخامسة طبقات المقلدين القادرين على التمييز بين القوي والضعيف والمرجح والسخيف كأصحاب المتون الأربعة المعتبرة. والسادسة من دونهم الذين لا يفرقون بين الغث والسمين والشمال واليمين. لما اتسعت دائرة الفتح وانتشر الإسلام في الممالك القاصية وتفرق حفاظ الشريعة ورواتها في الأنحاء مع اتساع دائرة القضاء بازدياد وسائل الحضارة واستبحار العمران وتجدد الحوادث التي يقتضيها تشعب المعاملات وحال الأمم الداخلة في الإسلام من غير العرب ولهذا خيف من تشتت أحكام الشريعة ودخول الفوضى في القضاء والإنشاء احتيج بالضرورة إلى أمرين مهمين: الأول تدوين الشريعة في الكتب. والثاني وضع قواعد للتفريع عن أصول الشريعة لتطبيق الحوادث التي تحدث في أحكام المعاملات عَلَى قوانين الشرع. وأول من تنبه للحاجة إلى هذين الأمرين عَلَى ما أظن عمر بن عبد العزيز الخليفة العادل الأموي وسداً للحاجة الأولى أمر الزهري من جلة التابعين وحفاظهم بتدوين الحديث في دفاتر وتوزيعها عَلَى الأمصار في أواخر القرن الأول ففعل كما هو مشهور معروف. أما الحاجة الثانية فقد شعر بها ولكن سدها بعده الأئمة المجتهدون بدليل ما روي عن الإمام مالك بن أنس أنه قال عمر بن عبد العزيز: يحدث للناس من الأقضية بقدر ما يحدث لهم من الفجور. أدرك هذا عمر بن عبد العزيز وأدركه الأئمة المجتهدون من بعده مالك والشافعي وأبو حنيفة وأحمد بن حنبل وغيرهم من أئمة المذاهب التي لم يبق لها أتباع لهذا العهد كداوود الظاهري وغيره وكأئمة الشيعة الذين يعمل بمذاهبهم إلى اليوم زيد بن علي وجعفر الصادق وغيرهم فلم يكتفوا بتدوين السنة في الدفاتر والكتب بل رأوا الحاجة تدعو إلى البيان والتفصيل والتفريع والترتيب فعمدوا إلى النظر في أصول الشريعة من الكتاب والسنة فاستخرجوا منها الأحكام ووسعوها ورتبوها ودونوها كل على أصول مذهبه وقواعده وأصول الاجتهاد المعروفة في كتب الأصول فضبطوا بذلك قوانين الشرع بما بلغه اجتهادهم وأدى جهدهم فكانت كتب كل مذهب شرعاً يعمل به أتباعه إلى اليوم. ولسنا بصدد إطراء هذا العمل الجليل الذي قام به أولئك الأئمة الكبار وحسب هذا العمل أو هذه الخدمة التي خدموا بها الأمة والشرع أنها تصون منزلة الإفتاء والقضاء عن متناول كل من أدعى أن عنده مسكة من العلم بالدين والوقوف على السنة هذا لو أحسن العلماءُ بعد العمل بقوانين الفقه. وبعد فقد ارتكب الفقهاء متن التضييق والتوسع حتى أحرجوا الأمة والجأوا بعض الحكومات الإسلامية إلى العمل ببعض القوانين المقررة عند الأمم الأوربية خصوصاً الجنائية والتجارية نعم إن اختلاف الأقوال في المسألة الواحدة وكثرة الحواشي والشروح عَلَى القوانين والشرائع موجودة عند كل أمة فالقانون الفرنساوي مثلاً له شراح من المتشرعين وأشهرهم دالوز وكاربانتيه وسيريه وغيرهم كثيرون إلا أن القضاء عند تلك الأمم لما كان بيد الجماعة وقوة التشريع ليست من حق فرد من الأفراد بل من حق الأمة ونوابها فدستور العمل عندهم ما أجمعت عَلَى وضعه قوة التشريع وصادقت على قبوله الحكومة فصا قانوناً للقضاء لا يعدل عنه إلى تلك الحواشي والشروح وآراء المتشرعين ويصار إليها لتفسير مبهم أو تطبيق الحوادث بعضها عَلَى بعض. لشريعة المسلمين أصول وكليات تعتبر أساساً للتشريع ومع أن أحكامها مسلمة فقد كان العمل بها في عهد الصحابة بالشورى بين المتفقهين منهم هذا فيما نص منها على ما يرد عليهم من النوازل فما بالكم فيما احتاج إلى الاجتهاد والتشريع بالقياس على تلك الأصول أو الاستنباط منها وقد كانوا لا يحكمون حكماً إلا بعد استشارة خيار الأمة وعلمائها وإقرارهم جميعاً عَلَى ذلك الحكم حتى اعتبر بعض الأئمة المجتهدين بعد أحكام الصحابة لقوتها شرعاً أو أصلاً من الأصول التي يبنى عليها التفريع سموه عمل الصحابة أو إجماعهم كما سبقت الإشارة إليه وكما ترون ذلك في كتب الأصول. إذا كان إجماع الصحابة عَلَى مسألة شرط في صحتها واعتبارها شرعاً يلزمنا العمل به فقد لزم من هذا أمران: الأول — إن إجماع الجماعة على تقرير حكم في مسألة شرط في صحة ذلك الحكم واعتباره شرعاً لزمنا العمل به وهو ما تفعله الأمم الأوربية في تقنين قوانينها لهذا العهد وقد وجد له أصل في الشرع الإسلامي فتركناه وأصبحنا نغبط الأمم الأوربية وقوانينها أو قضاء الجماعة عندها لهذا اليوم. والأمر الثاني أن كل أقوال الفقهاء واختلافاتهم الواردة في كتب الفروع ليست بشرع إلا من حيث اشتمالها عَلَى أحكام يرد بعضها إلى أصول الشريعة إلا أنه غير متوفر فيها شرط التشريع الذي مر. وإناطة ترجيح قول دون آخر من حيث قربه من الأصل بشخص واحد لا يكسب هذا القول أو الحكم قوة التشريع ليسمى شرعاً أو قانوناً وجب العمل به إلا إذا اتفق عليه وقرره جمهور من المتشرعين أو المرجحين وهذا ما اردته من وجوب بقاء الاجتهاد لكي لا ليتناوله من شاءَ فيما شاء. كلا بل ليناط بجماعة من علماء المسلمين تقرير الأحكام التي تدعو إليها المصلحة ويتجدد بتجدد الزمان. ولذا فإن اجتهاد الجماعة كما أنه لازم في الأصول فهو لازم في الفروع أيضاً وذلك لجمع أقوال الفقهاء عَلَى اختلاف مذاهبهم ما أصاب من تلك الأقوال محجة الصواب والمصلحة ووافق أصول الشريعة من الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح في كتاب بعينه يعتبر قانوناً في المعاملات مجمعاً عليه من العلماء ليعرف منه كل مسلم ما له من الحقوق وما عليه لا لتقاذفه أقوال الفقهاء من خلاف لآخر ومن قول لنقيضه فتصير به إلى أهواء القضاة والمفتين يحكمون بما ترجح لديهم وبما يشتهون. وليس اختلاف المذاهب بمانع من أن يحكم للشافعي أو عليه بقول للحنفية أو المالكي بقول للشافعية مثلاً إذ كل أتباع المذاهب أبناءُ دين واحد وكل أقوال كتب الفقهاء مأخذها واحد وهو الشرع والواقع يثبت أن أحكام المعاملات كانت في أكثر الممالك الإسلامية ولم تزل إلى اليوم جارية في القضاء على مذهب الدولة الحاكمة وربما كان أكثر الرعية من أتباع مذهب غر مذهبها. ومع هذا فليس نكر من العلماء على أهل الدولة فلا سبيل لهم إلى النكير على القائلين بلزوم جمع الأقوال الموافقة لمقتضى المصلحة والعصر من كتب المذاهب وجعلها قانوناً جامعاً في المعاملات للمسلمين بل هذا خير وسيلة لإصلاح القضاء ربما اغتفرت للفقهاء ماضي تفريقهم وحدة الأمة باسم التعصب للمذهب وكانت خاتمة اضطراب نظام القضاء في الإسلام. ليس اضطراب حبل القضاء في الإسلام بجديد وليس الظلم والعسف الذي لاقاه المسلمون من حكامهم الظالمين وحكوماتهم الجائرة إلا نتيجة توكئهم على ضعف القضاء خصوصاً ما يتعلق منه بولاية المظالم لا لنقص الدين أو الشريعة بل لنقص في طرق التقنين والتنفيذ. إن الدين الذي ينزل على الظالمين صواعق الإنذار ويقرن الظلم بالشرك بالله تعالى ويأمر بإقامة ميزان العدل ويريد سعادة المجتمع الذي يدين به ما كان ظالماً ولن يكون وإنما المسلمون أنفسهم يظلمون. تعلمون أن أحفل العصور الإسلامية بالعلماء والمفتين والفقهاء المتشرعين وأرقاها في سلم المدنية الإسلامية عصر هارون الرشيد العباسي إذ الشريعة في إبان زهوها والتفريع في مبدأ مجده والأئمة المجتهدون هم القائمون بالتشريع وإلى كتبهم ترجع الفتوى. في ذلك العصر الزاهر بمجد الإسلام وأمجاد العظام يرى يوسف صاحب أبي حنيفة من ضعف القضاء وتسلط عمال الجور واضطراب نظام ولاية المظالم ما يلجئه إلى وضع كتاب الخراج لأمير المؤمنين هارون الرشيد وليس فيه إلا آية أو حديث أو مثال من قضاء الصحابة أي كله من أصول تلك الشريعة الطاهرة يذكره فيه بالرجوع إلى قضاء الله ورسوله وأصحابه أو قضاء الجماعة المتينيقائلاً: ارجع يا أمير المؤمنين إلى هذه الأصول في سياسة الرعية وجباية الخراج وتوزيع الفيء، اقعد يا أمير المؤمنين بنفسك للمظالم وإنصاف المحكوم من الحاكم، أدرك الزراع فقد كاد يهلكهم الظلم فقد بلغني عن عمالك أنهم يقيمون أهل الخراج في الشمس ويضربونهم الضرب الشديد وأنهم فعلون مما لا يحل لهم بوجه من الوجوه. هكذا الحال في عصر الرشيد وأئمة الشريعة أحياء يرزقون فما بالكم بما جاء بعده من العصور التي صار فيها التشريع إلى عدد لا يحصى من المخرجين والمرجحين والفقهاء والمفتين وكلهم يقولون قولي أو قول فلان هو شريعة الله المفتى بها والمعول عليها وما هو إلا تفكك نظام القضاء وتشتت قوة الجماعة فل حول وقوة إلا بالله. والنتيجة أن ضمان العدالة الوحيد إنما هو قضاء الجماعة لا قضاء الفرد وأعني أن التشريع وحده غير كفيل بالعدل في القضاء إلا إذا أنيط كلاهما بالجماعة بالوضع والتنفيذ ولا تظنون أن هذا المطربش الواقف أمامكم يريد شيئاً جديداً في الدين أو قلباً لكيان الأحكام مع أنه ليس من علماء الدين ولا الأئمة المجتهدين. كلا فليس قضاء الجماعة بجديد في الإسلام بل هو من عصر الصحابة وهم واضعو أساسه المتين في الدور الأول للقضاء في الإسلام. أما الدور الثاني فالذي اذكره أن دولتين من دول الإسلام تنبهتا إليه وعولتا عليه اولاهما دولة الأمويين في الأندلس التي جعلت في القرن الثالث داراً في قرطبة لشورى القضاء أعضاؤها من جلة العلماء يرجع إليهم في تقرير الأحكام. والحق أقول أني لم أظفر بكثير بيان عن هذه الشورى لكن ما رأيته عنها في ثنايا الكتب التاريخية يكفي للدلالة عليها فقد ورد ذكرها في نفخ الطيب في ترجمة بعض العلماء كقوله كان فلان مشاوراً وطلب فلان إلى الشورى فأبى ونقل إليَّ ثقة عن كتاب من الأسف أنه غير موجود بين يدي بل هو في مكتبة دمشق وهو كتاب الأحكام للقرطبي ورد فيه ذكر هذه الشورى بقوله أن الشورى خافت الإمام مالكاً في عدة أحكام أخذت فيها بقول أبي القاسم. وفي هذا دليل كاف عَلَى أنه كان لديهم سلطة في التشريع وأن الدولة الأموية ثمة كانت مسددة الأعمال حتى قبيل وهنها وسقوطها حريصة على إجراء قوانين العدل بين رعيتها. أما الدولة الثانية التي تنبهت