<?xml version="1.0" encoding="UTF-8"?><GetPassage xmlns="http://relaxng.org/ns/structure/1.0" xmlns:a="http://relaxng.org/ns/compatibility/annotations/1.0" xmlns:tei="http://www.tei-c.org/ns/1.0">
<request>
<requestName>GetPassage</requestName>
<requestUrn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.4.TEIP5:</requestUrn>
</request>
<reply>
<urn>urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.4.TEIP5:</urn>
<passage>العدد ٤ بتاريخ: ٢٤ - ٥ - ١٩٠٦ صدور المشارقة والمغاربة جونسون ولد سنة ١٧٠٩ وتوفي سنة ١٧٨٤ أحد مشاهير كتاب الإنكليز وعلماء الأخلاق قاسى في طفوليته أنواع العذاب من سوء صحته وأصيب بالسويداء. ولد من أبوين فقيرين فتهيأ له رجل محسن علمه على نفقته في كلية اكسفورد لكن بشاعة صورته وفقره وسويداءه جلبت الشكوى منه فاضطر أن يترك دروسه قبل إتمامها وعاش زمناً في مكتبة والده وكان كتبياً ثم عين في إحدى المدارس الخاصة بوظيفة بسيطة وسنة ١٧٣٥ تزوج أيماً أكبر منه بعشرين سنة وكان يحبها على بشاعتها حباً لا يصدق. ففتح له معها مدرسة للشبان في ضواحي لينسفيلد بلده لكن قبح صورته وصورة زوجه كانت تخفيف الأطفال ووالديهم فلا يضعون أبناءهم في تلك المدرسة حتى أنه لم يكن عندهما غير ثلاثة أولاد فاضطر إلى ترك التعليم وجاء لندن يفتش على ما يقوم بأوده فاستخدم في إدارة إحدى المجلات الإنكليزية فكان يأتيها بأخبار مناقشات دار الندوة وفي غضون ذلك نشر تأليفاً له فنبه به قدره وشاع بين الكتاب والقراء ذكره وألف معجماً في ثماني سنين وهو أول معجم بالإنكليزية وكان في خلال تأليفه وضع بعض المصنفات فحازت استحسان بيرون وسكوت العالمين الكاتبين المشهورين وتأفقت شهرته بهذا المعجم كل التأفق على أنه لم يكن من قبل خاملاً بل صار بما صنف الكاتب غير مدافع، وحاول أن ينشئ مجلة إلا أنه لم يفلح فيها فسقطت ثم أنشأ أخرى فسقطت. وكان ينفق على الصدقات كل ما يحصله من المال القليل تقريباً حتى أنه آوى إليه ثلاث نساء عاجزات بعد وفاة والدته مع طبيب يطبهن. وفي سنة ١٦٧٢ منحته الحكومة ثلاثمائة جنيه مساناة ابيضت بها لياليه السود واستعان بها على شقاء الأيام ولم يقبلها إلا بعد التردد وكافأ الحكومة عليها من باب مقابلة الجميل بمثله بأن كتب بضع كراريس في السياسة خدمها بها ولم يقل إلا ما ينطبق على آرائه فيها وكان أكبر همه تأسيس أندية (كلوب) تجمع كبار الرجال من ممثل إلى مؤرخ إلى خطيب إلى اقتصادي إلى مبشر وكان الملك يتطلب سماع حديثه وكذلك كانت طبقة الأشراف في الأمة الإنكليزية. وفي خلال تلك المدة تعرف إلى رجل من الأغنياء فاعجب به كل الإعجاب وأكرم مثواه وأحله منه المكان الذي ينبغي أن يحله أمثاله وقام له في داره في لندن بل في مصايفه في ضاحيتها بوسائط العيش ورفاهية الحياة وكانت تلك الأعوام هي غاية سعادته ومجده ومازال على تلك الحال يكتب وينشر ويشتهر أمره حتى توفي صديقه بل حاميه بعد ست سنين من صحبة أتته بفوائد جزيلة أقلها أنه استطاع أن يتجول في البلاد على نفقته فتأخرت صحته لهذا الخطب الجلل وكان ذلك سنة ١٧٨١ . ولما فقد الكاتب حاميه عاد إلى ميله السابق من تأسيس الأندية فأسس له ناديين كانا أشبه بنادي المهووسين السوداويين. ودفن في مقبرة وستمنستر مدفن العظماء من الإنكليز وأقيم له تمثال. وقد وصف تين العالم الفرنسي صاحب الترجمة فمما قاله فيه بعد أن ذكر قبح صورته وإهمال هندامه وسوء نظامه أنه كان شرهاً أكولاً يجلس إلى المائدة فيخضم ويقضم ولا يستمع لحديث مخاطبه بل يستغرق بما بين يديه من الصحاف والألوان حتى لقد كانت تنتفخ عروق جبهته وتتصبب عرقاً لكثرة إدخال الطعام بسرعة على معدته وبعد أن يستوفي طعامه على هذا النحو حتى يكاد يختنق يأخذ في تعاطي الشاي فيتناول لا أقل من اثني عشر قدحاً. قال الذي عربنا عنه هذا الفصل: وأنت ترى أنه من العجيب فيمن كانت له هذه الأخلاق والعادات كيف كان تمثال مجتمع بأسره مجتمع كان من اللطف على جانب هذا إذا لم يعلم أن صاحبنا كان ذا صفات نادرة فقد كان بين جنبيه على تلك الخشونة في الطباع قلب مليء فضلاً ولطفاً وحناناً على الضعاف والأولاد والفقراء والحيوانات وكان أصحابه وهم كثار يحبونه حباً مازج سويداء قلوبهم ولم تكن خشونته لتحول دون ملاطفة النساء بل كان معهن آية الظرف واللطف يتأدب معهن ويسليهن بأطيب ما في العالم من حديث شهي. إلا وأن ما اختلط بأجزاء نفس هذا الرجل من قول الحق والتفاني فيه وحياته الشريفة التي قضاها وإعجابه باستقلال أخلاقه وحريتها كل هذا كان له مادة اعتبار لأدبه وإعجاب بمقدرته العقلية وكان لسناً مفوهاً ولم يعد في أرقى طبقات الكتاب ولا في أرقى المفكرين وكان إنشاؤه مستثقلاً فظاً حتى قال له أحدهم يوماً: إنك يا صاح لو نشأت حكاية أسماك صغيرة لجعلتها تتكلم كلام الحيتان. وبالجملة فلم يكن من الخوارق والنوابغ في علمه وأدبه بل كان من الخوارق في أخلاقه ولذلك يعد في الأخلاقيين أكثر منه في الكاتبين. مجلة المقتطف قلما قام في هذه البلاد عمل مادي أو علمي أو غير ذلك أعواماً طويلة إلا وأصابه من خور عزيمة أربابه وتشتت أهوائهم أو قلة بضاعتهم ومناصبة الأحوال لهم ما تتداعى به أركانه وينحل كيانه. قال بعض العلماء أن حياة الإنسان ثلاثون سنة أي أنه يندر أن يعمل عملاً نافعاً طول حياته أكثر من هذه المدة أو ما يقرب منها وبعد ذلك إما أن يضعف أو يعوقه عائق. بيد أن مجلة المقتطف بلغت هذا السن في هذه الآونة والهمة في تحسينها تتجدد والفائدة الناتجة منها تعظم. قلَّ في المشاريع ولاسيما العلمية منها ما سار به صاحبه على سنة الارتقاء الطبيعي ولذلك قلَّ في أربابها المفلحون. أما صاحب المقتطف فعملاً أولاً تحت نظارة أستاذ لهما عظيم الدكتور كرنيليوس فانديك الأمريكي ولم يخرجا عن حد الخطة التي رسمها لهما فكانت صفحاتهما بادئ بدء قليلة وكتابتهما لا تخلو من ضعف وموضوعاتهما بسيطة تتناولها أذهان الصبيان لأدنى نظر وعلى ما قام من المنشطين لعملهما في ذاك العهد من رجال البلاد لم يبلغ المقتطف الغاية التي كانت ترجى له من الانتشار وكثرة الانتصار. ولقد خيف عليه السقوط أولاً خصوصاً عندما قام بعضهم في مناصبته. ومن العادة أن ينتقد بل أن يعادي كل من يكتب في الأبحاث الجديدة ويدعو إليها ولاسيما ما كان منها فيما لم تألفه عقول القوم من الفلسفة الطبيعية والمعارف المادية. فثارت مثارات النفوس لأول وهلة واستعظم بعضهم إقدام صاحبيه ولو لم يمزجا عملهما بشيء من التقية والمداراة ويهضما النفس في الأحايين لكانت أقل صعوبة يلقاها مثل هذا المشروع تكفي في إخفاق المسعى وانفضاض الناس من حوله. ولو ظل المقتطف يقبل المناقشة فيما يكتبه وينشره لانصرفت وجهته من الكليات إلى الجزئيات وضاع المقصود من إنشائه فقد نصح لهما أستاذهما بالعدول عن خطة المماحكات على ما أثبتا نصيحته في السنة الثامنة فلم يضيعا بعد الوقت في الجدال سدى. ومذ ذاك أخذت كتابة المقتطف وأبحاثه ترتقي مع الزمن بكثرة مران القائمين به. وبعد فليس هذا ما هيأ الأسباب لقيام المقتطف بل هي الدروس التي أحسن صاحباه تلقيها في أول أمرهما ومرنا على الكتابة فيها والخبرة التي توفرت لهما بكثرة المعاناة والدرس وذاك النور الذي ما فتئا يقتبسانه من أستاذهما إلى آخر عمره. وقد عرف المقتطف بحسن التنسيق ولطف الأداء. . . وقلَّ في العهد الأخير من يدانيه في إجادة الترجمة والتعريب في العلميات المجردة وله بذلك ملكة خاصة لم يسم إليها غير أفراد من أهل العلم الكاتبين كما أنه عرف بحسن الاختيار وانتقاء الموضوعات المفيدة حتى يكاد يكون ذلك مزية خاصة به وجرى في توقع المناسبات على قدم المجلات الأميركية والإنكليزية من إعداد مقالات للنشر كل آن ومقالات لا تنشر إلا في أوقات خاصة. فقد نشر لي مقالة بعد ثلاث سنين من إرسالها إليه ونشر أخرى بالمناسبة بعد سنتين. ويقول منشئ المقتطف أنه يؤلفه من مجلات كثيرة لأهل الأخصاء من علماء السكسونيين وما كل مطلب من مطالبه إلا وهو نتيجة أبحاث عقول كبيرة درسته حق دراسته. دع عنك ما في مكتبته من دوائر المعارف أو الموسوعات (الانسيكلوبيديات) والكتب العلمية الإفرنجية وخل عنك خبرة صاحبيه في معظم الفنون التي يكتبان فيها على ما صرحا بذلك في آخر السنة العشرين. ومع أن للمقتطف مشرباً يصعب أن تقبله كل النفوس وأشياعاً يغالون في محبته وإجلال ما يصدر عنه نراه إلى اليوم يراعي أكثر الأذواق استحساناً. ومن مزج خدمة العلم بخدمة نفسه في الماديات فاتخذ العلم تجارة والتجارة باباً للعلم قد ينجح في الأعم من حالاته. من أجل هذا اضطر المقتطف في الربع الأخير من عمره أن يجاري بعض المجلات في نشر الأبحاث الأدبية فأجاد في بعض رواياته المترجمة ولم يجد في المختارات الأدبية فجاء من المقتطف صحيفة عامة تبحث في أمور كثيرة يصح أن يقتنيها أهل كل جيل وقبيل ولا مسحة عليها من صحف الاختصاصيين من الغربيين تلك الصحف التي تنصرف إلى علم أو عدة علوم لا تتعداها فتطيل فيها وتتوسع ما شاءت وشاء غرضها. وللمقتطف عذر في ذلك مادام أهل الأخصاء في الشرق لا يعيشون من أقلامهم وما عم العلم بيننا حتى يخص. ولكن كان الأجدر به أن يخص بعض من تفردوا بالآداب وذاقوها كل الذوق ليكتبوا فيه أمثال هذه الموضوعات ويحكموا على ما يرد منها من أقلام المراسلين. وأقل ما تم على يد المقتطف من الحسنات أن أناساً ممن أعرفهم في مصر والشام علت بالمواظبة على الأخذ منه أفكارهم وأزال عنهم أدران الغباوة وفتح لهم باب البحث وإعمال الفكرة وغرس فيهم الميل إلى المطالعة والتأليف وأوقفهم