<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.40.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.40.TEIP5:</urn>
<passage>المقيم المقعد هو كتاب جليل نادر الوجود توجد منه نسخة عند بعض طلبة العلم في بغداد. أوله لما كانت العربية تنقسم قسمين أحدهماالظاهر الذي لا يخفى على سامعيه ولا يحتمل غير ظاهره. والثاني المشتمل على الكنايات والإشارات والتجوز. وكان هذا القسم هو المستحلى عند العرب نزل القرآن بالقسمين ليتحقق عجزهم عن الإتيان بمثله. فكأنه قول عارضوه بأي القسمين شئتم ولو نزل كله واضحاً لقالوا هلا نزل بالقسم المستحلى عندنا. ومتى وقع في الكلام إشارة أو كناية أو استعارة أو تعريض أو تشبيه كان أحلى وأحسن. قال امرؤ القيس: وما ذرفت عيناك إلا لتضربي بسهميك في أعشار قلب مقتل فشبه النظر بالسهم فحلا هذا عند السامع. وقال أيضاً: فقلت له لما تمطى بصلبه وأردف إعجازاً ونآء بكلكل فجعل لليل صلباً وصدراً على جهة التشبيه. واستشهد أيضاً بشعر آخرين من شعراء الجاهلية وأطال في الكلام وأطنب. ثم عقد فصولاً في مطالب شتى. منها فصل في بيان عادة العرب في تكرير الكلام واستشهد على ذلك بمنشور ومنظوم من كلام فصائحهم وخطبائهم. ثم قال فصل وقد تأتي العرب بكلمة إلأى جانب كلمة كأنها معها وهي غير متصلة بها وفي القرآن يريد أن يخرجكم من أرضكم هذا قول الملاء فقال فرعون فماذا تأمرون وأورد شواهد أخر من القرآن ومن كلام الفصحاء وأطنب في الكلام. ثم قال فصل وقد تجمع العرب شيئين في كلام فترد كل واحد منهما إلى ما يليق به وفي القرآن حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله فيقول الرسول إلا أن نصر اللع قريب. وهو فصل طويل. ثم قال فصل وقد يحتاج بعض الكلام إلى بيان فيبينونه متصلاً بالكلام ومنفصلاً وجآء القرأن على ذلك فمن المتصل يسألونك ماذا أحلَّ لهم قل أحل لكم الطيبات. وأما المنفصل الخ وذكر له عدة شواهد من القرآن وغيره. ثم قال فصل وقد تذكر العرب جواب الكلام مقارناً له وقد تذكره بعيداً عنه وعلى هذا ورد القرآن فإن المقارن من الجواب كقوله تعالى ويسألونك ماذا يفقون قل العفو وأما البعيد فتارة يكون في السورة كقوله تعالى ما لهذا الرسول الآية جوابه بعده باثنتي عشرة آية وهو قوله تعالى وما أرسلنا قبلك من المرسلين الآية. ثم قال فصل في ذكر أقسام الخطاب في القرآن. الخطاب في القرآن على خمسة عشر وجهاً خطاب عام الله الذي خلقكم. وخطاب خاص أكفرتم. وخطاب الجنس يا أيها الناس. وخطاب النوع يا بني آدم. وخطاب العين يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة. وخطاب المدح يا أيها الذين آمنوا. وخطاب الذم يا أيها الذين كفروا. وخطاب الكرامة يا أيها النبي وخطاب الإهانة فإنك رجيم. وخطاب الجمع بلفظ الواحد يا أيها الإنسان ما غرك بربك. وخطاب الواحد بلفظ الجمع وإن عاقبتم فعاقبوا. وخطاب الواح دبلفظ الاثنين ألقيا في جهنم. وخطاب الاثنين بلفظ الواحد فمن ربكما يا موسى. وخطاب العين والمراد به الغير فإن كنت في شك. وخطاب التلون وهوعلى ثلاثة أوجه أحدها أن يخاطب ثم يخبر حتى إذا كنتم في الفلك وجرين بهم. وما أتيتم من زكوة يريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون. والثاني أن يخبر ثم يخاطب فأما الذين اسودت وجوههم أكفرتم بعد إيمانكم. وسقاهم ربهم شراباً طهوراً إن هذا كان لكم جزاء والثالث أن يخاطب عيناً ثم يصرف الخطاب إلى الغير. إنا أرسلناك شاهداً ومبشراً ونذيراً لتؤمنوا بالله ورسوله على قرآءة. ثم قال فصل في ذكر أمثال القرآن وذكر اثنين وأربعين مثلاً منها وبين ما اشتملت عليه من البلاغة والفصاحة والحكم بما لا يزيد عليه. ثم قال فصل في الحروف الزوائد والنواقص وذكر هنا مسائل لغوية مفيدة تمس إليها حاجة اللغوي وطلاب علم العربية. ثم قال فصل في المقدم والمؤخر وذكر ما يجب تقديمه في الكلام وما يجب تأخيره في النظم والنظر وهو بحث لم تطفو به يد غيره من المحققين. ثم قال فصل واعلم أن لغة العرب واسعة ولهم التصرف الكثير فتراهم يتصرفون في اللفظة الواحدة بالحركات فيجعلون لكل حركة معنى كالحَمل والحِمل والرَوح والرُوح وتارة بالأعجام كالنصح والنضح والقبضة والقبصة والمضمضة والمصمصة وتارة يقلبون حرفاً من كلمة لا يتغير عندهم معناها كقولهم صاعقة وصاقعة وجذب وجبذ وما أيبه وأيطبه وربض ورضب وانبض في القوس وانضب. ولعمري ورعملي. واضمحل وامضحل. وعميق ومعيق. وسبسب وبسبس. ولبكت الشيء وبلكته. وأسير مكبل ومكلب. وسحاب مكفهر ومكرهف. وناقة ضمزر وضمرز إذا كانت مسنة. وطريق طامس وطاسم. وقفا الأثر وقاف الأثر. وقاع البعير الناقة وقعاها. وقوس عطل وأعلط لا وتر عليها. وجارية قتين وقنيت قليلة الززأ كذا. وشرخ الشباب وشخره أوله. ولحم خنز وخزن. وعاث يعيث وعثى يعثي إذا أفسد. وتنح عن لقم الطريق ولمق الطريق. وبطيخ وطبيخ. وماء سلسال ولسلاس وسلسل ومسلسل وملسلس إذا كان صافياً. ودقم فاه بالحجر ودمقه. وفثأت القدر وثفأتها إذا سكن غليانها. وكبكبت الشيء وبكبكته إذا طرحت بعضه على بعض. ثم قال فصل ومن سعة اللغة وحسن تصرفها أن العرب تضع للشيء الواحد أسمآء من غير تغير يعتريه فيقولون السيف والمهند والصارم ويغيرون الاسم بتغيير يعتري فيقولون بمن نزل في الركي فملأ الدلو مآئح للمستسقي من أعلاها ماتح فالتاء المعجمة من فوق لمن فوق والياء المعجمة من تحت لمن تحت وتضع العرب للشيء الواحد أسما تختلف باختلاف محاله فيقولون لمن انحسر الشعر عن جانبي جبهته أنزع فإذا زد قليلاً قالوا أجلح فإذا بلغ الانحسار نصف رأسه قالوا له أجلى وأجله فإذا زاد قالوا أصلع فإذا ذهب الشعر كله قالوا أحص والصلع عندهم ذهاب الشعر والقرع ذهاب البشرة ويقولون شفة الرجل ويسمونها من ذوات الخف المشفر. ومن ذوات الظلف المقمة ومن ذوات الحافر الحجفلة ومن السباع الخطم. ومن ذوات الجناح غير الصائد المنقار ومن الصائد المنسر ومن الخنزير الفنطيسة. ويقولون صدر الإنسان ويسمونه من البعير الكركرة ومن الأسد الزور ومن الشاة القص ومن الطائر الجؤجؤ ومن الجرادة الجوشن وللمرأة الثدي وللرجل ثندوة وهو من ذوات الخف الخلف ومن ذوات الظلف الضرع ومن ذوات الحافر والسباع الطبي وللإنسان الظفر ومن ذوات الخف المنسم ومن ذوات الظلف الظلف ومن ذوات الحافر الحافر ومن السباع والصائد من الطير المخلب ومن الطائر غير الصائد والكلاب ونحوها البرثن ويجوز البرثن في السباع كلها والمعدة للإنسان بمنزلة الكرش للدابة والحوصلة للطائر. ثم قال فصل المراهق من الغلمان بمنزلة المعصر من الجواري والكاعب منهن بمنزلة الحزور منهم والكهل من الرجال بمنزلة النصف من النساء. والقارح من الخيل بمنزلة البازل من الإبل. والعجل من البقر والشادن من الظباء كالناهض من الفراخ. والبكر من الإبل بمنزلة الفتي من النساء. والقلوص بمنزلة الجارية. والجمل بمنزلة الرجل. والناقة بمنزلة المرأة والبعير بمنزلة الإنسان. والغرز للجمل كالركاب للفرس. والغدة للبعير كالطاعون للإنسان. والهالة للقمر كالدارة للشمس. والبصيرة في القلب كالبصر في العين. ثم قال فصل وتفرق العرب في الشهوات فيقولون جائع إلى الخبز قرم إلى اللحم عطشان إلى الماء عيمان إلى اللبن قرد إلى التمر خصم إلى الفاكهة شبق إلى النكاح ويفرقون في أسماء الأولاد ليقولون لولد كل سبع جرو ولولد كل ذي ريش فرخ ولولد كل وحشية طفل ولولد الفرس مهر وفلو ولولد الحمار جحش وعلو ولولد البقرة عجل ولولد الأسد شبل ولولد الظبية خشف ولولد الفيل دغفل ولولد الناقة حوار ولولد الثعلب الجرس ولولد الضب حسل ولولد الأرنب خرنق ولولد النعام رال ولولد الدب ديسم ولولد الخنزير خنوس ولولد اليربوع والفأرة درص ولولد الحية حربش ويقولون البيض للطاشر والمكن للضباب والمازن للنمل والسر للجراد والصواب للقمل ويفرقون في المنازل فيقولون بيت من مدر وبجلد من وبر وخباء من صوف وفسطاط من شعر وخيمة من غزل وقشع من جلود. ويفرقون في الأوطان فيقولون وطن الإنسان وعطن البعير وعرين الأسد ووجار الأسد والضبع وكناس الوحش وعش الطائر وقرية النمل وكور الزنابير ونافقاء اليربوع ويقولون لما يصنعه الطائر على الشجر وكرفان كان على جبل أو جدار فهو وكن فإذا كان في كن فهو عش فإن كان على وجه الأرض فهوأ فحوص والأوحى للنعام خاصة ويقولون عدا الإنسان وأحضر الفرس وأرقسل البعير وعسل الذئب ومزع الظبي وخف النعام ويقولون طفر الإنسان وصبر الفرس ووثب البعير ونفر العصفور وطمر البرغوث ويفرقون في الضرب فيقولون للضرب بالراح على مقدم الرأس صقع وعلى القفا صفع وعلى الوجه صك وعلى الخد ببسط الكف لطم وبقبضها لكم وبكلتا اليدين لدم وعلى الذقن والحنك وهر وعلى الجنب وخزز وعلى الصدر والبطن بالكف وكز وبالركبة زبن وبالرجل ركل وعلى كل ضارب بمؤخره من الحشرات كالعقارب يسلع وكل ضارب منها بفمه يلدغ ويفرقون في الجماعات فيقولون كوكبة من الفرسان وكبكبة من الرجال وجوقة من الظباء وعرجلة من السباع وعصابة من الخيل وصرمة من الإبل وقطيع من الغنم وسرب من الظباء وعرجلة من السباع وعصابة من الطير ورجل ممن الجراد وخرشم من النحل ويفرقون في الامتلاء فيقولون بحر طام ونهر طافح وعين ثرة وإناء مفعم ومجلس غاص بأهله ويفرقون في اسم الشيء اللين فيقولون ثوب لين ورمح لدن ولحم رخص وريح رخاء وفراش وثير وأرض رشة ويفرقون في تغير الطعام وغيره فيقولون أروح اللحم وأسن الماء وخنز الطعام وسنخ السمن وزنخ الدهن وقتم الجوز ودخن الشراب وصدأ الحديد ونغل الأديم ويقولون يدي من اللحم غمرة ومن الشحم زهمة. ومن البيض زهكة. ومن الحديد سهكة. ومن السمك زنخة. ومن الخل خمطة. ومن العسل لزقة. ومن الفاكهة لزجة. ومن الزعفران ردغة. ومن العجين ورخة. ومن الطيب عبقة. ومن الدم ضرجة. وسلطة وسطلة. ومن الوحل لثقة. ومن الماء بللة. ومن الحمأة زفطة. ومن البرد صردة. ومن الأشنان قضضة. ومن المداد وحدة. ومن دهن البزر والنفط نمسة ونسمة. ومن البول قتمة. ومن العذرة طفسة. ومن الوسخ وزنة. ومن العمل محلة. ويفرقون في الوسخ فإذا كان في العين قالوا أرمص فإذا أجف فهو عمش. فإذا كان في الأسنان فهو حفر. فإذا كان في الأذن فهو أف. فإذا كان في الأظافر فهو تف. فإذا كان في الرأس فهو حزار. وهو في باقي البدن درن. ويفرقون في الكشف عن الشيء من البدن فيقولون حسر عن رأسه وسفر عن وجهه وافتر عن نابه. وكشر عن أسنانه. وأبدى عن ذراعيه. وكشف عن ساقه وهتلك عن عورته. ويفرقون في الرياح فإذا وقعت الريح بين ريحين فهي نكباء. فإذا وقعت بين الجنوب والصبا فهي الجريباء. فإذا أهبت من جهات مختلفة فهي المناوحة. فإذا جاءت بنفش ضعيف فهي النسيم. فإذا كانت شديدة فهي العاصف. فإذا قويت حتى قلعت الخيام فهي الهجوم. فإذا حركت الأشجار تحريكاً شديداً وقلعتها فهي الزعزع. فإذا جاءَت بالهباء فهي الحاصب. فإذا هبت من الأرض كالعمود نحو السماء فهي الإعصار. فإذا جاءت بالغبرة فهي الهبوة. وإذا كانت باردة فهي الجرجف والصرصر. فإذا كانت معبردها ندى فهو البليل فإذا كانت حارة فهي السموم. فإذا لم تلقح ولم تحمل مطراً فهي العقيم. ويفرقون في المطر فأوله رش ثم طش ثم طل ورذاذ ثم نضح ثم نضخ ثم هطل ثم تهتان ثم وابل وجود فإذا أحيا الأرض بعد موتها فهو الحيا. فإذا جاء عقب المحل أو عند الحاجة إليه فهو الغيث. فإذا كان صغار القطر فهو القطقط. فإذا دام مع سكون فهي الديمة. فإذا كان عاماً فهو الجداء. فإذا روى كل شيء فهو الجود. فإذا كان كثير القطر فهو الهطل والتهتان. فإذا كان ضخم القطر شديد الوقع فهو الوابل. ويقولون هجهجت السبع وشايعت الإبل ونعقت بالغنم وساسأت بالحمار وهاهأت بالإبل إذا دعوتها للعلف وجأجأت بها إذا دعوتها للشرب وأشليت الكلب دعوته أسدته أرسلته. ويفرقون في الأصوات فيقولون رغا البعير وجرجر وهدر قبقب وأطت الناقة وصهل الفرس وحمحم ونهم الفيل وشهق الحمار وسحل وسحج البغل وجأرت البقرة وخارت وثاجت النعجة. وثغت الشاة ويعرت. ونعم الظبي ونزب. ووعوع الذئب. وضج الثعلب وصنغب الأرنب. وعوى الكلب ونبح ومأت السنور وصأت الفأرة. وفحت الأفعى. ونعق الغراب ونغب. وزق الديك وصعق. وصفغ النسر. وهدر الحمام وهدل. وغلرد المكاء وقبع الخنزير ونقت العقرب. وانقضت الضفادع ونقت أيضاً وعزفت الجن. ثم قال فصل وللعرب خاص وعام فالبغض عام والفرك خاص. النظر إلى الأشياء عام والشيم للبرق خاص. الصراخ عام والواعية على الميت خاص الذنب للحيوان البهيم عام والذنابي للفرس خاص السير عام والسرى لليل خاص الهرب عام والأباق للعبيد خاص الرائحة عام والقتار للشواء خاص. ثم قال فصل ومن جماة المسلم للعرب أنهم لا يقولون مائدة إلا إذا كان عليها الطعام وإلا فهي خوان ولا للعظم عرق إلا ما دام عليه لحم ولا كأس إلا إذا كان فيها شراب وإلا فهي زجاجة ولا كوز إلا إذا كانت له عروة وإلا فهي كوب ولا رضاب إلا إذا كان في الفم وإلا فهو بصاق ولا أريكة إلا لسرير عليه قبة فإذا لم يكن عليه قبة فهو سرير ولا ريطة إلا إذا كانت لفقين وإلا فهي ملاءة ولا خدر إلا إذا كانت فيه امرأة وإلا فهو ستر. ولا للمرأة ظعينة إلا إذا كانت في الهودج ولا قلم إلا إذا كان مبرياً وإلا فهو أنبوبة ولا عهن إلا إذا كان مصبوغاً وإلا فهو صوف ولا وقود إلا إذا اتقدت فيه النار وإلا فهو حطب ولا ركية إلا إذا كان فيها ماء وإلا فهي بئر ولا للإبل راوية إلا ما دام عليها الماء ولا للدلو سجل إلا ما دام فيها ماء ولا ذنوب إلا ما دامت ملأى ولا نفق إلا إذا كان له منفذ وإلا فهو سرب ولا للسرير نعش إلا ما دام عليه الميت ولا للخاتم خاتم إلا إذا كان عليه قص ولا رمح إلا إذا كان عليه زج وسنان وإلافهو قناة ولا لطيمة إلا للإبل التي تحمل الطيب والبز خاصة ولا حمولة إلا للتي تحمل الأمتعة خاصة ولا بدنة إلا للتي تجعل للنحر ولا ركب إلا لركبان الإبل ولا هضبة إلا إذا كانت عيداناً مجموعة وإذا كان نقب في جبل أو حائط فهو وكن ووكر. ثم قال فصل وتقول العرب في الأمر وهن وفي الثوب وهي وفي الحساب غلت وفي غيره غلط وفي الطعام بشم وفي الماء ثغر وحلا الشيء في فمي وحلي في عيني الخ. وهكذا جميع فصول الكتاب كلها غرر بل قلائد درر وهو نحو أربعمائة صفحة والصفحة على ربع الورق تغمد الله تعالى مؤلفه برحمته ورضوانه. بعد البين لقد طوحتني في البلاد مضاعا طوائح جاءت بالخطوب تباعا فبارحت أرضاً ما ملأت حقائبي سوى حبها عند البراح متاعا عتبت عليّ بغداد عتب مودع أمضته فيها الحادثات قراعا أضاعتني الأيام فيها ولو درت لعز عليها أن أكون مضاعا لقد أرضعتني كل خسف وإنني لأشكرها إن لم تتمّ رضاعا وما أنا بالجاني عليها وإنما نهضت خصاماً دونها ودفاعا وأعملت أقلامي بها عربيةً فلم تبد إصغاءً لها وسماعا ولو كنت أدري أنها أعجمية تخذت بها السيف الجزاز يراعا ولو شئت كايلت الذين انطووا بها على الحقد صاعاً بالعداء فصاعا ولكن هي النفس التي قد أبت لها طباع المعالي أن تسوء طباعا أبيت عليهم أن أكون بذلةٍ وتأبى الضواري أن تكون ضباعا على أنني داريت ما شاء حقدهم فلم يجد نفعاً ما أتيت وضاعا وأشقى الورى نفساً وأضيعهم نهىً لبيب يداري في نهان رعاعا تركت من الشعر المديح لأهله ونزهت شعري أن يكون فذاعا وأنشدته يجلو الحقيقة بالنهى ويكشف عن وجه الصواب قناعا وأرسلته عفواً فجاء كما ترى قوافي تجتاب البلاد سراعا وقفت غداة البين في الكرخ وقفةً لها كربت نفسي تطير شعاعا أودع أصحابي وهم محدقون بي وقد ضقت بالبين المشت ذراعا أودعهم في الكرخ والطرف مرسل إلى الجانب الشرقي منه شعاعا وأدعم رأسي بالأصابع مطرقاً كأن برأسي يا أميم صداعا وكنت أظن البين سهلاً فمذاتي شرى البين مني ما أراد وباعا وإني جبان في فراق أحبتي وإن كنت فيغير الفراق شجاعا كأني وقد جدّ الفراق سفينة أشالت على الريح الهجوم شراعا فمالت بها الأرواح والبحر مائج وقد أوشكت ألواحها تتداعى فتحسبني من هزة فيّ أفدعاً ترقى هضاباً زلزلت وتلاعا فما أنا إلا قومةٌ وانحناءةٌ وسرُ أذاعته الدموع فذاعا أبيت وما أقوى الهموم بمضجع تصارعني فيه الهموم صراعا وألهو بذكراهم على السير كلما هبطت وهاداً أو علوت يفاعا هم القوم أما الصبر عنهم فقد عصى وأما اشتياقي نحوهم فأطاعا لقد حكموني في الأمور فلم أكن لانطق كلاباً أم قحمت سباعا فلست أبالي بعد أن جدّ بينهم زجرت كلاباً أم تحمت سباعا سلامٌ على وادي السلام وإنني لأجعل تسليمي عليه وداعا له الله من وادٍ تكاسل أهله فباتوا عطاشاً حوله وجياعاً رآهم عبيداً فاستبد بمائه ولم يجر بين المجديات مشاعا جرى شاكراً صنع الطبيعة إنها أبانت يداً في جانبيه صناعا وما أنس لا أنس المياه بدجلة وإن هي تجري في العراق ضياعا ولو أنها تسقي العراق لما رمت به الشمس إلا في الجنان شعاعا وما وجدت ريح وإن قد تناوحت مهباً به إلا قرى وضياعا سأجري عليها