إلى مثل ما تنبه إليه الأمويين فهي الدولة العثمانية لهذا العهد فإنها جمعت من علماء الأمة وفقائها الموثوق بفضلهم وعلمهم جماعة سمتهم جمعية المجلة وذلك من بضع وثلاثين سنة انتخبوا من كتب المذهب قانوناً جامعاً لأحكام المدنية وهو المعروف بمجلة الأحكام العدلية وأقر عَلَى العمل به أهل الحل والعقد فصار مرجع القضاء في المحاكم إلى اليوم. ديوان الرصافي طبع ب المطبعة الأهلية في بيروت سنة ١٣٢٨ (ص ٢٣٠ ) يعرف قراء هذه المجلة شعر معروف أفندي الرصافي بما قرأوه وله في مجلدات المقتبس الأربع من الشعر الاجتماعي العذب المتين الذي كان فيه الفرد المقدم في العراق والشام أيام كان الكلام يحظر عَلَى كل إنسان وقد اشتهر بذلك حتى وصفه بعضهم بأنه شاعر المقتبس ولا عجب فهذه المجلة تفاخر بهذه النسبة. وقد طبع هذه المرة ديوانه وأكثر من ثلاثة أرباعه مما نشر في هذه المجلة عني بتبويبه الشيخ محي الدين الخياط من أفاضل بيروت وقدم له مقدمة رائقة وجعله في أربعة أبواب الكونيات والاجتماعيات والتاريخيات والوصفيات ومن شعر الرصافي الأخير من قصيدة في جرائد الأستانة. ولم يكفها هذا الخلاف وإنما أطافت بنقصٍ للحقيقةِ زائد فما بين مكذوب عليه وكاذب وما بين محجود عليه وجاحد ترى في فروق اليوم قراء صحفها فريقين من ذي حجة ومعاند جدال عَلَى مر الجديدين دائم بتفنيد رأي أو بتنقيد ناقد وقال فيها: ولم أر شيئاً كالجرائد عندهم مبادئه منقوضة بالمقاصد يقولون نحن المصلحون ولم أجد لهم في مجال القول غير المفاسد وكيفيبين الحق من نفثاتهم وكل له في الحق نفثة مارد وقال من قصيدة في وصف لبنان: لبنان تفعل بالحياة جنانة فعل الزلال بغلة الظمآن وترد غصن العيش بعد ذبوله غضاً يميد بفرعه الفينان فكأن لبنانا عروس إذ غدا يزهو بنشر غدائر الأغصان وكأنما البحر الخضم سجنجل يبدي خيال جمالها الفتان جبل سمت منه الفروع وأصله تحت البسيطةِ راسخ الأركان تهفو الغصون به النهار وفي الدجى تهفو عليه ذوائب النيران وترى النجوم عَلَى ذراهُ كأنها من فوقه درر عَلَى تيجان  إلى أن قال: لبست ربى لبنان ثوباً اخضراً وزهت بحيث الحسن أحمر قان نشر الربيع بهن زهراً مونقاً يزري بنظم قلائد العقيان فبرزن من وشي الطبيعة بالحلى فكأنهن بحسنهن غوان وكأن صنيناً أطل مراقباً يرنو لهن بمقلة الغيران تلك الربى أما الجما فواحد فيها وأما أهلها فاثنان رجل يسير إلى النجاح وآخر يسعى وغايتهإلى الخسران متخاذلين بها وهم اعوانها ومن البلاء تخاذل الأعوان ضعفت مباني كل أمر عندهم ما بين هادمها وبين الباني وتفرقوا دنيا كأن لم يكفهم في النائبات تفرق الأديان وسعوا فرادى للنجاح وفاتهم أن التضامن رائد العمران وقال من قصيدة حول البوسفور: سفوح جبال بعضها فوق بعضها مكللة حافاتهن بأشجار يروق بجنبيها خرير مياهها ويشجي بقطريها ترنم أطيار ويجري النسيم الرطب فيها كأنه تبختر بيضاء الترائب معطار معاهد زرها في الهواجر تلقها موشحة فيها برقة أسحار نزلنا بها والشمس من فوق أرسلت على منحنى الوادي ذوائب أنوار وقد ظل من بين الغصون شعاعها يوقع ديناراً لنا جنب دينار كأن التفاف الدوح والنور بينها جيوب من الأنوار زرت بأزرار تميل إذا هبَّ النسيم غصونها فتأتي بظل في الجوانب موار ترانا إذا ما الطير في الدوح غردت تميل بأسماع إليها وأبصار وقال من قصيدة في التربية بعد أن شاهد مسرح الحيوانات في بيروت: كأنما الليث لم يخلق أخا ظفر محدد الناب قذافاً إلى العطب شاهدته مشهداً بدعاً علمت به أن الغرائز لم تطبع عَلى شغب وإن خبث البرايا في طبائعها لا بد فيه سوى الأطباع من سبب وإن ليث الشرى ما صيغ مفترساً لكن احالته فراساً يد السغب وكم من الناس من قد راح مندفعاً بدافع الجوع نحو القتل والسلب وان تربية الإنسان يرجعه إكسيرها وهو من ترب إلى الذهب هذا إذا حسنت أما إذا قبحت كالمندلي بها يمسي من الحطب فكل ماهو في الإنسان مكتسب فلا تقل فيه شيء غير مكتسب أني أرى أسوأ الآباء تربية للابن أحرى بأن يدعى اعقاب والمرء كالنبت ينمو حسب تربته وليس ينبت نبع منبت الغرب من عاش في الوسط الزاكي زكا خلقاً حتى علا في المعالي ارفع الرتب فاحرس عَلَى أدب تحيا النفوس به فإنما قيمة الإنسان بالأدب وقد عني بتفسير ألفاظه اللغوية الشيخ مصطفى الغلاييني منشئ مجلة النبراس الشهير فجاء الديوان موفور الخيرات من كل الجهات حرياً بكل من ذاق لماظه من الأدب أن يقتنيه ويتدارسه فشعر الرصافي هو النموذج الراقي من شعر هذا العصر. حكم إفرنجية من الناس من فيهم الكفاءة ولا يرتقون لكن ليس منهم من يرتقون دون أن يكونوا عَلَى شيء من الكفاءة لاروشفو كولد. الأدب يظهر المرءَ في مظهره الخارجي كما يجب أن يكون عليه في مظهره الداخلي لابرويير. عَلَى من يريد أن يعمل الخير أن يعرف كيف يفكر بأن الحياة قصيرة لا ينبغي أن تضاع هنيهة منها عبثاً فولتير. علينا أن نعلم من نريد تعليمهم بالمثال الحسن أكثر من أن نسن لهم الطرق ونخطط لهم الخطط فالمثال هو الذي يعلم الرجال شاتو بريان. أنا نشعر بالألم الكثير من الملل من أيام السعود أكثر مما نشعر بسرور الاستمتاع في أيام النحوس بالزاك. عاش من عرت نفسه من الأوهام. لا يكفي المرء أن يكون له عقل حتى يخلص من البهيمية بل يجب أن يعرف كيف يستخدم عقله. السعادة كالطير الأخضر الذي يقترب منك ثم يقفز قفزة صغيرة فلا تقدر أن تمسكه. انتظار المدعو إلى دعوة إذا تأخر عن الميعاد قلة احترام لسائر المدعوين الحاضرين. التغاضي عن الواجبات الصغيرة مدرجة إلى ارتكاب الأغلاط الكبيرة. يمتص النحل والزنبور من زهور واحدة ولكن كلاً منهما لا يعرف أيجاد العسل نفسه. مما يدل عَلَى المروءة التامة تعرض المرء لانظار أرباب المروءَة. يؤثر النساءُ أن يغتبن في فضيلتهن عَلَى أن يطعن في فكرهن وجمالهن دوماس. الشهوة العظمى هي زهرة عاصفة لا تنبت إلا عَلَى حجر ضربته الأعاصير. لسنا إلا ثمرة نشوئنا. الأفكار الحسنة كمسامير من نحاس تنغرس في الروح ولا تستخرج منها قط. في الاعتبار عزاء عن كل شيء. من القهقهات ما يخرج كصوت القنابل لا يفيق منها صاحبها. الفكر الجديد هو مثل زاوية لا يمكن إدخالها إلا من الأنشوطة الكبرى. سلسلة الزواج ثقيلة جداً لا سبيل إلى حملها إلا إذا استعد لها المرء واقفاً عَلَى قدميه. الأسنان كالكلاب كلما أعطوا قضموا. إننا نجور في شفقتنا وذلك لأننا نتأثر لمصاب عرضي يعرض للسعداء أكثر من تأثرنا لمصاب دائم يلازم البائسين. كثير من الناس يرون السياسة علم الربح بدون رأس المال. من الصعب عَلَى الأغنياء أن يحرزوا الحكمة أكثر مما يصعب على الحكاء أن يحصلوا الثروة. إذا لم يستطع أرباب العقول أن يحسنوا الانتفاع من الأغبياء فما الفائدة من عقولهم رنان. التأمل يكمل الأخلاق بدون أن يغيرها كما أن القواعد تخدم القرائح ولا تساعدها على الانبعاث. تتألف الحياة التي نستطيلها من كثير من الأيام التي نستطيلها أيضاً. جسم جميل في روح خبيثة كسفينة حسنة وفيها ملاح رديء. لا تكن محتاجاً إلى الأمل لتشرع في عمل ولا إلى النجاح حتى تظلَّ مداوماً عَلَى ما أنت آخذ في سبيله. تشحذ الحياة الرجال في باريز كما تشحذ السكين على المسن ولكنها تثلمها. في المجتمع الرديء النظام تشبه القوانين بيوت العناكب تعثر فيه الهوام الصغيرة أما الكبيرة فتفلت من أطرافه. ثلاثة أمور صعبة الاحتفاظ بسر وتحمل الأذى واستعمال أوقات البطالة فولتير. لا تكن ساذجاً ولا خبيثاً. اذهب متثاقلاً إلى ضيافة أصدقائك وسارع إليهم كثيراً في أيام بؤسهم. أكثر الرياء خطراً ما أحاط بنا من انحطاط المحيطين بنا. كثيراً ما يخفق رجل العقل في مشاريعه لأنه يخاطر كثيراً مونتسكيو. حب المجد في القلوب الكبيرة يشغل المكان الذي يملؤه العجب في النفوس الصغيرة. لاتكرر كلمة جافة شائنة وإذا سمعت كلمة في قريبك فاكتمها في صدرك ف، ك لا تضيق بها ذرعاً. ثلاثة أمور تعلي قيمة الهدايا الإحساس والمناسبة وأسلوب الهدية. اني استحسن الرياضات التي تعلمنا احتقار الحياة على شرط أن لا تدخل فيها حياة الغير. الناس يستمعون النميمة عَلَى ما يكرهون أكثر من استماعهم مديح ما يحبون. كثيراً ما ترى للناس ميلاً طبيعياً للمبادرة لمعونة الرجل الأقوى فيهم. من سيئات المساواة هو أننا لا نريدها إلا مع الأعلى منا مقاماً. التسليم بالقضاء والقدر هو سعادة من ليس لهم سعادة. الآلام خير من تعذيب الوجدان. المناكدة شقاء الصالحين. قام كل عمل عظيم في العالم ببركة اجابة نداء الواجب وكل اثر سيء في العالم قام باسم المصلحة. لا تبهر الفضائل الصغرى الأنظار بل تعطر صاحبها فهي بنفسج الروح. إن المنجم الذي لا ينضب تعدينه عَلَى كثرة تعاور الأيدي عليه منذ أزمان هو منجم الحمق البشري. من الناس من يتكلمون قبل أن يفكروا بهنيهة أي يسبق كلامهم تفكرهم. لا تشاور في موضوع القيام بالواجب. غرائب الغرب تاريخ عمران باريز ١١ لعل باريز في الأصل إحدى تلك الضياع التي كان الغاليون ينشؤنها في جزر الأنهار الكبرى أيام كان يسهل عليهم أن ينشؤا جسوراً يتخذونها مجازاً إلى طرق مهمة وأول ذكر ورد لها ولسكانها في التاريخ كان ٥٣ ق. م فدعا القيصر ساكنيها باريزيا كما دعا المدينة لوتيتيا وضم إليها سنة ٥٣ نواب الأمم الخاضعة. مضى زمن لم يمتد فيه عمران المدينة خارج الجزيرة الأصلية ثم استفاض عمرانا على الشاطئ الشمالي على عهد الإمبراطور كونستانس كلود الذي أنشأ فيها قصراً تسمى بقاياه اليوم بقصر الترم وسكن فيه جولين لما نادى به جنده قيصراً وكانت الجزيرة محاطة بمتاريس وفيها قصر تفصل فيه الأمور البلدية ومذبح عَلَى اسم جوبيتر أقامه الملاحون الذين كانوا يغدون ويروحون في تجارة نهر السين وفي سنة ٢٥٠ غدت لوتيس مركز أسقفية وعَلَى ذاك العهد أطلق عليها اسم باريزي وهو اسم الشعب الذي يسكنها وكانت عاصمة بلاده فتحت باريز أبوابها للفرنك سنة ٤٩٧ فدخل قصر الترم كلوفيس