<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.43.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.43.TEIP5:</urn>
<passage>غرائب الغرب الرحيل من دمشق إلى لبنان ١ كان من أعظم أماني النفس منذ بضع سنين أن أرحل إلى أوربا رحلة علمية أقضي فيها ردحاً من الدهر للتوفر عَلَى دراسة حضارة الغرب في منبعثها واستطلاع طلع المعاهد التي نشأ المخترعون والمكتشفون والفلاسفة المنزهون والعلماء العاملون والساسة المستعمرون والقادة الغازون والتجار والصناع والزراع والماليون وهم على التحقيق مادة تلك المدنية وهيولاها. وكانت الأحوال تعوق هذا القصد عن إتمامه وتحول دون البغية المنشودة إلى أن قدر الله فأقام والي سورية السابق تلك القضية الملفقة على جريدة المقتبس واحتال انتقاماً لنفسه لأقفال المطبعة وتوقيف الجريدة والمجلة قبل صدور حكم المحكمة عليَّ فقلت الآن حان وقت الرحلة في طلب العلم نتفرغ لتحقيق ما في الخاطر ريثما يتبين الحق من الباطل من العاطل وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم. في الهزيع الأخير من ليل الثلاثين من رمضان ١٣٢٧ ركبت من دمشق عربة مع صديقين عزيزين قاصدين قرية القابون وفي ظاهرها وقفنا لحظات إلى أن وصلت فرسي ووصل صديقٌ لي راكباً فرسه فركبنا وعاد ذانك الحبيبان إلى المدينة. وكان بدأ في تلك الساعة الإشراق في الأفق والسكون لم يبرح مستحوذاً على الأرباض والرياض ولم نكن نسمع من بعيد غير قعقعة أجراس الطحانين والمكارين وصياح الديكة أو عواء الكلاب وما كدت أعلو متن مطيتي حتى ترامى إلى مسمعي صوت مؤذن القابون ينادي هلموا إلى طاعة الله يرحمنا ويرحمكم الله فقلت كلمة حق لو جرى العمل بالطاعة وما يلزم لها لرحموا ولكنها جمل جميلة تقال ومعان شريفة لا يعمل بها وعادات ألفت بمعزل فيها من الأسرار النافعة في صلاح المعاش والمعاد. التفت إلى الغوطة الدمشقية التفاتة أخيرة وهي أحب بقعة إلى قلبي في الأرض وقد كثر في أفقها شفق الفجر فذكرت طرفاً من أيامها البيض والسود. ذكرت الغوطة المحبوبة وذكرت مطامع البشر وانحطاط أخلاقهم وعقولهم فقاد ذلك إلى التفكر في شقاء الإنسان بالإنسان وموت بعض لحياة كلّ وافتقار مئات لإغناء أفراد وشقاء ربوات لسعادة عشرات وتعب فريق لراحة أمة فتمثل لي عجيب صنع المولى في خلقه سبحانه لا يبقى العالم عَلَى حال هو المعز المذل القابض الباسط المغني المفقر يقلب الأرض ومن عليها ولا يرثها إلا عباده الصالحون. سارت بنا مطيتانا فاجتزنا قرية برزة ومعربا ولم تشرق الشمس إلا وقد قطعنا أراضي معربا وأشرفنا على أكماتها فالتفتنا إلى ما وراءها وقد تحلت لنا بعض بقاع الغوطة والمرج من خلف الجبال فألقينا عليها نظرة الوداع وأغذذنا السير إلى بسيمة ومنها إلى دير مقرن فكفير الزيت فدير قانون فكفر العواميد وفي هذه القرية بتنا ليلة عيد الفطر. ولم أشهد هذا الوادي وكنت مررت به راكباً منذ ستة عشر عاماً شيئاً من التغير والإرتقاء المحسوس فالفلاح فيه لا يزال ينتظر موسم الفاكهة إن سلمت أشجاره من لفحات الجليد يرتاش تلك السنة ويعتاش برمانه وجوزه وتفاحه وكمثراه وتينه وعنبه وإلا فيضطر في الأكثر إلى الاستدانة عَلَى الموسم المقبل وإن كان على شيء من القوة والجلد يرحل إلى بعض الكور المجاورة كقرى وادي العجم أو الغوطة يعمل فيها أشهر الصيف ليأتي في الشتاء بمؤونة تكفيه من الحنطة في كنه وكانونه. نوذلك لأن هذا الوادي منذ قرية دمر حتى سوق وادي بردى لا يغل من الحبوب ما يسد عوز سكانه بعض السنة لغلبة اليبوسة على جروده وجباله ولأن أكثر تربته صخرية تحتاج للعمل الكثير على الطرق الزراعية الحديثة لتأتي أكلها. أما الأشجار وبعض الخضر والبقول التي ينتفع بها الفلاح هنا فالفضل لنهر بردى في إروائها يأخذ من مائه في مجار يعليها بقدر حاجته أو أكثر. ولقد أخذت أثمان الفواكه تأتي بأرباح أكثر من السنين السابقة خصوصاً منذ استثمار السكك الحديدية في سورية كسكة بيروت — دمشق — حوران وسكة دمشق — حيفا — المدينة وسكة دمشق — حلب — بيره جك البيرة فأصبحت ثمارهم تصدر إلى الجهات القاصية وكانوا يقدمون أكثرها في سني الخير علفاً للدواب أو يلقونها في الطريق لأن العطلة في نقلها من محلها إلى دمشق أو بيروت مثلاً على الدواب لا تقوم بأجرة المكار ودابته. نعم لم أر ارتقاء محسوساً في حالة فلاح وادي بردى وأني يتم له ارتقاء وليس له طريق يسلك غير ما حفرته أقدام المارة وحوافر الدواب والماشية وجرفته السيول والرياح منذ قرون. فالطرق المعبَّدة المطروقة لا أثر لها في هذا الوادي ولعل ذلك ناشيء من كونه حديث عهد بالحكومة المنظمة فقد كانت معظم قراه من قبل تابعة لأقضية بعيدة أما الآن بعد أن غدا من مركز قضاء الزبداني على بضع ساعات فقد بات يرجى بفضل قائم مقامه الغيور أن تنظم لأهل قضاء الزبداني طرق غير طريق السكة الحديدية تصل بين قراهم وبين دمشق حاضرة الولاية ليتيسر للناس الغدو والرواح من أيسر السبل. وما أخال ذلك معتذراً على الحاكم إذا حث أهل كل قرية أن يقوموا بأنفسهم لتمهيد طريقهم أيام انقطاعهم عن العمل كفصل الشتاء مثلاً لما يعرفون من الفوائد التي تنجم لهم عنها أو يعلمونها بواسطة الموظفين الأمناء وإن كانت هذه الطريقة لا تخلو من محظور لأنها تؤدي إلى السخرة والسخرة ممنوعة بنص القانون الأساسي. وتمهيد الطرق وبث الأمن من جملة الفروض العينية عَلَى كل حكومة. وبعد فإنه لا وجود في وادي بردى لسائر المرافق التي يتمتع بها الفلاح في البلاد المتمدنة وذلك لأن الحكومة الاستبدادية الماضية لم يهمها من الفلاح إلا أن تأخذ منه لا أن تهيئ له سبيل الأخذ. فكان قصاراها تكثير الجباية وتوفير الضرائب وأخذ من تريده للخدمة العسكرية أما أمتاع الآهلين بالوسائل الحصية وتعليمهم الطرق الزراعية القريبة المأخذ وفتح سبل الواصلات ورفع علم الأمن وتعليمهم الضروري من القراءة والكتابة فكانت أموراً لا تعرفها لا في وادي بردى فقط بل في جميع أودية البلاد العثمانية وسهولها وجبالها. ومن أغرب ما رأيناه في وادي بردى أن بعض قراها تحفر القبور لموتاها أما الدور فترى حي الأحياء مع حي الأموات وما أدري هل يأتون ذلك بالقصد حرصاً على رفات موتاهم من أن تسطو عليها الوحوش الكاسرة في مدافنها إذا لحدوها بعيدة عن العمران ولو بضع خطوات أو أنهم يؤثرون دفن الموتى أما أعينهم ليذكروا كل شارقة وبارقة مصير الإنسان إلى دار البقاء ويزهدوا في دار الفناء فلا يهتمون بأسباب الهناء والصفاء. ومما عمت به البلوى في الفلاحين أنك ترى القاذورات أيضاً تعمي العيون وتخنق الأنفاس فترى روث البهائم وغائط الآدميين وسط الدور وخلفها وقدامها وعن ايمانها وشمائلها. ولولا بقية من عادة النظافة والتطهر ورثها المسلمون بالتسلسل عن آبائهم وشيء من جودة الهواء في الجملة في القرى لما بقيت باقية لسكان هذا الإقليم ومن حوله. ركبت صبيحة العيد ورفيقي قاصدين سوق وادي بردى ولعلها سميت كذلك لسوق كانت تقام فيما مضى للبيع والشراء على العادة في أسواقنا الباقية حتى الآن فيقال مثلاً سوق الأحد وسوق الجمعة وسوق الخيل وسوق الحمير. ولهذه الأسواق أمثال في أوربا. وبالقرب من السوق تضيق فوهة الوادي وينقطع العمران ليخرج منه إلى منفسح وادي الزبداني. وجبال السوق لا تخلو من نواويس قديمة على نحو ما تجد منها في جبال الشام محفورة في الغالب في القمم والآكام. ومن السوق انتهى بنا نفس السير إلى قرية عيت الفخار من أعمال البقاع العزيز وهي القرية التي اشتهرت منذ عهد بعيد بفخارها الذي تطبخه أكثر بيوتها في تنانير خاصة وتبيعه في المدن الداخلية من أعمال دمشق. وقد شعرنا بتغير المشاهد منذ أطللنا عَلَى عيتا ورأينا بيوت القرميد التي بنيت بالحجر النحيت على المثال الذي نشاهده في أكثر بيوت سورية.وعلمنا أن سبب ما شاهدناه من جمال المساكن في عيتا تلك الأموال التي جلبها بعض سكانها من هجرتهم إلى أميركا وأحبوا حتى من لا تحدثهم أنفسهم بالسكنى ثانية في عيتا أن يظهروا غناهم بإنشاء الدور المنظمة ليصح عليهم المثل العربي أبت الدراهم إلا أن تخرج أعناقها إن الغني طويل الذيل مياس أو الأثر المشهور إن الله يحب أن يرى أثر نعمته على عبده وليس كالبيوت تنم عن يسار وتدل على سعة. وبعد عيتا مررنا بكامد اللوز فجب جنين فلالا فبعلول من وادي البقاع وفي هذه القرية بتنا عند رجل من أهلها أنزلنا عنده وأكرمنا ولم يعرفنا ومع حرصه على معرفتنا اكتفينا من التعريف بالتعريض وفي المعاريض مندوحة عن الكذب. وقد سرت إلى هذه القرية وإلى جميع قرى البقاع عدوى الهجرة وتناول الاغتراب السكان عَلَى اختلاف نحلهم ومن حديث كثير من البقاعيين تبين أن أهل كل قرية في الغالب يؤثرون في بلاد المهجر إقليماً خاصاً لهم ينزلونه أو مملكة يوجهون وجهتهم إليها فيقصد مثلاً أهل قرية كذا ولاية كذا من شمالي أميركا وأهل القرية الفلانية يقصدون جمهوريات الجنوب وآخرون ينزلون كندا وغيرهم اوستراليا وفريق السنيغال فكأن عدوى الانتقال تسري إليهم بالعشرة فلا يحب المواطن إلا أن يقلد مواطنه في مآتيه ومنازعه بل في شقائه وسعادته. وقد اذكرنا هذا بحال العرب في الفتح وبعده فكان القيسيون ينزلون بلد كذا واليمانيون إقليم كذا ثم لما امتدت الفتوحات وفتحوا الأندلس كان جند الشام يختار بقعة غير التي اختارها جند حمص ولذلك كان الجند يدعون كل بلد ينزلونه باسم بلدهم الأول كما يحاول بعض مهاجرة السوريين الآن ذلك في الولايات المتحدة. وفي اليوم الثالث قصدنا مشغرة فمررنا بجسرها المخرب الممتد على نهر الليطاني وانجدنا قاصدين جزين أول حدود لبنان إلى الجنوب. ومشغرة أقصى بلد عامر بالزراعة والصناعة في البقاع الغربي وهي مشهورة إلى الآن بدبغ الجلود للأحذية اشتهار مدينة زحلة أو أكثر والمسافة بين مشغرة من أعمال ولاية سورية وحزين من متصرفية لبنان ثلاث ساعات تعلو قمة عالية ثم تنحدر في واد عميق. ومع أن قضاء البقاع من أعمر أقضية ولاية سورية بزراعته لخصب تربته وتوفر المياه الدافقة عليه من سفوح لبنان الغربي ولبنان الشرقي ومتاخمته لجبل لبنان الذي يحتاج لكل ما تنبته أرض البقاع من الحبوب والثمار ومع كثرة الأعيان الذين يملكون فيه المزارع والأراضي الواسعة ومنهم من أنشأ فيه حقولاً انموذجية حقيقية وصرفوا عليها الأموال الطائلة واستخدموا لها أحدث الطرق الزراعية كالأراضي التي عمرها نجيب بك سرسق في عميق ودير طحنيش وأقامها الآباء اليسوعيون في تعنايل — مع كل هذا العمران المستبحر وما تأخذه النافعة من أموال الآهلين كل سنة باسم الطرق والمعابر لا ترى في القضاء طريقاً مسلوكاً اللهم إلا طريق الشام القديم الذي تركته شركة الديليجانس لما أنشئ خط بيروت الحديدي. وقيل لنا أن الحكومة صح عزمها مؤخراً على إنشاء طريق عجلات بين المعلقة مركز القضاء وبين مشغرة في غربه وأن الطريق وصل أو كاد إلى قرية عيتنيت ولعله جسماً لا أسماً كأكثر الطرق التي أنشأها النافعة في الولايات فكانت لفظاً بلا معنى واسماً بلا مسمى لم ينشأ عنها إلا التعجيل في سلب نعمة الفلاح وخراب بيته باسم العمران وخدمة الأوطان. وصف لبنان الطبيعي ٢ كنت في لبنان أشبه بأبي زيد السروجي أو أبي الفتح الأسكندري احتاج إلى رواية مثل الحارث بن همام أو عيسى بن هشام يروي كلٌ منهما لمثل الحريري أو بديع الزمان تلك المظاهر التي اضطرت إلى الظهور فيها لانجو من مخالب عدو ممازق أو جاسوس مخادع وليتيسر لي درس حالة البلاد بدون حجاب. فقد قيل اكتم ذهابك ومذهبك وذهبك ولكن القاعدة لا يرضاها منك اللبنانيون الأذكياء فتجدهم يحرصون كل الحرص عَلَى استطلاع طلع كل مصطاف بينهم أو سائح في جبالهم والوقوف عَلَى مقصده ومبلغ ثروته والدين الذي يدين به. وربما كان سؤالهم عن الأخير قبل كل شيء لأن عامتهم متدينون جداً فهم يسرون إذا شعروا أنهم يتعارفون إلى رجل يشاكلهم في المعتقد. وأنيَّ لمن قضى عليه شدة إخلاصه في خدمة وطنه ودولته أن يصرح لهم بهويته وهو مشرّد طريد محكوم عليه بالجناية حكماً قره قوشياً! ودعني رفيقي غداة وصلنا إلى جزين وعاد إلى الفيحاء وبقيت وحدي لا ريق لي إلا كتابي وفرسي. فانقلبت لساعتي من جزين قاصداً دير القمر فاجتزت إليها تاتر وعماطور والمختارة وغيرها والطريق بين هذه القرى القديمة عامرة من وراء الغابة تمشي فيه وسط أشجار الزيتون وهي غابات غبياء في الشوف كما أن أشجار الصنوبر كذلك في قضاء المتن. ودير القمر هو مركز الجبل القديم وصلت إليه قبيل الغروب وقد بدت القصبة بأبنيتها الشاهقة كالعروس في حليها وعكست شمس الأصيل على زجاج نوافذها وسطوحها فاختلطت الحمرة بالصفرة بالخضرة بالزرقة فكان أجمل منظر تقع عليه عين إنسان. وأهل الدير كمعظم سكان الجبل موصوفون بالرقة وحسن العشرة يتحببون إلى الغريب كيف كانت حاله. وفي هذه القصبة إلى اليوم جامع قديم من القرن العاشر بناه أحد أمراء لبنان ولا يزال الديريون يحرصون على سلامته فيتعهدونه بالعمارة وإن لم يكن له من يقيم فيه الصلاة. وقصبة الدير بكثرة سكانها وتوفر مرافق الحياة فيها أشبه بالمدن منها بالقرى وهي مشهورة بتجارة الحنطة تحمل إليها من حوران فتوزع في الأطراف. وليس دير القمر وحيداً في نوعه باكتظاظ الأقدام فيه فمدينة زحلة لا يقل سكانها عن خمسة وعشرين ألف نسمة وأوصل بعضهم نفوسها إلى خمسة وثلاثين. وتكثر النفوس في حمانا ورأس المتن وبرمانا وبيت مري وبعبدات وبيت شباب وبكفيا وبسكنتا وبعبدا والشوير وحصرون والشويفات وحدث الجبة وبعقلين ومجد المعوش وعالية ومعلقة الدامور وجزين وجبيل واهمج وتنورين وعمشيت وغزير وجونية وكفر ذبيان والبترون واهدن والهرمل وأميون وزغرتا وكوسبا وفي غير ذلك من القصبات التي يعد فيها النفوس بالألوف والمئات. والقرى والمزارع متصلة خصوصاً في المحال التي ترتفع كثيراً عن سطح البحر ولا يتعذر العيش فيها في الشتاء لكثرة ثلجها وبردها وجليدها وأعاصيرها وما أشبه لبنان وقراه ومزارعه لا تقل عن تسعمائة وستة وخمسين قريةدليل لبنان لابراهيم الاسود إلا بقصر فخيم جميل واسع الأرجاء محفوف من أطرافه بالرياحين والأزاهير العطرية وغرفه الكثيرة تلك الدساكر والضياع لا يكاد المتجول يمل من مقصورة حتى ينتقل إلى أخرى وما أسرع وصوله إليها من تلك الطرق المعبَّدة وهذا القصر مزدانة أفنيته وأروقته بأقصى ما تخص به يد الصانع من بدائع الزينة ويد المخلوق لم تقصر كثيراً في تعهده. معنى لبنان الأبيض وهو اسم عبراني سمي به لتعمم قممه بالثلج في الشتاء والربيع وبعض الصيف. وقد ورد ذكره في الشعر القديم فقال النابغة الذبياتي: حتى غدا مثل نصل السيف منصلتاً يقرو الأماعز من لبنان والأكما وقال أحمد بن الحسين بن حيدرة المعروف بابن الخراساني الطرابلسي من المحدثين: دعوني لقاً في الحرب أطفو وأرسب ولا تنسبوني فالقواضب تنسب وإن جهلت جهال قومي فضائلي فقد عرفت فضلي معدُّ ويعرب ولا تعتبوني إذ خرجت مغاضباً فمن بعض ما بي ساحل الشام يغضب وكيف التذاذي ماَء دجلة معرقاً وأمواه