على إجماليات من العلوم الحديثة فكانت هذه المجلة لهم أشبه بدائرة المعارف التي نشرها الخاصة من رجال الفرنسيين في القرن الثامن عشر فجعل الناس يختارون ما يروقهم من العلوم بعد أن ينظروا في معظمها نظرة عامة. بقي أن أقول أن للمقتطف مغامز لا بأس بعرضها عليه ألا وهي ظهور الغرض أحياناً في مطاوي ما يكتب مدفوعاً إلى ذلك بعامل التربية والمنشأ أو بداعي قلة اختبار في أحوال المجتمع أو مراعاة لغرض تستدعيه المصلحة وما كان الأحرى به وهو يدعو إلى العلوم المادية أن يتجرد عن النزعات السياسية والدينية بتة. فالعلم مشاع لا مشرب له ولا دين. ولو خلا من التعريض ببعض الفرق لنجا من طعن الطاعنين عليه من مثل من أوغر صدورهم مثلاً بشرح مذهب داروين في النشوء والارتقاء وكان عليه أن يلخص في مثل هذه الموضوعات حقائقها من غير تحزب إلى ما قد يكون الجمهور على خلافه. وقد يقع لهذه المجلة في بعض الأعداد أن تطرق موضوعاً تافهاً فيكون ذلك على غير قصد منها في الغالب خصوصاً ومنشئها يعني كل العناية أن لا يكرر ما سبقت له الكتابة فيه والناقل قد يسهو عما نقل وشتان بين الناقل والواضع. ومن كان غرضه إرضاء قرائه كافة لابد أن يسقط ولو قليلاً فيما يدعوه الخاصة لغواً أو حشواً. ولعل ذلك هو السبب الذي دعا منشئه أن قال يوماً لأحد كتاب المجلات أنك يا هذا تملأ صحيفتك بالدسم فوق اللازم فالأشبه بك أن تضمنها ما تتحمض به النفوس ليشتد بها القرم إلى العلم. وقد عتب فريق على هذه الصحيفة لتساهلها بنقل تراجم المشارقة وذكر نبذ من أعمالهم الخيرية وأرى لها بعض العذر في ذلك لأن المرء حر أن يسكت عمن لا يعلم عنه ما يكفي للحكم فيه أو لا تروقه حالته ولا يسف أن يكيله المديح كيلاً. فإن أغفلت مثلاً ترجمة جمال الدين الأفغاني وحسن الطويل وحسن توفيق وأمثالهم فقد ترجمت محمداً عبده وعبد الرحمن الكواكبي وبطرس البستاني ومن ضارعهم. هذا وإني استحسن طبعه ووضعه ونسقه وحسبي حجة على أدب صاحبيه وإنهما أميل إلى الإنصاف من كثيرين من حملة الأقلام أن أذكر ما اقترحه علي أحدهما منذ سنين من انتقاد مجلتهما وبعد الاعتذار أشرت بالعدول عن بعض الموضوعات المطولة المملة مثل مقالات فتح المكسيك وأن تتوفر العناية بتصحيح المسودات من الأغلاط اللغوية والمطبعية لتكون صحيفتهما حجة في الأدب كما هي حجة في العلم المادي فطرحا ذاك الموضوع لقلة غنائه وأنشآ يعنيان بإصلاح الأغلاط وأقاما معهما كاتباً على إنشائه. وهناك مسألة طالما خالجت فكري وذاكرت أحد صاحبيه بها ألا وهي أن منشئيه لم يربيا على منهجهما العلمي ناساً يخلفانهما وما أخال ذلك إلا ميسوراً لهما لو صحت عزيمتهما عليه لأن المدرسة التي تعلما فيها لا تزال تخرج كل سنة من لو ساعدتهم الأحوال وأخذ أرباب البصر بأيديهم لكانوا مثلهما. وما أدري لم لم تصف للمقتطف طبقة ممن ساعدوه من أول نشأته فساروا معه إلى آخر دور من أدواره فقد اتصل بعض مساعديه بأعمال أخرى فزهدوا في المثابرة على مساعدته أو سئموا ولم يثبتوا في حين أخذ المقتطف منذ بضع سنين يؤدي جوائز للكتاب كما كان يفعل صاحب الجوائب قديماً. ومع أن للمقتطف أعواماً طويلة في خدمة القلم يحق له كما قال لي أحد رجال الأدب ممن خبروا المجلات الأميركية والإنكليزية أن ينشر ولو في الأحايين موضوعات هي من بنات أفكار كاتبيه ومن ثمرات مباحثهما الخاصة شأن غيره من المجلات الكبرى في بلاد الغرب ولكن المقتطف لا يرى إلا الأخذ عن الغربيين وعنده معظم ما هو من أصل شرقي مظنة للظن والريبة لا يعتد به في الغالب. وفي الختام أثني على هذا الكتاب العلمي الدوري بما هو أهله لأنه كان خير واسطة علمية بين أفكار المغاربة والمشارقة وأرجو أن تطول أيام صاحبيه ليظلا يودعانه ما ينفع طلاب الحقائق على الدهر وآمل أن يكون في اشتراك كاتبيه هذه الأعوام الطويلة أحسن معلم للمشارقة وداع لهما إلى الاجتماع تذرعاً إلى إصلاح السعادتين. ديانة المصريين يقول هيرودتس أن المصريين من أشد البشر تديناً ولا يعرف شعب بلغ في التقوى درجتهم فيها فإن صورهم بجملتها تمثل ناساً يصلون أمام رب وكتبهم على الجملة أسفار عبادة وتنساك. الأرباب المصرية - رب الشمس رأس الأرباب (الآلهة) عندهم وهو الخالق المحسن العليم الكائن منذ البدء له امرأة وابن عريقان مثله في الربوبية وكان المصريون يتعبدون بهذا التثليث الذي تختلف أسماؤه وإن اتحدت مسمياته فكان أهل كل إقليم يسمي كلاً من هذه الأسماء الثلاثة باسم يختلف عن الآخر. ففي منفيس سمي الأب فتاح والأم سيخت والابن ايموتس وفي أبيدوس سموها أوزيريس، ايزيس، وهوروس، وفي ثيبة عمون، وموت، وشونس. ثم اختار أهل كل إقليم أرباب الأقاليم الأخرى وقد يشتقون من كل رب تثليث أرباب أخرى وهكذا تعددت الأرباب وتشوش الدين. اوزريس - لهذه الأرباب تاريخ وهو تاريخ الشمس فكان هذا الكوكب يتراءى للمصريين كما يتراءى لغالب الشعوب الأصلية أنه أقدم المخلوقات وبعبارة أخرى أنه من الأرباب فاوزيريس أي الشمس قتلها سيت رب الليل وايزيس القمر امرأته تبكيه وتدفنه وهوروس ابنه الشمس الساطعة يأخذ ثأره قاتلاً قاتله. عمون را - هو رب ثيبة صور عندهم مجتازاً السماء كل يوم في قارب وأرواح الموتى تقذف به بمجاديف طويلة فالرب يقف في المقدم مستعداً لضرب العدو برمحه. وهاك النشيد الذي كان يتغنى به تعظيماً له. السلام عليك أنت تهب محسناً أنت تهب صادقاً يا مولى الأفقين أنت تطوف السماء من عل وأعداؤك هالكون. السماء في أنس والأرض في فرح والأرباب والناس في عيد وكلها اجتمعت لتمجد را يشاهدونه في قاربه وقد كسر العدى. يا را هب فرعون حياة طيبة وامنحه ما يقوته من خبز ويرويه من ماء وطيب شعره وعطر أردانه. أرباب رأسها رأس حيوان - مثل المصريون أربابهم في صورة آدمية تارة وعلى مثال البهيمة أخرى. ولكل رب حيوانه فيتجسد فتاح في الجعل. وهوروس في الباشق. وازوريس في الثور. وتختلط الصورتان طوراً في إنسان رأسه رأس حيوان أو في حيوان رأسه رأس إنسان. وللرب عندهم أن يكون ذا أربع صور وأشكال فيكون هوروس مثلاً باشقاً أو إنساناً برأس باشق أو باشقاً برأس إنسان. حيوانات مقدسة - لا يعلم لماذا كان يعنى المصريون بهذه الإشارة من اتخاذ الحيوانات التي تشبه الأرباب مقدسة مباركة مثل الثور والجعل وايبس (طائر طويل الرجل) والباشق والقط والتمساح فيتوفرون على إطعامهم وحمايتهم. فقد قتل أحد الرومانيين في القرن الأول قبل الميلاد قطاً في الإسكندرية فثار الشعب وقبض عليه فذبحوه رغم إرادة الملك وشفاعته فيه فعلوا ذلك علي حين يرهب المصريون بأس الرومانيين كثيراً. وكان للمصريين رب يعبدونه في كل معبد. وقد قص سترابون كيفية زيارته تمساحاً مقدساً في ثيبة فقال: كان هذا الحيوان رابضاً على شط غدير فاقترب منه الكهنة وتقدم اثنان منهم ففتحا فمه وجاء ثالث وحشاه حلويات وسمكاً مشوياً وشراباً من عسل مصفى. الثورابيس - أجلُّ هذه الحيوانات المربوبة أو المؤلهة الثورابيس فإنه كان يمثل اوزيريس وفتاح معاً ويعيش في منفيس في مصلى له يخدمه الكهنة فيه حتى إذا مات هذا الثور يكون حاله حال اوزيريس (رب الشمس) فيحنط وتجعل مومياؤه في ناووس أما قبر أوسارهابي فهو من المعاهد الهائلة وقد فتح ماريت الفرنسي مقبرة السرابيوم عام ١٨٥١ . عبادة الموتى - عبد المصريون أيضاً أرواح الموتى ويظهر أنهم كانوا يعتقدون أولاً أن لكل إنسان قريناً (كا) فإذا مات يخلفه قرينه في حياته وهو اعتقاد اعتقده كثير من الشعوب المتوحشة وكان القبر المصري يدعى قديماً بيت القرين وهو عبارة عن مكان منخفض مظلم كالغرفة يزين من أجل القرين بضروب الآثار من كراسي ومناضد وسرر وصناديق وأصونة وأغشية وأقمشة وألبسة وأدوات زينة وأسلحة ويضعون تارة مركبة حربية وما شاء للذته من تماثيل وصور وكتب ولطعامه من بر وكل ما حلا بالعين وحلي بالفم ويضعون فيه طوراً قرين الميت وهو تمثال من خشب أو حجر صنع على صورته ومثاله ثم يسور مدخل الناووس فيبقى فيه القرين ويعنى الأحياء بأمره فيجلبون له طعاماً أو يتوسلون إلى أحد الأرباب أن يرزقه طعاماً على نحو ما تراه في هذا الرسم المزبور على الحجر: (قربان لازوريس ليعطي زاداً من خبز وشراب وثيران وإوز ولبن وخمر وجعة ولباس وعطور وكل كا طاب وصفاً إلى المتوفى فلان). حشر الأرواح - أنشأ المصريون منذ السلالة الحادية عشرة يعتقدون أن الروح تنفصل عن الجسد وتلحق باوزيريس تحت الأرض حيث تغيب الشمس كل يوم فيما يظهر. هناك يتصدر اوزيريس في محكمته وقد أحاط به أربعة وعشرون محكماً فيؤتى بالروح أمامهم فتحاسب عما قدمته بين يدي نجواها في الحياة فتوزن أعمالها بميزان الحق وتطلب شهادة القلب. فيهتف الميت قائلاً: يا قلب إني ورثتك عن أمي منذ درجت على الأرض فلا تقم علي شاهداً تتجنى عليّ أمام الرب المتعال فالنفس الشريرة تعذب قروناً ثم تهلك والنفس الطيبة تطير أحقاباً وبعد محن كثيرة تنضم إلى زمرة الأرباب وتفنى فيهم. الموميات - تستطيع الروح في خلال هذه الزيارة الدخول في الجسد لتستريح ولذا اقتضى أن يظل الجسد سليماً. ومن أجل ذلك تعلم المصريون طريقة تحنيط الجثث فيملؤون الجثة عنبراً ويغطسونها في مستحم من النطرون ويعصبونها بعصيبات فتصير مومياء. هكذا توضع المومياء في تابوت من خشب أو جبس وتودع في القبر مصحوبة بما يقتضي لها من ضروريات الحياة. كتاب الأموات - كان يوضع بجانب المومياء كتاب صغير اسمه كتاب الموتى يذكر فيه ما ينبغي للنفس أن تقوله في العالم الثاني دفاعاً عن نفسها أمام محكمة أوزيريس وهو: ما ارتكبت خيانة وما عذبت أيماً وما ارتكبت محرماً ولا ألفت البطالة ولا وشيت بالعبد إلى مولاه ولا حبست الخبز