ثم ماتت القديسة جنفياف حامية باريز ووقف العمران عَلَى عهد الكارولنجيين بل تراجع فنقل الامبراطور شارلمان عاصمة ملكه إلى اكس لاشبل وما كان يقم في باريز إلا نادراً وكان عهد خلفائه عهد شقاء. وكانت القرى في شمالي المدينة وجنوبها تؤسس تحت حماية الأديار وكثيراً ما كانت تخرب بأيدي أشقياء من السكان أو بغارات النورمانديين وفي سنتي ٨٨٥ — ٨٨٦ جاء النورمانديون وعددهم ثلاثون ألفاً وعسكروا أمام جزيرة المدينة وحاصروها ثلاثة عشر شهراً وبهذا الحصار افتتحت باريز أيام سعادتها وأصبحت كما قالوا رأس فرنسا وقلبها. وفي القرن الحادي عشر والثاني عشر امتد عمران هذه القاعدة وانشئت فيها أديار وبيع ومستشفيات ومدارس وأقيم لها في أيام لويس السادس عمدة ينظر في شؤونها وأمور ضبطها وربطها وبدأ فيها العمران المادي. وعَلَى عهد فيليب اغسطس وهو أهم دور من أدوار عمران هذه العاصمة كثرت الكنائس الكبرى وأسست الأديار والمدارس ودور المرضى والأسواق والمجاري وأحواض المياه والفساقي والمرافئ وفي سنة ١١٨٥ أخذوا يبلطون شوارع المدينة للمرة الأولى وفي سنة ١٢٠٤ أنشئ قصر اللوفر وبعد ذلك جمعت مدارس باريز وكان عدد طلبتها عشرين ألفاً وجعلت منها مدرسة جامعة أطلق عليه اسم الابنة الكبرى للملوك السوربون وأخذ سكان المدينة ينمون حتى بلغ عددهم سنة ١٣٢٣ — ٢٧٥ ألفاً وصرفت العناية منذ زمن شارل الخامس إلى لويس الثالث عشر في تزيين مدينة باريز وتطهيرها وأنشئت فيها فنادق جميلة. ولقد كانت القرون الوسطى عَلَى باريز كما كانت عَلَى فرنسا قرون مصائب واضطراب فاستباح الإنكليز سنة ١٤٢٠ حمى باريز وحاولت الفتاة جان دارك على غير طائل أن تطردهم عنها فذهب سعيها عبثاً ومنذ سنة ١٤٠٨ إلى ١٤٢٠ أكثر الأرمنياكيون من ذبح سكان باريز التي احتلها الإنكليز من سنة ١٤٢٠ إلى ١٤٣٦ وجاء طاعون جارف عَلَى الأثر أهلك الكثير من سكانها ومع هذا لا تزداد عروس الغرب إلا عمراناً. وفي سنة ١٥٣٣ وضع الحجر الأول في أساس دائرة المجلس البلدي الذي هو مفخر من مفاخر البناء في هذه العاصمة كما أسس قصر التويلري المشهور عَلَى أيام شارل التاسع وعادت باريز فأصبحت ميداناً لقتل من دانوا بالمذهب البرتستانتي من أهلها وانتشرت الفتن الدينية زمناً وأصبح القول الفصل فيها للمتعصبين والجامدين. وفي خلال ذلك اشتد فيها القحط فاهلك من سكانها ثلاثة عشر ألفاً وكثرت الفتن عَلَى الملك وقتل بعض ملوكها وبدأ عهد لويس الثالث عشر بالارتقاء المادي والعقلي فجعلت باريز سنة ١٦٢٢ مقر رئيس أساقفة وكانت أسقفية صغرى وفي سنة ١٦٢٠ أنشئت مطبعة الأمة وسنة ١٦٢٦ أنشئت حديقة النباتات وسنة ١٦٣٥ أسس المجمع العلمي وأنشئت بعض الشوارع والساحات وغرست بالأشجار وكثرت الحارات والأحياء الجديدة واتصل العمران بالقرى المجاورة حتى تضاعفت مساحة المدينة وعَلَى عهد لويس الرابع عشر اخذوا يضيئون الشوارع بمصابيح يجعلون فيها شموعاً وذلك في الليالي الغير القمراء. ولقد نشط هذا الملك البحث في التاريخ والصناعات والعلوم بإنشاء المجامع الأثرية والصناعات النفيسة والعلوم وبترخيصه للناس أن يختلفوا إلى المكتبة وكانت من قبل خاصة بالملوك فقط. وكان عهد الوزير كولبر المشهور عهد عمران هذه العاصمة الذي لم يسبق له نظير وزاد سكانها حتى بلغوا نحو ٥٦٠ ألفاً وعلى عهد لويس الخامس عشر طبعوا أسماء الشوارع على صفائح من توتيا وجعلوها في رأس كل شارع واستعاضوا عن مصابيح الشموع القديمة بمصابيح الزيوت. ولما جاءت ثورة سنة ١٧٨٩ كثر عمران باريز إذ أعقب تخليص الأراضي من الكنائس والبيع لتنشأ فيها الشوارع والجادات وكثرت الأبنية العامة والخاصة والمعاهد العلمية والصناعية والحدائق العامة والمدارس الكبرى ولئن كان من الثورات التي حدثت بعد ولا سيما فتنة سنة ١٨٤٨ ما نشأ عنه بعض الأضرار على العمران إلا أن الهمم كانت أعظم للتعمير منها للتخريب وقد جاء عشرون ألفاً من الألمان واحتلوا سنة ١٨٧١ بعض أحياء المدينة عقيب الحرب التي فشل فيها الفرنسيس في موقعة سدان وعاد الألمان من حيث أتوا بعد ثلاثة أيام. وكان عهد عصابات الكومون بعد ذلك من أشأم أيام الخراب عَلَى عمران باريز فتقوض بها ٢٣٨ داراً خاصة وعامة وقتل سبعة آلاف جندي وقتل وجرح خمسمائة ضابط وقدرت الخسائر بثمانمائة وستين مليوناً من الفرنكات وكثر بعد ذلك العمران باستتباب أسباب الراحة وكان من المعارض الثلاثة التي أقامتها باريز سنة ١٨٧٨ و ١٨٨٩ و ١٩٠٠ ولا سيما المعرض الثاني الذي أقيم تذكاراً لمرور مئة سنة على الثورة الفرنسوية الأولى أعظم مظهر من مظاهر الصناعة عند الفرنسيس وأول دليل عَلَى ارتقائهم التدريجي الذي لم يقف قط عن الجري. إجماليات في عمران باريز ١٢ باريز واقعة في الدرجة ٠ ، ٤٨ ٤٩ ، ٥ من العرض يشقها نهر السين إلى قسمين غير متساويين من الشرق والجنوب الشرقي ويتخللها في وسطها عدة آكام وجبال مهدتها حتى غدت كأنها بعض أجزائها منها يبلغ ارتفاعه ١٠١ متر ومنها ١٢٨ ومنها ١٣٦ ومنها أقل من ذلك وتبلغ مساحتها ٧٨٠٢ هكتار ومحيطها ٣٦ كيلومتراً. وطولها من الشرق إلى الغرب نحو ١٢ كيلومتراً وعرضها من الشمال إلى الجنوب نحو تسعة كيلومترات وطول طرقها العامة ٨٨٨٠٠٠ متر فيكون مجموع مساحتها السطحية ١٥٣٢ هكتاراً ولها ٧٠ باباً أو منفذاً منها ٥٧ باباً و ٩ طرق للسكة الحديدية وطريقان لمجرى السين وطريقان لترعة سان ديني ولورك وعدد سكانها بحسب الإحصاء الأخير ٢٧٦٣٣٩٣ وباريز بالنسبة لحجمها أكثر المدن ازدحاماً إذا قيست بالمدن الأوربية ومعدل الزواج فيها كل سنة ٢٥ ألفاً والولادات ٦٥٠٠٠ والوفيات ٥٠٠٠٠ . وتقسم من حيث أمورها الإدارية إلى عشرين قسماً لكل واحد منها عمدة وثلاثة أو خمسة مساعدون ولباريز ٢٣٤٥ زقاقاً و ٨٢ جادة كبرى و ١١٥ شارعاً و ١٦٦ ساحة و ٤٠٦ طرق غير نافذة و ٤٦٨ ممشى و ١٥٤ قرية و ٤٩ مصيفاً و ٧١ مجرى عاماً و ٤٢ رصيفاً و ٣١ جسراً و ٤٨٠٠٠ بيت وتمتد الطرق المغروسة بالأشجار وفيها ٨٧٠٠٠ شجرة عَلَى طول ٢٧٠٣٦٣ متراً وفيها ٨١٠٣ مقاعد لجلوس الناس في الطرق والشوارع والساحات والحدائق. تضاء باريز في الليل بنحو ٥٢٣١٣ ضوء غاز و ١٥٧٥ مصباحاً كهربائياً وقوة القوى الكهربائية فيها للشركات الخاصة والعامة في باريز ٢ ، ٣٠٠ ، ٠٠٠ مصباح كل واحد ذو عشر شمعات. ويجري ماء الشفة إلى مدينة باريز في قساطل من عدة ينابيع صافية نافعة خلافاً لما يدعيه بعض المتجرين بالخمور من أن ماءها مضر بالصحة حتى ينفقوا خمورهم ومعدل ما يجري منه إليها ٣١٠ ، ٠٠٠ متر مكعب يأتي إلى ٨٤ ألف محل من البيوت الخاصة و ٧٤٣٣ مضخة للحريق و ١١١ ، ٦٩٥ محلاً لشرب المارة ويجري إليها ماء للاستعمال غير صالح للشرب وهو للصناعات وغيرها يجري في ٦٤٦٠٠ آلة عامة. في باريز ١٦٠٠٠ عربة بالخيل وأكثرها بحصان واحد والمركبة ذات الحصانين هي في الأكثر عربات خاصة بالأعيان وأرباب الفنادق وفيها ١٣٠٠٠ أوتومبيل كبير تنقل زهاء ٣٠ مليوناً من الناس في السنة و ١١٩ خطاً م خطوط الحوافل أومنيبوس والترامواي وفيها ٢٥٠ عجلة أومنيبوس و ١٩٠٠ مركبة كهربائية تنقل في السنة مالا يقل عن ٣٠٠ مليون راكب وعشرة آلاف مركبة خاصة و ١٢٠٠٠ سيارة أوتومبيل وقد كان في فرنسا في السنة الماضية ٤٤٧٦٧ أوتومبيلاً و ٤٠٠٠٠ مركبة نقل ولا تدخل فيها الكميونات وفي باريز ١٦٠ ألفاً من الدراجات و ١٠٦ مراكب نهرية تحمل نحو ٢٣ مليون راكب في السنة وسككها الحديدية المحدقة بها تحمل ٣١ مليوناً ويركب من الست محطات الكبرى فيها زهاء ٧٧ مليون راكب ومثلهم يأتون إليها. ويلزم لباريز في السنة ٢٩٢ مليون كيلو من الخبز و ١٥٩ مليون كيلو من اللحم و ٣٦ مليون كيلو من السمك و ٦٦٩ مليون بيضة و ٣١ مليون كيلو من الطير والصيد و ٦ ملايين هكتولتر من الخمور و ٦٩٢٠٠٠ من الجعة و ١٢٠٠٠٠ هكتولتر من سائر المشروبات الروحية. وفيها ٣٠ ألف فندق وحانة وقهوة ومطعم يعيش منها مئة ألف نسمة ولتجارة الأطعمة ٢٤٥٠٠ محل يعيش منها ٩٠ ألف شخص ولتجارة الفرش والأثاث ٣٢٠٠ محل وعدد البيوت والمخازن التي تبيع الأمتعة والثياب والأزياء ٩٥٠٠ محل فيها ٧٢ ألف عامل وعاملة وعدد محال الأطعمة ومعاملها ٧٥ ألفاً فيها ٤٣ ألف مستخدم وخمسمائة ألف عامل وعاملة فيكون مجموع من يعيشون من هذه المحال نحو مليون نسمة. وأكبر وسائط النقل وأسرعها في مدينة باريز السكة الحديدية الكهربائية تحت الأرض التي يسمونها المتروبوليتين وهي تدل عَلَى عظمة العقل وآخر ما وصل إليه الإنسان من التفنن وليس لهذا الخط نظير في سعته وجدته في برلين ولا في لندرا افتتح الخط الأول منه سنة ١٩٠٠ وله الآن ستة خطوط منها ما طوله عشرة كيلومترات ومنها أكثر وأقل إلى السبعة عشر كيلومتراً تربط أجزاء المدينة بعضها ببعض وينتقل الراكب إن أحب من فرع إلى فرع آخر بدون زيادة أجرة وقد تم الخط الرابع منه هذه الآونة وهو يسير تحت نهر السين ويكلف كل كيلومتر من هذا الخط ثلاثة ملايين فرنك وهو سريع نظيف رخيص يدفع الراكب في الدرجة الأولى ٢٥ سنتيماً وفي الدرجة الثانية ١٥ وقد نقلت هذه السكة الحديدية سنة ١٩٠٩ : ٢٥٤٤٥٩٩٢٠ راكباً وكان عدد من أقلتهم في السنة التي قبلها ٢٢٩ ، ٧٠٠ ، ٥١٩ وكانت أرباحها سنة ١٩٠٨ نحو أربعين مليار فرنك فأصبحت في السنة التالية زهاء أربعة وأربعين ملياراً وهم يعملون أبداً عَلَى تهويته عَلَى طريقة لا تخليه من الهواء النقي ويذرون فيه المواد المضادة للتعفن وقد يتأذى بالركوب فيه بعض ضعاف المزاج ولكن ذلك من كثرة الازدحام فيه لا من شيء آخر. علم المشرقيات ١٣ لا يتأتى لغريب عن أمة أن يعرفها حق المعرفة إلا إذا درس لغتها وتاريخها وآدابها. واللغة مفتاح باب كل معرفة ومقدمة بين يدي كل عمل. ولذلك كان من الراغبين في درس أحوال الشرق من أهل أوربا أن يدرسوا لغاته ليحيطوا خبراً بأهله وكان للغة العربية المقام الأول بين تلك اللغات لأنها لغة أمة ذات حضارة باهرة ودين