لبنان ألذُّ وأعذب فمالي وللأيام لا درَّ درُّها تشرّق بي طوراً وطوراً تغرّب وأنشد المتنبي في مدح أبي هرون بن عبد العزيز الأوراجي في قصيدة: بيني وبين أبي علي مثله شمُّ الجبال ومثلهن رجاءُ وعقاب لبنان وكيف يقطعها وهو الشتاءُ وصيفهن شتاءُ وقال البحتري: وتعمدت أن تظلَّ ركابي بين لبنان طلعاً والسنين مشرفات عَلَى دمشق وقد اء رض منها بياض تلك القصور وقال الجغرافي اليزه ركلو من المتأخرين يصفتسريح الابصار للاب لامنس لبنان: إذا ما ألقيت ببصرك من البحر إلى سلسلة لبنان المستطيلة رأيت من هذا الجبل منظراً مهيباً فيلوح لك أزرق أو وردياً في الصيف ومشتملاً في الشتاء والربيع بجلباب ثلجه الفضي وإذا تصاعدت الأبخرة في الجو ألبست قممه الشامخة ثوباً شفافاً هوائياً غاية في اللطف بيد أن جمال هذا المنظر لا يخلو من سطوة الشدة فترى ذاك الجبار يتمطى بضلوعه الشديدة وينطح برأسه الشامخ لا يقوم في وجهه قائم عَلَى أن النظر إلى محاسن هذا الجبل عن كثب هي دون جماله عن بعد فترى ظهره عَلَى طول ١٥٠ كيلو متراً أقهب أجرد لا تكسوه الخضرة. أوديته متشابهة ومشارفه كأنها قدت عَلَى قالب واحد. وقال الأب لامنس: إن لبنان أشبه بجدار عظيم من الصخور وجهته من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي وفي الجهة الشرقية تراه ينقطع بغتة أما من جهة الغرب فهو يتفرع فروعاً متعددة عَلَى هيئات شتى من آكام وبطون وسهول وربى متسلسلة يدخل بعضها في بعض وإذا استثنيت هذه التفرعات الثانوية والتجعدات المنتسقة تحققت أن سلسلة لبنان العظمى قد وضعها الخالق على صورة نظامية وجانب كبير من البساطة ولذلك قلما نرى في لبنان تلك المناظر المتباينة التي تقر بها العين وإنما يقع البصر على حاجز كبير في حدود الأفق يتواصل على خط مستقيم لا تكاد قممه العليا تمتاز عن بقية أقسامه. ووصف شكله أيضاً فقال: ومن تفرع الجبل من الجنوب إلى الشمال وجده يتزايد علواً وكذلك يتسع عرضاً ولو تأمل الناظر من علو الجو عرض لبنان بين صيدا ومشغرة لوجده يزيد عن ٢٩ كيلو متراً وهو يبلغ بين بيروت وقب الياس ٣١ كيلومتراً ومعظم اتساعه بين طرابلس والهرمل ٤٦ كيلومتراً فيكون لبنان على كل ذا شكل مربع منفرج عن زاويتيه العلويتين اه. ولقد قدروا مساحة لبنان بثلاثة آلاف وخمسمائة كيلو متر يحده جنوباً صيداء وأعمالها وشمالاً طرابلس وكورتها وشرقاً ولاية سورية وغرباً البحر المتوسط ومدينة بيروت. هذا هو حده الجديد وهو المعروف بلبنان الغربي والأصل في التسمية. ويطلقون اسم لبنان الشرقي على وادي التيم وجبل الشيخ حرمون أي على قضاءي حاصبيا وراشيا وما إليهما والبقاع فاصل بين اللبنانين. وحدَّه القدماء فقالوا:الازهري في معجم البلدان ليقوت الحموي أنه جبل مطل على حمص يجيء من العرج الذي بين مكة والمدينة حتى يتصل بالشام فما كان بفلسطين فهو جبل الحمل وما كان بالأردن فهو جبل الجليل وبدمشق سنير وبحلب وحماة وحمص لبنان ويتصل بأنطاكية والمصيصة فيسمى هناك اللكام ثم يمتد إلى ملطية وسميساط وقاليقلا إلى بحر الخزر فيسمى هناك القبق قال وفي لبنان سبعون لساناً لا يعرف كل قوم لسان الآخرين إلا بترجمان وفيه من جميع الفواكه والزروع ممن غير أن يزرعها أحد وفيه يكون الأبدال من الصالحين. وقال القلقشندي ثم يمتد لبنان إلى الشمال ويجاور دمشق وإذا صار في شماليها سمي جبل سنير. وعلى ذكر الصالحين نقول أن لبنان مشهور منذ القديم بانقطاع الناس إلى العبادة فيه قال ابن جبير في كلامه على العلم والمتعلمين في الشام في القرن السادس للهجرة ما نصه: وكل من وقفه الله بهذه الجهات من الغرباء للانفراد يلتزم أن أحب ضيعة ويلتزم الإمامة أو التعليم أو ما شاء ومتى سئم المقام خرج إلى ضيعة أخرى أو يصعد إلى جبل لبنان أو إلى جبل الجودي فيلقى بها المريدين المنقطعين إلى الله عز وجل فيقيم معهم ما شاء وينصرف إلى حيث شاء. ومن العجب أن النصارى المجاورين لجبل لبنان إذا رأوا به أحد المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم القوت وأحسنوا إليهم ويقولون هؤلاء ممن انقطع إلى الله عز وجل فيجب مشاركتهم وهذا الجبل من أخصب جبال الدنيا فيه أنواع الفواكه وفيه المياه المطردة والظلال الوارفة وقل ما يخلو من التبتل والعبادة. وقال ابن بطوطة في القرن الثامن: إن جبل لبنان من أخصب جبال الدنيا فيه أصناف الفواكه ولا يخلو من المنقطعين إلى الله تعالى والزهاد والصالحين وهو شهير بذلك ورأيت فيه جماعة من الصالحين قد انقطعوا إلى الله تعالى ممن لم يشتهر أسمه. قلنا ولذلك نرى المعروف اليوم بالإحصاء أن في لبنان نحو ألفي راهب وراهبة لهم ١١٨ ديراً ما عدا الكنائس والبيع والصوامع التي لا تخلو قرية عن واحدة أو عدة منها ولا يقل دخل الرهبنات والأديار فيه عن مئة وخمسين ألف ليرة في السنة كما أكد بعض العارفين. وهو نحو ثلث أيراد لبنان بأسره. وفيه المحابس التي ينقطع فيها النسك بعض الرهبان فيقيمون في مغارة أو مكان منفرد يتعبدون في الخلاء. زرت أحدهم في مديرية القاطع فرأيته متوفراً على كرم له هناك حتى جاد وأخصب يعمل فيه بيده ولا يكاد يأكل منه متى نضج ويصرف شطراً من وقته في النسك والصلاة. ولو قام كل امرئٍ بالواجب عليه فسعى للمعاش سعي هذا الحبيس وعبد الله وخافه لارتفعت الشرور من البشر وقل احتياجنا للحكومات وقوانينها. وهذه المحابستسريح الابصار قديمة في لبنان ترد إلى عهد هيلاريون الناسك أو قبله وفي عدلون بين صيدا وصور عَلَى مقربة من صرفند عند الجسر صخر عال حفر فيه نحو مائتي كهف اتخذها الرهبان مساكن لهم. وبالنظر لتوسط لبنان من سورية كان نافعاً بعمرانه لها بطبيعته فكأن علو قممه — وأعلاها ظهر القضيب علوه ٣٠٦٣ متراً ثم في الوسط جبل صنين وعلوه ٢٨٠٦ متراً وأعلى نقطة في جبل الشيخ ٢٨٦٠ متراً — وتكاثر ضبابه وكثرة أشجاره وقربه من البحر كلها داعية إلى كثرة الثلوج والأمطار فيه فيتكون من عصاراتها ومسايلها أنهار ذات شأن عظيم في عمران الشام. فمن سفوح لبنان تنبجس أعظم أنهار سورية فنهر العاصي الذي يروي أراضي وادي حمص وحماة وأنطاكية ينبجس من الهرمل في شمال لبنان ونهر الليطاني الذي يروي بلاد صيداء وصور وتنتفع به بعض بلاد البقاع ينبع من لبنان ونهر طرابلس المسمى بنهر أبي علي ويعرف قديماً بقاديشا يخرج من سفح لبنان ونهرا الكلب وبيروت اللذان يسقيان مدينة بيروت وضاحيتها ينبجسان من السفح الغربي من لبنان ونهر البردوني الذي يسقي زحلة وبعض البقاع هو لبناني المنبع أيضاً. ومن لبنان الشرقي ينبجس الأردن الشريعة كما ينبجس من غرب لبنان الغربي نهر إبراهيم. فلبنان في فائدته لسورية أشبه بجبال الألب في سويسرا أو بنيل مصر من حيث امتداد المنافع. وللألب والنيل المثل الأعلى. وفي لبنان عدة ينابيع منها نبع الأربعين ونبع صنين وبلقيع واللبن والعسل والباروك وعين زحلتا وقد زرت هاتين الأخيرتين. وصلنا إلى الباروك في زهاء ساعتين من دبر القمر مارين ببيت الدين مركز مصرفية لبنان الصيفي وكفر نبرخ وبعض المزارع وقرية الباروك في واد منفرج قليلاً تنبع عينها عَلَى قيد غلوة منها أما المصطافون فيها فيختارون في الغالب النزول بالقرب من رأس العين في نزل هناك أو خيام لهم يضربونها وسط الحراج المبثوثة على آكام الباروك وجبالها فيوفر لهم بذلك إلى جودة الماء التي ما بعدها جودة فيما أظن — طيب الهواء ونسيم الأرز والصنوبر العليل البليل. ومن الباروك إلى عين زحلتا ساعة على الراكب وفي هذه القرية فنادق حسنة لكثرة ورود المصطافين إليها للتمتع بنبع الصفا وقاع الريم اللذين ينبعان في ظاهرها ولتسريح عيونهم بجمال موقعها وخصب واديها وحراجه الغبياء. وعين الباروك وعين زحلتا على مساماة واحدة في العلو وماؤهما يكاد يكون متشابهاً والطريق من عين زحلتا إلى عين صوفر ماراً بطريق السكة الحديدية نحو ساعتين ونصف في العربة أو على الراكب وهذه العيون ينتفع بها كلها في سقي الحدائق في القرى البعيدة والقريبة. ومن صوفر قصدت حمانا وقرنابيل فصليما فعبدات فبحنس فبكفيا فبيت شباب فالشاوية فالفريكة. وهنا قضيت مع صديقي الابرامين أفندي ريحاني الكاتب الشاعر المفكر الشهير أياماً رائقة ريثما ركبت البحر من بيروت قاصداً القطر المصري فأوربا. هذا وقد كان سبق لي منذ سنين أن زرت بعض قرى كسروان والبترون وزحلة فأكون هذه المرة بما خبرته من حال هذه الأقضية الثلاثة الأخرى وهي جزين والشوف والمتن خليقاً بأن أتكلم على الجبل خصوصاً ولم ينقصني منه إلا قضاء الكورة فقط. نبذة في تاريخ لبنان ٣ لم يخرج لبنان في دور من أدواره عن كونه معقلاً حصيناً كل من ساده يكون في الأعمم من حالاته إلى الشدة والمضاء يتعب من يسودهم وقد يتعب به جيرانه من أهل البلدان الأخرى. ولقد كان تاريخه السياسي كتاريخ معظم المقاطعات السورية استقلالاً وخضوعاً للغريب ولكن أيام الاستقلال أكثر من غيرها في غيره من أقاليم الشام. والغالب أن قاصيته خضعت للفينيقيين كما خضعت سواحله واستولت عليه حكومة الأيتوريين العربية في عد الروم. والأيتوريون شعب شديد الشكيمة مولع بالحروب أنكفأ من حوران واللجاه بلاده ونزل البقاع فأنشأ له مدينة شالسيس أو عين جر جعلها عاصمة وأخذ يشن الغارات على لبنان ويتقدم إلى الأمام حتى تيسر له أن تسور قممه وأخضعه لسلطانه ثم انحدر إلى سواحل الشام وجعل مدينة طرابلس مركزاً ثانياًتسريح الابصار وأكثر من كانوا يتأذون من بأس الأيتوريين سكان جبيل وبيروت فلم يكونوا يملكون معهم لأنفسهم طولاً ولا حولاً. وروى التاريخ أن سكان كسروان أخذوا في القرن السادس أوائل القرن السابع للهجرة يطيلون أيدي اعتدائهم على أبناء السبيل فيخطفون المسلمين ويبيعونهم من الأعداء فكان عساكر المسلمين معهم بين عدوين هم في جبال صنين أو الظنينين كما سماهم أبو الفداء وجيوش التتار التي انهالت على هذه البلاد كالسيل العرم إن نجا المسلم من التتري لا ينجو من الكسرواني (سنة ٦٩٩ ) ولذا سار شيخ الإسلام أبن تيمية سنة ٧٠٤ لنصح أولئك العصاة فلما لم ينجح النصح فيهم قاتلتهم الجيوش الشامية قتالاً هائلاً بزعامة جمال الدين أقوش الأفرم نائب دمشق. والغالب أن سكان كسروان كانا إذ ذاك خليطاً من النصيرية والموارنة وغيرهم كما كان سكان ساحل كسروان من اليعاقبة. نعم خضع هذا الجبل للفاتحين واستولى على زمامه المردة وهم قوم من نصارى الفرس أتى بهم الروم ليدفعوا عن لبنان غزوات الأيتوريين فنزل المردة هذه اللفظة فارسية ومعنى مرد الرجل في الشمال أوائل القرن الأول للهجرة ثم جاء التنوخيون ونزلوا جنوبيه وتوالى عليه الأمراء المعنيون فآل عساف التركمان ومن سلالة المعنيين الأمير فخر الدين الذي عهد إليه السلطان سليم فاتح سورية ومصر بولاية الشام ثم الشهابيون ومن أمرائهم الأمير بشير الملطي الثاني ومن أمراء لبنان جان بولاد جنبلاط الذي حكم الشام سنتين في القرن العاشر فيما ذكر. وما زال نواب الشامتاريخ بيروت لصالح بن يحيى الأشرف بن خليل قلاوون والناصر محمد بن قلاوون يحاربون النصيرية في كسروان حتى أخرجوهم وجعلوا بدلهم قوماً من التركمان في بعض النواحي وبقي كثير من المتاولة معهم كما فعل صلاح الدين يوسف لما استخلص ساحل لبنان ولا سيما جبيل وأعمالها من أيدي الإفرنج سنة ٥٨٣ فرتبمعجم البلدان لياقوت في جبيل قوماً من الأكراد لحفظها. فبقيت على ذلك إلى سنة ٥٩٣ فباعها الأكراد الذين كانوا بها ورحلوا عنها ثم عادت تلك السواحل فاستولى عليها الإفرنج بعد صلاح الدين لأن الكسروانيين كانوا نصراء الصليبيين يمدونهم بالذخائر والرجال. ولذلك أمر حسام الدين لاجين نائب دمشق بأن تخرب بلادهم فخربت على عهده وعهد غيره من حكامها ولا سيما على عهد الأفرم كما تقدم إذ قضى بقطع كرومهم وتخريب بيوتهم وقتل منهم مقتلة عظيمة وتفرقوا في البلاد أيدي سبا. ولما انتشر التركمان بكسروان سنة ٦٠٦ تداركوهمتاريخ بيروت بثلثمائة فارس وجعلوا دركهم من حدود انطلياس إلى مغارة الأسد على حدود معاملة طرابلس فكانوا يمنعون من يستنكرونه أن يتعدى دربند نهر الكلب إلا بورقة طريق من المتولي أو من أمراء الغرب كما يفعلون بقطيةقريج في طريق مصر وسط الرمل كانت المجاز بين مصر والشام على درب مصر وجعلوا التركمان ثلاة أبدال كل بدل يقيم في الدرك شهراً لحفظ الموانئ والدروب. وفي سنة ٦٨٦ صدر منشور من ملك الأمراء لاجين نائب الشام عن الملك المنصور قلاوون إلى جمال الدين وزين الدين ابن علي أنه إذا بلغهما توجه المقر الشمسي سنقر المنصوري بالعساكر إلى جهة كسروان والجرد أن يتوجها إليه بمجموعهما وأسرتيهما وأن من سبي امرأة منهم كانت جارية أو صبياً كان له مملوكاً ومن أحضر منهم رأساً فله دينار وأن سقر توجه لاستئصال شأفتهم ونهب أموالهم وسبي ذراريهم. وهذه الفقرات على شدتها لم تصدر عن أمراء الشام إلا بعد أن طفح كأس صبرهم من تمرد الكسروانيين. واختلف العلماء في أصول سكان لبنان والأرجح أنهم خليط من الفينيقيين والآراميين والروم والعرب مزجتهم بودقة واحدة فغدوا مزيجاً واحداً كما هو حال معظم البلاد فإنك ترى كثيرين من أسرات لبنان المشهورة نزحت من بلاد حلب وحماة وحمص وحوران في الداخلية ولا سيما في القرون الخمسة الأخيرة. ذكر المؤرخون أن معاوية نقل إلى طرابلس وجبيل وبيروت وصيداء قوماً من الفرس يسكنونها. وذكروا أيضاً أن أبا جعفر المنصور العباسي لما قدم دمشق من بغداد قدم عليه من بلاد المعرة الأمير ارسلان وأخوه الأمير منذر بجماعة من عشيرتهما فطابت نفس الخليفة بهما فأمرهما أن يسكنا في جبال بيروت الخالية من السكان وأنعم عليهما بمقاطعات معلومة فسكنوا وبعضهم في كسروان وأخذوا يشنون الغارات على مجاوريهم وفي بعضها أحرقت قرى من كسروان السفلى وتقوى الأمراء الأرسلانيون بعشائرهم وعمروا العمائر في الشويفات وجوارها. أما الموارنة فكان أول منشأهم في شمال سورية في الأغلب ينتسبون إلى قديس لهم أسمه مارون وهم طائفة كاثولوكية لا يكادون يختلفون عن الكثلكة في أمر جوهر في امر جوهري في المعتقدات جاؤوا شمالي لبنان أولاً وما زالوا يمتدون ويطردون سكان الجبال الأصليين أو ينصرون ويدمجونهم في جملتهم حتى بلغوا الجنوب واحتفظ الدروز ببلادهم بما فيهم من الشدة والإباء. وزعم بعضهم أن الموارنة لم يسكنوا كسروان قبل القرن السادس عشر للميلاد لأنه لا يوجد بين أديار كسروان اليوم دير واحد يسبق عهده القرن السابع عشر وأن جبيل والبترون كانتا على الحياد مع الصليبيين فلم تنحازا إليهم ولا للمسلمين أصحاب البلاد إلا أن هذا لم يمنع من الرواية الثانية من ممالاة الموارنة للصليبيين ودلالتهم على الطرق ونجدتهمتاريخ البطريرك الدويهى وتاريخ المقاطعة الكسروانية للخوري منصور طنوس الحتوني لهم وثباتهم معهم على العهد إلى النهاية حتى خرجوا من سورية سنة ١٣٠٢ م ومن أجل هذا اضطر حكام البلاد أن يحرقوا ويقتلوا ويسبوا بعض القرى القريبة من طرابلس مثل أهدن وبقوفا وحصرون وكفرسارون والحدث. وما برح لبنان ينقسم بين أمراء