الدمع غير مضيع وأندب قاعاً من هناك فقاعاً وأذكر هاتيك الرباع بحسنها فنعمت على شحط المزار رباعا النقل والناقلون للتأليف طريقتان طريقة الاعتماد على من سبق لمؤلف ونقل كلامهم ليدعم به قوله ويؤيد رأيه وطريقة إبداء رأي المؤلف مباشرة دون الاستشهاد بأقوال غيره مهما بلغت من المكانة. والطريقة الأولى هي الطريقة العلمية المقنعة التي تبقى على الدهر ويصعب أن يتطرق إليها الخلل إلا إذا ظهرت نصوص كثيرة صحيحة تخالف ما استشهد به الكاتب. فقد رأى ديكارت الفيلسوف الفرنسوي أن ليس في مذاهب الغير ولاسيما في الفلسفة كبير أمر وأنا الأجدر ولو ببعض أرباب العقول أن يبحثوا عن الحقيقة بما فيها من الأسرار الخاصة دون الاحتفال بالمذاهب الأخرى التي ذهب إليها غيره في هذه المسألة بيد أن بعض إشياع فلسفة ديكارت نفسهم يرون أن هذا البحث على خلوه من فائدة ضار لأنه يسلب من العقل في تقدير الأشياء قدرها. ويرى الفيلسوف كوزين الفرنسوي غير رأي ديكارت بل أنه غالى في ضرورة درس المذاهب الفلسفية السالفة حتى تدرج إلى أن مزج الفلسفة بتاريخ الفلسفة ومن رأيه ان الطريقة الفلسفية الوحيدة الجديرة بهذا العصر أن يدرس المؤلف المذاهب كلها ويقابل بين المذاهب التي ظهرت إلى اليوم على مشهد العقل البشري من المذاهب المتناقضة. قم عاد ديكارت أيضاً فقال أن المصنفات التي يصنفها جماعة قد تكون في كمالها دون التي يصنفها فرد واحد وتدرج من ذلك إلى أن قال أن العلوم التي تألفت على التوالي من آراء كثيرين قد يكون حظها من الأخذ بطرف من الحق أقل من العلوم التي هي ثمرة فكر واحد. ومن العادة عند مؤلفي الغربيين إذا أرادوا الكتابة أن يطالعوا جميع ما يمكنهم مطالعته في الموضوع الذي يريدون الخوض فيه فيطالع الألماني ما كتبه الإفرنسي والإيطالي والروسي والإنكليزي والأميركي وغيره غيرهم لتكون كتابته مؤيدة بالشواهد الصحيحة ولذا قرأ سبنسر فيلسوف الإنكليز في القرن التاسع عشر ١٧٣ كتاباً قبل أن يكتب كتابه العدل. وهكذا كل مؤلف في الغرب اليوم. وبعد فماكل قول ينقل ويستشهد به حجة لتأييد الكلام وإنما ينقل قول يكون قائله قدوة وإلا فما من قول إلا وقد قيل كما قال كثير من الحكماء. وقد نشأ من نقل أقوال كيفما اتفق اختلاف كثير حتى أن الباحث إذا دقق النظر يرى أن تلك الأقوال ترجع إلى قول أو قولين ممن يعتد بهم ولو أمكن لكل مؤلف أن يسلك طريقة الجاحظ في قوله: إنما أحكي لك من كل نحلة قول حذاقهم وذوي أحلامهم لأن فيه دلالة على غيره وغنيّ عما سواه لكان نهج السبيل الأقوم. ومن نقل كل ما يقال ترى في كتب التاريخ والملل والنحل أقوالاً إذا بحثت عنها لم تجدها إلا عند بعض أدنى العوام فكراً ولو عين المنقول إليه لسقط موقع القول من النفوس لكن بعض الناقلين لقصورهم في النظر ينقلون كل ما يقال بدون تعيين المنقول عنه ولو عينوا المنقول لسقط الإشكال. وكثيراً ما يقصد الحذاق منهم المغالطة ليوهموا الناظر أن في المسألة اختلافاً وهو محل دقيق جداً يغلط فيه التحرير العالم على أن بعضهم يرى أن لا ينقل من قوللا الحذاق إلا قول له موقع في النفس ومن ثم يقول القائل. وليس كل خلاف جاء معتبراً الأخلاف له حظ من النظر وإن أرباب النقد ليبحثون في كل قول عمن قاله ليعلموا درجة القائل في نفسه ودرجته في اقتداء الناس به وبذلك تظهر له الحقيقة في أجلى مظاهرها وقد قال حجة الإيلام الغزالي قولاً قاله كثير ممن قبله لو سكت من لا يعلم قلَّ الخلاف في العالم. سألنا ذات يوم أحد العلماء العارفين عن السر في اختلاف المذاهب والمشاعب المنقولة فقال: وربما نجد في كتب الملل والنحل أسماءَ فرق لها أقوال غريبة يصعب عليك بعد التتبع الشديد أن تعرف في أي عصر وجدت وأين وجدت وكيف وجدت وفي أي قطر يوجد منهم أناس وإن زعم الزاعم انقراضها يعسر عليه إثبات زمان انقراضها وأغرب من ذلك صعوبة معرفة ترجمة رجل من حذاقها فذكر فرقة من هذا النوع يعد سخافة من الناقل. والذين لهم كتب في هذا المقام منهم الناقل غير الناقد ومنهم المموه لغلبة الهوى عليه في هذا الباب مثلاً لكفينا المؤنة في ذلك نعم يقال أن الجاحظ قد يسلك طرق التمويه كما سجل عليه ذلك بعض معاصريه من أبناء نحلته كأبي جعفر الإسكافي لكن تمويه الجاحظ تمويه عاقل ذي بصيرة إذا موه يكاد يظهر الحق من خلال تمويهه وقد يصرح بغير ذلك في موضع آخر فالعاقل ذو البصيرة ينتفع بكلامه كيف كان قال ومن يخلط في نقله كالطبيب الذي ينقل كل قول لا يعود أحد يعتدُّ بمنقوله وكذلك النحوي وغيره وهذه القاعدة تكاد تكون عامة لا تتخلف في كل فن فقد نقل ابن أبي الحديد أن الجاحظ ألف كتاباً سماه كتاب العثمانية انتصر فيه للخلفاء الراشدين إلا أنه أظهر فيه ما يشعر بالنصب لما اقتضته طينة البصرة على زعم بعضهم فتصدى له من أبناء نحلته الإمام أبو جعفر الإسكافي فنقض كتابه وأطلق لسانه في الجاحظ إطلاقاً لم يقع نظيره من المضادين للجاحظ في النحلة فمن ذلك قوله: القول ممكن والدعوى سهلة سيما على مثل الجاحظ. . . قوله لغو ومطلبه سجع وكلامه لعب ولهو يقول الشيءَ وخلافه ويحسن القول وضده. قال قاضي القضاة عبد الجبار في كتاب طبقات المعتزلة نقض الإسكافي كتاب الجاحظ في العثمانية في حياته فدخل الجاحظ الوراقين ببغداد فقال: من هذا الغلام السوادي الذي بلغني أنه تعرض لنقد كتابي وأبو جعفر جالس فاختفى منه حتى لم يره وكان أبو جعفر علوي الرأي محققاً منصفاً قليل العصبية ألف سبعين كتاباً في علم الكلام. وقصارى القول أنه لا ينقل إلا كلام الثقات والعظماء للاستئناس به وتقوية أواصر الكلام به وقد ينقل كلام بعض الضعفاء لنكتة فيه أو لعبرة تراد منه. والكتابة بدون استشهاد بأقوال الأئمة والعظماء مهما بلغت درجة صاحبها لا يلتفت إليها عند المحققين ولو حوت من اللآليءِ كل عقد ثمين. التمييز في الألبسة ليس أغرب من هذا الشرق ترى فيه الاختلاف في الأفكار كما تراه في الأديان بل تراه في اختلاف الهواء والماء وقد وفق الغرب إلى توحيد ألبسة أهله في القرون الأخيرة أما الشرق فلم يزل في تخالفه في ذلك على نحو ما كان عليه في القرون الوسطى قرون الظلم والهمجية. اختلاف المشارقة في ألبستهم قديم فقد كان للقضاة وللأجناد وللعلماء والعامة ألبسة خاصة بهم بل كان اللباس تابعاً للأقاليم فابن الحجاز يلبس ما لا يلبسه ابن الشام وهكذا تجد لو طفت الأقاليم ودرست المدنيات. وكان لأهل الذمة في الإسلام لباس خاص بهم وهو من التحكمات السياسية التي دعا إليها العرب لا الدين وليس في الدين ما يدل على تمييز المسلمين بلباس خاص فقد اشترط الخليفة الثاني في كتاب الجزية الذي كتبه لأهل الذمة أن يؤخذوا بلبس الغيار وهو علامة لهم كالزنار ونحوه ولما تبسط الفاتحون في مناحي السلطان كان من جملة واجبات المحتسب كما في كتاب نهاية الرتبة في الحسبة أن يأخذ الذميين يلبسه فإن كان يهودياً عمل على كتفه خيطاً أحمر أو أصفر وإن كان نصرانياً عمل في وسطه زناراً أو علق في حلقه صليباً وإن كانت امرأة لبست خفين أحدهما أبيض والآخر أسود وإذا عبر الذمي إلى الحمام ينبغي أن يكون في حلقه صليب أو طوق من حديد أو نحاس أو رصاص ليختبر عن غيره. وفي كتاب الخراج لأبي يوسف أن لا يترك أحد منهم يتشبه بالمسلمين في لباسه ولا في مركبه ولا في هيئته ويؤخذوا بأن يجعلوا في أوساطهم الزنارات مثل الخيط الغليظ يعقده في وسطه كل واحد منهم وبأن تكون قلانسهم مضربة قبل وإن عمر بن الخطاب امر عماله أن يأخذوا أهل الذمة بهذا الزي أي أن تكون قلانسهم طوالاً مضربة وروي عن عمر بن عبد العزيز أنه كتب إلى عامل له فلا يلبس نصراني قباء ولا ثوب خز ولا عصب وقد ذكر لي أن كثيراً من قبلك من النصارى قد راجعوا لبس العمائم وتركوا المناطق على أوساطهم واتخذوا الجمام والوفر وتركوا التقصيص ولعمري لئن كان يصنع ذل فيما قبلك إن ذلك بك لضعف وعجز ومصانعة. وفيما اطلعنا عليه من الكتاب إشارات طفيفة لاختلاف أزياء الذميين في العصور الإسلامية وما هذا الاختلاف في الحقيقة ناتج إلا من التحكم البارد غالباً. قال ابن الأثير في حوادث سنة ٢٣٥ أن المتوكل أمر أهل الذمة بلبس الطيالسة العسلية وشد الزنانير وركوب السروج بالركب الخشب وعمل كرنين في مؤخر السروج وعمل رقعتين على لباس مماليكهم مخالفين لون الثوب كل واحد منهماقدر أربع أصابع ولون كل واحدة منهما غير لون الأخرى ومن خرج من نسائهم تلبس إزاراً عسلياً ومنعهم من لبس المناطق وأمر بهدم بيعهم المحدثة وبأخذ العشر من منازلهم وأن يجعل على أبواب دورهم صور شياطين من خشب ونهى أن يستعان بهم في أعمال السلطان ولا يعلمهم مسلم وأن يظهروا في شعانينهم صليباً وأن يستعملوا في الطريق وأمر بتسوية قبورهم مع الأرض وكتب في ذلك إلى الآفاق. وقال الذهبي فيحوادث ٣٩٨ وفيها هدم الحاكم كنيسة القيامة بالقدس وكانت فيها أموال وجواهر ما لا يوصف وألزم النصارى بتعليق صلبان على صدورهم واليهود بتعليق مثل رأس العجل على صدورهم وكان الصليب رطلاً بالدمشقي من خشب ومثال رأس العجل كالمدقة وزنها رطل ونصف وأن يشدوا الأجراس في رقابهم عند دخول الحمامات قال وألزم الحاكم صاحب المغرب والحجاز ومصر والشام أهل الذمة بالصلبان في أعناقهم وألبس اليهود العمائم السود نكاية واهنة لبني العباس قال ابن خلكان وفي سنة اثنتين وأربعمائة أمر الحاكم النصارى واليهود إلا الخيابرة بلبس العمائم السود وأن تحمل النصارى في أعناقهم الصلبان ما يكون طوله ذراعاً ووزنه خمسة أرطال وأن تحمل اليهود في أعناقهم قرامي الخشب على وزن صلبان النصارى وأن يكون في أعناق إذا دخلوا الحمام الصلبان وفي أعناق اليهود الجلاجل ليتميزوا عن المسلمين. قلنا وكان في الحاكم لوثة وجنة يأمر اليوم بأمر فينهي عنه في الغد. وذكر الذهبي في حوادث سنة سبعمائة أن النصارى واليهود ألبست بمصر والشام العمائم الزرق والصفر واستمر ذلك. وسنة ٧٣٤ ألزمت النصارى ببغداد بالغيار ثم نقضت كنائسهم ودياراتهم وأسلم منهم ومن أعيانهم خلق كثير منهم سديد الدولة وكان ركناً لليهود. وروى لسان الدين بن الخطيب أن اسمعيل بن فرج الخزرجي من ملوك الأندلس اشتهر في إقامة الحدود وإراقة المسكرات وحظر تجلي القينات للجرال في الولائم وقصر طربهن على أجناسهن من الناس وأخذ لليهود الذمة بالتزام سمة تميزهم وإشارة تشهرهم وليوفى حقهم من المعاملة التي أمر بها الشرع في الخطاب. والطرق وهو شواش جمع شاشية أصفر. وذكر صاحب المعجب في سيرة أبي يوسف يعقوب بن يوسف ابن عبد المؤمن أنه أمر في آخر أيامه أن يتميز اليهود الذين بالمغرب بلباس يختصون به دون غيرهم وذلك ثياب كحلية وأكمام مفرطة السعة تصل إلى قريب من أقدامهم وبدلاً من العمائم كلوتات على أشنع صورة كأنها البراديع تبلغ إلى تحت آذانهم فشاع هذا الزيّ في جميع يهود المغرب ولم يزالوا كذلك بقية أيامه وصدراً من أيام ابنه عبج الله إلى أن غيره أبو عبد الله بعد أن توسلوا إليه بكل وسيلة واستشفعوا بكل من يظنون أن شفاعته تنفعهم فأمرهم أبو عبد الله بلبسان ثياب صفر وعمائم صفر فهم على هذا الزي إلى وقتنا هذا وهو سنة ٦٢١ وإنما حمل أبا يوسف على ما صنعه من أفرادهم بهذا الزي وتمييزه إياهم به شكه في إسلامهم وكان يقول لو صح عندي إسلامهم لتركتهم يختلطون بالمسلمين في أنكحتهم وسائر أمورهم ولو صح عندي كفرهم لقتلت رجالهم وسبيت ذراريهم وجعلت أموالهم فيئاً للمسلمين ولكني متردد في أمرهم ولم تنعقد عندنا ذمة ليهودي ولا نصراني منذ قام أمر المصامدة ولا في جميع بلاد المسلمين بالمغرب بيعة ولا كنيسة إنما اليهود عندنا يظهرون الإسلام ويصلون في المساجد ويقرون أولادهم القرآن جارين على ملتنا وسنتنا والله أعلم بما تكنه صدورهم وتحويه بيوتهم اهـ. وقال ابن أبي أصيبعة: حدثني الشيخ موفق الدين البوري الكتاب النصراني قال لما فتح الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب الكرك أتى إلى دمشق الحكيم موفق الدين يعقوب بن سقلاب النصراني وهو شاب على رأسه كوفية وتخفية صغيرة وهو لابس جوخة ملوطة زرقاء زي أطباء الفرنج وقصد الحكيم موفق الدين بن المطران وصار يخدمه ويتردد إليه لعله ينفعه فقال له هذا الزي الذي أنت عليه ما يمشي لك به حال في الطب في هذه الدولة بين المسلمين وإنما المصلحة أن تغير زيك وتلبس عادة الأطباء في بلادنا ثم أخرج له جبة واسعة عنابية وبقياراً مكحلاً وأمره أن يلبسهما. قال ياقوت في معجم الأدباء في ترجمة أسعد بن المهذب ما يأتي: كان المهذب أبوه المعروف بالخطير مرتباً على ديوان الإقطاعات وهو على دين النصرانية فلما علم أسد الدين شيركوه في بدء أمره بمصرانه نصراني وأنه يتصرف في عمله بلا غيار نهاه وأمره بغيار النصارى ورفع الذؤابة وشد الزنار عن الديوان فبادر هو وأولاده فأسلموا على يده فأقره على ديوانه مدة ثم صرفه عنه فقال فيه ابن الذروي: لم يسلم الشيخ الخطير لرغبة في دين أحمد بل ظن أن محاله يبقي له الديوان سرمد والآن قد صرفوه عنه فدينه فالعود أحمد ولما أمر شيركوه النصارى بلبس الغبار وإن يعمموا بغير عذبة قال عمارة اليمني: يا أسد الدين ومن عدله يحفظ فينا سنة المصطفى كفى غياراً شد أوساطنا فما الذي يوجب كشف القفا هذا ما كان عليه الاختلاف في الأزياء بين أهل الوطن الواحد وأكثره كما ترى ناشيء من ملوك وفقهاء متعصبين تعصب ظاهراً مثل المتوكل والحاكم بأمر الله ولم يسمع بأن رجال الجد في الإسلام مثل الرشيد والمأمون وصلاح الدين ونور الدين تحكموا هذه التحكمات والله أعلم. الجغرافيا والعرب لم يترك العرب أيام حضارتهم فرعاً من فروع العلوم النافعة في قيام مجتمعهم إلا وتوفر أفراد منهم عليه. وعلم الجغرافيا هو أحد تلك العلوم ولم يكن لهم به عهد في الجاهلية كالشعر والرواية والأدب والخطب وإذا ذكروا بعض أسماء البلدان المجاورة لهم فإنما يذكرونها بالعرض لا تشعر بمعرفة ولا تنمّ عن اشتغال. وكان أول الكتب التي نقلوها إلى لسانهم كتب بطليموس اليوناني في الجغرافيا ومن أول الأعمال الجغرافية العلمية التي تمت على يد علمائهم هو أن المأمون أمر محمد بن موسى بن شاكر وأخويه أحمد والحسن بتحقيق طول خط نصف البار لمعرفة محيط الكرة الأرضية فقاسوا أحد خطوط الطول في سهل سنجار ثم أعادوا المقياس ثانياً في وطآت الكوفة فثبتت لديهم كروية الأرض وعرفوا محيطها. قال ابن خلكان في ترجمة بني شاكر: وكانت لهم همم عالية في تحصيل العلوم القديمة وكتب الأوائل وأتعبوا أنفسهم في شأنها وأنفذوا إلى بلاد الروم من أخرجها لهم واحتضروا النقلة من الأصقاع الشاسعة والأماكن البعيدة بالبذل السني فأظهروا عجائب الحكمة وكان الغالب عليهم من العلوم الهندسة والحيل والحركات والموسيقى والنجوم وهو الأقل ولهم في الحيل كتاب عجيب نادر يشتمل على كل غريبة ولقد وقفت عليه فوجدته من أحسن الكتب وأمتعها وهو مجلد واحد. ومما اختصوا به في ملة الإسلام وأخرجوه من القوة إلى الفعل وإن كان أرباب الأرصاد المتقدمون على الإسلام قد فعلوه ولكنه لم يثقل أحداً من أهل هذه الملة تصدى له وفعله إلا هم وهو أن المأمون كان مغرى بعلوم الأوائل وتحقيقها ورأى فيها أن دور كرة الأرض أربعة وعشرون ألف ميل كل ثلاثة أميال فرسخ فيكون المجموع ثمانية آلاف فرسخ بحيث لو وضع طرف حبل على أي نقطة كانت من الأرض وأدرنا الحبل على كرة الأرض حتى انتهينا بالطرف الآخر إلى ذلك الموضع من الأرض والتقى طرفا الحبل فإذا مسخنا ذلك الحبل كان طوله أربعة وعشرين ألف ميل فأراد المأمون أن يقف على حقيقة ذلك فسأل بني موسى المذكورين عنه فقالوا: نعم هذا قطعي وقال: أريد منكم أن تعملوا الطريق الذي ذكره المتقدمون حتى نبصر هل يتحرر ذلك أم لا فسألوا عن الأراضي المتساوية في أي البلاد هي فقيل لهم صحراء سنجار في غاية الاستواء وكذلك وطآت الكوفة فأخذوا معهم جماعة ممن يثق المأمون إلى أقوالهم ويركن إلى معرفتهم بهذه الصناعة وخرجوا إلى سنجار وجاؤا إلى الصحراء المذكورة فوقفوا في موضع منها فأخذوا ارتفاع القطب الشمالي ببعض الآلات. وضربوا في ذلك الموضع وتداً آخر وربطوا فيه حبلاً طويلاً ثم مشوا إلى الجهة الشمالية على استواء الأرض من غير انحراف إلى اليمين واليسار حسب الإمكان فلما فرغ الحبل نصبوا في الأرض وتداً آخر وربطوا فيه حبلاً طويلاً ومشوا إلى جهة الشمال أيضاً كفعلهم الأول ولم يزل ذلك دأبهم حتى انتهوا إلى موضع أخذوا منه ارتفاع القطب المذكور فوجدوه قد زاد على الارتفاع الأول درجة فمسحوا ذلك القدر الذي قدروه من الأرض بالحبال فبلغ ستة وستين ميلاً وثلثي ميل فعلموا أن كل درجة من درج الفلك يقابلها من سطح الأرض ستة وستون ميلاً وثلثان ثم عادوا إلى الموضع الذي ضربوا فيه الوتد الأول وشدوا فيه حبلاً وتوجهوا إلى جهة الجنوب ومشوا على الاستقامة وعملوا كما عملوا في جهة الشمال من نصب الأوتاد وشد الحبال حتى فرغت الحبال التي استعملوها