عن المعابد ولا سرقت عصيبات الموتى ولا طعامهم ولا طففت مكاييل الحبوب ولا صدت الحيوانات المقدسة ولا قبضت الأسماك المقدسة. أطعمت الجوعان وأسقيت العطشان وكسوت العريان وقدمت الضحايا للأرباب وصنعت الوضائم للموتى وهنا تستبان حكمة المصريين وهي الاحتفاظ بالرسوم والتكاليف واحترام ما له علاقة بالأرباب وأن يكون المرء مخلصاً محتشماً محسناً. الصنائع الصناعة - المصريون أول من مارس الصنائع التي تمس حاجة الشعب المتحضر إليها فكانت الصور في القبور من عهد السلائل الأولى أي من نحو ثلاثة آلاف سنة قبل الميلاد تمثل ناساً يحرثون ويزرعون ويحصدون ويدرسون ويذرون الحبوب وقطعاناً من ثيران وخرافاً وإوزاً وخنازير وأعياناً حسنة ثيابهم واحتفالات وأعياداً يحتفل فيها بضرب العيدان أي كما كانت حياة هذه الأمة بعد ثلاثة آلاف سنة حذو القذة بالقذة. وقد عرف المصريون لذاك العهد صنع الذهب والفضة والقلز والأسلحة والحلي والزجاج والخزف والمينا ونسج الثياب من صوف وكتان وأنسجة شفافة أو موشاة بالذهب. عقود الأبنية - كان المصريون أقدر البنائين القدماء في العالم أقاموا المعاهد العظيمة حتى صارت كأنها خالدة بحيث لم يقو الزمن لعهدنا على تقويضها وتبديدها ولم يبنوا مثلنا بيوتاً لسكن الأحياء بل كانت مبانيهم خاصة بالأرباب والموتى فيبنون لهذا الغرض المعابد والمقابر. ولم يبق من مساكنهم إلا رسوم محيلة أما قصور الملوك فلم تكن على قول اليونان غير خانات بالنسبة للقبور. ذلك لأن المسكن يبنى ليأوي إليه الإنسان في حياته والقبر يبقى خالداً على الدهر. القبور - أصل الهرم الكبير قبر ملوكي والقبور القديمة هي من هذا النوع. وترى في مصر السفلى إلى اليوم أهراماً مصطفة كالشوارع أو مبددة هنا وهناك تختلف في الكبر والصغر. ثم صارت تقام القبور تحت الأرض يعمر بعضها تحت التراب وينحت الآخر من حجر الصوان الكرانيت في الجبال ولكل جبل قبور جديدة. وكانت مدينة الموتى أي مدافنهم على مقربة من مساكن الأحياء ولكنها أزهى وأوسع. المعابد - يتطلب الأرباب كذلك مساكن طيبة خالدة وتتألف معابدهم من هيكل جميل وهو مأوى الرب تكتنفه القصور والحدائق وغرف الكهنة وحاشيتهم ودروج جواهرهم وأدواتهم وملابسهم وقد صنع مجموع هذه الأبنية المسورة في عصور كثيرة. فاشترك ملوك من جماع السلائل المصرية في تشييد معبد عمون في ثيبة من السلالة الحادية عشرة إلى السلالة الأخيرة ومن العادة أن يفتح في أول المعبد باب عظيم محني الجوانب وتقام على طرفيه مسلتان مبنيتان بشعاف الصخر مذهبة الأطراف أو تمثالان من الحجر على مثال جبار جالس. وقد يوصل إلى المعبد من طريق طويل نصبت في جوانبه تماثيل أبي الهول مصنوعاً من الحجر على صفين. هذه الأهرام والمنحنيات والتماثيل وأبو الهول والمسلات تنبئ بما بلغه المصريون من العناية بعقود الأبنية وكلها ثخينة قصيرة عميقة بحيث تبدو هذه المعاهد ضخمة لا يبليها الدهر ولا تفنيها الغير. صناعة النحت - حاكى النحاتون من المصريين الطبيعة بنقوشهم. وإن الناظر ليدهش من أقدم التماثيل لما فيها من الحياة والبساطة ولاشك أنها كانت صور الموتى. ومن هذا الجنس صورة ذاك العامل الجاثي المحفوظة في متحف اللوفر بفرنسا. وعلى عهد السلالة الحادية عشرة تقيد النحات بقاعدة مقررة دينية فلم يعد يمكنه تمثيل الجسم الإنساني على حسب ما يظهر له وأخذت التماثيل منذ ذاك العهد تتشاكل وغدت السوق متآزية والأرجل ملتفة والأذرع مشتبكة على الصدور والهيئة غير متحركة لكنها مهيبة وأبداً ذات جلال ومتحدة في المنوال فانقطعت هذه الصناعة عن محاكاة الطبيعة وغدت رمزاً متفقاً عليه. الرسم - استعمل المصريون أصباغاً لا تنصل بقيت باهية زاهرة بعد مضي خمسة آلاف سنة عليها. على أنهم لم يعرفوا غير تلوين الرسم وظلوا ولا خبرة لهم بتنويع الألوان ولا رسم الظلال والأشباح البعيدة. وكان للرسم كما للنقش قواعد دينية مطردة فإذا عرض على صانع أن يرسم خمسين شخصاً يصورهم على هندام واحد ونظام واحد. الآداب - للمصريين آداب خاصة بهم فقد عثر في النواويس على كتب طب وسحر وزهد كما عثر على قصائد ورسائل ورحلات وروايات. مصير التمدن المصري - احتفظ المصريون بأربابهم ودينهم وصنائعهم إلى ما بعد سقوط مملكتهم فخضعوا للفرس ثم لليونان ثم للرومان ولم يطرحوا شيئاً من عاداتهم القديمة ولا نسوا خطهم ومومياءهم وحيواناتهم ثم دثر التمدن المصري ببطء بين القرن الثالث والثاني ب م. النهضة الأميركية ملخصة عن إحدى المجلات الأوربية ما برحت الأفكار حيرى في تكييف حالة الولايات المتحدة الأميركية وارتقائها في سلم الحضارة والعمران فقد مضت القرون ومواد ثروتها لا تنضب وأسباب عمرانها متوفرة وانقضت الأجيال والناس ينسلون إليها من كل حدب. ومع ما فيها من الاختلاط والحركة لا يزال أهلها عجائب في أطوارهم كما أن بلادهم أم العجائب. بلاد حوت الأضداد في الأجناس والأديان فمن ألمان إلى هولنديين إلى أيرلنديين إلى بافاريين ومن كالفانيين إلى كواكوز إلى برسبتاريين إلى بوريتانيين من شيع البروتستانت. ومنهم يتألف على اختلاف الأجناس اللاتينية والسكسونية والإنكليز السكسونية هذا الشعب العجيب المتناسل في تلك الأصقاع بين هاتيك الآجام والغابات الكبيرة والمروج الواسعة. وأهل هذه البلاد من سكان العالم القديم نثروا في عالمهم الجديد جراثيم الترقي وأتوا تلك الديار كما قال كارلايل المؤرخ الإنكليزي حاملين على قواربهم الثخينة من الرجال أمثال شكسبير وكرومفل ممن كانوا أبطال إنكلترا الجديدة والغوغاء الوضيع في أسبابه الرفيع بآدابه. ومن أعظم ما امتاز به هذا المزيج من الناس فكر الإبداع ولم يعق تلك الأمة ما عرفت به هي وأصولها من حب التقليد. ففي أميركا الشمالية كل شيء ونقيضه. ففيها التمدن والتوحش. وفيها حب الفتح والتبسط في مناحي السلطة والدعوة إلى السلام والاحتفاظ به. وفيها الشجاعة المفرطة والاحتيال مع الحذر. وفيها الإعجاب بالعظمة والتمدح. والميل إلى العمل والعزوف عن السفاسف. وفيها التعبد بالتوراة وحرية الفكر. وترى فيها بجانب الأهوال والفظائع من صلب وضرب بالسياط جمعيات اعتدال عجيبة وأوضاعاً بديعة لتعليم العامة. وفي جانب المضنيات الاقتصادية الهائلة عطايا تمنح لمساكين الفقراء حوت في مطاويها الأبهة والتمجد. بل ترى فوق ما هناك من أعمال قاسية جافية إجراء يلتمسون من مواليهم زيادة أجورهم وأولاد أغنياء يملك آباؤهم الملايين والمليارات واللكوك والربوات ثم يروحون ويغدون في بيع الجرائد وينادون عليها بأعلى أصواتهم في الشوارع ويمتهنون أنفسهم بإصلاح الأمواق (بوياجية جزم) وبينا ترى فيها التشديد للمحافظة على الأيام المخصصة رسمياً لتمجيد المولى تعالى وتقديسه على نعمائه ترى التسامح مع المجتمعات الكافرة الشيطانية بأجمعها والترخيص لها بما تريد. ومن أعظم ما امتاز به أهل هذه البلاد الجفاء والكبرياء وحب البيضاء والصفراء فيقصد كل فرد من أهلها إلى أن يكون حاكماً على غيره وظالماً متسلطاً لا يحيك فيه نصح الناصح، ولا يقنعه غير مدح المادح. قال توكفيل يظهر الأميركيون في صلاتهم مع الأجانب أنهم لا يحتملون أدنى انتقاد وينهمون للمديح فيستحسنون أقل مديح دقيق وفي النادر أن يرضيهم المديح العظيم وقال ستوارت ميل في معنى حبهم للمال: أن الأميركيين صنفان صنف يعنى بصيد الدولارات (الريالات الأميركية) وصنف يربي صيادين للدولارات. وقل في الأمم من يعبد الدينار ويتعبد به مثل هؤلاء الأميركيين وإذا رأيتهم حسبتهم لا يفكرون في غير الثروة والتبجح باختزان الدرهم. ومعلوم أن المال لا يحصل إلا بالاكتساب والاكتساب لا يكون إلا بالحركة ولذلك عرف الأميركيون بالمضاء والحركة حتى قال فيلسوفهم أمرسون ونعم القول قوله: الإنكليزي أثبت الناس وقوفاً على قدميه وليس هذا النوع من الرزانة في السكون غاية ما يجب على المرء فإذا زاد هذا السكون في إنسان فسجل بأنه أميركي وأنك متى سألت أميركياً عن صحته يجبك بأنها في حركة عوضاً عن أن يقول لك إنها جيدة أو أنا في راحة. وقد خصت كل بلد من بلدانهم بمزية لا يضارعها فيها غيرها فامتازت شيكاغو بالصناعات وفيلادلفيا بالعلميات ونيويورك بالماليات وبيتسبورغ بالمعدنيات وهناك ترى ثروات لا تحصى تجتمع وتتفرق وأمجاداً تعلو وتسفل وكلها سائرة نحو التقدم آخذة في سنن النماء الذي ينسب الفضل في التوفر عليه أول مرة لرجل أميركا جورج واشنطون. ولد واشنطون في مقاطعة فرجينيا سنة ١٧٣٢ ومات فيها سنة ١٧٩٩ وقد لقبه اللورد بايرون الشاعر الإنكليزي بسينسيناتوس المغرب لكثرة فضائله الشخصية. فقد كان بما خص به من قوة العقل واستقامة الإرادة حكيماً أكثر منه جندياً. فهو على التحقيق مؤلف قلوب أمة وقائد جماعة وزعيم عصابة. قال شاتوبريان الكاتب الفرنسي في كتابه الرحلة إلى أميركا ما نصه: ألق رائد الطرف في الغابات الغبياء التي لمع فيها سيف واشنطون تجد قبوراً بل تجد عالماً. فقد ترك واشنطون بلاد الولايات المتحدة غنيمة في ساحة قتاله. وكان على الجملة زعيم الحاجات والأفكار والمعارف والآراء في عصره قام بنصرة العقول ولم يضادها وتوخى ما يقتضي أن يراد وعمل بما وسد إليه. ومن هنا جاء عمله متماسك الأجزاء ثابت الدعائم على الدهر. فواشنطون هو الذي أوجد الاتحاد ومثل النهضة الأميركية الأولى فكان الجندي النشيط الباسل والسياسي الذي أعلى شأن بلاده في الحكم الجمهوري والتقاليد الدستورية النافعة على حين كان تزبد كتيار يرغي بمياه جديدة تجري إليه. وبينا كانت تلك الأمواج المزبدة على وشك الفيضان وأنشأ واشنطون يجمع شمل المروءات المختلفة ويوجه الإرادات صوب النفع ويحسن بث الأخلاق التي تسفر