<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.42.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.42.TEIP5:</urn>
<passage>نخب الذخائر في أحوال الجواهر المقدمة اشتهر أبو عبد الله شمس الدين محمد بن ابراهيم بن ساعد السنجاري المصري بن الأكفاني بتآليفه الجيدة وهو من أهل القرن الثامن توفي بالطاعون سنة تسع وأربعين وسبعمائة وكان طبيباً بمصر ومن مؤلفاته كتاب كشف الغين في أحوال العين وشرحها وقاية العين لنور الدين علي المناوي وتمنية اللبيب في غيبة الطبيب ونهاية القصد في صناعة الفصد والنظر والتحقيق في تقليب الرقيق ونخب الذخائر في أحوال الجواهر وإرشاد القاصد إلى أسنى المقاصد وبعضهم زاد عليها وسماها الدر النظيم في أحوال العلوم والتعليم، وكتاب إرشاد القاصد طبع مرتين في القاهرة وبيروت وهو من كتب التعليم الممتعة على صغر حجمه ولكن المصنفات بفوائدها لا بحجمها. وكتابه نخب الذخائر وأحرى به أن يسمى رسالة تفضل بإهدائه للمقتبس محمود شكري أفندي الآلوسي عالم العراق الآن فأحببنا أن نضمه إلى صدر المجلة لينتفع به القراء، أما هذا الموضوع فقد ألف فيه عدة كتب كما يفهم من عبارات المصنف ومن الكتب المؤلفة فيه كتاب الجماهر في معرفة الجواهر لأبي الريحان البيروني الفيلسوف المشهور ألفه للملك المعظم أبي الفتح ومنه نسخة في مادريد ومنها أزهار الأفكار في جواهر الأحجار لشهاب الدين أبي العباس أحمد بن يوسف التيفاشي المتوفي سنة ٦٥١ هـ، وإليك نخب الذخائر: نخب الذخائر في أحوال الجواهر يقول العبد الفقير إلى الواحد الباري، محمد بن ابراهيم بن ساعد الأنصاري: الحمدلله كفّ أفضاله، والصلاة على سيدنا محمد وآله، وبعد فهذا كتاب لخصت فيه خلاصة كلام الأقدمين والمتأخرين، من الحكماء المعتبرين، في ذكر الجواهر النفيسة بأصنافها وصفاتها ومعادنها المعروفة، وقيمتها المشهورة المألوفة، وخواصها ومنافعها بأوضح لفظ وأصح معنى، ووسمته بنخب الذخائر في أحوال الجواهر، وجانبت فيه الأطناب، وميزت فيه القشر عن اللباب، والله أسأل أن ينفع به بمحمد وآله. القول على الياقوت أصنافه أربعة الأحمر وهو أعلاها رتبة وأغلاها قيمة والأصفر والأزرق والأبيض وللأحمر سبع مراتب أعلاها الرماني ثم البهرماني ثم الأرجواني ثم اللحمي ثم البنفسجي ثم الجلناري ثم الوردي، فالرماني وهو الشبيه بحب الرمان الغض الخالص الحمرة الشديد الصبغ الكثير الماء ويوجد لونه بأن يقطر على صفحة فضة مجلاة قطرة دم قرمز أعني من عرق ضارب فلون تلك القطرة على تلك الصفيحة هو الرماني والبهرماني يشبه بلون البهرماني وهو الصبغ الخالص الحاصل عن العصفر دون زردج ومن الجوهريين من يفضل البهرماني على الرماني والتفضيل إنما هو بشدة الصبغ وكثرة المائية والشعاع ومنهم من يقول هما شيء واحد وإنما أهل العراق يقولون بهرماني وأهل خراسان يقولون رماني فالخلاف لفظي والأرجواني أيضاً شديد الحمرة، وقيل كان الأرجواني لباس قياصرة الروم وكان محظوراً عن السوقة إلى زمن الاسكندر فإنه اقتضى رأيه أن لا يختص الملك بلباس يعرف به فيقصد، ومنهم من يسمي الأرجواني الجمري بالجيم تشبيهاً بالجمر المتقد وصحفه بعضهم بالخمري وكان الخميري هو البنفسجي، وأما اللحمي فهو دون الأرجواني في الحمرة يشبه ماء اللحم الطري الذي لم يشبه ملح والبنفسجي يشوبه كهبة تخرجه عن خالص الحمرة وهو لون البنفش المعروف بالماذيني، وأما الجلناري فيشوبه بعض صفرة والوردي يشوبه بياض وهو أنزل طبقات الأحمر. وأجود هذه الألوان كلها ما توفر صبغه وماؤه وشعاعه وخلا عن النمش وعن الحرمليات وهي حجارة مختلطة به وعن الرثم وهو وسخ فيه شبه طين، وعن التفت وهو كالصدع في الزجاجة إذا صدمت يمنع نفوذ الضياء والإشفاف، وهذا قد يكون أصلياً وقد يكون عارضاً، ومن عيوبه أيضاً اختلاف الصبغة فيشبه البلقة ومنها غمامة بيضاء صدفية تتصل ببعض سطوحه فإن لم تكن غائرة ذهبت بالحك وإذا خالط الحمرة لون غيرها يزول بالحمي بالنار بتدريج وتبقى الحمرة خالصة ولا يثبت على النار غيرها ومتى زالت الحمرة بالحمي فليس بياقوت. ومعدن الياقوت بجبل يسمى الراهون في جزيرة سرنديب، وفي سيلان ومكران معدن الياقوت الأصفر والأزرق وتحت جبل البرق معدن الياقوت الأحمر والياقوت أصلب الجواهر، ولا يخدشه منها إلا الألماس ولا ينجلي بخشب العشر الرطب وإنما يسوى بالسنباذج ويجلى على صفيحة نحاس بالجزع المكلس والماء وهو أشد الجواهر صقالاً وأكثرها ماءً، وشعاعه في الليل في ضوء الشمع أحمر وشعاع البلخش ونحوه أبيض. وذكر القدماء أن قيمة المثقال الفائق من الياقوت الأحمر ثلاثة آلاف دينار، وأما في الدولة العباسية فإن الغالب من قيمته أن الجيد منه إذا كان وزن طسوج يساوي خمسة دنانير وأضعفه عشرين ديناراً وسدس مثقال ثلاثون ديناراً وثلث مثقال مائة وعشرين ديناراً ونصف مثقال أربعمائة دينار والمثقال بألف دينار والمثقال ونصف بألفي دينار هذا هذا ما تقرر في أيام المأمون مع كثرة الجواهر في ذلك الزمان، والمثقال من البهرماني بثمانمائة دينار ومن الأرجواني بخمسمائة دينار ومن الجلناري بمائتي دينار ومن اللحمي بمائة دينار والبنفسجي يقاربه والوردي دون ذلك وكان في خزانة يمين الدولة ياقوتة شكلها شكل حبة العنب وزنها اثنا عشر مثقالاً قومت بعشرين ألف دينار وكان للمقتدر فصاً يسمى ورقة آلاس لأنه كان على شكلها وزنه مثقالان إلا شعيرتان اشتراه بستين ألف درهم، وأما في هذا الزمان فإن قيمة الياقوت وسائر الجواهر زادت كثيراً. وأما الياقوت الأصفر فأعلاه ما قارب الجلناري وبعده المشمشي وبعده الاترجي وبعده التبني وبلغت قيمة الأصفر الجيد المثقال مائة دينار، وأما الأزرق ويسمى الأكهب فأعلاه الكحلي ثم النيلي ثم اللازوردي ثم السمائي، وكان في القديم قيمة الجيد من الأزرق عشرة دنانير المثقال وما زاد فتزداد قيمته بأضعاف ذلك، وأما الأبيض فإنه يحمل من سرنديب ويكون رزيناً بارداً في الفم واجوده البلوري الكثير الماء وهو أقل قيمة من سائرها. قال ارسطوطاليس أن مزاج سائر اليواقيت حار يابس وإذا علق شيء من أي أصنافه كان على إنسان أكسبه مهابة في أعين الناس وسهل عليه قضاء حوائجه ودفع عنه شر الطاعون، وقال ابن سينا أن خاصيته في التفريح وتقوية القلب ومقاومة السموم عظيمة، وشهد جمع من القدماء أنه إذا أمسك في الفم فرح القلب وقال النافقي وغيره أنه ينفع نفث الدم ويمنع جموده تعليقاً، وقال ابن زهر أن شرب سحيقه ينفع الجذام وأن التختم به ينفع حدوث الصرح وقال ابن وحشية من علق عليه الياقوت الأحمر اتسع رزقه وتصرفه في المعاش، وفي زماننا هذا حجر نفيس يعرف بعين الهر لشبهه إياها كان فيه زئبق يتحرك يتغالى فيه الملوك والأمراء ويقال أنه من أصناف اليواقيت ويظهر من معادنها، وقيمته إذا كان فائقاً وزنته نحو نصف مثقال ألف درهم فما فوقها ويقال أنه وقاية لعين المجدور. القول على البلخش ويسمى اللعل بالفارسية وهو جوهر أحمر شفاف مسفر صافي يضاهي فائق الياقوت في اللون والرونق، ويتخلف عنه في الصلابة حتى أنه يحتك بالمصادمات فيحتاج إلى الجلاء بالمرقشيشا الذهبية وهو أفضل ما حلى به هذا الجوهر ومنه ما يشبه الياقوت البهرماني ويعرف باليازكي وهو أعلاها وأغلاها، وكان يباع في أيام بني بويه بقيمة الياقوت حتى عرفوه فنزل عن تلك القيمة وقرر أن يباع بالدرهم دون المثقال تفرقة بينه وبين الياقوت، ومنه ما يميل إلى البياض ومنه ما يميل إلى البنفسجية وهما دون الأول ومعدنه بالمشرق على مسير ثلاثة أيام من بذخشان، وهي له كالباب ومنه ما يوجد في غلف شفافة ومنه ما يوجد بغير غلاف وشوهد منه ما يزيد وزنه على المائة درهم وكانت قيمته في القديم عن كل درهم عشرين ديناراً وربما زاد عن ذلك وليس لهذا الجوهر منفعة كالياقوت بل يشترى لحسنه. القول على البحادي ويعرف بالبنفش وهو حجر يشبه الياقوت بعض الشبه إلا أنه لا يضيء غالباً حتى يلعق من تحته بالحفر ليشف عن البطائن وشبه ارسطوطاليس لونه بنار يشوبها دخان ومنه ما يجلب من سرنديب وهو أرفع طبقاته ويعرف بالماذيني، ومنه ما يجلب من بذخشان ومنه ما يجلب من بلاد المغرب ويعرف بالقروي، ومنه ما يجلب من بلاد الافرنجة ومنه صنف يشوبه صفرة خلوقية ويعرف بالاسبادشت ويوجد في الخراساني منه ما يكون وزنه نصف من. أما السنديبي فإنه لا يتجاوز مقدار الياقوت بكثير وزن، وقيل أن الجيد منه يلتقط زغب الريش المنتوف ويبلغ قيمة الدرهم منه ديناراً واحداً، قال ارسطوطاليس أن من تختم بوزن عشرين شعيرة منه لم ير في منامه أحلاماً ردية ومن أدمن النظر إليه نقص نور عينيه وقال ابن أبي الأشعث لبسه يورث الخيلاء ويحرك الشبق، وأما الاسبادشت فإنه يقطع الرعاف ونزف الدم تعليقاً إذا كان وزنه نصف مثقال فما فوقه. القول على الماس هو جوهر يشبه الياقوت في الرزانة والصلابة وعدم الانفصال عن الحديد وقهره لغيره من الأحجار وهو شفاف فيه أدنى بريق ويوجد فيه الأبيض والزيتي والأصفر والأحمر والأخضر والأزرق والأسود والفضي والحديدي وأشكال الماس كلها مضرسة مخروطية ومثلثات من غير صنعة والهند تفضل منه الأبيض والأصفر بسبب ما يظهر منهما من الشعاع الأحمر بقوس قزح إذا أقيما في مقابلة عين الشمس، وأما أهل العراق وخراسان فلا يفرقون بين ألوانه لأنهم إنما يستعملونه في ثقب الجواهر خاصة ومعدنه بقرب معدن الياقوت، وله معدن بقرب غزنه ومعدن بمقدونية من بلاد الروم ولونه كلون النوشاذر، ومعدن باليمن وهو حديدي اللون ومعدن بقبرس وهو فضي اللون رخو، ومن غريب حال الماس أنه إذا طرق بمطرقة على سندان نكأ فيهما ولا ينكسر وإذا لف في صفحة اسرب وضرب انكسر، وغالب ما يوجد منه قطع صغيرة بقدر الفلفل ونحوه، وكان قيمة هذا قديماً المثقال بمائتي دينار وما كان بقدر البندقة أو قاربه فيكون قيمته من ثلاثمائة إلى خمسمائة دينار. وحكى نصر الجوهري أن معز الدولة بن بويه الديلمي أهدى إلى أخيه ركن الدولة من الماس فصاً وزنه ثلاثة مثاقيل ولم يسمع بأعظم منه، وأخبرني السيد الشريف ناصر الدين الترمذي أنه رأى عند السلطان قطب الدين ملك الهند من الماس الجيد الجليل القدر شيئاً كثيراً جداً ولعلهم لا يسمحون بخروج جيده من أرضهم لأنهم يتيامنون به، قال ارسطوطاليس الماس بارد يابس في الرابعة يثقب به الياقوت وسائر الأحجار الصلبة ومتى كان في مجرى البول حصاة فتلصق حبة من هذا الحجر في حديدة كالقاثاطير ثم يدخل في القضيب لتماس الحصاة فتفتتها ولا ينبغي أن يدخل الفم فإنه يكسر الأسنان وإن ابتلع منه شيئاً فربما قتل. القول على الدر واللؤلؤ الحيوان الذي يتولد فيه اللؤلؤ هو بعض الأصداف وهو دقيق القوائم لزج ينفتح بإرادة منه وينضم كذلك ويمشي أسراباً ويزدحم على المرعى واختلفوا في تولده في هذا الصدف فمنهم من قال أنه يتكون فيه كما يتكون البيض في الحيوان البياض ذكر ذلك جمع من المحققين، وقيل بل يطلع إلى سطح البحر في شهر نيسان وينفتح الصدف ويتلقى المطر فينعقد حباً ذكره نصر الجوهري وكثير من الناس وأقول عند التدقيق لا تضاد بين القولين لجواز أن يكون تكون اللؤلؤ في صدفه كتكون البيض ويكون قطر نيسان له بمثابة النطفة. وقال الكندي أن موضع اللؤلؤ من هذا الحيوان داخل الصدف وما كان منه مما يلي الفم والأذن فهو الجيد منه وقالوا أن الحب الكبير إنما يتكون في حلقومه ويزداد بالتفاف القشور عليه والدليل على ذلك أنه يوجد طبقات والداخلة منها شبيه بالخارجة وكلها تشابه باطن الصدف وله مغاصات مشهورة في البحر الأخضر ويوجد في مجازات بين تلك المغائص وبين تلك السواحل، ومن المغاصات المشهورة مغاص أول بالبحرين ومغاص دهلك والسرين ومغاص الشرجه باليمن ومغاص القلزم بجوار جبل الطور ومغاص غب سرنديب ومغاص سفالة الزنج ومغاص اسقطرة وقد يتفق في بعض المغاصات مانع من الغوص كالحيوانات المؤذية التي في مغاص القلزم، ولهذا يدهن الغواصون عند الغوص أبدانهم بالميعة السائلة لأن الهوام البحرية لا تقربها. ويختلف اللؤلؤ باختلاف المغاصات من جهة تربة المكان وغذاء الحيوان كما تغلب الرصاصة على اللآلئ القلزمية والدهلكية والوقت الذي يغاص فيه هو من أول نيسان الرومي إلى آخر شهر أيلول وفي ما عدا هذه المدة يسافر هذا الحيوان من السواحل وبلجج ويختلف اللؤلؤ بالمقدار فمنه الكبار والصغار وما بين ذلك وأعظم ما وجد منه اليتيمة التي كانت عند عبد الملك بن مروان ذكر أنها كان وزنها ثلاثة مثاقيل وكانت مع ذلك حائزة لجميع صفات الحسن مدحرجة نقية رطبة رائقة ولذلك سميت اليتيمة ولم يذكر عنها قيمة لكن ذكر الأخواني الرازيان أنهما شاهدا في خزانة الأمير يمين الدولة حبة ذات قاعدة وزنها مثقالان وثلث وأنها قومت بثلاثين ألف دينار، ويختلف اللؤلؤ أيضاً من شكله فمنه المدحرج ويعرف بالعيون وإذا كثرت استدارته وماؤه سمي نجماً، ومنه المستطيل الزيتوني ومنه الغلامي وهو المستدير القاعدة المحدد الرأس كأنه مخروط ومنه الفلكي المفرطح ومنه الفوفلي واللوزي والشعيري، ومنه المضرس وهو دونها شكلاً، ويختلف اللؤلؤ أيضاً من لونه فمنه للسقي البياض ومنه الرصاصي ومنه العاجي وصفرته غالباً في حساب المرض له وإذا فاز وطال زمانه أسود، واللؤلؤ سريع التغير لأنه حيواني بخلاف الجواهر المعدنية إذ أن أعمارنا لا تفي بتغير أكثرها، ويثقب هذا الحب لأنه يزداد بحسن التأليف في إلا حسناً ورونقاً وقيمة وإنما بثقب بالماس فلذلك لم يستعمل الأطباء في الأدوية النظم البكر غير المثقوب. والقيمة عن الدر في القديم النجم إذا كان وزنه مثقالاً كانت قيمته ألف دينار وإذا كان وزنه ثلثي مثقال كان قيمته خمس مائة دينار وإذا كان وزنه نصف مثقال كانت قيمته مائتي دينار وإذا كان وزنه ثلث مثقال كانت قيمته خمسين ديناراً وإذا كان وزنه ربع مثقال كانت قيمته عشرين ديناراً وإذا كان وزنه سدس مثقال كانت قيمته خمسة دنانير وثمن مثقال قيمته ثلاثة دنانير ونصف سدس مثقال قيمته دينار واحد، والغلامي بالنصف من قيمة النجم وما عداهما بالنصف من قيمة الغلامي، وأما ما زاد على وزن مثقال فيزاد لكل قيراط في الوزن مائة دينار في الثمن إلى أن يبلغ مثقالاً ونصفاً ثم يزاد لكل دانق في الوزن خمس مائة دينار في الثمن إلى أن يبلغ مثقالين وما زاد عليه تتضاعف قيمته، وأما الآن فالقيمة على قياس الجواهر متضاعفة لكثرة الرغبات من ملوك العصر في اقتناء الجواهر النفيسة، وأما صغاره فبالدرهم يقوم، وخاصية اللؤلؤ المنفعة من خفقان القلب وتوحشه ويجلو العين ويزيد في الباه ويقطع نزف الدم وشربته درهم والمحلول منه يذهب البهق والبرص والكلف والنمش طلاءً ويبرئ الصداع والشقيقة سعوطاً، وصفة حله أن يسحق ويعجن بماء حماض الأترج ويعلق في دن فيه خل بحيث يرتقي إليه بخار الخل فإنه ينحل في ثلاثة أسابيع وهو يابس في الدرجة الثانية بارد في الأولى وقيل حار فيها لطيف جداً. قال نصر الجوهري: إذا ذهب ماء اللؤلؤ وكدر فينبغي أن يودع إليه مشروحه وتلف الألية في عجين مختمر ويجعل في كوز ويحمى عليه فإذا خرج دهن بالكافور وقال أبو الريحان البيروني إن ما كان تغيره من قبل الطيب فيجعل في قدح مطين فيه صابون ونورة غير مطفية جزآن متساويان ويصب عليه ماء عذب وخل خمر ويغلى في نار لينة ولا يزال ترفع رغوة الصابون وترمى بها إلى أن تنقطع ويصفو الماء في القدح وبعد ذلك يخرج اللؤلؤ ويغسل، وإن كان التغير في اديمه إلى السواد فينقع في لبن التين أربعين يوماً ثم ينقل إلى قدح فيه محلب وكافور وخروع أجزاءً سواءً ويوضع على نار فحم مقدار ساعتين بدون نفخ عليها ثم ينحى، وإن كان السواد في باطنه طلي بشمع وجعل في قدح مع حماض الأترج ويبدل عليه كل ثلاثة أيام وتدام حتى يبيض، وإن كان في اديمه صفرة نقع في لبن التين أربعين يوماً ثم نقل إلى قدح فيه قلي وصابون وبورق بالسوية ويفعل فيه كما يفعل بالأسود، وإن كانت الصفرة في داخله جعل في محلب وسمسم وكافور متساوية الأجزاء مدقوقة ثم تلف فوقها عجين وتوضع في مغرفة حديد وتغمر بدهن الأكارع وتغلى غليتين ثم تخرج، وإن كان أحمر غلي في لبن الحليب ثم طلي باشنان فارسي وشب يماني وكافور أجزاء متساوية تدق ناعماً وتعجن بلبن حليب ويطلى به طلياً ثخيناً وتودع جوف عجين قد عجن بلبن حليب ويخز في التنور، وإن كان رصاصياً نقع في حماض الأترج ثلاثة أيام ثم يغسل بماء البيض ويحفظ من الريح بالقطن، وذكر غيرهما في تبييض الفاسد أن يلقى في خل ثقيف مع حبشين تنكار وقيراط نوشادر وحبة بورق وثلاث حبات قلي مسحوقة وتغلى في مغرفة حديد ثم ترفع المغرفة عن النار وتوضع في ماءٍ بارد ويدلك فيه بملح اندراني مسحوق ناعم ثم يغسل بماءٍ عذب ولا يبعد أن هذا العمل ينزع عنه قشرة الأعلى أو بعضه والتجربة خطر. القول في الزمرد الخضرة تعم أصنافه كلها وأفضله ما كان مشبع الخضرة ذا رونق وشعاع لا يشوبه أسود ولا صفرة ولا نمش ولا حرمليات ولا عروق بيض ولا تفوت، وليس يكاد يخلص عنها ودونه الريحاني الشبيه بورق الآس الرطب ودونه السلقي الشبيه بورق السلق الطري وأهل الهند والصين تفضل الريحاني منه وترغب فيه، وأهل المغرب يرغبون لما كان مشبع الخضرة وإن كان قليل الماء ويزداد رونقاً إذا دهن بزيت بذر الكتان، وإذا ترك بدون دهن يذهب ماؤه ويمتحن بالعقيق المحدد فإن خدشه فهو من أشباه الزمرد ومعدنه بسفح جبل قرشندة من أرض البجاة بصعيد مصر الأعلى وأكثر ما يظهر منه خرز مستطيلة ذات خمسة أسطحة ويسمى أقصاباً وثقبه يشينه بعكس اللؤلؤ وظهر في زماننا هذا من هذا المعدن قطع لم يسمع بمثلها في العظم ما يقارب زنة من ونحو ذلك، والمشهور أن الدهنج يكدر الزمرد إذا ماسه فيذهب رونقه وهو الآن بدون القيحة التي كانت في القديم بخلاف سائر الجواهر وما ذلك إلا لكثرته، فإن أبا الريحان البيروني حكى أن زنة نصف مثقال من الجيد منه يساوي ألف دينار وقيل أن منه صنفاً يعرف بالذبابي أنه يشبه الذباب الطاوسية التي تكون في المروج وإن من خاصية هذا الصنف ولكنني امتحنت الريحاني والسلقي في هذا الأمر فلم يصح ولا تغيرت أعين الأفاعي وخاصية الزمرد النفع من السموم المشروبة ونهش الأفاعي ولدغ العقارب يؤخذ من سحيقه تسع شعيرات ويجد شاربه في بدنه وجعاً عظيماً وانحلالاً في قوته ثم يفيق وقد انتفع ويوقف الجذام في ابتدائه ويقطع الإسهال المزمن ونفث الدم شرباً وتعليقاً ويقوي المعدة وينفع الصرع تعليقاً وإمساكه في الفم يقوي الأسنان والمعدة وإن علق على فخذ المطلقة أسرعت الولادة وإدمان النظر إليه يجلو البصر ويحده وطبعه بارد يابس. القول على الزبرجد هو صنف واحد فستقي اللون شفاف لكنه سريع الانطفاء لرخاوته وقيل أن معدنه بالقرب من معدن الزمرد ولكنه مجهول في زماننا هذا ومع ذلك فقيمته نحو قيمة البنفش وطبعه حار يابس وتقرب منافعه من منافع الزمرد ويدفع شر العين. القول على الفيروزج معنى اسمه بالفارسية النصر ولذلك يسمى حجر الغلبة ويسمى أيضاً حجر العين لأن حامله يدفع عنه شرها والمشهور عنه أنه يدفع الصواعق وهو حجر أزرق أصلب من اللازورد يجلب من أعمال نيسابور، وكلما كان أرطب فهو أجود والمختار منه ما كان من المعدن الأزهري والبوسحاقي لأنه مشبع اللون صقيل مشرق، ثم اللبني المعروف بشيرقام، ثم الاسمانجوني الغميق، قال أبو الريحان أعظم ما وجد من الفيروزج وزن مئة درهم ولم يوجد من الخالص منه غير المختلط بشيء غيره إلا وزن خمسة دراهم، وبلغت قيمته مائة دينار قال الكندي وقد كرهه قوم بسبب تغيره بالصحو والغيم والرياح وتصفير الروائح الطيبة له واذهاب الحمام لمائه وإماتته بالزيت وكما أنه يموت بالزيت كذلك يحى بالشحم والالية يعالج بأن يجعل في أيدي القصابين، قال بن زهر: إن الملوك تعظم هذا الحجر لأنه يدفع القتل عن صاحبه ولم ير في يد قتيل قط ولا في يد غريق وإذا شرب منه نفع لدغة العقرب، وقال الغافقي إنه بارد يابس، وقال ديسقوريدس أنه يقبض نتو الحدقة وينفع بثرها ويجمع حجب العين المنحرقة ويجلو الغشاوة، وقال ارسطوطاليس أنه ينقص من هيبة حامله، وذكر هرمس أنه إذا نقش عليه صورة طائر في فمه سمكة وجعل في خاتم وتحته شيء من خصي الثعلب ويكون القمر وعطارد في الثور فإن حامله يقوى على الجماع وتزداد شهوته له، وقال ابن أبي الأشعث أنه يقوي القلب إلا أنه دون الياقوت، ووجدت نقلاً عن بعض الأطباء أنه أقوى في تقوية النفس من سائر الأحجار. القول على البلور يجلب من خزائن الزنج ومن كشمير ومن نواحي بذخشان وله معدن ببدليس ومعدن بأرمينية ويجلب أيضاً من سرنديب ومن بلاد افرنجة ومن المغرب الأقصى ومنه ما يلتقط من البوادي، وقيمته بحسب ما يعمل منه من الأواني وحسن صنعتها ووجد منه قطعة زنتها مائة رطل بالعراقي وأفضله المستنبط من بطن الأرض ويكون ساطع البياض كثير المائية رزيناً صلباً بحيث يقدح منه النار ويخدش كثيراً من الجواهر بخلاف الملتقط من ظاهر الأرض ومن خاصيته أنه من علقه عليه لم ير مناماً يفزعه ورأى أحلاماً حسنة ويسقى منه مثقال بلبن الاتن لأصحاب السل فينفعهم وينفع الرعشة تعليقاً. القول على الجمز ويقال جمست هو حجر يشبه الياقوت البنفسجي وأعلاه ما غلبت عليه الوردية ومعدنه بقرية صفراء بالحجاز، ويوجد مغشى ببياض كالثلج على وجهه حمرة ووجد منه قدر الرطل وأكثر ينفع وجع المعدة تعليقاً والشرب بآنيته يبطي بالسكر وقيمته رخيصة. القول على الدهنج هو حجر رخو شديد الخضرة تلوح فيه زنجارية وفيه خطوط سود دقاق جداً، وربما شابه حمرة خفية ومنه طاوسي ومنه موشى وقيل أنه يصفو بصفاء الجو ويكدر بكدورته ومنه افرندي وهو أفضل أصنافه ومنه هندي ومنه كرماني وخراساني ومنه كركي ومنه معزل والهند نرى أنه ضرب من التوتيا ويكون رخواً وقت إخراجه من معدنه ثم يزداد صلابة، وقال ارسطوطاليس إن شرب منه شارب السم نفعه وإن شرب منه من غير سم كان سماً، وقد وثق عامة الناس من الفرندي أنه يجلو بياض العين جلاءً حسناً. القول على اليشب ويقال يشم منه مجلوب من بلاد الترك وألوانه أبيض وأصفر وزيتي وهو أفضلها، ومنه مستخرج من ناحية ختن من واديين يسمى أحدهما فاش ويستخرج منه أبيض فائق ويسمى الآخر واقاش والمستخرج منه كدر، وربما خرج منه شيء أسود لا يوصل إلى معدنه وإنما السيل بخرجة والقطع الكبار للملك والصغار للرعية والترك، وأهل الصين تتخذ منه مناطق وحلية للسيوف والسروج حرصاً على الغلبة وزعموا أنه يدفع الصواعق وجرب من الأصفر والزيتي أنه ينفع وجع المعدة تعليقات عليها وينفع أوجاع الأحشاء. القول على الغازدهر ويقال بازهر ومنه معدني ومنه حيواني والمعدني منه أبيض وأصفر وأخضر وأغبر ومسكت وهو أفضلها ومعادنه بالهند والصين والخالص منه إذا ألقي من سحالته شيء في لبن حليب جمده ويعرق في الشمس وهو نافع من جميع السموم ومقدار ما يشرب منه اثنا عشر شعيرة فيخرج السم بالعرق من الجسد، وإذا وضع على لسع العقرب أو الزنبور نفع نفعاً بيناً وإذا أنثرت سحالته على موضع اللسع اجتذبت السم منه وجرب أنه إذا نقش في فص منه صورة عقرب والقمر في العقرب في أحد أوتاد الطالع وركب على خاتم ذهب وطبع به والقمر في العقرب على درهمين كندر ممضوغ فإنه يشفي من لسعة العقرب شرباً، وأما الحيواني من البازهر فإنه يتولد في مراير بعض الأياييل بأرض شنكاره من جبال شيراز كما يتولد حجر البقر في مريرها وأكثره بلوطي الشكل لونه بين الخضرة والغبرة ويتراكم طبقات بعضها فوق بعض في المسن من هذا الحيوان حتى يبلغ زنة البلوط منه عشرة مثاقيل مع خفته وهو جوهر شريف يقاوم سائر السموم شرباً إذا شرب منه من دانق إلى نصف درهم يسحل على المسن بالماء القراح وسحالة الخالص بيضاء وربما تميل إلى حمرة خفية والمغشوش منه سحالته تميل إلى خضرة أو صفرة وإذا تقدم إنسان باستعماله على سبيل الاحتياط، وشرب منه في أربعين يوماً متوالية كل يوم وزن دانق لم يضره ما يرد على بدنه من السموم وينفع المجزومين نفعاً بليغاً ويجلو بياض العين والكلف والنمش جلاء، وحيا ويحل مغل الدواب وأسر بولها سريعاً. القول على الخرتوت ويقال ختو قال أبو الريحان البيروني هو حيواني يقال أنه يؤخذ من جبهة ثور يكون في نواحي بلاد الترك بأرض خرخيز، وقيل بل من جبهة طائر عظيم يسقط في بعض تلك الجزائر وهو مرغوب فيه عند الترك وأهل الصين يزعمون أنه يعرق إذا قرب من طعام مسموم، قال الأخوان الرازيان خيره المعقرب الضارب من الصفرة إلى الحمرة، ثم المشمشي، ثم الضارب إلى الكهوبة وكان في القديم ما كان وزنه مائة درهم فقيمته من مائة دينار إلى مائة وخمسين ديناراً، وجرب من دخان بخوره أنه ينفع البواسير نفعاً بليغاً، وليكن هذا آخر هذا الكلام في هذا الكتاب واقتصرت على ذكر هذه الجواهر لأنها النفيسة التي تدخرها الملوك والأكابر وتتحلى بها الغواني، ومنافعها جليلة ولم أطل فيه القول