في جهة الشمال ثم أخذوا الارتفاع فوجدوا القطب الشمالي قد نقص عن ارتفاعه الأول درجة فصح حسابهم وحققوا ما قصدوه من ذلك. وهذا إذا وقف عليه من له يد في علم الهيئة ظهر لهم حقية ذلك ومن المعلوم أن عدد درج الفلك ثلثمائة وستون درجة لأن الفلك مقسوم باثني عشر برجاً وكل برج ثلاثون درجة لتكون الجملة ثلثمائة وستين درجة فضربوا عدد درج الفلك في ستة وستين ميلاً أي التي هي حصة كل درجة فكانت الجملة أربعة وعشرين ألف ميل وهي ثمانية آلاف فرسخ وهذا محقق لا شك فيه فلما عاد بنو موسى إلى المأمون وأخبروه بما صنعوا وكان موافقاً لما رآه في الكتب القديمة من استخراج الأوائل طلب تحقيق ذلك في موضع آخر فسيرهم إلى أرض الكوفة وفعلوا كما فعلوا في سنجار فتوافق الحسابان فعلم المأمون صحة ما حرره القدماء في ذلك. هذا ما قاله صاحب وفيات الأعيان بنصه وليس العمل لإثبات كروية الأرض هو العلم الوحيد الذي قام به المأمون فقد قال المسعودي صاحب مروج الذهب في كتابه التنبيه والإشراف وهو مما ألفه بفسطاط مصر سنة ٣٤٥ للهجرة: ورأيت هذه الأقاليم مصورة في غير كتاب بأنواع الأصباغ وأحسن ما رأيت من ذلك في كتاب جغرافيا مارينوس وتفسير جغرافيا قطع الأرض وفي الصورة المأمونية التي عملت للمأمون اجتمع على صنعتها عدة من حكماء أهل عصره صور فيها العالم بأفلاكه ونجومه وبره وبحره وعامره وغامره ومساكن الأمم والمدن وغير ذلك وهي أحسن مما تقدمها من جغرافيا بطليموس وجغرافيا مارينوس وغيرهما اهـ. قال السنيور جويدي الإيطاليمحاضرات ادبيات الجغرافية والتاريخ واللغة عند العرب باعتبار علاقتها باوروبا وخصوصاً بايطاليا وليس حكماء العرب هم الذين عنوا دون غيرهم من الأمة العربية برسم صورة الأرض بل أن أمراءهم كذلك ومنهم أمير المؤمنين المأمون الخليفة العباسي فإنه أغرم برسم الأرض وبذل قصارى جهده في إبرازها فجمع من بالعراق من حكماء دولته زهاءَ سبعين حكيماً على ما قيل فاجتمعوا على تكوينها وأحكامها حتى فضلت بذلك ما تقدمها من الصور اهـ ولقد عرف المسلمون أن من جملة أسباب الفتح معرفة طرق البلدان والأمصار فقد ذكر المؤرخون أنه قام الملاحون المدعوون بالمغرورين في القرن الأول للهجرة وأقلعوا من لشبونة عاصمة البرتغال اليوم بغية الوصول إلى ما وراء كولمبس وفي البعثات التي سيرها الخلفاء إلى القاصية كبعثة الواثق العباسي لاكتشاف سواحل بحر الخزر وبعثة المقتدر بالله عام ٣٠٩ إلى البلغار للدعوة الإسلامية فيها وأخذ أحد أعضاء البعثة أحمد بن فضلان معلومات مفيدة عن تلك البلاد وفي الحملة التي وصلت إلى بكين بعد فتح كاشغر سنة ست وتسعين للهجرة لدعوة الصين إلى الإسلام في كل ذلك أكبر دليل على تقدير العرب على رسم الأرض أو الجغرافيا أو علم تقويم البلدان. ولقد كان علماء الحديث من أشد الناس عناية بالجغرافيا لتمييز النسب إلى البلدان والفرق بين الرجال ومساقط رؤوسهم وهذا هو السبب الذي دعا أرباب المعاجم أن يذكروا أسماء الأمصار والقرى. ومن راجع باب العشر والخراج في مطولات الفقه علم ما بين الفقه والجغرافيا من التعلق. كتب أحد الخلفاء إلى حكيم من حكماء عصره حين فتح الله البلاد على العرب من العراق والشام ومصر وغيرها يقول: إنا أناس عرب وقد فتح الله علينا البلاد ونريد أن نتبوأ الأرض ونسكن البلاد والأمصار فصف لي المدن وأهويتها ومساكنها وما تؤثره الترب والأهوية في سكانها فكتب إليه ذلك الحكيم بجغرافيتها الطبيعية. وكتب عمر ابن عبد العزيز إلى أحد عماله أن يصف له جزيرة الأندلس لأنه علم أن المسلمين نزلوا فيها في بلاد يحيط بهم الإفرنج من أكثر الجهات ولا بقاء لهم في تلك البلاد. ولما اجتمع ابن خلدون بتيمورلنك سنة ٨٠٢ هـ في دمشق سأله هذا عن بلده والمغرب الأقصى فذكر له ابن خلدون ما حضره وطلب منه أن يؤلف له مختصراً وجيزاً يصف له بلاد المغرب كلها أقاصيها وأدانيها وأنهارها وقراها وأمصارها فكتب له في غربته اثنتي عشرة كراساً في وصف المغرب. وأجمع تعريف للجغرافيا يستدل منه على موقعها من نفوس العرب واتصالها بعدة علوم لهم ما قاله ياقوت في مقدمة معجم البلدان: ومن ذا الذي يستغني من أولي البصائر ع معرفة أسماء الأماكن وتصحيحها وضبط أصقاعها وتنقيحها والناس في الافتقار إلى علمها سواسية وسر دورانها على الألسن في المحافل علانية لأن من هذه الأماكن ما هي مواقيت للحجاج والزائرين ومعالم للصحابة والتابعين رضوان الله عليهم أجمعين ومشاهد للأولياء الصالحين ومواطن غزوات سرايا سيد المرسلين وفتوح الأئمة من الخلفاء الراشدين وقد فتحت هذه الأماكن صلحاً وعنوة وأماناً وقوة ولكل من ذلك حكم في الشريعة في قسمة الفيء وأخذ الجزية وتناول الخراج واجتناء المقاطعات والمصالحات وإتالة التسويفات والإقطاعات لا يسع الفقهاء جهلها ولا تعذر الأئمة والأمراء إذا فإنهم في طريق العلم حزنها وسهلها لأنها من لوازم فتيا الدين وضوابط قواعد الإسلام والمسلمين فأما أهل السير والأخبار والحديث والتواريخ والآثار فحاجتهم إلى معرفتها أمسُّ من حاجة الرياض إلى القطار غب أخلاف الأنواء والمشفي إلى العافية بعد يأسٍ من الشفاء لأنه معتمد عليهم الذي قلَّ أن تخلو منه صفحة بل وجهة بل سطر من كتبهم وأما أهل الحكمة والتفهيم والتطبب والتنجيم فلا تقصر حاجتهم إلى معرفته عمن قدمنا فالأطباء لمعرفة أمزجة البلدان وأهوائها والمنجم للاطلاع على مطالع النجوم وأنوائها إذ كانوا لا يحكمون على البلاد إلا بطوالعها ولا يقضون لها وعليها بدون معرفة أقاليمها ومواضيعها ومن كمال المتطبب أن يتطلع إلى معرفة مزاجها وهوائها وصحة أو سقم منبتها ومائها فصارت حاجتهم إلى ضبطها ضرورية وكشفهم عن حقائقها فلسفية ولذلك صنف كثير من القدماء كتباً سموها جغرافيا ومعناها صورة الأرض وألف آخرون كتباً في أمزجة البلدان وهوائها نحو جالينوس وقبله بقراط وغيرهما وأما أهل الأدب فناهيك بحاجتهم إليها لأنها من ضوابط اللغوي ولوازمه وشواهد النحوي ودعائمه ومعتمد الشاعر في تحلية جيد شعره بذكرها وتزيين عقود لآلي نظمه بشذرها فإن الشعر لا يروق ونفس السامع لا تشوق حتى يذكر حاجز وزرود والدهناء وهبود ويتحنن إلى رمال رضوى فيلزمه تصحيح الاسم وأين صقعه وما اشتقاقه ونزهته وقفره وحزنه وسهولته فإنه إن زعم أنه واد وكان جبلاً أو جبل وكان صحراءَ أو صحراءُ وكان نهراً أو نهر وكان قريةً أو قرية وكان شعباً أو شعب وكان حزناً أو حزن وكان روضةً أو روضة وكان صفصفاً أو صفصف وكان مستنقعاً أو مستنقع وكان جلداً أو جلد وكان سبخةً أو سبخة وكان حرّةً أو حرة وكان سهلاً أو سهل وكان وعراً أو يجعله شرقياً وكان غريباً أو جنوبياً وكان شمالياً سفل قدره ونزر كثره وآض ضحكة ويرى أنه ضحكة وجعل هزأة ويرى أنه هزأة واستخف وزنه واسترذل واستقل فضله واستجهل اهـ. وبعد فقد نبغ في علماء العرب بفن الجعرافيا أناس لم يزالوا يذكرون كما يذكر الأفراد فمن قدمائهم أبو موسى الخوارزمي وعبد الله بن خرداذبة وابن واضح اليعقوبي وابن الفقيه الهمذاني وعمر بن رستة وقدامة بن جعفر والجيهاني وعلي بن فضلان وأبو دلف مشعر وأبو زيد البلخي وأبو إسحق الاصطخري وشمس الدين المقدسي وعلي بن الحسين المسعودي وأبو الريحان البيروني وأبو عبيد البكري وأبو سعيد الأصمعي وأبو عبد الصيرافي والزمخشري ومحمد بن أحمد الهمذاني ومحمد بن أبي بكر الزهري والشريف الإدريسي وابن فضل الله العمري ومحمد المازني ومحمد بن علي الموصلي وأبو عبد الله بن شداد وأبو محمد العبدوي وأبو عبد الله ياقوت الحموي وزكريا بن محمد القزويني وابن سعيد المغربي وشمس الدين الأنصاري الدمشقي والملك أبو الفداء صاحب حماة وابن بطوطة وابن الوردي وابن إياس وهذا كان آخرهم ممن يعتد بأقوالهم فقد جاء في القرن العاشر للهجرة وبعد ذلك انقطع سند العلوم الجغرافية من المسلمين بزهدهم في كل علم ولغلبة الجهل وإن صادف أن جاء من اشتغل بالجغرافيا بعد ذلك العهد فيكون ناقلاً عن مصنفات أولئك الأعلام أو مختصراً لبعضها شأن العرب في القرون الثلاثة الأخيرة في جميع ما كتبوا فقد فقدت منهم ملكة التأليف والاختراع وصاروا نقلة عاديين والله أعلم. ديوان خالد الكاتب في جملة مخطوطات دار الكتب الظاهرية في دمشق ديوان خالد الكاتب ابن يزيد كتب سنة ١١١٠ هـ بقلم محي الدين الدمشقي السلطي وهو في ٨٨ ورقة تغلب عليه الصحة ومرتب على حروف الهجاء رتب لناظمه ولم يرتبه بنفسه فيما يظهر قال على قافية الباءِ: يا أيها المعرض يا ذا الذيخ. ماذا الغضب هب للهوى ديني بطول التعب أما تراني دنفاً هائماً وجداً بمن صارمني واحتجب ياواحداً في الحسن طال الهوى والشوق إذ طال إليك الطلب عدمت للعبد على أن لي قلباً قريحاً بك نافي الندب وقال أيضاً: القلب مني على شوق وتعذيب وزفرة فرحت في قلب مكروب لا والذي ذهبت بالنفس لحظته وما بعبرى ؟ من حسن ومن طيب ما طول شوقي ولا حزني ولا كمدي إلا على مهجتي من بعد تعذيبي كم كمن الدهر من سهم يفوقه مسدد بدم العشاق مخضوب وقال أيضاً: ليست بأول ليلة طالت على دنف غريب متأوه حب الخليل بزفرة الصب الكئيب لم يلق بعد فراقه ثمراً وغصناً في كثيب وقال أيضا: فلو أن خداً كان من فيض عبرة يرى معشباً لأخضر خدي فأعشبا كأن ربيع الزهر بين مدامعي بما اخضل فيه مزفتى وتعببا ؟ على أنني لم أبك إلا مودعاً بقية نفس ودعتني لتذهبا وقد قل لما لم أجد ليراحة سوى الدمع لما حل أهلاً ومرحبا ومعظم الديوان في الغزل قال في قافية الدال: السنه السقم حتى ملَّ عائده يا سالم القلب من شوق يكابده ثم لا أرقت فإن الهم أقلقه فبات يسهد ليلاً أنت راقده وباح بالسر لما ذاب أكثره شوقاً إليك ولما بان واحده رثى العذول له حتى بكى معه حزناً وأسعده بالدمع حاسده وقال أيضاً: القلب يحسد عيني لذة النظر والعين تحسد قلبي لذة الفكر يقول قلبي لعيني كلما نظرت كم تنظرين رماك الله بالسهر العين تورثه هماً فتشغله والقلب بالدمع ينهاه عن النظر هذان خصمان لا أرضى بحكمهما فاحكم فديتك بين العين والبصر وقال أيضاً: ولما رأيت الدمع غاص إلى الحشا وأن فؤادي من دموعي في بحر نظرت إلى عينيّ لا ماَء فيهما فأيقنت أن الدمع تحتهما يجري فلولا استبان الدمع في مضمر الحشا تفجر أنهار الدموع من الصدر على ان قلبي ينشف الدمع حره وأين بقايا الدمع في وهج الجمر قلنا أن معظم شعره في الغزل والنسيب وأكثره من أربعة أبيات ومن شعره في المديح قوله يمدح الحسن بن وهب الكتاب: يا وجه أحسن من يمشي على قدم بحرمة الحسن قل لي كيف حلَّ دمي أما وخدين يسقي الورد ماءهما في نسبة تمنع الدنيا من الظلم ومقلة كلما دارت رأيت بها من جوهر اللحظ أسقاماً بلا ألم إلى أن قال في المديح: مذهب في الباب الملك أسرته أهل الكتابة والألباب والحلم من بيت دهنقة الأشراف في شرف أوفى على مطلع العيوق في الشمم في ذروة من بناءِ العز باذخة علياءُ طالت عن الأوعال والعصم أمضى البرية في خطب وأصوبها عزماً وأكتب من أملى على قلم قال جامع الديوان وهذا آخر ما وجد في ذيله عن نسخة أخرى ند قافية الباءِ قوله: يا تارك الجسم بلا قلب إن كنت أهواك فما ذنبي يا مفرداً بالحسن أفردتني منك بطول الشوق والحب إن تك عيني أبصرت فتنة فهل على قلبي من عتب حسيبك الله لما بي كما أنك في فعلك بي حسبي وشعر خالد الكاتب كما تراه منسجم هو إلى شعر المولدين أقرب منه إلى شعر العرب الذي يحوي فخامة اللفظ وجزالة التركيب وقد استفدنا من ترجمة خالد الكاتب أنه كان مغرماً بالصبابة وبينه وبين معاصره أبي تمام الطائي ملاحاة وشؤون وخلاصة حياته كما في فوات الوفيات للكتبي أنه خالد بن يزيد أبو الهيثم الكاتب البغدادي أصله من خراسان وكان أحد كتاب الجيش ولاه ابن الزيات الأعطاء ببعض الثغور فخرج فسمع في طريقه منشداً ينشد: من كان ذا شجن بالشام يطلبه ففي سوى الشام أمسى الأهل والوطن فبكى حتى سقط مغشياً عليه ثم أفاق واختلط عقله واتصل به ذلك إلى الوسواس وبطل. قال ومن شعره: عش فحييك سريعاً قاتلي والهوى إن لم تصلني واصلي ظفر الشوق بقلبي دنف فيك والسقم بجسم ناحل فهما ما بين وجد وضنىّ تركاني كالقضيب الذابل وبكى العاذل لي من رحمة فبكائي لبكاء العاذل ومن شعره أيضاً: عشية حياتي بورد كأنه خدود أضيفت بعضهن إلى بعض وراح ولعل الراح في حركاته كفعل النسيم الرطب فيالغصن الغض وتوفي خالد في حدود السبعين المائتين مصالح الأبدان والأنفس قد يظن بعض من لا عهد لهم بحالة العرب أيام حضارتهم أنهم كانوا كعرب البادية اليوم لا يكادون يعرفون الأمور الصحية ولا تدبير البدن وأنهم كانوا يسيرون متشبعين بفكر القضاء والقدر إن هلكوا قالوا قضاءٌ وإن عاشوا قالوا قدر. والحقيقة إن القوم كانوا على عناية أكيدة بأمور الصحة وما بقي من كتبهم القليلة المحفوظ بعضها في دور الكتب في الشرق والغرب والمطبوع بعضها يدل دلالة كبيرة على ذلك وأقرب سبيل للإشراف على عناية العرب بتدبير الصحة أن يرجع القاريء إلى كشف الظنون فيرى الكتب التي ألفت في هذا الفن بل إلى تراجم الأطباء في القرون الأولى للإسلام ويقرأُ في طبقات الأطباء لابن أبي أصيبعة أسماء الكتب التي صنفوها في تدبير الصحة فقط. وقد ظفرنا في خزانة كتب السيد أبي الخير عابدين من جلة فقهاء دمشق بكتاب مصالح الأبدان والأنفس لأبي زيد البلخي ولعله الجغرافي المؤرخ المشهور في القرن الثالث: والقطعة مقتطعة من كتاب للمؤلف تغلب عليها الصحة فأحببنا نقله للمقتبس لأن معظم ما تكلم فيه من المصالح كأنه كتب في هذه الأيام قال المؤلف: تذكرة مقتضبة على سبيل الإيجاز والاختصار من كتاب أبيزيد البلخي رحمه الله تعالى المسمى مصالح الأبدان والأنفس تجنبنا فيه بسط أبي زيد وتطويله وإن كان ملذاً غير مملول ومعسول اللفظ غير مغسول إلا أنا ملنا إلى ما يدركه الحفظ وتقصر في الإحاطة به مساهمة اللحظ وبالله التوفيق والإعانة. . . باب الحاجة إلى تعهد الأجسام وما في ذلك من استدامة الصحة إن الجسد يحتاج في تعاضد أركانه وتماسك أجزائه إلى تعهد شديد وتفقد بليغ والنفع في ذلك بين أثره عند من دق نظره. ومثاله ما نراه من حال النمو في الأطفال وأنه يتدرج على ترتيب يخفى عن الحس إلى أن يبلغ غاية التمام والشباب ثم يولى تولية تلطف عن الإدراك حتى يجتمع فيه من أحوال الانتقاض والانتقاص ما تكون جملته محسوسة وإن لم يحسن تفصيله فذلك منفعة التعهد ومضرة الإهمال في خفائهما أولاً ثم ظهورهما أخيراً. باب في تدبير الأهوية والبلدان كما يسافر الناس لطلب المعاش فلذلك يجب أن يسافروا لطلب المنازل المحمودة والبعد من الأهوية الفاسدة فإن بعض الحيوان قد يفعل شبيهاً بذلك مثل أجناس الطير القاطعة وأصناف السمك المثقلة والهواء كالمركب أبداً من طبيعة الماء والتراب اللذين يمر عليهما واختلاف أحوال سكان البلاد في صورهم وأخلاقهم يتولد عن اختلاف هذه الأصول التي هي التراب والمآء والهوآء، وعلى حسب ذلك يجب أن يرغب الحكيم في إصلاح ما يخصه منها. وأفضل المساكن ما كانت تربته عذبة طيبة غير مشوبة ولم تبعد الشمس عن سمت رؤوس أهلها وكان عالياً في إنجاد الأرض وذرى الجبال ليتموج هوآؤُه ولا تحتقن فيه بخارات المياه وأنفاس الحيوان. ويكون ماؤه سبحاً من مناقيع طيبة حرَّة التراب، وتكون مجاريه بارزةً للشمس وحركته شديدة ومسافته من مبدإِه إلى منتهاه بعيدة ولا يكون بقرب المنزل تربة فاسدة أو مياه أَجنة من بطائح ونقائع، وقد يوجد في المواضع الخربة من الأرض تفاوت شديد يجب معه الحرص على طلب الأصلح وإذا دفعت الضرورة إلى نزول بلد هواؤُه فاسد أصلح بالبخورات الموصوفة. وجلب الماء للشرب من المواضع السليمة والانتقال عنه أصلح، فأما السلطان فتنقله في بلاد ملكه يجمع فنوناً من المصلحة منها سرور التنزه، ومنها تخير الأصوب في تدبير الأجسام ومنها توزيع مراعاته على كل حد من حدود ملكه، والهوآء أقوى أجسام هذا العالم تصرفاً وتصريفاً لما لاقيه وهو الذي يؤدي السري من الأجسام السمارية إلى الأرضية ويوصل قوى ما يمر عليه إلى ما يصل إليه كإيصاله الأصوات والروائح التي لو سكن لعدمت، ويجب أن يكون المبيت في الصيف بإزاءِ مهب الشمال، والجلوس فيالشتاء بإزاء مهب الجنوب، وفي الفصلين بإزاء مهب الصبا فهي موصوفة بطيب النسيم ولاسيما في السحر ويجتنب مع ذلك ملاقاة كل ريح عاصفة، وإنما خصت الصبا بالحركة في السحر لإقبال الشمس من ناحيتها فترفق أجزاء الهواء بحرها فيتبدد ويطلب مكاناً أوسع فيحدث النسيم المستلذ، ولأن الشمس تعطي كل ما تلاقيه في أول النهار قوة عجيبة، وأما الدبور فيجب اجتنابها في جميع الأوقات والأحوال. ويجب أن يجعل الجلوس عالياً عن مهب الهواء الجاري على وجه الأرض المشوب بالأبخرة فإنها تكدر الهواء المتنسم فيختر البدن ويفتره ويضعف قوة الحفظ وينقصه، وتستوطن العلالي والمناظر إلا أن يمنعه منها صميم الحر والبرد فيتعوض عنها الأسرَّة والفرش المنضدة قياساً