دان به أهل الأقطار المعتدلة من صميم الشرق. فتوفروا على إحكام العربية وتنافسوا في تعليمها حتى نبغ منهم أناس لم يقلوا في فهم أسرارها عن خلص أبنائها الذين نشؤا في حجرها وأحكموا ملكة نظمها ونثرها وكان لفرنسا من بين ممالك الغرب يد طولى في هذا المضمار. وكل مملكة من ممالك أوربا وأمريكا لا تخلو من أفراد من أهلها أنفسهم يعانون حل معضلات لغة العرب وينسلون إلى تلقفها من كل حدب. ولقد دعوا تعلم هذه اللغات وما ينبغي لها علم المشرقيات أو الاستشراق والمشتغلين بها علماء المشرقيات أو المستشرقين وقديماً كان العارفون من أهل هذا الشأن من الفرنسيس أكثر من غيرهم وقد أصبحوا اليوم وأكثرهم من الألمان. والألمان أمهر الغربيين في النطق باللسان العربي وأكثرهم نبوغاً فيه وعند الألمان من علماء المشرقيات بقدر ما عند الفرنسيس والنمسويين والمجريين والإيطاليين والهولانديين والإنكليز والروس والإسبانيين والبرتغاليين والأميركيين والبلجيكيين وكثرة عدد وحسن معرفة ولا عجب فالألمان نبغوا في كل شأن من شؤون الحياة والعلم والصناعة ودرس العربية كان له النصيب الأوفر من عنايتهم. وقد اشتهرت في فرنسا الجمعية الآسياوية ومدرسة اللغات الشرقية الحية وقد درست أحوالهما وزرتهما غير مامرة وهاءنذا الخص للقارئ ما عرفته عن الجمعية الآسياوية بواسطة صديقي المسيو لوسين بوفا أحد الأعضاء العاملين العالمين في الجمعية المشار إليها فقد كتب إليَّ ما تعريبه: إن فكر تأسيس جمعية علمية تعنى بدراسة الشرق قد جرى البحث فيه منذ أواسط القرن الثامن عشر ولكنه لم يتم إلا بعد زمن طويل. فقد أنشئت الجمعيات الأولى للباحثين في المشرقيات خارج أوربا مثل جمعية العلوم والفنون في باتافيا ١٧٧٨ ) والجمعية الآسياوية في البنغال ١٧٨٤ ) والجمعية الآسياوية في بومباي ١٨٠٥ ومنذ ذاك العهد أنشئت في أوربا وأمريكا عدة جمعيات للمستشرقين ولكن أقدمها عهداً الجمعية الآسياوية في باريز أسست سنة ١٨٢٢ . وعَلَى ذلك العهد رأى جماعة من مستشرقي الفرنسيس أن الحاجة ماسة إلى أن يجتمعوا أو يجمعوا مواد الدروس المختلفة الضرورية لهم وأن يصدروا مجلة تكون لسان حالهم وقائمة أعمالهم. وكان المسيو ديلاستي أنشط هؤلاء العلماء وبفضله أسست الجمعية الآسياوية التي ناب في رئاستها ما يقرب من ثلاثين سنة وكان الرئيس إذ ذاك سلفستردي ساسي أحد أعضاء المجمع العلمي وأستاذ مدرسة فرنسا ومدرة اللغات الشرقية وهو أعظم من خدم اللغة الربية في فرنسا وربما كان أعظم مستشرق نبغ ونفع الفرنسيس وكان من مؤسسي الجمعية أيضاً كوسان دي برسفال وكارسين دي فاسي ورموسا. فبدأت الجمعية أعمالها لأول تأسيسها بنشر المجلة الآسياوية التي اختصت بالبحث في لغات الشرق وتاريخه وعلومه وآثاره ولا تزال إلى اليوم نموذج العلم الراقي وسيدة المجلات الأخصائية في فرنسا. وأنشأت الجمعية خزانة كتب جمعت فيها كل ما وصلت يدها إليه من الكتب والمخطوطات والرسوم وغيرها مما يفيد العلماء من أعضائها وجمعت أيضاً مجموعات من النقود القديمة والتحف البديعة. ونشرت مصنفات في تاريخ الشرق وأصول لغاته وفلسفته وأديانه وطبعت عَلَى نفقتها عدة مصنفات وساعدت كثيرين مساعدات أدبية ومادية على نشر الكتب النافعة وكان نشر المخطوطات وترجمتها من أهم الأعمال التي تعنى بها. وخصت جلساتها في سماع المراسلات والمناقشات العلمية النافعة كما عنيت بمراسلة العلماء الأجانب عَلَى الدوام والانتفاع بآرائهم وأعمالهم. وإذ قد ظهرت منافع الجمعية الآسياوية سنة ١٨٢٨ عادت بعد أن ضعف أمرها بضع سنين إلى مكانتها الأولى ولم تلبث أن قويت عن ذي قبل وانتشرت كلمتها فرأسها أمثال سلفستردي ساسي ثم جوبر ورينووموهل وكارسان دي تاسي ورنيه ورنان وباربيه دي مينار وسينار. ومن جملة رؤسائها الثانويين كوسين دي برسفال وبارتلمي سان هيلير ودفرني وبوريه دي كورتيل وماسبرو وربنس دوفال وبين امناء سرها ابيل ريمورا وجايمس ودار مستثير وشافان. تنقلت الجمعية منذ تأسيسها في عدة أماكن ومنذ سنة ١٨٨٣ اتخذت لها مقراً في بناء ملاصق للمجمع العلمي وذلك بفضل رئيسها إذ ذاك رنان الفيلسوف المعروف ونالت من الحكومة الفرنسوية عدة معونات رسمية ومنحت الجمعية مكتبة الأمة الكبرى عدة كتب ومخطوطات وغيرها من النفائس ولا سيما المخطوطات التي أتت بها من الهند والمجموعة التبتية وكتب الديانة البوذية. وما عدا المجلة الآسياوية التي تصدرها الجمعية في نحو مائتي صفحة كل شهرين ويتألف منها مجلدان كل سنة فقد نشرت على نفقتها ٢١ مصنفاً تتألف من نحو ٤٠ مجلداً وبعض هذه المصنفات طويلة الذيل مثل مروج الذهب للمسعودي نشرته بنصه العربي وترجمته إلى الفرنسوية وهو في تسع مجلدات ونشرت رحلة ابن بطوطة في أربع مجلدات وكتاب الماهافاستو في ثلاث مجلدات. وهذه الجمعية تمنح كل سنة معونات لبعض المؤلفين في الموضوعات العلمية. وأعضاؤها اليوم ٢٥٠ عضواً منهم ٢٦ من الأجانب وهي تبعث بمجلتها إلى نحو مئة جمعية علمية ومدرسة جامعة أو مجلة دورية وإلى ثمانين مكتبة من مكاتب العالم عَلَى يد نظارة المعارف الفرنسوية وللمجلة ١٣٠ مشتركاً ليسوا من الداخلين في الجمعية. وقد بلغت وارداتها سنة ١٩٠٨ : ٢٥٦٣١ فرنكاً و ٦٦ سنتيماً وفي مكتبتها نحو اثني عشر ألف مجلد من الكتب و ١٥٠٠ صفيحة و ٢٠٠ كتاب مخطوط وفيها مجموعة من النقود القديمة هذا إجمال حال الجمعية الآسياوية وفيها من الأعضاء من لا فائدة منهم ولا رابطة بينهم وبين الغرض الذي ترمي إليه إلا أنهم يؤدون الراتب السنوي المضروب عليهم ويتناولون المجلة لقاء ذلك وكثير منهم لا يعرفون من أحوال الشرق ولغاته وأصول سكانه أكثر مما نعرف نحن عن الصين وتبت. أما مدرسة اللغات الشرقية الحية وهي التي تقرئ مبادئ اللغات الشرقية وهي مخرج لأعضاء هذه الجمعية وغيرهم ممن يتولون القنصليات والترجمة والسفارة عن حكومتهم في بلاد الشرق فاسمها فيما أرى أكثر من نفعها وما دامت فرنسا تراعي الخواطر في توسيد وظائف التدريس لغير الأكفاء فإن تعليم اللغات الشرقية يبقى صورياً لا حقيقياً. وهيهات أن ينشأ لفرنسا وهي عَلَى هذه الحال أمثال المستشرقين الأول من أبنائها الذين باهت بهم الأمم مادامت سوق الشفاعات رائجة عندها. درس من سلانيك ١٤ بينما كنت مأخوذاً بما أشاهده من مظاهر عظمة الأمة الفرنسوية وأقرأ مثالاً مجسماً من الارتقاء الغربي ولا أفرغ ليلي ولا نهاري من زيارة المعاهد العلمية وحضور الدروس الاجتماعية والاقتصادية والسياسية وأغوص في مكاتب باريز ولا سيما مكتبة الأمة ومكتبة السوربون وبينا تكاثرت عليَّ المواد وأنا لا أعرف بأي لسان أعبر ولا بأي قلم أحبر وبينا أنا أفكر في بلادي وما يجب علي أن أكتب لها مما تأثرت به عواطفي وأخذ بمجامع قلبي حمل إليّ البريد من سلانيك كراسة باللغة الإفرنسية من قلم صموئيل سام أفندي ليفي رئيس تحرير جريدة سلانيك الفرنسوية وهي محاضرة ألقاها في نادي الإتحاد الرياضي في ذاك الثغر أواخر الشهر الماضي عقيب عودته مع جماعة العثمانيين الذين ذهبوا لزيارة بلاد النمسا والمجر منذ مدة فرأيت أن ألخصها للقراء ليعلموا إن تأثر العثمانيين واحد عند زيارتهم الديار الأوربية وأن ابن سورية إذا أقامه ما شاهده في غربي أوربا وأقعده بما فيها من آثار العمل والجد فإن ابن مكدونية لا ينقص عنه تأثراً في ما شاهده من أواسط أوربا وشعور أبناء الوطن واحد. قال الكاتب السلانيكي: في ستة وعشرين يوماً ساح مائتاناوخمسون رجلاً من أهالي الأستانة وسلانيك وأزمير وغيرها من مدن الداخلية سياحة كبرى قطعوا فيها ٤٥٠٠ كيلومتر في السكك الحديدية و ١٥٠٠ في البواخر والعجلات والسيارات وعلى الأرجل فوقفنا في خمس وعشرين مدينة كبرى وصغرى وزرنا نحو ١٥٠ داراً صناعية ومعهداً علمياً أو مدرسياً وفنياً وإدارياً ومتحفاً وغيره وحضرنا مئة دعوة وغيرها أقامتها لنا ١٥ جمعية و ٢٥ غرفة تجارة وحكومة النمسا والمجر فلم يبق من تلك الرحلة التي تذكرنا السائحين جولن وماين ريد إلا أن نذكر شيئاً من ذلك الحلم الذي مر علينا في رحلتنا ونتثبت من تلك الأشباح لنحسن الانتفاع بها في مادياتنا وتكون لنا علماً ودرساً نافعاً ولقد كانت غايتنا من رحلتنا اقتصادية لندرس دور الصناعات والأوضاع التجارية والمدرسية والإدارية عن أمم ولكن المسائل الاقتصادية والاجتماعية كما قال البارون هلوموتسكي فيما خطبنا به لها مساس كلي بالمسائل السياسية وبينها روابط ولوازم ولا سبيل إلى البحث في الأولى مع إغفال الثانية. ولقد كنا نقضي العجب من كل ما يقع نظرنا عليه حتى كنا نتساءل عما إذا كان ما تقع عليه أنظارنا من مدهش الأعمال هو من صنع أيدي البشر وهم الذين قاموا بهذه العجائب وبحق ما قاله النائب الدكتور رضا توفيق رئيس جماعتنا السائحين عندما غادر النمسا إن أغنى اللغات عاجزة عن بيان الشعور الذي نتأثر به كلنا كما ينبغي لما لقيناه من الحفاوة الخارقة للعادة مدة مقامنا في بلد بلغ هذه الدرجة من الرقي. نعم لقد تجلت لنا بلاد النمسا والمجر مملكة دخل إليها التجديد من كل أطرافها وتناول كل فرع من فروع أعمالها الخاصة والعامة. وكثيراً ما اتفق لنا أن زرنا معهدين أو ثلاثة في فرع من فروع الصناعة وفي أقاليم مختلفة فكنا نجد في كل منها أساليب العمل التي يقضي بوجودها العلم أعمالاً كمالية تابعة وتحسينات خاصة ومحلية تدل على الإقدام الذاتي وقوة إرادة شخصية وحب في البحث وكلها ظواهر محسوسة لعمل عام ونشوءٍ متواصل. كنا نشهد ذلك في كل الفروع الصناعية والفنية والمدرسية والإنسانية. ولكثرة عنايتنا بالسؤال عن معاهد الإحسان ومعونة العملة ترآءى لنا أن النمسا في مقدمة الأمم في هذا الباب ومن ذلك أن ٤٢٠٠ من العملة العاجزين يعيشون في لاينز بالقرب من فينا لا على قدر الكفاية فقط بل يعيشون كما يعيش الملوك. وما ننس لا ننس ملجأ المرضى العصبيين في شنهوف وفيه ٣٦٠٠ عامل يعاملون كما لو كانوا