عن تغلب الحرية والمدنية. فقد أثبت حقوق المرء المقدسة ورغب في الأخذ بزمام مستقبل ذاك الجنس المحتفظ بالتقاليد السائر مع الزمن في تعديلها واستبدالها بأحسن منها مخافة أن يكون من وراء نشوئها السريع اضطراب هائل يستحيل غالباً إلى نزع فوفاة. وهكذا أسس واشنطون مدينته الجديدة على العدل والآداب العامة قال لما سلم القائد قورنفاليس الإنكليزي: رجائي أن تعلم هذه الحوادث إنكلترا بل تعلم الظالمين قاطبة في العالم أن أحسن طريق يقود على التحقيق إلى الشرف والمجد والفضل الحقيقي هو طريق العدل ومذهب الإنصاف ولذا كان الصراط السوي الذي سلكته الولايات المتحدة في ارتقائها أن لا تتساهل بمبادئ العقل والحكمة وهما نتيجة مادة جديدة سعياً وراء مطامع هي من الجنون المطبق فالولايات المتحدة على ما ذكر حرة مطلقة تفيض بالحماسة البطيئة وتتفي الفتوحات ولا ترضى لنفسها أن تكون مملكة على قدم الجهاد أبداً كمملكة قيصر أغطس. هذا هو مبدأ واشنطون الذي سنه لأمته فلذلك جعلت الولايات المتحدة شعارها أن لا تتداخل أصلاً في شؤون غيرها وأن تضرب صفحاً عن الذهاب إلى أوربا. ولكن جاء بعد واشنطون وبنيامين فرنكلين جايمس مونرو السياسي العظيم خامس رئيس لجمهورية الولايات المتحدة وجعل شعاره أميركا للأميركيين فيقتضي إبعاد الأوربيين عن أميركا وهكذا كانت مقاصد زعماء السياسة في تلك البلاد امتناع أميركا عن التداخل في شؤون أوربا حتى لا تحمل هذه بأن تجعل أميركا مستعمرة لها. وهي القاعدة التي يجب أن يجري عليها كل شعب فتي أمام الشعوب القديمة يود أن ينمو حراً على ما تقتضيه قواه ومصالحه ولم تفكر الولايات المتحدة إلا في الاحتفاظ بحقوقها ومصالحها ولو أدى بها ذلك إلى سلب حقوق الجمهوريات الصغيرة بالقوة أحياناً. وبالجملة فإن معنى ما كان الأمريكان يتطالون إليه كان محصوراً في قولهم أنا وأود أن أكون. التفاضل بالبلاد ألف الناس التمجد بالبلاد، والآباء والأجداد، والمال والبنين، عادة في البشر تكثر فيهم بكثرة الجهل وتقل بانتشار العلم، ولقد كان لأهل هذه البلاد من هذا التمجد الباطل قسط وافر، ساعد على إنمائه في النفوس جهل بعض ولاة الأمر السالفين، واتخاذ هذه الأضاليل حجة على من يريدون مناوأته وإرجاعه إلى الطاعة. ولطالما خطب الحجاج في أهل العراق ووصفهم بقوله أهل الشقاق والنفاق ومساوئ الأخلاق وأطلق عليهم من قبله ومن بعده من أمراء ذاك القطر مثل تلك الصفات وما كانت هذه المعاملة لأهل العراق إلا سياسية ولو كانت أخلاقهم كذلك وكان فيمن ولي رقابهم علم وشفقة لسعى السعي الحثيث إلى نزعها منهم بحكم العادة والأسوة والقدوة ولعل هذه الدعوة كانت جملة فلسفة أولئك الحكام وبيت قصيد حملهم على رقاب الناس وكان من أهل الشام إن وسمهم أعداؤهم بكل كبيرة وألصقوا فيهم باطل التهمات. وهكذا الحال بين الشام والحجاز والشام والعراق فإن معظم المؤرخين والمؤلفين نبغوا في العراق فأكثروا في مصنفاتهم من الأحاديث الموضوعة على أهل الشام لقلة من كتب من هؤلاء ودافع عنهم. ومثل ذلك قل في المغرب مع مصر ومصر مع الشام وفارس مع الهند وكلها في الحقيقة سفاسف لا تساوي درهماً عند المحققين. وما البلاد في أمر الأفضلية إلا سواء لا يفضل شرق عن غرب ولا جنوب عن شمال إلا بالعلم النافع والأدب الرافع والعمران والسعادة. ولذا ضل رأي من وضعوا من المتأخرين كتباً خاصة في فضائل بلد أو قطر. وأضل منهم من وضعوا أحاديث مكذوبة على الرسول صلى الله عليه وسلم في تفضيل مدينة أو بلد كما ضل من وضعوا الموضوعات طعناً على فئة خالفت ما هم عليه. وبعد فالأرض كلها سواء في هوائها ومائها دحاها الله ليعيش فيها البشر ويتنقلوا في أقطارها وقد لا تختلف الأقطار المتنائية في قوة الإنبات إلا قليلاً فليس من العقل أن تمدح بلد لجبل فيها، أو سهل فسيح حواليها، أو نهر كبير يمر في وسطها. ولا أن تذم أخرى لحرارتها، أو لضيق حاراتها وجاداتها، فكانت مصر ولا تزال مثلاً منذ ألوف من السنين طريدة من الأرض عرفت بخصبها وغناها الطبيعي وكانت الشام ولا تزال منذ ألوف من الأعوام مشهورة باختلاف أهويتها. ورقة نسيمها، وتنوع جبالها وأوديتها، فما عد ذلك فضيلة للأولى على الثانية ولا للثانية على الأولى. بل حسب لهما ذلك خاصية يمتاز بها كلا القطرين بعضهما عن بعض. وقد أنصفهما في الوصف أحد عمال الدولة وقد سئل عنهما فقال: مصر مزرعة ممرعة والشام مصيف بهيج. إن كان ما تفاخر به البلاد بعضها بعضاً هذا إذا سوغنا التفاخر فبالعلم والتربية وغلبة الفضيلة والخير على طبقات الناس كلها لا بالماء والهواء والواحات والجبال والأودية والأشجار والأثمار وكل ما وزعته الطبيعة بين بلدان العالم فنال كل منها بحسب حالته. دخل أبو الحكم المغربي الأندلسي الحكيم المرسي مدينة دمشق فلما حلَّ ظاهرها سير غلاماً له يبتاع لهما ما يأكلانه في يومهما وأصحبه نزراً يكفي رجلين فعاد الغلام ومعه شواء، وفاكهة وحلواء، وفقاع وثلج، فنظر أبو الحكم إلى ما جاء به وقال له عند استكثاره أوجدت أحداً من معارفنا فقال لا وإنما ابتعت هذا بما كان معي وبقيت منه هذه البقية فقال أبو الحكم هذا بلد لا يحل لذي عقل أن يتعداه ودخل وارتاد منزلاً وسكنه وفتح دكان عطار يبيع به العطر ويطب وأقام على ذلك إلى أن وافاه أجله. ومثل ذلك ما وقع للملك المعظم شمس الدين توران شاه أخو السلطان صلاح الدين يوسف لما تمهدت له بلاد اليمن واستقامت أمورها ملَّ المقام بها وحن إلى الشام وفيها نشأ واشتاق إلى خيراتها والتمتع بثمراتها إذ أن اليمن مجدبة من ذلك. قال ابن خلكان فكتب إلى أخيه صلاح الدين يستقيل منها ويسأله الإذن له في العود إلى الشام ويشكو حاله وما يقاسيه من عدم المرافق التي يحتاج إليها فأرسل إليه صلاح الدين رسولاً مضمون رسالته ترغيبه في الإقامة وأنها كثيرة الأموال ومملكة كبيرة فلما سمع الرسالة قال لمتولي خزانته: احضر لنا ألف دينار فأحضرها فقال لأستاذ داره والرسول حاضر عنده: أرسل هذا الكيس إلى السوق يشترون لنا بما فيه قطعة ثلج فقال أستاذ الدار يا مولانا هذه بلاد اليمن من أين يكون فيها ثلج. فقال: دعهم يشترون بها طبق مشمش لوزي. فقال: من أين يوجد هذا النوع هنا فجعل يعد عليه جميع أنواع فواكه دمشق وأستاذ الدار يظهر تعجبه من كلامه ولكما قال له عن نوع يقول له: يا مولانا من أين يوجد هذا هنا فلما استوفى الكلام إلى آخره قال للرسول: ليت شعري ماذا أصنع بهذه الأموال إذا لم أنتفع بها في ملاذي وشهواتي فإن المال لا يؤكل بعينه بل الفائدة فيه أنه يتوصل به الإنسان إلى بلوغ أغراضه. ولعمري هل يصح أن تجعل أمثال هذه القصص حجة في أفضلية دمشق على غيرها من أمهات المدن حيث المعيشة غالية وهل هذا الرخص مما ينبغي أن يفاخر به أهل الاقتصاد في عصرنا يجعلونه إذا استحكم من بلد شؤماً عليه ويعدون البلد كل البلد الذي غلت فيه أسعار الحاجيات والكماليات وارتفعت الأجور والارتفاعات على نسبتها. والأمثلة على ذلك كثيرة فإنه يبلغنا لهذا العهد عن بلاد الأناضول وهبوط أسعار المأكولات فيها لقلة ما يصدر عنها ما لا يكاد يصدق لولا تواتره على السن الطارئين على ذاك الصقع فهل تفضل السكنى فيه على الروم ايلى المرتفعة أسعار الأرزاق فيه. وبعد فإن كان لا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى فلا فضل لبلد على أخرى إلا بالعلم والعمل والسعادة الحقيقية. الاقتصادلبول لروابوليو الاقتصادي الفرنسي في الإنسان كما في سائر أنواع الحيوان سائق طبيعي يدعوه أبداً إلى السعي وراء ما يحفظ حياته ويطيل حبل أجله. فحب الحياة أمر فطري ولذلك احتاج الإنسان حرصاً على بقائه إلى طعام يقوته ولباس يدفع عنه عوادي الحر والقر ومسكن يأوي إليه وغير ذلك. كان الإنسان أول أمره قليل الحاجات جداً وذلك أيام كان يهيم في الغابات والآجام ويقتات من الثمار الطبيعية أو مما يصيده من الحيوانات والطيور والأسماك ويكتسي من جلود هذه الحيوانات ويأوي إلى المغاور والكهوف وأصول الأشجار الضخمة والأدواح الباسقة. أما الآن فما أكثر حاجات الإنسان فإن تقدم المدنية ونمو العمران أحدثا أشياء كثيرة أصبحت اليوم من ضروريات الحياة. فبعد أن كان الإنسان في أدواره الأولى لا يعاني كبير أمر في سد حاجاته غداً الآن مقيداً ينوء تحت أعباء الحياة ومطالبها وليس في حاجاته ما يسهل نيله سوى استنشاق الهواء وشرب الماء وما خلا ذلك فمحتاج إلى فرط كد وعناء. تنوعت المآكل والملابس وتغيرت المساكن وتزايد حب الزينة والظهور في مظاهر الأبهة والتفخل وعظم الميل إلى التلذذ بأمور مادية ومعنوية وأدبية على ضروب شتى لا يحصرها حد ولا يحصيها عد. وبديهي أن الرجل في المجتمع الإنساني لا يستطيع نيل مطالبه العديدة إلا بسعي خاص لحصولها أو بدفع ما يقابلها من المال الذي هو ثمرة عمله أو ثمرة عمل سابق أتى به من قبله. وكيف كان الحال فالحصول على المطالب لا يمكن إلا من طريق السعي والعمل. ومهما اختلفت أعمال البشر وتنوعت فإنها ترمي إلى غاية واحدة وهي سد مطالب الحياة. وقد حقق أهل الأخصاء في هذا الشأن أن الأعمال المشار إليها خاضعة لقوانين عامة. فكما أن الأجسام وقوانين الأجسام تابعة لقوانين عامة مقررة في العلم الطبيعي فكذلك مساعي الإنسان المصروفة في تقاضي الأشياء النافعة له خاضعة لقوانين عامة. وهذه القوانين هي موضوع علم الاقتصاد ولذا يقال في تعريف هذا العلم أنه علم تعرف به القوانين العامة التي تبين مبلغ تأثير مساعي الإنسان في الحصول على المواد المختلفة والانتفاع بها مما لم تمنحه الطبيعة عفواً. ويمكن إرجاع هذه القوانين إلى أصل واحد وهو أن كل إنسان يجتهد لنيل قدر وافر من المنافع