<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.41.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.41.TEIP5:</urn>
<passage>أكبر الأشياء في العالمهذا فصل وما يتبعه تحت هذا العنوان عربته عن الانكليزية و هو فصل من أعلى جسر طبيعي في العالم هو جسر صخري في ولاية فرجينيا الولايات المتحدة علوه مائتا قدم. أكبر مبلغ من الأوراق المالية المستعملة في العالم هو في الولايات المتحدة. فسكان هذه الجمهورية العظمى يستعملون ٧٠٠.٠٠٠.٠٠٠ من تلك الأوراق في حين أن مملكة روسيا العظيمة تستعمل منها ٦٧٠.٠٠٠.٠٠٠ . أكبر شركة لضمانة الحياة في العالم هي شركة موتشال في مدينة نيويورك الولايات المتحدة. رأس مال الشركة يبلغ ١٠٨.٠٠٠.٠٠٠ دولار. أشهر صوت في العالم هو في قلعة سيموزا على مسافة ميلين من ميلان فإذا أطلق فيه عيارٌ ناري تراجع صداه ستين مرة. أكبر بركان في العالم هو بركان إثنا. دائرة قاعدته ٩٠ ميلاً وعلوه ١٠٠٠ قدم وقد انفجر لأول مرة في سنة ٤٧٤ للمسيح. أكبر شجرة في العالم هي في إيالة توكر في كاليفورنيا علوها ٢٧٥ قدماً ودائرة محيطها ١٠٦ أقدام. أكبر صحراء في العالم هي شارا في شمالي إفريقية. طولها ثلاثة آلاف ميل وعرضها ٩٠٠ ميل ومساحتها مليونا ميل مربع. أكبر ماسة في العالم هي براغانزا في بلاد البرتقال تزن ١٨٨٠ قيراطاً وقد وجدت في برازيل سنة ١٧٤١ . أطول رجل في العالم هو يوحنا هال من إنكلترا. طوله تسعة أقدام وستة قراريط وطول كلٍ من يديه سبعة عشر قيراطاً وعرض كل منهما ثمانية قراريط ونصف القيراط. أعلى عمود تذكاري أقيم في العالم حتى اليوم هو في واشنطن عاصمة الولايات المتحدة علوه ٥٥٥ قدماً. أعلى بناء أقيم في العالم هو برج إيفلالمعرب . في نيورك في باريس عاصمة فرنسا علوه ٩٨٩٥ قدماً وتمَّ بناؤه سنة ١٨٨٩ . يعمر كلٌّ من الغراب والإوزة مئة سنة. والحدأة أو طير الرخم ٥٩ سنة والببغاء ٦٠ وأبو حوصل ٥٠ والقنبرة ٣٠ والعصفور الدوري والباشق ٤٠ والطاووس والكناري والغرنوق ٢٤ سنة. أعظم جنادل في العالم هي شلالات بيفاغارا في الولايات المتحدة علوها ١٦٥ قدماً. أما أعلى جنادل في العالم فهي في كليفرينا فمياهها تسقط على علو ٢٥٥٠ قدماً. أقدم مدافن في العالم هي مدافن ملوك مصر القدماء التي يرد تاريخها إلى ألفي سنة قبل المسيح. أما مدافن رومية القديمة ففيها نحو ستة ملايين من رفات الأموات. وأما مدافن باريس القديمة ففيها ثلاثة ملايين من تلك الرفات. أكبر عدد عن الماشية جيءَ به إلى مدينة واحدة في العالم في سنة واحدة هو ما استاقوه إلى مدينة شيكاغو في سنة ١٨٨٤ وقد بلغ عدد الأبقار التي جلبت إلى تلك المدينة في تلك السنة ١.٨٧٤.٩٨٤ وعدد العجول ٣٠.٢٢٣ وعدد الخنازير ٥.٦٤٠.٦٢٥ وعدد الأغنام ٧٤٩.٩١٧ وعدد الخيول ١٥.٦٢٥ وقد شغلت تلك الماشية تسعة آلاف قطار كلّ منها مؤلف من إحدى وثلاثين مركبة. فإذا قطرت كل تلك القطر والمركبات يبلغ طولها ١٤٦ من الأميال. أكبر مزرعة في العالم للغلات هي في الجنوب الغربي من ولاية لوزيانا. مساحتها شمالاً وجنوباً مائة ميل. وقد كلف تسييجها ٥٠.٠٠٠ دولار. أكبر عقد في العالم هو اكودكت في واشنطن، فهو يزيد عن عقد شاستر في انكلترا بعشرين قدماً وأطول من عقد نيولي باثنين وتسعين قدماً ومن جسر واترلو في لندن بمئة قدم، أما علو عقد واشنطن فمئة قدم. أوسع معادن العالم هي المسماة فيربرغ ساكسوني عرفت في القرن الثاني عشر للميلاد، وقد امتدت دهاليزها الغربية في سنة ١٨٣٥ إلى مئة واثنين وثلاثين ميلاً وأعمق عمود قائم في معدن في العالم هو في بريزلرام وهو معدن رصاص عمقه ٣٢٨٠ وأعمق معدن فحم حجري في العالم هو على مقربة من ثورني في بلجيكا عمقه ٣٥٤٢ قدماً، على أن ليس له اسطوانة كاسطوانة معدن الرصاص المقدم الذكر، وأعمق نقب أو ثقب أو فتحة في الأرض هي بئر في بوتسدام في انكلترا، عمقها ٥٥٠٠ قدم، وأعمق اسطوانة معدن فحم حجري في الولايات المتحدة هي في بوتسفيل بنسلفانيا عمقها ١٨٠٠ قدم ومن هذا العمق العظيم يستخرج يومياً ما يملأ أربعمائة كار يسع كل منها أربعة طنات١٦ قنطاراً من الفحم الحجري وأعمق معدن فضي في الولايات المتحدة هو المدعو بلوجاكت في فرجيناستي في ولاية نيفادا، وأوطأ مسطحاتها ٢٧٠٠ قدم. أكبر جسر حجري على وجه البسيطة أنجز في أيار سنة ١٨٨٥ في لفانغ في الصين بناه مهندسو الصين وهو يقطع جون البحر الصيني طوله نحو ستة أميال وله ٣٠٠ عقد طول كل منهما سبعون قدماً وهو أعظم بنيان شيده الإنسان ومع ذلك ترانا نزدري بتلك الأمة الوثنية العظيمة. أكبر جسر حديدي في العالم هو ذلك الجسر الذي يقطع فرث تاي في سكوتلاندا طوله ١٨٩١٢ قدماً، وأكبر جسر خشبي في العالم هو ذلك الجسر الذي يقطع بحيرة بونشارتين على مقربة من نيوأورلين، طوله ٢١ ميلاً وأعلى جسر في الولايات المتحدة هو المبني فوق نهر كينزينا على مقربة من برادفورد بنسلفانيابني سنة ١٨٨٢ . أكبر ثور في العالم هو في فيلادلفيا الولايات المتحدة بلغ وزنه ٤٩٠٠ بوند وأكبر بقرة بلغ وزنها ٣٢٩٦ بونداً. أشهر وأكبر وأجمل بناية للعبادة في العالم هي كنيسة القديس بطرس في رومية، موقعها في شمالي غربي رومية وقد بنيت على هيئة الصليب اللاتيني، طولها ٦١٢ قدماً ونصف قدم وعلوها ٤٤٨ قدماً وعلو قبتها ١٥٢ قدماً ونصف وقطرها ١٦٣ قدماً أما وزن جرسها ما عدا المطرق أو المطرقة فنحو ٣٧ قنطاراً وقد أسست في سنة ١٤٥٠ للميلاد وعاش ومات فيها ٤٣ باباً. أكبر بنيان شيدته يد الإنسان على الغبراء هو هرم مصر مساحة قاعدته ٧٦٢ قدماً وعلوه ٤٨٦ قدماً وهو يشغل ستة أفدنة من الأرض وقد قدر العارفون من المهندسين نفقاته بثلاثين مليون ليرة انكليزية وأنه بني نحو سنة ٢١٧٠ قبل المسيح أو في عهد ابراهيم الخليل وأنه تقاضى نحو عشرين مليون قنطار من الأحجار النحيتة وأن تلك الأحجار قد جلبت من مقلع عظيم من البلاد العربية على مسافة نحو سبع مئة ميل. أكبر وأنفس قصر في العالم قصر اللورد بيوث في انكلترا يشغل فسحة من الأرض قدرها ثلاثة أفدنة، وقد بني على نسق بناء قدماء الغوطيين ويبلغ علوه مئة وعشرين قدماً وتقدر نفقاته بثمانية ملايين دولار. أكبر جسم مائي بارد في العالم هو بحيرة سوبيرور طولها ٤٠٠ ميل وعرضها ١٨٠ ميلاً ومساحتها ٣٢٠٠٠ ألف ميل مربع وعمقها ١٢٠٠ قدم ومساحتها أكبر من مساحة نيو انكلترا وهي تعلو عن سطح البحر ٦٣٦ قدماً. أكبر آلة لنقل الآلات في العالم هي آلة شركة المركبات الكهربائية في بولمان على مقربة من شيكاغو الولايات المتحدة وقد اجتهد امبراطور برازيل أن يشتريها فلم يفلح، أما علوها فأربعون قدماً وقوتها توازي قوة ١٤٠٠ حصان ولها اسطوانتان طول كل منهما أربعون قيراطاً. أكبر قارب في العالم هو قارب سولانا المستخدم اليوم بين بينيسيا ومرفأ كوستا طوله ٤٦٠ قدماً وعرضه ١٦٦ قدماً وعمقه عشرون قدماً وله ثمانية مراجل من بولاد وثلاث دفات. أعلى بناية في العالم بعد برج إيفل وبناية مرصد واشنطن ودار البلدية في فيلادلفيا الولايات المتحدة هي بناية كنيسة كولوغن علوها ٥١١ قدماً وطولها كذلك وعرضها ٢٣١ قدماً، أسست في ١٥ آب سنة ١٢٤٨ وكمل بناؤها في ١٤ آب سنة ١٨٨٠ أي بعد أكثر من ٦٠٠ سنة من عهد وضع حجر زاويتها. كان الباحثون يظنون أن أعلى جبل على وجه البسيطة هو جبل إيفرست أما اليموم فقد بدا فساد ذلك الظن، فجبل هيركولس أعلى منه فهواي هيركولس يعلو عن سطح البحر ٣٢٧٦٣ قدماً ويعلو ايفرست عن سطح الأوقيانوس الهندي ٢٩٠٠٢ من الأقدام وقد اكتشفه القبطان لاوسون في سنة ١٨٨١ في جزيرة بابيوا نيوجونيا. أكبر ولاية في الولايات المتحدة هي تكساس وهي تحتوي على ٢٧٤٣٥٦ ميلاً من الأرض الخصيبة وتسع وعشرين مليوناً من الناس ولا يحتشدون فيها بهذا العدد أكثر من احتشاد سكان اسكوتلاندا في الزمان الحاضر وقد قدر أنها تسع كل سكان الكرة الأرضية وأنه يصيب الواحد منهم أربعة أقدام من الأرض. أطول أنهار العالم هو نهر ميسوري في الولايات المتحدة، طوله ٤٣٠٠ ميل ويجري مساحة ١٧٢٦٠٠٠ من الأميال المربعة، وأوسع نهر في العالم هو نهر أمازون في برازيل طوله ٤٠٠٠ ميل ويجري ٢٣٣٠٠٠٠ من الأميال المربعة. أكبر ديوان للجمارك في العالم هو في (نيوأورلينس) له ١١١ غرفة وعلوه من قاعدته إلى قمة إطار عموده ثمانون قدماً ومن قاعدته إلى رأس قبته ١٨٧ قدماً ومساحة هذه وحدها ٤٩ قدماً مربعاً وعلوها ٦١ قدماً وذلك الديوان مبني من الرخام والأخشاب النفيسة ويقدرون أكلافه بأربعة ملايين وتسعمائة دولار. أكبر نزل في الولايات المتحدة وربما في العالم هو نزل (بالاس) في سانفرنسيسكو كلفيرينا وهو مؤلف من تسع طبقات وقد كلف ثلاثة ملايين دولار ونصف مليون دولار (واحترق في جملة ما احترق من القصور والدور الشاهقة في ١٨ نيسان سنة ١٩٠٥ وسبق ذكر ذلك في مقالة للمعرب في حريق وزلزال سانفرنسيسكو نشرت في الجزء السابع من سنة المقتبس الأولى). أجمل ملعب في العالم هو في باريس عاصمة الفرنسيس، وهو مبني من الحجر الناعم الصلد الجميل وأرضه مرصوفة بالرخام وهو يشغل ستة أفدنة من الأرض، أما (لاسكالا) من ميلان ففيها أكبر محل للجلوس، وأما دار الخطابة في شيكاغو التي تم بناؤها في سنة ١٨٨٩ ففيها سبعة آلاف مقعد للجلوس. أكبر مجلد عرفه الإنسان منذ الخليقة حتى اليوم هو كتاب الملكة فيكتوريا المنتقلة إلى رحمة ربها في سنة ١٩٠١ وهو يتضمن التهاني التي وردت عليها بيوبيلها ويبلغ سمكها ١٨ قيراطاً ويزن أكثر من عشرة أرطال. أكبر كاس للفحم الحجري في العالم هو في ادوارد شفيل كوليرين في بنسلفانيا الولايات المتحدة وهو يحضر من الفحم الحجري ما يملأ أربعمائة كاراً مركبة في كل عشر ساعات. أعظم علو بلغ المنطاد هو ٣٧٠٠٠ قدم أو نحو سبعة أميال وكان ذلك في ٥ تشرين سنة ١٨٦٢ في ولفرها فبتسن في انكلترا. أطول سلك برقي مفرد في العالم استخدم لأجل رسالة برقية فقط هو في الهند، فقد مد فوق نهر كسيتوا بين بزورا وسيكتوكروم أما طوله فأكثر من ستة آلاف قدم وهو يمتد من قمة جبل إلى قمة جبل آخر وعلو ذينك الجبلين نحو ألفي قدم. أكبر تمثالين في العالم هما في يابان أحدهما في نارا وعلوه ثلاثة وخمسون قدماً وتسعة قراريط وكان أول نصب أقيم في القرن الثامن على أنه تهدم فيما بعد وجدد في سنة ١٢٢٣ وأما الآخر فهو نصب كاماركورا وعلوه ٤٧ قدماً. المعرب أقول ومن هذا يظهر أن المغاربة الذين ما زال صغار العقول منهم وكثيرو الدعوى الفارغة بينهم يشمخون بأنوفهم على المشارقة ويقولون في انحطاطهم وجهلهم كل كلمة عوراء أن الشرق سبقهم في نصب التماثيل بمئات السنين كما سبقهم بكثير مما يفاخروننا به في هذا العصر. أكبر منارة في العالم هي في سدني استراليا، فقوة نورها توازي قوة نور مئة وثمانين ألف شمعة، وتشاهد تلك المنارة على مسافة خمسين ميلاً في البحر، وثاني منارة في العالم بكبرها وقوة نورها هي في باليس اندوستراي وقوة نورها توازي قوة نور مئة وخمسين ألف شمعة، أما منارة سان جوزف كلفرينا فقوة نورها توازي قوة أربعة وعشرين ألف شمعة، وأول منارة أنشئت في العالم كانت في جزيرة فاروس القائمة على ثغر الاسكندرية. أكبر بلاطة رصفت في دار للسكن هي في دار وليم فاندربلت المثري الشهير في مدينة نيويورك، وقد جلبت من قضاء بايك في بنسلفانيا الولايات المتحدة وكلف نقلها لنيويورك تسعة آلاف ومئتي دولار أما أكلافها كلها فبلغت سبعة وأربعين ألف دولار. أعظم ملاك للأراضي في العالم هو ولسن ودنفهام فله من الأراضي في المكسيك وغير المكسيك مليون ونصف مليون فدان آكر وكلها صالحة للزراعة. أعظم وزر قلعة أو حصن أو معقل للفنون الحربية هو وَزَر غبرلئر فهو يشغل صخراً ناتئاً خارج البحر طوله نحو ثلاثة أميال وعرضه ثلاثة أرباع ميل ويعلو عن سطح البحر ١٤٣٥ قدماً وجهته الشمالية عمودية في حين أن جهته الشرقية ملأى بالأحادير المرعبة، ويحده من الجنوب المكان المعروف برأس يوربا وتحدره في غربيه أقل منه في شرقيه ويفصل بينه وبين البحر مضيق وتلك القلعة من القلاع التي هزأت وتهزأ بحملات الجنود البواسل وقنابل مدافعهم الهائلة ويبلغ عدد الجنود فيها في زمن السلم سبعة آلاف جندي. أكبر كهف بحري في العالم هو في مقاطعة ادهونسن كنتكي في الولايات المتحدة وهو على مقربة من النهر الأخضر ونحو ستة أميال من مدينة قاف وثمانية وعشرين ميلاً من بولن كرين. أكبر جرس في العالم هو دير بودهست على مقربة من قانتن في الصين، علوه ثمانية عشر قدماً ومحيط دائرته خمسة وأربعون قدماً وهو واحد من الثمانية الأجراس النحاسية العظيمة التي سكبت بأمر الامبراطور يانغ لو في سنة ١٤٠٠ للمسيح وقد كلفت ثمانية نفوس في أثناء صبها وحفر على ذلك الجرس العظيم ثمانية وأربعون حرفاً صينياً تؤلف قصة صينية شهيرة. أكبر آلة لرفع المياه في العالم هي تلك المضخة الطلبمة المشهورة في فردسفل بنسلفانيا الولايات المتحدة، فهي ترفع في الدقيقة سبعة عشر ألف وخمسمائة غالون مكيال انكليزي يسع عشر ليبرات أو ١٤٤٠ درهماً من الماء أما قطر دواليبها ذات الدفع فهو خمسة وثلاثون قدماً ويزن كل منها مئة وستين قنطاراً وطول قضيب مجذافها أربعون قدماً وقطر اسطوانتها مئة وعشرة قراريط وقطر قبضتها ثمانية عشر قيراطاً. أكبر مدفع في الولايات المتحدة هو في معقل هملتن في مرفأ نيويورك العظمى، طوله ٣٤٣ قيراطاً، وقطره الأعلى ٦٤ قيراطاً وقطره الأدنى ٣٤ قيراطاً وقطر ثقبه ١١ قيراطاً ويبلغ ما يحشى من البارود مئتي بوند وتزن قنبلته ألفي بوند. أكبر مطرق بخاري في العالم هو لشركة المعمل الحديدي في بيت لحم الولايات المتحدة فقوة ضربته أو صدمته توازي ثقل خمسمائة قنطار وهذه المطرقة لأجل صنع السبائك الذهبية التي تزن الواحدة منها من أربعمائة إلى ستمائة قنطار. أعظم مدينة شاهدها الإنسان منذ عهد الخليقة حتى يوم الناس هذا هي مدينة لندن أو عاصمة بريطانيا العظمى، فهي تشغل سبعمائة ميل من الأرض وعدد سكانها نحو ستة ملايين نفس، منهم أكثر من مليونين من الأجانب من كل ناحية من نواحي الكرة الأرضية المعمورة، وفيها من الكاثوليك الرومانيين أكثر من كاثوليك رومية ومن اليهود أكثر من يهود فلسطين ومن الايرلنديين أكثر من سكان دوبلن في ايرلندا ومن الاسكوتلنديين أكثر من سكان ايدنبرغ ومن أهالي ويلس أكثر من سكان كاردف ومن المزارعين أكثر من سكان أقضية ديفون ووارو كشير ودورهام. وتلد فيها نفس كل خمس دقائق وتموت نفس في كل ثماني دقائق ويحدث يومياً سبع حوادث في شوارعها التي تبلغ ثمانية آلاف ميل ومعدل كل من تلك الشوارع أربعون ميلاً ويبنى فيها خمسة عشر ألف بيت سنوياً. والمعدل السنوي لزيادة السكان في لندن من طريق الولادة فقط هو ٤٩٠٠٠ نفس تجد في مرفئها يومياً ما يزيد على ألف سفينة وعشرة آلاف ملاح، وفي لندن حوانيت للمشروبات الروحية يبلغ طولها إذا بني كل منها إلى جنب الآخر ثمانية وسبعين ميلاً، ويقف كل سنة أمام دكة القضاء من سكيريها ثمانية وثلاثون ألف سكير وتفتح أبواب الحوانيت فيها نهار الأحد على مسافة سبعين ميلاً. وللندن نفوذ بين في كل صقع من أصقاع العالم، ويوافيها من الرسائل سنوياً ٢٩٨٠٠٠٠٠٠ رسالة ويمر يومياً على منعطف شافام فيها خمسون قطاراً، ويسير في نفقها تحت الأرض ١٢١١ قطاراً كل يوم، ويركب في مركبات شركة الحوافل أومنيبوس فيها كل سنة ستة وخمسون مليون راكب. والغريب أن الخطر في السير في شوارع لندن أكثر منه في السفر في القصر أو السفائن البحرية بين نيويورك وليفربول ففي سنة ١٨٨٦ قتلت المنقلات أو المركبات ١٣٠ نفساً وتضرر ٢٠٠٠ في شوارع تلك العاصمة. أما عدد كل فرقة من رجال المحافظة في لندن وساقة المنقلات والعملة في إدارة البريد فهو ١٥٠٠٠ . وتنفق لندن سنوياً على النور الكاز ثلاثة ملايين دولار، وعدد جرائدها اليومية والأسبوعية ٤٠٠ . أما تاريخ تأسيس لندن فيرجع إلى سنة ٢٨٣٢ للعالم أي أنه انقضى على أول بناية بنيت في لندن ٣٠١٥ عاماً ومياه لندن نظيفة وصالحة للشرب ومعدل الموتى فيها قليل جداً لنكلن نبراسكا الولايات المتحدة. حقوق البشر من المحال أن نأمن غوائل المستقبل ودواعي الزمان وتغلب الأشرار وتلاعب الفجار إذا لم نغرس في قلوب أبناء الأمة محبة الوطن الحقيقية ونعرفهم حقوقهم وواجباتهم للهيئة الاجتماعية ونرقي شعورهم وعواطفهم بحيث ينطبعون على عزة النفس وإباء الضيم وحرمة الفضيلة واحتقار الرذيلة، فيصبحون بذلك على أهبة الدفاع عن مصلحة الأمة والوطن دفاع البطل المستميت الذي يرى لثم شفار السيوف وشرب كأس الحثوف خيراً من الصبر على الذل والرضى بالعار واهتضام الحقوق ولا سبيل للوصول إلى هذه الغاية الشريفة إلا بالعلم والتربية، أريد بالعلم جماع العلوم الصحيحة التي بنيت قواعدها على البراهين القاطعة وأريد بالتربية تهذيب الناشئة على مقتضى الحكمة والعقل تهذيباً ينسف بروج الخرافات والأباطيل نسفاً ويقذفها في اليم قذفاً، وأول شيء ينبغي أن يجعل نصب أعين المصلحين تعليم الأمة حقوقها المقدسة وأخص بالذكر حقوقها الاجتماعية التي كانت مداسة بالأقدام منذ ألوف من الأعوام. . شعار الإنسان الحرية، وهي التخلص من قيود الأسر المادي والأدبي، ولا يجوز أن يطلق إنسان على من عدم هذه الحرية وكان في إمكانه نيلها. الأسر الأدبي أشد تأثيراً وأمر فعلاً من الأسر المادي، وهو أن يكون الإنسان تابعاً لآراء غيره مقلداً له في أفكاره وحركاته تقليداً أعمى لا يميز الصحيح من الفاسد ولا يعرف الخبيث من الطيب. . وما أبعد الحرية عن أناس إذا سمعوا منادياً ينادي في الأسواق تجمعوا حوله ونظروا إليه وإذا تبع ذلك المنادي واحد منهم تبعوه جميعاً وهم لا يدرون إلى أين يذهب بهم ذلك المنادي أإلى ذرى جنات النعيم أم إلى أسفل دركات الجحيم. . . وفي قصة أعطه جملة عبرة وذكرى تبين لنا معنى الأسر الأدبي بياناً لا يدع مجالاً للشك والريب! مالنا ولهذا أليس الجهل رقاً مؤبداً وأسراً مخلداً. . وأعظم مراتب الجهل جهل الإنسان حقوقه الاجتماعية ومن كان في غفلة عنها فهو حيوان مسخر يستخدمه الآخرون بأبخس الأثمان. . . في عنقه حبل الأسر مشدود الوثاق وفي رجله قيد الذل والهوان. ثم إن من عرف حقوقه ولم يكن في جسمه دم حار يدفعه للذود عن حياضها عندما تمسها أيدي الظلمة الغشمة فهو دون مرتبة الحيوان!. ولا يقيم على ضيم يراد به إلا الأذلان عير الحي والوتد هذا على الخسف مربوط برمته وذا يشج فلا يرثي له أحد ما هي الحقوق المقدسة التي يجب على كل فرد معرفتها؟ إليك سبعة عشر بنداً تتضمن حقوق البشر وأبناء الوطن نظمها خمسة أعضاء من مجلس التأسيس الذي انعقد إبان الثورة الكبرى في فرنسا سنة ١٧٨٩ وقد تلاها أمام المجلس الخطيب الطائر الصيت ميرابو في اليوم الثاني عشر من شهر آب وقوبلت بالقبول والاستحسان في السادس والعشرين من ذلك الشهر وهي الآن فاتحة دستور الحكومة الجمهورية في فرنسا. . ومن تأملها يجدها وقد جمعت فاوعت من حقوق البشر وواجباتهم وما أجدر أبناء وطننا أن يحفظوها بالحرف ليعرفوا مكانهم من هذه الهيئة المبجلة وهاهي: لا يجوز بتاتاً تهمة أحد أو حبسه أو توقيفه إلا في الأحوال المعينة في القانون وعلى الطرق المصرح بها فيه. والذين ينفذون أوامر عرفية أو يتوسطون في تنفيذها ينالون قسطهم من العقاب. . غير أنه يجب على كل من يدعي باسم القانون تلبية الدعاء في الحال ومن يمتنع عن الإجابة يعد من المجرمين. حرية بث الأفكار والآراء من أجل حقوق الإنسان وأثمنها، فلكل فرد من أفراد المجتمع الحرية الكاملة بأن يكتب ما يشاء وينشر ما يشاء ويتكلم بما يشاء. غير أن سوء استعمال هذه الحرية داع للسؤال والمؤاخذة على مقتضى الشروط المصرح بها في القانون. مصالح الأبدان والأنفس القول في الشراب الطعام عامته جسم أرضي يحتاج إلى ما يرقق أجزاءه ويهيئه للقوة الهاضمة وحقيقة الشراب هو الشيء الذي إذا طبخ صار جميعه بخاراً بلا ثقل كالماء فأما ما يبقى له ثقل أو ينعقد منه شيء إذا طبخ فهو بالطعام أشبه وأوفق الأشربة التي يكثر استعمالها السكنجبين العسلي لأن فيه قوى العسل والخل، ولهما الجلاء والتحليل، وعلى هذين المعنيين مدار أفضل المعالجات فإن الأشياء التي تحفظ الأجسام وتمنع من العفونة والفساد هي الخل والعسل والملح والصبر فقد اجتمع في السكنجبين شيئان من هذه الأربعة. القول في المشمومات كما أن الماء ليس يغذو بنفسه، وإنما هو مركب للغذاء كذلك الهواء لا يغذو إلا بما يستصحبه من الرائحة الطيبة وكذلك وقع المشموم في باب حفظ الصحة ويجب للحكيم أن لا يترك الانتفاع بالروائح الأرجة وأن يجعل استعمالها عباً لأن للمشمومات قوى مفرطة في الحرارة والبرودة فربما ضرت مداومتها فلأن حاسة الشم إذا انغمست في الروائح الطيبة كلت عنها وفترت لذتها منها كالعطارين والدباغين في القيدين ولا يدني المشمومات إلى أنفه إدناءً كثيراً لغلبة الكيفيات بل يبخر له المجلس وثيابه ويجمع من المشمومات رطبةً كانت أو يابسةً طبائع مختلفة لتكون أقرب إلى الاعتدال وأعون على الاستكثار فإن التركيب ألذ ما استعمل في الأطعمة وأنفع ما اعتمل في الأدوية كالأبارجات ونحوها. القول في النوم من كان أرطب بدناً كان النوم عليه أغلب والمشايخ أكثر نوماً إلا أن رطوبتهم ليست أصلية فضعف لذلك نومهم واضطرب وهو من الأقوات الطبيعية إلا أن الإكثار منه يرخي البدن ويهيج الوجه ويكل الحواس ويملأ الأعضاء فضولاً ويفتر الحركات وربما كان سبباً لعفونة الإخلاط وإضعاف الحفظ والفهم والذكاء، والحاجة إليه في الصيف أكثر لغلبة الحرارة واليبس فيه ولطول نهاره وكثرة التعب بحركات اليقظة فيه وهو في الربيع مستلذ وفي الصيف علاج ويجب أن لا يلحق المرء نصف الليل إلا وهو نائم فهو حقيقة الليل واستحكام الظلام وأن امتد به السهر فلينم في السحر وقبل طلوع الفجر فإن اتصال اليقظة ليلاً ونهاراً ليس بصالح والنوم في أول النهار خطأ لأنه وقت الانتشار وحركة الحيوان فالنوم فيه تنكيس للأمور الطبيعية عن جهاتها وكذلك آخر النهار، لأنه ينقص نوم الليل ويفسده والليل أفضل الأوقات للنوم ويحمد النوم عند الغم والخوف لأنه يقلل الحرارة التي يهيجانها، وتقدير زمان نوم الحكيم، الثلث من جميع ساعات الليل والنهار ولا يلزم شكلاً واحداً في النوم فربما اضطر إلى غيره ولا يوقط الإنسان بإزعاج فإن نفسه تتموج وأعضاءه تسترخي عند نومه، فكل شيء من الأفعال الطبيعية فيجب أن يكون الانتقال منه إلى ضده بتدريج وترتيب وليكن النوم بالليل على فراش وثير والجلوس بالنهار على مقعد وطيء. فصل في الباه ينبغي تجنبه في حالي الخواء والامتلاء وحال الامتلاء أسلم، وفي حال الغم والحزن وأن تكون التي تواقع محركة النفس بنشاط أو غضب فإن ذلك يوجب ذكاء المولود وليجتنب مجامعة العليلة والفاترة النفس والمسترخية البدن والمغلوبة بالنوم فإن ذلك يوجب بلادة المولود. . القول في الحمام وهو من أشرف مرافق الأبدان ومعاون الصحة لأنه يجمع الماء الحار، والهواء الحار فيفتح المسام ويخرج الرطوبة الفجة المتولدة عن فضول الأغذية التي مقامها في البدن مؤدٍ إلى العلل والأسقام وهو يجمع إلى نقاء البدن من داخل نقاءه من خارج وتنظيفه من الأدران وفيه كذة نفسانية لأن النفس مجبولة على حب الزينة والنظافة وكلما كانت ألطف كان هذا الطبع عليها أغلب، ففيه لذتان للنفس والجسم، وأكثر نفعه لأصحاب الأبدان المتخلخلة، وربما ضر أصحاب الأبدان المستحصفة لأنه يثير الأبخرة ثم يمنع الاستحصاف من خروجها إلا بإطالة مكث في الحمام يحل القوة ويكرب ويضعف ويجب اجتنابه في الصيف أو تقليل اللبث فيه جداً وأصلح الأوقات له الغداة لأنه بعد ثقل النوم وبرده ورطوبته، وليجتنب على الامتلاء فإنه يثور ما في المعدة والجسم محتاج إلى التسكين في ذلك الوقت ليتم هضمه وربما أحدث ضرراً عظيماً، ويهجر بعقب الجماع والتعب والاستفراغ وهيجان الأعراض النفسانية ولا يستعمل الغذاء بعد الخروج منه ولا الركوب والتعب إلا بعد راحة أو نومة لأنه يثور الإخلاط، فتحريك البدن قبل أن تستقر طبيعته قرارها ضار مخوف العاقبة، ويجب استعماله غباً فإنه أدوم للذمة وأعدل لنفعه. القول في الحركات الرياضية الرياضة من أشرف العلاجات وقد نرى أصناف الحيوان تستعملها وتختلف في الطيران والمشي غير طالبة لشيء من مأكل أو مشرب غير الحركة فقط، وقد ترى الماء الجاري بعيداً من الفساد، والراكد كثير العفونة ولذلك صار المترفون يدفعون إلى أمراض مزمنة كالنقرس وغيره، والإنسان خلق خلقاً متحركاً مشاءً بالطبع فإذا عطل نفسه مما خلق له أداء ذلك إلى المرض ولا يسرف في الحركة فإن إفراطها أسرع في توليد الأمراض، والملوك أحوج إلى الرياضة من العوام لكثرة تودعهم ولاختلاف الأطعمة والأشربة عليهم، فأما العوام والسوقة فهم في رياضة دائمة، وأفضل الحركات حركة المشي وحركة الركوب دونها ويجب أن يحرك البدن على الدابة، ومن الحكمة أن ينزع الإنسان في القوس الشديدة نزعات كل غدوة ونعم الرياضة لأهلها اللعب بالصوالجة ويجب أن يبدأ الإنسان بالرياضة ثم الاستحمام ثم السكون ثم الأكل ثم النوم ثم الشرب، ومن لم يتهيأ له المشي والركوب، فالكلام والمحادثة فقد قيل أن الكلام الكثير يهزل الغذاء وفي وقت اشتداد الحر لأن غلبة الحر تحلل القوة الغريزية. القول في التغميز هذا أحد المعاون في حفظ الصحة ولا سيما بعد التعب والحركة والخروج من الحمام ومن الدليل على الانتفاع بالتغميز