على ما قد تقرر من أن المواضع الجبلية أصح مزاجاً وأنقى هواءً من السهلية. . . باب تدبير الأكنان والملابس واجب على الإنسان توقية جسمه الح والبرد من غير مبالغة في ذلك تكسب الترفه وتجلب الضرر عند أيسر تغيير من العادة وترقق أديم الجسم والحرارة أوحى إهلاكاً ؟. والبرودة أشد مضادة وبذلك يهلك الشتاء النبات ويحوج الحيوان الصامت إلى الاستتار بدل الانتشار ويجب أن تكون مساكن الشتاء منحرفة عن سنن الرياح مستحصفة الحيطان لتكون أحصن. . . تخلل الهوااء واسعة رفيعة السمك ليكون للبخار والأنفاس ودخان الوقود والمصابيح مجال فيها فإنها إن تكاثفت انعكست إلى المسام فكانت لها بئس الغذاء وهذه الصفة في التوسعة وتعلية السمك تلزم في الصيف والشتاء، ويجعل مساكنه مضيئة ما أمكن فإن النفس تنزوي من الظلمة وتستوحش قياساً على الليل والنهار وربما احتيج إلى قرآءة كتاب في الظلمة فلم يكن إلا بإكراه البصر وإكراهه يكله ويضعفه والظلمة مضرة بالبصر فإن قوام النظر بالهواء المعتدل. وشدة الضوء تضره كشعاع الشمس واتصال الظلمة يبطله كما أصاب من طالت مدته في الحبس. ويجب إدفاء بيوت الشتاء بالنار التي يستوي في إحمائها جميع أجزاء البيت لتستوفي لذة الدفاء من جميع الجهات كفعل الحمام فإن اختفت مقادير السخونة أضرت بحسب خروجها عن الانتظام والاعتدال، إلا أن يحتاج أن يسخن بعض أعضائه فيجري ذلك مجرى العلاج ويبتدىء فيدخل في أول البرد إلى الأروقة ثم إلى المواضع التي تليها ثم يتدرج إلى المواضع الغامضة بحسب زيادة البرد كحال الداخل إلى الحمام في التنقل بين بيوته فإن لزوم التدريج بين الأضداد واجب، ويتقي برد الخريف أكثر من اتقائه برد الربيع لأن ذلك مقبل وهذا مولٍ، وأعدل الثياب القطن ولذلك لا يصيبها السوس ولا تسرع إليها الآفة وهي ملابس الشتاء والكتان للصيف لبرده ولتنشيفه العرق ييبسه، والصوف قوي الحرارة مضر بالأبدان التي تكثر حرارتها ويجب أن يختار من الملابس ما كان ناعماً لتلتذه حاسة اللمس، ويكون في الشتاء خفيفاً ليمنع البخار الخارج من الأبدان من النفوذ فينعكس إليها فيكون به الدفاء وهذا حقيقة الدفاء وبه تدفأ الأوبار أكثر لأن الكثافة فيها أوفر، واحتقان الأبخرة في أثنائها أعظم، وثوب الصيف متخلخل شفاف بضد ذلك إلأا أن يكون ضاحياً بارزاً في الصيف فيحتاج إلأى لباس كثيف ليوقي جسمه الحر، ومن كان محروراً واضطر إلى الوبر فليجتنب الثقيل الطويل الشعر كالثعلب، وليجتنب ما كان ضاماً للبدن كله كالأقبية ونحوها، وليقتصر على ما يدفئ الظهر فهو أشد ما في البدن برداً إلا أن الأعضاء التي فيها الحرارة كالكبد والقلب في البطن دون الظهر ولذلك يكون ابتداء الأمراض عنه أعني الظهر فإن الأخلاط فجة هناك فتبتديء الطبيعة بها ولا يغم رأس المعدة قإنه موضع حساس، وللصفراء هناك تسلط ربما آذاه لصوق الوبرية بل يجتهد أن يصل إلى هذا الموضع روح الهواء ما لم يضره، أو يخالف عادته ويتوقى ملاقاة الريح فإن التحرز من البرد فيها لا يمكن في الهواء الساكن فإن اضطر إلى ذلك استكثر من الدثار وتلثم وسد منخريه ولم يستنشق من الهواء البارد بل يتنفس من كمه أو ما يستره، وإن كان ممن يمشي مشي فسخن جوفه وإن لم يكن ممن يمشي ركب دابة كثيرة الحركة محوجاً له إلى الرياضة ودلك بدنه وقتاً بعد وقت فإن الحركة تقاوم البرد ودليل ذلك ما تشاهده من جمود الماء الواقف قبل الجاري ولا يباشر السفر في هذه الحال، إلا بعد أن يغتذي غذآء خفيفاً غير تام ويجعل فيه كالثوم والخردل، وأنفع من ذلك كله الشراب الموصوف فإنه يسخن الدم في عروقه. ويختار للصيف المساكن الفسيحة الكثيفة الحيطان التي للرياح الهابة فيها مخترق وترش وينضح الجسد بماء الورد ويروح عنه فأما السراديب والمواضع العميقة فتجتنب البتة فإن أهويتها غليظة تكسل وتفتر وإذا جلس في الخيش استعلى عن سطح الأرض بالأسرَّة وما يجري مجراها واحتال لوصول الهواء من أعالي البيت ليخفف عنه ثقل الهواء الثقيل المنحصر فيه ويكون الاستكنان في الخيش في وقت الظهيرة لا قبله ولا بعده ويستعمل الأطعمة الحارة في الشتاء فعلاً ومزاجاً والأطعمة الباردة في الصيف. باب تدبير المطعم من أخذ من الغذاء قدر حاجته من غير زيادة عليه ولا تقصير عنه دامت له الصحة، وكان مثله كالمصباح يمد من الدهن بما لا ينقطع عنه فيطفئه ولا يغمره فيفرقه وأقوى الأغذية غذاء اللحم، ولذلك صارت السباع التي تغتذي به أقوى من غيرها والأمم التي تنفرد باستعماله أشد بطشاً وأكثر غناءً في المصاولة ممن سواها كالأتراك ومن أشبههم وأفضله المعتدل الذي لا تغلب عليه كيفية من الحرارة والبرودة والرطوبة واليبوسة كلحم الضأن ولذلك صار الإنسان لا يمله وصار يطيب بكل صنعة وبكل طعم يضاف إليه وخص بهذه الفضيلة لاعتدال مزاجه، وخيره لحم الفتي منه وإن يجتنب ما صغر كالأجنة وما قرب عهده بالنتاج فإنه يكون لزجاً مولداً للكيموس الفاسد. ويجتنب الضاني القحل اليابس ويقصد السمان دون المهازيل والخصيان دون النعاج، فإن الولد يمص جوهرها ودون الفحول فإن السفاد يؤبس لحمها وكلا المعنيين يأخذ صفو أجساد الحيوان ويختار للأكل الرقبة ولحم الأضلاع والكتف والمواضع المتوسطة للجسد. ويجتنب الرأس وكل ما فيه الأفخاذ وما يليها فإن لحومها غليظة ثقيلة بطيئة الانهضام والأعضاء ذوات الأسماء والهيئات ولا خير فيها كالقلب والكبد والطحال والأمعاء والكروش إنها ليست لحماناً خالصة ولحم الطيور بالحكم الأعم أخف من لحوم المواشي وربما ثقلبعضها بالحكم الأخص وينبغي أن يقصد منها الأسرع انهضاماً، والحيوان المآءيُّ كالبط والغرانيق غليظة زحمة بطيئة الانهضام ولا خير في السمك لأصحاب الأبدان الباردة الرطبة وقد ينفع الطري منه المحرومين ويقصد منه المتوسط بين الصغير والكبير ولما كان في المياه العذبة دون البحار والآجام والمملوح منه كالقديد من اللحم ولا خير فيهما فإنهما كالشيءِ الذي ذهب صفوه ولبابه وبقي أثقل وأغلظ ما فيه، وأما الألبان فمناسبة للحم في جوهرها لأن أصلها الدم وتعمها اللطافة وسرعة الاستحالة فللطفها صارت غذاءً للصغار الذين تضعف قواهم عن الهضم ولاستحالتها صارت أجزاؤها تتميز سريعاً كالزبد والسمن وأمكن أن تتخذ أصنافاً كثيرة من الأغذية والاقتصاد عليها ليس بمحمود إلا لمن جرت عادته بها وإن جعلت أداماً وفي الطبيخ فإن طبيعتها عند ذلك تمتزج بطبيعة ما يكون مخلوطاً بها والحموضة فساد عارض في اللبن كما يعرض مثله في الشراب فليجتنب الصادق الحموضة منه ما أمكن وبياض البيض غذاء ثقيل وخيم وصفرته غذاء شريف كثير التغذية، وأفضله النيمبرشت والذي ينهضم من الحبوب ويستحيل منها إلى الدم أقلها والباقي الفاضل عن الهضم أكثرها وهي في ذلك مخالفة للحم لأنه مناسب للدم بجوهره سريع الاستحالة إليه، وينبغي أن يجتنب منها ما طبيعته توليد الرياح فكل ما يتولد الرياح عنه رديء بطيء الانهضام، وأجود الحبوب للاغتذاء السمين وما تناهى إدراكه ولم يكن فجّاً ولا عتيقاً عفناً كالفتي من الحيوان بين الأطفال والمسان ويعتمد لبابها، ويجتنب قشورها، فإن القشور تولد كيموساً غير محمود، والفواكه قليلة الغذاء ومن أفضلها التين والعنب، وهما مع ذلك إذا لم ينهضما ولدا أمراضاً رديئة والإكثار من جميع الفواكه ومن هذين النوعين رديء لإسراع العفونة إليها في المعدة واستحالتها إلى الكيفيات الرديئة ويجتنب قشورها فربما لصق القشر بالمعدة والأمعاء فضر ويهجر كل ما كان فجاً وقديماً عفناً من جميع أصنافها والبقول لايكاد ينهضم منها إلا ما كان مطبوخاً لأنها عادمة النضج في جميع أحوالها إلا أنها في أول منبتها ألطف ويجب أن يجتنب أكلها بالجملة كل معنيّ بحفظ الصحة فإن دعت شهوة أو ضرورة فالفوذيخ ؟ فإنه يقوي المعدة والهندباء فإنه يصفي الدم، والخس فإنه يرطب ويقمع الصفراء ويهجر ما له حرافة وحدة إلا أن يطبخ في جملة الطعام. صنعة الطعام إحكام صنعة الطعام أحد قوانين حفظ الصحة لأن الطبيعة تشتهيه فتستمريه وقوام الطعام معنيان نوع الغذاء وصنعه وقوت الصنعة أضر من رداءة النوع، لأن الرديء النوع قد ينقله أحكام الصنعة إلى أن يلتذ ويشتهى. والجيد النوع قد يجري أمره بالضد فيقل ميل الطبيعة إليه ونيلها منه وما فاته جودة الصنعة حل من الطبيعة محل الدواء المستكره لا الغذاء المشتهى وربما ولد أمراضاً لنفار الطبيعة منه وقلة احتوائها عليه ويبلغ من الانتفاع بقوة الشهوة أن الضار قد يصير بها نافعاً بجودة الاستمراء له واستيلاء القوة عليه حتى أن المرضى ربما اشتهوا شيئاً رديئاً فأصلحت قوة الشهوة فساد مزاجه فقلَّ لذلك الاستضرار به، وأحوج الناس إلى هذا الباب من اعتاده ومرنت حاسة الشم منه عليه وارتاضت مذاقته به والجفاة الطبع أقل حاجة إلى التدقيق في هذا الباب أولاً لجفاء التركيب، وثانياً لفقد العادة في الارتياض لمعرفة الطيب وغيره فقليل الصنعة كثير عندهم، وثالثاً أن كثرة حركاتهم تجود هضم معدهم حتى يستمروا من الخبز الفطير ومن اللحم ما ناله الأشمام ولا يستضرون بشيء منه بل يناسبون الحيوانات الصامتة في أكثره وأولى الأشياء بالتقية فيه الخبز لأنه أصل الغذاء والراتب منه وأصوب ما يستعمل فيه المبالغة في إنضاجه فإن القليل النضج منه يولد فيالبدن أخلاطاً غليظة وأدواء خبيثة، والخبز الخشكار أكثر حرارة وأسرع هضماً لحرارة نخالته. والحواري أبطأ انهضاماً وإذا انهضم كان أكثر غذاءً وأفضل جوهراً وبالجملة فكل ما فاته النضج فالآفة فيه على البدن عظيمة جداً ولا يتناول منه الحار لوقته فإنه بمثابة مالم يدرك ولا اليابس فإنه بمثابة القديد وكلاهما إذا أصابه الماء في المعدة انتفخ وربا كما يصيبهما إذا صب عليهما الماء خارجاً عنه، بل ما كان مخبوزاً ليومه أو غده ثم اللحم ومن التدبير فيه إنضاجه ويتجاوز ذلك فيمن ضعفت معدته إلا أن يهرا له تهريةً، فأما من قوي هضمه كرجال الحرب فالصواب أن يتناولوا من الخبز الفطير ومن اللحم المشوي ما لم ينته نضجه ليتولد لهم اللحم الصلب الكثير المحتمل للألم فإن اختمار العجين وتهرية اللحم يقلل قوتهما، وما كان من الحيوان رطباً كالسمك والحملان الرضع شوي ليقلل رطوبته وما كان مسناً طبخ ليقلل رطوبة الطبخ يبوسته، والشواء يؤبس الطبع والطبخ يحله، وما عمل بالكانون أخف مما عمل بالتنور، لأن التنور يغمه فيرجع إليه البخار فيكسبه ثقلاً ووخامة وأغباب شواء التنور أصلح ويستعمل بعد شوق إليه، وشهوة له تعين على هضمه ويطيب الطبيخ بلباب البصل والحمص ومآئهما دون قشورهما وجملة جرمهما وبالجملة فاللب من كل شيء أكثر نفعاً وأقل ضراً من القشور، ويجتنب الأشياء الحريفة كالخردل والثوم فربما لذعت الآت الغذاء وقرحتها كما تفعل في ظاهر البدن قلت وهذا الحنين فيه قول يدل على أنها تقرح الظاهر وتعفن الباطن وإذا انهضمت الأشياء اللذاعة أحدثت في الكيموسات كيفية حادة حريفة مضرة جداً لأن الذي تفعله استحالة كيفية الدم أضر مما تفعله كميته ويجب أن يجتنب التي منها حتماً وأصلح الأطعمة ما لم يغلب عليه طعم فإن الطعم الغالب يدل على الكيفية الغالبة وأشد الطعوم ومشاكله للدم الحلاوة، ولذلك تشتد شهوة الصبيان لها لأنهم في سلطان الدم والحلو الأصلي كالتمر والعسل أشد تسخيناً للدم وإحراقاً له من الحلو الدسم كالفالوذج ونحوه وهذه المركبة أقل غائلة في تنوير الحرارة لأن الدسومة تقاوم تلك السورة إلا أنها أثقل على المعدة لمكان الدسومة وشرب الماء على الحلو الأصلي أنفع من شربه على المركب لأن الماء يمازج الأصلي فيكثر حلاوته ويعدله ولا يمازج الدسم فيعقب لذلك تخماً، والأصلح في تناول الحلو استعماله عباً وبعد الشوق الشديد ثم الإقلال وقصد اللطيف كالمعمول من السكر الطبرزد واللوز والحامض يفتق الشهوة إلا أنه أقل غذاءً من الحلو وهو مضر بالعصب، ويعق! ب الهزال والنحافة، وأصلح الحموضات الخل فإن فيه تحليلاً وتلطيفاً، والمالح معين على الهضم ويعتبر ذلك من تأثيره في الأشياء التي يطيب بها فيدفع العفونة والفساد عنها وهو ينوب عن الأفاوية الحارة مع سلامته وقلة غائلته، ويجتنب أكل الطبيخ الحار الذي في بقية عليانه ولم تفارقه الأجزاء النارية فإنه كالشيء الذي لم يدرك، والغاب والفاسد رديء لا خير فيه. . . . أوقات الأكل أصلح أوقاته وقت الحاجة إليه وتجتنب استعماله بالعادة في وقت يعينه في كل يوم أو بالمساعدة أو بالشهوة الكاذبة فإنه يحدث حينئذ أمراضاً خبيثة والغداء والعشاء يصلحان للعامة ويجب أن يخفف الغداء لئلا يثقل البدن عن التصرف في المعاش ويستوفوا العشاء لأن النوم يتبعه فيعين على هضمه فلليل خاصية في تجويد الهضم ليست لنوم النهار إلا أن العشاء ربما أضر بالرأس والعين لأن قوة الهضم تحدث أبخرة كثيرة، فأما الملوط فصدر نهارهم مشغول بمهماتهم وهم يستكثرون مع ذلك من الألوان فلا يبقى فيهم فضلة لأكلة أخرى، بل الواجب أن يستقبلوا الليل بعد النوم الذي يعين على هضم الغذاء وهم في نهاية الجمام والنشاط للسهر والمؤانسة وإن دعت أحدهم نفسه إلى أكلة ثانية وليس ذلك بصواب له فليحذر اللحم والدسم ويقتصر على الخبز لا يكاد يعرض منه تخمة ولا يثقل إلا أن يفرط في الإكثار منه ويجعل أدمه في هذه الحال من الحموضات والملوحات وليحذر كل الحذر ويتوقى كل التوقي أكله بين شرايين فإنه مجرب الضرر ولا يكاد مستعمله يسلم منه. تقدير الطعام الحمية أصل الطب. وقلة الأكل أفضل العلاج، وحد ذلك أن يمسك عن الأكل وقد بقيت من الشهوة بقية تدعوه إلى الازدياد، فإن الطعام يربو وينتفخ في المعدة بعد أكله فإذا أمليت به ولم يترك فيها فضاء لرتوه أحدث الكظة وأوجب التخمة وتولدت عنه الأمراض الرديئة، ومن ضعف هضمه، جعل أكله دفعات وخففه واقتدى فيه بتدبير الطبيعة في تفريقها غذاء الأطفال وبتقليله في كل مرة، وينبغي ان تكون الجرأة على الأكل في الشتاء أكثر لانهزام الحرارة إلى غور البدن ويستعمل في الصيف ضد ذلك ويقصد في زمان الصيف اللطيف من الأغذية كالبوارد. ترتيب ألوان الطعام يجعل الأخف قبل الأثقل ولا يبتدئ بالدسومة فتفقر الشهوة وتلطخ المعدة بل يقدم الحامض بالخل فإنه يحلل أجزاء ما لاقاه فيفتق الشهوة ويمكن لما سواه ولا يقدم الشيء الحلو فإن الطبيعة لميلها إليه تستولي عليه فينقطع به عما سواه ولا يبتديء بالشواء فإن القوة الهاضمة إذا تعلقت به قهرها فاقتصرت عليه فلم يمكن الاستكثار من شيء بعده ومن كانت معدته باردة فيجب أن يستعمل الفاكهة بعد الطعام بساعة جيدة ليلحق خفته الثقيل المنهضم قبله. صفات الأكل يجتنب تعظيم اللقم وسرعة الأكل. وإن لا يخلط في الأطعمة فإن في هذا الأدب فوائد ولها أنه أبلغ فيالاستيفاء من الطعام وأهون على الهضم الجيد وأبعد من الكظة لأن الذي يصل إلى معدته الشيء بعد الشيء من الطعام تستولي عليه القوة الهاضمة وتتمكن في الهضم، واللقم المتتابعة تقبر هذه القوة وتغص المعدة فيتولد عنها الفواق والجشاء المؤذي المستقبح وكذلك حال الماء في امتصاصه والعدول عن عبه وتأني الأكل أبعد من مشابهة الحيوانات التي تتناول أغذيتها بالنهم والشره وأحرى أن لا يستقذر الإنسان وتعاف الأنفس مؤاكلته ثم إن كانت عنده دعوة أو جماعة كان تأنيه أمكن لهم في تناول حاجتهم فمن رزق هذه العادة وإلأا فليرض نفسه عليها، ويجتنب الأكل على حال انزعاج من النفس وما ينسيه ثم يتناول الغذاء بعده ويسر نفسه بمحادثة المواصلين، ومؤانسة المنادمين فإن ذلك معين على نجوع الغداء ولذلك كانت الملوك لا تنام ولا تشرب ولا تأكل إلا على سماع ملذا أو حديث ممتع وإن لم يتمكن من النوم بعد الأكل فلابد من اضطجاعة أو تكأة فإن الانتصاب والقعود تعب والتعب يمنع من تمام الهضم. إسبانيا والعمران العربي دثرت المدنية الإسلامية الباهرة لا بأيدي المسيحيين الذين كانت تخشى بأسهم بل بصنع أناس من المسلمين أنفسهم نسفوها نسفاً وأعني بهم المرابطين. ولم يلتجيء أمراء العرب في الأندلس إلى هؤلاء الإفريقيين القساة المتبربرين الذين حملوا إلى الإسلام روح تعصبهم المنبعث من ضيق عقولهم الجاهلة إلا بعد أن أوجسوا خيفة على حياتهم وزاد سوء ظنهم في العواقب. هلك المعتضد ونفسهتحدثه بالشر الذي يجره على بلاده وأخلافه. وبينما كان ألفونس السادس ملك طليطلة إذا هو قد أصبح ملكاً على إشبيلية وقرطبة وغرناطة وغدا الأندلسيون مهددين من جهتين فرأوا أن يستسلموا لأبناء دينهم من المرابطين ليدفعوا غارة المسيحي عنهم وهو عدوهم القديم. وفيسنة ١٠٨٦ هزم يوسف بن تاشفين وعصاباته الإفريقية ألفونس السادس في وقعة الزلاقة شر هزيمة وفي سنة ١١٠٠ كتب لهذه العصابات أن تطرد عامة ملوك الطوائف أو تقتلهم وفيعام ١٠٢٧ استرجعوا مدينة سرقسطة وخضعت إسبانيا كلها لملك مراكش. وإن الثلاثة الملوك من المرابطين الذين استولوا على الأندلس منذ سنة ١١٠٠ إلى ١٤٤٥ وهم يوسف وعلي وتاشفين كانوا على شجاعة فيهم ضعاف المدارك موسومين بالتعصب لا وقوف لهم على