في قصور ملكية وهم موزعون عَلَى ٦٤ بناية في مسافة من الأرض تتجاوز مساحة مدينة سلانيك وقد صرفت عليها حكومة النمسا السفلى ستين مليون كورن فقط لا غير. وبينا كان رفقائي في رحلتي يدهشون من زيارة المعامل والمصانع ودور الصناعات عَلَى اختلاف أنواعها في بلاد المجر والنمسا ومورافيا وبوهيميا وستيريا وغيرها كان يلفت نظري خاصة منظر اتفقوا عَلَى تسميته باسم مملكة هابسبورغ. فإن هذه المملكة هي في الحقيقة رقعة شطرنج فيها غرائب الفسيفساء من العناصر المختلفة والوطنيات الغير متجانسة ولكن هذه الجماعات على اختلاف أصولها قد اجتمعت ليكون مجموعها مثال جمال ولطف وتنوع وما كانت وحدة هذا المزيج إلا نتيجة نظام الحكومة المركزية وحسن مأتاها وبعد نظرها فرأت أن تترك لكل قوم استقلالاً إدارياً كان غاية الغايات في إبداعه وبذلك توقت الصدمات الهائلة ولم يحدث حتى الآن ما يكدر صفو الراحة. وهذا الرأي في توسيع سلطة الأقاليم لم يكن منه الوحدة الجوهرية فقط لما فيه من احترام القوميات بل نتج منه ارتقاء خارق للعادة في جميع فروع العمل وذلك أن كل قطر له من نفسه غنى طبيعي غزير ورجال نوابغ أذكياء هم خيرة رجاله فاستطاعوا الانتفاع بما حوت بقاعهم وكان من ذلك أن استمتع كل جماعة بما لهم من الحقوق فنشأت المنافسة بين العناصر المختلفة وأخذت كل واحدة منها تضاعف عنايتها وتكثر من جهادها فأوجدوا بذلك مجموعة من بدائع الأعمال منوعة الأساليب تمت في عامة فروع الجهاد الإنساني وكان ذلك من أهم المشاهد وأجملها التي وقع نظرنا عليها في رحلتنا وأحسن معلم لنا معاشر العثمانيين. تأَلفت مملكة هابسبورغ من زواج أمراء بعضهم من بعض عَلَى حين كانت الانقسامات الداخلية سبباً لضعف تلك المملكة ولطالما طحنتها مطامع جيرانها واعتداؤهم ولكن لما عزمت الحكومة أن تمنح العناصر المختلفة التي يتكون منها جسم المملكة دستوراً قائماً عَلَى المبادئ الحرة في مراعاة الحق العام الحديث بدأ نهوضها وارتقاؤها إلى الأمام. فعلى نواب العثمانيين في مجلسنا النيابي أن ينظروا في أمر العناصر العثمانية ويحلوها كما حلتها النمسا والمجر التي كانت في حالة أشبه بحالتنا اليوم منذ نصف قرن فأحسنت حلها عَلَى ما يجب فهي سابقتنا في هذا الباب وما عينا إلا أن نأخذ عنها وبذلك نأمن العثرات ولا نسير على غير هدى. وهنا التفت إلى رفاقي في الرحلة الذين دخل عليهم اليأس من ارتقائنا مما شاهدوه من الشوط البعيد الذي قطعه جيراننا. فأقول لهم أن ما شاهدناه عندهم ليس إلا ثمرة عمل عظيم وجهاد منظم وإرادة قوية وأساس راسخ وإذا أحببنا أن نبلغ بأمتنا مبلغهم فما علينا إلا أن نمد نحن يد مساعدتنا للدستور ونستخدم جميع القوى الحية في الأمة وأن تعمل الحكومة عملاً فعالاً لما فيه إنهاض الشعب كما عَلَى الشعب أن يعمل لمعاضدة الحكومة الصالحة وبالجملة أن يعمل كلاهما بل يعمل الكل للواحد والواحد للكل ويعرف كل الواجب عليه ونكران النفس والمفاداة. وهنا خاض الكاتب في مسألة نهوض العثمانيين وأنها موقوفة على التعليم وأننا لا ننجح إلا إذا حذونا على الأقل حذو البلاد التي كانت تابعة لنا بالأمس كممالك البلقان مثلاً وأرسلنا من شبابنا من يتعلمون العلوم الكاملة في كليات الغرب فمن أعظم نجاح تلك الإمارات أنها ما زالت منذ زهاء ربع قرن ترسل بشبانها إلى كليات العلم حتى لا تكاد تدخل كلية في أوربا إلا وتجد منهم كثيرين وهؤلاء هم الذين استلموا زمام الأعمال في بلادهم ونفخوا فيها من أرواحهم ولسنا نضطر إلى الأجانب لتعليم أولادنا في بلادهم بل يجب أن نجلب رجال الصناعات والعلم منهم يؤسسون في بلادنا مدارس ودور صناعات كما نحن في حاجة إلى رؤوس أموال الأجانب لاستخدامها في أعمالنا ومشاريعنا وأن نكون في سياستنا الاقتصادية كما قال ارنست لافيس المؤرخ الفرنسوي في تعريف السياسة أنها علم خديعة غيرك وأنت تظهر بأنك تحملهم عَلَى الاعتقاد بأننا لم ندرك بأنهم خدعونا أو أنهم يحاولون خداعنا. نظرة في نخب الذخائر في أحوال الجواهر صفحة ٣٨١ سطر الافرنجة — أفرنجة. وسطر ١٠ هو جوهر — حجر = وعدم الإنفصال — الانفعال. وسطر ١٤ الأحمر بقوس قزح — الأحمر الشبيه بقوس قزح. وسطر ١٩ صفحة اسرب — صفيحة اسرب وسطر ٢٠ قيمة هذا — قيمة هذه. وسطر ٢٤ ناصر الدين الترمذي — الزمردي. صفحة ٣٨٢ سطر ٢ وإن ابتلع منه شيئاً — وإن ابتلع منه شيء وسطر ٨ عند التدقيق — عند التدقيق في النظر. وسطر ٩ لجواز أن يكون — وفي المشرق والجواز أن يكون والأولى أولى. وسطر ١٤ تلك المغائص وهكذا في المشرق — المغاوص. وسطر ١٥ مغاص أول — مغاص أوال. وسطر ٢١ تغلب الرصاصة — الرصاصية. وسطر ٢٦ الأخواني الرازيان — الأخوان الرازيان. صفحة ٣٨٣ سطر ٤ وهو دونها شكلاً — وهو أدونها شكلاً. وسطر ٥ للنقي البياض — النقي البياض = وإذا فاز — زاد. وسطر ٦ اذان — فان. وسطر ٧ و ٨ سقطت كلمة النظم من آخر السطر السابع إلى آخر الثامن وأبدلت بكلمة الا في السطر الثامن. وسطر ١٧ يبلغ مثقالاً ونصفاً وفي المشرق مثقال ونصف وهو غلط. وس ١٨ لتضاعف قيمته وفي المشرق يتضاعف قيمته والأولى أولى = قياس الجواهر في نسختي المقتبس المشرق — وفي نسختي قياس سائر الجواهر. وس ٢٥ يودع إليه مشروحة وكذا في المشرق — يودع أليه مشروحة وهو المراد. صفحة ٣٨٤ سطر ٧ ثم نقل إلى قدح — ثم ينقل إلى قدح وس ٩ ثم تلف فوقها عجين — ثم يلف فوقها عجين وس ١١ غلي — أغلي. وس ١٢ سقطت هذه العبارة برمتها من نسخة المشرق وهي ويطلى به طلياً ثخيناً وتودع جوف عجين قد عجن بلبن حليب وسطر ١٣ ويخبز في التور — ويخبز. وس ١٥ مع حبتين تنكار وهكذا في نسخة المشرق — مع حبتي تنكار. وس ٢١ أسود ولا صفرة — سواد ولا صفرة = ولا تفوتالتفوث جمع تفث بمعنى شعش او اغبرار — ولا تفوث. وس ٢٤ يرغبون لما وكذا في المشرق — يرغبون بما صفحة ٣٨٥ سطر ٢ إذا ماسهُ — إذا مسهُ وس ٣ القيحة — القيمة. وس ٥ — الطاووسية التي تكون في المروج وكذا في المشرق — الطاووسية اللون التي تكون في المروج الخضر. وس ٨ الأفاعي وخاصية وكذا في المشرق — الأفاعي بوجه وخاصية = ولدغ العقارب وفي المشرق لذع والأُلى أصح. وس ١٢ المطلقة — المطلوقة وهو المراد. وس ٢٧ كذلك يجي بالشحم والالية. وفي الشرق فإنه يحيى بالشحم أو لإليةهكذا وردت حروفها مرتبة ومحركة — كذلك يحيا بالشحم والأَلية وهو المراد. صفحة ٣٨٦ سطر ٢ لدغة العقرب وفي المشرق لذعة والأولى المراده هنا. وس ٣ العين المنحرفة — العين المنحرفة. وس ٨ ابن أبي الاشث. وفي المشرق ابن أبي الاشعب. وس ١٠ من خزائن الزنج وكذا في المشرق — من جزائر الزنج = ومن نواحي بذخشان وكذا في المشرق — ومن نواحي بدخشان. وس ١٣ زنتها مائة رطل وفي المشرق زنتها مائتا رطل — زنة مائتي رطل. وس ١٩ ما غلبت عليه الوردية وفي المشرق ما غلت عليه الوردية والأولى أصح. وس ٢٦ افرندي — فرندي. وس ٢٧ ومنه معزل — ومنه مغربي. صفحة ٣٨٨ سطر ١ جلاء. وحيا — جلاء وحياً أي سريعاً. وس ٨ و ٩ ما كان ورنه مائة درهم فقيمته من مائة دينار إلى مائة وخمسين ديناراً وفي المشرق ( ١١ : ٧٦٥ سطر ٢ ) ما كان وزنه مائة دينار إلى مائة وخمسين ديناراً وهو خطأ ظاهر - ما كان وزنه درهم فقيمته من. . . . وسطر ٩ وجرب من دخان وفي المشرق وجرب مع دخان هذا ما تمثل للذهن القاصر من معارضة النسخ الثلاث استجلاء للحقيقة وحافظة عَلَى عبارات المؤلف الأصلية وتثبتاً في النقل خشية أن ينقل شيء من هذا الكلام ويشوبه أقل تغيير فيبعد عن أصله وتفوت الفائدة وما عَلَى الناقل والناسخ إلا أن يبقي الأصل عَلَى علاَّته ولعل القراء يرشدوننا إلى نسخة صح والله الهادي إلى الصواب والملهم السداد بمنه وكرمه. صفحة ٣٨٧ سطر ٥ ويقال يشم منه مجلوب. . . إلى قوله والمستخرج منه كدر وفي المشرق اختلاف عن النسختين وهذا ما جاء فيه مشرق ١١ : ٧٦٣ اليشب ويقال يشم منه مجلوب من بلاد الترك من ناحية ختن وألوانه أبيض وأصفر وزيتي وهو أفضلها ومن مستخرج من واد بين يسمى أحدهما قاش ويستخرج منه أبيض فائق ويسمى الآخر واقاش والمستخرج منه كدر وفي المقتبس بدل قاش فاش والأولى في نسختنا. وس ١٠ تعليقات عليها — تعليقاً عليها. وس ١٢ الغازدهر وفي المشرق الفاذزهر — الفادزهر. وس ١٧ وإذا نثرت — وإذا نثرت. وس ١٩ عَلَى درهمين كندر وكذا في المشرق — عَلَى درهمي كندر. وس ٢٠ الاياييل — الأيائل. وس ٢١ في مريرها في — مرائرها. وس ٢٢ لونُه بين الخضرة والغبرة وفي المشرق لونُه من الخضرة والغبرة. والأولى اولى. وس ٢٣ البلوط منه — البلوطة منه. وس ٢٤ وسحالة الخالص بيضاء. وفي المشرق وسحالته الخالص — وسحالة الخالص منه بيضاء وس ٢٥ عَلَى سبيل الاحتياط وفي المشرق عَلَى الاحتياط. وس ٢٦ المجزومين — المجذومين. سير العلم والاجتماع ضخام الأجسام قالوا إن الأصحاء من ضخام الأجسام هم أسعد حالاً من النحاف وأن السمين يسعد أسرته وزوجته أكثر من الهزيل فلا يهتم بالجزئيات كالنحيف ويساعد زوجه في الأمور البيتية أما الهزيل فإنه في الأغلب يعتقد أن أعباء الأمة عليه وأنها تاك إذا لم يساعدها ويفكر لها. وقد نصحت المجلة التي نعرب عنها لكل فتاة تريد أن تحيا حياة طيبة مع زوجها أن تختاره من السمان حتى يكون لها خير كفوء ولا ينغص عليها عيشها كما يخشى أن ينغصه النحيف. أصل المظلات كانت المظلات مستعملة عند الفرس والأشوريين والمصريين والرومانيين وبقيت زمناً دليل القوة والعظمة في كل قطر ولم ينتشر استعمال المظلات في أوربا إلا سنة ١٦٨٠ وفيها انتشر استعمال المظلات للمطر فكانوا يؤجرونها للمارة من الساحات والجسور ثم كثر استعمال المظلات وابتذلت ولكنها لم تتغير عن حالتها بل كان ينظر فيها إلى اللطافة وجمال قماشها وحسن قبضتها. أقدم شجرة في جزيرة كوس من شاطئ آسيا الصغرى قامت إلى اليوم أقدم شجرة في العالم وهي دلبة اقرأ في ظلها ابقراط مؤسس الطب تلامذته وإذ كانت قديمة حتى في