وإخراجه الأبخرة وتفتيحه المسام استدعاء الطبيعة الحل لإبراز البخار الذي يحتقن داخل المسام واستعمالها التمطي والتثاؤب لذلك ولا سيما عند حركة الحمى وامتلاء البدن من الفضول والتمرخ لمثل ذلك لا يكون التغميز بخرق بل برفق ولا في حال امتلاء. القول في السماع يجب أن يميل الملك من السماع إلى ما يوقر ويرزن دون ما يخفف لئلا تقع الأبصار منه على ما ينقص الهيبة وإن مالت نفسه إلى ذلك كان في حال خلوةٍ. القول في الأدوية الأدوية كلها مضادة للطباع والقوة تجاهدها فلذلك يجد البدن بعد الاستفراغ ما يجده المستريح من التعب، وفعلها في الأبدان إذا كثرت كفعل الصابون ينقي ويخلق وهي إن وافقت فضلة أخرجتها وإلا أخرجت الرطوبة الغريزية فكان ضررها بذلك عظيماً والأبدان المستحصفة التي لا يسهل خروج الأبخرة منها أحوج الأبدان إلى المداواة. . . . فصل في الحرارة لا تجوز المداواة في صميم الحر لأن الغريزية تضعف في عمق البدن وتبرز إلى ظاهره فلا يجوز أن يجمع عليه الضعف من هذا الوجه، والضعف بالإسهال والحرارة إذا ثبتت في ظاهر البدن جذبت الإخلاط إلى خارج، والدواء يجذبها إلى داخل فتجري بينهما ممانعة وتتعب الطبيعة ولا يؤمن معها مضرة شديدة ولا في صميم البرد لأن الإخلاط جامدة عسرة الحركة فربما كان في مجاذبة الأدوية لها سجح وأضرار بالآت الغذاء. فصل في العلاج يجب أن يكون العلاج بما يدخل في باب الغذاء أكثر منه بما يدخل في باب الدواء لأن الغذاء شكل، والدواء ضد، وأن يختار الأسلم منها وإن كان نفعه أقل، فتدارك التقصير أهون من تدارك الإفراط وتدارك الحمية قبل الدواء بيومين أو ثلاثة ويجتنب اللحم لأنه يملأ الأوعية وغيره مما يولد السدد والحامض لأنه يخشن، فربما أحدث الدواء بعده سحجاً بل تستعمل قبله الأغذية الخفيفة الدسمة الخفيفة لتجلو المجاري وتسلسلها ويشيع الدواء بحمية أيام لتثوب إلى البدن قوته ويجتنب بعده التخليط فإن الشيء الضار على النقاء. . . . النقاء أشد ضرراً. فصل في إخراج الدم بحسب الانتفاع بإخراج ما له كيفية رديئة من الدم يكون الاستضرار بإخراج النقي الجوهر منه وإذا بتيع في جوف العروق لم يشف إلا إخراجه بالقصد وإذا كان في خارج العروق نفعت منه الحجامة والصبي والشيخ يضعفان عن القصد والأكحل عام النفع لجميع البدن والقيفال لأعلاه والباسليق لأسفله ويجب إخراج الدم على ثلاثة وجوه إما غلبة الكمية يغير كيفية فاسدة وعلامته ثقل البدن وحكة ليس لها لذع شديد أو لفساد الكيفية بغير كمية فيكون مثل الماء الذي يغلي على النار، وعلامته حرقة الجسد ويثور لذاعه أو تغلب فيه الكيفية والكمية فتمكن منه العفونة والاستحالة وعلامته مجاوزة الأعراض التي ذكرناها إلى توليد الأمراض، والحمايات والأورام، والصنف الثاني يخرج منه القليل وربما أغنى فيه التسكين والأول أكثر والثالث يخرج منه كل ما تحله القوة ويقدم الفصد قبل الدواء لأن الإخلاط الآخر متشبثة بالدم فربما أغنى إخراجه عن المسهل وليكن الإقدام عليه وقت استحكام قوة البدن ويمتنع بعد الفصد من الأغذية التي تولد السدد والكيموس الرديء كالبقول والفواكه ويجتنب على حال خواء أو امتلاء أو خمار أو جماع أو تحرك بعض الأعراض النفسانية. القول في حفظ صحة الأنفس ينبغي للعاقل أن يشعر نفسه أن الدنيا مبنية على الشوائب والتكدير فلا يطلب منها ما ليس في طبيعتها ويستعمل التغافل وترك الاستقصاء ويروض نفسه على احتمال صغير ما يضجر فإنه تمرين على احتمال الكثير ومن التدبير البليغ أن يعرف الإنسان وزن نفسه ومبلغ استقلاله وقوة قلبه فيكون ما يخاطر في طلبه ويغرر له من مآربه بحسب احتماله فإن راحة القلب وطمأنينة مع الإقلال خير من ضده مع ضده والإنسان يقبل من غيره أكثر مما يقبل من نفسه ولذلك يجب أن يكون مع الملك طبيب لأخلاقه كطبيب الجسم يذكره ويعظه في أوقات الخوف والغضب. فصل آخر في الخوف الخوف هو أبعد وأسهل والفزع لما هو أقرب أو أشد فلذلك كان الخوف مقدمة للفزع والجزع أشد الحزن فهو من الحزن كالفزع من الخوف. فصل في الغضب ينبغي للعاقل أن لا يفارقه من قد أطلق له وعظه وتذكيره في أول اهتياج الغضب عليه وأن يتصور أن الغضب كالنار أولها سريع الإطفاء وآخرها كثير الضرر فليقصد لقمع غضبه من أوله كما يكبح الفرس في أول جماحه وليتذكر فضيلة الحكم وشرف الكظم وما حازه الحكماء من حسن الذكر ويفكر في أن شدة الانتقام وسرعة المؤاخذة لنفر قلوب الخدم وتكسب الأحقاد والضغائن وتفسد طاعة المحبة وتنقلها إلى طاعة الرهبة والذين يطيعون الرئيس بالمحبة حراسه من حيث يعلم ولا يعلم والذي يطيعونه بالرهبة يحتاج إلى الاحتراس منهم وما أحسن قول بعض الملوك ما غضبي على من أملك ولا غضبي على من لا أملك ويجب أن يفكر في أنه لا يكاد يعاقب إلا على ما فيه جنس منه ومن عاقب على ما يأتي مثله أو بعضه فليس بمنصف ويذكر نفسه حرمات المغضوب عليه ووسائله أو ما يرجو من مستأنف خدمته وما يستخلصه الحلم من طاعته ومناصحته ويجب أن لا يقع بصره على من أغضبه إلى أن يسكن غضبه. فصل في الخوف والفزع ليس شيء يخاف من الإنسان كخوفه على نفسه من التلف والألم ومنه شيء يكون على البديهة لرقة الطبع وسرعة استحالة النفس وهذا لا حيلة في دوائه ويجب أن يفكر الخائف في قولهم أكثر الروع باطله فإن الحكماء شبهت الأمور المخوفة بالضباب الذي يتولد على وجه الأرض فيتخيل الإنسان من بعد أنه جسم كثيف ليس فيه متنفس ولا عمل للبصر فإذا أفضى إليه وجده شبيهاً للهواء الذي فارقه وشدة الخوف ربما أذهل عن الحيلة للخلاص مما يخاف فيكون الخوف داعية ما يخافه الإنسان والعاقل لا يستجيز مثل هذه الحال ويجب أن يفكر في أن الخوف والجزع من خور النفس وأنهما خاصة للصبيان والنساء فيغضب على نفسه من أن لا يكون فيها من الجلادة والصرامة ما ينفي هذا العار عنه فليس شيء أبلغ في التشجيع من قوة الأنفة، ويفكر في أن الخوف فعل الغر الذي لا يعرف حقائق الأشياء ولذلك خوف الصبي أكثر وخوف من لم يشاهد الحروب والقتلة أوفر ولو قد تحقق الصبي من حال الأشخاص التي يفزع بها ما تحققه البالغ العالم لما خافها وقل اكتراثه لها وخوف الصبي والجاهل كخوف الطير من الشبح الذي ينصب لها على الزرع ولو تحققت كيفيته لأقدمت عليه وكنفار الخيل من الأشخاص التي لم يألفها حتى تؤنس بها فالمغ الأدوية في إزالة الخوف الاستكثار من العلم والمعرفة بحقائق الأشياء وتعويد حاسة السمع والبصر ملابسة ما يهول ويجب أن يخرج أولاد الملوك إلى معارك الحروب لتهون عليهم الأهوال فإن الأطباء الذين يباشرون الكيّ والبط والملاحين الذي قد تمرنوا على الرياح العواصف والأمواج العظائم يقل ارتياعهم لما يشاهدون من ذلك ولذلك يرتاع الإنسان للمرض أول ما يناله ثم ينوبه دفعات فيألفه فيقل استيجاشه منه والجاهل تروعه الكسوفات والعالم العارف بأسبابها وحسابها قليل الارتياع منها وهذا مثل لغيره. فصل في الحزن والجزع الجزع أشد الحزن وهو كالنار الملتهبة والحزن كالجمر الباقي بعد سكون اللهب وكأن نفس الإنسان التي هي نور بدنه وضياء جسده في حال الغم والحزن، شمس كسفت وهو يفعل ضد المسرة فإن وجه المسرور مستبشر بهي مشرق والحزن لفوت محبوب كما أن الخوف توقع مكروه والحزن أبداً لما مضى والخوف لما يستقيل والحزن المجهول السبب يرجع إلى الأعراض البدنية وتولده عن كدر الدم أو برده ومن أدويته النفسانية إحداث السرور بالمحادثة والمؤانسة وينبغي للمحزون أن يتذكر ما بقي له من قثيتة ؟ فإن ذلك يسليه عن المفقود ويتصور كثرة الأسى له ففي ذلك سلوة ويتصور أن الحزن يبلى كل يوم وينقص فإن التفكر في ارتفاع المكروه ونقصانه يعقب سروراً عاجلاً. القول في الوسواس هذا منه جنس من قبل الطبع وما يقع في المولد وهو ألزم وأسلم من الغريب الطاري والوسواس على نوعين نوع فيما يرجى ونوع فيما يخشى فالذي يرجى كالمستهتر بمعشوقه فلا يعرف غير صياغة الأماني فيه والاشتغال عن أكثر أعماله به، والذي يكون فيما يخشى فإنه يوهم الإنسان الشيء يخافه وهو بعيد عنه مقام القريب منه، فلا يزال نصب وهمه فكأنه يلاحظه ومتى أراد الاشتغال بغيره طفرت نفسه إليه، ومن شأن من هذه حاله أنه إذا عرض له أمر من الأمور يمكن أن يتصرف على وجهين لم يذهب وهمه إلا إلى ما هو أصعب وأخوف دون ما هو أسهل وأرجى ومن الأعوان على إزالة هذه الأفكار ترك الانفراد فإن الوحدة تهيج الفكر لا سيما إذا كانت النفس ذكية رقيقة الطبع، وإنما تحمد الوحذة الذي سلطان يخلو بالفكر في تدبيره أو لعالم يخلو باستنباط حكمة أو لناسك ينفرد بمناجاة ربه وما خلا هذه الوجوه من أبواب التفرد مذموم، وعلى أن الله عز وجل خلق الإنسان يحب الأنس والاجتماع مع أهل جنسه فليس يسد ذاك عن هذا الطبع إلا من عرض له نقص في طباع الإنسانية ومناسبة السباع وهو خلق موجود في الحيوان الذي طبعه أفضل وأسكن كبهائم الأنعام والطير وضده موجود في السباع من الصنفين ولذلك قيل أن الواحد شيطان ويجتنب الفراغ كتجنبه الوحدة ويصرف الفاضل من أوقات زمانه عن شغله إلى قضاء أوطاره من اللذات والسماع المحرك لقوى النفس والنظر إلى الصور الجميلة والاستجداد منها ليكون أشغل لقلبه وأغلب على فكره والآن من طباع صاحب هذا العرض أن يكون ملولاً ومما يستعان به على صرف هذا الفكر الجليس الذي يثق به ليعرفه بطلان ما يتخيل له من الفكر الرديئة وإذا علم من نفسه أن هذا خلق وقع له بالطبع الأقدم والمزاج الأول كان أخف لغائلته وأقل الاشتغال سره به ومما يزيل كثيراً من الاستشعار التعويل على صناعة النجوم وما تشهد به من السلامة فإنها صناعة شريفة قد استعملتها الأمم المتباعدة البلاد واتفقوا مع اختلاف ديارهم على صحة أصولها وتجربة فروعها فلا يجوز أن يكون اتفاقهم عليها باطلاً بل عن وحي لا يكذب أو إلهام لا يبطل ويجب أن يفكر في أن الله عز وجل لما أراد عمارة الدنيا جعل أسباب العطب ودواعي البقاء والنجاة أقوى من دواعي الانحلال والبوار وهذا أمر موجود بالمشاهدة فإنا نرى ذوي السلامة أكثر من ذوب العاهات والزمانة، فيكون هذا الفكر أميل به عن الخوف إلى الرجاء وبالله التوفيق وحسبنا الله ونعم الوكيل وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم اهـ نكارتر معربة عن الفرنسية بقلم جرجي افندي حداد الماسة المفقودة كان نكارتر البوليس السري المشهور عند وقوع هذه الحادثة في مدينة دانفر من مقاطعة كولورادو، وقد دعاه إليها عمل مهم أنجزه فملأت الجرائد المحلية أعمدتها بذكر نكارتر وأعماله الغريبة ودار اسمه على الألسنة وتناقلته الأفواه. وحين أنهى طعام الغذاء في أحد الأيام جلس في الغرفة مع معاونه باتسي وإذا بخادم الفندق أقبل عليه وسلمه رقعة زيارة قال له أن صاحبها يود أن يكلمه في الحال فأخذها البوليس وقرأ عليها اسم فيليب دلمار بصوت منخفض ثم التفت إلى معاونه باتسي وسأله هل سمعت بهذا الاسم قبلاً، فأبدى باتسي إشارة النفي، فتبسم نكارتر وقال إذن فلنغتنم هذه الفرصة للتعرف إلى هذا الرجل وقال للخادم أدخله لنرى. وبعد هنيهة أقبل الزائر وهو ربعة في الرجال قد لوحت وجهه أشعة الشمس وكانت حركاته العنيفة تدل على أنه عرضة لاضطراب وانفعال شديد حتى أنه لم يفتكر بتحية البوليس عند الوصول بل صرخ قائلاً: يجب أن أستعيد ماستي المفقودة المدعوة عين الشيطان. فأجابه نكارتر: ذلك مما لا ريب فيه. فقال باتسي ممتعضاً: حسناً يفعل هذا الرجل إذا تكلم عن الشيطان ذاته. ولكن الغريب استتبع الكلام وقال ياللغرابة أليس من العجب أن أفقد عين الشيطان ماستي الثمينة، فقال البوليس بتأن حسناً ولكن اسمح لي أولاً أن أقدم لك نفسي فأنا نقولا كارتر من نيويورك. فعض الزائر على شفته ثم قال: وأنا فيليب دلمار، وإذا كنت لم أقم بالواجبات فأرجوك مغفرة لأنني أضعت صوابي حين فقدت ماستي العزيزة التي لا يقع عليها ثمن. فقاطعه نكارتر قائلاً: تفضل واجلس ثم قص علينا قصتك بالسكينة التامة فإذا وجدت فيها ما يستحق العناية فأنا رهين أمرك. فجلس دلمار على المقعد الذي أشار إليه نكارتر ثم ألقى على باتسي نظر مستفهم وقال أظن أن هذا الشاب مساعدك. — نعم ومن أشد مساعدي ذكاءً ثم بعد أن تعارف الرجلان وتصافحا قال دلمار فلنعد الآن إلى حديث الماسة وأظن أنه يهمك أن تعرف تاريخها قبل أن تدخل في ملكي. — لا حاجة لي بذلك فيكفيني أن أعرف منك كيف ومتى انتقلت هذه الماسة إليك. — إنها دخلت في حوزتي منذ سنة تقريباً وكنت في تلك الآونة تاجراً في كلكتا فاتفق لي مرة أنني أنقذت حياة رجل برهمي له شرف أثيل وثروة جزيلة ودفعت عنه غائلة لصوص داهموه — ولست أفتخر بشجاعتي — ولكني أقول أني لحسن الحظ كنت حاملاً مسدسي وأنت تعلمون أن السلاح الجيد يفعل ما لا تفعله البسالة. — ذلك مشهور ولكنه يتوقف على الساعد الذي يدير السلاح. إنني أجيب على هذا — وأنا بريء من التبجح — إنني استعملته بمهارة فائقة، فإن اثني عشر لصاً هاجموا البرهمي في ضواحي المدينة ولم يكن هناك سواي فبادرت إلى نجدته مع أني لم أكن أعرفه قبلاً ولم أحتج في إنقاذه إلى شجاعة فائقة بل كفى لذلك أن أطلق النار ذات اليمين وذات اليسار وأن أعيد حشو مسدسي بأسرع ما يمكن فصرعت رجلاً بكل طلق ولا أستحق الإعجاب بهذا فإن اللصوص كانوا قريبين مني حتى لم يمكنني أن أخطئهم فقتلت خمسة منهم ومات السادس أثناء نقله إلى المستشفى وفر الباقون هاربين. فابتسم نكارتر وقال له إذن فأنا لا أوثر أن أنازعك ما دام مسدسك في يدك لأنك تبلغ به ما تريد. — دعنا من هذا فلو كان لي جرأة أن أستخدم مسدسي منذ ثمانية أيام ما رأيتني اليوم آتياً لأزعجك لأنني كنت أوقفت كقاتل، ولنرجع الآن إلى تتمة الحديث ففي اليوم الذي تلا الواقعة أتاني البرهمي إلى مخزني وكان يريد أن يقدم لي هدية دليلاً على شكره فأعطاني علبة صغيرة وقال لي أن ضمنها الماسة المعروفة في الهند بعين الشيطان ثم قال لي أن هذه الماسة ذات قيمة لا تقدر يا صاحبي وأشير عليك أن تبارح الهند بعد الآن فحياة الذي يملك هذه الماسة في خطر شديد لأن جميع الطبقات في الهند تعرفها وكثيراً ما أثارت المعارك الدموية في سبيل امتلاكها، ثم ذهب البرهمي وتركني ذاهلاً والصندوق في يدي وعندما فتحته وجدت فيه ماسة كبيرة الحجم جداً لم تقطع بعد وتكاد لا تعرف لها لوناً لشدة صفائها، وعندها لم أدرِ ماذا أفعل ولما استشرت كبار الجوهريين في كلكتا وأخبروني عن قيمتها الحقيقية تهت عجباً ولم تعد حياة تاجر في الهند تطيب لي فبعت مقتنياتي وعدت إلى الولايات المتحدة آملاً بأن أقطع الحجر وأبيعه بأغلى ما يتيسر لي. فسأله نكارتر وهل تقطن في كولورادو؟ — لا، إنني لم أقطن في مدينة بعد لأنني لم أترك الهند منذ أكثر من شهر وقد جئت من بوسطون إلى كولورادو. قبل أن أنزح إلى الهند أقمت عدة سنوات في هذه البلدة عساني أوفق إلى حشد ثروة فاتخذت أصدقاء كثيرين وفي هذه الآونة لم يسمح لي قلبي أن أمر في مقاطعة كولورادو دون أن أذهب لزيارة أصدقائي القدماء. وحين نمي إليّ أن اثنين منهما يقطنان هذه المدينة ألقيت فيها عصا التسيار. وقد مضى على هذا أسبوع وفي اليوم التالي من وصولي دعوت صديقيَّ إلى العشاء في الفندق فلبّيا دعوتي وخصصت غرفة لنا فقط و. . . إن هذه لصدفة عجيبة أننا كنا جالسين في هذه الغرفة عينها ذلك اليوم المشؤوم. فقال البوليس إن الأمر ذو شأن خطير، إنك ولا ريب أريت الحجر الكريم إلى أصدقائك. — نعم وأسفاه. — إذن فأخبرني بالتدقيق عن المدعوين الذين حضروا العشاء. — حباً وكرامة، كانت المنضدة الطاولة موضوعة في الزاوية حيث يجلس المسيو باتسي الآن، وكان الخادم قد وضعها أولاً في وسط الغرفة كما ترونها الساعة ولكنني نقلتها من موضعها لأنه كان يمكن القاطنين في الجوار أن يروا كل ما نفعله لو بقيت المنضدة في محلها فغيرت وضعها وجلست قرب هذين الزرين اللذين تراهما في الحائط وأنت تعلم أن الذي دعاني إلى وضع المنضدة هنا قصصته عليك لأنك تود أن تعرف كل ما جرى بالتفصيل وعندما وصل أصدقائي الثلاثة نهضنا إلى المنضدة. فقاطعه نيكارتر وقال له هل كانوا ثلاثة إنك لم تذكر لي حتى الآن سوى اثنين منهما. — هذه هي الحقيقة ولكن واحداً منهما أحضر معه شريكه الأعمى فجلست قرب الحائط حتى يسهل عليّ استدعاء الخادم بتحريك اللولب وجلس أمامي كراب الرجل الأعمى وكان عن يميني شريكه ماتيو وعن يساري صديقي المدعو دونلسون. — أرجوك أن تعرفني بأسماء أصدقائك الأولية. — فرانك ماتيو وجورج دونلسون أما كراب فأظن أنه يدعى يوحنا. — فردد البوليس لفظة جورج دونلسون وهو يلتفت إلى معاونه باتسي الذي كان إلى جانبه ثم سأل دلمار ما هي صنعة هذا الرجل. — يقوم بمشاريع كثيرة يؤمل منها أن يكتشف مناجم غاز. — حسناً كنت ظننت أنه هو وتراني مسروراً جداً لأنني أسمع عنه شيئاً. فتعجب دلمار وسأل نكارتر قائلاً وهل كنت تعرفه قبلاً؟ كلا ولكنني أود كثيراً أن أتعرف إليه وسنتكلم عنه فيما بعد. . . أرجوك الآن أن تتمم حديثك. والذي دفع نكارتر إلى السؤال عن دونلسون هو أن هذا الأخير كان له ضلع في كثير من الجرائم الفظيعة من قتل وسرقة بالتحريض والإغراء دون أن يعلم بها البوليس وكان هذا الداهية المحتال ينسل من وصملتها ولو علم بها البوليس لقادته إلى السجن أو إلى الكرسي الكهربائي آلة الإعدام. وكان نكارتر وباتسي هما الوحيدان اللذان قدرا أن يكتشفا أسرار فعلته، ولكنهما لم يكشفا أمراً آملين أن يقبضا يوماً على الشرير ويدعما شكواهما عليه بالبراهين الجلية. ثم عاد دلمار واستأنف حديثه فقال: وانتهى العشاء كما تنتهي الولائم في الفنادق عادة وبعد أن رفع الخدم المائدة وقدموا القهوة واللفائف السكاير وخرجوا أخرجت الماسة من جيبي، فتناولتها الأيدي والكل يعجبون بها وسمع كراب الأعمى ذلك وإذ لم يكن قادراً أن يبصرها أراد أن يمسها على الأقل، وبعد أن جسها وضعها بقربي على المنضدة آه إني أذكر كل حركة جرت عندئذ فقط نظرت كراب المسكين يقلب وعاء السكر عند ما مد يده ليناولني الحجر الكريم وسمعت تنهده حين وضعه أمامي، وبقي على المنضدة هنيهة يسيرة يسألني في أنثائها أصدقائي ألف سؤال عن تاريخ هذا الحجر فلم أجد مانعاً من إخبارهم بكل ما جرى فقصصت عليهم كل ما أعرفه من تاريخ الماسة وكيف اتصلت بي. . قصصت عليهم كل هذا بإخلاص وبساطة شأن الأصدقاء. وأخيراً فرغت الأقداح فضغطت على زر الجرس الكهربائي لأستدعي الخادم وكان في نيتي أن أقدم إلى المدعوين قدحاً من الكونياك الفاخر، ومع هذا فلم أولِ أصدقائي ظهري تماماً لأنني لم أشأ أن أحول نظري عن الماسة ولكن لنكد طالعي ضغطت على زر الكهربائية وللحال استولى على الغرفة ظلام دامس لم يستمر بضع ثوان أعدت في خلالها المجرى الكهربائي ولو قدر لي أن أعيش مئة سنة لم أنس اليأس الذي أخذ بخناقي عندنا ألقيت نظري على المنضدة فوجدت الماسة قد اختفت. وحين وصل دلمار إلى هذا الحد من حديثه أمر يده على جبهته وانقطع عن الكلام فقال نكارتر لو لم تأتِ إليّ اليوم وتقص عليّ هذا الخبر لكنت أقول أن أحد أصدقائك سرق الحجر. فقال دلمار هذا هو فكري بتمامه. فأجاب نكارتر نعم ولكنك إذ لم تفتشهم حالاً صار الواجب علينا أن نسلم أن اختفاء الماسة سر غامض. فسأل دلمار وكيف هذا إنني لا أفهم شيئاً. فقال نكارتر إن المسألة واضحة كل الوضوح وهو أن رجلاً يجيد استعمال المسدس مثلك كان من الواجب عليه أن لا يدع شيئاً ثميناً كهذا يفقد من دون أن يطلق طلقاً أو ينبس ببنت شفة بل كان يفتش حالاً في الموضع الذي وضع فيه الحجر فإن الحجارة الكريمة لا تسرق نفسها على ما أعلم. فقال دلمار إنني أخبرتك أنني حزين لأنني لم أعمد إلى المسدس فقد أخرجته من جيبي ولكني لم أطلق النار، على أن الماسة اختفت كما قلت بطريقة غامضة خفية للغاية فإنها لا تسرق نفسها كما قلت وبالتالي فلم أجد طريقة أوضح فيها هذا الإبهام. — فأخبرني بالتفصيل والتدقيق عما أجريته عندما فقدت الماسة. — إذن فاسمع أول ما وقعت الحاظي على ماتيو وكانت يده على شفتيه تنتزع السيكار الذي كان يدخنه دون انقطاع، وكانت مظاهر الدهش تعلوه فعزوت هذه المظاهر إلى ما ناله من سرعة فقد الماسة وكانت يده اليمنى على المنضدة. وكان دونلسون يرسل إليّ لحظاً لم يسرني فاشتبهت به للحال ويعسر عليّ أن أصف هيئته وصفاً مدققاً ولكنني أذكر ما يلي، كانت عيناه موجهتين إلى موضع الماسة تواً وكانت يده اليسرى قابضة على المنشفة ومضطربة بفعل عصبي ويده اليمنى موضوعة على زجاجة خمر فارغة وكان جالساً على كرسيه في المؤخرة بعيداً جداً عن الطاولة، أما كراب الأعمى فكان على شفتيه كأس ماء وكانت عيناه متجهتين إلى القدح ونظرت رماد سيكارته تتساقط على المنشفة بينما كان يشرب الماء، وكل هذا أذكره تماماً، ثم وضع القدح على المنضدة وكان في بقية ماء اضطربت ثواني قليلة ثم سكنت. — إن وصفك تام مدقق فلننظر الآن في شأن دونلسون وقد قلت لي أنه كان بعيداً جداً عن المنضدة. — نعم وكانت نظراته تشف عما في صدره. — يظهر أنه اغتنم فرصة الظلام فسرق الماسة أليس كذلك؟ كان ذلك كما تقول، وكان له هيئة تشبه هيئة الثعلب الذي سقط في فخ. — وهل كان جالساً على مقعده بدون اهتمام عندما أظلمت الغرفة؟ — أظن ذلك. ففكر البوليس لحظة ثم قال: يمكنني أن أتصور الآن كيف جرت الحوادث فإن دونلسون نظر اختفاء الماسة. — لا لا قال دلمار وكان يتزايد اضطرابه العصبي أنا لا أعتقد بهذا ولكنني أظن أن دنلسون هو السارق وهذا الشك يتزايد في خاطري فقال له نكارتر أملك روعك فإنك قد قصصت عليّ الأخبار بدقة وتفصيل نادر فلا تشوش حديثك بالاضطراب. فلنفكر بكل هذه الشؤون ولنمعن النظر فيها بهدوء وسكينة. فتضجر دلمار وقال سأبذل جهدي لاتباع نصيحتك فماذا تريد أن أخبرك الآن؟ — أريد أن تخبرني ماذا قال أصدقاؤك عندما ألقيت الشبهة على أحدهم وماذا صنعوا ليعينوك على اكتشاف السارق؟ — فقال دلمار إنني نظرت إلى دونلسون فوجدت ألوانه متغيرة لأنه لحظ أنني أتهمه بالسرقة. فقال لي لا توجه إليّ هذه النظرات يا دلمار. — إنني لا أحب هذا النوع من اللهو، قلت هذا بصوت أجش وألقيت عليه نظرات لا تسر. ونظرت أيضاً إلى ماتيو ثم قلت: فلتعاد إلي ماستي إن المسألة خطيرة أكثر من أن تجعل موضوعاً للهو والمزاح فالذي أخذ الماسة عليه أن يعيدها حالاً إلى موضعها وفي هذه اللحظة دخل كراب في المحادثة وقال والدهشة بادية على وجهه ماهذا وماذا جرى؟ فأوضحت له بكلمات قليلة أن ماستي فقدت في اللحظات القليلة التي استحوذ فيها الظلام على الغرفة وأن أحد أصدقائي قد سلبها وكان هذا الرجل لم يعلم إلى تلك الساعة شيئاً من القضية حتى أنه ربما لم يشعر بانطفاء النور فكان من الواجب عليّ أن أوضح الأمر وعندئذ أخذ الثلاثة يتكلمون سوية. فقال كل من دونلسون وماتيو إنني لم آخذها يا دلمار بينما كان كراب يقول إن هذا النوع من المزاح مسيء جداً وأنه شعر بما أحاق بي من الكدر الشديد. ويمكنكم أن تتصوروا ما ألم بقلبي من الأشجان، فلم يكن من الممكن أن تتصاعد الماسة في دخان السيكارات، كنا أربعة في الغرفة وإذ لا يحتمل أن أسرق نفسي كان من الضروري أن يكون السارق أحد الثلاثة، إن فقدان الماسة أثر بي تأثيراً شديداً ولكن شعوري بأن هذا العمل المعيب صدر من أحد أصدقائي كان أشد إيلاماً لي. ولما لم أستفد شيئاً من ذلك نهضت ووضعت يدي على طرف المنضدة وقلت لأصحابي اصغوا إليّ واسمعوا جيداً إنني أفادي بكل شيء في سبيل استبقاء أصدقائي القدماء ولكنني مضطر أن أوضح لكم أنه إذا لم تعد الماسة في عشر ثوان إلى موضعها من المنضدة فإني عندئذ أعتبركم أعداء لي وأعاملكم معاملة الأعداء. فلم يتحرك أحد منهم. عشر ثوان لا تحسب شيئاً أليس كذلك يا مسيو كارتر ولكنني استطلتها كالدهر وحبست نفسي حتى انقضت المهلة المعينة وكنت قد وضعت ساعتي أمامي ولاحظت عقربها وأنا أرتعش بنوبة من الحمى. فقال ماتيو أنا لا أدخل في دائرة هذا الوعيد، ثم رمى لفافته ووضع يديه على صدره وقال إن هذا العمل الذي جرى لهو مكدر للغاية ولكنني أؤمل أنك لا تعتقد أنني قادر أن. . . . . . فصرخ دونلسون وأنا أيضاً بريء كل البراءة. وفي هذه الحالة بدأت بالكلام فقاطعني كراب الذي أثر بي اضطرابه وارتعاشه وقال: إنني لست صديقاً قديماً لدلمار فإذا كان فقد ماسته كما يدعي فالأولى أن تقع التهمة عليّ فقال ماتيو إذن يكون مجنوناً فكيف يمكنك أيها المسكين أن تسرق شيئاً وأنت على ما أنت عليه من العاهات والضعف. فقال الأعمى بلطف من المؤكد أنني لم أسرق الحجر الكريم ولكن دعوني مع هذا أتكلم أنا عارف أن الشبهات يجب أن تقع عليّ بالأكثر، كما كنت أفعل لو كنت موضع دلمار ولهذا فأنا أرجوه أن يفتشني. ثم نهض واقترب مني وهو يتلمس طرف المنضدة في مسيره. وكنت أراقب الاثنين الآخرين فلما وجدت أنهما لم يتأثرا تلاشت صداقتي لهما ومرت كحلم وزاد في نفسي الريب فقلت لهما: أنا أعقل من أن أشك في هذا الأعمى أو يخيل لي أنه السارق ولكنني إذ رأيتكما لم تتأثروا ولم تتحركا فأنا عازم أن أتبع مقالته بالحرف. فارتجف دونلسون وظهر الغضب على وجهه وصرخ هل تريد أن تشك بي؟ فقلت له بلهجة الآمر اجلس في محلك وللحال سحبت مسدسي ووجهته إليه وأنت تعلم يا مسيو كارتر أنني بالمسدس ذاته قد هزمت لصوص كلكتا ولم أنس طريقة استعماله بعد ثم ناديت دونلسون إياك والحراك وإلا فأنت هالك لا محالة فسقط على كرسيه وتناول لفافة شعلها ولم يقل شيئاً ثم عرفت بعد ذلك أنه لم يكن ناقلاً سلاحاً نارياً وكان ماتيو أعزل أيضاً ولكن كراب كان مسلحاً. فصاح نكارتر آه وأي سلاح كان مع الأعمى إن هذا لغريب. — مسدساً من أشهر المعامل. فظهرت على محيا البوليس أمارات البغتة. — هذا غريب أليس كذلك وقد فكرت ملياً في معنى وجود المسدس في جيب هذا الأعمى فقال لي وهو يتبسم أنه يصحب السلاح ليدافع عن نفسه إذا تعرض له أحد وأنه كثيراً ما يهزم عدوه بإطلاق النار في الهواء، ثم وضع مسدسه على المنضدة وطلب مني أن أفتش جيوبه كلها فأتممت ما طلبه بعد أن وضعت مسدسي على مقربة مني ليسهل عليّ استعماله إذا هم أحد الاثنين بنأمة ولكننا لم نصل إلى هذا الحد. ولما لم أجد ماستي في جيوب الأعمى أعدت إليه بعض ثيابه التي كنت أخذتها ثم عاد إلى موضعه وهو يستعين بالارتكاء على طرف المنضدة والتفتّ إلى دونيلسون وقلت له قد جاءت نوبتك فانفض وهو مصفر كالميت، حتى خيل لي أنه لم يبق نقطة دم في عروقه وصرخ إن هذا لا يليق بي إنني لم آخذ ماستك وأنا لا أسمح لك أن تفتشني. فلم أجبه ولكنني رفعت مسدسي نحوه فتناول زجاجة فارغة من المائدة وأراد أن يرميني بها، وكنت أسرع منه فأطلقت النار، فأصابت رصاصتي عنق الزجاجة ومرت بين أصابعه وهو الرمي الذي وجهت إليه الكرة فانكسرت الزجاجة وسقطت كسرها على المنضدة وقد أتممت بهذا الخطة التي رسمتها لنفسي فإنني كنت أبغي أن أبين له أنني قادر على قتله فاستمر دونلسون واقفاً عاجزاً أن ينزل ذراعيه وظل قابضاً على عنق الزجاجة بأصابعه المتشنجة لأن ضربتي كانت قد أرعبته وكان ماتيو قد نهض في هذه الأثناء فصحت به مكانك فلبث صاغراً وعاد إلى مجلسه أما كراب فكان يدخن وهو رابط الجأش ساكن كأنه لم يسمع شيئاً ثم قلت لدنيلسون يجب عليك أن تذعن للتفتيش، وأنصحك إذا كنت حريصاً على حياتك أن تنزع ثيابك دون تذمر ولا ممانعة فقد فرغ صبري وضاق صدري. وفي هذه اللحظة قرع الباب ففتحت وإذا بخادم الفندق جاء على صوت إطلاق الرصاص فقلت لن أن مسدسي انطلق عرضاً ولم يسبب أدنى ضرر فعاد من حيث أتى وأغلق الباب، فقلت لدينلسون بلهجة التهديد أما إذا انطلق عرضاً مرة ثانية فسيردي رجلاً منكم. وكان من شأن النظرات التي أرسلتها إلى دنلسون أن أقنعته بعزمي فأطاع الأمر وبدأ بخلع ثيابه، وبالاختصار فإنني جردته من ثيابه ولمست مجاسده بيدي وفتشت جيوبه بدقة ولكنني كدت أجن لما لم أجد شيئاً، وكان دينلسون يخشى أن تأخذني الحدة فتنطلق من يدي رصاصة تكون القاضية عليه. يقولون في المثل إن النتائج الجيدة تحصل في المرة الثالثة ولهذا أوعزت إلى ماتيو أن جاء دورك فجرد ثيابك. وكان يشبه دونلسون بشدة تأثره ولكنه لم يجد مفراً من ذلك فتقدم إلى وسط الغرفة وبدأ بنزع ثيابه. فوجدت جيوبه أخلى من جيوب دونلسون وعندئذ أخذني دوار شديد شعرت معه أن كل ما في الغرفة يتحرك ويضطرب واستلقيت على المقعد وقد خارت قواي ولحسن الحظ لم يشعر أصدقائي بما آلت إليه حالتي من الضعف والوهن، وقبل أن يبدأ دونلسون بالكلام كنت شفيت من هذا الدوار. فقال لي دونيلسون بصوت أبح ضح حداً لهذه الوقاحة، ها هنا مدعو لم تهنه بعد لأنك لم تبلغ درجة من القحة تأمره فيها بنزع ثيابه. وعندما أتم دونلسون جملته نهض كراب وكان حتى الساعة جالساً على كرسيه بسكينة تامة يدخن سيكارته فيتصاعد منها الدخان كما يتصاعد من مدخنة المعمل. فوضع لفافته. . . وإنني لا أزال أذكر كيف كان يمر يده على المنضدة ليجد المنفضة ولم يبد عليه أقل انزعاج ثم قال بصوت منخفض أنا عالم ماذا يراد مني ولحسن الحظ أن ذلك سهل جداً عليّ لأنني أعمى. وحين قال هذه الكلمات بدأ بنزع ثيابه فآلمني هذا المنظر وأخذتني الشفقة على ذلك المسكين وكنت مزمعاً أن أمنعه من ذلك ولكن أمارات الاستهزاء التي بدت على وجه دونيلسون وماتيو وافتكاري بالسرقة هيجا غضبي فغلى الدم في عروقي وعوضاً أن أمانع كراب أوعزت إليه بالإسراع. وفي بضع دقائق كنت قد فتشت جميع أثوابه، ولكن جميع التنقيب الذي أجريته لم يجدني شيئاً وظلت الماسة مفقودة ويصعب عليّ أن أقول أنني كنت آمل أن أجدها مع كراب ولكنني انخذلت ثالثة. وفي هذه المرة سمعت صوت دونلسون وهو يقول بلهجة كئيب: والآن فإنك قد اكتفيت من إهانتنا ففتش تحت المنضدة عساك ترى شيئاً. ولم يكن هذا الفكر قد خطر لي قبلاً، فشعرت بحمرة الخجل تعلو جبهتي وأومض لي في ظلمات اليأس برق من الرجاء. وحين أرجعت المنضدة قليلاً كي لا تعيقني في عملي وانحنيت على البساط محدقاً فيه كنت أفكر بأي طريقة أعتذر لأصدقائي إذ كان من المحتمل أن أكون أنا ذاتي قلبت الماسة على الأرض حين التفت لأضغط الزر، ولكن يا للأسف فإنني لم أكد أرسل نظرة إلى ذاك البساط حتى تلاشى آخر رجاء ولم أقف للماسة على أثر. وعندها استفزني غضب شديد فاندفعت بحدة شديدة أبحث في جيوب هؤلاء الرجال الذين اعتبرتهم أصدقائي ودعوتهم ليقاسموني المسرة والصفاء، فذهب كل ما بذلت من الجهد أدراج الرياح ولم أظفر بضالتي. وهكذا فإن ماستي الثمينة، الماسة التي كنت أفتخر بها فقدت ولست أدري ماذا جرى بها وحين بلغ هذا الحد من خطابه سكت قليلاً وأخذ يمسح العرق البارد المتصبب على جبهته ثم سقط على مقعده ذاهلاً وكان قد وقف حين استفزته الحدة أثناء الحديث. — فقال نكارتر: إنها لقصة عجيبة وأنا أود أن أعلم كيف تنتهي فأشار دلمار برأسه وبعد أن تنهد تنهداً عميقاً عاد إلى حديثه فقال: ولما وجدت أن بحثي ذاهب سدى استلقيت على مقعدي خلف المنضدة وأذنت لهم بلبس ثيابهم. ولما أبصرت النظرات المخيفة التي كان يرشقني بها كل من دونلسون وماتيو احتطت لنفسي فجلست وراء المنضدة والمسدس في يدي اليمنى. وكنت ألاحظ هؤلاء الرجال وهم يتشحون بأثوابهم، ولم يلفظوا كلمة واحدة لأنهم على ما أظن لم يجدوا كلاماً يعبر عما في أنفسهم من شدة الانفعال لإهانتي إياهم إذا كانوا حقيقة أبرياء. وانتهى بي أعمال الروية إلى الافتكار أن واحداً منهما سلب الماسة بأسلوب خفي غامض ومهارة تامة حتى خفيت فعلته عن صديقه الآخر وعلى كل فقد وجدت من المناسب أن أسعى لإعادة الصلات الحبية التي كانت تضمنا حتى تلك الساعة فقلت لهم: يا أصدقائي الأعزاء إن الحادثة التي جرت قد أدمت قلبي ولو علمتم عظم الخسارة التي حلت بي لصفحتم لي عن المعاملة القاسية التي حزنت لأجلها و. . . فصرخ دونلسون بغضب خفف عن نفسك مؤونة الاعتذار فلو جثوت أمامي مئة سنة لم يكف ذلك لمحو الإهانة التي ألحقتها بي، كل علاقة بيننا قد توترت منذ الآن وانقلب الحب بغضاً فإذا صادفتني في الشارع ومسدسي في جيبي فخذ الحذر. فالتفت عندئذ إلى ماتيو وكان لونه متغيراً ولكنه كان هادئاً فقال لي أما أنا فلا أتهدد. لم يقل غير ذلك ولكنني فهمت فكره تماماً وعرفت أنه حقود لا يصفح لي عن الإهانة وأنه أصبح عدواً هائلاً يخيفني أكثر من دنلسون فما زلت منذ تلك الساعة أحاذر أن أوجد في طريقه. أما الأعمى المسكين الذي لم أعرفه قبلاً فكنت لا أعلم بأي عبارة أعتذر إليه فجلست على المقعد ولم أهم بحركة حتى أكمل الثلاثة لباسهم وهموا بالخروج فقال دونلسون وصوته يتهدج من الغضب: أتأذن لي الآن بالانصراف؟ أما ماتيو فلم يقل شيئاً بل كان ينتظر كراب الذي تأخر في الاكتساء لضعفه كي يقوده إلى خارج الغرفة، ولما استعد تقدم إليّ ببطء وبخطوات متقلقلة فأراد ماتيو أن يقوده خارجاً ولكنه دفع الذراع التي مدها إليه صديقه وقال له: انتظرني دقيقة أيضاً يا فرانك ثم خاطبني قائلاً: إن هذه الحادثة قد أزعجتنا جميعاً ولكنني لا أحقد عليك لأنني أقدر أن أتمثل حالة نفسك فأنا مغتم غير أنني أرجوك أن لا تظن بي سوءاً. وهذه الكلمات التي لفظها ذلك المسكين أذابتني خجلاً لأنني لم أكن مستحقاً هذا التلطف بعد أن عاملته بخشونة كما عامله رفيقيه فأجبته: تأكد يا مسيو كراب أنني كنت راغباً أن لا أفتشك لولا إصرار دونلسون. فقال الأعمى لا شك عندي بذلك ومهما يكن من الأمر فإني لا أطوي لك ضغينة في صدري. ثم مددنا يدنا وتصافحنا مصافحة الإخاء وبعد أن حييته وأجاب تحيتي قال: لي إليك كلمة أيضاً وبعدها أذهب: إن الحادثة التي جرت في هذه الليلة قد ضيقت صدري فأدركني بقدح من الماء فلم أستغرب هذا الطلب لأن حلقي كان يلتهب من الظمأ فقلت له إن آنية الماء قد انكسرت فهل لك في قدح خمر أو غيره من المشروبات. فقال شكراً لك لا حاجة لي بذلك، ولكنك تجد بقية ماءٍ في قدحي. فأخذت القدح وناولته إياه. فشكرني وهو يأخذ القدح وبعد أن شرب السؤر وضعه على المائدة وتأبط ذراع ماتيو وخرجا سوية من الفندق وكان ينوي أن يكلمني فوقف الكلام على شفتيه. ثم سقطت على مقعدي خائر القوى وأحاقت بي ظلمات متراكبة من اليأس. وإن الفكر الذي كان يدور في خلدي من أن السارق أحد هؤلاء الثلاثة لم يبارحني لحظة، وكانت شبهاتي تقع على دونلسون ومع هذا فلم أر أبداً من التسليم أنه من المحتمل أن يكون الثلاثة شركاء في السرقة قد اتفقوا من قبل أن يلعبوا بي هذه اللعبة المشؤومة فقلت إذا كان الأمر هكذا فإنهم لا يلبثون بعد خروجهم من الفندق أن ينشقوا أو يتنازعوا وللحال نهضت ومشيت على أطراف أصابعي دون أن أحدث أقل صوت ومشيت في الرواق فأدركت ماتيو وكراب في منتصف السلم وظلا صامتين لم يلفظا كلمة حتى بلغا الباب الخارجي، فعندئذ قال ماتيو لكراب: هاهنا عربة وسأعينك على الصعود إليها وأعين للسائق المحل الذي تروم أن تبلغه، وأما أنا فلا أود أن أدخل البيت حالاً لأنني ما زلت متهيجاً جداً. فأجاب الأعمى حسناً إنني أعرف ذلك ولكن إياك أن تأخذك الحدة والطيش بسبب هذه الحادثة أسمعت يا فرانك؟ فلم يجبه ماتيو. ثم نظرت كراب يصعد إلى العربة وصديقه يري السائق الجهة التي يجب أن ينحوها فسارت العجلة من الوجهة المعينة وسار ماتيو في الجهة المعارضة حيث كان دنلسون ينتظره على كثب. وبقي الرجلان اللذان لم يرياني صامتين بضع دقائق وأحدهما بجانب الآخر ثم شرعا بالكلام معاً وكانت جملهما واحدة تقريباً: — هل أنت أخذت الماسة يا جورج؟ سأل ماتيو — هل أنت أخذت الماسة يا ماتيو؟ سأل جورج إن صدور السؤالين في وقت واحد وبتركيب واحد تقريباً لم يغير شيئاً من جد الرجلين، وكان دونلسون أقل صبراً من رفيق فأجاب قائلاً: أؤكد لك أنني لم آخذ الماسة. فقال ماتيو ولا أنا أيضاً، وليس في وسعنا أن نقول أن كراب هو السارق لأننا إذا فرضنا أنه همّ بذلك فإنه عاهته تمنعه ذلك. فأجاب دونلسون: وأنا أسلم بذلك ولكن ما هي هذه اليد الخفية التي سرقت تلك الماسة الشيطانية؟ فقال ماتيو يظهر أن دلمار خولط في عقله فلا يبعد أن يكون وضع الماسة في جيبه وأظن أنه سيجدها بعد أن يملك روعه. فصرخ دونيلسون إنني أدفع مئة ريال عن طيب خاطر إذا صح افتراضك ووجد هذا التعيس ماسته في جيبه. فسأله ماتيو أيسرك ذلك ولماذا؟ فأجابه دونيلسون أست تعرف لماذا؟ قالها بلهجة تهديد مخيفة حتى إنني ارتعشت رغم إرادتي. ثم تمم حديثه قائلاً: لأنني بعد أن حدث ما حدث الليلة أريد أن أعرف موضع الماسة حتى أحول ظنه إلى حقيقة. فقال ماتيو هذا ما أقصده لأني إذا قدرت أن أغرمه جزاء العار الذي ألصقه بنا فأنا لا أتأخر عن ذلك، فاتبعني الآن يا جورج لنروي ظمأنا الشديد. وعندئذ سار صديقاي القديمان وذراعهما ملتفان إحداهما على الأخرى. وإنك ترى الآن يا مسيو كارتر أنني قصصت عليك الحادثة بتفصيلها ولم أسقط حرفاً واحداً، وبذلت الجهد حتى لا أدع شيئاً دون أن أقصه عليك ولم أهمل أمراً لم أنبئك به ولو كان طفيفاً في الظاهر لأنني أخشى أن يكون ذلك الأمر مفتاح السر. وهنا سكت دلمار كم أنهى حديثه. فسأله نيكارتر قد مر على هذه الحوادث أسبوع أليس كذلك؟ — نعم — وأنا أظن أنك لم تفتر عن السعي في خلال هذه المدة لاستجلاء الغامض. — أنا. . كنت جننت لو لم أدأب في السعي. — إذن فقل لي ماذا صنعت؟ — إنني سأشرح لك ذلك بحرية تامة فقد تدرجت في الشوارع بحالة تشبه الجنون وقد ظهر لي أنه من الممكن أن أكون أنا نفسي قد وضعت الماسة في جيب من جيوبي فعدت مسرعاً إلى حيث تناولنا طعام العشاء، وابتدأت أفتش نفسي بدقة لا مزيد عليها فقلبت جيوبي جميعها ومزقت بطانة أثوابي وعريت من كل لبسي حتى صرت في حالة جدينا الأولين، وإن خجلي من قص ذلك عليك لا يوازي خجلي من إخفاق مساعيّ، فقد اختفت الماسة ولم أقف لها على أثر. ولم أكد أتمم لبس ثيابي حتى قرع الباب ففتحته وإذا بخدام الفندق قادمين ليرتبوا الغرفة وبينما كانوا يدأبون في عملهم كنت أراقبهم بمزيد الانتباه وأقول من المحال أن لا يجدوا الماسة. ولما أنجز الخدام عملهم ولم يجدوا شيئاً خرجت أتجول في الشوارع وظللت نحواً من ساعتين، وكان الوقت الساعة التاسعة ليلاً، ثم وقفت بغتة لأرى الجهة التي أسلك فيها وتطلعت فإذا أنا أمام مركز البوليس فهممت بالدخول لأقص عليه الواقعة، وبعد أن فكرت بهذا علمت أن لا رجاء لي بمساعدة البوليس العادي في هذه المسألة الغامضة، إذ ليس في يدي برهان يؤكد حدوث السرقة، إن الماسة فقدت دون شك ولكن بعد المبحث المدقق الذي أجريته لم أجد مجالاً لاتهام ضيوفي. فأتممت نزهتي منفرداً وكان يأسي يزداد من حين إلى آخر وكنت أعزي نفسي بأن فقدان الماسة لم يجعلني مملقاً فما زالت ثروتي في كلكتا ولكن هذه التعزية كانت تزول حين كنت أفتكر أنني خسرت بضياع الماسة نحواً من نصف مليون دولار، ولا سيما عندما أفتكر أن هذه الثروة الواسعة فقدت في بضع ثوان. فسأله نيكارتر وهل أخبرك الجوهريون في كلكتا أنها تساوي هذا الثمن الفاحش؟ — نصف مليون؟ هذا مؤكد وهو ليس بثمنها الفاحش بل المعتدل، وقد أخبروني أن الماسة إذا قطعت قطعاً لا يشوبه خطأ فإن ثمنها يرتقي إلى ثلاثة أضعاف هذه القيمة. — إذن فأنت تعتقد أن عين الشيطان تستحق العناء الذي ستصرفه في البحث عنها. — آه يا مسيو كارتر وهل تريد أن تتولى أمر البحث عنها؟ — على الأرجح. . . ولكنك لم تقل لي بعد ماذا فعلت ولعلك قد عثرت على أثر يدلك على مكمنها. — قد حزرت يا مسيو كارتر قد عثرت على أدلة عديدة ولكنك تعرف مبلغها من الصواب أكثر مني. بعد أن أدرت ظهري لمركز البوليس أتممت المسير فاجتزت المدينة وقبل الساعة الحادية عشرة وجدت نفسي أمام محطة السكة الحديدية وأبصرت عربة مقبلة تقل مسافراً. ولما وصلت قفز السائق إلى الأرض وساعد الراكب على النزول ولم يكن هذا الراكب سوى كراب الرجل الأعمى. فصرخ نيكارتر ياللعجب. فتبسم دلمار عندما سمع ذلك وقال: ربما افتكرت أنه أراد أن ينجو بالسرقة وأنا أعتقد أنه ربما كان هذا ممكناً وربما كان من الواجب عليّ أن أستعمل المسدس ولكن إصغ: إنني رأيت السائق يأخذ خريطة كراب من العربة ثم أمسكه بذراعه وقاده إلى غرفة الانتظار، فكنت لهما ألزم من ظلهما. ثم أخذه إلى حيث قطع جوازاً إلى بونبلو وكنت خلفه فسمعته يسأل المأمور عن ميعاد سفر القطار فأجابه سيقوم القطار الأول إلى بويبلو بعد عشر دقائق. وفي هذه الأثناء كان السائق واقفاً وراء كراب ليقوده إلى القطار وعندما اجتازا غرفة الانتظار أعوزتني السكينة ولم أتمالك نفسي فعارضتهما في الطريق. وقلت له وأنا أشتعل من الغيظ: أسعدت صباحاً يا مسيو كراب فحدق بي الأعمى وأدار نحوي عينيه وظهر عليه أنه عرف صوتي فقال وهو يتردد في القول: يظهر لي أني أعرف صوتك، ألست المسيو دلمار، فهل خدعني سمعي؟ فقلت له أنا هو. — إذن فقل لي بالله هل وجدت أثراً لماستك تهديك لمخبأها؟ — فقلت لا وكنت أراقب ماذا يكون تأثير جوابي فيه. — إن هذا مكدر جداً، إن هذه الضربة هائلة. — نعم ولكن ليس بوسعي إلا أن أتلقى مصيبتي بالصبر، والآن فإني أراك على وشك السفر. نعم وآسفاه فإنني وجدت في منزلي عند رجوعي إليه هذا النبأ البرقي الذي أجبرني أن أسافر مع القطار الأول. ودفع إليّ النبأ حين طلبته منه وأنا أعترف لك أنني لم أتردد بل قرأته بمزيد السرعة وكان من بويبلو وهذا نصه حرفياً: أختك على فراش الموت عجل بالحضور، الطبيب. م. غوردون فعزيته بكل ما حضرني من عبارات التعزية. فقال لي: منذ مدة كنت أتوقع ورود هذا النبأ، فوردني اليوم، وبما أنني راحل فأنا أشكر جميلك إذا أنبأتني بالدلائل التي تبدو لك والآثار التي تهتدي إليها وأنت تعرف السبب الذي يهيج هذه الرغبة في نفسي. فأجبته متململاً نعم أعرفه جيداً. ثم قال بعد أن أواري أختي المسكينة في التراب أعود إلى هنا ولديك عنوان إقامتي فأرجوك أن تواصلني بما يجد معك في هذا الشأن. فوعدته أن أنبئه بكل ما يحدث. فاستتبع حديثه قائلاً: إن إقامتي في بويبلو ستكون في بيت أختي، فإذا اتضح لك كيف اختفت ماستك أو إذا وجدتها كما أتمنى لك، فستكون لك عليّ يد بيضاء إذا أنبأتني على لسان البرق لأنك تعلم أنه ما زالت ستور الخفاء مسدولة على هذه المعضلة تظل العلائق بيني وبين صديقي ماتيو متوترة وإن هذا ليحزني لأنني كنت وإياه دائماً صديقين حميمين. فهممت أن أخبره بما قاله عنه ماتيو ودونيلسون بعد خروجهما من الفندق ولكنني آثرت الرصانة والسكوت واقتصرت على نسخ العنوان الذي أعطانيه كراب. وبعد ذلك صافحني وقاده السائق إلى الرصيف حيث كان القطار مزمعاً أن يقف، وعدت إلى الفندق وفي أثناء عودتي عولت أن أراقب دونلسون وماتيو عبثاً كنت أحاول أن أطرد هذا الفكر عن خاطري وهو أن أحدهما كان السارق. وبينما أنا أسير صادفتهما في الطريق ولكنهما لم يبصراني فتبعتهما على بضع خطوات وأنا أحذر كل ما من شأنه أن ينبههما إلى وجودي. وكانا آتيين من النادي دون شك ووجهاهما مقطبان فتبعتهما وما زالا سائرين حتى وصلا إلى المنزل الذي يقطنه كراب وكان لماتيو غرفة هنالك أيضاً ففتح ماتيو الباب بمفتاح أخرجه من جيبه ودخل الرجلان. فلم يمكثا أكثر من خمس دقائق. وكنت لحظت أن النور قد أضيء وأطفئ بسرعة في ثلاث من الغرف أو أربع فدل ذلك على أنهما كانا يفتشان عن ماتيو الذي لم يبلغهما بعد خبر سفره الفجائي. فقال ماتيو وهما ينزلان إلى الشارع أن القطار قد نحا بويبلو من ربع ساعة تقريباً. فأجابه دونيلسون نعم إن هذا الفاجر قد بعد مسافة طويلة فقال ماتيو ولكن لحسن الحظ أن اللحاق به سهل. وهذا كل ما قدرت أن أسمعه من المحادثة وكان من المؤكد عندي أنهما يتكلمان عن كراب ولكنني لم أعرف هل كانا ينظران ماستي وهما يتكلمان هذا ما أترك حله لك يا مسيو كارتر. ثم دخلا مسرعين إلى بيت آخر وقد فهمت بعد ذلك أنه مسكن كليمور شريك دونيلسون فلم أحفل بهذا الأخير لأنني لم أعلم كيف يكون له دخل في سرقة الماسة. فقاطعه نيكارتر قائلاً: حسناً حسناً إنك أنت لا تعرف كليمور ولكننا نحن نعرفه فهو متهم بالتحريض والإغراء على كثير من حوادث القتل والسرقة وهو الآن في السجن ينتظر جزاءه وأن علائقه مع صديقك دونيلسون كانت تدلني على أن في حياة هذا الأخير أموراً خفية غامضة ولكن أرجوك أن تتمم حديثك الآن. فاستأنف دلمار الكلام وقال إنني انتظرت ساعة قرب بيت كليمور خرج بعدها الاثنان ولكنهما انفصلا في أول عطفة من الشارع فتبعت دونلسون الذي عاد إلى منزله، أما ماتيو فلا أعلم أين انتهى به السير ولم أنظره بعد ذلك ولكنني أرجح أنه ذهب في اليوم التالي إلى بويبلو ليلاقي كراب هناك. أما دونيلسون فقد أقام عامة اليوم التالي في مكتب المحل الذي يديره هو وشريكه كليمور وفي اليوم التالي نظرت صدفة أن دونيلسون أخذ رسالة برقية وبعد أن قرأها ظهرت على وجهه علائم الاهتمام والتأمل ولم أقدر أن أعرف مصدر الرسالة ولا محتواها ولكنني أعرف أنني لم أر دونيلسون في اليوم التالي ولما ذهبت في اليوم الثالث أطلبه في محله أخبروني أنه سافر إلى بويبلو، وبالطبع ركبت أنا أيضاً القطار الأول وتبعته. فقال نيكارتر إنه لفكر في غاية السداد فماذا اكتشفت هناك؟ — لا شيء في لا شيء أجاب دلمار إنني رمت أن أذهب إلى المحل الذي أعطاني كراب نمرته ولكنني فهمت أنه لا يوجد بيت في المدينة بهذا العنوان، وكان الشارع موجوداً فقط ولكن النمرة التي معي كانت عنوان أرض ما زالت خالية من البناء ولم يكن هناك بيت إلى بعد مئة خطوة من جميع الجهات. فقلت لعلني أخطأت في نسخ النمرة فسألت عن أخته التي كانت على فراش الموت فلم أسمع أحد يتكلم عن امرأة ماتت أو أشرفت على الموت فسألت عن الطبيب ا. م. كوردون فلم يكن حظ هذا من الوجود أكثر من حظ الأخت الموهومة. فلم يبق لي إلا أن أسأل عنه فسألت مأموري المحطة هل شاهدوا رجلاً أعمى نزل في الليل من القطار قادماً من نيويورك ووصفت لهم ملامحه. فلم يذكر أحد في المحطة أنه شاهد رجلاً أعمى بهذه الملامح وبالاختصار فإنني قد أضعت يومين في بويبلو وأنا أفتش دون طائل. فعزمت على أن أقصد مركز البوليس وأشرح له خبر السرقة وكل ما يتعلق بها، وحين قرأت في الجرائد أعمدة بأسرها ملؤها إطراؤك والثناء عليك ووصف العمل العظيم الذي قمت به قبل الليلة السابقة وعلمت أنك حضرت إلى هنا عاد لي بعض الرجاء وأتيت إليك لأعرض عليك القصة بجميع تفاصيلها. فقال البوليس لدلمار إنني أقدم لك تحياتي وتهاني لأنني قلما نظرت رجلاً قادراً مثلك على الإحاطة بأطراف الموضوع واستقصاء شوارده وإيضاح دقائقه ووصف ذلك بطريقة سهلة واضحة، وسنقتفي بعد الآن أثر عين الشيطان وإذا ساعدنا الحظ فإننا نرجو أن نهتدي إليها. — إنني أقدم لك شواعر الشكر التي تختلج في صميم الفؤاد، وأرجوك أن تخبرني هل عزمت على السفر إلى بويبلو؟ — على الأرجح. — وهل تريد أن أرافقك؟ — لا ولكن اترك لي عنوانك وإذا اضطررت إلى الانتقال فأبلغني ذلك، حتى تصلك جميع الرسائل والأنباء البرقية التي يمكن أن أرسلها إليك، ولا أطلب منك غير هذا سوى أن تثق بي. وثم تحادث الثلاثة سوية بشأن الأمور المادية التي يقتضيها البحث والتنقيب، وبعد ذلك استأذن المالك الشرعي للماسة من البوليس الشهير ومعاونه وانصرف. وبعد أن خرج دلمار التفت كارتر إلى معاونه الشاب الايرلندي وقال له: — ما رأيك في هذه القضية يا باتسي؟ يظهر لي أنها أقرب إلى الخيال منها إلى الحقيقة فهل صدقتها يا أستاذي؟ — صدقتها كما أصدق بالحياة الأبدية التي لا أشك فيها لحظة. — إذا فرضنا هذا فكيف أمكن الثلاثة أن يخفوا الماسة؟ فضحك كارتر طويلاً ثم قال: يظهر لي أنك تظنهم شركاء في الجريمة قد تعاقدوا عليها سابقاً. — إذن فماذا تريد أن أعتقد في شأن هذه الماسة التي اختفت وغابت آثارها. اسمع يا باتسي أريد أن أحدثك بشأنها ولكنني لا أتكلم عن لصوص. — عمن تتكلم أعن لص واحد؟ — نعم فأنا أعتقد أن كراب هو السارق الوحيد. — أيمكن هذا؟ أيمكن هذا الأعمى أن يسلب الماسة وأمامه ثلاثة رجال يبصرون؟ فقال نكارتر إن كراب هو الذي أخذ الماسة قال هذا وهو يتظاهر بأنه لم يسمع اعتراض المعاون ومع هذا فأظن أنه لم يفكر أن سرقتها بإمكانه لما قبل الدعوة ولا أصدق باتفاق سابق وأؤكد لك أن دونيلسون وماتيو بريئان من وصمة السرقة وهما يعتقدان كما أعتقد أن كراب هو السارق، وقد هاجهما ما صادفاه من الإهانة فعزما على اتباع كراب وإجباره على رد المسروق أو أن يقاسمهما على الأقل ولما علما بسفره إلى بويبلو عرفا أنه قد خدعهما فاقتنع باتسي بتأكيدات أستاذه وقال حسناً يمكننا الآن أن نستنتج النتائج من هذه المقدمة وقد فهمت الآن معنى المحادثة التي دارت بين الرجلين أمام الفندق. — وجلي أن سفر كراب إلى بويبلو هو اعتراف ضمني بذنبه. ولهذا تبعه ماتيو إلى بويبلو حيث علم أن السبب الذي انتحله الأعمى للسفر كان مختلفاً وهذا الذي عرفه دلمار بعد بضعة أيام. — من الراجح أن يكون ماتيو مرسل النبأ الذي اهتم له دونيلسون كثيراً، فسافر لينضم إلى رفيقه في اللحاق بالأعمى. — أحسنت يا باتسي هذا ما حدث برمته. — ولكن كيف قدر هذا الشيطان كراب أن يسرق الماسة على هذا الشكل الخفي الغامض حتى لم يقدر دلمار أن يجدها في ثيابه حين فتشها؟ وبعد أن توقف لحظة عن الكلام ضرب بيده على جبهته ثم قال: يخيل لي أن هذا الخبيث المحتال ليس أعمى. — وحسناً وأي فرق في ذلك؟ فقال باتسي لا فرق وضاع سروره باكتشافه حقاً أن الحالين سيان فهل تظن أنه أعمى يا أستاذ؟ ثم ساد سكون قطعته قهقهة باتسي الذي قال وهو يضحك: — آه، آه، إن تفتيشاً كالذي أجراه دلمار لا يتفق حدوثه دائماً، ثلاثة رجال عارين كجدهم آدم قبل أن يخطئ حقاً إنه منظر مضحك. فأجابه نكارتر ضاحكاً: لا أظن المشابهة تامة إذ ينقص الأخيرة قليل من الصحة. فعاد باتسي بعدها إلى الجد وقال: أنا أرى يا أستاذ أنك فكرت لتبلغ نتيجة فبأي أسلوب تظن كراب سرق الماسة وتمكن من إخفائها. ولكنه انذهل عندما وجد أن كارتر اقتصر على الضحك وهو يرفع كتفيه ثم خاطبه قائلاً: يا عزيزي باتسي لم أعلم عن ذلك شيئاً. — أفهذا ممكن؟ — نعم ممكن للغاية، فقد أرى في الأمر سراً لم أقدر على فهمه حتى الساعة وأنا أحتاج في حله إلى تأمل طويل سأباشره أثناء سفري ولذلك أرجوك أن تستفهم لي عن مواعيد سفر القطر. فنزل باتسي مسرعاً إلى مكتب الفندق وهناك تقويم لهذه الشؤون فأمعن فيه البوليسان هنيهة وبعدما اختار نكارتر القطار الذي سيقله قال لمعاونه: أرى أن واحداً منا يكفي لمطاردة هذا الأعمى أما أنت فأقم هنا في دنفر وأخبرني إذا عاد أحد الرجلين واعلم أنه يحتمل أن يحدث هذا بأسرع مما نفكر فتيقظ. فقال باتسي كن أميناً من هذه الوجهة. ولم يكن يتعذر على رجل ماهر كنكارتر أن يقفو أثر أعمى ففهم وهو في الطريق أن كراب قبل أن يصل إلى بويبلو طلب من السائق جوازاً عاماً. فمع اكتفاء البوليس بهذا التصريح توصل إلى علم ما يأتى وهو أنه في يومين مختلفين من الأسبوع الماضي كان في القطار مسافران القيا إلى المفتش هذا السؤال بعينه فتحقق عند ذلك أن ماتيو ودونيلسون قد اجتمعا في بويبلو ومن هناك سارا للبحث عن الأعمى. وبعد برهة اكتشف على آثار الأعمى وكأن صوتاً داخلياً يناجيه أن كراب هو السارق الوحيد، وعرف أنه اشترى نعالاً محددة واكترى جواداً من قرية صغيرة من قرى مقاطعة الأريزونا الشمالية، وسافر من هناك مصحوباً بدليل توصل البوليس إلى معرفته وطلب منه إيضاحاً وبسط ما يعرفه عن المسافر الذي كان يصحبه. فقال الدليل: لم أرافقه مدة طويلة إذ أنه قال لي بعد خمسة أيام من بدء السفر يمكنك أن تعود الآن فترددت في الرجوع وتركه منفرداً لأننا كنا عندئذ في أوحش قسم نم الأريزونا ولكنه أصر عليّ فتركته وعدت. ففكر نكارتر ملياً في ما قاله الدليل ولم يفهم كيف أن رجلاً أعمى ضعيف القوة يود أن ينفرد في تلك البقعة الكثيرة الأخطار، فسأل الدليل: — هل تعتقد أن الرجل كان أعمى حقيقة؟ فقال الدليل: كل الاعتقاد ودعم حديثه بسرد بعض الحوادث التي جرت على الطريق والتي تؤيد قوله. ثم استتبع البوليس السير في طريقه. ولم يكن الذي يلقاه على الطريق قادراً أن يعرف هذا الرجل ذو الشهرة الواسعة في العالم والذي يختلف إلى الأندية العليا في نيويورك وله المنزلة الرفيعة بين الاريستوقراطيين لأن كارتر تزيا بزي سكان الغابات فاتخذ هيئة متوحش يؤثر استعمال السلاح وخشونة العيش على رفاهية الحضارة. وكان جواده كريماً فأعمل في خاصرته المهماز ليبلغ ذلك المحل الذي يكاد يكون في آخر الدنيا حيث فارق الدليل كراب. وبينما كان يجد السير صادف فارساً مقبلاً عليه من الجهة المقابلة ناداه وهو يوقف مطيته قائلاً: أيها الغريب. فأوقف كارتر جواده وقال له: ماذا؟ — أعندك تبغ؟ — مؤكد، عندي قطع كبيرة. وكان نكارتر يعلم أن رجل الغابات يجب أن تكون معه مؤونة من التبغ فحمل معه كمية منه مع أنه لم يكن يستعمله. ثم أخذ علبة من جيبه وقال للرجل هو ذا التبغ فخذ حاجتك. فقال الرجل أشكرك ومد يده وحاول أن يمضغ قطعة منه. فقال له نكارتر اقطعها إلى قسمين لأنك لا تزال بعيداً جداً عن العمران وعلى ما أظن أن التبغ لا ينمو على الأشجار كما قيل لي منذ هنيهة. — أنت محق، فإن طالما وجدت في هذه البقعة التي هجرها الله والناس وكان قد أخذ نصف قطعة التبغ ورد بقيتها إلى نكارتر. فسأله البوليس: إذن أنت تعرف المقاطعة. — نعم تقريباً ألا تعرفها أنت؟ — لا هذه هي المرة الأولى من مجيئي إليها. — في طلب الذهب؟ — ليس تماماً فإنني ألاحق رجلاً أعمى. — ماذا؟ إن هذا لغريب جداً. — نعم إن قدوم أعمى ليختبئ في هذه المواضع الموحشة لهو غريب جداً ولكنه حدث. — ليس هذا الذي أريد أن أقوله ولكنني أفكر بشخصين استأجراني لخدمتهما كدليل وطباخ وهم أيضاً مثلك يفتشون عن أعمى. — يا للشيطان، هذا ما نسميه صدفة قال ذلك نكارتر وهو يلفظ سلسلة من الأقسام تليق بسكان الغاب ثم سأل الرجل وما هي المسافة بيني وبينهما؟ — أظنهم أصدقاءك. — تقريباً فإنهم من معارفي. — حسناً فأنتم الثلاثة في هذه الحالة تطاردون شخصاً واحداً وهذا كل شيء. — أصبت أيها الشجاع، وعلينا أن نتابع هذا الأعمى حتى نظفر به ولو اضطرنا الأمر أن نذهب إلى نهاية العالم. — لتسترجعوا منه الماسة أليس كذلك؟ — بسم ال. . . وكيف عرفت ذلك؟ — أخبرني به صديقاك. — حسناً إن هذه الماسة لا تخص الأعمى. فأغمض الرجل عينيه وبدأ يقهقه وقد بدت على وجهه أمارات المكر ثم قال: أصدق قولك إن الماسة لا تخص الأعمى، فإذن هي ملك الذي يظفر بها، ولكن هذا لا يهمني فحاول أن تجتمع بأصدقائك. — يدهشني وقوفك على هذا السر. — لا غرابة في ذلك فالمسافرون أياماً عديدة في القفار تنشأ بينهم روابط شديدة، وقد كانا يتكلمان بادئ الأمر سراً فكنت أصغي إلى حديثهما ثم أخذت بسؤالهما ولما وجداني وقفت على شيء من القصة شرحاها لي وأخبراني منها بما كنت لم أعلم بعد. — قصا عليك كيف سرق الأعمى ماستهما أليس كذلك؟ — نعم أو بالأحرى ماسة أحد أصدقائهما. فتعجب كارتر من ثرثرتهما وقال للرجل إن أذنيك لم تخدعاك. — آه آه، أنت هو الصديق صاحب الماسة. — هذا ممكن فأنا لا أنفيه. — حسناً فاسمع إذن إن كنت لا تريد أن تصادف رصاصة توردك حتفك فالأولى بك أن لا تحاول الاجتماع بصديقيك، لأن مصاحبتهما خطرة وقد شعرت بذلك ولهذا فارقتهما هذه الليلة. — يظهر لي أنهما أخبراك بكل شيء وأنا أرجوك أن تخبرني عن واسطة أتجنب فيها ملاقاة هذه الرصاصة وأن تخبرني عن الطريق الذي سلكاه. فرفع الرجل كتفيه وقال إن فكر ملاحقتهما هو فكر جنوني، ولست أعلم ماذا تفعل إذا وجدت أمام اثنين هذا إذا لم نعد الأعمى، إنني تركت صديقيك أول البارح فإذا أسرعت في السير نحو الشرق تصل إلى مخاضة نزل فيها صديقاك وركبا النهر وسافرا. — أشكرك على هذه التعليمات. ثم حرك كارتر جواده ولما رآه الرجل سأله هل أنت مصمم على التقدم؟ — بلا ريب. — حسناً فهل يلزم أن أعلن خبر موتك؟ — لا تتعجل أستودعك الله. — سر بالسلامة أيها الغريب وأشكرك على تبغك، لاحظ أنك واحد ضد اثنين ما عدا الأعمى ولكنني أشتهي لك الفوز من قلبي. فأرخى نكارتر لجواده العنان وبعد أن قطع ربع ميل التفت وهو على سرجه ونظر الرجل الذي كان يراقبه وهو ثابت في محله فقال البوليس في نفسه إن هذا الرجل ليس أبله كما أظهر لي وقلبي يحدثني أنه سيكون لي وله شأن قبل ختام القصة، آه لله ما أشد حمق ماتيو ودونلسون اللذان يكشفان أسرارهما لكل سائل، واستمر البوليس في سيره حتى أحلولك الليل فاستراح قليلاً ثم ركب جواده وعاد للسير حتى وصل إلى ضاحية كولورادو التي أهداه إليها الرجل ثم ربط جواده في جذع شجرة ثم أوقد قليلاً من الحطب وأعد لنفسه عشاءً من المؤن التي اشتراها ثم التحف بغطائه ونام على الأرض ليريح نفسه بضع ساعات من عناء النهار. وفي الثلاثة الأيام الأخيرة من إقامته هناك نظر عن بعد ثلاثة بيوت في ذلك القفر ولم يعلم البعد بينها وبين أقرب عمران وعلم أن المخبأ الذي يختاره الأعمى ليكون فيه لا يتسنى لصحيحي النظر أن يقيموا فيه، ثم قال لماذا لم يسافر كراب إلى مدن الشرق الكبيرة حيث يصادف فرصة أوفق لبيع الماسة، وردد هذا السؤال في خاطره دون أن يهتدي إلى حل مرضي وأخيراً أغمض عينيه وتاه حتى انفجر نوماً عميقاً هادئاً وعندما استيقظ تناول قليلاً من الطعام ثم علا ظهر جواده وسار فعرف بفراسته أن فرساناً آخرين قد تقدموه منزهين في نفس الطريق، فسر بهذا وعلم أيضاً أن الفارس أهداه إلى الصراط المستقيم وكان كلما تقدم يزداد منظر البلاد وحشة وانفراداً، وكان النهر يجري بسرعة شديدة بين مضايق صخرية ثم تصب مياهه المزبدة في مصب بعيد الغور فيسمع لها ضجة شديدة. وبعد الظهر بقليل وصل كارتر إلى سفح رابية صخرية فهمّ أن يتسلقها وهو راكب وقد ظهرت له آثار على الأرض عرفته أن فرساناً آخرين مروا من هنالك حديثاً، وكانت قمة الرابية جرداء تطل على ما جاورها إلى أمد بعيد فوقف كارتر فجأة لأنه نظر على بعد ثلاثة أميال تقريباً خطاً رفيعاً من الدخان يتصاعد إلى الأفق فقال لعل هنالك مفتشاً عن الذهب أو لعل الطريدة التي ألاحقها قد عادت، وكان كل ما حوله يظهر له واضحاً فأبصر نقطاً متحركة تشبه النمل السائر فظنها هنوداً ولكن هذا لم يكن راجحاً لأن البوليس منذ دخوله إلى تلك البلاد المتوحشة لم يشاهد أكثر من ستة من ذوي الجلود الحمراء فتفرس في هذه النقطة بالعين المجردة لحظة من الزمان ثم تناول منظاره ووضعه على عينيه فوجد أنهم أربعة فرسان يسرعون في المسير جنوباً وإذ لم تكن جهة سيرهم هي الجهة التي ينحوها البوليس تأكد أنهم لا يقتفون آثاره وفضلاً عن ذلك فليس لهم من اللحاق فائدة. وعندما فكر في هذا عاودته الهواجس فتناول منظاره وبدأ بالتفرس فوجد الأربعة يتدرجون إلى اليمين وينحون في سبيلهم مخاضة على بعد عدة أميال ثم وضع منظاره في جيبه وقد ظهرت على وجهه علائم الاهتمام والتأمل العميق لأنه نظر بين الأربعة وعلى زعامتهم الفارس الذي طلب منه تبغاً وقص عليه ما عرفه عن دونلسون وماتيو. وكان الجو قد طبق بالغيوم مما دل على قرب هبوب العاصفة فتساءل في نفسه عما يجب عليه أن يفعله وهل كان يسير في النهج القويم فإذا كان ذلك فهو يدرك جماعته قبل أن يبلغهم الفرسان الأربعة ولكنه إذا كان يعتسف في طريقه فماذا يحدث؟ وبعد أن فكر قليلاً قال لا، لا، إنني أتبع الآثار ذاتها ثم لكز جواده وأخرج من كيس معلق بسرج الجواد بعض الأمتعة الصغيرة، ثم ساق مطيته إلى سفح الرابية حيثما ربطها في مرجة صغيرة محاطة بالعليق حيث يجد الجواد حوله شيئاً من الكلأ فيمكن لنكارتر أن يتركه هناك برهة طويلة دون أن يخشى عليه شراً ثم اطرد سيره ماشياً. وقد تبع في مسيره ضفة النهر وما زال يسير حتى وصل إلى مضيق عميق تندفع إليه مياه النهر بسرعة وتنصب فيه فيسمع لها دوي شديد، وكان ممتداً على المضيق جذعا شجرتين كبيرتين قصفهما النهر فأشبها جسراً ورأى نكارتر آثاراً دلت على أن خيولاً عبرت ذلك الجسر حديثاً فتتبع الآثار فقاده تتبعه الآثار إلى غابة كثيفة نظر من خلال أشجارها خطاً من الدخان رآه وهو على الصخرة غير أنه كان الآن قريباً منه وهو يتصاعد من بناية خشبية عاث السوس في عوارضها. وكانت تجري أمام هذا الكوخ ساقية جميلة مملوءة بالسمك وأمامها ما يشبه الاصطبل قد ربط فيه ثلاث جياد. ولم يكن غير هذا الكوخ معموراً في الجوار، فاقترب نكارتر بهدوء وأصغى لما يجري داخل الكوخ الذي ظهر له أنه كوخ رجل يفتش عن مناجم الذهب فيسمع من الداخل جلبة وضجة، فتقدم بدون احتراس إلى أن دخل الباب فسمع صوتاً يقول: قد اكتفينا يجب أن نضع حداً لهذا الإنكار، فاسمع يا كراب الحقيقة إننا نريد أن نقاسمك فإذا أصررت على الإنكار لا نسلبك ماستك فقط بل حياتك أيضاً. ثم ارتفع صوت آخر يقول: إننا لم نأت إلى هنا لنسمع ثرثرتك. فأجاب شخص ثالث: — افعلا ما بدا لكما، إذا لم تخجلا أن تهاجما أعمى مسكيناً وتقتلاه فلا تترددا، ولكنني أعيد عليكم إنني لا أعرف ماذا حدث للماسة وأود أن أبذل جهدي لأبرهن لكم صحة قولي فإنني خلعت ثيابي عندما أمرني دلمار فهل تودون أن أعيد ذلك الآن؟ فصرخ المتكلم الأول: ماهذه الترهات عندما تسدد حسابك نعلم ماذا نصنع بثيابك وأما الآن فما عليك إلا أن تجيبنا إلى ما طلبنا وتيقن أننا بعد ذلك نكون كرماء جداً حتى أننا نهبك حياتك. أعطنا الماسة أو أهدنا إلى موضعها وأنت إذا رفضت مائت لا محالة. فقال الأعمى وهو يتنهد وأي معنى للرفض هنا هل يقدر الإنسان أن يعطي إلا ما يملكه؟ — آه ثم عاد الأعمى إلى الكلام فقال: فكروا فيما تقدمون عليه وتذكروا أن الدم المهراق ينتقم له دائماً. — هو ذا الرسول الصالح! إننا نعلم ما يجب أن نعمله. ثم خيم السكوت لحظة على تلك الغرفة. فقال نكارتر لنفسه يظهر لي أنني وصلت في الوقت المناسب لأمنع هذين الشريرين من ارتكاب جريمة جديدة. ففتح الباب بلطف ليرى ما يجري داخل الكوخ، فوجد كراب جالساً قرب منضدة في وسط المحل وعيناه الكبيرتان تحدقان بالحائط أمامه، ولا شك أن الأخيرين باغتاه وهو على المائدة إذ كان عليها قطع من الخبز واللحم البارد وقدح ماء ووعاء للقهوة والملح وكان ماتيو ودونيلسون واقفين أمامه وعلى وجهيهما أمارات التهديد فكان واحد منهما رافعاً هراوة ضخمة فوق رأس الأعمى والآخر مستعداً أن يضربه بخشب البندقية. فقال لا يوجد في القضية ما يقال إن كراب أعمى إذ ليس بيدي أقل ممانعة لهذا الخطر الموشك الحدوث. فتخطى عتبة الباب وأسرع إلى الداخل وألقى نفسه بين الأعمى وبين الشقيين وصرخ بهما: — اخجلا أيها الشقيان أتضربا أعمى لا طاقة له على الدفاع إن هذا منتهى الجبن والنذالة ونزع الهراوة من يد ماتيو برشاقة وقبض على بندقية دونيلسون وحمى الأعمى الذي لم يعلم ماذا جرى والذي لم يكن يشك أنه أشرف على الهلاك. فجمد الشريران لمفاجأة هذا الرجل الذي لم يعرفا من أين أتى فخيل لهما أنه هبط من السماء، واستولى الذهول عليهما بضع ثوان، أما كراب فإنه تنهد جزعاً واختبأ تحت المائدة. وأخيراً تمتم دونيلسون قائلاً: أي شيطان هذا، من أنت أيها الرجل، من أنت؟ وكان لنكارتر مزية عليهم هي أنه يعرفهم لأنه نظر صورهم وأما هم فلا يعرفونه البتة. — من أنا؟ لا أرى إخباركم بهذا ضرورياً ولكن الذي يهمكم هو أنني لا أقدر أن أسكت عندما أرى شريرين قويين مثلكما يفتكان بأعمى ضعيف ليس له نصير ولا قدرة على الدفاع، إنني لست عظيماً من عظماء الأرض ولكنني لست نذلاً لأدعكما وشأنكما. فقال ماتيو: إنه لم يكن هنا سوى ضجيج فقط وإننا رمنا أن نخيفه. — أن تخيفاه، حسناً، ولكنني لم أفهم كيف يمكنكما أن تروعا أعمى بمثل ما عملتما. وكان الرجلان شاخصين بأبصارهما إليه فقال نكارتر: — أصغيت قليلاً قرب الباب فسمعتكما تتكلمان عن ماسة وإذا كنتم تودون أن تتقاسموها وذلك يتعبكم فانا أرضى أن أكون حكماً وإذا كنت أقدر أن أفيدكما فأنا خادمكم. فقال دونيلسون بحدة: لا تزعج نفسك فهل يهمك أمرنا وهل لك زمن طويل هنا هلم اهرب بأسرع ما يمكنك. — شكراً لك على هذه الدعوة للهرب، ولكنني أروم أن أمكث قليلاً. ثم أخذ البوليس كرسياً وجلس بسكون ثم قال: اصغوا لكلامي كل الإصغاء يا رفاقي: إذا حدث خصام في هذا الكوخ بعد الآن فهو سيحدث بيننا، إنكم سألتموني عن اسمي فأنا أجيبكم على ذلك إنني جاك الأحمر من مقاطعة مونثانا المدعو أيضاً بالدموي الهائل، وقد تعودت أن ألتهم اثنين أقوى منكما وأضخم غذاءً لي. وفي أثناء الحديث أسند البندقية إلى المائدة وسحب مسدسه من جيبه. — أتنظران جيداً هذا الكلب الصغير؟ إنه ينبح دون أن يتحرش به أحد، وصوت واحد منه كاف. ثم ضحك البوليس ضحكاً مرعباً وجلس إلى المنضدة بينما كان ماتيو ودونيلسون يتبادلان النظرات، فقال ماتيو: فلنسافر فلنسافر، إذ ليس لنا مقام هنا بعد. فاقترب الاثنان من الباب. فقال نكارتر وهو يعبث بسلاحه: أرجوكما أن تقيما خمس دقائق هنا أيضاً، فهذا المحل أوفق لكم وأنا أقول لكما السبب فإن عندي شيئاً لأقوله لكما وهو يهمكما جداً. فنظر الاثنان بارتياب إلى جاك الأحمر الدعي وهما يرغبان أن يفتكا به ولكن سلاحه كان يوحي لهما أن يحترماه. واستتبع نكارتر الحديث فقال: عودا إلى محليكما فما دمتما في هذا الكوخ فأنتما في مأمن من خطر الموت إنني أريد أن أقدم لكما اقتراحاً فإذا أردتما أن تساعداني ساعدتكما أيضاً. وكان انفعال الشقيين يشتد وهما يحدجانه بأبصارهما دون أن يلفظا كلمة. فقال نكارتر بلهجة تدعو إلى الثقة: إذا كان أحدكم أمهر من رفيقيه فسلب الماسة دونهما فلا تتخاصموا الآن لأجلها، كونوا أصدقاء، لأن خطراً مهولاً يتهددكم جميعاً. فقال دونيلسون: أي خطر هذا؟ عماذا تتكلم يا رفيقي؟ أوضح. فقال كراب الذي نهض من مخبأه تحت المنضدة: نعم، أوضح ماذا تريد أن تقول؟ ليس عندنا ماسة قط فقال البوليس وهو يرفع كتفيه: — هذا ممكن ولكن يوجد في هذه النواحي رجال مقتنعون بعكس ما تقرره، أيكفي هذا؟ هل فهمتم معنى كلامي؟ — كلا إننا لم نفهم فهل تريد بتلميحاتك إفهامنا أن بوليساً يقتفي آثارنا؟ فقال نكارتر وهو يرفع كتفيه ثانية: — ربما ولكنني لا أعرف شيئاً من ذلك، ولكن الذي أعلمه أن رجالاً آخرين يطاردونكم وهم أشد خطراً بما لا يقدر من أفراد البوليس. اجلسوا مواضعكم يا رفاقي واسمعوا كيف عرفت ذلك، إنني لا أريد أن أرهقكم فنزاعنا وسلامنا يتوقفان عليكم. وبعد أن تبادل ماتيو ودونيلسون النظرات وجدا الأوفق لهما أن يتشجعا ويجلسا فجلس الأول على كرسي مخلعة والثاني على صندوق فارغ فأخرج كارتر من جيبه ورقة مربعة يعلوها الغبار مكتوبة بحروف حمراء ومد هذه الورقة لدونيلسون دون أن يقول كلمة. وكان فيه تصريح من أحد أشراف مقاطعة مونتانا يعد فيه بمكافأة كبيرة — خمسمائة ريال — لمن يقبض على جاك الأحمر الشهير حياً أو ميتاً. وكان نكارتر يتلاعب هذا التلاعب وهو أمين أن ينفضح سره فإن عرف أن جاك الأحمر كان في سجن هيلينا من مقاطعة قونتانا فليس في وسعه أن يفسد هذه الوحدة. ثم قهقه نكارتر وقال لهم مما قرأتم في هذه الورقة يمكنكم أن تثقوا بي واسمعوا قصتي الغريبة: فإنني اضطررت أن أقتل رجلاً كما أقتل ذبابة، وكان هذا الرجل قد صب ماءً في قدح خمري أسمعتم؟ ماءً مع الويسكي! ماءً، ماءً. فقلت لهذا الشقي الذي تجاسر على مزج الويسكي بالماء: إن قايين ليس شيئاً بالنسبة إليك، إن ما فعلته هو أعظم من قتل الأب أو الأخ وأريد أن أريك أيها الشقي كيف تتجاسر أن تسمم رجلاً شريفاً بالويسكي الممزوج بالماء، ولم أدعه ينتظر كثيراً بل أطلقت عليه رصاصة كانت القاضية. أنتم ترون أني كنت محقاً فيما فعلت ولكن الشريف وأعضاء محكمته حكموا بغير هذا وبالاختصار فإنني لو لم أقتل اثنين من الحرس لكنت علقت الآن في مشنقة جميلة، وكان موتي خسارة على الوطن أليس كذلك؟ ثم بدأ بطي الورقة وقال: أما الآن فبما أنني بزي بربري أو وحشي كما يقولون فقد نجوت من الشرور ولم يعد من معارض لي في نزهتي، ولكنني قد صادفت منذ يومين فارساً قص عليّ خبراً غريباً. قال لي أنه كان في خدمتكما وأكد لي أن في حوزتكما ماسة لا نظير لها في العالم بأسره وحاول أن يقنعني بالاتفاق معه لنسلبكما إياها. فنظر دونيلسون وماتيو أحدهما إلى الآخر وهما متعجبان، ثم قال دونيلسون: إصغِ، إننا نعرف حق المعرفة هذا الرجل الذي تتكلم عنه فقد كان معنا وقد وقف على شيء من سرنا فلم يعد لنا مندوحة عن إفشائه لننجو من تعرضه، ولكن هذا ليس بالأمر الخطير. فقال نكارتر حسناً دعني أتكلم: على مسافة قليلة من هنا تجد رابية صخرية تتذكرانها دون شك لأنكما وطئتماها بجواديكما، وقد وقفت عندها لأروّح النفس قليلاً فنظرت في السهل أربعة فوارس سائرين بجد ولم تكن هذه الناحية وجهتهم التي يقصدونها رأساً ولكنكم القوم الذين يفتشون عليهم وإذا نكبوا عن الطريق قليلاً فذلك حتى يجتمعوا برفاقهم. أما متابعتهم لكم فهذا واضح وضوح الشمس وإذا كنت أشك في ذلك فأنا أقسم لكم بالرعد أنني أغتسل غداً وليحرسني الله، وقائد هذه الفرسان هو الرجل الذي كان في خدمتكم، وهنا أقلق كلام البوليس سامعيه الذين لم يشكوا في وشك الهلاك فاقترح دونيلسون سرعة الهرب. فقال جاك الأحمر الدعي لا تفكر بهذا البتة فهؤلاء القوم يعرفون المقاطعة كما يعرفون جيوبهم فهم يمسكونكم حالاً، لا، لا، فأحسن ما نفعله هو أن نتربص هنا وندافعهم إذا هاجمونا. — ماذا تقول؟ نتربص، إذن فأنت من جملتنا. — مؤكد، فهل تظنون أنني أحتمل أن أراهم يشجون رؤوسكم بالرصاص ويقتلون هذا الأعمى المسكين، إنكم إذا ظننتم هذا فأنتم لا تعرفون جاك الأحمر حق المعرفة، إذا حميتم ظهري قليلاً فلا أتردد عن أن أقف وحدي أمام اثني عشر فارساً. فقال كراب: آه يا إلهي لماذا باشرت هذا السفر؟ فسأل ماتيو: هل أنت متأكد يا مسيو جاك أن هؤلاء الرجال يعرفون طريق رجوعنا. قال هذا وهو يتبادل النظرات مع دونيلسون. فقال جاك الدعي: إنني أحذركم فإن هؤلاء الرجال أقدر على اقتفاء الآثار منكم لأنها حرفتكم! ألا تعتقدون أنهم يعرفون بوجود هذا الكوخ؟ — هذا مرجح. هل يخص هذا الكوخ أحداً منكم؟ فقال دونيلسون لا. فصرخ كراب: — إنه يخصني أكثر مما يخص غيري، لأنني أنا الذي بنيته حين قدمت منذ بضع سنين إلى هذه الأنحاء طلباً لمناجم الذهب وكنت لم أفقد البصر بعد. فقال له كارتر شكراً لك على هذه التعليمات فهل يوجد أكواخ في الجوار؟ فأجاب كراب: لا يوجد أكواخ إلى مسافة بعيدة أما إذا كانوا قد بنوا في هذه السنوات الأخيرة فهذا ما لا أعلمه. فقال البوليس: لا أظن أن أحداً يستعمر هذه البقعة التي هجرها الله فهنا الذئاب تقاطع الدببة حتى أنها لا تحييها تحية المساء، وإذا اتفق أن مسافراً أعوزه الويسكي في هذه القفار فما عليه إلا أن يصلي صلاة الموت. وكان دونيلسون وماتيو منزويان يتكلمان بصوت منخفض وأخيراً خاطر به دونيلسون جاك الدعي بقوله: — نعم إننا موشكون أن نقع في خطر عظيم وإننا نشكرك يا صاح لأنك أنذرتنا بالخطر قبل وقوعه فإذا رضي كراب أن يدفع إلينا الماسة فمن الممكن أن ننجو جميعاً. قبل أن. . . فقاطعه نكارتر قائلاً: — من الجنون أن تفكروا بمثل هذا الآن، إن هؤلاء الأشقياء يتبعوننا إلى مئات من الأميال. فقال كراب: — كيف يمكنني أن أعطي ما لا أملكه وما لم أملكه البتة. فخاف ماتيو من إصرار شريكه ففتح فاه ليجيبه ولكن نكارتر أسكته وقال: سواء وجدت الماسة أو لم توجد فإنها على ما يظهر ستذهب بحياتنا جميعاً. . . إصغوا فعلت وجوه الثلاثة صفرة وأصغوا وقد حبسوا تنفسهم فسمعوا وقع حوافر جياد فأظهر جاك الدعي الضجر وقال: إذا لم يكن هؤلاء هم الفرسان الذين أخبرتكم عنهم فإني آلو على نفسي أن لا أشرب إلا الماء الصرف بقية أيام حياتي، ولكي أريكم قدر الذي حالفتموه يا أصدقائي وسعادتكم بهذه المحالفة أرجوكم أن تتركوني أفتتح القتال بنفسي. ولم ينتظر البوليس جواب الثلاثة بل ترك الكوخ وبعد عنه أربعين متراً في طريق ضيق وراء الكوخ. ثم وقف فرأى الفرسان يقتربون وكانوا اثني عشر وعلى قيادتهم الرجل الذي طلب تبغاً من كارتر، فأبدى كارتر لهم إشارة بمسدسه أدهشت الرجال فأوقفوا خيولهم كأنهم يخضعون لأمر. فصرخ القائد: — هل وجدت معارفك؟ — نعم، أجاب الوحشي الكاذب، صحتهم حسنة وقد كلفوني أن أحمل لك تحياتهم فأين تذهب الآن؟ فهمهم القائد ثم قال: إنني قدمت إلى هنا مع صديقين لنساعدك. — أوكد لكم أن مساعدتكم لا تفيدني. — لماذا؟ — لأنني لست في حاجة إليكم وهذا كل شيء. ثم أبدى البوليس إشارة من مسدسه في طيها معان كثيرة. فاقترب الفرسان وتشاوروا بصوت منخفض جداً حتى أن كارتر لم يسمع من محادثتهم كلمة واحدة. ثم عاد القائد إلى الكلام فقال: — يقولون أنك تقصد أن تتحرش بنا وتغضبنا. — نعم فتكونون لي خبزاً جوهرياً قال ذلك وهو يضحك، إنني منذ يومين لم أقتل أحداً لأقتات به ومعدتي فارغة ومع هذا فليس لكم بقلبي بغض ولا حقد ولا أريكم أسناني إلا إذا قصدتم الشر. فقاطعه القائد قائلاً: اقصر عناك وكف عن هذا الكلام أقول لك مرة، مرتين، ثلاث هل تريد أن تتخلى عن طريقنا؟ — إنك تقرأ أفكاري أيها الخبيث. — بالنتيجة فماذا تريد منا إننا لم نلحق بك الأذى. — حتى الساعة لا، أما فيما بعد فأنتم موشكون. — إذا مسست شعرة من رأس أحد أصدقائي جعلت لحمك طعمة للعقبان. فأجابه البوليس ضاحكاً: — فإذن فابدأ. فصاح رجل كان واقفاً بجنب القائد: يجب أن نرسل رصاصة لدماغ هذا الخشن. ثم دفع جواده إلى الأمام قبل أن تبين نكارتر. فعندئذ أطلق البوليس مسدسه فسمع للرصاصة دوي واختلج الرجل فوق سرجه ثم سقط إلى الأرض لأن الرصاصة سحقت كتفه. ثم قال نكارتر: عندي من هذه الرصاصة قدر ما تشاؤون لا أتأخر عن بذلها في سبيل خدمتكم، إن الممر ضيق جداً حتى لا يمكن لأكثر من اثنين منكم أن يتقدما سوية، وعندي لكم مؤونة كافية وأصدقائي عندهم أيضاً كثير منها فإذا أصررتم على غيكم فإننا سنرديكم واحداً بعد الآخر حتى لا يبقى منكم أحد، وسأسر جداً إذا قدرت أن أخدمكم بأن أجمعكم مع أجدادكم السالفين. فظهر الرعب على وجوه الفرسان عندما شاهدوا مصرع صديقهم وزاد في رعبهم صهيل الخيول واضطرابها، ثم صاح اثنان من مؤخرتهم إننا لا نقدر أن نحتمل أكثر وحاولا أن يتقدما إلى الأمام ولكن جواد القائد أجفل وسد الممر فجعل هذه المحاولة مستحيلة. ولم يمكن لأحد من الصف المتأخر أن يطلق النار على البوليس خشية أن يصرع أحد رفاقه فلم يجدوا أفضل من العود فلووا أعنة الجياد وانفتلوا راجعين. ونزل القائد وأحد رفاقه فساعدا الجريح على الركوب وبينما كانا يجدان لينضما إلى الفرقة التفت القائد إلى نكارتر وقال له: أيها الغريب إنك قد بدأت القتال فاحذر من انتقامنا قبل أن يطلع النهار. فقال نكارتر بحدة: جربوا فإن عندنا من الملبس ما يكفيكم. وعندما توارى الفارسان عن نظره عاد إلى الكوخ، فوجد دونيلسون وماتيو وفي يد كل منهما مسدسه وهما واقفان أمام الباب. أما كراب فلم يتحرك من موضعه وكان وجهه مصفراً وأمامه على المنضدة مسدسه فقال ماتيو للبوليس: ياللشيطان، إنك عراف شهير دون شك فإنك لو لم تنبئنا بالخطر لقبضوا علينا ونحن في الكوخ كما يقبضون على الثعالب. فقال كارتر: لم تنته المعركة بعد فإنهم سيعيدونها. فسأله كراب وهو يضطرب: أتظن أن هذه العصبة ستعاود الهجوم قبل الليل؟ — لا، لا، إننا الآن آمنون إلى أجل قصير ويحسن بنا أن نغتنم هذه الفرصة لنقتات بشيءٍ وبعدها نعد الوسائل لمصادمتهم، قال البوليس هذا ثم دخل إلى الكوخ. فقال له دونيلسون: كل قدر ما تشاء إذا كنت جائعاً، أما أنا فإنني لا أقدر أن أتناول لقمة واحدة وأفضل أن أقوم على حراستكم خارجاً، وأظن أنه من الضروري أن يقوم واحد منا على هذه الحراسة. فقال له جاك الأحمر الدعي: كما تشاء. وكان يظن أن دونيلسون يحاول الهرب فلم يهمه ذلك ولم يحاول أن يصده لأن شكوكه كانت تقع على كراب في الغالب وترك أيضاً ماتيو يرافق صديقه. فقال كراب للبوليس: — هناك في هذا الوعاء قهوة وعلى المائدة تجد لحماً مقدداً فتقدم كارتر بانطلاق، وقد حاول ماتيو أن يأكل ولكنه لم يقدر أن يبلع. ومع هذا فإن دونيلسون لم يحاول الفرار بل عاد إلى الكوخ بعد أن أتم كارتر عشاءه فسأل البوليس وفمه ملآن: — ماذا يوجد؟ فقال دونيلسون: إنهم سيهاجموننا قبل الليل — وكانت هيئته مضطربة — فإذا شاء كراب أن يعطينا الماسة فمن الممكن أن ننجو جميعاً. — كيف ذلك؟ — يمكننا أن نمر على هذا الجسر المؤلف من جذعي الشجرتين ثم نطلق فيه النار فلا يمكن الآخرين العبور. فقال جاك الكاذب: أنت تعتقد بذلك يا صديقي؟ يظهر أنك لا تعرف هؤلاء الرجال معرفة يقين، إنهم قادرون أن يمسكونا إذا جازوا من محل آخر. — ولكن يمكننا أن نختبئ بين الصخور وندعهم يتقدموننا. — كان ممكناً هذا لولا أن هؤلاء الرجال يعرفون هذه الصخور — منذ ولادتها — فهم يحاصروننا حتى نهلك جوعاً، وأقول لكم أن أحسن ما نفعله هو أن نبقى هنا ونصادمهم كالأبالسة، إننا أربعة على اثني عشر فلسنا في غاية الضعف لأننا في هذا الكوخ كأننا في معقل. — ولكن لا يمكننا أن نعد كراب بين المدافعين. — هذا حق إنني نسيت أنه أعمى، ولكن إذا كنتما من الرماة الماهرين مثلي إذن. . . . فقاطعه دونيلسون قائلاً: إن هذا كلام في كلام سنهلك جميعنا إذا بقينا هنا. — أجب سؤالي أولاً أيها الجبان هل تعرف أن تطلق النار جيداً؟ — ذلك مما لا ريب فيه. — وأنت يا ماتيو. — يا إلهي: إنني عند الحاجة أعرف كيف أستعمل المسدس. — حسناً فليس علينا إلا أن ندافع عن نفوسنا فماذا تقول يا كراب وقبل أن يجيب كراب أفرغ قدح الماء في فيه ثم قال: — ليس لي ما أقوله سوى أنني كنت أود من صميم الفؤاد أن لا أبلغ هذه الأنحاء المقفرة، إنني أنصحكما يا رفيقيّ أن تتبعا نصائح هذا الرجل فأنتما سبب هذه المتاعب، إنكما تريدان أن تجعلاني سارق الماسة وأخبرتما غريباً بما تقصدان فكانت نتيجة ثرثرتكما أن عصبة من الأشقياء تتعقبنا الآن وهذر كما سيأتي على حياتنا. وكان كراب يتكلم بلهجة ملؤها الإخلاص حتى أوشك أن ينخدع بها نكارتر نفسه لولا أن براهين دامغة كانت تقنعه أن كراب بالرغم عن إنكاره الشديد هو سارق الماسة. فلمعت شرارات الحقد في نظري دونيلسون وماتيو الموجهين إلى كراب ثم التفت نكارتر إلى دونيلسون وسأله قائلاً: هل تظن أنهم يهاجموننا هذه الليلة؟ — إنني نطرت هؤلاء الأشقياء حين صعدت إلى ذروة الرابية فوجدتهم في الوادي مشتغلين بتناول الطعام والعناية بالجريح وسيصلون إلينا في الليل فقال ماتيو لم يبق للظلام إلا ساعة واحدة. فتنهد كراب تنهداً كثيراً وسأل قائلاً: هل يوجد مظاهر تدل على قرب وقوع المطر؟ — نحن معرضون من حين إلى آخر لغيث ساكب. وكان نكارتر قد أنهى العشا فدخن لفافته بهدوء، وكان من مظاهر السكينة التامة التي تلوح على وجهه أنها أثرت تأثيراً حسناً في نفس البقية، وبعد قليل أقبل الظلام. وكان نكارتر جالساً قرب الباب فالتفت إلى الداخل وقال: أظن أن العصبة لا تتأخر طويلاً فاستعدوا للمصادمة. فقال ماتيو والحيرة لا تفارقه. — ماذا نقدر أن نصنع؟ — إنهم يعتقدون دون شك أننا سنتحصن هنا فإذا أغلقنا باب الكوخ أحبطنا ما يرومونه من حصارنا ولا أظنهم يعودون إلينا راكبين ولكنهم يترجلون في الوادي ويتسلقون الصخر إلينا. فقال دونيلسون: — إننا نقابلهم سوية وهم يقابلوننا واحداً واحداً حقاً إن هذا موافق. — هل تنظرون ذلك الصخر على بعد خمسين متراً؟ وكان الليل حالكاً فلم يتبينوه ولكنهم عرفوا عماذا يريد أن يكلمهم. — اثنان منا يلوذان بذلك الصخر فيصيران كأنهما في معقل، فأنتما يا دونيلسون وماتيو تذهبان إلى هناك وأنا والأعمى نتوارى وراء هذا الصخر المقابل وإن يكن أقل مناعة من ذاك إلا أنه كاف، فإذا انحدر المهاجمون من الرابية شويناهم بنار بنادقنا. فقال ماتيو: فكرة في غاية الإصابة فتعال يا جورج. — نعم إن هذا التدبير حسن — قال البوليس — إن رصاصي تسوى اثنتين أما الأعمى فيحشو لي السلاح، أليس كذلك يا كراب؟ فأجاب التعس بلهجة اليائس، أفعل كل ما تأمرني به، ثم أفرغ قدح الماء في فمه وسار وهو يتلمس الحائط إلى زاوية من الغرفة، ثم عاد وفي يده حقيبة ملأى بالخرطوش. فسأله نكارتر: أهذه لي؟ — نعم، فقدني الآن إلى الزاوية التي عينتها. فسار دونيلسون وماتيو إلى الصخر الذي دلهما عليه البوليس وسار كراب ونكارتر إلى الصخر المقابل على بعد خمسين خطوة من الصخر الأول. — لا يوجد في هذا الصخر سوى محل لرجل واحد فتمدد أنت على الأرض. فسأله الأعمى: وأنت ماذا تفعل يا صديقي؟ — أنا أجد ملجأ ليقيني المهاجمة من بعض النواحي. فتنهد كراب وقال كل هذا من أجل ماسة مشؤومة. فقال البوليس ضاحكاً: — نعم، إنني بعد كل ما سمعته لا أرى أشأم منها، ولكن كفى الآن! فإما أن يكون سمعي قد خدعني أو أن المهاجمين اقتربوا! أصغ. وأصغيا فسمعا دوياً من غابة مجاورة وكان خفيفاً جداً في بادئ الأمر ثم أخذ بالاشتداد شيئاً فشيئاً. وأطلق بغتة طلقان ناريان من وراء الصخر الذي لاذ به دونيلسون وماتيو. فتململ البوليس وقال ما أشد حمقهما إنهما أهديا الأعداء إلى مكمنهما عوضاً عن أن يجعلاهم البادئين، فهذه الغباوة ستكلفهما كثيراً. وفي الواقع أنه لم يكد الطلقان يلمعان حتى دوت ست طلقات من المهاجمين وكلها موجهة إلى حيث خرجت النار. فأيقن نكارتر أن الوقت قد حان فأطلق النار وللحال تصاعد في سكون الليل صراخ ألم شديد، فقال البوليس قد أجدى الطلق على ما أظن، ثم أفرغ من مسدسه الخمس الطلقات الباقية بسرعة مدهشة، ثم أمر كراب أن يحشو السلاح. وكان يسمع حركة الأعمى وهو يحشو المسدسات، وسمع أيضاً من قمة الرابية صراخاً وتجديفاً فقال قائد العصابة: ياللداهية، إنهم أكثر مما ظننتهم. فسأله آخر قائلاً: هل جرحت يا وان؟ — نعم. — وأنا أيضاً مصاب بجرح بليغ. فظن نكارتر أن الأعداء سيقاتلون وهم متقهقرون فإذا كان ذلك فما عليه إلا أن يطلق طلقاً واحداً، أو أنه يفرغ سلاحه في الهواء. وفي هذه اللحظة دوى طلق من صخر الصديقين أجابه الأعداء بطلقات شديدة قوية ونظر نكارتر شبحاً يتسلل بين الأشجار فصوب عليه المسدس وأطلقه فاضطرب الشبح وتوارى في الغاب دون أن يهم بصيحة ألم. — هذه خسارة، قال البوليس، كنت أفضل لو صرخ، لأنه كان يلقي الرعب في قلوب المهاجمين. وهذا الطلق بدل الوجهة التي كان يقصدها المهاجمون فإنهم عرفوا أن الخطر يهددهم من الجهة الأخرى، وللحال لمعت رصاصة وسقطت على الصخر وراء نكارتر والأعمى، فتمدد نكارتر على بطنه أما كراب فإنه حشا الأسلحة وأعطاها لرفيقه الشجاع وهو يتململ وسأله: هل تظن أنهم يحاصروننا هنا؟ — هذا ممكن. ولمعت طلقات جديدة بالقرب منهما. فقال البوليس وهو يحاول أن يتبين المهاجمين — عمل حسن. ثم سمعوا طلقاً من وراء صخر الصديقين، فلم يقابله الأعداء بالمثل. ثم ابتدأ الحصار الذي تنبأ عنه كراب ونكارتر. وقد سبقه سكون لم يفرغ في أثنائه نكارتر رصاصة من مسدسه ثم نظر بغتة دوران الفتيان المتسرعين. فنهض قليلاً وهو يحمل في كل يد مسدساً فأفرغهما بالتتابع على المهاجمين بمهارة فائقة، وقد أصاب في الجميع تقريباً فكنت ترى هنا هيكلاً بشرياً ينقلب على الأرض أو يضطرب أو يتوارى في الظلام. ولم يسكن الأعداء مدة طويلة بل عادوا إلى المهاجمة فانطلقت رصاصة رفعت قبعة نكارتر وطرحتها على الأرض، ولكن في ذات اللحظة سقط الرامي على الأرض وهو يصرخ صراخ الألم. وكان نكارتر قد أبقى رصاصتين في كل مسدس. ولكن طلقاً بالقرب منه ألفت أنظاره فوجد كراب قد أطلق النار فسأله: ماذا صنعت هل أنت مجنون؟ دعني لهذا العمل فعلينا أن نقتصد في الذخيرة. أنت محق، ولكنني فكرت أن رصاصة تطلق صدفة ربما كان لها بعض النفع وقد تهيجت حتى لم أتملك نفسي. وظهر أنه قد أصاب المرمى لأن البوليس نظر شبحاً يميل ذات اليمين وذات اليسار ثم سقط وقد كان مؤكداً أنه لم يطلق النار على هذا الرجل فتمتم قائلاً في نفسه: آه، آه، إنني قد بدأت أفهم. ولكن الوقت لم يكن وقت تفكير. فإن ثلاثة أشباح اندفعت نحوه وهي تطلق النار بدون انقطاع حتى كادت تصم أذنا البوليس وكانت الرصاصات تمر بجانبه ولها صوت كفحيح الأفاعي ثم شعر برصاصة قد خرقت قميصه ولامست كتفه، وللحال غير نمط المهاجمة فعوضاً أن يبقى في مكمنه انقض على مهاجميه وهو يثب وثب النمر وأفرغ من مسدسه رصاصة صرعت أقربهم منه. وكان الثاني قريباً جداً من نكارتر فاستعمل نكارتر مسدسه كهراوة وضربه على رأسه ضربة كانت القاضية عليه فسقط المسكين على الأرض. أما الثالث فركن إلى الفرار لا يلوي على شيء كأن الموت يقتفيه ثم توارى في الوادي فتركه نكارتر يفر. وهذه البسالة الفائقة من رجل واحد قررت النصر والظفر. ثم التفت نكارتر إلى صديقه الأعمى وقال له أما الآن فسنعود إلى الكوخ إذ لم يعد من خطر. فنهض كراب واستند بيديه على ذراع البوليس، فلاحظ هذا أن الأعمى قام بهذه الحركة بسكون ولم يخامرها شيء من الاضطراب والتردد الذي كان يرافق أقل حركاته. كان الأعمى يتشكى منذ مدة يسيرة أنه عصبي المزاج سريع التأثر ولكنه في هذه اللحظة كان يظهر أنه ليس أقل جلداً من نكارتر نفسه، فقاده البوليس إلى الكوخ، ولما وصل الاثنان إلى الباب وضع نكارتر يده على فمه ليستجمع قوة صوته ونادى الرفيقين الباقيين أن أخرجا من مخبإكما فكل شيء قد انتهى وللحال أبصر رجلاً يعجل السير نحوه وكان هذا الرجل ماتيو، فسأله نكارتر: أين صديقك؟ فأجابه ماتيو بصوت متلجلج، قد مات، أصابته رصاصة عند الطلق الأول نفذت إلى دماغه. — آه ما أتعسه! ولكن لماذا عرض نفسه للخطر بتصديه لإطلاق النار أولاً. — لماذا، لأنه ظل متهوراً إلى الساعة الأخيرة، فإنني توسلت إليه أن يتربص قليلاً ولكنه أبى إلا أن يكون البادئ، وحالما أطلق النار رفع رأسه ليرى إذا كان أصاب المرمى وفي الدقيقة عينها صاح صيحة مرعبة وسقط بين ذراعي ميتاً. — إنني سمعت تلك الصيحة ولكنني ظننت نشأت عن الأعداء، ماذا تريدون؟ إن الذي لا يصغي إلى النصائح تكون العاقبة وبالاً عليه والآن فلننظر خسائرنا فهل أنت جريح يا رفيقي؟ — كلا، وأنت؟ — إنني خمشت في ذراعي فهل عندكم مصباح؟ وكان مع نكارتر مصباحه الكهربائي ولكنه فضل أن لا يستعمله لئلا يثير الشكوك في نفس الرفيقين وكان يشعر بحاجة إلى الحذر والاحتراس كل ما تقدم خطوة، وفوق ذلك فإنه لم يتمم وظيفته بعد فبالرغم عن كل ما قام به فالماسة ما زالت مفقودة. فقال كراب هناك مصباح في الزاوية. وبعد أن أوقدوا عدداً كبيراً من الثقاب عيدان الكبريت وجده ماتيو فأضاءه في أثناء ذلك كان نكارتر قد خلع ملابسه ورفع كم قميصه فظهر على ذراعه جرح خفيف فقال البوليس إن الرصاصة كانت مسددة، ولنخرج الآن لنرى ساحة القتال ثم تناول المصباح واقترب من الباب. فصرخ ماتيو: هل أنت مجنون؟ فإذا كان أحد الأعداء مطروحاً على الأرض وله مكنة على إطلاق النار أفلا يتخذ منك هدفاً مناسباً؟ — هذا صحيح، ولكنني أشك في بقاء أحدهم حياً وإذا وجد أحد فهو لا يؤثر النزاع، وعند اقترابه من الأشجار أبصر شبحين يقتربان ببطء فصاح به أحدهما لا تطلق النار أيها الغريب فإننا قد نلنا فوق الكفاية. — كما تريدون أيها الأصدقاء إننا قوم مسالمون ولا نود أن نؤذي أحداً ولكن إذا كان جلد أحدكما يأكله فما عليه إلا أن يعود، فما زال لدينا ذخيرة معدة لخدمته ونستأنف الدور، فلم يجيباه وعندها تقدم البوليس فرأى على نور المصباح أن أحدهما كان جريحاً جرحاً بليغاً وأما الجريح الثاني فكان خطبه أيسر فسألهما هل خرج أحد منكم سالماً من المعركة؟ — نعم، ثلاثة. — وأين هم؟ — إنهم نجوا كالأرانب واختبأوا في الكهف. — كذلك يفعل النبهاء، إنني أراكم قادرين على المسير فاذهبا وادعوا أصدقاءكما، نوباً عني بتحيتهم وناديهم ليرجعوا أو يعنوا برفاقهم ويطمئنوا من جهتنا فإننا سنساعدهم في مهمهتم، ولكن اصغوا: إذا كنتم عازمين أن تعيدوا المشهد فإننا سنجعل أجسادكم قوتاً لذئاب هذه الغابة. فتمتم أحد الرجلين: يا إله السماء، إننا نلنا أكثر من حسابنا، فكن مطمئناً، فنحن لا نريد إلا المسالمة على شرط أن تقابلنا بالمثل. ثم ودعا البوليس — وداعا بسيطاً — وانحدرا مسرعين إلى منحنى الكهف ثم عادا ومعهما الأصحاب الفارون. وفي خلال غيابهم جال نكارتر في ساحة القتال ليرى إذا كان في وسعه أن يساعد أحداً من الجرحى، فوجد اثنين منهم ضمد جراحهما بمناديل أحضرها ماتيو من الكوخ خمسة من المهاجمين في جملتهم القائد سقطوا في المعركة. فقال البوليس وهو يفكر: يحزنني أن أضطر إلى الفتك بهؤلاء، ولكننا كنا ندافع الدفاع الذي يجيزه الشرع فلو لم ندافع لكنا قتلنا الواحد بعد الآخر وظل الثلاثة الأصحاء نحواً من ساعتين حتى واروا قتلاهم في الثرى وأعانوا الجرحى إلى بلوغ مرابط الخيل، ثم توارى هؤلاء الفرسان عن العيان وكانوا منكسي رؤوسهم حزناً لإخفاق سعيهم فعوضاً أن يلاقوا الماسة لاقوا الضرب والرصاص. وعندما بعد الأعداء قال جاك الكاذب أول فرض يجب علينا القيام به هو أن ندفن دونيلسون، فاستحسن ماتيو هذا الفكر واشتغل الاثنان بحفر ضريح لجسد رفيقيهما فصرفا في هذا السبيل ساعة من الزمان. وفي أثناء ذلك كان المطر يتساقط غزيراً. وكان كراب جالساً داخل الكوخ ووجهه بين يديه وكان مضى الهزيع الثاني من الليل حين عاد كارتر وماتيو إلى الكوخ. فقال نكارتر لا أعلم يا صديقي إذا كنتما قادرين على السهر أما أنا فسأنام قال ذلك وهو يتثاءب. فقال ماتيو: لو أعطوني ذهباً لأنام ما أمكنني ذلك. . ولكنه بالرغم من هذا الكلام اضطجع في زاوية من الغرفة وبعد بضع دقائق علا غطيطه واستغرق في النوم، ولكن البوليس لم يغمض له جفن. وكان الهواء يزداد رداءة، وقبل الفجر بقليل هبت عاصفة شديدة يصحبها برق ورعد، ولكن ماتيو لم ينتبه البتة بل ظل مستغرقاً في النوم. وكان الظلام لم يزل سائداً عندما لحظ البوليس أن الأعمى نهض بتأن ومشى على رؤوس أصابعه نحو الباب، وكان يتقدم ببطء ولكن حركاته ليست حركات من فقد بصره. وهنا تلاشى الشك الأخير من نفس نكارتر، لقد شك به أثناء المعركة ولكنه تأكد الآن أن كراب كان من النوع المسمى نكتالوب والنكنتالوبيا هي خاصة في العين تمنعها من النظر إلا في النور الضعيف أو الظلام الحالك وهي واضحة في الهررة الداجنة التي تبصر ليلاً كما تبصر نهاراً. وهذه الحالة نادرة جداً بين بني الإنسان ولكن نكارتر نظر مشهدها فكان كراب في النهار أعمى ولكنه يبصر جيداً في الليل. وقد قدر أن يخدع جميع من شاهده حتى أصدقاءه الأخصاء فإنهم كانوا يعتقدون أنه فقد بصره تماماً، ولكن لما أطلق النار رغم إرادته فصرع الرجل الذي استهدفه كأبرع صياد كشف سره لنكارتر. وهذا الاكتشاف زاد شبهة كارتر فجزم بأن كراب هو سارق الماسة دون غيره، وكان عليه أن يعرف مخبأها، ولم يفكر بإيقافه بل حاذر كل ما من شأنه أن يلقي الريب في نفس الأعمى قبل أن يعرف مخبأ الماسة. إن هذا النكتالوب أظهر مهارة فائقة لا في سرقة الماسة فقط بل بتغييبها على شكل غامض حتى لم يجدوها معه ولا في ثيابه، فكان البوليس متكلاً على الصدفة وأن يدع السارق أميناً. ولهذا لم يعارضه حين خرج تحت المطر المتساقط كأفواه القرب بل نهض بتأن ليتبعه. إن الثبات الذي كان يسير به كراب في تلك الأرض الوعرة والمغطاة بالعوسج وليس فيها طريق مطروق أذهل البوليس إذ أنه على الرغم من نظره الثاقب ومن اعتياده المسير في الليل والنهار بين الوعور والآكام كان يبذل جهداً شديداً كي لا تزل به القدم. وكان كراب يتقدم دون تردد ولا تأخر وبدأ بالنزول على الصخر إلى مصب النهر فضاق صدر نكارتر لأنه لم يعلم كيف يتبع النكتالوب في هذه الليلة الحالكة فوقف لحظة ليفكر فسمع بغتة وقع خطوات وراءه، فالتفت وإذا ماتيو قد انقطعت أنفاسه من سرعة الجري وكان قد وصل إلى حيث كان البوليس فقال له بصوت منخفض. إنني نهضت فجأة ونظرت نور البرق فوجدتك قد خرجت من الكوخ فهل تقدمك — بدون شك — أجاب نكارتر وهو شديد العجب من تصرف ماتيو أنه قد خبأها في الكهف على ما يظهر. فآلى ماتيو على نفسه أن يلحق به وكاد يندفع في سبيله فأمسكه نكارتر بيد شديدة فأثبته في محله وقال له ببرودة: انتظر دقيقة بعد يا عزيزي فعندي شيء أريد أن أوضحه لك فارتعش ماتيو، فغنه رأى أن سلوك جاك الدعي لم يعد هو ذاته حتى أن لهجة صوته تغيرت ثم قال: — ماذا تريد أن تقول؟ — إنني بوليس ليس إلا وأنا مكلف أن أعيد الماسة إلى صاحبها الشرعي الذي سلبت منه، فحين تصل الماسة ليدي أعيدها إلى دلمار، أما أنت يا مسيو ماتيو فأنا لا أريد منك شيئاً ولكن إذا حاولت أن تقاومني أو تحبط ما أحاوله فستندم على ذلك، فوقف ماتيو دقيقة دون حراك كأن الصاعقة قد انقضت عليه وحاول عبثاً أن يتكلم. — بو. . . . ليس. . . . بوله. . . . يس — تمتم أخيراً، وأنت أنت. . ت. . تر. . . قبنا. — أنا لا أقتفي آثارك ولكنني ألاحق كراب، كنت أفعل مثلكم. قال نكارتر ببشاشة: فإنني كنت أعلم منذ زمن بعيد أنك لا أنت السارق ولا دونيلسون ولكنكم صممتم أن تستردوا الماسة ولكن لا لتعيدوها إلى صاحبها بل لتبقوها لأنفسكم. — لكن. . . لكن. . . لا أعرف. . . أريد أن أسألك. . . ماذا تدعى؟ — أدعى كارتر من نيويورك وعادة يدعونني نكارتر. — يا إلهي. فارتجفت جميع أعضاء ماتيو واستلقى على صخر وهو يحاول أن يستعيد تنفسه. — صمم الآن — قال البوليس إنني قدمت لك نصيحة حسنة وأنا آمل أن تقابلني بالمثل وهذا كل ما أطلبه منك. — اعتمد عليّ يا مسيو كارتر، فلتحرسني السماء من عداوتك. — لا أحقد عليك — قال البوليس — وقد أخذته الرأفة على ضعف ماتيو ورعبه. فلنسمع. — كل ما تريد. — هل أنت شريك كراب؟ — نعم ولكن لا في سرقة الماسة. — أعرف هذا، ولكنك تعرفه منذ زمن طويل، هل تعرف أنه كان نكتالوب يعني أعمى في النهار ويرى في الليل؟ فنظر ماتيو إلى مخاطبه بعجب. — حقاً إنك لاحظت ذلك؟ إنني اشتبهت به منذ زمن طويل وكدت أتأكد. — وأخيراً تبدل شكك باليقين. — ولا ولكن بالعكس بل كثيراً ما كنت أغالط نفسي، فإن كراب إذا لم يكن سوى نيكتالوب فإنه أمهر ممثل عرفته في حياتي. — أنا على رأيك في هذا الأمر، إنه نكتالوب وأقدر أن أؤكد ذلك. — هل تعرف أين خبأ عين الشيطان. — لم ألاحظ أقل شيء من ذلك، ولا أقدر أن أجزم فيما إذا كانت الماسة في حوزته فليس عندي أقل برهان سوى الاستدلال والاستنتاج. — وأنا من رأيك. — أرجوك — إذا كنت تريد الخير لنفسك — أن لا تكتم عني شيئاً علمته وأقدر أن أستفيد منه شيئاً. — أقول لك الحقيقة يا مسيو كارتر كما لو كنت أتكلم بعد القسم وأؤكد لك أنني أفادي بكل شيء حتى لا أعاديك. — حسناً — وأنا أسمع — عندما اجتمعت بصديقك دونيلسون وصادفتما الأعمى هل كان في الكوخ. — لا، كان الكوخ خالياً، ولكننا وجدنا آثاره فجزمنا برجوعه. — ومتى رجع؟ — أمس مساءً. — أول الليل. — نعم. — إذن فهو في الليل يرى بجلاء إذ كيف يمكن الأعمى أن يجول وحيداً في هذه المقاطعات المنفردة، أو لم ينبهك ذلك إلى أنه نكتالوب. — نعم إن هذا الفكر داخلني، ولكنني لم أفه لدونيلسون بكلمة. — هل عرفت شيئاً عن المحل الذي كان فيه كراب؟ — لا أعرف. . . ولكنه أتى من هذه الجهة، ثم أشار إلى جهة الكهف. — هل نظرته ينزل إلى هذا الكهف؟ — إننا راقبناه طول الليل، فلم ينكشف لنا من الأمر شيء حتى وصلت إلينا، وقد تفننا في سؤاله وأخيراً فرغ صبرنا فعولنا على إرغامه ليعطينا الماسة طوعاً أو كرهاً. — إنكما تصرفتما بكل خرق في التذرع بالوسائل ولو لم أباغتكما لكنت الآن قاتلاً شقياً أمام الله والناس. فارتجف ماتيو وغطى وجهه بيديه ثم قال وهو يتململ. — كنت أود لو لم أتداخل في هذه القضية، مع أنني أنا، أنا الذي زينت لدونيلسون اتباع الأعمى واغتصاب الماسة. — إنني قلت لك وأكرر ما قلت، ليس في صدري شيء عليك لا شخصياً ولا بداعي الوظيفة ويمكنك أن تنسحب الآن دون أن تخشى شيئاً، ولكن كن حكيماً في المستقبل، وأنصح لك الآن بالرجوع إلى الكوخ مسرعاً كما تفر من الموت، أما أنا فسأتابع الأعمى إلى الكهف. — دعني أصاحبك يا مسيو كارتر، إنني فكرت ملياً في ذلك، فقد كانت هذه الماسة مشؤومة فألقتني في هذه الوهدة، وأريد الآن أن أبذل الجهد المستطاع لأردها إلى صديقي القديم دلمار. فقال البوليس وهو يرفع كتفيه: — كما تشاء إذ لا أجد مانعاً من إجابتك إلى ما تطلب، ولكنني أود أن ألفت أنظارك إلى الخطر الذي تسعى إليه فإن كراب ينقل مسدسه وهو يرى في الظلمة كما يرى الهر. — إذا لم أكن مخدوعاً أقول أنه خبأ أيضاً بندقية في الكهف ولكن هذا لا يثني عزمي عما أروم. — حسناً جداً، ولكننا نحتاج نوراً لئلا نعثر في انحدارنا لأننا لسنا من فصيلة نكتالوب كما تعلم. — سأذهب إلى الكوخ وأفتش عن المصباح. قال ذلك وهمّ بالذهاب فأمسكه نكارتر بذراعه وقال له: لا حاجة لذلك فإن معي ما يغنينا، وأخذ من جيبه المصباح الكهربائي وأناره بضغطة على الزر. فأبصرا أمامهما ممراً ضيقاً متحدراً كثير المزالق يؤدي بعد معاناة الأخطار إلى قاع الكهف، فتدرج الاثنان في هذا الطريق وهما متحدران، ولكنهما أسرعا في المسير على قدر الاستطاعة. فوصلا أيضاً إلى أرض جرداء ولم يكن فيها سوى طريق صغير متعرج ضيق مملوء بالحجارة المحددة الرؤوس التي كانت تمزق الأحذية وكان على يمينها صخر ينهض إلى الأعالي حتى تغيب قمته في السحاب وعلى يسارهما النهر بأمواجه المزبدة فسأل البوليس أي طريق يسلكه كراب عند مروره من هنا. ولم ينتظر طويلاً حتى يسمع جواباً على ذلك فإن شهاباً لمع للحال قرب النهر وسمع دوي طلق فأرعب نكارتر رعباً شديداً. وصرخ ماتيو صراخاً هائلاً وأن أنة جزع لا تترجم بالكلام ثم رفع ذراعيه إلى السماء وحركهما هنيهة وبعد أن خطا بضع خطوات إلى الوراء سقط إلى الأرض لأن الرصاصة كانت قد اخترقت قلبه. ولكن نكارتر لم يفقد صوابه فأدار نور المصباح إلى الجهة التي أتى منها الطلق ولكن النور لم يبلغ المسافة المطلوبة حتى يرى من هو الذي أطلق النار، فعزم البوليس أن يتبع مجرى الحوادث. وبعد لحظة دوى طلق آخر أصاب المصباح الكهربائي الذي كان في يد البوليس ولحسن الحظ كان نكارتر ماداً يده بالمصباح لتطول المسافة التي يبلغها نوره فرفضت يده الصدمة الشديدة، وحين فقد النور عرف شدة الخطر الذي وقع فيه، إذ كان لخصمه عليه مزية كبرى في أنه يرى بجلاء على رغم الظلام المتكاثف أو بالأحرى بواسطته. ولكن البوليس لم يكن يرى شيئاً فراح يعدو إلى جهة الصخر ليتحصن به. فوفق الالتجاء إلى تجويف ضيق في الصخر انسل إليه بصعوبة وهناك ربض ينتظر النتيجة بفارغ الصبر. فدوى طلق جديد وقع على الصخر الذي كان البوليس على وشك مغادرته فقال: إذن ينبغي أن أقيم هنا دون حراك فإنني إذا خاطرت في التقدم خطوة إلى الأمام أصابتني رصاصة شدخت رأسي، لأن هذا الحيوان يصيب المرمى أحسن إصابة، ومع هذا فإن مقامي ليس أقل خطراً من التقدم فقد يمكن أن يبلغه كراب دون أن أشعر به. وفي هذه اللحظة دوى الرعد فرددت صدى دويه الأودية بما يصم الآذان ولمع البرق فأضاء تجويف الصخر وتلك الأرجاء كلها حتى سهل النظر على البوليس. فغنم كارتر هذه النهزة وحاول أن يستفيد منها عالماً أن كراب لا يستطيع فيها شيئاً بسبب ضعفه، فخطار حينئذ ورفع رأسه قليلاً ليرى خصمه فوجده على بعد خمسين خطوة واقفاً أمام ضفة النهر وهو يحمل باليد الواحدة بندقية ويستر عينيه بالأخرى حتى لا يبهره النور. فعمد نكارتر إلى الاحتيال الذي خلصه من مواقف أشد خطراً من هذا الموقف فأخذ قبعته وعلقها على رأس صخرة ثم نزل مسرعاً إلى ضفة النهر حيثما لا يرى. ثم اختفى نور البرق وساد الظلام ولم يعد البوليس قادراً أن يرى كراب فلم تمر لحظة حتى سمع دوي شديد وسمع كارتر صوت قبعته المتدحرجة على الأرض. — لم يخدعني فكري فقد ظننت أنه سيلمح قبعتي، وأومل أن يسقط الآن في الفخ وكان يسمع خطوات تقرب من المحل الذي كان جاثماً فيه كأنها تقتفي آثار قبعته كأن كراب كان آتياً ليرى خصمه قتيلاً. ولم يكن كارتر قادراً أن يميز شيئاً في الظلمة ففضل أن يستمر على سكونه ولم يشأ أن يصاب بطلق ناري يجعله هدفاً لنار نكتالوب. ولكن يجب أن نؤمن بآلاه خاص للبوليس السري فإن لمعة برق أشد من التي سلفتها أنارت الكهف حتى ظهرت أشجاره وعوسجه ورؤوس صخوره. فوقف كراب فجأة ووضع يديه على عينيه متألماً لأن النور بهرهما وسكن بدون حراك كأن نار السماء قد أحرقته. وللحال وثب البوليس وارتمى عليه، فشعر كراب بدنو خصمه فصاح صياح الغضب وقد ارتجف غيظاً لأن نور البرق لم يكن قد اختفى بعد فحاول أن يقابل البوليس، ولكن هذا كان أسرع منه فقبض على فم البارودة قبل أن يطلقها كراب فضاع الطلق في الهواء وسمع له دوي اضطربت له تلك الصخور من أسسها. ولسوء الحظ عادت الظلمة ثانية. وقام بين الرجلين صراع شديد، وكان اليأس يضاعف قوى كراب وفضلاً عن ذلك فإنه يرى في الظلام بينما كان نكارتر يصادف مشقة شديدة ليقبض على خصمه وقد قاتل كراب بخفة النمر فكان يثب ويضرب ويزمجر ولكنه تعب أخيراً فقبض نكارتر على رقبته بذراعيه الشديدتين، وانهارت التربة التي تحت أقدام الرجلين فجأة لما تخللها من المطر، ففقد كراب الموازنة ولكن البوليس نجا بوثبة وثبها إلى الوراء من خطر التدحرج من رفيقه إلى أعماق النهر. ولمع البرق فأنار تلك الأرجاء، فأبصر نكارتر خصمه متدهوراً في ذلك المنحدر وهو يحاول أن يتمسك بالعوسج فخاب ما حاوله، وسقط المسكين في النهر وقد صرخ هذا التعس وهو على وشك الهلاك: فلتكن ملعوناً، فلتكن ملعوناً، إنك لن تظفر بالماسة البتة، البتة، البتة، وطغت عليه مياه النهر فصاح صيحة هائلة جمد لها الدم في عروق نكارتر ثم غاص في الماء. وبعد بضعة أيام وصل البوليس — وهو الوحيد الذي بقي حياً من العصبة إلى مقاطعة في الأريزونا