اللغة بل ولا على آداب العرب وأخذوا بتحريض الفقهاء يضطهدون الشعراء والعلماء والفلاسفة باسم الدين حتى اضطر هؤلاء أن يصمتوا أو أن يفروا بأنفسهم إلى بلاد أعدائهم القدماء ملوك قشتالة ونزلوا مدينة طليطلة حيث توفروا على تخريج النصارى يعلمونهم من أحكام الترقي ما كان ينقصهم للحاق بالمسلمين. ومن الغريب أنه لم ينشأ على عهد عبد الرحمن الثالث والحكم الثاني على كثرة حرصهم على المعارف علماء متجرون وفلاسفة عظام في البلاد الأندلسية المستعربة. وعلى العكس كنت ترى الفلاسفة يكثرون في عهد الشدة أيام أخذ المتعصبون من أهل الدين يطاردون كل من يجرأ في أرض الأندلس على مخالفة مذهب مالك. نعم كانوا ينبغون على حين غرة من أولئك المتنطعين وينيلون إسبانيا العربية مجداً لم يبلغه المسلمون أيام كانوا مشارقة صرفاً. فجاء الأندلس أمثال ابن باجة وابن الطفيل وابن زهر ولاسيما أبو الوليد ابن رشد الذي تخرج بابن باجة وانتمى إلى ابن الطفيل وصحب ابن زهر. هذه الفلسفة التي انتقد عليها فيما بعد لخلوها من الإبداع قد كان لها شأن عظيم في حضارة القرون الوسطى بأن كانت واسطة النقل إلى الغربيين الذين أضاعوا حتى الاسم من معارف اليونان على ما تلقتها عنهم مدرسة الإسكندرية وبفضل هذه المدرسة تسنى لعلم الفلسفة واللاهوت علم الكلام في القرون الوسطى في الغرب أن تتصل التقاليد المدرسية بآداب النهضة. كان للشعراء مقام كريم بين الناس بمافطروا عليه من التصورات فكانوا على طبيعتهم الشرقية لا يأتون ما يخالف روح الإسلام وكان الملوك بما فيهم من الاستبداد الطبيعي والأغراض السياسية يمقتون الفلاسفة. هذا إلى ما هنالك من حقد المتنطعين والمتفقهين وما جبل عليه الشعب الإسباني من أخلاق التعصب وكان الإسبانيون بانتحالهم الإسلام يزيدون المسلمين تعصباً إلى تعصبهم. وكان عبد الرحمن الثالث والحكم الثاني من التسامح على جانب مع العلماء ولقد اتهم المنصور حاجب هشام الثاني بأفكاره الفلسفية فلم يدفع عنه هذه التهمة إلا بتكبير مسجد قرطبة ونسخ القرآن بيد، وإدرار الهدايا والعطايا على العلماء والفقهاء وتخريب خزانة كتب الحكم الثاني لأنها كانت عبارة عن كتب فلك وفلسفة وجغرافيا وطب فأحرقت وبإحراقها بادت إلى الأبد كنوز لا تقدر بثمن ونال لقاء ذلك رضا المتنطعين فخلا له الجو في قصره وأخذ يشتغل بالدروس التي يحظرها على الناس ويشتد في الإنكار عليها. وما أتاه من هذا القبيل سياسة قام به المرابطون مدفوعين إليه بعامل من الاعتقاد ونابل من أمزجتهم. فكما أحرقت سنة ١١٥٠ كتب ابن سينا في بغداد بأمر الخليفة رأينا بابن باجة يسجن بدعوى المروق من الدين ويضطر ابن واهب من إشبيلية أن يخلى عن دروسه الفلسفية إبقاءً على حياته ويقتل ابن حبيب من أهل تلك المدينة لاتهامه بالفلسفة. ويضطهد ابن الطفيل حتى يضطر إلى الاعتراف جهاراً بإيمانه الصحيح ومعتقداته الخالية من الشوائب. وهكذا انقضى زهاءُ قرن والكتب تحرق في أطراف إسبانيا الإسلامية وبها يبيد أثمن ذخر من الآداب العربية. حاول السلطانان الأولان من الموحدين وهما عبد المؤمن ويوسف وكانا يميلان إلى الحرية أن يخففا من تعصب عصاباتهما ومن تشدد المتنطعين من المتصوفة حتى حظر عبد المؤمن إحراق الكتب على نحو ما كان يفعل المرابطون لإبادتها وأحسن معاملة ابن الطفيل وابن زهر وابن باجة. وأغدق يوسف وكان أعلم أمراء عصره على ابن الطفيل من إنعامه الشيء الكثير وقرأ عليه فلسفة ابن رشد وفوض إليه أرقى المناصب ومنها منصب القضاء في إشبيلية ثم أقامه طبيباً أول فيقصره ١١٨٣ ووسد إليه منصب قاضي القضاة في قرطبة على نحو ما كان أبوه وجده. وأفاض عليه يعقوب المنصور بالله ما كان له من أسلافه وزاد عليه ولكن إرادة شخص ولو كان ملكاً لا تقوى على صد هجمات تيار الرأي العام ولاسيما في عصر كان فيه سلاطين الموحدين مضطرين إلى إضرام جذوة التعصب فينفوس رعاياهم المسلمين من الأندلسيين لمعاكسة ملوك قشتالة وأراغون الذين كانوا على الدوام يتقدمون إلى الأمام. وفي سنة ١١٩٦ بعد وقعة الأركوس التي كتب فيها النصر للمنصور على ألفونس التاسع صاحب قشتالة قويت شوكة الحزب الديني في القصر السلطاني ونكب ابن رشد على شيخوخته نكبة هائلة تناولت كثيرين من العلماء والأطباء والشعراء بل والفقهاء متهمين بحرية الفكر والخروج عن مقصد الجماعة. وطرد العامة ابن رشد على أبشع صورة من الجامع الأعظم في قرطبة وكان ذهب إليه لأداء الصلاة مع ابنه عبد الله الذي كان من أعظم عمال تلك المدينة ونفي إلى مدينة لوسنا اليهودية. وفي غضون ذلك صدر أمر من المنصور يحظر فيه على مراكش وإسبانيا درس الفلسفة المضرة والعلوم وما يتعلق بها ولم يستثن من هذا الحظر إلا الطب والحساب ومبادئ الفلك. وعهد بتنفيذ أمره إلى ابن أخت ابن زهر وكان فيلسوفاً كخاله فصدع بالأمر والخوف رائده. ثم إن ابن رشد نال الرضا من سلطانه قبل موته بأربع سنين وعاد المنصور يتوفر على دراسة ما كان يحظره على أمته من العلوم ولكن بعد أن ضربت الفلسفة الإسبانية العربية ضربة لا يجبر كسرها. وإذ طردت العلوم الإسلامية من بغداد ومراكش وإسبانيا لم يبق لها غير مصدر واحد تلجأ إليه في طليطلة حيث طلبت حماية الدول المسيحية التي هي ألد أعدائها وكان سبقها إلى تلك العاصمة كثير من المسيحيين والإسرائيليين من أهل الأندلس فزعوا إليها لتحمي حياتهم ومعتقداتهم. وإذ كان المرابطون والموحدون متعصبين بالفطرة اضطروا أن يتظاهروا بالتعصب سياسة أيضاً فكانوا يعيشون في جهاد دائم لمقابلة المسيحيين من سكان الشمال الذين لم يكونوا دونهم في الانغماس بحمأة التعصب أيضاً للدفاع عن كيانهم في بلادهم ولم ير أولئك المرابطون والموحدون وسيلة إلى بث دعوتهم في نفوس أبناء دينهم أحسن من إثارة روح التعصب في جمهور العامة المتعصب وليس من سبيل إلى إقناعهم إلابتحسين دينهم لهم واضطهاد غيره من الأديان. فلا عجب من ثم إذا عومل نصارة الأندلس بأقصى الشدة وخربت كنائسهم وصودرت أموالهم وغدوا على الدوام مهددين في حياتهم. ولما عيل صبرهم استصرخوا ألفونس السابع المعروف بحبه للحرب والضرب فاقتصر من نجدتهم على غزو المسلمين في عقر دارهم ولكن بدون طائل إذ قاسى مسيحيو الأندلس من تلك الغزوات ضروب النكبات فقتل بعضهم أو نفي إلى إفريقية ١١٢٥ على صورة متوحشة بحيث هلكوا بأسرهم قبل أن يبلغوا منفاهم. وجرى استئصال شأفة النصارى سنة ١١٣٦ على أقسى وجه حتى لم يبق منهم باقية في الأندلس ومن نجوا من الموت والتشريد لجؤا إلى قشتالة. وهكذا أسدى المرابطون والموحدون لنصارى الشمال معروفاً عظيماً غير متوقع بما توفروا على القيام به من العسف حتى نقضوا العهد الذي كان عقد بين إسبانيا الجنوبية والمسلمين العرب وقووا الشعور الوطني والتحمس الديني في الأندلسيين وجمعوا بين الإسبانيين من سكان الشمال ومن سكان الجنوب بما بينهم من أواصر الجنس والدين فقاموا قومة رجل واحد في وجوه المسلمين مسوقين إلى ذلك بحب الانتقام المتأصل بين الإسلام ومن يخلفه. وما كان الاضطهاد الذي نال أهل الصناعات الوديعين من المغاربة بعد خمسة قرون إلا جواباً طال التفكر فيه ودعت إليه قسوة المرابطين والموحدين وكان نتيجة تعصب مماثل لذاك التعصب ورأي سياسي مشابه لتلك الآراء وإن كان إلى الصراحة أقرب. ولم يلبث امتزاج الشعوب الإسبانية على اختلاف العناصر والدين إن أثمر الثمرة المطلوبة فانهارت قوة الموحدين في وقعة لاس نافاس دي تولوزا ١٢١٢ ) وسقطت قرطبة ١٢٣٨ ) وإشبيلية ١٢٥٤ وبلنسية ومرسية في أيدي الإسبانيول وغدا هذا الاسم بعد حين جامعة دينية أكثر مما هو جامعة جنسية لأن جميع من لم يرتدوا عن الإسلام دخلوا في سواد العرب البربر وامتزجوا فيهم أي امتزاج. وإن المغاربة الذين رضوا بأن يعيشوا في الأندلس عيش التنبت إلى القرن السابع عشر ليصعب عليهم أن يبرهنوا على أنهم من دم إفريقي ثم أنه يتعذر على الإسبانيول أيضاً أن يذكروا أنسابهم لأن بعضهم مخضرمون خلاسيون فيهم الدم العربي وقليل منهم سرى إليهم دم البربر إبان الفتح وآخرون أصبحوا إفريقيين صرفاً عند زوال ذاك السلطان وخفوق راية الإخفاق على ربوع الأندلس الإسلامية. ومما قوى أمل المسلمين في المستقبل وزادهم نشاطاً كثرة عديدهم فقد طرد منهم فرديناند الثالث بعد دخوله إشبيلية زهاءَ ثلثمائة ألف مسلم من أهل هذه المدينة فلجؤا من إشبيلية إلى قرطبة وجيان وبلنسية وغرناطة حيث بقيت دولة بني نصر مائتيني وخمسين سنة أيضاً وعلى هذا كانت غرناطة آخر ملجأ للعمران العربي أزهر أي أزهار عندما أوشك بالانقراض فرأت حدائق الحمراء البهجة كبار الشعراء والمؤرخين من العرب أمثال محمد بن الخطيب وابن خلدون يجتازانها هما وابن بطوطة الجغرافي العظيم. كان من نتائج وقعة لاس نافاس دي تولوزا أن حررت إسبانيا من رق العبودية للمسلمين وأدرك ملوك قشتالة أن ليس من العقل مقاطعة الماضي القديم وأنهم في حاجة بعد إلى أن يتعلموا من معلميهم القدماء ومنافسيهم الألداء المسلمين فحاول ألفونس العاشر خليفة القديس فرديناند الثالث واكن أوسع ملوك عصلره مدارك أن يعمل لإسبانيا المسيحية ما عمله العرب لإعلاء شأن الإسلام وذلك بالأخذ بأحسن ما فيالحضارتين ومزجهما بالحضارة الإسبانية. فأسس سنة ١٢٥٤ في إشبيلية مدرسة عامة لاتينية عربية وحفظ لمدينة مرسية رونقها العربي الصرف واستدعى إلى عاصمته العلماءَ من جميع الملل والأجناس ليؤسس مدرسة طليطلة الثانية وقوامها اختيار أحسن المعارف النافعة وهي أقرب إلى التسامح من المدرسة الأولى إذ كانت تجمع إلى التقاليد اللاتينية الحضارة العربية والعلم العبراني. وذلك لأن الإسرائيليين على سعة آمالهم في أحكام صلات التآلف بينهم وبين مسلمي الأندلس وما عرفوا فيه من مرونة الأخلاق قد عوملوا أسوأ معاملة وأوذوا في أنفسهم كما آذى المرابطون والموحدون نصارى تلك البلاد. فقتل الإسرائيليون ونفوا ومن سعدهم أن لجؤا إلى أرض ملوك قشتالة وأراغون الذيمن أحسنوا استقبالهم وكان لهم في بلاطهم شأن مهم أواخر القرن الخامس عشر فكان منهم أمناء الخزائن ومستشارون وأطباء للملوك. وبلغ عددهم في طليطلة أيضاً زهاء اثني عشر ألف شخص. وظل اليهود إلى ذاك الحين أقدر التراجمة على نقل الحضارة العربية وبما ترجم منها إلى لغتهم نجت أثمن آثار تلك الحضارة لأن الموحدين والمرابطين أخذوا يبددون كتبها عامة. وكان زان بن زاكت ويهوذا هاكوهن والربان زاك هم الذين نقلوا لألفونس العالم معظم كتب التاريخ والفلسفة والفلك عند العرب مع الشروح التي علقها عليها الشراح. وأتى دهر ظن فيه أن ألفونس العاشر سيحيي إسبانيا بعد موتها. ظهرت الكنيسة أنها طمع في تنصير المسلمين بالبرهان فوضع أحد الرهبان الدومينيكيين واسمه رامون مارتي أول معجم عربي باللغة الإسبانية سنة ١٢٣٠ وفي سنة ١٢ — ١٣١١ امتدح البابا كليمان الخامس في إحدى المجامع الدينية من إنشاء كرسي لتعليم العربية في مدرسة سالامنكة. وفي أواسط القرن الثالث عشر كان الدومينيكيون مثالاً لغيرهم بإنشاء مدارس لتعليم اللغات الشرقية ليقف رهبان من أهل الغيرة على لغات غير أبناء دينهم ومعتقداتهم ويباحثوهم ويجادلوهم. وقد أنشأ يعقوب الأول صاحب أراغون مدرسة مثل هذه في ميرامار إكراماً لثلاثة عشر راهباً فرنسيسكانياً وأخذ المجمع الديني في طليطلة ينفق على طغمة من الرهبان مؤلفة من ثمانية أشخاص ينقطعون إلى دراسة اللغة العربية ليقاوموا الفقهاء والمشايخ بسلاحهم. وعلى هذا التقليد ظلت الجمعيات الدينية ولاسيما الفرنسيسكان إلى القرن الثامن عشر في إسبانيا هي القائمة بدعوة الاستشراق أي درس آداب الشرق ولغاته وتاريخه. كانت وطنية الإسبانيين متشبعة بروح السخط وحميتهم قائمة على التعصب وعدم التسامح وسياسة ملوكهم إلى الشدة ولذلك نالوا ما طمحت إليه نفوسهم من استتباع المسلمين بدراسة علومهم وقد نشأت من هذا الاحتكاك حضارة ذات قلب وإبدال مركبة من حضارتين مهمتين بغناهما ثم استقل الإسبانيون بعقولهم المرنة الشديدة المروضة وأصبحوا مصدر حضارتهم ومقرري مدنيتهم. اعترفت إسبانيا بما هي مدينة به للحضارة العربية بما حفظته لها في مدارسها من الشأن حتى بعد أن تحررت من قيودها. كان في سالامنكة التي استحقت أن تجعل في مصاف باريز وأكسفورد وبولونيا إحدى المراكز العلمية الأربعة في الغرب سبعون حلقة للتدريس وربما بلغ عدد طلبتها سبعة آلاف في القرن السادس عشر ولم تنل هذه الشهرة الطائرة أولاً إلا لكونها بتأثير العلم العربي أقامت على أساس معقول تعليم العلوم الطبيعية والطب التي كانت إلى ذاك العهد مغشاة بتجارب تافهة وعمليات مضحكة من نحو السحر والطلسمات. ولم يكن في سالامنكة في أواخر القرن الثالث عشر على عهد البابا بونيفاس الثامن غير خمسة وعشرين حلقة للتدريس منها حلقة لليونانية وأخرى للعبرانية وثالثة للعربية. ولقد أصيبت هذه الحركة المثمرة المباركة بضربة شديدة عندما عاد ملوك الكاثوليك فاستولوا على غرناطة سنة ١٤٩٢ واستصفوا أرض إسبانيا وأبادوا آخر مملكة إسلامية من شبه جزيرة الأندلس. ومنذ ذاك العهد أعادت حرب لا على دين أصحاب تلك البلاد ونعني بهم المسلمين بل على جنسيتهم ومدنيتهم. وقد جرت العادة بأن تلقي تبعة هذا العمل على رجال الدين من الإسبانيين ممن كانوا في الحقيقة متفانين في تنفيذ هذا العمل وذاهبين بفضل الربح فيما قاموا به من الذرائع على أن هذا الحكم لا يخلو من غلو ووضع المسؤولية في غير موضعها وذلك لأن ملوك الكثلكة مثل شارلكان وفيليب الثاني وفيليب الثالث الذين نسب إليهم الفخار بهذه الأعمال هم اليوم يبوؤن بالقسم الأعظم من العار. فكانت الشدة فيهم منبعثة عن رأي سياسي كاذب أكثر مما هي عن تعصب ديني ويراد بها التوسع في الملك على وجه سخيف. فطمع الإسبانيون بعد الوحدة السياسية والملكية التي نالوها بالصبر عليها قروناً أن يضموا إليها الوحدة الأدبية المتناهية في الخيال وهي التي كان يتصورها لويس الرابع عشر بفكره القاصر وانتهت بفسخ الأمر الصادر في نانت. وكان الفكر السائد منذ عهد فرديناند الكاثوليكي إلى فيليب الخامس بين جميع حكومات إسبانيا أن يعملن كلهن على تطبيقه على ضعاف المغاربة بالشدة التي جرين عليها في الأزمان السالفة فكن يقاومن أمراء المسلمين في الأندلس مقاومة ليس بعدها مقاومة. ومثل ذلك كان يجري على الإسرائيليين بصورة أكثر شدة ولكن لا تكاد يشعر بها لأن اليهود كانوا عبارة عن طائفة أقل من المسلمين وكان الغضب والأحقاد الشخصية تصب عليهم في الفترات متقطعة ثم زاد التعصب الإسباني وعجل بالقضاء على كل مخالف. وأكد فرديناند وإيزابيلا للمغاربة في غرناطة والأندلس بأنهم في حلٍّ من البقاء في أرض إسبانيا وأن يكونوا أحراراً في دينهم على شرط أن لا يدعوا إليه وأن تجعل جميع مساجدهم كنائس كاثوليكية. ولما قضى نحبه الكردينال بدرو كونزالز دي مادوزا سنة ١٤٩٥ قام الكردينال كسيمنس دي سيسنروس رئيس أساقفة طليطلة ومن قدماء الأساتذة ومن الشاهدين على ما قالته إيزابيلا وحاكم إقليم قشتالة ينقض العهد الذي تم مع المسلمين رياءً ونفاقاً. وكان هذا الرجل معروفاً بسعة نظره وقوة عارضته في العمل بكل رأي يراه صواباً فيدعو على العمياء لتأييد الحكم المطلق للمقام البابوي أو للحكومة الملكية. وأنشأ القوم بعد ذلك لا يكتفون بدعوة المسلمين إلى النصرانية بل يتطلعون إلى تعميدهم أو طردهم فجرى تعميد ألوف في إشبيلية وطليطلة وقرطبة وغرناطة من أولئك البائسين من المسلمين ممن اضطرتهم المصلحة والخوف واحترام المتغلب وحب الأرض التي ولدوا فيها أن يرضوا بتغيير معتقداتهم وقلوبهم منكرة عليهم أعمالهم ثم تكفل ديوان التفتيش الديني بمراقبتهم لتتبين له طهارة اعتقادهم. ومنذ سنة ١٥٠١ — ٢ طرد من قشتالة ومملكة غرناطة كل من ظلوا محافظين على الإسلام ولم يعد للدومينيكيين والفرنسيسكانيين من حاجة لتعلم العربية ليتمكنوا بها من مجادلة الفقهاء وتخلوا عن علومهم لأنها أفسدت أفكارهم وزهد المسيحيون في علوم المسلمين إذ قام في أذهانهم أنها خطرة عليهم. ولذلك رأينا الكاردينال كسيمنس عندما أسس أو أحيا سنة ١٤٩٩ كلية الكالادي هنار استنكف أن يضيف إلى دروسها حلقة لتعليم العربية مع أنه نسج في تأسيسها على منوال مدرسة سالامنكة وجعل فيها حلقتين لتدريس العبرية واليونانية فرأى أن تكون هذه المدرسة الجامعة لتلقي علوم اللاهوت وأن تبث الدين الذي يريد الملوك والبابا أن يروه غاماً موطداً الدعائم من أقصى إسبانيا إلى أقصاها. وكان أعظم أستاذ في سالامنكة في القرن السادس عشر فري لويس دي ليون شاعراًً لاهوتياً وفيلسوفاً مستشرقاً يحسن اللغة العبرية كل الإحسان ولكنه يجهل العربية. صدر أمر الكردينال كسيمنس سنة ١٥١١ بعد أن أحرق في ساحات غرناطة كمية من الكتب العربية ولاسيما من المصاحف المخطوطة أن تباد كتب العرب من بلاد إسبانيا عامة فتم ذلك بغيرة عمياء مدة