مقابل قليل من السعي وسر ذلك أن الإنسان ميال بالطبع إلى الراحة والكسل ولولا دافع حب الحياة وطول البقاء لما أجهد نفسه في شيء من أمر معاشه وعندما يبتغي شيئاً من المواد النافعة للقيام بحاجاته مباشرة أو بالواسطة فإنه يبحث عن الطرق التي تقلل من تعبه وتوفر له النفع والفائدة. وإذا أمعنا النظر في هذا الأصل نراه منبعثاً من عاطفة حب الذات المنطوية في جوانح كل إنسان. وهذه العاطفة هي ولا جرم أعظم العواطف عملاً وأشدها تأثيراً. فهي المحرك الأكبر في غالب الأعمال، والباعث الأقوى في أكثر المشاريع، والمؤثر الأعظم في جل الأمور إن لم نقل في كلها. ولهذه العاطفة المكانة العليا في الاقتصاد والإثراء وتوفر الرفاهية وتقدم الحضارة. ظن بعضهم أن عاطفة النفع الذاتي هي الأنانية بعينها المضادة لحب خير الغير فحكموا بوجوب عدم الالتفات لتلك العاطفة جرياً على ما تقتضيه قواعد الأخلاق. ولاشك أن الأنانية من الرذائل التي يجب على كل حال اجتنابها ولكن عاطفة حب الذات والنفع الشخصي هما غير الأنانية وبينهما بون شاسع. فالأنانية أن يضع الإنسان نفسه مكاناً علياً وينزل غيره في دركات الانحطاط فيرى احتقار الغير والازدراء به أمراً طبيعياً ويرى نفسه خليقة بالتجلة والتعظيم دون سواها. فينشد المنافع والملاذ من أي طريقة كانت مشروعة أو غير مشروعة أضرت بغيره أو لم تضر. ومن تستحكم فيه هذه الخصلة يكون قلبه كالحجارة أو أشد قسوة وطبعه شر الطباع لا تثنيه شفقة، ولا تعطفه رحمة، ولا تستميله مروءة ولا نخوة. أما عاطفة النفع الشخصي فهي شعور يدفع الإنسان إلى استجلاب النفع لذاته من طرقه المشروعة بدون أن يلحق ضرراً بغيره ويرق لمصاب سائر الناس في غالب الأحيان ويتصدق من ثمرة مساعيه بما تهديه إليه نفسه. ولا يتجرد امرؤ في العالم عن هذه العاطفة لأنها من نتائج حب الحياة الطبيعية. غير أن تقدير النفع الشخصي يختلف باختلاف الأشخاص والأزمان والأمزجة والمحيط والفكر والتربية وغير ذلك. ومن زهدوا في الدنيا واختاروا عيش التقشف في صوامع التعبد فإنهم لم يريدوا بذلك إلا تحصيل نفع أعظم ونيل لذة أسمى من منافع الدنيا وملاذها. وما صلاتهم وصيامهم إلا رجاء الخلاص من العذاب الأليم وأمل الحصول على لذة النعيم الأبدي الذي وعد به المتقون. ولا ينافي حب النفع الذاتي حب الخير للغير وقد يشترك الاثنين في معظم الأحيان. ودليل ذلك أن الإنسان أكثر ما يفكر في مصالح عياله ورفاهيتهم وضمان مستقبلهم. والأسرة منشأ القومية فمن أحب نفسه حباً خالصاً أحب عياله وأسرته ومن أحب عياله حباً شريفاً أحب مواطنيه وقومه. ولذلك كان حب الذات عاطفة شريفة تنافي الأنانية بتاتاً. والإنسان مدفوع بهذا العامل لتقاضي حاجياته. والحاجيات من أهم المباحث التي يدور عليها علم الاقتصاد. وهي كما هو معلوم كثيرة متنوعة جداً تزداد بارتقاء الحضارة وتقدم العمران حتى أن بعضهم حدَّ الحضارة ببلوغ الحاجات درجة الكمال ولعل كثيراً من الناس يتساءلون: هل تقليل الحاجات أنفع للمجتمع الإنساني أم تكثيرها؟ قال أحد الفلاسفة القدماء: إذا أردت أن تكون ذا ثروة وغنى فقلل من حاجاتك ومطالبك بدلاً من أن تسعى في تزييد أموالك. وقال أرسطو: ما أقل القدر الذي يكفي لعيش الإنسان عيشة راضية. وقامت طائفة من الحكماء في هذا العصر بإحياء معالم الحكمة القديمة فاتخذت هذه الأقوال دليلاً مهماً وصارت تحث على الزهد والقناعة وجعلت تبدي أفكاراً كلها خيال في خيال وإليك جملة من أقوالها: ما كانت حياة العظام الذين قاموا بأمر الإنسانية والفضيلة مثل المسيح وبوذا وزردشت وسبينوزا حياة سعيدة إلا لأنهم كانوا زاهدين قنوعين يحيون حياة روحية فهؤلاء ولأمراء خلقاء بأن يتخذوا مثالاً حقيقياً للاقتصاد. يقول بوليو: إنني لا أخشى من التصريح بأن هذه الأفكار الخيالية ليست على شيء من الأهمية في نظر العلم والمدنية. نعم إن من مقتضى قواعد الأخلاق أن نجعل نصب أعيننا مثال المسيح وبوذا وغيرهما من الزهاد المتقشفين كي يعدل فينا حب الثروة المفرط ويعرف الفقراء الذين خانتهم الحيل وأعوزتهم الوسائل أن سعادة الدنيا لا تتوقف على الثروة والمال بل قد يمكن للمرء أن يعيش مع الفقر عيشة طيبة إذا رضي وقنع. بيد أنه لا يتأتى للبشر كافة أن يعيشوا مثل المسيح وبوذا ولو فعلوا ذلك لما تيسر الوصول إلى هذه الدرجة السامية من الرقي والحضارة - انتهى بتصرف يسير. أدعياء العرفان ما ساءني من زماني إلا بنوه وأهله فلا ترى من بنيه إلا الذي ساء فعله ومدعي العلم إفكاً كأنما العلم جهله وقائل إن فضلي وفرٌ ولم يبد فضله وزاعم إن موت ال عافين لاشاه بذله وحاكم وهو يتلو أنا الذي عمَّ عدله وفاخر في مزايا يمتاز فيهن أصله وقائل إن شعري حزن الكلام وسهله وذو اليراع ينادي أنا الذي ليس مثله إذا هززت يراعي ريع الشآم وأهله وذو التنفج يهذي أن السماكين نعله حيبات قوم مناهم غدر الجواد وحمله ودأبهم في البرايا غش اللبيب وختله فما أشد افتئات الإ نسان أن ضل عقله وما أضر افتخار ال مرء الذي ساء فعله ريح سموم وبربك القيوم، ما الذي تظنه يدوم، صوت سمعته في الكروم، وقد مرت عليها ريح سموم، فجفت الأرض وعادت جزرة كثيرة الكلوم، وسقطت الجفان عن فسائلها، وفزعت أوراقها إلى الغيوم، صوت صاروخ من وراء النجوم، ما الذي تظنه يدوم؟ من صروح زاهية فخيمة، من رياض زاهرة كريمة، من بروج شاهقة عظيمة، من معامل حديثة أو قديمة، ما الذي تظنه يدوم. من أسراب منورة تحت الأنهار، من أرتال فيها تدفعها الكهربائية أو يجرها البخار، من بوارج ماخرات في البحار، من أساطيل تنذر بالدمار، من معالم في الأمصار والأقطار، ما الذي تظنه يدوم. من أنفاق تحت الأديم ملؤها عجاجة، تنفثها وتثيرها القطر الولاجة، من قباب بين السحاب وهاجة، من جسور فوق المياه جسيمة، من متاحف في عواصم العالم فخيمة، ما الذي تظنه يدوم. من سدود محكمة منيعة، من خلج كونتها الطبيعة، من ترع تؤلف بين البحار، وتجمع بين بعيد المطارح وشاسع الديار، من خطوط حديدية تطوق الأرض، من أسلاك برقية تطوي المسافة في الطول والعرض، ما الذي تظنه يدوم. من أبنية ذات الطبقات العشرين، من أحياء في المدن الكبرى يأوي إليها المساكين، من معابد وبيع لا أثر فيها للدين، من أصقاع لا صوت فيها للصالحين، ما الذي تظنه يدوم. من قصور مكتنفة برياض خضراء، من صروح الكبراء والأمراء، من بيوت الرؤساء والأغنياء، من أكواخ البؤساء والفقراء، ما الذي تظنه يدوم. من شرائع ودساتير ونظامات، من تقاليد وعوائد وخرافات، من أديان وعقائد وخزعبلات، من دول وممالك وحكومات، من أحزاب وطوائف وجماعات، ما الذي تظنه يدوم. صوت صارخ من وراء الغيوم، صوت ريح سموم، أي شيء يدوم. مهلاً مهلاً أن هذه كلها لصالحة في ذاتها، إن هذه كلها لحسنة في وقتها، لكل شيء من العز والمجد أركان، لكل شيء من أبناء البطر والأشر أعوان، لكل برهة من دهره الوسنان، ساعة أو عام أو حين من الزمان، الطويل من الدهر والقصير سيان، ولكن قل لي بربك القيوم مبدع الشمس والنجوم، أتظنها إلى الأبد تدوم. إلى حين يا أخي إلى حين، إي ورب العالمين إلى حين، وبعد فقل لي هل أنت من الممترين، أم أنت من المفندين السائلين. أما في زمانك تأملت المغاور في الصخور، فاذكر أن الأمطار والرياح تكونها، والأمطار والرياح تهدمها، إن كل صالح مقبول حتى يظهر على ميدان العالم قائم على المظالم البشرية، أو مناضل عن الحقيقة الأخوية، أو باذل مهجته في سبيل الإنسانية، إن كل شيء في مركزه حريز حصين، إلى أن يزلزله رجل حصيف رشيد، أو امرأة صالحة ذات رأي سديد، فيعلو إذ ذاك صوت المطالب بحقوق المستضعفين المستذلين، ويلحق الجبارون بالأخسرين، أبد الآبدين ودهر الداهرين. وبعد أن تلاشت ريح السموم فوق الجبال، تلاها نسيم لطيف الاعتلال، فدخلت معه غابة من الصنوبر كثيفة الظلال وسمعت من خلال الأغصان، صوت المحبة والمعروف والحنان، سمعت صوتاً يقول ورب الأكوان، لا يدوم إلا بالإحسان والعرفان، لا يدوم إلا السجايا الروحية الفريدة، سجايا النفس البشرية الخالدة، لا تدوم إلا آثار النهضات الجليلة، ومآثر الأنفس السامية النبيلة، وما أسخف الجدل الوهمي أمام مشروع جليل، وما أوهن التعاليم الوضعية في وجه خطب جسيم، وما أوهى الأقوال والآراء إذا قوبلت بنظرة من رجل عظيم، أو صادفت نفحة من نفحات حكيم، وعندما يرفع مثل هذا رأسه وصوته ولا فرق عندي رجلاً كان أو امرأة يقف دولاب الأعمال، ولا يبقى شيء على حال، عندئذ يبطل الجدال، وتنكسر شوكة المال، وتحشر الرجال، وتكبر الآمال، يومئذ تنقلب المجتمعات، وترتعد فرائص الطغاة الجفاة، عندئذ تتغير العادات وتهب على الأرض الذاريات السافيات، فيسأل السائل من وراء النجوم أين مالكم ونفوذكم، أين تقاليدكم وعقائدكم، أين شرائعكم ودساتيركم، أين حصونكم وصروحكم، أين مصانعكم ومعاهدكم، أين زخرفكم وسفاسفكم. فقل أن هي الأبرهة من الدهر الوسنان، ساعة أو عام أو قرن من الزمان، قل وبرب الأكوان، لا بقاء لما سوى آثار الجد والعرفان، والمعروف والحب والإحسان، فهي هي الجبال الراسيات، وهي هي الحصون الواقيات، وهي هي الباقيات الصالحات، بلى ورب السماء والنجوم، لن تدوم إلا آثار النفوس الطاهرة ووجه ربك الحي القيوم. ظلم مصر ماذا جنيت وما جناه بنوك أظلمتهم يا مصر أم ظلموك وبسمت للغرب العبوس وأهله ومنحتهم فوق الذي منحوك وعبست في وجه الشآم وإنما قطر الشآم وإن عبست أخوك كم وارث غض الشباب رميته بغرام راقصة وحب هلوك ألبسته الثوبين في حاليهما تيه الغني وذلة المفلوك مصر ومستقبل إفريقية مقتضب من كتاب تحرير مصر لا ينكر أحد أن أتعاب المرسلين المسيحيين في إفريقية قد ذهبت