بكيفية تولدها لعدم الفائدة في ذلك ولا ذكرت ما يلتحق بها مثل المرجان والسبح ونحوهما لنزول رتبتها عن هذه الجواهر النفيسة، وقد آن ختم الكتاب بحمد الله تعالى والصلاة على نبيه محمد سيد المرسلين وآله وصحبه الطاهرين وحسبنا الله ونعم الوكيل. المطبوعات العربية كان أول كتاب عربي مثل بالطبع في القرن الخامس عشر للميلاد في رومية العظمى كرسي البابوية فطبعت على ذاك العهد أمهات من الكتب النافعة كأسفار ابن سينا وغيره وعني الطابعون بتصحيحها ومعارضتها على أصول وقعت إليهم فدلوا بذلك على أن حب الإتقان واختيار الأجود تكاد تكون غريزة في الغرب ثم انصرفت الرغبة في أوروبا إلى تعلم لغات الشرق ولا سيما العربية فطبع المستشرقون من الفرنسيس والألمان والهولانديين وغيرهم كتباً جليلة لنا وبذلوا مجهودهم في تصحيحها ووضع الفهارس والمعاجم لها والدلالة على ما فيها من فوائد وأوابد وشوارد، وكل هذه المطبوعات على سقم الحروف التي كانوا يستعملونها في مطابعهم كانت على غاية من جودة الورق ومتانته وجمال الوضع والشكل. ولما دخل الطبع إلى البلاد العثمانية سنة ١١٣٥ هـ تأسست في اسكدار إحدى أحياء الأستانة أول دار للطباعة كان في جملة المطبوع من الكتب العربية بعض كتب دينية وبينها بعض الكتب العلمية والتاريخية إلا أن الطباعة لم تكن على الإتقان المطلوب والعناية بالتصحيح كانت دون عناية الأوروبيين بكثير أما الفهارس والتبويب فلم يحفلوا بها لما يحتاج وضعها إليه من طول النفس وسعة الصدر وكثرة العلم. ولما قام محمد علي الكبير في القطر المصري والياً عليها وأراد أن يجعل لها شأناً في الحضارة لتدخل في عداد البلاد الراقية كان مما قام به تأسيس المطبعة الأميرية الكبرى فشرعت تطبع الكتب المعتنى بها متخيرة لها أجود الحروف وأجود الورق وخيرة المصححين والناظرين، وإن بعض الكتب التي نشرتها تلك المطبعة على أوائل عهدها لا تزال إلى اليوم مثال الإجادة ومنها كتاب كلستان الفارسي للحافظ الشيرازي والقاموس المحيط للفيروز آبادي. وما برحت أحوال المطبعة الأميرية عرضة للقلب والإبدال على ما يكون حال الإدارات والمشاريع في الشرق غالباً تختلف سقوطاً وارتفاعاً بحسب إرادة القائم عليها وهي تطبع مع تلك الكتب القديمة التأليف الأسفار التي عني الشيخ رفاعة الطهطاوي وجماعته بتعريبها من اللغات الافرنجية ولا سيما الافرنسية فجاءت إلا قليلاً نموذج الجودة شكلاً ووضعاً. ثم أخذ بعض التجار في أواسط القرن الماضي بمصر يفتحون المطابع ويطبعون الكتب للتكسب منها فقط فوضعت لهم بعض أمهات الحروف ولكنها سقيمة بالقياس إلى حروف المطبعة الأميرية وزادها سقماً أن أولئك الطابعين طفقوا يتخيرون من الورق أرأده ويقتصدون في التصحيح حتى لقد يعهدون به وأكثرهم أميون لا يقرأون الكتاب إلى أناس يماثلونهم في ضعف المدارك والعلم فكانوا إذا أحسنوا وأجادوا يطبقون المطبوع بالحرف على ما عندهم من الأصل وربما كان في البلد على قيد غلوة منهم خمس نسخ أو عشر من ذاك الكتاب كتبت في أوقات مختلفة وهم لا تحدثهم أنفسهم بأن يعارضوا عليها نسختهم التي يطبعون عليها وإن يذبلوها كما جرت عادة الأوروبيين بوضع اختلاف النسخ في أسفل الصفحات، أما التبويب والفهارس المتقنة فليس لها أثر فيما طبعه أولئك المتجرون ببضاعة العلم. وعلى ذاك العهد فتحت بعض المطابع في بيروت على يد بعض الجمعيات الدينية المسيحية وكان سبق لبعض الأديار في لبنان أن كان لها مطابع حجرية، طبعت بعض الكتب الدينية واللغوية ومن جملتها شرح الزوزني على المعلقات وهو طبع حجري لا حرفي، فتخيرت مطابع تلك الجمعيات الكتب الدينية أولاً وأجادت بعض الشيء في طبعها ثم ارتقت الطباعة إلى أن أصيبت ببائقة المراقبة فانقطعت الرغبات عن الطبع بل زهد الناس في تعلم العربية ورأوا ربحهم المادي من اللغات الأعجمية أكثر وأنشأ دير الفرنسيسكان في القدس مطبعة طبعت بعض كتب وأكثرها في الدين ومثلها دير الدومينيكين في الموصل طبع مع كتب الدين كتباً علمية قديمة وحديثة ومنها تآليف المطران يوسف داوود العالم المشهور، وأنشئت إذ ذاك في دمشق مطبعتان إلا أنهما لم تطل أيامهما حتى تزيد العناية بإتقان مطبوعاتهما عَلىَ ما ينبغي.  بالاقتصاد من التصحيح والعناية والورق والشكل ورص السطور والكلمات بعضها فوق بعض بدون فواصل ولا تقطيع وكانت أكثر مطبوعاتهم في فروع الفقه والنحو والكلام والزهد والخلاعة مما ألفه المتأخرون وفيه من الحشو واللغو والموضوع والمصنوع ما كثر ضرره في عقول الطالبين والمتأدبين. ومنذ عادت إلى العربية بعض نضرتها الأولى أيام هب منذ بضع سنين أناس استناروا بقبس الغرب أصبحت المطابع تستحي من طبع التآليف الساقطة وتستشير أهل الرأي في تخير المصنفات للطبع ولو عملوا بنصائح العلماء كل حين لما أخرجوا كتاباً للناس قبل بذل الجهد في تنقيحه وتصحيحه وإتقان طبعه ووضعه ولكن ما الحيلة وهم يعتقدون كما قلنا أن الربح لا يتيسر لهم إلا بمثل هذا الاقتصاد البارد، وما أعجب إلا من طابع يطبع كتاباً يكلفه الألف والألفي ليرة ثم يبخل بعشرات من الليرات أو بعض النسخ جائزة لمن يتقن النظر فيه. أما سائر المطابع المصرية كمطابع الصحف فلم تطبع شيئاً يذكر من الكتب المهمة وإن كانت أكثر سخاء من أولئك التجار في إتقان الطبع وجودة الورق وحسن التنسيق، ولم نر في المطبوعات التي انتشرت في العهد الحديث أتقن وأجمل وأصح من كتاب المخصص لابن سيده تعاورته بالتصحيح أيدي بعض العلماء الأخصائيين المحققين فجاء مزيداً في بابه لانخجل منه إذا نظر فيه عالم أوروبي كسائر مطبوعاتنا الأخيرة. نقول هذا ونحن على مثل اليقين في أن ماطبع من الكتب العربية في بلادنا ما عدا بعض كتب طبعت في المطبعة الأميرية في مصر وبعض كتب لغوية أدبية طبعت في المطبعة اليسوعية في بيروت لا ثقة للمستشرقين به، وقد أكد لنا أحدهم أن كل نقل ينقله أحد مؤلفيهم من كتاب عربي طبع في الشرق تسقط مكانته وإن جمهورهم لا يعترف بالصحة إلا لكتاب عربي طبعه أوروبي ولكن هذا لا يخلو من غلو أيضاً. أليس من العار أن تكون سيرة ابن هشام التي طبعت في ألمانيا أصح من الطبعة التي طبعت في المطبعة الأميرية نفسها وهي التي كنا نقرظها الآن بجودة الطبع واختيار المصححين وقد نبغ منهم فيها أمثال الشيخ نصر الهوريني وأمثاله. أليس من العار أن يطبع امرؤ القيس الطحان أو ماكس موللر الألماني طبقات الأطباء لبن أبي أصيبعة في مصر فيخرج بجودة تصحيحه وفهارسه على ما تراه وتطبع مصر كتاباً لأحد كبار فقهائها الذين تفاخر بهم وهو كتاب طبقات الشافعية للسبكي فيأتي مشعثاً سقيماً كما تشهد، نعم إن نفس تأليف ابن أصيبعة أرقى وأمتع من مصنف السبكي في بابه ولكن إتقان الطبع والتصحيح والفهارس هو الذي نبكي على فقده بين أظهرنا وهو موضوع بحثنا الآن. أي فرق بين كتاب لنا طبع مرة في أوروبا وأخرى في الشرق، بالله كم تساوي نسخة معجم البلدان لياقوت طبع أوروبا إذا قيست بالنسخة التي نقلت عنها وطبعت في مصر أو كتاب الكامل المبرد المطبوع في أوروبا إذا قيس بالطبعة الثانية المصرية التي نقلت عنه فكانت الصحة تغلب عليها أكثر من الكتب التي نطبعها ابتداءً. ومن غريب أمر الطابعين في مصر أنهم يستحلون طبع الكتب التي تعب علماء المشرقيات من الأوربيين في أحيائها فيعيدون طبعها بالسقم المعهود في مطابعنا فتجيء والعين تنبو عن النظر إليها دون الطبعة الأوروبية بمراحل ومع هذا يستنكف أولئك الأمناء أن يشيروا إلى النسخة المنقول عليها تمويهاً بأنهم هم ناقلوها عن أصل مخطوط ظفروا به وتكلفوا في البحث عنه ضروب المشقة والنفقة كأن أولئك الفضلاء الذين لهم الفضل الأكبر في إحياء مآثر أجدادنا غير أحرياء أن يذكروا بكلمة شكر لمعاونتهم لنا. وإنا لنرى حتى الآن خزائن الكتب في بلادنا طافحة بالمخطوطات من الأمهات التي تجب المبادرة إلى تمثيلها بالطبع على مناحي الغربيين ونرى طابعينا وكتبيينا يكررون طبع تلك الكتب المألوفة والمستنير الفكر منهم يمد يده إلى كتاب طبعه أوروبي فعانى عرق القربة في سبيل نيله فيعيد طبعه مدعيه لنفسه وإنه هو الذي أحياه، وخزائن كتب الأستانةراجع المخطوطات النادرة المقتبس ٢ ص ٥٩٩ وخزانة دار الكتب المصرية وحدها مملوءة بالنوادر التي لو أحييت على الطريقة التي تجب من العناية لكان فيها الربح الجزيل والشرف الأثيل لطابعيها وناشريها. لو بذل أرباب المطابع في مصر والشام والأستانة وبغداد وتونس وفاس بعض عناية الأوروبيين بكتبنا قبل أن يمثلوها بالطبع لكان عندنا اليوم من المطبوعات العربية ما نفاخر الأمم بكميته وإتقانه، نحن لا نقول لطابعينا أن يتأنقوا ويبالغوا في التصحيح كما يبالغ أكثر المستشرقين في الطبع بأن يرسلوا أحياناً الملازم المصفوفة حروفها من مملكة إلى أخرى لتعارض على الأصل الآخر الذي هناك أو لتدفع لعالم متمكن من الفن الذي جعل الكتاب في موضوعه يمر عليها نظره وإنما نريدهم على السخاء المعتدل في التصحيح وجعله من أوليات المسائل في الطبع لا مناص من توسيده إلا للعالمين به كما لا مهرب من إعطاء أجرة المنضد والمرتب والطابع والمجلد لكل من أراد أن ينشر كتاباً. طبعت بعض مطابع الهند وفارس كتباً عربية كثيرة ومعظمها بالحجر في موضوعات دينية من حديث وفقه وكلام ولكن بعضها على العجمة المستحكمة من السن أهل تلك البلاد تكاد تكون أقرب إلى الصحة والضبط من بعض ما طبعه العرب من أرباب الطباعة في هذا الشرق الأدنى. أما الآن وقد رفع الحجر عن العلم في البلاد العثمانية وأصبحت كالديار المصرية في حريتها فالفرض العيني على المتجرين بالكتب والمتمحضين لخدمة الآداب والعلم أن يسارعوا إلى استنساخ ما حوته خزائننا العامة والخاصة من الأسفار الممتعة ويحذوا حذو الأوروبيين في التصحيح والشكل والفواصل والتقطيع والفهارس المنوعة حتى ينتفع المراجع بفوائد الكتاب لأول وهلة ويسقط على ما يريد معرفته منه بأدنى نظر دون إنهاك القوى في تصفحه كله على غير جدوى من أجل العثور على مسألة أو اقتباس جملة، وبذلك يرفعون العار عن العربية الذي يشيعه عنها الجاهلون فضلها فيرمون كتبنا عنها بأنها معقدة غير متسعة وأن المطالعة في كتب جعلت جملة واحدة ضرب من العنت وإضاعة الوقت على غير طائل، وإفناء العمر في باطل وعاطل. رسائل بليغةمن مكتبة وجيه افندي الكيلاني احد ادباء دمشق ووجوهها. وقع إلينا كتاب مخطوط وقد كتب على جلده بخط حديث لا تحزن إن الله معنا حكمة بالغة لبعض الحكماء: لا مجد كمجد من يخدم وطنه، وقال اسكندر دوماس الفرنسوي المشهور: إن الأشرار يتحاملون على النفوس الشريفة بيد أنهم لا يستطيعون له أذىً فهي أي النفوس الشريفة كالصخور الصوانية تطغو عليها أمواج البحر عند هبوب العواصف فتظن أنها قد أغرقتها وهي قد غسلتها فتعود في نور الشمس أكثر جلاءً. وليس لهذا المجموع اسم ولا عرفنا اسم جامعه ولا سنة نقله وإنما الطاهر من خطه المشرقي أنه مما كتب قبل الألف للهجرة وهو في ستة وأربعين ورقة من قطع الربع. وفي الورقة الأولى منه صورة سؤال كتبه الشيخ الفقيه المفتي أبو محمد عبد الحميد بن أبي الدنيا إلى الفقيه الإمام العلامة الشيخ عز الدين أبي محمد عبد العزيز بن عبد السلام رضي الله عنهما فيمن تصدى للفتيا والجواب عليها وقد استغرق السؤال والجواب ورقتين. أما المجموع فهو رسائل لبعض البلغاء فالرسالة الأولى كتاب الفقيه المشاور أبو محمد عبد القوي في زواج ابنته إلى أحد الفقهاء وكتاب لأبي بكر بن صاحب الصلاة إلى بعض إخوانه يوصيه بالتحفظ بكتبه من الفار وكتاب له إلى بعض إخوانه يصف جامع قرطبة جاء فيه: والجامع قدس الله بقعته ومكانه، وثبت أساسه وأركانه، قد كسي بردة الازدهاء، وجلي في معرض البهاء، كأن شرفاته فلول في سنان، أو أشر في أسنان، وكأنما ضربت على سمائه كلل، وخلعت على أرجائه حلل، وكأن الشمس قد خلفت فيه ضياءها، ونسجت على أقطاره أضياءها، فترى نهاراً قد أحدق به ليل، كما أحدق بربوة سيل، ليل دامس، ونهار شامس، وللذبال تألق كنضنضة الحيات، أو إشارة السبابات بالتحيات، قد أترعت من السليط شيرج كؤوسها، ووصلت بحاجز الحديد رؤوسها، ونيطت بسلاسل كالجذوع القائمة، أو كالثعابين العائمة، عصبت بها تفاح من الصفر، كاللقاح الصفر، بولغ في صقلها وجلائها، حتى بهرت بحسنها ولآلائها، كأنما جليت باللهب، أو أشربت ماء الذهب، إن ساميتها طولاً رأيت منها سبائك عسجد، أو قلائد زبرجد، وإن جئتها عرضاً رأيت منها أفلاكاً ولكنها غير دائرة، ونجوماً ولكنها غير سائرة، تتعلق تعلق القرط من الذفرى، وينبسط شعاعها بسط الأديم حين يغرى، والشمع قد رفعت على النار رفع البنود، وعرضت عليها عرض الجنود، ليجتلي طلاقة روائها القريب والبعيد، ويستوي في هداية ضيائها الشقي والسعيد. وهنا انتهت الصفحة واختلط الكلام بغيره والغالب أن ورقة سقطت من الوسط، وكان فيها تكملة ذلك الوصف المسجع المستملح، وهناك رسائل كتب بها الوزير الكاتب أبو مروان بن زكريا ورسائل كتب بها ذو الوزارتين أبو بكر بن عبد العزيز منها كتاب كتبه عن أهل قرطبة إلى علي بن يوسف بن تاشغين ونصه: أيد الله أمير المسلمين بالتقوى وعمر به ربع الإسلام فلولا رجاؤه لكان قد خرف في هذه الجزيرة وأقوى وأتم به وعليه النعمى وجعل ذراه الأمنع الأحمى وأمده بالقوة والرحمى وأنار به طريق الهدى وصدع بنظره الحميل جميع العدى وجعله ممن اشتمل بالتوفيق وارتدى وجرى في غايات البر فسيح المدى واتبع آثار الذين هداهم الله واقتدى، كتبناه أدام الله تأييده وطاعته لم تخلق برودها ولم تتقض عهودها ولم يتغير معهودها ونحن لحقه مقدمون ولما أوجب الله من فرض إمامته معظمون ولما قضاه مسلمون ولما أمضاه مستسلمون وبين يدي أشفاقه باكون خاشعون وإلى جنابه وارتماضه انفعاله شاكون ضارعون وللحق فيما ينهيه حاكون وبه صادعون وقد ضاقت بالنفوس الحناجر وأسلمت الدموع المحاجر وسمعنا صراخ الأسرى المضطهدين يمنة ويسرة فما ملكنا إلا عبرة أو حسرة ووددنا يوم انتقل الأمير الأجل ولي العهد عن أنظارنا وارتحل من ديارنا أنا لقينا الموت المعجل فأراحنا من الأوجال ولم ترتق الخطوب إلينا حالاً بعد حال وهذا العدو المجاور لنا قضمه الله قد أحرقنا بشررة من ناره وأغرقنا في قطرة من غماره فكيف نكون بعد وقد أشجانا بشؤبوب برد ورمانا بضرم متقد ونحن نستقبل به جمعاً ولا نطيق له بغير الله دفعاً ونترقب آزفة تترك أنوار الإسلام والله الكافي كاشفة ولا تجد لها من دون الله كاشفة بل هو القادر على أن يصرف إلينا نظر أمير المسلمين فيسهل لنا مقاصدها ومسالكها ويرد عنا محاذيرها ومهالكها. وتفسير هذه المقدمة الشديدة الوقوع الكريهة المسموع الأميرة قلعة رباح ومورة نفدت في شهر كذا وأوعب العسكر مع والينا أبي محمد وفقه الله في نقلها ونهضوا بما تحملوا من ثقلها فلما أعنقوا في مضمارهم وبعد عنا ماكنا نتطلع من أخبارهم جاء الصريخ أن عسكر الروم دخل على فج المساجد إلى بلاد الإسلام رد الله عنه كيد عبدة الأصنام وهناك مقاصد شتى شعوبها وغنائم لا يتعذر مطلوبها فأخذ بنا الورع في كل طريق وخفنا على كل جانب من جوانب المسلمين وفريق وتوجه من بقي في البلد من أهل الفلاحة وغيرهم للإنذار وتقليع الأقطار وأعلام أهل البوادي بنبأ هذا العسكر الجرار ورفعهم عن مواضع سكناهم عسير ولا يرد قدر الله عمن هو قتيل أو أسير واستصرخنا الأمير الأجل أبا زكريا يحيى بن اسحق وفقه الله لهذا الخطب النازل والعدو المغير المنازل فتوانى فيما كان يروم وسبقه إلينا الروم فأغاروا من الوادي الكبير إلى القليعة إلى لورة إلى فرنجولس واجتاز الوادي إلى يلمه وبعض نواحي استجة وكان ذلك في اليوم الثالث من وصول خبرهم إلينا ووروده علينا وأكثر أهل هذه الناحية لم يطيعوا النذير ولا صدقوا التحذير بل غلبهم ضعف المقدرة عن الانتقال وكثرة العيال والأطفال فامتلأت بالسبي الجبال وأسلمت من فيها السهول ولا تعصمهم الجبال وأخذوا من النهاب والإمتاع والحاضر والكراع ما لا يدركه الإحصاء ولا يملكه الاستقصاء وبقوا في ذلك يومين لا يجدون من يرد امتدادهم ولا من يرمي سوادهم حتى غلب أكفهم الانتهاب وضامه بهم المشي والذهاب ووصل كتاب وإلينا أبي محمد بن كركي بعد أخذه في الصدر والقفول من ذلك السفر يذكر ما اتصل به من الخبر ووعدنا بالتشمير في اتباعهم وأخذ الاهبة لقراعهم وتلوه إذن الله في ذلك لاعبين بكثرة الجند واجتماعهم وجاء أيضاً عن والي إشبيلية أنه وصل لورة وسيره حثيث وهو للمسلمين ناصر ومغيث والنصارى قد أثقلتهم الأسرى والغنائم فلا يمشون إلا رويداً ولا ينتقلون إلا صار الأمن لهم قيداً واجتمع الواليان وفقهم الله والعدو لم يبعد طلبه ولا تعذر مطلبه ونفر المسلمون من كل مكان خفافاً وثقالاً فرساناً ورجالاً وقد رأوا أسباب النجح بينة ولوازم الجهاد متعينة ولما تراءت الفئتان قصرت الأقدام وقلّ الإقدام وطفئت الحفائظ وكان لها توقد واحتدام ونسي فرض الإسلام واستخف ثقل الملام ورأى الكافر ما عليه من عساكر تترادف أمدادها وتزيد ضعفاً على من عنده أعدادها فلجأ العدو إلى جبيل لا يعصم الهارب ولا يمنع الطالب وسدل به الرجالة المطوعون فأرهقوه عسراً وحالوا بينه وبين المواشي قسراً وخالطوا الكفار في صعيد وسائر العساكر غير بعيد ورزق الله المطوعين الصبر في محاربتهم والاجتهاد في مطاعنتهم ومضاربتهم فما ذعر الكفار لهم سرباً ولا فلوا لهم غرباً فاستمدوا الولاة وعندهم الكماة وبين أيديهم الرماة فما أمدوهم بحام ولا أعانوهم برام بيد أن الكفار يئسوا من الحياة ولم يطمعوا في النجاة واعتنقوا اعتناق وداع ولا يثقوا بقوة ولا خداع وفني عمر اليوم والكتائب لم تتحرك وقد أذن الله بالإملاء لمن أشرك وترك الليل فقوض الكافر بجمعه على أعين الناس وأسرى ومعه الدواب والأسرى وقد أهملهم أهل الإسلام ولم ثرع فيهم ذمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وتركت الغنم والبقر سدى واغتالتها يد الردى وانتهبتها أهل الحصون كما تنتهب المغنم المباح وأخذوها كما تؤخذ الفوائد والأرباح ولم يرجع منها إلى أهلها إلا النذر اليسير والتافه الحقير وكان للأسرى عند رحيلهم عجة في الأصفاد وضجة في الأغلال والأقياد تصرع الجماد وتفجر الأحجار الصلاد فما رقت لذلك قلوب أقستها الذنوب وبعد عنها نصر الله وهو قريب ومنعها من حسن اليقين شك مريب، ومعظم الشكوى بأهل إشبيلية فإنهم أظهروا المباعدة وأقلوا المساعدة وعادهم في ذلك الخميس عيد من ذكر يوم الخميس فاستقبلوا العجز استقبالاً وخرجوا للنصر فما زادوا إلا خبالاً فيالله ويالأمير المسلمين من دماء سفكت وحرمات هتكت وأنفة في دين الله وضعت وتركت وجماعة من المسلمين غلبت بيد الباطل وملكت، وقدامهم من أخوانهم من يزيد على عددهم أضعافاً يغلب فيها النساء الرجال ويسبق ذوي الغرر والحجول ربات الحجال ولو كانوا نصفهم لكان ذلك النصف يحسبهم وكتاب الله تعالى قد أوجب أنه يغلبهم وقد روى ثقات الأخبار خطبة علي رضي الله عنه بالأنبار وأمير المسلمين أولى من اهتدى بهديه ورأى في الإسلام مثل رأيه وقد علم الروم أن حمى الإسلام غير ممنوع وغاربه غير مدفوع وعندهم في هذه السنة احتفال واحتشاد وتأهب واستعداد وما منا أحد إلا وهو يجتاز للجلاء أقرب طرقه ويرى موضع الفداء والسيف من عنقه وقد دعونا أمير المسلمين بما أسلف إلينا من نعمه وأعلقنا من ذممه وقرب إلينا من مسافة مطالعه واقتضاء الواجب في مناصحته ومشايعته والرب سائله عما استرعاه ومجازيه بعمله المبرور ومسعاه ولعل الله يجعل لنا في قلبه رأفة تعطفه إلى هذه الشكوى وترفه ما نزل بنا من البلوى وإنا لننتظر من نظره الجميل وجوابه الواضح السبيل ما يقر النفوس في قرارها ويعيد الآمال في النجاة بعد فرارها وهو أيده الله بذكر ما أخذه عليها من العهد المسؤول في النصح المبذول والصدق المقبول فرأينا أن لا نكتم ما يجب إبداؤه ولا نمسك ما يلزم أداؤه وهو المسؤول جلت قدرته أن يرفع بالتقوى قدره ويشرح لهذه الشكوى صدره ويجزيه عن جوانب الاتها العدل وبسيطها ؟ ومذاهب زانها الرفق وأقسطها أفضل ما جزي به أماماً تواضع لله فحببه إلى خلقه وأعانه على حقه لا رب غيره والسلام فراجعهم علي بن يوسف بن تاشنين: كتابنا كتب الله لكم يقيناً تطمئن بصدقه القلوب وتهون بعده الخطوب وأيدكم بإيمان تنبعث به البصائر ويثوب ويذهب بسبب الروع الذي يخوف به الشيطان أولياءه فلا يعقب ولا يؤب من حضرة مراكش حرسها الله في الثاني عشر من جمادي الآخرة سنة خمس وثلاثين وخمسمائة ونحن نحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو حمداً نتخذه إلى المزيد من نعمته سبيلاً ونجعله إلى رحمته دليلاً وننزله بعصمته كفيلاً ونصلي على محمد نبيه الكريم صلاة عامة تامة تتعاقب إليه مع التسليم الأصفى وعلى آله الطيبين وصحبه الأكرمين بكرةً وأصيلا، أما بعد تجاوز الله عن ذنوبنا وذنوبكم وفزع بأمنه عن قلوبنا وقلوبكم وصفح عما يعلمه من عيوبنا وعيوبكم فإن كتابكم الأثير وافانا مضمناً من سوء أثر العدو قصمه الله في المسلمين عصمهم الله ما أغص وأشرق وأمضى وأرق وجمع علينا من همومكم وغمومكم ما انتشر وافترق وذلك ما أحصاه قبل خلق الخلائق كتاب من الله سبق قال الله سبحانه وبلغ رسوله صلى الله عليه وسلم وصدق ما أصاب من مصيبة في الأرض ولا في أنفسكم إلا في كتاب من قبل أن نبرأها أن ذلك على الله يسير * لكيلا تأسو على ما فاتكم ولا تفرحوا بما آتاكم والله لا يحب كل مختال فخور وما نهون مصاباً أدرك المسلمين والمسلمات فيه من النكال الموجع ما أدرك وظهر على المؤمنين في مواطنهم من كفر بالله وأشرك وفتك في حومته بدين الله من فتك ولوددنا والله شاهد أن نجعل دون نفس المسلمين نفساً لا ندخرها ما استطعنا من فدائهم ولا نكره أن نبذلها جهدنا في جهاد أعدائهم وأن نكون جنة واقية من أمامهم وورائهم ولكن نقول ما قال سبحانه وتسليماً وتراه كما هو عند الله عظيماً ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم أن الله لا يحب من كان خواناً أثيماً وقد علمتم أمتع الله بالحسنى أمتاعكم وأقر بعوائد البشرى أبصاركم وأسماعكم وكشف عنكم وعنا فيكم ما وقذكم وراعكم أنا قد تقدمنا إلى جميع العمال ومن تحت أيديهم من الرجال أن يتظافروا على العدو قصمه الله ويأتلفوا ويتطاوعوا ولا يختلفوا ويتقدموا في حسن الدفاع ويزدلفوا ولو أن جميع المسلمين من قلة أتي وبأضعاف كثيرة رمي لقلنا في الحاجزة نعماً هي ولكن فت في أعضاد الله تبريحهم وتنازعوا ففشوا وذهب ريحهم ولم يحظ عندنا بقبول تعريضهم في العدو وتصريحهم فاستحقوا مقت الله ومقت الأمة ولومها وأعطوا شيعة الكفر على الرغم منهم حكمها وشومها وفضحوا المسلمين كما فضحت عامل عاد؟ قومها وعلى الله تعالى ثم علينا تقويم الزيغ بعينه والأود والتقدم لكل خاصة وللمسلمين عامة على توفيق الله تعالى بالنظر الاحد وأعينونا رحمة الله بالأدعية الصالحة التي هي أمضى السلاح وأوثق العدد وأما ما سرى إليكم من أعداد العدو قصمه الله لخروج يستقبله وفساد في البلاد يؤمله فالله تعالى بقدرته يشغله عن ذلك ويذهله ويرميه بحوادث لا تنتظره ولا تمهله وحن علينا وقد استرختم بنا أن نلبي بمشيئة الله نداءكم ونجيب على الصبة والذ والذلول دعا كم ونلقي دونكم الأموال والأنفس أعداءكم وما كنا لو لم تعلنوا في الكتب المجردة نجواكم ولم يبلغنا على السنة الأقلام شكوا كم لندعكم لعدو يستبيح حماكم ويجمع نفسه لمصرتكم وإذا كم ولا نستقيم أصلحكم الله بما نيتنالكم عن أذكاركم واعتصامنا جميعاً بالله هو مولانا ومولاكم واعلموا وفقكم الله أن حماكم حمانا ومن رماكم فقد رمانا ومن أرادكم بسوء الله يكبه لوجهه فما تخطانا ولا تعدانا وظلام الإسلام بحمد الله ممتدة وتلك النصب التي تقدمنا بها في العام الأول معتدة والاهبة بحمد الله متى حزب حازب مستجدة والذي من نصرتكم نستدعيه ونستمنحه في الله ونستهديه دعاء نتعرف بنعمة الله بركة إخلاصكم فيه على الذين شغلوا خيل الله قبلنا عن ثنايا في غزو الكفر نطلعها وأودية في مواطئ بغيظ حزب الشيطان نطويها ونقطعها والله يأخذ هذه الفئة ولا يدعها ويكبتها سريعاً ببطشه الكبرى ويصدعها فخذوا رحمكم الله في أدعية يقبلها ويرفعها ويد الله مع الجماعة ولن يرجع إلا بالإجابة السريعة إن شاء الله مجتمعها وأما ما انتهبه أهل الحصون وسواهم من أغنام المسلمين فلا فرق بينهم في ذلك وبين المشركين ولو كان ذلك النشر جامع يضم تفاريقه وحائط المسلمين يرى الحرج ويخشى ضيقه أو آمر بمعروف أدناه عن منكر يؤثر الحق ويسلك طريقه لحفظ تلك البقية على أربابها وحال بين المسلمين وبين انتهابها لكنهم أمنوا من سعتها وطلابها وما منعه قوم لم يحضرهم من أهل الرضى حاضر ولم يشهده منهم ناصر والله على نصر المهتضمين قادر توكل الله للمسلمين بناصر ناجز ولا وكلهم إلى مضيع ولا عاجز وجعل بينهم وبين الأعداء كل حجر مانع وحاجز بمنه والسلام ومن الكتب أيضاً أربعة كتب من أبي الحسن علي بن سيده إلى أستاذه، وفي المجموع عدة كتب لذي الوزارتين أبي عبد الله بن أبي الحضال منهم رسالة إلى عسكر انهزم فوبخه وثانية كتبها عن تاشغين بن علي إلى صاحب فاسر في أمر محمد بن تميم حين استراب منه وثالثة أيضاً مراجعاً للوزير الكاتب أبي مروان بن زكريا جواباً عن رسالة خاطبه بها وغير ذلك ومما يؤثر ما كتبه عن علي بن يوسف إلى يحيى بن علي بولاية بلنسية وها هو: كتابنا أعزك الله بتقواه ورفع قدرك وأسماه وأيد عزمك في ذاته وقواه ولا زلت تتقلب في عوارفه المقيمة ونعماه من حضرة مراكش حرسها الله لأربع خلون لجمادي الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة وأنا بما نعرفه من صفو ولائك وصدق غنائك وظاهر استقلالك واكتفائك نرى أن نرفعك بمقتضى حقك في الأحوال ونوسع لك في الأعمال ونعقد بطوقك منها ما نعلم أنه به ناهض مضطلع ونضيف إليك من جسيمها ما أنت بشروطه والقيام بحقوقه رحب الصدر متسع ولضبط جوانبه ومراعاة لوازمه منتظم الأمر مجتمع فقلدناك بعد استخارة الله تعالى والابتهال إليه في اطلاعنا على مواقع السداد وإمدادنا بحسن التوفيق والإرشاد ولاية بلنسية وأعمالها حماها الله تقليداً جمعنا لك به بين الولايتين وملكناك به أمر كريمتين وزمام جحفلين فتقلد ما قلدناك على الطائر السعيد وتظاهر التأييد وتوله معرفاً فيه يمن التقليد وتوالي الصنع الحميد وانفذ إلى عملك وتسلمه من المصروف بك واستقبل الأمر بأقوى عزيمة وجد وانفذ مضاءٍ وامضى حد وكن به جد ناهض مستبد وتلك حال خطيرة قد جذبنا إليك زمام قيادها وتوخينا بك إقامة منآدها وثغور قد رميناها منك بسدادها وأمور صارت بتصييرها إليك عند عالم بإصدارها وإيرادها وقد أغنانا علمك بالسياسات في جميع الطبقات عن أن نفصلها تفصيلاً أو نأتيك بها قبيلاً وإنما أعطيناك جملة لا يؤودك تدبيرها ولا يذهب عنك تفسيرها لأنك إنما تقدم على بلد صاقبته كثيراً وجاورته دهراً طويلاً فشؤونه في صدرك مجتمعة وإلى فكرك منحصرة مع تكررك على المكان واطلاعك عليه تارة بالخبر وتارة بالعيان وقديماً تمنى أن يلقى إليك قيادة وصب سادته ورعاياه وأجناده فاجزهم الآن بودادهم وحطهم في أنفسهم وأموالهم وبلادهم وعم جميع الأحوال بتصفحك ومتع الجميع بتأملك واعط كلاً حقه من نصفتك وحسن رعايتك وأذقهم حلاوة الأمن والعدل في ولايتك إن شاءالله، وموضع إقامتك هناك أنت تختاره حيث تهوى لنفسك فتبوأ مكاناً يصلح لأمرك ولا تبعد به كل البعد عن قاصية ثغرك فترجح ما بين شاطبة وبلنسية أو منزلة بينهما ذلك مصروف إلى اختيارك والشاهد يرى ما لا يرى الغائب ونحن بعيد وأنت قريب وإنك كما علمنا موفق الرأي مصيب والله تعالى مؤيدك ومرشدك ومعينك ومنجدك بجوده ومجده لا رب غيره فإن احتجت أن تستعين بأبي عبد الله محمد بن علي أخيك أعزه الله فاستعرفه يقدم عليك واستدعه يسرع إليك واستنب مكانه بميورقة محمود المناب نافذاً في ذلك الباب إن شاءالله عرفك الله يمن ما وليت وأعانك على حفظ ما استرعيت بفضله وجميل صنعه لا إله غيره والسلام وكتب عنه أيضاً إلى أهل بلنسية في ذلك: كتابنا كتب الله لكم تمهيد الأحوال والجهاد وأمدكم بسوابغ الإجمال والهبات ويسركم للأعمال الصالحات والمساعي المرضيات من حضرة مراكش حرسها الله لأربع خلون لجمادي الأولى سنة أربع وعشرين وخمسمائة وقد رأينا بعد استخارة الله التي يتوصل إلى المراشد من بابها وتدرك المناحج من أسبابها أن نولي عليكم أبا زكريا يحيى ابن علي أعزه الله بتقواه فقد قلدناه أعمالكم ووصلنا به حبالكم نظراً منا لكم بمكانه وإلقاءً بأزمتكم إلى حازم وقته وأوانه فإنه والله ينجده ويسعده بحيث علمتم حسن سيرة وعدل ومتانة دين وفضل وتمسكاً من التقوى بأقوى حبل مع صالح مشهد وبلاء وصادق حفاظ وغناء ونفاد عزيمة ومضاء فآثرناكم منه يحافظ لنظامكم ومصرف لزمامكم وساد لثغوركم وقوام بأموركم فهو يقلبها على الحزم ويديرها ويمضي على ما يراه ويحكم تدبيرها وحسبنا في تمهيد أكنافكم وحراسة أطرافكم أن نجعلها وإياكم في كفالته ونختار لها ولكم حسن إنابته وقد فزعنا إليكم به من شؤونكم وقضيناكم به ممطول ديونكم فما ترجعون بعده بتباعة ولا تخشون معه إن شاء الله من حوزة مضاعة فعليكم رحمكم الله أن تتلقوا أمره بأتم سمع وطاعة وتتوخوا نصحه بكل جهد واستطاعة ثم إنه لا يستغني أن تكونوا ظهراً في المحاتم التي يتوخى بها جبر أحوالكم ورم ما رثّ من حبالكم فليجدكم عندها أمام كل إرادة ولتنجذبوا في يده باسمح مقادة فإنه لا يجعلكم الأعلى الذي فيه عن حوزتكم دفاع ولمصالحكم انتظام واجتماع وأنتم عنده على منازلكم يقدر كلاً قدره ويقضي إليه أمره فما في بره ولا في سياسته تقصير ولا عنده في غير كنهه جانب عسير وعلى ذلكم فقد وصيناه بجانبكم من غير أن نخاف منه عن القصد انحرافاً أو نحذر من جهته نكوباً عن الواجب أو خلافاً وإنما قصدنا معه الذكرى فإنها توقظ ذا لحجى وتنب وتبين لذي الحلم والنهى ما يشتبه عرفنا الله وإياكم ميامين هذا التقليد وجعله كافلاً بالأمر السعيد والصنع الحميد إنه الكريم والسلام. وكتب إلى العسكرية بها في الغرض المذكور! كتابنا أبقاكم الله وعصمكم بتقواه وأجزل حظوظكم من حسناه وجعلكم سابقين إلى طاعته ورضاه متقلبين في عوارفه ونعماه من حضرة مراكش حرسها الله في تاريخ كذا من سنة كذا وقد ولينا أمركم أبا زكريا يحيى بن علي أعزه الله بتقواه وقدنا تصريف أعنتكم وأرمينا إليه بأزمتكم ومكانه حيث لم تجهلوه خيراً وضيماً ونصاباً كريماً وهدياً قويماً وإقداماً وتصميماً ومضاء كان به إذا رفع اللواء على الخميس زعيماً والآن بولائه إياكم فقد آن أن تتضاعف نجداتكم وتصدق عزماتكم فإنه يقود بكم من يرسل أمام اعنتكم عنانه ويروي قبل أسنتكم سنانه وأنتم مع ذلك بحكمه مصرّفون وبالتزام طاعته مكلفون وإلى رايته مجتمعون وتحتها متألفون فإذا أمر فأتمروا وإذا رمى بكم جانباً فابتدروا وإذا أوردكم فردوا وإذا أصدركم فاصدروا فإن حسن الطاعة بركة وجمال ويمن وإقبال كما أن الاستعصاء عليكم مبني على الأخلاق اللئيمة ومخبئة للنفوس الكريمة فأطيعوه كما فرض عليكم في المكروه والمحبوب وانضموا عليه راشدين مشفقين انضمام الجوانح على القلوب فإن لكم حسن الإيثار جزاكم الحسنى والحياء الانم الاسنى جعلكم الله ممن أصحب في القياد وأجاب داعي الرشاد وآثر التقوى واعتقدها خير زاد بمنه والسلام. وفي هذا المجموع أيضاً بعض مقامات سنها المقامة القرطبية وتنسب إلى أبي عبد الله بن أبي الخصال وقد تبرأ منها وهي في وصف أعيان قرطبة ورؤسائها ثم رد على صاحب المقامة أيضاً اسمها الانتصار كتب بها أبو جعفر بن أحمد والمقامة الشبلية وتعري لأبي الوليد بن سيد أمير، ورسالة لأبي محمد بن القاسم في الترجيح بين الصابي والبديع وقد فضل البديع على الصابي ويتبعها رد من أبي عبد الله بن أبي الخصال في الانتصار للصابي، هذه نموذجات جزئية من الكتاب نشرناها على علاتها وربما سمح لنا الوقت بالرجوع إلى نقل بعض جمل من كتب ابن سيده والموازنة بين الصابي والبديع. روح الاجتماع قلت الكتب التي تنشر هذه الأيام باللغة العربية ويراد منها بث علم نافع أو تصحيح فكر سقيم وذلك لقلة المؤلفين والمترجمين ولقلة القارئين والعارفين، وكتاب روح الاجتماع الذي عربه عن الافرنسية أحمد فتحي زغلول باشا هو من الأسفار التي يقصد بها مؤلفها نفع أمته وتصحيح بعض أغلاطها والمؤلف هو الدكتور كوغستاف لوبون العلامة صاحب التآليف الممتعة ومنها كتاب مدنية العرب فقصد المعرب أن ينقل كتابه لأمته لينتفعوا منه انتفاع الفرنسيين أو بعضه، والمعرب النابغة قديم في صناعة التعريب صحت عزيمته حتى الآن على نشر بعض الكتب المفيدة ومنها أصول الشرائع لبنتام وسر التقدم الانكليز السكسونيين لديمولانس والإسلام لهنري دي كاستري وهي من الكتب النافعة التي أحدثت تأثيراً في وقتها واستفاد منها المستنيرون من قراء العربية ولا سيما من لم يسعدهم الحظ بتعلم لغة أجنبية لتناول مثل هذه الأفكار من مصدرها الأصلي. ولو تصدق كل من حذق لغة أوروبية وأحكم اللسان العربي فنقل لأمته كتاباً أو كتابين لكان عندنا اليوم من المترجمات العصرية في العلوم والاجتماع لا في القصص والأساطير ما يملأ خزانة كبرى تصبح معها لغتنا كإحدى اللغات الغربية بغناها بأفكارها وكتبها الجديدة، وليست طلاوة الجديد كطلاوة القديم وما قط كان العلم الخيالي كالعلم العملي، لو تصدق كل واحد من أرباب الأقلام ودارسي اللغات والفنون كما يتصدق المرة بعد المرة أمثال حضرات أحمد فتحي زغلول، محمد فريد، عبد العزيز جاويش، عبد العزيز محمد، أحمد زكي، صالح حمدي حماد وأمثالهم من المعاصرين لأغنونا بعلوم الغرب وقلبوا في مدة كيان الأفكار من طريق العلم. كتاب روح الاجتماع هو في بيان أحوال الجماعات وما يعرض للفرد مجتمعاً من تغير المشاعر واختلاف النظر وتبدل حكمه فيما يحيط به حلل فيه المؤلف روح المجتمعات الحديثة ولا سيما في فرنسا تحليلاً نفسياً فلسفياً غير ناظر إلى أكثر ما يتعلق به بعض ضعاف المؤرخين من الحوادث بل نظر إلى الدواعي النفسية والمعتقدات والعادات نظر المستبصر الناقد علماً منه بأن الحوادث الظاهرة مثل الأمواج المتلاطمة التي تترجم فوق سطح البحر عما هو واقع في جوفه من الاضطرابات التي خفيت عنا ونحن إذا نظرنا إلى الجماعات نراها تأتي من الأعمال بما يدل على انحطاط مداركها انحطاطاً كلياً غير أن لها أعمالاً أخرى يظهر أنها منقادة فيها بقوة خفية سماها الأقدمون قدراً أو طبيعة أو يداً صمدانية وسماها أهل هذا الزمان صوت من في القبور وأحرج الأزمان في تطور الفكر الإنساني زماننا هذا ولهذا التطور عاملان أصليان: الأول تهدم المعتقدات الدينية والسياسية والاجتماعية التي تتكون منها عناصر المدنية الحاضرة والثاني قيام أحوال جديدة ونشوء أفكار جديدة في الحياة تولدت كلها من الاكتشافات العصرية العلمية والصناعية، ولما كان تهدم الأفكار القديمة لم يتم فلم تزل قوتها وكانت الأفكار التي ستحل محلها في دور تكونها كان الزمن الحاضر زمن تحول وفوضى. . . . ولكن الذي نراه منذ الساعة أنه سيكون أمام تلك الأمم قوة عظيمة لا بد لها من الاعتداد بها لأنها أكبر قوة وجدت أريد بها قوة الجماعات تلك القوة التي قامت حتى الآن وحدها على أطلال الأفكار البالية التي كان الناس يعتقدونها حقائق وماتت وعاشت بعد أن حطمت الثورات المختلفة كل سلطة كانت تتحكم في الناس وهي القوة التي يظهر لنا أن مصيرها ابتلاع ما عداها في القريب العاجل ألا ترى أن معتقداتنا القديمة أخذت تهتز من وهن أساسها وأن أساطين المجتمعات القديمة تتداعى وتتحطم وأن سلطة الجماعات هي وحدها التي لا يهددها طارئ بل هي تعظم وتنمو عليه فالدور الذي نحن قادمون عليه هو دور الجماعات لا محالة. . . الجماعات أقدر على العمل منها على التفكير وقد أصبحت بنظامها الحاضر ذات قوة كبرى وعما قريب يكون للمذاهب التي نراها اليوم في دور التكون من السلطان العظيم على الأفكار ما للمذاهب التي رسخت أصولها في الاعتقادات أعني سلطاناً مستبداً لا تأثير فوق تأثيره فلا تعود تحتمل البحث أو الجدل وحينئذ يقوم حق الجماعات المقدس مقام حق الملوك الأقدسين. ينحصر الأثر الواضح لعمل الجماعات حتى الآن في هدم صروح المدنية فالتاريخ يدلنا على أنه كلما وهنت القوى الأدبية التي يقوم عليها بناء تقدم أمة من الأمم كانت خاتمة الانحلال على يد تلك الجماعات الوحشية اللاشعورية التي سميت بحق متبربرة أما الذين أقاموا صروح المدنية وشيدوا أركان الحضارة فهم نفر امتازوا بسمو المدارك وبعد النظر ولكنا لم نر حتى الآن للجماعات أثراً مثل هذا فهي إنما تقدر على الهدم والتحطيم وزمان حكمها زمان بربرية على الدوام لأن المدنية لا تقوم إلى على مبادئ مقررة ونظام ثابت وانتقال من العمل بمقتضى الغريزة إلى الاهتداء بنور العقل والبصر بالمستقبل ومرتبة راقية من العلم والتهذيب وتلك وسائل برهنت الجماعات على أنها غير أهل لتحقيقها إذا تركت وشأنها — ومثل الجماعات في قوتها الهادمة مثل المكروبات التي تعجل بانحلال الأجسام الضعيفة وتساعد على تحلل الأجساد الميتة فإذا نخرت عظام مدنية تولت الجماعات نقض بنائها هنالك يظهر شأنها الأول ويخيل لنا بادئ بدء أن العامل في حوادث التاريخ هو كثرة العدد، إنا لنخشى أن يكون هذا أيضاً مصير مدنيتنا لكن ذلك الذي لا نعرف منه شيئاً حتى الآن. . . . معرفة روح الجماعات أصبحت اليوم آخر ملجأ يأوي إليه السياسي العظيم لا لأجل أن يحكمها فقد صار ذلك الآن صعباً كثيراً بل ليخفف عنه شدة تأثيرها، وإذا أردنا أن نعرف ضعف تأثير القوانين والنظامات في الجماعات فإنما السبيل إلى ذلك تدقيق البحث لمعرفة روحها والوقوف على أحوالها النفسية وبذلك نفقه أيضاً أنه لا قدرة لها على تكوين رأي أو التفكير في شيءٍ خارج عن الدائرة التي رسمت لها وأنها لا تقاد بقواعد العدل النظرية بل بالبحث عما من شأنه التأثير فيها أو اختلابها. إن الجماعات لا تعرف من المشاعر إلا ما كان متطرقاً بسيطاً وهي لذلك لا تقبل ما يلقى إليها من الآراء والأفكار والمعتقدات بجملتها أو ترفضها كذلك فتأخذها حقائق مطلقة أو ترغب عنها أباطيل مطلقة على أن هذا هو الشأن في المعتقدات التي تتحصل من طريق التلقي لا التي تتصل بالإنسان من طريق النظر والتعقل وكل يعرف ما للمعتقدات الدينية من التأثير في عدم احتمال المخالف ومن السلطان على النفوس. ولما كان باب الشك غير مفتوح أمام الجماعة في كل ما اعتقدت أنه حق أو باطل وكانت تشعر شعوراً تاماً بقوتها كانت إمرتها متساوية لعدم احتمالها، يطيق الفرد المناظرة والخلف أما الجماعة فلا تطيق ذلك أبداً وأقل خلف يأتي به الخطيب الذي يتكلم في المجتمعات العمومية يتلقاه السامعون بأصوات الغضب والسباب الشديد فإن أصر فنصيبه الإهانة والطرد بلا إمهال ولولا الرهبة من رجال الشرطة الحاضرين لقتلوه أحياناً. . . . . والمؤلف يكرر بعض الأفكار ولعله عن قصد لترسخ في النفوس وربما حذا كما قال في كتابه حذو دعاة الاشتراكية العصرية ممن يستعملون التوكيد والتكرار وسائل في التأثير وقد عقد لذلك فصلاً من ذلك قوله أن المدنيات هي صنع أناس من أرباب الأفكار العالية وسائر الناس معهم تبع ومثل قوله إن التعصب وعدم الاحتمال يصاحبان على الدوام كل شعور ديني وبلا زمان كل من اعتقد أنه ملك ناصية السعادة في الحياة أو في الآخرة وهاتان الصفتان توجدان في كل جماعة تحركت بأحد المعتقدات فقد كان اليعاقبة اليعقوبيون زمن الهول متدينين كما كان أهل الاضطهاد متدينين ومنبع حماسة الفريقين في القسوة واحد. كذلك تظهر معتقدات الجماعات بالخضوع الأعمى والتعصب الوحشي والإكراه في الدعوة وكلها صفات من لوازم الشعور الديني وما البطل الذي تهلل الجماعة له إلا اله في نظرها، هكذا كان نابليون مدى خمسة عشر عاماً ولم يكن لمعبود سواه عباد أشد إخلاصاً من الذين عبدوه ولم يسهل على معبود قيادة النفوس إلى حتفها أكثر منه وما كان لآلهة الوثنية والنصرانية سلطان على القلوب أعز من سلطانه. إن جميع موجدي الديانات ومؤسسي المذاهب السياسية لم يقيموها إلا لأنهم تمكنوا من إحداث التعصب الذي يجعل الإنسان يرى سعادته في العبادة والطاعة ويهيئه لأن يهب حياته لمعبوده. . . ليس لفاتحي النفوس في هذا الزمان معابد وهياكل لكن لهم صور وتماثيل والعبادة التي يعبدون بها لا تخالف كثيراً ما كانوا به يعبدون ومعرفة فلسفة التاريخ تتوقف على إجادة معرفة هذا البحث في علم روح الاجتماع. . . . وقال: لا يقوم سلطان الفاتحين وتبنى قوة أعماله على تخيل الأمم ولا تجر الجماعات إلا بالتأثير في ذلك التخيل وكل حوادث التاريخ العظيمة كإيجاد البوذية وتشييد أركان المسيحية والإسلام وقيام البرتستانية والثورة فيما مضى وكإغارة الأفكار الاشتراكية المزعجة في هذه الأيام إنما هي نتائج قريبة أو بعيدة لتأثرات شديدة في تخيل الجماعات، ذلك هو العلة في أن جميع أقطاب السياسة في كل عصر وفي كل أمة حتى أشدهم استبداداً، اعتبروا تخيل أممهم أساساً تقوم عليه قوتهم وما فكروا يوماً في أن يحكموا الناس بدونه. قال نابليون في مجلس شورى الحكومة إني أتممت حرب الفندائيين لما تكثلكت واستوليت على مصر إذ أسلمت وتوجت بالظفر في حرب إيطاليا لأني قلت بعصمة البابا ولو كنت أحكم شعباً يهودياً لأعدت معبد سليمان ويظهر لي أنه لم يقم منذ الاسكندر الأكبر وقيصر بين عظماء الرجال من عرف كيف يكون التأثير في تخيل الجماعات مثل نابليون فقد كان ذلك التأثير همه الدائم ما نسميه في انتصاراته وخطبه وأحاديثه ولا في عمل من أعماله وكان يفكر فيه وهو على سرير موته. وقد أجاد المؤلف في كلامه على أفكار الجماعات ومعتقداتها ولا سيما في فضل التربية والتعليم وإثباته بالإحصاء أن الميل إلى الجرائم يزداد بانتشار التعليم أو هو يزداد بانتشاره على طريقة مخصوصة وأن الأمم اللاتينية أسست تعليمها على قواعد غير صحيحة تنمي الكفاءات الفنية ولا تؤثر في رقي الأخلاق وإن طريقة الانكليز السكسونيين غير طريقتهم فليس لهؤلاء مدارس خصوصية بقدر ما لفرنسا والتعليم عندهم لا يتلقى من الكتاب بل من الشيء نفسه فالمهندس مثلاً يتكون في المصنع لا في المدرسة وهو ما يسمح لكل واحد أن يصل في حرفته إلى الحد بالذي تصل قدرته العقلية فيكون عاملاً أو رئيس عمال إذا قعد به الذكاء عند هذا القدر وهو مهندس إذا قاده استعداده إلى هذا الدرج. وأحسن ما شاء الإحسان في الكلام على الصور والألفاظ والجمل وما لها من السلطان على النفوس فقال أن الألفاظ والمعاني قد تختلف معانيها في قرن عن قرن وفي أمة عن أمة فمعنى الديمقراطية عند الجنس اللاتيني انزواء إرادة الفرد وإقدامه على العمل من نفسه أمام إرادة المجموع وهمته والمجموع تشخصه الحكومة فالحكومة هي المكلفة لإدارة كل شيء وحصر كل شيء واحتكار كل شيء وصنع كل شيء وهي التي تلجأ إليه دائماً الأحزاب بلا استثناء من أحرار إلى اشتراكيين إلى ملكيين وعلى الضد من ذلك يفهم الانكليزي السكسوني وبالأخص الأميركي من كلمة ديمقراطية نمو إرادة الفرد وإقدامه الذاتي إلى الحد الأقصى وانزواء الحكومة بقدر ما أمكن فلا تكلف بعد الشرطة والجيش والعلاقات السياسية بشيء حتى التعليم وعليه فاللفظ الواحد يفيد في بلد جمود إرادة الفرد وسكون إقدامه الذاتي واستعلاء كلمة الحكومة ويفيد في بلد آخر انزواء هذه وارتفاع صوت الأول. وهكذا زاد الموضوع جلاء في الفصول التي عقدها المؤلف بعد هذا الفصل وأصبح لا يتعذر فهمه على الطبقات المتوسطة في المعرفة وجوّد الكلام على المجالس النيابية أي إجادة وابان مواقع الضعف والقوة من أعمالها وهو فصل كنا نتمنى نقله برمته أو تلخيصه على الأقل لا سيما والأمة اليوم في مصر تطالب بدستورها وفي البلاد العثمانية نالته ولكنه ما زال منقولاً عن أوروبا نقلاً لم يطبق على العمل فنوصي القارئ بالرجوع إليه. وبعد فهذا مضمون الكتاب وموضوعه مصغراً وقد بان منه أسلوب معربه من الجمل التي نقلناها بحرفها آنفاً ومن قابل بين سلاسة العبارة هنا وضعفها في كتاب أصول الشرائع يدرك سر التوفر على العمل وأن مدرسة الزمن هي أعظم مخرج لأبنائها العاملين، وما برحت بعض هفوات لغوية تعلق على اسلة قلم المؤلف ومنها ما سرى إليه من لغة الجرائد ونص عليه أهل اللغة مثل الحريري وعبد اللطيف البغدادي والسيوطي وغيرهم، وذلك مثل قوله: لا نراها إلا رؤيا ناقصة والصواب رؤية لأن الرؤيا تكون في النوم والرؤية في اليقظة، واستعماله الظروف بدلاً من الأحوال والظروف لا تعطي هذا المعنى واستعماله حيث في غير مكانها واستعماله تمام كثيراً مثل واضحة تمام الوضوح، تخالف تمام المخالفة، ويفقه فيها ذاته الشاعر تماماً والفصيح أن يقال واضحة كل الوضوح ومنها قوله رجل تمام والأجدر أن يقال كامل أو تام الأدوات أو نحو ذلك واستعمل ترتكز على وهذه الصيغة لم تسمع إلا في لغة الجرائد المصرية. ومثل ذلك مجرد انضمامهم إلى بعضهم والأحسن أن يقال بعضهم إلى بعض ومثله رغماً عما ذهب إليه والأولى أن يقال على الرغم مما، ومثله يضحي مصلحته الذاتية وهذا التعبير فيما أحسب هو من ركاكات الجرائد الشامية القديمة سرى إلى مصر فاستعمله حتى أفاضل الكتاب على غير روية وهو تعبير افرنجي والأجدر أن نقول فادى بدلاً من ضحى، ومثله كان فرداً متنوراً والصواب أن نقول منوراً أو مستنيراً ومثله منقادة عادة إلى وهو تعريب حرفي مثل بالسهولة وبالصعوبة وجلياً وبانتظام وبلا عناءٍ ويمكن الاستعاضة عن هذه الكلمات بألفاظ أو تراكيب أقرب إلى الأسلوب العربي. ومثله مندهش والأحسن مدهوش و منجر والأحسن مجرور ومثله استعمال الأجيال للتعبير عن القرون والعصور، وما الأجيال إلا أصناف من الناس على ما أذكر، واستعمال مراسح اللهو والأولى أن يقال مسارح ومثله عنيف كثورة عنيفة وغير ذلك وهي من المبذوء ولنا من ألفاظ اللغة التي تدل على معانيها مندوحة عن استعمالها، ومثله العموم للتعبير عن الناس وهي من الألفاظ العامية، والأهمية وهي غير عربية بل تركية مثل محظوظية وممنونية، والرضوخ لحكمها وليس في اللغة رضوخ بمعنى الخضوع أو الأتمار وإنما الرضوخ العطاء القليل وفي مقامات الحريري بدريهمات رضخ بها له، وقد عدى يؤثر بعلى والصواب تعديتها بفي ومثله فطاحل العلماء ولفظة فطاحل وإن كانت شائعة على هذه الصورة للتعبير عن كبار العلماء لكنه لم يسبق للبلغاء استعمالها ولا للغويين بهذا المعنى تدوينها ومثله الحفظ عن ظهر قلب والأحسن أن يقال الاستظهار وهي أخصر وأجمل. وجمع مشروعاً على مشروعات والأحسن جمعه على مشاريع، ومثله أعداء الداء أشداء ضد الحكومة والذوق العربي يقضي بأن يقال على الحكومة ومثله جمل ينطقها المتكلم والصواب ينطق بها ومثله معاني ما كانت لها أبداً، وأبداً بمعنى دائماً والأولى استعمال قط، ومثل جمعه عادة على عوائد كالاستعمال الشائع والأحسن جمعها على عادات وعاد ومثلها جمعه لواء على لواءات والصواب ألوية. واستعمل من التراكيب الشائعة فلولا هي ما خرج من بربرته الأولى ولولا هي لراح مسرعاً والصواب فلولاها، ولولا هي من تراكيب عامة المصريين ومثلها لولا هو ما شاء الآلهة والصواب لولاه ومثل النصب على التاجر وما أدري إذا كانت لفظة النصب معروفة باللغة بهذا المعنى ومثله من رجاله الخصوصيين ولو قال من خاصته لأحسن ومثله يريق قطرة دم لواحد من أهلها والأولى قطرة دم واحد ومثلها جاز الاعتراف من السامعين والأسلوب الفصيح أن يقال جاز اعتراف السامعين ومثله شكلوا محكمة وهي مما سرى إلينا من التركية والصواب ألفوا محكمة وللتشكيل معنى آخر غير هذا ومنها استعمال المصالح للدواوين والمصالح لفظة عامية مصرية. وهناك بعض التراكيب التي يقع نظرك عليها في الكتاب وهي تنبئك عن نفسها بأنها افرنجية لم تذق طعم العربية مثل تحت تأثير أحد هذه الأفكار وهم تحت ذلك التأثير وقتل الوقت ولكان ثمنها كثيراً من الثورات، وأما الحكومة التي تصنع من حملة الشهادات والذين اضطربت قواهم العقلية إلى النصف ولا تلبث المياه أن تعود إلى مجاريها وغير ذلك. ومنها بعض التراكيب التي فيها شيء من ركاكة وسقم مثل غرق ٨٥٠ مركب شراعي و ٢٠٣ مركب تجاري والصواب ٨٥٠ مركباً شراعياً و ٢٠٣ مراكب تجارية. ومن عرف كيف يؤثر في تخيل الجماعات عرف كيف يقودها، لا دخل لتلك النظامات لا في سعادة ولا في شقاء، فإنه كان رجلاً هجوماً لا ذكاء فيه لكن ذا عزم ومضاءٍ، أنحى على العمال بالعطش. وخالف مألوف المعربين في ترجمته السنديكات بالجمعيات وقد اصطلحوا على تعريبها بالنقابات وهي أولى وترجم البورصات بغرف التجارة وغرف التجارة كما لا يخفى هي غير البورصات وعرب الغيلوتين التي كانت تقط الرؤوس في فرنسا بالمنجلة ووضع لها بعضهم المقصلة ونظنها أحسن، ووضع بعض الألفاظ بلفظها مثل ماندران وهو الحاكم الصيني و الاردواز وهو لوح الحجر. ولكن هذه الألفاظ والتراكيب القليلة لا تقدح في فضل الترجمة خصوصاً وأكثرها عما عمت البلوى باستعماله ولكن كنانود أن يكون ذاك الثوب النفيس خالياً من الشوائب ليجيء كتاب اليوم مستوفي الشروط من حيث أصله وفرعه ولغته ورشاقته وطبعه ووضعه وعسى أن تكون مترجمات المعرب المشار إليه في الأيام المقبلة أتم وأكمل لتزيد منها فائدة المطالعين والمتعلمين والله لا يضيع أجر المحسنين. الصحافة العثمانية الصحافة أو فن الجرائد والمجلات هي عنوان ارتقاء الأمة المحسوس وكل أمة كانت صحافتها أوسع وأمتع يسوغ لك أن