فيها مكتب للتلغراف، فراسل باتسي الذي كان باقياً في دانفر كما أمره وعلم منه أن دلمار سافر إلى سان فرانسيسكو فأجابه نكارتر تلغرافياً بما يأتي. سأقابله في سان فرانسيسكو وأطلعه على تفصيل الحوادث أما أنت فيمكنك أن تذهب إلى نيويورك. وكان نكارتر بعد الواقعة قد جاس الأراضي وسنرى نتيجة فعله، ثم عاد يلتمس الجواد فوجده حيث عقله أما سائر المطايا فقد هلكت برصاص المتقاتلين، واستمر البوليس مسافراً على ظهر الجواد حتى وصل أول موقف لسكة الحديد فركبها إلى فرنسيسكو وهو يتنهد تنهد الراحة لأنه وجد أخيراً في غرفة متقنة فيها جميع معدات الراحة والرفاهية. وفي فرنسيسكو قابل دلمار التاجر الهندي القديم ووضع في يده الماسة الثمينة التي كان يعتقد أنه فقدها إلى الأبد، فكان تأثر التاجر شديداً حتى تعذر عليه النطق بضع دقائق ثم دعا البوليس إلى تناول الطعام وسأله أن يقص عليه الحوادث التي جرت. فقال نكارتر: ليست مهمة جداً — قال ذلك لأنه كان يكره أن يذكر الأعمال الفائقة التي قام بها — ولكنني أقول أنه كان من المستحيل عليّ أن ألاقي الماسة لو لم أعرف كيف سرقت فقال دلمار: أؤكد لك أني لا أعرف أيهما يسرني أكثر أن تعود الماسة إلى حوزتي أم أن أعرف الأسلوب الخارق الذي سرقت به. — إن اللغز الذي حير ألبابنا كان بسيطاً للغاية، فكانت مظاهر الصعوبة التي تجلله أشبه بالظاهر التي جللت أركاز بيضة خريستوف كولمبوس. يجب عليّ أن أقول لك أن كراب كان نكتالوب أي أنه لم يكن يرى في النهار ولكنه في الليل يرى بجلاء وعلى هذا فكان يستحيل عليه أن يرى على النور الكهربائي. ولكنك لما التفت وضغطت الزر فأظلمت الغرفة نظر الماسة تلمع في ذلك الظلام فخطفها ورماها في قدح الماء الذي كان أمامه. ولما شعر أنك ستعيد النور حالاً وضع القدح على فمه وإذ لم يكن للماسة لون استحال عليك أن تراها في القدح. فصادق دلمار على كلامه وقال: والأغرب من ذلك أن الماسة كانت تحت يدك عندما كنت تفتش جيوب أصحابك وثيابهم. وعندما طلب كراب منك أن تناوله قدح الماء قبل أن بارح الغرفة قدمت له الكأس والماسة معاً وقلبك منسحق للإهانة التي وجهتها لهذا الضعيف أليس كذلك يا مسيو دلمار إن هذا يميت من الضحك. وإنك تذكر جيداً أنه بعد أن تناول الماء كلمته فاقتصر على الانحناء أمامك وقد عزوت هذا لانفعاله الشديد من الإهانة حتى وقفت الكلمات على شفتيه آه، آه، آه. وعندما خرج من الغرفة تناول الماسة من فمه ووضعها في جيبه وقد أتى مثل ذلك مراراً في الكوخ حيثما اجتمع عليه صديقاه وإني أؤكد أن الماسة كانت أمامه في الكأس حين شرعنا بالقتال مع البرابرة، وأذكر أيضاً أنه أفرغ القدح في فمه قبل أن يجلب لي حقيبة الرصاص ولا شك أن الماسة كانت عندئذ في فمه ثم خبأها في الكهف. ولكي أختصر القصة أقول لك أنني خفت خوفاً شديداً لما سقط كراب في النهر من أن تكون الماسة معه فلا يعود في اليد حيلة كما تعلم وأخيراً عزمت أن لا أبارح الكهف بل أنتظر طلوع النهار وأخيراً بدأت بالتنقيب بين الصخور. ولم يكن لي مطمع أن أجد جثة كراب فإنني لم أقف لها على أثر وبعد أن فحصت الحاجز الصخري وجدت تجويفاً فيه يؤدي إلى مغارة وكان في المغارة قوت وغطاء من الصوف وبندقية ومسدسان وعدة حوائج أخر. ولا يقتضي فطنة كبيرة حتى يعرف الإنسان أن هذه المغارة هي مخبأ حصين وقد انتقاها كراب عند مبارحة الكوخ وأجاد في انتقائها لأن رجلاً فيها يمكنه أن يحارب جيشاً على شرط أن يكون عنده الذخائر الكافية. وأخذت أنقب في زوايا الكوخ ومكانه ولكن آمالي خابت في أن أجد الماسة فيه إذ لم يلح لي أقل أثر منها وكدت أيأس لولا أنني لحظت في جانب الكهف صخراً على شكل مائدة وفي وسطه تجويف طبيعي صغير ملآن ماءً. أقول تجويف طبيعي ولكن الأمر كان بالعكس لأنه كان من المستحيل أن يتسرب الماء من نفسه إلى ذلك التجويف فكان من الواجب أن تكون يد إنسان قد صبتها فيه فوضعت يدي في هذه الماء فوقعت على جسم صلب لا أراه ولكنه كان موجوداً لأنه كان يقاوم أصابعي ولله ذلك السرور الذي شعرت به فإنني عندما جذبت ذلك الجسم من الماء كانت الماسة بعينها التي طالما بكيت عليها وحننت إلى استرجاعها، هذا هو حل اللغز. ثم استلقى نكارتر على مقعده وأغرب في الضحك. فاستحوذ العجب والدهشة على دلمار وكان يتنازعه عامل السرور باستعادة الماسة وعامل الاحترام لذلك الشجاع النبيل المهذب فنهض وطوق عنق البوليس بذراعيه وجد في تقبيله قبلات شديدة أما نكارتر فلم يمانعه في ذلك البتة. ثم قال دلمار: إن كراب هذا هو أدهى لص لفيته في حياتي أليس كذلك يا مسيو كارتر؟ إنني لا أعرف كيف أعبر عن شكري العظيم. فتبسم البوليس، ثم استأنف دلمار الكلام فقال: إن الماسة صارت أعزّ عليّ الآن بعد أن تعرضت لخطر الضياع، ولكنني كنت أود أن أعلم ماذا جرى بكراب. فقال البوليس وهو يرفع كتفيه — إنني لم آل جهداً في التفتيش عنه فذهبت مساعي أدراج الرياح وأعتقد الآن أنه يرقد بسلام في أعماق نهر كولورادو. . . . وقفة عند يلدز لمن القصر لا يجيب سؤالي آهلات ربوعه أم خوال مشمخر البناء حيث ترآى بالياً مجده بلى الأطلال لم تصبه زلازل الأرض لكن قد رمته السماء بالزلزال وكسته الأيام بالصمت لما نطقت فيه حادثات الليالي فترآءت أبكاره شاحبات باكيات بأعين الآصال أيها القصر ايه بعض جواب لا تكن ساكتاً على تسآلي ليت شعري والصمت فيك عميق ذاكرٌ أنت عهدهم أم سال ما تداعى منك البناء ولكن قد تداعى بناء تلك المعالي كنت كل البلاد في الطول والعر ض وكل العباد في الأعمال كنت مأوى العلى مثار الدنايا مهبط العز مصدر الإذلال كنت جباً وأيّ جب عميق بالغاً للنفوس والأموال مورد الخائنين كنت وكانت منك تدلى مطامع العمال قصر عبد الحميد أنت ولكن أين يا قصر أين عرش الجلال أين خاقانك الذي كان يدعى قاسم الرزق باعث الآجال ما أرى اليوم ذلك المجد إلا كخيال يمر بعد خيال هل وقوفي على مبانيك إلا كوقوفي على الطلول البوالي قد تخونتنا ثلاثين عاماً جئت فيها لنا بكل محال تلك أعوام رفعةٍ للأداني تلك أعوام خطة للأعالي تلك فيما جرت به نقطة سوداء تبقى بجبهة الأجيال ملأت خطة الزمان شناراً فأبتها كل العصور الخوالي يثب العدل طافراً كلما مرَّ عليها مشمر الأذيال وكأني أرى اضطراب نفوس كنت تغتالها وأي اغتيال أسمع الآن فيك ما كان يعلو من أنين لها ومن أعوال حائمات على الذي فيك أبقين دفيناً من الرفات البوالي تلك يا قصر أنفس أنفت منك فطارت إلى سماء المعالي وترقت إلى ذؤابة أعلى كوكب في سمائه جوال وهي اليوم أحرقتك بشهب قذفتها عليك ذات اشتعال لم يضع مجدها وإن هي أمست ضائعات الأشلاء والأوصال كيف ننسى تلك الخطوب اللواتي لقحت منك حربها عن حيال يوم كنا وكان للجهل حكم خاذل كل عالم مفضال آمر من عتوه كل أمر يغرس البغض في قلوب الرجال أفأصبحت نادماً ليها الق صر تبالي بالقوم أم لا تبالي لم تفدك الندامة اليوم شيئاً قضي الأمر فاصطبر باحتمال وعزاء فلست أول قصر نكس الدهر من ذراه العوالي قد تداعى من قبل إيوان كسرى بعد أن طال شاهقات الجبال وكاين من قصر ملك ترامى ساقطاً بالملوك والإقبال فابق يا قصر عابس الوجه كيما يصبح الملك باسم الآمال وتعثر فلا لعالك حتى ينهض العدل ناشطاً من عقال إنما نحن أمة تدرأ الضي م وتأبى أن تستكين لوال أمة سادت الأنام وطابت عنصراً من أواخر وأوالي فإذا ما علا الغشوم نهضنا فقذفناه سافلاً من عال نملأ الأرض إن لمشينا لحرب بزئير الغضنفر الرئبال وإذا ما غلّ المليك رددنا ه— ذليلاً يقاد بالأغلال نحن من شعلة الجحيم خلقنا لأولي الجور لامن الصلصال ياملوك الأنام هلا اعتبرتم بملوك تجور في الأفعال ليس عبد الحميد فرداً ولكن كم لعبد الحميد من أمثال فاتركوا الناس مطلقين وإلا عشتم موثقين بالأوجال هل جنيتم من التجبر الأكل أثم عليكم ووبال تدبير الصحة اتفق لنا ونحن نعجب بالنبذة التي ننشرها لأبي زيد البلخي من أهل القرن الثالث في تدبير الصحة أن عثرنا في المجلة الباريزية على بحث للدكتور هيريكور الفرنسوي في هذا المعنى نفسه فرأينا تعريبه ليقابل القراء بين القديم والحديث قال: الصحة أعظم النعم ولا شيء يوازيها من سلطة وثروة في جلب الراحة بل ليس من سعادة أعظم مما توليه الصحة، ففي الصحة شعور بطول بقاء المرء مما يقوي الساعد على العمل والإنتاج إلى ما وراء التصور فيزيد في حسن الخلق الذي ينشر السعادة في أطراف صاحبه، والصحة الطبيعية شرط في الصحة الأدبية لأن من سلمت حواسه من العيوب وأطرافه من الفساد يسلم عقله، والصحة الأدبية عبارة عن قواعد من شأنها ضمان صحة الأفراد والمجموع، ولا يظن ظان أن هذه القواعد تزيد في الأنانية بل هي ولأمراء مدرسة مدهشة بثت روح الغيرية لأن خلق التضامن يتجلى في أبهى مظاهره في مسائل التدابير الصحية، والتضامن هو المحور الذي تدور عليه حياة المجتمعات البشرية في المستقبل. وإنا نشعر بالمسؤولية الأدبية التي تصيبنا في المسائل الصحية العامة، مثال ذلك أن امرأ إذا كتم مرضاً سارياً ينشأ منه وباء يهلك فيه ألوف من الناس أفليس خليقاً به أن يدرك بأنه إذا باح بالمرض يقاتله هو ومن حوله على حين لو كتمه لأودى به وبغيره فليس تدبير الصحة والحالة هذه هو تدبير الجسم فقط بل هو تدبير الأخلاق بمجموعها. يعلمنا علم منافع الأعضاء أن الجسم آلة لا تبقى على حالة حسنة كما هو الحال في جميع الآلات إلا بالعمل، وعلم الصحة بما فيه من القواعد التي من شأنها حفظ حياة الفرد وحياة الجماعة يعلمنا أيضاً الطرق التي تضمن لتلك الأداة البشرية أحسن نتائجها وأطول أيامها وكيف يتمكن الآباء من إيلاد الأولاد الأقوياء النافعين، فإذا عرفنا من علم الفسيولوجيا كيف أن الفرد هو ابن محيطه فإن العلم يشير إلى تلك النقطة التي يجب على المقتنين أن يوجهوا عنايتهم إليها إذا أحبوا تحقيق أسباب حسن تربية الفرد التي لها اتصال بطبيعة الأرض أكثر من اتصالها بنوع البذار أي بصحة الأجسام أكثر من صحة التعاليم. وعلى الجملة فإن علم الصحة الهيجيين يأمر المرء بالعناية بصحته وصحة الناس ويشير إليه بالعمل ويدله على أسباب العمل الجيد ويبصره بعواقب الغرور ومخاطر الشهوات التي يطلب المرء فيها سعادته عبثاً وما هي في الحقيقة إلا سيئة الأثر منهكة للقوى، نعم أن علم حفظ الصحة يمثل الصحة بأنها السعادة الوحيدة الحقيقية ويبرهن بأن غلط الفرد يلحق المجموع وأن التكافل لا بد منه. وإنا بما نورده من النصائح نوجز المبادئ الجوهرية في حفظ الصحة في الفرد والمجموع ونلقن ما يجب العلم به والعمل له من القواعد الأساسية التي نوجهها خاصة لمن كانوا في مقتبل العمر من الشبان والشابات. القاعدة الأولى — يجب عليك أن تعنى بصحتك لأن صحة الفرد ليست له وحده بل هي للمجتمع ونجاح هذا وقوته منوطان بصحة مجموع من يتألف منهم، فالواجب على المرء أن يعمل بحيث يقدم للمجتمع ما يصيبه من الحصة من العمل والإنتاج ومن يهتم بصحته كان كمن يسعى لإبقاء تلك الآلة التي يملكها كل إنسان للقيام بما يفرض عليه من العمل ويؤدي ما عليه للمجتمع الإنساني، وتختلف عناية المرء بصحته بحسب حاله وشأنه فقد تضطره الحال في بعض الأحيان أن يفادي بصحته حباً بإبقاء صحة المجموع ولذلك كان من الواجب على كل امرئٍ أن يقوي صحته حتى لا يقف ساعة أمام ما يتحتم عليه بذله عند الاقتضاء. القاعدة الثانية — اعلم أن العقل القويم بالجسم السليم إن في مجموع تركيب الجسم كما في المجتمع جميع الحواس متكافلة بعضها مع بعض فالدماغ وهو حاسة الفكر والإرادة معرض لعامة الأمراض التي تصيب سائر الحواس كما هو عرضة لجميع النقائض ولذلك قضت الحكمة أن تبذل العناية بذاك المجموع النامي على اختلاف مناحيه ولا سيما إذا كان في إبان نموه، ومتى عني بإحدى الحواس بنوع خاص يستأثرون سائر الحواس بالعناصر المغذية ويبطل عمل سائر الأعضاء وتقل تغذيتها فتنقطع الموازنة العادية في الصحة ولا تلبث تلك الحاسة الممرنة كثيراً أن تصير إلى حال من الاضطراب وتفقد غناءها بما يصيبها من البوائق التي تسممها وتضيق عليها وتفلجها وعليه فاقتضى أن يعمل لكل حاسة ما تحتاجه من العناية سواء كان من حيث الفكر أو الحركة. لا يضر البالغ إلا لم تعط كل حاسة فيه حقها بقدر ما يضر الطفل واليافع لأن أعضاء هذا تكون في بدء أمرها لم تستوف قسطها من الاستحصاف من أجل هذا وجب أن تجدد بتدقيق صلات العمل الطبيعي والعمل العقلي ويقتضي للحواس قبل إنتاجها أن تستعد لذلك وإذا تعجل المرء في الإلحاح عليها تفسد وتتعطل، فتربية الطفل يجب أن تكون باعثة لمجموع الجسم على التقوية لا أن يعجل في استخدامها قبل أوان بلوغها ودماغ الولد لا يكمل إلا بعد حين ولذلك اقتضى أن لا يطلب منه إنتاج شيء قبل العمل ويكتفي بتلقين الولد العادات والأساليب التي تدر به بعد على العمل، وعلى العكس في العضلات فإنها تقوى بسرعة وكذلك هيكل الجسم فإنه يستحكم في السنين الأولى من الحياة ويقاوم أحسن مقاومة فنرى أن يمرن الطفل من سن الخامسة إلى العاشرة ساعة في الأشغال العقلية ومثلها في الأشغال الطبيعية ومن العاشرة إلى الخامسة عشرة ساعتين في الأمور الذهنية وثلاث ساعات في الأعمال العضلية ومن الخامسة عشرة إلى العشرين ثلاث ساعات في الأعمال العقلية وساعتين في الأعمال العضلية، والأخير خاص بالشبان الذين يختصون بالأعمال العقلية والأدبية والعلمية والفنية، ولا بأس في تلك السن بتعليم الأحداث صناعة يدوية إذ إن جمهور الفسيولوجيين على أن مهارة اليد تعمل عملاً نافعاً في جلاء الفكر وتؤثر أحسن تأثير في قوة الإرادة، بيد أن العمل اليدوي يعدل من العمل العقلي بل يكون له عوناً على تربية الفتى تربية عملية نافعة ويتمكن من تحصيل معاشه على كل حال فيكون مثال الرجل الحر المستقل. القاعدة الثالثة — ليكن جسمك طاهراً نظيفاً على الدوام — للجلد وظائف مهمة للصحة كالرئتين فإنهما للتنفس والكليتين لإفراز السموم التي تنبعث من حياة الخلايا المؤلفة منها حواسنا وأنسجتنا فالجلد كالرئة يتنفس ويرشح فبالعرق يفرز الجلد كما تفرز الكليتان مع البول مواد سامة وتنفع الكلى وبالرشح يتعدل مزاج الجسم لأن الرشح هو العامل الوحيد في تركيبنا لمقاومة الحرارة شأن آنية يبرد ما فيها بتبخر السائل الذي يرشح إلى سطح الطين ذي المسام، وإذ كان الجلد سطحاً واقياً من الوسط الخارجي والعوامل الطبيعية والجراثيم يجب أن يترك نظيفاً ليحفظ نعومته التي بها يقاوم المؤثرات الخارجية فالجلد الذي لا يعنى به يتخرق ولا يقاوم فعل البرد وتدخل فيه الجراثيم التي تعلق فوق سطحه، وتحسن حالة الجلد بالدلك والغسل وصب الماء الحار أو البارد على الجسم بحسب مزاج الإنسان والمواسم، وربما لا تطيق بعض الأجسام صب الماء عليها ففي هذه الحالة يجب الاعتياد على الدلك والغسل يومياً لأن ذلك شرط في تدبير صحة الجسم. القاعدة الرابعة — اقلل من طعامك إن خطر الإفراط في الأكل يضر بنا في الأغلب أكثر من التغذية القليلة فالطعام إذا كثر على المعدة وساء هضمه يوشك أن لا يستحيل بالهضم بدرجة كافية فتهيج به الأحشاء كما لو دخلت عليها مادة غريبة وتحدث ألماً في الأمعاء وإذا بلعت لا ينتفع بها إلا قليلاً أي لا تحترق إلا بعض الشيء في داخل الجسم وهذا مثل الموقدة التي يختل تصريفها للدخان تمتلئ بجميع الفضلات الناشئة من اختلال الوقود، فالحامض البولي وهو أخص هذه الفضلات يسمم الدم أو يهيج الأنسجة التي تحويه فيصبح الأكول إذ ذاك عرضة لوجع المفاصل وغيره من الأمراض، وتكون هذه العوارض على طول الزمن دائمية وقد كان يمكن زوالها وتبدو في شكل تكوين الحصاة أو وجع المفاصل والبول السكري. فالإفراط في التغذية وعنه يحدث الاضطراب في الهضم يتبعه في الغالب تخمر خارق للعادة في الأحشاء وتنبعث منه سموم منوعة في قناتها ولا يأتي على هذه السموم المبتلعة إلا الكبد ولكنه إذا كثرت عليه وظيفته ينتهي به الأمر أن يتعب ويصبح غير كاف بعمله وعندها تحدث سلسلة من الاضطرابات التي تغير ميزانية الصحة والكفاءة للعمل. القاعدة الخامسة اجعل الماء شرابك العادي الماء هو الشراب الطبيعي ينفع في الهضم وتنقية الدم، ولا شك أن الماء يحوي جراثيم مضرة وهذه الجراثيم لا تبيد كما يزعم بعضهم بإضافة شيء من الخمر إليها، فإذا اشتبه في الماء أو كان ثمة خطر من وباء ينتقل في الماء كالحمى التيفوئيدية والهواء الأصفر، يجب غلي ماء الشفة وماء الاغتسال ولا يصح أبداً على راووق مصفاة الماء أو فيلتر البيت لأنه يستلزم عناية كبرى لا تنهض بها إلا المعامل الكيماوية ويحتاج إلى التطهير والتعقيم مرة في الأسبوع على الأقل، والماء المغلي لا يسوء هضمه فلكي يجعل قابلاً للشرب يتحتم تبريده وتهويته ويكفي ترويقه بالنفوير، وإن الأشربة التي تؤخذ على الريق لا تبقى في المعدة بل تنساب في الحال إلى الحشا الذي يبتلعه حالاً فالأحسن إذن أن يشرب الماء في أول الطعام لا في أواخره وتبقى الأشربة التي لا تهضم في المعدة مع الغذاء ويحل العصارة المعدية ويبطئ عمل الهضم في المعدة. القاعدة السادسة — امتنع من تناول الالكحول بتاتاً ليست الكحول غذاء بل هي سم قتال للخلايا العصبية ومروره على الكبد والكليتين يفسد عناصرها على صورة يتعذر الشفاء مما ينالها وإن جسماً يقوى بالكحول لقليل البقاء إذ يفقد أدوات دفاع الجراثيم الضارة عنه ويكون عرضة لعامة الأمراض الالتهابية التي تشتد عليه أكثر ممن يمتنع عن تناول المسكرات ثم إن أهم الأحشاء تصاب بتبلل يؤدي بها إلى العقر أو يصاب نسل أولئك السكيرين بتشويه في أجسامهم لا يبرؤون منه، فكما قالوا أن الكحول هي مقدمة لداء السل في شاربيها كذلك هي مدرجة للأمراض العضال في الكليتين والكبد وإذا ورث ابن السكير نقصاً في جسمه تبلغ به الحال أن يكون جانياً أو مجنوناً، وجميع ما يصاب به أولئك البائسون من تشويه الخلقة والهستيريا وضعف المجموع العصبي والصرع مما يقضون به حياة شقية ناشئ ولا جرم من تسميم دم أبيهم له وتوريثهم هذه الأوصاب. أما سائر الأشربة المقوية كالقهوة والشاي فليس فيها من ضرر من هذا القبيل وعلى كل فلا بد من الاعتدال فيها وإلا فلا تلبث أن تضر بالأعضاء الهاضمة، ومن الآراء الخرافية ما هو شائع على الألسن من أن القهوة تساعد على الهضم. القاعدة السابعة — إذا كنت تعمل بعضلاتك اعتمد في طعامك على البقول وأكثر من تناول السكر وإذا كنت تعمل بعقلك فاعتمد في تغذيتك على اللحوم يستلزم العمل بالعضلات طعاماً يكثر فيه الكربون إذ أن العضلات هي أدوات لإنتاج الحركة والقوة تسخن بالفحم فالبقول تحتوي على أطعمة كربونية والسكر هو فحم العضلات التي توقد منه وعلى العكس في الأعمال العقلية فإنها تصرف عناصر آزوتية لا يمكن التعويض عليه إلا بتناول مواد ألبومينية من اللحم، واللحم النيء يصلح ما يفقده مجموع الجسم من الآزوت أكثر مما يصلح اللحم المطبوخ. القاعدة الثامنة — للوقاية من البرد أذكر أن قطعة من الورق تعادل معطفاً أو حراماً قد يحدث أن البرد يداهم المرأ على حين يكون بلا معطف ولا دثار ومعلوم أن ما يدفئ الجسم هو أن تجعل حوله طبقة من الهواء سخنة وهذا الغطاء يجب مضاعفته أو تقليله لأن الهواء كجميع الأغذية هو أسوأ موصل للحرارة ولذلك ليس من المهم أن تكون ألبسة المرء غليظة بل أن تكون كثيرة منضدة بعضها فوق بعض وفي هذه الحال ينتفع بقطعة من الورق كما ينتفع بثوب جيد بالنظر لقلة ثخانته إذ يجعل طبقة واقية من الهواء وإذا وضعت جريدة تحت الصدرة أو تحت الدثار تعادل بما تورث الجسم من الحرارة المعطف أو دثاراً ثانياً. القاعدة التاسعة — احذر البرودة الرطوبة أكثر مما تحذر البرد لا شك أن أخص وظيفة للثوب أن يقي من البرد ولكن الأمراض الناشئة من البرد نادرة جداً على حين أن الأمراض المنبعثة من البرودة شديدة وكثيرة فاقتضى أن تكون الثياب مانعة من التنقل الفجائي بين البرودة والحرارة أي من البرودة، والثوب الذي يقوم بهذه الغاية هو الصدرة من الفلانلا، ومعلوم أن الجسم المتصبب عرقاً معرض للبرودة بالترشح السريع من العرق، والفلانلا تمتص إفراز العرق عند حدوثه وتقف حاجزاً دون برودة الجلد ونتائجه المضرة ويكون ذلك في الصيف والشتاء على حد سواء ثم أن الفلانلا في الحقيقة أنفع في الصيف منها في الشتاء بالنظر لكثرة الرشح من البدن للحرارة الكثيرة وعلى من يلبس الفلانلا أن يعلم بأنه إذا أراد أن يحفظ لها تأثيرها أي خاصيتها في الامتصاص يجب عليه أن ينزع في الليل ما لبسه في النهار ويستعيض عنه قميصاً أخف منه، والمروحة على هذا الوجه بين قميص الليل وقميص النهار ضرورية لإبقاء صفات القماش عليه. القاعدة العاشرة — اعمل بنشاط فالعمل من شروط الصحة — وذلك لأن الجسم الحيواني هو في الواقع آلة تخرج النشاط من طريق الحركة أو من طريق الفكر، ولذلك كانت الآلة التي لا تأتي بالعمل الذي خلقت له لا يتيسر بقاؤها والآلة التي لا تستعمل تصدأ والصدأ يسرع في تخريبها أكثر من الابتذال وهكذا فإن جسم الإنسان لا يستقيم شأنه إلا إذا استخدم فيما يراد منه، ويعرف الناس أمثلة كثيرة من أولئك الذين ينقطعون عن العمل قبل الأوان ويتقاعدون في بيوتهم فلا تلبث البطالة أن تؤدي بهم إلى الهرم فالموت، ومن قضي عليهم من الناس أن يمتازوا بمالهم من ثروة أن يعيشوا بدون أن يعملوا يشعرون مع هذا بالحاجة إلى العمل فيعمدون إلى الرياضات من ركوب الخيل والدراجات وغيرها مما هو في الحقيقة من الصنائع اليدوية يقوم بها أولئك الموهون بها. القاعدة الحادية عشرة — إذا كنت تعمل بعقلك استرح بأن تعمل بيديك وإذا كنت تعمل بيديك استرح بالعمل بعقلك — لموازنة الصحة علاقة بتوازن القوة على العمل في التركيب الإنساني على اختلاف أعماله، فعلى المشتغل بعقله أن يجعل له من وقته حصة للاشتغال بالأمور الطبيعية وذلك بأن يخصص كل يوم ساعة أو ساعتين للمشي وعلى من يعمل الأعمال اليدوية أن ينقطع قليلاً للنظر في الأمور الذهنية فيجب عليه أن يخصص لها مثل هذا الوقت أيضاً، وهذا من الضروريات التي تضمن لمتعاطيها سهولة هذه التربية لمساس الحاجة إليها في نفع الصحة الطبيعية والأخلاقية. القاعدة الثانية عشرة — اصرف الراحة الأسبوعية في الخلاء — تقضي دواعي المدنية على العاملين من كل طبقة سواء كانوا عاملين بعقولهم أو بأيديهم أن يعودوا من حين إلى آخر إلى الحالة الطبيعية التي يمثلها العيش في الخلاء، فالراحة الأسبوعية التي يمكن أن يقال عنها أنها قانون السلام تمكن صاحبها من الرجوع إلى الحالة الطبيعية على شرط أن لا يصرف المرء وقته في دور التمثيل ولا في الحانات بل يصرفه في تهوية الرئتين وتليين المفاصل وذلك بأن يعمد إلى الرياضات البدنية على أنواعها أيضاً كالمشي والركض والقفز والتزحلق على الجليد بحسب سنه وذوقه والفصل الذي يكون فيه من فصول السنة، ويستفيد النساء والفتيان ويلتذون بالألعاب في الهواء الطلق مثل لعبة التنيس وركب الزوارق والدراجات. القاعدة الثالثة عشر — وتم ثماني ساعات — كان من قواعد تدبير الصحة في القديم أن لا يسمح للمرء بأن ينام أكثر من ست ساعات إلى سبع على أنه لا وجه للشبه بين ما يعمله أحد سكان مدينة آثينة في زمن أفلاطون أو أحد سكان رومية في عهد هوراس وبين ما يعمله رجل بيده أو بعقله في القرن العشرين، أما اليوم فإن العامل بذهنه أو ببدنه يقتضى له راحة أطول تعوض ما يتوفر عليه من شاق الأعمال ولا سيما في الأطفال والفتيان ممن لا يتم نموهم في الحقيقة إلى نحو الخامسة والعشرين من أعمارهم، ولا يتوهمن منوهم أن إطالة الليل في النوم يستلزم تقصير النهار فليس السر في عدد ساعات العمل بل في الصورة التي تستعمل فيها فيتهيأ الفكر بعد الراحة المعوضة إلى العمل والحركات تكون دقيقة وسريعة والآراء سليمة واضحة والعمل يتم على وجه أسرع وأحسن، وماذا يفيد طول مقام المرء في مكتبه أو معمله إذا كان يقضيها وهو ساهٍ أو كالحيوان المخدر. القاعدة الرابعة عشر — لا تدخن ولا تمضغ التبغ — التبغ من النباتات المخدرة للشعور المادي وتسلي أكدار الحياة تسلية موقتة وبذلك يتوهم بعض المشتغلين بالأعمال العقلية أن ينشطهم ويبعثهم على العمل على أنه يأتي على شعور المصاعب ويتغلب عليها ويلقي حجاباً على الحقيقة ولا يقف تأثيره في الدماغ فقط بل يتناول الأعصاب لأن التبغ سم الأعصاب وهناك عصب يتأثر أكثر من غيره ونعني به القلب وما هو الأعصب من الأعصاب. وأن المولعين بالرياضيات والعدو والصراع وركوب الدراجات والقوراب ليحسنون صنعاً إذا طرحوا عادة التبغ لأنه بفعل ما يعانون من أنواع الرياضات، فيساق المرء بنابل من العادة وقد يتعودها بصعوبة بادئ بدءٍ بحيث يحتاج معها إلى إرادة قوية تتغلب على كراهة طعم التدخين حتى إذا ألفه يضر الذهن ولا سيما في الخلق. لا شك أن التبغ يثلم الشعور الطبيعي والإحساس الأدبي فيقلل من الضجر والوسواس ويمنع الوجدان الأدبي من الانبعاث، ومن الصعب أن يحكم على مستعمل التبغ بأن له وجداناً طاهراً سليماً وقوة إرادة. القاعدة الخامسة عشر — يجب الرفق بالأم وهي حامل — تراعى المرأة الحاملة أنوع المراعاة فمنذ تحمل تتجه أعضاؤها كلها إلى تكوين طفلها وكل ما يضر بصحتها يلحق منه ضرر على الرحم ويصده عن نموه العادي وقد تكون الهموم والأحزان والإفراط في التعب أصل المشوهات الطبيعية والعقلية التي تنال الطفل منذ ولادته وتعذبه طول حياته، فالواجب إذاً أن يمنع عن