ذاك الزمن فلا يتيسر أن يقال عمرها الآن أقل من ألفينيوخمسمائة سنة ومحيط جذعها عشرة أمتار ولا تزال أغصانها كل ربيع تغطى بالورق وقد أنشئت لها دعائم من القرميد ليجعل عليها أكبر أغصانها. ممثلو الفرنسيس من أعظم دور التمثيل في فرنسا الأوبرا والأوبراكوميك في باريز فالأولى تأخذ من الحكومة ثمانمائة ألف فرنك إعانة سنوية والثانية ثلثمائة ألف ومع ذلك لا تكاد تجد في ميزانيتها زيادة كبرى في الدخل عن الخرج لانهما يدفعان رواتب باهظة للمثلين والممثلات. فتدفع الأوبرا للمسيو الفارز ٢٢٠٠ فرنك كل ليلة أي ١٢٨ ألفاً عن ٦٤ ليلة في السنة وتدفع لغيره من الممثلين رواتب تختلف في السنة بين ٨٥ ألفاً إلى ٣٠ ألفاً وعن كل ليلة يغني فيها كاروزو عشرة آلاف فرنك وتتناول كل من العقيلة مارغريت كاري والآنسة شنال أربعة آلاف فرنك في الشهر وهكذا لا يقل راتب الممثلة أو الممثل في الأوبراكوميك عن ألف فرنك في الشهر. التدخين قالت مجلة الحياة البيتة بمناسبة الضريبة التي وضعتها ألمانيا على أنواع الدخان أن فرنسا أيضاً تفكر في وضع ضريبة ولكن عَلَى الدخان الجيد تبيع بما قيمته ٥٠٥ ، ٩٨٨ ، ٩٠٠ فرنك في السنة وإن عادة التدخين تضر بالأحداث كثيراً كما أن التدخين لا يضر الضرر البليغ الذي يتصوره بعضهم فإن ملايين من البشر يدخنون ولا شيء يصيبهم سوى إنفاق دراهمهم وأن كثيراً من الفلاسفة والعلماء والشعراء لا يدخنون ومنهم من يدخنون وإن فرنسا تحسن صنعاً لو أعطت الحق لكل وطني أن يقبض عَلَى كل صبي يراه يدخن لما في ذلك من الضرر عَلَى جسمه كما أن في انكلترا يحق لكل انكليزي أن يأخذ بتلابيب كل صبي يسير على هواه ويعمد إلى الكسل ولا يستعمل في العمل الصالح قواه. سقوط الشعر اخترعوا في ألمانيا دواءً بسيطاً لمنع الشعر من السقوط وذلك بأن تأخذ مائتا غرام من جذع القراص قريص وتسحقه سحقاً جيداً وتغلى في لتر ماء ونحو نصف لتر من الخل الجيد ويصفق هذا المحلول فيفرك كل يوم محل الشعر. الصحافة قالت مجلة النجاح ما مثاله معرباً: عرَّف لاروس في معجمه أن الصحافي هو الذي يشتغل بتحرير جريدة وهذا التعريف لا يخلو من إبهام وغموض وذلك أن الواجب عَلَى الصحافي أن ينظر في جملة ما يتحتم عليه النظر فيه من الرسائل الواردة عَلَى إدارته وينظمها بحسب الأحوال الداخلية وأن يسارع في عمله ويكون مستعداً ابداً لإملاء الفراغ الذي يقضي عليه أحياناً أن يملأه لأن للجريدة وقتاً معيناً تصدر فيه ولا مناص من تأخيره. فالمطلوب منه شيءٌ كثير أكثر مما يطلب من غيره من أرباب الصناعات ما عدا الطاهي فإن صناعة الطبخ أشبه بصناعة الجرائد من عدة وجوه فيطلب إلى الطابخ أشياء كثيرة كما يطلب من الصحافي ووجه الشبه بينهما لا يخلو من فروق فإن الأول يغذي الأجسام والثاني يغذي العقول والفرق بينهما أن عدد من يقضى عَلَى الطاهي إطعامهم محدود أما عدد من يغذيهم الصحافي فكثير جداً قد يبلغ مئات الألوف. ثم إن للصحافي جمهوراً كبيراً من الحانقين ممن لا يعرفون للشفقة معنى ولا يقيمون للرأفة وزناً وأعني بهم من يعتقدون أنهم يحسنون معرفة كل شيء أكثر من غيرهم فالصحافي يقاسي الأمرَّين من أهل هذه الفئة. يأتي الصحافي في الصباح إلى مكتبه فيجد أمامه بريده يغطي منضدة التحرير وفيها أدلة عَلَى قلة حظوته من الناس فمنهم من يكتب إليه ليتك تعنى عناية كبرى بأحوال المجلس البلدي وآخر يقول له: كفَّ عن مراقبة كل ما يحدث في البلدية وثالث يقول له إن السياسة لا تهمني فإذا أنت لم تعن كثيراً بالحوادث المحلية اضطر إلى الاشتراك بجريدة غير جريدتك ورابع يقول له العكس ويريده على أن يكثر من مؤازريه في المسائل السياسية والابتعاد عن سفاف أخبار المدينة. ومنهم من يقول لماذا لا تكثر من نشر الشعر فمتى عزمت عَلَى النشر فأنا أقدم لك قطعاً من شعري ومنهم من ينتقد نشر الجريدة للنمر الرابحة في اليانصيب ويوعز إلى صاحبها أن يستعيض عنها يوم لا شيء له يملأ به فراغه بقطعة من رواية يجعلها رفرفاً للجريدة ومنهم من يأمر محرر الجريدة أن يحذف بالمرة صفحة من تلك القصص الغرامية التي لا فائدة منها. وهكذا يدرس الصحافي رأي قرائه من أحكامهم عَلَى مقالاته وأخباره والأنكى من ذلك أن بعضهم يوجهون هذا النقد إلى مديري الجرائد وأصحابها وهؤلاء يعتقدون أن أقل نقد يوجه إلى جريدتهم يوقف رواجها وربما يقصر حبل أجلها ويقضي عَلَى الصحافي إذ ذاك أن يفهم صاحب الجريدة وهناك المصيبة لأنه يكون في الأكثر من رجال المال فقط ولا يهمه سواه. ولا تنتهي آلام الصحافي بخروجه من غرفة التحرير بل أنه إذا دخل محل قهوة ليستريح لا يلبث أن يراه بعض من يعرفونه فيحومون حوله معتقدين أن الفرصة قد حانت لنصحه ويأخذون في نقد العدد الصادر ذاك النهار فإذا لم يسلم لهم بانتقادهم يزيد إلى أعدائه أعداءً. وبعد فإن الأرض لا يحرثها إلا الفلاح والجنود لا يقودها إلا ضابط والشعور لا يقصها ويزينها إلا الحلاق ولكن الجريدة يعرف كل الناس أن تكتبها وتنتقدها. نعم الجريدة يحسن تحريرها كل طالب في مدرسة وكل فتى شاب وكل قاعد في قهوة وكل معجب برأيه سخيف في عقله إلا الصحافي فكأن كل القراء يخلقون والقلم وراءَ آذانهم. وهناك شؤون من مؤلمات الصحافي تعوق القرائح عن جريها وأعني بذلك إذا اخطأ ذات يوم وحمل عَلََى أحدهم فعندما تقام عليه القضية حتى إذا عاد بغضب الله عليه ويسجن فلا يرثى له أحد. وللصحافة حسنات ولكنها قليلة جداً وذلك إن اعتقاد الصحافي يكون في الأكثر أن يخدم الحضارة ويعد العقول ولكنه كثيراً ما يضطر أن يكتب غير ما يعتقد بحسب الحال ومع أن راتبه قليل ولا يجد في الجرائد إلا عدداً قليلاً تدفع رواتب حسنة للصحافي فالقسم الأعظم منها يدفع في السنة لرئيس التحرير من ٢٤٠٠ فرنك إلى ٦٠٠٠ فرنك ومن الجرائد ما يستغني عن المحررين ومع كل هذا فإن الصحافة مرغوب فيها كثيراً بما حوت من الظواهر والمظاهر ولأن كل من خانهم الحظ فلم يقدروا أن يعتاشوا في صناعة أخرى يرون من أنفسهم الكفاءة لإنشاء الجرائد اهـ . الحصاد في العالم في شهر كانون الثاني يبدأ الحصاد في معظم مقاطعات اوستراليا ويشرع بنقل الغلات الجديدة في البحار كما يبدأ بالحصاد في الشهر في كل من زيلندا الجديدة وشيلي وبعض أقطار أمريكا الجنوبية. ويبدأ الحصاد في شهر شباط في مصر والهند ويبقى إلى أواخر آذار وفي نيسان يبتدأ بالحصاد في سورية وقبرص وعَلَى شواطئ مصر وكوبا والمكسيك وإيران وآسيا الصغرى وفي أيار تحصد الغلات في آسيا الوسطى وإيران وآسيا الصغرى والجزائر وسورية ومركش وتكساس وفلوريدا والصين واليابان وفي حزيران تحصد الغلات في كليفورنيا واريغون والولايات الجنوبية من أمريكا الشمالية واسبانيا والبرتغال وايطاليا والمجر والروم ايلي وروسيا الجنوبية وممالك الطونة وجنوبي فرنسا واليونان وصقلية وكانتوكي وكانساس وكولورادو وغيرها. وفي شهر تموز يشرع في العادة بالحصاد في ولايات الجنوب الشرقي والوسطى من انكلترا ويدوم في اوريغون ونبراسكا ومينوستا وايوا وايلينوا وانديانا ومشيغان واوهيو وانكلترا الجديدة ونيويورك وفرجينيا وكندا العليا وفرنسا وألمانيا والنمسا وايطاليا وسويسرا والمجر وبولونيا ويدوم الحصاد في شهر آب في بريطانيا وفرنسا وألمانيا والبلجيك وهولاندة ومانيتوبا وكندا السفلى وألمانيا وبولونيا. وفي أيلول يشرع بالحصاد في ايكوسيا من بلاد الانكليز وأمريكا والسويد وشمالي روسيا وبعض فرنسا أيضاً وفي تشرين الأول يحصدون الحنطة والقرطمان في ايكوسيا والذرة في أمريكا وفي تشرين الثاني يشرعون بالحصاد في جنوبي افريقية بلاد الراس وغيرها وبيرو وشمالي اوستراليا وفي كانون الأول يشرع بالحصاد في ولايات لابلاتا وشيلي واوستراليا الجنوبية. تقويم الهواء إذا رأيت الكواكب في الصيف تتلألأ وهي كثيرة فهي إشارة إلى صفاء الجو وفي الشتاء علامة عَلَى البرد. فإذا فقدت لمعانها بدون أن تظهر السماء غائمة فذلك إشارة إلى المطر. ولمعان ضوء القمر دليل عَلَى الصحو وإذا أحاطت به الهالة البيضاء فدليل المطر. متى سطت الشمس عند الشروق طاردة أمامها الأبخرة البيضاء التي تبدو عند الفجر فذلك إشارة عَلَى أن اليوم مصح ومتى أشرقت الشمس وبدا معها في الأفق ضوء أصفر محاط بالضباب فذلك علامة المطر ومتى غابت وبدا معها لون ذهبي قليل الحمرة والسماء صافية الأديم فذلك إشارة إلى وجود الهواء وإذا اخترقت أشعتها السحاب عند الغروب وبدت في باقات مستطيلة تتماس بعضها مع بعض فذلك إشارة المطر. والسحاب الذي يقرب من الأرض بعد المطر يدل عَلَى الصحو والسحاب الذي يشبه كبب الثلج علامة الهواء في الصيف والثلج في الشتاء والسحاب الغليظ الأسود الذي يبدو في صورة منحدرات وجبال إشارة إلى العواصف والضباب الذي يحدث خلال الصحو ويرتفع تاركاً وراءه سحباً دليل رداءة الهواء ويشعر الهواء الشمالي والشمال الشرقي والشرقي والجنوب الشرقي بصفاء الجو وهواء الشمال الغربي والغربي ولا سيما الجنوب الغربي والجنوبي يؤذن بالمطر. وضباب الصيف الذي يبدو صباحاً يبشر بصحو النهار والضباب الذي يرتفع بدلاً من أن يتساقط ندى يدل أبداً عَلَى المطر والضباب الذي يبدو في الوقت الرديء يدل عَلَى أن الصحو قريب وضباب الخريف مقدمة للجليد الأول ومتى أخذ البط يقفز ذات اليمين وذات الشمال في الصحو صائحاً وغائصاً في الماء وتمرغ الدجاج في التراب وطار السنونو محوماً عَلَى سطح الماء فلك أن تحكم بأن المطر لا يلبث أن يهطل. البقول والأخلاق يعرف الناس التأثير المضر الذي ينشأ من الإكثار من القتاء. والبصل ما زال منذ بدء العالم يبعث متناوله عَلَى الشفقة ومن يأكلونه فجاً تجد دمعتهم قريبة من مآقيهم والجزر يقوي في الطفل غريزة السلب والكراث يدمث الخلق ويكثر في متناوله الصبر ويجعله كفؤاً للعمل في الزراعة والفجل الأسود يولد السويداء وعَلَى نحاف الأجسام أن يتوقوا تناول البطاطا لأنها سلُّ الهزالى. ومن