تحكم عليها بأنها أرفع وأمنع، فالجرائد الانكليزية مثلاً أوسع مادة وأبعد نظراً وأصدق أقوالاً من الافرنسية والإيطالية لأن الانكليز رجال الاتجار والاستعمار أعلى كعباً من الفرنسيس والطليان ودولتهم أرقى الدول. وهكذا الحال في صحافة الأمة العثمانية المختلفة العناصر والأجناس وتاريخها يرد إلى سنة ١٢٧٦ هـ، ولعلنا لا نخطئ إذا قلنا أن الصحافة التركية أرقى من الصحافة العربية والرومية والأرمنية والبلغارية وبعبارة أخرى أن الصحف التركية أرقى من العربية إذ لا يجوز لنا أن نحكم على الصحافة الرومية والأرمنية والبلغارية ونحن لا نعرف لغاتها لنقرأها بها والحكم على الشيء فرع عن تصوره، أما التركية فلمعرفتنا بها يتيسر لنا الحكم على جرائدها وجرائدنا معاً كما نحكم على الصحف الافرنسية التي تصدر في بلادنا أيضاً. كانت الجرائد العربية قبل الانقلاب الأخير عبارة عن الأعيب ورويات عن السياسات الخارجية محرفة وكان يحظر عليها خصوصاً في العشر السنين الأخيرة أن تبحث في موضوع اجتماعي إداري أو سياسي وطني فكانت موضوعاتها من ثم مسخاً أو سلخاً من جرائد أوروبا والأستانة في شؤون تافهة لا ترقي عقلاً ولا تلقن فضلاً. ولما أنقذ الله البلاد من ظلم الاستبداد كانت صحافتها أول ما تحرر من أوضاعها مع صحافة العناصر الأخرى فداهمتها الحرية على حين غرة وأصبحت في حلّ من الخوض في كل موضوع وعندها ظهرت كفاءتها وصح لمن يريد التنظير بينها وبين الصحافة التركية أن يصدر حكمه عليهما. لم يكن في سورية والعراق والجزيرة والحجاز واليمن وطرابلس الغرب غير بضع جرائد ومجلتين في مدينة بيروت ولبنان وواحدة في دمشق وأخرى في طرابلس الشام أما حلب والبصرة وبغداد واليمن والحجاز فكان يصدر في كل واحدة منها جريدة رسمية باسم ولايتها نصفها بالتركية والنصف الآخر بالعربية السقيمة وسائر قواعد البلاد خالية من الجرائد الرسمية وغير الرسمية لأن الجرائد كانت العدوة الكبرى للسلطان المخلوع فلم يكن يسمح بإصدارها إلا مضطراً أو بالاحتيال العظيم والبذل الكثير. ولم تمض سنة على نشر القانون الأساسي حتى ظهرت بضع جرائد يومية جديدة في بيروت ودمشق وحلب وصدرت في الموصل وبغداد والبصرة ومكة وجدة وطرابلس الشام وطرابلس الغرب والقدس وحيفاء ويافا ومرج عيون واللاذقية جرائد أسبوعية متناسبة مع حال البلاد التي تصدر فيها وإن كانت جرائد سورية من حيث التركيب البياني واللغوي أرقى من جرائد غيرها من الأقطار لأن الملكة العربية مستحكمة من القائمين بها في بلاد الشام أكثر من غيرها ولكن تلك الجرائد الصادرة في الأقطار الأخرى نافعة على كل حال بما تأتي به من الأفكار والأخبار وسيكون منها بحول الله النفع العام لمن تنشر بين أظهرهم. أما الجرائد التركية قبل الدستور فكانت عبارة عن مقتطفات من الصحف الأوروبية في السياسة الخارجية وتبليغات أوامر الحكومة الاستبدادية وأبواق خصصت لتأليه عبد الحميد الثاني وإطرائه إطراءً لم يعهد في لغة من اللغات ولا في أمة من الأمم وكانت تلك الجرائد متخومة بإنعامات السلطان السابق ورشى بعض الشركات لتساعدها على ابتزاز خيرات السلطنة، ومع كل هذه المساوئ كان الارتقاء بادياً على الصحافة التركية أكثر من غيرها لأن التركية لغة الحكومة وجرائدها مقروءة في بلاد الترك من آسيا وأوروبا كما تطالع في غيرها من البلاد لكثرة الموظفين وغيرهم ممن يعرفون التركية ويهتمون أن يطلعوا على قرارات حكومة العاصمة ومنشوراتها وأنبائها. ثم إن الأتراك بمجموعهم أرقى بتربيتهم وتعليمهم من مجموع العرب ونظام الأسرة عندهم أمثل منه عند أكثر العرب والمرأة التركية والحق يقال أكثر تعليماً وتهذيباً من المرأة العربية، فقد تطوف البلد الكبير في هذه الديار ولا تجد إلا بضع بنات متعلمات ولو استقريت قواعد البلاد التي يغلب فيها العنصر التركي لرأيت المتعلمات من التركيات يبلغن المئات والألوف ولا سيما في العاصمة، وهذا هو أحد أسرار انتشار الجرائد في الأتراك أكثر من انتشارها هنا لكثرة سواد القارئين والقارئات عندهم وقلته عندنا. وإذا أردنا المقارنة بين الصحف التركية وخصوصاً صحف العاصمة وبين الصحافة العربية في الولايات تكون للعربية الدرجة الأخيرة بين الصحافة العثمانية فيما نحسب ولذلك وجب أن نقابل الصحافة العربية كلها بالصحافة التركية كلها أي الصحف التركية التي تصدر في الأستانة وازمير وسلانيك وادرنة ومناستر وغيرها من البلاد العثمانية والصحف التركية التي تصدر في القريم والقافقاس مع الصحف العربية التي تصدر في الولايات العثمانية ومصر وتونس والجزائر والمغرب الأقصى وجرائد المهاجرين من السوريين في أميركا الشمالية والجنوبية، وهذه الصحف على اختلاف مصادرها مستمتعة بحريتها الفكرية ما خلا بعض صحف تونس والجزائر والقريم والقافقاس وإذ كانت درجة ارتقاء الشعوب التي تتلى عليها متفاوتة جاءت هي كذلك. ولذا كان من اللائق إذاً أن نقيس صحف بلد معين بآخر معين لأن قوة الجرائد بقوة من تصدر بينهم كما قلنا وإذ كان أهل الأستانة أرقى من حيث المجموع من أهل سائر الولايات ومدينتهم عاصمة سلطنة عظمى من أعمالها ثلاثون ولاية عدا الايالات المستقلة وهي مهوى أفئدة الأمم الإسلامية كافة كانت صحافة الأستانة أرقى من صحافة القاهرة وهي عاصمة مملكة فيها نحو ثلث سكان الولايات العثمانية ولها السبق علينا بالاستمتاع بنعمة الحرية، ومركز القاهرة السياسي مهم أيضاً وأهلها عريقون في الحضارة منذ عشرات من السنين وهي في غناها الطبيعي أغنى من الأستانة في الحقيقة، فلا عجب إذا امتازت فروق من هذه الوجهة عن مصر. تأملنا كثيراً في صحافة مصر والأستانة في العهد الأخير فرأينا أمهات الجرائد التركية أرقى من أمهات الجرائد المصرية مادة وأسلوباً وشكلاً ووضعاً وطبعاً، ولا أغالي إذا قلت أن جريدة طنين ويكي تصوير أفكار ويكي غزته وصباح وإقدام لا تفوقها الطان والديبا والفيغار والماتيني والجورنال إلا بحوادثها الخارجية وما عدا ذلك من البحث في إدارة البلاد وسياستها الداخلية وأخبارها وأفكارها وآدابها واجتماعها فالجرائد التركية شقيقة الجرائد الفرنسوية بقيمتها إلا قليلاً هذا مع بعد عهد الفرنسيس بالحضارة وقدم جرائدهم وقرب عهد الترك بها وحداثة جرائدهم، وتفوق جرائد القاهرة كاللواء والمؤيد والجريدة والأهرام والمقطم مثلاً بأنها أمهر في الضرب على الوتر الحساس في الأمة أكثر من جرائد الأستانة. أما المجلات الافرنسية فهي أرقى بلا جدال من المجلات التركية وتصدر تحت سماء الأستانة بضع مجلات مثل علوم اقتصادية واجتماعية مجموعة وملكية وشهبال وثروت فنون لا تقل في أبحاثها وتدقيقها في موضوعاتها عن المجلات العربية الكبرى في مصر والشام وهي أرقى منها من حيث الوضع والطبع وأشبه بالمجلات الأوروبية في أن أبحاثها تكتبها الأيدي المنوعة من أهل الإخصاء، ومن العجيب أن مصر على كثرة علمائها الأخصائيين لم يصدر فيها حتى الآن مجلات يكتبها المصريون أنفسهم ولولا مجلة الجامعة المصرية وصحيفة نادي دار العلوم وهما ابنتا هذه السنة لقلنا أن مصر لا تميل للعلميات ميلها إلى السياسات وأهل العلم والأدب فيها لا صبر لهم على المشاريع العلمية حتى تنضج كما صبر أرباب المشرق والمقتطف والمنار والهلال والمقتبس والجامعة وغيرهم من أرباب المجلات السورية الحديثة كالمباحث والنبراس والمنتقد والحسناء والكوثر والنعمة والعرفان وغيرهم ممن لا تحضرنا أسماؤهم في مصر والشام. أما جرائد سورية اليومية فهي أشبه من كثير من الوجوه بالصحافة التونسية من حيث المواد وقلة البحث في حالة البلاد وإن كانت جرائد الشاميين أكثر حرية وأسلم عبارة بل أنضج أسلوباً من جرائد التونسيين والفضل في ذلك للمدارس التي تعلم آداب العربية في الشام أكثر من تونس على أن المملكة التونسية وإن كانت أصغر من الجزائر ومن مملكة مراكش فهي في هذا العهد أرقى لهجة وعربية منهما بل هي بالنسبة للجزائر كنسبة سويسرا إلى إسبانيا أو ألمانيا إلى روسيا ولعل كثيراً من فقهاء الجزائريين يحرمون حتى اليوم كبعض فقهاء المراكشيين ما يقال له الجرائد والمحلات وكم للجامدين من جنايات جنوها على الدنيا والدين. وقصارى القول أن الصحافة التركية أرقى بمجموعها من الصحافة العربية ولا سيما في السياسات والإداريات والعسكريات، والترك منذ قرون هم أهل السياسة والإدارة والجندية وأدبياتهم أيضاً أقرب إلى الأدبيات الغربية من أدبيات العرب، وعسى أن يكون الترقي الذي يتناول كل أمة فينبلها حظها منه في ظل القانون الأساسي يجري التعادل بين البلاد فيعم الارتقاء أنحاءها كافة بعد جيل أو جيلين من الناس ويجدّ رجال صحافتنا في الولايات العربية في ترقية جرائدهم ومجلاتهم ويسهرون على إيداعها كل مفيد من الأبحاث السياسية والاجتماعية والاقتصادية والأخلاقية والإدارية والعلمية والأدبية بحيث يزول عن العقول صدؤها فتتحلى من حلي المدنية الحقيقية بما ينيلها السعادتين وينبطها عليه أهل الخافقين. غنى العثمانيين لا يعقل أن تكون المملكة العثمانية على هذه السعة والاعتدال وفيها من الأنهار والحراج والمعادن ما فيها ومن ذكاء سكانها وزكاء تربيتها العجب العجاب وتصبح في هذه الدركة من الفقر والانحطاط. لا يعقل أن تكون بلاد هذه السلطنة التي ضمت إلى صدرها كثيراً من ممالك الأقدمين كالفينيقيين والغسانيين واللخميين والحثيين والحميريين والصفويين والنبطيين والبابليين والآشوريين والمقدونيين واليونانيين والفراعنة وتكون مساحة ولاياتها الثلاثين خمسة أضعاف ألمانيا ولا يكون فيها من السكان سوى نحو ثلاثين مليوناً على حين يبلغ سكان ألمانيا زهاء خمس وستين. لا يعقل أن بلاداً فيها من الأنهار العظيمة مثل سيحان وجيحان ودجلة والفرات وقزل ايرمق واردار وغيرها من الأنهار أن تمحل ولا تخصب مع أن الخالق خصها بتربة ممرعة فيعطي مد الحنطة في بعض جهاتها مئة مد ثم تقرأ الفقر المدقع في وجوه أهلها. لا يعقل أن بلاداً لها عشرات من الموانئ على شواطئ البحر الأبيض والبحر الأسود والبحر الأحمر وبحر الادرياتيك والمحيط الهندي وهي متاخمة لممالك البلقان وأوروبا من جهة ولبلاد السودان وصحراء إفريقية وشماليها من جهة وروسيا وإيران من أخرى ثم لا تستطيع أن تبعث بغلاتها إلى البلاد الخارجية لتتناول منها ثمنها نقداً لسد العجز المحسوس بين وارداتها وصادراتها. ولكن من نظر في الأمر نظر متدبر وعرف أن حكومة الاستبداد تحرق الأخضر واليابس وتخرب العامر والغامر وأن الجهل مبيد الأمم برمتها دع عنك عمرانها لا يستغرب ما قدر لهذه السلطنة بل يعجب كيف أبقى الاستبداد فيها عقولاً تفكر وأيدي لتعمل ونفوساً تشعر بالتأخر. كان همّ الحكومة المطلقة في هذه السلطنة أن تحتال لسلب النعمة الباقية من يد الأهين فكانت تشاركهم في أموالهم على غير رضاهم وهي لا تحميهم في أنفسهم وأموالهم ولا في مرافقهم وصحتهم وكيف تهتم لإسعادهم وهم عبيدها إذا طلبوا أن تخفف عنهم العذاب قاتلتهم وأن أرادوها أن تحاسنهم خاشنتهم، وكيف بطلب من الجاهل ما يطلب من العالم وهل ينفق امرؤ إلا مما عنده وهل الحكومات إلا أفراد مجتمعون. لسنا في صدد بيان مساوئ الدور البائد بل نريد الإلمام بغنانا وذكر شيءٍ من مستقبلنا، وغنانا في دور هذه الحكومة النيابية السعيدة مناط بهمتنا وهمتها إن عملت وعملنا حسبت بلادنا في عشر سنين في جدول البلاد الراقية وإلا فنبقى دستوريين بالاسم لا نستثمر من قوانيننا الجديدة وخيرات بلداننا العتيدة فائدة يعم نفعها. نحن نطالب الدولة اليوم أن تؤسس لنا من المرافق العامة ما لا طاقة للأفراد أن يقوموا به من مثل إنشاء السكك الحديدية حتى تربط الأستانة مع أقصى بلاد العرب وتتصل وأن باشقودرة وطرابزون بالقدس وبغداد بالقاهرة ودمشق بطرابلس الغرب فتصبح ولايات الروم ايلي والأناضول وبلاد العرب متصلة كالحلقة الواحدة بشرايين من حديد ويتيسر لفلاح ملاطية وحكاري في الديار الكردية أن يبيع غلاته وثمراته من ابن طنطا والاسكندرية في الديار المصرية فلا تباع اقة الخبز الجيد بعشرين بارة كما في بعض بلاد الأناضول وتباع في دمشق بثمانين وتباع بمئة وستين في القاهرة. نطالب الدولة أن تنشئ السدود وتجفف المستنقعات حتى ينتفع بكل شبر من الأرض يمكن زرعه وتشجيره ولا تهلك البلاد المجاورة لتلك المياه لقلة ريها كمن يصبح عطشاناً وفي الماء فمه وأن تصلح سقياها فلا يذهب ماء الفرات ودجلة بل مياه كثير من الأنهار والخلجان بلا فائدة وترى حواليها البلاد قاحلة تنتظر ماء الأمطار لتروى وما هي بمضمونة معظم السنين، وبذلك تجود صحة السكان النازلين بالقرب من تلك الأراضي وتقل الحميات والأمراض الوافدة فيهم فينمون ويتناسلون فتزيد البلاد بهم قوة. كانت الأوبئة والطواعين تنتاب البلاد العثمانية قبل أن يعرف الأهالي والحكومة معنى التوقي المشروع فتهلك من سكانها مئات الألوف ولو ذكرت تواريخ المتأخرين ما انتاب البلاد كلها من الموتانافقط في المائتي سنة الأخيرة لزال العجب من قلة النفوس في بعض الولايات قلة لا تكاد تصدق، ولكن الزلازل والأوبئة والحريق والغارات مهما بلغ من تدميرها السكان والمكان يتأتى جبر ما أوهته ورنق ما فتقته وتعويض ما خسرته لو كان في البلاد شيء يقال له عدل وعلم. مثال ذلك مدينتنا بيروت ودمشق فإنهما منذ جلب إليهما ماء نهر الكلب وعين الفيجة في أنابيب تقي الماء من الجراثيم الضارة قلت الأمراض قلة محسوسة حتى أن الهواء الأصفر انتاب سورية مرتين في العهد الأخير ولم يعرج على بيروت مع انتشاره كثيراً في صيدا وطرابلس المجاورتين لها وكذلك في دمشق منذ أخذ بعض أهلها يتسربون من ماء الفيجة الطاهر فلو تيسر لسائر مدن سورية مثلاً ما تيسر لنا من الماء النقي كالقدس وعكا ونابلس وطرابلس وصيدا واللاذقية وحمص وحماة وحلب وغيرها من الأمصار لما جاء على سورية ربع قرن إلا وسكانها ضعف ما هم الآن. هذا في أبسط الأشياء وأقربها تناولاً فما الحال لو تشعبت خطوطها الحديدية عريضة كانت أو ضيقة بحيث لا تخلو قرية فيها خمسة آلاف نسمة من الارتباط مباشرة مع أمهات المدن فحاصبيا وراشيا وقطنا ودومة والنبك والقنيطرة وصلخد وعاهرة والسويداء والعمرانية وسلمية وبصر الحرير وعجلون والسلط والكرك كل هذه القصبات مراكز أقضية مهمة لا اتصال لأكثرها مع حاضرة الولاية إلى على ظهور الدواب والبغال والجمال فلو اتصلت بدمشق مثلاً كما اتصلت الزبداني والبقاع وبعلبك وحمص وحماة ومعان وشمسكين ودرعا إذاً لتوفر عمرانها وغزر سكانها واغتنت أرضها بغلاتها وثمراتها وسهل على البعيد أن يقتني أراضي لا يصل إليها على المطايا إلا في أيام طويلة فيبلغها مع القطار في ساعات. ومثل ذلك قل عن ولايتي حلب وبيروت ومتصرفيتي القدس وجبل لبنان بل قله عن ولايات طرابلس الغرب واليمن والحجاز والبصرة وبغداد والموصل وديار بكر ومعمورة العزيز وبتليس وقسطموني ووان وارضروم وطرابزون وسيواس وقونية وانقره واطنه وجزائر البحر الأبيض وآيدين وخداوندكار والأستانة وادرنة وسلانيك ومناستر ويانيا وقوصوة واشقودرة ومتصرفيات بنغازي والزور وبيغا وجاتلجه وازميد. ليس عند الدولة اليوم من الخطوط الحديدية ما يكفي لخمس ولايات فقط وقدروا عدد ما لديها منها بنحو سبعة آلاف كيلومتر تدفع على أكثرها ضمانات كيلومترية كل سنة لا تقل عن ستمائة ألف ليرة ولو كان رجالها في العهد الماضي على شيءٍ من الذمة والعقل لما فادوا بمصلحة أمتهم لقاء منفعة ذاتية تافهة إلى هذا الحد ولكانوا أنشؤوا معظم تلك الخطوط بأيدي شركات عثمانية تستلف من أوروبا ما يقتضي لها من المال بمقابل معتدل تسدده من مداخيل الخطوط التي تمدها فكما لم يعسر على الحكومة العثمانية إنشاء خط حديدي من دمشق إلى المدينة وهو لا يقل عن ألف ومئتي كيلومتر في واد غير ذي زرع لا يصعب عليها أو على الأمة أن تنشئ خطاً حديدياً مثلاً من دمشق إلى بغداد والمسافة بينهما ثمانمائة كيلومتر أو من دمشق إلى الأستانة والمسافة ألف ومئة كيلومتر تمر بأقاليم كلها عامرة بطبيعتها مشهورة بخصبها وجودة تربتها. ولكن البلاد حتى اليوم لم تبرح كمن خرج من تحت الردم لا يكاد يفيق لكثرة ما لقيه من مصائب الأدوار السالفة والحكومة على سعي القائمين بشؤونها في العاصمة لم تستطع حتى الساعة أن تدبر ميزانيتها على ما ينبغي والعجز لم يزل يربو على أربعة ملايين ليرة كل سنة فقد بلغت نفقات الحكومة هذا العام ٢٩٩٢٩٥٢١ ليرة عثمانية ووارداتها ٢٤٥٨٧٢١٧ ليرة على ما أدخل عليها من تعديل رواتب الموظفين وغير ذلك من أنواع الاقتصاد وكان يرجى أن تزيد الأعشار هذه السنة زيادة محمودة لأن معظم أرباب النفوذ والفنى لم يعتادوا أن يؤدوا للخزانة في السنين الغابرة أكثر من خمس وارداتهم في الأغلب بل بعضهم ما كانوا يدفعون عشر العشر دع عنك سائر التكاليف. وآخر إحصاء رأيناه في زيادة أعشار هذه السنة أنها زادت في السلطنة عن السنة الماضية مائة وخمسين ألف ليرة مع أن أعشار ولاية سورية وحدها زادت ثلاثة وأربعين ألف ليرة ولو عنيت حكومة هذه الولاية بتلزيمها حق العناية لما قلت الزيادة عن مئة ألف ليرة من الأقضية والألوية التي تدفع الأعشار بدلاً فضلاً عن لواء حوران الذي يدفع عشراً مقطوعاً بلغ هذه السنة تسعين ألف كيلة من الحنطة ولو استوفت من أهله الأعشار بحسب ما يجب عليهم أداؤه لأخذت هذا القدر المأخوذ من قضاء واحد فما بالك بسائر الأقضية على أن بعض الولايات كحلب مثلاً أصيبت هذه السنة بنقص غلاتها وثمراتها للجراد الذي انتشر في أرجائها ولكن حال سائر الولايات ليس كذلك. ولا علة لهذا إلا أن موظفي المالية والإدارة ضعاف في معظم الولايات والأهلون أكثر منهم جربذة واحتيالاً فتمكنوا كما كانوا في العهد السالف من التزام الأعشار بالأثمان البخسة ويفكر ناظر ماليتنا اليوم في تخفيض العشر من اثني عشر ونصف في المئة إلى عشرة فقط لتبقى للفلاح بقية صالحة من وارداته يعمر بها أرضه ويكسو أهله ويرمم اصطبله وداره ويستكثر من الماشية لأن الحكومة تستوفي الآن من الفلاح جميع ما يملك كل سبع سنين، كما يفكر في زيادة رسوم الكمارك أربعة في المئة فتصبح خمسة عشر في المئة بدلاً من أحد عشر فإذا حسبنا قيمة ما تتقاضاه الدولة من الكمارك سنوياً ٣٨٦٨٨٦٦ ليرة عثمانية كما هو المقدر في الميزانية الأخيرة والكمرك بعد عشرة في المئة لا تقل الزيادة عن مليون ونصف ليرة يسد بها جانب مهم من عجز الميزانية من قابل، ولا شك أن ضرائب الأملاك ستزيد أيضاً لأنها قليلة بالنسبة ولا سيما على أرباب السعة الذين كانت الحكومة السالفة تتسامح معهم بأكل حقوقها عن قصد والمأمول أن يزيد كل شيء على تلك النسبة من مثل بدلات العسكرية التي ستتقاضاها الحكومة من غير المسلمين في السلطنة. قلنا ومن أمثل الأعمال تخفيف الأعشار في السلطنة أو إلغاؤها إن أمكن والاستعاضة عنها بضرائب على الأراضي بحسب موقعها وخصبها والزيادة في الكمارك وربما لا يخلو هذا الصنيع من زيادة قليلة في ثروة البلاد ويرغب السكان بعض الشيء عن البضائع الأجنبية ويستعملون ما أمكن من مصنوعات بلادهم فإذا لم يقل الوارد من السلع الأجنبية فلا أقل من وقوفه عند هذا الحد، ويقدرون قيمة صادراتنا بنحو اثنين وعشرين مليون ليرة عثمانية ووارداتنا بنحو ثلاثة وثلاثين مليوناً أي أن البلاد الأجنبية وأوروبا خاصة تأخذ منا كل سنة عشرة ملايين نخسرها من مجموع ثروتنا وإذا أضفنا إليها قيمة ما تدفعه الحكومة العثمانية ربا ديونها وهو لا يقل عن تسعة ملايين ليرة لأن ما عليها من الديون يبلغ نحو مئة مليون من الليرات فتكون السلطنة العثمانية قد خسرت نحو عشرين مليون ليرة كل سنة على أقل تعديل. والطريقة الاقتصادية لسد هذا العجز في المزانية هو الوقوف في النفقات عند حد معين والسعي في استثمار الأسهل فالأسهل من خيرات البلاد بحيث لا تتكلف الدولة الإنفاق على مشروع إلا إذا كانت الأرباح فيه تربو على الخسارة منذ أول سنة كإصلاح ري العراق مثلاً الذي يحتاج إلى عشرة ملايين ليرة مثلاً تأتي الدولة والأهالي بمليوني ليرة على الأقل تأخذ منها الحكومة لا أقل من مليون ليرة فإصلاح ري العراق بالاستدانة من أوروبا ربح ظاهر لا محالة ولا سيما إذا تقدمه إنشاء خط حديدي من بغداد إلى دمشق كما هو رأي السير ويلكوكس المهندس الانكليزي المشهور. وإذا عنيت نظارة الغابات باستثمار غابات السلطنة على الأصول المتبعة في أوروبا وصانتها من فأس الأهلين وأنياب مواشيهم تزيد ثروة المملكة زيادة محمودة تؤثر في المجموع فلا تتناول ما يلزمنا من الأخشاب من النمسا أو رومانيا مثلاً بل نبتاعه من حراج قونية وقسطموني وآيدين وتكفي سائر حراج الروم ايلي والأناضول وسورية للوقود فتكفينا مؤونة الفحم الحجري أو البترول أو غيره من الوقود الذي تجلبه من الخارج. الأوائل ذكرني ما طالعته في العددين الخامس والسادس من مجلة المقتبس الغراء ٤ : ٢٧٣ بما كنت قد عنيت بجمعه منذ سنوات من الأوائل أي أول من عمل شيئاً عند القدماء من يونان ورومان وفرس وعرب ثم عند من جاء بعدهم من الأمم إلى عهدنا من أعارب وأعاجم ولا يخفى ما في هذه الأبحاث من المحاضرات التاريخية والأدبية والعلمية واللغوية الخ فرأيت الآن أن ألخص مقدمة هذه الرسالة وبعض مباحثها لعل القراء الكرام يرون فيه تفكهة وجماماً وهاك نبذة منها: لم يفت العرب جمع الأوائل شأنهم في كثير من الموضوعات التي طرقوها وألفوا فيها على حين لم يطرق مثلها كاتب أعجمي وعلم الأوائل هو كما عرفه الحاج خليفة في كتابه كشف الظنون الشهير طبعة مصر ١ : ١٣٢: ما يتعرف منه أوائل الوقائع والحوادث بحسب المواطن والنسب وموضوعه وغايته ظاهرة وهو من فروع علم التواريخ والمحاضرات لكنه ليس بمذكور في كتب الموضوعات وقد ألحق بعض المتأخرين مباحث الأواخر فيه وألفوا فيه كتباً عددها ملخصة وهاك تفصيلها من مظانها الأخرى: أول إنسان هو أبونا آدم وأول امرأة هي أمنا حواء أول قتيل ومحسود وراع ولدهما هابيل وأول قاتل وحاسد وحراث ولدهما قابين. أول ضارب بالمطرقة حفيدهما توبال قابين. أول عازف بآلة طرب لامك. أول مشترع ومؤرخ وقائد موسى النبي. أول من كتب في السل أنه داء معدٍ سقراط الفيلسوف اليوناني الشهير. أول من قال من الروم أن الأرواح غير فانية بل هي أزلية أبدية طاليس الفيلسوف اليوناني. أول من عرف علم الطبيعة والهيئة عند اليونانيين طاليس هذا وهو أول من قال الكلمة المشهورة أيها الإنسان اعرف نفسك وهو أول من أنبأ بكسوف الشمس وخسوف القمر قبل وقوعهما. وهو أول من بحث عن أسباب الأهوية والزوابع والصواعق والبرق والرعد. وهو أول من قاس ارتفاع القلاع والأهرام من ظلها الجنوبي لما تكون الشمس في الاعتدال. وأول من قرب القربان للهياكل وطهر الأرض والمدائن والمنازل الفيلسوف أثيميديس اليوناني. أول من اخترع عمل الفخار بالدولاب انخرسيس الفيلسوف اليوناني. أول من امتنع لتواضعه أن يلقب حكيماً فيثاغورس الفيلسوف اليوناني. أول من شهر علم الفلسفة بطريقة جلية في جميع اليونان دون غيره انكساغوراس الفيلسوف اليوناني. أول من أدخل فلسفة اليونان إلى رومية شيشرون الخطيب الروماني الشهير قبل الميلاد بقرن. أول من قال في الجاهلية أما بعد قس بن ساعدة أسقف نجران النصراني. وهو أول من اتكأ على عصا عند خطبته وأطال الكلام. وأول من وصف الخيل وأجاد بتشبيهاته امرؤ القيس من أصحاب المعلقات. وأول من لعب بالصقور الحارث بن معاوية بن ثور الكندي ملك كندة. وأول طبيب عند العرب الحارث بن كلدة الثقفي ثم ولده النصر. أول من سكن نجران يزيد بن عبد المدان من بني كهلان نزلها نحو سنة ٤٥٠ م. وأول من سمى اليوم السادس من الأسبوع الجمعة وكان يقال له العروبة كعب بن لؤي. أول من قال مرحباً وأهلاً سيف بن ذي يزن الحميري قالها لعبد المطلببن هاشم ما وفد إليه مع قريش لتهنئته برجوع الملك إليه. أول من خطب في الإسلام النبي عليه الصلاة والسلام. وهو أول من قال مات فلان حتف أنفه. وأول من أسلم خديجة زوجته. أول كتاب كتب في اللغة العربية بصدر الإسلام المصحف في خلافة أبي بكر لأنه أول من اعتنى بجمعه. أول من كتب في الإسلام علي بن أبي طالب. وهو أول من قال جعلت فداك. أول من قال أيدك الله وأطال بقاءك عمر بن الخطاب. وأول والٍ فرض له رعيته نفقته أبو بكر الصديق. وهو أول من سمي خليفة. وهو أول خليفة مسلم ولى غيره وهو حي. وهو أول من سمى القرآن مصحفاً. وأول من قال اجعل هذا الشيء بأجاً طريقاً واحداً عثمان بن عفان. وأول من قال فاض الميت شريح قال هذا حين فوضه. وأول من جمع الدجال مالك بن أنس فقيه المدينة بقوله: هؤلاء الدجاجلة. وأول خليفة بايع لولده في الإسلام هو معاوية بن أبي سفيان بايع لولده يزيد. وهو أول من وضع البريد، وأول من خطب جالساً