المرأة في خلال حملها كل ما يضر بخلقها ويغير صحتها الأم شخص مقدس تحمل في أحشائها مستقبل الإنسانية ورقيها ومتى كان حملها عادياً يتيسر لها أن تعمل بعض الأعمال غير المتعبة إلى آخر الأيام التي تسبق الوضع، وأن ما ينبغي التوقي منه كثيراً معاودتها العمل بعد الوضح حالاً فقلة الراحة بعد الولادة تضر بحواسها الباطنة فينشأ عنها اضطرابات تضعفها مدة حياتها وتضر بها في حملها بعد ذلك فيلزم للنفساء راحة تامة لا تقل مدتها عن خمسة عشر يوماً ثم تعاود العمل بالتدريج. القاعدة السادسة عشر — لبن الأم خاص بابنها — إذا كانت الأم ممتعة بصحتها يجب عليها أن ترضع ابنها فلا شيء أنفع له من لبنها كما أن أعضاء المرضع تضمن صحة الأم لأن الرضاع طبيعي لها ولذلك كانت كل امرأة لا ترضع طفلها نصف أم لا أماً كاملة، فإذا عهدت بابنها إلى مرضع تجهل أو تتساهل أموراً كثيرة تجب العناية بها لحفظ صحة طفلها ولا ينتبه له ويهتم له اهتمامها غيرها ثم أنها تكون في تلك الحال سبباً لإهمال طفل آخر وهو ابن المرضع، وأن طفلاً ترضعه ربيبة لهو طفل آخر ربي على الابريق ذي زمولة مصاصة والطفل الذي ترضعه غير أمه تكون أمه قد أرضعت الاثنين رضاعاً غير طبيعي والطفل الذي يرضع من غير ثدي أمه بعيداً عنها يوشك في الغالب أن يموت في سنته الأولى فالأم التي يتيسر لها إرضاع ابنها بذاتها وتدفعه إلى مرضع تكفله لها تحت نظرها هي مسؤولة عن هذا الإهمال جملة، والأم التي تبعث بابنها إلى المرضع بدون ضرورة تجرم جرمين اثنين وقد تهلك ابنها بصنعها. القاعدة السابعة عشرة — عليك أن تزن أولادك — بنمو الطفل كثيراً فإذا كانت صحته جيدة يزيد وزنه على الدوام فوزنه المرة بعد المرة أحسن واسطة لإثبات جودة صحته، فالميزان هو ميزان حرارة الصحة ومعدل زيادة الطفل الجيد الصحة والتغذية هو أن يزيد في الشهر الأول ٢٥ غراماً وفي الثاني ٢٣ وفي الثالث ٢٢ وفي الرابع ٢٠ وفي الخامس ١٨ وفي السادس ١٧ وفي السابع ١٥ وفي الثامن ١٣ وفي التاسع ١٢ وفي العاشر ١٠ وفي الحادي عشر ٨ وفي الثاني عشر ٧ ، ويجب أن لا تمضي ثلاثة أشهر إلا ويوزن الأولاد والفتيان على اختلاف أعمارهم لأن من الأمراض ما يتهددهم في المدن الكبرى مثل السل وكثيراً ما يكتفي لحسم الداء أن يعطى المريض راحة وتغذية مناسبة. القاعدة الثامنة عشرة — يجب لك أن تجعل أولادك المرضى بمعزل عن الأصحاء حتى لا ينقلوا إليهم المرض — تكاد تكون جميع أمراض الأولاد أمراضاً معدية كالحميراء والحمى الحصبية والجدري وانتفاخ لوزتي الأذنين والخناق وتكاد تبدأ كلها باضطرابات يظن أنها زكام خفيف وهي نزلة أو التهاب في الحلق والحنجرة ومجاري الأذن، فإذا ظهر بعض هذا فعلى الأبوين في الحال أن يعزلوا أولادهم وأن لا يبعثوا بهم إلى المدرسة أو إلى أي اجتماع كان وأن يفردوهم وحدهم في الدار، وكم من أناس عدوا بأولادهم المرضى أولاد غيرهم فكانوا بأخذهم المرض من أولادهم قبل أن ينتهوا سبباً لسريان الأمراض التي تصبح أوبئة عامة بعد أن كانت مقصورة على بعض الأفراد. القاعدة التاسعة عشرة — لا تسمح بأن يتعانق الأولاد — ليس للأولاد ميل طبيعي لأن يتعانقوا والأبوان هما اللذان يريدانهم على العناق ويسوقانهم إلى هذه العادة فتقبيل الأولاد بعضهم بعضاً يحوي مضرات كثيرة بأن ينقل الأمراض السارية وتكون تلك لقاحاً وأي لقاح لسريانها، وقد تقدم أن أكثر الأمراض في الغالب نزلات ووجع في الحنجرة والأنف والأذن كالحمراء والحمى الحصبية والسعال والحمى ذات البثور وأن الخناق الدفثيريا ينتقل بواسطة اللعاب عادة وعليه فإن التقبيل من العادات الضارة وكم من الأطفال هلكوا به. القاعدة العشرون — كل مسكن سليم نافع للصحة إذا استطاعت الشمس أن تدخل إليه والهواء أن يخرج منه — كما أن البيوت تحصر الناس في بقعة من سطح الأرض فهي تقيهم تبدلات الجو والبرد والهواء والمطر والحرارة فالواجب أن يدخل إليها الهواء والنور فإن الهواء البليل الصافي الذي لم يستنشق ولم تمازجه غازات الوقود من المواقد والمصابيح ولم تشبه شائبة هو من أنفع الأشياء للكبد والتنفس بل هو غذاء الحياة. فغرف العمل أو النوم على حجمها إذا لم يتخللها الهواء على الدوام تفسد بأنفاس السكان وغازات الوقود والاستصباح فمن اللازم اللازب أن يتخلل الهواء أي يتجدد على الدوام ويكفي في الصيف فتح الأبواب والنوافذ وفي الشتاء يخشى بعض الناس من البرد فلا يتركون الهواء يتخلل الأمكنة فينشأ من ذلك اختناق بطيء ولكنه خطر إن لم يقرب الموت العاجل يهيء السبيل إلى عدة أمراض ولا سيما السل. وبعد فيجب استنشاق الهواء بليلاً أو بارداً ولذلك كانت الآلة ناقلة الحرارة التي تدفئ الهواء من أبشع وسائط التدفئة على حين أن الموقدة التي تدفئ ببروز الأشعة وتجلب هواء من الخارج أحسن الوسائط المنطبقة على حفظ الصحة والمواقد ذات الحرارة البطيئة خطرة فيجب الامتناع من استعمالها، وليست الشمس أقل لزوماً للصحة من دخول الهواء النقي وما شعاع الشمس إلا باعثة للقوة في الجلد وتغذية الأنسجة والنباتات التي لا تصيبها الشمس تذبل وتفقد ألوانها وتصبح بشعة المنظر ولا تلبث أن تموت وكذلك الحال في الحيوان والإنسان وكما تفيد أشعة الشمس النباتات والحيوانات تضر بالنباتات الطفيلية والعفن والجراثيم التي هي واسطة جميع الأمراض وذريعة إلى سريان العدوى وبفضل الشمس ننجو من الجراثيم الضارة العابثة بجسومنا وحيث تدخل الشمس لا يدخل المرض والتعرض للهواء والشمس هما من في الحياة. القاعدة الحادية والعشرون — يجب التوقي من الغبار بالرش لا بالكنس بالقمة المقشة من ريش — الغبار مضر جداً وذلك لاحتوائه على ذرات كثيرة كلسية وآلية وصوانية تهيج الغشاء التنفسي وتؤذيه وتدعو إلى عدة أمراض كالنزلات والدفثيريا وجزء من الغبار مؤلف من براز المصابين بالأمراض فتسطو هذه الذرات على الأغشية المخاطية وتلقحها وتجرحها، فمن أهم قواعد الصحة في البيوت أن يمنع عنها الغبار لا بكنسه بمكنسة أو مقمة فإن ذلك الحال ترك الغبار متراكماً في الدار دون أن يمس لأن ضرره يكون واقفاً ولو موقتاً من إثارته على تلك الصورة، ولذا اقتضى أن لا يكنس وينفض بدون ماء وأن يزال الغبار بمناشف ندية أو فرشايات ومكانس ندية، ويجب جمع الغبار لإبادته لا إثارته لينتقل إلى الجيران. القاعدة الثانية والعشرون — لا تستعمل الستور والبسط والأثاث المزين بالرفارف — وذلك لأنها مانعة من نفوذ الهواء والنور مستنبت للغبار وقد لا تتمكن ربة البيت من نفضها وتهويتها وكذلك الورق الملون الذي يجعل على الجدران فإنه عش الجراثيم الضارة وأحسن المساكن التي يصفها رجال الصحة ما كان منها مصقولاً مدهوناً قابلاً للغسل وأحسن الغرف ما كانت مدففة أو مبلطة وأن يكون أثاثها عبارة عن خشب وجلد لا من قطيفة ومخمل وبسط ورب سجادة حوت من الجراثيم بالغبار الذي عليها ما لا يوجد أضر منه في الشارع نفسه. القاعدة الثالثة والعشرون — لا تتسامح بدخول الحشرات إلى منزلك — الهوام وسائط لنقل الأمراض السارية وتلقيحها فالذباب يقع على القاذورات فإذا كانت قاذورات حميات تيفوئيدية أو وباء كوليرا أو سل تنقل أجزاءها في أرجلها إلى الطعام والثياب وأغشية من تقع عليهم بعد، والبعوض ينقل في البلاد ذات المستنقعات حيث تشتد الحميات جراثيم من تقرحهم ممن يكونون مصابين بالحمى وتلقح بها غيرهم من الأصحاء، والبق والبراغيث تفعل بقرصها فعل البعوض بقرصه بالبق تنقل جراثيم حمى التيفوس والتيفوئيد ويخشى أن يكون ناقلاً للسرطان والجذام ومن المحقق أن البراغيث هي التي تلقح جراثيم الطاعون وتنقلها من الجرذان إلى الإنسان، ولا تخلو من أن تنقل جراثيم الحمى التيفوئيدية والسل. وأقرب الطرق إلى النجاة من هذه الهوام أن يجعل شيء من روح الصمغ على سطح القاذورات في المراحيض وأن تصب كمية من البترول على المياه الراكدة فتموت الهوام الناقلة كالبعوض وغيره وأن تستر النوافذ في الليل بستائر من السلك الرفيع لتمنع البعوض من الدخول وقرص الساكنين وهم نيام وصب شيء من البترول على المحال التي يعيش فيها البق أنفع واسطة للخلاص منه كما أن الماء أنفع ذريعة للنجاة من البراغيث وغسل الحيوانات الأهلية على الدوام حتى لا تنقل البراغيث إلى القائمين على تربيتها. القاعدة الرابعة والعشرون — اجعل الحيوانات الأهلية في اصطبل — ليست الدار نادي الحيوانات الأهلية كالقطط والكلاب والطيور فإن إيواءها في الدور مضر وناقل للأمراض ولا سيما للسل والسرطان فالكلب مصاب بالسل غالباً والهر بالسرطان والببغاء ذكورها وإناثها بالتهاب ذات الرئة بل أن الكلب والهر واسطتان لنقل الحميات ذات البثور كالجدري والقرمزية والحميراء والدفثيريا وأورام الجلد وغيرها من الأمراض المعدية ثم أن الكلب يلعق كل ما يقع أمام عينيه وقد يدلله صاحبه وما أنه يدري ينقل الكلب إن لم نقل مرضاً آخر دع عنك ريشه فإنه مستويل الجراثيم ينقلها من السقيم إلى السليم وعليه فالقطط والكلاب الأهلية هي خطر دائم على الصحة العامة. القاعدة الخامسة والعشرون — اعن بنظافة الشارع كما تعنى بنظافة مسكنك — نقضي شطراً من حياتنا في الشوارع ولذلك وجب علينا أن نطهرها من الأدناس والأرجاس على أننا نطرح فيها بدون مبالاة الغبار والأوساخ وننفض فيها البسط ومماسح الأرجل وما الكناس إلا واسطة لنقل باسيل الأمراض وهناك قاذورات الكلاب وأخيل وهي سبب لعدة نزلات أذنية وحلقية وكل ذلك مما يبتلع منه ساكن المدن كمية غير قليلة فلو جمع غبار المساكن بوسائط ندية أو أحرقت في النار أو وضعت في ماءٍ يغلي وإذا امتنع المرضى عن البصاق في الشارع ولم يكنس الكناسون إلا بعد الرش كما في بعض البلاد المتمدنة لما أصبح الشارع كما هو الآن مستوبل الأمراض ومحلاً أضر من غرفة في مستشفى. القاعدة السادسة والعشرون — إذا بصقت على الأرض فكأنك تبصق على جارك — يجب الامتناع عن البصاق في الشارع والمحال العامة والدار وذلك لأن بصاق الرجل السليم من العادات المخالفة للقواعد الفسيولوجية فالواجب نزع هذه العادة أما المسلول فإنه ببصاقه ينقل عدواه في الحال إلى غيره وذلك إذا بصق في الشارع لا تلبث بصقته أن تجف فتتطاير في الهواء ميكروباتها فعليه أن لا يبصق حتى في منديل لأنه كلما أخرجه من جيبه يقذف جراثيمه على من أمامه بل عليه أن يستعمل مبصقة يضعها في جيبه هذا هو من الفروض الاجتماعية ومن أوائل قواعد التضامن فمن كان به مرض ولم يستعمل هذه الطريقة فهو مرتكب جناية لا محالة. القاعدة السابعة والعشرون — إذا كان بك مرض خذ الاحتياطات بذاتك أو بالواسطة لئلا تنقل العدوى إلى من حولك تكاد تكون جميع الأمراض الحادة وكثير من الأمراض المزمنة من الأمراض السارية فإذا رأى كل مريض من واجبه وقاية جاره من نقل جراثيم مرضه إليه لا تلبث معظم الأمراض السارية أن تضمحل، وما من قانون صحي عام ينفع في هذا السبيل بقدر ما تنفع عناية كل فرد على حدته بصحة من حوله وكل ما تقوم به البلديات من أسباب التطهير قليل جداً في جانب الوقاية التي يجب على المرء نفسه أن يتخذها وكثير من أرباب الأسرات يصابون بمرض سار فيعدون به أولادهم وأزواجهم ومن حولهم بتسامحهم وعدم اتخاذهم الاحتياطات الصحية فيقتلونهم بأيديهم جهلاً وغباوة ومن نظر في تاريخ البيوت يدرك أن الأولاد لا يصابون بالتهاب ام الدماغ إلا بتساهل آبائهم فالواجب على الريض أن يسأل الطبيب عن أسباب الوقاية التي يتحتم عليه اتخاذها ويطبقها على نفسه بالفعل. وأنت يا هذا إذا أصبت ذات يوم بمرض فلا تحمل اللوم على قواعد حفظ الصحة وقلة غنائها ولا على ضعف العلم بل إن الذنب في ذلك على أجدادك ومواطنيك. رحلة إلى جبل قلمون يعد جبل قلمون بين جبال سورية من أحسنها ماءً وهواءً وإنباتاً ومع هذا لم يشتهر اشتهار جبال لبنان وحرمون والكليبة واللكام على قربه من دمشق قاعدة بلاد الشام، وكان يقال له في القديم جبل سنير وبذلك عرفه الجغرافيون والمؤرخون والشعراء، قال ابن خرداذبة في المسالك والممالك وهو مما ألف منذ نحو ألف سنة أن كورة دمشق وأقاليمها سهل الغوطة إقليم سنير مدينة بعلبك البقاع إقليم لبنان كورة جدنية كورة اطرابلس كورة جبيل بيروت صيدا البثينة كورة حوران كورة الجولان وظاهر البلقا وحوالي الغور وكورة ناب وكورة جبال وكورة الشرا وبصرى وعمان والجابية، فإقليم سنير هو من أقرب الأعمال إلى دمشق ولم نظفر له بتحديد أجمع من تحديد ياقوت في معجم البلدان، قال أن سنير بفتح أوله وكسر ثانيه ثم ياء معجمة باثنتين من تحت جبل بين حمص وبعلبك على الطريق وعلى رأسه قلعة سنير وهو الجبل الذي فيه المناخ يمتد غرباً إلى بعلبك ويمتد مشرقاً إلى القريتين وسليمية وهو في شرقي حماة وجبل الجليل مقابله من جهة الساحل وبينهما الفضاء الواسع الذي فيه حمص وحماة وبلاد كثيرة، وهذا جبل كورة قصبها حوارين وهي القريتين ويتصل بلبنان متيامنا حتى يلتحق ببلاد الخزر ويمتد متياسراً إلى المدينة وسنير الذي ذكر أنه بين حمص وبعلبك شعبة منه إلا أنه انفرد بهذا الاسم وقد ذكره عبد الله بن محمد بن سعيد بن سنان الخفاجي فقال من قصيدة: أسيم ركابي في بلاد غريبة من العيس لم يسرح بهمه بعير فقد جهلت حتى أراد خبيرها بوادي القطين أن يلوح سنير وكم طلبت ماء الاحص بآمد وذلك ظلم للرجال كبير وقال البحتري: وتعمدت أن تظل ركابي بين لبنان طلعاً والسنير انتهى كلام ياقوت جاء في أبي الفداء أن الجبل الشرقي الممتد شمالي الشام كان يدعى سنير في عهده وقد ورد سنير في التوراة فقال الدكتور بوست في قاموس الكتاب المقدس: سنير (درع أو شلالة) اسم قسم من جبل الشيخ (حرمون) ( ١ أي ٥ : ٢٣ ) ٢٧ : ٥ (وقال ياقوت في القلمون أنه بفتح أوله وثانيه بوزن قربوس وهو فعلول قال الفراء وهو اسم وأنشد: بنفسي حاضر بجنوب حوضي وأبيات على القلمون جون  ومن القلمون الذي بدمشق بحتري بن عبيد الله بن سلمان الطابخي الكلبي من أهل القلمون من قرية الأفاعي وقال في القاموس قلمون محركة موضع بدمشق، التاج أن القلمون رومية وحروفها أصلية، وكلمة قالا بالرومية طيب ولعله الجبل الطيب أو نحو ذلك وحوارين التي قال عنها ياقوت أنها القريتين هي قصبة جبل سنير وهي كما قال في مكان آخر حصن من ناحية حمص قال بعضهم: يا ليلة بحوارين ساهرة حتى تكلم في الصبح العصافير وقال أحمد بن جابر مر خالد بن الوليد في مسيره من العراف إلى الشام بتدمر والقريتين ثم أتى حوارين من سنير فاغار على مواشي أهلها فقاتلوه وقد جاءهم مدد من أهل بعلبك ثم أتى مرج راهط وفي كتاب الفتوح لأبي حذيفة اسحاق بن بشير وسار خالد بن الوليد من تدمر حتى مر بالقريتين وهي التي تدعى حوارين وهي من تدمر على مرحلتين وبها مات يزيد بن معاوية في سنة ٦٤ قال الراعي: أنحن بحوارين في مشمخرة بيت ضباب من فوقها وثلوج وقال أيضاً والقريتان قرية كبيرة من أعمال حمص في طريق البرية بينها وبين سخنة وأرك أهلها كلهم نصارى وقال أبو حذيفة في فتوح الشام وسار خالد بن الوليد رضي الله عنه من تدمر إلى القريتين وهي التي تدعى حوارين وبينها وبين تدمر مرحلتان وإياها عنى ابن قيس الرقيات بقوله: وسرت بغلتي إليك من الشام وحوران دونها والعوير وسواء وقريتان وعين التمر حزن بكل فيه البعير فاستقت من سجاله بسجال ليس فيه منّ ولا تكدير وقد سألنا العارفين فأكدوا لنا أن حوارين بعيدة عن القريتين بنحو ثلاث ساعات وآثارها بادية إلى الآن وما نظن أنها كانت قصبة جبل سنير فيما مضى إلا في أمورها الإدارية كما نرى اليوم قسماً من جبل قلمون تابع لقضاء دومة الشام والقسم الآخر هو الأعظم تابع لقضاء النبك وقسم منه تابع لحمص ويقول الخبيرون من أهل هذا الجبل اليوم أن جبل قلمون يمتد من الدريج إلى البريج وهو تحديد معقول جداً لأنك ترى في الدريج وهي مزرعة في رأس جبل قرب عين الصاحب بين معربا وحلبون سلسلة جبال جديدة تكاد تكون منفصلة بعضها عن بعض وفي البريج وهي على نحو ثلاث ساعات من قارة للقاصد إلى حمص ويمتد شمالاً إلى الجرود على بضع ساعات من بعلبك وجنوباً إلى البرية وتجتاز المسافة من الجنوب إلى الشمال لراكب المطايا في يوم كما يقطع طول الجبل من غربه إلى شرقه في يومين، وأوصل بعضهم طول الجبل إلى وادي القرن قرب البقاع، ويدل على أن آخر حدود الجبل هو في البريج من ناحية حمص ما قاله الاصطخري من أن الطريق من حمص إلى دمشق هو عشر فراسخ من حمص إلى جوسية ثم إلى قارا ثلاثون ميلاً ثم إلى النبك اثنا عشر ميلاً ثم إلى القطيفة عشرون ميلاً ثم إلى دمشق أربعة وعشرون ميلاً، وجوسية كما في المعجم قرية من قرى حمص على ستة فراسخ منها من جهة دمشق بين جبل لبنان وجبل سنير فيها عيون تسقي أكثر ضياعها سيما وهي كورة من كور حمص. ونقل الدكتور فانديك في المرآة الموضية نقلاً عن أبي الفداء أنه قال أن سنير هو جبل الشيخ أو قسم منه ولذلك رأينا فانديك في جغرافيته يذكر بعض أمهات قرى جبل قلمون أو سنير بحسب المقاطعات التي كان معروفاً بها عند الحكومة على عهد تأليفه ولم يذكر أنها من أعمال جبل مشهور فقال: وإلى الشمال من دمشق مقاطعة يقال لها جبة عسال نسبة إلى مكان يقال له عسال الورد لكثرة الورد الذي فيه ومن أشهر قراها صيدنايا وفيها دير لراهبات طائفة الروم وإلى الشمال الشرقي مقاطعة معلولا نسبة إلى قرية فيها حصينة مبنية على قمة هناك لا يسلك إليها إلا من مضيق مستوعر وفيها دير عظيم لطائفة الروم وقد حدث في سنة ١٨٥٠ للمسيح أن أمراء بني الحرفوش أصحاب بعلبك تحصنوا بها بعد وقعة جرت لهم مع أجناد دمشق فهجم عليهم عسكر الدولة إلى معلولا بوسيلة من بعض أهلها فقتلوا بعضهم وأسروا بعضاً ونهبوا القرية والدير وحول معلولا عدة من القرى كعين التينة وبخعة وغيرهما ولم يزل أهل تلك النواحي يتكلمون باللغة السريانية لكنها محرفة كثيراً عن أصلها كعربية العامة في هذه الأيام وإلى الشمال الشرقي من معلولا مقاطعة يبرود نسبة إلى قرية كبيرة فيها بعض آثار قديمة وفي جوارها رأس العين ومعرة باش كردي وفليطا وسحل والقسطل وإلى الشمال الشرقي من القسطل النبك وما بين النبك والغوطة يسمى الأرض التحتية وهذه الأرض يمر الطريق من دمشق إلى بغداد وفي جوار النبك قارة وهما أعدل مكانين في تلك الديار حتى يضرب المثل بجودة هوائهما ومائهما وقد لهجت بهما الشعراء كثيراً قال بعضهم: إذا هاجت الرمضاء ذكراك بردت حشاي كأني بين قارة والنبك وإلى الشمال الشرقي من النبك دير عطية وقال الحافظ أبو القاسم ومعلولا إقليم من نواحي دمشق له قرى وقال ياقوت في منين: قرية في جبل سنير من أعمال الشام وقيل من أعمال دمشق منها الشيخ صالح أبو بكر محمد بن رزق الله بن عبيد الله قال ياقوت وكان من ثقات المسلمين ولم يكن بالشام من يكنى بأبي بكر غيره خوفاً من المصريين الشيعة توفي سنة ٤٢٦ . فاهم بلاد الجبل يبرود وكانت هي والنبك من أمهات بعد مملكة صوبه أو صوباالقديمة وهذه المملكة كانت في شمالي سورية تمتد من شمالي لبنان الشرقي نحو حمص وحماة وحلب وهي قاعدة لجبل ولا يقل سكانها عن عشرة آلاف ثلثهم مسيحيون والثلثان مسلمون وتكاد تكون أشبه بالمدن منها بالقرى لتوفر مرافق الحياة فيها وكثرة سكانها صلاتهم التجارية مع دمشق وبيروت وحمص وحماة وبعلبك ولوفرة المهاجرين منها إلى أميركا ويبلغ عددهم نحو ألف رجل ومنهم الذين اغتنوا وفي يبرود عدة مدارس للمسيحيين على اختلاف مذاهبهم منها مدرسة للروم والكاثوليك أنشأها أحد أحبارهم منذ زهاء عشر سنين فوهبها ثلثمائة ليرة من ماله وفرض على أبناء طائفته أن يشتغلوا فيها بأيديهم أيام الآحاد والأعياد فجاءت مدرسة كلفت زهاء ألف وخمسمائة ليرة وقد اشتغل بعضهم بنقل التراب وآخر يجلب الحجر وغيره بالبناء، وبأمثال هذه المدارس أصبح المسيحيون أرقى من جيرانهم المسلمين لأن الأول يتعلمون والآخرين مهملون وكانت الحكومة البائدة تزيدهم خبالاً إلى خبالهم وليس لهم من أهل الرأي والعلم من يشفق عليهم ويسعى إلى ترقيتهم ترقية حقيقية كما هو حال مواطنيهم. أقول هذا ولا نكران للحق أن ارتقاء المسيحيين عن المسلمين ماثل على أشد صوره في هذا الجبل وكيف لا يكون كذلك والارساليات الدينية من الروس والانكليز والفرنسيس لم تكد تترك قرية إلا وأقامت فيها مدرسة لتثقيف عقول أبنائها على مناحيها بل أن جمع دينية أقامت لها مستشفى في دير عطية البلد الثاني في الجبل بكثرة سكانه واستئجار عمرانه. ودير عطية هذه هي والنبك مركز حكومة القضاء في وادٍ كان يعرف قديماً بذات الذخائر أو وادي الذخائر قال ياقوت والنبك قرية مليحة بذات الذخائر بين حمص ودمشق فيها عين باردة في الصيف طيب عذبة يقولون مخرجها من يبرود وقال الزاجر: أنّى بك اليوم وأنّى منك=ركباً أناخوا موهناً بالنبك واطلعت في دير عطية على حجة وقف نقلت حوالي الألف عن حجة كتبت سنة ثمان وسبعمائة للهجرة محفوظة عند كفيف من أهلها اسمه الشيخ عبد القادر الناظر جاء فيها أن الست الجليلة صالحة خاتون ابنة الأمير الكبير صلاح الدين بن بهلوان ابن الأمير الكبير شمس الدين الأكري الآمدي وقفت وحبست وأبدت في صحة منها وسلامة وجواز أمرها جميع الضياع الخمس المتلاصقات المعروفات بوادي الذخائر عمل دمشق المحروسة وتعرف إحداهن بالبويضا والثانية بابريصا والثالثة بالميرا والرابعة بدير عطية والخامسة بالحمرا وقد صدقت على هذه الوقفية محكمة قارة ولا يعرف اليوم من هذه القرى غير دير عطية والحميرة وفي دير عطية مدرسة للعلوم الدينية واللسانية أنشأها الشيخ عبد القادر القصاب الأزهري الديرعطاني فنتجت منها فوائد جليلة وفيها الآن نحو ٥٠ طالباً وقد تعلم بعض الطلبة فأبانوا عن كفاءة فيما أخذوا لنفسهم بتعلمه. ومن أهم قرى قلمون الرحيبة وجيرود وعلى مقربة من هذا البلد مملحة دائرة محيطها اثنا عشر ميلاً وهي في سهل منبسط ينحدر إليه ماء المطر من ويجتمع على علو يختلف بين ٣٠ و ١٠٠ سنتمتر وفي أوائل شهر أيار يتحول ذاك الماء ملحاً أبيض نقياً مراً وهذان البلدان من قلمون التحتاني وفيه أيضاً الضمير وفيها عين كبريتية ينفع الاستحمام بها المصابين بالأمراض الجلدية وأرض هذه القرية أو البلد الحارة تبلغ غلاتها قبل سائر قرى الجبل حتى أن الشعير ليحصد فيها في شهر نيسان ويحمل إلى عسال في جرود الجبل الباردة ويزرع في الحال فيحصد في تموز وهذا من أعجب ما يكون في إقليم واحد والمسافة بين الضمير والجرد نحو عشر ساعات. قال في المعجم ضمير بالتصغير موضع قرب دمشق قيل هو قرية وحصن في آخر حدود دمشق مما يلي السماوة قال عبيد الله بن قيس الرقيات: أقفرت منهم الفراديس فالغوطة ذات القرى وذات الظلال فضمير فالماطرون فحوران قفار بسابس الأطلال نصب الماطرون على أن نونه للجمع وهذه المواضع كلها بدمشق، وقال المتنبي: لئن تركنا ضميراً عن ميامننا ليحدثن لمن ودعتهم ندم وقال الفرزدق يرثي عمر بن عبيد الله بن معمر التميمي وكان قد مات بضمير من دمشق: يامعشر الناس لا تبكوا على أحد بعد الذي بضمير وافق القدرا ما مات مثل أبي حفص لملحمة ولا لطالب معروف إذا افتقرا منهن أيام صدق قد منيت لها أيام فارس فالأيام من هجرا يعني قتاله لأبي فديك الحروري ومن أهم قرى قلمون التعتاني القطيفة وهي مركز مدير ناحية تابعة للنبك جاء في المعجم أنها قرية دون ثنية العقاب للقاصد إلى دمشق في طرف البرية من ناحية حمص وتنية العقاب هي ثنية مشرفة على غوطة دمشق يطؤها القاصد دمشق إلى حمص قال أهل السير أن خالد بن الوليد سار من العراق حتى أتى مرج راهط فاغار على غسان في يوم فصحهم ثم سار إلى الثنية التي تعرف بثنية العقاب المطلة على دمشق فوقف عليها ساعة ناشراً رايته وهي راية كانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم كانت تسمى العقاب علماً لها. ومن قرى الجبل البديعة قرية معلولا يدخل إليها من الشمال من فج طبيعي في الجبل وهي حصينة منيعة ويؤكد بعض العارفين أنها هي مدينة سيلفكيا بعينها إحدى أمهات مملكة سلوقس أحد خلفاء الاسكندر الأربعة الذين اقتسموا مملكته بينهم بعد وفاته فانتشبت الحرب عام ٣٠١ ق. م ودارت الدائرة على الملك انثيوغولس وابنه ديمتريوس فاقتسم إذ ذاك قواد الاسكندر مملكته إلى أربع ممالك الأولى مصر أخذها بطليموس سوتير مع العرب وجزء من بر الشام أي فلسطين والثانية مكدونية وبلاد اليونان أخذها كاساندر والثالثة ثرافيا وببسينا وبعض أطراف آسيا الصغرى أخذها ليسيماوس والرابعة بقية الممالك من البحر الأسود إلى نهر لاندوس في الهند أخذها سلوقس وسميت مملكة سورية ومن أشهر مدنها أنطاكية وسلوسية واناحية واللاذقية، ولا يزال إلى اليوم يعثر في بيادرها على آثار تدل على عمرانها القديم الفخيم، وأهلها وهم نحو ثلاثة آلاف يتكلمون بالسريانية المحرفة كما تقدم وفي جوار معلولا نجعا وجبعدين وأهلها أيضاً يتكلمون بهذه اللغة كما أن أهل قلدون يتكلمون بالتركية المحرفة قليلاً ويقال أن أصلهم من التركمان نزلوا هذه القرية منذ سنين واختلطوا بأهل الجبل، وكان بالقرب من قلدون ثلاث مزارع يتكلم أهلها بالتركية أيضاً وهي دنحا وخربوشة والكنيسة إلا أنها دثرت، وعلى مقربة من معلولا قرية عين التينة وكان أهلها كما يقول جيرانهم المسيحيون نصارى يعافبة دانوا كلهم بالإسلام منذ زهاء قرنين وقلبوا الأوضاع المسيحية بأوضاع إسلامية حتى لقم يطلقون على بيت الخوري بيت الحوري بالإهمال وفي هذه القرية شجر الفستق القديم ولا يزال