أدراج الرياح وأن أهل إفريقية لا يزالون كلهم وثنيين عباد أصنام. وإنا لا نرى في أواسط إفريقية وشمالها ديناً مستحكماً غير الدين المحمدي. فكأن الإسلام فاز حيث خابت النصرانية لأن في الإسلام ما يجذب الإفريقي مما لا يوجد في النصرانية. وهنا نذكر أوربا وهي التي لم تر نور النصرانية إلا بعد أن اقتبست المدنية اليونانية الرومانية. نقول ذلك ولعل الإفريقي لا يزال عاجزاً عن الأخذ بالمسيحية لأنه لم يستعد لها كل الاستعداد. وبعد فلا يخفى أنه لم تسكن إفريقية أمة أوربية سوى البوير فهي الأمة الوحيدة التي تمكنت من العيش في جو إفريقية وهوائها ولكنها على قدرتها وذكائها لم تفلح في مصادمة الوطنيين ولم تخضع منهم أحداً لدينها ولا لمدنيتها ذاك لأن المدنية الغربية لا تدخل إلا في مكان دخلته المسيحية. ولا حاجة أن نقول هنا بأن شعوب إفريقية لم تتعلم من أوربا شيئاً استفادت به أو ساعدها على التقدم في طريق المدنية على أن البيض لم يشدوا رحلهم إلى إفريقية إلا ليغنموا أو يربحوا فهم إذا نزحوا عن مستعمراتهم تركوها خالية خاوية وغادروا الدار تنعي من بناها. وما ذلك إلا لأن بين الوطني والأجنبي حاجزاً منيعاً لا يمكن جوازه. ولاشك في أن هذا البغض والنفور السائدين بين الوطنيين والأجانب يؤديان أخيراً إلى انقراض سكان إفريقية الأصليين واستئصال شأفتهم لا محالة. وإن الإنسانية في أوربا لترجو أن لا تعيد في إفريقية تمثيل الرواية المحزنة التي مثلتها في أميركا. فإن تاريخ استعمار العالم الجديد يحرج صدر الحليم ويسيل مدامع أجمد الناس عيناً ويلين فؤاد أقسى البشر قلباً. ولقد فشلت أوربا في أميركا فشلها في إفريقية لأنها لم تستطع الوقوف على أخلاق شعب الهنود الحمر وعاداته وديانته وصفاته. أضف إلى ذلك أن الأوربيين لم يحاولوا تغيير دين أهل أميركا الأصليين أو إدخال أقل إصلاح على حالهم. ولا ندري إذا كانوا ينجحون لو حاولوا إدخال النصرانية أم لا. ولكن ما نعلمه هو أنهم لم يحاولوا ذلك بل جاء الرجل الأبيض وأزاح بيده القوية كل ما يتمثل أمامه وتناول سيفه وذبح هنود الشمال والجنوب والشرق والغرب حتى أصبحت قارة أميركا بحراً من الدم الطاهر البريء. فكأن الرجل الأبيض يفرح لرؤية الدم ويطرب لإزهاق النفوس. ولما كان هؤلاء الوطنيون المساكين يخضعون للذل ويستسلمون للأوربيين كانت تصيبهم أمراض أوربا فيموتون كأنهم فروا من الموت إلى الردى. رفع المستعمرون أو الطوارئ الأوربيون علماً كتبوا عليه لا رحمة عندنا ومن يقف في طريقنا فليس له إلا الموت الأحمر وأسفي لقد نجحت أوربا في إبادة ذلك الشعب الهندي الكريم فلا ترى منه الآن إلا أفراداً قلائل يراها الناس كما يرون النوادر والغرائب. وقد شمل الخوف وتمكن الجبن من بعض القبائل المنحطة ففرت إلى جنوب أميركا لاجئة إلى حراجها وغاباتها كما يلجأ الوحش الطريد. وإن قلبنا ليخفق عندما يخطر ببالنا أن ما تم في أميركا يتم في إفريقية سيما ونحن نرى ما نرى بين البيض والسود في تلك القارة من البغض والنفور. وما الداعي إليهما إلا أن المستعمر الأبيض عاجز عن فهم طبيعة الوطني الأسود فيعوقه جهله بطبيعته عن منحه نعمة المسيحية والمدنية. وأي دليل أصدق من قولنا أن نصف سكان جنوبي إفريقية فنوا أو نزحوا عن أرضهم. ويليق بأوربا المتمدنة أن يصبغ الخجل وجهها ألف مرة كلما سمعت الأخبار المعيبة والقصص الشائنة التي ينقلها البريد في كل يوم من أوساط إفريقية. عندما يصل الأوربي إلى تلك البلاد ينسى نفسه ويسقط سقوطاً معيباً. فيحيا الحيوان القذر الساكن في جسمه وتموت عواطف العفة والشرف فيه كلها فلا ينظر إلى الوطنيين إلا نظراً شهوانياً محضاً ولا يعتبرهم إلا وسائل لتنفيذ أغراضه السافلة وإطفاء نار شهوته الحيوانية. إن أمثال تلك الأخبار لا تنقطع عن أوربا أسبوعاً واحداً وكثيراً ما تزيد ذنوب أحد هؤلاء المتمدنين المتوحشين فيسأل عن أمره ويحاكم ولا تحمل الصحف وصف الجرائم التي ارتكبها والذنوب التي اقترفها إلا وترتجف أوربا كلها من ذلك. على أن لدينا في شمال إفريقية مثالاً واضحاً كل الوضوح يدل على عجز الأوربي عن ابتلاع الوطني أو جلبه إلى حظيرة المدنية الأوربية فإن الفرنسيين على ما هم عليه من الصفات التي تفردوا بها دون غيرهم خابوا في الجزائر كما خاب غيرهم في غيرها. وانقضت ثماني عشرة سنة والفرنسيون يجردون الحملات ويعبئون الجنود ويحشدون الجيوش حتى انتصروا على عرب الجزائر وقد مضى عليهم سبعون ستة في البلاد ولا يزال العرب يكرهونهم وينتظرون فرصة تمكنهم من خلع نير فرنسا عن بلادهم. ولطالما حاولت فرنسا بث النصرانية ففشلت فشلاً قبيحاً. فإذا أصر العرب على البقاء على دينهم ورفضوا المدنية المسيحية فإنهم لا محالة يبيدون. وحيث نظرنا في إفريقية فإنا نرى مستقبل أهليها أسود قاتم إذ لا نرى في أوربا لإفريقية أملاً. وليس أمامنا إلا وسيلة واحدة وهي أن تهب قوة إسلامية وتختلط بتلك الشعوب فتستطيع بدينها أن تصل إلى أعماق قلوب الوطنيين وبذلك يمكن منحهم مدنية إن لم تكن أحسن مدنية فإنها بلا ريب يجهزهم إلى ما هو أرقى منها من المدنيات ولا نرى مدنية قادرة على القيام بذلك العمل الجليل إلا مصر بعد تحريرها. عمران سيلان جزيرة سيلان معروفة في هذا القطر كثيراً وهي في جنوب الهند وسكانها نحو ثلاثة ملايين وقد بحث أحد علماء الفرنسيين فيما بلغته من الارتقاء في العهد الأخير فقال: لم يكد يتم فتح الجزيرة حتى أخذ الإنكليز يدخلون إليها نظاماً استعمارياً جزيل الفائدة فمن أهم الإصلاحات السياسية والاجتماعية التي قامت على عهدهم أبطال التعذيب والعقوبات البربرية وإقامة مجالس الشيوخ وإلغاء الرقيق والأعمال الشاقة وإلغاء التمييز بين طبقات المذاهب في الشؤون القضائية وإقامة مجلس تشريعي مؤلف من أعضاء رسميين ونشر حرية المطبوعات وإلغاء احتكار زراعة القرفة وتأسيس صندوق للتوفير والعناية بأعمال من شأنها تسهيل سقيا الأراضي وإقامة الطرق والسكك الحديدية وإنشاء بريد منظم وإدارة برق وإدارات عامة أخرى وتعديل القوانين المتعلقة بزواج الوطنيات وتحسين أحوال البيوت والأسر ونشر صحف باللغتين السنغالية والتالمية. وقد ضوعفت الطرق والجسور وأنشئت السكك الحديدية التي تسهل المواصلات وتعود على السكان برفاهية العيش وتحمل التمدن إلى شعوب داخلية البلاد وتقلل عدد الهالكين بالقحط وتقضي على أوهام طبقات الأمة. قال والسكك الحديدية من الأدوات النافعة في إنجاح الشعوب الشرقية. ولقد تنقل سكك سيلان كل سنة نحو مليون ونصف من المسافرين من أبناء البلاد أي أكثر من العدد التي كانت تستطيع عجلات البقر القديمة أن تنقله في قرن واحد. وكانت طرق المواصلات من قبل مقصورة على بعض قنوات بناها الهولنديين أيام استيلائهم على تلك الجزيرة في العمارات البحرية من الشط الغربي في الجزيرة. ولما حل الإنكليز فيها لم يكن بها طرق معبدة مطروقة في أنحاء الجزيرة كلها أما اليوم فإنها غاصة بخطوط الطرق العجيبة. ومن أعجب ما في العالم السكة الحديدية التي تربط الساحل بجبال الداخلية. وقد ارتقت سيلان منذ سنة ١٨٦٥ ارتقاء كان من نتائجه أن استطاعت القيام بجميع نفقاتها العسكرية بذاتها ولم تعد عبئاً ثقيلاً على مركز إدارة البلاد وهي تؤدي اليوم للحكومة ١٦٠ ألف جنيه مساناة للإنفاق على الحامية. أما انتشار المعارف في سيلان فيفوق انتشاره في سائر أصقاع الهند فقد أقامت الحكومة مدارس وطنية في كل بلد وقرية وعدد التلامذة اليوم واحد من عشرة من الصبيان الذين بلغوا سن الدراسة على أنك تكاد لا تحصي تلميذاً واحداً في كل مائة ولد في الهند. قلت ومن العجيب أن تكون سيلان جزءاً من الهند ويكون نصيبها من تعميم التعليم أكثر من نصيب الهند وحبذا لو صرف الإنكليز والحكومة المصرية العناية بتعميم التعليم في مصر كما هو في سيلان. الذهب والفضة بلغ البحث والاستقراء بأرباب الإحصاءات إن صاروا يقدرون في بلاد الغرب كل دقيق وجليل من أحوال الاجتماع حتى أنك لو سألت بعضهم كم بيضة تأكل المملكة الفلانية في السنة لأجابك على سؤالك ولذلك لا نعجب إذا رأيناهم يحصون ما استخرج من الذهب والفضة. يقولون أنه لما نفد الذهب من أوربا في القرن السادس قام القوم يفتشون في مطاوي الأرض على الأفلاذ وفي معادنها على الركاز وهذا القول مما لا يعتد به كثيراً عند أرباب التحقيق والذي تبين لديهم أن الخمسين سنة الأخيرة كان لها النصيب الأوفر من استخراج هذين الحجرين وخصوصاً السنين الخمس المتأخرة فقد استخرج من سنة ١٩٠٠ إلى سنة ١٩٠٤ زهاء ١٣ مليار فرنك من فضة وذهب سبعة منها ذهب والباقي فضة. وقد زاد استخراج الذهب في الأربع عشرة سنة الأخيرة فبعد أن كان سنة ١٨٧٠ ستمائة مليون ارتقى في السنة الماضية إلى مليار وثمانمائة وثلاثة عشر مليوناً من الفرنكات. أما الفضة فعلى رخص أسعارها لم ينزل المستخرج منها كثيراً فقد كان سنة ١٨٩٠ ، ٦٧١ مليوناً فصار سنة ٩٠٤ ، ٥٢٣ مليوناً هذا مع أن الريال مثلاً قد نزلت قيمته الحقيقية وهو معدن ومازال يساوي أكثر في العرف. وهكذا القول في معدني النيكل والنحاس فإن الناس يثقون بالحكومة بأخذها على علاتها وقلما ينظرون إلى المعدن وحقيقة قيمته. هذا ما كان من أمر المستخرجات أما المضروبات فالخطب في إحصائها أسهل من ذلك فقد ضرب سنة ١٨٩٠ ، ٧٧٣ مليون فرنك ذهباً فبلغ المضروب سنة ٩٠٤ ، ٢٠٩٥٠٠٠٠٠٠ فرنك أي أنه تضاعف وزاد على ما استخرج وذلك كل ما يضرب من النقود على اختلاف معادنها يضرب بعضه من سبائك أذيبت وحلي بطلت. وكما أخذت سبائك ودفعت إلى دور الضرب لتجعل سكة يتعامل بها فقد أخذ من الذهب سنة ١٩٠٣ للاستعمال والزينة ٣٩٥ مليوناً ومن الفضة ٣٤٥ مليون