أراد تقوية عقله فعليه أن يتناول الثوم. ومن أحب السبانخ يتطال إلى المناصب العالية. ومن أكثر من العدس قوي فيه الميل إلى البحث المجهري والأرز يكثر منه البحارة والجرجير يمنع القرعة أما اللوبيا البيضاء فقد قال زولا أنها نافعة لمن يطيرون في المناطيد. جمال الأصقاع جمال كل صقع اليوم مورد ثروة لأهله. عرف السويسريون هذه الحقيقة وقدروا ما خصت يد الصانع بلادهم به من بهيج المناظر وجيد الماء والهواء فتوفروا عَلَى تهيئة أسباب الراحة في جبالهم وأوديتهم وسهولهم وبحيراتهم وأنهارهم فقد كان سكان سويسرا سنة ١٨٨٩ : ٢ ، ٩٣٣ ، ٣٠٠ وكان يلحق الفرد منهم من الثروة ٧٢ فرنكاً ونصف ومابرح عدد السائحين الذين يأتون يزيد حتى بلغ عدد من زاروها سنة ١٨٩٩ مليونين ونصفاً وعدل ما تركه كل واحد منهم من الربح ٩٨ فرنكاً فارتفعت ثروة كل فرد أواخر سنة ١٨٩٩ إلى ١٥٢ فرنكاً ونصف. وهكذا بعد أن كانت هذه البلاد من أفقر بلاد العالم أصبحت من أغناها لأنها من أجملها. ثم أن لسويسرا من معاملها مورد ثروة آخر فقد بان بالإحصاء أنها تخرج كل سنة ٩١٧ مليون فرنك من مصنوعاتها عَلَى أن جمال أقاليمها هو أهم مورد لغناها. ولذلك تراها تنشيءُ كل يوم العمارات الجديدة التي تستوفي فيها شروط الراحة والرفاهية فلا يلبث المال الذي يدخل تلك الفنادق أن يتسرب إلى جيوب الفلاحين في أصغر قرية. وفي الفنادق السويسرية من أنواع البذخ ومعدات الحضارة مالا تكاد تجد مثله في نيس ومونتيكارلو وقد كان عدد أعضاء جمعية أرباب الفنادق السويسرية سنة ١٩٠٠ ٨٢٨ عضواً ولها ٦٥ ، ٢٢٠ سريراً للسياح وتصدر باسمها جرائد وتنشر صور بلاد سويسرا الجميلة عَلَى جدران العالم المتمدن وتفرق بالألوان كتباً تدل السائح عَلَى ما في سويسرا من مظاهر الراحة والظرف والصحة. ولو أحذت سورية هذا المثال لما أتت بضع سنين إلا وهي من أغنى أقطار الأرض. تقويم العيد السنة عند الصينيين ٣٦٠ يوماً تنقسم إلى أثني عشر شهراً وينقسم اليوم إلى ٩٦ جزءاً والأعياد كثيرة عندهم وأكثرها أعياد الطبيعة والدين ففي شهر كانون الثاني عيد العذراء الصينية وفي أيار عيد حامية العميان. والعمى من أعظم أمراض مملكة ابن السماءِ. وفي شهر أيلول عيد الحصاد وعيد الزراعة وعيد الرعد وفي كانون الأول عيد ولادة فيلسوفهم كونفوشيوس وعيد الهم بوذا. عمر الإنسان يقول أحد علماء الألمان أنك إذا فرضت مالك في الحياة فجعلته ٨٦ سنة وقسمت الباقي عَلَى اثنين يكون الحاصل ما بقي لك من سني الحياة. ويقول عالم بلجيكي أن خمسة في كل واحد يعيشون وفي سن الخامسة ١١٩ من الألف وفي العاشرة يبلغون ٥١٢ وفي الخامسة عشرة ٣٤٧ وفي العشرين ٢٠٧ وفي الخامسة والعشرين ١٥٦ وفي الثلاثين ١٢٩ وفي الخامسة والثلاثين ٩٧ وفي الأربعين ٧٨ ويقول أن كل ألف رجل عمر الواحد منهم ستون ٥٥٩ يعمرون السبعين و ١٢٠ يبلغون الثمانين و ١٧ إلى التسعين وأربعة فقط يبلغون سن المئة من كل ألف شخص عمر الواحد منهم تسعون. مدارس الصناع لكل صناعة في الغرب مدرسة خاصة بها فعدد تلامذة المدارس الصناعية في فرنسا ٢٢ ألفاً ومثل هذا القدر عدد تلامذة المدارس الصناعية أيضاً في الدانيمرك وأهلها مليونان ونصف في حين أن أهل فرنسا نحو أربعين مليوناً وفي الدنيمرك ١٢١ مدرسة صناعية و ٥٧ مدرسة تجارية وعدد تلامذة مدارس الصناعات والتجارة في ألمانيا ٣٢٩ ، ٦٥٦ تلميذاً تصرف عليهم في السنة ثلاثين مليون فرنك ما عدا الإعانات الأدبية والمادية التي لا تزال تنهال عليها وكان عدد تلامذة المدارس التجارية في بروسيا فقط سنة ١٩٠٣ ثلاثين ألفاً وهذه المدارس إجبارية. ولسويسرا مدارس مدارس كثيرة للصناعات المختلفة ومدارس زوريخ وجنيف يضرب بها المثل بكثرتها وإتقانها ولليابان ٣٨ مدرسة للصناعة فيها أربعة آلاف طالب وفي مدارسها الزراعية ٦٢ ألف طالب وفي مدارسها التجارية ١٣ ألف طالب ومدارس المعامل خاصة بصنع الزهور الصناعية والتطريز وليس من تلميذ في المدارس الصناعية في السابعة من عمره إلا وهو يعرف بصور زهرة أو حشرة أو غصناً ولا عجب من ثم إذا زادت تجارة يابان زيادة كبرى فكانت تجارتها الخارجية سنة ١٨٩٧ ٩٨٦ ملون فرنك فأصبحت سنة ١٩٠٦ مليارين و ١٩٥ مليون فرنك. التكاليف أو الضرائب قالت مجلة الاقتصاديين الفرنسوية ما ملخصه: من القواعد الاقتصادية المعروفة أن يكون أبناء الوطن الواحد سواءً في تحمل الضرائب شركاء في الغرم كما هم شركاء في الغنم وأن الضرائب يجب أن تفرض بحيث لا تقف حاجزاً دون حرية التجارة والضرائب مخصصة للخدم العامة في الأمة. كانت البضائع ولا سيما الغلات إذا أريد نقلها في أوربا منذ قرن وربع من إقليم إلى إقليم تراقب أنواع المراقبة وتؤخذ من أصحابها عدة رسوم ولكن رجال الاقتصاد تغلبوا عَلَى رجال السياسة وأبطلوا بالتدريج في أوقات مختلفة هذه العراقيل في التجارة علماً منهم بأن التجارة ليست سرقة كما يقول بعضهم بل هي مقايضة عن تراضٍ بين البائع والشاري ولأن التضامن الذي كان أول من قال به آدم سميث شيخ الاقتصاديين هو صورة من صور تقسيم الأعمال يستلزم الاخصاء في الكفاءات والتنويع في الحاجات فإذا ساءت مثلاً زراعة القطن في الولايات المتحدة تقف في الحال معامل لانكشير في انكلترا. إبان الاقتصاديون منزلة قاعدة العرض والطلب من عالم المعاملات لأنها ميزان المقايضات بين الأمم وهي من الضروريات التي لا تستغني عنها دولة. قال كسني من الاقتصاديين أن تجار غيرنا من الأمم هم كتجارنا أبناء وطننا فدل بهذا القول عَلَى فائدة المنافسة التجارية وأشار إلى التشبث بها ما أمكن والمنافسة اليوم من أعظم العوامل الأدبية في المدنية الغربية. وأن الخطر العظيم الذي ينالها هو الاستعاضة عن المنافسة الاقتصادية بالمنافسة السياسية. لا جرم أن الاقتصاديين ترددوا بشأن أجرة العامل ولكنهم توصلوا إلى أن فرض الأجور هو عبارة عن وفاق للمقايضة وأن الأجرة لا تؤدي عن العمل بل في مقابل ما تنتجه وينشأ من أثرها وأن صاحب العمل يؤدي للعامل سلفة من أجرته وأن المتبايعين هم الذين يؤدون أجور العملة كما يؤدون الضرائب والمكوس والمبتاعون هم الناس أجمعون. أما الاختلاف بين رأس المال والعمل فليس في الحقيقة إلا اختلافاً بين المنفق الذي يهمه أن يرى أسعار الأسواق متدنية ما أمكن وبين العامل الذي يقبض أجرته ويرمي برفع الأجور وتنقيص ساعات العمل إلى زيادة قيمة ما يعود عليه. ولم يفتأ الاقتصاديون يحاربون كل من يقصدون إحداث قيم مصنعة بما يدبرونه من الوسائط السياسية والإدارية والشرعية أو يعمدون إلى استعمال الشدة والقسوة في انفاذ ما يريدون سواءٌ كان بوضع الضرائب أو الاعتصابات أو برفع سعر الفائدة في الافتراض أو برفع سعر السلعة الفلانية أو قيمة الشيء الفلاني ثم زيادة سعر الحنطة بوضع رسوم الجمارك عليها وخفض قيمة الخبز إلى أقل من سعر الحنطة مادته الأولية بوضع رسوم البلدية عليه. إن الإحسان والرفق بالضعفاء يزيدان في شقاء البائسين ويكثران من عدد المحاويج والمعوزين. فالاقتصاديون يوجدون الأسباب للقضاء عَلَى الشقاء من أصله بدلاً من أن يعمدوا إلى صوغ جمل محزنة مبكية كما يفعل من يجمعون الصدقات ليستدروا بأعمالهم أموال المحسنين ولذلك يوصف الاقتصاديون بكزازة الأيدي وأولئك المحسنون بسباطتها. حارب الاقتصاديون الامتيازات في كل مكان واثبتوا ما يحق لكل عامل أن يتناوله من عمله ورسموا له جزاءً يساوي أتعابه ولقد ابان آدم سميث كيف أن من يبحثون عن منفعتهم الخاصة يضمنون النجاح العام. ولا يستطيع مالك رأس المال أن ينتفع به إلا بأحد وجهين إما ان يستعمله في أمور تأتي بربح أو أن يقرضه لأناس يستخرجون منه أرباحاً يعطون لقاءها فائدة ولا يأتي رأس المال بربح إلا عَلَى شرط أن يلقى به للاستثمار أو أن يصرف في سد حاجة ويدفع عنها ما يقابلها وأجرة رأس المال هي في الحقيقة مقياس الانتفاع من استخدامه. قال الاقتصاديون: أن عَلَى المرءِ تبعة عمله فلا تعتبر الحكومات أداة بسيطة وآلة صماء فالرق والعبودية ممنوعة وحرية العمل أشرف من الاستعباد فيه وإن العامل إذا عمل مدفوعاً بعامل الربح يعمل أكثر مما إذا عمل مكرهاً وأثبتوا أن لا شيءَ بلا مقابل ولكل عمل ثمن وأجرة. وإن المسائل الاقتصادية تتجلى بالربح والخسارة وهناك العيار الذي قلما يختلف مما ليس لغيرها من المسائل. فالافراد يعملون ويقتصدون لأن الحكومات لا تخضع لناموس الربح والخسارة بل تنفق جزافاً وتسرف إسرافاً. ورجال الحكومات والبلديات في العالم يقدرون فائدة أعمالهم ببعض الآراء الوطنية والسياسية والدينية والصحية والإدارية والشخصية فقد كان الناس في القديم عندما كانوا ينهكون بوضع الضرائب يتعزون بأن ما يؤخذ منهم يعود عليهم حتى قال فولتير في القاموس الفلسفي أن ملك انكلترا يأخذ كل سنة مليون ليرة انكليزية وهذا المليون يعود برمته بإنفاقه له عَلَى أمتهلإبن خلدون في المقدمة في ان نقص العطاءِ من السلطان نقص في الجباية كلام يشبه كلام فولتير فراجعه ولكن الاقتصاديين ردوا هذه الأوهام وقالوا أن الخراج يستولي عَلَى كل شيء من الدخل والخرج والوفر ولرؤوس أموال أرباب الأملاك والمباشرين للأعمال الكبرى والعامل وأن هاته الطبقات لو توفر لها ما تقاضته منهم الدولة لتنفقه عَلَى الموظفين والجند لكانوا هم أيضاً أنفقوه ولتيسر لهم أن يقتصدوا منه جانباً ينفقونه في تحسين أراضيهم وأعمالهم وربما كان للعامل من هذا الوفر رأس مال له ولا يزال إلى اليوم أناس ممن يزعمون أنهم عَلَى شيءٍ من العلم والتجارب يقولون في الأعمال الغير المثمرة وماذا يضر ذلك ما دام المال ينتقل من يد إلى أخرى. يقولون هذا وهم لا يدركون أن الأموال التي تصرف في أعمال عامة لا فائدة منها مثل الطرق البحرية بل هي ملقاة في المياه وضائعة ضياعاً لايرجى معه رجعة وأن الإسراف في هذا المال يقلل من رؤوس الأموال الموجودة كما يقللها الحريق والغريق. يقتصد