ينقرض لأن أهلها لا يجددون غرسه وهذه القرية هي الوحيدة في قرى ولاية سورية التي تخرج الفستق وهو من أحسن الأنواع لا يكاد يضاهيه بجودته فستق روم قلعة من أعمال حلب. طفت هذا الشهر أمهات قرى قلمون وكنت زرتها منذ عشر سنين فرأيت عليها مسحة من الارتقاء أتتها في الغالب من المال الذي جناه من أميركا المهاجرون من القلمونيين ففي قرية معرة صيدنايا وصيدنايا ويبرود ودير عطية مثلاً بيوت جميلة أقيمت بالحجر الصلد النحيت مثل بيوت لبنان الجديدة ومن البيوت ما كلفت ألفي ليرة وربما أكثر أما سائر معالم الجبل فظلت على حالها أو ارتقت بعض الشيء بطبيعة الزمن، وقد اشترك في الهجرة إلى أميركا سكان الجبل من المسلمين والمسيحيين إلا أن عدد هؤلاء أكثر والناجحين منهم أوفر ويقدرون عدد المهاجرين من الجبل بنحو أربعة آلاف رجل نجح منهم في الأكثر من اعتادوا شظف العيش مثل مهاجري دير عطية والنبك وصيدنايا والمعرة ومعلولا وقارة أما المترفون أو الذين اعتادوا الترف قليلاً فأخفق سعيهم وانقطعوا أو كادوا لقلة ذات أيديهم، ولا يعلم على وجه الصحة ما يبعث به المهاجرون القلمونيون من النقود كل سنة إذ ليس ثمة إحصاء مدقق وغاية ما يقال ومنه يستنتج ما يقرب من الحقيقة أن معدل عدد الرسائل التي ترد من المهاجرين كل سنة إلى أهلهم في الجبل يبلغ ثمانمائة رسالة، هذا في القرى التابعة لقضاء النبك وهي مركز الجبل ومزدحم الأقدام وفيه من القرى ٢٨ قرية و ١٢ مزرعة، وباقي قرى الجبل وهي ١٣ قرية تابعة لقضاء دومه فإذا فرضنا أنه يأتي من المهاجرين في السنة ألف رسالة وهو أقل تعديل ولا يكتب لأهله إلا الناجح منهم في العادة ويرسل كل واحد ثلاثين ليرة فيكون معدل ما يصل من النقود إلى قلمون ثلاثين ألف ليرة، وهو مبلغ لا يستخف به بالنسبة لفقر الجبل ولو كان هذا المال يأتيه مع توفر العناية بالزراعة وتربية المواشي وغرس الأشجار والغابات لكان الجبل من أعمر جبال العالم. ويبلغ عدد نفوس الجبل بإحصاء الحكومة ٥٨١٢٧ نسمة بين ذكور وإناث منهم ٤٥٥٧٤ في القرى التابعة لقضاء النبك اليوم و ١٢٥٥٣ في القرى التابعة لدومة وعدد المسلمين في قضاء النبك ٤٠٦٦٠ وعدد الروم الارثوذكس ١٥١٥ وعدد الروم الكاثوليك ٢٩٢٠ وعدد السريان الكاثوليك ٣٩٩ وعدد البروتستانت ٩٠ وربما بلغ عدد المسيحيين في الثلاث عشرة قرية التابعة لقضاء دومة ٢٥٠٠ نسمة. وبلغت أعشار القرى التابعة للنبك هذه السنة ١٤٤٣١٧٥ غرشاً وأعشار القرى والضمير وقارة والنبك ودير عطية ومعلولا وأهم قرى القضاء الثاني التل ومنين وحلبون وتلفيتا وصيدنايا ومعرة صيدنايا وباقيها مزارع أو أشبه بها. ويقسمون قلمون بحسب موقع الطبيعي إلى قسمين فوقي وتحتي فمن قرى الفرقي أو الفوقاني رنكوس وحوش عرب وهي تعلو عن سطح البحر ١٧٧٠ متراً وعسال وطفيل والجبة ومعرة باش وفليطا والسحل وقارة وعرسال ودير عطية والنبك وبخا ورأس العين ويبرود وحبعدين ومن التحتية النواني وعكوبر وبدا وحفير الفوقا وحفير التحتا وحلة ومعلولا والقسطل وعين التينة والقطيفة والمعظمية وجيرود والرحيبة والضمير ومعرونة وتلفيتا وصيدنايا ومعرة صيدنايا والتل ومنين وحزنة ومعطلة والدريج ومعربا وحبون وهي التي تخزن الثلج في الربيع في جردها وتأتي به كل ما يولى دمشق وتشاركها في بيع الثلج قريتا اوفرة أو قفرة وقرية منين. وتعد زراعة قلمون من الدرجة الثالثة ولو توطدت دعائم الأمن فيه لاستطاع أهل القرى القريبة من البرية للشرق أن يزرعوا تلك السهول الفسيحة وينتفعوا بالمراعي البعيدة عن القرى ساعات، وأكد لي العارفون بأن الأمن إذا استقر في نصابه وأمن القضاء من غارة أشقياء العرب والدروز على المواشي والزروع تكثر مواشيه كثرة زائدة ويغتني الفلاح والحكومة فقد نهب العرب والدروز منذ نحو سبع سنين زهاء مئة وخمسين ألف رأس من الغنم والماعز لو سلمت لأربابها لكانت بلغت الآن على أقل تعديل مليون رأس ومعدل ربح الرأس مئة قرش هذا عدا ما هو موجود اليوم من مواشي الجبل. وليس مثل جرود قلمون في الصيف لرعي المواشي ومثل سهولها الشرقية في الشتاء وألبان قطعانها من أدسم ما ذاق الذائقون، ولو تمت أمنية الفلاح القلموني بانتشار الأمن في شعابه وهضابه في الفصول الأربعة لربح الفلاح كل سنة القرش قرشين من ماشيته فقط ومن كانت عند المئة يجني المئتتين ومن ملك الألف جاءته ألفان، ويرى الخبيرون بأنه لا سبيل إلى تقرير الأمن في قلمون إلا بوضع أربع مخافر الأولى في الضمير والثانية في الناصرية والثالثة في الحميرة والرابعة في القريتين وأن يجعل في كل واحدة منها — وفي بعضها قلاع لإيواء الجند — خمسة وعشرون جندياً نظامياً فارساً مفرزة وبذلك يرهب أشقياء عرب البادية بأس الحكومة ويكفون عن السطو على ضعاف الأهلين كلما اهتبلوا الغرة. ولا تجد في قلمون غابات كأكثر جبال العالم بل هو جبل أجرد أقرع ولو صحت عزيمة سكانه لأكثروا من زرع التين والكرم واللوز والجوز في الأراضي القريبة من القرى ومن السنديان والبلوط في النجاد والشعاب، والظاهر أن فأس الحطاب وأسنان الماشية اتفقت زمناً طويلاً على تجريد الجبل من أشجاره وغاباته فلا تجد الشجر إلا قرب القرى وقد تمشي الساعات ولا تجد أثراً للزرع ولا للشجر. قال أحد الأجانب ممن زاروا هذا الجبل مؤخراً كنت أتمنى في حياتي أن أشاهد جبلاً أجرد من الكلأ والشجر فها قد قرت عيني في قلمون بمشاهدة ما كنت أريده من الجبال الجرداء أما ابن سورية فيتمنى لو قرت عينه برؤية جباله شجراء ذات غابات غبياء. وليست مياه قلمون شحيحة عزيزة بل هي عذبة غزيرة كأحسن البلاد الجبلية ولكن منها ما يحتاج للإنباض وللعهد والعناية وإذا توفر الأهلون وساعدتهم الحكومة قليلاً على توفير مياههم تزيد كميتها بحفر العيون والأقنية والانتفاع بالمياه والسيول حتى لا تضيع منها نقطة بلا فائدة، ومن هذه العيون ما يشفي الأوصاب ويقوي الأجسام ويساعد على هضم الطعام وأطيبها ما قرب من جرود الجبل حيث يكثر نزول الثلوج وتبقى كل سنة ستة أشهر متراكمة في النجاد والوهاد وأبشع مياه الجبل طعماً في معرونة وهي جمع من ماء الشتاء ولكن طعمها أشبه بالملح الانكليزي بيد أنها إذا ثقلت في الطعم فلا تثقل على الهضم. وقد بحثنا في بعض قرى الجبل عن آثار حجرية مكتوبة أو كتب مخطوطة علنا نقع فيها على مواد تاريخية ينتفع بها فخاب سعينا إذ شاهدنا معظم أديار الجبل لا يعرف أهلها من التاريخ إلا تقاليد يتناقلونها بالأفواه وهي لا تساوي شيئاً إذا وضعت على محك النقد وإذا كانت الأديار خالية من مثل هذا فاحر بأن تكون سائر المعاهد أخلى فدير صيدنايا لراهبات الروم هو بحسب ما شاهدنا من أقدم أديار الجبل وليس فيه تاريخ الدير نفسه وقيل لنا أن أهل الدير حرقوا باختيارهم منذ نحو قرن كتباً سريانية كثيرة ولو أبقوا عليها لما خلت من فوائد كان القائمون عليها يحتقرونها او يخافون منها إذ ذاك وهي أنفع ما يكون للتاريخ اليوم وغاية ما فيه الآن كتاب نسخته إحدى راهبات الدير سنة ١٨٨٧ م واسمها تقلا غزال ولم تذكر شيئاً عن الأصل الذي نقلت عنه وهو حديث أيضاً ويفهم من مقدمته وفيه شرح تقاليد كثيرة متعلقة بدير صيدنايا إن هذا الدير بني على يد يوستنيانوس الكبير ملك الروم في السن الخامسة والعشرين من ملكه سنة ٥٥٣ للميلاد وذلك عند مروره في تلك البقعة فاختارها لإقامة هذا الدير ليجعل محطة لها صدي بيت المقدس من أهل القسطنطينية وغيرهم وفي هذا الكتاب أمور تتعلق بتجلي السيدة العذراء عليها السلام ليوستيانوس حتى بنى ديره وهو مثل ما يقوله المسلمون عن بعض معاهدهم، وهذه التقاليد لا يثق فيها التاريخ ولا تنطبق على العقل ويأخذها المعتقدون بالتسليم دون أعمال النظر فيها على أن الإحساس الديني تجب مراعاته مهما كان وحقائق العلوم العصرية هي التي تمحو وتثبت. وفي الجبل أديار غير العامرة الآن في قارة ويبرود ومعلولا قد أصبحت مأوى للبوم مثل دير مار شبريين ودير مار توما بالقرب من صيدنايا كما تجد كثيراً من النواويس مقبور محفورة في الجبال، ومنها ما رأيته في منين وعين الصاحب ومعلولا. والجبل إلا قليلاً متشابه بعمرانه ولكنه مختلف بهيئات سكانه ولهجاتهم فلكل قرية لهجة خاصة بها وسحنة يعرف بها أهلها فأهل معلولا لا يشبهون أهل عين التينة وأهل يبرود لا شبه بينهم وبين أهل الرحيبة، والظاهر من سحنات القلمونيين أن منهم اليعاقبة والسريان ومنهم الروم والتركمان ومنهم العرب فاختلفت لهجاتهم باختلاف أصولهم وإن كان تركيب بعض أسماء قراهم متشابهاً مثل يبرود وجيرود ومعرة ومعرونة وعسال وعرسال وجبة وجبعدين وفليطا وتلفيتا، وتلفيتا هذه هي التي قال فيها صاحب المعجم أنها كانت بلد قسام الحارثي من بني الحارث بن كعب باليمن التغلب على دمشق في أيام الطائع وكان في أول عمره ينقل التراب على الدواب ثم اتصل برجل يعرف بأحمد الحطار من أحداث دمشق وكان من حزبه ثم غلب على دمشق مدة فلم يكن للولاة معه أمر واستبد بملكها إلى أن قام من مصر يلكين التركي فغلب قساماً ودخل دمشق لثلاث عشرة ليلة بقيت من محرم سنة ٣٧٦ فاستتر أياماً ثم استأمن إلى يلكتين فقيده وحمله إلى مصر فعفا عنه وأطلقه. ومن صنائع جبل قلمون وبعبارة ثانية بعض قراه مثل التل وحلبون ويبرود ومعلولا البسفي فإنه تعمل فيها بسط غليظة ولكنها متينة يستعملها أهل الجبل والمجاورون لهم من سكان القرى كما يحيكون الخام الجيد في هذه القرى، ولا جمال على صنائعها ولكنها متينة جداً ورخيصة وقد لا يربح العامل قرشين في نهاره ومع هذا يجد نفسه سعيداً بهذا المقدار الطفيف. وهواء الجبل معتدل جداً وهو أنفع لأكثر الأجسام من هواء لبنان البليل لقرب ذاك من البحر يورث النفوس نشاطاً ومضاءً وإن الذكاء الفطري يغلب على سكانه وتساوى في ذلك سكان جروده وسهوله وقراه ومزارعه وإسلامه ونصاراه ولو سعت الحكومة بجد لإصلاح طرقه ومواصلاته والخطب فيها سهل جداً لكثر اختلاف المصطافين إليه وخصوصاً سكان دمشق لأن قلمون منها بمنزلة لبنان من بيروت والطرق فيه عامرة بطبيعتها مثل طريق صيدنايا إلى معلولا وطوله خمس ساعات ونصف وطريق معلولا إلى يبرود وطوله ثلاث ساعات وطريق يبرود فالنبك فدير عطية فقارة وهذا الطريق على طوله لو صرف عليه بضع مئات من الليرات لسارت عليه المركبات كما تسير على أحسن الطرق المعبدة ولكن الحكومة في الدور الاستبدادي كانت لا تحسن من الإدارة إلا أن تسلب نعمة الفلاحين بطرقها المعروفة من تكثير الضرائب والعبور والرسوم وإرهاق الفقير بالإعانات الكثيرة ولعل دولة الدستور تقوى في أقرب وقت فتجعل من مالها ووقتها نصيباً تصرفه في ترقية البلاد فتستعيده بعد سنين أضعافاً مضاعفة من أهلها وقد كانت حكومة الاستبداد ترى أن غناها بإفقار الأهالي فالواجب على حكومة الدستور أن تعتقد أن غناها من غناهم وسعادتها بسعادتهم. وإن جبلاً كقلمون وهو جزء صغير من ولاية سورية وجزء أصغر من هذه المملكة العثمانية إذا حسنت إدارته ونظرت حكومته في عمرانه ليخرج من الخيرات ما لا يخرج مثله الجبل الأسود ذوالبند والعلم وصاحب الملك والوزراء، وكيف يعمر مثل قلمون إذا كان ولاة دمشق يقضون بها لاسنين الطويلة ولا يزورون معاهده ويتفقدون حالة أهله بل أن القائمين الذين طالما تناوبوا الحكم عليه لا يهمهم إلا قبض رواتبهم وأخذ ما يريدون أخذه من الأهالي وإذا طافوا بعض قراه فللنزهة والتماس الصحة والراحة لا لرفع ظلامة وإقامة عدل وتحسين حال ويعتمدون في أمورها على مشايخ معظمهم على غير علم كانوا ولم يزالوا عون كل ظالم والسعيد منهم من كان الجهل أغلب على قريته ليسوغ له أن يحكم فيهم حكماً قره قوشياً ولا أغالي إذا قلت اليوم أن أهل قلمون لم يلقحهم حتى الآن رشاشة من نعمة الدستور على قربهم من الحواضر ولولا بصيص نور يتلألأ في عقول بعض أهل القرى التي يكثر فيها المسيحيون والمدارس والهجرة لكان قلمون كما كان منذ مئات من السنين. وهنا رأينا أن نختم هذا الفصل بقصيدة للأمير عبد القادر الحسني الجزائري قالها وقد سأله بعض الفرنسيس أي العيش أطيب عيش الخلاء والبداوة أم عيش المدن والحضارة وقد كنا نردد أكثر أبياتها في رحلتنا وأكثرها مما يصدق عليها لمناسبتها مع الحالة التي كنا عليها في الجبل من الصحة وفراغ البال قال رحمه الله: ياعاذراً لامرئ قد هام في الحضر وعاذلاً لمحب البدو والقفر لا تذعن بيوتاً خف محملها وتمدحن بيوت الطين والحجر لو كنت تعلم ما في البدو تعذرني لكن جهلت وكم في الجهل من ضرر لو كنت أصبحت في الصحرا تمر على بساط رمل به الحصباء كالدرر أو جلت في روضة قد راق منظرها بكل لون جميل طيب عطر تستنشقن نسيماً طاب منتشقاً يزيد في الروح لم يمرر على قذر أو كنت في صبح ليل هاج هاتنه علوت في مرتب أوجلت بالنظر رأيت في كل وجه من بسائطها سرباً من الوحش يرعى أطيب الشجر فيالها وقفة لم تبق من حزن في قلب مضنى ولا كداً لذي ضجر نباكر الصيد عند الفجر نبغته فالصيد منا مدى الأوقات في ذعر فكم ظلمنا ظليماً مع نعامته وإن يكن طائراً في الجو كالصقر يوم الرحيل إذا شدت هوادجنا شقائق عمها مرن من المطر فيها العذارى وفيها قد جعلن كوى مرقعات بأحداق من الحور تمشي الحداة لها من خلفها زجل أشهى من الناي والسنطير والوتر ونحن فوق جياد الخيل نركضها شليلها زينة الأكفال والخصر نطارد الوحش والغزلان فلحتها على البعاد وما تنجو من الضمر نروح للحي ليلاً بعد ما نزلوا منازلاً ما بها لطخ من الوضر ترابها المسك بل أنقى وجديها صوب الغمائم بالآصال والبكر نلقى الخيام وقد صفت بها فغدت مثل السماء زمت بالأنجم الزهر قال الأولى قد مضوا قولاً وصدفه نقل وعقل وما للحق من غير الحسن يظهر في شيئين رونقه بيت من الشعر أو بيت من الشعر أنعامنا أن أتت عند العشي تخل أصواتها كدوي الرعد بالسحر سفائن البر بل أنحى لراكبها سفائن البحر كم فيها من الخطر لنا المهارى وما للريم سرعتها بها وبالخيل نلنا كل مفتخر فخيلنا دائماً للحرب مسرجة من استغاث بنا بشره بالظفر نحن الملوك فلا تعدل بنا أحداً وأي عيش لمن قد بات في خفر لا نحمل الضيم من جار فنتركه وأرضه وجميع العز في السفر وإن أساء علينا الجار عشرته نبين عنه بلا ضر ولا ضرر تبيت نار القرى تبدو لطارقنا فيها المداواة من جوع ومن خصر عدونا ماله ملجأ ولا وزر وعندنا عاديات السبق والظفر شرابنا من حليب لا يخالطه ماء وليس حليب النوق كالبقر أموال أعدائنا في كل آونة نقضي بقسمتها بالعدل والقدر ما في البداوة من عيب تذم به إلا المروءة والإحسان بالبدر وصحة الجسم فيها غير خافية والعيب والداء مقصور على الحضر من لم يمت عندنا بالطعن عاش مدى فنحن أطول خلق الله في العمر سير العلم والاجتماع العاملات في الافرنج يزيد عدد العاملات من النساء في بلاد الغرب كلما صعب استحصال القوت وكثرت مطالب الحياة فقد بلغ عددهن في أميركا ٥٠٠٧٠٦٩ امرأة ذات صنعة منهن ٩٧٨٠٠ مزوجة ومن تلك العاملات ١٨٥ بيطارة و ٤٥ وقادة في القاطرات وقد زاد عدد المحاميات من ٢٠٨ إلى ١٠١٠ وعدد المستمليات ستينوغراف ٣٠٥ في المئة وعدد المهندسات ٢١٧ في المئة وعدد المبشرات ١٩٧ في المائة وعدد خازنات الكتب ١١٦ في المئة. وبلغ عدد النساء العاملات في فرنسا ٦٠٢٩٧٠٧ منهن الطبيبات والأديبات وفيهن ٤٣٢٠ مصورة ونقاشة و ٤٤١٥ موسيقية و ٤٥٠٠ قابلة و ٤٠٠٠٠ يصنعن أزياء و ١٠٠٠٠٠ معلمة و ١٢٠٠٠٠ مستخدمة في الإدارات و ٢٦٠٠٠٠ مستخدمات في المحال التجارية و ٧٠٠٠٠٠ عاملة في المعامل و ٨٢٠٠٠٠ خادمة و ٩٠٠٠٠٠ تعمل بأشغال الإبرة وزهاء ثلاثة ملايين يعملن في الحقول، وتنتخب النساء في المجالس النيابية في فنلندا وسويسرا ويحاولن الآن في أكثر الأصقاع الأوروبية أن يشاركن الرجل في هذه المهام، وللنساء حق الانتخاب في زيلندا الجديدة وأوستراليا. صناديق التوفير سبقت انكلترا غيرها من ممالك أوروبا في إيجاد صناديق للتوفير في إدارات البريد فانتفع بها الفقراء أي انتفاع في اقتصاد دريهمات لتكون لهم بعد رؤوس أموال وحذت حذوها في ذلك فرنسا والنمسا وإيطاليا والبلجيك وهولاندا والسويد وفنلندا وبلغاريا وروسيا وسويسرا، وهذه المعاهد لا تسهل على الناس الاقتصاد فقط بل هي مصارف حقيقية للأمة تدير شؤونها الحكومة فيتأتى لكل فرد في انكلترا أن يدفع في السنة لأحد فروع صندوق التوفير من فرنك إلى ١٢٠٠ فرنك وأن يتناول منه ما يريده على أن لا يتجاوز ما يأخذه ٢٥ فرنكاً، ولهم طريقة في التسهيل على من يريد الاقتصاد ولا تكاد تخلو قرية من فرع لهذه الإدارة فقد بلغ ما دخل صناديق التوفير في برد انكلترا سنة ١٩٠٥ ٣٧٤١٩٣٤٠٠٠ فرنك وما خرج منها ٩٩٦٣٠٤٩ فرنكاً وبلغ ما وضعه المقتصدون من الفرنسيس في صناديق هذه الإدارة في تلك السنة نفسها ١٢٧٨٢٥٧٦٤٧ فرنكاً وضعت في ٧٨٨٤ فرعاً وبلغ عدد أربابها ٤٥٧٧٣٩٠ شخصاً وبلغ عدد مثل هذه الصناديق في إيطاليا ٥٩٣١ دفع لها ٥٢٨٣٠٠٣ أشخاص ٩٨٣ مليون ليرة وعدد المقتصدين على تلك الصورة في هولاندا ١١٨٤٣١٦ شخصاً دفعوا ١٢٩٩٢٩٥٧٤ فلورينياً وعدد الصناديق في النمسا ٦٤٧٩ اشترك فيها ٢٠٠٤٤٨٧ شخصاً دفعوا ٢١٨ مليون كورون، وقد بلغ مجموع المودع في صناديق البريد بمصر في تلك السنة ذاتها ٢٣٦٠٠٠ . ج. م وصار في السنة التي تليها ٣٢٥٠٠٠ وعدد المودعين ٤٣٤٢٤ نفساً فزاد حتى بلغ ٥٩٠٨٤ وليس في المملكة العثمانية صناديق وفر كهذه. سكة حديدية بالبترول أدخلت شركة شمالي أميركا طريقة استعمال زيت البترول لتسيير القطارات بدلاً من الفحم الحجري واتخذت لذلك مركبات وقاطرات خاصة بحيث لا يتجاوز محمولها ٢٥ طناً أما المحرك فهو أفقي الشكل وقوته ٢٠٠ حصان ويقطع ٣٣ كيلومتراً بدون اهتزاز ويمكن إيقافه بأسرع ما يمكن وهو من غير القطارات في الصعود إلى النجاد العالية وربما قطع بعد مدة ٤٠ كيلومتراً في الساعة. شركات التلفون بعد مدة تمد في مدينة الاستانة وكثير من قواعد البلاد العثمانية خطوط تلفونية كسائر البلاد الراقية وقد أحصى العارفون أنه يشترك كل ١٦ ساكناً في الولايات المتحدة بالتلفون وفي السويد لكل ٤٥ ساكناً اشتراك بالتلفون ولكل ٥٠ شخصاً في الدانمارك ولكل ٥٤ في سويسرا ولكل ١٠٠ في ألمانيا ولكل ١٤٣ في انكلترا ولكل ٣٦٤ في فرنسا. فمتى تكون المملكة العثمانية بخطوطها التلفونية كأدنى ممالك أوروبا فيها وقيمة الاشتراك السنوي بالتلفون هو خمس ليرات في سويسرا وتنزل إلى ٤٠ فرنكاً في السنة الرابعة للاشتراك وفي إيطاليا ٧٥٠ فرنكاً وفي ألمانيا ٨٥٠ ماركاً وفي النمسا ٢٠٠ فرنك وفي بروكسل ٢٥٠ فرنكاً ومثلها في مصر. التعاويذ نشر المسيو انطوان كاباتون من علماء المشرقيات في مجلة العالم الإسلامي مقالة في التعاويذ عند الشعوب ولا سيما التي دانت بالإسلام جاء فيها من البحث التاريخي ما تعريبه: الظاهر أن التعاويذ قديمة كالضعف والخوف المستحكمين في الإنسان أمام قوى الطبيعة، فتراه يضعف عن أن يجاهد بنفسه في تحمل الآلام المعنوية والطبيعية على اختلاف مظاهرها كالمرض والحزن والخراب يتدرع بما يبعدها عنه أو يقيه شرها بواسطة كلمات أو إشارات أو أشياء يعزو إليها قدرة واقية فوق الطبيعة ومن هذه الغريزة المنبعثة من سرعة التصديق وحب الدفاع عن النفس نشأ في الغالب استعمال التعاويذ في كل مصر وعصر منذ زمن الطاويين على عهد قدماء الفرس والابارجيين في كاليدونيا الجديدة إلى الكركريين من زنوج إفريقية الوسطى، ولا تنس التعاويذ المستعملة عند المحدثين من أهل الغرب التي يحلون بها أذرعهم. وأغلب الآراء على أن جميع أنواع الحلي والزينة كانت بادئ بدء عبارة عن تعويذة فتتخذ تارة من عصائب أو من أوراق مربعة أو من جلد كتبت عليه كلمات أو رسمت عليه أشكال ورسوم أو أعداد لها في نظرهم فضيلة خاصة أوسور من كتب مقدسة كما تتخذ طوراً من الأحجار الكريمة أو الأحجار الغريبة الشكل والأصل أو من النباتات والجذوع والشعر والوبر والعظم والأظافر والأسنان أو تصنع من مواد كلسية علامة على حيوانات معينة أو من أقراط وأسورة وتماثيل من المعدن أو الحجر أو الخشب أو من الحلي والجرار أو كرات الذهب أو الفضة أو الرخام أو صفائح المعدن أو من خرق الأقمشة أو من جلود الحيوانات يزعمون أن لنقشها ورقشها خاصية الوقاية. ويدعون أن تأثير التعويذة ناشئ من كيفية حملها وأنها تنفع الحيوان كما تنفع الإنسان وهي وقاية للقطيع كما هي وقاية الراعي وتساعد في النوم كما تساعد في اليقظة وفي عقد البيوع كما في الأمراض الطارئة. ولئن عم استعمال التعاويذ بما في فطرة الناس كلهم من السذاجة والجبن فالظاهر أنها نشأت من الشرق أو أنها على الأقل كثر استعمالها فيه لأن الإنسان كان يشعر تحت السماوات الصافية بحاجة إلى ما يدفع عنه الأسواء. وقد عهد في الحضارة المصرية استعمال الأسورة والتماثيل والأحجار الكريمة التي كانوا يزعمون أنها تجلب السعادة، وإن الكتابات على ورق البردي التي كانت تلف وتخاط في الثوب ليحملها الإنسان وكان يتزين بها الرجال والنساء بعقود الصفر المخفي ومن حرذون محفور على الحجر أو على المعدن كلما كانت تعاويذ للوقاية لا أشياء للزينة والتبرج يراد منها طرد الأرواح الشريرة والأمراض ودفع الخراب والموت. واعتاد الآشوريون والبابليون أن يكتبوا بعض كلمات سحرية وتراكيب للشفاء على عصابتين إحداهما من قماش أبيض والثانية من قماش أسود وتقوم هاتان العصابتان مقام التعويذة بأن كانوا يضعونها على الأيدي أو على الجبهة، وقد نقلوا هذه الطريقة إلى الاسرائيليين مع شيء من التعديل فيها ولكنها لا تكاد تختلف عنها كثيراً ومع أن الشعب الاسرائيلي كبير الاعتقاد بالمولى فهو يعتقد بتأثير التعاويذ. وتشير التوراة إلى هذه العقيدة فقد وردت فيها عدة آيات في التعاويذ والأحرار، ومعظم التعاويذ اليهودية عبارة عن صفائح معدنية أو حلق أو جذور أو عصائب من الرق كتب عليها اسم المولى أو آية من التوراة وبعضها مؤلف من جذع بعض الأشجار أو من حبات قمح وضعت في كيس جلد تناط في عنق الأطفال أو الحيوانات على حد سواء، ويلبس البالغون من الاسرائيليين تعاويذ على صفة خواتم. وقد شاع استعمال التعاويذ بين اليهود منذ القرن الأول إلى القرن السابع للميلاد وكان الرومان واليونان يعتقدون كأبناء اسرائيل بتأثير التعاويذ ولما ظهرت النصرانية لم يكن من تأثيراتها إلا أنها حولت مجرى الخرافات وحلتها بالاسم والأعمال فأخذ الناس يعتقدون بالأيقونات والصور والتماثيل وبعض المعابد كما كان البشر يعتقدون من قبل بتأثير بعض الينابيع أو بعض المغور الآهلة بالجن. أما الشرق الأقصى فقد فاق الشرق القريب والغرب باعتقاد أهله بالتعاويذ، فالصينيون والهنود اعتقدوا ولا يزالون يعتقدون بنفعها واقتبسها البراهمة والطاوسيون والبوذيون واقبسوها غيرهم من النحل والملل، ولشعوب الهند الصينية كالخمريين والشميين والاناميين ممن امتزجوا ببعض الأمم الراقية أساليب كثيرة من التعاويذ وللهنود نوع من الخرز يزعمون أنه يقي حامله من كل سوء وينيله كل خير وللأناميين والصينيين نوع من البطانات يكتبون عليها كلمات أو ألغازاً ويجعلونها في الأعناق عوذة كما أنهم يستعملون الأنواط والأقراط الذهبية والفضية وأظافر النمر وغيرها لدفع الأرواح الشريرة. جاء الإسلام وهو آخر الأديان وفيه أمور من اليهودية والنصرانية ولم يتيسر له مثل غيره أن يتخلص من عدوى سرعة الاعتقاد فاستمال العامة بأن أقرهم على بعض معتقداتهم على نحو ما فعلت النصرانية، وربما كان الإسلام على سذاجته المملوءة بالتقوى والنفع أكثر الأديان تسامحاً في معنى التعاويذ وذلك لأنه انتشر بين شعوب الشرقيين تأهلت فيهم الخرافات منذ القدم، ولم يأت الإسلام غير توحيد صورة التعاويذ الظاهرة بعض الشيء عند جميع الشعوب الإسلامية. فتعاويذ المسلمين في الشرق الأقصى تكاد تكون كلها عبارة عن سور من القرآن أو حكم أو كلمات لا يفهم لها معنى تكتب على الورق أو القماش أو على نصل أو صفيحة من معدن ويستعملون في كتابة هذه الأحراز ماء الزعفران أو الكركم أو ماء الورد أو ماء الزهر وتسامح المالايو والجاويون فأخذوا يستعملون الحبر الافرنجي. ومن التعاويذ ما ينفع في جميع حالات الحياة فمنها للوباء وللمرض وللحريق وللسحر ومنها ما يلبسه الغزاة في حروبهم والنساء لحبلهن أو لحفظ ما لهن من ولد ومنها ما ينزل المطر ويفتح الكنوز ويحرس الحيوانات ومنها ما يبقى من قرص الذباب ونقيق الضفادع، أما عدد ما يحمل منها فراجع إلى ذوق الشخص وكذلك يضعها في جميع أطراف بدنه مؤقتاً أو دائماً ومعظم التآليف الموضوعة في فن الرقية والتعاويذ من تآليف أناس من مسلمي إفريقية وأكثر ما يعول عليه بين المغاربة والمشارقة كتاب شمس المعارف ولطائف العوارف ولهذا الكتاب عندهم حرمة تكاد تقرب من احترامهم الكتاب العزيز منهم لا يمسونه إلا مطهرين. وشاع استعمال التعاويذ بين العرب والترك ومسلمي إفريقية الشمالية والشرقية والفرس وهم مكثرون منها وشعوب مانالايو والبولينيزيين وسكان مدغسكر، والمالايو وهم من شيعة أكثر الشعوب الإسلامية إغراقاً في استعمال التعاويذ، وكذلك الحال عند البوكويين والماكاساريين في سيليب والاتشثينيوا والبانافيين في سعومطرا والداياكيين في بورنو والتاكاليين والبيزيين في جزائر فيلبين.</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_41.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.41.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