فرنك وكان للولايات المتحدة القسم الأعظم من استعمال هذين المعدنين ثم إنكلترا ثم فرنسا ثم سائر الممالك وسببه الغنى والترف وكلما غنيت أمة زاد ميلها إلى اقتناء الأواني الذهبية والفضية والحلي وضروب الزينة. هذا ما تبين للإحصائيين وهو أصح إحصاء حديث عندهم وهو يعطي فكراً إجمالياً للمطالع لا قضية ثابتة وعدداً محدداً لا يزاد فيه ولا ينقص منه. أصل الآريين بينما كنت أطالع مقالة البشر والشعوب في مقتبس الجزء الثاني وصلت إلى ذكر أصل الآريين صفحة ٧٠ وهو قولكم (معرباً عن الفرنسية) وآريهم من وراء جبال حملايا فخطر في بالي كلام بشأن الآريين ومنشأ لسانهم كنت سمعته في السنة الماضية من الأستاذ فرنكلن جدنغ أستاذ علم الاجتماع في جامعة كولمبيا في مدينة نيويورك وأحد الثقات في هذا العلم. وهو الرأي الأخير في منشأ الآرية على ما قرره علماء الاجتماع وهاأنذا ذاكره لكم. قال الأستاذ المذكور في عرض خطابه عن الآريين: أنه لا يحق للأمم الآرية أن تفتخر على غيرها وتباهي بأصلها وفصلها زاعمة أن أصلها ممتاز على غيره إذ ليس ثم على التحقيق من شعوب آرية يرجعون في أصلهم إلى جنس واحد (على حد ما جاء في المقتبس صفحة ٧١ ) وكل ما هنالك من آرية الذين نعدهم في مصاف الآريين إنما هو اشتراكهم في بعض الأمور العقلية ورجوع لغاتهم إلى أصل واحد. فالآرية مطلقاً ليست جنسية إنما هي نوع من التهذيب اقتبسه هؤلاء الشعوب بعضهم من بعض. ومنشأ هذه الآرية مختلف فيه فقد قال بعضهم أنه في الهند لرجوع اللغات الآرية إلى السنكريت (لغة الهنود القدماء) وقال آخرون أنه في لثوانية (الجنوب الغربي من روسيا) لأن أقدم أصول اللغة الآرية هي أقرب للغة اللثوانية منها للسنسكريت. على أنهم بعد ما بالغوا في التنقيب وغربلوا الدلائل قالوا أن غور الدانيوب هو منشأ التهذيب الآري ومنه تشعب إلى الجهات الأربع فامتد جنوباً إلى بلاد اليونان فآسيا الصغرى ثم غرباً إلى إيطاليا وإسبانيا وغاليا وغيرها وشمالاً إلى جنوبي روسيا وشمالي جبال القوقاس ثم عبر فرع بحر الخزر قزيين إلى أعالي بلاد فارس إلى الهند. وكل من أحكم درس فنون الهنود وآدابهم يرد كثيراً من مبادئها إلى مصادر فارسية. هذا هو الرأي الأخير في منشأ الآرية وله مقدمات ومستندات طويلة لا محل لبسطها الآن وهو أفضل رأي يعلل به نشوء الآرية وكيفية انتشارها على ما قيل والله أعلم. مطبوعات ومخطوطات  تحرير مصر أحسن ما يقال في تقريظ هذا الكتاب الذي عربه عن الإنكليزية الكاتب البارع محمد لطفي أفندي جمعة أحد منشئي الظاهر ما قالته جريدة الطان الفرنسية في وصف مؤلفه من أنه هو المؤلف الذي خلص من أوهام محيطه وجنسه وما الخلاص منهما بالأمر السهل في الغالب. وقد بحث فيه بحث المتجرد عن الغرض في تاريخ مصر وأعمال فرنسا بريطانيا فيها وما تم علي يد رجالهما من أعمال العمران ورأى أن تنجلي بريطانيا عن القطر لأنه أصبح من المماليك الحية. وقد جاء التعريب رشيق الأسلوب فصيح التعابير على نحو ما ينتظر من أديب مجتهد متفانٍ في خدمة أمته. فنثني على الكاتب حريته وعلى الناقل غيرته. ونتمنى أن يكثر أمثال هذا في الكاتبين المجتهدين والمعربين المجيدين. وقيمة الكتاب عشرة قروش أميرية وهي زهيدة في جانب جودة طبعه ووضعه.  آفات المدنية الحاضرة للكاتب المجيد جرجي أفندي نقولا باز من ناشئة بيروت ولع شديد بخدمة الآداب وتحسين ملكات الأخلاق والمجتمعات عرف له ذلك مما وازر به الصحف والمجلات العربية. وقد أتحفنا هذه المرة بكتابه الأخير آفات المدنية الحاضرة تكلم فيه على ما عهد فيه كلام من برئت نفسه من الأغراض ولم يحرص إلا على الدعوة إلى الفضائل ورفع الستار عما موه به وجه هذه المدنية من الشر الباطل والطلاء الزائل فأفصح كل الإفصاح في كلامه على المقامرة والمعاقرة والمخاصرة وعلى غيرها من الرذائل وعساه يزيدنا من البحث في هذا الموضوع المفيد في رسائل خاصة أو في الصحف فإنه ابن بجدته وأبو عذرته.  عين بعين امتاز الأديب البارع نقولا أفندي حداد بأنه يتشبع من الموضوعات التي يجول فيها ولذلك كتبت له الإجادة في اكثر ما كتب من الرسائل والمقالات. وأمامنا الآن روايته الأخيرة عين بعين زبدتها تغلب الخير على الشر ولو في الآخر وفيها عبرة للأشرار وسلوة للأخيار فنحث على اقتنائها.  مجلة جمعية الملاجئ العباسية ومكارم الأخلاق الإسلامية وهي مجلة دينية علمية أدبية تهذيبية صدرت هذا الشهر ب الإسكندرية لسنتها السادسة وقد غيرت شكلها واسمها وعهدت إلى نخبة من العلماء والكتاب بإنشائها فجاءت في مطاويها عدة مقالات منها مقالة مفيدة في الإنسان والحياة دل كاتبها على أنه واقف على روح الإسلام وأن الإسلام وسط لا يأمر بالزهادة المضرة كما هو عند الهنود وغيرهم من الفرق التي دخلت الإسلام ولا بالاسترسال في الشهوات على ما هو مذهب ابيكورس الفيلسوف اليوناني وقال أن المسلمين اليوم استبدلوا الانغماس في الشهوات بزهد تلك الفئات وفيها مقالة في العادات المستهجنة وغير ذلك وقيمة اشتراك المجلة ٣٠ قرشاً أميرياً في القطر و ١٠ فرنكات في الخارج يسقط نصفها لتلامذة المدارس وطلبة العلم ولاشك أن القائمين بأعبائها يستحقون من الله المثوبة والأجر ومن الناس الثناء والشكر.  المصوَّر اسم جريدة أدبية فكاهية إخبارية مصورة يصدرها مرة في الأسبوع الكاتب البارع خليل أفندي زينية وهو صاحب كتاب التربية وممن عانوا صناعة الإنشاء زمناً وذاقوا من الصحافة حلوها ومرها وعرفوا خلها وخمرها وهي على مثال جريدة البتي جرنال الفرنسية بل نسخة من نسخها في أوضاع عربية وأساليب باعثة على المطالعة وقد كان أصدرها مدة منذ أربع سنين ثم عاود إصدارها الآن في الإسكندرية فنرجو لها الإقبال الذي تستحقه وقيمة اشتراكها ٦٥ قرشاً ولمشتركي الأهرام الأغر ٤٠ قرشاً.  الرسائل الفاتحية هي مختارات من رسائل فاتح أفندي الهبراوي الحلبي إلى مراد أفندي الشطي الدمشقي جمعها الأديب محمد جميل أفندي الشطي فجاءت في زهاء أربعين صحيفة. وطريقة الكاتبين في النثر طريقة التسجيع وفي الرسائل شعر كثير. فنثني على الجامع لها ونرجو له الثبات في خطته الأدبية ونستمطر الرحمة على الكاتبين المفننين اللذين قصفت المنية غصني شبابهما وكان يرجى أن يكونا بدرين كاملين. سير العلم حمام الزاجل هو الحمام الذي طالما استعمل في الحروب وإرسال الأخبار آونة الحصار وغيره وقد كان رائجاً أيام لم يكن أسلاك برقية ولا تلغراف بلا سلك أما اليوم فيستعمل في أوربا وأميركا كما يستعمل في الصين واليابان. وكانت حكومات العرب مولعة بتعهده وتربيته وحصلت منه على فوائد في الحروب كثيرة ولاسيما في حروب الأندلس وحروب الصليبيين. وما برح العلماء من الإفرنج يبحثون في سبب اتجاه هذا الحمام نحو الوجهة التي يراد على الاتجاه إليها وقد قدم في هذا الشهر أحد علماء فينا إلى المجمع العلمي النمسوي بحثاً ارتأى فيه أن الحمام يقود بعضه بعضاً لمعرفة الطرق بحدة حاسة النظر واستحضار الذهن وحفظ الأماكن التي طافها من قبل فالنظر والذاكرة هما اللذان ينفعان الحمام في غدوه ورواحه وسينفع هذا الرأي في الحكم على حيوانات أخرى. القيام والقعود اختلفت الآراء في كيفية تعاطي الأعمال ولاسيما الكتابية منها فقال قوم بأن المراوحة في العمل والاستراحة في الأحايين يعوض الجسم ما يخسره من القعود والانكباب على ما يتعاطاه وقال فريق غير ذلك وارتأى بعضهم أن الكتابة والمرء واقف خير من الكتابة وهو جالس وقد قدم أحد علماء فرنسا إلى مجمع علم الحياة الباريسي رأيه الخاص في هذا المعنى فقال: إذا انتصب المرء قائماً يجيد عمله بحضور ذهن ولكن ذلك لا يدوم كثيراً حتى يناله التعب بسرعة أما العمل والمرء جالس فيوفر على المرء الإجهاد والتعب ويود مجموع النتيجة. الأنباء بالزلازل هذا من العلوم التي وضعت حديثاً واسمها بالإفرنجية (سيسموميتري) وقد أدخل عليه في العهد الأخير من الإصلاحات ما يستطاع به بعد الآن الوقوف على الهزات الأرضية. ثبت ذلك بالبرهان في العام الماضي في زلزال الشمال الغربي من الهند وكذلك في مرصد الزلازل الياباني حيث تمكن العلماء هناك من متابعة المجرى الذي انبعث من الهند واجتاز المحيط الباسيفيكي وأميركا وأوربا بعد أن جاز الخافقين من أطراف الكرة في ساعتين وثلاث دقائق وخمس وثلاثين ثانية. اكتشاف أثر اكتشفت أحد علماء الآثار من الطليان في القرنة بالأقصر من صعيد مصر لحد. خ. رئيس المهندسين وزوجه من السلالة العشرين في تابوت مموه بالذهب ومعهما كتاب وآنية نبيذ وطول الناووس ١٤ متراً وطول اللحد ٢٠ وعثر في اللحد على أدوات كتابية في صندوق من موسى ودواة وقدوم ومقطع وغيرها وأثاث بيت من مثل سريرين وفراش وفنارات وصوان فيه حلي وسوط وغير ذلك. المجلات الإفرنجية والعربية  الأبحاث العلمية في مجلة إنكليزية بحث في أن أميركا هي التي ينبغي لها أن تعنى بمسألة تبادل الأبحاث العلمية من دعوة أساتذة الكليات وجميع المجدين في البحث والتجارب العلمية على أنحائها وبذلك تفتح طرقاً جديدة للارتقاء وتخدم الإنسانية أجل خدمة. ولم يقصر الكاتب بحثه على الأمور النظرية بل تعداها إلى العملية فقال: أن ذلك يتأتى بتوحيد الإدارة ولا تأتي نتيجة ذلك في يوم بل يقتضي لها زمن والذي يهم أن لا يرأس كل فرع من الأبحاث رجل مقتدر بل أن يرأسه أقدر رجل شاباً كان أو شيخاً ويمده بأسباب أي بالأدوات وبخزانة كتب.  