نصف قرن ولولا تلك المترجمات إلى العبرية واللاتينية لقضي على الحضارة العربية بجملتها التي امتد رواقها على إسبانيا مدة ثمانية قرون ولم يبق لعينها من أثر. وكاد ديوان التفتيش الديني على ما أخذ به نفسه من إبادة كل أثر للعرب أن يجعل طعاماً للنار تلك المخطوطات العربية التي حفظت في خزانة كتب الأسكوريال لولا أن تلطف الماركيز فيلادا وحال دون إحراقها. أما متنصرة المغاربة الذين دانوا بالنصرانية مكرهين فلم يكونوا يستطيعون إبداءَ أسفهم إلا سراً وفي الكتب العربية المكتوبة بالعجمية أي الإسبانية المكتوبة بحروف عربية دليل على تعلق أولئك المتنصرة بقديمهم. ولم يحظر فيليب الثاني سنة ١٥٥٦ على متنصرة المسلمين حمل السلاح فقط بل منعهم من استعمال اللغة العربية وأرادهم على أن تنزع من أسمائهم التراكيب العربية ومن أجسامهم الألبسة الشرقية ليدل بذلك على أنه يريد مزجهم في سواد أبناء المذهب الكاثوليكي. ثم إن قدماء المسيحيين من الإسبان كانوا كل حين يحتقرون أولئك المتنصرة على نحو ما كان العرب قديماً أيام عزهم يزدرون بالمولدين ولما ضاقت صدور المغاربة انتفضوا على احكومة فشتت شملهم في أودية البوجاراس وبعد مقاومة شديدة نفي أولئك المتنصرة أو سجنوا في أواسط بلاد إسبانيا وأصبحوا أمراء ١٥٥٨. سيم المسلمون في إسبانيا سوء العذاب فحاولوا ثانية أن يشقوا عصا الطاعة على عهد فيليب الثالث وعندها نفوا آخر مرة وعددهم نحو مليون نسمة على صورة قاسية سخيفة. ولم يبق إذ ذاك من الحضارة العربية واللغة العربية غير ذكراهما البعيد وأصبحتا مزدرىً بهما. وهنا لا يسعنا إلا الاعتراف بأن الإسبانيول عاملوا الكتب والناس على نحو ما جرى المرابطون والموحدون وكانوا يمقتون أكثر لو لم يستعيضوا عن المدنية التي قضوا عليها بمدينتهم التي كانت إذ ذاك في أوائل أنبلاج فجرها فإن تخالفت النتيجة فالطرق إليها سواءٌ في اللوم والتقريع. ومما لا يقبله العقل لولا أنه حقيقة أن إسبانيا التي كان للمدنية العربية عليها أيادي بيضاء قد بلغت بها الحال إلى أن تناستها بالكلية. فكان يزهد خلال القرن السابع عشر والثامن عشر بالمرة في تعليم اللغة العربية في أرض إسبانيا ولم يكن له أثر إلا إذا كان على طريقة سرية إفرادية وغدا الاطلاع على العربية نقصاً وربما اتهم من يتعلمها بالإلحاد ولم تبق مدرسة تريلنك لرهبنة الفرنسيسكان في إشبيلية من أساليب تعلم العربية إلا أثراً ضئيلاً فكان يكفي الطالب منها أن يلفظ الأسماء المستعملة ليذهب بعد إلى إفريقية وآسيا داعية للنصرانية ومن كان يحب التقدم منهم في معرفتها مجذوباً بما حوت من الآداب الغنية لم يبلغ شوطاً كبيراً في معرفتها إذ لم يكن يراها أحد عنوان مجد لإسبانيا الكاثوليكية في عصره. ومن العدل أن يقال أن إسبانيا كانت منذ عهد فيليب الرابع إلى شارل الثالث تتخبط في المسائل الشاقة سواءٌ كان في شؤونها الداخلية أو الخارجية فلم يترك لها انحطاطها السياسي والعملي وقتاً ولا قوة لدرس العربية والتفرغ للبحث في تاريخ الحضارة الإسلامية وقد أوشكت على عهد شارل الثالث ملك الفلاسفة أن تعود العربية وآدابها إلى ما كانت عليه من الحياة في إسبانيا وإن كان بعض الإسبانيين إلى اليوم ينكرون على هذا الملك أفكاره على أنه كان له في إسبانيا الحديثة شأن أقل من فيليب الثاني وإن كان مثله في مكانته وسلامته ففيليب الثاني وشارل الثالث هما الملكان الكاثوليكيان اللذان بلغا بمملكة إسبانيا أوج الفخار أما شارلكان فهو أوربي أكثر منه إسباني وإن كانت إسبانيا بلد أمه. وبآثار ذينك الملكين يعثر في كل خطوة من يزور شبه جزيرة إسبانيا. فقد بلغ من جرأة شارل الثالث أن ضرب الماضي ضربة أدخلت إسبانيا في الحياة الجديدة التي أخذ شعوب الغرب يستمتعون بها فأراد وهو مشغول القلب بماضي مملكته شغله بسمتقبلها أن يعيد إلى إسبانيا عهد الآداب العربية فاستدعى لذلك رهباناً موارنة من سورية وأنفق عليهم النفقات الطائلة ليعلموا الإسبانيين لغتهم الأصلية الثانية. وكان هذا العمل من الصعوبة بحيث لم يكف عصر شارل الثالث ( ١٧٥٩ — ١٧٨٨ ) لإتمامه هذا مع ما وقف في سبيله من الأوهام والعثرات حتى إذا مضى لسبيله انقطع العمل الذي قصد إليه. بيد أنه يحق للنصف الثاني من القرن الثامن عشر أن يباعي بأساتذة متمكنين من أسرار العربية أمثال القصيري وكامبومان والأب بلانكري وكوندو وفري باتريسيو دولانور وغيرهم. جرَّت حروب نابوليون الويلات والاضطرابات على شبه جزيرة الأندلس وانقطع على عهد فرديناند السابع كل عمل يراد به إحياء العلم على نحو ما بدأ به شارل الثالث. ولما تولت الملك إيزابيلا الثانية قويت النهضة وخلصت النيات للتجديد ودخل الإصلاح إلى تلك الكليات القديمة التي كانت تتسكع في ديجور الباطل والعاطل إلا أن مسألة تعلم اللغة العربية كانت في الدرجة الثانية بالنسبة لما شرع فيه من إصلاح التعليم سنة ١٨٤٥ على يد المسيو جيل دي زارات وبفضل هذا عادت العربية تدرس في الكيات رسمياً. ولما استلمت الحكومة الإسبانية سنة ١٨٥٧ زمام إصلاح التعليم من دون رجال الدين أو الملك أو الأشراف ربحت اللغة العربية حتى كادت تعود إليها حياتها التي كانت لها في شبه جزيرة الأندلس منذ القرن الثامن إلى القرن الخامس عشر ثم إن فقد إسبانيا لمستعمراتها في أميركا وآسيا ضاعف حركتها العلمية وطمحت بها آمالها السياسية نحو استعمار أفريقية أي مراكش. فأخذت معرفة اللغات والآداب العبرية والعربية من تلقاء نفسها تدخل في قائمة دروس التعليم العالي وأصبحت المجموعة النفيسة من المخطوطات العربية الموجودة في مكتبة الأسكوريال ومكتبة الأمة ومكتبة المجمع العلمي التاريخي ميداناً للمستعربين من الإسبانيين يبحثون فيه ما شاؤا ويضاف إلى تلك الأسفار الثمينة المجموعة النادرة جداً من المخطوطات العربية المكتوبة بحروف عبرية الت احتفظت بها رهينة الكنيسة الكاتدرائية في طليطلة. دع عنك تلك النفائس التي اقتنتها بعد مكتبة العالم كايانكوس وما اقتناه الأستاذ كودرا في رحلاته إلى مراكش وتونس. وعندنا أن للمستشرق كايانكوس الفضل في أنه خط للمشتغلين بالعربية في إسبانيا طريقاً مهيعاً فقام على أثره زمرة من العلماء وفي مقدمتهم المحترم الدكتور فرنسيسكو كودرا الذي احتفل بيوبيله احتفالاً دل على عواطف أهل العلم الأوربي. وقد أصبحت مينتان من مدن إسبانيا كهف اللغة العربية ونعني بهما مجريط مدريد وغرناطة فنبغ في مجريط الدكتور كودرا أستاذ الكلية الوسطى والدكتور فرناند إيكونزالز والأب لازكانو الذي أخذ يبحث في اللهجة السورية في دير الأسكوريال وهو العمل الذي بدأ به في بيروت. وغير هؤلاء العلماء بالمشرقيات وقد انضم إلى هاته الزمرة الغيورة أناس من الفتيان أخذوا على أنفسهم الجري على آثارهم لإتمام العمل الذي بدأوا به وتقوية روابطه مثل الكاهن المسيو ميكل أسين أستاذ اللغة العربية في الكلية الوسطى والأستاذ ريبرا أستاذ كلية سرقسطة الذي يدرس في مجريط حضارة المغاربة والعبرانيين والمسيو آلماني مدرس اليونانية والعالم المشهور بالعربية والمسيو فيف عضو المجمع العلمي التاريخي والمؤرخ الأثري المحقق والمسيو كونزالفو خازن كتب السجلات الوطنية والمسيو فيلالتا الذي قضى شطراً مهماً من حياته في مزغان والدار البيضاء وطنجة. وقد كانت غرناطة فيما مضى مثل مجريط اليوم عاصمة الأندلس فحق لها أن تكون مركز الدروس العربية وكان الدكتور فرنسيسكو جافيه سيمونه هو الذي رفع مقام هذه اللغة وعد تحصيلها فرضاً رسمياً على الطلاب في غرناطة. مات مؤخراً وهو مشهور بأبحاثه العديدة في الجغرافيا والتاريخ وأصول اللغة والآداب الإسبانية الإسلامية وأخصى في حل الخطوط العربية ومثله الدكتور ليوبولد أكويلاز والدكتور ماريانو كاسبار ريميير وامتازت إشبيلية بأبحاثها الكتابية المتعلقة بغرناطة وهو الفرع الذي برز فيه الأستاذ الماكرو كاردناس ولكل من مدينتي برشلونة وسالامنكة صفان لتدريس العربية العامية وتجد مثل هذين الصفين في مالقة وقادش وبالمادي ولورقة وتنيريف في قناريا. ولا يسعنا أن ننسى ما أصدره كل من الدكتور كودرا والدكتور ريبرا تاراغو من الأثر النفيس باسم المكتبة العربية الإسبانية فإنهما لم ينشرا منذ سنة ١٨٨٢ إلى ١٨٩٢ أقل من عشرة مجلدات في أصول اللغة والتاريخ والجغرافيا والأدب والنقود العربية في إسبانيا. ومما لا يصح السكوت عليه ما نشر باسم مجموعة الدروس العربية بمساعي الدكتور ماريانو دي بانو والدكتور دودرا وقد بلغ ما نشروه حتى الآن سبعة مجلدات. وإنك لتجد في إسبانيا ميداناً عجيباً للدرس وذلك لأن المخطوطات والكتابات كثيرة فيها على الرغم مما أصابها من التلف منذ القرن السادس عشر إلى القرن التاسع عشر كما تقرأ ذكرى الحكومة العربية في كل حجر يقع نظرك عليه بل في كل وجه يتمتع طرفك بمرآه وتجد العاملين المدربين على العمل كثاراً فلا يعوزك إلا أن تدعوهم فيستخرجون معك الدفائن والكنوز. ولولا الصفات الشخصية التي فطر عليها المشتغلون بالعربية من الإسبانيين بالنظر لانفرادهم وقلة معونة الحكومة لهم وجهل الأمة قيمة ما يشتغلون به لما كان للعربية في إسبانيا ذاك المقام المحمود فقد رأينا الحكومة تتشدد في توصيد تدريس العربية في الكليات إذا خلت من مدرسيها فتقتصد بذلك رواتب المدرسين أو تعهد بالتدريس إلى أناس غير متمكنين منها حق التمكن كما فعلت في سالامنكة وبرشلونة ووسدت التعليم فيهما إلى مدرس اللغة العبرية. والمعلوم أن العلم كلما ارتقى احتاج إلى أناس متحجرين وأخصائيين. والأخصاء في فن يفتح لصاحبه السبيل فيبذل جهده في نقطة واحدة وبذلك يبرع ويبرز. حالة المسلمين الاجتماعيةمحاضرة القاها محمد افندي المهدي في النادي الاسكندري في مصر مساء الجمعة ٢ حزيران إن من يلقي نظرة التاريخ الإسلامي ويرى ما كان عليه المسلمون في القرون الأولى من عزة الجانب وقوة السلطان وحرية الأفكار واتحاد الكلمة وما هم عليه اليوم من وهن العقيدة وضعف العزيمة وانحلال الرابطة قد نالت منهم الأهواء وفتك فيهم داء الشقاء تذوب نفسه حسرة وأسى ويتشوق إلى الوقوف على ما أصاب المسلمين فبدّل من حالهم ونزل بهم م مستوى العظمة إلى حضيض الضعة والمهانة وهم اليوم أعز من سلفهم نفراً واكثر مالاً وأرقى عيشاً وهذا كتاب الله وسنة رسوله وهما الأساس المتينيالذي قامت عليه قوة الإسلام ومنهما قد انبثق نوره وأضاءت محجته يتليان بين ظهرانيهم بكرة وعشياً. وهذه معاهدهم العلمية تخرج في كل عام من رجال الدين وحملة الشريعة وأرباب الأقلام ما يربو عدده أضعافاً مضاعفة على ما تخرجه قرون كثيرة في أول الإسلام. ليت شعري كيف لا يذهل قاريءٌ التاريخ مما وصلت إليه حالة المسلمين وهو يرى أن الإسلام قد ظهر بتعاليمه السامية ومبادئه العالية فأشرق نورها على أفئدة قوم لم يسبق لهم عهد بالمدنية ولم يعرفوا بين الأمم إلا بجفاءِ التربية وعبادة الأوثان وشن الغارات وشظف العيش وخشونة الطباع اللهم إلا بعض أخلاق كريمة كالكرم والوفاء ونحوهما مما لا يعد ركناً وكيناً تستند عليه الأمم في نهضتها فما لبث أن حرر الأفكار من عقالها وبعث الهمم من مراقدها وأنشأ منهم نشأ جديداً فلم تكن عشية أو ضحاها حتى تجلت عروس تلك المدنية العربية في ثوبها القشيب جامعة بين قوة السلطان وصولة العلم بين التسامح والشدة فعمروا الأرض وأحيوا فيها موات الفضيلة وبلغوا شأواً عظيماً من رقة الشعور وصفاء العقل فمكنهم ذلك من التلطف بالأمم حتى وقفوا على خفيات أخلاقها وعاداتها وكشفوا ما كان مستوراً عهدها واستخرجوا من كنوز معارفها ودقائق حكمها ما ظهر فضله على الأوربيين بعد عدة قرون من البعثة النبوية. نعم لم يمض جيل حتى أخذت دولة العلم تعانق دولة الإسلام في جزيرة العرب وما فتحه المسلمون من الأمصار فينبغ فيهم الحكيم والطبيب والفيلسوف والمهندس والمخترع والفقيه والمحدث والسياسي المحنك والأصولي البارع والإمام العادل فأخذ هؤلاء يجوبون الآفاق يقودون طلائع تينك الدولتين أينما حلوا حل معهم ما استفادوا من صنائع الفرس والآريين وعلوم المصريين والرومانيين بعد أن هذبوه وغسلوا عنه ما تراكم عليه من الأوضار بأيدي الرؤساء في الأمم حتى غدا بفضلهم أبلج ناصعاً يختال في حلة عربية تدهش الناظرين وتزري بكل شيء في العالمين. وإن ديناً هذا شأنه في ترقية الشعوب وتهذيب النفوس لجدير بأن لا يقف بأهله تيار الرقي والتيكلما توالت الأيام وحرصوا على التمسك بمبادئه ونهجوا منهجه القويم، فما هو هذا الداء العضال الذي مني به المسلمون فتقاعسوا عن اللحاق بأسلافهم وتقطعت بهم السبل وبرح بهم داء الفشل. ارجع البصر معي أيها السامع الكريم وانظر إلى ما وصلت إليه حال المسلمين. إنك لا تجد إقليمين متجاورين أو ناحيتين في إقليم أو قريتين فيناحية أو بيتين في قرية وأهل أحدهما مسلمون والآخر غير مسلمين ألا وتجد المسلمين أقل من جيرانهم نشاطاً وانتظاماً في جميع شؤونهم الحيوية والعمومية وأقل من نظرائهم في كل فن وصنعة وأعظم إهمالاً وأكثر خمولاً وأكبر شقاقاً وأحقر نفوساً وأتعس حالاً حتى توهم كثير من حكماء الأمم الحية لينصفوا التاريخ أن الإسلام والنظام ضدان لا يجتمعان وعدوان لا يأتلفان. أيها السادة إن علينا واجباً كبيراً وفرضاً محتماً أمام الله ورسوله والناس أمام الشرف والتاريخ لا نخرج من عهدته ولا نبرأ من تبعته إلا إذا وجهنا جل عنايتنا وصرفنا أوقاتنا وقللنا شباة يراعنا بحثاً وتنقيباً حتى نصل إلى تشخيص هذا الدواء ومعرفة جراثيمه وأعراضه وما يستأصلها من الدواء الناجع وهذا أفضل جهاد نثاب عليه من الله والتاريح ولنعم الجهاد هذا الجهاد لذلك رغبت في أن يكون هذا المبحث الجليل موضوع محاضرتي اليوم طرقته مستعيناً بالله وربما أوتيته من العلم فأقول: اختلف الباحثون من العلماء في منشإ هذا الفتور فذكروا أسباباً كثيرة كلها فروع ترجع إلى أصل واحد ألا وهو الانحراف عن جادة الكتاب والسنة وتلمس الهدى من غيرهما فحقت علينا كلمة القرآن إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء. إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ومن اعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى. وقد ذكرنا في المقدمة ما كان عليه العرب قبل الإسلام من الأعراث في البداوة لم يتبلغوا بشيء من التعليم والترف ولم يشموا رائحة العلم والصناعة فما كادوا ينفضون عنهم غبار الوثنية حتى ظهر من أمرهم ما قصصناه عليك. وذلك أن الدين الإسلامي كما أنه يدعو الناس إلى توحيد الله والإيمان بما بعد الموت من عالم الغيب يدعوهم أيضاً إلى الإيمان بعالم الشهادة والسير على سنن الكون قد أطلق لهم عنان الحرية وطالبهم بالتفكر فيما خلق الله من عالم السماوات والأرض قد وضع لهم قانوناً جامعاً لضروب الهداية متكفلاً لهم أن هم اتبعوه ونصروه بإصلاح شؤونهم في هذه الحياة الدنيا قد أحكمت أصوله على قاعدة جلب الداقع ودرء المفاسد والإرشاد إلى أنه الدين القيم الفطري الملائم لإصلاح النفوس بالأخلاق الفاضلة وإصلاح شؤون البشر الاجتماعية بإقامة العدل واتباع الطريقة المثلى في كل شيء. سنة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله. فهم السلف الصالح هذا الأصل من القرآن فاهتدوا بهديه ولم يحيدوا عنه قيد شبر عالمين (إن من أقام هذه الأركان كلها كان هو المسلم الكامل ومن هدمها كلها كان ملحداً في دينه ومن كان أقرب إليها كان حظه من السعادة بمقدار سهمه منها) وأن ليس بعد القرآن والسنة إلا الضلال والعمى كما قال تعالى اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام ديناً. تفرع أيها السادة عن هذا الأصل الوبيل أمراض هشمت من عظمة الإسلام وشوهت من محاسنه فأول جرثومة سرت منه إلى المسلمين رجحان كفة السياسة الكاذبة على كفة الدين الصحيح لحاجة في نفس بعض الأمراء المستبدين كانت الحكومة الإسلامية في أحكامها نيابية اشتراكية ديموقراطية كما نطق بذلك القرآن الكريم وأرشدت إليه السنة وظلت كذلك زمن الخلفاء الراشدين إلى أن وقع النازع بين علي ومعاوية فاتخذ بنو أمية ذلك ذريعة حول مجراها وقيد معالها وجعلها ملكاً عضوضاً يمكله فرد يستبد به كيف شاء فبدأ يتطرق إلى الأمة داء الذل ووجد الضعف منفذاً إلى قلوبهم ووجد الأبرياء من بعدهم مع توالي الأيام مجالاً فسيحاً من صدور أولئك الذين نصبوا أنفسهم قادة للدين وسموا أنفسهم حماة الشريعة فوضعوا لذلك أصولهم في التشيع والاختلافات في أصول الدين وفروعه فانشغل بها الناس وصدقوا عن الكتاب والسنة وولوا وجوههم شطر البدعة وذهبوا شيعاً متباينة مذهباً متباعدة سياسة ومشرباً كل طائفة تجادل عن نفسها وتدعو إلى كتابها ولو أدى ذلك إلى تكفير الأخرى فخرج الدين عن حضارة أهله وتحول عن بساطته واتسع الخرق وانحلت الرابطة الإسلامية بل والقومية وفشت المنكرات وانطمست معالم السنن وتحكم التقليد