على الأرجح. وهو أول من سمى الطيب غالية وأول من عمل المقصورة في المساجد. وأول من ضرب الدراهم والدنانير في الإسلام عبد الملك بن مروان. وأول من بنى المارستان في الإسلام ودار المرضى الوليد بن عبد الملك وعين له أطباء برواتب وحبس المجذومين وأجرى عليهم وعلى العميان الرزق. وأول من ضبط الحروف العربية بالنقط والحركات نصر بن عاصم بخلافة عبد الملك ابن مروان. وأول من اتخذ اللغة العربية في الدواوين بنو أمية. أول لحن سمع بالبادية هذه عصاتي وأول لحن سمع بالعراق حيّ على الفلاح. أول من سمي وزيراً في الإسلام أبو سلمة حفص بن سليمان الخلال الهمذاني استوزره السفاح في القرن الثالث للهجرة. أول من لقب أمير الأمراء في الإسلام ابن رائق أمير البصرة وواسط في القرن الرابع للهجرة وكان صاحب هذا اللقب يتولى رئاسة الوزارة والجند. أول من لقب بالصاحب من الوزراء اسماعيل بن عباد وزير مؤيد الدولة في القرن الخامس للهجرة. أول من التزم الصحيح من اللغة مقتصراً عليه الإمام أبو نصر اسماعيل بن حماد الجوهري في كتابه الصحاح. أول من وضع كتاب الأجناس في اللغة الأصمعي لأن التجنيس مولد وليس من كلام العرب. أول من ذكر أبنية الأسماء والأفعال فأورد للأسماء ثلاثمائة مثال وثمانية أمثلة سيبويه في كتابه المشهور. أول من نقل الخط من القلم الكوفي إلى الصورة المتعارفة ابن مقلة وزير المقتدر بالله. أول من وضع المثلث في اللغة قطرب من أهل القرن الثاني للهجرة. أول من تعمق بدرس كتب أرسطو الفيلسوف اليوناني وفسرها ونشرها بين العرب الفارابي. أول من تكلم بأصول الفقه واستنبطه الإمام الشافعي. أول من دعي بقاضي القضاة أبو يوسف القاضي من أهل القرن الثاني للهجرة وقيل ابن جنبة الأنصاري. وأول من غير لباس العلماء إلى زيه المعلوم عندنا اليوم أبو يوسف المذكور. أول خليفة لعب بالصولجان والكرة عند العرب هو هرون الرشيد العباسي. أول من عمل اسطرلاباً في الإسلام الفزاري زمن المنصور العباسي. أول من اشتغل بنقل العلوم إلى العربية خالد بن يزيد الأموي حفيد معاوية الأكبر في القرن الأول للهجرة. أول من مشت الرجال بين يديه بالسيوف المرهفة والأعمدة المشهورة والقسي الموتورة موسى الهادي العباسي في القرن الثاني للهجرة. أول رصد وضع في الإسلام بدمشق زمن المأمون العباسي. أول من كتب من العرب في السياسة المدنية أو الاقتصاد السياسي الفارابي ثم ابن خلدون في مقدمته. أول جمعية علمية فلسفية عند العرب جمعية إخوان الصفاء في بغداد في أواسط القرن الرابع للهجرة. أول من استخدم المرقد البنج في الطب العرب واستخدموا له الزؤان أو الشيلم. أول من استخدم الكاويات في الجراحة العرب وأول كتاب فيه ليوحنا بن ماسويه. أول من وصف الحصبة والجدري بكتاب هو أبو بكر الرازي. أول من أنشأ حوانيت الصيدلية واشتغل في تحضير الأدوية العرب. أول من استخدم الجيوب والأوتار في قياس المثلثات والزوايا البتاني الرياضي العربي. أول من استنبط الكرة البيروني الجغرافي العربي الشهير. أول من تناول الأرقام عن الهنود الخوارزمي فنسبت إليهم. أول من حسب فلك نجم المذنب على موجب قواعد تعليمية اسحق نيوتن الانكليزي في القرن السابع عشر. أول من استعمل الشاري قضيب الصاعقة فرنكلين سنة ١٧٥٩ م. أول من اكتشف الكينا رجل اسمه بليتيه سنة ١٨٢٠ م. أول من اكتشف التلقيح بالجدري ادورد جنر الطبيب الانكليزي سنة ١٧٩٦ م. أول من استعمل طوابع البريد الانكليز في لندن سنة ١٨٤٠ م. أول طابعة تيب ريتر صنعت في أميركا سنة ١٨٧٣ م. أول من اكتشف النيتروجين الدكتور روثر فورد سنة ١٧٧٢ م. أول من اخترع تذاكر البريد الدكتور هرمن الألماني سنة ١٨٦٩ م. أول جريدة عربية أنشئت في مصر تقويم الوقائع سنة ١٨٢٨ م. أول جريدة عربية أنشئت في الأستانة العلية مرآة الأحوال لرزق الله حسون الحلبي سنة ١٨٥٤ م. أول جريدة عربية أنشئت في سورية حديقة الأخبار لخليل الخوري اللبناني سنة ١٨٥٨ م. أول مطبعة عربية أنشئت في سورية مطبعة حلب الآرثوذكسية منذ مائتي سنة أي في أول القرن الثامن عشر للميلاد. سير العلم والاجتماع اللغة العثمانية معلوم أن اللغة التركية العثمانية اليوم مؤلفة من ثلاث لغات التركية الأصلية والعربية والفارسية وإن الألفاظ العربية في العهد الأخير كثرت فيها جداً حتى تكاد تجد في الصفحة الواحدة ثلاثة أرباعها من الألفاظ العربية وربما أكثر وقد شق هذا الأمر على إقدام إحدى جرائد الأستانة فقامت تطلب تصفية اللغة العثمانية من الألفاظ العربية وقد ردت الجرائد الأخرى على هذا الرأي ويفته وفي مقدمتها جريدة تصوير أفكار بقلم صاحبها أبي الضيا توفيق بك الكاتب المشهور فقال من مقالة له ما تعريبه: زعمتم أن يوسف الثاني ملك النمسا كان أخذ على نفسه نشر اللغة الألمانية بين المجر فانتبه المجريون لما يراد بلغتهم وأخذوا يطرحون منها الكلمات الزائدة من اللاتينية والألمانية فتم لهم أن يكونوا اليوم أمة وأن البلغار وإن كانوا في الأصل أتراكاً أبدلوا لما نزل قسم منهم أوروبا مذهبهم ولسانهم بالنصرانية والسلافية فغدوا ينظرون إلينا نظر الخصومة كأننا لسنا منهم وليسوا منا في شيء، ولكننا لو نظرنا إلى تاريخنا وكيف تألفت جنسيتنا لا نحتج بمثل هذه الحجج. فإنا لقوم الترك قد دفعتنا أيدي بكواتنا وأمرائنا وكنا عبارة عن ألف أو ألفينيمن الرجال اضطرتنا غارات جنكيز إلى الرحيل عن أوطاننا فجئنا إلى القرب من هذه العاصمة ونزلنا قصبة سكود ومنذ ذاك العهد حتى أواخر سلطنة سليمان القانوني أيام بلغنا غاية الغايات في فتوحاتنا ووصلت قوتنا إلى أرقى مراقيها أخذنا ننتشر في قارات الدنيا الثلاث الكبرى فجمعنا تحت لواء حكومتنا نحو عشرين إلى ثلاثين جنساً ومثل هذا العدد من الأديان والمذاهب حتى لقد استولينا أيضاً على جزء من بلاد المجر المبحوث عنها آنفاً. وإذ تعذر في العهد الأخير أن تتقدم سياسة التغلب إلى الأمام التي لم تكن مبنية على مقصد خاص على نحو ما كانت سياسة بطرس الأكبر امبراطور روسيا مثلاً ولما لم تكن سياستنا نتيجة فطنة وتأمل قائمة على أساس متينيانحلت عرى هذه الأجناس المتحالفة التي لم يدرك بادئ بدءٍ أن الضرورة تدعو إلى توحيدها لأدنى خلل عرض لقوة الدولة. ثم إن الرابطة التي تربطنا والشعوب الإسلامية ومن هم قوام روابطنا كالعرب والأكراد وبعض العشائر المغولية التي سقطت إلى هذه الأرجاء وتوطنت فيها ومن تركناهم ن أولاد الفاتحين ومن تفرقوا من المجاهدين اتباع بكوات الروملي فانتشروا في تلك الديار أن تلك الرابطة قد دعت إلى أن يمتزج هؤلاء بأهالي البلاد الأصليين أي بالبلغاريين والصربيين والارناؤد والبوشناق فأخذ هؤلاء يدينون بالإسلام حتى أصبح نحو نصف سكان تلك الأقطار الواسعة من المسلمين، واضطر أولئك المسلمون إلى تعلم أمور دينهم وبهذه الواسطة انتشر اللسان العثماني وتغلب الفكر الديني على الجنسي وأنشأ أولئك الشعوب يعتقدون بأن السلطنة العثمانية حامية الدين وسلامتها سلامة لهم في الدارين وبفضل هذا الاعتقاد غدا أهالي البوسنة المسلمون خاضعين للحكومة النمساوية وهم لا يقلون عن ٥١٠٠٠٠ نسمة ينظرون إلى النمسويين نظر الأعداء مع أنهم من عرق واحد، ومثل ذلك قل في البوماقيين والجناقيين وغيرهم من سكان بلغاريا ممن يرون السلافيين أعداءهم على حين هم وإياهم من أصل واحد ولا يستثنى من ذلك إلا الأرناؤد فإنهم في بلادهم يفضلون الجامعة الجنسية على كل جامعة فيدين المرء فيها بما يريد ولا من يسأله عن معتقده دان بالإسلام أو بالنصرانية لأن مسائل الاعتقاد من الأمور الوجدانية النفسانية ولكن يبقى للجنسية القول الفصل بينهم فإذا استباح حماهم أجنبي يقوم المسيحيون والمسلمون يذودون عن حياض بلادهم قومة رجل واحد بمعنى أنه لم تنشب قط ولا تنشب فتنة باسم الدين في بلاد الارناؤد فاللسان التركي الذي نستعمله منذ ستمائة سنة مؤلف من ثلاث لغات وقواعد صرفه ونحوه هي من الأصول المتحصلة من القواعد التي اقتبسها العجم عن العرب ولذلك أصبح لغة قائمة برأسها ولهجة خاصة بالعثمانيين فقط، وبقدر ما بين التركية الشائعة فيما وراء النهر والتركية المستعملة في آذربيجان والتركية التي يتكلم بها بعض الشعوب الأتراك في قافقاسيا والتركية المستعملة بين التاتاريين في القديم من الفروق فالفرق كذلك بين لغتنا ولغتهم. وبالجملة فإن ما فقدته الدولة العثمانية من أملاكها بعد دور الفتح من البلاد وما خسرته بعد عهد السلطان سليمان من النفوس مما لا يقل عن ثلاثة أرباع السكان وما نحن مضطرون ومفتقرون إليه من تعلم اللغة العربية التي هي لسان شريعتنا وعقيدتنا مع كل هذا هل جذب العربي التابع لنا التركي إليه وصبغه بصبغته أم نحن صبغنا العربي بصبغتنا، وما أدري كيف نشأ خيال الخوف من فقدنا وطنيتنا إذا لم تداركه بتصفية لساننا فقد رأينا جميع أبناء العرب النازلين في المدن والبلاد الواقعة بين الاسكندرونة وبغداد يتكلمون بالتركية ولقد أنسنا بشرف اللقاء في مجلس النواب بأناس من مبعوثي العرب يطلق عليهم لقب آغا ولكنهم يفوقون بفضائلهم وكمالهم كثيراً من وزرائنا فكان الحلبيون والرهاويون والعينيون أهل أورفه وعنتاب والمواصلة والكركوكيون والسليمانيون والبغداديون يتكلمون ويكتبون بهذه اللغة العثمانية الممزوجة من التركية والعربية والفارسية بلسان يشف عن فضل بيان وإحسان لا يضاهيهم فيهما إلا قلائل منا وما ذلك إلا أثر من آثار انتشار آداب التركية الجديدة بينهم لا التركية القديمة. وعاد الكاتب المشار إليه في عدد آخر يقول في الرد على مناقشيه: إن اللسان العثماني هو لسان الأمة التي أنشأت هذه الدولة العثمانية من الأتراك وغيرهم من الشعوب الذين اتحدوا معهم افترق كل الافتراق عن تركية الجغتاي لمقصد سياسي بل من الواجب عليه أن ينفصل عنها وذلك لاشتراك الشعوب الكثيرة التي دخلت دائرة اتحادنا فأنشئت هذه الهيئة الاجتماعية ولذا لا تجد حاجة لها أن تتخاطب وتتكاتب بألف باء أويغور وتركية ما وراءِ النهر. فما دامت ألف بائنا اليوم هي آلة الكتابة المشتركة التي اتخذها العرب وأضاف إليها الفرس أربعة حروف فعبروا بها عن لغتهم وما دمنا نرى من الواجب علينا أن نقلد العرب بسائق الدين ونقلد الفرس بسائق الأدب ونحن في حاجة ماسة إلى الأخذ من مؤلفات العرب والفرس والانتفاع بما خلفوه من علومهم منذ ألف وثلاثمائة سنة وما دامت مصنفاتنا العثمانية منذ ستمائة وخمسين سنة قد دونت من هذه اللغات الثلاث فنشأت عنها اللهجة العثمانية ما دام الأمر كذلك فنحن نأخذ في كل عصر من خزائن معارف هذه اللغات الثلاث ولا نتخذ عنها بديلاً، ولعمري ماذا نجني من الفوائد إذا قلدنا اليوم البخاريين والخوقنديين والكشغريين بلهجاتهم وكتابتهم ولكن هذه الشعوب إذا قلدتنا في لهجتنا تقترب من منهاج معارفنا فتستفيد من ذلك فوائد حسنة. مقاومة الكحول يشتد حملة الأقلام وأمراء البيان في الممالك الإفرنجية يوماً بعد يوم في مقاومة المسكرات وذلك بواسطة جمعيات نذر أعضاؤها على أنفسهم أن يقعدوا للمسكرات كل مرصد وقد كانت سويسرا من أول الأمم التي قاومت انتشار الابسنت منذ ثلاثين سنة فصدعت الحكومة هناك بأمر الشعب وإرادة الشعب حكم وعملت على ما اقتضاه منه المقاومون للمسكرات على كثرة خصومهم بادئ ذي بدء والموافقون على المنع رجال الصحة والأدب والجمعيات الطبية والسياسية والكنائس والأحزاب السياسية المتطرفة من كاثوليك وبرتستانت ولم يقف على الحياد في هذا الباب سوى الحزب الراديكالي. وقد سبقت فنلندا سويسرا في مقاومة المسكرات فأصدرت حكومتها أمراً منذ سنة ١٨٨٢ بمنع بيع المسكرات بالمفرق للناس والاتجار بها وجعلت بيعها بيد جمعيات تنفق ريعها على ما من ورائه فائدة عامة، وهذه الجمعيات تقاوم السكر بكل ما فيها من طاقة وتصد العامة من غشيان الفنادق وتدفعهم إلى الاختلاف إلى المطاعم الصحية التي لا تبيع المسكرات وأخذت تلك الجمعيات تدخل في دروس المدارس مضار المسكرات وتنفر الدارسين من تعاطيها، وحذت النمسا حذو الأمم العاملة على تقليل المشروبات فأنشأت جمعيات تصد العملة عن الشرب وأفلحت في تكثير سواد أفرادها وأنصارها وقد جعلت جمعية نقابات العملة شعارها: إن المشروبات الروحية منبع الأضرار العظيمة على طبقة العملة تسلبهم قواهم الطبيعية والعقلية اللازمة لهم في جهاد الحياة. وهكذا ترى الحال في معظم الأمم الأوروبية ولاسيما في الممالك الصغرى مثل السويد والنرويج والدانيمارك وهولانده والبلجيك وبلغاريا، وهذه الإمارة الأخيرة أخذت منذ أسست سنة ١٨٧٨ تقلد الأوروبيين في مناحيهم وأحبت مخالفة القواعد التي كانت مرعية فيها على عهد حكم العثمانيين عليها من وضع العقبات في سبيل المسكرات ولكنها عادت ففكرت في العاقبة حتى قل فيها تعاطي المشروبات كثيراً في البلاد التي تكثر فيها الكروم وأخذ البلغاريون يرددون المثل البلغاري السائر بينهم وهو أن الماء لا يقلق الرأس ولذلك جعلوا شربهم الماء الصرف وقد لا يتناولون المسكرات في بعض أعيادهم وهي لا تتجاوز الخمسة أو الستة أيام في السنة كلها. وانتبهت بعض ولايات أميركا الشمالية إلى مضار المسكرات فسنت منذ سنة ١٨٤٦ قانوناً لحظر بيعها بالمفرق ومن هذه الولايات كنساس وميسيسيبي وألاسكا وغيرها وقد عادت بعض الولايات أيضاً بعد أن رأت فائدة المنع مثل ولايتي الأباماوجيورجيا فسنت قانون الحظر لتنقذ سكانها السود من الموبقات وسكانها البيض ولا سيما النساء من اعتداء الزنوج عليهن وبذلك أخذ يقل توقيف المعربدين والجناة شهراً عن شهر في تينك الولايتين قلة محسوسة. أما المملكة العثمانية فمع أن دين حكومتها هو الإسلام والإسلام أشد الأديان في حظر المسكرات فتراها أمس واليوم تشدد على المسكرات طاهراً ويهمها في الباطن ولاسيما قبل أن تكون دستورية ترك الأمور لطبائعها حتى تستفيد الديون العمومية من رسوم المسكرات، ويا حبذا لو فكر مجلس الأمة في سن قانون شديد للمشروبات الروحية والإكثار من الرسوم عليها إكثاراً لا يستطيع معه حتى الأغنياء تناولها وبذلك تنتفع البلاد نفعاً تقدره قدره بعد سنتين عندما يصبح معظم أبنائها متعلمين مهذبين بفضل التعليم الإجباري، وبعد تعريب ما تقدم منعت الدولة العلمية دخول الالكحول التي تعمل من غير العنب إلى بلادها وأن لا يدخل إليها من الالكحول اسبرتو إلا ما كان ممزوجاً ببعض الأجزاء فيستعمل في بعض الصناعات فحبذا يوم تمعنه على اختلاف ضروبه. الإعلانات يؤكدون أن الولايات المتحدة تنفق في السنة ٢٥٠ مليون ليرة على نشر الإعلانات حتى أن بعض أصحاب معامل الصابون ينفقون كل يوم على إعلاناتهم ٢٥٠ ليرة وقد أرسل أحد المخازن مؤخراً إلى زينه قوائم ببضائعه عدد صفحات كل قائمة ألف صفحة ووزنها ثلاث ليبرات فكان ما كلفه ذلك أجرة نقلها في البريد فقط ٦٤٠ ألف دولار أو ١٢٨ ألف ليرة انكليزية، وقد أنفق أحد أصحاب معامل الأمواس هذه السنة خمسين ألف فرنك زيادة عن السنين السالفة لنشر إعلاناته فباع ستة ملايين موسى زيادة عن القدر الذي كان يبيعه في الأعوام الماضية. الصحة في أسوج ونروج أهل المماليك الصغرى في أوروبا من أسعد الناس حالاً وأنعمهم بالاً، فترى نروج متقسمة إلى مناطق طبية ولكل مقاطعة طبيب تعينه الحكومة وتدفع إليه راتبه وفي كل مديرية مجلس صحة يرأسه مفتش صحة وطبيب له سلطة تامة على المديريات والأفراد ويلقنون الطفل في المدرسة مبادئ حفظ الصحة فيجد فيها التلميذ حمامات ورشاشات دوش، وجميع الأمة تعتقد بتأثير المكتشفات العلمية والطبية وكلها تقوم بالواجب في أي مكان كان والناس يقومون أحسن قيام بالتدابير الصحية دون أن يتأففوا أو يحالوا التملص منها، وقد كان معدل الوفيات في أسوج ٧ و ١٧ في الألف سنة ١٨٨١ فنزل سنة ١٩٠٦ إلى ٣ و ١٤ ومعدل وفيات الأطفال ٧ و ١١٢ في الألف فنزل إلى ٨٣ وكان عدد سكان أسوج سنة ١٨٨١ — ٤٥٧٢٢٤٥ فأصبح سنة ١٩٠٦ — ٥٣٢٧٠٥٥ ، وكان معدل الوفيات في نروج ١٦ في الألف سنة ١٨٨٠ ووفيات الأطفال ٩ و ٩٥ فنزل سنة ١٩٠٦ إلى ٥ و ١٣ في الألف و ٤ و ٦٩ في الأطفال وبعد إن كان عدد سكانها سنة ١٨٨٠ — ١٩٠٨٥١٢ أصبحوا سنة ١٩٠٦ — ٢٢٩٦٣٠٠ كل ذلك بالمحافظة على الصحة على ما يوجبه الشرع والعقل. العطورات والأخلاق جاء في إحدى المجلات الافرنجية: الظاهر أنه تمكن معرفة أخلاق الناس من الطيوب التي يستعملونها حتى أصبح الآن من القواعد النفسية الجديدة قولهم: قل لي كيف تتطيب حتى أقول لك من أنت كما قالوا قل لي من تعاشر لأقول لك من أنت كلما قوي الشعور في الأعصاب الشامة كانت طبيعة المرء مهمة وعقله حصيفاً ولطيفاً فروائح الطيب الهندي والرائحة المعروفة برائحة قبرص وجلد إسبانيا وكلها مما لا يحمد أمره لأن مستعمليها يكونون من أرباب التأثر والهذر والرفاهية يصابون بكسل مزمن في عقولهم ويميلون إلى الإسراف ويستمدون للسمن، أما المولعون بعطر المسك فهم من فطرة أحط من أولئك أيضاً ويعرفون بالبلادة والتوحش على أن استعمال عطر المسك مع عطر آخر يدل على عقل راق، وفي العادة إن المولعين بعطر البنفسج من المستنيرين الذين يحبون الجمال على اختلاف مظاهره ولكن من يستعملون ماء الكولونيا يفوقون غيرهم بكثرتهم ووفرة فضائلهم، ويصعب إعطاء صفة لمستعملي عطر الكوريلبسيس الياباني لأن طبائعهم غريبة يجمعون إلى حب الغرائب فطرة خبيثة قد تكون نائمة في نفوسهم فلا تلبث أن تنبعث في حالة غير منتظرة وتظهر متجلية كالشمس في رابعة النهار. هبات الأميركيين بلغ ما جادت به نفوس المحسنين وأغنياء الأميركان منذ الحرب الأهلية حتى الساعة بليون ريال على أقل تعديل جادوا بها على إقامة المدارس والمكاتب والمستشفيات غيرها من الأعمال العلمية والخيرية العامة، ومن أوائل المحسنين المستر سلاتير وهب مليون ريال لتهذيب الزنوج والمستر بيبادي وهب كثيراً من ماله فمنح دفعة واحدة خمسة ملايين ريال لتصرف في سبيل التعليم، ومن محسنيهم المستر ليلاندستانفورد أنشأ جامعة كبيرة فمنحها دفعة واحدة عشرين مليون ريال، ومن محسنيهم أو محسناتهم مسز اليصابات اندرسون ومسز رسل ساج ومنهم مورغان وكارنجي وروكفلر فهبات الأول مكتومة وإن كان يعرف منها الشيء الكثير وبلغت هبات الثاني مئة مليون ريال وهو عاقد العزم أن يوزع ثروته البالغة ثلاثمائة مليون في الأعمال التي يعود نفعها على مجموع امته وجاوزت هبات الثالث مائتي مليون ريال، يجودون بأموالهم التي اكتسبوها في الغالب من التجارة والاقتصاد من الأمة التي كان بعض أفرادها خداماً لهم وأعواناً على إثرائهم وذلك على طريقة لا تدخل الكسل على الناس بل على العكس تدعوهم إلى اقتفاء آثارهم والائتمام بهديهم ولطالما سمعنا أن فلاناً يجود بمبلغ كذا إذا جاد الناس بمثله فلا يلبث المبلغ المطلوب أن يجمع فيدفع الكريم ماله راضياً، ولو جمع ما جاد به هؤلاء الأغنياء وأمثالهم على المعاهد العلمية والصحية فقط خلال الأربعين سنة الأخيرة لا بتيع به ممالك كبرى من ممالك الشرق ولاحتقر الشرقي نفسه وأمته ونعى فقرها المدقع وجهلها المطبق. كليات إيطاليا نشرت مجلة التعليم الدولية إحصاءً بكليات ايطاليا السبع عشرة وما فيها من الطلبة فكان مجموع من في كلية نابولي ٥٨٥٦ طالباً منهم من يدرسون العلوم ومنهم الطب وبعضهم الصيدلة وفي كلية رومية ٣٠٦٩ وفي تورين ٢٠٨٣ وفي بولونيا ١٦٩٥ وفي بافيا ١٣٦٠ وفي بادو ١٢٩٩ وفي بيز ١١٨٦ وفي بالرمة ١١٣١ وفي جين ١٠٩٥ وفي كاتان ٨٤٢ وفي بارم ٥٣٢ وفي مودين ٤٣١ وفي ماسراتا ٣٥٦ وفي كاكلياري ٢٤٥ وفي سين ٢٤٠ وفي ساساري ١٩٨ وإذا أضفنا إلى هؤلاء التلامذة مجموع ما في الكليات الحرة وهي كامارينو وفرار وبروز واورين يبلغ مجموع الطلبة في الكليات الإيطالية ٢٤٦٤٤ منهم ٤٣٥٦ في الطب و ٣٣٢٢ في العلوم و ٢٢٧١ في الصيدلة. الأمويون والعباسيون القي رفيق بك العظم خطبة في نادي دار العلوم في القاهرة في أسباب سقوط الدولة الأموية والعباسية قال فيها: كان الأمويون شديدي الحذر من آل علي كما ذكرنا وكان هؤلاء بعد نكبتهم في خلافة يزيد قليلي الجرأة على الظهور لشدة العمال عليهم ومراقبتهم لحركاتهم وسكناتهم ولأن الخلفاء من بني أمية كانوا مع شدة حذرهم منهم يراعون مكانتهم ويحسنون إليهم فلم ينزع أحد منهم إلى الخروج عليهم لضعفهم إلا زيد بن علي فقد خرج في خلافة هشام فقتل في الكوفة وقتل ابنه يحيى في خراسان أما تميم أبي هاشم فقد كان بأمر سليمان بن عبد الملك لأنه خاف جانبه لما رأى فيه من النجابة والذكاء. وربما كان هناك سبب آخر لضعف آل علي من بني فاطمة وهو أن الذين بقوا منهم أحياء بعد نكبتهم في كربلاء كانوا أطفالاً لا يصلحون لقيادة الناس فالتف الشيعة حول محمد بن علي المعروف بابن الحنفية من غير ولد فاطمة وهكذا ساقوا الإمامة في بنيه من بعده كما ساقها غيرهم إلى بني فاطمة أيضاً وانتقلت من ثم إلى أبي هاشم إلى بني العباس. لا جرم أن سليمان بن عبد الملك جنى على دولته بقتل أبي هاشم لأن آل علي كانوا لشدة ما عانوا من المراقبة والاضطهاد شديدي الحذر بطيئي الخطى في الوثوب على الخلافة الأموية والظهور لمنازعة الأمويين عليها فتلقى العهد بها آل العباس وهم بعيدون عن سوء الظن والمراقبة لم يعانوا مشاق الدعوة ولم يذوقوا طعم الاضطهاد فيخافون الوقوع فيه: ولذا ما لبث أن عهد إلى محمد بن علي بالأمر حتى نهضوا بأعباء الدعوة بجرأة عظيمة وكان لابراهيم بعد موت أخيه محمد ما كان مع أبي مسلم بتفويض أمر الزعامة إليه وقيام هذا بث الدعوة أحسن قيام حتى استفحل أمرها وظهرت على خصومها. أحس الأمويون بهذا الخطر السريع فبادروا ابراهيم الإمام بالقتل فنهض أبو العباس السفاح بعد قتل أخيه ابراهيم وعاجل الأمويين بالوثوب عليهم قبل أن يدب الفشل في أهله وشيعته منتهز الفرصة وقوع الشقاق بين الأخوة وأبناء الأعمام من آل مروان وتلظى المملكة الأموية بنار الفتن وظفر بما أراد وقضى على دولة الأمويين في المشرق فذهبت كأن لم تكن بالأمس. على أن ظفر العباسيين على هذا الوجه وبهذه السرعة له بواعث وأسباب أخرى كاختلال نظام الدولة وغيره أرى أن ألم بها على قدر ما يمكنني من الاختصار. تعلمون أن الدولة تموت برجل وتحيا بآخر وأن الرجال في الدول قليل والدولة الأموية لما فقدت رجلها فقدت جانباً عظيماً من قوتها وأعني بأولئك الرجال الرجال المخلصين الذين يخدمون الدولة بمنتهى الصداقة بقطع النظر عما ينسب إلى أفراد منهم من القسوة فيتهمونهم من أجل ذلك بالظلم إذ الرجال يصطبغون بصبغة الدولة ويتشكلون بشكلها والدولة الأموية لما كانت دولة مطلقة لزم أن يسير عمالها على سننها. من رجال الدولة الأموية المخلصين، موسى بن نصير، والحجاج بن يوسف، وخالد بن عبد الله القسرى، ويزيد بن المهلب، وقتيبة بن مسلم وإضرابهم ومن خطاء الخلفاء الأمويين أنهم لم ينصفوا أمثال هؤلاء الرجال فأحرجوا من أحرجوه منهم حتى أخرجوه فقتلوه كخالد بن عبد الله وقتيبة بن مسلم ويزيد من المهلب الذين ذهبوا ضحايا سوء التفاهم، وموسى بن نصير الذي زج به في السجن في نظير فتحه الأندلس ومات أقبح ميتة ففقدت الدولة بفقد هؤلاء الرجال وأمثالهم جانباً لا يقدر من قوتها وأخذت تنحط من ثم هيبتها أما الحجاج فموته في الحقيقة مبدأ افول نجم الدولة الأموية لأنه كان يدها التي بها تضرب وعينها التي بها تبصر فإنه بعد أن أخمد لهم فتنة ابن الزبير كان والياً على الكوفة واليه ولاية خراسان وكلا المكانين عش الفتنة ومنبع الدعوة الأمامية ومع هذا فقط ضبط البلاد وأرهب ببطشه المنازعين للدولة والنازعين إلى الشغب، وأحسن في انتقاء العمال والقواد فامتد ملك الأمويين على عهده إلى كابول من بلاد الأفغان شرقاً والتركستان الصينية شمالاً ولو وجد بعده من يخلص من الولاة للدولة إخلاصه ويكون في مثل حزمه وعزمه لطال عمر الدولة الأموية بلا ريب. ولعل نوابغ الرجال يكثرون في مبدأ نشوء الدولة وإن كانت هذه النظرية تحتاج إلى تمحيص. ومما ساعد أيضاً على اختلال نظام الدولة الأموية تباعد أطراف المملكة بما صار إليهم من الفتح إلى عهد هشام بن عبد الملك إذ اتسعت دائرة ملكهم إلى ما لم تبلغه قبلهم غير دولة الرومان. فما بين النهرين المعروف بالجزيرة وإيران وقسم من الأفغان والتركستان والتبت والقوقاس وأرمينيا وشبه جزيرة العرب وسورية ومصر والمغرب والأندلس كل هذه الممالك دخلت في حوزتهم وأصبحت خاضعة لسلطانهم، وضبط مثل هذا الملك المترامي الأطراف مع صعوبة المسالك والمواصلات لذلك العهد متعذر جداً ولاسيما على أمة حديثة عهد في سياسة الأمم، ولذا فقد كانت الفتنة في طرف من أطراف المملكة بين الجنود والأمراء المتنازعين على الولاية وتنتهي بقتل وال وقيام غيره وربما انتهت بغلبة المشاغب أو المتنازع وضم البلاد إلى حوزته واستقلاله بالولاية عليها دونه