المقاطعات يحكمونه على النحو الذي كانت عليه صورة الحكم في البلاد العثمانية قبل تنظيم الولايات. يقوي اليمانيون تارة والقيسيون أخرى والناس معهم في أمر مريج ومن التحزبات القيسية واليمانية ما وقع في الربع الأول من القرن السادس عشر للميلاد بين الأمير فخر الدين المعني القيسي وجمال الدين الأرسلاني اليمني. قال المقريزي وعشير الشام فرقتان قيس ويمن لا يتفقان قط وفي كل قليل يثور بعضهم على بعض. ونشأ حزب آخر وهو الحزب اليزبكي نسبة إلى يزبك جد الشيخ عبد السلام العماد زعيمه والجنبلاطي نسبة إلى الشيخ علي جنبلاط زعيمه الآخر وذلك سنة ١٧٢٩ — ١٧٥٤ وامتد في لبنان ولم يزل له أثر كما نشأت أحزاب أخرى كالمعلوفي والمكارمي ومثل هذه الأحزاب قد لا تخلو من حدوث فتن تهرق فيها الدماء وتكثر الأيامي والإماء كما فعل الحماديون وأحرقوا بلاد جبيل والبترون فخربت جميعها ونزح سكانها إلى بلاد ابن معن وكانت العداوة بين بني سيفا وبني معن سبباً في تخريب الجبل أيضاً. ومن الوقائع التي يتمت فيها الأطفال تلك الوقعة التي جرت في القرن العاشر عقيب أن نهب بعض أمراء لبنان الصرة السلطانية من جون عكا بينما كانت محمولة إلى الأستانة فجمع إبراهيم باشا صهر السلطان مراد بن السلطان سليم العساكر من مصر وقبرص ودمشق وحلب وقدم بها مرج عرجموش قرب زحلة وأمسك طريق البحر والبقاع على الدروز فقتل نحو ستمائة منهم وأسر بعض الأمراء. وما زالت حال الجبل في إقبال وإدبار تقع اليوم فتنة العاقورة وغداً وقعة مرحلاتا وبعده وقعة أرض خلدة ثم فتنة برج الغلول وبعد ذلك وقعة عين دارة حتى أقامت له الدولة سنة ١٨٤٢ عمر باشا النمسوي والياً فلم تطل مدته حتى منحت الدولة للجبل امتيازات وقسمته في السنة التالية إلى مقاطعات. وتعرف الأولىدواني القطوف لعيسى أفندي اسكندر المعلوف بقائم مقامية النصارى وهي الشمالية تمتد من نهر البارد في عكا إلى طريق دمشق مع بعض قرى ساحل بيروت تولاها الأمير حيدر إسماعيل اللمعي وتعرف الثانية بقائم مقامية الدروز وهي الجنوبية تمتد من طريق الشام إلى منتهى جبل الريحان في الشمال مع قرى إقليم التفاح وبعض قرى ساحل بيروت وتولى شؤونها الأمير أحمد عباس الأرسلاني أما قصبة دير القمر فكان يتولى شؤونها رجل من قبل والي ايالة صيداء وكانت قائم مقامية النصارى مؤلفة من المتن وكسروان والبترون والكورة وزحلة وقائم مقامية الدروز تشمل قضائي الشوف وجزين وقسماً من غربي البقاع وبعض قرى مديرية الساحل الداخلية اليوم في قضاء المتن وفرض على لبنان في كل سنة ثلاثة آلاف وخمسمائة كيس. ودام الحال على ذلك إلى سنة ١٨٦٠ وقد اشتعلت جذوة تلك الفتنة المشؤومة بين الدروز والنصارى في لبنان فمنحت الدولة هذا الجبل استقلالاً إدارياً بأن جعلته متصرفية يتولى شؤونها حاكم مسيحي تبعث به الدولة كل خمس سنين أو تجدد انتخابه بمصادقة الدول. وجعل مال لبنان سبعة آلاف أو ثلاثة ملايين ونصف مليون قرش وضعت على الأعناق. ولحكومة لبنان موارد أخرى سنوية منها نحو أربعة ملايين قرش من بدلات حاصلات الأراضي الأميرية ورسوم المحاكم والمقاولات والعربات والعجلات وتعدل بثلاثة عشر ألف ليرة ولا تتناول الدولة الآن شيئاً من مال الجبل ولا تعطيه وكانت منذ سنين تدفع إليه العجز في ميزانيته. وفي لبنان ألف جندي لبناني بإدارة أميرالاي لبناني وفي بيت الدين فرقة من الجند العثماني المحافظ وعليها أميرالاي بإدارة حكومة لبنان. وتحاول حكومة الجبل الآن أن تزيد الضرائب قليلاً ليتيسر لها القيام ببعض الإصلاحات والتوسعة على موظفيها كما وسع عليهم في سائر البلاد العثمانية بعد الدستور إلا أن معظم الآهلين يقاومونها وفاتهم أن الليرة منذ خمسين سنة لا تعادلها اليوم إلا الثلاث ليرات أو أكثر لوفرة الذهب وغلاء الأسعار. وهم يعتبرون أن هذا العمل إخلال بشروط امتيازاتهم ويخافون أن يتدرج الأمر إلى العبث بقانونهم فيختل نظامه مع الزمن من أجل هذا أبى اللبنانيون أن يبعثوا إلى مجلس الأمة العثمانية بنواب منهم يمثلونهم وما نظن وطنيتهم تحول بينهم في الانتخاب القادم وبين إرسال نواب عنهم حتى يشتركوا وسائر أخوانهم العثمانيين في الغنم والعزم فليس من الإنصاف أن يبقى جبلهم بدعوى قلة خصبه على الحياد وهو في وسط البلاد ويحسب جزءاً متمماً من أجزاء السلطنة العثمانية كيف تقلبت الحال وتعددت المظاهر والأشكال. غابات لبنان ٤ ليس في لبنان أرض تبلغ مساحتها مائة كيلو متر مربع بل غاية ما فيه من الأراضي منحدرات ومنعرجات وأودية ضيقة ومسايل صغيرة وفيها جعل القدماء زروعهم وأشجارهم وأكثر الأراضي مما يصلح للشجر أكثر مما يصلح للبقول والغلات شأن جبال الأرض في الأكثر. وليس في الأيدي نص قديم يشير إلى أصناف زراعة لبنان منذ عرف التاريخ غير ما نقلناه في نبذة سالفة عن مؤلفي العرب من أن فيه أصناف الفواكه والزروع وأكثرها مما ينبت بنفسه وهو كلام مجمل لا يشبع ولا يقنع. وإذ كانت طبيعة أرض لبنان لم تتغير منذ عشرات من القرون كانت الزروع التي لا تناسبها أرضه ضعيفة فيه أو تكاد تكون معدومة. ولكن لم تخل أرض لبنان في زمان من أزمانها من الزيتوت والتين والكرم والخروب والجوز واللوز والتفاح والصنوبر والتوت من الأشجار المثمرة والزان والسنديان والسرو والأرز من الأشجار الغير مثمرة. وقد أكثر القدماء والمحدثون من الكلام خاصة على تاريخ الأرز لورود ذكره في الكتاب المقدس مرات ولأن من خشبه بني قصر داود هيكل سليمان والهيكل الثاني الذي جدد في أيام زربابل وسقف الهيكل المجدد في عهد هيرودوس وقبة القبر المقدس وسقف الكنيسة في بيت لحم. وقالوا أنه ثبت أن ملوك الأشوريين والبابليين استعملوا في قصورهم خشب الأرز وأن المصريين أدخلوا من خشبه في بناء هياكلهم وقصورهم كما فعل الفرس وأن الاسكندر المقدوني وضع من خشب الأرز في السد الذي أقامه بين الجزيرة والشاطئ حيث كانت مدينة صور وكذلك ملوك السلوقيين في سورية أدخلوا خشب الأرز في بناء دورهم. وكل هذه الأخشاب قطعت من لبنان أو من الجبال المجاورة له وكانت تحمل في الغالب إلى طرابلس وصيداء وصور حيث كانت دور الصناعات وقد أنشأ بعض ملوك الإسلام أساطيل من خشب الأرز وقالوا أن بيروتتاريخ بيروت كانت دار صناعة دمشق ترسانتها أو ورشتها وبها عمر معاوية المراكب وجهز فيها الجيش إلى قبرص ومعهم أم حرام واسمها العميصاء وقيل أنه عمر من الأرز ألفاً وتسعمائة سفينة وبعد سنين جهز أسطولاً أضخم من الأرز نفسه وتبعه غيره من ملوك الإسلام في اختيار الأخشاب للسفن من غابات لبنان وما برح كثيرون من المتدنيين بالنصرانية يتبركون بشجر الأرز ويحملون من غصونه قطعاً ينقلونها من قارة إلى قارة ومن مملكة إلى أخرى وهو عطر الرائحة إذا وضع في النار ويحسن في المثم إذا مسسته بيدك ولونه أصفر فاقع مشرب بخطوط حمراء لا تعبث به الأرضة ولا يفعل فيه السوس ولذلك كاد ينقرض لكثرة حرص السوريين وغيرهم على استعماله في أبنيتهم وقصورهم وهياكلهم وتماثيلهم ونصبهم. والغالب أن الحكومة السالفةدواني القطوف القديمة في لبنان كانت تحتكر أربعة أشكال من الشجر تستثمرها لخزينتها وهي السرو والعرعر والأرز والصنوبر وتسمح بقطع غيرها واحتطابه أو غرس غره محله. وقد بدأ النقص في هذه الأشجار ولا سيما الأرز منذ خمسة قرون لأن اللبنانيين احتاجوا إلى الاحتطاب وأخذوا يكثرون من زراعة التوت والكرم خصوصاً وقد جرت عادة بعض حكام لبنان إذا غضبوا على أحد أن يقطعوا أشجاره ويخربوا داره وإلى اليوم لا يزال من الأمثال السائرة في الجبل الله يقطع رزقه أي ما يملك من شجر والله يخرب زوقه أي بيته. مثال ذلك أن الأمير أحمد المعني طرد المشايخ الحماديين المتاولة لما كثر بغيهم في كسروان ففروا إلى بلاد بعلبك فأحرق قراهم في القرن لحادي عشر وقطع أشجارهم وقد رسم مرة بيدمرتاريخ بيروت نائب الشام لشهاب الدين ابن زين الدين صالح من أمراء الغرب في لبنان وكان في دمشق أن يركب على خيل البريد ويتوجه إلى قرية عين زحلتا من شوف صيداء ليكشف عما فيها من أشجار التوت النافع لعمل النشاب فلم يجده موافقاً وربما أحب عدم تصديع أهل البلاد بقطعه ونقله ومنذ ذاك العهد اجتهد أهل الشوف في قطع شجر التوت وتعطيل نشوئه واستئصاله لئلا تصدعهم الدولة من جهته. قلنا ومثل ذلك ما نشاهده في أيامنا من أن بعض أهل القرى البعيدة عن مراكز الحكومة في الولايات العثمانية قد يسخون بقطع أشجارهم فراراً من ظلم ملتزمي الأعشار واشتطاطهم في تقاضي العشور عليها أضعافاً مضاعفة ولم يبرح شجر الأرز موجوداً في عدة أماكن من لبنان على كثرة ما انتابه من البوائق فبالرب من معاصر الفخار على مقربة من بيت الدين غابة منه فيها نحو ٢٥٠ شجرة يسمونها الأبهل وأخرى فوق الباروك غير ملتفة وضعيفة النمو لكثرة الأمطار والثلوج والعواصف في تلك الأرجاء وثالثة فوق قرية عين زحلتا وكان أحرق أكثرها لاستخراج القطران منه وقطع بعضها أيام حادثة سنة ستين لتجدد بخشبه بعض بيوت المنكوبين ورابعة بين افقا والعاقورة في جرد جبيل من بلاد كسروان وخامسة بين قرية تنورين وبشري صغيرة الشجر وعدد شجيراتها نحو عشرة آلاف وسادسة بالقرب من بشري على علو ١٩٢٥ متراً عن سطح البحر وهي مقصد السياح وفيها أضخم أشجار الأرز ويبلغ عددها ٣٩٧ وقيل ٦٨٠ شجرة منها ١٢ كبرى وأكبرها شجرتان دائرة جذع كل منها نحو خمسة عشر متراً وارتفاع أطولها خمسة وعشرون متراً وقدروا عمرها بثلاثة آلاف سنة. ولا أثر الآن في سورية لشجر الأرز إلا في أعالي سير ببلاد الضنيةتسريح الابصار في وادي النجاص ففيه كثير من شجر الأرز على ارتفاع ١٩٠٠ متر عن سطح البحر وبين سير ونبع السكر وفي الغابة الواقعة خلف وادي جهنم ويسمى عند أهله تنوب. ولو توفرت همة أبن الجبل اليوم على غرس شجر الأرز أو أي كان من شجر الاحتطاب في الأماكن الخالية ولا سيما في القمم والقنن لما أتت عشرات من السنين إلا وقد زادت ثروة الجبل زيادة محمودة وكان مع طول الزمن لأبن لبنان من أشجاره مود آخر غير التوت والزيتون مثلاً لأن شجر الأرز لا يجود في الغالب إلا في مثل هذه لعلو من الجبل بل من جبال سورية التي تشبه لبنان بطبيعتها وموقعها. وإذا زاد عدد الغابات في سورية زيادة كبرى وتوفرت عناية ولايات بيروت وسورية وحلب ومتصرفيتي القدس والزور بتكثير الغابات في الأماكن الخالية ولا سيما في المحال التي يعرف أنها كانت غابات غبياء نافعة يتحول مناخ سورية وتكثر فيها الأمطار بعد سنين ولا تعود تخشى اليبوسة وهلاك الزرع والضرع كما يحدث بعض السنين فيتأذى بذلك العرب الرحالة في باديتهم كما يتضرر ابن المعمورة بهم ويصبح منهم بين نكبتين سماوية بقلة الأمطار وأرضية بسطو ابن البادية على ما بقي لأبن القرى من رزق. وليت حكومة لبنان تبدأ فتفرض على كل لبناني أن يغرس عشر شجرات من أصناف الشجر عله تقتدي بها سائر حكومات بلاد الشام بعد ذلك فلا يأتي علينا جيل إلا وتصبح سورية غنية بغاباتها كغنى سويسرا أو أكثر والأشجار في بلادنا أكثر نمواً مما هي في أوربا لما عرفت من اعتدال الفصول ولطف الجو ولقد جربت حكومة الجزائر فغرست الغابات منذ زهاء خمسين سنة فكانت النتيجة أن كثر اليوم تهطال الأمطار فيها على طريقة منظمة وسيكثر خيرها كلما زادت أشجارها وعسانا نقتدي في سورية بهذا المثال. الهجرة من لبنان ٥ منذ أمن السكان في لبنان على أرزاقهم وانقطعت شأفة أرباب المقاطعات الذين طالما اشتطوا في مطالبهم وبطلت أو كادت السلطة الإفرادية الذوقية وقلت الأوبئة والزلازل التي كانت تحصد العمران والسكان حصداً كالزلزال الذي عاود لبنان مرات سنة ١٧٥٩ م وخرب القرى وأهلك الناس والطاعون الذي حدث سنة ١٧٨٩ م وعم لبنان كله واستمر الموتاناثلاثين سنةتاريخ المقاطعة الكسروانية — منذ خفت العوارض الطبيعية والأرضية أخذ كل فرد يحسن من حاله فنمت النفوس باستتباب أسباب الراحة وأخذ المرسلون وغيرهم من رجال الدين منذ زهاء مئة سنة ينشؤن أبناء الجبل على المنازع الدينية ويلقنونهم شيئاً من اللغات الإفرنجية والعلوم العصرية كما أن الموارنة ما زالت لهم علائق مع الكرسي البابوي في رومية يختلف إليه أحبارهم منذ قرون وربما انتفع الجبل من هذه الصلة والعائد. ثم أن طبيعة الجبل تقتضي التحسين والتنظيم والمسيحيون على الجملة يميلون إلى الرفاهية ويقدرون طعم الحياة قدرها ولم يكد يدخل القرن الثالث عشر للهجرة في دور العدم ويطلع القرن الرابع عشر حتى دخل جبل لبنان في طور جديد فكثرت طرق عجلاته حتى أصبح ليده منها الآن نحو ألف كيلو متر تجمع بين قراه ومزارعه كالشبكة المحكمة وتهيء سبل التنقل على المصطافين في ربوعه وأكثر هذه الطرق في قضاء المتن لأنه ظهر لبنان ونقطته الوسطى ومقصد المصطافين من البيروتيين والشاميين والمصريين وغيرهم. وفيه الآن سبعون كيلومتراً من الخطوط الحديدية منها خمسون من طريق بيروت ودمشق وعشرون من ترامواي شمالي لبنان. وفي هذا الجبل ٢٥دليل لبنان مدرسة داخلية كبرى وصغرى و ١٤ مدرسة اكليركية و ٨ مستشفيات و ٢٠٦ من الحراج والغابات و ١٤٧ من معامل الحرير و ٨١٩٧ من الدواليب وبلغت حاصلاته من الفيالج الشرانق سنة ١٩٠٦ — ٢٠٢٧٠٣٠ أوقة ومن الزيت ٢٥٤٨٨ أقة وثمن الحرير الذي يخرج منه نحو ثمانية ملايين فرنك في السنة وكثر سكانه حتى عدلوا أن في كل كيلومتر مربع ٦١ نفساً ولا يفوق الجبل في ذلك غير ولاية الأستانة وجزيرة سيسام ساموس. وسكانه الآن زهاء أربعمائة وثلاثون ألف نسمة منهم ٢٥٠ ألفاً من الموارنة و ١٦٠ ألفاً من الروم و ٣٦ ألفاً من الكاثوليك و ٥٥ ألفاً من الدروز و ٣٣ ألفاً من المسلمين سنة وشيعة و ١٥٠٠ من البرتستانت والباقون أرمن وإسرائيليون وكلدان ولاتين وفيه خمسمائة من أهل الوبر يعيشون في مضاربهم خارج القرى وأكثرهم فقراء يستوكفون الأكف وقد أحصى غليلموس الصوري في تاريخ الصليبيين عدد الموارنة في عصره فكانوا أربعين ألفاً وما زال عددهم يربو على عدد وفياتهم وأن هاجر كثيرون بعد ذلك إلى قبرص ورودس والقدس ومالطة ولا يبعد أن تكون اللغة العربية انتشرت في جزيرة مالطة بواسطتهم. ولا يسعنا وقد وصلنا من بحثنا في شؤون الجبل إلى هذا الحد إلا أن نرسل جملة في شغف اللبنانيين بالهجرة إلى أميركا وغيرها من البلاد التي توهم أبن سورية أن المال فيها ملقى على الشوارع لا يحتاج إلا لمن يمد يده ليتناوله مع أولئك المهاجرين لو صرفوا في بلادهم نصف ما يصرفون من الوقت والقوة في بلاد المهجر على طول السنة وحسبوا ما صرفوه في ذهابهم وإيابهم وقدروا عدد من هلكوا منهم لرأوا أن المعدل واحد والفرق قليل لا يساوي هذا النصب. والذي ظهر من قرائن الأحوال أن ابن لبنان كان أول فلاح سوري هاجر إلى أميركا أو جرأ سائر السوريين على الهجرة مجذوباً بما اشتهر عن القارة الأميركية من الغنى ولكثرة علائق لبنان مع الغرب قبل حادثة سنة ١٨٦٠ وبعدها ولأن ابن لبنان أكثر أهل جبال سورية تعلماً ونوراً وأوفرهم نشاطاً ومضاءً وشمماً وادلالاً بل أن مجموع القارئين والكاتبين فيه أوفر من مجموع القارئين والكاتبين