لأنه أثر من آثار التشيع بل ركن من أركانه. التقليد التقليد وما أدراك ما التقليد التقليد هو قيد الأحرار وسجن العقول وهادم الأفكار وعدو الشرائع ومبيد الأمم وجيش الاستعباد. كان الإسلام ملة سمحاء ليلها كنهارها واضحة المسالك معروفة الواجبات سهلاة المأخذ يتلقفها الأعرابي الجافي من فم الرسول صلى الله عليه وسلم فلا يبرح من مجلسه إلا وقد خالطته بشاشة الإسلام وأشرب في قلبه التوحيد كما قال تعالى: ما جعل عليكم في الدين من حرج شرع لكم من الدين ما وصى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به ابراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه. عجباً كيف يرضى المسلم العاقل أن يغل أعز شيءٍ وهبه الله وهو العقل بغل التقليد والاستسلام ويلقي بنفسه في براثن الجمود والله قد أمره بأن يكون على بصيرة في دينه فقال تعالى: قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني إنما ضل من الخلد إلى التقليد بعد أن تبين له الحق كمثل رجل أراد أن يسلك طريقاً مستقيماً واضح المسالك لا عوج فيه فوسوس إليه الشيطان قال: هل أدلك على طريق آخر هو أقرب إلى غايتك فانصاع له فأخذ يقوده كالأعمى في طريق مظلم كله تعاريج وعقبات فلما أن توسطاه قال إني بريء منك وتركه يتخبط في ديجور حالك لا يدري أين يهذل كلما أخرج يده بم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فمال له من نور. أنحى الله باللائمة والتقريع على أهل الجمود من المقلدين في كثير من آي القرآن قال تعالى بعد أن احتج على المشركين وبيّن أن لا حجة لديهم في عبادة الأوثان با قالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مهتدون. وما أرسلنا من قبلك في قريسة من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون فقد احتج على المقلدين بأنه يجب عليهم اتباع النظر وما هو أهدى ولم يعذرهم بالتقليد فدل على أن عذر غير مقبول عنده ولو كان التقليد عذراً لأحد لكان جميع المشركين معذورين عنده. كان الصحابة والتابعون يأخذون أصول الدين وفروعه من القرآن ومايثبت من السنة يحكمون العقل واللغة في تفهمها واستنباط ما لا يجدون فيه نصاً صريحاً وإن اختلفوا في شيء رجعوا فيه إلى ذينك الأصلين كما قال تعالى فإن تنازعتم في شيء الآية فهناك يرتفع الخلاف ويرجع المخطيء عن خطئه ويظهر الحق كما وقع لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب مع أبي بكر رضي الله عنه في قتال أهل الردة وهذا هو الاجتهاد الذي كان سائغاً في السلف الصالح من الأئمة وكأن هؤلاء نظروا إلى المستقبل من طرف خفي فأنكروا أشد الإنكار على من يأخذ بآرائكم في الدين قبل أن يعرف مصدرها من الكتاب والسنة فقد روي عن أبي حنيفة أنه قال لا يحل لأحد أن يأخذ بقولنا ما لم يعلم من أين قلنا وقال الشافعي إذا صح الحديث فهو مذهبي ولكن خلف من بعدهم خلف وقف بهم جمود الفطنة وقصور الهمم عن اتباعهم وتقليدهم تقليداً أعمى فجعلوا مذاهبهم أصولاً يرجع إليها وأخذوا يتفننون في فرض المسائل واستنباط الأحكام من تلك الأصول فتشعبت الآراء وكثرت الاختلافات واتسعت التآليف في الفقه وأصول الدين على غير أسلوب فصيح من اللغة العربية لا يخالها القاريء إلا رموزاً أو أحاجي يتعاصى فهمها على العربي الصميم. يمضي الطالب واأسفاه زهرة العمر في تحصيلها فلا يخرج من تلك المضايق إلا وقد حشر في مخيلته ضروباً من الاصطلاحات والمسائل متشاكسة متنافرة لا تروي من ظمأ ولا تشفي من علة وإن فهم القرآن والسنة لأسهل بكثير من هذه الشروح والحواشي لأن كلامهما عربي مبين لم يتلوث بالعجمة ولم يتدنس بسقم التركيب والآراء فمن تعلم العربية تعلماً صحيحاً تيسر له الفهم منهما فلا يعاني عشر معشار ما يعانيه في تلك المعجمات ولقد يسرنا القرآن للذكر فهل من مذكر. ثم لم يكفهم ذلك حتى حجروا على الله واسعاً فأرصدوا باب الاجتهاد وأسدلوا بين الأمة وبين كتابها ستراً من الأوهام وحرموها لذة النظر والتدبر في معجزاته فأصبح لا يتلى إلا في المآتم وعلى المقابر تبركاً يتأكل به أناس من الكسالى يتغنون به على قارعات الطرق وأبواب المساجد يحرفون الكلم عن مواضعه ويشترون به ثمناً قليلاً فبئس ما يشترون من هنا أيها السادة اقتسم هذا الدين فريقان فريق اطمأنت نفسه إلى القديم فهو يريد أن يرجع بالناس القهقرى يحمل أهل القرن الرابع عشر على أن يتخلقوا بأخلاق أهل القرون الوسطى ويحذوا حذوهم في أحكامهم وآرائهم ومدنيتهم فلا يتخطوها قيد شبر يكابرك فيالمحسوسات ويجادلك في الحق وينكر سنة الله في خلقه من أن لكل عصر طوراً من أطوار الحياة يأخذ قسطه من النمو والارتقاء بحسب استعداده أهل ذلك العصر ولذلك كانت نصوص القرآن خصوصاً ما يتعلق منها بالآلاء والأخلاق التي هي أكبر معجزاته مجملة يتناولها أهل كل زمان بقدر ما وصلوا إليه من الرقي. وفريق رأى من وعورة المسلك وصعوبة الفهم في كتب القوم ما يقطع نياط القلب دون الوصول إلى الغاية وإن كثيراً منها على تشتته وتشويشه لا ينطبق على مقتضيات العصر الحاضر ولا يأتلف مع مدنيته ففرطوا في أمر الدين وأهملوا مجد آبائهم وذهبوا يتلمسون الإصلاح من غيرهما فعبدوا بهرج المدنية الأوربية وصبت إليها نفوسهم حتى أصبح التدين ضرباً من التهوس وسمة من سمات التأخر وساعدهم على ذلك ما رأوا من نظام الغربيين طفرة منهم قد خرجوا من ورطة التقليد الأولى ووقعوا في شر منها فلم يكن من جراء ذلك إلا أنهم قلبوا أوضاع مبانيهم وغيروا من أزيائهم وبدلوا من هيئات مآكلهم وملابسهم وآنيتهم وتنافسوا في أيهم يسبق الآخر في إحكام نظامه إلى أجود ما يكون في البلاد الأوربية وتوغلوا في الإسراف والبذخ وانسابت ميازيب الثروة من أيدي الشرقيين إلى جنوب الغربيين لجلب ما تستدعيه تلك المدنية من الضروريات والزخارف فكسدت بذلك أسواق الصناعات الوطنية ومات أربابها لأنها أصبحت رثة بالية لا تروق في أذواقهم لم تجد معضداً من موسريهم وسراتهم لتنهض من خمولها وتضارع أختها في الغرب كما فعل أهله إبان رقيهم فنخلص من شر ما يضمره لنا المستقبل من الفقر المدقع إن دام هذا السبات لأن ما قريناه من المدنية الكاذبة لم يقم على أساس متيني نعم أنا لا أنكر أن في الأمة الإسلامية كثيراً ممن تعلموا في أوربا فوقفوا على أسباب حياتها وحملوا إلينا شيئاً مما تعلموه ولكن قلَّ أن ترين من هؤلاء مهندساً مخترعاً أو طبيباً مكتشفاً أو عالماً أخلاقياً أو أصولياً مشرعاً وهناك أناس لا يسعون وراء الثروة ويتكلون على الوظائف ومن كان هذا شأنه فمحال أن يعمل لخير بلاده. قرر علماء الأخلاق والباحثين في أطوار الأمم أن المقلدين في كل أمة المنتحلين أطوار غيرها يكونون سلماً تتطرق الأعداء إليه ويكونون بما وقر في قلوبهم من تمجيد الذين قلدوهم واحتقار من لم يكن على مبادئهم ولو كانوا من أبناء جلدتهم أو إخوانهم أو عشيرتهم فيستهينون بجميع أعمالهم ويحتقرون أمرهم ويسخرون منهم وبهذا وأمثاله وهنت الرابطة القومية وانحلت عقدتها وفقد التضامن الذي عبر عنه عليه الصلاة والسلام بقوله: المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً مثل المؤمنين في تعاضدهم وتآزرهم كمثل الجسد إذا اشتكى عضو تداعى له سائر الجسد بالسهر والحمى وكفى بذلك مدعاة للتقهقر والانحطاط ولكن يلوح من بين هذه النابتة الذين تهذبوا بنور العلم وعركتهم يد الحوادث بصيص من الأمل يجعل الأمة تتطلع إلى مستقبل باهر كما قال فيهم بعض الفضلاء: أرى في شجرة الإسلام التي جفت أوراقاً خضراء فلا أدري أهي بقية مما مضي أو باكورة للمستقبل. البدعة في الدين أرأيتم لو أن طبيباً وصف لأحد المرضى علاجاً رأى فيه شفاء فحدد للصيدلي ما يحتاجه ذلك الدواء من العقاقير وبالتالي مقاديرها وكيفية تركيبها فخالف الصيدلي أمر الطبيب وأخذ يزيد وينقص في المقادير كيف شاء حتى جعلها سماً زعافاً لا دواء نافعاً إنكم ولا شك تحكمون على هذا الكيماوي إما بالجهل في صناعته وإما بالغش والخيانة وإنه من أكبر العاملين على تفشي الأمراض وإزهاق الأرواح بسبب ما يرتكبه من الخطل في تلك المهنة الشريفة. ولكم مثل الذي يبتدع في الدين ويفتري على الله الكذب لأن القرآن والسنة والله هما شفاء لما في الصدور قال الله تعالى: وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة. ونزلنا الكتاب تبياناً لكل شيءٍ فالذي يبتدع في الدين إنما يحارب الله ورسوله ويصيب كبد الإسلام بسهم مسموم. يا حسرة على الإسلام وظهرت بوادر هذه البدع في إبان الإسلام فكان قادة الإسلام يحاربونها بسلاح القرآن يدحضون الحجة بالحجة ويقرعون البدعة بالسنة إلى أن تمكن حب التقليد من النفوس وقل الاشتغال بالتفسير والحديث وأهمل التاريخ فاختلط الحابل بالنابل وراجت سوق الأحاديث الموضوعة وانتفخت بها بطون التآليف لاسيما ما يتعلق منهابالزهد والرغائب والحثّ على القناعة باليسير والكفاف من الرزق وإماتة المطالب النفيسة كحب المجد والرئاسة والإقدام على عظائم الأمور ودب إلى الأمة داء التواكل واسترسلت وراء الأوهام وعلق بالقلوب كثير من أدران الشرك وظهرت المعجزة في حديث لتتبعن سنن من قلبكم حذو القذة بالقذة حتى لو دخلوا جحر ضب تبعتموهم أليس ما نراه اليوم من تعليق الآمال بقبور الصالحين وتشييد الأضرحة وبناء القباب والمساجد عليها والتغالي في زخرفتها ونذر النذور لها وشد الرجال لزيارتها مما يعتقد كثير من الناس أنه من أعظم القربات كان في صدر الإسلام ضرباً من الشرك بل هو الشرك الذي جاء الدين بمحوه. إن القرآن والسنة لم يتركا باباً من أبواب الشرك إلا وأوصداه بألف حجة وبرهان وخليا بين العبد وربه يناجيه ويرفع إليه حوائجه كيف شاء ومتى شاء لا يحتاج في ذلك إلى وسيط أو وسيلة اللهم إلا ما شرع لنا من وسائل الأعمال الصالحة كما فسر الرسول بذلك الوسيلة في قوله تعالى: يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وابتغوا إليه الوسيلة. نرى كثيراً ممن يهتدي بهم يتهافتون على هذه المهلكات تهافت الذباب على الطعام ويقتسمون ما يلقى في الأضرحة من النذور كأنه ميراث ورثوه عن الأجداد والآباء ويؤولون ما ورد في ذلك من النصوص القطيعة محديث: لعن الله زائرات القبور والمتخذين عليها السرج. لا تتخذوا قبري من بعدي وثقاً يعبد. لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد المسجد الحرام ومسجدي هذا والمسجد الأقصى. أيها السادة هذه هي أمهات البدع التي ألصقت بالإسلام ولولا أنه دين قويم قام على أساس متينيلانمحى أثره من الوجود لكثرة ما رزيء به من أمثال هذه الأمراض القتالة. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لم أرَ ديناً كدين الإسلام خول لكل فرد من أفراد الأمة الإشراف على الشؤون العامة والقيام بأمر الإرشاد والنصيحة وأطلق لهم عنان الحرية في مباشرة هذين الأصلين بحسب ما تستدعيه حالة الأمة. قال الله تعالى: والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أوياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر فالذي لم يقم بهما لا شك أنه خارج من هيئة المؤمنين. كان خطباء المساجد هم من القائمين بهذه الوظيفة يمزجون مصالح الأمة بالمواعظ والإرشادات فكانت خطبهم تفعل بالنفوس ما لا تفعله السيوف. هذه كتب الأدب فطالعها إن شئت تجدها مشحونة بخطب السلف من الأمراء وغيرهم على نحو ما تسمعه اليوم عن الغربيين في دور نوابهم ومجالس أعيانهم كم نبهت شعوراً وأحيت أمماً وأماتت جبناً وأصلحت معوجاً وهذبت نفوساً وسنت نظاماً انعكست القضية فأصبح خطباء المساجد إلا قليلاً من أجهل الناس يقولون ما لا يفعلون ويتكلمون بما لا يفهمون من سقط القول فلا تسمع إلا سجعاً كسجع الكهان وإني يؤثر الوعظ إذا كان لا يتجاوز اللسان. احتياجنا إلى العلم أيها السادة ما أشبهنا في حياتنا الاجتماعية بالحيوانات الأليفة أو الطيور الداجنة التي يحبسها ربها في الأقفاص تنتظر منه فضالة من طعام أو رشفة من ماء فإن هو منعها ذلك هلكت جوعاً وظمأً إذ ليس لها من الحول والقوة ما تفك به قيود الأسر فتخرج إلى الفضاء آمنة مطمئنة يأتيها رزقها رغداً من كل مكان. واأسفاه. سبقتنا الأمم شوطاً بعيداً فأصبحنا في مؤخر الرحل كقدح الراكب عالة عليها في كل حاجاتنا الأدبية والمادية حتى فيما يتوقف عليه فهم كتابنا الكريم من الحكمة العرفية والعلوم الكونية. بربك هل تجد فيما يدرأ عنك طواريءَ العاديات وتدفع به غوائل الحر والبرد مما تذود به من سلاح ولباس وما تسكنه من قصور شامخة ومبان شاهقة وأكواخ حقيرة وما تحتاجه من آنية طعام وشراب وموائد وأخشاء وحرائر وأطالس وفرش ومقاعد ومصابيح ومطابخ وحلي وجواهر ونقود ومعادن وما يحتاجه الزارع في زراعته والكاتب في كتابته والكيماوي في حانوته. هل تجد في كل ذلك أبداً لصانع شرقي اللهم إلا إذا كان مكارياً أو سمساراً أو عاملاً بسيطاً أو تاجراً لا يربح من تجارته إلا اليسير لا يدري أين صنعت ولا كيف صنعت. جهلنا حقائق الأشياء فلا نعلمها إلا أماني وانتصرنا على ما يتعلق بعلاقة الإنسان مع ربه وحكمنا على ما عدا ذلك بالإعدام وحاربنا أهله وأزهقنا روح التقدم وأطفأنا مصابيح العرفان في الأذهان. أين منا المؤرخ والنباتي؟ أين منا الطبيب والكيماوي أين منا المهندس والطبيعي واللغوي والأديب والمنطقي أين منا عالم الأخلاق والحكيم والفلكي وعالم الزراعة نعم إن لدينا منكم نفراً ولكن هم دون الحاجة وقليل منهم العاملون. دعانا داعي الإصلاح فأرشدنا إلى مواقع الضعف منا وإن لا نجاة إلا بمجاراة الأمم الغربية وإن تقلع جذور هذه التربية العقيمة علنا نعمل فلنسترجع مجد آبائنا الأولين أساتذة الغرب فنعق به دعاة السوء من كل جانب إن قد خالفت الدين افتراء منهم على الله وما كانوا مهتدين. يا قومنا هذا القرآن حجة على الشعوب الإسلامية بما فرطوا من أمر الدين والدنيا تتلى عليكم وفيها من أسرار الكون وعجائب المخلوقات ما لا سبيل لنا إلى فهمه إلا إذا أخذنا نصيباً من هذه العلوم. قال الله تعالى إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار والفلك التي تجري في البحر بما ينفع الناس وما أنزل الله من السماء لآيات لقوم يعقلون وفي الأرض آيات للموقنين وفي أنفسكم أفلا تبصرون. هذه الآيات وأمثالها تسجل علينا العار وإننا لسنا من العقلاء في شيء إذ العقلاء هم الذين تتغذى أرواحهم بمعرفة ما أبدع الله في الكائنات وما ذرأ في الذرات من مباهج الآلاء والحكمة. العاقل من تدعوه لذة النظر إلى الشوق والولوع في حوز المعارف والعلوم. يا قومنا هذه هي أزمتنا وهذه جراثيمها التي لا تزال تنخر في جسومنا وتفسد من أعضائنا وتميت من مشاعرنا فهل لنا أن نكشف الغطاء عن أبصارنا وبصائرنا فنخرج إلى عالم النور فنحيا حياة طيبة. يا قومنا لا دواء لنا من هذه الأدواء إلا بالعلم ولا علم إلا بالتربية والتربية مفقودة عندنا نسمع ضجة للعلم وجلبة للمدارس ونبغ فلان وأخذ فلان الشهادة فإذا سرنا في الشوارع أو بين دور الوطنيين نرى ما تذوب له الأكباد نرى فلذاتنا أمة الغد من ذكور وإناث كقطعان الغنم يتلاكمون ويتلاطمون ويتنابزون بكلمات الفحش والفجور قد صبغتهم الأوساخ وشوهت من محاسنهم الأمراض أليس هذا بدليل على أن الأمة لا تزال في أقصى درجات الانحطاط مسخنا نصوص الشريعة الغراء فإذا دعانا داعي الإصلاح أن لا سبيل للرقي إلا بتعليم المرأة صوبنا إليه سهام الطعن وقلنا كذباً وافتراء أن ذلك مخالف للدين. أفلا تنبهنا الحوادث وتوقظنا العظات وها نحن قد شخصنا أمراضنا وعرفنا أسباب تأخرنا فلم لا نعمل على إزالة هذه الأسباب فنفيق من رقودنا ونهب من سباتنا ونخلص من هذه القيود ونسبح في فضاء الحرية نستبدل بهذا الخور عزيمة وبالذل عزاً وبالاستكانة شهامة وبالتفرق وئاماً وبالجهل علماً. يا قومنا إن العلم كنز مفاتيحه الأخلاق وحاجتنا إلى هذا الكنز شديدة فهلموا لنهذب من أخلاقنا ونمحو آثار الرذيلة من بيننا ونحافظ على عاداتنا علنا أن نفتح هذا الكنز المغلق فنكون خير أمة أخرجت للناس. مطبوعات ومخطوطات شرح ديوان طرفة بن العبد للشيخ أحمد بن الأمين الشنقيطي طبع بمطبعة أورنه ك في قزان روسيا سنة ١٩٠٩ ص ٨٠ طرفة بن العبد أحد فحول شعراء الجاهلية الأقدمين الذين يستشهد بصحة عربيتهم وديوانه هذا قليل الجرم جم النفع وهو مرتب على رواية يعقوب بن السكيت وأشار الشارح إلى ما أخذه من تعليقه بقاف بين قوسين ونبه على ما لم يروه الشنتمري في شرح السنة ومن شعر طرفة: واعلم علماً ليس بالظن أنه إذا ذل مولى المرءِ فهو ذليل وإن لسان المرءِ ما لم تكن له محصاة على عورانه لدليل إذا قلت فاعلم ما تقول ولا تقل وأنت عمٍ لم تدر كيف تقول وإن امرأً لم يعف يوماً فكاهةً لمن لم يرد سوأ بها لجهول تعارف أرواح الرجال إذا التقوا فمنهم عدو يتسقى وخليل ومنه: قد يبعث الأمر العظيم صغيره حتى تظل