الحسر في مجلة ألمانية مقال في الحسر أو قصر البصر ذكر فيها كاتبها تأثير الدرس وسني الدراسة في الحسر فقال أن في مدرسة فيها من التلامذة ٧٠٢ يكون معدل الحسر بين الكسالى ٢٧ في المائة وبين المجتهدين ٣١ في المائة وفي أولاد القرى ٢١ في المائة حسر وفي أولاد العملة ٢٦ وفي المتعلمين بعض تعليم ٥١ في المائة وأن الحسر آخذ في الازدياد بين البشر وقد ارتقى في بعض المدارس منذ بضع سنين من ٢٧ إلى ٩١ في المائة بين الصبيان ومن ٣٨ إلى ٩١ في المائة بين البنات و ٥٦ في المائة وبحساب آخر ٥١ في المائة من الحسر يكون آباؤهم حسراً. أما الحسر فليس فيه تأثير كبير وقد ينفع في الكبر ويأتي صاحبه بنتائج حسنة.  اليابان والإنكليز واليهود في مجلة فرنسية مقالة بأن بعض سكان الأمة اليابانية القدماء يشبهون سكان الإنكليز وأن أصل بعض سكان يابان من جزائر ماليزيا جاءوها طوارئ وأن اليابانيين يشبهون في صورهم وسحناتهم الإسرائيليين كما أن الإنكليز من نسل الإسرائيليين أيضاً. وقد قال نخبة من رجال اليابان المنورين بأن اليهود الذين خرجوا من الباب الشرقي من بابل انتهى بهم السير إلى يابان ومثل الكاتب صور اليهود في سيرهم إلى تلك البلاد القاسية فكانت مظلاتهم وعصيهم وراياتهم تشبه ما عند اليابان اليوم منها وإن أبناء إسرائيل ساروا في بلوغهم أرض يابان طريق البحر والبر واستخدموا المركبات وأن في بلاد يابان أثراً عظيماً للوصايا العشر وبعض القوانين الدينية المعروفة عند إسرائيل وأن قصة ملكة سبأ التي أغوت سليمان على ما في التوراة مشهورة جداً بين بعض طوائفهم وأن فيها آثار الحية النحاس التي شاهدها موسى في مصر فإن اتحد اليابان والإنكليز فاتحادهم اتحاد بين إسرائيل ويهوذا.  المسكرات في إحدى المجلات العلمية بحث مستفيض في صحة النفس جاء فيه أن تكوين الأخلاق مهم كالعناية بصحة الجسد وأن المسكرات من أعظم ما يحول دون تربية الإرادة وإنشاء الملكات الحسنة في الأعمال.  فرعون جديد كتب المسيو ماسبرو شيخ علماء الآثار المصرية مقالة تحت هذا العنوان في مجلة مصر والشرق الفرنسية جاء فيها: أن الفراعنة كثيرون كلما سجلت أسماؤهم بالدستات والعشرات ظهر إلى عالم الوجود غيرها وهذا الفرعون الجديد من السلائل الأخيرة التي حكمت مصر أخيراً وهي ممن نقرأ تاريخها فيما كتبه اليونان المعاصرون واسمه يساميتيك بن نايث ظهر في الصعيد بين خرائب صفون وقد قام إزاء منارة هذه القرية بقايا بناء بارز من الأرض وسافان من حجر رملي طولهما نحو متر وطول هذا البناء من الشرق إلى الغرب أربعة أمتار وقد تهدم طرفاه ولكن وجه حجر البناء باق بحاله وهناك صورة ملك يعبد جالساً أمام رب ووراءه الاهة واقفة وقد تهدمت رؤوس هذه الهياكل وما أحاط بها من الخطوط ولم يقرأ منها إلا خط هيروغليفي واحد ذكر فيه أن الملك يساميتيك بن نايث ماناخابراي هو الذي شاد هذا المعبد بحجر أبيض جيد متينيليبقى على الدهر. وحجارة هذا المعبد كانت بحائط مصلى أشبه بالمعابد التي أقامتها كاهنات عمون في ثيبة. ويظن أن هذا الملك من البطالسة المتأخرين وربما رد عهده إلى أربعمائة سنة أو إلى مائتي سنة أو مائة سنة ق. م وكان هو الرابع المدعو بهذا الاسم والذي اغتنم انتقاص الفتى كورش صاحب فارس ليكون مستقلاً بالفرس والظاهر أن يساميتيك اسمه العلم وماناخابراي اسمه الحقيقي ويغلب على الظن أنه من السلالة الحادية والعشرين.  النيل الأزرق المشرق في مقالة اكتشاف اليسوعيين للنيل الأزرق أن القدماء منذ قرون عديدة يبحثون عن منشأ النيل وعن مخرج ينابيعه وانجلى ذلك كل الجلاء باكتشاف أصل النيل المعروف بالأبيض من بحيرتي فكتوريا نيانزا والبار عند خط الاستواء وفي هذا النيل الأبيض يصب قرب الخرطوم النيل الأزرق المدعو ببحر الغزال وكان أصله مجهولاً فوفق إلى اكتشافه أحد الآباء اليسوعيين الأب دايز الذي أرسل إلى الحبشة ليدعو أهلها إلى الكثلكة وكان ذلك في القرن السابع عشر وبعد وفاته بنحو ١٥٠ سنة قدم الحبشة جمس بروس من أعيان الإنكليز وادعى أنه هو الذي اكتشف ينابيع النيل الأزرق الذي دعاه سفر التكوين بنهر جيجون ويدعوه الحبشان اباوي أي النهر الكبير. ومما قاله ذاك اليسوعي أن النيل عند خروجه من بحيرة باد أغزر منه عند انصبابه فيها وهو مع كثرة مياهه يتسع اتساعاً بالغاً حتى أن المشاة في فصل الصيف يمكنهم قطعه وقال أنه أتيح له أن يشاهدها ما تاق إلى كبار الرجال والفاتحين ككورش وكمبيس واسكندر ذي القرنين ويوليوس قيصر.  مالية مصر المقتطف - زادت واردات القطر المصري أكثر من مليون جنيه سنة ١٩٠٥ عن التي قبلها فكانت ٢١ . ٥٦٤ . ٠٧٦ جنيهاً وبلغت قيمة الصادرات ٢٠ . ٣٦٠ . ٢٨٥ وكانت في السنة التي قبلها ٢٠ . ٨١١ . ٠٤٠ فنقصت نحو نصف مليون جنيه. وقدر ديون الأهالي بأربعين مليون جنيه أي أنها زادت كثيراً ولا يخرج من رباها إلى خارج القطر أكثر من مليون ونصف في السنة. وينفق السياح في القطر مساناة نحو مليون جنيه. فنقصت من ثم ثروة مصر في العام الماضي أكثر من ثلاثة ملايين من الجنيهات عما كانت عليه سنة ١٩٠٤ . ورد ما يعترض به بعضهم ويستدلون به على غنى القطر من أن ثمن الفدان كان منذ بضع سنين نحو عشرين جنيهاً وهو يساوي الآن ستين جنيهاً على الأقل أي أن ثمن أطيان القطر المصري كان مائة مليون جنيه فصار الآن ثلاثمائة مليون جنيه فقال أن دخل أطيان القطر كان يطعم ويكسو عشرة ملايين من النفوس من غير أن يستدينوا قرشاً من الخارج فهل يطعم ويكسو الآن ثلاثين مليوناً من النفوس من غير دين؟ وكانت الواردات في العام الماضي في ثمن الحبوب والدقيق والنقص في أثمان القطن ولا يتلافى ذلك إلا بتعميم الري الصيفي وإحياء الأرض الموات حتى يزرع القطن في مليوني فدان على الأقل بدلاً من زرعه في مليون ونصف وأن يعنى بتسميده وخدمته حتى ينبت القطر من عشرة ملايين إلى اثني عشر مليون قنطار. ورأى أن لا يستند القطر إلى زراعته فقط وأن يعنى ولاة الأمر فيه بإيجاد موارد صناعية له حفظاً لثروته.  النوم المقتطف - عرب عن مجلة العلم العام الأميركية مقالة في النوم جاء فيها: أن أفضل ضجعة للنوم أقلها مساساً بعمل الأعضاء الرئيسية كالقلب والرئتين والكبد والمعدة والشرايين الكبيرة وهي ما مال الجسم فيها على البطن قليلاً كما تفعل ذوات الأربع. وليكن الرأس على مساواة القدمين في الارتفاع ما أمكن والذراعان والساقان بحيث لا تضغط الأعصاب والأوعية الدموية. أما النوم على الظهر فلا يستصوب لكي لا يقع الضغط مدة طويلة على الأنسجة المجاورة للعمود الفقري التي تستمد أعصابها منه فيوقع الخلل والاضطراب في الأعصاب التي تحرك الأوعية الدموية. ثم أن البطن يضغط الأوعية الدموية الكبيرة فيختل سير الدم فيه أيضاً. وعليه فلا يجوز الاستلقاء على الظهر مدة قصيرة. ويجب أن تكون حرارة الأطراف مثل حرارة سائر الجسم عند النوم لأنه إذا كانت القدمان باردتين تأخر النوم وكان خفيفاً. ومن الجهل أن تملأ المعدة طعاماً قبل النوم فإن ذلك يقلق النائم ويؤرقه مثل الجوع ولكن أكل شيء قليل قبيل النوم ليس مضراً بل مفيد على الغالب. وأفضل النوم ما كان ليلاً وما كان منتظماً ومتواصلاً غير متقطع على أن من الناس من ينام نوماً متقطعاً غير منتظم سواء في الليل أو في النهار ولا يناله أذى من ذلك كالمرضعات والممرضات والبحارة وكذلك من يشتغلون أشغالاً عقلية تقتضي حصر انتباههم في موضوع واحد كالأطباء والمحامين وغيرهم. واتفق الناس على أن النوم الباكر والنهوض الباكر من دعائم الصحة وأن الجسم أحوج إلى النوم شتاءً منه إليه صيفاً ولكن الاختلاف كثير على فتح النوافذ أو إغلاقها مدة النوم في المدن الكبيرة ولقرى الحقيرة وبين الأغنياء والفقراء على السواء على أن مما لا ريب فيه أن النوم والشبابيك مفتوحة بحيث لا يتعرض النائم لمجرى الهواء أفضل للصحة واحفظ وإذا زادت حموضة المعدة قبل النوم أو تأرق النائم فعليه باستعمال قليل من كربونات الصودا أو مسحوق فحم الحطب.  إطالة القامة طبيب العائلة - الألعاب الرياضية كلعب الكرة والتمرين العضلي على أشكاله مفيدة ونافعة جداً ومن نشأ على تلك الألعاب لابد أن يكون أطول قامة متى صار رجلاً. ذكر الأستاذ مكلرن أن الرياضة ليست نافعة لإطالة القامة فقط بل مفيدة جداً في تناسب الأعضاء ولولاها لزال الجمال والرونق. ويزداد النمو بازدياد الصحة ويقل بسبب المرض والسكنى في الأرياف أصح منها في المدن وعلى جودة الصحة يتوقف النمو وطول القامة والشغل المعتدل يزيد القامة والعمل الشاق يقلل نموها والنمو في الصيف يكون على أتمه.  كيف نأكل طبيب العائلة - بحث في تفضيل البقول وغيرها من الأطعمة على اللحوم والفول والفاصوليا والعدس والحمص وفيها من الآزوت والكربون ما يفوق كثيراً الكمية الموجودة في أحسن أصناف اللحوم ولا ينبغي أن تغلى الخضر الطرية بالماء الكثير لئلا تفقد ما فيها من الأملاح والمواد الآزوتية ويسلق البيض سلقاً خفيفاً وصفار البيض والنخاع والمحار تحتوي عناصر فسفاتية تفيد كثيراً في أحوال التعب الدماغي أو التعب العصبي والسلق والهليون يفيدان المصابين بفقر الدم والأنيميا والتدبير الغذائي النباتي يمتاز على التدبير الغذائي الحيواني بكمية الآزوت اللازمة لقوام الأنسجة وبالكربون الذي يحفظ الحرارة الحيوانية وهو يوافق جميع الأمزجة ويلطف الأخلاق. نصيحة حكيم كتب إلينا شيخ من شيوخ العلم وحكماء الإسلام بالنصائح الثلاث الآتية:</passage>
<license>Distributed under a Creative Commons Attribution-ShareAlike 4.0 International (CC BY-SA 4.0) license</license>
<source>https://github.com/tillgrallert/digital-muqtabas/blob/master/xml/oclc_4770057679-i_4.TEIP5.xml retrieved via Canonical Text Service http://cts.informatik.uni-leipzig.de/muqtabas/cts/ with CTS URN urn:cts:muqtabas:oclc.4770057679_i.4.TEIP5:</source>
</reply>
</GetPassage>