في مجموع مدن الشام. وأول من دخل أميركادواني القطوف لعيسى أفندي اسكندر المعلوف من السوريين الخوري الياس بن القسيس حنا الموصلي الكلداني من سنة ١٦٦٨ — ١٦٨٣ وأول من دخل أميركا الشمالية في القرن الماضي الخوري فلابيانوس الكفوري سافر إليها سنة ١٨٤٨ وأخذ معه ناصيف الشدودي وأول من دخل الجنوبية المطران باسيليوس حجار سنة ١٨٧٤ وكانت غايتهم جمع الإحسان وأول من دخل أميركا الشمالية للتجارة تجار من بيت لحم حملوا مصنوعاتهم الخشبية المرصعة بالصدف إلى معرض فيلادلفيا سنة ١٨٧٦ ثم عادوا إلى بلادهم بثروة وافرة فاقتفى أثرهم غيرهم واتصل ذلك بشمالي لبنان وامتد في كل سورية ثم كثرت الجالية السورية في العالم الجديد واستراليا وجزر البحر المحيط بل وفي افريقية شرقها وغربها وشمالها وجنوبها. وقدر بعضهم أن ثلث المهاجرين يسكن أميركا وثلثهم يرجع إلى وطنه والثلث الآخر يموت. ونظن أن الثلث الأخير مبالغ فيه وإن كان عدد الهالكين في المهجر غير قليل. وأحصيدواني القطوف عدد السوريين المهاجرين إلى سنة ١٩٠٦ فكانوا مائتينيوخمسين ألفاً منهم ستون ألفاً في الولايات المتحدة وخمسون ألفاً في جمهوريات أميركا الجنوبية وخمسة وعشرون ألفاً في أميركا الوسطى وعشرة آلاف في اوستراليا وبعض الجزائر والباقون في افريقية والهند والفليبين وكوبا ومصر وعدد اللبنانيين منهم ستون ألفاً نصفهم ذكور ونصفهم إناث وربما كان الذكور أكثر. كثرت الهجرة منذ نحو عشرين سنة وذهب بعض سكان لبنان بإقدامهم وذكائهم المعهود فنزلوا في دار الهجرة بلاداً تحتاج إلى أيدً عاملة ونفوس لا تعرف التعب فأنشأوا يعملون ويذخرون ويقترون على أنفسهم في النفقة على خلاف عادة معظم المهاجرين إلى أميركا من أهل أوربا مثلاً فآب من قدرت له السلامة منهم ولم يكن له رأس مال في هجرته غير صحته بمئات الليرات فكان أول همه أن يعمر له داراً قوراء بالحجر النحيت والقرميد على المثال الذي رآه في بيوت المهجر. وكثر تقليد الناس بعضهم لبعض ومنهم من اشترى له أرضاً في بلده وطفق الآخر بما جناه من ذاك الرأس المال القليل أما الأفراد الذين اغتنوا فعدت ثروتهم بالألوف فقد استوطنوا البلاد التي هاجروها جرياً على المثل العامي في المطرح الذي فيه ترزق الصق وهم إن كانت تحدثهم أنفسهم بالرجوع لا يهنأ لهم بال متى عادوا إذ يتجلى لهم الفرق الكبير بين نيويورك وشيكاغو وسان فرانسيسكو وبونس أيرس وسان باولو مثلاً وبين عشقوت وبسكنتا وعمشيت وعرنة ومعرونة أما أولادهم فينطبعون بطابع البلاد التي ولدوا فيها وأكثرهم لا يتعلمون اللغة العربية ولذلك لا يرجى البتة أن يعودوا إلى موطن آبائهم وهذا القسم ممن خسرتهم البلاد حقيقة والذي يزيد في الحسرة عليهم أن بعضهم ذهب برأس مال من بلاده ولو طفيف وبعضهم على جانب من الأخلاق والمعرفة لم يعمدوا إلى الطرق السافلة في تحصيل الثروة. نفعت الهجرة لبنان وأضرته وعندي أن المضار أكثر من المنافع إذ لا يظهر إلى العيان في الغالب إلا الحسن. فقد يذهب ألف مهاجر مثلاً إلى بلد كذا ولا ينجح منهم إلا واحد أو اثنان فيأخذ الناس يتحدثون في أمرهما وينسون أولئك المئات الذين يعملون أربع عشرة ساعة كل يوم في أشق الأعمال ولا يكادون بعد مرور سنين يوفون أجرة الطريق التي استلفوها من أحد المرابين في بلدهم أو باعوا في الحصول عليها أرضاً لهم ورثوها من آبائهم خل عنك من هلكوا بالأمراض وغرها وهكذا الحال في مجموع حالة لبنان من حيث منافع الهجرة ومضارها. فإن من نظر في الأمور نظراً سطحياً وشاهد تلك البيوت البديعة في قراه ومزارعه التي عمرت بمال أتى به المهاجرون من غير أرض لبنان وسمع بأن فلاناً أصبح يملك كذا وكذا من الليرات وأن بلد كذا يدخل إليه كل شهر من تحاويل أميركا ما يقدر بكذا من الذهب — من شاهد ذلك وسمعه لا يعتم أن تعروه هزة الفرح لبلاده وربما اعتقد أن الحال إذا دام على هذا المنوال وأموال أميركا لتسرب إلى بلادنا نصبح بعد بضع سنين أغنى من الأميركان وننقل شطراً عظيماً مما عندهم من الذهب الوهاج وهذا منتهى السعادة البشرية ليست السعادة بكثرة المال. السعادة شيءٌ غير ما يتوهمه من همهم إنشاء البيوت وتزيينها وفي باطنها الشقاء والحسرة. قال لي عجوز في صليما وقد سألتها أين رجالكم: ذهبوا ألى أميركا وتركونا هنا نحرس لهم البيوت التي عمروها لتسرح فيها الفيران عادوا ليجمعوا كمية أكبر من المال لأن ما جمعوه لم يكفهم لإتمام هذه الدور على ما يحبون وفرشها ونقشها ثم إن حالة البلاد لم تعجبهم بعد أن شاهدوا مشاهد أميركا. وقول هذه العجوز الذي أحزنني مغزاه ولا تزال الأذن تردد صداه قد سمعت مثله من كثيرين من أهل لبنان رجال ونساء. أي حسرة أعظم من أن تتوقع أمٌّ في كل أسبوع قدوم ابنها وقد تمضي الشهور ولا تتناول كتاباً منه أو زوجة تنتظر منذ سنين هي وأولادها وهو لا يكاد يبعث لهم بنفقتهم فتضطر تلك المرأة المسكينة أن تعمل ليلها ونهارها لتطعم أولادها من كدها وما هي بمفلحة. وأي بلوى أكبر من أن تدخل قرية وتجد فيها عشرات من البنات العوانس ينتظرن عروساً لأن شبان الضيعة هاجروا وأكثرهم لا يريد أن يتزوج وبعضهم تزوج من امرأة أميركية وزهد في أسرته وقريته لأنه تمدن بزعمه ولا يليق به أن يتزوج إلا من متمدنة. ومن شاهد البنات العوانس في لبنان يدرك سر تعدد الزوجات إلا في مثل هذه الحال ويسجل بأن أقل سيئات الهجرة انقطاع الأهلين عن التناسل ولولا ذلك لكثرت نفوس لبنان كثرة تذكر لطيب هوائه ومائه وتوفر أسباب الراحة فيه. وإن دعوى من يدعون أن لبنان لولا الهجرة لأصبح خراباً مردودة من وجوه أحدها أنهم يعتقدون أن تلك الأموال التي دخلت لبنان وهي تستخدم فيه الآن بفوائد طفيفة هي غنى لبنان وما الثروة في الحقيقة إلا العمل ليس إلا. فقد رأينا اسبانيا على عهد شارلكان تسرب المال إلى صناديقها بالبدر والسبائك من أقطار المعمور لأن هذا الملك كان يعتقد أن كثرة النقود والذهب في بلاد كف وحده في غناها ولكن لم تكن بضعة عقود من السنسن حتى أمست اسبانيا أفقر بلاد أوربا لأن أهلها انقطعوا عن تعهد تربتها والأخذ بحظ من الصناعات اللازمة لهم والعلوم الرافعة من شأنهم. إن انصراف وجهة اللبنانيين وغيرهم من السوريين إلى نزول أميركا وافريقية للاغتناء من خيراتها بسرعة على أمل العودة إلى مساقط رؤوسهم متى امتلأت أكياسهم وجيوبهم وعبابهم قد حال دون تعهد أرضهم واستثمار صناعاتهم. ففي لبنان من الخيرات الطبيعية ما يكفي أهله إذا زادوا ضعف ما هم الآن ومهما بلغت العناية اليوم بزراعته لا يزال فيه فضل للعمل وميدان واسع للجد. ولا يشعر بذلك إلا أرباب الأملاك. مثال ذلك أن كدنة الفلاحة كانت تساوي منذ سنوات قليله خمسة وعشرين قرشاً فأصبحت اليوم تساوي ستين على حين أن غلات التوت لم تزد على تلك النسبة وذلك لقلة أيدي العاملين وارتفاع أسعار الحبوب وغيره من مقومات المعاش في البلاد ولأن المهاجر اللبناني الذي كان فلاحاً حراثاً إلى عشرين أو ثلاثين جداً من أجداده إذا هاجر وقضى في هجرته ثلاث سنين ثم آب بلاده تكبر نفسه فلا يعود يتنازل إل معاناة الزراعة بل يفضل أن يعيش كما يعيش تجار أميركا وأرباب الأملاك في بلادنا وهو لا يملك رأس مال يكفيه سنة واحدة إذا ظل عطلاً عن العمل. في أمثال العامة أنا أمير وأنت أمير فمن يسوق الحمير حكمة لطيفة نافعة تصدق على اللبناني المهاجر فإذا أحب كل فرد من المهاجرين أن يقلد الأعيان في عيشه ورفاهيته فمن يبقى لتعهد التوت والزيتون وغرس الصنوبر والأرز والسنديان والزان وحفر الأقنية والأحواض وتمهيد الطرق ومعالجة الصناعات من حل الحرير وصنع الأقمشة المزركشة البسيطة وعمل الفرش والستور وأنواع الزينة. ولقد قال الاقتصاديون أن جملة ما ساعد ألمانيا على عظمتها التجارية الصناعية العلمية أنك تجد في رجالها أنواع العاملين ولا يستنكف كل عامل من عمله بل ولا يريد أن يعرف إلا به فالألمان أشبه بجيش منظم فيهم الجندي كما فيهم الضابط الصغير والكبير والقائد العظيم وكل واحد منصرف إلى عمله لا تحدثه نفسه أن يقلد رفيقه أو يعتدي عليه بل يعمل في دائرته بما يستطيعه ويحسنه ما أمكنه الحال ولو جرى أهل بلادنا على هذا المثال لأصبحنا بعد جيل أمة راقية حقيقية ولما رأينا الصغير يشكو لأنه يريد تقليد الكبر وأسبابه لا تساعده. نحن لا نجاري أولئك الذين يدعون أن لبنان كان خراباً لولا الهجرة لأمور أقلها أن البلاد السورية واسعة وأهل لبنان اليوم وقبل اليوم يستطيعون أن ينزلوا الأقاليم القليلة السكان المحتاجة إلى العناية ويستعمروها فإن فتشوا ذات اليمين وذات الشمال ورأوا طرابلس وعكا وحمص وبعلبك والبقاع ومرجعيون وصيداء تتاخم جبلهم وتحصرهم فيه فإن لهم من بلاد الكرك وحوران وبادية الشام وبلاد حلب مثلاً ما يكفي لإغناء مئات الألوف من الناس فلو نزلوا تلك البلاد الخاوية وعمروها بكدهم لأصبحت بعد سنين جنات زاهرة وأقلُّ ما في ذلك من منافع أن هذه البلاد منهم على أيام قليلة يستطيعون في استعمارها أن يقضوا معظم أيام السنة في جبلهم. وقد كتب قائم مقام سروج من أعمال حلب منذ مدة في جريدة المقتبس يقول أن خمسين قرية في قضائه وحده محلولة وتباع كل واحدة منها بثلاثة آلاف قرش فلو اشتراها بعض أرباب الأموال من اللبنانيين وأنفقوا عليها النفقات التي ترقى زراعتها وغرسوا فيها الأشجار وأقاموا البيوت لما أتت ثلاثون سنة إلا وهذا القضاء وحده من أعمر البقاع السورية فما بالك بما في غيره من الأقضية والألوية والولايات العثمانية من الخيرات. لا نوافق القائلين بالاغتناء بسرعة فإن ما يأتي بدون عناء كبير قد يذهب في الأكثر كما جاء. وإنا لنؤثر أن يوجه اللبنانيون ولا سيما في عهد الدستور السعيد وجوههم قل البلاد الداخلية من سورية والعراق والأناضول ففيها متسع لهم وفيها لهم مغانم كثيرة ولو صبروا على جنيها لكان لهم ولأبنائهم وأحفادهم منها مال خالد وملك لا يكاد يبلى. وفي لبنان من الصناعات القديمة ما يرقى لو سعوا تحسينه كعمل الأقمشة والنجارة والحدادةفي قرية بيت شباب من مديرية القاطة تصنع اجراس وغيرها وله مورد آخر للربح ينتفع منه الآن أكثر من سائر جبال سورية ونعني به موسم المصطافين فإن لبنان من سورية ومصر كسويسرا من أوربا وأميركا يقصده الكثيرون كل سنة التماساً للصحة والراحة فلو عني اللبناني أكثر مما يعنون براحة من ينزلون عليهم لأتاهم الصيف في كل سنة بما لا يقل عن مليون ليرة فقد حسب بعضهم عدد المصطافين في لبنان سنة ١٩٠٦ فكان خمسة عشر ألف نسمة أكثرهم من المصريين فلو فرضنا أن الواحد ينفق عشر ليرات لكان المبلغ لا يقل عن مئة وخمسين ألف ليرة فما الحال لو زاد هذا العدد ونحن نرى أن سويسرا وإيطاليا تربح كل منهما من موسم السياح كل سنة ما لا يقل عن خمسة عشر مليون ليرة وإذا زادت عناية حكومة لبنان وأهله بالمصطافين في قمم لبنان لا يعتم أن يجلب إليه أناساً من المصطافين من أهل أوربا نفسها خصوصاً إذا رأى السياح أن النفقة في الجبل أقل مما في جبال الألب وأنها لا تبلغ مع أجور النقل في البحر والبر والمبلغ الذي يصرفونه في بلاد الاصطياف. وبعد فإننا لا نفتأ نكر القول بأن من الأنفع لأبن لبنان أن يوجه بعد الآن وجهته إلى الداخلية ليعتاش ويرتاش وأنه إذا استفاد المهاجرون منا إلى أميركا من حيث ارتقاؤهم في اقتباس بعض أصول التمدن في الملبس والمأكل والمسكن فإن الأنفع له ليوم أن يستعمر بلاده وهي تحتاج إلى أضعاف أضعافهم. وسوف يعلمون أن هذه النصيحة صادرة عن إخلاص لا يراد منها إلا نفع لبنان خاصة وسورية عامة فإن يقاسيه اللبناني من ألم الغربة والمهانة في الأحايين واحتقار الغربي له مهما بلغ من مكانته جدير بأن لا ينسيه بلاده والعيش بين أهله وجيرته. وقدر أحد العارفين منذ ثلاث سنين أن ما حمله اللبنانيون المهاجرون إلى لبنان يبلغ خمسمائة ألف ليرة أي على معدل خمس ليرات لكل مهاجر فلو فرضنا أن هذا القدر قليل وعدلناه نحن بمليون ليرة هل كان هذا المبلغ يعادل ما فقد من الرجال وخسرته البلاد من قواها المعنوية والأدبية. نهضة العربية الأخيرة سألتموني سعدت بكم أوطانكم أن أحدثكم بطرف من تاريخ نهضة اللغة العربية في المئة سنة الأخيرة وما منكم إلا من استفيد منه وأتشرف بالأخذ عنه. أنتم من أهل الفئة الفاضلة في وطنكم يتوقع منكم أن تنيروا آفاق جهله بأنوار معارفكم وأن تعمروا أكناف معالمه ومجاهله بما ثقفتموه في هذه العاصمة السعيدة من تجارب نافعة وتلقفتموه من علم صحيح وآداب رافعة. فإنى لي وأنا نازل بينكم متعلماً لا معلماً أن أفوه في حضرتكم بكلام وقد اعتادت آذانكم سماع مصاقع الخطباء وتقرير جهابذة الباحثين والعلماء وما حالي وحالكم لو أنصفتكم وأنصفت نفسي إلا حال من يحمل التمر إلى هجر أو المسك إلى أرض الترك استغفر الله بل أن حال من يلقي محاضرة على جمعية الإخاء المصرية في باريز أعجب وأغرب. إخواني: تعلمون قرت بكم عيون مصر أنه أتت على اللغة العربية أدوار وأطوار وعرض لها ما يعرض لكل كائن في الوجود من ضعف وقوة وعزة وذلة وأن أتعس أيام ضعفها كانت في القرن العاشر والحادي عشر والثاني عشر للهجرة وهو عهد الفتور في جسم الأمة الإسلامية عامة والأمة العربية خاصة. ثلاثة قرون بل أكثر مضت في مرض مستحكم كانت تكفي لموت هذه اللغة الشريفة التي تعقد اليوم على أمثالكم خناصرها وترجو بمساعيكم أن يكون مستقبلها خيراً من حاضرها وغابرها بيد أن لغة يفرض على زهاء مائتي مليون من المسلمين أن يتعلموها ليفهموا بها كتابهم العزيز يستحيل عليها الاضمحلال ما دام في الأرض مسلم يوحد الله. لابد لكل حركة من سبب. وسبب ما عرا العربية من الضعف في تلك القرون انقطاع الملوك عن الأخذ بيدها فأصبحت الأمور العلمية صورية ينظر فيها إلى الأشكال لا إلى الحقائق واقتصر الناس على فروع الفقه والكلام والتوحيد وعدوا ما عداها من العلوم فضولاً لا غناة فيه وساعد على انتشار هذا الرأي السخيف ما أصاب البلاد من ضعف الأحكام وفساد النظام ولا علم حيث يفقد الأمن وفي النادر أن يهتم جاهل بتعليم أو يربي من لم يتربَّ. وكأن قدرة المولى تعلقت بأن هذه اللغة التي نشأ لها الضعف من أبنائها أن تأتيها الصحة على أيدي غيرهم. وربما يعجب بعضهم الآن إذا قلنا له أن مبدأ نهوض اللغة العربية كان في مصر أيام محمد علي وقد صحت عزيمته على خدمتها مسوقاً بنابل من سلامة فطرته ودلالة بعض مستشاريه من أهل العلم من الفرنسيس فكان من أعماله الحليلة ما خلد له الفخر على الدهر وجعله من حيث خدمته للغة والعلم لا من حيث منازعه السياسية من أعاجيب الحكام في الشرق. والشرق أبو المعجزات والكرامات. ليس من يجهل أن محمد علي كان أمياً أو يقرب من درجة الأمية. مات ولم يحسن التكلم بالعربية العامية لأنه كان ارناؤدياً ولم يخط سطراً واحداً لأنه تعلم في الكهولة مبادئ طفيفة من حسن الخط والقراءة فقط. ومع هذا فقد عني بما لم يعن به أحد من ملوك المتأخرين وشرع منذ استتب له أمر مصر يختار الأذكياء من أبنائها ممن قرؤوا الدروس الوسطى فيبعث بهم