وفصلها عن جسم الدولة والخليفة لا يعلم ذلك أو لا تصل قدرته إلى إخماد نار الفتنة في تلك البلاد النائية. مثاله ما وقع في المغرب في خلافة الوليد بن يزيد سنة سبع وعشرين ومائة إذ تنازع عبد الرحمن بن حبيب من ولد عقبة بن نافع الفهري فاتح إفريقيا مع حنظلة بن صفوان وإلى إفريقيا فكانت الغلبة للأول واستأثر بالسلطة على البلاد وبقيت إفريقيا مستقلة عن الخلافة الأموية حتى قيام الدولة العباسية. ومثل هذا وقع في الأندلس وفي بعض الأطراف السحيقة ولا يخفى ما في هذا من الوهن والخطر على المملكة. ثم إن من الامور الثابتة في الاجتماع أن الدول الحربية الفاتحة لا تزال في أفق مجدها ما دامت على جانب الخشونة وما دام الراعي والراعية مترفعين عن الانغماس في الترف والاستغراق في ملاذ الحضارة، وقد عرفنا هذا في كثير من الدول البائدة كدولة اليونان وخلفاء داراً والاسكندر أي البطالسة والرومان حتى لقد قال مونتسكيو في تاريخه أسباب صعود الرومان وهبوطهم: إن دخول الرومانيين إلى الشام كان مبدأ ضعفهم بسبب ما كان متسلطاً على أهلها وملوكها من الرخاوة والترف. والدولة الأموية إنما هلكت في نفس تلك البيئة التي هلك بها الرومان من قبل وبعد أن حافظت على خشونتها الأولى إلى خلافة هشام بدأت في خلافة الوليد بن يزيد المعروف بالتهتك تنحط عن خشونتها التي عرفت بها وأخذ الخلفاء من ثم يميلون إلى الترف والراحة والاستغراق في الملاذ تبعاً لأحوال البيئة التي نشأوا فيها وهذا بالضرورة كان من الأسباب التي عجلت على دولتهم يضاف إليه انقسام العرب في خراسان التي هي منبع الدعوة العلوية والعباسية إلى مضرية ويمانية وتنازع رؤسائهم على الولاية في إبان استفحال الدعوة. مثاله ما وقع بين الحارث بن سريج والكرماني وبين هذا وقحطبة وبينهما وبين نصر ابن سيار حتى ملت نفوس العرب هذه الحال وسئمت ممارسة الحرب ورأوا أنفسهم اتباع ضحايا لقحطان وعدنان تزهق في سبيل المتنازعين على الخلافة من قريش حتى قال قائلهم: تولت قريش لذة العيش واتقت بنا كل فج من خراسان اغبرا فليت قريشاً أصبحوا ذات ليلة يعومون في لج من البحر أحضرا لا جرم أن الذي بث روح الشقاق بين العرب في خراسان إنما هم أهل الدعوة الهاشمية ٣ من علويين وعباسيين والذي أنجح قصد أبي مسلم في نشر الدعوة العباسية وقلب الدولة الأموية تواطؤ سكان البلاد الأصليين على قهر الأمويين وفل عصبيتهم العربية وقد عرف ابراهيم الإمام منازع الفرس وعلم أن دولته تقوم بغير العرب من الناقمين منهم وأن العرب شديدو العصبة للأمويين لاصطباغهم بالصبغة العربية الخالصة فكتب فيما كتب إلى أبي مسلم أن لا يبقي على عربي في خراسان أن استطاع فجعل رجال الدعوة يضربون العرب بعضهم ببعض لأن قسماً كبيراً منهم ممن نقم من الأمويين قبل الدعوة وصار من القائمين بها العاملين على تشييد دعائمها تعبداً واعتقاداً. هكذا أثمر الغرس الديني الذي غرسه قبل ذلك بقرن ابن سبأ وإضرابه من الموالي الناقمين من الدولة السائدة واستحال على العرب في المشرق استبقاء السلطة خالصة لهم دون الأمم الأخرى المحكومة منهم وقد جرت سنة الوجود هذا المجرى في كثير من الأمم من قبل. قال مونتسكيو: اقتضت الحكمة الإلهية أن يكون للمالك حدود طبيعية تمسك باعنة الملوك عن تجاوز هذه الحدود وتعدي بعضهم على بعض ولما تجاوز هذه الحدود الرومانيون أهلكهم البرث أي قدماء الفرس وبددوا شملهم ولما تجاوزها البرث أنفسهم اضطروا لأول أمرهم للرجوع إلى أراضيهم. وأقول أن العرب أصيبوا بما أصيب به الرومان والبرث وطبائع الاجتماع تعذر أولئك الأقوام على ما فعلوه مع العرب وحسب العرب أن نشروا بينهم دين الإسلام فلا مؤاخذة ولا ملام ولاسيما أن الإسلام يرمي بطبيعته إلى محو الحدود السياسية والجنسية بين الشعوب كما ترمي إلى مثل هذا مبادئ جماعات السوسيا لست أو الاشتراكيين أو الاجتماعيين لهذا العهد. ورب قائل يقول أن هذا الانقلاب أي انقلاب الدولة الأموية إلى عباسية لم تكن نتيجته كلها كما يريد أولئك الأقوام المغلوبون للعرب إذ دولة الأمويين عربية قرشية ودولة العباسيين ليست كذلك. الجواب على هذا يأتي من وجهين، الوجه الأول، إن أمم المشرق لذلك العهد قلما كانت تقدر قيمة الحرية الكاملة لفنائها في وجود زعماء الاجتماع الشرقي أو كما قال مونتسكيو أن أمم آسيا لم يكن ميلهم إلى الحرية كميل أمم أوروبا إليها اليوم أي لعهده ٤ ليحملهم على الخروج من الأسر والاستعباد وإنما كان ميلهم إلى تغيير الملك ولا صبر لهم على بقائه طويلاً. وسواء صحت هذه النظرية أو لم تصح فإنه يجوز لنا تطبيقها على الأمم التي دخلت تحت حكم العرب لذلك العهد باعتبار أن الإسلام جمع بينهم جميعاً فلا فرق عند الفرس وغيرهم أن يكون الخليفة أو الملك عربياً أو غير عربي ما دام الملك آئلاً إلى غير الدولة التي نقموا منها وما دام مصير أكثر السلطة إليهم بعد فل حد العصبية العربية التي كان قائمة في دولة الأمويين متسلطة بقوتها على كل شيء. وقد كان ما أرادوه بقيام الدولة العباسية التي لم يكن لها من العربية إلا الاسم وهي مصطبغة بالصبغة الأعجمية مشتبكة مع العناصر الأخرى بالنسب والصهر مشاركة لهم بمصالح الدولة. هذا الوجه الأول أما الوجه الثاني فانتظار النتيجة الطبيعية لمثل هذا الانقلاب ولوفي المستقبل البعيد وتلك النتيجة هي أن اصطباغ الدولة أو الأمة السائدة بصبغة أهل البلاد يحيلها مع الزمن إلى عنصر هذه الصبغة والعكس بالعكس إذ من الشعوب من اصطبغوا بصبغة العرب بعد الفتح فاندمجوا فيهم ومن الشعوب من اصطبغ العرب بصبغتهم فاندمج هؤلاء فيهم وهذا ما وقع لسكان آسيا الوسطى بعد قيام الدولة العباسية ثم سقوطها وقيام غيرها من الحكومات الوطنية على أنقاضها وهكذا رأينا دولة الفرس وغيرها من الدول الإسلامية ديناً المختلفة جنساً قد عادت إلى أصلها وهي قائمة إلى الآن وستبقى قائمة عزيزة الجانب منيعة الجناب إلى الأبد إن شاء الله. وهكذا نرى الخلافة الإسلامية التي من أجلها أو باسمها تلك الدماء الغزيرة صارت إلى غير العرب اليوم وفي دولة هي أعز دول الإسلام مكاناً وأجدرها بحفظ بيضة الخلافة ولم يمنع الذين أن تكون أن تكون إليها الخلافة كما لم يمنع أن تكون فيمن يقع عليه اختيار الأمة ورضاها في عهد الصحابة الكرام ولو من غير بني هاشم والتاريخ يعيد نفسه. أما ما يقوله بعض المؤرخين من ظلم الدولة الأموية ويعزى إليه دمارها فمبالغ فيه وما كان منه صحيحاً فهو في نظري ثانوي بالنسبة للأسباب التي ذكرتها وتكاد تكون نتائجها طبيعية وليس من دولة في الأرض قائمة بالعدل المحض حتى الدول المقيدة ناهيك بالمطلقة. ومن قال أن دولة الأمويين كانت ظالمة وأن ظلمها هو الذي جر عليها الدمار فجاهل بأحوال الاجتماع أو متعصب لدولة أخرى ولو طولب بالدليل على أن الدول التي قامت دولة الأمويين على أنقاضها كالفرس والروم والغوط وغيرهم كانت أعدل منها لما استطاع إليه سبيلاً. والحقيقة أن الخلفاء الأمويين كانوا أشداء على خصومهم دون سائر الناس وكانوا في منزلة من العناية بالرعية والاهتمام بالعدل بين الناس فوق منزلة كثير من الحكومات المطلقة وحسبك أن أشدهم قسوة وهو عبد الملك بن مروان استهل وصيته لابنه الوليد حين الاحتضار بقوله: يا وليد اتق الله فيمن أخلفك فيهم، والشواهد على مثل هذا كثيرة لا يسعها المقام وحسب تلك الدولة فضلاً فتوحها العظيمة التي سودت دين العرب ولسانهم على أحسن أجزاء المعمور إلى اليوم وتلك الأيام تداولها بين الناس اهـ. التماسيح المقدسة اعتاد بعض الآسيويين أن يعبدوا بعض الحيوانات المفترسة معتقدين أنها تحفظ في جسمها أرواح من افترست، وما زال هذا المعتقد شائعاً في الهند وفي شبه جزيرة مالقه، والزحافات في الأكثر هي التي تعبد من دون سائر الحيوانات ولاسيما إذا كانت طويلة كالتماسيح المقدسة التي تعيش في الأقاليم ذات البطائح ولكثرة اختلاف الناس إلى زيارتها تأنس بهم وتعتاد الخروج من الماء إذا ناداها الكاهن بدون أن تذعر فيناولها قطعة من اللحم وتبدي الدلال والتجني والناس مجتمعون عليها وربما رسموا عليها صوراً ورسوماً، وعند قيل راجبوتانا في الهند عدة تماسيح مقدسة يربيها في قصره وقد أنشأ لها غديراً كبيراً تشرب منه وتتمدد فيه ومئات من الهنود يأتون إلى زيارتها كل يوم ويتبركون بها. تراجع الكثلكة وضع يوسف كاب الفرنسيسكاني تقريراً في حالة المؤمنين بالمذهب الكاثوليكي وغير المؤمنين به فقال أنه يقل القائلون بمذهب كنيسة رومية منذ سبعين سنة وأن جماعتها لا يخرجون من دينهم علناً بل لا يهتمون لأوامره ونواهيه فكأنهم بذلك خرجوا ضمناً وأن لم يخرجوا علناً، وأكد أن من ضعف إيمانهم هم خمسة ملايين نسمة في ألمانيا وأربعة في النمسا والمجر وخمسمائة وخمسون ألفاً في أوستراليا ومليونان ونصف في البلجيك وسبعمائة ألف في كندا وأربعة ملايين ونصف في إسبانيا والبرتغال وأربعة عشر مليوناً في الولايات المتحدة وثمانية ملايين في أميركا الجنوبية وثلاثة وعشرون مليوناً في فرنسا ومليونان وربع في بريطانيا العظمى وستة ملايين في إيطاليا وثلثمائة ألف في بلاد القاع هولاندة وستة ملايين ونصف في روسيا ونصف مليون في سويسرا أي أن المنحلين من الكثلكة بلغوا ثمانين مليوناً من أصل مائتي مليون. المضغ سأل أحدهم الوزير غلادستون وهو في الثامنة والثمانين من عمره ما هو سر طول حياتك فقال له: إنني أمضغ مضغاً جيداً كل ما أتناوله من الطعام وجودة المضغ في الحقيقة من الشروط الجوهرية في الهضم وبدونها يختل نظام الصحة، وليس المصابون بسوء الهضم في العادة إلا اكولين اعتادوا أن يقطعوا الأطعمة ويبلعوها بدون سحقها بأضراسهم سحقاً كافياً وما خلقت أضراسهم إلا لتمضغ الطعام فيتعبون معدهم ويوسدون لها عملاً ليس من شأنها فيعرضونها للتمرد والإمساك والتهاب الأحشاء وهي أسباب الألم فينبغي لهم من ثم أن لا يلوموا فيه إلا أنفسهم، فتعلم إجادة المضغ من الضروريات للعالم أجمع ومن لا يمضغ يسيء الهضم ومن يسوء هضمه يعرض نفسه للمخاطر، وللمضغ قواعد أولاً التأني فبدلاً من أن يقضم الطعام قضماً ويخضمه فيجعل لقمة واحدة بحسب الإقلال منه وتجزئته أجزاءً صغرى ما أمكن وتخميره وتليينه باللعاب وإحالته كتلة تجعل على اللسان بحيث يسوغ بلعه بدون جهد، وهذا من العادات التي يجب اتباعها وهي لا تتوقف إلا على قليل من العناء بادئ بدءٍ وشيءٍ من الانتباه حتى لا ينسى الآكل ما هو آخذ بسبيله. وقد قال غلادستون أيضاً: تكلم قليلاً خلال الطعام أو حافظ على السكوت كل المحافظة وعدّ بروية عدد المضغات وهي تختلف باختلاف الأطعمة ولا تبلع إلا بعد هرس الطعام هرساً شديداً بحيث لا تحرك ماضغيك فقط بل شفتيك وخديك وإذا بدأت فحدق النظر في ساعتك وامعن نظرك في الإبرة التي تدل على الثواني، وبعد بضعة أيام تعتاد هذه الطريقة التي يجب عليك المحافظة عليها كل المحافظة. وقصارى القول إن الواجب إحالة الطعام إلى حساءٍ إذا مزج باللعاب تتحد أجزاؤه وهذه أفضل طريقة لمعرفة ما يتناوله المرء ويذوقه، ومن المعلوم أنه يجب بذل العناية. عادة المضغ بتناول ما يوافق المعدة من الأطعمة فلا يؤخذ منها الصلب وما يصعب خضمه وقضمه والأحسن اختيار اللحوم والبقول الطرية، وما المعدة إلا خادمة أمينة إذا لم تكلف شططاً وما يكون منافياً للصحة وكم من أناس يعبثون بمعدهم بإكراهها وإضرارها، وقد أصدر الحكام المسيطرون على مراقبة المدارس الأميركية أمراً يوعزون به للمعلمين والمعلمات في المدارس أن يعلموا الأولاد كيفية الأكل ولا يغفلوا عنهم خلال المائدة وأن لا يسمحوا لهم بالحياد عن قوانين الصحة وأن يضطروهم إلى إجادة المضغ وهذه من أفضل الطرق التي يجب على المدارس والبيوت أن تحافظ عليها. كتب التبت المقدسة أوسع الكتب المقدسة هي على التحقيق كتاب أهل التبت فإنه بلغ ٣٢٥ مجلداً والتبت دانت بالبوذية التي أتتها من شمالي الهند نحو القرن السابع للميلاد فترجم علماء التبت في مئة مجلد كتاب ماهايانا المقدس ثم أضيفت إليه الشروح والحواشي على العادة في خدمة الكتب المقدسة حتى بلغ ٣٢٥ مجلداً وفي كل مكتبة الأمة بباريز ومكتبة بطرسبرج ومكتبة لندرا نسخة من هذا الكتاب. الإسلام في ألمانيا أنشأت البعثة الشرقية الألمانية في بوتسدام مدرسة دينية لدرس دين الإسلام خاصة وسيكون موضوع المحاضرات التي ستلقى هذه السنة في المدرسة على اللغة العربية والفارسية والتركية وفي القرآن والفقه وأصول الشعوب الإسلامية في السياسة وفي الإسلام والشرق القديم وقد اختارت المدرسة ثلاثة من المشايخ لتدريس هؤلاء المستشرقين ما يلزمهم من أصول اللغة والدين. نقود الورق بلغت نقود الورق التي يتعامل بها في الولايات المتحدة ٢٤٢٠٣٤١ دولاراً منها ما قيمته عشرة ريالات ومنها خمسة ومنها عشرون ومنها ألف ريال ومنها عشرة آلاف ريال وهي أكبر ورقة وقد ضاع أو تمزق من هذه الأوراق النقدية ما قيمته مليون دولار. صحة الأطفال قالت مجلة الكورسبوندان : رأت نيويورك منذ عشر سنين أن معدل وفيات الأطفال فيها ٢١٤ في الألف فوفرت العناية بالصحة حتى نزل معدلهم اليوم إلى ١٤٤ أي إلى نحو الثلث وقد عمدوا إلى طرق ثلاثة في هذا الشأن أولها اختيار اللبن الجيد الطاهر وتنزيه المرضعات في الهواء الطلق والخلاء ومراقبة الحبالى من النساء فكانوا يأخذون المرضعات من البيوت الضيقة القذرة في تلك العاصمة حيث تزدحم أقدام السكان من الفقراء وتضيق بها أنفاسهم ويبعثون بهن إلى الضواحي ولاسيما إلى ضفاف نهر الهودسون والنهر الشرقي وإلى مستشفيات الساحل ومراكب المستشفيات التي تطوف البحار وتنزه المرضعات والأمهات ويعلمنهن مدة تجوالهن دروساً في صحة الأولاد ومتى شعرت إدارة الصحة بأن امرأة حامل تحملهن على العناية بصحتهن وعلى الاهتمام بها وذلك قبل أن يضعن حملهن بستة أشهر. المنتحرون بلغ عدد المنتحرين في ألمانيا منذ تأسيس الامبراطورية الألمانية إلى اليوم ٣٨٠ ألفاً وقد كثر عدد المنتحرين سنة ١٩٠٧ فكانوا ٩٧٥٣ رجلاً و ٣٠٢٤ امرأة. وفي كل مئة ألف من أهل فرنسا ينتحر ٢٣،٨ وفي المئة ألف في سويسرا ينتحر ٨،٢٢ ثم تجيء الدانيمرك ٢٢ وألمانيا ٢٠،٢ ثم تأتي بريطانيا العظمى وسائر ممالك أوروبا بقلة المنتحرين فيها وفي اليابان ينتحر ١٧،٩ في كل مئة ألف أما بلاد النروج فمعدل المنتحرين فيها ٥،٥ في المئة ألف وهي أكثر البلاد ميلاً إلى الدعة وقلة القنوط. التربية والدين تساءلت إحدى المجلات العلمية عن كيفية تربية الولد على مبادئ الدين أو تركه غفلاً منها واستشهدت على ذلك بأقوال المفكرين وعلماء الأخلاق والتربية فقد فضل الفيلسوف تولستوي أن ينشأ الولد على الجهل بتلقينه الدين كما هو الحالة الآن على أن يعلم ديناً مملوءاً بالأكاذيب قال إننا لا نلاحظ هذا الغلط بل إن الأولاد يشعرون به وهذا التعليم يشوش الفكر وقال الين كي بحذف الدين من المدرسة ولكن يجب على الوالدلين العقلاء أن يشرحوا لأولادهم التوراة والإنجيل وذهب كارل روتجر مذهب روسو في أن الواجب عدم ذكر الله للأولاد حتى إذا شبّ يصبح مسيحياً حقيقياً وأوصى كوبو بأن يلتزم الآباء الامتناع عن الأسئلة الدينية ويعلمون أن كل ما يحبون الاطلاع عليه من مختلف المعتقدات وينبغي للآباء أن لا يحاذروا إذا سألهم أبناؤهم أسئلة لا يعرفون جوابها أن يقولوا لا ندري لأن نصف العلم لا أدري. التربية العقلية اتفقت الآراء على أن الواجب تلقين الطفل مبادئ التربية الطبيعية بتقوية عضلاته والسهر على صتحه ونشاطه وتهذيب أخلاقه وتربية عقله وإنارته، ووقع الاختلاف بين علماء التربية ففريق يقول أن تربية العقل عبارة عن إنارة الفكر وتحسين الذوق وتلقين الأدب وحب الجمال والتكمل، وآخر يقول بأن الواجب تهيئته لعلم واسع ومعرفة صحيحة، ويقول بعضهم أن الواجب تنمية ذكائه، على أن الذكاء ليس مما ينال بالتعمد وتنشأ قواه بالأسباب بل يتكوّن من دون أن يبحث عنه ويقصد بالذات مباشرة فينشأ من أسباب عديدة ومن الانتخاب الطبيعي الذي يحيا به الأشخاص المستعدون ومن عمل كل فرد لما يضمن له بقاءه ويحسن عيشه ومن بواعث الحياة الاجتماعية التي تتزايد اليوم بعد اليوم وتتنوع أساليبها، فالولد يبحث من نفسه عما يحصله من المقدمات لعقله فيعرف الأشياء بدون أن نحتاج إلى تعريفها له ويفكر ويتأمل من تلقاء نفسه بدون أن نضطر إلى أن نحثه على ذلك ويشرع بنفسه في توخي الطرق إلى التخلص من مآزق الحياة فتراه إذا فرغ من درسه في المدرسة يعقد له صلات عديدة مع غيره ويبحث في الشؤون بذاته ويهتم بما يجري حواليه وينصت لأحاديث المسنين أكثر منه ويشاركهم في موضوعاتهم ويغتنم كل فرصة ليعد عقله وفكره، وأحاديث الأسرات على المائدة وما يتبادل فيها من الأفكار بين أهل البيت ويطرق فيها من مختلف الموضوعات في ساعات الفراغ أكثر فائدة لعقل الطفل من كل من يتمرن عليه في المدرسة، فيا سعادة من يكبر في بيئة ذكية وينمو عقله فيها بذاته بمجرد اشتراكه بالحياة العامة وبهذا ثبت معنا أن لا تربية تقوم مقام التربية التي يراها الطفل خارج المدرسة مما يفتح ذهنه ويعوده النظر والبحث والنشاط وينمي ذهنه بما يتوفر عليه من تمرينه المتواصل فيما يحتاج إليه في حياته ونعني به الذهن العملي. لا جرم أن تربية الأولاد في المدارس الداخلية لا تخلو من عيوب تتعذر ملافاتها فهي نافعة في تنظيم العمل ومعودة للطفل على الصبر في مضمار الدرس ولكنها لا تفيد إلا فيما ينتج جمع المعارف أما إذا كان يطلب منها أعداد ذكاء الأطفال ليحسن به الانتفاع فطلب باطل لما عرف من الفروق بين وجوه الأولاد الداخليين والأولاد الخارجيين في المدارس فسحنة الولد الخارجي أكثر انتباهاً ونظره أبعد مرمى وإذا قلّ عمله ودرسه بالنسبة للتلميذ الداخلي فهو أنجح في التمارين التي تطلب ذهناً صافياً وعقلاً حاضراً حتى إذا أنجز دروسه زمان الدراسة ودخل معترك الحياة يجد نفسه أكثر ملاءمة معها فلا يثقل عليه الجهاد فيها لأنه كان أقرب إليها ولم ينفصل عنها كما انفصل تربه الداخلي الذي يكون قضى وقته في حياة صناعية أو مصنعة منعزلاً عن الناس بعيداً عن المجتمع اللهم إلا اجتماعه مع أولاد من سنه فكيف بعد هذا يهتم بحوادث الحياة الخارجية وبحركة الأفكار وبالوقائع العظيمة التي تجري في العالم وتضطر العقول مهما بلغ من إهمالها أن تفكر وتدبر. لا يكاد يصل إلى التلميذ الداخلي من حوادث الكون إلا المبهم الغامض وما من يحدثه بما يجري في القرب والبعد وإني لأعرف تلميذاً داخلياً أخبر ذات يوم أن روسيا تحارب اليابان منذ أشهر فلم يدهش لهذا الخبر وبذلك تبين لعلماء التربية أن حياة المدارس الداخلية بما فيها من عزلة العقل تخدر قواه وإذا قدر لها أن تتمرن ففي ميدان ضيق جداً وأعني بها دروس المدرسة فقط ومن أجل هذا نقرأ في وجهه ضرباً من البلاهة ومثال الملل الذي لا يعلل والإهمال وقلة الاهتمام الذي يدخل في حياته نقصاً ومن الأسف أن ذلك أكثر فشواً في الطلبة العاملين منه في الطلبة الخاملين وفي المأخوذين بدروسهم منه في المتساهلين بها فهم الذين يبوّون بسيئات المدارس الداخلية، أما المضار الأدبية الناشئة من تربية الأولاد في المدارس الداخلية فمقررة عند علماء التربية فتربية الطفل في المدارس الخارجية هي التي يأخذ منها رأس ماله العقلي وذكاءه العملي الذي لا يتكون إلا بدروس الحياة نفسها وما عدا ذلك فباطل ومضر إذا لم يلاحظ ذلك أولاً فالنظر لا يفيد كالعمل بحال. يحتاج الطفل إلى معارف حالية لا ليطبقها وينتفع بتطبيقها بل ليتهذب بها فالجهل المطلق في الأمور يؤدي إلى البلاهة لأن الذهن لا يشتغل في باطل لا طائل تحته فالواجب تغذيته إذا أريد تشغيله والذهن لا يتحرك إلا بحوادث تعرض له ومبادئ يتلقاها ولا يتيسر له اتساع العقل إذا لم يكن لديه شيء من المعارف يستعمله وكلما اتسع أمامه ما يترامى إلى سمعه تنمو قوى عقله، فالمعرفة حسنة في ذاتها وهي لا تنمو إلى على هذه الصورة، نعم إن من الحوادث ما لا خطر له وهو من العقم على جانب ولا غناء فيها لسامعيها ولذلك ليس فيها كبير أمر لأعمال الفكر والحوادث الغريبة ذات المعنى المهمة في ذاتها والوقائع التي تبعث العقل على التفكر هي التي يستفيد منها العقل وتقع على التصور وتهز الفكر إلى الحركة، وبديهي أن درس الحوادث التاريخية العظيمة هي أكثر إشغالاً للفكر من الحوادث الصغيرة في التاريخ الأدبي ولا شبه بين المادة العقلية التي تستخرج من معرفة قاعدة نحوية وبين المادة التي تؤخذ بدراسة قانون الجاذبية، ولقد لاحظ كويو أن من المعارف ما هو باطل متعب للذهن إذا دخلت إليه تحدث فيه فراغاً ولا تملأه بشيء. فالواجب في مثل هذه الحال أن يترك الطفل منذ نعومة أظفاره يستمتع بشيء من إرادته ليمكن نموها بالتدريج ويجب أن لا يلاحظ الدرس على الدوام ويفرض على الدارسين حتماً، فقد قيل أن لا شيء يعادل البحث الشخصي للوقوف على الأشياء، فالمرء يحفظ ما وقع نظره عليه أكثر من غيره وما نظر إليه بعناية لأن ما اكتشفه بذاته يستقر به غالباً فالتمرين على الملاحظة الشخصية هو من الأسف مما يصعب في المدارس، يجب أن تترك للتلميذ بعض حرية في اختيار ما تتجه إليه رغبته من الدروس وأن يزاد من شرح الموضوعات التي تهمه أكثر من غيرها فقد جرت عادة المدارس أن تترك دراسة بعض المواد لاختيار التلميذ وهذا من شأن أن ينوع العاملين ويجعل حرية للطالب ولا بأس بأن تجعل للتلميذ حصة من اللعب في كل درس يراد منه العناية به فإن التربية العقلية لا تنتج النتائج الحسنة إلا إذا حثت نشاط العقل وجعلت منه له دافعاً وحيثما فقدت الإرادة يفقد الفكر لا محالة. وترك التلميذ وما يختار من أنواع المطالعة من أعظم ما يثقف عقله فهو إذا أغرم بالمطالعة يتلقف بدون عناء معارف غريبة في تنوعها فإذا كلم غيره كلمة يدهش سامعه من الأمور التي يعرفها ويتساءل كيف تعلمها ولم يتعلم ذلك إلا في كتاب وقع إليه عرضاً فتصفحه مأخوذاً بما حواه واعياً ما أهمه من موضوعاته والقارئ في قراءته لا يتلقف حوادث بل أفكاراً فتكون له صلة فكرية مع أرباب العقول السامية ويسير على مناحيهم ما وسعته الحال بحيث يحاول إدراك كل ما يمر به فإن كل ما يمكن أن يعمل لتربية ذوق الطفل وتعويده المطالعة يساعد كل المساعدة على تقدمه العقلي ومن اقتصر على كتب الدراسة أقفر عقله وافتقر ذهنه. وكما أن تحصيل المعارف ضروري فمن اللازم أن يكون للمرء ذاكرة جيدة فمن يتعلم سريعاً وجيداً يعد ولا جرم من أهل السعادة وإن الرأي الشائع بأن جودة الذاكرة وجودة الذكاء لا يتفقان لأحد هو من الآراء التي لا سند لها يرجع فيه إلى البحث الأكيد لأن معظم نبغاء البشر كانت ذاكرتهم نادرة فإذا كان في المكنة تحسين الذاكرة بتمرينها فالواجب أن لا يقصر فيه على أن في الذاكرة شيئاً لا يتيسر ترقيته بالتمرين وأعني به قابلية الاستظهار وإذا صح بأنه من الممكن تنميتها فلا مانع من إعطائهم دروساً يستظهرونها ويسمعونها على أننا لا نرى التلامذة بعد دراسة سنين يستسهلون التعلم أكثر من يوم بداءتهم فإن حاسة التذكر بالأشياء هي من الاستعدادات الفطرية تولد مع المرء وتنمو بسرعة فائقة وتبلغ غايتها في سن الثانية عشرة ثم تنحط كلما تقدم المرء في السن فما النفع يا ترى من تمرين الذاكرة؟ إن بتمرينها يحمل إلى عقل الطفل معلومات مقررة وتذكارات بنصها يحتاج إليها ثم تنمي فيه حاسة الانتباه وهو جماع الربح الذي يستخرج منه فتمرين الذاكرة هو أول جهاد عقلي وأول عمل ذهني يطلب من الطفل فهو يحثه ويحمله على أن يحصر أفكاره في موضوع معين وهذا يشبه كل الشبه ما ينبغي له بعد من إعمال الفكر متى طلب منه أن يفكر وحده مختاراً وقد يتعذر عليه الافتكار اختياراً بدون تمرين عقلي حازه بتمرين ذاكرته، فتسميع التلميذ ما حفظ في صفه هو في محله فبالتمرين تقوى الذاكرة، والغاية أن نجعل من الولد إنساناً يفكر لا ببغاء يتكلم، والمعرفة لا تغذي العقل إلى على شرط أن تتجانس أي أن تتحول ويستخدمها العقل في أساليب جديدة عقلية وإن من خواص تذكر النصوص أن تنقل إلينا الأفكار متوسعاً فيها في صورة مقررة ومتى تأملنا من جديد في الأمور التي استظهرناها لا يسعنا إلا أن نكرر كلمة كلمة العبارة التي حفظناها فتدخل في تضاعيف فكرنا من تلقاء ذاتها كأنها استشهاد بسيط ليست ذات قيمة عقلية ومتى امتلأ رأسنا من هذه الصور والعبارات التامة الصياغة هل نصوغ نحن أكثر منها؟ فإن ما يقتضي لنا لتأليف بعض الأفكار الخاصة هو أن نحيط علماً بالمسائل في ذاتها وأن نقتبس ما فيها من الفكر بقطع النظر عن حرفيتها، ولا يتأتى إلا نقل النص ولكن إذا كان للمرء أمور يعرفها يزيد عليها أموراً حديثة فإنا إذا حفظنا فكراً ونسينا العبارة التي عبرت عنه نبدأ من تلك الحال في الإبداع بالفكر. فالفكر مرن للغاية وهو العقل الفعال له في ذاته قوة التمدد تهيئ له سبيل التوسع إلى ما وراء الغاية وفي صور مختلفة فإذا انتقل من عقل إلى آخر يصبح كأنه فكر آخر جديد ويكون كأنه ملك قائله وهو أبو عذره ولا يعبر عنه بأسلوب واحد، أما العبارة التي تستظهر فهي زهرة من مجموع أعشاب يابسة جافة متمددة والفكر الذي يبرز من الذهن كالبذرة التي تنمو ويكون منها زهرات حية فالواجب إذاً تقوية الطفل على حفظ الأشياء التي يكلمونه عنها أكثر من الأسلوب الذي تعبر به، يعلمونه المعاني أكثر من الألفاظ وهذا ما يجرون عليه في بعض الدروس مثل درس التاريخ مثلاً فإنه مطلب من مطالب الذاكرة ولكنه يتطلب ذكرى الحوادث لا الصور التي عبر بها عنها، وفي هذا المعنى يليق توجيه الذاكرة وتربيتها ومن أجمل التمارين أن يقرأ الطفل العبارة طويلة كانت أو قصيرة بحسب تقدمه العقلي وأن يسأل بعد ذلك عما تعلمه وبهذا يتأكد فيما إذا قد فهم المعنى لأول نظر وأنه انتبه إلى الأفكار الرئيسة وأنه حفظها متسلسلة ويبين له على هذا الوجه ما هو التعلم بفهم وذلك بدرسه مفكرات عقلية في موضوع يتلوه الإنسان وبهذا ترقى في التلميذ جودة الذاكرة التي لا تكتفي بجمع المسائل بل تميز بين ما يمكن أن ينفعها وتختار أجودها وتطرح العرض منها وتبقي على الجوهر، يجب أن يصل الفتى إلى أن يطالع كتاباً برمته ويستظهر منه الضروري مما يحوي. ومما يحسن أيضاً تمرين الطفل بالأسئلة المتوالية على أن يغترف في الحال من ذهنه ما هو في حاجة ماسة إلى ذكره، ولا يكفي أن يكون العلم مكنوناً في ذهنه كالكتب المركونة في صندوق بل ينبغي أن يكون كل حين تحت الطلب وينتفع بها ويعثر عليها في الوقت المطلوب على أيسر وجه، فالتلميذ الذي لم ترب ذاكرته في هذا المعنى بتمارين خاصة لا يكون ما وعاه من الأفكار إلا هاجعاً نائماً صعباً على الانبعاث لا تجيبه عند الدعوة وتستعصي عليه إبان الحاجة، ضع للتلميذ سؤالاً في المسائل التي تغلب عليه معرفتها يرتبك ولا يذكر الجواب وليس هو في متسع من الوقت يستخرج فيه من أعماق قلبه ما سبق له وعيه، سله أن يورد لك بعض الأمثلة من أكثر المسائل تداولاً فلا تكاد تأخذ جواب مسألة أو اثنتين إلا بعد اللتيا والتي فعلمه غير حاضر معه، وهذا من العيوب المؤسفة جداً ولاسيما في الحياة العملية التي يجب للمرء حضور ذهن ليتخلص من المآزق وينجو من المضايق، فذاكرة الذكي والحالة هذه هي التي تورد في الوقت المطلوب ما يطلب إليها إيراده، لا جرم أن هذه الخاصية من الخواص التي تولد مع المرء ولكن يتيسر تنميتها بالترويض والتمرين. ليست المخيلة من القوى التي تطلب لجمالها بل لها منفعة خصوصية على أننا يجب أن نكون على مثل اليقين بأنها لا تقوى بدون ذلك فبالمخيلة يتيسر لنا أن يسبق تفكرنا أعمالنا وبهذا نطلع على الاحتمالات المختلفة في المستقبل فهي ضرورية لإنسان ذكي، تجد المخيلة عند معظم الأولاد حادة للغاية فهم يحبون أن يتمثلوا الأشياء في أذهانهم ويجعلوها مسلاة لهم بل لهواً ولعباً فيخترعون من أنفسهم صوراً ليتلذذوا بالنظر إليها في باطنهم وكل فرصة تمكنهم من استخدام هذه القوة وترويضها يفرحون بها ويبسمون للقياها وهذا التبسم من التربية العقلية يسهل عليهم لأنها مستميلة لقلوبهم جامعة لأهواء نفوسهم وبهذه الطريقة يثق المؤدب من حسن الإرادة من يؤدبه، لا بد للتصور بادئ بدءٍ من مواد يقتنيها ومن المعلوم أنه مهما بلغت حاسة الاختراع فينا لا نتمكن من الإبداع العقلي إلا بصور ننتزعها من الحقيقة فكل ما فينا من إرادة يكتفى بتحويله قليلاً وترتيبه على صور منوعة فنحن لا نستطيع أن نتصور أمراً إذا لم يسبق لنا رؤية مثال منه، والأقوال مهما بلغ من سلطانها على نفوسنا لا تكون إلا إلى العجز في إدراكنا أمراً أياً كانت منزلته إذا لم تذكرنا بشؤون من عالم الحقيقة يتأتى إدراكها مباشرة. فالواجب إذاً تزويد الطفل بتصورات عقلية واسعة المادة، أره كثيراً من الأشياء تجلب بها دهشته وربما لا تجد منه ارتياحاً إلى ما أنت ملقنه إياه ولا اطمئناناً إلى ما تحسنه له فهو يختار بذاته ما يهتم به، ضع أمام عينيه صوراً ورسوماً ولوحات واعمل على أن تكون كتب درسه طافحة بالرسوم وهكذا إذا تزود بصور شتى مصنوعة وتصورات وتذكارات يستطيع أن يعمل بذاته ويؤلف من عنده، أما نحن فلا يعنينا أمر خيالاته فهو حر فيها وهي من خصوصاته فإنا نراه إذا ترك وشأنه ينسى العالم الحقيقي فيجعل له من ذاته عالماً يجول فيه خياله ويرى مدهوشاً في مضيق الصور الباطنية، فتصوراته مهما بلغت درجة غرابتها ومهما كانت طفلية فهذا ليس من شأننا معه. بيد أنه لا يكفي المخيلة أن تعمل بل الواجب أيضاً أن تتعلم على العمل وهنا تبدأ مهمة المربي إذ يقضى عليه أن يحول هذه الحركة في الفكر إلى أنحاءٍ تزيد في ذكائها وبعد ذلك تدعو الضرورة إلى تمرين الذهن على أسلوب حسن فهو جزء من التربية التامة ومن الخطر أن لا يفكر فيه، وقد رأى بعض أرباب الأفكار القائلين بتلقين المحسات المحسوسات بأن الأنسب تدريج عقل الطفل على النظر في الحوادث المقررة المقيسة الحقيقية أي تربيته تربية علمية صرفة وإلا فتضعف قواه المفكرة لقلة المران ويتكون عقله ناقصاً أو أن يعمل بنفسه ويضيع في الخيالات الغربية لقلة الملاحظة، فالأحرى أشغال الذهن أكثر من كل شيء، ولا سبيل إلى التأثير في الذهن إلا بالكلام والمطالعة ومتى قرئت للطفل مثلاً قصة جميلة تأخذ في الحقيقة بمجامع قلبه ويستغويه وتضطره إلى تأليف بعض الصور. وينبغي للمربي أن يلاحظ فيما إذا كان الطفل الذي يعلمه خاضعاً لما يحببه إلى نفسه ولا يعنى بما يلقيه عليه، ينبغي أن يحقق نظره منه المشهد الذي تقصه عليه فأنت لا تعطيه في الحقيقة إلا بعض الدلائل وبها يقضى عليه أن يكمل الصورة بأجمعها وبهذا يتهيأ أمامنا التمرين الأول الذي نركبه أو يعدنا إلى التركيب وهو يتطلب من الفكر شيئاً من البديهة والإرادة، إذا كانت المطالعة في موضوع يستدعي التصور والتفكر فيكون فيه تنشيط الخيال وتوجيهه نحو وجهة معينة حرة وبفضل الاتجاه الذي يوليه للعقل يدرك صوراً أجمل وأكثر تنظيماً مما يستطيع أن يخترعه بذاته وبفضل الحرية التي يطلقها له تكون مهمته محببة إلى النفس خفيفة على الطبع. هذا هو الربح الذي تستخرجه المخيلة من التعليم الأدبي ومما لا يخلو من الفائدة أن نبين كيف يتأتى الانتفاع في هذا المعنى بالتعاليم العلمية التي ترمي إلى تحصيل المعارف أكثر مما تقصد إلى تهذيب العقل وهذه التعاليم تشغل المخيلة ولكن لا مباشرة، فكل تعليم وصفي أو نقلي فيه بحث عن المجردات يضطر المرء إلى أن يتمثله، هكذا الحال في العلوم الطبيعية والجغرافية الوصفية والتاريخ، فقد أدرك المعلمون أن هذه التعاليم يجب أن تعرض أولاً في صورة مجردة بأن ترسم ما أمكن أمام عيون الطفل الأمور التي يكلمونه عنها أو يصورونها له للوصول بعد إلى المجردات والعموميات، فإن قصة تاريخية يمكن أن تؤثر في المخيلة نفس التأثير الذي تؤثره رواية فاجعة أو قصة عادية إذا كانت مؤلفة بخيال واسع. وبعد ذلك تأتي التمارين المؤلفة تأليفاً خاصاً أي التي يحاول التلميذ الاختراع فيها، إنا نريد أعداد مخيلات عامة مستعدة للتوليد لا أن نكتفي بأن نعيش أبداً من رأس مال الغير فالواجب إذاً تمرين الطفل على التأليف بنفسه، ويجب أن يعنى بأن تكون هذه التمرينات بالطبع متدرجة في الصعوبات مبتدئة بشرح مادة تعطى له إلى أن تبلغ حرية الاختراع، ومما ينفع بيان مزية هذه التمرينات في التأليف من حيث التربية فقد أغرق من قالوا بإبطال الطريقة القديمة في التأليف واليوم اقتصروا من التمرين على التأليف على القدر الجزئي وقد ظهر من مناقشات حديثة أن بعض المربين شرعوا يدهشون من هذا القصور فقد كان من معايب الطريقة القديمة أنها تقود التلميذ خاصة إلى التوليد الأدبي ومن حسنها أنها تترك مجالاً واسعاً للتمرينات التي يستطيع المرء بها أن يبرهن على مقدرته العقلية فهي من ثم محرض قوي نافع للعقل وبها يجب علينا أن نفكر فما أحرانا أن نغير وجهة الدروس لنجعل التلامذة أقل عناية بالأدبيات منهم بالعلميات على أن لا نضيق نطاق التمرين العقلي والتأليف والاختراع. تجب العناية بالرسم لما فيه من المزايا في التربية فالرسم إذا أدركت حقيقته ووجهت وجهته نحو التربية العقلية يساعد كل المساعدة على ترقية المخيلة فهو يعلمنا النظر إلى الأشياء بذكاء ويقوي فينا حاسة التمثل والذاكرة المصورة والمخيلة المبدعة، وإذا أريد استخراج المنفعة الحقيقية المنتظرة من هذا التعليم فالواجب التمرين عليها، ولقد ضل من علماء التربية من جرد تعليم الرسم من كل نظر للطبيعة ومن التطبع على الاختراع فما كانوا يرمون إلا إلى أعداد نساخين جيدين وأي فائدة لتعليم الرسم إذا لم تتحرك المخيلة. لتعليم اللغات مقام رفيع في طريقة تدريسنا وليس هذا بعجيب فإن فهم الإنسان للغته وإجادة الكتابة والتكلم بها هو من أثمن المساعدات للذهن، ومعرفة اللغات الميتة يفتح أمامنا ميدان الفكر القديم كما أن معرفة اللغات الحديثة ضرورية لتتبع حركة الفكر الحديث، فباللسان يجد الفكر ما يعبر عنه فهو أداة من الألفاظ تتقدم وتتأخر على الدوام منها إلى الفكر ومنه إلى الألفاظ وتتطلب فكراً عاملاً أبداً، ولا عجب من ثم إذا صرف وقت طويل في التعليم المدرسي من حيث تنمية القوة الشفهية فإن هذا الاهتمام في محله والواجب أن يعنى فقط بأن تكون هذه الدروس بحيث يستخرج منها الشبان أعظم المنافع العقلية. وهنا نبدأ أولاً بالكلام على التمرين الذي يذهب العقل فيها من الألفاظ إلى الفكر فمن أول الدلائل وأدلها على بيان ذكاء الطفل أن يفهم ما نكلمه به وإذا كان لا يفهم معنى الكلمات وكان من الصعب علينا إلا قليلاً أن نشرحها له فيجب عليه أن يحرزها وهو استدلال يستلزم منه أن يكون ذا ذكاءٍ مدهش وبعد أن يتقدم فيه تعليم اللسان يصبح معنى الكلمات المستعملة مألوفاً له ولا يتعب فهمها ذهنه بل تكون له مفهومة بذاتها بدون أدنى تعمل ويبقى عليه دائماً ألفاظ جيدة وتراكيب جمل غير عادية ليدرك معانيها وكلما نظر درساً جديداً يجد أمامه مادة خاصة من ألفاظ تقف أمامه بعض الشيء، فنحن في مطالعاتنا نعثر كل ساعة على جمل لا تفهم لأول وهلة وبعض الأفكار لا يتأتى أن يعبر عنها بصورة واضحة وتعابير مستعملة، ومهما بلغ من استعمالنا اللغة والذكاء فلا بد في شرح صورها الشفاهية من درجة خفيفة لا يرقى إليها المرء إلا بمحاولة الفهم، وهذا الجهد نافع للعقل ولذلك كانت اللغة التي نريد اقتباسها زمان الدراسة غير مألوفة لنأكل الألفة وكان درسها عبارة عن تمرين عقلي حقيقي. وبهذا النظر لا نرى بداً من التوصية باستعمال الترجمة فإنها في الحقيقة إحدى الرياضات المدرسية الدالة على فرط الذكاء فيضطر الولد فيها أن يفرض عدة وجوه للمعاني الكثيرة التي يحتملها النص وتمييز أوجه الشبه بينها ويستخرج من مجموع معنى الجملة المعنى الخاص بها الذي يجب إعطاؤه لكل كلمة فيتمرن على هذه الصورة ذكاؤه وعقله، ولا فرق بين أن يكون هذا التمرين بلغة حية أو ميتة ويجب أن يلاحظ فقط أن الطريقة المتبعة في تعليم اللغات الحية مباشرة ترمي إلى ترك التمرين على الشرح والترجمة، وهذه الطريقة سامية من حيث العمل ومهيأة للتلميذ بأسرع ما يمكن لاستعمال اللغة ولكنها قلما تمرن العقل فيجب أن يفكر المربي في التعليم بهذا تمرين الحسن أو بما يعادله على الأقل. وإن استعمال الترجمة والشرح ليمكن حتى من لغة المرءِ الأصلية فإن معنى شرح عبارة هو حلّ معناها الحقيقي وترجمتها إلى لغة شائعة وبذلك يتعود المرء على ما هو لازم له من جودة النظر في الكلمات فلكم رأينا، مناقشات قامت خاصة على ما أحدثه سوء التفاهم في اللغة فإنا ندخل في براهيننا تعابير مهمة أو مدرسية تكذب فكرنا أو تمنعنا من إيضاحها كل الإيضاح. وهناك تمارين أخرى تقودنا من الفكر إلى الألفاظ فإننا نحاول أن نوجه للتعبير عن فكرنا لفظاً مستعملاً ولطالما دهشت من الألفاظ الكثيرة التي يقتدر التلميذ الصغير على الإفصاح بها عن أفكاره بدورات تدل على حذق وبقليل من الألفاظ، حتى أن محاولتنا التعبير عن أفكارنا مما يفيدهم، ومن النادر ولاسيما عندما نفكر في مسائل قليلة الصعوبة أن نكون على استعداد مما نقوله قبل أن نبدأ في الكلام في الكلام فالفكر يبقى منتشراً مشوشاً وهو على سهولته في حيز القوة لا يخلو من إبهام إذا أريد إخراجه إلى العمل ومن المحتمل كثيراً أنه يبقى في هذه الحالة المختصرة إذا لم نبحث عن طريقة لبيانه وتكميله بالتعبير عنه فالفكر لا يتم إلا بالجملة. فالواجب والحالة هذه تمرين طلبتنا على التكلم وسؤالهم على الدوام وتمرينهم على الإفصاح عما يجول في خواطرهم ببيان رائق وهذا أحسن واسطة لتنبيه عقولهم حتى في خلال الدرس فإنهم إذا لم يكونوا إلا سامعين لما يلقى عليهم لا يلبثون أن يكونوا خاملين غير مهتمين بالدرس. وتيسير للمعلم إذا تكلموا أن يستدل على، هم في حالة يعملون معها أذهانهم ويستعملون قواهم العقلية فأنت ترى تلامذتنا الذين اعتادوا أن لا يفكروا إلا والقلم بأيديهم مرتبكين في الأحايين التي يحتاج فيها إلى حضور ذهن. وليس معنى هذا أن يجعلوا خطباءَ بل أن يمرنوا على التعبير عن أفكار حتى أمام الجمهور بدون ارتباك ولا غموض. فالتمرين اللفظي يضطر إلى التفكر بسرعة وإيجاد تعبير للفكر الذي يعرض في الحال فهو يقوي الصفات العقلية التي تجعل المرءَ عاملاً. التمارين المكتوبة ترقي الانتباه لتأليف الكلام في آونات الفراغ وتمكن صاحبها من العمل بعقله متتابعاً ومن التفكر طويلاً وتضطره إلى إيجاد بعض الأفكار في موضوع معين وتنظيمها والإبانة عنها أحسن إبانة في حين أن التمرين اللفظي يعلم استخدام الذكاء فالتمرين الكتابي هو العمدة لترقية العقل في الأكثر والمرء يتعلم التفكر إذا أخذ يكتب فالصور والحقائق تسير دائماً جنباً إلى جنب في الأشغال العقلية. إنشاءُ الكاتب وفكره متلازمان حتى أنك تشك في التأليف الرديء الإنشاء فيما إذا كان فيه خطأ في الفكر فإذا كانت الجملة رديئة التركيب شرشة الأساليب يستحيل أن يكون الفكر واضحاً على نسق متتابع. فلنعمل إذاً بكل ما فينا من قوة على تحسين إنشاء تلامذتنا فإننا بذلك نربي عقولهم. ومن أعظم الخدم التي نخدمهم بها أن نعلمهم لغة فصيحة ثابتة صريحة لأن مستقبلهم العقلي موقوف عليها. يقولون أن للغة الفرنسية هذه الصفات إلى درجة أمازت بها وحقيق ما يقولون. إن الإدارة حسنة فعلينا أن نعلم الفتيان كيف يحسنون استعمالها. منذ بضع سنين أتى على اللغة الفرنسوية بحران غريب أوشك أن يفسد اللغة وأعني به كثرة الكتابات والاستعارات والظاهر الآن أن هذا الوباء قد كاد يضمحل لولا أننا لم نبرح نعثر على بقايا من هذا المرض في لغة بعض معاصرينا من الكتاب لا يستقل بعددهم. أما نحن فندعو إلى الوضوح في العبارة وأنت ترى أي معنى يجب أن توجه إليه وجهة التمرين على الإنشاء للانتفاع منه انتفاعاً عقلياً فلا ينبغي النظر إلى الصور الجميلة بل إلى الصفات العقلية. فنحن في مبحثنا هذا لا نرمي إلى أن نخرج أدباءَ بل إلى تربية ذهن الطفل بتمرينه عَلَى الإفصاح عن أفكاره بذكاءٍ. وها قد وصلنا إلى التمرين الذي يقصد به تربية الفكر فإنه لا يكفي حث الدماغ عَلَى العمل بكل الأسباب الممكنة فيمكن أن يفكر المرءُ كثيراً وتكون مادته فائضة أبداً ولا يكون إلا متوسط الذكاء وكل هذا العمل في الدماغ يجب أن يكون منظماً منسقاً متجهاً إلى وجهة واحدة ولكل جهاد فكري غاية والمطلوب أبداً إيجاد شيءٍ من تقرير حقيقة أو البحث عن أحسن واسطة لتحقيق غاية فالواجب من ثم أن نمرن عقلنا عَلَى العمل بصورة نافعة. يميل الطفل إلى التفكر لهوى في نفسه يتلذذ به فيفرض كيفما اتفق قضايا لا يتعب نفسه في مراقبتها ولا يهتم في الحقيقة للاجتهاد وبهذا يبقى كثير من الناس طول حياتهم في حكم الأطفال. وإن المرء ليعجب أن يرى أموراً تثبت بأقل نظر بمجرد المناقشة فيها والخوض في الأحاديث خوضاً عادياً فالواجب العمل عَلَى ما يخالف هذا الدليل منذ الصغر بالجري عَلَى نظام عقلي حسن. وأن حكم الطفل عَلَى الأشياء ليصحح خلال الحديث كلما خالف الواقع فمن خصائص عقله أن لا يمس الوقائع والحقيقة فالواجب إرجاعه إليها فكل فكر متلظ هو فكر متهور إذا وضع عَلَى محك النظر لا يلبث أن يكذب بالبحث والنقد فالواجب إذاً الرجوع أبداً إلى الحقائق ويجب أن لا يفوتنا الاحتراس من أن الأوهام في الأحكام تصدر في العادة من نقص في الأخلاق لا من ضعف القوة المنطقية فين عَلَى الأمور التي لا يحق لهم أن يبتوا فيها حكماً لا لأن العمل العقلي الذي يصدر به الحكم شيء الترتيب بل لقلة اهتمامهم وخفة أحلامهم ونقص في استقامة عقولهم. وعلاج ذلك أن يشعر الطفل بما في كل قضية مهما كانت من الأمور الجدية أبداً وهناك تدخل التربية العقلية كما ينتظر في التربية الأخلاقية. والواجب أيضاً تربية قوة التعقل فإن بعض قضايانا ليست مستخرجة من التجربة مباشرة بل هي مستندة إلى آراء أُخذت من قضايا سابقة ففكر يولد لنا فكراً آخر ولنوسع في تأكيده وإثباته وما جودة الأحكام إلا أن يكون للمرء تسلسل في أفكاره لا يناقض أحدها الآخر بل أن يعضد أولها آخرها فيتألف منهما مجموع متماسك الأجزاء. أنا نستطيع أن نعود أولادنا عَلَى صحة الحكم وذلك بإشراكهم معنا في الحوار والمناقشة معلنين لهم نقص تصورهم بأن نعيد أفكارهم إلى الطريق السوي متى حادت عنه ولذلك ألف مناسبة للإشراف لي عقل الطفل في الحياة اليومية أو أثناء الدرس والتعليم. وأنا إذا سما بنا النظر إلى ترقية التربية العقلية أكثر مما هي الآن في أطفالنا ليجب علينا أن نجعل في المدارس تمرينات خاصة لتربية القوة العقلية ودروساً في المنطق العملي. وليس في طريقة تعليمنا اليوم شيءٌ مما يشبه هذا فإنا لا نعلم التلاميذ المنطق إلا في أواخر سني الطلب وبعض القواعد المنطقية الصحيحة التي يدرسونها عَلَى هذه الصورة هي سطحية مبتذلة قليلة التطبيق على العمل ويكاد يكون نفعها في التربية الفعلية قليلاً جداً. لا جرم أن المربين يستندون عَلَى تلقين العلوم المجردة للطفل لترقية القوة المنطقية في عقله ولكن في الرياضيات والهندسة صورة قاسية من تقوية العقل وهذه القسوة فيها تجعل هذه الدروس قليلة النفع ولذا لا يسهل كثيراً الفرق بين تقوية العقل على طريقة جيدة أو رديئة فلاتقاء السفسطات والأمور المخالفة للمنطق نحتاج إلى دقة وحذاقة أكثر من احتياجنا إلى ذهن يعي الهندسة. وكل منا يعرف أن المرءَ قد يكون مهندساً بارعاً ويكون حكمه بعيداً عن الصواب في جميع المواد الأخرى. وهل معنى هذا أننا ننسب لدرس العلوم المجردة قلة غناء في التربية عَلَى حين نتوقع نحن منها نفعاً عقلياً كبيراً يخالف ما يراه بعضهم كل المخالفة. فكل تمرين للطفل نافع لما يتطلب فيه الجهد والتعمل. فأي مقاومة خاصة يقضي على دارس العلوم المجردة أن يتغلب عليها وأي حاسة تتمرن بها؟ فإن هذه العلوم متى فهمها المتعلم وأدركها يقوم له البرهان عليها والصعوبة الأولى في الاهتداء إليها وفهمها وللنجاح فيها يجب أن يكون صاحبها أهلاً لان يجعل لأفكاره المجردة كل التجربة قريبة من العقل ما أمكن ببيان الصلات بينها بمعنى أنه يتوصل إلى أن يلاحظ عليها ملاحظة حقيقية. يجب إدراك ما بين المسائل الكثيرة من الارتباط في النظريات التي قد تحدث ولا تتسلسل وفي مثل هذه المآزق يستدل على فلسفة العقل وقوتها. وأنت ترى أن الصعوبة في بلاغ الذهن إلى تلك المجردات لتحقيق هذه الأعمال العقلية ومن هنا نشأ الجهاد والتعب وفي هذا التمرين الحقيقي فائدة العلوم المجردة هو تمرين العقل على المجردات. إن التعلم عَلَى سهولة مأتاه في المجردات والترقي بالتمرين المتصل إلى مجردات أعلى منها هو أرقى أنواع التهذيب العقلي وبدون أفكار مجردة لا تتجاوز معدل الذكاء الحيواني ولا نفكر إلا بصورة خاصة كنحو ما يلزمنا في حياتنا اليومية. في حين إن جميع الأعمال العقلية ذات الشأن والتشابيه المركبة والعموميات والتصورات الصعبة كلها بنت المجردات وربيبة النظر فمعنى إدراك الأفكار المجردة الاستعاضة عن الفكر الحقيقي المرتقي في تصوير الأشياء بفكر هو في حيز القوة يستعمل كما لو كان راقياً. فالعقل الممرن الصريح المعتاد على التفكر في الأمور المجردة يشعر من نفسه بهذه القوة ويقودها ويكتفي برسم الأعمال العقلية بدون أن يقوم بها بالفعل فينشأ من ذلك تخفيف عن الفكر يشبه ما حدث من نوعه عندما استعاض تصورنا عن الأشياء الحقيقية بصورة بسيطة من هذه الأمور. وبذلك تنمو قوة إدراكنا ونظرنا في العواقب نمواً مدهشاً ونعمل أعمالاً مختصرة بدون جهد أعمالاً يتجاوز ارتقاؤها طوقنا وذكاءَنا. وعلى هذه الصورة يرتقي العلم بأن يدخل أفكاراً مجردة في أفكار مجردة أعلى منها ويوجد طرقاً أقرب إلى الجادة لحل المشاكل تتطلب حلاً ماهراً وبذلك يسمو المرء إلى نظر أعلى في مجموع ما يعيه وإلى المدركات الواسعة فذكاء المرء يمكن أن يقاس بما فيه من قوة عَلَى اقتباس المجردات فأنا نرى الطريقة التي يفرض إتباعها واضحة أمامنا فيجب أن يسري تعليمنا من الأعيان إلى المجردات لا لأن للعقل ميلاً إلى الجري على هذه الصورة بل لأن هذه هو الطريق الوحيد لبلوغ الارتقاء العقلي. نعم إننا بذلك نكثر على العقول الفتية من الجهد وربما خيف من أن تتجاوز مثل هذه التمرينات القوة التي خصصت لها ولذا من اللازم أن يجري عَلَى سنة التدريج في إيراد الصعوبات. فإن ذهن الطفل لا تتأتى ارتقاؤه إلا بالتأني من سنة إلى أخرى باجتياز محطات تناسب تغيرات نموه الطبيعي ولا تتقاضى زيادة عما تحتمله سنه. ولا يعدم أحد منا أمثلة على هذه التربية الخرقاء من تحميل الطفل الذكي فوق طاقته بجهل والديه أو مربيه فيدفعونه إلى ما يجب أن يحموه عنه ويعودونه الشدة في التربية حتى تنهك قواه فيقوى عقله قبل الأوان لكثرة ما يحملون إليه من المحركات ولكنه قد يضل ثم يقف هذا الارتقاء عن جريه ويظل الطفل وسطاً في حياته. ألا فلنمتنع من كل طريقة في التربية تكون إلى الشدة وتظهر منها نتائج خارقة للعادة لقاء عياءٍ أكيد يصيب الطفل ولنعمل على العكس ما يضمن للطفل استمتاعه بقواه كما نريد على النحو المستقيم وأن نطلق سراحها خلال الدرس حرة في موازنتها الطبيعية والأدبية. وبعد فإن الواجب تقوية الذكاءِ على صورة معتدلة ويمكن تقويته بالإرث لأن رقي الدماغ الذي يمتع المرء بصحته الطبيعية من شأنه الانتقال بالوراثة. الذكاء أمر نافع وكل من يرى الارتقاء العقلي الذي بلغه البشر بالعمل فكان أثمن هبة حصل عليها وتحدثه نفسه أن يبذل كل مرتخص وغال لترقية الذكاء البشري درجة أخرى وما أظننا نغص إذا رأينا الجيل المقبل أرقى منا في منازعه بما نعنى بع تلقينه أرقى تربية من تربيتنا نحن لا نغالي في آمالنا ونعرف ما يتطلبه النشوءُ الاجتماعي لإدخال التكامل عَلَى عنصر من السذج البله وأن المرء بذاته لا يتحول على أيسر وجه وإن الارتقاء العقلي الذي يتأتى لنا أن نرجوه من التربية الحسنة هو محدود بالطبيعة. فالطفل يولد على شيءٍ من الذكاء قلَّ أو كثر بمعنى أنه يكون ذا مزاج معتاد في رقيه فترتفع منزلته إلى قياس عقلي معتدل ومهما بولغ في تلقينه فلا يتيسر أن يتجاوز به هذا القياس. ولقد رأينا كثيراً من الفتيان والفتيات لم يربوا التربية الكافية فوقفوا في درجات عقلية يتأتى له تجاوزها وكان لهم استعداد طبيعي لم يحسن القائمون على تربيتهم استخدامه فأست تربيتهم مقيدة بقيود تزيدهم بلاهة بدلاً من أن تزيدهم ذكاءً. فالذكاء كالصحة والقوة الطبيعية في الإنسان لا يكون من الإكثار من أسبابه سوى إهلاكها لا نماؤها والأخذ بيد كل إنسان إلى حيث تصل قواه هو الحسن والإحسان بعينه وأن ما نقصد إليه في هذا المبحث الاقتصار إلى التربية الضرورية حتى يرتقي العقل الحر ممتعاً بما فيه من كفاءة أوثية. نعم إن العقول مختلفة في مداركها فالكسلان الغليظ الذهن يظل أبداً كذلك والذكي بالفطرة يزداد ذكاؤه مضاءً بالعمل والتدريب والمتوسط متوسط والمستعد إلى التقدم تزيد قواه العقلية نشاطاً والتربية لا تزيل الفروق الإرثية بل تزيدها فالنفوس المستعدة تستفيد أكثر من غيرها من أسباب الترقي وتتقدم تقدماً محسوساً. والتمرين الشديد الذي تتطلبه التربية العقلية العالية لا يتأتى قبوله إلا لمن كانت عقولهم عاملة بطبيعتها أما غيرهم فلا استعداد لهم إليها. لئن كان تعديل أساليبنا في التعليم على النحو الذي أوردناه نافعاً للجميع فهو نافع خاصة لبعض الناس وذلك لأنه يزيد تنشيط بعض الأذكياء المستعدين للنبوغ ولا ينبغي أن نستاء من هذه النتيجة ونقلق منها فإن ذكاء الطبقة المختارة من الخاصة هو مولد النجاح الذي