الاقتصاديون من مال الحكومة لأن مالها هو مال المكلفين. قالوا أن الخراج والجباية الباهظة تقضي عَلَى نشاط العاملين. فالعثماني لا يعمل متى علم أن الباشا سيسلبه ما ظهر من أرباحه. الخراج لم يغن قط أمة وإن أحسن الكرم الذي تعطف به حكومة عَلَى محكومين أن تتناول من المكلفين أقل ما يمكنها من الجباية والوزائع. والمكلفون هم العالم أجمع. ولذلك قال كبار الاقتصاديين أن الحكومة في اسبانيا هي الجرح النغار في جسم البلاد. قال الاقتصادي شارل دونويه أن الحكومة هي المغنية في الحقيقة ونفس الأمر. وليس معنى هذا أنها هي التي تصنع المصنوعات بل لأنها تحمي الصانع في صناعته وتزيد في تأمينه وراحته فإذا حصلت أرباحه وقدرتها عَلَى ما يجب من الاعتدال يقوم غيره من أرباب الاقتدار ويجمعون رؤوس أموال ويحسنون الزراعة. فإغناء الحكومة هو توزيعها الثروة في الناس عَلَى نصاب العدل وذلك لأن الحكومة كما قال المشار إليه إذا ارتفعت حمايتها ولم تمد جناح أمنها عَلَى ما يجب تفقد الثروات قيمتها الحقيقية وتنقطع القوى المنتجة عن الإنتاج وتصاب بالانحلال والخمول وعَلَى العكس إذا نشرت الأمن فإنها تزيد قيم جميع الخيرات وتزيد جماع القوى نشاطاً ومضاءً وإخصاباً وكلما ارتقى الأمن والثقة يزيد النجاح وكلما زاد النجاح يزيد الناس رغبة في رفع أعلام الأمن ويرون الحاجة أكثر ما تكون مساساً إليه. فالحاجة إلى الراحة أعظم من الحاجة إلى نشر كلمة المدنية ورفع شأنها والناس يتقاضون عدلاً سريعاً خالصاً تراعى فيه الحرية مع التشدد في المحافظة عَلَى النظام والراحة حتى لا ينغص أحد في استعمال قواه وما تملك يداه والواجب أن تكون هذه الراحة باقية عامة وأن لا يكدر من يصرفون قواهم ورؤوس أموالهم في المشاريع في مقايضتهم وأعمالهم مثال ذلك أن ألمانيا تضرب الضرائب عَلَى القمح واللحم لتغري بذلك كبار أرباب الأملاك وتوطد أقدام الفلاحين في قراهم. فتأخذ منهم جنداً قوياً تقابل به الجند الذي تدعوه إلى حمل السلاح من فستفاليا وولاية رين وهم أهل صناعة يدفعون لها الضرائب التي تعدل بها القوى في الانتخابات. والحكومة المجرية تريد أن نشئ صناعات لتهيء عملاً لمن لا عمل له من الفلاحين الذين يتكاثر عددهم اليوم بعد اليوم لتحول بذلك دونهم ودون الهجرة. والاقتصاديون يبحثون عن عامة الوسائط التي يراد بها معاونة العلم على نجاحه والصناعة عَلَى الترقي وللزيادة في تنقل الناس والبضائع والأموال قائلين أن صاحب رأس المال يحتاج إلى أمرين الحرية ليستخدم رأس ماله فيما يعود عليه بفائدة أكثر وللأمن لينال ثمرة رأس ماله فإذا أخطأ الحرية يضطر في الغالب أن يضع رأس ماله في أعمال قليلة الربح وربما يؤدي به ذلك إلى الخراب وإذا أعوزه الأمن يبحث لا عن الموارد النافعة له أي عن أنفعها له ولغيره بل ينقل رأس ماله إلى مكان آخر أو لا يستعمله إلا في أمور محدودة. علائم الموت فقدان العقل والشعور والإحساس في الجلد ووقوف التنفس والدم وغؤور العينين هي العلائم التي تثبت الموت ولكن هذه الإشارات قد تخطئ. وقد أبان أحدهم مؤخراً طريقة لمعرفة الميت ممن لم يزل فيه نسيس من الحياة لا ينتظر معها تفسخ الجثة حتى يتحقق ذهاب الروح منها وهي أن يجعل المائت في هواء غير متحرك ويوجه أحد أعضائه إلى الأرض ويرسل عليه نار تمس طرف الجلد مساً خفيفاً فتنفخ الجلد بعد ثوان انتفاخاً يسمع صوته ويكشط هذا الانتفاخ مكاناً من الجلد كالقرش وتنقبض بقايا البشرة المكشوطة حوالي المكان المحروق ولكن بدون سائل. وإذا جرب ذلك في شخص حي تحدث في بشرته بثرة ذات مادة مائية لا بثرة غازية كما في شخص ميت وعليه فإن البثرة الغازية لا تنشأ إلا بعد وقوف مجرى الدم وبذلك يتحقق موت الشخص. أفضل الغذاء من المسائل الصعبة اختيار أفضل الغذاء فقد قال علماء الفرنجة أن لحم الخنزير إذا أكثر منه الإنسان تسود الدنيا في عينيه وعَلَى العكس في مستعمل لحم البقر فإنه يورثه قوة ونشاط. والظاهر عَلَى ما قالوا أن لحم الخروف أشبه بلحم الخنزير أما لحم العجل فمن خواصه أن يسلبك القليل من النشاط الذي فيك. والزبدة واللبن الحليب تجود بتناولها صحة النساء. ومتى أكثرنا من تناول الزبدة تورثنا كسلاً وعَلَى رجال الأدب وأرباب الأقلام والصناعات النفيسة وكل من يصرفون من دقائق الدماغ كثيراً أن يكثروا من تناول التفاح وأن يجتنبوا البطاطا فإنها كالزبدة تورثهم الكسل. ومن الغريب أن لحم الحمام هو أتعب اللحوم للمعدة والجسم حتى أن أحد الانكليز تراهن مع أحدهم عَلَى أن يتناول لحم الحمام ثلاثين يوماً فلم تمض عشرة أيام حتى عراه العياء وطلب أن يطعم شيئاً من المرق. النوام تقول مجلة المطالعات البيتية أن مرض النوم أو النوام الذي اكتشفه العلماء عند بعض الشعوب في أواسط افريقية ليس من الأمراض الحديثة إذا نظرنا إلى الحوادث المشابهة له التي أوردها قدماء المؤلفين فقد نص علينا بلينوس القديم أن الفتى ايبمنيدس نام ذات يوم في كهف سبعاً وخمسين سنة بدون أن يستيقظ وأنه بعد أن انتبه من نومه عاش إلى سن المئة والخامسة والسبعين. وليس بلينوس هو الوحيد في بابه فهناك السبعة نيام في افسيس أصحاب الكهف الذين لم ينجوا من الموت خلال الاضطهادات التي وقعت عَلَى المسيحيين بأمر دسيوس إلا باعتصابهم في مغاور ناموا فيها ١٩٦ سنة عَلَى ما يؤكدون. وهذا النوم أشبه بداءِ النقطة ولكنه لا يشبه النوام الذي تكلم عنه سوانينوس من فيرون في كتابه وصف بلاد المسكوب قال أنه يوجد شعب يسكن لوكوموريكو وهي ناحية واقعة فيما وراء بلاد السارماتيين فيظهرون أنهم ماتوا منذ اليوم السابع والعشرين من شهر تشرين الأول كالضفادع لشدة البرد القارس في بلادهم وفي اليوم الرابع والعشرين من شهر نيسان يستيقظون وتعود إليهم حياتهم ولسكان هذه البلاد صلات مع الأمم المجاورة وهم يدخرون عندما يقرب نومهم السنوي مؤونتهم من الطعام فيأتي جيرانهم عند ذاك يبحثون عنهم تاركين بضائع وميرة عَلَى سبيل المقايضة بثمن متساوٍ ومتى عادت إلى اللوكوموزيكيين حياتهم يطالبون بحقوقهم إذا لم يجدوا المقايضة متناسبة وتثور بينهم خصومات ربما أدت إلى حروب بين هاته الشعوب المسكويية. وما ندري إذا كان هذا الشعب لم يوجد له أثر إلا في مخيلة الكاتب الإيطالي أو أنه اختلطوا عليه مع اليرابيع التي ترقد في الشتاء. رماد الإنسان يقول الأميركان أن المرء يبلغ غاية الصحة في سن الأربعين ويقدرون ثمن الرجل الشجاع الذكي العامل بألفي ليرة أما الكيماويون فيقدرون أن ثلثي جسم الإنسان مؤلف من ماء ممزوج بسموم فنطفتنا تساوي ألوفاً من بيض الدجاج والهيدروجين الذي فينا يكفي لنفخ منطاد غير قليل وإذا أضيف إليه الكربون يتأتى أن يضاءَ به شارع طوله خمسمائة متر طوال الليل ففي أحشائنا ما يساوي ١٩ فرنكاً من غاز الاستصباح وفي هذا الكربون مادة كبيرة للتصوير يستخرج منها ٧٨٠ دزينة من جيد أقلام الرصاص فإذا قطعت رجل إنسان يستطيع أن يستخرج منها مادة قلم الرصاص تكفيه لكتابته ما دام حياً. وفي الإنسان مادة فوسفورية تكفي لبل ٨٢٠ ألف من الثقاب أي عود الكبريت وفيه من المواد الدهنية ما يكفي لعمل عشر دزينات من الشمع الجيد اللهم إذا استخدمناها لعمل الحساء وهذا يتأتى لنا تمليحه بالملح الذي تحويه أنسجتنا وهو نحو عشرين ملعقة. ضمان الأغلاط في الغرب شركات لضمان العقارات من الحريق وضمان الأسرات من موت أبيها وضمان الغلات من البرد وضمان السفن من الأنواء وضمان الأجسام من العوارض وها قد أسس الألمان اليوم شركة لضمان الإنسان من غلط يرتكبه موظفو البرق في كلمة أو كلمات تؤدي إلى تحريف الرسائل البرقية تضرر بذلك صاحبها أو لم يتضرر. الأجراس أعظم أجراس الكنائس في العالم جرس كنيسة الثالوث في موسكو وزنه ٦٧٠٨٣ كيلو غراماً وجرس بلدة موسكو ٦٥ ألف كيلو غرام والجرس الإمبراطوري في كولونيا زنته ٢٨ ألف وجرس السفوايارد في باريز وزنه ١٦٨٨٨ وجرس عمانويل في كنيسة نوتردام في باريز ١٢٠٠٠ وجرس سيدة الحماية في مرسيليا ٨٠٤٤ وجرس كليمان في جنيف وهو من الفضة وزنه ٢٠٧٠ كيلوغراماً. العدد المشؤم يتشاءم عامة الإفرنج من العدد ١٣ وهذا التشاؤم كان قبل الميلاد عنوان الموت فكان العدد ١٣ في ورق اللعب الذي يستعمله أهل بوهيميا للتنبوء عن المستقبل عبارة عن هيكل عظام مسلح بمنجل ولهذا الرمز أثر عند بعض اليهود فلا يلفظ به عامتهم ويسمح لكبار حاخاماتهم أن يذكروه مرة في السنة. والعدد ١٣ هو العدد المقدس عند أهل المكسيك وقبائل يوكاتان إذ كان في بلادهم ثلاث عشرة حية تعبد وتمجد. وللعدد المذكور شأن في الأساطير النروجية وغيرها. نبات يضيء كل يوم يكتشف علماء النبات خواص لم تكن معروفة لبعض النباتات فبالامس اكتشفوا نباتاً يتغذى باللحوم ونباتاً يطير كالمنطاد والطيارة الهوائية واليوم اكتشفوا في برازيل في مقاطعة سان جواكيم من أعمال ولاية سان باولو نباتاً يضيء كالكهرباء أو كمصابيح الغاز والبترول والشموع ويسميه أهل تلك البلاد نبات الأوربية ويتنافسون فيه فيجعلونه في أصاصي وأواني ويزينون به القصور فيظل أياما يبعث نوراً يكفي لأن يطالع المطالع به جريدة وكتاباً. قالوا أنه من فصيلة النباتات التي لا زهر لها وإن كان لا يشبه الفطر. غابة عظيمة في شاطئ العاج إحدى مستعمرات فرنسا في افريقية غابة مساحتها ١٢٥ ألف كيلومتر مربع لم تمسها يد بشر وفيها من أنواع الحراج والنبات من ١٥٠٠ إلى ٢٠٠٠ نوع منها خمسون نوعاً يبلغ علو شجرها خمسين متراً وجذعها من متر إلى مترين ونصف وعدد الأشجار التي يبلغ طولها من ٢٥ إلى ٤٠ متراً من ١٥٠ إلى ٢٠٠ وهناك من أنواع الأشجار أغربها وفي ظلالها من النباتات أدهشها ومن جملتها المطاط والنخيل الذي يستخرج منه الزيت.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_45.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.45.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