على نفقة الحكومة إلى أوربا ليخصوا في العلوم التي أولعوا بها حتى إذا عاد أحدهم وأتم تحصيله يحبسه عنده في قلعة الجبل ويخرج له كتاباً بالإفرنجية في الفن الذي أتقنه ويوعز إليه بأن لا يخرج من القلعة قبل أن يترجمه بالعربية ويأمر له بأسباب الراحة والمعينات على الترجمة والتأليف. فإذا ما انتهى الطالب من عمله يعرضه على أمير البلاد وهذا يدفعه بالطبع للعارفين من الناس أو إلى لجنة كانت معروفة إذ ذاك بلجنة الامتحان فبعد أن تنظر فيه ترخص بطبعه في المطبعة الأميرية ويغدق الأمير على المترجم أنواع الهبات ويشرع في ترقيته في المراتب إن كان ممن استعدوا للإدارة أو الجندية أو البحرية وإذا كان من الأساتذة يوسد إليه التدريس في بيوت العلم موسعاً عليه في الرزق ليتخرج به أبناء مصر. وهو عمل يذكرنا بما كان يأتيه المأمون العباسي من الأنعام على المترجمين ولكن ما يصدر عن المأمون وهو أعلم خليفة في الإسلام لا يستكثر منه وعصره شباب هذه الأمة بقدر ما يستكثر ما تم على يد محمد علي الأمي الألباني وعصره عصر شيخوخة الإسلام والمسلمين. قال لي صديقي الدكتور عثمان بك غالب أحد حسنات مصر الذين نبغوا بفضل الطريقة التي اختطها محمد علي لمن يجيء بعده وشاهد تلك الحركة العلمية في إبانها ثم شاهدها في انحطاطها وهو يشهدها الآن في تجددها: لقد ظلت نهضتنا العلمية سائرة أحسن سر إلى سنة ١٨٨٢ فما بعدها وبدأ انقطاعها سنة ١٨٨٧ وقد قام بعدها رجل من أبناء مصر نفسها وهو علي باشا مبارك ناظر المعارف فسعى وربما كان بدون قصد سيء منه لإحلال اللغة الإنكليزية محل اللغة العربية في المدارس الأميرية زاعماً بأن الواجب على المصريين مخاطبة المحتلين بلغتهم وهذا لا يتأتى إلا إذا أتقن المصريون لغة البريطانيين فبدأت نظارة المعارف في أيامه وبعدها تسلب وظائف التدريس من المصريين وتعطيها لأبناء انكلترا وقطعت الإرساليات العلمية إلى أوربا حتى لم يكد يبقى اليوم من أولئك المدرسين المصريين غير شيوخ قلائل إذا عادوا إلى منابر التعليم لا يسدون حاجة مصر وأخذت المعارف في عهد المبارك تطهر المدارس بأمثال دنلوب وارثين من كل ما ينفع اللغة أو كان من آثار النهضة الأولى حتى لقد كانت تطرح الكتب المترجمة أكداساً من مستودعاتها كما يطرح القذى والنوى لتسجل العار على من عقوا لغتهم وأمهم كما عق أخوة يوسف ابن أبيهم عل حين كان علي مبارك من جهة ثانية يؤسس دار العلوم ويؤلف التأليف التي تخدم العربية مثل الخطط وعلم الدين وغيرهما من مصنفاته. قال غالب بك كان أكثر أساتذة المدارس التي أنشئت في مصر على عهد نهضتها الأولى من الفرنسويين المستعربين يكتب الأستاذ درسه بالفرنسوية والمترجم معه ينقله إلى العربية فيلقي على الطلبة بلغتهم دام ذلك منذ سنة ١٨٣٠ إلى سنة ١٨٥٤ وقد كتب فيها الأستاذ بروجر بك الفرنسوي رئيس مدرسة الطب والولادة والصيدلة والمستشفيات المصرية إلى خديوي مصر في عهده يقول له في تقريره السنوي أن الوقت قد حان لأن تكون وظائف التدريس كلها بيد المصريين إذ أصبح فيهم الأكفاء الآن وأن مهمة فرنسا في تربية أبناء مصر في هذه الفروع العلمية قد انتهت أو كادت. نعم في ذاك العهد تم للعربية ما تريد من تعريب المصنفات العلمية والأدبية على اختلاف أنواعها فأضحت لغة علم بعد أن انقطع سند العلوم منها قروناً وأحيا أولئك المصريون أمثال الطهطاوي والرشيدي والشباسي والهيهاوي والنحراوي وحماد وبهجت والفلكي وندى والنبراوي والبقلي ألفاظاً من لغتنا كانت في حكم الدارس هجرت منذ كان العرب يترجمون وينقلون على عهد الدولة العباسية في بغداد والأموية في قرطبة والفاطمية في مصر وأضافوا إل تلك الألفاظ ما حدث بعد عهد الحضارة العربية من المستحدثات العصرية والمصطلحات الفنية وعربوها على الطريقة التي سلك عليها أجدادنا المعربون غالباً حتى أن الأتراك والفرس لما شرعوا يعلمون العلوم في البلاد العثمانية والإيرانية باللغتين التركية والفارسية لم يجدوا أمامهم كنزاً حاضراً ينتفع به في الحال مثل تلك المعربات المصرية الحديثة في الهندسة والطب والعلوم والاجتماع والفلسفة والتاريخ والجغرافية وغيرها فنقلوا المصطلحات العربية برمتها وأدمجوها في تضاعيف لغتهم. كان الطلبة الذين أرسلهم محمد علي إلى التخرج في أوربا وتلامذتهم وتلامذة تلامذتهم مدة نصف قرن حملة لواء العلم لا في القطر المصري فقط بل في البلد العربية كافة وأصبحت مصر ببيض أياديهم من هذه البلاد بمثابة باريز من الممالك اللاتينية تفيض عليها النور وتهز أعصابها للارتقاء حتى بلغت الكتب التي ترجمت في فنون مختلفة من الإفرنجة زهاء ألفي مجلد. والأثر الأكبر فيها للشيخ رفاعة الطهطاوي شيخ من ألف وترجم في عهده بما خلفه من قلمه أو عرب في قلم الترجمة برئاسته وما بثه من المبادئ في مدرسة اللغات ومجلته روضة المدارس. وكلها أعمال مهمة تدل على نفس طويل وفضل جزيل. خل عنك تلك الجرائد والمجلات التي صدرت في تلك الأثناء ومنها جريدة وادي النيل لأبي مسعود ومجلة الطب لكلوت بك. ورب معترض يقول أي علاقة لتعلم العلوم الجديدة ونقلها إلى العربية بحياة اللغة التي يراد منها آدابها المنثورة والمنظومة ليس إلا. والجواب أنه لا أدب لمن خلت لغته من أمثال هذه المعارف. فكما أن للعلوم ارتباطاً كلياً بعضها ببعض هكذا خلت لغته من أمثال هذه المعارف. فكما أن للعلوم ارتباطاً كلياً بعضها ببعض هكذا اللغة دخل عظيم في سلاسة آدابها بما تأخذه عن غيرها بل إن لغة مهما حوت من أنواع البديع والمعاني والبيان لا تعد من اللغات الحية إن لم تكن لغة علم قبل كل شيء. وهنا مسألة مهمة لا أحب أن أمر بها وأنا منطلق لأن لها علاقة كبرى بموضوع النهضة الأدبية وهي أنا إذا تدبرنا تاريخ محمد علي وحسناته على العلوم والمعارف لا نلبث أن نشبهه من ملوك الإفرنج بالإمبراطور شارلمان ملك فرنسا وجرمانيا الغربية. وشارلمان كما لا يعزب عن علمكم كان من أعظم ملوك دهره وله صلة بملوك المسلمين وهو الذي أنفذ إليه الرشيد العباسي رسولاً من قبله سنة ١٨٠١ م يحمل إليه هدايا فاخرة ومفاتيح القبر المقدس وهذا الذي كان يحمي الملتجئين إليه من أمراء المسلمين الهاربين من الخلفاء في قرطبة. كان شارلمان لأول أمره أمياً تعلم الكتابة البسيطة على كبر مثل محمد علي إلا أن تنشيط التجارة والصناعة والآداب كان مغروساً فيه بالفطرة فجعل قصره معهد المستنيرين والمتعلمين الذين يستعين بهم على نشر المعارف بما أنشأه من المدارس بإشارة الكوين المشهور أستاذه وأمين سره وباذر الجراثيم الأولى من المعارف في هذه الأرض الفرنسوية وبمساعيه أنشئت المدارس في اكس لاشبل عاصمة البلاد إذ ذاك وتور واورليان وليون واستنسخت الكتب الوافرة لينتفع بها الطلاب. ومن العجيب أنه حدث لنهضة شارلمان ما حدث لنهضة محمد علي حذو القذة بالقذة وذلك أنه لما مضى لسبيله عادت تلك الحركة العقلية فركدت ريحها جملة واحدة لأن من خلفوه على سرير الإمبراطورية لم يكونوا على قدمه ولا رزقوا سعة عقله وصفاء طبعه ولأن الأعمال العظيمة في البلاد المنحطة قد تقوم بالفرد أكثر من قيامها بالأفراد وعلى العكس منها في البلاد الراقية. أتت خمسون سنة على فرنسا بعد وفاة شارلمان مات في خلالها التعليم أو كاد ولم تدب روح التجديد فيها إلا بانتباه عقول الأمة وعلى يد أناس من أبنائها كما قامت مصر منذ نح عشر سنين تجدد حياة آدابها بيدها بعد محمد علي بنحو خمسين سنة متكلة في مهمتها على نفسها لا على الحكومة وبذلك جاز لنا الاستنباط بأن كل اصلاح يقوم بالأمة في هذا الوجود يكون الأمل في بقائه أكثر مما يقوم بيد الحكومة ولا سيما في الدول الإستبداية التي تجد فيها تمييزاً بين الأمة والحكومة. والحكومات قد تعرض لها عوارض تنسى معها الترغيب في العلم ومنها إلى اليوم من يفضل الجهل على العلم. ولهذه المسألة نظائر كثيرة في تاريخ الأمة العربية فقد رأيناها تسعد وترقى في برهة قليلة على يد فرد عظيم عاقل من ملوكها وشاهدناها تشقى وتنحط بفرد آخر لا يرجع إلى عقل ولا إلى نقل. كان الأدب العربي قبل دور النهضة الأخيرة عبارة عن سجع كسجع الكهان طول بلا طول ولا طائل وجمل باردة سمجة وشعر ركيك أكثره في الأماديح والأهاجي وإن ارتقى الشاعر انفلق لسانه في وصف الخد والخال وذات النطاق والخلخال من ربات الحجال أو الذكران من الرجال. وما أظنكم أعز الله بكم دولة الأدب إلا قد وقع لكم شيءٌ كثير من أمثال هذه الركاكات والسخافات فضربتم بها عرض الحائط وحمدتم الله على أن خلقكم في زمن قام فيه من الكتاب أمثال محمد عبده وأحمد فارس وإبراهيم المويلحي وإبراهيم اليازجي وإبراهيم الحوراني وطاهر الجزائري وعبد الله فكري ومحمود شكري الألوسي وجمال الدين القاسمي وحفني ناصف ويعقوب صروف وإبراهيم مصور وسليمان البستاني وعبد الرحمن الكواكبي وشبلي شميل وقاسم أمين وأحمد فتحي زغلول ورشيد رضا ورفيق العظم وعبد الحميد الزهراوي وعبد العزيز جاويش وصالح حمدي حماد ولبيب البتنوني وفريد وجدي ومحمد فريد وعلي يوسف وأحمد تيمور وزكي مغامز وشاكر شقير وسامي قصيري وشحادة شحادة وسعيد الشرتوني ورشيد الشرتوني وفرح انطون وجرجي بني وإبراهيم النجار وأديب اسحق ونعوم لبكي ونعوم مكرزل وأحمد فؤاد وسعيد أبو جمرة ومصطفى الغلاييني وعبد الباسط فتح الله ومحمد بيرم وخير الدين التونسي ومحمد المهدي وشكري العسلي وشاكر الحنبلي وعبد الوهاب الإنكليزي ونجيب شاهين واسكندر شاهين وسعيد الباني ومحمد مسعود وحافظ عوض وحسن حسني الطويراني وأحمد سمير وعبد الغني العربي ورزق الله حسون ويوسف البستاني وأنطوان جميل وعادل أرسلان ونسيب أرسلان وجرجي حداد ورشيد عطية ونجيب طراد ويوسف زخم وعبد الوهاب النجار وميشيل بيطار وخليل زينية ومحمد مصطفى وأحمد زكي ومصطفى لطفي المنفلوطي وأمين ظاهر خير الله وعيسى اسكندر المعلوف وديمتري قندلفت ويوسف الخازن وروحي الخالدي ومحي الدين الخياط ومحمد المويلحي وخليل سعداة وداود بركات وبشارة زلزل وبولس زوين وعبد القادر المغربي وبدر الدين النعساني ومرسي محمود ومحمد صادق عنبر وعبد الرحمن البرقوقي وعبد القادر المؤيد وعبد الكريم سلمان وأحمد الصابوني وعشرات غيرهم لا تحضرني الآن أسماؤهم من شيوخنا وكهولنا وشبابنا. وقام من الشعراء محمود سامي وعبد المحسن الكاظمي وإسماعيل صبري وحافظ إبراهيم وأحمد شوقي ومعروف الرصافي وجميل الزهاوي وشكيب أرسلان وفارس الخوري وخليل مطران وعبد الله البستاني ومصطفى صادق الرافعي وبطرس كرامة وناصيف اليازجي وعبد الباقي العمري ونجيب الحداد وأمين الحداد وولي الدين يكن ونقولا رزق الله وشبلي ملاط وداود عمون وفضل القصار ورزق حداد وغيرهم ومن الخطباء جمال الدين الأفغاني وعبد الله نديم وإبراهيم الهلباوي وسعد زغلول وأحمد الحسيني ونقولا توما ومصطفى كامل وعبد الرحمن سهبندر وأنيس سلوم واسكندر العازار وفارس نمر ومحمد أبو شادي وأمين ريحاني ومحمد لطفي جمعة وأحمد لطفي السيد وأحمد عبد اللطيف وعمر لطفي وأحمد لطفي وإبراهيم اللقاني وأحمد محمود وعبد العزيز الثعالبي وغيرهم ممن هم عمدة العربية في نهضتها الأخيرة عملوا لخيرها في مصر والشام والعراق وتونس أعمالاً وخلف أكثرهم من مآثر فضله ما يطرس المتأدبون عليه وينسجون على منواله. وبينا كانت اللغة العربية تزهر في مصر في الإمارة العلوية عزَّ على الشام أن تكون دون شقيقتها في هذه الخدمة الشريفة فنشأت لهذه اللغة حياة جديدة في سورية لا بواسطة الحكومة كما في مصر بل بواسطة الأفراد والجمعيات وذلك في أواسط القرن الماضي وكانت بيروت مدينة وهي ثغر لبنان وسورية موطن تلك الشعلة وقد جاءها أناس من مرسلي الفرنسيس والأميركان وأنشؤا فيها مدارس جعلوا لغتها الأولى اللغة العربية وأتقنها كثيرون من أهل لبنان فحمد مسعاهم وكانت اليد الطولى في تنشيط لغة قريش للدكتورين كرنيليوس فانديك ويوحنا ورتبات وهما من أعظم مؤسسي الكلية الأمريكية الأنجلية في بيروت تعلما العربية والأول أميركي والثاني أرمني ودرسا بها مع أقرانهما العلوم الطبيعية والرياضية والطبية ومن غيرتهما عليها أن عمدة المدرسة لما عمدت أن تجعل لغة التعليم في الكلية اللغة الإنكليزية بدل العربية قاوما ما وسعتهما المقاومة ولما أخفقا استقالا من وظيفتهما لأنهما أبت مروءتهما إلا أن يمحضا النصح للبلاد وللغتها. والدكتور كرنيليوس فانديك الأميركاني في سورية بفضله على اللغة العربية وما عرب لها من كتب العلم أشبه بالشيخ رفاعة الطهطاوي في مصر ووجه العجب في فانديك أعظم لأنه أميركي والمنشأ غار على لغة العرب أكثر من أهلها ومن الغضاضة على مصر والشام أنهما لم تعرفا لهما حقهما على ما يجب وكان على القطرين أن يرفعا لهما تمثالين كما رفعت باريز لهوغو وروسوا وكما رفعت مصر لمحمد علي وإبراهيم. والعلماء لم يكونوا أحق بالرعاية من رجال السياسة في بلادنا فلا أقل من أن يكونوا على مستواهم. ولقد كان من أعظم من خدموا الآداب العربية في بيروت على ذاك الدور أيضاً بطرس البستاني وأسرته بما نشره من دائرة المعارف العربية وغيرها من الكتب والجرائد وبثه في مدرسته الوطنية من أصول العلم وفروعه وكذلك يوسف الأسير وإبراهيم الأحدب وناصيف اليازجي وأسرته وغيرهم. فهؤلاء كلهم توفروا على التعليم وتخرج بهم مئات من الطلبة الذين انتشروا بعد في أقطار الشام ومصر وأميركا وكان منهم الكتاب والصحافيون والمحامون والخطباء. ولم تحرم الأستانة — والعواصم مرزوقة منذ خلقها الله — من نزول عالم بالعربية فيها اتخذها مباءة علمه ومثابة درسه وبحثه وأعني به أحمد فارس الشدياق الذي اقترح عليَّ صديقي سيد أفندي كامل من رجال الجامعة المصرية أن أتوسع في الكلام عليه. أصل هذا الرجل من لبنان من أسرة مسيحية خرج من بلاده مغاضباً فقضى زمناً طويلاً في مصر وتونس ومالطة وفرنسا وإنكلترا وتعلم خلال ذلك الإنكليزية والإفرنسية ثم دان بالإسلام وألف بعض الكتب ومنها اللفيف في كل معنى طريف طبع في مالطة سنة ١٨٣٩ ومن كتب في أوربا كتاب الساق على الساق في ما هو الفارياق أو أيام وشهور وأعوام في عجم العرب والأعجام طبعه في هذه العاصمة سنة ١٢٧٠ هـ. وضمنه ترجمة حياته وشؤوناً وشجوناً على أسلوب يجمع بين الجد والفكاهة تقدر أن تعده من الإنشاء المعروف عند الإفرنج بالامورستيك الجد في الهزل أو الرياليست الحقيقي الذي حدث في عهد فلوبر أو الناتوراليست الطبيعي الذي تم على يد زولا وانك لتدهش من قدرته فيه على التعبير ورشاقته في التصوير ومتانته في التحرير والتحبير فكأن اللغة التي كان من جملة محفوظات أحمد فارس فيها قاموس الفيروزابادي الذي ألف كتاباً مهماً في نقده سماه الجاسوس على القاموس — كانت نصب عينيه يأخذ منها كل ساعة ما يشاء ويستحضر في دقيقة ما يصعب الإتيان به في ساعة ويتقن ما شاء بيانه وتبيانه. ولفظ الفارياق مقتطع من أول اسمه فارس وآخر اسم أسرته الشدياق. وقد حمل في كتابه على رؤساء الدين حملة منكرة لأن بعضهم قتلوا أخاه ظلماً وتعصباً جعلوه في بناء لهم وبنوا