يستفيد منه المجموع سكة الحجاز قالت مجلة الطبيعة الفرنسوية: كان الحجاج يسلكون إلى مكة طريق القوافل من جهات الساحل أو الداخلية ويجيء الفرس والهنود من الشرق ناعجين أيضاً طريق القوافل باجتياز صحارى بلاد العرب ويسير غيرهم وعددهم ليس بقليل عن طريق جدة عَلَى البحر الأحمر عَلَى مسافة ٧٥ كيلومتراً من مكة ويسير حجاج افريقية من طريق البر مجتازين شبه جزيرة سينا في حين أن غيرهم يأتون من البحر إلى جدة. ولهذا كان هذا الثغر من البلاد المهمة للغاية يجتمع فيه كل سنة عدد عظيم من الحجاج قادمين من مصر وافريقية الشمالية وبلاد الهند والعثمانية وروسيا الجنوبية. أما حجاج سورية فهم أيضاً كثار العدد يقصدون إلى مكة من طريق القوافل فيجتازون بلاد العرب من الشمال إلى الجنوب من الخط الذي يربط دمشق بالمدينة ومكة. وبعد أن يجتمع هؤلاء الحجاج بالقرب من دمشق يؤلفون ركباً تخفره من غارات البدو كتيبة من المشاة ومدافع جبلية وذلك عَلَى طول الطرق البالغ ١٨٠٠ كيلو متر ويقطعه الحجاج في أربعين يوماً. وإذا أضفت إى هذا الحرس المؤلف من نحو مئة بدوي يعهد إليهم العناية بالمتعبين من الحجاج أو المرضى منهم وألوف من الجمال والبغال التي تستعمل لحمل الأثقال والذخيرة اللازمة لطعام الحرس والحجاج تتمثل لك تلك الصعوبات التي يجلبها إعداد مثل هذه القافلة وتسييرها ويجب أن لا يفوتنا بأنه من المتعذر الامتيار طول الطريق وإذا استثنينا بعض الأنحاء في الطريق نجد الحال في هذه الدرجة من الصعوبة في استقاء الماء القابل للشرب. فكل شيء يجب والحالة هذه نقله عَلَى ظهور المطايا. ونرى من جهة ثانية أن القيمة التي يكلفها هذا الحج فاحشة وإن اختلفت باختلاف الحجاج في غناهم ورفاهيتهم ومتى كان مع الحاج جمال لنقل أثقاله وحمله قد تبلغ كلفة الحاج من دمشق إلى مكة ألف فرنك ولكن كثيراً من الحجاج يذهبون مشاة وبعضهم يستخدمون عكامة أو خدمة لتقليل النفقة. ولقد فكر القوم منذ زمن طويل في واسطة لتقليل هذه الصعوبات إلى أقل ما يمكن واختصار المسافة بإنشاء طريق حديدي من دمشق إلى مكة وبقيت الحال عَلَى هذه المنوال إلى يوم ١ أيار ١٩٠٠ وقد أصدر السلطان السابق عبد الحميد بإشارة أمين سره عزت باشا الدمشقي إرادته بإنشاء السكة الحديدية ودعا السلطان العالم الإسلامي للإعانة لتمديد الخط فتقاطر المسلمون يدفعونها عن رضى حتى بلغ ما جمع في برهة قليلة ما يكفي للمباشرة بالعمل ما عدا بعض التخصيصات التي أعطتها الحكومة أو الأفراد. وإذ كان من المتعذر الحصول عَلَى عملة من سكان البلاد يكفون للقيام بهذا العمل وكان الواجب الاقتصاد من النفقات عَلَى القدر الضروري عمدت الحكومة إلى استخدام الجنود في تمديد الخط فعهد إلى جنود من المشاة بالأعمال الترابية وإلى كتائب السكك الحديدية بنقل الأحجار وأعمال البناء أما سرايا الاستحكام فاستعملوا في الأعمال الميكانيكية في الورشات ووضع الأسلاك البرقية. وبالجملة فإن إنشاء سكة حديد الحجاز قامت بأيدي العاملين من المسلمين ما خلا مهندس ألماني واحد اسمه المسيو مايسنر. يسير هذا الخط من دمشق إلى المدينة متجهاً من الشمال إلى الجنوب وجهته متوازية مع طريق الفواقل الذي لا يبعد عنه إلا في بعض المحال وذلك تفادياً من الصعوبات في تمديده ويمتد عَلَى القسم الأعظم من الطريق عَلَى سطح يرتفع بالتدريج من الشاطئ ٨٩٨ متراً فوق سطح البحر إلى دمشق حتى إذا كان في الكيلومتر ٨٨٨ فما بعده ينزل حتى يبلغ المدينة فيصير عَلَى ٧٠٠ متر من سطح البحر بعد أن يكون بلغ في محطة الهدية أي في الكيلومتر ١١٢٦ — ٣٤٥ متراً من سطح البحر. وقد أرد بادئَ بدءِ تمديد الخط من درعا والاكتفاء من دمشق إليها بالخط الذي كانت مدته شركة فرنسوية ولها الحق بالشعبة التي تصل بين درعا ومرفأ حيفا على البحر المتوسط. وهي شعبة مهمة للغاية لسكة حديد الحجاز لأنها تصله مباشرة بالبحر وبعد أخذ ورد طويل ترك تمديد الخط من درعا إلى حيفا لسكة حديد الحجاز ولكن لم يتيسر الاتفاق عَلَى إعطاء الحق الأصلي من دمشق إلى درعا لإدارة سكة الحجاز فمن ثم اضطرت هذه الإدارة أن تجعل دمشق مركز سيرها وتبني خطاً جديداً موازياً للخط الأول بين دمشق ودرعا. ويجتاز الخط بين هذين البلدين ببلاد حوران وهي إقليم غني بالجملة وكان قديماً انبار رومية ويزيد غناه بفضل خصب التربة فيه ويرتقي كما هو المأمول ارتقاءً حسناً إذا تيسر له الخلاص من عصابات قطاع الطرق التي تعيث فساداً في أرجائه ويجتاز الخط بعد درعا وجهة متآزية مع جبال موآب التي تمتد عَلَى شواطئ بحيرة لوط ويقطع صقعاً متموجاً بالزروع ومغطى بالمراعي يسير فيه البدو ومعهم قطارات من الجمال. وفي ذاك الإقليم تجد مدينة عمان القديمة التي لا تزال آثارها ماثلة للعيان. وبعد ذلك يصل الخط إلى بادية العربية الصخرية أو السعيدة ومن تلك النقطة تبدأ الصعوبة في الحصول عَلَى الماء الضروري لتسيير القطارات وشرب الركاب. وعند الكيلومتر ٤٥٨ أي من محطة معان تصل إلى واحة ذات حدائق ونخيل تسقيها عينان نضاختان مياهها باردة صافية وفي جوار هذه المحطة خرائب مدينة بترا القديمة. ومن بعد معان إلى العلا والمدينة تتبدل هيئة البلاد كل التبدل فتشتبك بجبال عالية قد تبلغ قمم بعضها ٣٠٠٠ متر عن سطح البحر ممتدة عَلَى ول البحر الأحمر وتنتهي عَلَى خط عمودي من البحر بأرصفة متتابعة وهناك اسناد تشقها أودية لا ماء فيها تطيل مسافة هذه الأرصفة والأودية فبعد أن تتجه تارة اتجاهاً عمودياً نحو الصخور الجبلية تكون طوراً متآزية ثم ينقطع أثرها في البادية. وتختلف سعة هذه الأودية اختلافاً كثيراً فتكون واطئة أحياناً بحيث يبلغ علوها في بعض الأماكن زهاءَ مئة متر. وفي سفح هذه الاسناد يسير الخط الحديدي إلى المدينة مجتازاً ما أمكن الأودية المختلفة التي تكاد تكون وجهتها متآزية. وبذلك تيسر الاقتصاد في نفقات بناء الخط إلى أقصى ما يمكن. ولقد قلنا آنفاً أنه ما عدا محطات معان وذات الحج وتبوك والأخضر والعلا فليس من ماءٍ في تلك الأصقاع بل أنك ترى الأودية إلا في بعض أحوال نادرة جافة حتى في موسم المطر. وموسم نزول الأمطار في تلك الأصقاع يكون في شهر تشرين الثاني وشباط وآذار ومن النادر أن تهطل في شهري كانون الأول وكانون الثاني والمطر يبقى في المكان الذي يهطل فيه حتى في أشهر المطر فبعض الأنحاء لا يبلغها الماء على حين يصل منه إلى غيرها كميات كبيرة تجري في الأودية فتغرقها ولطالما كانت سبب انقطاع المجاري في خلال إنشاء السكة الحديدية ومناخ هذه الأصقاع العالية جيد جداً ولجفاف الهواء تبلغ درجة الحرارة ٥٥ في أشهر القيظ إلا أنه مما يحتمل لما يعدله من الريح البليل الذي يهب في تلك الأرجاء طول السنة لا يصعب احتمال هذا الهواء إلا في الأودية المحصورة جداً مثل التي في جوار العلا حيث تكون سبباً لانتشار الحميات وتنزل درجة الحرارة في الشتاء إلى ٤ أو ٥ ومن النادر أن تنزل إلى الصفر. وأهم الاحتياطات التي يجب اتخاذها التوقي من اختلاف درجة الحرارة بين النهار والليل. وبعد أن يخرج الخط الحديدي من معان يعود فيدخل في إقليم قفر يشبه الذي اجتازه في الشمال فتتخلله أودية كثيرة قليلة العمق. وقد اقتضى لقطعها إنشاء مجار من الحجر أما تربتها فقاسية جداً وهي قاحلة ومملوءة بالحجارة. وبعد أن يقطع الخط الحديدي في بطن الغول على ستين كيلو متراً من معان قمة جبل يبلغ ارتفاعها ١١٦٨ متراً عن سطح البحر يعود فيهبط نحو ذات الحج سائراً في وادي رتم الذي تختلف سعته وبعضهم كلما اقترب من ذات الحج وهي واحة فيها نحو مئة نخلة محيطة بقلعة قديمة لرد هجمات البدو الرحل وما من منزل حول هذه الواحة الحقيرة. وهذه الأراضي القاحلة المنبسطة تقطعها من مكان إلى آخر أودية تكون إلى تبوك البعيدة ٦٩٢ كيلو متراً من دمشق وهي واحة مهمة فيها زهاء ألف نخلة ولها معقل حصين وسكانها نحو ثلثمائة نسمة. وفي تلك الأصقاع المقفرة حيث تشتد حرارة الهواء الجاف بما تبعثه فيه الشمس من أشعتها تجد النور بهيجاً وتصبح وتبدو الأصقاع البعيدة غريبة في أنوارها فتنقطع الآكام المنفردة في شرق السكة الحديدية والجبال التي تحاذي البحر الأحمر بما فيها من نقوش النباتات والأوراق المحبوبة التي ترى عن بعد من الجهة الغربية تحت سماء مدهشة بصفائها وتكسو الشمس هذه الجبال عند الشروق والغروب بألوان منقطعة الشبه والنظير. وكلما توغل الخط في قطع المساوف نحو الجنوب يصل إلى أصقاع منبسطة قاحلة ولكن تجري إلى الأودية ثم كمية وافرة من ماء المطر أثناء الشتاء ولذلك قضت الحال باجتياز هذه الأودية لإنشاء مجارٍ عظيمة القناطر ولا سيما في وادي اتيل وقد أقيم عليه جسر من الحجر طوله ١٣٤ متراً وله ٢٠ قنطرة فتحة كل منها ستة أمتار. وهذا هو أهم عمل في الخط. ثم يقترب الخط من الصخور البركانية الجبلية فيتجاوز في حارات العمارة الاسناد الأولى بواسطة نفق طوله ١٦٠ متراً وذلك بالقرب من محطة الأخضر فيدخل ثمت في أودية مختلفة محاذياً لها إلى العلا على مسافة تسعمائة كيلو متر من دمشق بعد أن يكون قد قطع عدة محطات وأهمها المعظم والمطلع ومدائن صالح. وتتألف واحة المهمة التي يبلغ سكانها ٣٦٠٠ نسمة من غابة نخيل وليمون وطولها من ٥ إلى ٦ كيلو مترات وعرضها خمسمائة متر. وانتهى الخط الآن بالمدينة وهي على مسافة ١٣٠٠ كيلو متر من دمشق وسيشرع بإكمال الخط بين المدينة ومكة. وقد بحث في عدة طرق لتمديد هذه الشعبة الأخيرة بين البلدين الطاهرين إحداهما تسير تواً من المدينة إلى مكة والأخرى أطول مسافة تقترب من البحر وهذا الفرع الأخير الذي يبلغ طوله ٤٤٢ كيلو متراً هو الذي شرع ببنائه اليوم وبه يصبح طول السكة الحديدية من دمشق إلى مكة ١٧٥٤ كيلومتراً. إن عرض خط الحجاز ١ ، ٠٥ متر وهو غير متساو في رسمه فترى فيه في بعض المحال انحداراً طوله ٢٠ ملمتراً في كل متر ودورة تبعد عن التخطيط الأصلي مئة متر أما تمديده فلم يستدع سوى فرش التراب ووضع الخطوط ما خلا جسرين من الحجر أحدهما بين محطتي عمان والقصر والآخر عَلَى وادي ايتل وهناك جسور لا شأن لها وهي كثيرة لأن الحاجة مست في عدة أماكن إلى إنشاء جسور في ممر الأودية التي تجف في الصيف وتطفح في الشتاء بالسيول الغزيرة. وما عدا جسر طوله ١٥ متراً له منافذ من حديد فإن جميع أعمال البناء من الحجر وذلك لكثرة العملة من الجند ولسهولة جلب الحجر من المحال القريبة. وقد أنشئت بعض الأنفاق القصيرة لاجتياز القمة التي تفصل بين مصاب بعض الأودية وجعلت هذه السكة من خطوط حديدية وزن المتر منها ٢١ كيلو غراماً تستند إلى خشب أو حديد ولكن الإدارة اضطرت بعد قليل إلى الاستعاضة عن الخشب بالحديد لكثرة فعل الشمس فيها فمجموع وزن المتر من هذا الخط ويدخل فيه قضبان الحديد الذي يسير عليه القطار والذي اسند عليه وغيره هو ١٠٣ كيلو غرامات أما فرش الخط فمن حجارة مكسرة من الأحجار البركانية. وعدد المحطات المهمة قليل وهي تتألف من بناية لمكاتب الاستثمار ويقيم فيها المستخدمون ومن محطة للقاطرات وأحواض ماء وآلات رافعة للماء اللازم للقاطرات ثم طرق لتخزين المركبات. ولبعض هذه المحطات ورشات لإصلاح أدوات الخط وآلاته الثابت منها والمتحرك. وتجد بين هذه المحطات الرئيسية على مسافة عشرين إلى ثلاثين كيلومتراً محطات أخرى أقل شأناً من تلك وليس فيها سوى بناء هو عبارة عن مسكن للمستخدمين ويضاف في كل ٧٠ إلى ٨٠ كيلو متراً إلى هذه المحطات ما يلزم للقاطرات من أسباب حمل الماء اللازم ففي بعضها آبار وللبعض الآخر برك وهذه البرك قديمة البناء أنشئت لسد حاجات القوافل تمتلئ ماء في الشتاء فيستعمله الحجاج والبدو الذين يقصدونها للاستقاء منها مع إبلهم. وسعة بعض هذه البرك ٣٦ ألف متر وبعضها ٧٠ ألفاً وإذ كانت غير مغطاة ممتدة السطح وقليلة العمق يصبح الماء بعد مدة قليلة كريهاً ويتبخر سريعاً من حرارة الشمس. أما المحطات ذات الآبار وأكثرها قليلة العمق غالباً فإن مياهها تنضب بسرعة. فلا سبيل من ثم إلى إيجاد الماء الكافي للقاطرات والاستثمار إلا في بعض المحطات البعيد بعضها عن الآخر في الغالب وهذه الصعوبة في قلة الماء تزيد كلما توغل الخط متقدماً نحو المدينة. وللتغلب على هذه الصعوبات أضافوا أولاً إلى كل قاطرة مركبة حجمها ١٢ متراً مكعباً ثم استخدموا أحواضاً بمركبات تنقل الماء إلى المحطات التي يضطر فيها القطار إلى الاستقاء ولكن هذه الوسائط لم تخل من عوائق تجعل الخلل دائماً. فعقدوا العزم من ثم على حفر آبار عميقة جداً في كل ٧٠ إلى ٨٠ كيلومتراً ليمتاح منها الماء إلى البرك المغطاة. وقد جعلوا في الأماكن التي لم يتيسر فيها الحصول من الآبار على نتائج مرضية أحواضاً عظيمة مغطاة عمقها من ٦ إلى ٧ أمتار لتجمع فيها مياه المطر وتستعمل للشرب وجعلوا لها أدوات لتصفيتها من الأوساخ. ويحمل ماء الآبار والبرك إلى المحال اللازمة بواسطة مضخات بالبخار والأغلب بواسطة طواحين هواءٍ. وقد حاولت الإدارة أن تفتح آباراً ارتوازية وحفرت بعضها إلى عمق ١١٠ أمتار فلم تظفر بماءٍ ينبض وعللوا ذلك بأن السبب فيه إن ذاك السطح من الأرض يعلو من ٨٠٠ إلى ١٠٠٠ متر عن مساواة نهر الأردن فتسيل مياه الأمطار التي تتساقط هناك في الأحافير الكثيرة في الأرض نحو ذاك النهر. وربما كانت النتائج من ذلك أحسن كلما اقترب الخط من المدينة حيث تجري المياه إلى وجهة مخالفة. ومعلوم أن سورية وبلاد العرب فقيرة جداً بغاباتها وليس فيها مناجم فحم أما الأصقاع التي يجتازها الخط الحجازي فهي خالية من كل ذلك بالمرة. فوقود القاطرات والوقود اللازم لتدفئة المستخدمين وطبخ طعامهم والاستصباح كل ذلك يجلب من الخارج إلى دمشق أو حيفا ومنها يحمل إلى المحطات الكثيرة حتى المدينة أي إلى مسافة زهاء ١٤٠٠ كيلو متر وبهذا يرتفع سعر طن الفحم ارتفاعاً فاحشاً ولذا تبحث الإدارة في الاستعاضة عن هذا الوقود بزيت ثقيل يجلب من روسيا أو من الموصل على مقربة من بغداد. كما أن الإدارة تفكر في طريقة تحفظ بعض التسويات الترابية فإن الخط في كثير من الأماكن ولا سيما في جهات العلا يجتاز أصقاعاً تربتها من رمال تسفيها الرياح الشديدة التي تثور في بعض فصول السنة فترتفع تلك الرمال تغشي الطريق وتسده وتحمل تلك التسويات التي أقيمت بهذا الرمل ولثقوبة هذه التسويات غطوا الحدور والسطوح بطبقة من تراب صلصالي مزجوها بالحصا من حجم مناسب وهو يوجد عَلَى أيسر وجه في جوار الخط. أما أدوات الخط فتتألف من ٤٣ قاطرة و ٥١٢ مركبة نقل للبضائع و ٣١ مركبة للركاب. هذا وقد بدئ بإنشاء الخط الحجازي في أوائل سنة ١٩٠٠ وتم مؤخراً إى المدينة عَلَى مسافة ١٣٠٠ كيلو متر بمعنى أنهم مدوا ١٤٠ كيلومتراً في السنة وقد كلف كل كيلو متر بما فيه المحطات والأدوات المتحركة من ٣٥ إلى ٤٠ ألف فرنك وهو قدر زهيد بالنسبة إذا اعتبرنا الأحوال التي لتخلل العمل هناك من الصعوبات عَلَى أن أيدي العملة من الجند هي التي ينسب إليها الفضل في تقليل النفقة. نرى للخط الحجازي من حيث المنافع العثمانية مكانة عسكرية وسياسية كبرى لأنه سيصل عما قريب بخط حديدي لا ينقطع بين الأستانة وبين قطر بعيد كثيراً عنها ويسكنه قوم صعب قيادهم. أما من حيث التجارة فأي فائدة له؟ وليت شعري هل يكفي نقل البضائع والركوب لوفاء رأس المال الذي صرف عَلَى الخط والنفقات اللازمة لاستثماره وهي ليست قليلة. وهل يختار الحجاج الذين يقصدون مكة الركوب في هذا القطار على السير في طرق القوافل يا ترى؟ هذه مسائل يحلها المستقبل ثم ألا يخشى من انتشار الهواء الأصفر بهذا الخط بين البلاد عَلَى الرغم من المحجر الصحي في تبوك الواقعة على سبعمائة كيلو متر من دمشق اه. هذا ما نشرته مجلة الطبيعة الثقة في العلوم الطبيعية والرياضية بشأن سكة الحجاز وقد ختمها الكاتب بما لا تكاد تخلو منه كتابات الإفرنج عن الشرق وضعف الأمل في مستقبله وأعماله ونعني بذلك أن الخط الحجازي لا شأن له من حيث التجارة لأن الحجاج قد يؤثرون طريق القوافل عَلَى الركوب فيه وأنه يكون واسطة لنقل الوباء من القطر الحجازي إلى القطر الشامي. وكل هذه هو الخطأ بعينه لأنا نرى الحجاج يؤثرون الركوب في الخط الحجازي عَلَى ما فيه الآن من خلل في إدارة واستثماره وقلة وسائط الراحة ولو وفرت العناية به لظهرت الفوائد التجارية المادية ظهور الشمس في رابعة النهار ويكفي الآن أن الخط بين دمشق والمدينة قد حسن تجارة البلدين كثيراً بل أن من بعض الأراضي عَلَى طول الخط ما عمر أو كاد الآن بفضل المواصلات. والإفرنج يقولون: مدد الخط الحديدي في قفر ونحن نضمن له العمران فما بالهم يحللون لأنفسهم ما يحرمونه علينا ثم أن دعوى أن الخط الحجازي ينقل جراثيم الوباء مسألة فيها نظر بعد أن تحجر الحكومة على الحجاج في تبوك أياماً على أنه قد تمر السنين ولا ينتشر الوباء في الحجاز. العهر والزواج ألقى المسيو مالابرا أحد أساتذة الفلسفة في باريز محاضرة في مدرسة الدروس الاجتماعية العالية قال فيها: إن من يذهبون إلى أن التصريح بشرح المحظورات والرذائل أما الطلبة مما يضر بآدابهم ويعرفهم ما كان يجب السكوت عنه معهم هم في ضلال من آرائهم. وإن ما يرونه من جهل الأطفال في هذه الأمور مما يحفظ عليهم طهارتهم وعفتهم هو الخطر والخطل وذلك لأن الجهل لا يعد فضيلة ولا يقوم مقامها لأن للجهل حداً وزمناً يقف عندهما وعندئذ يسرع العطب إلى الفضيلة. ثم أن من يتوهم بأن الشاب يبقى إلى السادسة عشرة من عمره غير عارف بأسرار الرجولية هو من العماية بمكان. لأن الشاب لا يلبث أن يتعلم من بعض أقرانه الذين هم أعرف منه بهذه الأمور لم يتعلم ذلك من والديه أو معلمه فالوالدة خصوصاً هي أعرف بالزمن الذي يجب أن تنصح به لأبنها بما ينبغي له اتقاؤه من المفاسد وهي أقدر من غيرها عَلَى نصحه النصح اللازم بدون أن تمس أصلاً من أصول الحياء. ولكن معظم الوالدين يتسامحون بإعطاء هذه النصائح ويتخذون من جهل أبنائهم بما يترتب عليها من المفاسد حجة عَلَى سكوتهم. ومن المعلمين من تضيق صدورهم بشرح ما ينبغي ذكره للشبان مجتمعين ويؤثرون أن يذكروها لبعضهم منفردين ومنهم من يرون أن يعهد بحث هذه النصائح لطبيب الأسرة وآخر للرئيس الديني والأحسن أن يكون أمرها بيد المعلمين. يجب أن يقال للأولاد أنكم إذا أحببتم أن تكونوا في حياتكم أهل شرف وحشمة أن تعرفوا أن الأمم يضمحل أمرها متى فقدت آدابها وأنه لا سبيل إلى شخص أن يكون في مبدأ أمره فاسقاً ثم يكون في دور آخر صاحب فضيلة محترم المقام. فمن فصول الأخلاق فصل اعتادوا ويا للأسف أن لا يشرحوه لكم عَلَى حين هو جدير بالشرح وأعني به علاقة الرجل بالمرأة لما في ذلك من المخاطر والأهواء والشرور والمفاسد التي تعبث بمعنى الفضيلة والشرف والعدل. إن من أبشع ضروب السفسطة ما يزعمه بعضهم من أن خيانة المرأة من أعظم الجنايات وينتفرون خيانة الرجل وربما عدوها من أنواع الظرف واللباقة عَلَى حين هما مشتركان في الجريمة وارتكاب المآثم والرياء. ولعلهم يرون أن المرأة مخلوق بلغ مبلغاً عظيماً من الطهر والعفاف وهما لها من الأمور الطبيعية السهلة وأن الرجل هو من هذه الوجهة محتقر مرذول لا سبيل إلى مطالبته بأن يسير عَلَى غير ما يسير عليه الخنازير أو العصافير. أو لعل بعضهم يقول بأن خيانة المرأة وهي تأتي إلى البيت الأبوي بولد ليس منه يشارك أهله في العطف والإرث ويسيء استعمال الحقوق الطبيعية التي هي لأهله الأصليين من دون الدخلاء لا تعد شيئاً ولكن الرجل الذي يضع أبنه في غير بيته هل هو أقل ظلماً لأسرته والمجتمع من تلك المرأة وهذه تحمل الطفل في أحشائها تسعة أشهر وترضعه وتربيه وتتعب به أما الوالد فيقضي حظه في ساعته ويذهب مختالاً. ولكن هذا الظلم في الحكم عَلَى الجنسين ليس إلا اعتقاداً عاطلاً قديماً ورثناه عن الأجداد الذين كانوا ينظرون إلى المرأة نظرهم إلى حيوان مفترس أو دابة ركوب وأنها خادمة الرجل وملكه ومتاعه نهبها في الحرب أو ابتاعها من السوق وبذلك كانت سرقتها خرقاً لحقه وجنايتها إهانة لعظمته وتمكينها من نفسها ضرباً من ضروب الاعتداء عَلَى حق غيرها وهي لا حق لها يعرف بتة. نعم ليس ثمت أدبان فمن سار سيرة سيئة دنيئة مع امرأة لا يستطيع أن يكون عفيفاً مخلصاً عادلاً بقية حياته ومن أسخف ما يقولونه حتى كاد يسري مسرى المثل أن الشبيبة طور من أطوار الحياة لا بد من قضائه أي أنه يتسامح مع الشاب أن يأتي ما يأتي. وكم من رجال أُفسدوا بهذه الحكمة السخيفة ومن وجدانات يعبث بها كل يوم من تاثيراتها. فمن أفظع الأمراض التي يصاب بها الشباب مرض الزهري فقد أثبت الإحصاء أن واحداً من كل سبعة رجال يصاب به في فرنسا وواحداً من كل أربعة يصاب به من طلبة باريز فهذا الطاعون الجديد كما يسمونه يحمل معه أمراضاً كثيرة منها العقم والفالج العام والموت فكما أنه مرض عقام فهو معدي حتى من بعد خمسين سنة فإن أصيب به يحمله إلى غيره حتى بعد هذه المدة فقد ثبت أن الإصابات عَلَى هذه الصورة ليست نادرة بل أن ١٩ في المئة من النساء يصبن به من رجالهن وينقلنه إلى أولادهن وأن عشرين ألف طفل في سنة يولدون ميتينيأو يموتون في الشهور الأولى من ولادتهم بسبب هذا الطاعون ومن يعيش منهم يبقون في عاهات وسقوط نفسي وجسدي كاحديداب ظهورهم ووقر في آذانهم وعقلة في ألسنتهم وضعف في قواهم العقلية وبلاهة وحمق. فأي شاب عاقل يعرض أولاده لهذا المرض بصنعه ويورثه هذه المصائب ولا تؤاخذه نفسه على ما أتى قائلاً أنه يكفر عن سيئات ارتكبها ويؤخذ بجنايات أتاها دع عنك ما ينال الشخص نفسه من ضعف القوى العقلية وضعف النشاط والفتاء مما يجعل فيه استعداداً للسل وللأمراض العصبية والعقلية فمن يسرف في حبه على صورة دنيئة جنونية يوشك أن يهينه ولا يهين المرء حبه إلا إذا أهان نفسه فقد قيل ما من امرئ يأتي ما يخجل منه بدون أن يصدر عنه ببعض المقت والقذارة. وبهذا رأيتم أن العفة تطالبكم بالاحتفاظ بها لا للحيطة على النفس فقط بل حرصاً عليها من التدنس والعار. وأني لأعجب لمن يعمد إلى إغواء فتاة ثم لا يعلم أنه كما تدين تدان ويستاءُ إذا بلغه أن أخته أو إحدى أقاربه قد اتخذت لها خليلاً حتى يكاد يموت خجلاً وربما أدى به ذلك إلى ارتكاب الجنايات. وأني لأرثى لحال تلك الفتاة التي أُغويت وتركها مغويها بما فيه من دناءة. ومن قال بأن جريمته تغتفر إذا استفاد من فتاة أغواها قبله إنسان فهو شريكه في الجرم لا محالة ومن أمثال هؤلاء الشبان كثر العهر والفجور أحد الأدواء الاجتماعية في هذا المجتمع. فمن دناءة الطبع أن يبيع المرء جسمه من كل طالب فهل ترون أقل دناءة من يبتاع جسم غيره؟ فقد قال فيكتور هوغو كلاماً حرياً بالإمعان: يقولون أن الرق زال من الحضارة وهذا وهم لأنه ما زال بحاله ولكنه رق لا تنوءُ تحت عبئه إلا المرأة وهو ما يسمى بالعهر. لا يثقل على المرأة أي على اللطف والضعف والجمال والأمومة وذلك من موجبات الخجل للرجل. وأن من يقول أن الشاب بما يأتي يقوم بواجب طبيعي لا نجيبه إلا بأن ما يعمله هو من نتائج التفكر. ويتأتى له أن يفلت من مخالب هذه المفاسد إذا صحت عزيمته وسلمت إرادته فالإرادة وحدها هي الباعثة عَلَى الشهوات وإذا قيل أن مقاومة الطبيعة صعبة فإنا نقول بأن ما يصرف من القوى في جهاد النفس والهوى أقل مما يسرف منها إذا سار المرء بما تمليه فطرته الرديئة. ومن خلص نفسه من هذه المآزق كان خليقاً بأن يعد مالك نفسه ثبت الإرادة متينيالأخلاق كريم العواطف وكل ذلك من صفات الرجولية. فعليك يا هذا أن تعلي قدر الحب وأن تبتذله لأنه أجمل ما في الأرض وأقدسه وأن تعلي قدر المرأة بحيث لا تهان لأنها في البيت والمجتمع حارسة الكمال وهي في ذاتها جزءُ بل أشرف جزءٍ من الكمال في الحياة وعليك أن تتمثل أبداً المرأة في ذهنك صورة حية كما تتمثل أختك وأمك صورة الطهر واللطف واعتقد بما قاله تورية: إن من يتزوج شاباً وهو سليم البنية ويختار فتاة شريفة سالمة من العاهات ويمازج حبها شغاف قلبه ويبذل كل نفسه وقواه ويجعلها رفيقة أمينة له وأماً ولوداً ويميل لتربية أولاده ويكون لهم خير مثال بعد وفاته هذا هو الحقيقة وما عدا ذلك خطأ وجناية وجنون. ولا أسهل عليك من التوقي من ضروب الإغواء والغواية إذا أزمعت أن تتزوج شاباً وفكرت فيمن تكون أليفة حياتك ممن ربما تكون عرفت صورتها من قبل وأحببتها وكتمت حبها في صدرك فتشاطرك في الحياة آلامها وأفراحها وه تكون لك عوناً كما أنت لها عون بما تشعر به من حبك لها حباً دائماً جميلاً وتتخذ من جسدك وروحها أحسن مادة تؤلف منها جسد ولدك وروحه.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_42.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.42.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