له الدماء تصبب والظلم فرق بين حيي وائل بكر تساقيها المنايا تغلب قد يورد الظلم المبين آجناً ملحّا يخالط بالذعاف ويقشب وقراف من لا يستفيق دعارة يعدي كما يعدي الصحيح الأجرب والإثم داءٌ ليس يرجى برؤه والبر بروءٌ ليس في معطب والصدق يألفه اللبيب المرتجى والكذب يألفه الدني الأخيب اللمع في أصول الفقه لأبي إسحق الشيرازي المتوفى سنة ٤٧٦ عني بتصحيحه السيد محمد بدر الدين النعساني طبع بمطبعة السعادة بمصر ص ٩٥ الشيرازي هو مدرس النظامية ببغداد رحل إليه الناس من الأمصار كما قال الحافظ السمعانيلا وكان يضرب به المثل بالفصاحة وكان عامة المدرسين بالعراق والجبال تلاميذه وأصحابه صنف في الأصول والفروع والخلاف والجدل وقد اشتهر كتابه هذا اللمع في معظم البلاد حتى قال فيه الرئيس أبو الخطاب بن الجراح: أضحت بفضل أبي إسحق ناطقة صحائف شهدت بالعلم والورع بها المعالي كسلك العقد كامنة واللفظ كالدر سهل جل ممتنع رأى العلوم وكانت قبل شاردة فحازها الألمعي الندب في اللمع وقد طبع الكتاب بمراجعة نسختين جيدتين منه في المكتبة الظاهرية بدمشق تاريخ إحداهما ٥٧٤ والأخرى فيالعام نفسه وقد علق عليه الأستاذ جمال الدين القاسمي تعليقات نافعة تدل على فضل اطلاع منها ما علقه في صنعة المفتي والمستفتي قال: قال برهان الدين التقصير في علم اللغة إخلال بأول فروض الاجتهاد وقد أحسن الشيخ أبو المعالي فيما علق عنه من الأصول حين بين مواد مواد العلوم ومقاصدها وحقائقها وجعل مادة الفقه الأصول القطعية وهي الكتاب والسنة والإجماع وجعل اللغة مادة لهذه المادة قال لأن الشريعة عربية فلا بد من القيام بها ليفهم عن الله مراده فاللغة أصل الأصول ومادة المواد فكيف يكمل فقه من أخل بها. ثلاث رسائل  الأولى المنظومة الموسومة بمواهب المشاهد في واجبات العقائد لمؤلفها هبة الدين السيد محمد علي وهي ٣١ ص والثانية رواشح الفيوض في علم العروض للفاضل الموما إليه وهي قريبة المأخذ جمة الفوائد في ٤٢ ص والثالثة متن اعتقادات الأمامية لبهاء الدين العاملي صاحب الكشكول وهي موجزة وافية بالغرض وقد جاء فيها بشأن الخلافة عند الشيعة ما نصه: نعتقد أن خليفته من بعده على أمته بالنص الجلي فييوم الغدير وغيره أمير المؤمنين وسيد الوصيين علي بن أبي طالب عليه السلام وبعده ولده الحسن ثم الحسين ثم علي زين العابدين ثم محمد الباقر ثم جعفر الصادق ثم موسى الكاظم ثم علي الرضا ثم محمد التقي ثم علي التقي ثم الحسن العكسري ثم محمد المهدي صاحب الزمان صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين بنص كل سابق على لاحقه وأن جميع الأنبياء وأوصيائهم معصومون ن جميع الذنوب والسهو الونسيان وسائر النقائئص وإن محمد المهدي عليه السلام هو مستور عن الناس كخضر وإلياس إلى أن يؤذن له في الظهور فيملأ الأرض قسطاً كما ملئت جوراً وظلماً اهـ قلنا ومن الشيعة سرت إلى السنة عقيدت المهدي المنتظر راجع ما قاله ابن خلدون في أحاديث المهدي في المقدمة خلع السلطان عبد الحميدلخليل أفندي الخوري طبع في مطبعة الإصلاح بدمشقسنة ١٩٠٩ (ص ٨٠ ) ذكر كاتب هذه الرسالة السبب الذي حمل الأحرار على خلع السلطان العثماني السابق وطرفاً من سيرته وسياسته وقد رأينا فيها بعض أمور كنا نود لو عزاها ناقلها إلى مظانها مثل قوله (ص ١٥ ) إنه منذ عشرة أعوام نوت بريطانيا الجلاء عن القطر المصري وأحضر سفيرها في الأستانة الأوراق الرسمية وعرضها على الصدر الأعظم فأبى المخلوع كل الإباء وقام رجال المابين المنافقون مدعين أن الإنكليز يدسون الدسائس للدولة العثمانية وأن الإنكليز إلى الآن لا يتأخرون البتة عن إخلاء مصر إذا رضيت الدولة أن ترسل جنودها إلى هناك للاستيلاء على القطر. ولو صح مثل هذا الخبر لكتبت فيه المجلدات فضلاً عن المقالات. الكتاب شاهد بأدب كاتبه حري بالمطالعة. مجلات جديدة فنرجو لرصيفاتنا الجديدات نجاحاً يكثر من سواد أعوانها وأنصارها وينفع بمسطورها ومنشورها وفق أربابها إلى إنارة العقول وبث روح المدنية الصحيحة. سير العلم والاجتماع إلغاء الرتب صدر أمر نظارة الداخلية العثمانية أن تكون التشريفات يوم ١٠ تموز شرقي أي يوم ذكرى مرور حول كامل على إعلان القانون الأساسي في المملكة العثمانية بالألبسة السوداء على عادة الأمم الديمقراطية وقد صدعت أكثر الولايات بهذا الأمر وبذلك أقرت الدولة بأنها ألغت الرتب التي طالما كانت السبب في إفساد أخلاق الأمة أيام كانت الدولة العثمانية دولة استبدادية. قانون المتشردين وضعت الدولة العلية نظاماً للمتشردين وأخذت تطبقه في العاصمة والولايات وبموجبه يضرب المضرون في المجتمع الإنساني بالعصي وذلك لأن طبيعة البلاد تقتضي الضرب الآن ولولا هذه العقوبة المحسوسة لا يؤثر القانون أثره المطلوب في بعض طبقات الناس. شاه إيران قويت شوكت الأحرار وظفروا بشاههم الظالم المستبد محمد علي شاه بعد أن خصبوا أرض فارس بدمائهم فأنزلوه هذا الشهر عن عرش الأكاسرة وجعلوا مطانه يكره الشاه أحمد وهو في الثالثة عشرة من عمره وبخلع الشاه محمد علي قاجار والسلطان عبد الحميد العثماني منذ ثلاثة أشهر إبان الفرس والعثمانيون بأنهم أقوياء في العقل أشداء في العمل ينكرون على الظالمين فيسرهم وجهرهم وأن الأخلاق اليوم أرقى منها بالأمس إذ لا عمل بلا خلق وإعداد عامة المعدات في الوصول إليه. استعمال السكر ثبت أن الإكثار من السكر يزيد في القوة العضلية من ٢٦ إلى ٣٣ في المئة وقد أكد بعض أطباء الجند من الألمان أن السكر يسكن الظمأ والجوع ويؤخر التعب ويمكن استعماله للجنود السيارة ولراكبي الدراجات والانتفاع به. كما أثبت بعضهم أن إعطاء خيول الحوافل والعجلات الصغيرة سكراً يقتصد به كثير من طعامها. وهناك أناس من الباحثين فيصحة البطون أثبتوا أيضاً أن ليس من خواص السكر في الأشربة والمربيات والمعجنات لذة في الطعم فقط بل هو مادة من المواد التي يحتاج إليها في التغذية. وقد قال تورثه قطعة من ضلع غنم ثمنه قرشان. وكان معدل ما يتناوله الفرد في البلاد الراقية ١٣ كيلو غراماً في السنة على حين أثبت الاختبارأنه يمكن للفرد أن يتناول في اليوم من خمسمائة غرام إلى كيلوغرام وبالجملة فإن الإكثار من السكر أنفع في الصحة من الإقلال منه. صحة الإنسان أثبت الأاخصائيون فيعلم الأسنان أن الانس الذين تتناسب ثناياهم مع ناباتهم وأضراسهم يقل عددهم شيئاً فشيئاً حتى في الملوك أنفسهم وهم الغلاة في القيام على الصحة ومنهم ألفونس الثالث عشر ملك إسبانيا وإدوارد السابع ملك إنكلترا فإن أسنانهما غير متناسقة في وضعها. وهذا الاختلال في وضع الأسنان لا يغير صورة الوجه ويجعلها بشعة فقط بل يحدث ارتباكات معدية تنشأ من قلة مضغ الطعام ويجب التوقي من ذلك ولكن الوقاية لا تفيد في الأكثر إلا في زمن الصبا. وقد وضعت الفطرة الأسنان على نظام خاص لينطبق بعضها على بعض فإذا جاءت ناتئة أو متداخلة تشوه منظر الفم وأضرت بصحة الجسد. ومن الأبوين من يتساهل في أخذ الولد إلى طبيب الأسنان فيزيد ألمه ومنهم من لا يعنون بصحة الفم فينخر السوس الأسنان ويضر بها أي ضرر وقد ارتأى الدكتور جارينه ويت من بوستون أن من أنجح الطرق في حفظ صحة الفم أن يزور الطبيب أولاد المدرسة ليبحث عن أسنانهم وأبان في محاضرة له في هذا الباب أن الفم مستنبت الجراثيم الباثولوجية وغير الباثالوجية يفعل فيه العتدال المناسب والرطوبة ونثرات الطعام وقال أن التساهل بصحة الأسنان أدى إلى أن كان في المئة من أولاد الألمان ٨٤ إلى ٩٥ لهم أسنان عاطلة وعمت البلوى في الأسنان الرديئة في أميركا حتى لا تكاد تجد أميركياً في الستين من عمره ممتعاً بأسنانه كلها أو لا يشكو منها. ومن الناس من يعمدون إلى قلع أسنانهم عند أقل عارض يعرض لها ويستعيضون عنها بأسنان صناعية حتى في السادسة عشرة أو الثامنة عشرة من أعمارهم بحيث كان طب الأسنان صناعة رابحة في أميركا وغيرها واغتنى أربابها فأصبح عددهم يزيد كل يوم. قال الدكتور المشار إليه وأن التساهل بالأسنان مرض أشد فتكاً من الأوبئة والأمم لا تهلك إلا من أسنانها. المطبوعات الألمانية نشر في ألمانيا من تموز ١٩٠٧ إلى تموز ١٩٠٨ نحو ثلاثين ألف تأليف ألماني طبع القسم الأعظم منها في برلين ويليها ليبسيك على أن هذه المدينة كادت تكون فيها أعظم سوق للكتب في العالم أما اديمبورغ التي كان يسميها الإنكليز مفاخرين فقد كادت تسقط من مكانتها. تبادل الأولاد قامت فئة منورة في بعض بلاد أوربا تتفنن في تعليم ناشئتها فرأت أن من خير ما يقوي ذهن التلميذ ويزيد فياختباره وعلمه أن يرسل به إلى مملكة أخرى فالإنكليزي يبادل ابنه مع الفرنسوي والفرنسوي يرسل بابنه إلى صاحبه الألماني وقد أخذ هذا المبدأ ينمو حتى بلغ عدد من أرسلتهم فرنسا من شبانها هذه السنة إلى خارج بلادها بواسطة جمعية مقايضة الأولاد الدولية ١٧٥ طالباً أرسلت ثلثهم إلى ألمانيا. فلسفة تولتسوي كتب المستر روزفلت رئيس جمهورية الولايات المتحد ة السابق ومحرر مجلة أوتلوك يصف فلسفة الكونت تولستوي الروسي فقال إنه رجل نابغة وقصصي كبير كما تشهد به رواياته المختلفة التي أثرت تأثيراً حسناً في أهل عصره ولكنني أشك فيما إذا كان تأثيره كبيراً بين رجال العمل من الوجهة الفلسفية والأدبية. ولست أنكر أن فلسفته يؤثر بعض التأثير في الناس الذين يلزمون مخادعهم ولا يتخطون دائرة مكتبتهم. وإن كانت قد أثرت شيئاً في أهل العمل فإنما كان ذلك للشر لا للخير على أنني لا أظن أن فلسفته تجد محلاً رحباً في صدور رجالالعمل بل الذي أراه أنها استولت على أذهان ضعاف العقول وصغار الأحلام. والأقوياء العقول قد يستفيدون شيئاً من تعاليم تولستوي الادبية ولكن بشرط أن يكونوا على درجة من قوة العقل والإرادة تمكنهم من نبذ تعاليمه السخيفة أو المضادة للأدب. ثم ضرب الأمثال على خطأ فلسفة تولستوي فقال: إن تأثير فلسفة تولستوي في الذي يندفعون معها ويسيرون في تيارها من رجالنا إنما هو تأثير مضحك في الغالب فإن بعضهم كتب منذ زمن وجيز كتاباً في مسائل أميركا البلدية قال فيه أن عيوبنا الأدبية والاجتماعية ناشئة بعض الشيء عن خطيئة المذهب الحربي. ولما كتب الكاتب هذه العبارة لم يكن تحت تأثير ما يقع أمام عينيه وما يخبره بنفسه وإنما كان متأثراً بأقوال تولستوي ومذاهبه التي لا تنطبق البتة على المعيشة الأميركية فإن المذهب الحربي عامل من عوامل الخير أو الشر في معظم البلاد الأوربية ولكنه في أميركا كمية عاطلة لا يتعدى تنظيم البوليس الوطني لتأييد الأمن والنظام. إن أكل لحم الخيل أمر يختص بالذوق فقط ولكن المبشرين الأولين في شمالي أوربا رأوا أن أكله مجلبة لضرر عظيم لأن القوم كانوا يأكلونه م ١ بوحاً للوثن فحرموا أكله. والحق يقال أن عيوبنا الاجتماعية ليست أكثر علاقة بالمذهب الحربي منها بأكل لحم الخيل المذبوح للصنم!! وكان آخر عندنا ينظم القصائد الطوال في الدفاع عن المهدوية وحجته في ذلك الدفاع أنه احتجاج على الحرب ومبدئها طبقاً لتعاليم تولستوي. والمهدوية كما تعلم شر ما رأى الناس من أسباب إراقة الدماء والظلم والفساد والتعصب وكانت عاقبتها المباشرة بقتل نصف السكان في البلاد التي نكبت بها وترك النصف الآخر في حضيض البؤس والمهانة. فدفاع تولستوي وتلاميذه عنها أعظم دليل على سوء مذهبه الأدبي وما في حسبانه مرشداً أدبياً من الخطر على العقول والآداب انتهى ملخصاً عن الجريدة. الساعات في إيطاليا بلغ عدد الساعات التي دخلت إيطاليا ثمانية ملايين ونصف مليون ساعة أتى معظمها من سويسرا. فاستجلبت إيطاليا سنة ١٩٠٧ ٢١٥٩٧ ساعة ذهب منها ٣٠٣٠٠ من سويسرا وبلغ الوارد إليها في السنة الماضية ٥٩٥٦٩٢ منها ٥٦٦٩٩٢ من سويسرا. تجارة البيض يبلغ ما تخرجه الولايات المتحدة كل سنة من البيض ٨٦٢.٥٤٦ طناً تستخرجها من ٢٣٣ مليون دجاجة وما تخرجه ألمانيا ٢٧٠ ألف طن تستخرجه من ٥٥ مليون دجاجة وما تخرجه فرنسا ٣٠٠.٠٠٠ طن تستخرجه من ٥٠ ألف دجاجة وما تخرجه إنكلترا ١٢٥٠٠٠ طن تستخرجه من ٢٥ مليون دجاجة ويتجمع الكيلو من البيض من عشرين بيضة على أن إيراد الدجاجة الواحدة يختلف حسب الأقاليم. وثبت في الإحصاء أن البلاد العثمانية تبعث إلى الغرب كتيراً بآح البيض ومحه حتى أن ما تستورده فرنسا وحدها من بلادنا يبلغ مسانهة أربعة آلاف طن. حكم صغيرة يقول أوجين ماريو: الحرية احترام حقوق كل فرد والنظام احترام حقوق المجتمع المجموع. قالت العقيلة رولاند: من يعمل ولا يرجع إلى مبدأ كمن ينظر إلى ساعته وقد وضع إبرتها كيفما اتفق. وقال لابروبير: من الحقائق ما يكتب له الظفر وتكتب له المبالغة أيضاً حتى تصبح كاذبة. وقال: من الأمور ما لا يطاق فيه الاعتدال الشعر والموسيقى والخطاب العام. وقال موتنسكيو: من يتكلم بدون تفكر أشبه بصياد يصيد بدون أن يتوجه جيداً للغرض. وقال بلين: العفو جزء من أجزاء العدل. أصل الفواكه يعرف كل نبات في بلد بأنه أصيل فيها لا دخيل عليها إذا رأيت منه أصنافاً برية نبتت من تلقاء نفسها ولم تنقلها يد بشرية. فالتوت الإفرنجي الفريز دخيل على جميع البلاد التي ينبت فيها الآن والجيد منه في إنكلترا أُتي به من فرجينيا سنة ٦٣٩ والتوت الشوكي فرامبواز هو من ثمار البلاد المعتدلة في أوروبا ودخيل على قارة آسيا والمشمش لم يأتِ من أرمينية كما توهم بعض علماء النبات بل جاء من الصين ولكنه كان برياً حامضاً وقد عرف من تاريخ المشمش أنه كان معروفاً لليونان والرومان منذ ألفي سنة. والخوخ عرفه الرومان واليونان أيضاً ولكن توهم بعضهم بأن أصله فارسي والحقيقة أنه صيني ولأهل الصين فيه أساطير. والكرز هو من فصيلة الكرز العام كريوتيه نبت على ضفاف بحر الخزر. والدُراق وتبلغ أجناسه ثلاثمائة جنس والجنس الأول منه خاص بأرض الأناضول والقافقاس والروم إيلي. والأجاص وأجناسه كثيرة أيضاً رؤي منه صنف بريٌ في الأقاليم المعتدلة من أوربا وفي آسيا الغربية. والسفرجل منشأوه في جنوبي شرقي أوربا وبلاد القافقاس وإقليم بحر الخزر. والتفاح على أنواعه ينبت في أوربا والقافقاس وما وراء النهر وفارس والتفاح هو أحد الفواكه القديمة المعروفة إذ كانت الشعوب قبل التاريخ تستعمله بكميات وافرة. واللوز انتقل إلى أوربا من سلاسل جبال لبنان جبل الشيخ وجبل قلمون وجبال اللكام وما وراء بلاد القافقاس وبين النهرين وفارس وتركستان. والتين لم يهتد علماءُ النبات إلى معرفة بلاده الأصلية والغالب أنه من أقاليم البحر المتوسط ولا سيما سورية وكذلك العنب لا يعرف منشأُوه لأنه ثبت أنه قديم الاستعمال جداً بين البشر وهو حديث العهد في جنوبي أوربا وشمالي إفريقية وغربي آسيا وأصل الجوز من أقاليم القافقاس والعجم وشمالي الهند. والبرتقال أتى على غالب الظن من جنوبي الصين وكوشنشين وانتقل إلى أوربا في القرن السادس عشر والليمون جاء من الهند ودخل إلى إيطاليا حوالي القرن الثالث أو الرابع للمسيح. تموز الحرية إذا انقضى مارت فاكسر الكوزا واحفل بتموز إن أدركت تموزا أكرم بتموز شهراً إن عاشره فقد كان للشرق تكريماً وتعزيزا شهر به الناس قد أضحت محررة من رق من كان يقفو إثر جنكيزا سل أهل باريز عن تموز تلق لهم يوماً به كان مشهوداً لباريزا كانت لهم فيه لما ثار ثائرهم بسالة مدت البستيل مبروزا وإن تموز شهر قام فيه لنا على البقاع لواء العز مركوزا في شهر تموز صافنا لما وعدت بيض الصوارم بالدستور تنجيزا هي المساواة عمتنا فما تركت فضلاً لبعض على بعض وتمييزا أمست لنا قسمة بالملك عادلة حكماً وكانت على علاتها ضيزى كنا من الجور عمياناً وليس لنا منق قادئدين ولم نملك عكاكيزا حتى نهضنا إلى العلياء تقدمنا عصابة برزت في المجد تبريزا إن تلقهم تبق منهم في الوغى جبلاً وهجتهم للمنايا هجت راموزا قوم إذا طمعوا في حومة تخذوا قصاعهم من قحوف القوم لا الشيزى قمنا على الملك الجبار نقرعه بالسيف منصلتاً والريح مهزوزا حتى تركنا في هيجاء معضلة ألقت ضراماً على الطاغين مأزوزا إنا لنأبى على الطاغي نهضتنا حتى نهوز في الهيجاء تهويزا ونأكل الموت دون العز نمضغه كمضغنا التمر برنياً وسهريزا لا عاش من لا يخوض الموت مرتضياً بقاءه بعصي الذل موكوزا راعت سلانيك دار الملك فانتبهت من ذاك طهران تخشى أمر تبريزا حتى غدت وهي في تموز ناكسة رايات شاه رماه الخلع مجنوزا فالشاه في شهر تموز هوى وكذا عبد الحميد هوى في شهر تموزا يا شهر تموز لا راعتك رائعة ولا لقيت من الأحداث ارزيزا يا شهر تموز قد زينت رايتنا بالعدل توشية فيها وتطريزا من لي بأنجم هذا الأفق أنظمها قصائداً فيك مدحاً أو أراجيزا أو أنحت الماس أقلاماً معرضة أمدها ذهباً في الطرس إبريزا وأجعل الجو في تموز أمدحه طرساً أجادته كف النور ترزيزا</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_40.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.40.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