فوقه لأنه دان بالمذهب البرتستانتيوهنا قرئت نموذجات من شعر احمد فارس ونثره من كتابه الفارياق هبط أحمد فارس مدينة الأستانة بعد أن خبر حال أوربا خبرة زائدة وأنشأ جريدة الجوائب التي طار صيتها في الأفاق ورزق الحظوة بعلمه فكان ملوك الأطراف يهادونه ويمنحونه المنائح وممن كان يساعده خديوي مصر وباي تونس وملك باهوبال في الهند حسن صديق خان الذي طبعت له مطبعة الجوائب معظم تآليفه العربية وكان هذا الملك أعلم الملوك المتأخرين بل أشبه بأبي الفداء صاحب حماه في جمعه حكم الناس إلى معالجة التأليف وهو بلا نزاع نابغة العجم والعرب في فهم أسرار الكتاب والسنة. ولقد كانت جريدة الجوائب مثال الإنشاء العربي البحت سارت جميع صحفنا التي أسست بعدها على نسقها وقلَّ أن نشأت جريدة في صحتها وديباجتها العربية اللهم إلا أن تكون جريدة العروة الوثقى للشيخين جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده ومصباح الشرق لإبراهيم بك المويلحي والبرهان للشيخ حمزة فتح الله وذلك لأن جريدته كانت كهاته أسبوعية وله فيها مساعدون في الأقطار العربية كان يهاديهم ويهادي علماء عصره حتى كثر أحبابه من العلماء في شمالي افريقية وغربي آسيا ووسطها وهو الذي يتولى النظر في كل ما ينشر فينمقه ويزوقه وناهيك بكلام تصقله الأنامل الفارسية. فأحمد فارس هذا لو أنصفنا هو واضع أساس الصحافة العربية وباعث روح الحياة في آدابنا بما خلفه من آثاره ومن أراد أن يطلع على شيء من كتاباته في جوائبه فعليه بالرجوع إلى كنز الرغائب في منتخبات الجوائب وهو مطبوع متداول وإن أحب الإطلاع على الجوائب برمتها في حجمها ووضعها فليرجع إليها في خزائن الكتب في أوربا ومصر والأستانة. ولم يقف عمل أحمد فارس عند حدود نشر جوائبه وكتبه ومنها كتاب سر الليال ورحلة له إلى أوربا جدة محضة وكتاب نحو اللغة الإنكليزية وديوان شعره وغيرها بل نشر طائفة من كتب الأدب واللغة والشعر ككتب الثعالبي والتوحيدي والطغرائي والبديع وغيرهم من أئمة الأدب نشرها على أحسن أسلوب راق في طول البلاد عرضها بأثمان بخسة فعمت بها الفائدة وأنشأ طلاب الآداب يتحدونها في أسلوبها. وما برحت مطبوعات الجوائب إلى اليوم يتنافس المتنافسون ويدخرها غلاة الكتب لينتفع بها الأحفاد والبنون على ممر الدهور والقرون. ابتلى أحمد فارس بأناس حسدوه وأي عالم خلا من حساد وطفقوا يشنعون عليه ويزيفون شعره ونثره وينتقدون جريدته وكتبه ولكن تلك المناقشات اللغوية والأدبية بينه وبينهم بل بين حزبه وحزبهم لم تزد فارسنا إلا جرأة على الجري في مضماره وقبولاً بين العالمين بمصنفاته وآثاره فكان بنقده بعض كتاب اللغة العربية أشبه بسانت بوف في نقده كتاب عصره من الفرنسويين فاستفاد أرباب الأقلام من تلك المحاورات كما استفادوا بعد مما دار بين التقدم والمقتطف والبيان والضياء والمشرق وبذلك أخذ من يعانون صناعة القلم يتأنون قليلاً فيما يكتبونه وأخذت تخف أغلاط الكاتبين والشاعرين وتسلم عبارة التأليف كلما نقل الناقلون عن اللغات الإفرنجية ونحا المؤلفون مناحي قدماء الكتاب في ترك التكلف والتعسف حتى صح لنا أن نقول اليوم أن أسلوب الكتابة العربية لا ينقص عن اللغات الإفرنجية الراقية بإيجازه واندماجه وتقطيعه وفيه بلاغة قدماء المنشئين وسلاسة المعاصرين وأفكارهم. نعم عادت للغة العربية ولا سيما في الثلاثين سنة الأخيرة نضرتها الأولى في القرن الرابع والخامس والسادس للهجرة وخلصنا من ذاك السجع المتكلف الذي أتانا به العماد الكاتب الأصفهاني من فارس — وفارس مورد بدع كثيرة في الإسلام منها الزندقة والزنادقة ثم الباطنية ومنها الموسيقى والعود المطرب — ونقله إلى العربية فأجاد في أكثره إلا أن من جاؤا بعده قد أفسدوا علينا لغتنا لأنهم لم يتقنوه. وإني لا أزال أذكر ما كنت أكثر من مطالعته واستظهاره أيام ولوعي بالأدب من مقامات الحريري ورسائل الخوارزمي ورسائل الصابي وتاريخ اليميني للعتبي ومقامات الزمخشري ومقامات الأصفهاني وقلائد العقيان وذيله مطمح الأنفس للفتح بن خاقان وخطب أبن نباته وفاكهة الخلفاء لأبن عربشاه وخزانة الأدب لأبن حجة والريحانة للخفاجي وغيرها من الكتب التي كنت أطرب لتلاوتها ولا أكاد أفارقها في خلوتي وجلوتي. ولما كتب لي الإطلاع على الآداب الفرنسوية والتركية وأنشأت أبحث عن كتب كتبت بلا تكلف وتعمل ككتابات الجاحظ وابن المقفع وعبد الحميد الكاتب وسهل بن هرون وأبي حيان التوحيدي وابن مسكويه والراغب الأصفهاني والغزالي والماوردي والطبري والمسعودي والصاحب وأبن العميد وأبن خلدون وأبن الخطيب وغيرهم من جهابذة المنشئين غدوت أعجب من نفسي كيف أضاعت وقتها في تلقف تلك الأسفار المسجعة وفي اللغة مثل نهج البلاغة والبيان والتبيين والذريعة والإحياء وغيرها مما لا يتسع المجال لتعداده وهو في الحقيقة ونفس الأمر مادة أدب كما هو مادة عليم لا تبلى على الدهر جدتها ولا تخلق ديباجتها كما كنت أعجب من إقبالي أيام الطلب على تلاوة شعر أبن النبيه وأبن معتوق والصفي الحلي وأبن منجك وأبن مليك والجندي من شعراء المتأخرين وعند العرب من أهل هذا الشأن أمثال أبي الطيب وأبي عبادة وأبي نواس والشريف الرضي وأبن حمديس وأبي فراس الحمداني. يرجع الفضل الأكبر في انتشار دواوين الأدب والتاريخ واللغة من كتبنا لعلماء المشارقة من الغربيين أمثال دوزي ودساسي ووستنفيلد وعشرات غيرهم من أهل أوربا ولبعض ما نشره اليسوعيون في مطبعتهم المتقنة في بيروت وما نشرته الجمعيات الكثيرة التي أُلفت في أوقات مختلفة في مصر لإحياء الكتب العربية وآخرها تلك الجمعية التي طبعت لنا المخصص لأبن سيده وأحسن كتاب عني بطبعه في شرقنا ولما طبعته المطبعة الأميرية ومطبعة الجوائب ومطابع الجرائد في مصر والشام وتونس. كل هذه الأعمال أعانت العربية على تحسين آدابها وترقيتها. ولا ننسى غيرة أولئك الذين نسجوا في منظومهم ومنثورهم على مناحي الأوروبيين من حيث قلة الكلفة ومجاراة الطبع ومحاكاة الطبيعة ووصف عواطف النفس بإيجاز وإعجاز وأولئك الذين وقفوا أنفسهم منذ عشرات من السنين يعربون لنا كل يوم في جرائدهم ومجلاتهم أفكار الغربيين في سياستهم وعلومهم واجتماعهم فكوَّنوا مجتمعنا الأدبي على ما ترونه وجددوا للغة شبابها بحيث أمنا بفضلهم عليها من العفاء وأصبحنا نرجو لها دوام النماء والارتقاء. أنا لا أقدم لكم مثالاً من أمثلة ارتقاء لغتنا أكثر من أن أحيلكم على مراجعة مجموعة من جرائدنا العربية قبل ثلاثين سنة مثل الجنان والجنة في سورية والفلاح والمحروسة في مصر وأن ترجعوا إلى كتابة الدواوين في مصر في منتصف القرن الماضي مثلاً وترجعوا إليها اليوم وإن كانت إلى الآن عشيقة الركاكة بعض الشيء. قابلوا المنشورات التي تصدر اليوم في الوقائع الرسمية في مصر وما كان يصدر من أمثالها منذ مئة سنة مما أورد الجبرتي في تاريخه نموذجاً صالحاً منه بنصه وفصه. عارضوا بين لغة القضاء اليوم وما تفيض به ألسن المحامين وأقلامهم في مصر من التفنن في أساليب الدفاع والتأثير الخطابي وبين ما كان للغة من نوعها مما ذكر صاحب كتاب المحاماة طرفاً صالحاً منه يتجلى لكم كيف ارتقت لغة القضاء. استمعوا للخطباء اليوم ممن درسوا الدروس النظامية وتشبعوا بالعلوم العصرية وقابلوها بأكثر ما يحفظه خطباء الجوامع أو يقرأونه من السجعات في دواوين الخطب القديمة. تدبروا لغة التمثيل اليوم وإن كنا فيه دون سائر فروع الآداب تأخراً واسألوا كيف كانت منذ البدء حليفة الضعف والسماجة. اقرأوا المحاضرات التي تتلى اليوم في نادي المدارس العليا ونادي دار العلوم في مصر الخالية من التعقيد والغلط الحالية بالرشاقة والبيان وقابلوها بالخطب التي كانت تتلى زمن الثورة العرابية وبعدها مثلاً تدركون كيف وفقنا الله إلى قيام بناء آدابنا على هذا الأسلوب الرائق والإبداع في الأداء والإلقاء. أليس مما يعد من نهوض اللغة ما نراه من أحكام ملكتها في طلبة دار العلوم ومدرسة القضاء الشرعي فقد رأينا طلبة أحداثاً تخرجوا من دار العلوم فكانوا والله أعرف بالعربية وفنونها من أكثر من اشتهروا في قرون الانحطاط الأخير على غير حق أما من تمحض منهم للتدريس والنفع فهم مفخر من مفاخر العربية في هذا العصر استحكمت فيهم ملكة البيان استحكامها من العرب العرباء وأحاطوا بعلوم الوقت إحاطة نبهاء الغربيين. وإليكم أيضاً مثالاً صغيراً أذكره لكم على ما أتت به بعض مدارس مصر في حياة اللغة فقد شاهدت في وادي النيل بعض العمد ممن لم يدرسوا غير الدروس الثانوية يكتبون كتابة صحيحة في الجملة تسقط فيها على روح البيان والتلطف في التعبير مما لا تتلوه في عسلطات المحشين والمهمشين والشارحين من الفقهاء والنحويين المتأخرين وما ذلك إلا بفضل المدارس المنظمة وما تلقيه الجرائد على مسامع الناس وأنظارهم كل يوم من فصح العربية وشواردها وتتفنن فيه من أساليب التعليم. نعم إن مطالعة الجرائد والمجلات أعانت على انتشار الآداب وأدخلت الغيرة على التعلم في نفوس أرباب الاستعداد. ولذا رأينا البلاد العربية التي لم تنشأ فيها مدارس لتعليم العربية على الأصول الحديثة ولم يولع أهلها بمطالعة الجرائد لقلة انتشارها بينهم ما زال أهلها إلى اليوم يكتبون لغة سقيمة ويتكلمون بلغة سقيمة ومن هذه البلاد مرَّاكش فإن مدينة فاس منذ القديم ما خلت من أفراد يعانون الآداب على الأصول القديمة ولكنهم في الحملة خير من أهل الجزائر الذين لا تكاد تجد فيهم فرداً يعد في الطبقة الثانية في كتابنا فيما علمت وما ذلك إلا لأن اللغة العربية لم تقم لها في بلاد الجزائر في دور من الأدوار سوق نافقة ولأن حكومتها تحاول منذ القديم أن تجعل أهلها فرنسيساً في لغتهم وأفكارهم ومنازعهم. ولئن ضعفت في تونس تلك الروح الشريفة التي بثها فيها خير الدين باشا التونسي وأشياعه فإن الآمال قويت الآن بارتقاء ملكة العربية لانتباه التوانسة الأذكياء من الخلدونيين وغيرهم. أما طرابلس الغرب وبرقة الصحراء والسودان فهي من أخوات الجزائر في ضعف ملكة البيان وقلة الجرائد فيها بل عدمها ولكن هناك في صحراء مراكش بلد غريب في تلقف ملكة العربية وأعني به شنقيط بلد الشيخ محمد محمود الشنقيطي الحافظ المشهور في عصرنا. وطريقة أهلها طريقة الأقدمين في التلقي والاستظهار وقد شوهدت في شنقيط بعض البنات الشنقيطيات إلى اليوم يحفظن كامل المبرد مع الفهم وأظن من يحسن فهم هذا الكتاب قلائل حتى في شيوخ الأزهر. أما سورية فقد كاد ينحصر الفضل في إحياء ملكة العربية الجديدة ببعض المدن وبقيت الأخرى غريبة عن تلك الحركة مثل فلسطين وبلاد حلب وداخلية ولاية سورية ومثلها الحجاز واليمن ونجد وحضرموت ومسقط وعمان وزنجبار والجزيرة والعراق إلا أن ذلك لم يحل دون نبوغ بعض أفراد شاركوا أتم المشاركة في حياة العربية ونعني بهم بعض أولئك العراقيين النوابغ الذين ألفوا وكتبوا ولم يعقهم الحجز على الأفكار الذي دام في البلاد العثمانية إلى يوم ٢٣ تموز ١٩٠٨ ولذلك لا نغالي إذا قلنا أن ثلاثة أرباع ما تم للعربية من الارتقاء في القرن الأخير يرجع الفضل فيه لمصر والربع الآخر يوزع على سورية والعراق وتونس. ومن الأسف أننا لا نزال نرى بعض الجرائد في الولايات العربية تصدر باللغتين التركية والعربية ولكن القسم العربي منها يكاد يكون أشبه بالمالطية والكرشونية منه بالعربية الحجازية فتسقط فيها من الأغلاط في التركيب والتأليف والألفاظ والوضع وما تسأل الله معه السلامة وأقلُّ من ذلك غلطاً تلك الجرائد التي صدرت مؤخراً في طرابلس الغرب وبعض مدن سورية الصغرى وبغداد والبصرة والموصل وأحسن منها جرائد مهاجري سورية في أميركا الشمالية والجنوبية وهي لا تقل عن ثلاثين جريدة وفيها الجيد والرشيق. ومع هذا فإن الآمال قويت بأن لا ينتصف هذا القرن الرابع عشر للهجرة إلا وتكون ملكة الآداب عمت البلاد التي ينطق فيها بالضاد بل بالصاد والحاء والخاء والعين والغين والثاء والذال والظاء ورقيت لغتنا بمساعي المنورين من أبنائها أمثالكم درجة عالية خصوصاً في البلاد التي كانت كعبة هذه اللغة ومنبعث أنوارها وأريد بها الحجاز واليمن ونجداً فإن فيها بقايا من أرباب الذكاء النادر إلى الآن من لو تمرنوا على العمل إذا تهيأت لهم الأسباب لأتى على أيديهم خير كثير للأمة ولا يرجى ذلك إلا متى انقطعت شأفة الفتن من تلك الأقطار وأمن الناس على أموالهم وأرواحهم ليتفرغوا أو أفراد للدرس والإستنارة. هذا ما أحضرني في موضوع نهضة العربية الأخيرة ألقيته في هذه المحاضرة وربما خرجت عن البحث بعض الشيء وساحة عفوكم تسعني وأنتم تعلمون أني على أوفاز استودعكم الله والسلام عليكم. طريقة التعليم كان من أول الإصلاح في أوربا أواخر القرون الوسطى وأوائل القرون الحديثة لما شرعت الأمم الراقية فيها تدرس العلوم المادية والأدبية أن أتت على طريقة التعليم تصلحها بما يقتضيه حال الزمن والتجارب فتم لها في أوائل القرن الماضي تنظيم مدارسها على النحو الذي نراها عليه اليوم وأصبحت يدخلها الطالب فيتعلم في بضع سنين لغو أو لغتين أو ثلاثاً معها إلى ما يتحتم عليه معرفته من العلوم الطبيعية والرياضية والاجتماعية والأدبية والاقتصادية فيخرج الطالب بعد هذه الدروس النظامية الأولية ملماً بفروع كثيرة بل بأمهات العلوم وأصولها المقررة لإعداد العقول للتفكير والأنامل للكتابة والألسن للنطق والأجسام للحركة وهذه الدروس التي يسمونها دروس الموضوعات الأنكلوبيذية يمر فيها الطالب على كثير من المطالب تغنيه إذا أراد الاقتصار عليها والانصراف إلى أكثر الأعمال التجارية والصناعية والزراعية والعلمية. وإذا سمحت به همته إلى الإخصاء في علم واحد من العلوم التي ذاقها في الجملة يتمحض لها ويدخل مدارسها الخاصة كمدارس الزراعة والتجارة والمعادن والميكانيكيات والأدب والطب والهندسة والقضاء والجندية واللغات والفلسفة واللاهوت والاجتماع وعن ذلك من أصناف العلوم التي جعل لكل فرع منها مدرسة خاصة أوصف خاص يدرس فيها من تصح عزيمته على الامتياز في فروعها ليكون فيها مرجعاً ويبرز على أقرانه فينفع وينتفع. ولولا إصلاح طريقة التعليم والإلقاء لم يتيسر للشاب أن يدرس في سنين قليلة مثل هذه الدروس الكلية ولكن أصول الكتب التي أُلفت بحسب سني الطلب وسن الطالب وطريقة الإلقاء الشفهي والإملاء الكتابي هي التي تفتح ذهن الطالب وتحبب إليه الدرس والبحث منذ الصغر فلا يتناول من العلم إلا بقدر معلوم ولكنه يتناول اللباب ويطرح القشور ويقرأ المختصرات إبان دراسته كليات العلوم فإذا شب يتناول المطولات فتكون منه على طرف الثمام. فيمثل هذا التنظيم في التعليم ثم الإخصاء في فرع أو فرع نبغ في الغرب رجال في علوم البشر لأشبه بينهم وبين رجالنا في سعة المدارك وبعد الهمم والعلم الواسع وبتربية بنيه على هذا الأسلوب نبغ في القرون الأخيرة فرادليس في رجالنا من يضاهيهم أو يبلغ علمه ربع علومهم أمثال ديكارت وكونت وكانت وياكون سبينوزا ويبنترلا وأمرسون ونيوتن وهاكسلي وسبنسر وكيتي وشيلر وروسو وفولتير ومئات يتعذر الآن إحصائهم. هذه المدارس وطرق تدريسها هي التي حرم منها الشرق إلا قليلاً ولا يرجى تأسيسها على ما يجب في البلاد المصرية والعثمانية إلا بعد أن تكون المائة والخمسون طالباً الذين تبعث بهم نظارات الحكومة العثمانية إلى كليات أوربا قد أنجزوا الفروع التي يتمحضون لها ويعود أولئك الذين أرسلتهم الجامعة المصرية للأخصاء في فروعه منوعة من العلم يدرسون في الجامعة بالعربية فيتخرج بهم أرباب الرغبات في العلم كما يتخرج الآن في السلطنة العثمانية أناس كثيرون بالرجال الذين درسوا الفنون العسكرية والطبية في ألمانيا أو يتخرج المصريون بالأساتذة القلائل الذين تعلموا في كليات انكلترا وفرنسا وألمانيا على نفقة نظارة المعارف المصرية. متى كثر عدد المتعلمين على الطريقة الحديثة وأصبح الأستاذ لا يجلس في حلقة تدريسه وعلى منبر إلقائه إلا إذا كان أفنى شطراً من حياته بالقعود على دكات تلك المدارس الراقية وأسهر الجفن في الليالي وراء المناضد وتخرج بأعظم أساتذتها الأعلام هنالك قل للعثمانيين والمصريين أنكم بلغتم درجات الأمم الحية فجديرون وأنتم ما أنتم أن يهابكم العدو ويحترمكم الصديق. وأي سلاح أمضى من العلم الصحيح والآداب الرافعة وأي عاقل يبجل غير الحري بالتجلة والإكرام ممن امتاز بصفات الرجولية الحقيقية. لا جرم أن إصلاح التعليم على الأسلوب الجديد وتدريس علوم الدنيا به ينفع إذ ذاك في إحياء العلوم الدينية أيضاً لأن الارتقاء سلسلة لا يتيسر أن يكون بعضها عاطلاً وبعضها حالياً بل هو كالبناء لا يكون صحيحاً إذا تداعى منه جانب. متى حسنت طريقة التعليم لا يقضي طالب العلم الديني بضع سنين مثلاً في تعلم بعض العلوم الآلية ليحسن مطالعة عبارة معربة فيغوص كما هو الحال في الروم ايلي والأناضول والشام سنين كثيرة في بحر البناء والمقصود العزي والمراح والعوامل والإظهار والكافية والشافية والسمرقندية والمختصر والسنوسية والأيساغوجي وغيرها من كتب النحو والصرف والبيان والمنطق ثم لا يتلو شيئاً من العلوم التي يقصد تعلمها كالتفسير والحديث والفقه والكلام والحكمة. وذلك كما يغوص طالب العلم في الأزهر في قراءة الأجرومية والكفراوي والأزهرية وأبن عقيل والخضري والصبان وغيره من كتب النحو المطولة والمختصرة ينتقل من واحد إلى آخر حتى يفرغ صبره ولو قرأ أحد هذه الكتب المطولة قليلاً كابن عقيل وشرحه مثلاً لأغنته عن هذا التطويل الذي يضيع به وقته ويتبلد ذهنه وتفوته الغاية المقصودة من الطلب واللغة آلة لا غاية. ولكن عقم طريقة التعليم قضى أن لا يتعلم طلبة الجوامع والمدارس سواء كان في الديار المصرية والبلاد العثمانية إلا هذه القوانين والقواعد ويحرموا من تطبيق النظر على العمل. وليت شعري أليس من فساد طريقة تعليم المشايخ أن لا يعلم الطالب منهم كتاباً أو شذرة من علم الأدب واللغة ليتفهم أثناء دراسته النحو والصرف والبيان معاني الكلام الفصيح ويطبق النحو والصرف والبيان والمنطق على العمل ثم يتأتى له تأليف جملة صحيحة عربية وكيف يتأتى للمرء إتقان لغة دون أن يطلع على كلام أهلها وكيف يؤلف الكلام من لا يفهمه وهل اللغة الإسماع من أصحابها والجري على مناحي بلغائها وما نظن الغزالي وابن رشد وابن سينا وابن الطفيل وابن زهر وأبا حيان وابن جرير الطبري والماوردي ومئات غيرهم في الإسلام كانوا يعرفون فروع النحو ودقائقه مثل ابن الحاجب وابن عقيل والبركوي والصبان وإضرابهم من أئمته ومع هذا انتفعت الأمة بكتب أولئك الفلاسفة والعلماء انتفاعاً يبقى أثره على الدهر ولم تعهد لهم غلطة شائنة ولا أسلوب ركيك. لا يتيسر إتقان لغة من لغات العالم كلها إلا بالسماع من أفواه أهلها وسلوك الطريقة العلمية في اقتباسها فلو أتقن الطالب جميع قواعد النحو والصرف والبيان والمنطق كما هو الحال الآن في هذا الصنف من المتعلمين ولم ينظر في تحليل الكلام العربي واستظهار القدر اللازم من منثوره ومنظومه ولم يتدبر معاني الكتاب ولا أخذ بقسط من الحديث وغيره ما استطاع الطالب أن يفهم روح اللغة العربية على أصولها ومن لم يفهم اللغة كان حرياً بأن لا يفهم أسرار الشريعة على ما يجب. إن المدارس الغير نظامية كالأزهر والفاتح صدت الناس عن الطلب لما اعترضهم دونه من العقبات بالطريقة العقيمة المتبعة معهم وأي طريقة أفسد من أن يظل الشيخ يشرح للطالب المبتدئ في أول يوم يشرع فيه بتعلم النحو كيفية إعراب البسملة ووجوه قراءتها على حين يكون الطالب غفلاً لا يعرف الجار من المجرور ولا المرفوع من المنصوب ولا الصفة من الموصوف وهكذا يبقى الشيخ يضيع وقته ووقت الطالب على غير جدوى وقد رأيت من المشايخ من قرأوا العوامل في سنة والعوامل مثل فهرس لأبواب النحو لا يبلغ ثلاث ورقات إلا أن المدرس أوسعها شرحاً وتحشية وتهميشاً حتى صارت كتاب نحو مطول هيهات أن يستوعبه عقل طالب. ولذا كان من خير ما تم من الإصلاح في الأزهر على عهده الأخير الاستغناء ما أمكن عن الشروح والحواشي. ولعل المشيخة الإسلامية تنظر لطريقة تعليم طلبة الجوامع بما يقوم أودها فتقضي على طلبة العلوم الدينية أن يمتحنوا امتحاناً عملياً لا نظرياً ممزوجاً بشيء من العلوم العصرية كما هو حال مدرستي دار العلوم ولقضاء الشرعي. وتسير على هذا المنهج إدارة الأزهر الشريف فيعود إليه سالف مجده ويخرج في السنين القليلة طلاباً درسوا علوماً كثيرة تنفعهم في جهاد الحياة. سير العلم والاجتماع الأرض وما تخرجه تبلغ مساحة الحقول المزروعة بأيدي البشر ٥٣٧ مليون هكتولتر أي واحد من خمسة وعشرين جزءاً من أراضي القارات الخمس وثلث أراضي أوربا مزروع وواحد في كل ١٢١ هكتاراً من كندا ويبلغ ما في الأرض من الحيوانات ذوات القرون ٢٨٠ مليون رأس و ٤١٣ مليون خروف و ١٢٧ مليون خنزير و ٧٠ مليون حصان. ومملكة هولاندة أخصب بلاد العالم يعطي كل هكتار من أرضها ١٢٣٥ لتراً من الحنطة في حين يعطي الهكتار في فرنسا ٧٢٠ وهي معدودة أرقى بلاد أوربا بزراعتها ويخرج من الولايات المتحدة ٢٣٤ مليون دجاجة. الدواب والأثقال أفضل ما اهتدى إليه الإنسان استعمال الخيل كانت العول عليها في التنقل قبل الدراجات والسيارات والمناطيد. ومن أقطار العالم ما لا تستعمل فيه الخيول لأنها غالية الثمن أو لا تحتمل مناخ الإقليم الموجودة فيه أو لأن الطرق غير معبدة أو لأن الأحمال التي يراد نقلها عليها غير متناسبة مع قواها فاستعاض سكانها بغيرها من الحيوانات ففي الهند وبعض بلاد الشرق الأقصى يعمدون إلى استعمال الفيلة لا لقلع الأشجار بل لحملها إلى الأماكن البعيدة وأن مخالب الفيلة في برمانيا وسيام على صغرها وقوتها لتكفي لقلع أضخم الأشجار من جذوعها ولما كانت مخالب الفيلة في سيلان وسومطرة ضعيفة أكتفوا منها بأن استخدموها بدل البنائين فعهدوا إليها بنقل الأحجار الضخمة ووضع بعضها فوق بعض كما توضع سائر مواد البناء. وفي الترنسفال تجر ثماني أو عشر أو ثنتا عشرة بقرة مركبة بسرعة مهمة وفي جزائر الأرخبيل يربطون البقر توصلهم وأثقالهم إلى الحقول حتى إذا بلغوها استعملوها فيما تستعمل فيه الخيول. وفي برمانيا جنس من الجاموس معد للسباق وهو مطلوب بقدر ما تطلب خيول السباق في أميركا. ويستعملون في جهات القطب الشمالي الوعل والكلب بدل الخيول والوعل هو خيل بلاد لابون يقطع ١٥٠ كيلومتراً في اليوم وهو مربوط إلى مركبة متسعة والكلب فيما وراء ذاك الإقليم أي أصقاع القطب بمثابة الدواب التي تجر الأثقال وهو مستعمل في شركة نهر الهدسون بأميركا كما يستعمل القرد المعروف بالأسكيمو. والكلاب هنا قد تقطع ١٥٠٠ كيلومتر بدون أن تستريح طويلاً ومن الغريب أنهم لا يطعمونها بل هي التي تمتان لنفسها إذ يصعب حمل مؤنتها في جملة ما يراد حمله في المركبات التي تجرها ولذلك كثيراً ما يحدث أن تفترس الكلاب بعضها بعضاً لقلة الغذاء فلا تصل المركبة إلى المكان المقصود إلا بزوجين أو بأربعة من الكلاب في الأكثر. والجمل كما هو المعلوم في افريقية وآسيا هو الذي يحمل الأثقال. وفي كثير من البلاد يستعمل الإنسان بدل الحيوان لنقل الأثقال ولا تزال المحارات والدراجات التي تسير من نفسها في بلاد أنام وقد انتقلت إليها من اليابان وهي عندهم دخيلة أدخلها منذ أربعين سنة أحد المرسلين الأميركان لينتفع بجرها محاويج الأهلين ولكنها أشاعت عندهم شيوعاً هائلاً حتى أنك تجد في طوكيو وحدها عشرة آلاف عربة من هذا النوع تقطع عشرة كيلومترات في الساعة ولا تزال هذه المركبات التي يجرها البشر شائعة في أنام وسيلان والهند وجنوبي افريقية على الرغم من انتشار السكك الحديدية والتراموايات والدراجات والسيارات. والمركبات المستعملة في المكسيك هي من نوع ما كان يستعمل في المحارات لنقل الملوك في أوربا وثمن البغل في الحبشة ضعفاً أو ثلاثة أضعاف ثمن الحصان ولذلك يؤثرون استعماله للإكرام ومن يريدون إكرامه ليحظى بحضور نجاشي الحبشان يركبونه على البغل ويركبون الخدم على الخيول. واشتهرت حمير القاهرة حتى احرزت قصب السبق في بعض المعارض. وفي بعض المدن الكبرى من فرنسا يستعملون مركبات يقطرونها إلى العنز يستخدمونها لتنزيه الأولاد في الحدائق العمومية كما يقطر النعام في افريقية الجنوبية وكليفورنيا إلى المركبات ليجرها. والبقر شائع في جر المركبات في كثير من الأصقاع الأوربية والآسياوية. وفي هولاندة والبلجيك وبعض الأقطارالشمالية من فرنسا يقطرون الكلاب بالمركبات وتجر عربات بائعي الحليب. مدة النوم كان الطب القديم يقضي بأن ينام الأطفال والشبان والشيوخ ست ساعات في الأربع والعشرين ساعة ويعد من ينام كثيراً من الكسالى ولكن علم الصحة الحديث قضى بأن تكون كمية النوم متناسبة مع ما يصرفه الإنسان من قواه فالشيخ الذي يتوجب عليه سنه أن لا يصرف كثيراً من قواه ينبغي له أن لا ينام كثيراً أيضاً ويقول المثل الإفرنجي إن أرق الشباب ونوم الشيوخ دليل الموت لا الحياة وكثيراً ما يصدق هذا القول. فسبع ساعات تكفي لمن يتعاطى الأعمال الصعبة منها ساعة في النهار وينتاب داء المفاصل والحميات المتقطعة العامل الذي ينام على الأرض معرضاً للهواء ولو كان في الشمس كما أن علة الصرع قد تعتري الشيوخ الذين ينامون بالقرب من النار بعد الطعام. عدد البقر في انكلترا ١١.٤٥٥.٠٠٠ رأس بقر وفي ألمانيا ١.٩٠٠.١٠٠ وفي فرنسا ١٣.٥٥١.٠٠٠ وفي روسيا ٣٧.٤١٣.٠٠٠ وفي النمسا والمجر ١٤.٢٣٧.٠٠٠ وفي إيطاليا ٥.٠٠٠.٠٠٠ وفي اسبانيا ٢.٤٥٢.٠٠٠ أما بلادنا فليس فيها إحصاءٌ مدقق للبشر فضلاً عن البقر. طحين الشوندر هو محصول جديد يستخرج من الشوندر الذي أصبح منذ مدة يستخرج منه للصناعة سكر والكحول وكان هذا الطحين يستعمل في ألمانيا ولكن لعلف الماشية فتوصل أحد الزراع البلجيكيين إلى الانتفاع به في المعجنات. وطحين الشوندر يحتوي على ٦٥ في المئة من السكر. الكليات الفرنساوية كان عدد أساتذة العلم في الخمس عشرة كلية في فرنسا سنة ١٩٠٩ — ٣٦٦ و ١٠٢ ناظر ومحاضر و ١٤٨ ناظراً عاماً على الأعمال العلمية و ٣٣٦ معيداً للدرس وطلب من الحكومة لرواتب الأساتذة ومن يتبعهم سنة ١٩١٠ مبلغ ١١.٦٧٩.٥٥٣ فرنكاً و ٢.٢٢٩.٨٢٧ فرنكاً لابتياع الأدوات وقد زادت ميزانية تلك الكليات زهاء ربع مليون فرنك. عطايا كليات أميركا كانت عطايا المحسنين لكليات أميركا في السنة الماضية كثيرة على العادة وأهمها لكلية يال ٤٧٥ ألف دولار ليؤسس فيها معمل طبيعي و ٧٣ ألف ريال لتصرفها على تعليم بعض نوابغ المعوزين و ٢٣٦ ألفاً لجامعة دورهام و ٥٠ ألفاً لكلية ماك جيل في مونتريال و ١٠٠ ألف لكلية برنستون و ٥٠٠ لكلية أوهيو و ٢٣٠ ألفاً لكلية هارفرد وأعطت عقيلة ريد مبلغ مليوني دولار فقط لتأسيس مدرسة جامعة للفنون والعلم في بورتلاند من أقاليم أورغون. عظمة بريطانيا نشرت المجلة الوردية إحصاء في بلاد الإنكليز ومستعمراتهم وتجارتهم في العام الماضي جاء فيها أن مساحة بريطانيا العظمى ١٢١.٣٩٠ ميلاً مربعاً وسكانها ٤٤.٥٣٨.٧١٨ ومساحة الهند الإنكليزية ١.٧٦٦.٥١٧ ميلاً يسكنها ٢٩٤.٣١٧.٠٨٢ ومساحة مستعمراتها الأخرى في آسيا ١٤١١٥٠ ميلاً يسكنها ٦.٢١٨.٠٠٦ ومساحة مستعمرات المحيط الكبير ٣.١٩٠.٣٦٠ ميلاً سكانها ٥.٨٤٨.٤١٣ ومساحة مستعمرات افريقية ٢.٠٩٩.٤٨٣ ميلاً سكانها ٣٤.٦٠٥.٣٠٥ ومساحة كندا ٣.٧٤٥.٥٧٤ ميلاً سكانها ٦.١٥٣.٧٨٩ ومساحة المستعمرات الأميركية الأخرى ٢٧٩.١٢٣ ميلاً فيها ٢.٣٣٦.٩٥١ ومساحة أملاكه في أوربا ١١٧ سكانها ٢٢٨.٦١٨ فيكون مجموع مساحة ما يخفق عليه العلم البريطاني في القارات الخمسة ١١.٣٤٣.٧٠٦ أميال مربعة و ٣٩٤.٢٤٦.٨٨٢ ساكناً أو نحو خمس العالم وواردات بلادها ١.٠٥٣.٢٦٥.٩٩٥ ليرة إنكليزية وصادراتها ٩٦٨.٣٤٤.٥٦٢ ليرة أي بزيادة ثلاثين ملون ليرة في قسم الواردات وعشرة ملايين في قسم الصادرات بالنسبة للسنة السابقة وزادت خطوطها الحديدية حتى أصبحت في السنة الماضية ٢٣.١٠٨ أميال في بريطانيا و ٢٩.٩٣٦ في الهند و ٥٣.١٩٩ في سائر المستعمرات. الطب الصيني قال أحد أطباء الغرب في يونان من بلاد الصين أن ما يقال في شهرة طب الصين مبالغ فيه على أن الصيني لا يعادي الطب الأوربي ومعلوم أن أحد أمبراطرة الصين درس سنة ٢٧٣٧ ق. م زهاء مئة نبات شافٍ ونظمها تنظيماً حسناً وأن علم تركيب الأدوية الصينية يربو على خمسمائة نوع من النباتات الطبية والتراكيب المختلفة مثل قرن الوعل وذرور الأظافر وشوارب النمور وإذ كانت تستعمل بالإفراط أحياناً فقد تودي بحياة المريض وعند الصينيين من النباتات ما يستعملونه من الخارج مثل نبات يقي من الإسهال يجعلونه على البطن في لزقة وعندهم أدوية تقي من السكر ومن الخوف أو تجلب الخوف وأدوية لمداواة العشق وأدوية لنزعه. وذكر الطبيب المشار إليه حالة أهل الصين مع حفظ الصحة فقال أن البيت الصيني قذر مظلم كئيب لا نوافذ له في الأغلب وفراش الصيني وهو من الخشب مغشى بالحصير وأغطية وسخة تحته في الشتاء موقدة ترمى بروائح أوكسيد الفحم لترسل الحرارة في المكان. وليس عند الصينيين عناية بتنظيف الجسم فيكاد الصيني لا يستحم مدة عمره ولا ينزع ثيابه عن بدنه إلا إذا نزعته وليس في البيوت محال للاطمئنان ومراحيض والمستنقعات مملوءة بالأقذار ولذلك كانت الحمى التيفوئيدية والزحير من الأمراض الوافدة في الصين وكثرت وفيات الأطفال كثرة هائلة ولكن التناسل كثير جداً. الأضواء في فرنسا تكون الأضواء في المدن والقصبات الفرنسوية بالكهرباء والغاز والاسيتيلين ففيها ٣٧٦٩ مدينة ومديرية لها معمل للغاز أو محطة للكهرباء والاسيتيلين وفي فرنسا ٣٧٠٠ حاضرة مقاطعة و ٧٧٢٠ مديرية يربو سكان كل واحدة منها على ألف نسمة لم يزل بعضها محروماً من الكهرباء ولا تكثر الكهرباء إلا بالقرب من شلالات المياه وتمتد على مسافة طويلة فتضيء الأرجاء. اكتشاف العالم الجديد عثر الباحثون في مينوستا في الشمال الرقي من الولايات المتحدة على أثر تاريخي يستدل منه على أن أميركا دخلها أناس من العالم القديم قبل أن يصل إليها خريستوف كولمبوس بمئة وثلاثين سنة. وقد زعموا كثيراً أن جماعة من السكانداويين نزلوا الشاطئ الشرقي من غروانلانده ولابرادور نحو سنة ألف للميلاد ولكن ذلك من روايات بعض القصصين الذين جاؤا قبل القرن الخامس عشر ويظهر أن الأثر الذي عثر عليه الآن أقرب إلى الصحة وقد عثر عليه جماعة من العملة بينما كانوا يعالجون أخراج جذع من الأرض وهو عبارة عن حجر بين جذعين وقد عرف من البحث في الجذعين أنهما أصل لشجرتين قديمتين غرستا بعد وضع ذاك الحجر المكتوب عليه من وجهيه بحروف رونية كتبت في القرن الرابع عشر والحروف الرونية هي حروف السكاندوايين في القرون الوسطى لا يعلم حلها إلا أفراد قلائل وما كان منها من القرن الحادي عشر والقرن الثاني عشر يمكن تقليده ولذلك تبين لهارلاند العالم الأثري أن هذا الحجر صحيح والكتابة به واضحة ومعناها أن ثمانية من الغوطيين واثنين وعشرين من النوريين بينا كانوا يطوفون البحار سافروا من فنلاندا في ايكوسيا الجديدة ونزلوا على مقربة من ليلتين بالقرب من هذه الحجر وذهبوا إلى الصيد وشهدوا عند عودتهم عشرة م رجالهم ميتيني رحماك أيتها السيدة البتول فإن عشرة من رجالنا نازلون على الشاطئ بالقرب من سفنا على أربعين يوماً ويوم من هذا الحجر كتب سنة ١٣٦٢ . الروائح والهضم كل الناس يعلمون أن الروائح التي تنبعث من الطعم اللذيذ تفتح شهوة الطعام والروائح المنبعثة من الطعام الكريه تصد النفس وتمنع القابلية. وقد استدل أحد أطباء الولايات المتحدة بالبحث والتجارب أن الروائح والعطور تؤثر كل التأثير في بعض الحواس وذلك أن بعض الأشخاص لا يتأتى لهم أن يقعدوا في غرفة فيها باقة من البجلة ليلك أو الياسمين وأن أناساً يصابون بالصداع أو المقس القيء إذا استنشقوا الياسمين البري أو وردة وأن أكثرهم يصابون باضطرابات معدية إذا دخلوا بيت تربية النبات وكان فيه التنوم دوار الشمس وذكر أن امرأة متوسطة العمر كانت تصاب بوجع في القلب كلما كانت تشم رائحة الخروف والسمك وكانت تتناول منه مسرورة على شرط أن تسد أنفها حتى لا تشم رائحته ومن ذلك أن كثيرين يصابون بالقرف إذا قدمت لهم صفحة من لحم كريه عندما يشمونه. وقال أن له زبوناً كان ضابطاً في حرب الانفصال كلما رأى البصل يصاب باضطراب في المعدة لأنه كان يقدم له في تلك الحرب بصل محضر تحضيراً رديئاً فيتناول منه متكارهاً مضى على ذلك خمس وأربعون سنة وهو لا يزيد للبصل إلا كراهة. وأفضل دواء لمن يصاب بذلك أن يعمد إلى أخذ المقبلات ولكن يجب ما أمكن التوقي من الروائح الدافعة فالجيد منها نافع والكريه ضار حتى أن بعض الشرقيين يعمدون قبل الطعام إلى استنشاق الطيوب والعطور علماً منهم بأنهم بذلك يحسنون أعصابهم وهضمهم. الطلاق انتشر الطلاق في الولايات المتحدة وسويسرا انتشاراً هائلاً بحيث أصبح المطلقون والمطلقات كثيرين جداً ويقال أن السرَّ في ذلك فساد قوانين الزواج حتى اختل نظام الزوجية وانتشار العيشة الفردية وقلة التدين ويؤكد من يعللون هذا الحال بقلة الدين أن بعض المقاطعات في الولايات المتحدة يقلُّ فيها الطلاق جداً لأن أهلها متدينون ولا تزال تغلب عليهم التقاليد والأوهام. غنى أشراف الإنكليز في المجلة الباريزية بحث في حال الأشراف والفقراء في انكلترا جاء فيه أن فيها ٢٧ دوقاً ما عدا الدوقات الذين هم من دم ملكي يملكون نحو ٢٥٠٠ مزرعة كبرى أي أراضي نصف المملكة على التقيب. ويقدرون مساحة أراضي الدوق دي سوترلاند بـ ١.٣٥٨.٥٤٥ فداناً أو نصف مليون هكتولتر بلغت وارداتها منذ عشرين سنة ١٤١.٦٦٧ ليرة انكليزية ويجيء بعده الدوق دي بوكلوش وأراضيه تبلغ نصف مليون فدان ولكن وارداتها أكثر أي أنها تبلغ خمسة ملايين ونصف من الفرنكات ويجيئ بعدهما دوقات ريشموند وديفونشير وهاملتون واتول وارجيل وبورتلاند ونورتومبراند ومونتروز وهم يملكون مئة ألف فدان تأتيهم بنحو مليون فرنك من الواردات ثم يجيء بعدهم الدوقات الصغار ولا يقل ما يملكه الواحد عن عشرة آلاف فدان. ويتألف من هؤلاء الدوقات وألقابهم وغناهم أمتن أساس في بنيان المجتمع الانكليزي الحاضر وهم المحور الذي تدور عليه الحياة الاجتماعية والسياسية في البلاد ولطالما كان هؤلاء الأشراف منذ القديم موضوع احترام انكلترا ولكنهم بما يملكون من هذه الأراضي الواسعة أصبحوا لا يعرفونها ولا يخدمونها فصحت فيهم آية التوراة إن الذين يضيفون من بنيكم حقلاً إلى آخر تنتهي بهم الحال أن يكونوا نساكاً متزهدين. نعم تركت حقولهم وغاباتهم بدون أن تتعهدها الأيدي تركوها لتكون متنزهاً ومجالاً للإرتياض والصيد في حين أن ألوفاً من الأيدي تنقطع عن العمل لقلة الأراضي لديها ويتحكم الأشراف في مزارعيهم ومزارعهم تحكماً غريباً فإن الدوق ديفونشير لا يسمح لمزارعيه أن يعلقوا في أراضيهم إعلانات يتناولون أجرتها بضعة قروش من المعلنين والدوق دي فيف لا يرضى أن يبقى أحد في الفندق القريب من مقره عندما يجيء إليه. فغنى انكلترا المشهور هو في أيدي الأسرات الممتازة المختارة من طبقة الأشراف وأغنياء الطبقة الوسطى والرفاهية وقف عليهم وحدهم لا يشاركهم فيها غيرهم من أهل الطبقات الأخرى كما هو الحال في فرنسا. وقد بلغ عدد المعوزين في انكلترا ٩٥٩.٨٤٨ أي شخصاً واحداً من كل سبعة وثلاثين شخصاً محتاج أن تعوله الحكومة أو جمعيات الإحسان وفي لندرا وحدها من البائسين ١٢٣.٥٤٥ ولا يزال عددهم في ازدياد في الولايات والعاصمة فقد كان منذ سنين معدل الفقراء في بريطانيا العظمى ٥٧٩ في الألف فأصبح في أواخر العام الماضي ٥٨٦ في الألف. ويستدل من هذه الأرقام أن الأمة الانكليزية تعيش منذ سنين برأس مالها وإذا ظلت على هذا الحال تفلس إفلاساً اقتصادياً واجتماعياً وأن الحكومة من حيث السياسة دلت بذلك على أنها لم تستطع أن تحكم لتوسع على الأمة راحتها وسعادتها بل تركتها بلا سلاح في معترك الحياة تغني لنفسها وتفقر كذلك. والسبب لوحيد في هذا الفقر اضطرار الناس إلى الانقطاع عن العمل بداعي حرية التجارة. ويقول آخرون أن السبب في هذا الشقاء هو مسألة تقسيم الأراضي فأملاك الأشراف مهملة لا يستفاد منها وتلك الأيدي العاملة تنقطع اضطراراً عن عملها لأنها لا تجد ما تعمل في الصناعة والتجارة وكانت تعمل في تلك الأراضي الواسعة لو وزعت عليها توزيعاً معقولاً فأشراف انكلترا هم العائق الكبير في كل إصلاح وارتقاء وأملاكهم هي الحاجز الاقتصادي الحائل دون نماء الراحة العامة فعليهم التبعة العظمى في غلاء المعيشة وقلة الأعمال والشقاء الاجتماعي الذي يزيد يوماً عن يوم. ومنذ عشرين سنة فتحت طريقة جديدة لإدخال لوردات جدد علاوة على القديم منهم وهم من كبار أرباب المعامل والماليين مثل الدوق دي نورفولك ووارداته السنوية ٣٧ مليون فرنك ما عدا الأربعمائة فدان التي يملكها في حي وستمنستر في لندرا وريعها مليون جنيه والدوق دي بدفور وريع أراضيه البالغة ٢٥٠ فداناً في لندرا هو مليونا جنيه واللورد نورثامبتون وريع أملاكه مليونا ليرة أفرنسية وغيرهم كثيرون. وهكذا أصبح دوقات انكلترا أرباب الاحتكار للثروة وهم سبب شقاء الطبقات ومنهم ضرر البلاد. ري العراق خطب السر ويليم ويلكوكس في اجتماع الجمعية الجغرافية الملكية في لندرا: في العراق ماضيه وحاضره ومستقبله خطاباً حضره كثير من سراة الانكليز وعلمائهم فقال أنه لما انتدبته الحكومة العثمانية الجديدة لري العراق وإصلاح أقنية دجلة والفرات وبيان الطرق اللازمة لعمران تلك البلاد بدأ يدرس طرق الري القديمة وما يلزمها من الإصلاح فاستفاد من ذلك فائدتين أساسيتين الأولى كثرة نفع الماء الخالي مما يحمله عادة كالوحل والحكاكات والثانية لزوم اتخاذ الاحتياطات لمنع الفيضانات وأن الأثني عشر مهندساً الذين ساعدوه في بغداد كانوا بينوا له أنهم قادرون على القيام بهذين العملين فعرضوا على الحكومة قبل ذلك طريقة للتخلص من فيضان ماء الفرات حتى مهابط نهر بيزون القديم وقدر المال اللازم لذلك بثلاثمائة وخمسين ألف ليرة والوقت بثلاث سنين وبذلك تصبح الأرض قابلة للزرع مضاعفة ومحصولات الحنطة تبلغ ثلاثة أضعاف أما المزارعون اليوم فإنهم لا يجرأون على زرع الأراضي بالبذور اللازمة وكذلك هم يحسبون أنهم يخسرون كل شيء في السنة السالفة. ومشروع اليوم هو القناة الوسطى الكبرى في أرض الدلتا اللازمة لري ٣.٠٠٠.٠٠٠ فدان من أحسن أراضي العراق لريها بماءٍ نقي ففي الشمال الغربي من بغداد بين دجلة والفرات انخفاض في الأرض يسمى بحيرة عكار كف ومساحتها إذا كان ماؤها على أقل درجاته أربعون ميلاً مربعاً وإذا كانت مملوءة ثلاثمائة ميل مربع وانخفاض سطحها عن الفرات خمسة وثلاثون قدماً وعن دجلة عشرة أقدام وإلى هذا المنخفض من الأرض يأتي نهر الصقلاويه وهو فرع من الفرات عرض قناته ٢٤٠ قدماً وعمقها ٢٥ قدماً وينقسم عند وصوله إليها من الغرب إلى نحو عشرين فرعاً. وعند اتصاله بالفرات يلزم أن يوضع له معياران قويان يعينان الماء المار فيه وكذلك يوضع للفرات سد بعد مفرق فرع الصقلاويه لتنظيم مجرى ماء الفرات نفسه. إن ما تقدم من الأعمال يؤمن وصول الماء من الفرات وأما من جهة دجلة فإن المهندسين ارتأوا وضع سكر في البلد عند حاجز عكار كف وبهذه الواسطة يمكن أن يحفر له فرع لري الأرض المخصبة الواقعة شمال بغداد ويصنع لهذا الفرع منفذ إلى البحيرة المذكورة فيحفظ قناته من الوحل ويصل دجلة بالبحيرة وهكذا يحصل الزارعون على ما يلزمهم من الماء من النهرين المنصبين في تلك البحيرة من غربها وشمالها وأما من جهتها الجنوبية والشرقية القريبة من بغداد فيحفر قناة توازي ضفة دجلة اليمنى وتنتهي في الحي وهذه القناة تكفي لري ستة ملايين فدان. أما الوحل الشديد المضر ومدته لا تتجاوز خمسة عشر يوماً في السنة فإنه يرسب في البحيرة. وويلكوكس يقترح أن تسمى الضفة اليسرى من هذه القناة باسم أول حاكم دستوري في البلاد العثمانية وهي تكون حاجزاً يحمي البلاد من فيضانات دجلة وعليها تمر سكة حديدية تنقل محصولات البلاد وهكذا تعود مدن صبارة وكوثا ونيل ونفور وأرخ وتل سكرخ وتل لو إلى عمرانها. وبعد أن بين الطرق التي تحمي البلاد من الفيضانات وكيف أن المباشرة تكون بري ثلاثة ملايين فدان من الأرض تغل سنوياً مليون طن من القمح ومليوني بالة قطن ذكر طريقة إيصالها لأسواق التجارة مع ملايين من الأغنام ومئات الألوف من الماشية التي يمكن أن تعيش في الدلتا وقد فاوض تجار بغداد فوجدهم متفقين على أن تأخر البلاد ناشئ في الأكثر عن انقطاع المواصلة مع الغرب وأن محصولات العراق اليوم وهي الغنم والبقر والجاموس والصوف وعرق السوس والحنطة والشعير مطلوبة على الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط وفي أوربا وكل ما تحتاج إليه البلاد يمكن أن يأتيها من الغرب لذلك لا ينقصها إلا إحداث سكة حديدية تصل بغداد بالبحر المتوسط من أقرب الطرق وأرخصها ومثل هذا الخط يكون مخرجه قرب صور أو صيداء وطوله من بغداد إلى دمشق خمسمائة وخمسون ميلاً تكلف مليوني ومائتي ألف ليرة. اهـ معرباً عن جريدة التيمس بقلم أحد أصدقائنا. ثقل الأيام يقال أن فلاناً أثقله كر الغداة والعشي وقد أثبت أحد العلماء أن المرء كلما تقدم في السن زاذ جسمه خفة فالكبد ووزنه العادي في البالغ ١١٦٥ غراماً لا يبلغ وزنه في الرجل الشيخ أكثر من ٨٠٠ إلى ٩٠٠ غرام ووزن الكلية في البالغ ١٨٠ غراماً ولا تكون كلية الشيخ أكثر من ١٠٠ غرام. أما القلب فلا يزال ينمو بنمو السن فيبلغ زهاء ألف غرام في الشيخ أكثر من الفتى وكلما شاخ المرء كبر قلبه وربما كان ذلك ناشئاً من أسفه على السنين تمر به فتقربه من أجله. دارسو العلوم بلغ عدد الطلبة الذين قيدوا أسمائهم سنة ١٩٠٨ — ١٩٠٩ في جامعة العلوم الباريزية ٢١٥١ طالباً منهم ١٥٧٧ فرنسوياً و ٤٢٧ روسياً و ٢٧ رومانياً و ١٥ من جمهوريات أميركا و ١٣ نمساوياً مجرياً و ١٣ عثمانياً و ١٠ ألمان و ١٠ يونان و ٨ من الولايات المتحدة و ٨ بلجيكيين و ٦ سويسريين و ٥ سويديين ونروجيين و ٤ صربيين بلغاريين و ٤ مصريين و ٤ إيطاليين و ٣ من كل من الجزائر البريطانية وهولاندة وشيلي و ٢ من كل اسبانيا والبرتغال والصين وواحد من كل الدانيمرك وإيران وسورية والراس والهند الانكليزية و ٨٠ طالباً أجنبياً في سائر الجامعات منهم ٥١ في الطب و ٢١ في الصيدلية و ٥ في الأدب و ٣ في الحقوق. معمل الفولاذ انشأوا على ٤٠ كيلومتراً من شيكاغو على شاطئ بحيرة مشيغان في مدينة اسمها طاري أعظم معمل للفولاذ في العالم وهو يحوي من التنانير ما يخرج في اليوم أربعة آلاف طن وتقدر أكلاف هذا المعمل بعشرين مليون ليرة وحجم الغاز الذي يخرج في الساعة من كل تنور عالٍ يبلغ ثمانين ألف متر مكعب وفيه ١٧ محركاً بالغاز تبلغ قوتها ٢٥٠٠ حصان ومجموع ما يصدر من هذا المعمل في السنة ٢.٧٠٠.٠٠٠ طن مخترع المعكرونة قالت إحدى الكاتبات الإيطاليات إن تاريخ اختراع المعكرونة يرد إلى سنة ١٢٢٠ يوم خميس الجسد وهو اليوم الذي تاب فيه في بلرمة ونابولي الملك الصالح فريدريك الثاني ففي ذاك اليوم اخترع أحد علماء الكيمياء من الطليان واسمه سيشو هذه المعكرونة فسرقت منه سر هذه الصناعة امرأة اسمها لاجوفانلادي كانزيو فاستعملتها من مواد كثيرة وأجادت صنعها وتناول الملك فاستطابها ثم الأسرة المالكة وأهل البلاط والأشراف والنبلاء والفرسان وبعد أن عمت إيطاليا انتقلت إلى أوربا بأسرها بل إلى العالم كله. الفراسة بالأظافر يقول أحد أطباء الأيدي في باريز أن الأظافر العريضة والقصيرة هي دليل كاف على الشدة في الخلق والقسوة والغضب ويكون صاحبها متناقضاً في أفكاره وعنيداً للغاية. وإذا كانت الأظافر طويلة ومنبسطة تدل على كبر العقل والتصور وعلى الحكمة وتوازن الدماغ. وإذا كانت مستطيلة ومنفسخة تدل على ميل صاحبها إلى الشعر والفنون على اختلاف أنواعها وعلى كسل غريزي فيه. وإذا كانت محنية كالمخالب فهي دليل نفاق خبيث شديد قاس كما تدل على القسوة والميل إلى القتل ومن كانت أظافره رخوة فدليل ضعف جسمه وعقله في حين أن من يأكلون أظافرهم كثيراً ما يكونون من المائلين إلى الخلاعة. ومن كانت أظافره متلونة تدل على صحة وفضيلة وسعادة وميل عظيم للكرم. معادن العالم أحصى أحد العارفين ما استخرج من معادن الرصاص والنحاس والتوتيا الزنك سنة ١٩٠٧ فكانت ٩٩٢ ألف طن من الرصاص و ٧١٣ ألف طن من النحاس و ٧٣٣ ألف طن من التوتيا ومعدل سعر الطن من المعدن الأول ٤٨٢ فرنكاً وربع ومعدل سعر الطن من الثاني ٢١٧٧ فرنك و ٥٥ سنتيماً ومعدل سعر التوتيا ٣٣٧ فرنكاً ويوزع المستخرج من الرصاص على ست ممالك فيصيب الولايات المتحدة ٣٤١ ألف طن واسبانيا ١٨٦ ألفاً وألمانيا ١٤٠ ألفاً واستراليا ٩٧ ألفاً والمكسيك ٧٢ ألفاً وانكلترا ٢٠ ألفاً ويصيب الولايات المتحدة من النحاس ٤٢١ ألف طن وأوربا كلها ١٤٣ ألفاً وانكلترا ٧٢ ألفاً وألمانيا ٣٢ ألفاً واليابان ٤٥ ألفاً واستراليا ٣٢ ألفاً ويصيب الولايات المتحدة من التوتيا ٢٢٧ ألف طن والبلجيك ١٤٥ ألفاً الخ.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_43.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.43.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
